الجزء 1 · صفحة 2
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْكَمَ بِكِتَابِهِ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ الْغَرَّاءِ، وَرَفَعَ بِخِطَابِهِ فُرُوعَ الْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ الْبَيْضَاءِ، حَتَّى أَضْحَتْ كَلِمَتُهُ الْبَاقِيَةُ رَاسِخَةَ الْأَسَاسِ شَامِخَةَ الْبِنَاءِ. كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، أَوْقَدَ مِنْ مِشْكَاةِ السُّنَّةِ لِاقْتِبَاسِ أَنْوَارِهَا سِرَاجًا وَهَّاجًا، وَأَوْضَحَ لِإِجْمَاعِ الْآرَاءِ عَلَى اقْتِفَاءِ آثَارِهَا قِيَاسًا وَمِنْهَاجًا، حَتَّى صَادَفْت بِحَارَ الْعِلْمِ وَالْهُدَى تَتَلَاطَمُ أَمْوَاجًا. وَرَأَيْت النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، وَالصَّلَاةُ عَلَى مَنْ أَرْسَلَهُ لِسَاطِعِ الْحُجَّةِ مِعْوَانًا وَظَهِيرًا، وَجَعَلَهُ لِوَاضِحِ الْمَحَجَّةِ سُلْطَانًا وَنَصِيرًا، مُحَمَّدٍ الْمَبْعُوثِ هُدًى لِلْأَنَامِ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًّا إلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، ثُمَّ عَلَى مَنْ الْتَزَمَ بِمُقْتَضَى إشَارَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى طَرِيقِ الْعِرْفَانِ، وَاعْتَصَمَ فِيهَا بِمَا تَوَاتَرَ مِنْ نُصُوصِهِ الظَّاهِرَةِ الْبَيَانَ، وَاغْتَنَمَ فِي شَرِيفِ سَاحَتِهِ كَرَامَةَ الِاسْتِصْحَابِ وَالِاسْتِحْسَانِ، مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ.
وَبَعْدُ فَإِنَّ عِلْمَ الْأُصُولِ الْجَامِعَ بَيْنَ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ، النَّافِعَ فِي الْوُصُولِ إلَى مَدَارِك الْمَحْصُولِ أَجَلُّ مَا يَتَنَسَّمُ فِي إحْكَامِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ قَبُولَ الْقَبُولِ، وَأَعَزُّ مَا يُتَّخَذُ لِإِعْلَاءِ أَعْلَامِ الْحَقِّ عَقُولُ الْعُقُولِ، وَإِنَّ كِتَابَ التَّنْقِيحِ - مَعَ شَرْحِهِ الْمُسَمَّى بِالتَّوْضِيحِ لِلْإِمَامِ الْمُحَقِّقِ وَالنِّحْرِيرِ الْمُدَقِّقِ عَلَمِ الْهِدَايَةِ وَعَالِمِ الدِّرَايَةِ مُعَدِّلِ مِيزَانِ الْمَعْقُولِ، وَالْمَنْقُولِ، وَمُنَقِّحِ أَغْصَانِ الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَالْإِسْلَامِ، أَعْلَى اللَّهُ دَرَجَتَهُ فِي دَارِ السَّلَامِ - كِتَابٌ شَامِلٌ لِخُلَاصَةِ كُلِّ مَبْسُوطٍ وَافٍ، وَنِصَابٌ كَامِلٌ مِنْ خِزَانَةِ كُلِّ مُنْتَخَبٍ كَافٍ، وَبَحْرٌ مُحِيطٌ بِمُسْتَصْفَى كُلِّ مَدِيدٍ وَبَسِيطٍ، وَكَنْزٌ مُغْنٍ عَمَّا سِوَاهُ مِنْ كُلِّ وَجِيزٍ وَوَسِيطٍ، فِيهِ كِفَايَةٌ لِتَقْدِيمِ مِيزَانِ الْأُصُولِ وَتَهْذِيبِ أَغْصَانِهَا، وَهُوَ نِهَايَةٌ فِي تَحْصِيلِ مَبَانِي الْفُرُوعِ وَتَعْدِيل أَرْكَانِهَا، نَعَمْ قَدْ سَلَكَ مِنْهَاجًا بَدِيعًا فِي كَشْفِ أَسْرَارِ التَّحْقِيقِ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْأَمَدِ الْأَقْصَى مِنْ رَفْعِ مَنَارِ التَّدْقِيقِ، مَعَ شَرِيفِ زِيَادَاتٍ مَا مَسَّتْهَا أَيْدِي الْأَفْكَارِ، وَلَطِيفِ مَا فَتَقَ بِهَا رَتْقَ آذَانِهِمْ أُولُو الْأَبْصَارِ، وَلِهَذَا طَارَ كَالْأَمْطَارِ فِي الْأَقْطَارِ، وَصَارَ كَالْأَمْثَالِ فِي الْأَمْصَارِ، وَنَالَ فِي الْآفَاقِ حَظًّا مِنْ الِاشْتِهَارِ، وَلَا اشْتِهَارَ الشَّمْسِ فِي نِصْفِ النَّهَارِ.
وَقَدْ صَادَفْت مُجْتَازِي مَا وَرَاءَ النَّهْرِ لِكَثِيرٍ مِنْ فُضَلَاءِ الدَّهْرِ أَفْئِدَةً تَهْوَى إلَيْهِ وَأَكْبَادًا هَائِمَةً عَلَيْهِ، وَعُقُولًا جَاثِيَةً بَيْنَ يَدَيْهِ، وَرَغَبَاتٍ مُسْتَوْقِفَةَ الْمَطَايَا لَدَيْهِ، مُعْتَصِمِينَ فِي كَشْفِ أَسْتَارِهِ بِالْحَوَاشِي وَالْأَطْرَافِ، قَانِعِينَ فِي بِحَارِ أَسْرَارِهِ عَلَى اللَّآلِئِ بِالْأَصْدَافِ لَا تَحُلُّ أَنَامِلُ الْأَنْظَارِ عُقَدَ مُعْضِلَاتِهِ
الجزء 1 · صفحة 3
[مُقَدِّمَة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَامِدًا لِلَّهِ تَعَالَى أَوَّلًا وَثَانِيًا وَلِعَنَانِ الثَّنَاءِ إلَيْهِ ثَانِيًا وَعَلَى أَفْضَلِ رُسُلِهِ وَآلِهِ مُصَلِّيًا وَفِي حَلْبَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلَا يَفْتَحُ بَنَانُ الْبَيَانِ أَبْوَابَ مُغْلَقَاتِهِ فَلَطَائِفُهُ بَعْدُ تَحْتَ حُجُبِ الْأَلْفَاظِ مَسْتُورَةٌ وَخَرَائِدُهُ فِي خِيَامِ الْأَسْتَارِ مَقْصُورَةٌ تَرَى حَوَالَيْهَا هِمَمًا مُسْتَشْرِفَةَ الْأَعْنَاقِ، وَدُونَ الْوُصُولِ إلَيْهَا أَعْيُنًا سَاهِرَةَ الْأَحْدَاقِ، فَأَمَرْت بِلِسَانِ الْإِلْهَامِ، لَا كَوَهْمٍ مِنْ الْأَوْهَامِ، أَنْ أَخُوضَ فِي لُجَجِ فَوَائِدِهِ وَأَغُوصَ عَلَى غُرَرِ فَرَائِدِهِ، وَأَنْشُرَ مَطْوِيَّاتِ رُمُوزِهِ، وَأُظْهِرَ مَخْفِيَّاتِ كُنُوزِهِ، وَأُسَهِّلَ مَسَالِكَ شِعَابِهِ، وَأُذَلِّلَ شَوَارِدَ صِعَابِهِ، بِحَيْثُ يَصِيرُ الْمَتْنُ مَشْرُوحًا، وَيَزِيدُ الشَّرْحُ بَيَانًا وَوُضُوحًا، فَطَفِقْت أَقْتَحِمُ مَوَارِدَ الشَّهْرِ فِي ظُلَمِ الدَّيَاجِرِ، وَأَحْتَمِلُ مُكَابَدَ الْفِكْرِ فِي ظَمَإِ الْهَوَاجِرِ، رَاكِبًا كُلَّ صَعْبٍ وَذَلُولٍ، لِاقْتِنَاصِ شَوَارِدِ الْأُصُولِ، وَنَازِفًا غِلَالَةَ الْجِدِّ فِي الْأُصُولِ إلَى مَقَاصِدِ الْأَبْوَابِ وَالْفُصُولِ، حَتَّى اسْتَوْلَيْت عَلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى مِنْ أَسْرَارِ الْكِتَابِ، وَأَمَطْت عَنْ وُجُوهِ خَرَائِدِ قِنَاعِ الِارْتِيَابِ، ثُمَّ جَمَعْت هَذَا الشَّرْحَ الْمَرْسُومَ بِالتَّلْوِيحِ إلَى كَشْفِ حَقَائِقِ التَّنْقِيحِ.
مُشْتَمِلًا عَلَى تَقْرِيرِ قَوَاعِدِ الْفَنِّ وَتَحْرِيرِ مَعَاقِدِهِ، وَتَفْسِيرِ مَقَاصِدِ الْكِتَابِ وَتَكْثِيرِ فَوَائِدِهِ، مَعَ تَنْقِيحٍ لِمَا آثَرَ فِيهِ الْمُصَنِّفُ بَسْطَ الْكَلَامِ، وَتَوْضِيحٍ لِمَا اقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى ضَبْطِ الْمَرَامِ، فِي ضِمْنِ تَقْرِيرَاتِ تَنْفَتِحُ لِوُرُودِهَا أَصْدَافُ الْآذَانِ، وَتَحْقِيقَاتٍ تَهْتَزُّ لِإِدْرَاكِهَا أَعْطَافُ الْأَذْهَانِ، وَتَوْجِيهَاتٍ يَنْشَطُ لِاسْتِمَاعِهَا الْكَسْلَانُ، وَتَقْسِيمَاتٍ يَطْرَبُ عِنْدَ سَمَاعِهَا الثَّكْلَانُ، مُعَوِّلًا فِي مُتُونِ الرِّوَايَةِ عَلَى مَا اُشْتُهِرَ مِنْ الْكُتُبِ الشَّرِيفَةِ، وَمُعَرِّجًا فِي عُيُونِ الدِّرَايَةِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنْ النُّكَتِ اللَّطِيفَةِ، وَسَيَحْمَدُ الْغَائِصُ فِي بِحَارِ التَّحْقِيقِ الْفَائِضِ عَلَيْهِ أَنْوَارُ التَّوْفِيقِ، مَا أَوْدَعْت هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي لَا يَسْتَكْشِفُ الْقِنَاعَ عَنْ حَقَائِقِهِ إلَّا الْمَاهِرُ مِنْ عُلَمَاءِ الْفَرِيقَيْنِ، وَلَا يَسْتَهِلُّ لِلِاطِّلَاعِ عَلَى دَقَائِقِهِ إلَّا الْبَارِعُ فِي أُصُولِ الْمَذْهَبَيْنِ، مَعَ بِضَاعَةٍ فِي صِنَاعَةِ التَّوْجِيهِ وَالتَّعْدِيلِ، وَإِحَاطَةٍ بِقَوَانِينِ، الِاكْتِسَابِ وَالتَّحْصِيلِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَلِيُّ الْإِعَانَةِ وَالتَّأْيِيدِ، وَالْمَلِيُّ بِإِفَاضَةِ الْإِصَابَةِ وَالتَّسْدِيدِ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
(قَوْلُهُ حَامِدًا) حَالٌ مِنْ الْمُسْتَكِنِ فِي مُتَعَلَّقِ الْبَاءِ أَيْ بِسْمِ اللَّهِ أَبْتَدِئُ الْكِتَابَ حَامِدًا آثَرَ طَرِيقَةَ الْحَالِ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ عِنْدَهُمْ مِنْ الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ نَحْوُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَأَحْمَدُ اللَّهَ تَسْوِيَةً بَيْنَ الْحَمْدِ وَالتَّسْمِيَةِ وَرِعَايَةً لِلتَّنَاسُبِ بَيْنَهُمَا فَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَأْ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَأْ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْزَمُ» فَحَاوَلَ أَنْ يَجْعَلَ الْحَمْدَ قَيْدًا لِلِابْتِدَاءِ حَالًا عَنْهُ كَمَا وَقَعَتْ التَّسْمِيَةُ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ
الجزء 1 · صفحة 4
الصَّلَوَاتِ مُجَلِّيًا وَمُصَلِّيًا.
وَبَعْدُ: فَإِنَّ الْعَبْدَ الْمُتَوَسِّلَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَقْوَى الذَّرِيعَةِ عُبَيْدَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَدَّمَ التَّسْمِيَةَ؛ لِأَنَّ النَّصَّيْنِ مُتَعَارِضَانِ ظَاهِرًا، إذْ الِابْتِدَاءُ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ يُفَوِّتُ الِابْتِدَاءَ بِالْآخَرِ وَقَدْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بِأَنْ يُقَدَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَيَقَعُ الِابْتِدَاءُ بِهِ حَقِيقَةً وَبِالْآخَرِ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَا سِوَاهُ فَعَمِلَ بِالْكِتَابِ الْوَارِدِ بِتَقْدِيمِ التَّسْمِيَةِ وَالْإِجْمَاعِ الْمُنْعَقِدِ عَلَيْهِ وَتَرَكَ الْعَاطِفَ لِئَلَّا يُشْعِرَ بِالتَّبَعِيَّةِ فَيُخِلُّ بِالتَّسْوِيَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَامِدًا حَالًا مِنْ فَاعِلِ يَقُولُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَبَعْدُ فَإِنَّ الْعَبْدَ عَلَى مَا فِي النُّسْخَةِ الْمُقَرَّرَةِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ صَارِفٌ عَنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا عَلَى النُّسْخَةِ الْقَدِيمَةِ الْخَالِيَةِ عَنْ هَذَا الصَّارِفِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حَالٌ عَنْهُ.
وَأَمَّا تَفْصِيلُ الْحَمْدِ بِقَوْلِهِ أَوَّلًا وَثَانِيًا فَيَحْتَمِلُ وُجُوهًا: الْأَوَّلُ أَنَّ الْحَمْدَ يَكُونُ عَلَى النِّعْمَةِ وَغَيْرِهَا فَاَللَّهُ تَعَالَى يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ أَوَّلًا بِكَمَالِ ذَاتِهِ وَعَظَمَةِ صِفَاتِهِ وَثَانِيًا بِجَمِيلِ نَعْمَائِهِ وَجَزِيلِ آلَائِهِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا التَّوْفِيقُ لِتَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ الثَّانِي أَنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كَثْرَتِهَا تَرْجِعُ إلَى إيجَادٍ وَإِبْقَاءٍ أَوَّلًا وَإِيجَادٍ وَإِبْقَاءٍ ثَانِيًا فَيَحْمَدَهُ عَلَى الْقِسْمَيْنِ تَأَسِّيًا بِالسُّوَرِ الْمُفْتَتَحَةِ بِالتَّحْمِيدِ حَيْثُ أُشِيرَ فِي الْفَاتِحَةِ إلَى الْجَمِيعِ وَفِي الْأَنْعَامِ إلَى الْإِيجَادِ وَفِي الْكَهْفِ إلَى الْإِبْقَاءِ أَوَّلًا وَفِي السَّبَأِ إلَى الْإِيجَادِ وَفِي الْمَلَائِكَةِ إلَى الْإِبْقَاءِ.
ثَانِيًا الثَّالِثُ الْمُلَاحَظَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ} [القصص: 70] عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ فِي الدُّنْيَا عَلَى مَا يُعْرَفُ بِالْحُجَّةِ مِنْ كَمَالِهِ وَيَصِلُ إلَى الْعِبَادِ مِنْ نَوَالِهِ وَفِي الْآخِرَةِ عَلَى مَا يُشَاهَدُ مِنْ كِبْرِيَائِهِ وَيُعَايَنُ مِنْ نَعْمَائِهِ الَّتِي لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 10] فَإِنْ قُلْت فَقَدْ وَقَعَ التَّعَرُّضُ لِلْحَمْدِ عَلَى الْكِبْرِيَاءِ وَالْآلَاءِ فِي دَارَيْ الْفَنَاءِ وَالْبَقَاءِ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَلِعَنَانِ الثَّنَاءِ ثَانِيًا أَيْ: صَارِفًا عَطْفًا عَلَى " حَامِدًا " قُلْتُ: مَعْنَاهُ قَصْدُ تَعْظِيمِهِ وَنِيَّةُ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ فِي كُلِّ مَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَصَرْفُ الْأَمْوَالِ إشَارَةٌ إلَى أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعَالَى تَسْتَوْجِبُ الشُّكْرَ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ وَالْحَمْدُ لَا يَكُونُ إلَّا بِاللِّسَانِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَخْذَ فِي الْعُلُومِ الْإِسْلَامِيَّةِ يَنْبَغِي أَنْ يَعْرِضَ عَنْ جَانِبِ الْخَلْقِ وَيَصْرِفَ أَعِنَّةَ الثَّنَاءِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ إلَى جَنَابِ الْحَقِّ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ عَالِمًا بِأَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلثَّنَاءِ وَحْدَهُ، فَإِنْ قُلْتَ: مِنْ شَرْطِ الْحَالِ الْمُقَارَنَةُ لِلْعَامِلِ وَالْأَحْوَالُ الْمَذْكُورَةُ أَعْنِي حَامِدًا وَغَيْرَهُ لَا تُقَارِنُ الِابْتِدَاءَ بِالتَّسْمِيَةِ قُلْتُ: لَيْسَ الْبَاءُ صِلَةً لِ " أَبْتَدِئُ " بَلْ الظَّرْفُ حَالٌ وَالْمَعْنَى مُتَبَرِّكًا بِسْمِ اللَّهِ أَبْتَدِئُ الْكِتَابَ، وَالِابْتِدَاءُ أَمْرٌ عُرْفِيٌّ يُعْتَبَرُ مُمْتَدًّا مِنْ حِينِ الْأَخْذِ فِي التَّصْنِيفِ إلَى الشَّرْعِ فِي الْبَحْثِ وَيُقَارِنُهُ التَّبَرُّكُ بِالتَّسْمِيَةِ وَالْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ، فَإِنْ قُلْتَ: فَعَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ يَكُونُ حَامِدًا ثَانِيًا بِمَعْنَى نَاوِيًا لِلْحَمْدِ وَعَازِمًا عَلَيْهِ لِيَكُونَ مُقَارِنًا لِلْعَامِلِ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ قُلْتُ: يُجْعَلُ مِنْ قَبِيلِ الْمَحْذُوفِ أَيْ وَحَامِدًا ثَانِيًا بِمَعْنَى عَازِمًا عَلَيْهِ
الجزء 1 · صفحة 5
اللَّهِ بْنَ مَسْعُودِ بْنِ تَاجِ الشَّرِيعَةِ سَعِدَ جَدُّهُ وَأُنْجِحَ جَدُّهُ يَقُولُ لَمَّا وَفَّقَنِي اللَّهُ بِتَأْلِيفِ تَنْقِيحِ الْأُصُولِ أَرَدْت أَنْ أَشْرَحَ مُشْكِلَاتِهِ وَأَفْتَحَ مُغْلَقَاتِهِ مُعْرِضًا عَنْ شَرْحِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي مَنْ يَحِلُّهَا بِغَيْرِ إطْنَابٍ لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ وَاعْلَمْ أَنِّي لَمَّا سَوَّدْت كِتَابَ التَّنْقِيحِ، وَسَارَعَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ إلَى انْتِسَاخِهِ وَمُبَاحَثَتِهِ وَانْتَشَرَ النَّسْخُ فِي بَعْضِ الْأَطْرَافِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَعَ فِيهِ قَلِيلٌ مِنْ التَّغْيِيرَاتِ وَشَيْءٌ مِنْ الْمَحْوِ وَالْإِثْبَاتِ فَكَتَبْت فِي هَذَا الشَّرْحِ عِبَارَةَ الْمَتْنِ عَلَى النَّمَطِ الَّذِي تَقَرَّرَ عِنْدِي لِتَغْيِيرِ النُّسَخِ الْمَكْتُوبَةِ قَبْلَ التَّغْيِيرَاتِ إلَى هَذَا النَّمَطِ، ثُمَّ لَمَّا تَيَسَّرَ إتْمَامُهُ وَفُضَّ بِالِاخْتِتَامِ خِتَامُهُ مُشْتَمِلًا عَلَى تَعْرِيفَاتٍ وَحُجَجٍ مُؤَسَّسَةٍ عَلَى قَوَاعِدِ الْمَعْقُولِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQفَلَا يَلْزَمُ الْجَمْعُ.
قَوْلُهُ (وَعَلَى أَفْضَلِ رُسُلِهِ مُصَلِّيًا) لَمَّا كَانَ أَجَلُّ النِّعَمِ الْوَاصِلَةِ إلَى الْعَبْدِ هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ، وَبِهِ التَّوَصُّلُ إلَى النِّعَمِ الدَّائِمَةِ فِي دَارِ السَّلَامِ، وَذَلِكَ بِتَوَسُّطِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - صَارَ الدُّعَاءُ لَهُ تِلْوَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَأَرْدَفَ الْحَمْدَ بِالصَّلَاةِ، وَفِي تَرْكِ التَّصْرِيحِ بِاسْمِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى مَا فِي النُّسْخَةِ الْمُقَرَّرَةِ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِ وَتَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ كَوْنَهُ أَفْضَلَ الرُّسُلِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمْرٌ جَلِيٌّ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ. وَالْحَلْبَةُ بِالسُّكُونِ خَيْلٌ تُجْمَعُ لِلسِّبَاقِ مِنْ كُلِّ أَوْبٍ اُسْتُعِيرَتْ لِلْمِضْمَارِ. وَالْمُجَلِّي هُوَ السَّابِقُ مِنْ أَفْرَاسِ السِّبَاقِ وَالْمُصَلِّي هُوَ الَّذِي يَتْلُوهُ؛ لِأَنَّ رَأْسَهُ عِنْدَ صَلَوَيْهِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ تَكْثِيرُ الصَّلَاةِ وَتَكْرِيرُهَا أَوْ أَشَارَ بِالْمُجَلِّي إلَى الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَبِالْمُصَلِّي إلَى الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ ضِمْنًا وَتَبَعًا، ثُمَّ لَا يَخْفَى حُسْنُ مَا فِي قَرَائِنِ الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ مِنْ التَّجْنِيسِ وَمَا فِي الْقَرِينَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الِاسْتِعَارَةِ بِالْكِنَايَةِ وَالتَّخْيِيلِ وَالتَّرْشِيحِ وَمَا فِي الرَّابِعَةِ مِنْ التَّمْثِيلِ، وَإِنَّ تَقْدِيمَ الْمَعْمُولَاتِ فِي الْقَرَائِنِ الثَّلَاثِ الْأَخِيرَةِ لِرِعَايَةِ السَّجْعِ وَالِاهْتِمَامِ، إذْ الْحَصْرُ لَا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ، وَإِنَّ انْتِصَابَ أَوَّلًا وَثَانِيًا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ. وَأَمَّا التَّنْوِينُ فِي أَوَّلًا مَعَ أَنَّهُ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ بِدَلِيلِ الْأُولَى وَالْأَوَائِلِ كَالْفَضْلِ وَالْأَفَاضِلِ فَلِأَنَّهُ هَاهُنَا ظَرْفٌ بِمَعْنَى قَبْلُ، وَهُوَ حِينَئِذٍ مُنْصَرِفٌ لَا وَصْفِيَّةَ لَهُ أَصْلًا، وَهَذَا مَعْنَى مَا قَالَ فِي الصِّحَاحِ إذَا جَعَلْته صِفَةً لَمْ تَصْرِفْهُ تَقُولُ لَقِيتُهُ عَامًا أَوَّلَ وَإِذَا لَمْ تَجْعَلْهُ صِفَةً صَرَفْته تَقُولُ لَقِيتُهُ عَامًا أَوَّلًا وَمَعْنَاهُ فِي الْأَوَّلِ أَوَّلُ مِنْ هَذَا الْعَامِ، وَفِي الثَّانِي قَبْلَ هَذَا الْعَامِ.
قَوْلُهُ (سَعِدَ جَدُّهُ) فِيهِ إيهَامٌ، إذْ الْجَدُّ الْبَخْتُ وَأَبُ الْأَبِ.
قَوْلُهُ (وَفَّقَنِي اللَّهُ) التَّوْفِيقُ جَعْلُ الْأَسْبَابِ مُتَوَافِقَةً وَيُعَدَّى بِاللَّامِ وَتَعْدِيَتُهُ بِالْبَاءِ تَسَامُحٌ أَوْ تَضْمِينٌ لِمَعْنَى التَّشْرِيفِ وَالْمُصَنِّفُ كَثِيرًا مَا يَتَسَامَحُ فِي صَلَاةِ الْأَفْعَالِ مَيْلًا مِنْهُ إلَى جَانِبِ الْمَعْنَى.
قَوْلُهُ (وَفَضُّ) مِنْ فَضَضْت خَتْمَ الْكِتَابِ فَتَحْته وَالْفَضُّ الْكَسْرُ بِالتَّفْرِيقِ وَاخْتَتَمْت الْكِتَابَ بَلَغْتُ آخِرَهُ وَالْخِتَامُ الطِّينُ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ جَعَلَ الْكِتَابَ قَبْلَ التَّمَامِ لِاحْتِجَابِهِ عَنْ نَظَرِ الْأَنَامِ بِمَنْزِلَةِ الشَّيْءِ الْمَخْتُومِ الَّذِي لَا يُطَّلَعُ عَلَى مَخْزُونَاتِهِ وَلَا يُحَاطُ بِمُسْتَوْدَعَاتِهِ، ثُمَّ جَعَلَ عَرْضَهُ عَلَى الطَّالِبِينَ بَعْدَ الِاخْتِتَامِ وَعَدَمَ مَنْعِهِمْ عَنْ مُطَالَعَتِهِ بَعْدَ التَّمَامِ بِمَنْزِلَةِ فَضِّ الْخِتَامِ.
قَوْلُهُ (مُؤَسَّسَةً عَلَى قَوَاعِدِ الْمَعْقُولِ) أَيْ مَبْنِيَّةً عَلَى
الجزء 1 · صفحة 6
وَتَفْرِيعَاتٍ مُرَصَّصَةٍ بَعْدَ ضَبْطِ الْأُصُولِ وَتَرْتِيبٍ أَنِيقً لَمْ يَسْبِقْنِي عَلَى مِثْلِهِ أَحَدٌ مَعَ تَدْقِيقَاتٍ غَامِضَةٍ لَمْ يَبْلُغْ فُرْسَانُ هَذَا الْعِلْمِ إلَى هَذَا الْأَمَدِ سَمَّيْت هَذَا الْكِتَابَ بِالتَّوْضِيحِ فِي حَلِّ غَوَامِضِ التَّنْقِيحِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى مَسْئُولٌ أَنْ يَعْصِمَ عَنْ الْخَطَأِ وَالْخَلَلِ كَلَامَنَا وَعَنْ السَّهْوِ وَالزَّلَلِ أَقْلَامَنَا وَأَقْدَامَنَا.
{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10] افْتَتَحَ بِالضَّمِيرِ قَبْلَ الذِّكْرِ لِيَدُلَّ عَلَى حُضُورِهِ فِي الذِّهْنِ، فَإِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى كَيْفَ لَا يَكُونُ فِي الذِّهْنِ سِيَّمَا عِنْدَ افْتِتَاحِ الْكَلَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} [الإسراء: 105] وَقَوْلُهُ {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} [الواقعة: 77] وَقَوْلُهُ الطَّيِّبُ صِفَةُ الْكَلِمِ. وَالْكَلِمُ إنْ كَانَ جَمْعًا وَكُلُّ جَمْعٍ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاحِدَةٍ بِالتَّاءِ يَجُوزُ فِي وَصْفِهِ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ نَحْوُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ وَنَحْوُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْوُجُوهِ وَالشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ فِي عِلْمِ الْمِيزَانِ لَا كَمَا هُوَ دَأْبُ قُدَمَاءِ الْمَشَايِخِ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ.
قَوْلُهُ (وَتَرْتِيبٍ أَنِيقً) أَيْ: حَسَنٍ مُعْجِبٍ يُرِيدُ بِهِ بَعْضَ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ مِنْ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِي الْمَبَاحِثِ وَالْأَبْوَابِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَحْسَنِ الْأَلْيَقِ لَمْ يَسْبِقْنِي وَالصَّوَابُ لَمْ يَسْبِقْنِي إلَى مِثْلِهِ سَبَقْت الْعَالَمِينَ إلَى الْمَعَالِي.
1 -
قَوْلُهُ (لَمْ يَبْلُغْ) صِفَةُ تَدْقِيقَاتٍ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ لَمْ يَبْلُغْهَا فُرْسَانُ عِلْمِ الْأُصُولِ إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ مِنْ الزَّمَانِ أَوْ الْمُرَادُ لَمْ يَصِلْ فُرْسَانُ هَذَا الْعِلْمِ إلَى تِلْكَ الْغَايَةِ مِنْ التَّدْقِيقِ فَيَكُونُ مِنْ وَضْعِ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ وَتَعْدِيَةُ الْبُلُوغِ بِإِلَى لِجَعْلِهِ بِمَعْنَى الْوُصُولِ وَالِانْتِهَاءِ.
قَوْلُهُ (سَمَّيْت هَذَا الْكِتَابَ) جَوَابٌ لَمَّا وَضَعَ اسْمَ الْإِشَارَةِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِكَمَالِ الْعِنَايَةِ بِتَمْيِيزِهِ، فَإِنْ قُلْتَ: لَمَّا لِثُبُوتِ الثَّانِي لِثُبُوتِ الْأَوَّلِ فَيَقْتَضِي سَبَبِيَّةَ مَا ذَكَرَهُ بَعْدَ لَمَّا لِتَسْمِيَةِ هَذَا الْكِتَابِ بِالتَّوْضِيحِ فَمَا وَجْهُهُ قُلْتُ: وَجْهُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي إتْمَامِهِ لِلشَّرْحِ الْمَذْكُورِ الْمَوْصُوفِ بِأَنَّهُ شَرْحٌ لِمُشْكِلَاتِ التَّنْقِيحِ وَفَتْحٌ لِمُغْلَقَاتِهِ وَإِتْمَامُ مِثْلِ هَذَا الشَّرْحِ مَعَ اشْتِمَالِهِ عَلَى الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ يَصْلُحُ سَبَبًا لِتَسْمِيَتِهِ بِالتَّوْضِيحِ فِي حَلِّ غَوَامِضِ التَّنْقِيحِ.
قَوْلُهُ (إلَيْهِ يَصْعَدُ) افْتِتَاحٌ غَرِيبٌ وَاقْتِبَاسٌ لَطِيفٌ أَتَى بِالضَّمِيرِ قَبْلَ الذِّكْرِ دَلَالَةً عَلَى حُضُورِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ سِيَّمَا عِنْدَ افْتِتَاحِ الْكَلَامِ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ وَإِشَارَةً إلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُتَعَيِّنٌ لِتَوَجُّهِ الْمَحَامِدِ إلَيْهِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى التَّصْرِيحِ بِذِكْرِهِ وَلَا يَذْهَبُ الْوَهْمُ إلَى غَيْرِهِ، إذْ لَهُ الْعَظَمَةُ وَالْجَلَالَةُ وَمِنْهُ الْعَطَاءُ وَالنَّوَالُ وَإِيمَاءً إلَى أَنَّ الشَّارِعَ فِي الْعُلُومِ الْإِسْلَامِيَّةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَطْمَحُ نَظَرِهِ وَمَقْصِدُ هِمَّتِهِ جَنَابَ الْحَقِّ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَيَقْتَصِرُ عَلَى طَلَبِ رِضَاهُ وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى مَا سِوَاهُ لَا يُقَالُ: إنْ ابْتَدَأَ الْمَتْنَ بِالتَّسْمِيَةِ فَلَا إضْمَارَ قَبْلَ الذِّكْرِ، وَإِنْ لَمْ يَبْدَأْ لَزِمَ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ يَكْفِي فِي الْعَمَلِ بِالسُّنَّةِ أَنْ تُذْكَرَ التَّسْمِيَةُ بِاللِّسَانِ أَوْ تَخْطُرَ بِالْبَالِ أَوْ تُكْتَبَ عَلَى قَصْدِ التَّبَرُّكِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُجْعَلَ جُزْءًا مِنْ الْكِتَابِ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَكُونُ الْإِضْمَارُ قَبْلَ ذِكْرِ الْمَرْجِعِ فِي الْكِتَابِ، وَالصُّعُودُ الْحَرَكَةُ إلَى الْمَعَالِي مَكَانًا وَجِهَةً
الجزء 1 · صفحة 7
مُنْقَعِرٍ (مِنْ مَحَامِدَ لِأُصُولِهَا مِنْ شَارِعِ الشَّرْعِ مَاءً وَلِفُرُوعِهَا مِنْ قَبُولِ الْقَبُولِ نَمَاءً) الْقَبُولُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQاُسْتُعِيرَ لِلتَّوَجُّهِ إلَى الْعَالِي قَدْرًا وَمَرْتَبَةً وَالْكَلِمُ مِنْ الْكَلِمَةِ بِمَنْزِلَةِ التَّمْرِ مِنْ التَّمْرَةِ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْجِنْسِيِّ وَوَاحِدِهِ بِالتَّاءِ، وَاللَّفْظُ مُفْرَدٌ إلَّا أَنَّهُ كَثِيرًا مَا يُسَمَّى جَمْعًا نَظَرًا إلَى الْمَعْنَى الْجِنْسِيِّ وَلِاعْتِبَارِ جَانِبَيْ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى يَجُوزُ فِي وَصْفِهِ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} [القمر: 20] أَيْ مُنْقَطِعٍ عَنْ مَغَارِسِهِ سَاقِطٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَقَالَ {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة: 7] أَيْ مُتَآكِلَةِ الْأَجْوَافِ، ثُمَّ الْكَلِمُ غُلِّبَ عَلَى الْكَثِيرِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاحِدِ أَلْبَتَّةَ حَتَّى تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا جَمْعُ كَلِمَةٍ وَلَيْسَ عَلَى حَدِّ تَمْرٍ وَتَمْرَةٍ إلَّا أَنَّ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ بِتَذْكِيرِ الْوَصْفِ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَعَ أَنَّ " فَعِلًا " لَيْسَ مِنْ أَبْنِيَةِ الْجَمْعِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُشَكَّ فِي أَنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ كَتَمْرٍ وَرَكْبٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِجَمْعٍ كَنِسَبٍ وَرُتَبٍ فَفِي قَوْلِهِ وَالْكَلِمُ إنْ كَانَ جَمْعًا حَرَازَةٌ لَا تَخْفَى وَالصَّوَابُ، وَإِنْ كَانَ بِالْوَاوِ.
قَوْلُهُ (مِنْ مَحَامِدَ) حَالٌ مِنْ الْكَلِمِ بَيَانًا لَهُ عَلَى مَا قَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هُوَ «سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، إذَا قَالَهَا الْعَبْدُ عَرَجَ بِهَا الْمَلَكُ إلَى السَّمَاءِ فَحَيَّا بِهَا وَجْهَ الرَّحْمَنِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ لَمْ يُقْبَلْ» ، وَإِنَّمَا صَلُحَ الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ بَيَانًا لِلْمُعَرَّفِ الْمُسْتَغْرَقِ لِمَا سَيَجِيءُ مِنْ أَنَّ النَّكِرَةَ تَعُمُّ بِالْوَصْفِ كَامْرَأَةٍ كُوفِيَّةٍ، وَلِأَنَّ التَّنْكِيرَ هَاهُنَا لِلتَّكْثِيرِ، وَهُوَ يُنَاسِبُ التَّعْمِيمَ.
وَالْمَحَامِدُ جَمْعُ مَحْمَدَةٍ بِمَعْنَى الْحَمْدِ، وَهُوَ مُقَابَلَةُ الْجَمِيلِ مِنْ نِعْمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا بِالثَّنَاءِ وَالتَّعْظِيمِ بِاللِّسَانِ. وَالشُّكْرُ مُقَابَلَةُ النِّعْمَةِ بِالْإِظْهَارِ وَتَعْظِيمُ الْمُنْعِمِ قَوْلًا أَوْ عَمَلًا أَوْ اعْتِقَادًا فَلِاخْتِصَاصِ الْحَمْدِ بِاللِّسَانِ كَانَ بَيَانُ الْكَلِمِ بِهَا أَنْسَبَ وَالْمَشَارِعُ جَمْعُ مَشْرَعَةِ الْمَاءِ وَهِيَ مَوْرِدُ الشَّارِبَةِ وَالشَّرْعُ وَالشَّرِيعَةُ مَا شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ مِنْ الدِّينِ أَيْ أَظْهَرَ وَبَيَّنَ وَحَاصِلُهُ الطَّرِيقَةُ الْمَعْهُودَةُ الثَّابِتَةُ مِنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَعَلَهَا عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ الْمَكْنِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ رَوْضَاتٍ وَجَنَّاتٍ فَأَثْبَتَ لَهَا مَشَارِعَ يَرِدُهَا الْمُتَعَطِّشُونَ إلَى زُلَالِ الرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ أَثْبَتَ لِقَبُولِ الْعِبَادَةِ الَّذِي هُوَ مَهَبُّ أَلْطَافِ الرَّحْمَنِ وَمَطْلَعُ أَنْوَارِ الْغُفْرَانِ رِيحَ الصَّبَا الَّتِي بِهَا رُوحُ الْأَبْدَانِ وَنَمَاءُ الْأَغْصَانِ فَإِنَّ الْقَبُولَ الْأَوَّلَ رِيحُ الصَّبَا وَمَهَبُّهَا الْمُسْتَوِي مَطْلَعُ الشَّمْسِ إذَا اسْتَوَى اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَيُقَابِلُهَا الدَّبُورُ وَالْعَرَبُ تَزْعُمُ أَنَّ الدَّبُورَ تُزْعِجُ السَّحَابَ وَتُشَخِّصُهُ فِي الْهَوَاءِ، ثُمَّ تَسُوقُهُ فَإِذَا عَلَا كُشِفَ عَنْهُ وَاسْتَقْبَلَتْهُ الصَّبَا فَوَزَّعَتْ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ حَتَّى يَصِيرَ كِسَفًا وَاحِدًا، ثُمَّ يَنْزِلُ مَطَرًا تَنْمِي بِهِ الْأَشْجَارُ وَالْقَبُولُ الثَّانِي مِنْ الْمَصَادِرِ الشَّاذَّةِ لَمْ يُسْمَعْ لَهُ ثَانٍ وَالنَّمَاءُ الزِّيَادَةُ وَالِارْتِفَاعُ نَمَا يَنْمِي نَمَاءً وَنَمَا يَنْمُو نُمُوًّا وَحَقِيقَةُ النُّمُوِّ الزِّيَادَةُ فِي أَقْطَارِ الْجِسْمِ عَلَى تَنَاسُبٍ طَبِيعِيٍّ، ثُمَّ فِي وَصْفِ الْمَحَامِدِ بِمَا ذَكَرَ تَلْمِيحٌ إلَى قَوْله تَعَالَى {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم: 24] فَإِنَّ الْمَحَامِدَ لَمَّا كَانَتْ هِيَ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ فَالْمَحْمَدَةُ
الجزء 1 · صفحة 8
الْأَوَّلُ رِيحُ الصِّبَا (عَلَى أَنْ جَعَلَ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ مُمَهَّدَةَ الْمَبَانِي وَفُرُوعَهَا رَقِيقَةَ الْحَوَاشِي) أَيْ لَطِيفَةَ الْأَطْرَافِ وَالْجَوَانِبِ وَدَقِيقَةَ الْمَعَانِي (بُنِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ قَصَرَ الْأَحْكَامَ وَأَحْكَمَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQشَجَرَةٌ لَهَا أَصْلٌ هُوَ الْإِيمَانُ وَالِاعْتِقَادَاتُ وَفُرُوعٌ هُوَ الْأَعْمَالُ وَالطَّاعَاتُ وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَمْدَ، وَإِنْ كَانَ فِي اللُّغَةِ فِعْلَ اللِّسَانِ خَاصَّةً إلَّا أَنَّ حَمْدَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ الرَّازِيّ فِي تَفْسِيرِهِ لَيْسَ قَوْلَ الْقَائِلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، بَلْ مَا يُشْعِرُ بِتَعْظِيمِهِ وَيُنْبِئُ عَنْ تَمْجِيدِهِ مِنْ اعْتِقَادِ اتِّصَافِهِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَالتَّرْجَمَةِ عَنْ ذَلِكَ بِالْمَقَالِ وَالْإِتْيَانِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ الْأَعْمَالِ فَالِاعْتِقَادُ أَصْلٌ لَوْلَاهُ لَكَانَ الْحَمْدُ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ وَالْعَمَلُ فَرْعٌ لَوْلَاهُ لَمَا كَانَ لِلْحَمْدِ نَمَاءٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَبُولٌ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ دَوْحَةٍ لَا غُصْنَ لَهَا وَشَجَرَةٍ لَا ثَمَرَةَ عَلَيْهَا، إذْ الْعَمَلُ هُوَ الْوَسِيلَةُ إلَى نَيْلِ الْجَنَّاتِ وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] ، وَفِي الْحَدِيثِ «فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَمَلٌ صَالِحٌ لَمْ يُقْبَلْ» فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ لِشَجَرَةِ الْمَحَامِدِ أَصْلًا ثَابِتًا هُوَ الِاعْتِقَادُ الرَّاسِخُ الْإِسْلَامِيُّ الْمُبْتَنَى عَلَى عِلْمِ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ وَفَرْعًا نَامِيًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى مَقْبُولًا عِنْدَهُ هُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ الْمُوَافِقُ لِلشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ الْمُبْتَنَى عَلَى عِلْمِ الشَّرَائِعِ وَالْأَحْكَامِ وَأَشَارَ إلَى الِاخْتِصَاصِ وَالدَّوَامِ بِقَوْلِهِ إلَيْهِ يَصْعَدُ بِتَقْدِيمِ الظَّرْفِ الْمُفِيدِ لِلِاخْتِصَاصِ وَلَفْظِ الْمُضَارِعِ الْمُنْبِئِ عَنْ الِاسْتِمْرَارِ.
قَوْلُهُ (عَلَى أَنْ جَعَلَ) تَعْلِيقٌ لِلْمَحَامِدِ بِبَعْضِ النِّعَمِ إشَارَةً إلَى عِظَمِ أَمْرِ الْعِلْمِ الَّذِي وَقَعَ التَّصْنِيفُ فِيهِ وَدَلَالَةً عَلَى جَلَالَةِ قَدْرِهِ وَالشَّرِيعَةُ نِعْمَ الْفِقْهُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأُمُورِ الثَّابِتَةِ بِالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ كَمَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ وَالْمَعَادِ وَكَوْنِ الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ حُجَّةً وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَأُصُولُ الشَّرِيعَةُ أَدِلَّتُهَا الْكُلِّيَّةُ وَمَبَانِي الْأُصُولِ مَا تُبْتَنَى هِيَ عَلَيْهِ مِنْ عِلْمِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالنُّبُوَّاتِ وَتَمْهِيدُهَا تَسْوِيَتُهَا وَإِصْلَاحُهَا بِكَوْنِهَا عَلَى وَفْقِ الْحَقِّ وَنَهْجِ الصَّوَابِ وَفُرُوعُ الشَّرِيعَةِ أَحْكَامُهَا الْمُفَصِّلَةُ الْمُبَيِّنَةُ فِي عِلْمِ الْفِقْهِ وَمَعَانِيهَا الْعِلَلُ الْجُزْئِيَّةُ التَّفْصِيلِيَّةُ عَلَى كُلِّ مَسْأَلَةٍ وَدِقَّتهَا كَوْنُهَا غَامِضَةً لَطِيفَةً لَا يَصِلُ إلَيْهَا كُلُّ أَحَدٍ بِسُهُولَةٍ وَجَمِيعُ ذَلِكَ نِعَمٌ تَسْتَوْجِبُ الْحَمْدَ، إذْ بِالشَّرِيعَةِ نِظَامُ الدُّنْيَا وَثَوَابُ الْعُقْبَى وَبِدِقَّةِ مَعَانِي الْفِقْهِ رِفْعَةُ دَرَجَاتِ الْعُلَمَاءِ وَنَيْلُهُمْ الثَّوَابَ فِي دَارِ الْجَزَاءِ، وَفِي هَذَا الْكَلَامِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ عِلْمَ الْأُصُولِ فَوْقَ الْفِقْهِ وَدُونَ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْأَحْكَامِ الْجُزْئِيَّةِ بِأَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ أَحْوَالِ الْأَدِلَّةِ الْكُلِّيَّةِ مِنْ حَيْثُ تُوَصِّلُ إلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الْبَارِي وَصِفَاتِهِ وَصِدْقِ الْمُبَلِّغِ وَدَلَالَةِ مُعْجِزَاتِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ عِلْمُ الْكَلَامِ الْبَاحِثُ عَنْ أَحْوَالِ الصَّانِعِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْإِمَامَةِ وَالْمَعَادِ وَمَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ عَلَى قَانُونِ الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ (بُنِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ) بِمَنْزِلَةِ الْبَدَلِ مِنْ الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ شَبَّهَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِقَصْرٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُلْتَجِئَ إلَيْهَا يَأْمَنُ مِنْ غَوَائِلِ عَدُوِّ الدِّينِ وَعَذَابِ النَّارِ
الجزء 1 · صفحة 9
بِالْمُحْكَمَاتِ غَايَةَ الْإِحْكَامِ وَجَعَلَ الْمُتَشَابِهَاتِ مَقْصُورَاتِ خِيَامِ الِاسْتِتَارِ ابْتِلَاءً لِقُلُوبِ الرَّاسِخِينَ) فَإِنَّ إنْزَالَ الْمُتَشَابِهَاتِ عَلَى مَذْهَبِنَا وَهُوَ الْوَقْفُ اللَّازِمُ عَلَى قَوْله تَعَالَى {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ} [آل عمران: 7] لِابْتِلَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ بِكَبْحِ عَنَانِ ذِهْنِهِمْ عَنْ التَّفَكُّرِ فِيهَا، وَالْوُصُولِ إلَى مَا يَشْتَاقُونَ إلَيْهِ مِنْ الْعِلْمِ بِالْأَسْرَارِ الَّتِي أَوْدَعَهَا فِيهَا وَلَمْ يُظْهِرْ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ عَلَيْهَا (وَالنُّصُوصُ مِنَصَّةُ عَرَائِسِ أَبْكَارِ أَفْكَارِ الْمُتَفَكِّرِينَ) مِنَصَّةُ الْعَرُوسِ مَكَانٌ يُرْفَعُ الْعَرُوسُ عَلَيْهِ لِلْجِلْوَةِ (وَكَشْفِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQفَأَضَافَ الْمُشَبَّهَ بِهِ إلَى الْمُشَبَّهِ كَمَا فِي لُجَيْنِ الْمَاءِ وَالْأَحْكَامُ تَسْتَنِدُ إلَى أَدِلَّةٍ جُزْئِيَّةٍ تَرْجِعُ مَعَ كَثْرَتِهَا إلَى أَرْبَعَةِ دَلَائِلَ هِيَ أَرْكَانُ قَصْرِ الْأَحْكَامِ فَذَكَرَهَا فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي بَنَى الشَّارِعُ الْأَحْكَامَ عَلَيْهَا مِنْ تَقْدِيمِ الْكِتَابِ، ثُمَّ السُّنَّةِ، ثُمَّ الْإِجْمَاعِ، ثُمَّ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ ذَكَرَ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ صَرِيحًا وَالْقِيَاسَ بِقَوْلِهِ وَوَضَعَ مَعَالِمَ الْعِلْمِ عَلَى مَسَالِكِ الْمُعْتَبِرِينَ أَيْ الْقَائِلِينَ الْمُتَأَمِّلِينَ فِي النُّصُوصِ وَعَلَّلَ الْأَحْكَامَ مِنْ قَوْله تَعَالَى {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 2] تَقُولُ اعْتَبَرْت الشَّيْءَ إذَا نَظَرْت إلَيْهِ وَرَاعَيْت وَالْعِلْمُ الْأَثَرُ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الطَّرِيقِ عَبَّرَ بِهِ عَنْ عِلَّةِ الْحُكْمِ الَّتِي بِهَا يُسْتَدَلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْمَقِيسِ، فَإِنْ قُلْتَ: لَيْسَ تَرْتِيبُ الشَّارِعِ تَقْدِيمَ السُّنَّةِ عَلَى الْإِجْمَاعِ مُطْلَقًا، بَلْ إذَا كَانَتْ قَطْعِيَّةً قُلْتُ: الْكَلَامُ فِي مَتْنِ السُّنَّةِ وَلَا خَفَاءَ فِي تَقَدُّمِهِ، وَإِنَّمَا يُؤَخَّرُ حَيْثُ يُؤَخَّرُ لِعَارِضِ الظَّنِّ فِي ثُبُوتِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ أَقْسَامِ الْكِتَابِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ كَمَا يَشْتَمِلُ الْقَصْرُ عَلَى مَا هُوَ غَايَةٌ فِي الظُّهُورِ وَعَلَى مَا هُوَ دُونَهُ وَعَلَى مَا هُوَ غَايَةٌ فِي الْخَفَاءِ وَالِاسْتِتَارِ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ إلَيْهِ غَيْرُ رَبِّ الْقَصْرِ وَعَلَى مَا هُوَ دُونَهُ كَذَلِكَ قَصْرُ الْأَحْكَامِ يَشْتَمِلُ عَلَى مُحْكَمٍ هُوَ غَايَةٌ فِي الظُّهُورِ وَنَصٍّ هُوَ دُونَهُ وَعَلَى مُتَشَابِهٍ هُوَ غَايَةٌ فِي الْخَفَاءِ وَمُجْمَلٍ هُوَ دُونَهُ وَسَيَجِيءُ تَفْسِيرُهَا.
قَوْلُهُ (مَقْصُورَاتٌ) أَيْ مَحْبُوسَاتٌ جَعَلَ خِيَامَ الِاسْتِتَارِ مَضْرُوبَةً عَلَى الْمُتَشَابِهِ مُحِيطَةً بِهِ بِحَيْثُ لَا يُرْجَى بُدُوُّهُ وَظُهُورُهُ أَصْلًا عَلَى مَا هُوَ الْمَذْهَبُ مِنْ أَنَّ الْمُتَشَابِهَ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ وَفَائِدَةُ إنْزَالِهِ ابْتِلَاءُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ بِمَنْعِهِمْ عَنْ التَّفْكِيرِ فِيهِ وَالْوُصُولِ إلَى مَا هُوَ غَايَةُ مُتَمَنَّاهُمْ مِنْ الْعِلْمِ بِأَسْرَارِهِ فَكَمَا أَنَّ الْجُهَّالَ مُبْتَلَوْنَ بِتَحْصِيلِ مَا هُوَ غَيْرُ مَطْلُوبٍ عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ وَالْإِمْعَانِ فِي الطَّلَبِ كَذَلِكَ الْعُلَمَاءُ مُبْتَلَوْنَ بِالْوَقْفِ وَتَرْكِ مَا هُوَ مَحْبُوبٌ عِنْدَهُمْ، إذْ ابْتِلَاءُ كُلِّ أَحَدٍ إنَّمَا يَكُونُ بِمَا هُوَ عَلَى خِلَافِ هَوَاهُ وَعَكْسِ مُتَمَنَّاهُ.
قَوْلُهُ (بِكَبْحِ عَنَانِ ذِهْنِهِمْ) تَقُولُ كَبَحْت الدَّابَّةَ إذَا جَذَبْتهَا إلَيْك بِاللِّجَامِ لِكَيْ تَقِفَ وَلَا تَجْرِيَ.
قَوْلُهُ (أَوْدَعَهَا فِيهَا) أَيْ أَوْدَعَ اللَّهُ الْأَسْرَارَ فِي الْمُتَشَابِهَاتِ وَالْإِيدَاعُ مُتَعَدٍّ إلَى مَفْعُولَيْنِ تَقُولُ أَوْدَعْته مَالًا إذَا دَفَعْته إلَيْهِ لِيَكُونَ وَدِيعَةً عِنْدَهُ، وَإِنَّمَا عَدَّاهُ بِفِي تَسَامُحًا أَوْ تَضْمِينًا بِمَعْنَى الْإِدْرَاجِ وَالْوَضْعِ.
قَوْلُهُ (مَنَصَّةً) بِفَتْحِ الْمِيمِ الْمَكَانُ الَّذِي يُرْفَعُ عَلَيْهِ الْعَرُوسُ لِلْجِلْوَةِ مِنْ نَصَصْت الشَّيْءَ رَفَعْته وَالْعَرُوسُ نَعْتٌ يَسْتَوِي فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ مَا دَامَا فِي
الجزء 1 · صفحة 10
الْقِنَاعِ عَنْ جَمَالِ مُجَمَّلَاتٍ كِتَابَةً بِسُنَّةِ نَبِيِّهِ الْمُصْطَفَى وَفَصْلِ خِطَابِهِ) أَيْ الْخِطَابِ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ مَا رَفَعَ أَعْلَامَ الدِّينِ بِإِجْمَاعِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَوَضَعَ مَعَالِمَ الْعِلْمِ عَلَى مَسَالِكِ الْمُعْتَبِرِينَ) أَرَادَ بِمَعَالِمِ الْعِلْمِ الْعِلَلَ الَّتِي يَعْلَمُ الْقَائِسُ بِهَا الْحُكْمَ فِي الْمَقِيسِ، وَأَرَادَ بِالْمُعْتَبِرِينَ بِكَسْرِ الْبَاءِ الْقَائِسِينَ، وَمَسَالِكُهُمْ هِيَ مَوَاقِعُ سُلُوكِهِمْ بِأَقْدَامِ الْفِكْرِ مِنْ مَوَادِّ النُّصُوصِ إلَى الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ فِي الْفُرُوعِ، فَمَبْدَأُ سُلُوكِهِمْ هُوَ لَفْظُ النَّصِّ فَيَعْبُرُونَ مِنْهُ إلَى مَعَانِيهِ اللُّغَوِيَّةِ الظَّاهِرَةِ، ثُمَّ مِنْهَا إلَى مَعَانِيهِ الشَّرْعِيَّةِ الْبَاطِنَةِ فَيَجِدُونَ فِيهَا عَلَامَاتٍ وَأَمَارَاتٍ وَضَعَهَا الشَّارِعُ لِيَهْتَدُوا بِهَا إلَى مَقَاصِدِهِمْ، وَلَمَّا قَالَ بُنِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ قَصَرَ الْأَحْكَامَ ذَكَرَ الْأَرْكَانَ الْأَرْبَعَةَ وَهِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي بَنَى الشَّارِعُ قَصْرَ الْأَحْكَامِ عَلَيْهَا.
(وَبَعْدُ فَإِنَّ الْعَبْدَ الْمُتَوَسِّلَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَقْوَى الذَّرِيعَةِ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودِ بْنِ تَاجِ الشَّرِيعَةِ سَعِدَ جَدُّهُ وَجَدَّ سَعْدُهُ يَقُولُ لَمَّا رَأَيْت فُحُولَ الْعُلَمَاءِ مُكِبِّينَ فِي كُلِّ عَهْدٍ وَزَمَانٍ عَلَى مُبَاحَثَةِ أُصُولِ الْفِقْهِ) أَيْ مُقْبِلِينَ عَلَيْهَا مِنْ أَكَبَّ عَلَى وَجْهِهِ سَقَطَ عَلَيْهِ فَإِنَّ مَنْ أَقْبَلَ عَلَى الشَّيْءِ غَايَةَ الْإِقْبَالِ فَكَأَنَّهُ أَكَبَّ عَلَيْهِ (لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ مُقْتَدَى الْأَئِمَّةِ الْعِظَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ عَلِيٍّ الْبَزْدَوِيِّ بَوَّأَهُ اللَّهُ تَعَالَى دَارَ السَّلَامِ وَهُوَ كِتَابٌ جَلِيلُ الشَّأْنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQإعْرَاسِهِمَا يُجْمَعُ الْمُؤَنَّثُ عَلَى عَرَائِسَ وَالْمُذَكَّرُ عَلَى عُرُسٍ بِضَمَّتَيْنِ، وَفِي هَذَا الْكَلَامِ نَوْعُ حَزَازَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَعَانِيَ الَّتِي أُظْهِرَتْ بِالنُّصُوصِ وَجُلِّيَتْ بِهَا عَلَى النَّاظِرِينَ هِيَ مَفْهُومَاتُهَا وَالْأَحْكَامُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْهَا وَهِيَ لَيْسَتْ نَتَائِجَ أَفْكَارِ الْمُتَفَكِّرِينَ، بَلْ أَحْكَامُ الْمَلِكِ الْحَقِّ الْمُبِينِ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ يَتَأَمَّلُونَ فِي النُّصُوصِ فَيَطَّلِعُونَ عَلَى مَعَانٍ وَدَقَائِقَ وَيَسْتَخْرِجُونَ أَحْكَامًا وَحَقَائِقَ وَهِيَ نَتَائِجُ أَفْكَارِهِمْ الظَّاهِرَةِ عَلَى النُّصُوصِ بِمَنْزِلَةِ الْعَرُوسِ عَلَى الْمَنَصَّةِ.
قَوْلُهُ (وَفَصْلُ خِطَابِهِ) أَيْ خِطَابِهِ الْفَاصِلِ الْمُمَيِّزِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ أَوْ خِطَابِهِ الْمَفْصُولِ الَّذِي يَتَبَيَّنُهُ مَنْ يُخَاطَبُ بِهِ وَلَا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّ الْفَصْلَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولِ، وَهَذَا مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ تَنْبِيهًا عَلَى عِظَمِ أَمْرِهِ وَفَخَامَةِ قَدْرِهِ، إذْ السُّنَّةُ ضَرْبَانِ قَوْلٌ وَفِعْلٌ وَالْقَوْلُ هُوَ الْمَوْضُوعُ لِبَيَانِ الشَّرَائِعِ الْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَحْكَامِ الْمُتَّفَقُ عَلَى حُجِّيَّتِهِ بَيْنَ الْأَنَامِ.
قَوْلُهُ (مَا رَفَعَ) أَيْ مَا دَامَ رَايَاتُ مَرَاسِمِ الدِّينِ مَرْفُوعَةً عَالِيَةً بِإِجْمَاعِ الْمُجْتَهِدِينَ الْبَاذِلِينَ وُسْعَهُمْ فِي إعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَإِحْيَاءِ مَرَاسِمِ الدِّينِ فَإِنَّ الْحُكْمَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ مَرْفُوعٌ لَا يُوضَعُ وَمَنْصُوبٌ لَا يُخْفَضُ.
قَوْلُهُ (جَلِيلَ الشَّأْنِ) أَيْ عَظِيمَ الْأَمْرِ بَاهِرَ الْبُرْهَانِ أَيْ غَالِبَ الْحُجَّةِ وَفَائِقَهَا مَرْكُوزٌ أَيْ مَدْفُونٌ مِنْ رَكَّزْت الرُّمْحَ غَرَزْته فِي الْأَرْضِ وَالْكُنُوزُ الْأَمْوَالُ الْمَدْفُونَةُ وَالصُّخُورُ وَالْحِجَارَةُ الْعِظَامُ شَبَهٌ بِهَا عِبَارَاتُهُ الصَّعْبَةُ الْجَزْلَةُ لِصُعُوبَةِ التَّوَصُّلِ بِهَا إلَى فَهْمِ الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ وَالرَّمْزُ الْإِشَارَةُ بِالشَّفَتَيْنِ أَوْ الْحَاجِبِ تَعَدَّى بِإِلَى فَأَصْلُ الْكَلَامِ مَرْمُوزٌ إلَى غَوَامِضِ حَذْفِ الْجَارِّ
الجزء 1 · صفحة 11
بَاهِرُ الْبُرْهَانِ مَرْكُوزٌ كُنُوزُ مَعَانِيهِ فِي صُخُورِ عِبَارَاتِهِ وَمَرْمُوزٌ غَوَامِضُ نُكَتِهِ فِي دَقَائِقِ إشَارَاتِهِ وَوَجَدْت بَعْضَهُمْ طَاعِنِينَ عَلَى ظَوَاهِرِ أَلْفَاظِهِ؛ لِقُصُورِ نَظَرِهِمْ عَنْ مَوَاقِعِ أَلْحَاظِهِ) أَيْ لَا يُدْرِكُونَ بِإِمْعَانِ النَّظَرِ مَا يُدْرِكُهُ هُوَ بِلِحَاظِ عَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ قَصْدًا (أَرَدْت تَنْقِيحَهُ وَتَنْظِيمَهُ وَحَاوَلْت) أَيْ طَلَبْت (تَبْيِينَ مُرَادِهِ وَتَفْهِيمَهُ وَعَلَى قَوَاعِدِ الْمَعْقُولِ وَتَأْسِيسِهِ وَتَقْسِيمِهِ مُورِدًا فِيهِ زُبْدَةَ مَبَاحِثِ الْمَحْصُولِ وَأُصُولِ الْإِمَامِ الْمُدَقِّقِ جَمَالِ الْعَرَبِ ابْنِ الْحَاجِبِ مَعَ تَحْقِيقَاتٍ بَدِيعَةٍ وَتَدْقِيقَاتٍ غَامِضَةٍ مَنِيعَةٍ تَخْلُو الْكُتُبُ عَنْهَا سَالِكًا فِيهِ مَسْلَكَ الضَّبْطِ وَالْإِيجَازِ مُتَشَبِّثًا بِأَهْدَابِ السِّحْرِ مُتَمَسِّكًا بِعُرْوَةِ الْإِعْجَازِ) اخْتَارَ فِي الْإِعْجَازِ الْعُرْوَةَ وَفِي السِّحْرِ الْأَهْدَابَ؛ لِأَنَّ الْإِعْجَازَ أَقْوَى وَأَوْثَقُ مِنْ السِّحْرِ وَاخْتَارَ فِي الْعُرْوَةِ لَفْظَ الْوَاحِدِ وَفِي الْأَهْدَابِ لَفْظَ الْجَمْعِ؛ لِأَنَّ الْإِعْجَازَ فِي الْكَلَامِ أَنْ يُؤَدَّى الْمَعْنَى بِطَرِيقٍ هُوَ أَبْلَغُ مِنْ جَمِيعِ مَا عَدَاهُ مِنْ الطُّرُقِ، وَلَا يَكُونُ هَذَا إلَّا وَاحِدًا وَأَمَّا السِّحْرُ فِي الْكَلَامِ فَهُوَ دُونَ الْإِعْجَازِ وَطُرُقُهُ فَوْقَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَأَوْصَلَ الْفِعْلَ فَصَارَ غَوَامِضُ مُسْنَدًا إلَيْهِ وَالنُّكْتَةُ اللَّطِيفَةُ الْمُنَقَّحَةُ مِنْ نَكَتَ فِي الْأَرْضِ بِالْقَضِيبِ إذَا ضَرَبَ فَأَثَّرَ فِيهَا يَعْنِي قَدْ أَوْمَأَ إلَى النُّكَتِ الْخَفِيَّةِ اللَّطِيفَةِ فِي أَثْنَاءِ إشَارَاتِهِ الدَّقِيقَةِ وَالنَّظَرُ تَأَمُّلُ الشَّيْءِ بِالْعَيْنِ وَالْإِمْعَانُ فِيهِ وَاللَّحْظُ النَّظَرُ إلَى الشَّيْءِ بِمُؤَخَّرِ الْعَيْنِ وَاللَّحَاظُ بِالْفَتْحِ مُؤَخَّرُ الْعَيْنِ وَالتَّنْقِيحُ التَّهْذِيبُ تَقُولُ نَقَّحْت الْجِذْعَ وَشَذَّبْته إذَا قَطَعْت مَا تَفَرَّقَ مِنْ أَغْصَانِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي لُبِّهِ وَتَنْظِيمُ الدُّرَرِ فِي السِّلْكِ جَمْعُهَا كَمَا يَنْبَغِي مُتَرَتِّبَةً مُتَنَاسِقَةً وَالْكَلَامُ لَا يَخْلُو عَنْ تَعْرِيضٍ مَا بَانَ فِي أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ زَوَائِدَ يَجِبُ حَذْفُهَا وَشَتَائِتَ يَجِبُ نَظْمُهَا وَمَغَالِقَ يَجِبُ حَلُّهَا وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمَبْنِيٍّ عَلَى قَوَاعِدِ الْمَعْقُولِ بِأَنْ يُرَاعَى فِي التَّعْرِيفَاتِ وَالْحُجَجِ شَرَائِطُهَا الْمَذْكُورَةُ فِي عِلْمِ الْمِيزَانِ، وَفِي التَّقْسِيمَاتِ عَدَمُ تَدَاخُلِ الْأَقْسَامِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَلْتَفِت إلَيْهِ الْمَشَايِخُ.
قَوْلُهُ (مُورِدًا فِيهِ) فِي ذَلِكَ الْمُنَقَّحِ الْمَوْصُوفِ يَعْنِي كِتَابَهُ وَكَذَا الضَّمَائِرُ الَّتِي تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (الْإِعْجَازُ فِي الْكَلَامِ أَنْ يُؤَدَّى الْمَعْنَى بِطَرِيقٍ هُوَ أَبْلَغُ مِنْ جَمِيعِ مَا عَدَاهُ مِنْ الطُّرُقِ) لَيْسَ تَفْسِيرُ الْمَفْهُومِ إعْجَازَ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ بِالْبَلَاغَةِ، بَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِ الْكَلَامِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ مُعَارَضَتُهُ وَالْإِتْيَانُ بِمِثْلِهِ مِنْ أَعْجَزْتُهُ جَعَلْته عَاجِزًا وَلِهَذَا اخْتَلَفُوا فِي جِهَةِ إعْجَازِ الْقُرْآنِ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى كَوْنِهِ مُعْجِزًا فَقِيلَ إنَّهُ بِبَلَاغَتِهِ وَقِيلَ بِإِخْبَارِهِ عَنْ الْمُغَيَّبَاتِ، وَقِيلَ بِأُسْلُوبِهِ الْغَرِيبِ وَقِيلَ بِصَرْفِ اللَّهِ الْعُقُولَ عَنْ الْمُعَارَضَةِ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ إعْجَازَ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى إنَّمَا هُوَ بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَهُوَ كَوْنُهُ فِي غَايَةِ الْبَلَاغَةِ وَنِهَايَةِ الْفَصَاحَةِ عَلَى مَا هُوَ الرَّأْيُ الصَّحِيحُ فَبِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي إعْجَازِ الْكَلَامِ كَوْنُهُ أَبْلَغَ مِنْ جَمِيعِ مَا عَدَاهُ يَكُونُ وَاحِدًا لَا تَعَدُّدَ فِيهِ بِخِلَافِ سِحْرِ الْكَلَامِ فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ دِقَّتِهِ وَلُطْفِ مَأْخَذِهِ، وَهَذَا يَقَعُ عَلَى طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَمَرَاتِبَ مُخْتَلِفَةٍ فَلِهَذَا قَالَ أَهْدَابُ السِّحْرِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ
الجزء 1 · صفحة 12
الْوَاحِدِ فَأَوْرَدَ فِيهِ لَفْظَ الْجَمْعِ (وَسَمَّيْته بِتَنْقِيحِ الْأُصُولِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى مَسْئُولٌ أَنْ يُمَتِّعَ بِهِ مُؤَلِّفَهُ وَكَاتِبَهُ وَقَارِئَهُ وَطَالِبَهُ وَيَجْعَلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ إنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ)
أُصُولُ الْفِقْهِ أَيْ هَذَا أُصُولُ الْفِقْهِ أَوْ أُصُولُ الْفِقْهِ مَا هِيَ فَنُعَرِّفُهَا أَوَّلًا بِاعْتِبَارِ الْإِضَافَةِ وَثَانِيًا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَقَبٌ لِعِلْمٍ مَخْصُوصٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَعُرْوَةُ الْإِعْجَازِ بِلَفْظِ الْمُفْرَدِ وَهُدْبُ الثَّوْبِ مَا عَلَى أَطْرَافِهِ وَعُرْوَةُ الْكُوزِ كُلْيَتُهُ الَّذِي تُؤْخَذُ عَنْهُ أَخَذَهُ وَهِيَ أَقْوَى مِنْ الْهُدْبِ فَخَصَّهَا بِالْإِعْجَازِ الَّذِي هُوَ أَوْثَقُ مِنْ السِّحْرِ، وَفِي الصِّحَاحِ السِّحْرُ الْأُخْذَةُ وَكُلُّ مَا لَطُفَ مَأْخَذُهُ وَدَقَّ فَهُوَ سِحْرٌ، وَمَعْنَى تَمَسُّكِهِ بِذَلِكَ مُبَالَغَتُهُ فِي تَلْطِيفِ الْكَلَامِ وَتَأْدِيَةِ الْمَعَانِي بِالْعِبَارَاتِ اللَّائِقَةِ الْفَائِقَةِ حَتَّى كَأَنَّهُ يَتَقَرَّبُ إلَى السِّحْرِ وَالْإِعْجَازِ وَهَاهُنَا بَحْثَانِ الْأَوَّلُ أَنَّ كَوْنَ طَرِيقِ تَأْدِيَة الْمَعْنَى أَبْلَغَ مِنْ جَمِيعِ مَا عَدَاهُ مِنْ الطُّرُقِ الْمُحَقَّقَةِ الْمَوْجُودَةِ غَيْرُ كَافٍ فِي الْإِعْجَازِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْعَجْزِ عَنْ مُعَارَضَتِهِ وَالْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ مِنْ الطُّرُقِ الْمُحَقَّقَةِ وَالْمُقَدَّرَةِ حَتَّى لَا يُمْكِنَ الْإِتْيَانُ بِمِثْلِهِ غَيْرَ مَشْرُوطٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ الْقُرْآنِ مَعَ كَوْنِهِ مُعْجِزًا فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ أَبْلَغَ مِنْ جَمِيعِ مَا عَدَاهُ وَالثَّانِي أَنَّ الطَّرَفَ الْأَعْلَى مِنْ الْبَلَاغَةِ وَمَا يَقْرُبُ مِنْهُ مِنْ الْمَرَاتِبِ الْعَلِيَّةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ لِلْبَشَرِ الْإِتْيَانُ بِمِثْلِهِ كِلَاهُمَا مُعْجِزٌ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْمِفْتَاحِ وَنِهَايَةِ الْإِعْجَازِ وَحِينَئِذٍ يَتَعَدَّدُ طَرِيقُ الْإِعْجَازِ أَيْضًا بِأَنْ يَكُونَ عَلَى الطَّرَفِ الْأَعْلَى أَوْ عَلَى بَعْضِ الْمَرَاتِبِ الْقَرِيبَةِ مِنْهُ وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْإِعْجَازَ لَيْسَ إلَّا فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعْنَى كَوْنِهِ أَبْلَغَ مِنْ جَمِيعِ مَا عَدَاهُ أَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ كُلِّ مَا هُوَ غَيْرُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى مُحَقَّقًا وَمُقَدَّرًا حَتَّى لَا يُمْكِنَ الْإِتْيَانُ لِلْغَيْرِ بِمِثْلِهِ وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الْإِعْجَازَ سَوَاءٌ كَانَ فِي الطَّرَفِ الْأَعْلَى أَوْ فِيمَا يَقْرُبُ مِنْهُ مُتَّحِدٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ حَدٌّ مِنْ الْكَلَامِ هُوَ أَبْلَغُ مِمَّا عَدَاهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِلْغَيْرِ مُعَارَضَتُهُ وَالْإِتْيَانُ بِمِثْلِهِ بِخِلَافِ سِحْرِ الْكَلَامِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ يَضْبِطُهُ
[التَّعْرِيفُ إمَّا حَقِيقِيٌّ وَإِمَّا اسْمِيٌّ]
[تَعْرِيفُ أُصُولِ الْفِقْهِ بِاعْتِبَارِ الْإِضَافَةِ]
قَوْلُهُ (أُصُولُ الْفِقْهِ) الْكِتَابُ مُرَتَّبٌ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَقِسْمَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهِ إمَّا مَقَاصِدُ الْفَنِّ أَوْ لَا الثَّانِي الْمُقَدِّمَةُ وَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْبَحْثُ فِيهِ عَنْ الْأَدِلَّةِ، وَهُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ عَنْ الْأَحْكَامِ، وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي، إذْ لَا يُبْحَثُ فِي هَذَا الْفَنِّ عَنْ غَيْرِهِمَا وَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ، وَهُوَ مُذَيَّلٌ بِبَابَيْ التَّرْجِيحِ وَالِاجْتِهَادِ وَالثَّانِي عَلَى ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ فِي الْحُكْمِ وَالْمَحْكُومِ بِهِ وَالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَسَتَعْرِفُ بَيَانَ الِانْحِصَارِ وَالْمُقَدِّمَةُ مَسُوقَةٌ لِتَعْرِيفِ الْعِلْمِ وَتَحْقِيقِ مَوْضُوعِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ حَقِّ الطَّالِبِ لِلْكَثْرَةِ الْمَضْبُوطَةِ بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ أَنْ يَعْرِفَهَا بِتِلْكَ الْجِهَةِ لِيَأْمَنَ مِنْ فَوَاتِ الْمَقْصُودِ وَالِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهِ وَكُلُّ عِلْمٍ هُوَ كَثْرَةٌ مَضْبُوطَةٌ بِتَعْرِيفِهِ الَّذِي بِهِ يَتَمَيَّزُ عِنْدَ الطَّالِبِ وَمَوْضُوعُهُ الَّذِي بِهِ يَمْتَازُ فِي نَفْسِهِ عَنْ سَائِرِ الْعُلُومِ فَحِينَ تَشَوَّفَتْ نَفْسُ السَّامِعِ إلَى التَّعْرِيفِ لِيَتَمَيَّزَ الْعِلْمُ عِنْدَهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الَّذِي أَذْكُرُهُ أُصُولُ الْفِقْهِ إغْنَاءً
الجزء 1 · صفحة 13
أَمَّا تَعْرِيفُهَا بِاعْتِبَارِ الْإِضَافَةِ فَيَحْتَاجُ إلَى تَعْرِيفِ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ فَقَالَ (الْأَصْلُ مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ) فَالِابْتِنَاءُ شَامِلٌ لِلِابْتِنَاءِ الْحِسِّيِّ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَالِابْتِنَاءِ الْعَقْلِيِّ وَهُوَ تَرَتُّبُ الْحُكْمِ عَلَى دَلِيلِهِ (وَتَعْرِيفُهُ بِالْمُحْتَاجِ إلَيْهِ لَا يَطَّرِدُ) وَقَدْ عَرَّفَهُ الْإِمَامُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQلِلسَّامِعِ عَنْ السُّؤَالِ وَقَالَ عَنْ لِسَانِهِ أُصُولُ الْفِقْهِ مَا هِيَ، ثُمَّ أَخَذَ فِي تَعْرِيفِهِ وَأُصُولُ الْفِقْهِ لَقَبٌ لِهَذَا الْفَنِّ مَنْقُولٌ عَنْ مُرَكَّبٍ إضَافِيٍّ فَلَهُ بِكُلِّ اعْتِبَارٍ تَعْرِيفٌ قَدَّمَ بَعْضُهُمْ التَّعْرِيفَ اللَّقَبِيَّ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْمَعْنَى الْعِلْمِيَّ هُوَ الْمَقْصُودُ فِي الْإِعْلَامِ وَأَنَّهُ مِنْ الْإِضَافِيِّ بِمَنْزِلَةِ الْبَسِيطِ مِنْ الْمُرَكَّبِ وَالْمُصَنِّفُ قَدَّمَ الْإِضَافِيَّ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْهُ مُقَدَّمٌ وَإِلَى أَنَّ الْفِقْهَ مَأْخُوذٌ فِي التَّعْرِيفِ اللَّقَبِيِّ، فَإِنْ قَدَّمَ تَفْسِيرَهُ أَمْكَنَ ذِكْرُهُ فِي اللَّقَبِيِّ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ هُوَ الْعِلْمُ بِالْقَوَاعِدِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا الْفِقْهُ وَإِلَّا اُحْتِيجَ إلَى إيرَادِ تَفْسِيرِهِ تَارَةً فِي اللَّقَبِيِّ وَتَارَةً فِي الْإِضَافِيِّ كَمَا فِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَمَّا كَانَ أُصُولُ الْفِقْهِ عِنْدَ قَصْدِ الْمَعْنَى الْإِضَافِيِّ جَمْعًا وَعِنْدَ قَصْدِ الْمَعْنَى اللَّقَبِيِّ مُفْرَدًا كَعَبْدِ اللَّهِ قَالَ فَنُعَرِّفُهَا أَوَّلًا بِاعْتِبَارِ الْإِضَافَةِ بِتَأْنِيثِ الضَّمِيرِ، وَقَالَ فَالْآنَ نُعَرِّفُهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَقَبٌ لِعِلْمٍ مَخْصُوصٍ بِتَذْكِيرِهِ وَاللَّقَبُ عِلْمٌ يُشْعِرُ بِمَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ وَأُصُولُ الْفِقْهِ عِلْمٌ لِهَذَا الْفَنِّ مُشْعِرٌ بِكَوْنِهِ مَبْنَى الْفِقْهِ الَّذِي بِهِ نِظَامُ الْمَعَاشِ وَنَجَاةُ الْمَعَادِ، وَذَلِكَ مَدْحٌ.
قَوْلُهُ (أَمَّا تَعْرِيفُهَا بِاعْتِبَارِ الْإِضَافَةِ فَيَحْتَاجُ إلَى تَعْرِيفِ الْمُضَافِ) ، وَهُوَ الْأُصُولُ. (وَالْمُضَافِ إلَيْهِ) ، وَهُوَ الْفِقْهُ؛ لِأَنَّ تَعْرِيفَ الْمُرَكَّبِ يَحْتَاجُ إلَى تَعْرِيفِ مُفْرَدَاتِهِ الْغَيْرِ الْبَيِّنَةِ ضَرُورَةَ تَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ الْكُلِّ عَلَى مَعْرِفَةِ أَجْزَائِهِ وَيَحْتَاجُ إلَى تَعْرِيفِ الْإِضَافَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْجُزْءِ الصُّورِيِّ إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ مَعْنَى إضَافَةِ الْمُشْتَقِّ وَمَا فِي مَعْنَاهُ اخْتِصَاصُ الْمُضَافِ إلَيْهِ بِاعْتِبَارِ مَفْهُومِ الْمُضَافِ مَثَلًا دَلِيلُ الْمَسْأَلَةِ مَا يَخْتَصُّ بِهَا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ دَلِيلًا عَلَيْهَا فَأَصْلُ الْفِقْهِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَبْنِيٌّ لَهُ وَمُسْتَنِدٌ إلَيْهِ فَالْأُصُولُ جَمْعُ أَصْلٍ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مَا يُبْنَى عَلَيْهِ الشَّيْءُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُبْتَنَى عَلَيْهِ وَبِهَذَا الْقَيْدِ خَرَجَ أَدِلَّةُ الْفِقْهِ مَثَلًا مِنْ حَيْثُ تُبْتَنَى عَلَى عِلْمِ التَّوْحِيدِ فَإِنَّهَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فُرُوعٌ لَا أُصُولٌ وَقَيْدُ الْحَيْثِيَّةِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي تَعْرِيفِ الْإِضَافِيَّاتِ إلَّا أَنَّهُ كَثِيرًا مَا يُحْذَفُ لِشُهْرَةِ أَمْرِهِ، ثُمَّ نَقَلَ الْأَصْلَ فِي الْعُرْفِ إلَى مَعَانٍ أُخَرَ، مِثْلُ الرَّاجِحِ وَالْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ وَالدَّلِيلِ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا الدَّلِيلُ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ النَّقْلَ خِلَافُ الْأَصْلِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْعُدُولِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الِابْتِنَاءَ كَمَا يَشْمَلُ الْحِسِّيَّ كَابْتِنَاءِ السَّقْفِ عَلَى الْجُدْرَانِ وَابْتِنَاءِ أَعَالِي الْجُدْرَانِ عَلَى أَسَاسِهِ وَأَغْصَانِ الشَّجَرِ عَلَى دَوْحَتِهِ كَذَلِكَ يَشْمَلُ الِابْتِنَاءَ الْعَقْلِيَّ كَابْتِنَاءِ الْحُكْمِ عَلَى دَلِيلِهِ فَهَاهُنَا يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَبِالْإِضَافَةِ إلَى الْفِقْهِ الَّذِي هُوَ مَعْنًى عَقْلِيٌّ يُعْلَمُ أَنَّ الِابْتِنَاءَ هَاهُنَا عَقْلِيٌّ فَيَكُونُ أُصُولُ الْفِقْهِ مَا يُبْنَى هُوَ عَلَيْهِ وَيَسْتَنِدُ
الجزء 1 · صفحة 14
فِي الْمَحْصُولِ بِهَذَا، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّعْرِيفَ، إمَّا حَقِيقِيٌّ كَتَعْرِيفِ الْمَاهِيَّاتِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَإِمَّا اسْمِيٌّ كَتَعْرِيفِ الْمَاهِيَّاتِ الِاعْتِبَارِيَّةِ كَمَا إذَا رَكَّبْنَا شَيْئًا مِنْ أُمُورٍ هِيَ أَجْزَاؤُهُ بِاعْتِبَارِ تَرْكِيبِنَا، ثُمَّ وَضَعْنَا لِهَذَا الْمُرَكَّبِ اسْمًا كَالْأَصْلِ وَالْفِقْهِ وَالْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَنَحْوِهَا فَالتَّعْرِيفُ الِاسْمِيُّ هُوَ تَبْيِينُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQإلَيْهِ لَا مَعْنَى بِمُسْتَنَدِ الْعِلْمِ وَمُبْتَنَاهُ إلَّا دَلِيلُهُ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ إنَّ الْمَعْنَى الْعُرْفِيَّ أَعْنِي الدَّلِيلَ مُرَادٌ قَطْعًا فَأَيُّ حَاجَةٍ إلَى جَعْلِهِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الشَّامِلِ لِلْمَقْصُودِ وَغَيْرِهِ.
فَإِنْ قُلْتَ: ابْتِنَاءُ الشَّيْءَ عَلَى الشَّيْءِ إضَافَةٌ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ أَمْرٌ عَقْلِيٌّ قَطْعًا قُلْتُ: أَرَادَ بِالِابْتِنَاءِ الْحِسِّيِّ كَوْنَ الشَّيْئَيْنِ مَحْسُوسَيْنِ وَحِينَئِذٍ يَدْخُلُ فِيهِ مِثْلُ ابْتِنَاءِ السَّقْفِ عَلَى الْجِدَارِ وَابْتِنَاءِ الْمُشْتَقِّ عَلَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ كَالْفِعْلِ عَلَى الْمَصْدَرِ أَوْ أَرَادَ مَا هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْعُرْفِ مِنْ أَنَّ ابْتِنَاءَ السَّقْفِ عَلَى الْجِدَارِ بِمَعْنَى كَوْنِهِ مُبْتَنِيًا عَلَيْهِ وَمَوْضُوعًا فَوْقَهُ مِمَّا يُدْرَكُ بِالْحِسِّ وَحِينَئِذٍ يَخْرُجُ مِثْلُ ابْتِنَاءِ الْفِعْلِ عَلَى الْمَصْدَرِ مِنْ الْحِسِّيِّ وَلَا يَدْخُلُ فِي الْعَقْلِيِّ بِتَفْسِيرِهِ وَالْحَقُّ أَنَّ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ عَلَى دَلِيلِهِ لَا يَصْلُحُ تَفْسِيرًا لِلِابْتِنَاءِ الْعَقْلِيِّ، وَإِنَّمَا هُوَ مِثَالٌ لَهُ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ ابْتِنَاءَ الْمَجَازِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْأَحْكَامِ الْجُزْئِيَّةِ عَلَى الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ وَالْمَعْلُولَاتِ عَلَى عِلَلِهَا وَالْأَفْعَالِ عَلَى الْمَصَادِرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ابْتِنَاءٌ عَقْلِيٌّ.
قَوْلُهُ (وَاعْلَمْ أَنَّ التَّعْرِيفَ إمَّا حَقِيقِيٌّ) الْمَاهِيَّةُ إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا تَحَقُّقٌ وَثُبُوتٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ اعْتِبَارِ الْعَقْلِ أَوْ لَا الْأُولَى الْمَاهِيَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ أَيْ الثَّابِتَةُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ احْتِيَاجِ بَعْضِ الْأَجْزَاءِ إلَى الْبَعْضِ إذَا كَانَتْ مُرَكَّبَةً وَالثَّانِيَةُ الْمَاهِيَّةُ الِاعْتِبَارِيَّةُ أَيْ الْكَائِنَةُ بِحَسَبِ اعْتِبَارِ الْعَقْلِ كَمَا إذَا اعْتَبَرَ الْوَاضِعُ عِدَّةَ أُمُورٍ فَوَضَعَ بِإِزَائِهَا اسْمًا مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجِ الْأُمُورِ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ كَالْأَصْلِ الْمَوْضُوعِ بِإِزَاءِ الشَّيْءِ وَوَصَفَ ابْتِنَاءَ الْغَيْرِ عَلَيْهِ وَالْفِقْهَ الْمَوْضُوعَ بِإِزَاءِ الْمَسَائِلِ الْمَخْصُوصَةِ وَالْجِنْسَ الْمَوْضُوعَ بِإِزَاءِ الْكُلِّيِّ الْمَقُولِ عَلَى الْكَثْرَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْحَقِيقَةِ وَالنَّوْعَ الْمَوْضُوعَ بِإِزَاءِ الْكُلِّيِّ الْمَقُولِ عَلَى الْكَثْرَةِ الْمُتَّفِقَةِ الْحَقِيقَةُ فِي جَوَابِ مَا هُوَ وَالتَّمْثِيلُ بِالْمُرَكَّبَةِ مِنْ عِدَّةِ أُمُورٍ لَا يُنَافِي كَوْنَ بَعْضِ الْمَاهِيَّاتِ الِاعْتِبَارِيَّةِ بَسَائِطَ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ أَنَّهَا إنَّمَا يُقَالُ لَهَا الْأُمُورُ الِاعْتِبَارِيَّةُ لَا الْمَاهِيَّاتُ الِاعْتِبَارِيَّةُ إذَا تَمَهَّدَ هَذَا فَنَقُولُ مَا يَتَعَقَّلُهُ الْوَاضِعُ لِيَضَعَ بِإِزَائِهِ اسْمًا إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَاهِيَّةٌ حَقِيقَةً أَوْ لَا وَعَلَى الْأَوَّلِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَعَقَّلُهُ نَفْسَ حَقِيقَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ أَوْ وُجُودَهَا وَاعْتِبَارَاتٍ مِنْهُ فَتَعْرِيفُ الْمَاهِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ لِمُسَمَّى الِاسْمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَاهِيَّةٌ حَقِيقَةً تَعْرِيفٌ حَقِيقِيٌّ يُفِيدُ تَصَوُّرَ الْمَاهِيَّةِ فِي الذِّهْنِ بِالذَّاتِيَّاتِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا أَوْ بِالْعَرَضِيَّاتِ أَوْ بِالْمُرَكَّبِ مِنْهُمَا وَتَعْرِيفُ مَفْهُومِ الِاسْمِ وَمَا تَعَقَّلَهُ الْوَاضِعُ فَوَضَعَ الِاسْمَ بِإِزَائِهِ تَعْرِيفٌ اسْمِيٌّ يُفِيدُ تَبْيِينَ مَا وُضِعَ الِاسْمُ بِإِزَائِهِ بِلَفْظٍ أَشْهَرَ كَقَوْلِنَا الْغَضَنْفَرُ الْأَسَدُ أَوْ بِلَفْظٍ يَشْتَمِلُ عَلَى تَفْصِيلِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْمُ إجْمَالًا كَقَوْلِنَا الْأَصْلُ مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَتَعْرِيفُ الْمَعْلُومَاتِ لَا يَكُونُ إلَّا اسْمِيًّا، إذْ لَا حَقَائِقَ لَهَا، بَلْ مَفْهُومَاتٌ وَتَعْرِيفُ الْمَوْجُودَاتِ قَدْ يَكُونُ اسْمِيًّا وَقَدْ يَكُونُ حَقِيقِيًّا، إذْ لَهَا مَفْهُومَاتٌ وَحَقَائِقُ.
فَإِنْ قُلْتَ: ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ مُشْعِرٌ بِأَنَّ تَعْرِيفَ الْمَاهِيَّاتِ الْحَقِيقِيَّةِ
الجزء 1 · صفحة 15
أَنَّ هَذَا الِاسْمَ لِأَيِّ شَيْءٍ وُضِعَ (وَشَرْطٌ لِكِلَا التَّعْرِيفَيْنِ الطَّرْدُ) أَيْ كُلُّ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ الْحَدُّ صَدَقَ عَلَيْهِ الْمَحْدُودُ (وَالْعَكْسُ) أَيْ كُلُّ مَا صَدَقَ مَا عَلَيْهِ الْمَحْدُودُ صَدَقَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَإِذَا قِيلَ فِي تَعْرِيفِ الْإِنْسَانِ: إنَّهُ حَيَوَانٌ مَاشٍ لَا يَطَّرِدُ وَلَوْ قِيلَ حَيَوَانٌ إنْ كَانَ بِالْفِعْلِ لَا يَنْعَكِسُ (وَلَا شَكَّ أَنَّ تَعْرِيفَ الْأَصْلِ تَعْرِيفٌ اسْمِيٌّ) أَيْ بَيَانُ أَنَّ لَفْظَ الْأَصْلِ لِأَيِّ شَيْءٍ وُضِعَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQحَقِيقِيٌّ أَلْبَتَّةَ كَمَا أَنَّ تَعْرِيفَ الْمَاهِيَّاتِ الِاعْتِبَارِيَّةِ اسْمِيٌّ أَلْبَتَّةَ قُلْتُ: فِي الْعُدُولِ عَنْ ظَاهِرِ الْعِبَارَةِ سَعَةٌ إلَّا أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الْمَاهِيَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ قَدْ تُؤْخَذُ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا حَقِيقَةُ مُسَمَّى الِاسْمِ وَمَاهِيَّته الثَّابِتَةُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَتَعْرِيفُهَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ حَقِيقِيٌّ أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّهُ جَوَابٌ لِ " مَا " الَّتِي لِطَلَبِ الْحَقِيقَةِ وَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ " هَلْ " الْبَسِيطَةِ الطَّالِبَةِ لِوُجُودِ الشَّيْءِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْ " مَا " الَّتِي لِطَلَبِ تَفْسِيرِ الِاسْمِ وَبَيَانِ مَفْهُومِهِ وَقَدْ تُؤْخَذُ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَفْهُومُ الِاسْمِ وَمُتَعَقَّلُ الْوَاضِعِ عِنْدَ وَضْعِ الِاسْمِ وَتَعْرِيفًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ اسْمِيٌّ أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّهُ جَوَابٌ عَنْ " مَا " الَّتِي لِطَلَبِ مَفْهُومِ الِاسْمِ وَمُتَعَقَّلِ الْوَاضِعِ فَهَذَا التَّعْرِيفُ قَدْ يَكُونُ نَفْسَ حَقِيقَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِأَنْ يَكُونَ مُتَعَقَّلُ الْوَاضِعِ نَفْسَ الْحَقِيقَةِ وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَهَا وَلِهَذَا صَرَّحُوا بِأَنَّهُ قَدْ يَتَّحِدُ التَّعْرِيفُ الِاسْمِيُّ وَالْحَقِيقِيُّ إلَّا أَنَّهُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِوُجُودِ الشَّيْءِ يَكُونُ اسْمِيًّا وَبَعْدَ الْعِلْمِ بِوُجُودِهِ يَنْقَلِبُ حَقِيقِيًّا مَثَلًا تَعْرِيفُ الْمُثَلَّثِ فِي مَبَادِئِ الْهَنْدَسَةِ بِشَكْلٍ يُحِيطُ بِهِ ثَلَاثَةُ أَضْلَاعٍ تَعْرِيفٌ اسْمِيٌّ وَبَعْدَ الدَّلَالَةِ عَلَى وُجُودِهِ يَصِيرُ هُوَ بِعَيْنِهِ تَعْرِيفًا حَقِيقِيًّا.
قَوْلُهُ (وَشَرْطٌ لِكِلَا التَّعْرِيفَيْنِ) أَيْ الْحَقِيقِيِّ وَالِاسْمِيِّ الطَّرْدُ وَالْعَكْسُ أَمَّا الطَّرْدُ فَهُوَ صِدْقُ الْمَحْدُودِ عَلَى مَا صَدَقَ عَلَيْهِ الْحَدُّ مُطَّرِدًا كُلِّيًّا أَيْ كُلَّمَا صَدَقَ عَلَيْهِ الْحَدُّ صَدَقَ عَلَيْهِ الْمَحْدُودُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ كُلَّمَا وُجِدَ الْحَدُّ وُجِدَ الْمَحْدُودُ فَبِالِاطِّرَادِ يَصِيرُ الْحَدُّ مَانِعًا عَنْ دُخُولِ غَيْرِ الْمَحْدُودِ. وَأَمَّا الْعَكْسُ فَأَخَذَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ عَكْسِ الطَّرْدِ بِحَسَبِ مُتَفَاهَمِ الْعُرْفِ، وَهُوَ جَعْلُ الْمَحْمُولِ مَوْضُوعًا مَعَ رِعَايَةِ الْكَمِّيَّةِ بِعَيْنِهَا كَمَا يُقَالُ كُلُّ إنْسَانٍ ضَاحِكٌ وَبِالْعَكْسِ أَيْ كُلُّ ضَاحِكٍ إنْسَانٌ وَكُلُّ إنْسَانٍ حَيَوَانٌ وَلَا عَكْسَ أَيْ لَيْسَ كُلُّ حَيَوَانٍ إنْسَانًا فَلِهَذَا قَالَ فِي الْعَكْسِ إنَّ كُلَّ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ الْمَحْدُودُ صَدَقَ عَلَيْهِ الْحَدُّ عَكْسًا لِقَوْلِنَا كُلُّ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ الْحَدُّ صَدَقَ عَلَيْهِ الْمَحْدُودُ فَصَارَ حَاصِلُ الطَّرْدِ حُكْمًا كُلِّيًّا بِالْمَحْدُودِ عَلَى الْحَدِّ وَالْعَكْسُ حُكْمًا كُلِّيًّا بِالْحَدِّ عَلَى الْمَحْدُودِ وَبَعْضُهُمْ أَخَذَهُ مِنْ أَنَّ عَكْسَ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ فَفَسَّرَهُ بِأَنَّهُ كُلَّمَا انْتَفَى الْحَدُّ انْتَفَى الْمَحْدُودُ أَيْ كُلَّمَا لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ الْحَدُّ لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ الْمَحْدُودُ فَصَارَ الْعَكْسُ حُكْمًا كُلِّيًّا بِمَا لَيْسَ بِمَحْدُودٍ عَلَى مَا لَيْسَ بِحَدٍّ وَالْحَاصِلُ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْحَدُّ جَامِعًا لِأَفْرَادِ الْمَحْدُودِ كُلِّهَا.
قَوْلُهُ (وَلَا شَكَّ أَنَّ تَعْرِيفَ الْأَصْلِ اسْمِيٌّ) ؛ لِأَنَّهُ تَبْيِينُ أَنَّ لَفْظَ الْأَصْلِ فِي اللُّغَةِ مَوْضُوعٌ لِلْمُرَكَّبِ الِاعْتِبَارِيِّ الَّذِي هُوَ الشَّيْءُ مَعَ وَصْفِ ابْتِنَاءِ الْغَيْرِ عَلَيْهِ أَوْ احْتِيَاجِ الْغَيْرِ إلَيْهِ، وَهَذَا لَا دَخْلَ لَهُ فِي بَيَانِ فَسَادِ التَّعْرِيفِ، إذْ عَدَمُ الِاطِّرَادِ مُفْسِدٌ لَهُ اسْمِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ
الجزء 1 · صفحة 16
فَالتَّعْرِيفُ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْمَحْصُولِ لَا يَطَّرِدُ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْأَصْلَ (لَا يُطْلَقُ عَلَى الْفَاعِلِ) أَيْ الْعِلَّةِ الْفَاعِلِيَّةِ (وَالصُّورَةِ) أَيْ الْعِلَّةِ الصُّورِيَّةِ (وَالْغَايَةِ) أَيْ الْعِلَّةِ الْغَائِبَةِ (وَالشُّرُوطِ) كَأَدَوَاتِ الصِّنَاعَةِ مَثَلًا فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ صَادِقٌ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِكَوْنِهَا مُحْتَاجًا إلَيْهَا وَالْمَحْدُودُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يُسَمَّى أَصْلًا فَلَا يَصِحُّ هَذَا التَّعْرِيفُ الِاسْمِيُّ (وَالْفِقْهُ مَعْرِفَةُ النَّفْسِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا وَيُزَادُ عَمَلًا لِيُخْرِجَ الِاعْتِقَادِيَّات وَالْوِجْدَانِيَّات فَيَخْرُجُ الْكَلَامُ وَالتَّصَرُّفُ وَمَنْ لَمْ يَزِدْ أَرَادَ الشُّمُولَ) هَذَا التَّعْرِيفُ مَنْقُولٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَالْمَعْرِفَةُ إدْرَاكُ الْجُزْئِيَّاتِ عَنْ دَلِيلٍ فَخَرَجَ التَّقْلِيدُ وَقَوْلُهُ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا تَنْتَفِعُ بِهِ النَّفْسُ وَمَا تَتَضَرَّرُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهِمَا الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ فَاعْلَمْ أَنَّ مَا يَأْتِي بِهِ الْمُكَلَّفُ، إمَّا وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ مُبَاحٌ أَوْ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ أَوْ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ أَوْ حَرَامٌ فَهَذِهِ سِتَّةٌ، ثُمَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ طَرَفَانِ طَرَفُ الْفِعْلِ وَطَرَفُ التَّرْكِ يَعْنِي عَدَمَ الْفِعْلِ فَصَارَتْ اثْنَيْ عَشَرَ فَفِعْلُ الْوَاجِبِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQفَفِي الْجُمْلَةِ تَعْرِيفُ الْأَصْلِ بِالْمُحْتَاجِ إلَيْهِ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، إذْ لَا يَصْدُقُ أَنَّ كُلَّ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ أَصْلٌ؛ لِأَنَّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الشَّيْءُ إمَّا دَاخِلٌ فِيهِ أَوْ خَارِجٌ عَنْهُ وَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ وُجُودُ الشَّيْءِ مَعَهُ بِالْقُوَّةِ، وَهُوَ الْمَادَّةُ كَالْخَشَبِ لِلسَّرِيرِ أَوْ بِالْفِعْلِ، وَهُوَ الصُّورَةُ كَالْهَيْئَةِ السَّرِيرِيَّةِ لَهُ. وَالثَّانِي إنْ كَانَ مَا مِنْهُ الشَّيْءُ فَهُوَ الْفَاعِلُ كَالنَّجَّارِ لِلسَّرِيرِ، وَإِنْ كَانَ مَا لِأَجْلِهِ الشَّيْءُ فَهُوَ الْغَايَةُ كَالْجُلُوسِ عَلَى السَّرِيرِ وَإِلَّا فَهُوَ الشَّرْطُ كَآلَاتِ النَّجَّارِ وَقَابِلِيَّةِ الْخَشَبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذِهِ أَقْسَامٌ خَمْسَةٌ لِلْمُحْتَاجِ إلَيْهِ لَا يُطْلَقُ لَفْظُ الْأَصْلِ لُغَةً إلَّا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا هُوَ الْمَادَّةُ كَمَا يُقَالُ أَصْلُ هَذَا السَّرِيرِ خَشَبٌ كَذَا وَالْأَرْبَعَةُ الْبَاقِيَةُ يَصْدُقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ وَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَصْلٌ فَلَا يَكُونُ التَّعْرِيفُ مُطَّرِدًا مَانِعًا وَهَاهُنَا بَحْثٌ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا مَنْعُ اشْتِرَاطِ الطَّرْدِ فِي مُطْلَقِ التَّعْرِيفِ لَا سِيَّمَا فِي الِاسْمِيِّ فَإِنَّ كُتُبَ اللُّغَةِ مَشْحُونَةٌ بِتَفْسِيرِ الْأَلْفَاظِ بِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ مَفْهُومَاتِهَا وَقَدْ صَرَّحَ الْمُحَقِّقُونَ بِأَنَّ التَّعْرِيفَاتِ النَّاقِصَةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَعَمَّ بِحَيْثُ لَا يُفِيدُ الِامْتِيَازُ إلَّا عَنْ بَعْضِ مَا عَدَا الْمَحْدُودَ وَأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ تَفْسِيرِ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ تَمَيُّزَهُ عَنْ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ فَيُكْتَفَى بِمَا يُفِيدُ الِامْتِيَازَ عَنْهُ كَمَا إذَا قَصَدَ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفُرُوعِ فَيُفَسَّرُ الْأَوَّلُ بِالْمُحْتَاجِ إلَيْهِ وَالثَّانِي بِالْمُحْتَاجِ وَثَانِيهَا مَنْعُ عَدَمِ صِدْقِ الْأَصْلِ عَلَى الْفَاعِلِ كَيْفَ وَالْفِعْلُ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ وَمُسْتَنِدٌ إلَيْهِ وَلَا مَعْنَى لِلِابْتِنَاءِ إلَّا ذَلِكَ. وَثَالِثُهَا أَنَّ كَلَامَهُ فِي بَابِ الْمَجَازِ عِنْدَ بَيَانِ جَرَيَانِ الْأَصَالَةِ وَالتَّبَعِيَّةُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ فَهُوَ أَصْلٌ. وَرَابِعُهَا أَنَّا إذَا قُلْنَا الْفِكْرُ تَرْتِيبُ أُمُورٍ مَعْلُومَةٍ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْأُمُورَ الْمَعْلُومَةَ مَادَّةٌ لِلْفِكْرِ وَأَصْلٌ لَهُ مَعَ أَنَّ ابْتِنَاءَ الْفِكْرِ عَلَيْهَا لَيْسَ حِسِّيًّا، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلَا عَقْلِيًّا بِتَفْسِيرِ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ تَرَتُّبُ الْحُكْمِ عَلَى دَلِيلِهِ.
قَوْلُهُ (وَالْفِقْهُ) نَقَلَ لِلْمُضَافِ تَعْرِيفَيْنِ مَقْبُولًا وَمُزَيَّفًا وَلِلْمُضَافِ إلَيْهِ
الجزء 1 · صفحة 17
وَالْمَنْدُوبِ مِمَّا يُثَابُ عَلَيْهِ وَفِعْلُ الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ تَحْرِيمًا وَتَرْكُ الْوَاجِبِ مِمَّا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ وَالْبَاقِي لَا يُثَابُ، وَلَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ فَلَا يَدْخُلُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْقِسْمَيْنِ وَإِنْ أُرِيدَ بِالنَّفْعِ عَدَمُ الْعِقَابِ وَبِالضَّرَرِ الْعِقَابُ فَفِعْلُ الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ تَحْرِيمًا وَتَرْكُ الْوَاجِبِ يَكُونُ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي أَيْ مِمَّا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ وَالتِّسْعَةُ الْبَاقِيَةُ تَكُونُ مِنْ الْأَوَّلِ أَيْ مِمَّا لَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ وَإِنْ أُرِيدَ بِالنَّفْعِ الثَّوَابُ وَبِالضَّرَرِ عَدَمُ الثَّوَابِ فَفِعْلُ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ مِمَّا يُثَابُ عَلَيْهِ، ثُمَّ الْعَشَرَةُ الْبَاقِيَةُ مِمَّا لَا يُثَابُ عَلَيْهِ عَلَيْهَا وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِمَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا مَا يَجُوزُ لَهَا وَمَا يَجِبُ عَلَيْهَا فَفِعْلُ مَا سِوَى الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ تَحْرِيمًا وَتَرْكُ مَا سِوَى الْوَاجِبِ مِمَّا يَجُوزُ لَهَا وَفِعْلُ الْوَاجِبِ وَتَرْكُ الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ تَحْرِيمًا مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهَا بَقِيَ فِعْلُ الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ تَحْرِيمًا وَتَرْكُ الْوَاجِبِ خَارِجَيْنِ عَنْ الْقِسْمَيْنِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِمَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا مَا يَجُوزُ لَهَا وَمَا يُحَرَّمُ عَلَيْهَا فَيَشْمَلَانِ جَمِيعَ الْأَصْنَافِ إذَا عَرَفْت هَذَا فَالْحَمْلُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ وَاسِطَةٌ أَوْلَى، ثُمَّ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا يَتَنَاوَلُ الِاعْتِقَادِيَّات كَوُجُوبِ الْإِيمَانِ وَنَحْوِهِ وَالْوِجْدَانِيَّات أَيْ الْأَخْلَاقَ الْبَاطِنَةَ وَالْمَلَكَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّاتِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQتَعْرِيفَيْنِ صَرَّحَ بِتَزْيِيفِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ عِنْدِهِ تَعْرِيفًا ثَالِثًا فَالْأَوَّلُ: مَعْرِفَةُ النَّفْسِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِالنَّفْسِ الْعَبْدَ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَحْكَامِ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَعْمَالِ الْبَدَنِ وَأَنْ يُرِيدَ النَّفْسَ الْإِنْسَانِيَّةَ، إذْ بِهَا الْأَفْعَالُ وَمَعَهَا الْخِطَابُ، وَإِنَّمَا الْبَدَنُ آلَةٌ وَفَسَّرَ الْمَعْرِفَةَ بِإِدْرَاكِ الْجُزْئِيَّاتِ عَنْ دَلِيلٍ وَالْقَيْدُ الْأَخِيرُ مِمَّا لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ أَصْلًا لَا لُغَةً وَلَا اصْطِلَاحًا وَذَهَبَ فِي قَوْلِهِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا إلَى مَا يُقَالُ إنَّ اللَّامَ لِلِانْتِفَاعِ وَعَلَى لِلتَّضَرُّرِ وَقَيَّدَهُمَا بِالْأُخْرَوِيِّ احْتِرَازًا عَمَّا تَنْتَفِيهِ النَّفْسُ أَوْ تَتَضَرَّرُ فِي الدُّنْيَا مِنْ اللَّذَّاتِ وَالْآلَامِ وَالْمُشْعِرُ بِهَذَا التَّقَيُّدِ شُهْرَةُ أَنَّ الْفِقْهَ مِنْ الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ فَذَكَرَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ ثَلَاثَةَ مَعَانٍ، ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنَيَيْنِ آخَرَيْنِ فَصَارَتْ الْمَعَانِي الْمُحْتَمَلَةُ خَمْسَةً: ثَلَاثَةٌ مِنْهَا تَشْمَلُ جَمِيعَ أَقْسَامِ مَا يَأْتِي بِهِ الْمُكَلَّفُ وَاثْنَانِ لَا تَشْمَلُهَا كُلَّهَا وَالْأَقْسَامُ اثْنَا عَشَرَ؛ لِأَنَّ مَا يَأْتِي بِهِ الْمُكَلَّفُ إنْ تَسَاوَى فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ فَمُبَاحٌ وَإِلَّا، فَإِنْ كَانَ فِعْلُهُ أَوْلَى فَمَعَ الْمَنْعِ عَنْ التَّرْكِ وَاجِبٌ وَبِدُونِهِ مَنْدُوبٌ، وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى فَمَعَ الْمَنْعِ عَنْ الْفِعْلِ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ حَرَامٌ وَبِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ وَبِدُونِ الْمَنْعِ عَنْ الْفِعْلِ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ التَّنْزِيهِ هَذَا عَلَى رَأْيِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ جَعَلَ الْمَكْرُوهَ تَنْزِيهًا مِمَّا يَجُوزُ فِعْلُهُ وَالْمَكْرُوه تَحْرِيمًا مِمَّا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ، بَلْ يَجِبُ تَرْكُهُ كَالْحَرَامِ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ عَلَى رَأْيِهِمَا، وَهُوَ أَنَّ مَا يَكُونُ تَرْكُهُ أَوْلَى مِنْ فِعْلِهِ فَهُوَ مَعَ الْمَنْعِ عَنْ الْفِعْلِ حَرَامٌ وَبِدُونِهِ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ التَّنْزِيهِ إنْ كَانَ إلَى الْحِلِّ أَقْرَبَ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ فَاعِلُهُ لَكِنْ يُثَابُ تَارِكُهُ أَدْنَى ثَوَابٍ وَكَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ إنْ كَانَ إلَى الْحَرَامِ أَقْرَبَ بِمَعْنَى أَنَّ فَاعِلَهُ مُسْتَحِقٌّ مَحْذُورًا دُونَ الْعُقُوبَةِ بِالنَّارِ كَحِرْمَانِ الشَّفَاعَةِ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْوَاجِبِ مَا يَشْمَلُ الْفَرْضَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ بِهَذَا الْمَعْنَى شَائِعٌ عِنْدَهُمْ كَقَوْلِهِمْ الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ وَالْحَجُّ وَاجِبٌ بِخِلَافِ إطْلَاقِ الْحَرَامِ عَلَى الْمَكْرُوهِ تَحْرِيمًا.
الجزء 1 · صفحة 18
وَالْبَيْعِ وَنَحْوِهَا فَمَعْرِفَةُ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا مِنْ الِاعْتِقَادِيَّات هِيَ عِلْمُ الْكَلَامِ وَمَعْرِفَةُ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا مِنْ الْوِجْدَانِيَّاتِ هِيَ عِلْمُ الْأَخْلَاقِ وَالتَّصَوُّفُ كَالزُّهْدِ وَالصَّبْرِ وَالرِّضَا وَحُضُورِ الْقَلْبِ فِي الصَّلَاةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمَعْرِفَةُ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا مِنْ الْعَمَلِيَّاتِ هِيَ الْفِقْهُ الْمُصْطَلَحُ، فَإِنْ أَرَدْت بِالْفِقْهِ هَذَا الْمُصْطَلَحَ زِدْت عَمَلًا عَلَى قَوْلِهِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا وَإِنْ أَرَدْت مَا يَشْمَلُ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ لَمْ تَزِدْ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّمَا لَمْ يَزِدْ عَمَلًا؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ الشُّمُولَ أَيْ أَطْلَقَ الْفِقْهَ عَلَى الْعِلْمِ بِمَا لَهَا وَعَلَيْهَا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الِاعْتِقَادِيَّات أَوْ الْوِجْدَانِيَّاتِ أَوْ الْعَمَلِيَّاتِ، ثُمَّ سَمَّى الْكَلَامَ فِقْهًا أَكْبَرَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْمُرَادُ بِالْمَنْدُوبِ مَا يَشْمَلُ السُّنَّةَ وَالنَّقْلَ فَصَارَتْ الْأَقْسَامُ سِتَّةً وَلِكُلٍّ مِنْهَا طَرَفَا فِعْلٍ أَيْ إيقَاعٍ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ وَتَرْكٍ أَيْ عَدَمِ فِعْلٍ فَتَصِيرُ اثْنَيْ عَشَرَ وَالْمُرَادُ بِمَا يَأْتِي بِهِ الْمُكَلَّفُ الْفِعْلَ بِمَعْنَى الْحَاصِلِ مِنْ الْمَصْدَرِ كَالْهَيْئَةِ الَّتِي تُسَمَّى صَلَاةً وَالْحَالَةُ الَّتِي تُسَمَّى صَوْمًا وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ أَثَرٌ صَادِرٌ عَنْ الْمُكَلَّفِ وَطَرَفُ فِعْلِهِ إيقَاعًا وَطَرَفُ تَرْكِهِ عَدَمُ إيقَاعِهِ وَالْأُمُورُ الْمَذْكُورَةُ مِنْ الْوَاجِبِ وَالْحَرَامِ وَغَيْرِهِمَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ خَاصَّةً إلَّا أَنَّهَا قَدْ تُطْلَقُ عَلَى عَدَمِ الْفِعْلِ أَيْضًا فَيُقَالُ عَدَمُ مُبَاشَرَةِ الْوَاجِبِ حَرَامٌ وَعَدَمُ مُبَاشَرَةِ الْحَرَامِ وَاجِبٌ، وَهُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا، وَإِنَّمَا فَسَّرَ التَّرْكَ بِعَدَمِ الْفِعْلِ لِيَصِيرَ قِسْمًا آخَرَ، إذْ لَوْ أُرِيدَ بِهِ كَفُّ النَّفْسِ لَكَانَ تَرْكُ الْحَرَامِ مَثَلًا فِعْلَ الْوَاجِبِ بِعَيْنِهِ، فَإِنْ قُلْتَ: أَيُّ حَاجَةٍ إلَى اعْتِبَارِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ وَجَعْلِ الْأَقْسَامِ اثْنَيْ عَشَرَ وَهَلَّا اقْتَصَرَ عَلَى السِّتَّةِ بِأَنْ يُرَادَ بِالْوَاجِبِ مَثَلًا أَهَمَّ مِنْ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ قُلْتُ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ الْوَاجِبُ يَدْخُلُ فِيمَا يُثَابُ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ فِي الْوَاجِبِ بِمَعْنَى عَدَمِ فِعْلِ الْحَرَامِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ عَدَمَ الْإِتْيَانِ بِالْوَاجِبِ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ إلَّا أَنَّهُ قَدْ لَا يُعَاقَبُ لِعَفْوٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ سَهْوٍ مِنْ الْعَبْدِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَبَاقِي كَلَامِهِ وَاضِحٌ إلَّا أَنَّ فِيهِ مَبَاحِثَ الْأَوَّلُ أَنَّهُ جَعَلَ تَرْكَ الْحَرَامِ مِمَّا لَا يُثَابُ عَلَيْهِ وَلَا يُعَاقَبُ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ وَاجِبٌ وَالْوَاجِبُ يُثَابُ عَلَيْهِ، وَفِي التَّنْزِيلِ {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} [النازعات: 40] {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 41] وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُثَابَ عَلَيْهِ فِعْلُ الْوَاجِبِ لَا عَدَمُ مُبَاشَرَةِ الْحَرَامِ وَإِلَّا لَكَانَ لِكُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ مَثُوبَاتٌ كَثِيرَةٌ بِحَسَبِ كُلِّ حَرَامٍ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ وَنَهْيُ النَّفْسِ كَفُّهَا عَنْ الْحَرَامِ، وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ فِعْلِ الْوَاجِبِ وَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّ تَرْكَ الْحَرَامِ بِمَعْنَى كَفِّ النَّفْسِ عَنْهُ عِنْدَ تَهَيُّؤِ الْأَسْبَابِ وَمَيَلَانِ النَّفْسِ إلَيْهِ مِمَّا يُثَابُ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَوَازِ فِي الْوَجْهِ الرَّابِعِ عَدَمُ مَنْعِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ عَلَى مَا يُنَاسِبُ الْإِمْكَانَ الْخَاصَّ لِيُقَابِلَ الْوُجُوبَ، وَفِي الْخَامِسِ عَدَمُ مَنْعِ الْفِعْلِ عَلَى مَا يُنَاسِبُ الْإِمْكَانَ الْعَامَّ لِيُقَابِلَ الْحُرْمَةَ، فَإِنْ قُلْتَ: إنْ أُرِيدَ بِالْجَوَازِ عَدَمُ مَنْعِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ لَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ فَفِعْلُ مَا سِوَى الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ تَحْرِيمًا وَتَرْكُ
الجزء 1 · صفحة 19
(وَقِيلَ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ) فَالْعِلْمُ جِنْسٌ، وَالْبَاقِي فَصْلٌ فَقَوْلُهُ بِالْأَحْكَامِ يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالْحُكْمِ هَاهُنَا إسْنَادُ أَمْرٍ إلَى آخَرَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ الْحُكْمُ الْمُصْطَلَحُ، وَهُوَ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلَّقُ إلَخْ، فَإِنْ أُرِيدَ الْأَوَّلُ يَخْرُجُ الْعِلْمُ بِالذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ بِأَحْكَامٍ عَنْ الْحَدِّ أَيْ يُخْرِجُ التَّصَوُّرَاتِ وَيُبْقِي التَّصْدِيقَاتِ وَبِالشَّرْعِيَّةِ يُخْرِجُ الْعِلْمَ بِالْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْحِسِّيَّةِ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْعَالَمَ مُحْدَثٌ وَالنَّارَ مُحْرِقَةٌ وَإِنْ أُرِيدَ الثَّانِي فَقَوْلُهُ بِالْأَحْكَامِ يَكُونُ احْتِرَازًا عَنْ عِلْمِ مَا سِوَى خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقِ إلَى آخِرِهِ فَالْحُكْمُ بِهَذَا التَّفْسِيرِ قِسْمَانِ شَرْعِيٌّ
ـــــــــــــــــــــــــــــQمَا سِوَى الْوَاجِبِ مِمَّا يَجُوزُ لَهَا؛ لِأَنَّ مَا سِوَى الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ تَحْرِيمًا يَشْمَلُ الْوَاجِبَ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِهَذَا الْمَعْنَى وَكَذَا تَرْكُ مَا سِوَى الْوَاجِبِ يَشْمَلُ تَرْكَ الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ تَحْرِيمًا مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قُلْتُ: هَذَا مَخْصُوصٌ بِقَرِينَةِ التَّصْرِيحِ بِدُخُولِهِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهَا. وَالثَّالِثُ أَنَّ مَا يُحَرَّمُ عَلَيْهَا فِي الْوَجْهِ الْخَامِسِ بِمَعْنَى الْمَنْعِ عَنْ الْفِعْلِ يَشْمَلُ الْحَرَامَ وَالْمَكْرُوهَ تَحْرِيمًا وَالرَّابِعُ أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِمَعْرِفَةِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا تَصَوُّرُهُمَا وَلَا التَّصْدِيقُ بِثُبُوتِهِمَا لِظُهُورِ أَنْ لَيْسَ الْفِقْهُ عِبَارَةً عَنْ تَصَوُّرِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَلَا عَنْ التَّصْدِيقِ بِوُجُودِهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، بَلْ الْمُرَادُ مَعْرِفَةُ أَحْكَامِهَا مِنْ الْوُجُوبِ وَغَيْرِهِ كَالتَّصْدِيقِ بِأَنَّ هَذَا وَاجِبٌ وَذَاكَ حَرَامٌ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ كَوُجُوبِ الْإِيمَانِ فَأَحْكَامُ الْوِجْدَانِيَّاتِ مِنْ الْوُجُوبِ وَنَحْوِهِ تُدْرَكُ بِالدَّلِيلِ وَثُبُوتُهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِالْوِجْدَانِ كَمَا فِي الْعَمَلِيَّاتِ بِعُرْفِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ بِالدَّلِيلِ وَوُجُودُهَا بِالْحِسِّ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ اعْتِرَاضَهُ عَلَى التَّعْرِيفِ الثَّانِي بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْأَحْكَامِ كُلِّهَا وَلَا بَعْضِهَا الْمُعَيَّنِ وَلَا الْمُبْهَمِ وَارِدٌ هَاهُنَا فِيمَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا مَعَ أَنَّ إطْلَاقَ اللَّفْظِ الْمُحْتَمَلِ لِلْمَعَانِي الْمُتَعَدِّدَةِ مَعَ عَدَمِ تَعَيُّنِ الْمُرَادِ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ فِي التَّعْرِيفَاتِ.
1 -
قَوْلُهُ (وَقِيلَ الْعِلْمُ) عَرَّفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْفِقْهَ بِأَنَّهُ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ مُتَعَلَّقَ الْعِلْمِ إمَّا حُكْمٌ أَوْ غَيْرُهُ وَالْحُكْمُ إمَّا مَأْخُوذٌ مِنْ الشَّرْعِ أَوْ لَا وَالْمَأْخُوذُ مِنْ الشَّرْعِ إمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِكَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ أَوْ لَا وَالْعَمَلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِهِ حَاصِلًا مِنْ دَلِيلِهِ التَّفْصِيلِيِّ الَّذِي نِيطَ بِهِ الْحُكْمُ أَوْ لَا فَالْعِلْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ الْحَاصِلُ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ هُوَ الْفِقْهُ وَخَرَجَ الْعِلْمُ بِغَيْرِ الْأَحْكَامِ مِنْ الذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ وَالْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الْغَيْرِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ الشَّرْعِ كَالْأَحْكَامِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ الْعَقْلِ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْعَالَمَ حَادِثٌ أَوْ مِنْ الْحِسِّ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ النَّارَ مُحْرِقَةٌ أَوْ مِنْ الْوَضْعِ وَالِاصْطِلَاحِ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْفَاعِلَ مَرْفُوعٌ وَخَرَجَ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ النَّظَرِيَّةِ وَتُسَمَّى اعْتِقَادِيَّةً وَأَصْلِيَّةً كَكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً وَالْإِيمَانِ وَاجِبًا وَخَرَجَ أَيْضًا عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَعِلْمُ جِبْرِيلَ وَالرَّسُولِ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَكَذَا عِلْمُ الْمُقَلِّدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ.
قَوْلُهُ (يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالْحُكْمِ) الْحُكْمُ يُطْلَقُ فِي الْعُرْفِ
الجزء 1 · صفحة 20
أَيْ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّرْعِ وَغَيْرُ شَرْعِيٍّ أَيْ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّرْعِ كَوُجُوبِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَوُجُوبِ تَصْدِيقِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّرْعِ لِتَوَقُّفِ الشَّرْعِ عَلَيْهِ، ثُمَّ الشَّرْعِيُّ، إمَّا نَظَرِيٌّ، وَإِمَّا عَمَلِيٌّ فَقَوْلُهُ الْعَمَلِيَّةُ يُخْرِجُ الْعِلْمَ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ النَّظَرِيَّةِ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ وَقَوْلُهُ مِنْ أَدِلَّتِهَا أَيْ الْعِلْمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَى إسْنَادِ أَمْرٍ إلَى آخَرَ أَيْ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ بِالْإِيجَابِ أَوْ السَّلْبِ، وَفِي اصْطِلَاحٍ الْأُصُولِ عَلَى خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقِ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِالِاقْتِضَاءِ أَوْ التَّخْيِيرِ، وَفِي اصْطِلَاحِ الْمَنْطِقِ عَلَى إدْرَاكِ أَنَّ النِّسْبَةَ وَاقِعَةٌ أَوْ لَيْسَتْ بِوَاقِعَةٍ وَيُسَمَّى تَصْدِيقًا، وَهُوَ لَيْسَ بِمُرَادٍ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ عِلْمٌ وَالْفِقْهُ لَيْسَ عِلْمًا بِالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّ الثَّانِيَ أَيْضًا لَيْسَ بِمُرَادٍ وَإِلَّا لَكَانَ ذِكْرُ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ تَكْرَارًا، بَلْ الْمُرَادُ النِّسْبَةُ التَّامَّةُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ الَّتِي الْعِلْمُ بِهَا تَصْدِيقٌ وَبِغَيْرِهَا تَصَوُّرٌ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ يَخْرُجُ التَّصَوُّرَاتُ وَيَبْقَى التَّصْدِيقَاتُ فَيَكُونُ الْفِقْهُ عِبَارَةً عَنْ التَّصْدِيقِ بِالْقَضَايَا الشَّرْعِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِكَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ تَصْدِيقًا حَاصِلًا مِنْ الْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ الَّتِي نُصِّبَتْ فِي الشَّرْعِ عَلَى تِلْكَ الْقَضَايَا وَفَوَائِدُ الْقُيُودِ ظَاهِرَةٌ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ وَالْمُصَنِّفُ جَوَّزَ أَنْ يُرَادَ بِالْحُكْمِ هَاهُنَا مُصْطَلَحُ الْأُصُولِ فَاحْتَاجَ إلَى تَكَلُّفٍ فِي تَبْيِينِ فَوَائِدِ الْقُيُودِ وَتَعَسُّفٍ فِي تَقْدِيرِ مُرَادِ الْقَوْمِ فَذَهَبَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّرْعِيِّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّرْعِ وَلَا يُدْرَكُ لَوْلَا خِطَابُ الشَّارِعِ وَالْأَحْكَامُ مِنْهَا مَا هُوَ خِطَابٌ بِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّرْعِ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَمِنْهَا مَا هُوَ خِطَابٌ بِمَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ كَوُجُوبِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَوُجُوبِ تَصْدِيقِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الشَّرْعِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِيمَانِ بِوُجُودِ الْبَارِي تَعَالَى وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَكَلَامِهِ وَعَلَى التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِدَلَالَةِ مُعْجِزَاتِهِ فَلَوْ تَوَقَّفَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ عَلَى الشَّرْعِ لَزِمَ الدَّوْرُ فَالتَّقْيِيدُ بِالشَّرْعِيَّةِ يُخْرِجُ هَذِهِ الْأَحْكَامَ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْعِيَّةً بِمَعْنَى التَّوَقُّفِ عَلَى الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا قَالَ الْخِطَابُ بِمَا يَتَوَقَّفُ أَوْ لَا يَتَوَقَّفُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُفَسَّرَ بِالْخِطَابِ قَدِيمٌ عِنْدَهُمْ فَكَيْفَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّرْعِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَمْنَعَ تَوَقُّفَ الشَّرْعِ عَلَى وُجُوبِ الْإِيمَانِ وَنَحْوِهِ سَوَاءٌ أُرِيدَ بِالشَّرْعِ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ شَرِيعَةُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَتَوَقُّفُ التَّصْدِيقِ بِثُبُوتِ شَرْعِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَعَلَى التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَدَلَالَةِ مُعْجِزَاتِهِ لَا يَقْتَضِي تَوَقُّفَهُ عَلَى وُجُوبِ الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ وَلَا عَلَى الْعِلْمِ بِوُجُوبِهِمَا غَايَتُهُ أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى نَفْسِ الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ، وَهُوَ غَيْرُ مُفِيدٍ وَلَا مُنَافٍ لِتَوَقُّفِ وُجُوبِ الْإِيمَانِ وَنَحْوِهِ عَلَى الشَّرْعِ كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ مِنْ أَنْ لَا وُجُوبَ إلَّا بِالسَّمْعِ.
قَوْلُهُ، (ثُمَّ الشَّرْعِيُّ) أَيْ الْمُتَوَقِّفُ عَلَى الشَّرْعِ إمَّا نَظَرِيٌّ لَا يَتَعَلَّقُ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ وَإِمَّا عَمَلِيٌّ يَتَعَلَّقُ بِهَا فَالتَّقْيِيدُ بِالْعَمَلِيَّةِ لِإِخْرَاجِ النَّظَرِيَّةِ يَكُونُ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً، وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ عَلَى
الجزء 1 · صفحة 21
الْحَاصِلِ لِلشَّخْصِ الْمَوْصُوفِ بِهِ مِنْ أَدِلَّتِهَا الْمَخْصُوصَةِ بِهَا وَهِيَ الْأَدِلَّةُ الْأَرْبَعَةُ، وَهَذَا الْقَيْدُ يُخْرِجُ التَّقْلِيدَ؛ لِأَنَّ الْمُقَلِّدَ وَإِنْ كَانَ قَوْلُ الْمُجْتَهِدِ دَلِيلًا لَهُ لَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ الْمَخْصُوصَةِ وَقَوْلُهُ التَّفْصِيلِيَّةُ يُخْرِجُ الْإِجْمَالِيَّةَ كَالْمُقْتَضِي وَالنَّافِي، وَقَدْ زَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى هَذَا قَوْلَهُ بِالِاسْتِدْلَالِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مُكَرَّرٌ.
وَلَمَّا عُرِفَ الْفِقْهُ بِالْعِلْمِ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَجَبَ تَعْرِيفُ الْحُكْمِ وَتَعْرِيفُ الشَّرْعِيَّةِ فَقَالَ (وَالْحُكْمُ قِيلَ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى) هَذَا التَّعْرِيفُ مَنْقُولٌ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ فَقَوْلُهُ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى يَشْمَلُ جَمِيعَ الْخِطَابَاتِ.
وَقَوْلُهُ (الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ) يُخْرِجُ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَبَقِيَ فِي الْحَدِّ نَحْوُ {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ فَقَالَ (بِالِاقْتِضَاءِ) أَيْ الطَّلَبِ وَهُوَ إمَّا طَلَبُ الْفِعْلِ جَازِمًا كَالْإِيجَابِ أَوْ غَيْرَ جَازِمٍ كَالنَّدْبِ وَإِمَّا طَلَبُ التَّرْكِ جَازِمًا كَالتَّحْرِيمِ أَوْ غَيْرَ جَازِمٍ كَالْكَرَاهَةِ (أَوْ التَّخْيِيرِ) أَيْ الْإِبَاحَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالتَّقْدِيرِ الثَّانِي لَوْ كَانَ الْحُكْمُ الْمُصْطَلَحُ شَامِلًا لِلنَّظَرِيِّ، وَفِيهِ كَلَامٌ سَيَجِيءُ.
قَوْلُهُ (أَيْ الْعِلْمُ الْحَاصِلُ) قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ أَدِلَّتِهَا مُتَعَلِّقٌ بِالْأَحْكَامِ وَحِينَئِذٍ لَا يَخْرُجُ عِلْمُ الْمُقَلِّدِ؛ لِأَنَّهُ عِلْمٌ بِالْأَحْكَامِ الْحَاصِلَةِ عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِلْمُ الْمُقَلِّدِ حَاصِلًا عَنْ الْأَدِلَّةِ فَدَفْعُ ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِالْعِلْمِ لَا بِالْأَحْكَامِ إذْ الْحَاصِلُ مِنْ الدَّلِيلِ هُوَ الْعِلْمُ بِالشَّيْءِ لَا الشَّيْءُ نَفْسُهُ عَلَى أَنَّهُ إذَا أُرِيدَ بِالْحُكْمِ الْخِطَابُ فَهُوَ قَدِيمٌ لَا يَحْصُلُ مِنْ شَيْءٍ، وَمَعْنَى حُصُولِ الْعِلْمِ مِنْ الدَّلِيلِ أَنَّهُ يَنْظُرُ فِي الدَّلِيلِ فَيَعْلَمُ مِنْهُ الْحُكْمَ فَعِلْمُ الْمُقَلِّدِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَنِدًا إلَى قَوْلِ الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَنِدِ إلَى عِلْمِهِ الْمُسْتَنِدِ إلَى دَلِيلِ الْحُكْمِ لَكِنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ النَّظَرِ فِي الدَّلِيلِ وَقَيَّدَ الْأَدِلَّةَ بِالتَّفْصِيلِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِوُجُوبِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي أَوْ بِعَدَمِ وُجُودِهِ لِوُجُودِ النَّافِي لَيْسَ مِنْ الْفِقْهِ.
قَوْلُهُ (وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مُكَرَّرٌ) ذَهَبَ ابْنُ الْحَاجِبِ إلَى أَنَّ حُصُولَ الْعِلْمِ بِالْأَحْكَامِ عَنْ الْأَدِلَّةِ قَدْ يَكُونُ بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ كَعِلْمِ جِبْرِيلَ وَالرَّسُولِ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - وَقَدْ يَكُونُ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ أَوْ الِاسْتِنْبَاطِ كَعِلْمِ الْمُجْتَهِدِ وَالْأَوَّلُ لَا يُسَمَّى فِقْهًا اصْطِلَاحًا فَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ قَيْدِ الِاسْتِدْلَالِ أَوْ الِاسْتِنْبَاطِ احْتِرَازًا عَنْهُ وَالْمُصَنِّفُ تَوَهَّمَ أَنَّهُ احْتِرَازٌ عَنْ عِلْمِ الْمُقَلِّدِ فَجَزَمَ بِأَنَّهُ مُكَرَّرٌ لِخُرُوجِهِ بِقَوْلِهِ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ، فَإِنْ قِيلَ حُصُولُ الْعِلْمِ عَنْ الدَّلِيلِ مُشْعِرٌ بِالِاسْتِدْلَالِ، إذْ لَا مَعْنَى لِذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ مَأْخُوذًا عَنْ الدَّلِيلِ فَيَخْرُجُ عِلْمُ جِبْرِيلَ وَالرَّسُولِ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - أَيْضًا قُلْنَا لَوْ سَلَّمَ فَذَكَرَ الِاسْتِدْلَالَ لِلتَّصْرِيحِ بِمَا عَلِمَ الْتِزَامًا أَوْ لِدَفْعِ الْوَهْمِ أَوْ لِلْبَيَانِ دُونَ الِاحْتِرَازِ وَمِثْلُهُ شَائِعٌ فِي التَّعْرِيفَاتِ.
قَوْلُهُ (وَلَمَّا عَرَّفَ الْفِقْهَ) الْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ خِطَابَ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقَ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ تَعْرِيفٌ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُتَعَارَفِ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ لَا لِلْحُكْمِ الْمَأْخُوذِ فِي تَعْرِيفِ الْفِقْهِ وَالْمُصَنِّفُ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ تَعْرِيفٌ لَهُ وَأَنَّ الشَّرْعِيَّ قَيْدٌ زَائِدٌ عَلَى خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّ كَوْنَهُ تَعْرِيفًا لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إنَّمَا هُوَ رَأْيُ بَعْضِ الْأَشَاعِرَةِ كُلُّ ذَلِكَ لِعَدَمِ تَصَفُّحِهِ كُتُبَهُمْ فَنَقُولُ عَرَّفَ بَعْضُ
الجزء 1 · صفحة 22
(وَقَدْ زَادَ الْبَعْضُ أَوْ الْوَضْعِ لِيَدْخُلَ الْحُكْمُ بِالسَّبَبِيَّةِ وَالشَّرْطِيَّةِ وَنَحْوِهِمَا) اعْلَمْ أَنَّ الْخِطَابَ نَوْعَانِ، إمَّا تَكْلِيفِيٌّ، وَهُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِالِاقْتِضَاءِ أَوْ التَّخْيِيرِ، وَإِمَّا وَضْعِيٌّ، وَهُوَ الْخِطَابُ بِأَنَّ هَذَا سَبَبُ ذَلِكَ أَوْ شَرْطُهُ كَالدُّلُوكِ سَبَبٌ لِلصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةُ شَرْطٌ فَلَمَّا ذَكَرَ أَحَدَ النَّوْعَيْنِ، وَهُوَ التَّكْلِيفِيُّ وَجَبَ ذِكْرُ النَّوْعِ الْآخَرِ، وَهُوَ الْوَضْعِيُّ وَالْبَعْضُ لَمْ يَذْكُرْ الْوَضْعِيَّ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الِاقْتِضَاءِ أَوْ التَّخْيِيرِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى مِنْ كَوْنِ الدُّلُوكِ سَبَبًا لِلصَّلَاةِ أَنَّهُ إذَا وُجِدَ الدُّلُوكُ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ حِينَئِذٍ وَالْوُجُوبُ مِنْ بَابِ الِاقْتِضَاءِ لَكِنَّ الْحَقَّ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ الْحُكْمِ الْوَضْعِيِّ تَعَلُّقُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ آخَرَ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ لَيْسَ هَذَا وَلُزُومُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأَشَاعِرَةِ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ بِخِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقِ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ وَالْخِطَابُ فِي اللُّغَةِ تَوْجِيهُ الْكَلَامِ نَحْوَ الْغَيْرِ لِلْإِفْهَامِ، ثُمَّ نُقِلَ إلَى مَا يَقَعُ بِهِ التَّخَاطُبُ، وَهُوَ هَاهُنَا الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ الْأَزَلِيُّ وَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْكَلَامَ لَا يُسَمَّى فِي الْأَزَلِ خِطَابًا فَسَّرَ الْخِطَابَ بِالْكَلَامِ الْمُوَجَّهِ لِلْإِفْهَامِ أَوْ الْكَلَامِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ إفْهَامُ مَنْ هُوَ مُتَهَيِّئٌ لِفَهْمِهِ، وَمَعْنَى تَعَلُّقِهِ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ تَعَلُّقُهُ بِفِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِهِمْ وَإِلَّا لَمْ يُوجَدْ حُكْمٌ أَصْلًا، إذْ لَا خِطَابَ يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الْأَفْعَالِ فَدَخَلَ فِي الْحَدِّ خَوَاصُّ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَإِبَاحَةِ مَا فَوْقَ الْأَرْبَعِ مِنْ النِّسَاءِ وَخَرَجَ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَحْوَالِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَتَنْزِيهَاتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ لَا يُقَالُ إضَافَةُ الْخِطَابِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى تَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا حُكْمَ إلَّا خِطَابُهُ تَعَالَى وَقَدْ وَجَبَ طَاعَةُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأُولِي الْأَمْرِ وَالسَّيِّدِ فَخِطَابُهُمْ أَيْضًا حُكْمٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا وَجَبَتْ طَاعَتُهُمْ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهَا فَلَا حُكْمَ إلَّا حُكْمُهُ تَعَالَى، ثُمَّ اُعْتُرِضَ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْقَصَصُ الْمُبَيِّنَةُ لِأَحْوَالِ الْمُكَلَّفِينَ وَأَفْعَالِهِمْ وَالْأَخْبَارُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِأَعْمَالِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ أَحْكَامًا فَزِيدَ عَلَى التَّعْرِيفِ قَيْدٌ يُخَصِّصُهُ وَيُخْرِجُ مَا دَخَلَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَفْرَادِ الْمَحْدُودِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ بِالِاقْتِضَاءِ أَوْ التَّخْيِيرِ، فَإِنَّ تَعَلُّقَ الْخِطَابِ بِالْأَفْعَالِ فِي الْقَصَصِ وَالْإِخْبَارِ عَنْ الْأَعْمَالِ لَيْسَ تَعَلُّقَ الِاقْتِضَاءِ أَوْ التَّخْيِيرِ، إذْ مَعْنَى التَّخْيِيرِ إبَاحَةُ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ لِلْمُكَلَّفِ، وَمَعْنَى الِاقْتِضَاءِ طَلَبُ الْفِعْلِ مِنْهُ مَعَ الْمَنْعِ عَنْ التَّرْكِ، وَهُوَ الْإِيجَابُ أَوْ بِدُونِهِ، وَهُوَ النَّدْبُ أَوْ طَلَبُ التَّرْكِ مَعَ الْمَنْعِ عَنْ الْفِعْلِ، وَهُوَ التَّحْرِيمُ أَوْ بِدُونِهِ، وَهُوَ الْكَرَاهَةُ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى زِيَادَةِ قَوْلِهِمْ بِالِاقْتِضَاءِ أَوْ التَّخْيِيرِ؛ لِأَنَّ قَيْدَ الْحَيْثِيَّةِ مُرَادٌ وَالْمَعْنَى خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ وَلَيْسَ تَعَلُّقُ الْخِطَابِ بِالْأَفْعَالِ فِي صُوَرِ النَّقْضِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ (وَقَدْ زَادَ الْبَعْضُ) اعْتَرَضَتْ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ أَنَّ الْخِطَابَ عِنْدَكُمْ قَدِيمٌ وَالْحُكْمُ حَادِثٌ لِكَوْنِهِ مُتَّصِفًا بِالْحُصُولِ بَعْدَ الْعَدَمِ كَقَوْلِنَا حَلَّتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ مَا لَمْ تَكُنْ حَلَالًا وَلِكَوْنِهِ مُعَلَّلًا بِالْحَادِثِ كَقَوْلِنَا حَلَّتْ بِالنِّكَاحِ
الجزء 1 · صفحة 23
فِي صُورَةٍ لَا يَدُلُّ عَلَى اتِّحَادِهِمَا نَوْعًا (وَبَعْضُهُمْ قَدْ عَرَّفَ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ بِهَذَا) أَيْ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مُتَابِعِي الْأَشْعَرِيِّ قَالُوا الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَحُرِّمَتْ بِالطَّلَاقِ الثَّانِي أَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى كَلِمَةٍ أَوْ، وَهُوَ لِلتَّشْكِيكِ وَالتَّرْدِيدِ فِينَا فِي التَّعْرِيفِ وَالتَّحْدِيدِ. الثَّالِثُ أَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ لِلْأَحْكَامِ الْوَضْعِيَّةِ مِثْلَ سَبَبِيَّةِ الدُّلُوكِ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَشَرْطِيَّةِ الطَّهَارَةِ لَهَا وَمَانِعِيَّةِ النَّجَاسَةِ عَنْهَا وَالْمُصَنِّفُ أَهْمَلَ فِي تَفْسِيرِ الْخِطَابِ الْوَضْعِيِّ ذِكْرَ الْمَانِعِيَّةِ فَأَجَابَتْ الْأَشَاعِرَةُ عَنْ الْأَوَّلِ بِمَنْعِ اتِّصَافِ الْحُكْمِ بِالْحُصُولِ بَعْدَ الْعَدَمِ، بَلْ الْمُتَّصِفُ بِذَلِكَ هُوَ التَّعَلُّقُ وَالْمَعْنَى تَعَلَّقَ الْحِلُّ بِهَا بَعْدَ مَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقًا وَبِمَنْعِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِالْحَادِثِ بِمَعْنَى تَأْثِيرِ الْحَادِثِ فِيهِ، بَلْ مَعْنَاهُ كَوْنُ الْحَادِثِ أَمَارَةً عَلَيْهِ وَمُعَرِّفًا لَهُ، إذْ الْعِلَلُ الشَّرْعِيَّةُ أَمَارَاتٌ وَمُعَرِّفَاتٌ لَا مُوجِبَاتٌ وَمُؤَثِّرَاتٌ وَالْحَادِثُ يَصْلُحُ أَمَارَةً وَمُعَرِّفًا لِلْقَدِيمِ كَالْعَالَمِ لِلصَّانِعِ وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ أَوْ هَاهُنَا لِتَقْسِيمِ الْمَحْدُودِ وَتَفْصِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعَانِ نَوْعٌ لَهُ تَعَلُّقُ الِاقْتِضَاءِ وَنَوْعٌ لَهُ تَعَلُّقُ التَّخْيِيرِ فَلَا يُمْكِنُ جَمْعُهُمَا فِي حَدٍّ وَاحِدٍ بِدُونِ التَّفْصِيلِ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَالْتَزَمَهُ بَعْضُهُمْ وَزَادَ فِي التَّعْرِيفِ قَيْدًا يَعُمُّهُ وَيَجْعَلُهُ شَامِلًا لِلْحُكْمِ الْوَضْعِيِّ فَقَالَ بِالِاقْتِضَاءِ أَوْ التَّخْيِيرِ أَوْ الْوَضْعِ أَيْ وَضْعِ الشَّارِعِ وَجَعْلِهِ وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ خِطَابَ الْوَضْعِ حُكْمٌ وَنَحْنُ لَا نُسَمِّيهِ حُكْمًا، وَإِنْ اصْطَلَحَ غَيْرُنَا عَلَى تَسْمِيَتِهِ حُكْمًا فَلَا مُشَاحَّةَ مَعَهُ وَعَلَيْهِ تَغْيِيرُ التَّعْرِيفِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَلَا نُسَلِّمُ خُرُوجَهَا عَنْ الْحَدِّ فَإِنَّ مُرَادَنَا مِنْ الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ أَعَمُّ مِنْ التَّصْرِيحِ وَالضِّمْنِيِّ وَخِطَابُ الْوَضْعِ مِنْ قَبِيلِ الضِّمْنِيِّ، إذْ مَعْنَى سَبَبِيَّةِ الدُّلُوكِ وُجُوبُ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ، وَمَعْنَى شَرْطِيَّةِ الطَّهَارَةِ وُجُوبُهَا فِي الصَّلَاةِ أَوْ حُرْمَةُ الصَّلَاةِ بِدُونِهَا، وَمَعْنَى مَانِعِيَّةِ النَّجَاسَةِ حُرْمَةُ الصَّلَاةِ مَعَهَا أَوْ وُجُوبُ إزَالَتِهَا حَالَةَ الصَّلَاةِ وَكَذَا فِي جَمِيعِ الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعُ وَذَهَبَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْحَقَّ زِيَادَةُ الْقَيْدِ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ نَوْعَانِ تَكْلِيفِيٌّ وَوَضْعِيٌّ فَلَمَّا ذَكَرَ أَحَدَهُمَا وَجَبَ ذِكْرُ الْآخَرِ وَلَا وَجْهَ لِجَعْلِ الْوَضْعِ دَاخِلًا فِي الِاقْتِضَاءِ أَوْ التَّخْيِيرِ أَيْ فِي التَّكْلِيفِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا مَفْهُومَانِ مُتَغَايِرَانِ وَلُزُومُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لَا يَدُلُّ عَلَى اتِّحَادِهِمَا وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ لَا تَوْجِيهَ لِهَذَا الْكَلَامِ أَصْلًا أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْخَصْمَ يَمْنَعُ كَوْنَ الْخِطَابِ الْوَضْعِيِّ حُكْمًا وَيَصْطَلِحُ عَلَى تَسْمِيَةِ بَعْضِ أَقْسَامِ الْخِطَابِ حُكْمًا دُونَ الْبَعْضِ فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهِ ذِكْرُ الْوَضْعِيِّ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ، بَلْ كَيْفَ يَصِحُّ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ يَمْنَعُ كَوْنَهُ خَارِجًا عَنْ التَّعْرِيفِ وَيَجْعَلُ الْخِطَابَ التَّكْلِيفِيَّ أَعَمَّ مِنْهُ شَامِلًا لَهُ فَأَيُّ ضَرَرٍ لَهُ فِي تَغَايُرِ مَفْهُومَيْهِمَا، بَلْ كَيْفَ يَتَّحِدُ مَفْهُومُ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ الْمَفْهُومَ مِنْ الْخِطَابِ الْوَضْعِيِّ تَعَلُّقُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ فِيهِ تَسَامُحٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ الْخِطَابُ بِتَعَلُّقِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ لِكَوْنِهِ شَرْطًا لَهُ أَوْ سَبَبًا أَوْ مَانِعًا.
1 -
قَوْلُهُ (وَبَعْضُهُمْ عَرَّفَ) ذَكَرَ فِي بَعْضِ الْمُخْتَصَرَاتِ أَنَّ الْحُكْمَ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى إشَارَةً إلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمَعْهُودِ وَصَرَّحَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ بِأَنَّ
الجزء 1 · صفحة 24
(فَالْحُكْمُ عَلَى هَذَا إسْنَادُ أَمْرٍ إلَى آخَرَ وَالْفُقَهَاءُ يُطْلِقُونَهُ عَلَى مَا ثَبَتَ بِالْخِطَابِ كَالْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ مَجَازًا) بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَصْدَرِ عَلَى الْمَفْعُولِ (كَالْخَلْقِ عَلَى الْمَخْلُوقِ) لَكِنْ لَمَّا شَاعَ فِيهِ صَارَ مَنْقُولًا اصْطِلَاحِيًّا، وَهُوَ حَقِيقَةٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ (يَرُدُّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى تَعْرِيفِ الْحُكْمِ، وَهُوَ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى إلَخْ (إنَّ الْحُكْمَ الْمُصْطَلَحَ بَيْنَ) الْفُقَهَاءِ (مَا ثَبَتَ بِالْخِطَابِ لَا هُوَ) أَيْ لَا الْخِطَابُ فَلَا يَكُونُ مَا ذُكِرَ تَعْرِيفًا لِلْحُكْمِ الْمُصْطَلَحِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالتَّعْرِيفِ هُنَا (وَأَيْضًا يَخْرُجُ مِنْهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الصَّبِيِّ) كَجَوَازِ بَيْعِهِ وَصِحَّةِ إسْلَامِهِ وَصَلَاتِهِ وَكَوْنِهَا مَنْدُوبَةً وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَلِّقٍ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ مَعَ أَنَّهُ حُكْمٌ، فَإِنْ قِيلَ هُوَ حُكْمٌ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهِ بِفِعْلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى فَتَوَهَّمَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ هَذَا تَعْرِيفٌ لِلْحُكْمِ عِنْدَ الْبَعْضِ وَلِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عِنْدَ الْبَعْضِ وَلَا خِلَافَ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَشَاعِرَةِ فِي أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ قَالَ الْمُصَنِّفُ إذَا كَانَ تَعْرِيفًا لِلْحُكْمِ فَمَعْنَى الشَّرْعِيِّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّرْعِ لِيَكُونَ قَيْدًا مُفِيدًا مُخْرِجًا لِوُجُوبِ الْإِيمَانِ وَنَحْوِهِ وَإِذَا كَانَ تَعْرِيفًا لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فَمَعْنَى الشَّرْعِيِّ مَا وَرَدَ بِهِ خِطَابُ الشَّرْعِ لَا مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّرْعِ وَإِلَّا لَكَانَ الْحَدُّ أَعَمَّ مِنْ الْمَحْدُودِ لِتَنَاوُلِهِ مِثْلَ وُجُوبِ الْإِيمَانِ مَعَ أَنَّ الْمَحْدُودَ لَا يَتَنَاوَلُهُ حِينَئِذٍ لِعَدَمِ تَوَقُّفِهِ عَلَى الشَّرْعِ.
قَوْلُهُ (فَالْحُكْمُ عَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ خِطَابُ اللَّهِ إلَخْ تَعْرِيفًا لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إسْنَادُ أَمْرٍ إلَى آخَرَ لَا خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ وَإِلَّا لَكَانَ ذِكْرُ الشَّرْعِيَّةِ مُكَرَّرًا لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الشَّرْعَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ مَا وَرَدَ بِهِ خِطَابُ الشَّرْعِ لَا مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّرْعِ، فَإِنْ قِيلَ فَيَدْخُلُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِثْلُ وُجُوبِ الْإِيمَانِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْفِقْهِ قُلْنَا يَخْرُجُ بِقَيْدِ الْعَمَلِيَّةِ.
قَوْلُهُ (وَالْفُقَهَاءُ) يُرِيدُ أَنَّ الْحُكْمَ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ حَقِيقَةٌ فِيمَا ثَبَتَ بِالْخِطَابِ مِنْ الْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ وَنَحْوِهِمَا، وَهُوَ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ حَيْثُ أَطْلَقَ الْمَصْدَرَ أَعْنِي الْحُكْمَ عَلَى الْمَفْعُولِ أَعْنِي الْمَحْكُومَ بِهِ.
قَوْلُهُ (يَرُدُّ عَلَيْهِ) إشَارَةٌ إلَى اعْتِرَاضَاتٍ عَلَى تَعْرِيفِ الْحُكْمِ مَعَ الْجَوَابِ عَنْ الْبَعْضِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَقْصُودَ تَعْرِيفُ الْحُكْمِ الْمُصْطَلَحُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ مَا ثَبَتَ بِالْخِطَابِ كَالْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا هُوَ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ لَا نَفْسِ الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا مِمَّا أُورِدَ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ كَمَا أُرِيدَ بِالْحُكْمِ مَا حُكِمَ بِهِ أُرِيدَ بِالْخِطَابِ مَا خُوطِبَ بِهِ لِلْقَرِينَةِ الْعَقْلِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ لَيْسَ نَفْسَ كَلَامِ اللَّهِ الثَّانِي أَنَّ الْحُكْمَ هُوَ الْإِيجَابُ وَالتَّحْرِيمُ وَنَحْوَهُمَا وَإِطْلَاقُهُ عَلَى الْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ تَسَامُحٌ الثَّالِثُ، وَهُوَ لِلْعَلَّامَةِ الْمُحَقِّقِ عَضُدِ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ أَنَّ الْحُكْمَ نَفْسُ خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَالْإِيجَابُ هُوَ نَفْسُ قَوْلِهِ افْعَلْ وَلَيْسَ لِلْفِعْلِ مِنْهُ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ فَإِنَّ الْقَوْلَ لَيْسَ لِمُتَعَلَّقِهِ مِنْهُ صِفَةٌ لِتَعَلُّقِهِ بِالْمَعْدُومِ، وَهُوَ إذَا نُسِبَ إلَى الْحَاكِمِ يُسَمَّى إيجَابًا وَإِذَا نُسِبَ إلَى مَا فِيهِ الْحُكْمُ
الجزء 1 · صفحة 25
وَلِيِّهِ قُلْنَا هَذَا فِي الْإِسْلَامِ وَالصَّلَاةِ لَا يَصِحُّ.
وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْإِسْلَامِ وَالصَّلَاةِ فَإِنَّ تَعَلُّقَ الْحَقِّ بِمَالِهِ أَوْ بِذِمَّتِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، ثُمَّ أَدَاءُ الْوَلِيِّ حُكْمٌ آخَرُ مُتَرَتِّبٌ عَلَى الْأَوَّلِ لَا عَيْنُهُ وَسَيَجِيءُ فِي بَابِ الْحُكْمِ الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِأَفْعَالِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ وَيَخْرُجُ مِنْهُ مَا ثَبَتَ بِالْقِيَاسِ إذْ لَا خِطَابَ هُنَا، (إلَّا أَنْ يُقَالَ) اعْلَمْ أَنَّ الْمَصَادِرَ قَدْ تَقَعُ ظَرْفًا، نَحْوُ آتِيك طُلُوعَ الْفَجْرِ أَيْ وَقْتَ طُلُوعِهِ فَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ هَذَا الْقَبِيلُ فَإِنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ مِنْ قَوْلِهِ وَيَخْرُجُ مِنْهُ مَا ثَبَتَ بِالْقِيَاسِ أَيْ جَمِيعُ الْأَوْقَاتِ إلَّا وَقْتَ قَوْلِهِ فِي جَوَابِ الْإِشْكَالِ (يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ أَنَّ الْخِطَابَ وَرَدَ بِهَذَا إلَّا أَنَّهُ ثَبَتَ بِالْقِيَاسِ) فَإِنَّ الْقِيَاسَ مُظْهِرٌ لِلْحُكْمِ لَا مُثْبِتٌ فَانْدَفَعَ الْإِشْكَالُ (وَأَيْضًا يَخْرُجُ نَحْوُ آمِنُوا وَفَاعْتَبِرُوا) أَيْ مِنْ الْحَدِّ مَعَ أَنَّهَا حُكْمٌ فَالْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ هُنَا التَّصْدِيقُ فَوُجُوبُ التَّصْدِيقِ حُكْمٌ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْأَفْعَالِ إذْ الْمُرَادُ بِالْأَفْعَالِ الْمَذْكُورَةِ أَفْعَالُ الْجَوَارِحِ وَوُجُوبُ الِاعْتِبَارِ أَيْ الْقِيَاسُ حُكْمٌ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ.
(وَيَقَعُ التَّكْرَارُ بَيْنَ الْعَمَلِيَّةِ وَبَيْنَ الْمُتَعَلِّقِ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ) ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي حَدِّ الْفِقْهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَهُوَ الْفِعْلُ يُسَمَّى وُجُوبًا وَهُمَا مُتَّحِدَانِ بِالذَّاتِ مُخْتَلِفَانِ بِالِاعْتِبَارِ فَلِذَلِكَ تَرَاهُمْ يَجْعَلُونَ أَقْسَامَ الْحُكْمِ الْوُجُوبَ وَالْحُرْمَةَ مَرَّةً وَالْإِيجَابَ وَالتَّحْرِيمَ أُخْرَى وَتَارَةً الْوُجُوبَ وَالتَّحْرِيمَ كَمَا فِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ الثَّانِي أَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ لِخُرُوجِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَفْعَالِ الصِّبْيَانِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ بِأَنَّ الْأَحْكَامَ الَّتِي يُتَوَهَّمُ تَعَلُّقُهَا بِفِعْلِ الصَّبِيِّ إنَّمَا هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ الْوَلِيِّ مَثَلًا يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاءُ الْحُقُوقِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ وَرَدَّهُ الْمُصَنِّفُ أَوَّلًا بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ وَصِحَّةِ إسْلَامِهِ وَصَلَاتِهِ وَكَوْنِهَا مَنْدُوبَةً وَثَانِيًا بِأَنَّ تَعَلُّقَ الْحَقِّ بِمَالِ الصَّبِيِّ أَوْ ذِمَّتِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَأَدَاءَ الْوَلِيِّ حُكْمٌ آخَرُ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا السُّؤَالُ لَا يَتَأَتَّى عَلَى مَذْهَبِ مَنْ عَرَّفَ الْحُكْمَ بِهَذَا التَّعْرِيفِ فَإِنَّهُمْ مُصَرِّحُونَ بِأَنْ لَا حُكْمَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّبِيِّ إلَّا وُجُوبُ أَدَاءِ الْحَقِّ مِنْ مَالِهِ، وَذَلِكَ عَلَى الْوَلِيِّ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ تَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِمَالِهِ أَوْ ذِمَّتِهِ لَا يَدْخُلُ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ، وَإِنْ أُقِيمَ الْعِبَادُ مَقَامَ الْمُكَلَّفِينَ لِانْتِفَاءِ التَّعَلُّقِ بِالْأَفْعَالِ بِأَنَّ الصِّحَّةَ وَالْفَسَادَ لَيْسَا مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْمَأْتِيِّ بِهِ مُوَافِقًا لِمَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ أَوْ مُخَالِفًا أَمْرٌ يُعْرَفُ بِالْعَقْلِ كَكَوْنِ الشَّخْصِ مُصَلِّيًا أَوْ تَارِكًا لِلصَّلَاةِ، وَمَعْنَى جَوَازِ الْبَيْعِ صِحَّتُهُ، وَمَعْنَى كَوْنِ صَلَاتِهِ مَنْدُوبَةً أَنَّ الْوَلِيَّ مَأْمُورٌ بِأَنْ يُحَرِّضَهُ عَلَى الصَّلَاةِ وَيَأْمُرَهُ بِهَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ» الثَّالِثُ أَنَّ التَّعْرِيفَ غَيْرُ مُتَنَاوِلٍ لِلْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْقِيَاسِ لِعَدَمِ خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَجَابَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ مُظْهِرٌ لِلْحُكْمِ لَا مُثْبِتٌ وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ السُّؤَالَ وَارِدٌ فِيمَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَيْضًا وَالْجَوَابُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَاشِفٌ عَنْ خِطَابِ اللَّهِ وَمُعَرِّفٌ لَهُ، وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِهَا أَدِلَّةَ الْأَحْكَامِ الرَّابِعُ أَنَّهُ غَيْرُ شَامِلٍ لِلْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ
الجزء 1 · صفحة 26
الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ وَالْحُكْمُ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ فَيَكُونُ حَدُّ الْفِقْهِ الْعِلْمُ بِخِطَابَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ فَيَقَعُ التَّكْرَارُ (إلَّا أَنْ يُقَالَ نَعْنِي بِالْأَفْعَالِ مَا يَعُمُّ فِعْلَ الْجَوَارِحِ وَفِعْلَ الْقَلْبِ وَبِالْعَمَلِيَّةِ مَا يَخْتَصُّ بِالْجَوَارِحِ) فَانْدَفَعَ بِهَذِهِ الْعِنَايَةِ التَّكْرَارُ وَخَرَجَ جَوَابُ الْإِشْكَالِ الْمُتَقَدِّمِ، وَهُوَ قَوْلُهُ يَخْرُجُ نَحْوَ آمِنُوا وَفَاعْتَبِرُوا؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَفْعَالِ الْقَلْبِ.
(وَالشَّرْعِيَّةُ مَا لَا تُدْرَكُ لَوْلَا خِطَابُ الشَّارِعِ) سَوَاءٌ كَانَ الْخِطَابُ وَارِدًا فِي عَيْنِ هَذَا الْحُكْمِ أَوْ وَارِدًا فِي صُورَةٍ يَحْتَاجُ إلَيْهَا هَذَا الْحُكْمُ كَالْمَسَائِلِ الْقِيَاسِيَّةِ فَتَكُونُ أَحْكَامُهَا شَرْعِيَّةً إذْ لَوْلَا خِطَابُ الشَّارِعِ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ لَا يُدْرَكُ الْحُكْمُ فِي الْمَقِيسِ (فَيَدْخُلُ فِي حَدِّ الْفِقْهِ حُسْنُ كُلِّ فِعْلٍ وَقُبْحُهُ عِنْدَ نُفَاةِ كَوْنِهِمَا عَقْلِيَّيْنِ) اعْلَمْ أَنَّ عِنْدَنَا وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْمُعْتَزِلَةِ حُسْنَ بَعْضِ الْأَفْعَالِ وَقُبْحَهَا يُدْرَكَانِ عَقْلًا وَبَعْضُهَا لَا بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــQبِأَفْعَالِ الْقَلْبِ، مِثْلُ وُجُوبِ الْإِيمَانِ أَيْ التَّصْدِيقِ وَوُجُوبِ الِاعْتِبَارِ أَيْ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْأَفْعَالِ أَفْعَالُ الْجَوَارِحِ. الْخَامِسُ أَنَّهُ لَمَّا أَخَذَ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ اخْتَصَّ بِالْعَمَلِيَّاتِ وَخَرَجَتْ النَّظَرِيَّاتُ بِنَاءً عَلَى اخْتِصَاصِ الْفِعْلِ بِالْجَوَارِحِ فَيَكُونُ ذِكْرُ الْعَمَلِيَّةِ فِي تَعْرِيفِ الْفِقْهِ مُكَرَّرًا وَأَجَابَ عَنْهُمَا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِعْلِ مَا يَعُمُّ الْقَلْبَ وَالْجَوَارِحَ وَبِالْعَمَلِ مَا يَخُصُّ الْجَوَارِحَ فَلَا يَخْرُجُ مِثْلُ وُجُوبِ الْإِيمَانِ وَالِاعْتِبَارِ عَنْ تَعْرِيفِ الْحُكْمِ وَلَا يَكُونُ ذِكْرُ الْعَمَلِيَّةِ مُكَرَّرًا لِإِفَادَتِهِ خُرُوجَ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْجَوَارِحِ عَنْ تَعْرِيفِ الْفِقْهِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إذَا حُمِلَ الْحُكْمُ فِي تَعْرِيفِ الْفِقْهِ عَلَى الْمُصْطَلَحِ فَذِكْرُ الْعَمَلِيَّةِ مُكَرَّرٌ قَطْعًا؛ لِأَنَّ مِثْلَ وُجُوبِ الْإِيمَانِ خَارِجٌ بِقَيْدِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَا مَرَّ وَمِثْلَ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْحُكْمِ الْمُصْطَلَحِ لِخُرُوجِهِ بِقَيْدِ الِاقْتِضَاءِ أَوْ التَّخْيِيرِ لَا يُقَالُ مَعْنَى كَوْنِ السُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ حُجَجًا وُجُوبُ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهَا فَيَدْخُلُ فِي الِاقْتِضَاءِ الضِّمْنِيُّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ فَحِينَئِذٍ لَا يَخْرُجُ بِقَيْدِ الْعَمَلِيَّةِ وَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِهِ مِنْ الْفِقْهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ التَّقْيِيدَ بِالْعَمَلِيَّةِ يُقَيِّدُ إخْرَاجَ مِثْلِ جَوَازِ الْإِجْمَاعِ وَوُجُوبِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ.
قَوْلُهُ (وَالشَّرْعِيَّةُ مَا لَا يُدْرَكُ لَوْلَا خِطَابُ الشَّارِعِ) بِنَفْسِ الْحُكْمِ أَوْ بِأَصْلِهِ الْمَقِيسِ هُوَ عَلَيْهِ فَيَخْرُجُ عَنْهَا وُجُوبُ الْإِيمَانِ وَيَدْخُلُ مِثْلُ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ أَوْ الْقِيَاسِ حُجَّةً عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا، وَإِنَّمَا لَمْ يُفَسِّرْ الشَّرْعِيَّةَ بِمَا وَرَدَ بِهِ خِطَابُ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ أَنَّ الْحُكْمَ مُفَسَّرٌ بِخِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى آخِرِهِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ تَقْيِيدُهُ بِالشَّرْعِ تَكْرَارًا أَوْ عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ مَا وَرَدَ بِهِ خِطَابُ الشَّرْعِ فِي قَوْلِهِ مَا لَا يُدْرَكُ لَوْلَا خِطَابُ الشَّرْعِ، إذْ لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِي دَرْكِ الْأَحْكَامِ فَلَوْ كَانَ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى إلَى آخِرِهِ تَعْرِيفًا لِلْحُكْمِ عَلَى مَا زَعَمَ الْمُصَنِّفُ لَا لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لَكَانَ ذِكْرُ الشَّرْعِيِّ تَكْرَارًا أَلْبَتَّةَ أَيَّ تَفْسِيرٍ فَسَّرَ.
قَوْلُهُ (فَيَدْخُلُ) يُرِيدُ أَنَّ تَعْرِيفَ الْفِقْهِ عَلَى رَأْيِ
الجزء 1 · صفحة 27
خِطَابِ الشَّارِعِ فَالْأَوَّلُ لَا يَكُونُ مِنْ الْفِقْهِ، بَلْ هُوَ عِلْمُ الْأَخْلَاقِ وَالثَّانِي هُوَ الْفِقْهُ وَحَدُّ الْفِقْهِ يَكُونُ صَحِيحًا جَامِعًا مَانِعًا عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ.
وَأَمَّا عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ وَأَتْبَاعِهِ فَحُسْنُ كُلِّ فِعْلٍ وَقُبْحُهُ شَرْعِيٌّ فَيَكُونَانِ مِنْ الْفِقْهِ مَعَ أَنَّ حُسْنَ التَّوَاضُعِ وَالْجُودَ وَنَحْوَهُمَا وَقُبْحَ أَضْدَادِهِمَا لَا يُعَدَّانِ مِنْ الْفِقْهِ الْمُصْطَلَحِ عِنْدَ أَحَدٍ فَيَدْخُلُ فِي حَدِّ الْفِقْهِ الْمُصْطَلَحِ مَا لَيْسَ مِنْهُ فَلَا يَكُونُ هَذَا تَعْرِيفًا صَحِيحًا لِلْفِقْهِ الْمُصْطَلَحِ عَلَى مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ. (وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى حَدِّ الْفِقْهِ الْمُصْطَلَحِ (الَّتِي لَا يُعْلَمُ كَوْنُهَا مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً لِإِخْرَاجِ مِثْلِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَإِنَّهُمَا مِنْهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْأَحْكَامِ بَعْضَهَا وَإِنْ قَلَّ) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْقَيْدَ ذُكِرَ فِي الْمَحْصُولِ لِيُخْرِجَ مِثْلَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَأَمْثَالِهِمَا إذْ لَوْ لَمْ يُخْرِجْ لَكَانَ الشَّخْصُ الْعَالِمُ بِوُجُوبِهِمَا فَقِيهًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأَشَاعِرَةِ شَامِلٌ لِلْعِلْمِ عَنْ دَلِيلٍ بِحُسْنِ الْجُودِ وَالتَّوَاضُعِ أَيْ وُجُوبِهِمَا أَوْ نَدْبِهِمَا وَقُبْحِ الْبُخْلِ وَالتَّكَبُّرِ أَيْ حُرْمَتِهِمَا أَوْ كَرَاهَتِهِمَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا أَحْكَامٌ لَا تُدْرَكُ لَوْلَا خِطَابُ الشَّرْعِ عَلَى رَأْيِهِمْ مَعَ أَنَّ الْعِلْمَ بِهَا مِنْ عِلْمِ الْأَخْلَاقِ لَا مِنْ عِلْمِ الْفِقْهِ وَأَقُولُ إنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ عَمَلِيَّةً بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ. كَيْفَ وَالْأُمُورُ الْمَذْكُورَةُ أَخْلَاقُ مَلَكَاتٍ نَفْسَانِيَّةٍ جَعَلَ الْمُصَنِّفُ الْعِلْمَ بِحُسْنِهَا وَقُبْحِهَا مِنْ عِلْمِ الْأَخْلَاقِ وَقَدْ صَرَّحَ فِيمَا سَبَقَ بِأَنَّهُ يُزَادُ عَمَلًا عَلَى مَعْرِفَةِ النَّفْسِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا لِيَخْرُجَ عِلْمُ الْأَخْلَاقِ وَبِأَنَّ مَعْرِفَةَ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا مِنْ الْوِجْدَانِيَّاتِ أَيْ الْأَخْلَاقِ الْبَاطِنِيَّةِ وَالْمَلَكَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ عِلْمُ الْأَخْلَاقِ، وَمِنْ الْعَمَلِيَّاتِ عِلْمُ الْفِقْهِ فَكَأَنَّهُ نَسِيَ مَا ذَكَرَهُ ثَمَّةَ أَوْ ذَهِلَ عَنْ قَيْدِ الْعَمَلِيَّةِ هَاهُنَا.
قَوْلُهُ (وَلَا يُرَادُ عَلَيْهِ) الْمُصْطَلَحُ بَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْأَحْكَامِ إنَّمَا يُسَمَّى فِقْهًا إذَا كَانَ حُصُولُهُ بِطَرِيقِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ حَتَّى أَنَّ الْعِلْمَ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا اشْتَهَرَ كَوْنُهُ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ بِحَيْثُ يَعْلَمُهُ الْمُتَدَيِّنُ وَغَيْرُهُ لَا يُعَدُّ مِنْ الْفِقْهِ اصْطِلَاحًا وَلِهَذَا يَذْكُرُونَ قَيْدَ الِاكْتِسَابِ وَالِاسْتِدْلَالِ فَالْإِمَامُ قَيَّدَ فِي الْمَحْصُولِ الْأَحْكَامَ بِاَلَّتِي لَا يُعْلَمُ كَوْنُهَا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَقَالَ هُوَ احْتِرَازٌ عَنْ الْعِلْمِ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى فِقْهًا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْفِقْهِ وَلَا يُعَدُّ مِنْهُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَيْدِ الْعَمَلِيَّةِ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْتَرَزْ عَنْهُ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْعَالِمُ بِمُجَرَّدِ وُجُوبِهِمَا فَقِيهًا عَلَى مَا فَهِمَهُ الْمُصَنِّفُ فَاعْتَرَضَ بِمَنْعِ لُزُومِ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَقِيهَ مَنْ لَهُ الْفِقْهُ وَالْفِقْهُ لَيْسَ عِلْمًا بِبَعْضِ الْأَحْكَامِ، وَإِنْ قَلَّ حَتَّى يَكُونَ الْعَالِمُ بِمَسْأَلَةٍ أَوْ مَسْأَلَتَيْنِ فَقِيهًا، بَلْ الْعَالِمُ بِمِائَةِ مَسْأَلَةٍ غَرِيبَةٍ اسْتِدْلَالِيَّةٍ وَحْدَهَا لَا يُسَمَّى فَقِيهًا، ثُمَّ إذَا كَانَ اصْطِلَاحُهُمْ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ لَيْسَ مِنْ الْفِقْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِهَا عَنْ تَعْرِيفِهِمْ الْفِقْهَ فَلَا يَكُونُ الْقَيْدُ الْمُخْرِجُ لَهَا ضَائِعًا وَلَا الْقَوْلُ بِكَوْنِهَا مِنْ الْفِقْهِ صَحِيحًا عِنْدَهُمْ وَلَا الِاصْطِلَاحُ عَلَى ذَلِكَ صَالِحًا لِلِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ (ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُرَادُ بِالْأَحْكَامِ) اعْتِرَاضٌ عَلَى تَعْرِيفِ الْفِقْهِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْكَامِ إمَّا الْكُلُّ أَيْ
الجزء 1 · صفحة 28
فَأَقُولُ هَذَا الْقَيْدُ ضَائِعٌ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُخْرِجْ لَكَانَ الشَّخْصُ الْعَالِمُ بِوُجُوبِهِمَا فَقِيهًا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْكَامِ لَيْسَ بَعْضَهَا وَإِنْ قَلَّ فَإِنَّ الشَّخْصَ الْعَالِمَ بِمِائَةِ مَسْأَلَةٍ مِنْ أَدِلَّتِهَا سَوَاءٌ يَعْلَمُ كَوْنَهَا مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً أَوْ لَا يَعْلَمُ كَالْمَسَائِلِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي فِي كِتَابِ الرَّهْنِ وَنَحْوِهِ لَا يُسَمَّى فَقِيهًا فَالْعِلْمُ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ مِنْ الْفِقْهِ مَعَ أَنَّ الْعَالِمَ بِذَلِكَ وَحْدَهُ لَا يُسَمَّى فَقِيهًا كَالْعِلْمِ بِمِائَةِ مَسْأَلَةٍ غَرِيبَةٍ فَإِنَّهُ مِنْ الْفِقْهِ لَكِنَّ الْعَالِمَ بِهَا وَحْدَهَا لَيْسَ بِفَقِيهٍ فَلَا مَعْنَى لِإِخْرَاجِهِمَا مِنْهُ بِذَلِكَ الْعُذْرِ الْفَاسِدِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُرَادُ بِالْأَحْكَامِ الْكُلُّ؛ لِأَنَّ الْحَوَادِثَ لَا تَكَادُ تَتَنَاهَى، وَلَا ضَابِطَ يَجْمَعُ أَحْكَامَهَا، وَلَا يُرَادُ كُلُّ وَاحِدٍ لِوُجُودٍ لَا أَدْرِي، وَلَا بَعْضَ لَهُ نِسْبَةٌ مُعَيَّنَةٌ بِالْكُلِّ كَالنِّصْفِ أَوْ الْأَكْثَرِ لِلْجَهْلِ بِهِ، وَلَا التَّهَيُّؤُ لِلْكُلِّ إذْ التَّهَيُّؤُ الْبَعِيدُ قَدْ يُوجَدُ لِغَيْرِ الْفَقِيهِ وَالْقَرِيبُ مَجْهُولٌ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ، وَلَا يُرَادُ أَنَّهُ يَكُونُ بِحَيْثُ يَعْلَمُ بِالِاجْتِهَادِ حُكْمَ كُلِّ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ الْمُجْتَهِدِينَ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُمْ عِلْمُ بَعْضِ الْأَحْكَامِ مُدَّةَ حَيَاتِهِمْ كَأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمْ يَدْرِ الدَّهْرَ وَلِلْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ وَلِأَنَّ حُكْمَ بَعْضِ الْحَوَادِثِ رُبَّمَا يَكُونُ مِمَّا لَيْسَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَسَاغٌ وَأَيْضًا لَا يَلِيقُ فِي الْحُدُودِ أَنْ يُذْكَرَ الْعِلْمُ وَيُرَادَ بِهِ تَهَيُّؤٌ مَخْصُوصٌ إذْ لَا دَلَالَةَ لِلَّفْظِ عَلَيْهِ أَصْلًا وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْفِقْهُ عِلْمًا بِجُمْلَةٍ مُتَنَاهِيَةٍ مَضْبُوطَةٍ فَلِهَذَا قَالَ:
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَجْمُوعُ، وَإِمَّا كُلُّ وَاحِدٍ، وَإِمَّا بَعْضٌ لَهُ نِسْبَةٌ مُعَيَّنَةٌ إلَى الْكُلِّ كَالنِّصْفِ أَوْ الْأَكْثَرِ كَالثُّلُثَيْنِ مَثَلًا، وَإِمَّا الْبَعْضُ مُطْلَقًا، وَإِنْ قَلَّ وَالْأَقْسَامُ بِأَسْرِهَا بَاطِلَةٌ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْحَوَادِثَ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَنَاهِيَةً فِي نَفْسِهَا بِانْقِضَاءِ دَارِ التَّكْلِيفِ إلَّا أَنَّهَا لِكَثْرَتِهَا وَعَدَمِ انْقِطَاعِهَا مَا دَامَتْ الدُّنْيَا غَيْرَ دَاخِلَةٍ تَحْتَ حَصْرِ الْحَاصِرِينَ وَضَبْطِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ لَا تَكَادُ تَتَنَاهَى فَلَا يَعْلَمُ أَحْكَامَهَا جُزْئِيًّا فَجُزْئِيًّا لِعَدَمِ إحَاطَةِ الْبَشَرِ بِذَلِكَ وَلَا كُلِّيًّا تَفْصِيلِيًّا؛ لِأَنَّهُ لَا ضَابِطَ يَجْمَعُهَا لِاخْتِلَافِ الْحَوَادِثِ اخْتِلَافًا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الضَّبْطِ فَلَا يَكُونُ أَحَدٌ فَقِيهًا.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ بَعْضَ مَنْ هُوَ فَقِيهٌ بِالْإِجْمَاعِ قَدْ لَا يَعْرِفُ بَعْضَ الْأَحْكَامِ كَمَالِكٍ سُئِلَ عَنْ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً فَقَالَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ لَا أَدْرِي.
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّ الْكُلَّ مَجْهُولُ الْكَمِّيَّةِ وَالْجَهْلُ بِكَمِّيَّةِ الْكُلِّ يَسْتَلْزِمُ الْجَهْلَ بِكَمِّيَّةِ الْكُسُورِ الْمُضَافَةِ إلَيْهِ مِنْ النِّصْفِ وَغَيْرِهِ ضَرُورَةً وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ أَكْثَرُ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَمَّا فَوْقَ النِّصْفِ، وَهُوَ أَيْضًا مَجْهُولٌ.
وَأَمَّا الرَّابِعُ فَلِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ الْعَالِمُ بِمَسْأَلَةٍ أَوْ مَسْأَلَتَيْنِ مِنْ الدَّلِيلِ فَقِيهًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ اصْطِلَاحًا، وَهَذَا مَذْكُورٌ فِيمَا سَبَقَ فَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ هَاهُنَا، بَلْ أَشَارَ إلَيْهِ بِلَفْظِ " ثُمَّ " أَيْ بَعْدَمَا لَا يُرَادُ الْبَعْضُ، وَإِنْ قَلَّ لِإِيرَادِ الْكُلُّ إلَى آخِرِهِ وَهَاهُنَا بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى الْكُلِّ دُونَ كُلِّ وَاحِدٍ كَقَوْلِنَا كُلُّ الْقَوْمِ يَرْفَعُ هَذَا الْحَجَرَ لَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَمِنْهَا مَا هُوَ بِالْعَكْسِ كَقَوْلِنَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ يَكْفِيهِ هَذَا الطَّعَامُ لَا كُلُّ النَّاسِ وَمِنْهَا مَا لَا يَخْتَلِفُ كَقَوْلِنَا
الجزء 1 · صفحة 29
(بَلْ هُوَ الْعِلْمُ بِكُلِّ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ الَّتِي قَدْ ظَهَرَ نُزُولُ الْوَحْيِ بِهَا وَاَلَّتِي انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهَا مِنْ أَدِلَّتِهَا مَعَ مَلَكَةِ الِاسْتِنْبَاطِ الصَّحِيحِ مِنْهَا) فَالْمُعْتَبَرُ أَنْ يَعْلَمَ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ جَمِيعَ مَا قَدْ ظَهَرَ نُزُولُ الْوَحْيِ بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَالصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - كَانُوا فُقَهَاءَ فِي وَقْتِ نُزُولِ بَعْضِ الْأَحْكَامِ بَعْدَهُ، ثُمَّ مَا لَمْ يَظْهَرْ نُزُولُ الْوَحْيِ بِهِ قَدْ لَا يَعْلَمُهُ الْفَقِيهُ وَالصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لِعَرَبِيَّتِهِمْ كَانُوا عَالِمِينَ بِمَا ذَكَرَ وَلَمْ يُطْلَقْ الْفَقِيهُ إلَّا عَلَى الْمُسْتَنْبِطِينَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQضَرَبْت كُلَّ الْقَوْمِ أَوْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَمَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، إذْ مَعْرِفَةُ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ مَعْرِفَةُ كُلِّ حُكْمٍ وَبِالْعَكْسِ، وَإِنْ الْتَزَمَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ مَعْرِفَةَ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ أَعَمُّ مِنْ مَعْرِفَةِ كُلِّ وَاحِدٍ أَوْ الْبَعْضِ فَقَطْ فَعَدَمُ تَنَاهِي الْحَوَادِثِ لَا يُنَافِي ذَلِكَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَصَدَ بِالْكُلِّ مَجْمُوعَ الْأَحْكَامِ الْمَاضِيَةِ وَالْآتِيَةِ وَبِكُلِّ وَاحِدٍ مَا يَقَعُ وَيَدْخُلُ فِي الْوُجُودِ عَلَى التَّفْصِيلِ وَيَلْتَفِتُ إلَيْهِ ذِهْنُ الْمُجْتَهِدِينَ حَيْثُ عَلَّلَ عَدَمَ إرَادَةِ الْأَوَّلِ بِلَا تَنَاهِي الْحَوَادِثِ وَالثَّانِي بِثُبُوتٍ لَا أَدْرِي وَلَمَّا أَجَابَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْكَامِ الْمَجْمُوعُ، وَمَعْنَى الْعِلْمِ بِهَا التَّهَيُّؤُ لِذَلِكَ رَدَّهُ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ التَّهَيُّؤَ الْبَعِيدَ حَاصِلٌ لِغَيْرِ الْفَقِيهِ، وَالْقَرِيبُ غَيْرُ مَضْبُوطٍ، إذْ لَا يُعْرَفُ أَنَّ أَيَّ قَدْرٍ مِنْ الِاسْتِعْدَادِ يُقَالُ لَهُ التَّهَيُّؤُ الْقَرِيبُ وَلَمَّا فَسَّرَ التَّهَيُّؤَ بِكَوْنِ الشَّخْصِ بِحَيْثُ يَعْلَمُ بِالِاجْتِهَادِ حُكْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَوَادِثِ لِاسْتِجْمَاعِهِ الْمَأْخَذَ وَالْأَسْبَابَ وَالشَّرَائِطَ الَّتِي يَتَمَكَّنُ بِهَا مِنْ تَحْصِيلِهَا وَيَكْفِيهِ الرُّجُوعُ إلَيْهَا فِي مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ رَدَّهُ الْمُصَنِّفُ بِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهَا بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عَدَمَ تَيَسُّرِ مَعْرِفَةِ بَعْضِ الْأَحْكَامِ لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَوْ الْخَطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ يُنَافِي التَّهَيُّؤَ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ أَوْ وُجُودِ الْمَوَانِعِ أَوْ مُعَارَضَةِ الْوَهْمِ الْعَقْلِيِّ أَوْ مُشَاكَلَةِ الْحَقِّ الْبَاطِلَ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ شَيْئًا مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَمْ يَرِدْ بِهَا نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ يَكُونُ بِحَيْثُ لَا مَسَاغَ فِيهِ لِلِاجْتِهَادِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَيْثُ اعْتَمَدَ الِاجْتِهَادَ بِرَأْيِهِ فِيمَا لَا يَجِدُ فِيهِ النَّصَّ وَلَمْ يَقُلْ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحَلٌّ لِلِاجْتِهَادِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنْ لَا دَلَالَةَ لِلَفْظِ الْعِلْمِ عَلَى التَّهَيُّؤِ الْمَخْصُوصِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ مَلَكَةٌ يَقْتَدِرُ بِهَا عَلَى إدْرَاكِ جُزْئِيَّاتِ الْأَحْكَامِ، وَإِطْلَاقُ الْعِلْمِ عَلَيْهَا شَائِعٌ ذَائِعٌ فِي الْعُرْفِ كَقَوْلِهِمْ فِي تَعْرِيفِ الْعُلُومِ عِلْمُ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هَذِهِ الْمَلِكَةُ وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا الصِّنَاعَةُ لَا نَفْسُ الْإِدْرَاكِ وَكَقَوْلِهِمْ وَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ كَوْنُهُمَا جِهَتَيْ الْإِدْرَاكِ.
قَوْلُهُ، (بَلْ هُوَ الْعِلْمُ) تَعْرِيفٌ مُخْتَرَعٌ لِلْفِقْهِ بِحَيْثُ تَنْضَبِطُ مَعْلُومَاتُهُ وَالتَّقْيِيدُ بِكُلِّ الْأَحْكَامِ يَخْرُجُ بِهِ الْبَعْضُ إلَّا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا ظَهَرَ نُزُولُ الْوَحْيِ بِحُكْمٍ أَوْ بِحُكْمَيْنِ فَالْعَالِمُ بِهِ مَعَ الْمَلَكَةِ الْمَذْكُورَةِ لَا يُسَمَّى فَقِيهًا وَإِذَا عَلِمَ ثَلَاثَةَ أَحْكَامٍ يُسَمَّى فَقِيهًا وَقَيَّدَ نُزُولَ الْوَحْيِ بِالظُّهُورِ احْتِرَازًا عَمَّا نَزَلَ بِهِ الْوَحْيُ وَلَمْ يُبَلَّغْ بَعْدُ فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْفَقِيهِ مَعْرِفَتُهُ.
قَوْلُهُ (مَعَ مَلَكَةِ الِاسْتِنْبَاطِ) أَيْ الْعِلْمِ بِمَا ذَكَرَ بِشَرْطِ كَوْنِهِ
الجزء 1 · صفحة 30
مِنْهُمْ وَعِلْمُ الْمَسَائِلِ الْإِجْمَاعِيَّةِ يُشْتَرَطُ إلَّا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَدَمِ الْإِجْمَاعِ فِي زَمَنِهِ لَا الْمَسَائِلُ الْقِيَاسِيَّةُ لِلدَّوْرِ، بَلْ يُشْرَطُ مَلَكَةُ الِاسْتِنْبَاطِ الصَّحِيحِ هُوَ أَنْ يَكُونَ مَقْرُونًا
ـــــــــــــــــــــــــــــQمَقْرُونًا بِمَلَكَةِ اسْتِنْبَاطِ الْفُرُوعِ الْقِيَاسِيَّةِ مِنْ تِلْكَ الْأَحْكَامِ أَوْ اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْ أَدِلَّتِهَا حَتَّى إنَّ الْعِلْمَ بِالْحُكْمِ بِمُجَرَّدِ سَمَاعِ النَّصِّ لِلْعِلْمِ بِاللُّغَةِ مِنْ غَيْرِ اقْتِدَارٍ عَلَى النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ لَا يُعَدُّ مِنْ الْفِقْهِ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ.
قَوْلُهُ (لَا الْمَسَائِلُ الْقِيَاسِيَّةُ) أَيْ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْفَقِيهِ الْعِلْمُ بِالْمَسَائِلِ الْقِيَاسِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا نَتِيجَةُ الْفَقَاهَةِ وَالِاجْتِهَادِ لِكَوْنِهَا فُرُوعًا مُسْتَنْبَطَةً بِالِاجْتِهَادِ فَيَتَوَقَّفُ الْعِلْمُ بِهَا عَلَى كَوْنِ الشَّخْصِ فَقِيهًا فَلَوْ تَوَقَّفَتْ الْفَقَاهَةُ عَلَيْهَا لَزِمَ الدَّوْرُ، فَإِنْ قِيلَ هَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِي أَوَّلِ الْقَائِسِينَ.
وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُ فَيَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ فِيهِ الْعِلْمُ بِالْمَسَائِلِ الْقِيَاسِيَّةِ الَّتِي اسْتَنْبَطَهَا الْمُجْتَهِدُ الْأَوَّلُ مِنْ غَيْرِ لُزُومِ دَوْرٍ قُلْنَا لَا يَجُوزُ لِلْمُجْتَهِدِ التَّقْلِيدُ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ الْمَسَائِلَ الْقِيَاسِيَّةَ بِاجْتِهَادِهِ فَلَوْ اُشْتُرِطَ الْعِلْمُ بِهَا لَزِمَ الدَّوْرُ نَعَمْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْرِفَ أَقْوَالَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْمَسَائِلِ الْقِيَاسِيَّةِ لِئَلَّا يَقَعَ فِي مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ، فَإِنْ قِيلَ الْمَسَائِلُ الْقِيَاسِيَّةُ مِمَّا ظَهَرَ نُزُولُ الْوَحْيِ بِهَا، إذْ الْقِيَاسُ مُظْهِرٌ لَا مُثْبِتٌ فَيُشْتَرَطُ لِلْمُجْتَهِدِ الْأَخِيرِ الْعِلْمُ بِهَا قُلْنَا نُزُولُ الْوَحْيِ بِهَا إنَّمَا ظَهَرَ لِلْمُجْتَهِدِ السَّابِقِ لَا فِي الْوَاقِعِ وَلَا عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ الثَّانِي وَلَيْسَ لَهُ تَقْلِيدُ الْأَوَّلِ فَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ مَعْرِفَتُهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ مَا ظَهَرَ نُزُولُ الْوَحْيِ بِهِ لَا يَتَوَسَّطُ الْقِيَاسُ، ثُمَّ هَاهُنَا أَبْحَاثٌ الْأَوَّلُ أَنَّ الْمَقْصُودَ تَعْرِيفُ الْفِقْهِ الْمُصْطَلَحُ بَيْنَ الْقَوْمِ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ اسْمٌ لِعِلْمٍ مَخْصُوصٍ مُعَيَّنٍ كَسَائِرِ الْعُلُومِ وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ اسْمٌ لِمَفْهُومٍ كُلِّيٍّ يَتَبَدَّلُ بِحَسَبِ الْأَيَّامِ وَالْأَعْصَارِ فَيَوْمًا يَكُونُ عِلْمًا بِجُمْلَةٍ مِنْ الْأَحْكَامِ وَيَوْمًا بِأَكْثَرَ وَأَكْثَرَ وَهَكَذَا يَتَزَايَدُ إلَى انْقِرَاضِ زَمَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، ثُمَّ أَخَذَ يَتَزَايَدُ بِحَسَبِ الْأَعْصَارِ وَانْعِقَادِ الْإِجْمَاعَاتِ وَأَيْضًا يَنْتَقِصُ بِحَسَبِ النَّوَاسِخِ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِ أَخْبَارِ الْآحَادِ. الثَّانِي أَنَّ التَّعْرِيفَ لَا يَصْدُقُ عَلَى فِقْهِ الصَّحَابَةِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِعَدَمِ الْإِجْمَاعِ فِي زَمَانِهِ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ الْعِلْمُ بِمَا ظَهَرَ نُزُولُ الْوَحْيِ بِهِ فَقَطْ إنْ لَمْ يَكُنْ إجْمَاعٌ وَبِهِ وَبِمَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ إنْ كَانَ وَمِثْلُهُ فِي التَّعْرِيفَاتِ بَعِيدٌ. الثَّالِثُ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الْقِيَاسِيَّةِ خَارِجًا عَنْ الْفِقْهِ، وَذَلِكَ عِنْدَهُمْ مُعْظَمُ مَسَائِلِ الْفِقْهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ فِقْهٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، إذْ قَدْ ظَهَرَ عَلَيْهِ نُزُولُ الْوَحْيِ بِهِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْفِقْهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ مُجْتَهِدٍ شَيْئًا آخَرَ. الرَّابِعُ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِظُهُورِ نُزُولِ الْوَحْيِ لِظُهُورٍ فِي الْجُمْلَةِ فَكَثِيرٌ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ لَمْ يَعْرِفُوا كَثِيرًا مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي ظَهَرَ نُزُولُ الْوَحْيِ بِهَا عَلَى بَعْضِ الصَّحَابَةِ كَمَا رَجَعُوا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْوَقَائِعِ إلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي فَقَاهَتِهِمْ، وَإِنْ أُرِيدَ الظُّهُورُ عَلَى الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ فَهُوَ غَيْرُ مَضْبُوطٍ لِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ وَتَفَرُّقِهِمْ فِي الْأَسْفَارِ وَالْأَشْغَالِ وَلَوْ سُلِّمَ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ الْعِلْمُ بِالْحُكْمِ الَّذِي يَرْوِيهِ الْآحَادُ مِنْ الْفِقْهِ حَتَّى يَصِيرَ
الجزء 1 · صفحة 31
بِشَرَائِطِهِ وَمَا قِيلَ: إنَّ الْفِقْهَ ظَنِّيٌّ فَلِمَ أَطْلَقَ الْعِلْمَ عَلَيْهِ فَجَوَابُهُ أَوَّلًا أَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ فَإِنَّ الْجُمْلَةَ الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّهَا فِقْهٌ وَهِيَ مَا قَدْ ظَهَرَ نُزُولُ الْوَحْيِ بِهِ وَمَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ قَطْعِيَّةٌ. وَثَانِيًا: أَنَّ الْعِلْمَ يُطْلَقُ عَلَى الظَّنِّيَّاتِ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْقَطْعِيَّاتِ كَالطِّبِّ وَنَحْوِهِ، وَثَالِثًا أَنَّ الشَّارِعَ لَمَّا اعْتَبَرَ غَلَبَةَ الظَّنِّ فِي الْأَحْكَامِ صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ كُلَّمَا غَلَبَ ظَنُّ الْمُجْتَهِدِ بِالْحُكْمِ يَثْبُتُ الْحُكْمُ فَكُلَّمَا وُجِدَ غَلَبَةُ ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ يَكُونُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ مَقْطُوعًا بِهِ فَهَذَا الْجَوَابُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ إنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ يَكُونُ صَحِيحًا، وَأَمَّا عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِهِ فَيُرَادُ بِقَوْلِهِ كُلَّمَا غَلَبَ ظَنُّ الْمُجْتَهِدِ يَثْبُتُ الْحُكْمُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ أَوْ يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِالنَّظَرِ إلَى الدَّلِيلِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي عِلْمِ اللَّهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQشَائِعًا ظَاهِرًا عَلَى الْأَكْثَرِ فَيَصِيرُ فِقْهًا وَبِالْجُمْلَةِ هَذَا التَّعْرِيفُ لَا يَخْلُو عَنْ الْإِشْكَالِ وَالِاخْتِلَالِ.
قَوْلُهُ (فَجَوَابُهُ أَوَّلًا) مُشْعِرٌ بِأَنَّ مَا أَظْهَرَ الْقِيَاسُ نُزُولَ الْوَحْيِ بِهِ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ الْفِقْهِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ ظَنِّيٌّ، ثُمَّ مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ أَوْ الْإِجْمَاعُ أَيْضًا إنَّمَا يَكُونُ قَطْعِيًّا إذَا كَانَ ثُبُوتُهُمَا أَيْضًا قَطْعِيًّا الْقَطْعُ بِأَنَّ الْأَحْكَامَ الثَّابِتَةَ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ ظَنِّيَّةٌ.
قَوْلُهُ (وَثَالِثًا) هُوَ الَّذِي ذَكَرَ فِي الْمَحْصُولِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْحُكْمَ مَقْطُوعٌ وَالظَّنُّ فِي طَرِيقِهِ وَتَقْرِيرِهِ أَنَّهُ لَمَّا دَلَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ وَكَثُرَتْ أَخْبَارُ الْآحَادِ فِي ذَلِكَ حَتَّى صَارَتْ مُتَوَاتِرَةَ الْمَعْنَى، وَهَذَا مَعْنَى اعْتِبَارِ الشَّارِعِ غَلَبَةَ الظَّنِّ فِي الْأَحْكَامِ صَارَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ نَصٍّ قَطْعِيٍّ مِنْ الشَّارِعِ عَلَى أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ فَهُوَ ثَابِتٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ فَيَكُونُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ الْمَظْنُونِ قَطْعِيًّا فَيَصِحُّ إطْلَاقُ الْعِلْمِ عَلَى إدْرَاكِهِ هَذَا عَلَى تَقْدِيرِ تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ، فَإِنْ قِيلَ الْمَظْنُونُ مَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ وَالْمَعْلُومُ مَا لَا يَحْتَمِلُهُ فَيَتَنَافَيَانِ قُلْنَا يَكُونُ مَظْنُونًا فَيَصِيرُ مَعْلُومًا بِمُلَاحَظَةِ هَذَا الْقِيَاسِ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ كَوْنُهُ مَظْنُونًا لِلْمُجْتَهِدِ وَكُلُّ مَا عُلِمَ كَوْنُهُ مَظْنُونًا لِلْمُجْتَهِدِ عَلَى كَوْنِهِ ثَابِتًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ قَطْعًا بِنَاءً عَلَى تَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ.
وَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ فَكَأَنَّهُ ثَبَتَ نَصٌّ قَطْعِيٌّ عَلَى أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ فَهُوَ وَاجِبُ الْعَمَلِ أَوْ ثَابِتٌ بِالنَّظَرِ إلَى الدَّلِيلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ أَوْ ثُبُوتُهُ بِالنَّظَرِ إلَى الدَّلِيلِ قَطْعِيًّا لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَى الْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ الْفِقْهُ عِبَارَةً عَنْ الْعِلْمِ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْأَحْكَامِ وَعَلَى الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الثَّابِتُ بِالنَّظَرِ إلَى الدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ثُبُوتُهُ فِي الْوَاقِعِ قَطْعِيًّا وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الثَّابِتَ الْقَطْعِيَّ مَا لَا يَحْتَمِلُ عَدَمَ الثُّبُوتِ فِي الْوَاقِعِ وَغَايَةُ مَا أَمْكَنَ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ، وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ الْمَظْنُونَ لِلْمُجْتَهِدِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ قَطْعًا لِلدَّلِيلِ الْقَاطِعِ وَكُلُّ حُكْمٍ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ قَطْعًا عُلِمَ قَطْعًا أَنَّهُ حُكْمٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ الْعَمَلُ بِهِ وَكُلُّ مَا عُلِمَ قَطْعًا أَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مَعْلُومٌ قَطْعًا فَكُلُّ مَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ مَعْلُومٌ قَطْعًا فَالْحُكْمُ الْمَظْنُونُ لِلْمُجْتَهِدِ مَعْلُومٌ قَطْعًا فَالْفِقْهُ عِلْمٌ قَطْعِيٌّ وَالظَّنُّ وَسِيلَةٌ إلَيْهِ وَحَلُّهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ قَطْعًا عُلِمَ قَطْعًا أَنَّهُ
الجزء 1 · صفحة 32
تَعَالَى
(وَأُصُولُ الْفِقْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ وَإِنْ كَانَ ذَا فَرْعًا لِلثَّلَاثَةِ) لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ الْفِقْهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ الْفِقْهُ أَيُّ شَيْءٍ هُوَ؟ فَقَالَ هُوَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ؛ فَالثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ أُصُولٌ مُطْلَقَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا مُثْبِتٌ لِلْحُكْمِ أَمَّا الْقِيَاسُ فَهُوَ أَصْلٌ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحُكْمِ وَفَرْعٌ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ فَرْعٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ (إذْ الْعِلَّةُ) فِيهِ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ مَوَارِدِهَا فَيَكُونُ الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالْقِيَاسِ ثَابِتًا بِتِلْكَ الْأَدِلَّةِ وَأَيْضًا هُوَ لَيْسَ بِمُثْبِتٍ، بَلْ هُوَ مُظْهِرٌ.
أَمَّا نَظِيرُ الْقِيَاسُ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْ الْكِتَابِ فَكَقِيَاسَ حُرْمَةِ اللَّوْطَةِ عَلَى حُرْمَةِ الْوَطْءِ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ الثَّابِتَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] وَالْعِلَّةُ هِيَ الْأَذَى وَأَمَّا الْمُسْتَنْبَطُ مِنْ السُّنَّةِ فَكَقِيَاسِ حُرْمَةِ قَفِيزٍ مِنْ الْجُصِّ بِقَفِيزَيْنِ عَلَى حُرْمَةِ قَفِيزٍ مِنْ الْحِنْطَةِ بِقَفِيزَيْنِ الثَّابِتَةِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ وَالْفَضْلُ رِبًا» وَأَمَّا الْمُسْتَنْبَطُ مِنْ الْإِجْمَاعِ فَأَوْرَدُوا لِنَظِيرِهِ قِيَاسَ الْوَطْءِ الْحَرَامِ عَلَى الْحَلَالِ فِي حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ يَعْنِي قِيَاسَ حُرْمَةِ وَطْءِ أُمِّ الْمُزَنِيَّةِ عَلَى حُرْمَةِ وَطْءِ أُمِّ أَمَتِهِ الَّتِي وَطِئَهَا وَالْحُرْمَةُ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ ثَابِتَةٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــQحُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجِبَ الْعَمَلُ قَطْعًا بِمَنْ يُظَنُّ أَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ فَقَوْلُهُ وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ الْعَمَلُ بِهِ عَيْنُ النِّزَاعِ، وَإِنْ بَنَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ مَظْنُونُ الْمُجْتَهِدِ فَهُوَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى قَطْعًا كَمَا هُوَ رَأْيُ الْبَعْضِ يَكُونُ ذِكْرُ وُجُوبِ الْعَمَلِ ضَائِعًا لَا مَعْنَى لَهُ أَصْلًا
[تَعْرِيفُ أُصُولِ الْفِقْهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَقَبٌ]
قَوْلُهُ (وَأُصُولُ الْفِقْهِ) مَا سَبَقَ كَانَ بَيَانَ مَفْهُومِ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَهَذَا بَيَانُ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ هَذَا الْمَفْهُومُ مِنْ الْأَنْوَاعِ الْمُنْحَصِرَةِ بِحُكْمِ الِاسْتِقْرَاءِ فِي الْأَرْبَعَةِ وَوَجْهُ ضَبْطِهِ أَنَّ الدَّلِيلَ الشَّرْعِيَّ إمَّا وَحَيٌّ أَوْ غَيْرُهُ وَالْوَحْيُ إنْ كَانَ مَتْلُوًّا فَالْكِتَابُ وَإِلَّا فَالسُّنَّةُ وَغَيْرُ الْوَحْيِ إنْ كَانَ قَوْلَ كُلِّ الْأُمَّةِ فِي عَصْرٍ فَالْإِجْمَاعُ وَإِلَّا فَالْقِيَاسُ أَوْ أَنَّ الدَّلِيلَ إمَّا أَنْ يَصِلَ مِنْ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَوْ لَا وَالْأَوَّلُ إنْ تَعَلَّقَ بِنَظْمِهِ الْإِعْجَازُ فَالْكِتَابُ وَإِلَّا فَالسُّنَّةُ وَالثَّانِي إنْ اشْتَرَطَ عِصْمَةَ مَنْ صَدَرَ عَنْهُ فَالْإِجْمَاعُ وَإِلَّا فَالْقِيَاسُ.
وَأَمَّا شَرَائِعُ مَنْ قَبْلَنَا وَالتَّعَامُلُ وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَرَاجِعَةٌ إلَى الْأَرْبَعَةِ وَكَذَا الْمَعْقُولُ نَوْعُ اسْتِدْلَالٍ بِأَحَدِهَا وَإِلَّا فَلَا دَخْلَ لِلرَّأْيِ فِي إثْبَاتِ الْأَحْكَامِ وَمَا جَعَلَهُ بَعْضُهُمْ نَوْعًا خَامِسًا مِنْ الْأَدِلَّةِ وَسَمَّاهُ الِاسْتِدْلَالَ فَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى التَّمَسُّكِ بِمَعْقُولِ النَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْأَحْكَامِ، ثُمَّ الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ أُصُولٌ مُطْلَقَةٌ لِكَوْنِهَا أَدِلَّةً مُسْتَقِلَّةً مُثْبِتَةً لِلْأَحْكَامِ وَالْقِيَاسُ أَصْلٌ مِنْ وَجْهٍ لِاسْتِنَادِ الْحُكْمِ إلَيْهِ ظَاهِرًا دُونَ وَجْهٍ لِكَوْنِهِ فَرْعًا لِلثَّلَاثَةِ لِابْتِنَائِهِ عَلَى عِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ مِنْ مَوَارِدِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ فَالْحُكْمُ بِالتَّحْقِيقِ مُسْتَنِدٌ إلَيْهَا وَأَثَرُ الْقِيَاسِ فِي إظْهَارِ الْحُكْمِ وَتَغْيِيرِ وَصْفِهِ مِنْ الْخُصُوصِ إلَى الْعُمُومِ وَمِنْ هُنَا يُقَالُ أُصُولُ الْفِقْهِ ثَلَاثَةٌ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْأَصْلُ الرَّابِعُ الْقِيَاسُ الْمُسْتَنْبَطُ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ وَاعْتُرِضَ بِوُجُوهٍ الْأَوَّلُ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْأَصْلِ الْمُطْلَقِ إلَّا مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ سَوَاءٌ كَانَ فَرْعًا لِشَيْءٍ آخَرَ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَلِهَذَا صَحَّ إطْلَاقُهُ عَلَى الْأَبِ، وَإِنْ كَانَ فَرْعًا الثَّانِي أَنَّ السَّبَبَ الْقَرِيبَ لِلشَّيْءِ مَعَ أَنَّهُ
الجزء 1 · صفحة 33
إجْمَاعًا، وَلَا نَصَّ فِيهِ، بَلْ النَّصُّ وَرَدَ فِي أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ الْوَطْءِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــQمُسَبَّبٌ عَنْ الْبَعِيدِ أَوْلَى بِإِطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلَيْهِ مِنْ الْبَعِيدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسَبَّبًا عَنْ شَيْءٍ آخَرَ. الثَّالِثُ أَنَّ أَوْلَوِيَّةَ بَعْضِ الْأَقْسَامِ فِي مَعْنَى الْمُقَسَّمِ لَازِمَةٌ فِي كُلِّ قِسْمَةٍ فَيَلْزَمُ أَنَّ بِفَرْدِ الْقِسْمِ الضَّعِيفِ فَيُقَالُ مَثَلًا الْكَلِمَةُ قِسْمَانِ اسْمٌ وَفِعْلٌ وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ هُوَ الْحَرْفُ الرَّابِعُ أَنَّ تَغْيِيرَ الْحُكْمِ مِنْ الْخُصُوصِ إلَى الْعُمُومِ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِتَقْدِيرِهِ فِي صُورَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ مَعْنَى الْأَصَالَةِ الْمُطْلَقَةِ. الْخَامِسُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ أَيْضًا يَفْتَقِرُ إلَى السَّنَدِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ أَصْلًا مُطْلَقًا وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّا لَا نَدَّعِي أَنَّ لِعَدَمِ الْفَرْعِيَّةِ دَخْلًا فِي مَفْهُومِ الْأَصْلِ، بَلْ إنَّ الْأَصْلَ مَقُولٌ بِالتَّشْكِيكِ وَإِنَّ الْأَصْلَ الَّذِي يَسْتَقِلُّ فِي مَعْنَى الْأَصَالَةِ وَابْتِنَاءِ الْفَرْعِ عَلَيْهِ كَالْكِتَابِ مَثَلًا أَقْوَى مِنْ الْأَصْلِ الَّذِي يُبْتَنَى فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى عَلَى شَيْءٍ آخَرَ بِحَيْثُ يَكُونُ فَرْعُهُ فِي الْحَقِيقَةِ مُبْتَنِيًا عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ كَالْقِيَاسِ وَالْأَضْعَفُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْأَصْلِ الْمُطْلَقِ بِمَعْنَى الْكَامِلِ فِي الْأَصَالَةِ، وَهَذَا بَيِّنٌ.
وَأَمَّا الْأَبُ فَإِنَّمَا يُبْتَنَى عَلَى أَبِيهِ فِي الْوُجُودِ لَا فِي الْأُبُوَّةِ، وَالْأَصَالَةُ لِلْوَلَدِ فَلَا يَكُونُ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي شَيْءٍ وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ السَّبَبَ الْقَرِيبَ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي فَرْعِهِ وَالْمُفْضِي إلَيْهِ وَأَثَرُ الْبَعِيدِ إنَّمَا هُوَ فِي الْوَاسِطَةِ الَّتِي هِيَ السَّبَبُ الْقَرِيبُ لَا فِي فَرْعِهِ فَبِالضَّرُورَةِ يَكُونُ أَوْلَى وَأَقْوَى مِنْ الْبَعِيدِ فِي مَعْنَى السَّبَبِيَّةِ وَالْأَصَالَةِ لِذَلِكَ الْفَرْعِ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ الْقِيَاسُ لَيْسَ بِمُثْبِتٍ لِحُكْمِ الْفَرْعِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا لِيَكُونَ أَوْلَى بِالْأَصَالَةِ، بَلْ هُوَ مُظْهِرٌ لِاسْتِنَادِ حُكْمِ الْفَرْعِ إلَى النَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ أَوْلَوِيَّةِ بَعْضِ الْأَقْسَامِ فِي كُلِّ تَقْسِيمٍ وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي تَقْسِيمِ الْمَاهِيَّاتِ الْحَقِيقِيَّةِ إلَى أَنْوَاعِهَا وَأَفْرَادِهَا كَتَقْسِيمِ الْحَيَوَانِ إلَى الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ سُلِّمَ لُزُومُ ذَلِكَ فِي كُلِّ قِسْمَةٍ فَلَا نُسَلِّمُ لُزُومَ الْإِشَارَةِ إلَى ذَلِكَ وَالتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ يَجُوزُ عَنْ الرَّابِعِ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالتَّقْدِيرِ التَّقْرِيرُ بِحَسَبِ الْوَاقِعِ حَتَّى يَكُونَ الْقِيَاسُ هُوَ الَّذِي يُقَرِّرُ الْحُكْمَ وَيُثْبِتُهُ فِي صُورَةِ الْفَرْعِ فَلَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَ التَّغْيِيرِ بِدُونِهِ، وَإِنْ أُرِيدَ التَّقْرِيرُ بِحَسَبِ عِلْمِنَا فَهُوَ لَا يَقْتَضِي إسْنَادَ الْحُكْمِ حَقِيقَةً إلَى الْقِيَاسِ لِيَكُونَ أَصْلًا لَهُ كَامِلًا وَعَنْ الْخَامِسِ بَعْدَ تَسْلِيمِ مَا ذَكَرَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى السَّنَدِ فِي تَحَقُّقِهِ لَا فِي نَفْسِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْحُكْمِ فَإِنَّ الْمُسْتَدَلَّ بِهِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى مُلَاحَظَةِ السَّنَدِ وَالِالْتِفَاتِ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَإِنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ لَا يُمْكِنُ بِدُونِ اعْتِبَارِ أَحَدِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ وَالْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْهَا وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ يُثْبِتُ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى مَا يُثْبِتُهُ السَّنَدُ، وَهُوَ قَطْعِيَّةُ الْحُكْمِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ زِيَادَةً، بَلْ رُبَّمَا يُورِثُهُ نُقْصَانًا بِأَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ قَطْعِيًّا وَحُكْمُهُ ظَنِّيٌّ.
(قَوْلُهُ
الجزء 1 · صفحة 34
وَلَمَّا عَرَّفَ أُصُولَ الْفِقْهِ بِاعْتِبَارِ الْإِضَافَةِ فَالْآنَ يُعَرِّفُهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَقَبٌ لِعِلْمٍ مَخْصُوصٍ فَيَقُولُ.
(وَعِلْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ الْعِلْمُ بِالْقَوَاعِدِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ) أَيْ الْعِلْمُ بِالْقَضَايَا الْكُلِّيَّةِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى الْفِقْهِ تَوَصُّلًا قَرِيبًا وَإِنَّمَا قُلْنَا تَوَصُّلًا قَرِيبًا احْتِرَازًا عَنْ الْمَبَادِئِ كَالْعَرَبِيَّةِ وَالْكَلَامِ وَإِنَّمَا قُلْنَا عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ احْتِرَازًا عَنْ عِلْمِ الْخِلَافِ وَالْجَدَلِ فَإِنَّهُ وَإِنْ اشْتَمَلَ عَلَى الْقَوَاعِدِ الْمُوَصِّلَةِ إلَى مَسَائِلِ الْفِقْهِ لَكِنْ لَا عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ، بَلْ الْغَرَضُ مِنْهُ إلْزَامُ الْخَصْمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَعَلَى الْفِقْهِ) بَعْدَ مَا تَقَرَّرَ أَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ لَقَبٌ لِلْعِلْمِ الْمَخْصُوصِ لَا حَاجَةَ إلَى إضَافَةِ الْعِلْمِ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ زِيَادَةَ بَيَانٍ وَتَوْضِيحٍ كَشَجَرِ الْأَرَاكِ وَالْقَاعِدَةُ حُكْمٌ كُلِّيٌّ يَنْطَبِقُ عَلَى جُزْئِيَّاتِهِ لِيَتَعَرَّفَ أَحْكَامَهَا مِنْهُ كَقَوْلِنَا كُلُّ حُكْمٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْقِيَاسُ فَهُوَ ثَابِتٌ وَالتَّوَصُّلُ الْقَرِيبُ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْبَاءِ السَّبَبِيَّةِ الظَّاهِرَةِ فِي السَّبَبِ الْقَرِيبِ وَمِنْ إطْلَاقِ التَّوَصُّلِ إلَى الْفِقْهِ، إذْ فِي الْبَعِيدِ يُتَوَصَّلُ إلَى الْوَاسِطَةِ وَمِنْهَا إلَى الْفِقْهِ فَيَخْرُجُ الْعِلْمُ بِقَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْكَلَامِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ مَبَادِئِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَالتَّوَصُّلُ بِهِمَا إلَى الْفِقْهِ لَيْسَ بِقَرِيبٍ، إذْ يَتَوَصَّلُ بِقَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ إلَى مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ دَلَالَةِ الْأَلْفَاظِ عَلَى مَدْلُولَاتِهَا الْوَضْعِيَّةِ وَبِوَاسِطَةِ ذَلِكَ يَقْتَدِرُ عَلَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَذَلِكَ يَتَوَصَّلُ بِقَوَاعِدِ الْكَلَامِ إلَى ثُبُوتِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَوُجُوبِ صِدْقِهِمَا لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى الْفِقْهِ وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَمْ يُخْلَقْ عَبَثًا وَلَمْ يُتْرَكْ سُدًى، بَلْ تَعَلَّقَ بِكُلٍّ مِنْ أَعْمَالٍ حُكْمٌ مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ مَنُوطٌ بِدَلِيلٍ يَخُصُّهُ لِيَسْتَنْبِطَ مِنْهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَيُقَاسُ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ مَا يُنَاسِبُهُ لِتَعَذُّرِ الْإِحَاطَةِ بِجَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ فَحَصَلَتْ قَضَايَا مَوْضُوعَاتُهَا أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ وَمَحْمُولَاتُهَا أَحْكَامُ الشَّارِعِ عَلَى التَّفْصِيلِ فَسُمِّيَ الْعِلْمُ بِهَا الْحَاصِلُ مِنْ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ فِقْهًا، ثُمَّ نَظَرُوا فِي تَفَاصِيلِ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ وَالْأَحْكَامِ وَعُمُومِهَا فَوَجَدُوا الْأَدِلَّةَ رَاجِعَةً إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَالْأَحْكَامَ رَاجِعَةً إلَى الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْحُرْمَةِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ وَتَأَمَّلُوا فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِتِلْكَ الْأَدِلَّةِ عَلَى تِلْكَ الْأَحْكَامِ إجْمَالًا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى تَفَاصِيلِهِمَا إلَّا عَلَى طَرِيقِ الْمِثَالِ فَحَصَلَ لَهُمْ قَضَايَا كُلِّيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِكَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِتِلْكَ الْأَدِلَّةِ عَلَى تِلْكَ الْأَحْكَامِ إجْمَالًا وَبَيَانُ طُرُقِهِ وَشَرَائِطِهِ لِيَتَوَصَّلَ بِكُلٍّ مِنْ تِلْكَ الْقَضَايَا إلَى اسْتِنْبَاطِ كَثِيرٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحْكَامِ الْجُزْئِيَّةِ عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ فَضَبَطُوهَا وَدَوَّنُوهَا وَأَضَافُوا إلَيْهَا مِنْ اللَّوَاحِقِ وَالْمُتَمِّمَاتِ وَبَيَانِ الِاخْتِلَافَاتِ مَا يَلِيقُ بِهَا وَسَمَّوْا الْعِلْمَ بِهَا أُصُولَ الْفِقْهِ فَصَارَتْ عِبَارَةً عَنْ الْعِلْمِ بِالْقَوَاعِدِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى الْفِقْهِ وَلَفْظُ الْقَوَاعِدِ مُشْعِرٌ بِقَيْدِ الْإِجْمَالِ وَزَادَ الْمُصَنِّفُ قَيْدَ التَّحْقِيقِ احْتِرَازًا عَنْ عِلْمِ الْخِلَافِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَمْنَعَ كَوْنَ قَوَاعِدِهِ مِمَّا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الْفِقْهِ تَوَصُّلًا قَرِيبًا، بَلْ إنَّمَا يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى مُحَافَظَةِ الْحُكْمِ الْمُسْتَنْبَطِ أَوْ مُدَافَعَتِهِ وَنِسْبَتِهِ
الجزء 1 · صفحة 35
وَذَلِكَ كَقَوَاعِدِهِمْ الْمَذْكُورَةِ فِي الْإِشَارَةِ وَالْمُقَدِّمَةِ وَنَحْوِهِمَا لِتُبْتَنَى عَلَيْهَا النُّكَتُ الْخِلَافِيَّةُ (وَنَعْنِي بِالْقَضَايَا الْكُلِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ مَا يَكُونُ إحْدَى مُقَدِّمَتَيْ الدَّلِيلِ عَلَى مَسَائِلِ الْفِقْهِ) أَيْ إذَا اسْتَدْلَلْت عَلَى حُكْمِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ بِالشَّكْلِ الْأَوَّلِ فَكُبْرَى الشَّكْلِ الْأَوَّلِ هِيَ تِلْكَ الْقَضَايَا الْكُلِّيَّةُ كَقَوْلِنَا هَذَا الْحُكْمُ ثَابِتٌ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ الْقِيَاسُ وَكُلُّ حُكْمٍ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ الْقِيَاسُ فَهُوَ ثَابِتٌ وَإِذَا اسْتَدْلَلْت عَلَى مَسَائِلِ الْفِقْهِ بِالْمُلَازَمَاتِ الْكُلِّيَّةِ مَعَ وُجُودِ الْمَلْزُومِ فَالْمُلَازَمَاتُ الْكُلِّيَّةُ هِيَ تِلْكَ الْقَضَايَا كَقَوْلِنَا هَذَا الْحُكْمُ ثَابِتٌ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا دَلَّ الْقِيَاسُ عَلَى ثُبُوتِ هَذَا الْحُكْمِ يَكُونُ هَذَا الْحُكْمُ ثَابِتًا لَكِنَّ الْقِيَاسَ دَلَّ عَلَى ثُبُوتِ هَذَا الْحُكْمِ فَيَكُونُ ثَابِتًا وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَكُونَ هَذِهِ الْقَضِيَّةُ الْكُلِّيَّةُ بِعَيْنِهَا مَذْكُورَةً فِي مَسَائِلِ أُصُولِ الْفِقْهِ لَكِنْ تَكُونُ مُنْدَرِجَةً فِي قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ هِيَ مَذْكُورَةٌ فِي مَسَائِلِ أُصُولِ الْفِقْهِ كَقَوْلِنَا كُلَّمَا دَلَّ الْقِيَاسُ عَلَى الْوُجُوبِ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ يَثْبُتُ الْوُجُوبُ فِيهَا فَإِنَّ هَذِهِ الْمُلَازَمَةَ مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ هَذِهِ الْمُلَازَمَةِ وَهِيَ كُلَّمَا دَلَّ الْقِيَاسُ عَلَى ثُبُوتِ كُلِّ حُكْمٍ هَذَا شَأْنُهُ يَثْبُتُ هَذَا الْحُكْمُ وَالْوُجُوبُ مِنْ جُزْئِيَّاتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ كُلَّمَا دَلَّ الْقِيَاسُ عَلَى الْوُجُوبِ يَثْبُتُ الْوُجُوبُ وَكُلَّمَا دَلَّ الْقِيَاسُ عَلَى الْجَوَازِ يَثْبُتُ الْجِوَارُ فَالْمُلَازَمَةُ الَّتِي هِيَ إحْدَى مُقَدِّمَتَيْ الدَّلِيلِ تَكُونُ مِنْ مَسَائِلِ أُصُولِ الْفِقْهِ بِطَرِيقِ التَّضَمُّنِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ دَلِيلٍ مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ إذَا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى شَرَائِطَ تُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهَا، وَلَا يَكُونُ الدَّلِيلُ مَنْسُوخًا، وَلَا يَكُونُ لَهُ مُعَارِضٌ مُسَاوٍ أَوْ رَاجِحٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــQإلَى الْفِقْهِ وَغَيْرِهِ عَلَى السَّوِيَّةِ فَإِنَّ الْجَدَلِيَّ إمَّا مُجِيبٌ يَحْفَظُ وَضْعًا، وَإِمَّا مُعْتَرِضٌ يَهْدِمُ وَضْعًا إلَّا أَنَّ الْفُقَهَاءَ أَكْثَرُوا فِيهِ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَبَنَوْا نِكَاتَهُ عَلَيْهَا حَتَّى تُوُهِّمَ أَنَّ لَهُ اخْتِصَاصًا بِالْفِقْهِ.
قَوْلُهُ (وَنَعْنِي بِالْقَضَايَا الْكُلِّيَّةِ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُرَكَّبَ التَّامَّ الْمُحْتَمِلَ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ يُسَمَّى مِنْ حَيْثُ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْحُكْمِ قَضِيَّةٌ وَمِنْ حَيْثُ احْتِمَالُهُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ خَبَرًا وَمِنْ حَيْثُ إفَادَتُهُ الْحُكْمَ إخْبَارًا وَمِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ جُزْءًا مِنْ الدَّلِيلِ مُقَدِّمَةً وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُطْلَبُ بِالدَّلِيلِ مَطْلُوبًا وَمِنْ حَيْثُ يَحْصُلُ مِنْ الدَّلِيلِ نَتِيجَةً وَمِنْ حَيْثُ يَقَعُ فِي الْعِلْمِ وَيُسْأَلُ عَنْهُ مَسْأَلَةً فَالذَّاتُ وَاحِدَةٌ وَاخْتِلَافُ الْعِبَارَاتِ بِاخْتِلَافِ الِاعْتِبَارَاتِ وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فِي الْقَضِيَّةِ يُسَمَّى مَوْضُوعًا وَالْمَحْكُومُ بِهِ مَحْمُولًا وَمَوْضُوعُ الْمَطْلُوبِ يُسَمَّى أَصْغَرَ وَمَحْمُولُهُ أَكْبَرَ وَالدَّلِيلُ يَتَأَلَّفُ لَا مَحَالَةَ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ تَشْتَمِلُ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأَصْغَرِ وَتُسَمَّى الصُّغْرَى وَالْأُخْرَى عَلَى الْأَكْبَرِ وَتُسَمَّى الْكُبْرَى وَكِلْتَاهُمَا مُشْتَمِلٌ عَلَى أَمْرٍ مُتَكَرِّرٍ فِيهِمَا يُسَمَّى الْأَوْسَطَ، وَالْأَوْسَطُ إمَّا مَحْمُولٌ فِي الصُّغْرَى مَوْضُوعٌ فِي الْكُبْرَى وَيُسَمَّى الدَّلِيلُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ الشَّكْلَ الْأَوَّلَ أَوْ بِالْعَكْسِ وَيُسَمَّى الشَّكْلَ الرَّابِعَ أَوْ مَحْمُولٌ فِيهِمَا
الجزء 1 · صفحة 36
وَيَكُونُ الْقِيَاسُ قَدْ أَدَّى إلَيْهِ رَأْيُ مُجْتَهِدٍ حَتَّى لَوْ خَالَفَ إجْمَاعَ الْمُجْتَهِدِينَ يَكُونُ بَاطِلًا فَالْقَضِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ سَوَاءٌ جَعَلْنَاهَا كُبْرَى أَوْ مُلَازِمَةً إنَّمَا تَصْدُقُ كُلِّيَّةً إذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى هَذِهِ الْقُيُودِ فَالْعِلْمُ بِالْمَبَاحِثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذِهِ الْقُيُودِ يَكُونُ عِلْمًا بِالْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي هِيَ إحْدَى مُقَدِّمَتَيْ الدَّلِيلِ عَلَى مَسَائِلِ الْفِقْهِ فَتَكُونُ تِلْكَ الْمَبَاحِثُ مِنْ مَسَائِلِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَقَوْلُنَا يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَيْهِ. الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا يَخْتَصُّ بِالْمُجْتَهِدِ فَإِنَّ الْمَبْحُوثَ عَنْهُ فِي هَذَا الْعِلْمِ قَوَاعِدُ يَتَوَصَّلُ الْمُجْتَهِدُ بِهَا إلَى الْفِقْهِ فَإِنَّ الْمُتَوَصِّلَ إلَى الْفِقْهِ لَيْسَ إلَّا الْمُجْتَهِدُ فَإِنَّ الْفِقْهَ هُوَ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ مِنْ الْأَدِلَّةِ الَّتِي لَيْسَ دَلِيلُ الْمُقَلِّدِ مِنْهَا فَلِهَذَا لَمْ تُذْكَرْ مَبَاحِثُ التَّقْلِيدِ وَالِاسْتِفْتَاءِ فِي كُتُبِنَا وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يَعُمُّ الْمُجْتَهِدَ وَالْمُقَلِّدَ وَالْأَدِلَّةُ الْأَرْبَعَةُ إنَّمَا يَتَوَصَّلُ بِهَا الْمُجْتَهِدُ لَا الْمُقَلِّدُ فَأَمَّا الْمُقَلِّدُ فَالدَّلِيلُ عِنْدَهُ قَوْلُ الْمُجْتَهِدِ فَالْمُقَلِّدُ يَقُولُ هَذَا الْحُكْمُ وَاقِعٌ عِنْدِي؛ لِأَنَّهُ أَدَّى إلَيْهِ رَأْيُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَكُلُّ مَا أَدَّى إلَيْهِ رَأْيُهُ فَهُوَ وَاقِعٌ عِنْدِي فَالْقَضِيَّةُ الثَّانِيَةُ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ أَيْضًا فَلِهَذَا ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ مَبَاحِثَ التَّقْلِيدِ وَالِاسْتِفْتَاءِ فَعَلَى هَذَا عِلْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ هُوَ الْعِلْمُ بِالْقَوَاعِدِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى مَسَائِلِ الْفِقْهِ، وَلَا يُقَالُ إلَى الْفِقْهِ؛ لِأَنَّ الْفِقْهَ هُوَ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَقَوْلُنَا عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ لَا يُنَافِي هَذَا الْمَعْنَى فَإِنَّ تَحْقِيقَ الْمُقَلِّدِ أَنْ يُقَلِّدَ مُجْتَهِدًا يَعْتَقِدُ ذَلِكَ الْمُقَلِّدُ حَقِيقَةَ رَأْيِ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إلَى الدَّلِيلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَيُسَمَّى الشَّكْلَ الثَّانِي أَوْ مَوْضُوعٌ فِيهِمَا وَيُسَمَّى الشَّكْلَ الثَّالِثَ مَثَلًا إذَا قُلْنَا الْحَجُّ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورُ الشَّارِعِ وَكُلُّ مَا هُوَ مَأْمُورُ الشَّارِعِ فَهُوَ وَاجِبٌ فَالْحَجُّ الْأَصْغَرُ وَالْوَاجِبُ الْأَكْبَرُ وَالْمَأْمُورُ الْأَوْسَطُ وَقَوْلُنَا الْحَجُّ مَأْمُورُ الشَّارِعِ هِيَ الصُّغْرَى وَقَوْلُنَا وَكُلُّ مَا هُوَ مَأْمُورُ الشَّارِعِ فَهُوَ وَاجِبٌ هِيَ الْكُبْرَى وَالدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ فَالْقَوَاعِدُ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى الْفِقْهِ هِيَ الْقَضَايَا الْكُلِّيَّةُ الَّتِي تَقَعُ كُبْرَى لِصُغْرَى سَهْلَةِ الْحُصُولِ عِنْدَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى مَسَائِلِ الْفِقْهِ بِالشَّكْلِ الْأَوَّلِ كَمَا فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ وَضَمِّ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ إلَى الصُّغْرَى السَّهْلَةِ الْحُصُولِ لِيَخْرُجَ الْمَطْلُوبُ الْفِقْهِيُّ مِنْ الْقُوَّةِ إلَى الْفِعْلِ هُوَ مَعْنَى التَّوَصُّلِ بِهَا إلَى الْفِقْهِ لَكِنَّ تَحْصِيلَ الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْبَحْثِ عَنْ أَحْوَالِ الْأَدِلَّةِ وَالْأَحْكَامِ وَبَيَانِ شَرَائِطِهِمَا وَقُيُودِهِمَا الْمُعْتَبَرَةِ فِي كُلِّيَّةِ الْقَاعِدَةِ فَالْمَبَاحِثُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِذَلِكَ هِيَ مَطَالِبُ أُصُولِ الْفِقْهِ وَتَنْدَرِجُ كُلُّهَا تَحْتَ الْعِلْمِ بِالْقَاعِدَةِ عَلَى مَا شَرَحَهُ الْمُصَنِّفُ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ (وَيَكُونُ الْقِيَاسُ قَدْ أَدَّى إلَيْهِ رَأْيُ مُجْتَهِدٍ) يَعْنِي يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ فِيهِ اجْتِهَادُ الْآرَاءِ لِيُحْتَرَزَ بِهِ عَنْ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ أَمَّا إذَا لَمْ يَسْبِقْ فِي الْمَسْأَلَةِ اجْتِهَادٌ أَوْ سَبَقَ اجْتِهَادُ مُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ فَقَطْ فَلَا خَفَاءَ فِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ عَلَى خِلَافِهِ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ) الظَّاهِرُ إنَّهُ بَعِيدٌ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أَحَدٌ وَالْمُتَعَرَّضُونَ لِمَبَاحِثِ التَّقْلِيدِ فِي كُتُبِهِمْ مُصَرِّحُونَ بِأَنَّ الْبَحْثَ عَنْهُ إنَّمَا وَقَعَ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ فِي مُقَابَلَةِ الِاجْتِهَادِ لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ.
قَوْلُهُ (وَلَا يُقَالُ إلَى الْفِقْهِ) ؛ لِأَنَّ الْمُقَلِّدَ يَتَوَصَّلُ بِقَوَاعِدِهِ إلَى مَسَائِلِ الْفِقْهِ لَا إلَى الْفِقْهِ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ عَنْ أَدِلَّتِهَا الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ
الجزء 1 · صفحة 37
وَأَمَّا بِالنَّظَرِ إلَى الْمَدْلُولِ فَإِنَّ الْقَضِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ إنَّمَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا كُلِّيَّةً إذَا عُرِفَ أَنْوَاعُ الْحُكْمِ وَأَنَّ أَيَّ نَوْعٍ مِنْ الْأَحْكَامِ يُثْبِتُ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ الْأَدِلَّةِ بِخُصُوصِيَّةٍ نَاشِئَةٍ مِنْ الْحُكْمِ كَكَوْنِ هَذَا الشَّيْءِ عِلَّةً لِذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ، ثُمَّ الْمَبَاحِثُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَحْكُومِ بِهِ، وَهُوَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ كَكَوْنِهِ عِبَادَةً أَوْ عُقُوبَةً وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْدَرِجُ فِي كَلِيلَةِ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ فَإِنَّ الْأَحْكَامَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ فَإِنَّ الْعُقُوبَاتِ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا بِالْقِيَاسِ، ثُمَّ الْمَبَاحِثُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُكَلَّفُ وَمَعْرِفَةُ الْأَهْلِيَّةِ وَالْعَوَارِضِ الَّتِي تَعْرِضُ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ سَمَاوِيَّةً وَمُكْتَسَبَةً مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ أَيْضًا لِاخْتِلَافِ الْأَحْكَامِ بِاخْتِلَافِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِالنَّظَرِ إلَى وُجُودِ الْعَوَارِضِ وَعَدَمِهَا فَيَكُونُ تَرْكِيبُ الدَّلِيلِ عَلَى إثْبَاتِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ بِالشَّكْلِ الْأَوَّلِ هَكَذَا هَذَا الْحُكْمُ ثَابِتٌ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ هَذَا شَأْنُهُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ هَذَا شَأْنُهُ، وَهَذَا الْفِعْلُ صَادِرٌ مِنْ مُكَلَّفٍ هَذَا شَأْنُهُ وَلَمْ تُوجَدْ الْعَوَارِضُ الْمَانِعَةُ مِنْ ثُبُوتِ هَذَا الْحُكْمِ وَيَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ هَذَا الْحُكْمِ قِيَاسٌ هَذَا شَأْنُهُ هَذَا هُوَ الصُّغْرَى، ثُمَّ الْكُبْرَى قَوْلُنَا وَكُلُّ حُكْمٍ مَوْصُوفٍ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ الْقِيَاسُ الْمَوْصُوفُ فَهُوَ ثَابِتٌ فَهَذِهِ الْقَضِيَّةُ الْأَخِيرَةُ مِنْ مَسَائِلِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَبِطَرِيقِ الْمُلَازَمَةِ هَكَذَا كُلَّمَا وُجِدَ قِيَاسٌ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ دَالٌّ عَلَى حُكْمٍ مَوْصُوفٍ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ يَثْبُتُ ذَلِكَ الْحُكْمُ لَكِنَّهُ وُجِدَ الْقِيَاسُ الْمَوْصُوفُ إلَخْ فَعُلِمَ أَنَّ جَمِيعَ الْمَبَاحِثِ الْمُتَقَدِّمَةِ مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ الَّتِي هِيَ إحْدَى مُقَدِّمَتَيْ الدَّلِيلِ عَلَى مَسَائِلِ الْفِقْهِ، فَهَذَا هُوَ مَعْنَى التَّوَصُّلِ الْقَرِيبِ الْمَذْكُورِ وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ جَمِيعَ مَسَائِلِ الْأُصُولِ رَاجِعَةٌ إلَى قَوْلِنَا كُلُّ حُكْمٍ كَذَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ دَلِيلٌ كَذَا فَهُوَ ثَابِتٌ أَوْ كُلَّمَا وُجِدَ دَلِيلٌ كَذَا دَالٌّ عَلَى حُكْمٍ كَذَا يَثْبُتُ ذَلِكَ الْحُكْمُ عَلَى أَنَّهُ يَبْحَثُ فِي هَذَا الْعِلْمِ عَنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ لِأَحْكَامِ الْكُلِّيَّتَيْنِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأُولَى مُثْبِتَةٌ لِلثَّانِيَةِ وَالثَّانِيَةُ ثَابِتَةٌ بِالْأُولَى وَالْمَبَاحِثُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQبِهَا لَيْسَ عَنْ أَدِلَّتِهَا الْأَرْبَعَةِ.
قَوْلُهُ (يُبْحَثُ فِي هَذَا الْعِلْمِ عَنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ) يَعْنِي عَنْ أَحْوَالِهِمَا عَنْ حَذْفِ الْمُضَافِ، إذْ لَا يُبْحَثُ فِي الْعِلْمِ عَنْ نَفْسِ الْمَوْضُوعِ، بَلْ عَنْ أَحْوَالِهِ وَعَوَارِضِهِ إلَّا أَنَّ حَذْفَ هَذَا الْمُضَافِ شَائِعٌ فِي عِبَارَةِ الْقَوْمِ.
قَوْلُهُ (فَمَوْضُوعُ هَذَا الْعِلْمِ) الْمُرَادُ بِمَوْضُوعِ الْعِلْمِ مَا يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ عَوَارِضِهِ الذَّاتِيَّةِ وَالْمُرَادُ بِالْعَرْضِ هَاهُنَا الْمَحْمُولُ عَلَى الشَّيْءِ الْخَارِجُ عَنْهُ وَبِالْعَرْضِ الذَّاتِيِّ مَا يَكُونُ مُنْشَؤُهُ الذَّاتِ بِأَنْ يَلْحَقَ الشَّيْءُ لِذَاتِهِ كَالْإِدْرَاكِ لِلْإِنْسَانِ أَوْ بِوَاسِطَةِ أَمْرٍ يُسَاوِيهِ كَالضَّحِكِ لِلْإِنْسَانِ بِوَاسِطَةِ تَعَجُّبِهِ أَوْ بِوَاسِطَةِ أَمْرٍ أَعَمَّ مِنْهُ دَاخِلٍ فِيهِ كَالتَّحَرُّكِ لِلْإِنْسَانِ بِوَاسِطَةِ كَوْنِهِ حَيَوَانًا وَالْمُرَادُ بِالْبَحْثِ عَنْ الْأَعْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ حَمْلُهَا عَلَى مَوْضُوعِ الْعِلْمِ كَقَوْلِنَا الْكِتَابُ يُثْبِتُ الْحُكْمَ قَطْعًا أَوْ عَلَى أَنْوَاعِهِ كَقَوْلِنَا الْأَمْرُ
الجزء 1 · صفحة 38
الَّتِي تَرْجِعُ إلَى أَنَّ الْأُولَى مُثْبِتَةٌ لِلثَّانِيَةِ وَالثَّانِيَةَ ثَابِتَةٌ بِالْأُولَى بَعْضُهَا نَاشِئَةٌ عَنْ الْأَدِلَّةِ وَبَعْضُهَا نَاشِئَةٌ عَنْ الْأَحْكَامِ فَمَوْضُوعُ هَذَا الْعِلْمِ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وَالْأَحْكَامُ إذْ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ الْعَوَارِضِ الذَّاتِيَّةِ لِلْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ إثْبَاتُهَا الْحُكْمَ وَعَنْ الْعَوَارِضِ الذَّاتِيَّةِ لِلْأَحْكَامِ وَهِيَ ثُبُوتُهَا بِتِلْكَ الْأَدِلَّةِ.
(فَيُبْحَثُ فِيهِ عَنْ أَحْوَالِ الْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا) الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَيُبْحَثُ مُتَعَلِّقٌ بِحَدِّ هَذَا الْعِلْمِ أَيْ إذَا كَانَ حَدُّ أُصُولِ الْفِقْهِ هَذَا يَجِبُ أَنْ يُبْحَثَ فِيهِ عَنْ أَحْوَالِ الْأَدِلَّةِ وَالْأَحْكَامِ وَمُتَعَلِّقَاتهمْ اوَالْمُرَادُ بِالْأَحْوَالِ الْعَوَارِضُ الذَّاتِيَّةُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا عُطِفَ عَلَى الْأَدِلَّةِ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ بِهَا يَرْجِعُ إلَى الْأَدِلَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا هُوَ الْأَدِلَّةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا كَاسْتِصْحَابِ الْحَالِ وَالِاسْتِحْسَانِ وَأَدِلَّةِ الْمُقَلِّدِ وَالْمُسْتَفْتِي وَأَيْضًا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَدِلَّةِ الْأَرْبَعَةِ مِمَّا لَهُ مَدْخَلٌ فِي كَوْنِهَا مُثْبِتَةً لِلْحُكْمِ كَالْبَحْثِ عَنْ الِاجْتِهَادِ وَنَحْوِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَوَارِضَ الذَّاتِيَّةَ لِلْأَدِلَّةِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ مِنْهَا الْعَوَارِضُ الذَّاتِيَّةُ الْمَبْحُوثُ عَنْهَا وَهِيَ كَوْنُهَا مُثْبِتَةً لِلْأَحْكَامِ وَمِنْهَا مَا لَيْسَتْ بِمَبْحُوثٍ عَنْهَا لَكِنْ لَهَا مَدْخَلٌ فِي لُحُوقِ مَا هِيَ مَبْحُوثٌ عَنْهَا كَكَوْنِهَا عَامَّةً أَوْ مُشْتَرَكَةً أَوْ خَبَرَ وَاحِدٍ وَأَمْثَالَ ذَلِكَ وَمِنْهَا مَا لَيْسَ كَذَلِكَ كَكَوْنِهِ ثُلَاثِيًّا أَوْ رُبَاعِيًّا قَدِيمًا أَوْ حَادِثًا أَوْ غَيْرَهَا فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ يَقَعُ مَحْمُولَاتٍ فِي الْقَضَايَا الَّتِي هِيَ مَسَائِلُ هَذَا الْعِلْمِ وَالْقِسْمُ الثَّانِي يَقَعُ أَوْصَافًا وَقُيُودًا لِمَوْضُوعِ تِلْكَ الْقَضَايَا كَقَوْلِنَا الْخَبَرُ الَّذِي يَرْوِيهِ وَاحِدٌ يُوجِبُ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِالْحُكْمِ، وَقَدْ يَقَعُ مَوْضُوعًا لِتِلْكَ الْقَضَايَا كَقَوْلِنَا الْعَامُّ يُوجِبُ الْحُكْمَ قَطْعًا، وَقَدْ يَقَعُ مَحْمُولًا فِيهَا، نَحْوُ النَّكِرَةِ فِي مَوْضُوعِ النَّفْيِ عَامَّةً وَكَذَلِكَ الْأَعْرَاضُ الذَّاتِيَّةُ لِلْحُكْمِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ أَيْضًا الْأَوَّلُ مَا يَكُونُ مَبْحُوثًا عَنْهُ، وَهُوَ كَوْنُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQيُفِيدُ الْوُجُوبَ أَوْ عَلَى أَعْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ كَقَوْلِنَا الْعَامُّ يُفِيدُ الْقَطْعَ أَوْ عَلَى أَنْوَاعِ أَعْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ كَقَوْلِنَا الْعَامُّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ يُفِيدُ الظَّنَّ وَجَمِيعُ مَبَاحِثِ أُصُولِ الْفِقْهِ رَاجِعَةٌ إلَى إثْبَاتِ الْأَعْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ لِلْأَدِلَّةِ وَالْأَحْكَامِ مِنْ حَيْثُ إثْبَاتُ الْأَدِلَّةِ لِلْأَحْكَامِ وَثُبُوتُ أَحْكَامٍ بِالْأَدِلَّةِ بِمَعْنَى أَنَّ جَمِيعَ مَحْمُولَاتِ مَسَائِلِ هَذَا الْفَنِّ هُوَ الْإِثْبَاتُ وَالثُّبُوتُ وَمَا لَهُ نَفْعٌ وَدَخْلٌ فِي ذَلِكَ فَيَكُونُ مَوْضُوعُهُ الْأَدِلَّةَ الْأَحْكَامَ مِنْ حَيْثُ إثْبَاتُ الْأَدِلَّةِ لِلْأَحْكَامِ وَثُبُوتِ الْأَحْكَامِ بِالْأَدِلَّةِ، فَإِنْ قَلْت فَمَا بَالُهُمْ يَجْعَلُونَ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ إثْبَاتَ الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ لِلْأَحْكَامِ وَيَجْعَلُونَ مِنْهَا إثْبَاتَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِذَلِكَ قُلْتُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالنَّظَرِ فِي الْفَنِّ هِيَ الْكَسْبِيَّاتُ الْمُفْقِرَةُ إلَى الدَّلِيلِ وَكَوْنُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ حُجَّةً بِمَنْزِلَةِ الْبَدِيهِيِّ فِي نَظَرِ الْأُصُولِ لِتَقَرُّرِهِ فِي الْكَلَامِ وَشُهْرَتِهِ بَيْنَ الْأَنَامِ بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَلِهَذَا تَعَرَّضُوا لِمَا لَيْسَ إثْبَاتُهُ لِلْحُكْمِ بَيِّنًا كَالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الثَّالِثُ) يَعْنِي الْعَوَارِضَ الذَّاتِيَّةَ الَّتِي لَا تَكُونُ مَبْحُوثًا عَنْهَا فِي هَذَا الْعِلْمِ وَلَا دَخْلَ لَهَا فِي لُحُوقِ مَا هِيَ مَبْحُوثٌ عَنْهَا مِنْ الْقِسْمَيْنِ يَعْنِي قِسْمَيْ الْعَوَارِضِ الَّتِي
الجزء 1 · صفحة 39
الْحُكْمِ ثَابِتًا بِالْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَالثَّانِي مَا يَكُونُ لَهُ مَدْخَلٌ فِي لُحُوقِ مَا هُوَ مَبْحُوثٌ عَنْهُ كَكَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ الْبَالِغِ أَوْ بِفِعْلِ الصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ. وَالثَّالِثُ مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ فَالْأَوَّلُ يَكُونُ مَحْمُولًا فِي الْقَضَايَا الَّتِي هِيَ مَسَائِلُ هَذَا الْعِلْمِ وَالثَّانِي أَوْصَافًا وَقُيُودًا لِمَوْضُوعِ تِلْكَ الْقَضَايَا، وَقَدْ يَقَعُ مَوْضُوعًا وَقَدْ يَقَعُ مَحْمُولًا كَقَوْلِنَا الْحُكْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْعِبَادَةِ يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَنَحْوُ الْعُقُوبَةِ لَا تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ وَنَحْوُ زَكَاةِ الصَّبِيِّ عِبَادَةٌ. وَأَمَّا الثَّالِثُ مِنْ كِلَا الْقِسْمَيْنِ بِمَعْزِلٍ عَنْ هَذَا الْعِلْمِ وَعَنْ مَسَائِلِهِ.
(وَيَلْحَقُ بِهِ الْبَحْثُ عَمَّا يَثْبُتُ بِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ، وَهُوَ الْحُكْمُ وَعَمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ) الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ فِي قَوْلِهِ وَيَلْحَقُ بِهِ رَاجِعٌ إلَى الْبَحْثِ الْمَدْلُولِ فِي قَوْلِهِ فَيَبْحَثُ عَمَّا يَثْبُتُ أَيْ عَنْ أَحْوَالِ مَا يَثْبُتُ وَقَوْلُهُ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَيْ بِالْحُكْمِ، وَهُوَ الْحَاكِمُ وَالْمَحْكُومُ بِهِ وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ وَيَلْحَقُ بِهِ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُرَادَ بِهِ أَنْ يَذْكُرَ مَبَاحِثَ الْحُكْمِ بَعْدَ مَبَاحِثِ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ مَوْضُوعَ هَذَا الْعِلْمِ الْأَدِلَّةُ وَالْأَحْكَامُ. وَالثَّانِي أَنَّ مَوْضُوعَ هَذَا الْعِلْمِ الْأَدِلَّةُ فَقَطْ وَإِنَّمَا يَبْحَثُ عَنْ الْأَحْكَامِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ لَوَاحِقِ هَذَا الْعِلْمِ فَإِنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ هِيَ أَدِلَّةُ الْفِقْهِ، ثُمَّ أُرِيدَ بِهِ الْعِلْمُ بِالْأَدِلَّةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مُثْبِتَةٌ لِلْحُكْمِ فَالْمَبَاحِثُ النَّاشِئَةُ عَنْ الْحُكْمِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ خَارِجَةٌ عَنْ هَذَا الْعِلْمِ وَهِيَ مَسَائِلُ قَلِيلَةٌ تُذْكَرُ عَلَى أَنَّهَا لَوَاحِقُ وَتَوَابِعُ لِمَسَائِلِ هَذَا الْعِلْمِ كَمَا أَنَّ مَوْضُوعَ الْمَنْطِقِ التَّصَوُّرَاتُ وَالتَّصْدِيقَاتُ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مُوَصِّلَةٌ إلَى تَصَوُّرٍ وَتَصْدِيقٍ فَمُعْظَمُ مَسَائِلِ الْمَنْطِقِ رَاجِعٌ إلَى أَحْوَالِ الْمُوَصِّلِ وَإِنْ كَانَ يَبْحَثُ فِيهِ عَلَى سَبِيلِ النُّدْرَةِ عَنْ أَحْوَالِ التَّصَوُّرِ الْمُوَصِّلِ إلَيْهِ كَالْبَحْثِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQلِلْأَدِلَّةِ وَالْعَوَارِضِ الَّتِي لِلْأَحْكَامِ، وَذَلِكَ كَالْإِمْكَانِ وَالْقِدَمِ وَالْحُدُوثِ وَالْبَسَاطَةِ وَالتَّرْكِيبِ وَكَوْنُ الدَّلِيلِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً أَوْ فِعْلِيَّةً ثُلَاثِيَّةً مُفْرَدَاتُهُ أَوْ رَبَاعِيَةً مُعْرَبَةً أَوْ مَبْنِيَّةً إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا دَخْلَ لَهُ فِي الْإِثْبَاتِ وَالثُّبُوتِ فَلَا يُبْحَثُ عَنْهَا فِي الْأُصُولِ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ النَّجَّارَ يَنْظُرُ فِي الْخَشَبِ مِنْ جِهَةِ صَلَابَتِهِ وَرَخَاوَتِهِ وَرِقَّتِهِ وَغِلَظِهِ وَاعْوِجَاجِهِ وَاسْتِقَامَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِصِنَاعَتِهِ لَا مِنْ جِهَةِ إمْكَانِهِ وَحُدُوثِهِ وَتَرَكُّبِهِ وَبَسَاطَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (أَنْ يَذْكُرَ مَبَاحِثَ الْحُكْمِ بَعْدَ مَبَاحِثِ الْأَدِلَّةِ) ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ مُقَدَّمٌ بِالذَّاتِ وَالْبَحْثُ عَنْهُ أَهَمُّ فِي فَنِّ الْأُصُولِ.
قَوْلُهُ (كَمَا أَنَّ مَوْضُوعَ الْمَنْطِقِ التَّصَوُّرَاتُ وَالتَّصْدِيقَاتُ) ؛ لِأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ أَحْوَالِ التَّصَوُّرِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ حَدٌّ أَوْ رَسْمٌ فَيُوَصِّلُ إلَى تَصَوُّرٍ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ جِنْسٌ أَوْ فَصْلٌ أَوْ خَاصَّةٌ فَيُرَكَّبُ مِنْهَا حَدٌّ أَوْ رَسْمٌ وَعَنْ أَحْوَالِ التَّصْدِيقِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ حُجَّةٌ تُوَصِّلُ إلَى تَصْدِيقٍ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَضِيَّةٌ أَوْ عَكْسُ قَضِيَّةٍ أَوْ نَقِيضٌ فَيُؤَلِّفُ مِنْهَا حُجَّةً وَبِالْجُمْلَةِ جَمِيعُ مَبَاحِثِهِ رَاجِعَةٌ إلَى الْإِيصَالِ وَمَا لَهُ دَخْلٌ فِي الْإِيصَالِ وَقَدْ يَقَعُ الْبَحْثُ عَنْ أَحْوَالِ التَّصَوُّرِ الْمُوَصِّلِ إلَيْهِ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ بَسِيطًا لَا يُحَدُّ، وَإِنْ كَانَ مُرَكَّبًا مِنْ الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ يُحَدُّ، وَإِنْ كَانَ لَهُ خَاصَّةٌ لَازِمَةٌ بَيِّنَةٌ يَرْسُمُ وَإِلَّا فَلَا وَيُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ
الجزء 1 · صفحة 40
عَنْ الْمَاهِيَّاتِ أَنَّهَا قَابِلَةٌ لِلْحَدِّ فَهَذَا الْبَحْثُ يُذْكَرُ عَلَى طَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ فَكَذَا هُنَا وَفِي بَعْضِ كُتُبِ الْأُصُولِ لَمْ يُعَدَّ مَبَاحِثُ الْحُكْمِ مِنْ مَبَاحِثِ هَذَا الْعِلْمِ لَكِنَّ الصَّحِيحَ هُوَ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ وَقَوْلُهُ وَهُوَ الْحُكْمُ، فَإِنْ أُرِيدَ بِالْحُكْمِ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، وَهُوَ قَدِيمٌ فَالْمُرَادُ بِثُبُوتِهِ بِالْأَدِلَّةِ الْأَرْبَعَةِ ثُبُوتُ عِلْمِنَا بِهِ بِتِلْكَ الْأَدِلَّةِ وَإِنْ أُرِيدَ بِالْحُكْمِ أَثَرُ الْخِطَابِ كَالْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ فَثُبُوتُهُ بِبَعْضِ الْأَدِلَّةِ الْأَرْبَعَةِ صَحِيحٌ وَبِالْبَعْضِ لَا كَالْقِيَاسِ مَثَلًا؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ غَيْرُ مُثْبِتٍ لِلْوُجُوبِ، بَلْ مُثْبِتٌ غَلَبَةَ ظَنِّهِ بِالْوُجُوبِ كَمَا قِيلَ: إنَّ الْقِيَاسَ مُظْهِرٌ لَا مُثْبِتٌ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْإِثْبَاتِ إثْبَاتَ غَلَبَةِ الظَّنِّ وَإِنْ نُوقِشَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ لَا يُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ مَعًا فَنَقُولُ نُرِيدُ فِي الْجَمِيعِ إثْبَاتَ الْعِلْمِ لَنَا أَوْ غَلَبَةَ الظَّنِّ لَنَا. وَاعْلَمْ أَنِّي لَمَّا وَقَعْت فِي مَبَاحِثِ الْمَوْضُوعِ وَالْمَسَائِلِ أَرَدْت أَنْ أُسْمِعَك بَعْضَ مَبَاحِثِهَا الَّتِي لَا يَسْتَغْنِي الْمُحَصِّلُ عَنْهَا وَإِنْ كَانَ لَا يَلِيقُ بِهَذَا الْفَنِّ مِنْهَا أَنَّهُمْ قَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْعِلْمَ الْوَاحِدَ قَدْ يَكُونُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ مَوْضُوعٍ وَاحِدٍ كَالطِّبِّ فَإِنَّهُ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ أَحْوَالِ بَدَنِ الْإِنْسَانِ وَعَنْ الْأَدْوِيَةِ وَنَحْوِهَا، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ أَنَّ الْمَبْحُوثَ عَنْهُ فِي الْعِلْمِ إنْ كَانَ إضَافَةَ شَيْءٍ إلَى آخَرَ كَمَا أَنَّ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQرَاجِعًا إلَى الْبَحْثِ عَنْ أَحْوَالِ التَّصَوُّرِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ الْمُوَصِّلُ بِأَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَدَّ يُوَصِّلُ إلَى الْمُرَكَّبِ دُونَ الْبَسِيطِ فَيَكُونُ مِنْ الْمَسَائِلِ.
1 -
قَوْلُهُ (لَكِنَّ الصَّحِيحَ) ذَهَبَ صَاحِبُ الْأَحْكَامِ إلَى أَنَّ مَوْضُوعَ أُصُولِ الْفِقْهِ هُوَ الْأَدِلَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَلَا يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ أَحْوَالِ الْأَحْكَامِ، بَلْ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى تَصَوُّرِهَا لِيَتَمَكَّنَ مِنْ إثْبَاتِهَا وَنَفْيِهَا لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ مَوْضُوعَهُ الْأَدِلَّةُ وَالْأَحْكَامُ؛ لِأَنَّا رَجَّعْنَا الْأَدِلَّةَ بِالتَّعْمِيمِ إلَى الْأَرْبَعَةِ وَالْأَحْكَامَ إلَى الْخَمْسَةِ وَنَظَرْنَا فِي الْمَبَاحِثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِكَيْفِيَّةِ إثْبَاتِ الْأَدِلَّةِ لِلْأَحْكَامِ إجْمَالًا فَوَجَدْنَا بَعْضَهَا رَاجِعَةً إلَى أَحْوَالِ الْأَدِلَّةِ وَبَعْضَهَا إلَى أَحْوَالِ الْأَحْكَامِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَحْصِيلِ الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى الْفِقْهِ فَجَعَلَ أَحَدَهُمَا مِنْ الْمَقَاصِدِ وَالْآخَرَ مِنْ اللَّوَاحِقِ تَحْكُمُ غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ مَبَاحِثَ الْأَدِلَّةِ أَكْثَرُ وَأَهَمُّ لَكِنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْأَصَالَةَ وَالِاسْتِقْلَالَ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ أُرِيدَ بِالْحُكْمِ) هَذَا كَلَامٌ لَا حَاصِلَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ مُعَرِّفَاتٌ وَأَمَارَاتٌ وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهَا أَدِلَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ فَلَا مَعْنَى لِلدَّلِيلِ إلَّا مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ بِثُبُوتِ الشَّيْءِ أَوْ انْتِفَائِهِ، غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ الْعِلْمَ يُؤْخَذُ بِمَعْنَى الْإِدْرَاكِ الْجَازِمِ أَوْ الرَّاجِحِ لِيَعُمَّ الْقَطْعِيَّ وَالظَّنِّيَّ فَيَصِحُّ فِي جَمِيعِ الْأَدِلَّةِ، وَهَذَا لَا يَتَفَاوَتُ بِقِدَمِ الْحُكْمِ وَحُدُوثِهِ وَقَدْ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ آخِرِ الْأَمْرِ وَلَيْسَ مَعْنَى الدَّلِيلِ مَا يُفِيدُ نَفْسَ الثُّبُوتِ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْعِلَلِ الْخَارِجِيَّةِ، وَإِنْ جَعَلْنَا الْحُكْمَ حَادِثًا عَلَى مَا يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُهُ.
قَوْلُهُ (وَاعْلَمْ إلَخْ) هَذِهِ ثَلَاثَةُ مَبَاحِثَ فِي الْمَوْضُوعِ أَوْرَدَهَا مُخَالِفًا لِجُمْهُورِ الْمُحَقِّقِينَ يَتَعَجَّبُ مِنْهَا النَّاظِرُ فِيهَا الْوَاقِفُ عَلَى كَلَامِ الْقَوْمِ فِي هَذَا الْمَقَامِ الْأَوَّلِ أَنَّ إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِجَوَازِ تَعَدُّدِ الْمَوْضُوعِ، وَإِنْ كَانَ فَوْقَ الِاثْنَيْنِ غَيْرُ صَحِيحٍ
الجزء 1 · صفحة 41
يُبْحَثُ عَنْ إثْبَاتِ الْأَدِلَّةِ لِلْحُكْمِ وَفِي الْمَنْطِقِ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ إيصَالِ تَصَوُّرٍ أَوْ تَصْدِيقٍ، إلَى تَصَوُّرٍ أَوْ تَصْدِيقٍ وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُ الْعَوَارِضِ الَّتِي لَهَا مَدْخَلٌ فِي الْمَبْحُوثِ عَنْهُ نَاشِئَةً عَنْ أَحَدِ الْمُضَافَيْنِ وَبَعْضُهَا عَنْ الْآخَرِ فَمَوْضُوعُ هَذَا الْعِلْمِ كِلَا الْمُضَافَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَبْحُوثُ عَنْهُ الْإِضَافَةَ لَا يَكُونُ مَوْضُوعُ الْعِلْمِ الْوَاحِدِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً؛ لِأَنَّ اتِّحَادَ الْعِلْمِ وَاخْتِلَافَهُ إنَّمَا هُوَ بِاتِّحَادِ الْمَعْلُومَاتِ أَيْ الْمَسَائِلِ وَاخْتِلَافِهَا فَاخْتِلَافُ الْمَوْضُوعِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْعِلْمِ وَإِنْ أُرِيدَ بِالْعِلْمِ لِوَاحِدٍ مَا وَقَعَ الِاصْطِلَاحُ عَلَى أَنَّهُ عِلْمٌ وَاحِدٌ مِنْ غَيْرِ رِعَايَةِ مَعْنًى يُوجِبُ الْوَحْدَةَ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَصْطَلِحَ حِينَئِذٍ عَلَى أَنَّ الْفِقْهَ وَالْهَنْدَسَةَ عِلْمٌ وَاحِدٌ وَمَوْضُوعَهُ شَيْئَانِ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ وَالْمِقْدَارُ وَمَا أَوْرَدُوا مِنْ النَّظِيرِ، وَهُوَ بَدَنُ الْإِنْسَانِ وَالْأَدْوِيَةُ فَجَوَابُهُ أَنَّ الْبَحْثَ فِي الْأَدْوِيَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ إنَّ بَدَنَ الْإِنْسَانِ يَصِحُّ بِبَعْضِهَا وَيَمْرَضُ بِبَعْضِهَا فَالْمَوْضُوعُ فِي الْجَمِيعِ بَدَنُ الْإِنْسَانِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــQبَلْ التَّحْقِيقُ أَنَّ الْمَبْحُوثَ عَنْهُ فِي الْعِلْمِ إمَّا أَنْ يَكُونَ إضَافَةً بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ أَوْ لَا وَعَلَى الْأَوَّلِ إمَّا أَنْ تَكُونَ الْعَوَارِضُ الَّتِي لَهَا دَخْلٌ فِي الْمَبْحُوثِ عَنْهُ بَعْضُهَا نَاشِئًا عَنْ أَحَدِ الْمُضَافَيْنِ وَبَعْضُهَا نَاشِئًا عَنْ الْمُضَافِ الْآخَرِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَمَوْضُوعُ الْعِلْمِ كِلَا الْمُضَافَيْنِ كَمَا وَقَعَ الْبَحْثُ فِي الْأُصُولِ عَنْ إثْبَاتِ الْأَدِلَّةِ لِلْأَحْكَامِ وَالْأَحْوَالِ الَّتِي لَهَا دَخْلٌ فِي ذَلِكَ بَعْضُهَا نَاشِئٌ عَنْ الدَّلِيلِ كَالْعُمُومِ وَالِاشْتِرَاكِ وَالتَّوَاتُرِ وَبَعْضُهَا عَنْ الْحُكْمِ كَكَوْنِهِ عِبَادَةً أَوْ عُقُوبَةً فَمَوْضُوعُهُ الْأَدِلَّةُ وَالْأَحْكَامُ جَمِيعًا.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَبْحُوثُ عَنْهُ إضَافَةً كَمَا فِي الْفِقْهِ الْبَاحِثِ عَنْ وُجُوبِ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ وَحُرْمَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَوْ كَانَ إضَافَةً لَكِنْ لَا دَخْلَ لِلْأَحْوَالِ النَّاشِئَةِ عَنْ أَحَدِ الْمُضَافَيْنِ فِي الْمَبْحُوثِ عَنْهُ كَمَا فِي الْمَنْطِقِ الْبَاحِثِ عَنْ إيصَالِ تَصَوُّرٍ أَوْ تَصْدِيقٍ إلَى تَصَوُّرٍ أَوْ تَصْدِيقٍ وَلَا دَخْلَ لِأَحْوَالِ التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ الْمُوَصِّلِ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا قَرَّرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَبَقَ فَالْمَوْضُوعُ لَا يَكُونُ إلَّا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْمَوْضُوعِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْمَسَائِلِ الْمُوجِبَ لِاخْتِلَافِ الْعِلْمِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْعِلْمَ إنَّمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَعْلُومَاتِ وَهِيَ الْمَسَائِلُ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِاخْتِلَافِ الْمَسَائِلِ مُجَرَّدُ تَكَثُّرِهَا فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْعِلْمِ وَظَاهِرٌ أَنَّ مَسَائِلَ الْعِلْمِ الْوَاحِدِ كَثِيرَةٌ أَلْبَتَّةَ، وَإِنْ أُرِيدَ عَدَمُ تَنَاسُبِهَا فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُجَرَّدَ تَكَثُّرِ الْمَوْضُوعَاتِ يُوجِبُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ تَكُنْ الْمَوْضُوعَاتُ الْكَثِيرَةُ مُتَنَاسِبَةً وَالْقَوْمُ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْأَشْيَاءَ الْكَثِيرَةَ إنَّمَا تَكُونُ مَوْضُوعًا لِعِلْمٍ وَاحِدٍ بِشَرْطِ تَنَاسُبِهَا وَوَجْهُ التَّنَاسُبِ اشْتِرَاكُهَا فِي دَانٍ كَالْخَطِّ وَالسَّطْحِ وَالْجِسْمِ التَّعْلِيمِيِّ لِلْهَنْدَسَةِ فَإِنَّهَا تَتَشَارَكُ فِي جِنْسِهَا، وَهُوَ الْمِقْدَارُ أَعْنِي الْكَمَّ الْمُتَّصِلَ الْقَارَّ الذَّاتِ أَوْ فِي عَرَضِيٍّ كَبَدَنِ الْإِنْسَانِ وَأَجْزَائِهِ وَالْأَغْذِيَةِ وَالْأَدْوِيَةِ وَالْأَرْكَانِ وَالْأَمْزِجَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إذَا جَعَلْت مَوْضُوعَاتِ الطِّبِّ فَإِنَّهَا تَتَشَارَكُ فِي كَوْنِهَا مَنْسُوبَةً إلَى الصِّحَّةِ الَّتِي هِيَ الْغَايَةُ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يُهْمِلُوا رِعَايَةَ مَعْنًى يُوجِبُ الْوَحْدَةَ وَأَنْ لَيْسَ لِأَحَدٍ
الجزء 1 · صفحة 42
وَمِنْهَا أَنَّهُ قَدْ يُذْكَرُ الْحَيْثِيَّةُ أَحَدُهُمَا أَنَّ الشَّيْءَ مَعَ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ مَوْضُوعٌ كَمَا يُقَالُ الْمَوْجُودُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَوْجُودٌ مَوْضُوعٌ لِلْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ فَيُبْحَثُ فِيهِ عَنْ الْأَعْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ الَّتِي تَلْحَقُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَوْجُودٌ كَالْوَحْدَةِ وَالْكَثْرَةِ وَنَحْوِهِمَا، وَلَا يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَوْضُوعَ مَا يُبْحَثُ عَنْ أَعْرَاضِهِ لَا مَا يُبْحَثُ عَنْهُ أَوْ عَنْ أَجْزَائِهِ وَثَانِيهمَا أَنَّ الْحَيْثِيَّةَ تَكُونُ بَيَانًا لِلْأَعْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلشَّيْءِ أَعْرَاضٌ ذَاتِيَّةٌ مُتَنَوِّعَةٌ وَإِنَّمَا يَبْحَثُ فِي عِلْمٍ عَنْ نَوْعٍ مِنْهَا فَالْحَيْثِيَّةُ بَيَانُ ذَلِكَ النَّوْعِ فَقَوْلُهُمْ مَوْضُوعُ الطِّبِّ بَدَنُ الْإِنْسَانِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَصِحُّ وَيَمْرَضُ وَمَوْضُوعُ الْهَيْئَةِ أَجْسَامُ الْعَالَمِ مِنْ حَيْثُ إنَّ لَهَا شَكْلًا يُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الثَّانِي لَا الْأَوَّلُ إذْ فِي الطِّبِّ يُبْحَثُ عَنْ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ وَفِي الْهَيْئَةِ عَنْ الشَّكْلِ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ هُوَ الْأَوَّلُ يَجِبُ أَنْ يُبْحَثَ فِي الطِّبِّ وَالْهَيْئَةِ عَنْ أَعْرَاضٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــQأَنْ يَصْطَلِحَ عَلَى أَنَّ الْفِقْهَ وَالْهَنْدَسَةَ عِلْمٌ وَاحِدٌ مَوْضُوعُهُ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ وَالْمِقْدَارُ أَنَّهُ فِيمَا أَوْرَدَ مِنْ الْمِثَالَيْنِ مُنَاقِضٌ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْأُصُولِ ثَمَّ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ، إذْ مَحْمُولَاتُ مَسَائِلِهِ لَيْسَتْ أَعْرَاضًا ذَاتِيَّةً لِمَفْهُومِ الدَّلِيلِ، بَلْ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ عَلَى الِانْفِرَادِ أَوْ التَّشَارُكِ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَكَذَا التَّصَوُّرُ وَالتَّصْدِيقُ فِي الْمَنْطِقِ.
قَوْلُهُ (وَمِنْهَا أَنَّهُ قَدْ يَذْكُرُ الْحَيْثِيَّةَ) الْمَبْحَثُ الثَّانِي فِي تَحْقِيقِ الْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَوْضُوعِ حَيْثُ يُقَالُ مَوْضُوعُ هَذَا الْعِلْمِ هُوَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنْ حَيْثُ كَذَا وَلَفْظُ حَيْثُ مَوْضُوعٌ لِلْمَكَانِ اُسْتُعِيرَ لِجِهَةِ الشَّيْءِ وَاعْتِبَارُهُ يُقَالُ الْمَوْجُودُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَوْجُودٌ أَيْ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَالْحَيْثِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْمَوْضُوعِ قَدْ لَا تَكُونُ مِنْ الْأَعْرَاضِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا فِي الْعِلْمِ كَقَوْلِهِمْ مَوْضُوعُ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ الْبَاحِثِ عَنْ أَحْوَالِ الْمَوْجُودَاتِ الْمُجَرَّدَةِ هُوَ الْمَوْجُودُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَوْجُودٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ الْعَوَارِضِ الَّتِي تَلْحَقُ الْمَوْجُودَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَوْجُودٌ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جَوْهَرٌ أَوْ عَرَضٌ أَوْ جِسْمٌ أَوْ مُجَرَّدٌ، وَذَلِكَ كَالْعِلِّيَّةِ وَالْمَعْلُولِيَّةِ وَالْوُجُوبِ وَالْإِمْكَانِ وَالْقِدَمِ وَالْحُدُوثِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَا يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ حَيْثِيَّةِ الْوُجُودِ، إذْ لَا مَعْنَى لِإِثْبَاتِهَا لِلْمَوْجُودِ وَقَدْ تَكُونُ مِنْ الْأَعْرَاضِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا فِي الْعِلْمِ كَقَوْلِهِمْ مَوْضُوعُ عِلْمِ الطِّبِّ بَدَنُ الْإِنْسَانِ مِنْ حَيْثُ يَصِحُّ وَيَمْرَضُ وَمَوْضُوعُ الْعِلْمِ الطَّبِيعِيِّ الْجِسْمُ مِنْ حَيْثُ يَتَحَرَّكُ وَيَسْكُنُ وَالصِّحَّةُ وَالْمَرَضُ مِنْ الْأَعْرَاضِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا فِي الطِّبِّ وَكَذَا الْحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ فِي الطَّبِيعِيِّ فَذَهَبَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْحَيْثِيَّةَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ جُزْءٌ مِنْ الْمَوْضُوعِ، وَفِي الثَّانِي بَيَانٌ لِلْأَعْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا فِي الْعِلْمِ، إذْ لَوْ كَانَتْ جُزْءًا مِنْ الْمَوْضُوعِ كَمَا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ لَمَّا صَحَّ أَنْ يُبْحَثَ عَنْهَا فِي الْعِلْمِ وَتُجْعَلَ مِنْ مَحْمُولَاتِ مَسَائِلِهِ، إذْ لَا يُبْحَثُ فِي الْعِلْمِ عَنْ أَجْزَاءِ الْمَوْضُوعِ، بَلْ عَنْ أَعْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا فِي الْأَوَّلِ جُزْءٌ مِنْ الْمَوْضُوعِ، بَلْ قَيْدٌ لِمَوْضُوعِيَّتِهِ بِمَعْنَى أَنَّ الْبَحْثَ يَكُونُ عَنْ الْأَعْرَاضِ الَّتِي تَلْحَقُهُ مِنْ تِلْكَ
الجزء 1 · صفحة 43
لَاحِقَةٍ لِأَجْلِ الْحَيْثِيَّتَيْنِ وَلَا يُبْحَثُ عَنْ الْحَيْثِيَّتَيْنِ وَالْوَاقِعُ خِلَافُ ذَلِكَ وَمِنْهَا أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ مَوْضُوعًا لِلْعِلْمَيْنِ أَقُولُ هَذَا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، بَلْ وَاقِعٌ فَإِنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ يَكُونُ لَهُ أَعْرَاضٌ مُتَنَوِّعَةٌ فَفِي كُلِّ عِلْمٍ يُبْحَثُ عَنْ بَعْضٍ مِنْهَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْحَيْثِيَّةِ وَبِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ وَعَلَى هَذَا لَوْ جَعَلْنَا الْحَيْثِيَّةَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي أَيْضًا قَيْدًا لِلْمَوْضُوعِ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَوْمِ لَا بَيَانًا لِلْأَعْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ لَمْ يَكُنْ الْبَحْثُ عَنْهَا فِي الْعِلْمِ بَحْثًا عَنْ أَجْزَاءِ الْمَوْضُوعِ وَلَمْ يَلْزَمْنَا مَا لَزِمَ الْمُصَنِّفُ مِنْ تَشَارُكِ الْعِلْمَيْنِ فِي مَوْضُوعٍ وَاحِدٍ بِالذَّاتِ وَالِاعْتِبَارِ نَعَمْ يَرِدُ الْإِشْكَالُ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ لَا تَكُونَ الْحَيْثِيَّةُ مِنْ الْأَعْرَاضِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا فِي الْعِلْمِ ضَرُورَةَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّا تَعْرِضُ لِلْمَوْضُوعِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهَا وَإِلَّا لَزِمَ تَقَدُّمُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ ضَرُورَةَ أَنَّ مَا بِهِ يَعْرِضُ الشَّيْءُ لِلشَّيْءِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الْعَارِضِ مَثَلًا لَيْسَتْ الصِّحَّةُ وَالْمَرَضُ مِمَّا يَعْرِضُ لِبَدَنِ الْإِنْسَانِ مِنْ حَيْثُ يَصِحُّ وَيَمْرَضُ وَلَا الْحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ مِمَّا يَعْرِضُ لِلْجِسْمِ مِنْ حَيْثُ يَتَحَرَّكُ وَيَسْكُنُ، وَالْمَشْهُورُ فِي جَوَابِهِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ حَيْثُ إمْكَانُ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ وَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِذَلِكَ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ الْأَعْرَاضِ وَالْمَبْحُوثِ عَنْهَا فِي الْعِلْمِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمَوْضُوعَ لَمَّا كَانَ عِبَارَةً عَنْ الْمَبْحُوثِ فِي الْعِلْمِ عَنْ أَعْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ قُيِّدَ بِالْحَيْثِيَّةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْبَحْثَ عَنْ الْعَوَارِضِ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْحَيْثِيَّةِ وَبِالنَّظَرِ إلَيْهَا أَيْ يُلَاحَظُ فِي جَمِيعِ الْمَبَاحِثِ هَذَا الْمَعْنَى الْكُلِّيُّ لَا عَلَى مَعْنَى أَنَّ جَمِيعَ الْعَوَارِضِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا يَكُونُ لُحُوقُهَا لِلْمَوْضُوعِ بِوَاسِطَةِ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ أَلْبَتَّةَ.
قَوْلُهُ (وَمِنْهَا أَنَّ الْمَشْهُورَ) الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ فِي جَوَازِ تَشَارُكِ الْعُلُومِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي مَوْضُوعٍ وَاحِدٍ بِالذَّاتِ وَالِاعْتِبَارِ وَكَمَا خَالَفَ الْقَوْمَ فِي جَوَازِ تَعَدُّدِ الْمَوْضُوعِ لِعِلْمٍ وَاحِدٍ كَذَلِكَ خَالَفَهُمْ فِي امْتِنَاعِ اتِّحَادِ الْمَوْضُوعِ لِعُلُومٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَادَّعَى جَوَازَهُ، بَلْ وُقُوعَهُ أَمَّا الْجَوَازُ فَلِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ أَعْرَاضٌ ذَاتِيَّةٌ مُتَنَوِّعَةٌ أَيْ مُخْتَلِفَةٌ بِالنَّوْعِ يَبْحَثُ فِي عِلْمٍ عَنْ بَعْضِ أَنْوَاعِهَا، وَفِي عِلْمٍ آخَرَ عَنْ بَعْضٍ آخَرَ فَيَتَمَايَزُ الْعِلْمَانِ بِالْأَعْرَاضِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا، وَإِنْ اتَّحَدَ الْمَوْضُوعُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اتِّحَادَ الْعِلْمِ وَاخْتِلَافَهُ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْمَعْلُومَاتِ أَعْنِي الْمَسَائِلَ وَكَمَا تَتَّحِدُ الْمَسَائِلُ بِاتِّحَادِ مَوْضُوعَاتِهَا بِأَنْ يَرْجِعَ الْجَمِيعُ إلَى مَوْضُوعِ الْعِلْمِ وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا كَذَلِكَ تَتَّحِدُ بِاتِّحَادِ مَحْمُولَاتِهَا بِأَنْ يَرْجِعَ الْجَمِيعُ إلَى نَوْعٍ مِنْ الْأَعْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ لِلْمَوْضُوعِ وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا فَكَمَا اُعْتُبِرَ اخْتِلَافُ الْعُمُومِ بِاخْتِلَافِ الْمَوْضُوعَاتِ يَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِاخْتِلَافِ الْمَحْمُولَاتِ بِأَنْ يُؤْخَذَ مَوْضُوعٌ وَاحِدٌ بِالذَّاتِ وَالِاعْتِبَارِ وَيُجْعَلَ الْبَحْثُ عَنْ بَعْضِ أَعْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ عِلْمًا وَعَنْ الْبَعْضِ الْآخَرِ عِلْمًا آخَرَ فَيَكُونَانِ عِلْمَيْنِ مُتَشَارِكَيْنِ فِي الْمَوْضُوعِ مُتَمَايِزَيْنِ فِي الْمَحْمُولِ.
وَأَمَّا الْوُقُوعُ فَلِأَنَّهُمْ جَعَلُوا أَجْسَامَ الْعَالَمِ وَهِيَ الْبَسَائِطُ مَوْضُوعَ عِلْمِ الْهَيْئَةِ مِنْ حَيْثُ الشَّكْلُ وَمَوْضُوعُ عِلْمِ السَّمَاءِ وَالْعَالَمِ
الجزء 1 · صفحة 44
وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ يَكُونُ لَهُ أَعْرَاضٌ مُتَنَوِّعَةٌ فَإِنَّ الْوَاحِدَ الْحَقِيقِيَّ يُوصَفُ بِصِفَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَلَا يَضُرُّ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا حَقِيقَةً وَبَعْضُهَا إضَافِيَّةً وَبَعْضُهَا سَلْبِيَّةً، وَلَا شَيْءَ مِنْهَا يَلْحَقُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْ حَيْثُ الطَّبِيعِيَّةُ وَالْحَيْثِيَّةُ فِيهِمَا بَيَانُ الْأَعْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا لِأَجْزَاءِ الْمَوْضُوعِ وَإِلَّا لَمَا وَقَعَ الْبَحْثُ عَنْهَا فِي الْعِلْمَيْنِ فَمَوْضُوعُ كُلٍّ مِنْهُمَا أَجْسَامُ الْعَالَمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ إلَّا أَنَّ الْبَحْثَ فِي الْهَيْئَةِ عَنْ أَشْكَالِهَا، وَفِي السَّمَاءِ وَالْعَالَمِ عَنْ طَبَائِعِهَا فَهُمَا عِلْمَانِ مُخْتَلِفَانِ بِاخْتِلَافِ مَحْمُولَاتِ الْمَسَائِلِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَوْضُوعِ وَعِلْمُ السَّمَاءِ وَالْعَالَمِ عِلْمٌ تُعْرَفُ فِيهِ أَحْوَالُ الْأَجْسَامِ الَّتِي هِيَ أَرْكَانُ الْعَالَمِ وَهِيَ السَّمَاوَاتُ وَمَا فِيهَا وَالْعَنَاصِرُ الْأَرْبَعَةُ وَطَبَائِعُهَا وَحَرَكَاتُهَا وَمَوَاضِعُهَا وَتَعْرِيفُ الْحِكْمَةِ فِي صُنْعِهَا وَتَنْضِيدِهَا، وَهُوَ مِنْ أَقْسَامِ الْعِلْمِ الطَّبِيعِيِّ الْبَاحِثِ عَنْ أَحْوَالِ الْأَجْسَامِ مِنْ حَيْثُ التَّغَيُّرُ وَمَوْضُوعُهُ الْجِسْمُ الْمَحْسُوسُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَعْرُوضٌ لِلتَّغَيُّرِ فِي الْأَحْوَالِ وَالثَّبَاتِ فِيهَا وَيَبْحَثُ فِيهِ عَمَّا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيٍّ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحَيْثِيَّةَ فِي الطَّبِيعِيِّ مَبْحُوثٌ عَنْهَا وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهَا قَيْدٌ لِلْعُرُوضِ وَهَاهُنَا نَظَرٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ كَوْنِ الْحَيْثِيَّةِ تَارَةً جُزْءًا مِنْ الْمَوْضُوعِ وَأُخْرَى بَيَانًا لِلْمَبْحُوثِ عَنْهَا وَقَدْ عَرَفْت مَا فِيهِ، أَمَّا ثَانِيًا فَإِنَّهُمْ لَمَّا حَاوَلُوا مَعْرِفَةَ أَحْوَالِ الْأَعْيَانِ الْمَوْجُودَاتِ وَضَعُوا الْحَقَائِقَ أَنْوَاعًا وَأَجْنَاسًا وَبَحَثُوا عَمَّا أَحَاطُوا بِهِ مِنْ أَعْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ فَحَصَلَتْ لَهُمْ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ مُتَّحِدَةٌ فِي كَوْنِهَا بَحْثًا عَنْ أَحْوَالِ ذَلِكَ الْمَوْضُوعِ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مَحْمُولَاتُهَا فَجَعَلُوهَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ عِلْمًا وَاحِدَا يُفْرَدُ بِالتَّدْوِينِ وَالتَّسْمِيَةِ وَجَوَّزُوا لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُضِيفَ إلَيْهِ مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِنْ أَحْوَالِ ذَلِكَ الْمَوْضُوعِ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْعِلْمِ هُوَ الْبَحْثُ عَنْ جَمِيعِ مَا تُحِيطُ بِهِ الطَّاقَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ مِنْ الْأَعْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ لِلْمَوْضُوعِ فَلَا مَعْنَى لِلْعِلْمِ الْوَاحِدِ إلَّا أَنْ يُوضَعَ شَيْءٌ أَوْ أَشْيَاءُ مُتَنَاسِبَةٌ فَنَبْحَثَ عَنْ جَمِيعِ عَوَارِضِهِ الذَّاتِيَّةِ وَنَطْلُبَهَا وَلَا مَعْنَى لِتَمَايُزِ الْعُلُومِ إلَّا أَنَّ هَذَا يَنْظُرُ فِي أَحْوَالِ شَيْءٍ وَذَاكَ فِي أَحْوَالِ شَيْءٍ آخَرَ مُغَايِرٍ لَهُ بِالذَّاتِ أَوْ بِالِاعْتِبَارِ بِأَنْ يُؤْخَذَ فِي أَحَدِ الْعِلْمَيْنِ مُطْلَقًا، وَفِي الْآخَرِ بِالْبُرْهَانِ مُقَيَّدًا أَوْ يُؤْخَذَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مُقَيَّدًا بِقَيْدٍ آخَرَ وَتِلْكَ الْأَحْوَالُ مَجْهُولَةٌ مَطْلُوبَةٌ وَالْمَوْضُوعُ مَعْلُومٌ بَيْنَ الْوُجُودِ فَهُوَ الصَّالِحُ سَبَبًا لِلتَّمَايُزِ.
وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّهُ مَا مِنْ عِلْمٍ إلَّا وَيَشْتَمِلُ مَوْضُوعُهُ عَلَى أَعْرَاضٍ ذَاتِيَّةٍ مُتَنَوِّعَةٍ فَلِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَجْعَلَهُ عُلُومًا مُتَعَدِّدَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ مَثَلًا يَجْعَلُ الْبَحْثَ عَنْ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ الْوُجُوبُ عِلْمًا وَمِنْ حَيْثُ الْحُرْمَةُ عِلْمًا آخَرَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَيَكُونُ الْفِقْهُ عُلُومًا مُتَعَدِّدَةً مَوْضُوعُهَا فِعْلُ الْمُكَلَّفِ فَلَا يَنْضَبِطُ الِاتِّحَادُ وَالِاخْتِلَافُ وَتَحْقِيقُ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ فِي كِتَابِ الْبُرْهَانِ مِنْ مَنْطِقِ الشِّفَاءِ.
قَوْلُهُ، (وَإِنَّمَا قُلْنَا) اسْتَدَلَّ عَلَى
الجزء 1 · صفحة 45
لِجُزْئِهِ لِعَدَمِ الْجُزْءِ لَهُ فَلُحُوقُ بَعْضِهَا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِذَاتِهِ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ فِي الْمَبْدَأِ فَلُحُوقُ الْبَعْضِ الْآخَرِ إنْ كَانَ لِذَاتِهِ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ نَتَكَلَّمُ فِي ذَلِكَ الْغَيْرِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى ذَاتِهِ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ فِي الْمَبْدَأِ. وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ اسْتِكْمَالُهُ مِنْ غَيْرِهِ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ مَوْضُوعَ عِلْمَيْنِ وَيَكُونَ تَمِيزُهُمَا بِحَسَبِ الْأَعْرَاضِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اتِّحَادَ الْعِلْمَيْنِ وَاخْتِلَافَهُمَا بِحَسَبِ اتِّحَادِ الْمَعْلُومَاتِ وَاخْتِلَافِهَا وَالْمَعْلُومَاتُ هِيَ الْمَسَائِلُ فَكَمَا أَنَّ الْمَسَائِلَ تَتَّحِدُ وَتَخْتَلِفُ بِحَسْبِ مَوْضُوعَاتِهَا وَهِيَ رَاجِعَةٌ إلَى مَوْضُوعِ الْعِلْمِ فَكَذَلِكَ تَتَّحِدُ الْمَسَائِلُ وَتَخْتَلِفُ بِحَسَبِ مَحْمُولَاتِهَا وَهِيَ رَاجِعَةٌ إلَى تِلْكَ الْأَعْرَاضِ وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ الِاصْطِلَاحَ جَرَى بِأَنَّ الْمَوْضُوعَ مُعْتَبَرٌ فِي ذَلِكَ لَا الْمَحْمُولَ فَحِينَئِذٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــQثُبُوتِ الْأَعْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ الْمُتَنَوِّعَةِ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ بِأَنَّ الْوَاحِدَ الْحَقِيقِيَّ الَّذِي لَا كَثْرَةَ فِي ذَاتِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ يَتَّصِفُ بِصِفَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا حَقِيقِيًّا كَالْقُدْرَةِ وَبَعْضُهَا إضَافِيًّا كَالْخَلْقِ وَبَعْضُهَا سَلْبِيًّا كَالتَّجَرُّدِ عَنْ الْمَادَّةِ وَالْمُتَّصِفُ بِصِفَاتٍ كَثِيرَةٍ مُتَّصِفٌ بِأَعْرَاضٍ ذَاتِيَّةٍ مُتَنَوِّعَةٍ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ مِنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ لَاحِقًا لَهُ لِجُزْئِهِ لِعَدَمِ الْجُزْءِ لَهُ وَلَا الْمُبَايِنِ لِامْتِنَاعِ احْتِيَاجِ الْوَاحِدِ الْحَقِيقِيِّ فِي صِفَاتِهِ إلَى أَمْرٍ مُنْفَصِلٍ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَرَّضَ لِهَذَا أَيْضًا وَحِينَئِذٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِحُقُوقِ كُلٍّ مِنْهَا لِصِفَةٍ أُخْرَى فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ فِي الْمَبَادِئِ أَعْنِي الصِّفَاتِ الَّتِي كُلٌّ مِنْهَا مَبْدَأٌ لِصِفَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ مُحَالٌ لِبُرْهَانِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكَلَامِ أَوْ يَكُونُ بَعْضُهَا لِذَاتِهِ فَيَثْبُتُ عَرَضُ ذَاتِيٌّ وَحِينَئِذٍ فَالْبَعْضُ الْآخَرُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِجُزْئِهِ لِمَا مَرَّ فَهُوَ إمَّا لِذَاتِهِ فَيَثْبُتُ عَرَضٌ ذَاتِيٌّ آخَرُ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ أَوْ لِغَيْرِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْغَيْرُ مُبَايِنًا لِمَا مَرَّ، بَلْ يَكُونُ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى مَا يَكُونُ لُحُوقُهُ لِذَاتِهِ وَإِلَّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ فِي الْمَبَادِئِ، فَإِنْ قِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الْعَرَضِ الذَّاتِيِّ الْأَوَّلِ فَلَا يَلْزَمُ تَعَدُّدُ الْأَعْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ وَلَوْ سُلِّمَ فَاللَّازِمُ تَعَدُّدُهَا، وَهُوَ غَيْرُ مَطْلُوبٍ وَالْمَطْلُوبُ تَنَوُّعُهَا، وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ قُلْنَا اللَّاحِقُ بِوَاسِطَةِ الْعَرَضِ الذَّاتِيِّ الْأَوَّلِ أَيْضًا عَرَضٌ ذَاتِيٌّ فَيَلْزَمُ التَّعَدُّدُ وَالصِّفَاتُ الْمُتَعَدِّدَةُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ مُتَنَوِّعَةٌ لَا مَحَالَةَ ضَرُورَةَ أَنَّ اخْتِلَافَ أَشْخَاصِ نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْ الصِّفَاتِ إنَّمَا هُوَ بِاخْتِلَافِ الْمَحَلِّ.
قَوْلُهُ (وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ) عَطْفٌ عَلَى مَضْمُونِ الْكَلَامِ السَّابِقِ أَيْ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ اسْتِكْمَالُ الْوَاحِدِ الْحَقِيقِيِّ فِي صِفَاتِهِ بِالْغَيْرِ، وَهُوَ مُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ النُّقْصَانَ فِي ذَاتِهِ وَالِاحْتِيَاجَ فِي كَمَالَاتِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ الِاسْتِكْمَالُ بِالْأَمْرِ الْمُنْفَصِلِ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لُحُوقُ الْبَعْضِ الْآخَرِ لِصِفَةٍ، وَإِنْ أُرِيدَ أَعَمُّ مِنْ الْمُنْفَصِلِ وَالصِّفَةِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ احْتِيَاجَ بَعْضِ الصِّفَاتِ إلَى الْبَعْضِ يُوجِبُ النُّقْصَانَ فِي الذَّاتِ كَيْفَ وَالْخَلْقُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ
الجزء 1 · صفحة 46
لَا مُشَاحَّةَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّ مَوْضُوعَ الْهَيْئَةِ هِيَ أَجْسَامُ الْعَالَمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا شَكْلُ وَمَوْضُوعُ عِلْمِ السَّمَاءِ وَالْعَالَمُ مِنْ الطَّبِيعِيِّ أَجْسَامُ الْعَالَمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا طَبِيعِيَّةٌ قَوْلٌ بِأَنَّ مَوْضُوعَهُمَا وَاحِدٌ لَكِنَّ اخْتِلَافَهُمَا بِاخْتِلَافِ الْمَحْمُولِ؛ لِأَنَّ الْحَيْثِيَّةَ فِيهِمَا بَيَانُ الْمَبْحُوثِ عَنْهُ لَا أَنَّهَا جُزْءُ الْمَوْضُوعِ وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ لَا يُبْحَثَ فِيهِمَا عَنْ هَاتَيْنِ الْحَيْثِيَّتَيْنِ، بَلْ عَمَّا يَلْحَقُهُمَا لِهَاتَيْنِ الْحَيْثِيَّتَيْنِ وَالْوَاقِعُ خِلَافُ ذَلِكَ، وَاَللَّه أَعْلَمُ
(فَنَضَعُ الْكِتَابَ عَلَى قِسْمَيْنِ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ: الرُّكْنُ الْأَوَّلُ فِي الْكِتَابِ أَيْ الْقُرْآنِ، وَهُوَ مَا نُقِلَ إلَيْنَا بَيْنَ دَفَّتَيْ الْمَصَاحِفِ تَوَاتُرًا) فَخَرَجَ سَائِرُ الْكُتُبِ وَالْأَحَادِيثِ الْإِلَهِيَّةِ وَالنَّبَوِيَّةِ وَالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ، وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ دَوْرِيٌّ؛ لِأَنَّهُ عَرَّفَ الْقُرْآنَ بِمَا نُقِلَ فِي الْمُصْحَفِ، فَإِنْ سُئِلَ مَا الْمُصْحَفُ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يُقَالَ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ الْقُرْآنُ فَأَجَبْت عَنْ هَذَا بِقَوْلِي (وَلَا دَوْرَ؛ لِأَنَّ الْمُصْحَفَ مَعْلُومٌ) أَيْ فِي الْعُرْفِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَعْرِيفِهِ بِقَوْلِهِ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ الْقُرْآنُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْإِرَادَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا مُخْتَصًّا بِمَا يَكُونُ الْغَيْرُ مُنْفَصِلًا وَمَا سَبَقَ مُخْتَصًّا بِمَا يَكُونُ غَيْرَ مُنْفَصِلٍ فَيَتِمُّ بِمَجْمُوعِهِمَا الْمَطْلُوبُ أَعْنِي إثْبَاتَ عَرَضٍ ذَاتِيٍّ آخَرَ
[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ الْكِتَابِ فِي الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ]
[الرُّكْنُ الْأَوَّلُ فِي الْكِتَابِ أَيْ الْقُرْآنِ]
قَوْلُهُ (فَنَضَعُ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ فَيَبْحَثُ عَنْ كَذَا وَكَذَا يَعْنِي بِسَبَبِ أَنَّ الْبَحْثَ فِي هَذَا الْفَنِّ إنَّمَا هُوَ عَنْ أَحْوَالِ الْأَدِلَّةِ وَالْأَحْكَامِ نَضَعُ الْكِتَابَ أَيْ مَقَاصِدَهُ عَلَى قِسْمَيْنِ وَإِلَّا فَبَحْثُ التَّعْرِيفِ وَالْمَوْضُوعِ أَيْضًا مِنْ الْكِتَابِ مَعَ أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الْقِسْمَيْنِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ دَاخِلٍ فِي الْمَقَاصِدِ وَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ مُرَتَّبٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ فِي الْأَدِلَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْكِتَابُ، ثُمَّ السُّنَّةُ ثُمَّ الْإِجْمَاعُ ثُمَّ الْقِيَاسُ تَقْدِيمًا لِلْإِقْدَامِ بِالذَّاتِ وَالشَّرَفِ.
وَأَمَّا بَابَا التَّرْجِيحِ وَالِاجْتِهَادِ فَكَأَنَّهُ جَعَلَهُمَا تَتِمَّةً وَتَذْيِيلًا لِرُكْنِ الْقِيَاسِ.
قَوْلُهُ (الرُّكْنُ الْأَوَّلُ فِي الْكِتَابِ) ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِلْمَكْتُوبِ غَلَبَ فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُثْبَتُ فِي الْمَصَاحِفِ كَمَا غَلَبَ فِي عُرْفِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى كِتَابِ سِيبَوَيْهِ وَالْقُرْآنُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ غَلَبَ فِي الْعُرْفِ الْعَامِّ عَلَى الْمَجْمُوعِ الْمُعَيَّنِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَقْرُوءِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعِبَادِ، وَهُوَ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَشْهَرُ مِنْ لَفْظِ الْكِتَابِ وَأَظْهَرُ فَلِهَذَا جُعِلَ تَفْسِيرًا لَهُ حَيْثُ قِيلَ الْكِتَابُ هُوَ الْقُرْآنُ الْمُنَزَّلُ عَلَى الرَّسُولِ الْمَكْتُوبُ فِي الْمَصَاحِفِ الْمَنْقُولُ إلَيْنَا نَقْلًا مُتَوَاتِرًا بِلَا شُبْهَةٍ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ تَفْسِيرٌ لِلْكِتَابِ وَبَاقِي الْكَلَامِ تَعْرِيفٌ لِلْقُرْآنِ وَتَمْيِيزٌ لَهُ عَمَّا يَشْتَبِهُ بِهِ لَا أَنَّ الْمَجْمُوعَ تَعْرِيفٌ لِلْكِتَابِ لِيَلْزَمَ ذِكْرُ الْمَحْدُودِ فِي الْحَدِّ وَلَا أَنَّ الْقُرْآنَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَقْرُوءِ لِيَشْمَلَ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى وَغَيْرَهُ عَلَى مَا تَوَهَّمَهُ الْبَعْضُ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْعُرْفِ بَعِيدٌ عَنْ الْفَهْمِ، إنْ كَانَ صَحِيحًا فِي اللُّغَةِ وَالْمَشَايِخِ، وَإِنْ كَانُوا لَا يُنَاقِشُونَ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِحَمْلِ كَلَامِهِمْ عَلَيْهِ مَعَ ظُهُورِ الْوَجْهِ الصَّحِيحِ الْمَقْبُولِ عِنْدَ الْكُلِّ فَلِإِزَالَةِ
الجزء 1 · صفحة 47
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQهَذَا الْوَهْمِ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِحَرْفِ التَّفْسِيرِ، وَقَالَ أَيْ الْقُرْآنُ، وَهُوَ مَا نُقِلَ إلَيْنَا بَيْنَ دَفَّتَيْ الْمَصَاحِفِ تَوَاتُرًا، ثُمَّ كُلٌّ مِنْ الْكِتَابِ وَالْقُرْآنِ يُطْلَقُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى الْمَجْمُوعِ وَعَلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَبْحَثُونَ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الْحُكْمِ، وَذَلِكَ آيَةً آيَةً لَا مَجْمُوعَ الْقُرْآنِ فَاحْتَاجُوا إلَى تَحْصِيلِ صِفَاتٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ الْكُلِّ وَالْجُزْءِ مُخْتَصَّةٍ بِهِمَا كَكَوْنِهِ مُعْجِزًا مُنَزَّلًا عَلَى الرَّسُولِ مَكْتُوبًا فِي الْمَصَاحِفِ مَنْقُولًا بِالتَّوَاتُرِ فَاعْتَبَرَ فِي تَفْسِيرِهِ بَعْضُهُمْ جَمِيعَ الصِّفَاتِ لِزِيَادَةِ التَّوْضِيحِ وَبَعْضُهُمْ الْإِنْزَالَ وَالْإِعْجَازَ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ وَالنَّقْلَ لَيْسَا مِنْ اللَّوَازِمِ لِتَحَقُّقِ الْقُرْآنِ بِدُونِهِمَا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَبَعْضُهُمْ الْكِتَابَةَ وَالْإِنْزَالَ وَالنَّقْلَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَعْرِيفُ الْقُرْآنِ لِمَنْ لَمْ يُشَاهِدْ الْوَحْيَ وَلَمْ يُدْرِكْ زَمَنَ النُّبُوَّةِ وَهُمْ إنَّمَا يَعْرِفُونَهُ بِالنَّقْلِ وَالْكِتَابَةِ فِي الْمَصَاحِفِ وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُمَا فِي زَمَانِهِمْ فَهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ مِنْ أَبْيَنِ اللَّوَازِمِ الْبَيِّنَةِ وَأَوْضَحِهَا دَلَالَةً عَلَى الْمَقْصُودِ بِخِلَافِ الْإِعْجَازِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ اللَّوَازِمِ الْبَيِّنَةِ وَلَا الشَّامِلَةِ لِكُلِّ جُزْءٍ، إذْ الْمُعْجِزُ هُوَ السُّورَةُ أَوْ مِقْدَارُهَا أَخَذَ مِنْ قَوْله تَعَالَى {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23] وَالْمُصَنِّفُ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ النَّقْلِ فِي الْمَصَاحِفِ تَوَاتُرًا لِحُصُولِ الِاحْتِرَازِ بِذَلِكَ عَنْ جَمِيعِ مَا عَدَا الْقُرْآنَ؛ لِأَنَّ سَائِرَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَالْأَحَادِيثَ الْإِلَهِيَّةَ وَالنَّبَوِيَّةَ وَمَنْسُوخَ التِّلَاوَةِ لَمْ يُنْقَلْ شَيْءٌ مِنْهَا بَيْنَ دَفَّتَيْ الْمَصَاحِفِ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِهَذَا الْمَعْهُودِ الْمَعْلُومِ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ حَتَّى الصِّبْيَانِ وَالْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ لَمْ تُنْقَلْ إلَيْنَا بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ، بَلْ بِطَرِيقِ الْآحَادِ كَمَا اخْتَصَّ بِمُصْحَفِ أُبَيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَوْ الشُّهْرَةَ كَمَا اخْتَصَّ بِمُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ الْإِنْزَالِ وَالْإِعْجَازِ وَلَا إلَى تَأْكِيدِ التَّوَاتُرِ بِقَوْلِهِمْ بِلَا شُبْهَةٍ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِدُونِهَا.
وَأَمَّا التَّسْمِيَةُ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى مَا ذُكِرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ إلَّا مَا تَوَاتَرَ بَعْضُ آيَةٍ مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ، وَإِنَّ قَوْلَهُمْ بِلَا شُبْهَةٍ احْتِرَازٌ عَنْهَا إلَّا أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ آيَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ أُنْزِلَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا كُتِبَتْ فِي الْمَصَاحِفِ بِخَطِّ الْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ مِنْ السَّلَفِ وَعَدَمُ جَوَازِ الصَّلَاةِ بِهَا إنَّمَا هُوَ لِلشُّبْهَةِ فِي كَوْنِهَا آيَةً تَامَّةً وَجَوَازُ تِلَاوَتِهَا لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ إنَّمَا هُوَ عَلَى قَصْدِ التَّبَرُّكِ وَالتَّيَمُّنِ كَمَا إذَا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى قَصْدِ الشُّكْرِ دُونَ التِّلَاوَةِ وَعَدَمُ تَكْفِيرِ مَنْ أَنْكَرَ كَوْنَهَا مِنْ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ سُورَةِ النَّمْلِ إنَّمَا هُوَ لِقُوَّةِ الشُّبْهَةِ فِي ذَلِكَ بِحَيْثُ يَخْرُجُ كَوْنُهَا مِنْ الْقُرْآنِ مِنْ حَيِّزِ الْوُضُوحِ إلَى حَيِّزِ الْإِشْكَالِ، وَمِثْلُ هَذَا يَمْنَعُ التَّكْفِيرَ، فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى مَا اخْتَارَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ هَلْ يَبْقَى اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ قُلْنَا نَعَمْ هِيَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مِائَةٌ وَثَلَاثَ عَشْرَةَ آيَةً مِنْ السُّوَرِ كَمَا أَنَّ قَوْله تَعَالَى {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 13] عِدَّةُ آيَاتٍ مِنْ
الجزء 1 · صفحة 48
ثُمَّ أَرَدْت تَحْقِيقًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِيُعْلَمَ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ أَيُّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التَّعْرِيفَاتِ فَإِنَّ إتْمَامَ الْجَوَابِ مَوْقُوفٌ عَلَى هَذَا فَقُلْت (وَلَيْسَ هَذَا تَعْرِيفُ مَاهِيَّةِ الْكِتَابِ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــQسُورَةِ الرَّحْمَنِ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ آيَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ كُرِّرَتْ لِلْفَصْلِ وَالتَّبَرُّكِ وَلَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنْ شَيْءٍ مِنْ السُّوَرِ وَجَازَ تَكْرِيرُهَا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ؛ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ لِذَلِكَ وَنُقِلَتْ كَذَلِكَ بِخِلَافِ مَنْ أَخَذَ يُلْحِقُ بِالْمُصْحَفِ آيَاتٍ مُكَرَّرَةً مِثْلَ أَنْ يُكْتَبَ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَإِنَّهُ يُعَدُّ زِنْدِيقًا أَوْ مَجْنُونًا فَعَلَى مَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِغَرَضِ الْأُصُولِيِّ يَكُونُ الْمُرَادُ بِمَا نُقِلَ إلَيْنَا بَيْنَ دَفَّتَيْ الْمَصَاحِفِ هُوَ مَا يَشْمَلُ الْكُلَّ وَالْبَعْضَ إلَّا أَنَّهُ إنْ أُبْقِيَ عَلَى عُمُومِهِ يَدْخُلُ فِي الْحَدِّ الْحَرْفُ أَوْ الْكَلِمَةُ مِنْ الْقُرْآنِ وَلَا يُسَمَّى قُرْآنًا فِي عُرْفِ الشَّرْعِ، وَإِنْ خُصَّ بِالْكَلَامِ التَّامِّ خَرَجَ بَعْضُ مَا لَيْسَ بِكَلَامٍ تَامٍّ مَعَ أَنَّهُ يُسَمَّى قُرْآنًا وَيَحْرُمُ مَسُّهُ عَلَى الْمُحْدِثِ وَتِلَاوَتُهُ عَلَى الْجُنُبِ وَعَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْمُرَادُ بِمَا نُقِلَ مَجْمُوعُ مَا نُقِلَ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ تَعْرِيفًا لِلْمَجْمُوعِ الشَّخْصِيِّ لَا لِلْمَعْنَى الْكُلِّيِّ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ إلَّا أَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ غَرَضَ الْأُصُولِيِّ، فَإِنْ قِيلَ فَالْكِتَابُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي هَلْ يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِالْقُرْآنِ قُلْنَا نَعَمْ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ أَيْضًا حَقِيقَةً فِي الْبَعْضِ كَمَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْكُلِّ، فَإِنْ قِيلَ فَيَلْزَمُ عُمُومُ الْمُشْتَرَكِ قُلْنَا لَيْسَ مَعْنَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الْبَعْضِ كَمَا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْكُلِّ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْبَعْضِ خَاصَّةً كَمَا أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْكُلِّ خَاصَّةً حَتَّى يَكُونَ حَمْلُهُ عَلَى الْكُلِّ وَعَلَى الْبَعْضِ مِنْ عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ، بَلْ هُوَ مَوْضُوعٌ تَارَةً لِلْكُلِّ خَاصَّةً وَتَارَةً لِمَا يَعُمُّ الْكُلَّ وَالْبَعْضَ أَعْنِي الْكَلَامَ الْمَنْقُولَ فِي الْمُصْحَفِ تَوَاتُرًا فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِي الْكُلِّ وَالْبَعْضِ بِاعْتِبَارِ وَضْعٍ وَاحِدٍ وَلَا يَكُونُ مِنْ عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ فِي شَيْءٍ.
قَوْلُهُ (فَإِنَّ إتْمَامَ الْجَوَابِ مَوْقُوفٌ عَلَى هَذَا) يَعْنِي أَنَّ جَعْلَ التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ تَفْسِيرًا لِلَفْظِ الْكِتَابِ أَوْ الْقُرْآنِ وَتَمْيِيزًا لَهُ عَنْ سَائِرِ الْكُتُبِ أَوْ الْكَلَامِ الْأَزَلِيِّ يَجُوزُ فِي مَعْرِفَةِ الْمُصْحَفِ الِاكْتِفَاءُ بِالْعُرْفِ أَوْ الْإِشَارَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ وَإِنْ جُعِلَ تَعْرِيفًا لِمَاهِيَّةِ الْكِتَابِ أَوْ الْقُرْآنِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ مَاهِيَّةِ الْمُصْحَفِ وَهِيَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ مَاهِيَّةِ الْقُرْآنِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ إلَّا مَا كُتِبَ فِيهِ الْقُرْآنُ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ لَا يُقَالُ فَالدَّوْرُ إنَّمَا يَلْزَمُ إذَا جَعَلَ تَعْرِيفًا لِمَاهِيَّةِ الْقُرْآنِ دُونَ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ مَاهِيَّةُ الْكِتَابِ هِيَ بِعَيْنِهَا مَاهِيَّةُ الْقُرْآنِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُمَا اسْمَانِ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ فَتَوَقَّفَ الْمُصْحَفُ عَلَى مَاهِيَّةِ الْقُرْآنِ تَوَقُّفَهُ عَلَى مَاهِيَّةِ الْكِتَابِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ تَفْسِيرَ الْمُصْحَفِ بِمَا جُمِعَ فِيهِ الْوَحْيُ الْمَتْلُوُّ لَا يَدْفَعُ الدَّوْرَ؛ لِأَنَّهُ أَيْضًا عِبَارَةٌ عَنْ الْكِتَابِ وَالْقُرْآنِ فَالْمُصْحَفُ صُرِّحَ بِأَنَّهُ لَيْسَ تَعْرِيفًا
الجزء 1 · صفحة 49
بَلْ تَشْخِيصُهُ فِي جَوَابِ أَيِّ كِتَابٍ تُرِيدُ، (وَلَا الْقُرْآنِ) فَإِنَّ عُلَمَاءَنَا قَالُوا هُوَ مَا نُقِلَ إلَيْنَا إلَخْ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ عَرَّفُوا الْكِتَابَ بِهَذَا أَوْ عَرَّفُوا الْقُرْآنَ بِهَذَا، فَإِنْ عَرَّفُوا الْكِتَابَ بِهَذَا فَلَيْسَ تَعْرِيفًا لِمَاهِيَّةِ الْكِتَابِ، بَلْ تَشْخِيصُهُ فِي جَوَابِ أَيِّ كِتَابٍ تُرِيدُ وَإِنْ عَرَّفُوا الْقُرْآنَ بِهَذَا فَلَيْسَ تَعْرِيفًا لِمَاهِيَّةِ الْقُرْآنِ أَيْضًا، بَلْ تَشْخِيصُهُ (لِأَنَّ الْقُرْآنَ اسْمٌ يُطْلَقُ عَلَى الْكَلَامِ الْأَزَلِيِّ وَعَلَى الْمَقْرُوءِ فَهَذَا تَعْيِينُ أَحَدِ مُحْتَمَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَقْرُوءُ) فَإِنَّ الْقُرْآنَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يُطْلَقُ عَلَى الْكَلَامِ الْأَزَلِيِّ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ لِلْحَقِّ عَزَّ وَعَلَا وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَقْرُوءُ فَكَأَنَّهُ قِيلَ أَيُّ الْمَعْنَيَيْنِ تُرِيدُ، فَقَالَ مَا نُقِلَ إلَيْنَا إلَخْ أَيْ تُرِيدُ الْمَقْرُوءَ فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ إنْ أُرِيدَ تَعْرِيفُ مَاهِيَّةِ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَرَّفَ مَاهِيَّةَ الْقُرْآنِ بِالْمَكْتُوبِ فِي الْمُصْحَفِ فَلَا بُدَّ مِنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــQلِلْمَاهِيَّةِ سَوَاءٌ عُرِّفَ بِهِ الْكِتَابُ أَوْ الْقُرْآنُ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي لُزُومِ الدَّوْرِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الدَّوَرَانُ لَوْ أُرِيدَ تَعْرِيفُ مَاهِيَّةِ الْقُرْآنِ إشَارَةً إلَى أَنَّ مَاهِيَّةَ الْكِتَابِ هِيَ مَاهِيَّةُ الْقُرْآنِ فَذِكْرُ أَحَدِهِمَا مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ الْآخَرِ، فَإِنْ قِيلَ يُفَسَّرُ الْمُصْحَفُ بِمَا جُمِعَ فِيهِ الصَّحَائِفُ مُطْلَقًا عَلَى مَا هُوَ مَوْضُوعٌ فِي اللُّغَةِ وَيَخْرُجُ مَنْسُوخُ التِّلَاوَةِ عَنْ التَّعْرِيفِ بِقَيْدِ التَّوَاتُرِ فَلَا دَوْرَ قُلْنَا عُدُولٌ عَنْ الظَّاهِرِ إلَى الْخَفِيِّ وَعَنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ الْعُرْفِيِّ فَلَا يَحْسُنُ فِي التَّعْرِيفَاتِ، فَإِنْ قِيلَ تَعْرِيفُ الْأُصُولِ إنَّمَا هُوَ لِلْمَفْهُومِ الْكُلِّيِّ الصَّادِقِ عَلَى الْمَجْمُوعِ وَعَلَى كُلِّ بَعْضٍ وَمَعْرِفَةُ الْمُصْحَفِ إنَّمَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْقُرْآنِ بِمَعْنَى الْمَجْمُوعِ الشَّخْصِيِّ، وَهُوَ مَعْلُومٌ مَعْهُودٌ بَيْنَ النَّاسِ يَحْفَظُونَهُ وَيَتَدَارَسُونَهُ فَلَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ فَلَا دَوْرَ قُلْنَا لَوْ سُلِّمَ مَعْرِفَةُ الْمَجْمُوعِ الشَّخْصِيِّ بِحَقِيقَتِهِ بِدُونِ مَعْرِفَةِ الْمَفْهُومِ الْكُلِّيِّ فَمَبْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّ التَّعْرِيفَ لِلْمَجْمُوعِ الشَّخْصِيِّ دُونَ الْمَفْهُومِ الْكُلِّيِّ.
قَوْلُهُ (بَلْ تَشْخِيصُهُ) أَيْ تَمْيِيزُهُ بِخَوَاصِّهِ فَإِنَّ كَلِمَةَ أَيْ إنَّمَا يُطْلَبُ بِهَا تَمْيِيزُ الشَّيْءِ بِمَا يَخُصُّهُ شَخْصًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ.
قَوْلُهُ (يُطْلَقُ عَلَى الْكَلَامِ الْأَزَلِيِّ) كَمَا فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مَخْلُوقٍ» الْحَدِيثُ، وَهُوَ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ مُنَافِيَةٌ لِلسُّكُوتِ وَالْآفَةُ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ لَا تَخْتَلِفُ إلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْإِخْبَارِ وَلَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَاضِي وَالْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ إلَّا بِحَسَبِ التَّعَلُّقَاتِ وَالْإِضَافَاتِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَسَائِرِ الصِّفَاتِ، وَهَذَا الْكَلَامُ اللَّفْظِيُّ الْحَادِثُ الْمُؤَلَّفُ مِنْ الْأَصْوَاتِ وَالْحُرُوفِ الْقَائِمَةِ بِمَحَالِّهَا يُسَمَّى كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى وَالْقُرْآنَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْقَدِيمِ إلَّا أَنَّ الْأَحْكَامَ لَمَّا كَانَتْ فِي نَظَرِ الْأُصُولِيِّ مَنُوطَةً بِالْكَلَامِ اللَّفْظِيِّ دُونَ الْأَزَلِيِّ جَعَلَ الْقُرْآنَ اسْمًا لَهُ وَاعْتَبَرَ فِي تَفْسِيرِهِ مَا يُمَيِّزُهُ عَنْ الْمَعْنَى الْقَدِيمِ لَا يُقَالُ التَّمْيِيزُ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ ذِكْرِ النَّقْلِ فَلَا حَاجَةَ إلَى بَاقِي الْقُيُودِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ التَّعْرِيفُ، وَإِنْ كَانَ لِلتَّمْيِيزِ لَا بُدَّ وَأَنْ يُسَاوِيَ الْمُعَرَّفَ فَذَكَرَ بَاقِيَ الْقُيُودِ لِتَحْصِيلِ
الجزء 1 · صفحة 50
مَعْرِفَةِ مَاهِيَّةِ الْمُصْحَفِ فَلَا يَكْفِي حِينَئِذٍ مَعْرِفَةُ الْمُصْحَفِ بِبَعْضِ الْوُجُوهِ كَالْإِشَارَةِ وَنَحْوِهَا، ثُمَّ مَعْرِفَةُ مَاهِيَّةِ الْمُصْحَفِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ مَاهِيَّةِ الْقُرْآنِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ قَابِلًا لِلْحَدِّ بِقَوْلِهِ (عَلَى أَنَّ الشَّخْصِيَّ لَا يُحَدُّ) فَإِنَّ الْحَدَّ هُوَ الْقَوْلُ الْمُعَرِّفُ لِلشَّيْءِ الْمُشْتَمِلُ عَلَى أَجْزَائِهِ، وَهَذَا لَا يُفِيدُ مَعْرِفَةَ الشَّخْصِيَّاتِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِشَارَةِ أَوْ نَحْوِهَا إلَى مُشَخِّصَاتِهَا لِتَحْصُلَ الْمَعْرِفَةُ. إذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْقُرْآنَ لَمَّا نَزَلَ بِهِ جَبْرَائِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه فَقَدْ وُجِدَ مُشَخَّصًا، فَإِنْ كَانَ الْقُرْآنُ عِبَارَةً عَنْ ذَلِكَ الْمُشَخَّصِ لَا يَقْبَلُ الْحَدَّ لِكَوْنِهِ شَخْصِيًّا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِبَارَةً عَنْ ذَلِكَ الْمُشَخَّصِ، بَلْ الْقُرْآنُ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الْمُرَكَّبَةُ تَرْكِيبًا خَاصًّا سَوَاءٌ يَقْرَأُ جَبْرَائِيلُ أَوْ زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو عَلَى أَنَّ الْحَقَّ هَذَا فَقَوْلُنَا عَلَى أَنَّ الشَّخْصِيَّ لَا يُحَدُّ لَهُ تَأْوِيلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّا لَا نَعْنِي أَنَّ الْقُرْآنَ شَخْصِيٌّ، بَلْ عَنَيْنَا أَنَّ الْقُرْآنَ لَمَّا كَانَ هُوَ الْكَلَامُ الْمُرَكَّبُ تَرْكِيبًا خَاصًّا فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْحَدَّ كَمَا أَنَّ الشَّخْصِيَّ لَا يَقْبَلُ الْحَدَّ فَكَوْنُ الشَّخْصِيِّ لَا يُحَدُّ جُعِلَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يُحَدُّ إذْ مَعْرِفَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْإِشَارَةِ أَمَّا مَعْرِفَةُ الشَّخْصِيِّ فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْقُرْآنِ فَلَا تَحْصُلُ إلَّا بِأَنْ يُقَالَ هُوَ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ وَيُقْرَأُ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ وَثَانِيهِمَا أَنَّا نَقُولُ لَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ فَنَعْنِي بِالشَّخْصِيِّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مَعَ الْخُصُوصِيَّاتِ الَّتِي لَهَا مَدْخَلٌ فِي هَذَا التَّرْكِيبِ فَإِنَّ الْأَعْرَاضَ تَنْتَهِي بِمُشَخِّصَاتِهَا إلَى حَدٍّ لَا يَقْبَلُ التَّعَدُّدَ، وَلَا اخْتِلَافَ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهَا، بَلْ بِاعْتِبَارِ مَحَلِّهَا فَقَطْ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمُسَاوَاةِ.
قَوْلُهُ (عَلَى أَنَّ الشَّخْصِيَّ لَا يُحَدُّ) ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَتَهُ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِتَعْيِينِ مُشَخِّصَاتِهِ بِالْإِشَارَةِ أَوْ نَحْوِهَا كَالتَّعْبِيرِ عَنْهُ بِاسْمِهِ الْعَلَمِ وَالْحَدُّ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ الْحَدُّ التَّامُّ، وَهُوَ إنَّمَا يَشْتَمِلُ عَلَى مُقَوِّمَاتِ الشَّيْءِ دُونَ مُشَخِّصَاتِهِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الشَّخْصِيُّ مُرَكَّبٌ اعْتِبَارِيٌّ، وَهُوَ مَجْمُوعُ الْمَاهِيَّةِ وَالتَّشَخُّصِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَدَّ بِمَا يُفِيدُ مَعْرِفَةَ الْأَمْرَيْنِ لَا يُقَالُ تَعْرِيفُ الْمُرَكَّبِ الِاعْتِبَارِيِّ لَفْظِيٌّ وَالْكَلَامُ فِي الْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَوْ سُلِّمَ ذَلِكَ فَمَجْمُوعُ الْقُرْآنِ مُرَكَّبٌ اعْتِبَارِيٌّ لَا مَحَالَةَ فَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ إلَى سَائِرِ الْمُقَوِّمَاتِ وَلَا إلَى مَا ذَكَرَ فِي تَشْخِيصِهِ مِنْ التَّكَلُّفَاتِ، وَقَدْ يُقَالُ إنْ اقْتَصَرَ فِي تَعْرِيفِ الشَّخْصِيِّ عَلَى مُقَوِّمَاتِ الْمَاهِيَّةِ لَمْ يَخْتَصَّ بِالشَّخْصِيِّ فَلَمْ يُفِدْ التَّمْيِيزُ الَّذِي هُوَ أَقَلُّ مَرَاتِبِ التَّعْرِيفِ، وَإِنْ ذَكَرَ مَعَهَا الْعَرَضِيَّاتِ الْمُشَخِّصَةَ أَيْضًا لَمْ يَجِبْ دَوَامُ صِدْقِهَا لِإِمْكَانِ زَوَالِهَا فَلَا يَكُونُ حَدًّا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِجَوَازِ أَنْ يَذْكُرَ مَعَهَا الْعَرَضِيَّاتِ الْمُشَخِّصَةَ وَعِنْدَ زَوَالِهَا يَزُولُ الْمَحْدُودُ أَيْضًا أَعْنِي ذَلِكَ الشَّخْصِيَّ فَلَا يَضُرُّ عَدَمُ صِدْقِ الْحَدِّ، بَلْ يَجِبُ وَالْحَقُّ أَنَّ الشَّخْصِيَّ يُمْكِنُ أَنْ يُحَدَّ بِمَا يُفِيدُ امْتِيَازَهُ عَنْ جَمِيعِ مَا عَدَاهُ بِحَسَبِ الْوُجُودِ لَا بِمَا يُفِيدُ تَعَيُّنَهُ وَتَشَخُّصَهُ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ اشْتِرَاكُهُ بَيْنَ كَثِيرِينَ بِحَسَبِ الْعَقْلِ فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْإِشَارَةِ لَا غَيْرُ.
قَوْلُهُ (عَلَى أَنَّ الْحَقَّ هَذَا) ، وَهُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ عِبَارَةٌ عَنْ هَذَا
الجزء 1 · صفحة 51
كَالْقَصِيدَةِ الْمُعَيَّنَةِ لَا يُمْكِنُ تَعَدُّدُهَا إلَّا بِحَسَبِ مَحَلِّهَا بِأَنْ يَقْرَأَهَا زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو فَعَنَيْنَا بِالشَّخْصِيِّ هَذَا وَالشَّخْصِيُّ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَقْبَلُ الْحَدَّ فَإِذَا سُئِلَ عَنْ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَصْلًا إلَّا بِأَنْ يُقَالَ هُوَ هَذَا التَّرْكِيبُ الْمَخْصُوصُ فَيُقْرَأُ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ فَإِنَّ مَعْرِفَتَهُ لَا تُمْكِنُ إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَقَدْ عَرَّفَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْقُرْآنَ بِأَنَّهُ الْكَلَامُ الْمُنَزَّلُ لِلْإِعْجَازِ بِسُورَةٍ مِنْهُ، فَإِنْ حَاوَلَ تَعْرِيفَ الْمَاهِيَّةِ يَلْزَمُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمُؤَلَّفِ الْمَخْصُوصِ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُتَلَفِّظِينَ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ مَا يَقْرَؤُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا هُوَ هَذَا الْقُرْآنُ الْمُنَزَّلُ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِلِسَانِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَوْ كَانَ عِبَارَةً عَنْ ذَلِكَ الْمُشَخَّصِ الْقَائِمِ بِلِسَانِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَكَانَ هَذَا مُمَاثِلًا لَهُ لَا عَيْنُهُ ضَرُورَةَ أَنَّ الْأَعْرَاضَ تَتَشَخَّصُ بِمَحَالِّهَا فَتَعَدَّدَ بِتَعَدُّدِ الْمَحَالِّ وَكَذَا الْكَلَامُ فِي كُلِّ كِتَابٍ أَوْ شِعْرٍ يُنْسَبُ إلَى أَحَدٍ فَإِنَّهُ اسْمٌ لِذَلِكَ الْمُؤَلَّفِ الْمَخْصُوصِ سَوَاءٌ قَرَأَهُ زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو أَوْ غَيْرُهُمَا وَإِذَا تَحَقَّقْت هَذَا فَالْعُلُومُ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَثَلًا النَّحْوُ عِبَارَةٌ عَنْ الْقَوَاعِدِ الْمَخْصُوصَةِ سَوَاءٌ عَلِمَهَا زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو فَالْمُعْتَبَرُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ هُوَ الْوَاحِدَةُ فِي غَيْرِ الْمَحَالِّ فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الْحَقُّ، وَهُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ اسْمًا لِلشَّخْصِ الْحَقِيقِيِّ الْقَائِمِ بِلِسَانِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خَاصَّةً يَكُونُ لِقَوْلِهِ عَلَى أَنَّ الشَّخْصِيَّ لَا يُحَدُّ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الشَّخْصِيَّ الْحَقِيقِيَّ لَا يَقْبَلُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ إلَّا بِالْإِشَارَةِ وَنَحْوِهَا فَكَذَا الْقُرْآنُ لَا يَقْبَلُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ حَقِيقَةً إلَّا بِأَنْ يُقْرَأَ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ وَيُقَالُ هُوَ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ بِهَذَا التَّرْتِيبِ، وَثَانِيهِمَا أَنْ يَكُونَ اصْطِلَاحًا عَلَى تَسْمِيَةِ مِثْلِ هَذَا الْمُؤَلَّفِ الَّذِي لَا يَتَعَدَّدُ إلَّا بِتَعَدُّدِ الْمَحَالِّ شَخْصِيًّا وَيُحْكَمُ بِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْحَدَّ لِامْتِنَاعِ مَعْرِفَةِ حَقِيقَتِهِ إلَّا بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ وَالْقِرَاءَةِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي تَعْرِيفِ الْحَقِيقَةِ.
وَأَمَّا إذَا قَصَدَ التَّمْيِيزَ فَهُوَ مُمْكِنٌ بِأَنْ يُقَالَ الْقُرْآنُ هُوَ الْمَجْمُوعُ الْمَنْقُولُ بَيْنَ دَفَّتَيْ الْمَصَاحِفِ تَوَاتُرًا كَمَا يُقَالُ الْكَشَّافُ هُوَ الْكِتَابُ الَّذِي صَنَّفَهُ جَارُ اللَّهِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وَالنَّحْوُ عِلْمٌ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ أَحْوَالِ الْكَلِمِ إعْرَابًا وَبِنَاءً.
قَوْلُهُ (فَإِنَّ الْأَعْرَاضَ تَنْتَهِي) أَيْ تَبْلُغُ بِوَاسِطَةِ الْمُشَخَّصَاتِ حَدًّا لَا يُمْكِنُ تَعَدُّدُهَا إلَّا بِتَعَدُّدِ الْمَحَالِّ كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ
قَفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلٍ
إلَى آخِرِ الْقَصِيدَةِ فَإِنَّهُ بِوَاسِطَةِ مُشَخَّصَاتِهِ مِنْ التَّأْلِيفِ الْمَخْصُوصِ مِنْ الْحُرُوفِ وَالْكَلِمَاتِ وَالْأَبْيَاتِ وَالْهَيْئَةِ الْحَاصِلَةِ بِالْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ بَلَغَ حَدًّا لَا يُمْكِنُ تَعَدُّدُهُ إلَّا بِتَعَدُّدِ اللَّافِظِ حَتَّى إذَا انْضَافَ إلَيْهِ لِشَخْصِ اللَّافِظِ أَيْضًا يَصِيرُ شَخْصِيًّا حَقِيقِيًّا لَا يَتَعَدَّدُ أَصْلًا فَالْمُصَنِّفُ اصْطَلَحَ عَلَى تَسْمِيَةِ مِثْلِ هَذَا الْمُؤَلَّفِ شَخْصِيًّا قَبْلَ أَنْ يَنْضَافَ إلَيْهِ تَشَخُّصُ الْمَحَلِّ وَيَصِيرُ شَخْصِيًّا حَقِيقِيًّا.
قَوْلُهُ (وَقَدْ عَرَّفَ ابْنُ الْحَاجِبِ) ظَاهِرُ تَعْرِيفِهِ لِلْمَجْمُوعِ الشَّخْصِيِّ دُونَ الْمَفْهُومِ الْكُلِّيِّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِسُورَةٍ
الجزء 1 · صفحة 52
الدَّوْرُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إنْ قِيلَ مَا السُّورَةُ فَلَا بُدَّ أَنْ يُقَالَ بَعْضٌ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ وَإِنْ لَمْ يُحَاوَلْ تَعْرِيفَ الْمَاهِيَّةِ، بَلْ التَّشْخِيصُ وَيَعْنِي بِالسُّورَةِ هَذَا الْمَعْهُودَ الْمُتَعَارَفَ كَمَا عَنَيْنَا بِالْمُصْحَفِ لَا يَرِدُ الْإِشْكَالُ عَلَيْهِ، وَلَا عَلَيْنَا
(وَنُورِدُ أَبْحَاثَهُ) أَيْ: أَبْحَاثَ الْكِتَابِ (فِي بَابَيْنِ الْأَوَّلِ فِي إفَادَتِهِ الْمَعْنَى) اعْلَمْ أَنَّ الْغَرَضَ إفَادَتُهُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ لَكِنَّ إفَادَتَهُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ مَوْقُوفَةٌ عَلَى إفَادَتِهِ الْمَعْنَى فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَحْثِ فِي إفَادَتِهِ الْمَعْنَى فَيُبْحَثُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَالْمُشْتَرَكِ وَالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَغَيْرِهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تُفِيدُ الْمَعْنَى (وَالثَّانِي: فِي إفَادَتِهِ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ) فَيُبْحَثُ فِي الْأَمْرِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُوجِبُ الْوُجُوبَ، وَفِي النَّهْيِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُوجِبُ الْحُرْمَةَ وَالْوُجُوبَ، وَالْحُرْمَةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ.
(الْبَابُ الْأَوَّلُ لَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ نَظْمًا دَالًّا عَلَى الْمَعْنَى
ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْ جِنْسِهِ فِي الْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لُزُومُ الدَّوْرِ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ تَوَقُّفَ مَعْرِفَةِ مَفْهُومِ السُّورَةِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْقُرْآنِ، بَلْ هُوَ بَعْضٌ مُتَرْجَمٌ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ تَوْقِيفًا مِنْ كَلَامٍ مُنَزَّلٍ قُرْآنًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ بِدَلِيلِ سُوَرِ الْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَلِهَذَا احْتَاجَ إلَى قَوْلِهِ بِسُورَةٍ مِنْهُ أَيْ مِنْ ذَلِكَ الْكَلَامِ الْمُنَزَّلِ فَافْهَمْ.
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي إفَادَتِهِ الْمَعْنَى]
[قُسِّمَ اللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْنَى أَرْبَعُ تَقْسِيمَاتٍ]
[التَّقْسِيمُ الْأَوَّلُ بِاعْتِبَارِ وَضْعِ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى]
(قَوْلُهُ وَنُورِدُ أَبْحَاثَهُ) أَيْ: بَيَانَ أَقْسَامِهِ وَأَحْوَالِهِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِإِفَادَةِ الْمَعَانِي، وَإِثْبَاتِ الْأَحْكَامِ فَالْكَلَامُ فِي تَعْرِيفِهِ خَارِجٌ عَنْ ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِالْأَبْحَاثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِإِفَادَةِ الْمَعَانِي مَا لَهُ مَزِيدُ تَعَلُّقٍ بِإِفَادَةِ الْأَحْكَامِ وَلَمْ يُبَيَّنْ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ مُسْتَوْفًى كَالْخُصُوصِ، وَالْعُمُومِ وَالِاشْتِرَاكِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَا كَالْإِعْرَابِ وَالْبِنَاءِ وَالتَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَبَاحِثِ الْعَرَبِيَّةِ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِإِفَادَةِ الْمَعَانِي لَا يُقَالُ الْمُرَادُ مَا يَتَعَلَّقُ بِإِفَادَةِ الْكِتَابِ الْمَعْنَى وَهَذِهِ تَعُمُّ الْكِتَابَ وَغَيْرَهُ لِأَنَّا نَقُولُ وَكَذَلِكَ الْمَبَاحِثُ الْمُورَدَةُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ بَلْ الثَّانِي أَيْضًا، وَلِهَذَا قِيلَ كَانَ حَقُّهَا أَنْ تُؤَخَّرَ عَنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إلَّا أَنَّ نَظْمَ الْكِتَابِ لَمَّا كَانَ مُتَوَاتِرًا مَحْفُوظًا كَانَتْ مَبَاحِثُ النَّظْمِ بِهِ أَلْيَقَ وَأَلْصَقَ فَذُكِرَ عَقِيبَهُ (قَوْلَهُ لَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ) يُرِيدُ أَنَّ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَى الْمَعْنَى بِالْوَضْعِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَضْعٍ لِلْمَعْنَى، وَاسْتِعْمَالٍ فِيهِ وَدَلَالَةٍ عَلَيْهِ فَتَقْسِيمُ اللَّفْظِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَعْنَاهُ إنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ وَضْعِهِ لَهُ فَهُوَ الْأَوَّلُ، وَإِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ فَهُوَ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ اُعْتُبِرَ فِيهِ الظُّهُورُ وَالْخَفَاءُ فَهُوَ الثَّالِثُ وَإِلَّا فَهُوَ الرَّابِعُ.
وَجَعَلَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ هَذِهِ الْأَقْسَامَ أَقْسَامَ النَّظْمِ وَالْمَعْنَى وَجَعَلَ الْأَقْسَامَ الْخَارِجَةَ مِنْ التَّقْسِيمَاتِ الثَّلَاثِ الْأُوَلِ مَا هُوَ صِفَةٌ لِلَّفْظِ، وَأَمَّا الْأَقْسَامُ الْخَارِجَةُ مِنْ التَّقْسِيمِ الرَّابِعِ فَجَعَلَهَا تَارَةً الِاسْتِدْلَالَ بِالْعِبَارَةِ وَبِالْإِشَارَةِ وَبِالدَّلَالَةِ وَبِالِاقْتِضَاءِ وَتَارَةً الِاسْتِدْلَالَ بِالْعِبَارَةِ وَبِالْإِشَارَةِ وَالثَّابِتِ بِالدَّلَالَةِ وَبِالِاقْتِضَاءِ وَتَارَةً الْوُقُوفَ بِعِبَارَةِ النَّصِّ وَإِشَارَتِهِ وَدَلَالَتِهِ وَاقْتِضَائِهِ. وَذَكَرَ فِي تَفْسِيرِهَا مَا هُوَ صِفَةٌ لِلْمَعْنَى كَالثَّابِتِ بِالنَّظْمِ مَقْصُودًا أَوْ غَيْرَ مَقْصُودٍ وَالثَّابِتِ بِمَعْنَى النَّظْمِ
الجزء 1 · صفحة 53
قُسِّمَ اللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْنَى أَرْبَعُ تَقْسِيمَاتٍ) الْمُرَادُ بِالنَّظْمِ هَاهُنَا اللَّفْظُ إلَّا أَنَّ فِي إطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى الْقُرْآنِ نَوْعَ سُوءِ أَدَبٍ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ فِي الْأَصْلِ إسْقَاطُ شَيْءٍ مِنْ الْفَمِ فَلِهَذَا اخْتَارَ النَّظْمَ مَقَامَ اللَّفْظِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ النَّظْمَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالثَّابِتِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ شَرْطًا لِصِحَّتِهِ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ أَقْسَامَ التَّقْسِيمِ الرَّابِعِ أَقْسَامٌ لِلْمَعْنَى وَالْبَوَاقِي لِلنَّظْمِ وَبَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الدَّلَالَةَ وَالِاقْتِضَاءَ أَقْسَامٌ لِلْمَعْنَى وَلِلْبَوَاقِي لِلنَّظْمِ.
وَصَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ الْجَمِيعَ أَقْسَامُ اللَّفْظِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْنَى أَخْذًا بِالْحَاصِلِ وَمَيْلًا إلَى الضَّبْطِ بِأَقْسَامِ التَّقْسِيمِ الرَّابِعِ هُوَ الدَّالُّ بِطَرِيقِ الْعِبَارَةِ وَالْإِشَارَةِ، وَالدَّالَّةُ وَالِاقْتِضَاءُ وَعَدَمُ الِالْتِفَاتِ إلَى الْعِبَارَاتِ وَاخْتِلَافِهَا مِنْ دَأْبِ الْمَشَايِخِ وَعَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ تَقْسِيمِ اللَّفْظِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْنَى يُحْمَلُ قَوْلُهُمْ أَقْسَامُ النَّظْمِ وَالْمَعْنَى كَمَا قَالُوا الْقُرْآنُ هُوَ النَّظْمُ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا وَأَرَادُوا أَنَّهُ النَّظْمُ الدَّالُّ عَلَى الْمَعْنَى لِلْقَطْعِ بِأَنَّ كَوْنَهُ عَرَبِيًّا مَكْتُوبًا فِي الْمَصَاحِفِ مَنْقُولًا بِالتَّوَاتُرِ صِفَةٌ لِلَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْمَعْنَى لَا لِمَجْمُوعِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَكَذَا الْإِعْجَازُ يَتَعَلَّقُ بِالْبَلَاغَةِ، وَهِيَ مِنْ الصِّفَاتِ الرَّاجِعَةِ إلَى اللَّفْظِ بِاعْتِبَارِ إفَادَتِهِ الْمَعْنَى فَإِنَّهُ إذَا قُصِدَتْ تَأْدِيَةُ الْمَعَانِي بِالتَّرَاكِيبِ حَدَثَتْ أَغْرَاضٌ مُخْتَلِفَةٌ تَقْتَضِي اعْتِبَارَ كَيْفِيَّاتٍ وَخُصُوصِيَّاتٍ فِي النَّظْمِ، فَإِنْ رُوعِيَتْ عَلَى مَا يَنْبَغِي بِقَدْرِ الطَّاقَةِ صَارَ الْكَلَامُ بَلِيغًا، وَإِذَا بَلَغَ فِي ذَلِكَ حَدًّا يَمْتَنِعُ مُعَارَضَتُهُ صَارَ مُعْجِزًا فَالْإِعْجَازُ صِفَةُ النَّظْمِ بِاعْتِبَارِ إفَادَتِهِ الْمَعْنَى لَا صِفَةُ النَّظْمِ وَالْمَعْنَى، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ مَعْنَى الْقُرْآنِ نَفْسِهِ أَيْضًا مُعْجِزٌ؛ لِأَنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهِ خَارِجٌ عَنْ طَوْقِ الْبَشَرِ كَمَا نُقِلَ أَنَّ تَفْسِيرَ الْفَاتِحَةِ أَوْقَارٌ مِنْ الْعِلْمِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا أَيْضًا مِنْ إعْجَازِ النَّظْمِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ مِنْ الْمَعَانِي مَا لَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامٌ آخَرُ، وَمَقْصُودُ الْمَشَايِخِ مِنْ قَوْلِهِمْ هُوَ النَّظْمُ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا دَفْعُ التَّوَهُّمِ النَّاشِئِ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِجَوَازِ الْقِرَاءَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ فِي الصَّلَاةِ أَنَّ الْقُرْآنَ عِنْدَهُ اسْمٌ لِلْمَعْنَى خَاصَّةً (قَوْلُهُ الْمُرَادُ بِالنَّظْمِ هَاهُنَا اللَّفْظُ) لَا يُقَالُ النَّظْمُ عَلَى مَا فَسَّرَهُ الْمُحَقِّقُونَ هُوَ تَرْتِيبُ الْأَلْفَاظِ مُتَرَتِّبَةَ الْمَعَانِي مُتَنَاسِقَةَ الدَّلَالَاتِ عَلَى وَفْقِ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ لَا تَوَالِيهَا فِي النُّطْقِ، وَضَمُّ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ كَيْفَمَا اُتُّفِقَ، أَوْ هُوَ الْأَلْفَاظُ الْمُتَرَتِّبَةُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ حَتَّى لَوْ قِيلَ فِي،
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ
نَبْكِ قِفَا مِنْ حَبِيبٍ ذِكْرَى كَانَ لَفْظًا لَا نَظْمًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ يُطْلَقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ عَلَى الْمُفْرَدِ حَيْثُ يَنْقَسِمُ إلَى الْخَاصِّ، وَالْعَامِّ وَالْمُشْتَرَكِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَالْمُرَادُ بِهِ اللَّفْظُ لَا غَيْرُ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِأَقْسَامِ النَّظْمِ الْأَقْسَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالنَّظْمِ بِأَنْ تَقَعَ صِفَةً لِمُفْرَدَاتِهِ، وَالْأَلْفَاظِ الْوَاقِعَةِ فِيهِ لَا صِفَةً لِلنَّظْمِ نَفْسِهِ، إذْ الْمَوْصُوفُ بِالْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَالْمُشْتَرَكِ وَنَحْوِ ذَلِكَ عُرْفًا هُوَ اللَّفْظُ دُونَ النَّظْمِ، فَإِنْ قِيلَ كَمَا أَنَّ اللَّفْظَ يُطْلَقُ عَلَى الرَّمْيِ فَكَذَا النَّظْمُ عَلَى الشِّعْرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْتَرَزَ عَنْ
الجزء 1 · صفحة 54
رُكْنًا لَازِمًا فِي حَقِّ جَوَازِ الصَّلَاةِ خَاصَّةً، بَلْ اعْتَبَرَ الْمَعْنَى فَقَطْ حَتَّى لَوْ قَرَأَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ جَازَتْ الصَّلَاةُ عِنْدَهُ وَإِنَّمَا قَالَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ لَازِمًا فِي غَيْرِ جَوَازِ الصَّلَاةِ كَقِرَاءَةِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ حَتَّى لَوْ قَرَأَ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ بِالْفَارِسِيَّةِ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ لِعَدَمِ النَّظْمِ.
لَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ أَيْ: عَنْ عَدَمِ لُزُومِ النَّظْمِ فِي حَقِّ جَوَازِ الصَّلَاةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQإطْلَاقِهِ. قُلْنَا النَّظْمُ حَقِيقَةً فِي جَمْعِ اللُّؤْلُؤِ فِي السِّلْكِ وَمِنْهُ نَظْمُ الشِّعْرِ وَاللَّفْظُ حَقِيقَةٌ فِي الرَّمْيِ، وَمِنْهُ اللَّفْظُ بِمَعْنَى التَّكَلُّمِ فَأُوثِرَ النَّظْمُ رِعَايَةً لِلْأَدَبِ وَإِشَارَةً إلَى تَشْبِيهِ الْكَلِمَاتِ بِالدُّرَرِ.
(قَوْلُهُ بَلْ اُعْتُبِرَ الْمَعْنَى) لِأَنَّ مَبْنَى النَّظْمِ عَلَى التَّوْسِعَةِ، وَالْمَعْنَى هُوَ الْمَقْصُودُ لَا سِيَّمَا فِي حَالَةِ الْمُنَاجَاةِ فَرُخِّصَ فِي إسْقَاطِ لُزُومِ النَّظْمِ وَرُخْصَةُ الْإِسْقَاطِ لَا تَخْتَصُّ بِالْعُذْرِ وَذَلِكَ فِيمَنْ لَا يُتَّهَمُ بِشَيْءٍ مِنْ الْبِدَعِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْ أَكْثَرَ غَيْرِ مُؤَوَّلَةٍ وَلَا مُحْتَمِلَةٍ لِلْمَعَانِي، وَقِيلَ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَالِ النَّظْمِ حَتَّى تَبْطُلَ الصَّلَاةُ بِقِرَاءَةِ التَّفْسِيرِ فِيهَا اتِّفَاقًا وَقِيلَ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ وَإِلَّا لَكَانَ مَجْنُونًا فَيُدَاوَى أَوْ زِنْدِيقًا فَيُقْتَلُ.
وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي أَنَّ رُكْنَ الشَّيْءِ كَيْفَ لَا يَكُونُ لَازِمًا فَسَيَجِيءُ، فَإِنْ قِيلَ إنْ كَانَ الْمَعْنَى قُرْآنًا يَلْزَمُ عَدَمُ اعْتِبَارِ النَّظْمِ فِي الْقُرْآنِ، وَعَدَمُ صِدْقِ الْحَدِّ أَعْنِي الْمَنْقُولَ بَيْنَ دَفَّتَيْ الْمَصَاحِفِ تَوَاتُرًا عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا يَلْزَمُ عَدَمُ فَرِيضَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ. قُلْنَا أَقَامَ الْعِبَارَةَ الْفَارِسِيَّةَ مَقَامَ النَّظْمِ الْمَنْقُولِ فَجَعَلَ النَّظْمَ مَرْعِيًّا مَنْقُولًا فِي الْمَصَاحِفِ تَقْدِيرًا، أَوْ إنْ لَمْ يَكُنْ تَحْقِيقًا أَوْ حَمَلَ قَوْله تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] عَلَى وُجُوبِ رِعَايَةِ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ بِدَلِيلٍ لَاحَ لَهُ، فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَلْزَمُ فِي الْآيَةِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَذَا لَا يَجُوزُ، إذْ الْقُرْآنُ حَقِيقَةٌ فِي النَّظْمِ الْعَرَبِيِّ الْمَنْقُولِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ قُلْنَا مَمْنُوعٌ لِجَوَازِ أَنْ تُرَادَ الْحَقِيقَةُ، وَيَثْبُتَ الْحُكْمُ فِي الْمَجَازِ بِالْقِيَاسِ أَوْ دَلَالَةُ النَّصِّ نَظَرًا إلَى الْمُعْتَبَرِ هُوَ الْمَعْنَى عَلَى مَا سَبَقَ.
(قَوْلُهُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْفَارِسِيَّةَ وَغَيْرَهَا سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ وَقِيلَ الْخِلَافُ فِي الْفَارِسِيَّةِ لَا غَيْرُ.
1 -
(قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ قَرَأَ آيَةً) إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَادُ وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ بَلْ لِلْمُتَطَهِّرِ أَيْضًا، فَإِنْ قِيلَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى أَنَّهُ تَجِبُ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ بِالْقِرَاءَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ وَيَحْرُمُ لِغَيْرِ الْمُتَطَهِّرِ مَسُّ مُصْحَفٍ كُتِبَ بِالْفَارِسِيَّةِ فَقَدْ جَعَلَ النَّظْمَ غَيْرَ لَازِمٍ فِي ذَلِكَ أَيْضًا فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ خَاصَّةً قُلْنَا بَنَى كَلَامَهُ عَلَى رَأْيِ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَإِنَّهُ لَا نَصَّ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ، وَالْمُتَأَخِّرُونَ بَنَوْا الْأَمْرَ عَلَى الِاحْتِيَاطِ لِقِيَامِ الرُّكْنِ الْمَقْصُودِ أَعْنِي الْمَعْنَى.
(قَوْلُهُ لَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ رَجَعَ) إلَى قَوْلِهِمَا عَلَى مَا رَوَى نُوحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنْهُ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ مَا قَالَهُ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى ظَاهِرًا حَيْثُ وَصَفَ الْمُنَزَّلَ بِالْعَرَبِيِّ، وَقَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُشْكِلَةٌ
الجزء 1 · صفحة 55
فَلِهَذَا لَمْ أُورِدْ هَذَا الْقَوْلَ فِي الْمَتْنِ، بَلْ قُلْت إنَّ الْقُرْآنَ عِبَارَةٌ عَنْ النَّظْمِ الدَّالِّ عَلَى الْمَعْنَى وَمَشَايِخُنَا قَالُوا: إنَّ الْقُرْآنَ هُوَ النَّظْمُ وَالْمَعْنَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ النَّظْمُ الدَّالُّ عَلَى الْمَعْنَى فَاخْتَرْت هَذِهِ الْعِبَارَةَ.
(بِاعْتِبَارِ وَضْعِهِ لَهُ) هَذَا هُوَ التَّقْسِيمُ الْأَوَّلُ مِنْ التَّقَاسِيمِ الْأَرْبَعَةِ فَيَنْقَسِمُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQإذْ لَا يَتَّضِحُ لِأَحَدٍ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَدْ صَنَّفَ الْكَرْخِيُّ فِيهَا تَصْنِيفًا طَوِيلًا وَلَمْ يَأْتِ بِدَلِيلٍ شَافٍ.
(قَوْلُهُ بِاعْتِبَارِ وَضْعِهِ) بَيَانٌ لِلتَّقْسِيمَاتِ الْأَرْبَعِ إجْمَالًا وَفِي لَفْظِ ثُمَّ دَلَالَةٌ عَلَى تَرْتِيبِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ السَّابِقَ فِي الِاعْتِبَارِ هُوَ وَضْعُ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى ثُمَّ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ، ثُمَّ ظُهُورُ الْمَعْنَى، وَخَفَاؤُهُ مِنْ اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ وَبَعْدَ ذَلِكَ الْبَحْثُ عَنْ كَيْفِيَّةِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى الْمُسْتَعْمَلِ هُوَ فِيهِ ظَاهِرًا كَانَ أَوْ خَفِيًّا وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ قَدَّمَ التَّقْسِيمَ بِاعْتِبَارِ ظُهُورِ الْمَعْنَى وَخَفَائِهِ عَنْ اللَّفْظِ عَلَى التَّقْسِيمِ بِاعْتِبَارِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَعْنَى نَظَرًا إلَى أَنَّ التَّصْرِيفَ فِي الْكَلَامِ نَوْعَانِ تَصَرُّفٌ فِي اللَّفْظِ، وَتَصَرُّفٌ فِي الْمَعْنَى وَالْأَوَّلُ مُقَدَّمٌ، ثُمَّ الِاسْتِعْمَالُ مُرَتَّبٌ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى كَأَنَّهُ لُوحِظَ أَوَّلًا الْمَعْنَى ظُهُورًا أَوْ خَفَاءً، ثُمَّ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِيهِ فَاللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْنَى يَنْقَسِمُ بِالتَّقْسِيمِ الْأَوَّلِ عِنْدَ الْقَوْمِ إلَى الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَالْمُشْتَرَكِ وَالْمُؤَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ إنْ دَلَّ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، فَإِمَّا عَلَى الِانْفِرَادِ وَهُوَ الْخَاصُّ، أَوْ عَلَى الِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الْأَفْرَادِ وَهُوَ الْعَامُّ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَإِنْ تَرَجَّحَ الْبَعْضُ عَلَى الْبَاقِي فَهُوَ الْمُؤَوَّلُ وَإِلَّا فَهُوَ الْمُشْتَرَكُ وَالْمُصَنِّفُ أَسْقَطَ الْمُؤَوَّلَ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ، وَأَدْرَجَ الْجَمْعَ الْمُنَكَّرَ، وَبِالتَّقْسِيمِ الثَّانِي إلَى الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ وَالصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ اُسْتُعْمِلَ فِي مَوْضُوعِهِ فَحَقِيقَةٌ وَإِلَّا فَمَجَازٌ وَكُلٌّ مِنْهُمَا إنْ ظَهَرَ مُرَادُهُ فَصَرِيحٌ، وَإِنْ اسْتَتَرَ فَكِنَايَةٌ، وَبِالتَّقْسِيمِ الثَّالِثِ إلَى الظَّاهِرِ وَالنَّصِّ وَالْمُفَسَّرِ وَالْمُحْكَمِ وَإِلَى مُقَابِلَاتِهَا؛ لِأَنَّهُ إنْ ظَهَرَ مَعْنَاهُ فَإِمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ التَّأْوِيلَ أَوْ لَا، فَإِنْ احْتَمَلَ، فَإِنْ كَانَ ظُهُورُ مَعْنَاهُ لِمُجَرَّدِ صِيغَتِهِ فَهُوَ الظَّاهِرُ وَإِلَّا فَهُوَ النَّصُّ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ، فَإِنْ قَبِلَ النَّسْخَ فَهُوَ الْمُفَسَّرُ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ فَهُوَ الْمُحْكَمُ، وَإِنْ خَفِيَ مَعْنَاهُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَفَاؤُهُ لِغَيْرِ الصِّيغَةِ فَهُوَ الْخَفِيُّ أَوْ لِنَفْسِهَا، فَإِنْ أَمْكَنَ إدْرَاكُهُ بِالتَّأَمُّلِ فَهُوَ الْمُشْكِلُ وَإِلَّا، فَإِنْ كَانَ الْبَيَانُ مَرْجُوًّا فِيهِ فَهُوَ الْمُجْمَلُ وَإِلَّا فَهُوَ الْمُتَشَابِهُ وَبِالتَّقْسِيمِ الرَّابِعِ إلَى الدَّالِّ بِطَرِيقِ الْعِبَارَةِ وَبِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ، وَبِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ، وَبِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ؛ لِأَنَّهُ إنْ دَلَّ عَلَى الْمَعْنَى بِالنَّظْمِ، فَإِنْ كَانَ مَسُوقًا لَهُ فَعِبَارَةٌ وَإِلَّا فَإِشَارَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ بِالنَّظْمِ، فَإِنْ دَلَّ عَلَيْهِ فَالْمَفْهُومُ لُغَةً فَهُوَ الدَّلَالَةُ وَإِلَّا فَهُوَ الِاقْتِضَاءُ وَالْعُمْدَةُ فِي ذَلِكَ هُوَ الِاسْتِقْرَاءُ إلَّا أَنَّ هَذَا وَجْهُ الضَّبْطِ، فَإِنْ قُلْت مِنْ حَقِّ الْأَقْسَامِ التَّبَايُنُ وَالِاخْتِلَافُ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ ضَرُورَةً صَدَقَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ كَمَا لَا يَخْفَى. قُلْت هَذِهِ تَقْسِيمَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِاعْتِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَلَا يَلْزَمُ التَّبَايُنُ، وَالِاخْتِلَافُ بَيْنَ جَمِيعِ أَقْسَامِهَا بَلْ بَيْنَ الْأَقْسَامِ الْخَارِجَةِ مِنْ تَقْسِيمٍ، وَهَذَا كَمَا يُقَسَّمُ الِاسْمُ تَارَةً إلَى الْمُعْرَبِ
الجزء 1 · صفحة 56
الْكَلَامُ بِاعْتِبَارِ الْوَضْعِ إلَى الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَالْمُشْتَرَكِ كَمَا سَيَأْتِي، وَهَذَا مَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْأَوَّلُ فِي وُجُوهِ النَّظْمِ صِيغَةً وَلُغَةً
(ثُمَّ بِاعْتِبَارِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ) هَذَا هُوَ التَّقْسِيمُ الثَّانِي فَيَنْقَسِمُ اللَّفْظُ بِاعْتِبَارِ الِاسْتِعْمَالِ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْمَوْضُوعِ لَهُ أَوْ فِي غَيْرِهِ كَمَا يَجِيءُ.
(ثُمَّ بِاعْتِبَارِ ظُهُورِ الْمَعْنَى عَنْهُ وَخَفَائِهِ وَمَرَاتِبِهِمَا) ، وَهَذَا مَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَالثَّانِي فِي وُجُوهِ الْبَيَانِ بِذَلِكَ النَّظْمِ، وَإِنَّمَا جَعَلْت هَذَا التَّقْسِيمَ ثَالِثًا وَاعْتِبَارُ الِاسْتِعْمَالِ ثَانِيًا عَلَى عَكْسِ مَا أَوْرَدَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ مُقَدَّمٌ عَلَى ظُهُورِ الْمَعْنَى وَخَفَائِهِ.
(ثُمَّ فِي كَيْفِيَّةِ دَلَالَتِهِ عَلَيْهِ) ، وَهَذَا مَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَالرَّابِعُ: فِي وُجُوهِ الْوُقُوفِ عَلَى أَحْكَامِ النَّظْمِ.
(التَّقْسِيمُ الْأَوَّلُ) أَيْ: الَّذِي بِاعْتِبَارِ وَضْعِ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى.
(اللَّفْظُ إنْ وُضِعَ لِلْكَثِيرِ وَضْعًا مُتَعَدِّدًا فَمُشْتَرَكٌ) كَالْعَيْنِ مَثَلًا وُضِعَ تَارَةً لِلْبَاصِرَةِ، وَتَارَةً لِلذَّهَبِ، وَتَارَةً لِعَيْنِ الْمِيزَانِ.
(أَوْ وَضْعًا
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْمَبْنِيِّ، وَتَارَةً إلَى الْمَعْرِفَةِ وَالنَّكِرَةِ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إمَّا مُعْرَبٌ أَوْ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ الْجَمْعَ أَقْسَامًا مُتَقَابِلَةً لَكَفَى فِيهَا الِاخْتِلَافُ بِالْحَيْثِيَّاتِ، وَالِاعْتِبَارَاتِ كَمَا فِي أَقْسَامِ التَّقْسِيمِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ لَفْظَ الْعَيْنِ مَثَلًا عَامٌّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَفْرَادِ الْبَاصِرَةِ، وَمُشْتَرَكٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ وُضِعَ لِلْبَاصِرَةِ وَغَيْرِهَا، وَكَذَا التَّقْسِيمُ الثَّانِي.
(قَوْلُهُ وَهَذَا مَا قَالَ) عَبَّرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ عَنْ التَّقْسِيمِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ فِي وُجُوهِ النَّظْمِ صِيغَةً، وَلُغَةً، فَقِيلَ الصِّيغَةُ وَاللُّغَةُ مُتَرَادِفَانِ وَالْمَقْصُودُ وَاحِدٌ وَهُوَ تَقْسِيمُ النَّظْمِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ نَفْسِهِ لَا بِاعْتِبَارِ الْمُتَكَلِّمِ وَالسَّامِعِ وَالْأَقْرَبُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّ الصِّيغَةَ هِيَ الْهَيْئَةُ الْعَارِضَةُ لِلَّفْظِ بِاعْتِبَارِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَتَقْدِيمِ بَعْضِ الْحُرُوفِ عَلَى بَعْضٍ وَاللُّغَةُ هِيَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ وَالْمُرَادُ بِهَا هَاهُنَا مَادَّةُ اللَّفْظِ، وَجَوْهَرُ حُرُوفِهِ بِقَرِينَةِ انْضِمَامِ الصِّيغَةِ إلَيْهَا وَالْوَاضِعُ كَمَا عَيَّنَ حُرُوفَ ضَرَبَ بِإِزَاءِ الْمَعْنَى الْمَخْصُوصِ عَيَّنَ هَيْئَتَهُ بِإِزَاءِ مَعْنَى الْمُضِيِّ، فَاللَّفْظُ لَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَاهُ إلَّا بِوَضْعِ الْمَادَّةِ وَالْهَيْئَةِ فَعَبَّرَ بِذِكْرِهِمَا عَنْ وَضْعِ اللَّفْظِ وَعَبَّرَ عَنْ التَّقْسِيمِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ فِي وُجُوهِ اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ النَّظْمِ وَجَرَيَانِهِ فِي بَابِ الْبَيَانِ أَيْ: فِي طُرُقِ اسْتِعْمَالِهِ مِنْ أَنَّهُ فِي الْمَوْضُوعِ لَهُ فَيَكُونُ حَقِيقَةً أَوْ فِي غَيْرِهِ فَيَكُونُ مَجَازًا أَوْ فِي طَرِيقِ جَرَيَانِ النَّظْمِ فِي بَيَانِ الْمَعْنَى وَإِظْهَارِهِ مِنْ أَنَّهُ بِطَرِيقِ الْوُضُوحِ فَيَكُونُ صَرِيحًا أَوْ بِطَرِيقِ الِاسْتِتَارِ فَيَكُونُ كِنَايَةً وَعَنْ الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ فِي وُجُوهِ الْبَيَانِ بِذَلِكَ النَّظْمِ أَيْ: فِي طُرُقِ إظْهَارِ الْمَعْنَى وَمَرَاتِبِهِ، وَعَنْ الرَّابِعِ بِقَوْلِهِ فِي مَعْرِفَةِ وُجُوهِ الْوُقُوفِ عَلَى الْمُرَادِ وَالْمَعَانِي أَيْ: مَعْرِفَةِ طُرُقِ اطِّلَاعِ الْمَسَامِعِ عَلَى مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ وَمَعَانِي الْكَلَامِ بِأَنَّهُ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْعِبَارَةِ أَوْ الْإِشَارَةِ أَوْ غَيْرِهِمَا.
(قَوْلُهُ التَّقْسِيمُ الْأَوَّلُ) اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ إمَّا أَنْ يَكُونَ وَضْعُهُ لِكَثِيرٍ، أَوْ لِوَاحِدٍ وَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ وَضْعُهُ لِلْكَثِيرِ
الجزء 1 · صفحة 57
وَاحِدًا) أَيْ: وُضِعَ لِلْكَثِيرِ وَضْعًا وَاحِدًا. (وَالْكَثِيرُ غَيْرُ مَحْصُورٍ فَعَامٌّ إنْ اسْتَغْرَقَ جَمِيعَ مَا يَصْلُحُ لَهُ وَإِلَّا فَجَمْعٌ مُنَكَّرٌ وَنَحْوُهُ) فَالْعَامُّ لَفْظٌ وُضِعَ وَضْعًا وَاحِدًا لِكَثِيرٍ غَيْرِ مَحْصُورٍ، مُسْتَغْرِقٌ جَمِيعَ مَا يَصْلُحُ لَهُ فَقَوْلُهُ وَضْعًا وَاحِدًا يُخْرِجُ الْمُشْتَرَكَ، وَالْكَثِيرُ يُخْرِجُ مَا لَمْ يُوضَعْ لِكَثِيرٍ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو وَغَيْرِ مَحْصُورٍ يُخْرِجُ أَسْمَاءَ الْعَدَدِ، فَإِنَّ الْمِائَةَ مَثَلًا وُضِعَتْ وَضْعًا وَاحِدًا لِلْكَثِيرِ وَهِيَ مُسْتَغْرِقَةٌ جَمِيعَ مَا يَصْلُحُ لَهُ لَكِنَّ الْكَثِيرَ مَحْصُورٌ، وَقَوْلُهُ مُسْتَغْرِقٌ جَمِيعَ مَا يَصْلُحُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQبِوَضْعِ كَثِيرٍ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ بِوَضْعِ كَثِيرٍ فَهُوَ الْمُشْتَرَكُ وَإِلَّا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْكَثِيرُ مَحْصُورًا فِي عَدَدٍ مُعَيَّنٍ بِحَسَبِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْصُورًا، فَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مُسْتَغْرِقًا لِجَمِيعِ مَا يَصْلُحُ لَهُ مِنْ آحَادِ ذَلِكَ الْكَثِيرِ فَهُوَ الْعَامُّ وَإِلَّا فَهُوَ الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ وَنَحْوُهُ، وَإِنْ كَانَ مَحْصُورًا فِي عَدَدٍ مُعَيَّنٍ فَهُوَ مِنْ أَقْسَامِ الْخَاصِّ.
وَالثَّانِي وَهُوَ مَا يَكُونُ وَضْعُهُ لِوَاحِدٍ شَخْصِيٍّ أَوْ نَوْعِيٍّ أَوْ جِنْسِيٍّ أَيْضًا مِنْ أَقْسَامِ الْخَاصِّ فَيَنْحَصِرُ اللَّفْظُ بِهَذَا التَّقْسِيمِ فِي الْمُشْتَرَكِ وَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ وَالْوَاسِطَةِ بَيْنَهُمَا فَالْمُشْتَرَكُ مَا وُضِعَ لِمَعْنًى كَثِيرٍ بِوَضْعٍ كَثِيرٍ وَمَعْنَى الْكَثْرَةِ مَا يُقَابِلُ الْوَحْدَةَ لَا مَا يُقَابِلُ الْقِلَّةَ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ فَقَطْ وَهَذَا التَّعْرِيفُ شَامِلٌ لِلْأَسْمَاءِ الَّتِي وُضِعَتْ أَوَّلًا لِلْمَعَانِي الْجِنْسِيَّةِ، ثُمَّ نُقِلَتْ إلَى الْمَعَانِي الْعَلَمِيَّةِ لِمُنَاسَبَةٍ أَوْ لَا لِمُنَاسَبَةٍ، بَلْ لِجَمِيعِ الْأَلْفَاظِ الْمَنْقُولَةِ وَالْأَلْفَاظِ الْمَوْضُوعَةِ اصْطِلَاحٌ فِي الْمَعْنَى، وَفِي اصْطِلَاحٍ آخَرَ لِمَعْنًى آخَرَ كَالزَّكَاةِ وَالْفِعْلِ وَالدَّوَرَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَيْسَتْ مِنْ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْبَعْضُ.
وَالْعَامُّ لَفْظٌ وُضِعَ وَضْعًا وَاحِدًا لِكَثِيرٍ غَيْرِ مَحْصُورٍ مُسْتَغْرِقٍ بِجَمِيعِ مَا يُصْطَلَحُ لَهُ فَقَوْلُهُ وَضْعًا وَاحِدًا يُخْرِجُ الْمُشْتَرَكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَعَانِيهِ الْمُتَعَدِّدَةِ.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَفْرَادِ مَعْنًى وَاحِدٍ لَهُ كَالْعُيُونِ لِأَفْرَادِ الْعَيْنِ الْجَارِيَةِ فَهُوَ عَامٌّ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الْحَدِّ وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ هَذَا الْقَيْدُ لِلتَّحْقِيقِ وَالْإِيضَاحِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَعَانِيهِ الْمُتَعَدِّدَةِ لَيْسَ بِمُسْتَغْرِقٍ عَلَى مَا سَيَجِيءُ، فَإِنْ قِيلَ الْمُرَادُ بِالِاسْتِغْرَاقِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الشُّمُولِ كَمَا فِي صِيَغِ الْجُمُوعِ وَأَسْمَائِهَا، مِثْلُ الرِّجَالِ وَالْقَوْمِ أَوْ سَبِيلِ الْبَدَلِ كَمَا فِي مِثْلِ مَنْ دَخَلَ دَارِي أَوَّلًا فَلَهُ كَذَا، وَالْمُشْتَرَكُ مُسْتَغْرِقٌ لِمَعَانِيهِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ قُلْنَا فَحِينَئِذٍ يَدْخُلُ فِي حَدِّ الْعَامِّ النَّكِرَةُ الْمُثْبَتَةُ فَإِنَّهَا تَسْتَغْرِقُ كُلَّ فَرْدٍ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، فَإِنْ قِيلَ هِيَ لَيْسَتْ بِمَوْضُوعَةٍ لِلْكَثِيرِ قُلْنَا لَوْ سَلِمَ فَإِنَّمَا يَصْلُحُ جَوَابًا عَنْ النَّكِرَةِ الْمُفْرَدَةِ دُونَ الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ فَإِنَّهُ يَسْتَغْرِقُ الْآحَادَ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ عُمُومِهِ أَيْضًا، وَالْمُرَادُ بِالْوَضْعِ لِلْكَثِيرِ الْوَضْعُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ وُحْدَانِ الْكَثِيرِ أَوْ لِأَمْرٍ يَشْتَرِكُ فِيهِ وُحْدَانُ الْكَثِيرِ أَوْ لِمَجْمُوعِ وُحْدَانِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْوُحْدَانِ نَفْسَ الْمَوْضُوعِ لَهُ أَوْ جُزْئِيًّا مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ أَوْ جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهِ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَنْدَرِجُ فِيهِ الْمُشْتَرَكُ وَالْعَامُّ، وَأَسْمَاءُ
الجزء 1 · صفحة 58
لَهُ يُخْرِجُ الْجَمْعَ الْمُنَكَّرَ نَحْوَ رَأَيْت رِجَالًا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَإِلَّا فَجَمْعٌ مُنَكَّرٌ أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْ جَمِيعَ مَا يَصْلُحُ لَهُ، وَقَوْلُهُ وَنَحْوُهُ، مِثْلُ رَأَيْت جَمَاعَةً مِنْ الرِّجَالِ فَعَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَقُولُ بِعُمُومِ الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ يَكُونُ الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ وَاسِطَةً بَيْنَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِعُمُومِهِ يُرَادُ بِالْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ هَاهُنَا الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ الَّذِي تَدُلُّ الْقَرِينَةُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ عَامٍّ، فَإِنَّ هَذَا يَكُونُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْعَدَدِ، فَإِنْ قِيلَ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ مِثْلُ زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَرَجُلٍ وَفَرَسٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْكَثِيرِ بِحَسَبِ الْأَجْزَاءِ قُلْنَا الْمُعْتَبَرُ هُوَ الْأَجْزَاءُ الْمُتَّفِقَةُ فِي الِاسْمِ كَآحَادِ الْمِائَةِ، فَإِنَّهَا تُنَاسِبُ جُزْئِيَّاتِ الْمَعْنَى الْوَاحِدِ الْمُتَّحِدَةِ بِحَسَبِ ذَلِكَ الْمَفْهُومِ، فَإِنْ قِيلَ النَّكِرَةُ الْمَنْفِيَّةُ عَامٌّ وَلَوْ تُوضَعُ لِلْكَثْرَةِ قُلْنَا الْوَضْعُ أَعَمُّ مِنْ الشَّخْصِيِّ، وَالنَّوْعِيِّ، وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِمْ لِلنَّكِرَةِ الْمَنْفِيَّةِ أَنَّ الْحُكْمَ مَنْفِيٌّ عَنْ الْكَثِيرِ الْغَيْرِ الْمَحْصُورِ، وَاللَّفْظُ مُسْتَغْرِقٌ لِكُلِّ فَرْدٍ فِي حُكْمِ النَّفْيِ بِمَعْنَى عُمُومِ النَّفْيِ عَنْ الْآحَادِ فِي الْمُفْرَدِ، وَعَنْ الْمَجْمُوعِ فِي الْجَمْعِ لَا نَفْيَ الْعُمُومِ، وَهَذَا مَعْنَى الْوَضْعِ النَّوْعِيِّ لِذَلِكَ، وَكَوْنُ عُمُومِهَا عَقْلِيًّا ضَرُورِيًّا بِمَعْنَى أَنَّ انْتِفَاءَ فَرْدٍ مُبْهَمٍ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِانْتِفَاءِ كُلِّ فَرْدٍ لَا يُنَافِي ذَلِكَ لَا يُقَالُ النَّكِرَةُ الْمَنْفِيَّةُ مَجَازٌ، وَالتَّعْرِيفُ لِلْعَامِّ الْحَقِيقِيِّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا مَجَازٌ كَيْفَ وَلَمْ تُسْتَعْمَلْ إلَّا فِيمَا وُضِعَتْ لَهُ بِالْوَضْعِ الشَّخْصِيِّ وَهُوَ فَرْدٌ مُبْهَمٌ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ شَارِحِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِب بِأَنَّهَا حَقِيقَةٌ، وَمَعْنَى كَوْنِ الْكَثِيرِ غَيْرُ مَحْصُورٍ أَنْ لَا يَكُونَ فِي اللَّفْظِ دَلَالَةٌ عَلَى انْحِصَارِهِ فِي عَدَدٍ مُعَيَّنٍ وَإِلَّا فَالْكَثِيرُ الْمُتَحَقِّقُ مَحْصُورٌ لَا مَحَالَةَ لَا يُقَالُ الْمُرَادُ بِغَيْرِ الْمَحْصُورِ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الضَّبْطِ وَالْعَدِّ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَفْظُ السَّمَاوَاتِ مَوْضُوعًا لِكَثِيرٍ مَحْصُورٍ وَلَفْظُ أَلْفٍ مَوْضُوعًا لِكَثِيرٍ غَيْرِ مَحْصُورٍ وَالْأَمْرُ بِالْعَكْسِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْأَوَّلَ عَامٌّ، وَالثَّانِيَ اسْمُ عَدَدٍ لَا يُقَالُ هَذَا الْقَيْدُ مُسْتَدْرَكٌ؛ لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ أَسْمَاءِ الْعَدَدِ حَاصِلٌ بِقَيْدِ الِاسْتِغْرَاقِ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ ضَرُورَةً أَنَّ لَفْظَ الْمِائَةِ مَثَلًا إنَّمَا يَصْلُحُ لِجُزْئِيَّاتِ الْمِائَةِ لَا لِمَا يَتَضَمَّنُهَا الْمِائَةُ مِنْ الْآحَادِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ أَرَادَ بِالصُّلُوحِ صُلُوحَ اسْمِ الْكُلِّيِّ لِجُزْئِيَّاتِهِ أَوْ الْكُلِّ لِأَجْزَائِهِ فَاعْتَبَرَ الدَّلَالَةَ مُطَابِقَةً أَوْ تَضَمُّنًا وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ صَارَ صِيَغُ الْجُمُوعِ، وَأَسْمَاؤُهَا، مِثْلُ الرِّجَالِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالرَّهْطِ وَالْقَوْمِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآحَادِ مُسْتَغْرِقَةً لِمَا تَصْلُحُ لَهُ فَدَخَلَتْ فِي الْحَدِّ، وَقَوْلُهُ مُسْتَغْرِقٌ مَرْفُوعٌ صِفَةُ لَفْظٍ وَمَعْنَى اسْتِغْرَاقِهِ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ تَنَاوُلُهُ لِذَلِكَ بِحَسَبِ الدَّلَالَةِ.
(قَوْلُهُ إلَّا فَجَمْعٌ مُنَكَّرٌ) الْمُعْتَبَرُ فِي الْعَامِّ عِنْدَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَبَعْضِ الْمَشَايِخِ هُوَ انْتِظَامُ جَمْعٍ مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ يَشْتَرِكُ فِيهِ سَوَاءٌ وُجِدَ الِاسْتِغْرَاقُ أَمْ لَا فَالْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ عِنْدَهُمْ عَامٌّ سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَغْرِقًا أَوْ لَا وَالْمُصَنِّفُ لَمَّا اشْتَرَطَ الِاسْتِغْرَاقَ عَلَى مَا هُوَ اخْتِيَارُ الْمُحَقِّقِينَ فَالْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ يَكُونُ وَاسِطَةً بَيْنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ اسْتِغْرَاقِهِ وَعَامًّا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِاسْتِغْرَاقِهِ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الْمُرَادُ
الجزء 1 · صفحة 59
وَاسِطَةً بَيْنَ الْعَامِّ، وَالْخَاصِّ نَحْوَ رَأَيْت الْيَوْمَ رِجَالًا فَإِنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ جَمِيعَ الرِّجَالِ غَيْرُ مَرْئِيٍّ.
(وَإِنْ كَانَ) أَيْ: الْكَثِيرُ. (مَحْصُورًا) كَالْعَدَدِ وَالتَّثْنِيَةِ. (أَوْ وُضِعَ لِلْوَاحِدِ فَخَاصٌّ) سَوَاءٌ كَانَ الْوَاحِدُ بِاعْتِبَارِ الشَّخْصِ كَزَيْدٍ، أَوْ بِاعْتِبَارِ النَّوْعِ كَرَجُلٍ وَفَرَسٍ. (ثُمَّ الْمُشْتَرَكُ أَنَّ تَرَجُّحَ بَعْضِ مَعَانِيهِ بِالرَّأْيِ يُسَمَّى مُؤَوَّلًا) .
أَصْحَابُنَا قَسَّمُوا اللَّفْظَ بِاعْتِبَارِ الصِّيغَةِ، وَاللُّغَةِ أَيْ: بِاعْتِبَارِ الْوَضْعِ عَلَى الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَالْمُشْتَرَكِ وَالْمُؤَوَّلِ، وَإِنَّمَا لَمْ أُورِدْ الْمُؤَوَّلَ فِي الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ الْوَضْعِ، بَلْ بِاعْتِبَارِ رَأْيِ الْمُجْتَهِدِ ثُمَّ هَاهُنَا تَقْسِيمٌ آخَرُ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَمَعْرِفَةِ الْأَقْسَامِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQبِالْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ فِي قَوْلِهِ وَإِلَّا فَجَمْعٌ مُنَكَّرٌ الْجَمْعَ الَّذِي تَدُلُّ قَرِينَةٌ عَلَى عَدَمِ اسْتِغْرَاقِهِ، مِثْلُ رَأَيْت الْيَوْمَ رِجَالًا وَفِي الدَّارِ رِجَالٌ إلَّا أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ، بَلْ كُلُّ عَامٍّ مَقْصُورٌ عَلَى الْبَعْضِ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ أَوْ غَيْرِهِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ وَاسِطَةً جَمْعًا مُنَكَّرًا أَوْ نَحْوَهُ عَلَى مُقْتَضَى عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ لِدُخُولِهِ فِي قَوْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْ فَجَمْعٌ مُنَكَّرٌ وَنَحْوُهُ وَفَسَادُهُ بَيِّنٌ.
(قَوْلُهُ أَوْ بِاعْتِبَارِ النَّوْعِ كَرَجُلٍ وَفَرَسٍ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ النَّوْعِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ قَدْ يَكُونُ نَوْعًا مَنْطِقِيًّا كَالْفَرَسِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ كَالرَّجُلِ فَإِنَّ الشَّرْعَ قَدْ يَجْعَلُ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ نَظَرًا إلَى اخْتِصَاصِ الرَّجُلِ بِأَحْكَامٍ مِثْلِ النُّبُوَّةِ، وَالْإِمَامَةِ وَالشَّهَادَةِ فِي الْحَدِّ وَالْقِصَاصِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ الْمُشْتَرَكُ) ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ أَنَّ أَقْسَامَ النَّظْمِ صِيغَةً وَلُغَةً أَرْبَعَةٌ: الْخَاصُّ وَالْعَامُّ، وَالْمُشْتَرَكُ وَالْمُؤَوَّلُ وَفَسَّرَ الْمُؤَوَّلَ بِمَا تَرَجَّحَ مِنْ الْمُشْتَرَكِ بَعْضُ وُجُوهِهِ بِغَالِبِ الرَّأْيِ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُؤَوَّلَ قَدْ لَا يَكُونُ مِنْ الْمُشْتَرَكِ، وَتَرَجُّحُهُ قَدْ لَا يَكُونُ بِغَالِبِ الرَّأْيِ كَمَا ذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ أَنَّ الْمُجْمَلَ وَالْمُشْكِلَ وَالْخَفِيَّ وَالْمُشْتَرَكَ إذَا لَحِقَهَا الْبَيَانُ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ يُسَمَّى مُفَسَّرًا وَإِذَا زَالَ خَفَاؤُهَا بِدَلِيلٍ فِيهِ شُبْهَةٌ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ يُسَمَّى مُؤَوَّلًا، وَأُجِيبُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ تَعْرِيفَ مُطْلَقِ الْمُؤَوَّلِ، بَلْ الْمُؤَوَّلُ مِنْ الْمُشْتَرَكِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي مِنْ أَقْسَامِ النَّظْمِ صِيغَةً وَلُغَةً، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ غَالِبَ الرَّأْيِ مَعْنَاهُ الظَّنُّ الْغَالِبُ سَوَاءٌ حَصَلَ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ أَوْ الْقِيَاسِ أَوْ التَّأَمُّلِ فِي الصِّيغَةِ كَمَا فِي ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ، وَمَعْنَى كَوْنِهِ مِنْ أَقْسَامِ النَّظْمِ صِيغَةً وَلُغَةً أَنَّ الْحُكْمَ بَعْدَ التَّأْوِيلِ مُضَافٌ إلَى الصِّيغَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِغَالِبِ الرَّأْيِ التَّأَمُّلُ، وَالِاجْتِهَادُ فِي نَفْسِ الصِّيغَةِ، وَقَيَّدَ بِالِاشْتِرَاكِ وَالتَّرَجُّحِ بِالِاجْتِهَادِ وَالتَّأَمُّلِ فِي نَفْسِ الصِّيغَةِ لِيَتَحَقَّقَ كَوْنُهُ مِنْ أَقْسَامِ النَّظْمِ، وَلُغَةً فَإِنَّ الْمُشْتَرَكَ مَوْضُوعٌ لِمَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ يَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ فَإِذَا حُمِلَ عَلَى أَحَدِهَا بِالنَّظَرِ فِي الصِّيغَةِ أَيْ: اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ أَقْسَامِ النَّظْمِ صِيغَةً وَلُغَةً أَيْ: وَضْعًا بِخِلَافِ مَا إذَا حُمِلَ عَلَيْهِ بِقَطْعِيٍّ فَإِنَّهُ يَكُونُ تَفْسِيرًا لَا تَأْوِيلًا أَوْ بِقِيَاسٍ أَوْ خَبَرٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ مِنْ أَقْسَامِ النَّظْمِ صِيغَةً وَلُغَةً وَكَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُشْتَرَكًا، بَلْ خَفِيًّا أَوْ
الجزء 1 · صفحة 60
الَّتِي تَحْصُلُ مِنْهُ وَهُوَ هَذَا.
(وَأَيْضًا الِاسْمُ الظَّاهِرُ إنْ كَانَ مَعْنَاهُ عَيْنَ مَا وُضِعَ لَهُ الْمُشْتَقُّ مِنْهُ مَعَ وَزْنِ الْمُشْتَقِّ فَصِفَةٌ وَإِلَّا فَإِنْ تَشَخَّصَ مَعْنَاهُ فَعَلَمٌ وَإِلَّا فَاسْمُ جِنْسٍ وَهُمَا إمَّا مُشْتَقَّانِ أَوْ لَا ثُمَّ كُلٌّ مِنْ الصِّفَةِ وَاسْمِ الْجِنْسِ إنْ أُرِيدَ الْمُسَمَّى بِلَا قَيْدٍ فَمُطْلَقٌ أَوْ مَعَهُ فَمُقَيَّدٌ أَوْ أَشْخَاصُهُ كُلُّهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــQمُجْمَلًا أَوْ مُشْكِلًا فَأُزِيلَ خَفَاؤُهُ بِقَطْعِيٍّ أَوْ ظَنِّيٍّ.
(قَوْلُهُ، وَأَيْضًا الِاسْمُ الظَّاهِرُ) قَيَّدَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُضْمَرَ خَارِجٌ عَنْ الْأَقْسَامِ وَكَذَا اسْمُ الْإِشَارَةِ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ مَا لَيْسَ بِمُضْمَرٍ وَلَا اسْمِ إشَارَةٍ وَالصِّفَةُ بِمُقْتَضَى هَذَا التَّقْسِيمِ اسْمٌ مُشْتَقٌّ يَكُونُ مَعْنَاهُ عَيْنُ مَا وُضِعَ لَهُ الْمُشْتَقُّ مِنْهُ مَعَ وَزْنِ الْمُشْتَقِّ فَالضَّارِبُ لَفْظٌ مُشْتَقٌّ مِنْ الضَّرْبِ مَعْنَاهُ مَعْنَى الضَّرْبِ مَعَ الْفَاعِلِ، وَالْمَضْرُوبُ مَعْنَاهُ مَعْنَى الضَّرْبِ مَعَ الْمَفْعُولِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ مَا دَلَّ عَلَى ذَاتٍ مُبْهَمَةٍ وَمَعْنًى مُعَيَّنٍ يَقُومُ بِهَا وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ مَعَ وَزْنِ الْمُشْتَقِّ عَنْ اسْمِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْآلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمُشْتَقَّاتِ، إذْ لَيْسَ مَعْنَى الْمَقْتَلِ هُوَ الْقَتْلُ مَعَ الْمَفْعَلِ، وَمَعْنَى الْمِفْتَاحِ هُوَ الْفَتْحُ مَعَ الْمِفْعَالِ، إذْ التَّعْبِيرُ عَمَّا يَصْدُرُ عَنْهُ الْفِعْلُ أَوْ يَقَعُ عَلَيْهِ بِالْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولِ شَائِعٌ بِخِلَافِ التَّعْبِيرِ عَنْ الْمَكَانِ وَالْآلَةِ بِالْمَفْعَلِ وَالْمِفْعَالِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا التَّفْسِيرُ لَا يَصْدُقُ إلَّا عَلَى صِفَةٍ تَكُونُ عَلَى وَزْنِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ؛ لِأَنَّ التَّعْبِيرَ عَمَّا يَقُومُ بِهِ الْمَعْنَى إنَّمَا يَكُونُ بِالْفَاعِلِ، أَوْ الْمَفْعُولِ لَا بِالْأَفْعُلِ وَالْفَعْلَانِ وَالْفِعْلِ وَالْمُسْتَفْعِلِ وَالْمُفَعْلَلِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَيْسَ مَعْنَى الْأَبْيَضِ وَالْأَفْضَلِ مَثَلًا هُوَ الْبَيَاضُ وَالْفَضْلُ مَعَ الْأَفْضَلِ وَلَا مَعْنَى الْعَطْشَانِ هُوَ الْعَطَشُ مَعَ الْفَعْلَانِ، وَلَا مَعْنَى الْخَيْرِ هُوَ الْخَيْرِيَّةُ مَعَ الْفِعْلِ وَلَا مَعْنَى الْمُسْتَخْرَجِ وَالْمُدَحْرَجِ هُوَ الِاسْتِخْرَاجُ وَالدَّحْرَجَةُ مَعَ الْمُسْتَفْعَلِ وَالْمُفَعْلَلِ، وَإِنْ مُنِعَ ذَلِكَ نَمْنَعُ خُرُوجَ اسْمِ الْمَكَانِ وَالْآلَةِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ مَعْنَى الْمَقْتَلِ هُوَ الْقَتْلُ مَعَ الْمَفْعَلِ لَيْسَ بِأَبْعَدَ مِنْ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَبْيَضَ مَعْنَاهُ الْبَيَاضُ مَعَ الْأَفْعَلِ وَالْمُدَحْرَجُ مَعْنَاهُ الدَّحْرَجَةُ مَعَ الْمُفَعْلَلِ.
(قَوْلُهُ وَهُمَا) أَيْ: الْعَلَمُ وَاسْمُ الْجِنْسِ إمَّا مُشْتَقَّانِ كَحَاتِمٍ وَمَقْتَلٍ وَلَا يَصِحُّ التَّمْثِيلُ بِنَحْوِ ضَارِبٍ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الصِّفَةَ قَسِيمًا لِاسْمِ الْجِنْسِ أَوْ لَا كَزَيْدٍ وَرَجُلٍ، وَالِاشْتِقَاقُ يُفَسَّرُ تَارَةً بِاعْتِبَارِ الْعِلْمِ فَيُقَالُ هُوَ أَنْ تَجِدَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ تَنَاسُبًا فِي أَصْلِ الْمَعْنَى، وَالتَّرْكِيبِ فَتَرُدُّ أَحَدَهُمَا لِلْآخَرِ فَالْمَرْدُودُ مُشْتَقٌّ، وَالْمَرْدُودُ إلَيْهِ مُشْتَقٌّ مِنْهُ، وَتَارَةً بِاعْتِبَارِ الْعَمَلِ فَيُقَالُ هُوَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ اللَّفْظِ مَا يُنَاسِبُهُ فِي حُرُوفِهِ الْأُصُولِ وَتَرْتِيبِهَا فَتَجْعَلَهُ دَالًّا عَلَى مَعْنًى يُنَاسِبُ مَعْنَاهُ فَالْمَأْخُوذُ مُشْتَقٌّ وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ مُشْتَقٌّ مِنْهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْعَلَمَ لَا يَكُونُ مُشْتَقًّا بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الْعَلَمِيِّ، بَلْ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ الْمَنْقُولِ عَنْهُ فَالْمُشْتَقُّ حَقِيقَةً هُوَ اسْمُ الْجِنْسِ لَا غَيْرُ.
(قَوْلُهُ إنْ أُرِيدَ مِنْهُ الْمُسَمَّى بِلَا قَيْدٍ فَمُطْلَقٌ) مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ فِي الْمُطْلَقِ نَفْسُ الْمُسَمَّى دُونَ الْفَرْدِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] تَحْرِيرُ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ هَذَا الْمَفْهُومِ غَيْرُ
الجزء 1 · صفحة 61
فَعَامٌّ أَوْ بَعْضُهَا مُعَيَّنًا فَمَعْهُودٌ أَوْ مُنَكَّرًا فَنَكِرَةٌ فَهِيَ مَا وُضِعَ لِشَيْءٍ لَا بِعَيْنِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِلسَّامِعِ وَالْمَعْرِفَةُ مَا وُضِعَ لِمُعَيَّنٍ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَهُ) أَيْ: لِلسَّامِعِ، وَإِنَّمَا قُلْت عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَعْرِفَةِ وَالنَّكِرَةِ فِي التَّعْيِينِ وَعَدَمِ التَّعْيِينِ عِنْدَ الْوَضْعِ، وَإِنَّمَا قُلْت لِلسَّامِعِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ جَاءَنِي رَجُلٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُتَعَيَّنًا لِلْمُتَكَلِّمِ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا التَّقْسِيمِ حَدُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَقْسَامِ وَعُلِمَ أَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ أَقْسَامِ الْخَاصِّ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ وُضِعَ لِلْوَاحِدِ النَّوْعِيِّ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ قِسْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ أَنْ يُعْتَبَرَ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ حَتَّى لَا يُتَوَهَّمَ التَّنَافِي بَيْنَ كُلِّ قِسْمٍ وَقِسْمٍ، فَإِنَّ بَعْضَ الْأَقْسَامِ قَدْ يَجْتَمِعُ مَعَ بَعْضٍ وَبَعْضُهَا لَا، مِثْلُ قَوْلِنَا جَرَتْ الْعُيُونُ فَمِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَيْنَ وُضِعَتْ تَارَةً لِلْبَاصِرَةِ، وَتَارَةً لَعَيْنِ الْمَاءِ تَكُونُ الْعَيْنُ مُشْتَرَكَةً بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَمِنْ حَيْثُ إنَّ الْعُيُونَ شَامِلَةٌ لِأَفْرَادِ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ، وَهِيَ عَيْنُ الْمَاءِ مَثَلًا تَكُونُ عَامَّةً بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْعَامِّ وَالْمُشْتَرَكِ لَكِنْ بَيْنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ تَنَافٍ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ خَاصًّا وَعَامًّا بِالْحَيْثِيَّتَيْنِ فَاعْتُبِرَ هَذَا فِي الْبَوَاقِي فَإِنَّهُ سَهْلٌ بَعْدَ الْوُقُوفِ عَلَى الْحُدُودِ الَّتِي ذَكَرْنَا
(فَصْلٌ: الْخَاصُّ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَاصٌّ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْعَوَارِضِ وَالْمَوَانِعِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQمُقَيَّدٍ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَوَارِضِ.
(قَوْلُهُ فَهِيَ مَا وُضِعَ) لَمَّا كَانَ الْخَارِجُ مِنْ التَّقْسِيمِ بَعْضَ أَنْوَاعِ النَّكِرَةِ وَهُوَ مَا اُسْتُعْمِلَ فِي الْفَرْدِ دُونَ نَفْسِ الْمُسَمَّى وَفِي مُقَابَلَتِهِ بَعْضُ أَقْسَامِ الْمَعْرِفَةِ وَهُوَ الْمَعْهُودُ الذِّهْنِيُّ أَوْرَدَ تَعْرِيفَيْ الْمَعْرِفَةِ، وَالنَّكِرَةِ عَلَى مَا يَشْتَمِلُ الْأَقْسَامَ كُلَّهَا.
(قَوْلُهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِلسَّامِعِ) قَيْدَانِ لِلتَّعَيُّنِ وَعَدَمِهِ وَالْأَحْسَنُ فِي تَعْرِيفِهِمَا مَا قِيلَ: إنَّ الْمَعْرِفَةَ مَا وُضِعَ لِيُسْتَعْمَلَ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ وَالنَّكِرَةَ مَا وُضِعَ لِيُسْتَعْمَلَ فِي شَيْءٍ لَا بِعَيْنِهِ، فَالْمُعْتَبَرُ فِي التَّعَيُّنِ وَعَدَمِهِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِحَسَبِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ، وَلَا عِبْرَةَ بِحَالَةِ الْإِطْلَاقِ دُونَ الْوَضْعِ وَلَا بِمَا عِنْدَ السَّامِعِ دُونَ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ جَاءَنِي رَجُلٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُعَيَّنًا لِلسَّامِعِ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِحَسَبِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ.
(قَوْلُهُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ إلَخْ) يُرِيدُ أَنَّ تَمَايُزَ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ لَيْسَ بِحَسَبِ الذَّاتِ، بَلْ بِحَسَبِ الْحَيْثِيَّاتِ وَالِاعْتِبَارَاتِ وَالْحَيْثِيَّتَانِ قَدْ لَا تَتَنَافَيَانِ كَالْوَضْعِ الْكَثِيرِ لِلْمَعْنَى الْكَثِيرِ وَوَضْعٍ وَاحِدٍ لِأَفْرَادِ مَعْنًى وَاحِدٍ كَمَا فِي لَفْظِ الْعُيُونِ فَإِنَّهُ عَامٌّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ وُضِعَ وَضْعًا وَاحِدًا لِأَفْرَادِ الْعَيْنِ الْجَارِيَةِ، وَمُشْتَرَكٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ وُضِعَ وَضْعًا كَثِيرًا لِلْعَيْنِ الْجَارِيَةِ، وَالْعَيْنِ الْبَاصِرَةِ وَالشَّمْسِ وَالذَّهَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ تَتَنَافَيَانِ كَالْوَضْعِ لِكَثِيرٍ غَيْرِ مَحْصُورٍ وَالْوَضْعِ لِوَاحِدٍ أَوْ لِكَثِيرٍ مَحْصُورٍ فَاللَّفْظُ الْوَاحِدُ لَا يَكُونُ عَامًّا وَخَاصًّا بِاعْتِبَارِ الْحَيْثِيَّتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْحَيْثِيَّتَيْنِ مُتَنَافِيَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ النَّكِرَةَ الْمَوْصُوفَةَ خَاصَّةٌ مِنْ وَجْهٍ عَامَّةٌ مِنْ وَجْهٍ فَسَيَجِيءُ جَوَابُهُ، هَذَا غَايَةُ مَا تَكَلَّفْت لِتَقْرِيرِ هَذَا التَّقْسِيمِ وَتَبَيُّنِ أَقْسَامِهِ، وَالْكَلَامُ يُعَدُّ مَوْضِعَ نَظَرٍ
[فَصْلٌ الْخَاصُّ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَاصٌّ]
(قَوْلُهُ فَصْلٌ) لَمَّا فَرَغَ عَنْ الْكَلَامِ فِي نَفْسِ التَّقْسِيمِ
الجزء 1 · صفحة 62
كَالْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ عَنْ إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ مَثَلًا.
(يُوجِبُ الْحُكْمَ) فَإِذَا قُلْنَا زَيْدٌ عَالِمٌ فَزَيْدٌ خَاصٌّ فَيُوجِبُ الْحُكْمَ بِالْعِلْمِ عَلَى زَيْدٍ وَأَيْضًا
ـــــــــــــــــــــــــــــQأَوْرَدَ سِتَّةَ فُصُولٍ لِلْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَقْسَامِ: الْأَوَّلَ: فِي حُكْمِ الْخَاصِّ. الثَّانِيَ فِي حُكْمِ الْعَامِّ. الثَّالِثَ: فِي قَصْرِ الْعَامِّ. الرَّابِعَ: فِي أَلْفَاظِ الْعَامِّ. الْخَامِسَ: فِي الْمُطْلَقِ، وَالْمُقَيَّدِ. السَّادِسَ: فِي الْمُشْتَرَكِ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الْخَاصَّ لَفْظٌ وُضِعَ لِوَاحِدٍ أَوْ لِكَثِيرٍ مَحْصُورٍ وَضْعًا وَاحِدًا وَأَشَرْنَا إلَى أَنَّ مِثْلَ لَفْظِ الْمِائَةِ أَيْضًا مَوْضُوعٌ لِوَاحِدٍ بِالنَّوْعِ كَالرَّجُلِ وَالْفَرَسِ إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ جَعَلَهُ قَسِيمًا لَهُ نَظَرًا إلَى اشْتِمَالِ مَعْنَاهُ عَلَى أَجْزَاءٍ مُتَّفِقَةٍ، فَاحْتَاجَ فِي التَّعْرِيفِ إلَى كَلِمَةِ أَوْ وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْخَاصَّ كُلُّ لَفْظٍ وُضِعَ لِمَعْنًى وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ، وَكُلُّ اسْمٍ وُضِعَ لِمُسَمًّى مَعْلُومٍ عَلَى الِانْفِرَادِ، فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمَعْنَى مَدْلُولُ اللَّفْظِ وَاحْتَرَزَ بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ عَنْ الْمُشْتَرَكِ وَبِقَيْدِ الِانْفِرَادِ عَنْ الْعَامِّ وَلَمْ يُخْرِجْ التَّثْنِيَةَ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالِانْفِرَادِ عَدَمَ الْمُشَارَكَةِ بَيْنَ الْأَفْرَادِ، وَقَدْ تَمَّ التَّعْرِيفُ بِهَذَا إلَّا أَنَّهُ أَفْرَدَ خُصُوصَ الْعَيْنِ بِالذِّكْرِ بِطَرِيقِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ تَنْبِيهًا عَلَى كَمَالِ مُغَايَرَتِهِ لِخُصُوصِ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَقُوَّةِ خُصُوصِهِ بِحَيْثُ لَا شَرِكَةَ فِي مَفْهُومِهِ أَصْلًا وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا مِنْ التَّكَلُّفِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمَعْنَى مَا يُقَابِلُ الْعَيْنَ كَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ.
وَهَذَا تَعْرِيفٌ لِقِسْمَيْ الْخَاصِّ الِاعْتِبَارِيِّ، وَالْحَقِيقِيِّ تَنْبِيهًا عَلَى جَرَيَانِ الْخُصُوصِ فِي الْمَعَانِي، وَالْمُسَمَّيَاتِ بِخِلَافِ الْعُمُومِ فَإِنَّهُ لَا يَجْرِي فِي الْمَعَانِي، وَهَذَا وَهْمٌ، إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِعَدَمِ جَرَيَانِ الْعُمُومِ فِي الْمَعَانِي أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِاسْمِ الْعَيْنِ دُونَ اسْمِ الْمَعْنَى لِلْقَطْعِ بِأَنَّ مِثْلَ لَفْظِ الْعُلُومِ وَالْحَرَكَاتِ عَامٌّ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَعْنَى الْوَاحِدَ لَا يَعُمُّ مُتَعَدِّدًا، وَاعْتُرِضَ أَيْضًا بِأَنَّهُ إذَا كَانَ تَعْرِيفًا لِقِسْمَيْ الْخَاصِّ كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُورِدَ كَلِمَةَ أَوْ دُونَ الْوَاوِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْمَحْدُودَ لَيْسَ مَجْمُوعَ الْقِسْمَيْنِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُرَادَ هَذَا بَيَانٌ لِلتَّسْمِيَةِ عَلَى وَجْهٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ تَعْرِيفُ قِسْمَيْ الْخَاصِّ بِدَلِيلِ أَنَّهُ ذَكَرَ كَلِمَةَ كُلٍّ. وَالْخَاصُّ اسْمٌ لِكُلٍّ مِنْ الْقِسْمَيْنِ لَا لِأَحَدِ الْقِسْمَيْنِ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى أَوْ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَوْ لَفْظُ الْخَاصِّ مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْخَاصُّ مُطْلَقًا، وَالْآخَرُ: خَاصُّ الْخَاصِّ أَعْنِي الِاسْمَ الْمَوْضُوعَ لِلْمُسَمَّى الْمَعْلُومِ أَيْ: الْمُعَيَّنِ الْمُشَخَّصِ.
(قَوْلُهُ يُوجِبُ الْحُكْمَ) أَيْ: يُثْبِتُ إسْنَادَ أَمْرٍ إلَى آخَرَ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي مِثْلِ " زَيْدٌ عَالِمٌ " أَنَّ زَيْدًا خَاصٌّ فَيُوجِبُ الْحُكْمَ بِثُبُوتِ الْعِلْمِ لَهُ، وَكَذَا عَالِمٌ وَلَوْ فُسِّرَ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي خَاصِّ الْكِتَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْأَحْكَامِ لَمْ يَبْعُدْ، فَإِنْ قِيلَ الْمُوجِبُ لِلْحُكْمِ هُوَ الْكَلَامُ لَا زَيْدٌ أَوْ عَالِمٌ قُلْنَا: كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ لَهُ دَخْلًا فِي ذَلِكَ، وَعِبَارَتُهُمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ الْخَاصَّ يَتَنَاوَلُ مَدْلُولَهُ قَطْعًا وَيَقِينًا لِمَا أُرِيدَ بِهِ مِنْ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ كَلَفْظَةِ الثَّلَاثَةِ فِي {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] يَتَنَاوَلُ الْآحَادَ الْمَخْصُوصَةَ قَطْعًا لِأَجْلِ مَا أُرِيدَ بِهِ مِنْ تَعَلُّقِ وُجُوبِ
الجزء 1 · صفحة 63
الْعِلْمُ لَفْظٌ خَاصٌّ بِمَعْنَاهُ فَيُوجِبُ الْحُكْمَ بِذَلِكَ الْأَمْرِ الْخَاصِّ عَلَى زَيْدٍ.
(قَطْعًا) وَسَيَجِيءُ أَنَّهُ يُرَادُ بِالْقَطْعِ مَعْنَيَانِ وَالْمُرَادُ هَاهُنَا الْمَعْنَى الْأَعَمُّ، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ احْتِمَالٌ نَاشِئٌ عَنْ دَلِيلٍ لَا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ احْتِمَالٌ أَصْلًا.
(فَفِي قَوْله تَعَالَى {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] لَا يُحْمَلُ الْقُرْءُ عَلَى الطُّهْرِ) وَإِلَّا فَإِنْ احْتَسَبَ الطُّهْرَ الَّذِي طَلَّقَ فِيهِ يَجِبُ طُهْرَانِ، وَبَعْضٌ وَإِنْ لَمْ يَحْتَسِبْ تَجِبُ ثَلَاثَةٌ وَبَعْضٌ.
اعْلَمْ أَنَّ الْقُرْءَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ وُضِعَ لِلْحَيْضِ، وَوُضِعَ لِلطُّهْرِ فَفِي قَوْله تَعَالَى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] الْمُرَادُ مِنْ الْقُرْءِ الْحَيْضُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالطُّهْرُ عِنْدَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالتَّرَبُّصِ بِهِ.
(قَوْلُهُ قَطْعًا) أَيْ: عَلَى وَجْهٍ يَقْطَعُ الِاحْتِمَالَ النَّاشِئَ عَنْ دَلِيلٍ وَسَيَجِيءُ فِي آخِرِ التَّقْسِيمِ الثَّالِثِ أَنَّ الْقَطْعَ يُطْلَقُ عَلَى نَفْيِ الِاحْتِمَالِ أَصْلًا، وَعَلَى نَفْيِ الِاحْتِمَالِ النَّاشِئِ عَنْ دَلِيلٍ وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِمَالَ النَّاشِئَ عَنْ دَلِيلٍ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الِاحْتِمَالِ وَنَقِيضُ الْأَخَصِّ أَعَمُّ مِنْ نَقِيضِ الْأَعَمِّ، فَلِذَا قَالَ: وَالْمُرَادُ هَاهُنَا الْمَعْنَى الْأَعَمُّ.
(قَوْلُهُ فَفِي قَوْله تَعَالَى {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] بَيَانٌ لِتَفْرِيعَاتٍ عَلَى أَنَّ مُوجِبَ الْخَاصِّ قَطْعِيٌّ تَقْرِيرُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْقُرْءَ إنْ حُمِلَ عَلَى الطُّهْرِ بَطَلَ مُوجِبُ الثَّلَاثَةِ إمَّا بِالنُّقْصَانِ مِنْ مَدْلُولِهَا إنْ اُعْتُبِرَ الطُّهْرُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ، وَإِمَّا بِالزِّيَادَةِ إنْ لَمْ يُعْتَبَرْ وَهُوَ ظَاهِرٌ، فَإِنْ قِيلَ كِلَاهُمَا جَائِزَانِ.
أَمَّا النُّقْصَانُ فَكَمَا فِي إطْلَاقِ الْأَشْهُرِ عَلَى شَهْرَيْنِ وَبَعْضِ شَهْرٍ فِي قَوْله تَعَالَى {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] . وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فَيَلْزَمُكُمْ مِنْ حَمْلِ الْقُرْءِ عَلَى الْحَيْضِ فِيمَا إذَا طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ فَالْوَاجِبُ ثَلَاثُ حِيَضٍ وَبَعْضٌ. أُجِيبُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْخَاصِّ وَأَشْهُرٌ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ عَامٌّ أَوْ وَاسِطَةٌ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ وَجَبَ تَكْمِيلُ الْحَيْضَةِ الْأُولَى بِالرَّابِعَةِ فَوَجَبَتْ بِتَمَامِهَا ضَرُورَةَ أَنَّ الْحَيْضَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ وَمِثْلُهُ جَائِزٌ فِي الْعِدَّةِ كَمَا فِي عِدَّةِ الْأَمَةِ فَإِنَّهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ عِدَّةِ الْحُرَّةِ، وَقَدْ جُعِلَتْ قُرْأَيْنِ ضَرُورَةً وَلَيْسَ الْوَاجِبُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةَ أَطْهَارٍ غَيْرَ الطُّهْرِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ حَتَّى يَتَأَتَّى لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ وَأَيْضًا الظَّاهِرُ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى الطَّلَاقِ الْمَشْرُوعِ الْوَاقِعِ فِي الطُّهْرِ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِنَظَرِ الشَّرْعِ فِي بَيَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ وَيُعْرَفُ حُكْمُ غَيْرِ الْمَشْرُوعِ بِدَلَالَةِ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ كَأَنَّ قَوْلَهُ وَالطَّلَاقُ الْمَشْرُوعُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي حَالَةِ الطُّهْرِ إشَارَةً إلَى هَذَا وَعَلَى أَصْلِ الِاسْتِدْلَالِ مَنْعٌ لَطِيفٌ وَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْتَبَرْ الطُّهْرُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ كَانَ الْوَاجِبُ ثَلَاثَةَ أَطْهَارٍ وَبَعْضًا، بَلْ الْوَاجِبُ بِالشَّرْعِ لَا يَكُونُ إلَّا الْأَطْهَارَ الثَّلَاثَةَ الْكَامِلَةَ، وَيَلْزَمُ مُضِيُّ الْبَعْضِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ بِالضَّرُورَةِ لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِمَّا وَجَبَ بِالْعِدَّةِ لَكِنَّهُ لَا يُفِيدُ الشَّافِعِيَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِوُجُوبِ ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ كَامِلَةٍ غَيْرِ مَا وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ نَعَمْ يُفِيدُ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي دَفْعِ مَا يُورَدُ مِنْ الْمُعَارَضَةِ بِوُجُوبِ ثَلَاثَةِ
الجزء 1 · صفحة 64
الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَنَحْنُ نَقُولُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الطُّهْرَ لَبَطَلَ مُوجِبُ الْخَاصِّ وَهُوَ لَفْظُ ثَلَاثَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الطُّهْرَ، وَالطَّلَاقُ الْمَشْرُوعُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي حَالَةِ الطُّهْرِ فَالطُّهْرُ الَّذِي طَلَّقَ فِيهِ إنْ لَمْ يُحْتَسَبْ مِنْ الْعِدَّةِ يَجِبُ ثَلَاثَةُ أَطْهَارٍ وَبَعْضٌ وَإِنْ اُحْتُسِبَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ يَجِبُ طُهْرَانِ وَبَعْضٌ.
(عَلَى أَنَّ بَعْضَ الطُّهْرِ لَيْسَ بِطُهْرٍ وَإِلَّا لَكَانَ الثَّالِثُ كَذَلِكَ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ إذَا اُحْتُسِبَ يَكُونُ الْوَاجِبُ طُهْرَيْنِ وَبَعْضًا، بَلْ الْوَاجِبُ ثَلَاثَةٌ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الطُّهْرِ طُهْرٌ فَإِنَّ الطُّهْرَ أَدْنَى مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ الطُّهْرِ وَهُوَ طُهْرُ سَاعَةٍ مَثَلًا فَنَقُولُ فِي جَوَابِهِ إنَّ بَعْضَ الطُّهْرِ لَيْسَ بِطُهْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ بَيْنَ الْأَوَّلِ، وَالثَّالِثِ فَرْقٌ فَيَكْفِي فِي الثَّالِثِ بَعْضُ طُهْرٍ فَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا مَضَى مِنْ الثَّالِثِ شَيْءٌ يَحِلُّ لَهَا التَّزَوُّجُ، وَهَذَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَهَذَا الْجَوَابُ قَاطِعٌ لِشُبْهَةِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَدْ تَفَرَّدْت
ـــــــــــــــــــــــــــــQحِيَضٍ وَبَعْضٍ فِيمَا إذَا طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ.
(قَوْله عَلَى أَنَّ بَعْضَ الطُّهْرِ) جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَوْجِيهُهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إذَا اُعْتُبِرَ الطُّهْرُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ كَانَ الْوَاجِبُ الطُّهْرَيْنِ، وَبَعْضًا لَا ثَلَاثَةً، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ الطُّهْرُ اسْمًا لِمَجْمُوعِ مَا يَتَخَلَّلُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ، بَلْ هُوَ اسْمٌ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ حَتَّى يُطْلَقَ عَلَى طُهْرِ سَاعَةٍ مَثَلًا وَتَوْجِيهُ الْجَوَابِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَوْمُ أَنَّ الطُّهْرَ إنْ كَانَ اسْمًا لِلْمَجْمُوعِ فَقَدْ ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا سَالِمًا عَنْ الْمَنْعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لُزُومُ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِطُهْرٍ وَاحِدٍ، بَلْ نَاقِلٍ ضَرُورَةَ اشْتِمَالِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ، وَأَكْثَرَ بِاعْتِبَارِ السَّاعَاتِ وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ اسْمًا لِلْمَجْمُوعِ لَمْ يَبْقَ فَرْقٌ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ فِي صِحَّةِ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْبَعْضِ، فَيَلْزَمُ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ بِمُضِيِّ شَيْءٍ مِنْ الطُّهْرِ الثَّالِثِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى انْقِضَائِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنْ قِيلَ الطُّهْرُ حَالَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْعَدَدِ إلَّا بِاعْتِبَارِ انْقِطَاعِهِ بِالْحَيْضِ كَسَائِرِ الْأُمُورِ الْمُسْتَمِرَّةِ، مِثْلَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ فَإِنَّهَا لَا تَتَّصِفُ بِأَسْمَاءِ الْأَعْدَادِ إلَّا عِنْدَ انْقِطَاعِهَا بِالْأَضْدَادِ وَكَوْنُ كُلِّ بَعْضٍ مِنْ تِلْكَ الْحَالَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ طُهْرًا لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ طُهْرًا وَاحِدًا فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ بِطُهْرٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ كُلُّ بَعْضٍ مِنْهُ طُهْرًا وَاحِدًا وَلَا يَلْزَمُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ، بَلْ الْفَرْقُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْبَعْضَ مِنْ الْأَوَّلِ قَدْ انْقَطَعَ بِالْحَيْضِ فَيَكُونُ طُهْرًا وَاحِدًا بِخِلَافِ الْبَعْضِ مِنْ الثَّالِثِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ طُهْرًا وَاحِدًا مَا لَمْ يَنْقَطِعْ قُلْنَا دُخُولُ الْأُمُورِ الْمُسْتَمِرَّةِ تَحْتَ الْعَدَدِ كَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى انْتِهَاءٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى ابْتِدَاءٍ، فَإِنَّهُ كَمَا لَا يَتَّصِفُ أَوَّلَ النَّهَارِ بِكَوْنِهِ يَوْمًا وَاحِدًا فَكَذَلِكَ آخِرَهُ، فَإِنْ جَازَ إطْلَاقُ الطُّهْرِ الْوَاحِدِ عَلَى الْبَعْضِ مِنْ الْأَوَّلِ بِمُجَرَّدِ الِانْتِهَاءِ
الجزء 1 · صفحة 65
بِهَذَا وقَوْله تَعَالَى {فَإِنْ طَلَّقَهَا} [البقرة: 230] تَحِلُّ لَهُ الْفَاءُ لَفْظٌ خَاصٌّ لِلتَّعْقِيبِ، وَقَدْ عَقَّبَ الطَّلَاقَ بِالِافْتِدَاءِ فَإِنْ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ بَعْدَ الْخُلْعِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَبْطُلُ مُوجِبُ الْخَاصِّ تَحْقِيقُهُ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الطَّلَاقَ الْمُعَقِّبَ لِلرَّجْعَةِ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ ذَكَرَ افْتِدَاءَ الْمَرْأَةِ، وَفِي تَخْصِيصِ فِعْلِهَا هُنَا تَقْرِيرُ فِعْلِ الزَّوْجِ عَلَى مَا سَبَقَ وَهُوَ الطَّلَاقُ فَقَدْ بَيَّنَ نَوْعَيْهُ بِغَيْرِ مَالٍ وَبِمَالٍ كَمَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الِافْتِدَاءَ فَسْخٌ فَإِنَّ ذَلِكَ زِيَادَةٌ عَلَى الْكِتَابِ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ طَلَّقَهَا أَيْ: بَعْدَ الْمَرَّتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَتَا بِمَالٍ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَفِي اتِّصَالِ الْفَاءِ بِأَوَّلِ الْكَلَامِ وَانْفِصَالِهِ عَنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــQإلَى الْحَيْضِ جَازَ إطْلَاقُهُ عَلَى الْبَعْضِ مِنْ الثَّالِثِ بِمُجَرَّدِ الِابْتِدَاءِ مِنْ الْحَيْضِ، وَإِنْ امْتَنَعَ هَذَا امْتَنَعَ ذَاكَ، وَإِنْ ادَّعَى جَوَازَ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ الْبَيَانِ.
(قَوْلُهُ وقَوْله تَعَالَى {فَإِنْ طَلَّقَهَا} [البقرة: 230] ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ فُرُوعِ الْعَمَلِ بِالْخَاصِّ أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ لَا فَسْخٌ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] إلَى قَوْلِهِ {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229] وَأَنَّ الطَّلَاقَ بَعْدَ الْخُلْعِ مَشْرُوعٌ عَمَلًا بِالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ {فَإِنْ طَلَّقَهَا} [البقرة: 230] إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ مِنْ هَذَا الْبَابِ غَيْرَ ظَاهِرٍ فَلِهَذَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الثَّانِي مُشِيرًا فِي أَثْنَاءِ تَحْقِيقِهِ إلَى الْأَوَّلِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الطَّلَاقَ الْمُعْقِبَ لِلرَّجْعَةِ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِقَوْلِهِ {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 228] إلَى قَوْلِهِ {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} [البقرة: 228] وَمَرَّةً بِقَوْلِهِ {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 229] أَيْ: التَّطْلِيقُ الشَّرْعِيُّ تَطْلِيقَةٌ بَعْدَ تَطْلِيقَةٍ عَلَى التَّفْرِيقِ دُونَ الْجَمْعِ، كَذَا قِيلَ نَظَرًا إلَى ظَاهِرِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 228] إلَى آخِرِهِ بَيَانٌ لِوُجُوبِ الْعِدَّةِ، وَقَوْلُهُ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيَانِ كَيْفِيَّةِ الطَّلَاقِ وَمَشْرُوعِيَّتِهِ، وَذِكْرُ الطَّلَاقِ أَلْفَ مَرَّةٍ بِدُونِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدٍ وَتَرْتِيبٍ لَا يَقْتَضِي تَعَدُّدَهُ حَتَّى يَكُونَ قَوْلُهُ " فَإِنْ طَلَّقَهَا " بَيَانًا لِلثَّالِثَةِ، بَلْ الصَّوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ مَرَّتَيْنِ قَيْدٌ لِلطَّلَاقِ لَا لِذِكْرِهِ أَيْ: أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الطَّلَاقَ الَّذِي يَكُونُ مَرَّتَيْنِ بِقَوْلِهِ {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] أَيْ: ثِنْتَانِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ، ثُمَّ قَالَ طَلَّقَهَا أَيْ: بَعْدَ الْمَرَّتَيْنِ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَرَّتَيْنِ التَّطْلِيقَتَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ افْتِدَاءَ الْمَرْأَةِ بِقَوْلِهِ {فَإِنْ خِفْتُمْ} [البقرة: 229] أَيْ: عَلِمْتُمْ أَوْ ظَنَنْتُمْ أَيُّهَا الْحُكَّامُ أَنْ لَا يُقِيمَا أَيْ: الزَّوْجَانِ حُدُودَ اللَّهِ أَيْ: حُقُوقَ الزَّوْجِيَّةِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَيْ: فَلَا إثْمَ عَلَى الرَّجُلِ فِيمَا أَخَذَ، وَلَا عَلَى الْمَرْأَةِ فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ نَفْسَهَا، وَفِي تَخْصِيصِ فِعْلِ الْمَرْأَةِ بِالِافْتِدَاءِ تَقْرِيرُ فِعْلِ الزَّوْجِيَّةِ عَلَى مَا سَبَقَ وَهُوَ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا جَمَعَهُمَا فِي قَوْلِهِ أَنْ لَا يُقِيمَا، ثُمَّ خَصَّ جَانِبَ الْمَرْأَةِ مَعَ أَنَّهَا لَا تَتَلَخَّصُ بِالِافْتِدَاءِ إلَّا بِفِعْلِ الزَّوْجِ كَانَ بَيَانًا بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ إنَّ فِعْلَ الزَّوْجِ هُوَ الَّذِي تَقَرَّرَ فِيمَا سَبَقَ وَهُوَ الطَّلَاقُ فَكَانَ هَذَا بَيَانًا لِنَوْعَيْ الطَّلَاقِ أَعْنِي بِغَيْرِ مَالٍ وَبِمَالٍ، وَهُوَ الِافْتِدَاءُ وَصَارَ كَالتَّصْرِيحِ بِأَنَّ فِعْلَ الزَّوْجِ فِي الْخُلْعِ وَافْتِدَاءِ الْمَرْأَةِ طَلَاقٌ لَا فَسْخٌ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ مِنْ
الجزء 1 · صفحة 66
الْأَقْرَبِ.
(فَسَادُ التَّرْكِيبِ) اعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَصِلُ قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ طَلَّقَهَا} [البقرة: 230] بِقَوْلِهِ تَعَالَى {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] وَيَجْعَلُ ذِكْرَ الْخُلْعِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا} [البقرة: 229] إلَى قَوْله تَعَالَى {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 229] مُعْتَرِضًا وَلَمْ يَجْعَلْ الْخُلْعَ طَلَاقًا، بَلْ فَسْخًا وَإِلَّا يَصِرْ الْأَوَّلَانِ مَعَ الْخُلْعِ ثَلَاثَةً فَيَصِيرُ قَوْلُهُ {فَإِنْ طَلَّقَهَا} [البقرة: 230] رَابِعًا وَقَالَ: الْمُخْتَلِعَةُ لَا يَلْحَقُهَا صَرِيحُ الطَّلَاقِ فَإِنَّ قَوْلَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQمَذْهَبِهِ أَنَّهُ طَلَاقٌ لَا فَسْخٌ وَإِلَّا يَلْزَمُ تَرْكُ الْعَمَلِ بِهَذَا الْبَيَانِ الَّذِي هُوَ فِي حُكْمِ الْمَنْطُوقِ وَهُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِتَرْكِ الْعَمَلِ بِالْخَاصِّ وَالْمُصَنِّفُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْكِتَابِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ طَلَّقَهَا أَيْ: بَعْدَ الْمَرَّتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَتَا عَلَى مَالٍ أَوْ بِدُونِهِ فَدَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الطَّلَاقِ بَعْدَ الْخُلْعِ عَمَلًا بِمُوجَبِ الْفَاءِ.
(قَوْلُهُ فَسَادُ التَّرْكِيبِ) هُوَ تَرْكُ الْعَطْفِ عَلَى الْأَقْرَبِ إلَى الْأَبْعَدِ مَعَ تَوَسُّطِ الْكَلَامِ الْأَجْنَبِيِّ، فَإِنْ قِيلَ اتِّصَالُ الْفَاءِ بِقَوْلِهِ {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْمُفَسِّرِينَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ {فَإِنْ طَلَّقَهَا} [البقرة: 230] أَيْ: بَعْدَ الْمَرَّتَيْنِ فَكَيْفَ حَكَمَ بِفَسَادِهِ قُلْنَا الْحُكْمُ بِالْفَسَادِ إنَّمَا هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى {وَلا يَحِلُّ لَكُمْ} [البقرة: 229] إلَخْ كَلَامًا مُعْتَرِضًا مُسْتَقِلًّا وَأَرَادَ فِي بَيَانِ الْخُلْعِ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ إلَى الطَّلْقَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ.
وَأَمَّا عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَعَامَّةُ الْمُفَسِّرِينَ دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ النَّظْمِ، وَهُوَ أَنَّ الِافْتِدَاءَ مُنْصَرِفٌ إلَى الطَّلْقَتَيْنِ وَالْمَعْنَى لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا فِي الطَّلْقَتَيْنِ شَيْئًا إنْ لَمْ يَخَافَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خَافَا ذَلِكَ فَلَا إثْمَ فِي الْأَخْذِ وَالِافْتِدَاءِ فَلَا فَسَادَ؛ لِأَنَّ اتِّصَالَهُ بِقَوْلِهِ {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] هُوَ مَعْنَى اتِّصَالِهِ بِالِافْتِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ عَنْ الطَّلْقَتَيْنِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الطَّلْقَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كِلْتَاهُمَا أَوْ إحْدَاهُمَا خُلْعٌ وَافْتِدَاءٌ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ إشْكَالَانِ: الْأَوَّلُ: لُزُومُ عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ الْخُلْعِ قَبْلَ الطَّلْقَتَيْنِ عَمَلًا بِمُوجِبِ الْفَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا} [البقرة: 229] الْآيَةَ. الثَّانِي: لُزُومُ تَرْبِيعِ الطَّلَاقِ بِقَوْلِهِ {فَإِنْ طَلَّقَهَا} [البقرة: 230] لِتَرَتُّبِهِ عَلَى الْخُلْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الطَّلْقَتَيْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخُلْعَ لَيْسَ بِمُتَرَتِّبٍ عَلَى الطَّلْقَتَيْنِ، بَلْ مُنْدَرِجٌ فِيهِمَا، وَالْمَذْكُورُ عَقِيبَ الْفَاءِ لَيْسَ نَفْعَ الْخُلْعِ، بَلْ إنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ الْخَوْفِ لَا جُنَاحَ فِي الِافْتِدَاءِ لَكِنْ يَرِدُ إشْكَالَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] هُوَ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ بَائِنٌ. وَثَانِيهِمَا: أَنْ لَا يَصِحَّ التَّمَسُّكُ بِالْآيَةِ فِي أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ وَأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الصَّرِيحُ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ هُوَ الطَّلَاقُ عَلَى مَالٍ لَا الْخُلْعُ، وَأُجِيبُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ كَوْنَهُ رَجْعِيًّا إنَّمَا هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْأَخْذِ وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْخُلْعِ لَا الطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الطَّلَاقَ عَلَى مَالٍ أَعَمُّ مِنْ الْخُلْعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِصِيغَةِ الطَّلَاقِ وَقَدْ يَكُونُ بِصِيغَةِ الْخُلْعِ وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَمْ يَقَعْ نِزَاعُ الْخَصْمِ إلَّا فِي أَنَّ مَا يَكُونُ بِصِيغَةِ الْخُلْعِ طَلَاقٌ
الجزء 1 · صفحة 67
{فَإِنْ طَلَّقَهَا} [البقرة: 230] مُتَّصِلٌ بِأَوَّلِ الْكَلَامِ وَوَجْهُ تَمَسُّكِنَا مَذْكُورٌ فِي الْمَتْنِ مَشْرُوحًا.
(وقَوْله تَعَالَى {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} [النساء: 24] الْبَاءُ لَفْظٌ خَاصٌّ يُوجِبُ الْإِلْصَاقَ فَلَا يَنْفَكُّ الِابْتِغَاءُ) أَيْ: الطَّلَبُ.
(وَهُوَ الْعَقْدُ الصَّحِيحُ عَنْ الْمَالِ أَصْلًا فَيَجِبُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ) بِخِلَافِ الْفَاسِدِ فَإِنَّ الْمَهْرَ لَا يَجِبُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ إذَا كَانَ فَاسِدًا.
(خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ) وَالْخِلَافُ هَاهُنَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُفَوَّضَةِ أَيْ: الَّتِي نَكَحَتْ بِلَا مَهْرٍ أَوْ نَكَحَتْ عَلَى أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا لَا يَجِبُ الْمَهْرُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عِنْدَ الْمَوْتِ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى وُجُوبِ الْمَهْرِ إذَا دَخَلَ بِهَا، وَعِنْدَنَا يَجِبُ كَمَالُ مَهْرِ الْمِثْلِ إذَا دَخَلَ بِهَا أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا.
(وقَوْله تَعَالَى {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ} [الأحزاب: 50] خَصَّ فَرْضَ الْمَهْرِ أَيْ: تَقْدِيرَهُ بِالشَّارِعِ فَيَكُونُ أَدْنَاهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَى مَالٍ حَتَّى لَوْ سَلِمَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ نِزَاعُهُ فِي أَنَّهُ طَلَاقٌ وَأَنَّهُ يَلْحَقُهُ صَرِيحُ الطَّلَاقِ، فَإِنْ قِيلَ الْفَاءُ فِي الْآيَةِ لِمُجَرَّدِ الْعَطْفِ مِنْ غَيْرِ تَعْقِيبٍ وَلَا تَرْتِيبٍ، وَإِلَّا لَزِمَ مِنْ إثْبَاتِ مَشْرُوعِيَّةِ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ، وَوُجُوبِ التَّحْلِيلِ بَعْدَهَا مِنْ غَيْرِ سَبْقِ الِافْتِدَاءِ وَالطَّلَاقِ عَلَى الْمَالِ الزِّيَادَةُ عَلَى الْكِتَابِ، بَلْ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالْفَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ طَلَّقَهَا} [البقرة: 230] قُلْنَا لَوْ سَلِمَ فَبِالْإِجْمَاعِ وَالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ كَحَدِيثِ الْعُسَيْلَةِ لَا يُقَالُ التَّرْتِيبُ فِي الذِّكْرِ لَا يُوجِبُ التَّرْتِيبَ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ فِي الْوُجُودِ، وَإِلَّا فَالتَّرْتِيبُ فِي الذِّكْرِ حَاصِلٌ فِي جَمِيعِ حُرُوفِ الْعَطْفِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْبَحْثَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنْ يَكُونَ التَّسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ إشَارَةً إلَى تَرْكِ الرَّجْعَةِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ إشَارَةً إلَى الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ طَلَّقَهَا} [البقرة: 230] بَيَانًا لِحُكْمِ التَّسْرِيحِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ، إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ بَعْدَ الطَّلْقَتَيْنِ مِنْ الْإِمْسَاكِ بِالْمُرَاجَعَةِ أَوْ التَّسْرِيحِ بِالطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ، فَإِنْ آثَرَ التَّسْرِيحَ فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَحِينَئِذٍ لَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى شَرْعِيَّةِ الطَّلَاقِ عَقِيبَ الْخُلْعِ.
(قَوْلُهُ {أَنْ تَبْتَغُوا} [النساء: 24] مَفْعُولٌ لَهُ أَيْ: بَيَّنَ لَكُمْ مَا يَحِلُّ مِمَّا يَحْرُمُ إرَادَةَ أَنْ تَبْتَغُوا النِّسَاءَ بِالْمُهُورِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ، وَالِابْتِغَاءُ هُوَ الطَّلَبُ بِالْعَقْدِ لَا بِالْإِجَارَةِ وَالْمُتْعَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {غَيْرَ مُسَافِحِينَ} [النساء: 24] وَالْمُرَادُ الْعَقْدُ الصَّحِيحُ، إذْ لَا يَجِبُ الْمَهْرُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ إجْمَاعًا، بَلْ يَتَرَاخَى إلَى الْوَطْءِ.
(قَوْلُهُ الْبَاءُ لَفْظٌ خَاصٌّ) يَعْنِي: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْإِلْصَاقِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ تَرْجِيحًا لِلْمَجَازِ عَلَى الِاشْتِرَاطِ.
(قَوْلُهُ وَالْخِلَافُ هَاهُنَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُفَوِّضَةِ) مِنْ التَّفْوِيضِ وَهُوَ التَّسْلِيمُ وَتَرْكُ الْمُنَازَعَةِ اُسْتُعْمِلَ فِي النِّكَاحِ بِلَا مَهْرٍ أَوْ عَلَى أَنْ لَا مَهْرَ لَكِنَّ الْمُفَوِّضَةَ الَّتِي نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِلَا مَهْرٍ لَا تَصْلُحُ مَحَلًّا لِلْخِلَافِ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا غَيْرُ مُنْعَقِدٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، بَلْ الْمُرَادُ مِنْ الْمُفَوِّضَةِ هِيَ الَّتِي أَذِنَتْ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ، أَوْ عَلَى أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا فَزَوَّجَهَا، وَقَدْ يُرْوَى الْمُفَوَّضَةَ بِفَتْحِ الْوَاوِ عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ زَوَّجَهَا بِلَا مَهْرٍ، وَكَذَا الْأَمَةُ إذَا زَوَّجَهَا سَيِّدُهَا بِلَا مَهْرٍ.
(قَوْلُهُ {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا} [الأحزاب: 50]
الجزء 1 · صفحة 68
مُقَدَّرًا خِلَافًا لَهُ) ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَرَضْنَا مَعْنَاهُ قَدَّرْنَا وَتَقْدِيرُ الشَّارِعِ إمَّا أَنْ يَمْنَعَ الزِّيَادَةَ أَوْ يَمْنَعَ النُّقْصَانَ وَالْأَوَّلُ مُنْتَفٍ؛ لِأَنَّ الْأَعْلَى غَيْرُ مُقَدَّرٍ فِي الْمَهْرِ إجْمَاعًا فَتَعَيَّنَ الثَّانِي فَيَكُونُ الْأَدْنَى مُقَدَّرًا، وَلَمَّا لَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ الْمَفْرُوضَ قَدَّرْنَاهُ بِطَرِيقِ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ بِشَيْءٍ هُوَ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا فِي مِثْلِ هَذَا الْبَابِ أَيْ: كَوْنُهُ عِوَضًا لِبَعْضِ أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهَا وُجُوبُ قَطْعِ الْيَدِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كُلُّ مَا يَصْلُحُ ثَمَنًا يَصْلُحُ مَهْرًا، وَقَدْ أَوْرَدَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذَا الْفَصْلِ مَسَائِلَ أُخَرَ أَوْرَدْتُهَا فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ فِي آخِرِ فَصْلِ النَّسْخِ إلَّا مَسْأَلَتَيْنِ تَرَكْتُهُمَا بِالْكُلِّيَّةِ مَخَافَةَ التَّطْوِيلِ وَهُمَا مَسْأَلَتَا الْهَدْمِ وَالْقَطْعِ مَعَ الضَّمَانِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمَشْهُورُ أَنَّ الْفَرْضَ حَقِيقَةٌ فِي الْقَطْعِ وَالْإِيجَابِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ قَدْ عَلِمْنَا مَا أَوْجَبْنَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الْأَزْوَاجِ وَالْإِمَاءِ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالْمَهْرِ بِقَرِينَةِ تَعْدِيَتِهِ بِعَلَى، وَعَطْفِ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ عَلَى الْأَزْوَاجِ مَعَ أَنَّ الثَّابِتَ فِي حَقِّهِنَّ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ فِي الشَّرْعِ، وَذَهَبَ الْأُصُولِيُّونَ إلَى أَنَّ الْفَرْضَ لَفْظٌ خَاصٌّ حَقِيقَةً فِي التَّقْدِيرِ بِدَلِيلِ غَلَبَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ شَرْعًا يُقَالُ فَرَضَ النَّفَقَةَ أَيْ: قَدَّرَهَا {أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} [البقرة: 236] تُقَدِّرُوا وَفَرَضْنَا أَيْ: قَدَّرْنَاهَا وَمِنْهُ الْفَرَائِضُ لِلسِّهَامِ الْمُقَدَّرَةِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ، وَتَعْدِيَتُهُ بِعَلَى لِتَضْمِينِ مَعْنَى الْإِيجَابِ وَقَوْلُهُ {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [الأحزاب: 50] مَعْنَاهُ وَمَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ عَلَى أَنَّ الْفَرْضَ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْإِيجَابِ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا مُخَالِفًا لِتَصْرِيحِ الْأَئِمَّةِ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَطْعِ لُغَةً، وَفِي الْإِيجَابِ شَرْعًا عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: خُصَّ فَرْضُ الْمَهْرِ أَيْ: تَقْدِيرُهُ بِالشَّارِعِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ إسْنَادَ الْفِعْلِ إلَى الْفَاعِلِ حَقِيقَةٌ فِي صُدُورِ الْفِعْلِ عَنْهُ فَيَكُونُ لَفْظُ فَرَضْنَا مِنْ حَيْثُ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْإِسْنَادِ خَاصًّا فِي أَنَّ مُقَدِّرَ الْمَهْرِ هُوَ الشَّارِعُ عَلَى مَا هُوَ وَضْعُ الْإِسْنَادِ، وَهَذَا تَدْقِيقٌ مِنْهُ إلَّا أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِ الْفَرْضِ هَاهُنَا بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ دُونَ الْإِيجَابِ.
(قَوْلُهُ وَهُمَا مَسْأَلَتَا الْهَدْمِ وَالْقَطْعِ مَعَ الضَّمَانِ) هُمَا مَسْأَلَتَانِ خَالَفَ فِيهِمَا الشَّافِعِيُّ أَبَا حَنِيفَةَ مُحْتَجًّا بِأَنَّ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ تَرْكَ الْعَمَلِ بِالْخَاصِّ. تَقْرِيرُ الْأُولَى أَنَّ لَفْظَ حَتَّى فِي قَوْله تَعَالَى {فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] خَاصٌّ فِي الْغَايَةِ، وَأَثَرُ الْغَايَةِ فِي انْتِهَاءِ مَا قَبْلَهَا لَا فِي إثْبَاتِ مَا بَعْدَهَا فَوَطْءُ الزَّوْجِ الثَّانِي يَكُونُ غَايَةً لِلْحُرْمَةِ السَّابِقَةِ لَا مُثْبِتًا لِحِلٍّ جَدِيدٍ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْحِلُّ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ وَهُوَ كَوْنُهَا مِنْ بَنَاتِ آدَمَ خَالِيَةً مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ كَمَا فِي الصَّوْمِ تَنْتَهِي حُرْمَةُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِاللَّيْلِ، ثُمَّ يَثْبُتُ الْحِلُّ بِالْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ، فَوَطْءُ الزَّوْجِ الثَّانِي يَهْدِمُ حُكْمَ مَا مَضَى مِنْ طَلَقَاتِ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ إذَا كَانَتْ ثَلَاثًا لِثُبُوتِ الْحُرْمَةِ بِهَا وَلَا يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلَاثِ، إذْ لَا تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ وَلَا تَصَوُّرَ لِغَايَةِ الشَّيْءِ قَبْلَ وُجُودِ أَصْلِهِ، فَفِي الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلَاثِ أَيْضًا كَمَا هُوَ
الجزء 1 · صفحة 69
(فَصْلٌ: حُكْمُ الْعَامِّ التَّوَقُّفُ عِنْدَ الْبَعْضِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ؛ لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ لِاخْتِلَافِ أَعْدَادِ الْجَمْعِ) فَإِنَّ جَمْعَ الْقِلَّةِ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ مِنْهُ كُلُّ عَدَدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَةِ، وَجَمْعُ الْكَثْرَةِ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ مِنْهُ كُلُّ عَدَدٍ مِنْ الْعَشَرَةِ إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، فَإِنَّهُ إذَا قَالَ لِزَيْدٍ عَلَيَّ أَفْلُسٌ يَصِحُّ بَيَانُهُ مِنْ الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَةِ فَيَكُونُ مُجْمَلًا.
(وَإِنَّهُ يُؤَكَّدُ بِكُلٍّ وَأَجْمَعَ وَلَوْ كَانَ مُسْتَغْرِقًا لَمَا اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ وَطْءَ الزَّوْجِ الثَّانِي مُثْبِتٌ لِحِلٍّ جَدِيدٍ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالْخَاصِّ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّكَاحِ هَاهُنَا الْعَقْدُ بِدَلِيلِ إضَافَتِهِ إلَى الْمَرْأَةِ، وَاشْتِرَاطُ الدُّخُولِ إنَّمَا ثَبَتَ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ وَهُوَ حَدِيثُ الْعُسَيْلَةِ حَيْثُ قَالَ «لَا حَتَّى تَذُوقِي» جَعَلَ الذَّوْقَ غَايَةً لِعَدَمِ الْعَوْدِ فَإِذَا وُجِدَ ثَبَتَ الْعَوْدُ وَهُوَ حَادِثٌ لَا سَبَبَ لَهُ سِوَى الذَّوْقِ، فَيَكُونُ الذَّوْقُ هُوَ الْمُثْبِتُ لِلْحِلِّ، وَبِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» جَعَلَ الزَّوْجَ الثَّانِيَ مُحَلِّلًا أَيْ: مُثْبِتًا لِلْحِلِّ فَفِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ يَكُونُ الزَّوْجُ الثَّانِي مُتَمِّمًا لِلْحِلِّ النَّاقِصِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، وَتَقْرِيرُ الثَّانِيَةِ أَنَّ فِي قَوْله تَعَالَى {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] لَفْظَ الْقَطْعِ خَاصٌّ بِالْإِبَانَةِ عَنْ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةِ إبْطَالِ الْعِصْمَةِ، فَفِي الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقَطْعَ يُوجِبُ إبْطَالَ الْعِصْمَةِ الثَّابِتَةِ لِلْمَالِ قَبْلَ الْقَطْعِ حَتَّى لَا يَجِبَ الضَّمَانُ بِهَلَاكِهِ، أَوْ اسْتِهْلَاكِهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالْخَاصِّ، وَجَوَابُهُ أَنَّ انْتِفَاءَ الضَّمَانِ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {جَزَاءً} [المائدة: 38] فَإِنَّ الْجَزَاءَ الْمُطْلَقَ فِي مَعْرِضِ الْعُقُوبَاتِ مَا يَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ وَاقِعَةً عَلَى حَقِّهِ تَعَالَى، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ تَحَوُّلُ الْعِصْمَةِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الْجِنَايَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ فِعْلِ الْقَطْعِ حَتَّى يَصِيرَ الْمَالُ فِي حَقِّ الْعَبْدِ مُلْحَقًا بِمَا لَا قِيمَةَ لَهُ كَالْعَصِيرِ إذَا تَخَمَّرَ، وَفِي الْمَسْأَلَتَيْنِ اعْتِبَارَاتٌ سُؤَالًا وَجَوَابًا أَعْرَضْنَا عَنْهَا مَخَافَةَ التَّطْوِيلِ
[فَصْلٌ حُكْمُ الْعَامِّ]
(قَوْلُهُ فَصْلٌ) حُكْمُ الْعَامِّ عِنْدَ عَامَّةِ الْأَشَاعِرَةِ التَّوَقُّفُ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ عُمُومٍ، أَوْ خُصُوصٍ، وَعِنْدَ الْبَلْخِيّ وَالْجُبَّائِيِّ الْجَزْمُ بِالْخُصُوصِ كَالْوَاحِدِ فِي الْجِنْسِ وَالثَّلَاثَةِ فِي الْجَمْعِ، وَالتَّوَقُّفُ فِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ إثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي جَمِيعِ مَا يَتَنَاوَلُهُ مِنْ الْأَفْرَادِ قَطْعًا وَيَقِينًا عِنْدَ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ وَعَامَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَظَنًّا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ مَشَايِخِ سَمَرْقَنْدَ حَتَّى يُفِيدَ وُجُوبَ الْعَمَلِ دُونَ الِاعْتِقَادِ، وَيَصِحُّ تَخْصِيصُ الْعَامِّ مِنْ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى مَذْهَبِ التَّوَقُّفِ تَارَةً بِبَيَانِ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي ادَّعَى عُمُومَهَا مُجْمَلٌ، وَأُخْرَى بِبَيَانِ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ أَعْدَادَ الْجَمْعِ مُخْتَلِفَةٌ مِنْ غَيْرِ أَوْلَوِيَّةٍ لِلْبَعْضِ؛ وَلِأَنَّهُ يُؤَكَّدُ بِكُلٍّ وَأَجْمَعَ مِمَّا يُفِيدُ بَيَانَ الشُّمُولِ وَالِاسْتِغْرَاقِ فَلَوْ كَانَ لِلِاسْتِغْرَاقِ لَمَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ فَهُوَ لِلْبَعْضِ وَلَيْسَ بِمَعْلُومٍ فَيَكُونُ مُجْمَلًا.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ فَيَكُونُ
الجزء 1 · صفحة 70
وَلِأَنَّهُ يُذْكَرُ الْجَمْعُ وَيُرَادُ بِهِ الْوَاحِدُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ} [آل عمران: 173] الْمُرَادُ مِنْهُ نُعَيْمُ بْنُ السُّعُودِ أَوْ أَعْرَابِيٌّ آخَرُ، وَالنَّاسُ الثَّانِي أَهْلُ مَكَّةَ.
(وَعِنْدَ الْبَعْضِ يَثْبُتُ الْأَدْنَى، وَهُوَ الثَّلَاثَةُ فِي الْجَمْعِ وَالْوَاحِدُ فِي غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ دَرَاهِمُ تَجِبُ ثَلَاثَةٌ بِاتِّفَاقٍ بَيْنَنَا، وَبَيْنَكُمْ لَكِنَّا نَقُولُ إنَّمَا تَثْبُتُ الثَّلَاثَةُ؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَيَثْبُتُ أَخَصُّ الْخُصُوصِ.
(وَعِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُوجِبُ الْحُكْمَ فِي الْكُلِّ) نَحْوُ جَاءَنِي الْقَوْمُ يُوجِبُ الْحُكْمَ وَهُوَ نِسْبَةُ الْمَجِيءِ إلَى كُلِّ أَفْرَادٍ تَنَاوَلَهَا الْقَوْمُ.
(لِأَنَّ الْعُمُومَ مَعْنًى مَقْصُودٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ) فَإِنَّ الْمَعَانِيَ الَّتِي هِيَ مَقْصُودَةٌ فِي التَّخَاطُبِ قَدْ وُضِعَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQمُشْتَرَكًا بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالْكَثِيرِ فَقَوْلُهُ وَأَنَّهُ يُؤَكَّدُ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِاخْتِلَافِ أَعْدَادِ الْجَمْعِ فَيَكُونُ دَلِيلًا آخَرَ عَلَى الْإِجْمَالِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ التَّوَقُّفِ وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْكُلِّ احْتِرَازًا عَنْ تَرْجِيحِ الْبَعْضِ بِلَا مُرَجِّحٍ فَلَا إجْمَالَ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ التَّأْكِيدَ دَلِيلُ الْعُمُومِ وَالِاسْتِغْرَاقِ وَإِلَّا لَكَانَ تَأْسِيسًا لَا تَأْكِيدًا صَرَّحَ بِذَلِكَ أَئِمَّةُ الْعَرَبِيَّةِ، وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّ الْمَجَازَ رَاجِحٌ عَلَى الِاشْتِرَاكِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ لِلْقَطْعِ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْكَثِيرِ عَلَى أَنَّ كَوْنَ الْجَمْعِ مَجَازًا فِي الْوَاحِدِ مِمَّا أَجَمَعَ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْجَمْعِ هَاهُنَا مَا يَعُمُّ صِيغَةَ الْجَمْعِ كَالرِّجَالِ وَاسْمِ الْجَمْعِ كَالنَّاسِ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ وَاعَدَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ أَنْ يُوَافِيَهُ الْعَامَ الْمُقْبِلَ بِبَدْرٍ الصُّغْرَى فَلَمَّا دَنَّى الْمَوْعِدُ رَعَبَ وَنَدِمَ وَجَعَلَ لِنُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيِّ عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ عَلَى أَنْ يُخَوِّفَ الْمُؤْمِنِينَ فَهُمْ {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} [آل عمران: 173] أَيْ: نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ {إِنَّ النَّاسَ} [آل عمران: 173] أَيْ: أَهْلَ مَكَّةَ {قَدْ جَمَعُوا} [آل عمران: 173] أَيْ: الْجَيْشَ لَكُمْ أَيْ: لِقِتَالِكُمْ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ) اسْتَدَلَّ عَلَى الْمَذْهَبِ الثَّانِي بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إخْلَاءُ اللَّفْظِ مِنْ الْمَعْنَى، وَالْوَاحِدُ فِي الْجِنْسِ وَالثَّلَاثَةُ فِي الْجَمْعِ هُوَ الْمُتَيَقَّنُ؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ الْأَقَلُّ فَهُوَ عَيْنُ الْمُرَادِ، وَإِنْ أُرِيدَ مَا فَوْقَهُ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْمُرَادِ هُوَ الْبَعْضُ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالتَّرْجِيحِ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَوْ سَلِمَ فَالْعُمُومُ رُبَّمَا كَانَ أَحْوَطَ فَيَكُونُ أَرْجَحَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّوْضِيحَ بِقَوْلِهِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ دَرَاهِمُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ عَامًّا، وَعَلَى كَوْنِ الْأَقَلِّ فِي جَمْعِ الْكَثْرَةِ أَيْضًا هُوَ الثَّلَاثَةُ عَلَى خِلَافِ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي دَلِيلِ الْإِجْمَالِ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ مَعْنًى مَقْصُودٌ) اسْتَدَلَّ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ بِالْمَعْقُولِ وَالْإِجْمَاعِ.
أَمَّا الْمَعْقُولُ فَلِأَنَّ الْعُمُومَ مَعْنًى ظَاهِرٌ يَعْقِلُهُ الْأَكْثَرُ وَتَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُوضَعَ لَهُ لَفْظٌ بِحُكْمِ الْعَادَةِ كَكَثِيرٍ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي وُضِعَ لَهَا الْأَلْفَاظُ لِظُهُورِهَا إلَى التَّعْبِيرِ عَنْهَا، فَقَوْلُهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ يَعْنِي: بِالْوَضْعِ لِيُثْبِتَ كَوْنَهُ عَامًّا، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الظَّاهِرَ قَدْ يُسْتَغْنَى عَنْ
الجزء 1 · صفحة 71
الْأَلْفَاظُ لَهَا.
(وَقَدْ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَطْئًا بِمِلْكِ الْيَمِينِ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3] فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى حِلِّ وَطْءِ كُلِّ أَمَةٍ مَمْلُوكَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مُجْتَمِعَةً مَعَ أُخْتِهَا فِي الْوَطْءِ أَوْ لَا.
(وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ وَهِيَ {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} [النساء: 23] تَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ الْجَمْعُ بِطَرِيقِ النِّكَاحِ، أَوْ بِطَرِيقِ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ.
(فَالْمُحَرَّمُ رَاجِحٌ) كَمَا يَأْتِي فِي فَصْلِ التَّعَارُضِ أَنَّ الْمُحَرَّمَ رَاجِحٌ عَلَى الْمُبِيحِ.
(وَابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - جَعَلَ قَوْله تَعَالَى {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ} [الطلاق: 4] نَاسِخًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} [البقرة: 234] حَتَّى جَعَلَ عِدَّةَ حَامِلٍ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ) .
اخْتَلَفَ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي حَامِلٍ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَعْتَدُّ بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْآيَتَيْنِ إحْدَاهُمَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] وَالْأُخْرَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ الْقُصْرَى وَهِيَ قَوْله تَعَالَى {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4] فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْوَضْعِ لَهُ خَاصَّةً بِالْمَجَازِ، أَوْ الِاشْتِرَاكِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَخُصُوصِ الرَّوَائِحِ وَالطُّعُومِ الَّتِي اُكْتُفِيَ فِي التَّعْبِيرِ عَنْهَا بِالْإِضَافَةِ كَرَائِحَةِ الْمِسْكِ عَلَى أَنَّ هَذَا إثْبَاتُ الْوَضْعِ بِالْقِيَاسِ.
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَلِأَنَّهُ ثَبَتَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ الِاحْتِجَاجُ بِالْعُمُومَاتِ وَشَاعَ ذَلِكَ وَذَاعَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَإِنْ قِيلَ فُهِمَ ذَلِكَ بِالْقَرَائِنِ قُلْنَا فَتْحُ هَذَا الْبَابِ يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَثْبُتَ لِلَّفْظِ مَفْهُومٌ ظَاهِرٌ لِجَوَازِ أَنْ يُفْهَمَ بِالْقَرَائِنِ، فَإِنَّ النَّاقِلِينَ لَنَا لَمْ يَنْقُلُوا نَصَّ الْوَاضِعِ، بَلْ أَخَذُوا الْأَكْثَرَ مِنْ تَتَبُّعِ مَوَارِدِ الِاسْتِعْمَالِ.
(قَوْلُهُ وَحَرَّمَتْهُمَا) أَيْ: الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا وَطْئًا آيَةٌ أُخْرَى هِيَ قَوْله تَعَالَى {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} [النساء: 23] عَطْفًا عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ السَّابِقَةِ قِيلَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ لَمَّا حُرِّمَ نِكَاحًا وَهُوَ سَبَبٌ مُفْضٍ إلَى الْوَطْءِ، فَلَأَنْ يُحَرَّمَ وَطْئًا بِمِلْكِ الْيَمِينِ أَوْلَى، فَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذَا حِينَئِذٍ لَا يُعَارِضُ النَّصَّ الْمُبِيحَ؛ لِأَنَّهُ بِطَرِيقِ الْعِبَارَةِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ قَدْ خُصَّتْ مِنْ الْمُبِيحِ الْأَمَةُ الْمَجُوسِيَّةُ، وَالْأُخْتُ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَأُخْتُ الْمَنْكُوحَةِ فَلَمْ يَبْقَ قَطْعِيًّا فَيُعَارِضُهُ النَّصُّ الْمُحَرِّمُ، وَإِنْ كَانَ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ تَحْرِيمَ الْأُخْتَيْنِ وَطْئًا بِمِلْكِ الْيَمِينِ ثَبَتَ أَيْضًا بِالْعِبَارَةِ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى {وَأَنْ تَجْمَعُوا} [النساء: 23] فِي مَعْنَى مَصْدَرٍ مُعَرَّفٍ بِالْإِضَافَةِ أَوْ اللَّامِ أَيْ: جَمْعُكُمْ أَوْ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ فِي النِّكَاحِ، أَوْ فِي الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ.
(قَوْلُهُ فِي مِقْدَارِ مَا تَنَاوَلَهُ الْآيَتَانِ) ؛ لِأَنَّ أُولَاتِ الْأَحْمَالِ لَا يَتَنَاوَلُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الْغَيْرَ الْحَامِلِ {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ} [البقرة: 234] أَيْ: أَزْوَاجُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ لَا يَتَنَاوَلُ الْحَامِلَ الْمُطَلَّقَةَ فَقَوْلُهُ {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ} [الطلاق: 4] بِاعْتِبَارِ إيجَابِ عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُطَلَّقَةِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ لَا يَكُونُ نَاسِخًا وَقَوْلُهُ {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ} [البقرة: 234] بِاعْتِبَارِ إيجَابِ عِدَّةِ
الجزء 1 · صفحة 72
مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ أَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ الْقُصْرَى نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ النِّسَاءِ الطُّولَى، وَقَوْلُهُ {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4] نَزَلَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] فَقَوْلُهُ يَتَرَبَّصْنَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِالْأَشْهُرِ سَوَاءٌ كَانَتْ حَامِلًا أَوْ لَا، وَقَوْلُهُ {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ} [الطلاق: 4] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْحَامِلِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ سَوَاءٌ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، أَوْ طَلَّقَهَا فَجَعَلَ قَوْلَهُ {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ} [الطلاق: 4] نَاسِخًا لِقَوْلِهِ {يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 228] فِي مِقْدَارِ مَا تَنَاوَلَهُ الْآيَتَانِ وَهُوَ مَا إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَتَكُونُ حَامِلًا.
(وَذَلِكَ عَامٌّ كُلُّهُ) أَيْ: النُّصُوصُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَالْعِدَّةِ.
(لَكِنْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ دَلِيلٌ فِيهِ شُبْهَةٌ فَيَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ) أَيْ: تَخْصِيصُ عَامِّ الْكِتَابِ بِكُلِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــQغَيْرِ الْحَامِلِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ لَا يَكُونُ مَنْسُوخًا.
قَوْلُهُ (لَكِنْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -) قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعَامَّ يُوجِبُ الْحُكْمَ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ مِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ مُوجِبَهُ ظَنِّيٌّ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ قَطْعِيٌّ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ احْتِمَالًا نَاشِئًا عَنْ الدَّلِيلِ تَمَسَّكَ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ بِأَنَّ كُلَّ عَامٍّ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ، وَالتَّخْصِيصُ شَائِعٌ فِيهِ كَثِيرٌ بِمَعْنَى أَنَّ الْعَامَّ لَا يَخْلُو عَنْهُ إلَّا قَلِيلًا بِمَعُونَةِ الْقَرَائِنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال: 75] {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} [آل عمران: 109] حَتَّى صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمَثَلِ أَنَّهُ مَا مِنْ عَامٍّ إلَّا وَقَدْ خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ، وَكَفَى بِهَذَا دَلِيلًا عَلَى الِاحْتِمَالِ، وَهَذَا بِخِلَافِ احْتِمَالِ الْخَاصِّ الْمَجَازَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَائِعٍ فِي الْخَاصِّ شُيُوعَ التَّخْصِيصِ فِي الْعَامِّ حَتَّى يَنْشَأَ عَنْهُ احْتِمَالُ الْمَجَازِ فِي الْخَاصِّ، فَإِنْ قِيلَ، بَلْ لَا مَعْنَى لِاحْتِمَالِ الْمَجَازِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ الْمَانِعَةِ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْقَرِينَةِ الْمَانِعَةِ عَنْ إرَادَةِ الْمَوْضُوعِ لَهُ مَأْخُوذٌ فِي تَعْرِيفِ الْمَجَازِ. قُلْنَا احْتِمَالُ الْقَرِينَةِ كَافٍ فِي احْتِمَالِ الْمَجَازِ وَهُوَ قَائِمٌ، إذْ لَا قَطْعَ بِعَدَمِ الْقَرِينَةِ إلَّا نَادِرًا، وَلَمَّا كَانَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مُوجِبَ الْعَامِّ قَطْعِيٌّ اسْتَدَلَّ عَلَى إثْبَاتِهِ أَوَّلًا وَعَلَى بُطْلَانِ مَذْهَبِ الْمُخَالِفِ ثَانِيًا وَأَجَابَ عَنْ تَمَسُّكِهِ ثَالِثًا.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ أَنَّ اللَّفْظَ إذَا وُضِعَ لِمَعْنًى كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَازِمًا ثَابِتًا بِذَلِكَ اللَّفْظِ عِنْدَ إطْلَاقِهِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ وَالْعُمُومُ مِمَّا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ فَكَانَ لَازِمًا قَطْعًا حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ كَالْخَاصِّ يَثْبُتُ مُسَمَّاهُ قَطْعًا حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْمَجَازِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ لَوْ جَازَ إرَادَةُ بَعْضِ مُسَمَّيَاتِ الْعَامِّ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ لَارْتَفَعَ الْأَمَانُ عَنْ اللُّغَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ فَلَا يَسْتَقِيمُ مَا يَفْهَمُ السَّامِعُونَ مِنْ الْعُمُومِ وَعَنْ الشَّارِعِ؛ لِأَنَّ عَامَّةَ خِطَابَاتِ الشَّرْعِ عَامَّةٌ فَلَوْ جَوَّزْنَا إرَادَةَ الْبَعْضِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ لَمَا صَحَّ مِنَّا فَهْمُ الْأَحْكَامِ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ وَلَمَا اسْتَقَامَ مِنَّا الْحُكْمُ بِعِتْقِ جَمِيعِ عَبِيدِ مَنْ قَالَ كُلُّ عَبْدٍ لِي فَهُوَ حُرٌّ، وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى التَّلْبِيسِ
الجزء 1 · صفحة 73
وَاحِدٍ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ.
(لِأَنَّ كُلَّ عَامٍّ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ وَهُوَ شَائِعٌ فِيهِ) أَيْ: التَّخْصِيصُ شَائِعٌ فِي الْعَامِّ (وَعِنْدَنَا هُوَ قَطْعِيٌّ مُسَاوٍ لِلْخَاصِّ وَسَيَجِيءُ مَعْنَى الْقَطْعِيِّ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا لَمْ يُخَصَّ بِقَطْعِيٍّ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مَتَى وُضِعَ لِمَعْنًى كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَازِمًا لَهُ إلَّا أَنْ تَدُلَّ الْقَرِينَةُ عَلَى خِلَافِهِ، وَلَوْ جَازَ إرَادَةُ الْبَعْضِ بِلَا قَرِينَةٍ يَرْتَفِعُ الْأَمَانُ عَنْ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّ خِطَابَاتِ الشَّرْعِ عَامَّةٌ وَالِاحْتِمَالُ الْغَيْرُ النَّاشِئُ عَنْ دَلِيلٍ لَا يُعْتَبَرُ، فَاحْتِمَالُ الْخُصُوصِ هُنَا كَاحْتِمَالِ الْمَجَازِ فِي الْخَاصِّ فَالتَّأْكِيدُ يَجْعَلُهُ مُحْكَمًا)
هَذَا جَوَابٌ عَمَّا قَالَهُ الْوَاقِفِيَّةُ أَنَّهُ مُؤَكَّدٌ بِكُلٍّ أَوْ أَجْمَعَ وَأَيْضًا جَوَابٌ عَمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ، فَنَقُولُ نَحْنُ لَا نَدَّعِي أَنَّ الْعَامَّ لَا احْتِمَالَ فِيهِ أَصْلًا، فَاحْتِمَالُ التَّخْصِيصِ فِيهِ كَاحْتِمَالِ الْمَجَازِ فِي الْخَاصِّ، فَإِذَا أُكِّدَ يَصِيرُ مُحْكَمًا أَيْ: لَا يَبْقَى فِيهِ احْتِمَالٌ أَصْلًا لَا نَاشِئٌ عَنْ دَلِيلٍ وَلَا غَيْرُ نَاشِئٍ عَنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَى السَّامِعِ وَتَكْلِيفِهِ بِالْمُحَالِ، فَإِنْ قِيلَ لَمَّا لَمْ يُكَلِّفْنَا اللَّهُ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْإِرَادَةِ الْبَاطِنَةِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ فَلَزِمَنَا الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ الظَّاهِرِ لَكِنَّهَا بَقِيَتْ فِي حَقِّ الْعِلْمِ فَلَمْ يَلْزَمْنَا الِاعْتِقَادُ الْقَطْعِيُّ، وَمَعَ الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْعُمُومِ الظَّاهِرِ لَا يَرْتَفِعُ الْأَمَانُ قُلْنَا لَمَّا كَانَ التَّكْلِيفُ بِحَسَبِ الْوُسْعِ وَلَيْسَ فِي وُسْعِنَا الْوُقُوفُ عَلَى الْبَاطِنِ لَمْ تُعْتَبَرْ الْإِرَادَةُ الْبَاطِنَةُ فِي حَقِّنَا لَا عِلْمًا وَلَا عَمَلًا، وَأُقِيمَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ مَقَامَ الْبَاطِلِ تَيْسِيرًا، وَبَقِيَ مَا يُفْهَمُ مِنْ الْعُمُومِ الظَّاهِرِ قَطْعِيًّا، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْعِلْمَ عَمَلُ الْقَلْبِ وَهُوَ الْأَصْلُ وَلَمَّا لَمْ تُعْتَبَرْ الْإِرَادَةُ الْبَاطِنَةُ فِي حَقِّ التَّبَعِ وَهُوَ الْعَمَلُ فَأَوْلَى أَنْ لَا تُعْتَبَرَ فِي حَقِّ الْأَصْلِ وَهُوَ الْعِلْمُ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ؛ وَلِأَنَّ عَدَمَ اعْتِبَارِهَا فِي حَقِّ التَّبَعِ احْتِيَاطٌ، وَذَلِكَ فِي حَقِّ الْعَمَلِ دُونَ الْعِلْمِ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ أَقْوَى مِنْ التَّبَعِ فَيَجُوزُ أَنْ لَا يَقْوَى مُثْبِتُ التَّبَعِ عَلَى إثْبَاتِ الْأَصْلِ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ تَمَسُّكِ الْمُخَالِفِ فَقَدْ ذَكَرَهُ عَلَى وَجْهٍ يَسْتَتْبِعُ الْجَوَابَ عَنْ اسْتِدْلَالِ الْقَائِلِينَ بِالتَّوَقُّفِ فِي الْعُمُومِ بِأَنَّهُ يُؤَكَّدُ بِكُلٍّ وَأَجْمَعِينَ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِاحْتِمَالِ الْعَامِّ التَّخْصِيصَ مُطْلَقُ الِاحْتِمَالِ فَهُوَ لَا يُنَافِي الْقَطْعَ بِالْمَعْنَى الْمُرَادِ، وَهُوَ عَدَمُ الِاحْتِمَالِ النَّاشِئِ عَنْ الدَّلِيلِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامُّ قَطْعِيًّا مَعَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ احْتِمَالًا غَيْرَ نَاشِئٍ عَنْ الدَّلِيلِ كَمَا أَنَّ الْخَاصَّ قَطْعِيٌّ مَعَ احْتِمَالِ الْمَجَازِ كَذَلِكَ فَيُؤَكَّدُ الْعَامُّ بِكُلٍّ وَأَجْمَعِينَ لِيَصِيرَ مُحْكَمًا وَلَا يَبْقَى فِيهِ احْتِمَالُ الْخُصُوصِ أَصْلًا كَمَا يُؤَكَّدُ الْخَاصُّ فِي مِثْلِ جَاءَنِي زَيْدٌ نَفْسُهُ أَوْ عَيْنُهُ لِدَفْعِ احْتِمَالِ الْمَجَازِ بِأَنْ يَجِيءَ رَسُولُهُ أَوْ كِتَابُهُ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ احْتِمَالًا نَاشِئًا عَنْ دَلِيلٍ فَهُوَ مَمْنُوعٌ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ شَائِعٌ فِيهِ) وَهُوَ دَلِيلُ الِاحْتِمَالِ قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّخْصِيصَ الَّذِي يُورِثُ الشُّبْهَةَ وَالِاحْتِمَالُ شَائِعٌ فِيهِ، بَلْ هُوَ فِي غَايَةِ
الجزء 1 · صفحة 74
دَلِيلٍ، فَإِنْ قِيلَ احْتِمَالُ الْمَجَازِ الَّذِي فِي الْخَاصِّ ثَابِتٌ فِي الْعَامِّ مَعَ احْتِمَالٍ آخَرَ، وَهُوَ احْتِمَالُ التَّخْصِيصِ فَيَكُونُ الْخَاصُّ رَاجِحًا فَالْخَاصُّ كَالنَّصِّ وَالْعَامُّ كَالظَّاهِرِ، قُلْنَا: لَمَّا كَانَ الْعَامُّ مَوْضُوعًا لِلْكُلِّ كَانَ إرَادَةُ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، وَكَثْرَةُ احْتِمَالَاتِ الْمَجَازِ لَا اعْتِبَارَ لَهَا فَإِذَا كَانَ لَفْظٌ خَاصٍّ لَهُ مَعْنًى وَاحِدٌ مَجَازِيٌّ، وَلَفْظٌ خَاصٌّ آخَرُ لَهُ مَعْنَيَانِ مَجَازِيَّانِ أَوْ أَكْثَرُ وَلَا قَرِينَةَ لِلْمَجَازِ أَصْلًا، فَإِنَّ اللَّفْظَيْنِ مُتَسَاوِيَانِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ بِلَا تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي فَعُلِمَ أَنَّ احْتِمَالَ الْمَجَازِ الْوَاحِدِ الَّذِي لَا قَرِينَةَ لَهُ مُسَاوٍ لِاحْتِمَالِ مَجَازَاتٍ كَثِيرَةٍ لَا قَرِينَةَ لَهَا، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّخْصِيصَ الَّذِي يُورِثُ شُبْهَةً فِي الْعَامِّ شَائِعٌ بِلَا قَرِينَةٍ فَإِنَّ الْمُخَصِّصَ إذَا كَانَ هُوَ الْعَقْلُ أَوْ نَحْوَهُ فَهُوَ فِي حُكْمِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى مَا يَأْتِي، وَلَا يُورِثُ شُبْهَةً فَإِنَّ كُلَّ مَا يُوجِبُ الْعَقْلَ كَوْنُهُ غَيْرَ دَاخِلٍ لَا يَدْخُلُ وَمَا سِوَى ذَلِكَ يَدْخُلُ تَحْتَ الْعَامِّ وَإِنْ كَانَ الْمُخَصِّصُ هُوَ الْكَلَامُ، فَإِنْ كَانَ مُتَرَاخِيًا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُخَصِّصٌ، بَلْ هُوَ نَاسِخٌ. بَقِيَ الْكَلَامُ فِي الْمُخَصِّصِ الَّذِي لَا يَكُونُ مَوْصُولًا وَقَلِيلٌ مَا هُوَ.
(وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ تَعَارُضَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ التَّارِيخُ حُمِلَ عَلَى الْمُقَارَنَةِ) مَعَ أَنَّ فِي الْوَاقِعِ أَحَدَهُمَا نَاسِخٌ، وَالْآخَرَ مَنْسُوخٌ لَكِنْ لَمَّا جَهِلْنَا النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ حَمَلْنَا عَلَى الْمُقَارَنَةِ وَإِلَّا يَلْزَمُ التَّرْجِيحُ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ.
(فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْقِلَّةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بِكَلَامٍ مُسْتَقِلٍّ مَوْصُولٍ بِالْعَامِّ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مُرَادَ الْخَصْمِ بِالتَّخْصِيصِ قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ الْمُسَمَّيَاتِ سَوَاءٌ كَانَ بِغَيْرِ مُسْتَقِلٍّ أَوْ بِمُسْتَقِلٍّ مَوْصُولٍ أَوْ مُتَرَاخٍ، وَلَا شَكَّ فِي شُيُوعِهِ وَكَثْرَتِهِ بِهَذَا الْمَعْنَى فَإِذَا وَقَعَ النِّزَاعُ فِي إطْلَاقِ اسْمِ التَّخْصِيصِ عَلَى مَا يَكُونُ بِغَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ، أَوْ بِالْمُسْتَقِلِّ الْمُتَرَاخِي فَلَهُ أَنْ يَقُولَ قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ شَائِعٌ فِيهِ بِمَعْنَى أَنَّ أَكْثَرَ الْعُمُومَاتِ مَقْصُورٌ عَلَى الْبَعْضِ فَيُورِثُ الشُّبْهَةَ فِي تَنَاوُلِ الْحُكْمِ لِجَمِيعِ الْأَفْرَادِ فِي الْعَامِّ سَوَاءٌ ظَهَرَ لَهُ مُخَصِّصٌ أَمْ لَا، وَيَصِيرُ دَلِيلًا عَلَى احْتِمَالِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْبَعْضِ فَلَا يَكُونُ قَطْعِيًّا وَالْمُصَنِّفُ تَوَهَّمَ أَنَّ مُرَادَ الْخَصْمِ أَنَّ التَّخْصِيصَ شَائِعٌ فِي الْعَامِّ فَيُورِثُ الشُّبْهَةَ فِي تَنَاوُلِهِ لِجَمِيعِ مَا بَقِيَ بَعْدَ التَّخْصِيصِ كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ فِي الْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ فَلَا يَكُونُ قَطْعِيًّا، وَلِهَذَا قَالَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّخْصِيصَ الَّذِي يُورِثُ شُبْهَةً فِي الْعَامِّ شَائِعٌ بِلَا قَرِينَةٍ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ التَّخْصِيصَ أَيْ: الْقَصْرَ عَلَى الْبَعْضِ شَائِعٌ كَثِيرًا فِي الْعُمُومِيَّاتِ بِالْقَرَائِنِ الْمُخَصِّصَةِ فَيُورِثُ شُبْهَةَ الْبَعْضِيَّةِ فِي كُلِّ عَامٍّ فَيَصِيرُ ظَنِّيًّا فِي الْجَمِيعِ وَحِينَئِذٍ لَا يَنْطَبِقُ الْجَوَابُ الْمَذْكُورُ عَلَيْهِ أَصْلًا وَلَا يَكُونُ لِقَوْلِهِ بِلَا قَرِينَةِ مَعْنًى، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُخَصِّصُ هُوَ الْكَلَامُ، فَإِنْ كَانَ مُتَرَاخِيًا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُخَصِّصٌ لَا يَسْتَقِيمُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْمُخَصِّصِ الْأَوَّلِ مَا أَرَادَهُ الْخَصْمُ، وَحِينَئِذٍ لَا فَائِدَةَ فِي مَنْعِ كَوْنِهِ مُخَصِّصًا بِالْمَعْنَى الْآخَرِ الْأَخَصِّ.
(قَوْلُهُ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا) أَيْ: كَوْنُ الْعَامِّ
الجزء 1 · صفحة 75
يَخُصُّ بِهِ، وَعِنْدَنَا يَثْبُتُ حُكْمُ التَّعَارُضِ فِي قَدْرِ مَا تَنَاوَلَاهُ وَإِنْ كَانَ الْعَامُّ مُتَأَخِّرًا يَنْسَخُ الْخَاصَّ عِنْدَنَا، وَإِنْ كَانَ الْخَاصُّ مُتَأَخِّرًا، فَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا يَخُصُّهُ، فَإِنْ كَانَ مُتَرَاخِيًا يَنْسَخُهُ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ عِنْدَنَا) أَيْ: فِي الْقَدْرِ الَّذِي تَنَاوَلَهُ الْعَامُّ، وَالْخَاصُّ وَلَا يَكُونُ الْخَاصُّ نَاسِخًا لِلْعَامِّ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ فِي
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَطْعِيًّا عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّ تَعَارُضَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ بِأَنْ يَدُلَّ أَحَدُهُمَا عَلَى ثُبُوتِ حُكْمٍ، وَالْآخَرُ عَلَى انْتِفَائِهِ، فَإِمَّا أَنْ يُعْلَمَ تَأَخُّرُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ حُمِلَ عَلَى الْمُقَارَنَةِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا فِي الْوَاقِعِ نَاسِخًا لِتَأَخُّرِهِ مُتَرَاخِيًا، وَالْآخَرُ مَنْسُوخًا لِتَقَدُّمِهِ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالْجَوَازِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ فِي الْوَاقِعِ مَوْصُولًا بِالْعَامِّ فَيَكُونَ مُخَصِّصًا لَا نَاسِخًا، وَإِذَا حُمِلَ عَلَى الْمُقَارَنَةِ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُخَصُّ الْعَامُّ بِالْخَاصِّ فِي الْوَاقِعِ؛ لِأَنَّهُ ظَنِّيٌّ وَالْخَاصُّ قَطْعِيٌّ فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ التَّعَارُضِ وَعِنْدَنَا يَثْبُتُ حُكْمُ التَّعَارُضِ فِي الْقَدْرِ الَّذِي تَنَاوَلَهُ الْخَاصُّ، وَالْعَامُّ جَمِيعًا لَا فِي الْقَدْرِ الَّذِي تَفَرَّدَ الْعَامُّ بِتَنَاوُلِهِ فَإِنَّ حُكْمَهُ ثَابِتٌ بِلَا مُعَارِضٍ وَسَيَجِيءُ حُكْمُ تَعَارُضِ النَّصَّيْنِ عِنْدَ الْجَهْلِ بِالتَّارِيخِ مِثَالُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} [البقرة: 234] الْآيَةَ وقَوْله تَعَالَى {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ} [الطلاق: 4] عَلَى رَأْيِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَيَثْبُتُ حُكْمُ التَّعَارُضِ فِي الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا فِي الْحَامِلِ الْمُطَلَّقَةِ، إذْ لَا يَتَنَاوَلُهَا الْأَوَّلُ، وَلَا فِي غَيْرِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، إذْ لَا يَتَنَاوَلُهَا الثَّانِي، فَإِنْ قِيلَ: كُلٌّ مِنْ الْآيَتَيْنِ عَامٌّ قُلْنَا الْمُرَادُ بِالْخَاصِّ هَاهُنَا الْخَاصُّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَامِّ بِأَنْ يَتَنَاوَلَ بَعْضَ أَفْرَادِهِ كُلِّهَا سَوَاءٌ كَانَ خَاصًّا فِي نَفْسِهِ أَوْ عَامًّا مُتَنَاوِلًا لِشَيْءٍ آخَرَ فَيَكُونُ الْعُمُومُ، وَالْخُصُوصُ مِنْ وَجْهٍ كَمَا فِي الْمِثَالِ، أَوْ غَيْرَ مُتَنَاوِلٍ فَيَكُونُ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ مُطْلَقًا كَمَا فِي اُقْتُلُوا الْكَافِرِينَ وَلَا تَقْتُلُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ، فَإِنْ عُلِمَ التَّارِيخُ فَالْمُتَأَخِّرُ إمَّا الْعَامُّ وَإِمَّا الْخَاصُّ فَعَلَى الْأَوَّلِ الْعَامُّ نَاسِخٌ لِلْخَاصِّ، وَعَلَى الثَّانِي الْخَاصُّ مُخَصِّصٌ لِلْعَامِّ إنْ كَانَ مَوْصُولًا بِهِ وَنَاسِخٌ لَهُ فِي قَدْرِ مَا تَنَاوَلَاهُ إنْ كَانَ مُتَرَاخِيًا عَنْهُ كَمَا فِي الْآيَتَيْنِ عَلَى رَأْيِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ} [الطلاق: 4] مُتَرَاخٍ عَنْ قَوْله تَعَالَى {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} [البقرة: 234] فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ عَامٌّ مِنْ وَجْهٍ، وَخَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ يَكُونُ مِثَالًا لِتَأَخُّرِ الْعَامِّ عَنْ الْخَاصِّ وَعَكْسُهُ وَيَكُونُ نَاسِخًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ} [البقرة: 234] فِي حَقِّ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، فَإِنْ قُلْت انْتِسَاخُ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ الْمُتَأَخِّرِ يَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يُقَيَّدَ بِقَدْرِ مَا تَنَاوَلَاهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْخَاصَّ يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَ أَفْرَادًا لَا يَتَنَاوَلُهَا الْعَامُّ فَلَا يُنْسَخُ فِي حَقِّهَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ} [البقرة: 234] فِي حَقِّ غَيْرِ الْحَامِلِ قُلْت هُوَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ يَكُونُ عَامًّا لَا خَاصًّا، وَإِنَّمَا يَكُونُ خَاصًّا مِنْ حَيْثُ تَنَاوُلُهُ لِبَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ، فَالْخَاصُّ الْمُتَقَدِّمُ يُنْسَخُ بِالْعَامِّ فِي حَقِّ كُلِّ مَا تَنَاوَلَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ خَاصٌّ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّقْيِيدِ وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ إذَا عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعَامِّ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ عَامًّا مِنْ حَيْثُ
الجزء 1 · صفحة 76
ذَلِكَ الْقَدْرِ فَقَطْ (حَتَّى لَا يَكُونَ الْعَامُّ عَامًّا مُخَصَّصًا) ، بَلْ يَكُونُ قَطْعِيًّا فِي الْبَاقِي لَا كَالْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ.
(فَصْلٌ: قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ مُسْتَقِلٍّ) أَيْ: بِكَلَامٍ يَتَعَلَّقُ بِصَدْرِ الْكَلَامِ وَلَا يَكُونُ تَامًّا بِنَفْسِهِ، وَالْمُسْتَقِلُّ مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ كَلَامًا أَوْ لَمْ يَكُنْ. (وَهُوَ) أَيْ: غَيْرُ الْمُسْتَقِلِّ. (الِاسْتِثْنَاءُ وَالشَّرْطُ وَالصِّفَةُ وَالْغَايَةُ) فَالِاسْتِثْنَاءُ يُوجِبُ قَصْرَ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ، وَالشَّرْطُ يُوجِبُ قَصْرَ صَدْرِ الْكَلَامِ عَلَى بَعْضِ التَّقَادِيرِ، نَحْوَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ، وَالصِّفَةُ تُوجِبُ الْقَصْرَ عَلَى مَا يُوجَدُ فِيهِ الصِّفَةُ، نَحْو: فِي الْإِبِلِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ، وَالْغَايَةُ تُوجِبُ الْقَصْرَ عَلَى الْبَعْضِ الَّذِي جَعَلَ الْغَايَةَ حَدًّا لَهُ، نَحْوَ قَوْله تَعَالَى {أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] وَنَحْوَ {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] . (أَوْ بِمُسْتَقِلٍّ وَهُوَ) أَيْ:
ـــــــــــــــــــــــــــــQتَنَاوُلُهُ لِلْخَاصِّ الْمُتَأَخِّرِ وَغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ حَتَّى لَا يَكُونَ) تَفْرِيعٌ عَلَى جَعْلِ الْخَاصِّ الْمُتَرَاخِي نَاسِخًا لَا مُخَصِّصًا يَعْنِي: يَكُونُ الْعَامُّ فِيمَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْخَاصُّ قَطْعِيًّا لَا ظَنِّيًّا كَمَا إذَا كَانَ الْخَاصُّ الْمُتَأَخِّرُ مَوْصُولًا بِهِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ
[فَصْلٌ قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ]
(قَوْلُهُ فَصْلُ قَصْرِ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ) تَخْصِيصٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ مُسْتَقِلٍّ، أَوْ بِمُسْتَقِلٍّ وَالْأَوَّلُ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ، بَلْ إنْ كَانَ بِإِلَّا وَأَخَوَاتِهَا فَالِاسْتِثْنَاءُ وَإِلَّا، فَإِنْ كَانَ بِإِنْ وَمَا يُؤَدِّي مُؤَدَّاهَا فَشَرْطٌ وَإِلَّا، فَإِنْ كَانَ بِإِلَى وَمَا يُفِيدُ مَعْنَاهَا فَغَايَةٌ وَإِلَّا فَصِفَةٌ نَحْوُ «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ» أَوْ غَيْرِهَا، نَحْوَ جَاءَنِي الْقَوْمُ أَكْثَرُهُمْ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ فِي الْأَرْبَعَةِ وَالثَّانِي هُوَ التَّخْصِيصُ سَوَاءٌ كَانَ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ أَوْ الْعَقْلِ أَوْ الْحِسِّ أَوْ الْعَادَةِ أَوْ نُقْصَانِ بَعْضِ الْأَفْرَادِ أَوْ زِيَادَتِهِ، وَفُسِّرَ غَيْرُ الْمُسْتَقِلِّ بِكَلَامٍ يَتَعَلَّقُ بِصَدْرِ الْكَلَامِ وَلَا يَكُونُ تَامًّا بِنَفْسِهِ لَا يُقَالُ إنَّهُ غَيْرُ شَامِلٍ لِلشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْجَزَاءِ، وَالِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، نَحْوَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَمَا جَاءَنِي إلَّا زَيْدًا أَحَدٌ لِتَعَلُّقِهِمَا بِآخِرِ الْكَلَامِ لَا بِصَدْرِهِ وَلَا لِلْوَصْفِ بِالْجُمَلِ، نَحْوُ لَا تُكْرِمْ رَجُلًا أَبُوهُ جَاهِلٌ، وَالِاسْتِثْنَاءُ بِمِثْلِ لَيْسَ زَيْدًا وَلَا يَكُونُ زَيْدًا؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ تَامٌّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ بِصَدْرِ الْكَلَامِ مَا هُوَ مُتَقَدِّمٌ فِي الِاعْتِبَارِ سَوَاءٌ قُدِّمَ فِي الذِّكْرِ أَوْ أُخِّرَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الشَّيْءِ أَوَّلًا، ثُمَّ إخْرَاجُ الْبَعْضِ مِنْهُ أَوْ تَعْلِيقُهُ وَقَصْرُهُ عَلَى بَعْضِ التَّقَادِيرِ، وَالْمُرَادُ بِالْكَلَامِ الْغَيْرِ التَّامِّ مَا لَا يُفِيدُ الْمَعْنَى لَوْ ذُكِرَ مُنْفَرِدًا، وَالْجُمَلُ الْوَصْفِيَّةُ وَالِاسْتِثْنَاءُ بِمِثْلِ لَيْسَ زَيْدًا وَلَا يَكُونُ زَيْدًا كَذَلِكَ لِاحْتِيَاجِهَا إلَى مَرْجِعِ الضَّمِيرِ، فَإِنْ قُلْت لَا مَعْنَى لِلْقَصْرِ إلَّا ثُبُوتَ الْحُكْمِ لِلْبَعْضِ، وَنَفْيَهُ عَنْ الْبَعْضِ، وَهَذَا قَوْلٌ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ وَالشَّرْطِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ قُلْت، بَلْ الْمُرَادُ هَاهُنَا يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْبَعْضِ وَلَا يَدُلُّ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ لَا نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا حَتَّى
الجزء 1 · صفحة 77
الْقَصْرُ بِمُسْتَقِلٍّ (التَّخْصِيصُ وَهُوَ إمَّا بِالْكَلَامِ أَوْ غَيْرِهِ وَهُوَ إمَّا الْعَقْلُ) الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلَى غَيْرِهِ. (نَحْوَ {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 102] يَعْلَمُ ضَرُورَةً أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَخْصُوصٌ مِنْهُ، وَتَخْصِيصُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ مِنْ خِطَابَاتِ الشَّرْعِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. وَأَمَّا الْحِسُّ نَحْوَ {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23] وَأَمَّا الْعَادَةُ نَحْوُ لَا يَأْكُلُ رَأْسًا يَقَعُ عَلَى الْمُتَعَارَفِ وَأَمَّا كَوْنُ بَعْضِ الْأَفْرَادِ نَاقِصًا فَيَكُونُ اللَّفْظُ أَوْلَى بِالْبَعْضِ الْآخَرِ، نَحْوَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ لَا يَقَعُ عَلَى الْمُكَاتَبِ وَيُسَمَّى مُشَكِّكًا أَوْ زَائِدًا) عَطْفٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــQلَوْ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَلَوْ انْعَدَمَ انْعَدَمَ بِالْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ، وَبِهَذَا يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَنْ إشْكَالٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ كَوْنَ الشَّرْطِ لِلْقَصْرِ عَلَى بَعْضِ التَّقَادِيرِ إنَّمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى مَجْمُوعُ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ كَلَامٌ وَاحِدٌ مُوجِبٌ لِلْحُكْمِ عَلَى تَقْدِيرٍ، وَسَاكِتٌ عَنْ سَائِرِ التَّقَادِيرِ حَتَّى إنَّ مُجَرَّدَ الْجَزَاءِ بِمَنْزِلَةِ أَنْتِ مِنْ أَنْتِ طَالِقٌ لَيْسَ هُوَ مُفِيدًا لِلْحُكْمِ عَلَى جَمِيعِ التَّقَادِيرِ، وَالشَّرْطِ تَعْلِيقًا وَقَصْرًا لَهُ عَلَى الْبَعْضِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَوَابٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْلَا الشَّرْطُ لَأَفَادَ الْكَلَامُ الْحُكْمَ عَلَى جَمِيعِ التَّقَادِيرِ فَحِينَ عُلِّقَ بِالشَّرْطِ لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ قَصَرَهُ عَلَى الْبَعْضِ، وَكَذَا الْكَلَامُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ، فَإِنْ قِيلَ جَعَلَ الْمُسْتَقِلَّ هَاهُنَا مُخَصِّصًا مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْمُتَرَاخِي وَغَيْرِهِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْمُتَرَاخِيَ نَسْخٌ لَا تَخْصِيصٌ قُلْنَا التَّخْصِيصُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا يَتَنَاوَلُ النَّسْخَ فَلَا يُقَيَّدُ بِعَدَمِ التَّرَاخِي وَلِهَذَا يُقَالُ النَّسْخُ تَخْصِيصٌ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا يُقَابِلُهُ، وَهُوَ الْمُقَيَّدُ بِعَدَمِ التَّرَاخِي وَالْقَوْلُ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى غَيْرِ الْمُتَرَاخِي يُوجِبُ بُطْلَانَ كَلَامِ الْقَوْمِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ، مِثْلَ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَتَخْصِيصِ بَعْضِ الْآيَاتِ بِالْبَعْضِ مَعَ التَّرَاخِي.
(قَوْلُهُ وَأَمَّا الْحِسُّ) فِيهِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّ الْمُدْرَكَ بِالْحِسِّ هُوَ أَنَّ لَهُ كَذَا وَكَذَا. وَأَمَّا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ بِالْعَقْلِ لَا غَيْرُ، وَفِي التَّمْثِيلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23] رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَجْرِي فِي الْخَبَرِ كَالنَّسْخِ.
(قَوْلُهُ وَأَمَّا الْعَادَةُ) فَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رَأْسًا فَالرَّأْسُ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا عُرْفًا فِي رَأْسِ كُلِّ حَيَوَانٍ إلَّا أَنَّهُ مَعْلُومٌ عَادَةً أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، إذْ لَا يَدْخُلُ فِيهِ عَادَةً رَأْسُ الْعُصْفُورِ وَالْجَرَادِ فَيُخَصُّ بِمَا يَكُونُ مُتَعَارَفًا بِأَنْ يُكْبَسَ فِي التَّنَانِيرِ وَيُبَاعَ مَشْوِيًّا وَبِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ الْعَادَاتِ بِحَسَبِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ خَصَّهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوَّلًا بِرَأْسِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْإِبِلِ، وَثَانِيًا بِرَأْسِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَهُمَا بِرَأْسِ الْغَنَمِ خَاصَّةً.
(قَوْلُهُ وَيُسَمَّى مُشَكِّكًا) يَعْنِي: اللَّفْظَ الْمَوْضُوعَ لِمَعْنًى لَا يَسْتَوِي فِيهِ جَمِيعُ أَفْرَادِهِ، بَلْ تَخْتَلِفُ بِالشِّدَّةِ وَالضَّعْفِ كَالْمَمْلُوكِ فِي الْقِنِّ وَالْمُكَاتَبِ أَوْ بِالْأَوْلَوِيَّةِ أَوْ بِالتَّقَدُّمِ، وَالتَّأَخُّرِ كَالْوُجُودِ فِي الْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ يُسَمَّى مُشَكِّكًا؛ لِأَنَّهُ يَشُكُّ النَّاظِرُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُشْتَرَكِ أَوْ الْمُتَوَاطِئِ أَعْنِي: مَا وُضِعَ لِمَعْنًى وَاحِدٍ يَسْتَوِي فِيهِ الْأَفْرَادُ فَلَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي فَهُوَ حُرٌّ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمُكَاتَبُ لِنُقْصَانِ الْمِلْكِ
الجزء 1 · صفحة 78
عَلَى قَوْلِهِ نَاقِصًا أَيْ: وَأَمَّا كَوْنُ بَعْضِ أَفْرَادِهِ زَائِدَةً. (كَالْفَاكِهَةِ لَا تَقَعُ عَلَى الْعِنَبِ فَفِي غَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ) أَيْ: فِيمَا إذَا كَانَ الشَّيْءُ الْمُوجِبُ لِقَصْرِ الْعَامِّ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ (وَهُوَ) أَيْ: الْعَامُّ (حَقِيقَةٌ فِي الْبَاقِي)
؛ لِأَنَّ الْوَاضِعَ وَضَعَ اللَّفْظَ الَّذِي اسْتَثْنَى مِنْهُ لِلْبَاقِي. (وَهُوَ) أَيْ: الْعَامُّ. (حُجَّةٌ بِلَا شُبْهَةٍ فِيهِ) أَيْ: فِي الْبَاقِي، وَهَذَا إذَا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مَعْلُومًا.
أَمَّا إذَا كَانَ مَجْهُولًا فَلَا (وَفِي الْمُسْتَقْبَلِ كَلَامًا أَوْ غَيْرَهُ) أَيْ: فِيمَا إذَا كَانَ الْقَاصِرُ مُسْتَقِلًّا وَيُسَمَّى هَذَا تَخْصِيصًا سَوَاءٌ كَانَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQفِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ رَقَبَةً لَا يَدًا حَتَّى يَكُونَ أَحَقَّ بِمَكَاسِبِهِ، وَلَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى اسْتِكْسَابَهُ وَلَا وَطْءَ الْمُكَاتَبَةِ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ، فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ تَتَأَدَّى الْكَفَّارَةُ بِالْمُكَاتَبِ دُونَ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ قُلْنَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الرِّقِّ وَهُوَ فِي الْمُكَاتَبِ كَامِلٌ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَالْكِتَابَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْفَسْخِ وَاشْتِرَاطُ الْمِلْكِ إنَّمَا هُوَ بِقَدْرِ مَا يَصِحُّ بِهِ التَّحْرِيرُ وَهُوَ حَاصِلٌ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ فَإِنَّ الرِّقَّ فِيهِمَا نَاقِصٌ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ فِيهِمَا مِنْ جِهَةِ الْعِتْقِ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ فَاكِهَةً، وَلَا نِيَّةَ لَهُ لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ وَالرُّمَّانِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ فَاكِهَةً لُغَةً وَعُرْفًا إلَّا أَنَّ فِيهِ مَعْنًى زَائِدًا عَلَى التَّفَكُّهِ أَيْ: التَّلَذُّذِ وَالتَّنَعُّمِ وَهُوَ الْغِذَائِيَّةُ وَقِوَامُ الْبَدَنِ بِهِ فَبِهَذِهِ الزِّيَادَةِ يُخَصُّ عَنْ مُطْلَقِ الْفَاكِهَةِ.
(قَوْلُهُ فَفِي غَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ) اخْتَلَفُوا فِي الْعَامِّ الَّذِي أُخْرِجَ مِنْهُ الْبَعْضُ، هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْبَاقِي أَمْ مَجَازٌ؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مَجَازٌ، وَقَالَتْ الْحَنَابِلَةُ حَقِيقَةٌ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ حَقِيقَةٌ إنْ كَانَ الْبَاقِي غَيْرَ مُنْحَصِرٍ أَيْ: لَهُ كَثْرَةٌ يَعْسُرُ الْعِلْمُ بِقَدْرِهَا وَإِلَّا فَمَجَازٌ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ حَقِيقَةٌ إنْ كَانَ بِغَيْرِ مُسْتَقِلٍّ مِنْ شَرْطٍ، أَوْ صِفَةٍ أَوْ اسْتِثْنَاءٍ، أَوْ غَايَةٍ، وَمَجَازٌ إنْ كَانَ بِمُسْتَقِلٍّ مِنْ عَقْلٍ، أَوْ سَمْعٍ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ حَقِيقَةٌ إنْ كَانَ بِشَرْطٍ أَوْ اسْتِثْنَاءٍ لَا صِفَةٍ وَغَيْرِهَا، وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ حَقِيقَةٌ إنْ كَانَ بِشَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ لَا اسْتِثْنَاءٍ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ حَقِيقَةٌ إنْ كَانَ بِدَلِيلٍ لَفْظِيٍّ اتَّصَلَ أَوْ انْفَصَلَ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: حَقِيقَةٌ فِي تَنَاوُلِهِ، مَجَازٌ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ إخْرَاجَ الْبَعْضِ إنْ كَانَ بِغَيْرِ مُسْتَقِلٍّ فَصِيغَةُ الْعَامِّ حَقِيقَةٌ فِي الْبَاقِي، وَإِنْ كَانَ بِمُسْتَقِلٍّ فَهِيَ فِي الْبَاقِي مَجَازٌ مِنْ حَيْثُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ مِنْ حَيْثُ التَّنَاوُلُ لَهُ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي أُخْرِجَ مِنْهُ الْبَعْضُ بِاسْتِثْنَاءٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ غَايَةٍ مَوْضُوعٌ لِلْبَاقِي مَثَلًا إذَا قَالَ عَبِيدُهُ أَحْرَارٌ إلَّا سَالِمًا فَالْعَبِيدُ الْمُخْرَجُ مِنْهُمْ سَالِمٌ مَوْضُوعٌ لِلْبَاقِي، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ الْوَضْعَ الشَّخْصِيَّ بِمَعْنَى أَنَّهُ وَضَعَ هَذَا اللَّفْظَ لِلْمَجْمُوعِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَلِلْبَاقِي عِنْدَ اقْتِرَابِهِ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ وَإِلَّا لَكَانَ مُشْتَرَكًا وَسَيَجِيءُ فِي فَصْلِ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مُتَنَاوِلٌ لِلْمَجْمُوعِ، وَإِنَّمَا الِاسْتِثْنَاءُ يَمْنَعُ دُخُولَ الْمُسْتَثْنَى فِي الْحُكْمِ، وَإِنْ أَرَادَ الْوَضْعَ النَّوْعِيَّ
الجزء 1 · صفحة 79
الْمُخَصِّصُ كَلَامًا أَوْ غَيْرَهُ (مَجَازٌ) أَيْ: لَفْظُ الْعَامِّ مَجَازٌ فِي الْبَاقِي. (بِطَرِيقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ مِنْ حَيْثُ الْقَصْرُ) أَيْ: مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى الْبَاقِي. (حَقِيقَةٌ مِنْ حَيْثُ التَّنَاوُلُ) أَيْ: مِنْ حَيْثُ إنَّ لَفْظَ الْعَامِّ مُتَنَاوِلٌ لِلْبَاقِي يَكُونُ حَقِيقَةً فِيهِ. (عَلَى مَا يَأْتِي فِي فَصْلِ الْمَجَازِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ حُجَّةٌ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ كَوْنِهِ) أَيْ: التَّخْصِيصِ (بِالْكَلَامِ أَوْ غَيْرِهِ) فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ قَالُوا كُلُّ عَامٍّ خُصَّ بِمُسْتَقِلٍّ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا فِي هَذَا الْحُكْمِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُخَصِّصُ كَلَامًا أَوْ غَيْرَهُ.
(لَكِنْ يَجِبُ هُنَاكَ فَرْقٌ وَهُوَ أَنَّ الْمَخْصُوصَ بِالْعَقْلِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَطْعِيًّا؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الِاسْتِثْنَاءِ لَكِنَّهُ حَذَفَ الِاسْتِثْنَاءَ مُعْتَمِدًا عَلَى الْعَقْلِ عَلَى أَنَّهُ مَفْرُوغٌ عَنْهُ حَتَّى لَا نَقُولَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة: 6] وَنَظَائِرُهُ دَلِيلٌ فِيهِ شُبْهَةٌ) ، وَهَذَا فَرْقٌ تَفَرَّدْت بِذِكْرِهِ وَهُوَ وَاجِبُ الذِّكْرِ حَتَّى لَا يُتَوَهَّمَ أَنْ خِطَابَاتِ الشَّرْعِ الَّتِي خُصَّ مِنْهَا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ بِالْعَقْلِ دَلِيلٌ فِيهِ شُبْهَةٌ كَالْخِطَابَاتِ الْوَارِدَةِ بِالْفَرَائِضِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ جَاحِدُهَا إجْمَاعًا مَعَ كَوْنِهَا مَخْصُوصَةً عَقْلًا، فَإِنَّ التَّخْصِيصَ بِالْعَقْلِ لَا يُورِثُ شُبْهَةً
ـــــــــــــــــــــــــــــQبِمَعْنَى أَنَّهُ ثَبَتَ مِنْ الْوَاضِعِ أَنَّهُ إذَا قَرَنَ اللَّفْظَ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَنَحْوِهِ يَكُونُ مَعْنَاهُ الْبَاقِي فَاللَّفْظُ لَا يَصِيرُ بِهَذَا حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ أَيْضًا كَذَلِكَ عَلَى مَا سَيَجِيءُ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي بَحْثِ الِاسْتِثْنَاءِ بِأَنَّ الذَّاهِبِينَ إلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْبَاقِي وَالِاسْتِثْنَاءُ قَرِينَةٌ عَلَى ذَلِكَ قَائِلُونَ بِأَنَّهُ مَجَازٌ فِيهِ.
هَذَا وَلِنُنَبِّهكَ عَلَى فَائِدَةٍ جَلِيلَةٍ وَهِيَ أَنَّ الْوَضْعَ النَّوْعِيَّ قَدْ يَكُونُ بِثُبُوتِ قَاعِدَةٍ دَالَّةٍ عَلَى أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ يَكُونُ بِكَيْفِيَّةِ كَذَا فَهُوَ مُتَعَيِّنٌ لِلدَّلَالَةِ بِنَفْسِهِ عَلَى مَعْنًى مَخْصُوصٍ يُفْهَمُ مِنْهُ بِوَاسِطَةِ تَعَيُّنِهِ لَهُ، مِثْلُ الْحُكْمِ بِأَنَّ كُلَّ اسْمٍ آخِرُهُ أَلْفٌ أَوْ بَاءٌ مَفْتُوحَةٌ مَا قَبْلَهَا وَنُونٌ مَكْسُورَةٌ فَهُوَ لِفَرْدَيْنِ مِنْ مَدْلُولِ مَا أُلْحِقَ بِآخِرِهِ هَذِهِ الْعَلَامَةُ وَكُلُّ اسْمٍ غُيِّرَ إلَى نَحْوِ رِجَالٍ وَمُسْلِمِينَ وَمُسْلِمَاتٍ فَهُوَ لِجَمْعٍ مِنْ مُسَمَّيَاتِ ذَلِكَ الِاسْمِ، وَكُلُّ جَمْعٍ عُرِّفَ بِاللَّامِ فَهُوَ لِجَمِيعِ تِلْكَ الْمُسَمَّيَاتِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَمِثْلُ هَذَا مِنْ بَابِ الْحَقِيقَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْضُوعَاتِ الشَّخْصِيَّةِ بِأَعْيَانِهَا، بَلْ أَكْثَرُ الْحَقَائِقِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ كَالْمُثَنَّى الْمَجْمُوعِ وَالْمُصَغَّرِ وَالْمَنْسُوبِ وَعَامَّةِ الْأَفْعَالِ وَالْمُشْتَقَّاتِ، وَالْمُرَكَّبَاتِ وَبِالْجُمْلَةِ كُلُّ مَا يَكُونُ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَعْنَى بِالْهَيْئَةِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَقَدْ يَكُونُ بِثُبُوتِ قَاعِدَةٍ دَالَّةٍ عَلَى أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ مُعَيَّنٍ لِلدَّلَالَةِ بِنَفْسِهِ عَلَى مَعْنًى فَهُوَ عِنْدَ الْقَرِينَةِ الْمَانِعَةِ عَنْ إرَادَةِ ذَلِكَ الْمَعْنَى مُتَعَيِّنٌ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الْمَعْنَى تَعَلُّقًا مَخْصُوصًا، وَدَالٌّ عَلَيْهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ بِوَاسِطَةِ الْقَرِينَةِ لَا بِوَاسِطَةِ هَذَا التَّعْيِينِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَثْبُتْ مِنْ الْوَاضِعِ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ لَكَانَتْ دَلَالَتُهُ عَلَيْهِ، وَفَهْمُهُ مِنْهُ عِنْدَ قِيَامِ الْقَرِينَةِ بِحَالِهَا، وَمِثْلُهُ مَجَازٌ؛ لِتَجَاوُزِهِ الْمَعْنَى الْأَصْلِيَّ، فَالْوَضْعُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُرَادُ بِهِ تَعْيِينُ اللَّفْظِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى مَعْنًى بِنَفْسِهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ التَّعْيِينُ
الجزء 1 · صفحة 80
فَإِنَّ.
(كُلَّ مَا يُوجِبُ الْعَقْلُ تَخْصِيصَهُ يُخَصُّ وَمَا لَا فَلَا. وَأَمَّا الْمَخْصُوصُ بِالْكَلَامِ فَعِنْدَ الْكَرْخِيِّ لَا يَبْقَى حُجَّةً أَصْلًا مَعْلُومًا كَانَ الْمَخْصُوصُ كَالْمُسْتَأْمَنِ)
حَيْثُ خُصَّ مِنْ قَوْله تَعَالَى {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5]
ـــــــــــــــــــــــــــــQبِأَنْ يُفْرَدَ اللَّفْظُ بِعَيْنِهِ بِالتَّعْيِينِ أَوْ بِدَرْجٍ فِي الْقَاعِدَةِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّعْيِينِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْوَضْعِ الْمَأْخُوذِ فِي تَعْرِيفِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَيَشْمَلُ الْوَضْعَ الشَّخْصِيَّ وَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ النَّوْعَيْنِ فَلَفْظُ الْأُسُودِ فِي مِثْلِ قَوْلِنَا رَكِبْت الْأُسُودَ مِنْ حَيْثُ قُصِدَ بِهِ الشُّجْعَانُ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَمِنْ حَيْثُ قُصِدَ بِهِ الْعُمُومُ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا وُضِعَ لَهُ فَلْيُتَدَبَّرْ.
وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَلِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْكُلِّ فَإِذَا أَخْرَجَ مِنْهُ الْبَعْضَ بَقِيَ مُسْتَعْمَلًا فِي الْبَاقِي، وَهُوَ غَيْرُ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَيَكُونُ مَجَازًا مِنْ حَيْثُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْبَعْضِ إلَّا أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْبَاقِيَ كَمَا كَانَ يَتَنَاوَلُهُ قَبْلَ التَّخْصِيصِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ التَّنَاوُلُ، وَإِنَّمَا طَرَأَ عَدَمُ إرَادَةِ الْبَعْضِ، وَهُوَ لَا يُوجِبُ تَغَيُّرَ صِفَةِ التَّنَاوُلِ لِلْبَاقِي فَيَكُونُ حَقِيقَةً مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَسَيَجِيءُ فِي فَصْلِ الْمَجَازِ أَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْنَى الْوَاحِدِ يَكُونُ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ حَيْثِيَّتَيْنِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ وَضْعَيْنِ.
وَأَمَّا بِحَسَبِ وَضْعٍ وَاحِدٍ فَذَلِكَ الْمَعْنَى، إمَّا نَفْسُ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَيَكُونُ اللَّفْظُ حَقِيقَةً أَوْ غَيْرُهُ فَيَكُونُ مَجَازًا نَعَمْ لَوْ كَانَتْ صِيغَةُ الْعُمُومِ مَوْضُوعَةً لِلْكُلِّ، وَالْبَعْضِ بِالِاشْتِرَاكِ لَكَانَتْ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهَا فِي الْبَاقِي مَجَازًا مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ لِلْكُلِّ، وَحَقِيقَةً مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ لِلْبَعْضِ إلَّا أَنَّ التَّقْدِيرَ أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ خَاصَّةً لَا يُقَالُ مُرَادُهُ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْمَجَازِ أَعْنِي: إطْلَاقَ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ حَقِيقَةٌ قَاصِرَةٌ عَلَى مَا هُوَ مُصْطَلَحُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْحَقِيقَةُ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يُقَابِلُ مُطْلَقَ الْمَجَازِ وَلَا إشَارَةَ إلَيْهِ فِي فَصْلِ الْمَجَازِ عَلَى مَا وَعَدَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْبَاقِيَ لَيْسَ نَفْسَ الْمَوْضُوعِ لَهُ إلَّا أَنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا يَكُونُ مَجَازًا فِيهِ إذَا كَانَتْ إرَادَتُهُ بِاسْتِعْمَالٍ ثَانٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ بِالِاسْتِعْمَالِ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا طَرَأَ عَلَيْهِ عَدَمُ إرَادَةِ الْبَعْضِ، وَهُوَ لَا يُوجِبُ التَّغْيِيرَ فِي الِاسْتِعْمَالِ فَكَمَا أَنَّ تَنَاوُلَ الْعَبِيدِ لِغَيْرِ سَالِمٍ لَيْسَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ عِنْدَ عَدَمِ إخْرَاجِهِ فَكَذَا عِنْدَ إخْرَاجِهِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَقْصُورُ عَلَى الْبَعْضِ بِغَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ أَيْضًا حَقِيقَةً فِي الْكُلِّ بِحَسَبِ التَّنَاوُلِ، وَإِنْ أُخْرِجَ الْبَعْضُ عَنْ الدُّخُولِ فِي الْحُكْمِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ فِي فَصْلِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَإِنْ قِيلَ: فَمَا وَجْهُ فَرْقِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا بَيْنَ الْمُسْتَقِلِّ وَغَيْرِهِ قُلْنَا لَمَّا كَانَ بِغَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ صِيَغٌ مَخْصُوصَةٌ مَضْبُوطَةٌ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ إنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلْبَاقِي عِنْدَ انْضِمَامِهِ إلَى إحْدَى تِلْكَ الصِّيَغِ بِخِلَافِ الْمُسْتَقِلِّ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَحْصُورٍ، فَلَا يَنْضَبِطُ بِاعْتِبَارِ الْوَضْعِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِانْتِقَاضِهِ بِالصِّفَةِ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي تَحْقِيقِ كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي التَّنَاوُلِ أَنَّ الْعَامَّ بِمَنْزِلَةِ تَكْرِيرِ الْآحَادِ الْمُتَعَدِّدَةِ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى الرِّجَالِ فُلَانٌ فُلَانٌ فُلَانٌ إلَى أَنْ يَسْتَوْعِبَ
الجزء 1 · صفحة 81
بِقَوْلِهِ {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ} [التوبة: 6] . (أَوْ مَجْهُولًا كَالرِّبَا) حَيْثُ خُصَّ مِنْ قَوْله تَعَالَى {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] (لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مَجْهُولًا صَارَ الْبَاقِي مَجْهُولًا؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ كَالِاسْتِثْنَاءِ إذْ هُوَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ) أَيْ: التَّخْصِيصُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَخْصُوصَ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْعَامِّ كَالِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى لَمْ يَدْخُلْ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ إنْ كَانَ مَجْهُولًا يَكُونُ الْبَاقِي فِي صَدْرِ الْكَلَامِ مَجْهُولًا وَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ. (وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا فَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّلًا؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ مُسْتَقِلٌّ) وَالْأَصْلُ فِي النُّصُوصِ التَّعْلِيلُ. (وَلَا يُدْرَى كَمْ يَخْرُجُ بِالتَّعْلِيلِ فَيَبْقَى الْبَاقِي مَجْهُولًا، وَعِنْدَ الْبَعْضِ إنْ كَانَ مَعْلُومًا بَقِيَ الْعَامُّ فِيمَا وَرَاءَ الْمَخْصُوصِ كَمَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ كَالِاسْتِثْنَاءِ) فِي أَنَّهُ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ (فَلَا يُقْبَلُ التَّعْلِيلُ) إذْ الِاسْتِثْنَاءُ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيلَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ، وَفِي صُورَةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْعَامِّ حُجَّةٌ فِي الْبَاقِي
ـــــــــــــــــــــــــــــQإنَّمَا وُضِعَ الرِّجَالُ اخْتِصَارًا لِذَلِكَ لَا شَكَّ أَنَّ فِي تَكْرِيرِ الْآحَادِ إذَا بَطَلَ إرَادَةُ الْبَعْضِ لَمْ يَصِرْ الْبَاقِي مَجَازًا فَكَذَا هَاهُنَا وَأُجِيبُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ كَتَكْرِيرِ الْآحَادِ، بَلْ هُوَ مَوْضُوعٌ لِلْكُلِّ فَبِإِخْرَاجِ الْبَعْضِ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ فَيَكُونُ مَجَازًا بِخِلَافِ الْمُتَكَرِّرِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مَوْضُوعٌ لِمَعْنَاهُ فَبِإِخْرَاجِ الْبَعْضِ لَا يَصِيرُ الْبَاقِي مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَعْنَاهُ، وَمَقْصُودُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ بَيَانُ الْحِكْمَةِ فِي وَضْعِهِ لَا أَنَّهُ مِثْلُ الْمُتَكَرِّرِ بِعَيْنِهِ، وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ حَقِيقَةَ صِيغَةِ الْعُمُومِ لِلْكُلِّ وَمَعَ ذَلِكَ فَهِيَ حَقِيقَةٌ فِيمَا وَرَاءَ الْمَخْصُوصِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَتَنَاوَلُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ كُلٌّ لَا بَعْضٌ كَالِاسْتِثْنَاءِ يُصَيِّرُ الْكَلَامَ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى بِطَرِيقِ أَنَّهُ كُلٌّ لَا بَعْضٌ حَتَّى لَوْ كَانَ الْبَاقِي دُونَ الثُّلُثِ فَهُوَ كُلٌّ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ أَيْضًا بِصِيغَةِ الْعُمُومِ نَظَرًا إلَى احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ فَلَوْ قَالَ: مَمَالِيكِي أَحْرَارٌ إلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا وَلَا مَمْلُوكَ لَهُ سِوَاهُمَا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ صَحِيحًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى بَعْضًا إذَا كَانَ سِوَاهُمَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: مَمَالِيكِي أَحْرَارٌ إلَّا مَمَالِيكِي.
1 -
(قَوْلُهُ أَيْ: لَفْظُ الْعَامِّ مَجَازٌ) كَانَ الْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ أَيْ: لَفْظُ الْعَامِّ بِالْوَصْفِ دُونَ الْإِضَافَةِ، إذْ الْكَلَامُ فِي صِيَغِ الْعُمُومِ لَا فِي لَفْظِ الْعَامِّ عَلَى مَا يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُ مَنْ قَالَ إنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي اشْتِرَاطِ الِاسْتِغْرَاقِ، فَإِنْ اُشْتُرِطَ كَانَ إطْلَاقُ لَفْظِ الْعَامِّ عَلَى مَا أُخْرِجَ مِنْهُ الْبَعْضُ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ عَامٌّ لَوْلَا الْإِخْرَاجُ، وَإِنْ اكْتَفَى بِانْتِظَامِ جَمْعٍ مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ حَتَّى يَنْتَهِيَ التَّخْصِيصُ إلَى مَا دُونَ الثَّلَاثِ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ حُجَّةٌ) تَقْرِيرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْعَامَّ الْمَقْصُورَ عَلَى الْبَعْضِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلَى الْبَعْضِ بِغَيْرِ مُسْتَقِلٍّ أَوْ بِمُسْتَقِلٍّ فَعَلَى الْأَوَّلِ إنْ كَانَ الْمُخَصِّصُ الْمُخْرِجُ مَعْلُومًا فَهُوَ حُجَّةٌ بِلَا شُبْهَةٍ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْقَصْرِ عَلَى الْبَعْضِ لِعَدَمِ