الجزء 1 · صفحة 5
[خِطْبَة الْكتاب]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا فِي الْبِدَايَةِ لِمَعْرِفَةِ الْهِدَايَةِ، وَرَعَانَا بِعَيْنِ الْعِنَايَةِ فِي النِّهَايَةِ عَنْ الْجَهْلِ وَالْغَوَايَةِ، وَجَعَلْنَا مِمَّنْ آمَنَ بِمَا أَنْزَلَ وَاتَّبَعَ الرُّسُلَ وَوُفِّقَ لِلدِّرَايَةِ، وَخَصَّنَا بِأَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْأُمَمِ بِفَضْلٍ مِنْهُ وَكَمَالِ الرِّعَايَةِ. أَحْمَدُهُ عَلَى إفَاضَةِ حُكْمِهِ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى سَوَابِغِ نِعَمِهِ، وَأُصَلِّي عَلَى مَنْ اصْطَفَاهُ اللَّهُ لِلرِّسَالَةِ، فَكَانَ خَازِنًا عَلَى وَحْيِهِ حَامِيًا أَمِينًا، وَحَبَاهُ بِمَعْرِفَةِ أُمِّ الْكِتَابِ مَعْدِنِ الْأَنْوَارِ وَالْأَسْرَارِ فَكَانَ إمَامًا حَاوِيًا مُبِينًا، مُحَمَّدٍ الْمَبْعُوثِ إلَى الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ بِالْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ الْمُعْجِزِ الْمُنَوِّرِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْقَائِمِينَ بِنُصْرَةِ الدِّينِ الْقَوِيمِ الْأَزْهَرِ، وَالصَّفْوَةِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أُمَّتِهِ الْوَارِثِينَ لِعِلْمِهِ الْعَزِيزِ الْأَنْوَرِ.
يَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إلَى رَحْمَةِ رَبِّهِ الْحَفِيِّ، مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَنَفِيُّ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَعَامَلَهُمْ بِلُطْفِهِ الْخَفِيِّ: [أَمَّا بَعْدُ] فَإِنَّ كِتَابَ الْهِدَايَةِ لِمَئِنَّةِ الْهِدَايَةِ، لِاحْتِوَائِهِ عَلَى أُصُولِ الدِّرَايَةِ وَانْطِوَائِهِ عَلَى مُتُونِ الرِّوَايَةِ،
الجزء 1 · صفحة 6
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْلَى مَعَالِمَ الْعِلْمِ وَأَعْلَامَهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــQخَلَصَتْ مَعَادِنُ أَلْفَاظِهِ مِنْ خُبْثِ الْإِسْهَابِ، وَخَلَتْ نَقُودُ مَعَانِيهِ عَنْ زَيْفِ الْإِيجَازِ وَبَهْرَجِ الْإِطْنَابِ، فَبَرَزَ بُرُوزَ الْإِبْرِيزِ مُرَكَّبًا مِنْ مَعْنًى وَجِيزٍ، تَمَشَّتْ فِي الْمَفَاصِلِ عُذُوبَتُهُ، وَفِي الْأَفْكَارِ رِقَّتُهُ، وَفِي الْعُقُولِ حِدَّتُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَرُبَّمَا خَفِيَتْ جَوَاهِرُهُ فِي مَعَادِنِهَا، وَاسْتَتَرَتْ لَطَائِفُهُ فِي مَكَامِنِهَا.
فَلِذَلِكَ تَصَدَّى الشَّيْخُ الْإِمَامُ وَالْقَرْمُ الْهُمَامُ، جَامِعُ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مُقَرِّرُ مَبَانِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ، حُسَامُ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ السِّغْنَاقِيُّ سَقَى اللَّهُ ثَرَاهُ وَجَعَلَ الْجَنَّةَ مَثْوَاهُ؛ لِإِبْرَازِ ذَلِكَ وَالتَّنْقِيرِ عَمَّا هُنَالِكَ، فَشَرَحَهُ شَرْحًا وَافِيًا وَبَيَّنَ مَا أَشْكَلَ مِنْهُ بَيَانًا شَافِيًا، وَسَمَّاهُ النِّهَايَةَ لِوُقُوعِهِ فِي نِهَايَةِ التَّحْقِيقِ، وَاشْتِمَالِهِ عَلَى مَا هُوَ الْغَايَةُ فِي التَّدْقِيقِ، لَكِنْ وَقَعَ فِيهِ بَعْضُ إطْنَابٍ، لَا بِحَيْثُ أَنْ يُهْجَرَ لِأَجْلِهِ الْكِتَابُ، وَلَكِنْ يَعْسُرُ اسْتِحْضَارُهُ وَقْتَ إلْقَاءِ الدَّرْسِ عَلَى الطُّلَّابِ، وَكَانُوا يَقْتَرِحُونَ عِنْدَ الْمُذَاكَرَةِ أَنْ أَخْتَصِرَهُ عَلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ حَلُّ أَلْفَاظِ الْهِدَايَةِ وَبَيَانُ مَبَانِيهِ، وَيَحْصُلُ بِهِ تَطْبِيقُ الْأَدِلَّةِ عَلَى تَقْرِيرِ أَحْكَامِهِ وَمَعَانِيهِ.
وَكُنْت أَمْتَنِعُ عَنْ ذَلِكَ غَايَةَ الِامْتِنَاعِ وَأُسَوِّفُهُمْ مِنْ الْأَعْوَامِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ، وَكَانَ امْتِنَاعِي يَزِيدُهُمْ غَرَامًا وَتَسْوِيفِي يُفِيدُهُمْ هُيَامًا، فَلَمْ نَزَلْ عَلَى هَذَا الْمِنْهَاجِ حَتَّى أَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ بِالْحِجَاجِ، فَاسْتَخَرْت اللَّهَ تَعَالَى وَأَقْدَمْت عَلَى هَذَا الْخَطْبِ الْخَطِيرِ، وَتَضَرَّعْت بِضَرَاعَةِ الطَّلَبِ إلَى الْعَالِمِ الْخَبِيرِ فِي اسْتِنْزَالِ كِلَاءَتِهِ عَنْ الزَّلَلِ فِي التَّحْرِيرِ وَالتَّقْرِيرِ، وَجَمَعْت مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ مِنْ الشُّرُوحِ مَا ظَنَنْت أَنَّهُ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ وَيَكُونُ الِاعْتِمَادُ وَقْتَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ، وَأَشَرْت إلَى مَا يَتِمُّ بِهِ مُقَدَّمَاتُ الدَّلِيلِ وَتَرْتِيبُهُ، وَلَمْ آلُ جَهْدًا فِي تَنْقِيحِهِ وَتَهْذِيبِهِ، وَأَوْرَدْت مَبَاحِثَ لَمْ أَظْفَرْ عَلَيْهَا فِي كِتَابٍ، وَلَمْ تَصِلْ إلَيَّ عَنْ أَحَدٍ لَا بِرِسَالَةٍ وَلَا خِطَابٍ، بَلْ كَانَ خَاطِرِي أَبَا عُذْرِهِ وَمُقْتَضِبَ حُلْوِهِ وَمُرِّهِ. وَسَمَّيْته (الْعِنَايَةَ) لِحُصُولِهِ بِعَوْنِ اللَّهِ وَالْعِنَايَةِ، وَسَأَلْت اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ كَمَا نَفَعَ بِأَصْلِهِ، إنَّهُ أَكْرَمُ مَسْئُولٍ وَأَعَزُّ مَأْمُولٍ.
ثُمَّ إنِّي أَرْوِي كِتَابَ الْهِدَايَةِ عَنْ شَيْخِي الْعَلَّامَةِ إمَامِ الْهُدَى مَعْدِنِ التَّقِيِّ، فَرِيدِ عَصْرِهِ وَوَحِيدِ دَهْرِهِ، قُدْوَةِ الْعُلَمَاءِ عُمْدَةِ الْفُضَلَاءِ، قِوَامِ الْحَقِّ وَالْمِلَّةِ وَالدِّينِ الْكَاكِيِّ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ، وَهُوَ يَرْوِيهِ عَنْ شَيْخَيْهِ الْعَلَّامَتَيْنِ الْإِمَامَيْنِ الْهُمَامَيْنِ الْمُجْتَهِدَيْنِ مَوْلَانَا عَلَاءِ الدِّينِ عَبْدِ الْعَزِيزِ صَاحِبِ الْكَشْفِ وَمَوْلَانَا حُسَامِ الدِّينِ حُسَيْنٍ السِّغْنَاقِيِّ صَاحِبِ النِّهَايَةِ، بَرَّدَ اللَّهُ مَضْجَعَهُمَا وَنَوَّرَ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ مَهْجَعَهُمَا.
وَهُمَا يَرْوِيَانِهِ عَنْ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ السَّالِكِ النَّاسِكِ الْبَارِعِ الْوَرِعِ التَّقِيِّ النَّقِيِّ أُسْتَاذِ الْعُلَمَاءِ مَوْلَانَا حَافِظِ الدِّينِ الْكَبِيرِ، وَعَنْ قُطْبِ الْمُجْتَهِدِينَ وَقُدْوَةِ الْمُحَقِّقِينَ وَأُسْوَةِ الْمُتَّقِينَ مَوْلَانَا فَخْرِ الدِّينِ الْمَايَمُرْغِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً، وَهُمَا يَرْوِيَانِهِ عَنْ أُسْتَاذِ أَئِمَّةِ الدُّنْيَا مُظْهِرِ كَلِمَةِ اللَّهِ الْعُلْيَا شَمْسِ الْأَئِمَّةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السِّتَارِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَرْدَرِيِّ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَرِضْوَانِهِ، وَهُوَ يَرْوِيهِ عَنْ شَيْخِهِ شَيْخِ شُيُوخِ الْإِسْلَامِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَى الْأَنَامِ، مُرْشِدِ عُلَمَاءِ الدَّهْرِ مَا تَكَرَّرَتْ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ، وَالْمَخْصُوصِ بِالْعِنَايَةِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُمْ وَلِوَالِدَيْهِمْ وَلَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَأَثَابَنَا الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ وَخَتَمَ لَنَا بِخَيْرٍ فِي عَافِيَةٍ أَجْمَعِينَ، إنَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْلَى مَعَالِمَ الْعِلْمِ وَأَعْلَامَهُ) اللَّامُ فِي الْحَمْدِ لِلْجِنْسِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ
الجزء 1 · صفحة 7
وَأَظْهَرَ شَعَائِرَ الشَّرْعِ وَأَحْكَامَهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــQلِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ، وَجَعْلُهُ لِلِاسْتِغْرَاقِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَلِلْعَهْدِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِبَادَ خَالِقُونَ لِأَفْعَالِهِمْ فَيَسْتَحِقُّونَ مِنْ الْحَمْدِ مَا يُقَابِلُهَا فَلَا يَكُونُ الِاسْتِغْرَاقُ صَحِيحًا لَيْسَ بِوَاضِحٍ؛ لِأَنَّ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ مَنْ جَعَلَهُ لِلْعَهْدِ: أَعْنِي الذِّهْنِيَّ، وَصَاحِبُ الْكَشَّافِ جَعَلَهُ لِلْجِنْسِ. وَالْحَمْدُ هُوَ الْوَصْفُ بِالْجَمِيلِ عَلَى جِهَةِ التَّفْضِيلِ، فَقَوْلُنَا هُوَ الْوَصْفُ كَالْجِنْسِ، وَقَوْلُنَا بِالْجَمِيلِ أَخْرَجَ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَوْلُنَا عَلَى جِهَةِ التَّفْضِيلِ أَخْرَجَ مَا يَكُونُ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِهْزَاءِ وَالتَّهَكُّمِ، وَالْكَلَامُ فِي اسْمِ الْجَلَالَةِ مِنْ كَوْنِهِ مَنْقُولًا أَوْ مُرْتَجَلًا مُشْتَقًّا أَوْ غَيْرِهِ عَلَمًا أَوْ غَيْرِهِ لَيْسَ مِمَّا يَهُمُّنَا
الجزء 1 · صفحة 8
وَبَعَثَ رُسُلًا وَأَنْبِيَاءَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -. إلَى سُبُلِ الْحَقِّ هَادِينَ، وَأَخْلَفَهُمْ عُلَمَاءَ إلَى سُنَنِ سُنَنِهِمْ دَاعِينَ، يَسْلُكُونَ فِيمَا لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُمْ مَسْلَكَ الِاجْتِهَادِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْآنَ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ الْمَعْنَى الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذَا اللَّفْظُ أَوْ جَمِيعُ أَفْرَادِ ذَلِكَ ثَابِتٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِالِاخْتِصَاصِ، وَهُوَ كَمَا تَرَى يُفِيدُ كَوْنَ اللَّهِ تَعَالَى مَحْمُودًا صَدَرَ الْحَمْدُ مِنْ حَامِدٍ أَوْ لَا. وَالْمَعَالِمُ جَمْعُ مَعْلَمٍ وَأَرَادَ بِهِ أُصُولَ الشَّرْعِ لِكَوْنِهَا مَدَارَك الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، وَالْأَعْلَامُ عُلَمَاؤُهُ، وَالشَّعَائِرُ جَمْعُ شَعِيرَةٍ، قِيلَ وَالْمُرَادُ بِهَا مَا يُؤَدَّى مِنْ الْعِبَادَاتِ عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِهَارِ كَالْأَذَانِ وَالْجُمُعَةِ وَصَلَاةِ الْعِيدِ وَالْأُضْحِيَّةِ، وَالشَّرْعُ بِمَعْنَى الْمَشْرُوعِ أَوْ بِمَعْنَى الشَّارِعِ، وَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ إقَامَةِ الْمُظْهَرِ مَقَامَ الضَّمِيرِ أَوْ بِمَعْنَى الشَّرِيعَةِ، يُقَالُ شَرْعُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا يُقَالُ شَرِيعَةُ مُحَمَّدٍ.
وَأَحْكَامُ الشَّرْعِ هِيَ الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ وَالصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ وَغَيْرُهَا، وَحَمْلُ الشَّعَائِرِ عَلَى الْأَسْبَابِ وَالْعِلَلِ وَالشُّرُوطِ وَالْعَلَامَاتِ أَنْسَبُ لِلْأَحْكَامِ، وَيَكُونُ إشَارَةً إلَى بَرَاعَةِ الِاسْتِهْلَالِ، فَإِنَّ كِتَابَهُ هَذَا مُشْتَمِلٌ عَلَى الْأَحْكَامِ مُبَيَّنَةٌ بِذَلِكَ.
قَالَ (وَبَعَثَ رُسُلًا وَأَنْبِيَاءً - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -) قِيلَ: الرَّسُولُ هُوَ النَّبِيُّ الَّذِي مَعَهُ كِتَابٌ مُوسَى وَعِيسَى - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. وَالنَّبِيُّ هُوَ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ كِتَابٌ كَيُوشَعَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُوَ الظَّاهِرُ.
وَقَوْلُهُ (هَادِينَ) أَيْ مُبَيِّنِينَ طُرُقَ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ، وَاعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِأَنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ كَوْنِهِ الْأَصْلَ الْمُحْتَاجَ إلَى ذِكْرِهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَكِنْ جَمَعَهُ تَعْظِيمًا لَهُ وَإِجْلَالًا لِقَدْرِهِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ.
وَقَوْلُهُ (دَاعِينَ) كَقَوْلِهِ هَادِينَ فِي كَوْنِهِ صِفَةً مَادِحَةً، وَقَوْلُهُ (يَسْلُكُونَ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِعُلَمَاء وَأَنْ يَكُونَ حَالًا لِاتِّصَافِهِ أَوَّلًا بِدَاعِينَ، وَالنَّكِرَةُ الْمَوْصُوفَةُ جَازَ أَنْ يَقَعَ عَنْهَا الْحَالُ مُتَأَخِّرًا، وَأَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافًا كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ: كَيْفَ دَعَوْتُهُمْ إلَى سُنَنِ سُنَنِهِمْ؟ فَقَالَ: يَسْلُكُونَ فِيمَا لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُمْ: أَيْ لَمْ يُوجَدْ عَنْهُمْ مَأْثُورًا: أَيْ مَرْوِيًّا مَسْلَكَ الِاجْتِهَادِ، وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ عَنْ الْمَأْثُورِ مِنْهُمْ إذَا وَجَدُوهُ، وَأَنَّهُمْ مُتَّبِعُوهُمْ عَلَى الدَّوَامِ لِأَنَّهُمْ إنْ وَجَدُوا مَأْثُورًا عَنْهُمْ عَمِلُوا بِهِ وَاتَّبَعُوهُمْ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدُوا تَبِعُوهُمْ فِي طَرِيقِهِمْ وَإِذَا لَمْ يُوحَ إلَيْهِمْ، وَهُوَ الِاجْتِهَادُ وَهُوَ اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ
الجزء 1 · صفحة 9
مُسْتَرْشِدِينَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ وَلِيُّ الْإِرْشَادِ، وَخَصَّ أَوَائِلَ الْمُسْتَنْبِطِينَ بِالتَّوْفِيقِ حَتَّى وَضَعُوا مَسَائِلَ مِنْ كُلِّ جَلِيٍّ وَدَقِيقٍ غَيْرَ أَنَّ الْحَوَادِثَ مُتَعَاقِبَةُ الْوُقُوعِ، وَالنَّوَازِلُ يَضِيقُ عَنْهَا نِطَاقُ الْمَوْضُوعِ، وَاقْتِنَاصُ الشَّوَارِدِ بِالِاقْتِبَاسِ مِنْ الْمَوَارِدِ، وَالِاعْتِبَارُ بِالْأَمْثَالِ مِنْ صَنْعَةِ الرِّجَالِ، وَبِالْوُقُوفِ عَلَى الْمَآخِذِ يُعَضُّ عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ.
وَقَدْ جَرَى عَلَى الْوَعْدِ فِي مَبْدَإِ بِدَايَةِ الْمُبْتَدِي أَنْ أَشْرَحَهَا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى شَرْحًا أَرْسُمُهُ بِكِفَايَةِ الْمُنْتَهِي، فَشَرَعْت فِيهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالظَّنِّ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَقَدْ قَرَّرْنَا شُرُوطَهُ وَحُكْمَهُ فِي التَّقْرِيرِ.
وَقَوْلُهُ (مُسْتَرْشِدِينَ) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ يَسْلُكُونَ. وَأَرَادَ بِأَوَائِلِ الْمُسْتَنْبِطِينَ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - بِدَلِيلِ قَوْلِهِ حَتَّى وَضَعُوا مَسَائِلَ مِنْ كُلِّ جَلِيٍّ وَدَقِيقٍ، فَإِنَّهُمْ الَّذِينَ تَوَلَّوْا تَمْهِيدًا قَوَاعِدَ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَتَبْيِينَهَا، وَالْمُرَادُ بِالْجَلِيِّ الْمَسَائِلُ الْقِيَاسِيَّةُ لِظُهُورِ إدْرَاكِهَا غَالِبًا، وَبِالدَّقِيقِ الْمَسَائِلُ الِاسْتِحْسَانِيّة لِخَفَاءِ إدْرَاكِهَا، قِيلَ مَا وَضَعَهُ أَصْحَابُنَا مِنْ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ هُوَ أَلْفُ أَلْفٍ وَمِائَةُ أَلْفٍ وَسَبْعُونَ أَلْفًا وَنَيِّفُ مَسْأَلَةٍ.
وَقَوْلُهُ (غَيْرَ أَنَّ الْحَوَادِثَ) مَنْصُوبٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى وَضَعُوا، وَهُوَ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إذَا كَانَ أَوَائِلُ الْمُسْتَنْبِطِينَ وَضَعُوا مَسَائِلَ مِنْ كُلِّ جَلِيٍّ وَدَقِيقٍ فَأَيُّ حَاجَةٍ تَدْعُو إلَى الِاسْتِنْبَاطِ وَالتَّصْنِيفِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُمْ وَإِنْ وَضَعُوا ذَلِكَ إلَّا أَنَّ الْحَوَادِثَ (مُتَعَاقِبَةُ الْوُقُوعِ، وَالنَّوَازِلَ) أَيْ الْوَاقِعَاتِ (يَضِيقُ عَنْهَا نِطَاقُ الْمَوْضُوعِ) وَالنِّطَاقُ هُوَ الْمِنْطَقَةُ اُسْتُعِيرَ هُنَا لِلْأَجْوِبَةِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ السَّلَفِ فِي الْفَتَاوَى، وَالِاقْتِنَاصُ الِاصْطِيَادُ، وَالشَّوَارِدُ جَمْعُ شَارِدَةٍ وَهِيَ الْآبِدَةُ، الْقَبَسُ شُعْلَةٌ مِنْ نَارٍ، يُقَالُ اقْتَبَسْت مِنْهُ نَارًا وَاقْتَبَسْت مِنْهُ عِلْمًا: أَيْ اسْتَفَدْته، وَالْمَوَارِدُ جَمْعُ الْمَوْرِدِ، اسْتَعَارَ الشَّوَارِدَ لِلْأَحْكَامِ الْمُسْتَخْرَجَةِ مِنْ الْأُصُولِ بِالِاسْتِنْبَاطِ بِجَامِعِ عُسْرِ الْوُصُولِ إلَى الْمَقْصُودِ، وَاسْتَعَارَ الْمَوَارِدَ لِلْأُصُولِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا مَحَلُّ الْوُصُولِ: يَعْنِي كَمَا أَنَّ اصْطِيَادَ الصُّيُودِ النَّافِرَةِ مِنْ مَوَارِدِهَا وَمَنَاهِلِهَا فَكَذَا اصْطِيَادُ الْحَوَادِثِ الْفِقْهِيَّةِ مِنْ الْأُصُولِ: أَيْ الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ وَالْإِجْمَاعِ بِالِاعْتِبَارِ، وَبَيَّنَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ لَيْسَ صَنْعَةَ كُلِّ أَحَدٍ بَلْ مِنْ صَنْعَةِ الرِّجَالِ الْكَامِلِينَ فِي الرُّجُولِيَّةِ. وَقَوْلُهُ (بِالْوُقُوفِ عَلَى الْمَآخِذِ) خَبَرٌ ثَانٍ لِقَوْلِهِ وَالِاعْتِبَارُ بِالْأَمْثَالِ.
وَقَوْلُهُ (يَعَضُّ عَلَيْهَا) حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي الْخَبَرِ وَمَعْنَاهُ: وَقِيَاسُ الْأَحْكَامِ عَلَى نَظَائِرِهَا إنَّمَا هُوَ مِنْ صَنْعَةِ الْكُمَّلِ مِنْ الرِّجَالِ وَهُوَ بِالْوُقُوفِ عَلَى الْمَآخِذِ حَالَ كَوْنِهَا يَعَضُّ عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ: يَعْنِي إذَا كَانَ الْوُقُوفُ بِإِحْكَامٍ وَإِتْقَانٍ، ثُمَّ قَوْلُهُ غَيْرَ أَنَّ الْحَوَادِثَ إلَخْ اعْتِذَارٌ عَنْ الشُّرُوعِ فِي التَّصْنِيفِ.
وَقَوْلُهُ (وَالِاعْتِبَارُ بِالْأَمْثَالِ) إنْ كَانَ ذِكْرُهُ هَضْمًا لِنَفْسِهِ عَنْ مَرْتَبَةِ التَّصْنِيفِ كَانَ مَعْنَاهُ وَالِاعْتِبَارُ بِالْأَمْثَالِ مِنْ صَنْعَةِ الرِّجَالِ وَبِالْوُقُوفِ الْمُحْكَمِ الْمُتْقَنِ عَلَى الْمَآخِذِ وَلَسْت مِنْهُمْ وَلَا حَصَلَ لِي وَلَكِنْ كَانَ قَدْ جَرَى عَلَيَّ الْوَعْدُ فِي مَبْدَإِ بِدَايَةِ الْمُبْتَدِي أَنْ أَشْرَحَهَا شَرْحًا أَرْسُمُهُ بِكِفَايَةِ الْمُنْتَهَى فَشَرَعْت فِيهِ حَالَ كَوْنِ الْوَعْدِ يَسُوغُ بَعْضَ الْمَسَاغِ لِئَلَّا أَكُونَ مِمَّنْ إذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِنَّمَا قَالَ بَعْضَ الْمَسَاغِ لِأَنَّ الْوَعْدَ بِالتَّبَرُّعِ غَيْرُ مُوجِبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُجَوِّزٌ حِينًا، وَإِلَى
الجزء 1 · صفحة 10
وَالْوَعْدُ يَسُوغُ بَعْضَ الْمَسَاغِ، وَحِينَ أَكَادُ أَتَّكِئُ عَنْهُ اتِّكَاءَ الْفَرَاغِ، تَبَيَّنْتُ فِيهِ نُبَذًا مِنْ الْإِطْنَابِ وَخَشِيتُ أَنْ يُهْجَرَ لِأَجْلِهِ الْكِتَابُ، فَصَرَفْتُ الْعِنَانَ وَالْعِنَايَةَ إلَى شَرْحٍ آخَرَ مَوْسُومٍ بِالْهِدَايَةِ، أَجْمَعُ فِيهِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى بَيْنَ عُيُونِ الرِّوَايَةِ وَمُتُونِ الدِّرَايَةِ، تَارِكًا لِلزَّوَائِدِ فِي كُلِّ بَابٍ، مُعْرِضًا عَنْ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْإِسْهَابِ، مَعَ مَا أَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى أُصُولٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهَا فُصُولٌ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنِي لِإِتْمَامِهَا، وَيَخْتِمَ لِي بِالسَّعَادَةِ بَعْدَ اخْتِتَامِهَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــQهَذَا الْمَعْنَى: أَعْنِي كَوْنَهُ هَضْمًا لِنَفْسِهِ ذَهَبَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَتَاجِ الشَّرِيعَةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَإِنْ كَانَ ذَكَرَهُ لِبَيَانِ صَلَاحِيَتِهِ لِذَلِكَ كَانَ مَعْنَاهُ وَأَنَا مِنْهُمْ هُمْ رِجَالٌ وَنَحْنُ رِجَالٌ، وَحَصَلَ الْوُقُوفُ لَنَا عَلَى الْمَآخِذِ بِالْإِتْقَانِ كَمَا حَصَلَ لَهُمْ فَجَازَ لَنَا الِاعْتِبَارُ، وَالْحَالُ أَنَّهُ قَدْ جَرَى عَلَيَّ الْوَعْدُ، وَهُوَ مِمَّا يَسُوغُ بَعْضَ الْمَسَاغِ: يَعْنِي مُنْفَرِدًا عَنْ صَلَاحِيَةِ الْوَاعِدِ لِلْإِتْيَانِ بِالْمَوْعِدِ فَكَيْفَ مَعَ الصَّلَاحِيَةِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ لَكِنْ لَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْته مِنْ الْعِبَارَةِ.
وَقَوْلُهُ (وَحِينَ أَكَادُ أَتَّكِئُ عَنْهُ اتِّكَاءَ الْفَرَاغِ) قِيلَ عَدَّى الِاتِّكَاءَ بِعَنْ وَإِنْ كَانَتْ تَعْدِيَتُهُ بِعَلَى لِتَضْمِينِ مَعْنَى الْفَرَاغِ، وَرُدَّ بِأَنَّ مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ وَحِينَ أَكَادُ أَفْرَغُ عَنْهُ فَرَاغَ الْفَرَاغِ وَهُوَ تَرْكِيبٌ فَاسِدٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَنْهُ صِلَةُ الْفَرَاغِ قُدِّمَ عَلَيْهِ رِعَايَةً لِلسَّجْعِ.
وَقَوْلُهُ (تَبَيَّنْت) أَيْ عَلِمْت، وَالنَّبْذُ الشَّيْءُ الْقَلِيلُ، وَقَوْلُهُ (فَصَرَفْت الْعَنَانَ وَالْعِنَايَةَ) يَعْنِي عَنَانَ الْخَاطِرِ وَعِنَايَةَ الْقَلْبِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْعَنَانِ الظَّاهِرُ وَبِالْعِنَايَةِ الْبَاطِنُ. وَقَوْلُهُ (أَجْمَعَ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ صَرَفْت وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةَ شَرْحٍ، وَعُيُونُ الرِّوَايَةِ هِيَ الَّتِي اخْتَارَهَا الْعُلَمَاءُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، فَإِذًا عَيْنُ الشَّيْءِ خِيَارُهُ وَمُتُونُ الدِّرَايَةِ الْمَعَانِي الْمُؤَثِّرَةُ وَالنِّكَاتُ الْمَتِينَةُ.
وَقَوْلُهُ فِي كُلِّ بَابٍ: يَعْنِي مِنْ الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ، وَقَوْلُهُ (عَنْ هَذَا النَّوْعِ) إشَارَةٌ إلَى الَّذِي وَقَعَ فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى وَخَافَ أَنْ يَهْجُرَ لِأَجْلِهِ الْكِتَابَ، وَالْإِسْهَابُ هُوَ الْإِطْنَابُ، وَهُوَ التَّكَلُّمُ بِأَزْيَدَ مِنْ مُتَعَارَفِ الْأَوْسَاطِ. وَقَوْلُهُ (مَعَ مَا أَنَّهُ) دَفْعٌ لِمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ مُوجَزًا خَلَا عَنْ الْأُصُولِ وَالْفُصُولِ فَكَانَ أَوْلَى بِالْهَجْرِ مِنْ الْأَوَّلِ فَقَالَ لَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مَعَ كَوْنِهِ خَالِيًا عَنْ الْإِطْنَابِ مُشْتَمِلٌ عَلَى أُصُولٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهَا فُصُولٌ، وَهُوَ كَمَا قَالَ جَزَاهُ اللَّهُ عَنْ الطَّلَبَةِ خَيْرًا يَطَّلِعُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ خَدَمَ كِتَابَهُ حَقَّ خِدْمَتِهِ، فَمَا ظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي فَسَادِ الْبَيْعِ بِالشَّرْطِ بِكُلِّ شَرْطٍ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَفِيهِ نَفْعٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ يَفْسُدُ الْبَيْعُ، فَإِنَّ فِي كُلِّ قَيْدٍ مِنْهُ احْتِرَازًا عَمَّا يُضَادُّهُ وَجَمْعًا لَمَا يُوَافِقُهُ.
وَقَوْلُهُ (لِإِتْمَامِهَا وَاخْتِتَامِهَا) الضَّمِيرُ لِلْهِدَايَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ فِيهِمَا
الجزء 1 · صفحة 11
حَتَّى إنَّ مَنْ سَمَتْ هِمَّتُهُ إلَى مَزِيدِ الْوُقُوفِ يَرْغَبُ فِي الْأَطْوَلِ وَالْأَكْبَرِ، وَمَنْ أَعْجَلَهُ الْوَقْتُ عَنْهُ يَقْتَصِرْ عَلَى الْأَقْصَرِ وَالْأَصْغَرِ. وَلِلنَّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ وَالْفَنُّ خَيْرٌ كُلُّهُ.
ثُمَّ سَأَلَنِي بَعْضُ إخْوَانِي أَنْ أُمْلِيَ عَلَيْهِمْ الْمَجْمُوعَ الثَّانِي، فَافْتَتَحْتُهُ مُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ تَعَالَى فِي تَحْرِيرِ مَا أُقَاوِلُهُ مُتَضَرِّعًا إلَيْهِ فِي التَّيْسِيرِ لِمَا أُحَاوِلُهُ، إنَّهُ الْمُيَسِّرُ لِكُلِّ عَسِيرٍ وَهُوَ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالضَّمِيرُ لِلشَّرْحَيْنِ. وَقَوْلُهُ (حَتَّى إنَّ مَنْ سَمَتْ) مُتَّصِلٌ بِتَارِكًا لِلزَّوَائِدِ أَوْ بِصُرِفَتْ، وَسَمَتْ بِمَعْنَى عَلَتْ، وَالْمَزِيدُ مَصْدَرٌ كَالزِّيَادَةِ (وَمَنْ أَعْجَلَهُ الْوَقْتُ) بِمَعْنَى عَجَّلَهُ: أَيْ اسْتَحَثَّهُ، وَإِسْنَادُهُ إلَى الْوَقْتِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ كَصِيَامِ النَّهَارِ وَالشِّعْرِ لِأَبِي فِرَاسٍ، وَقَبْلَهُ:
عَلَيَّ لِرَبْعِ الْعَامِرِيَّةِ وَقْفَةٌ ... لِيُمْلِيَ عَلَيَّ الشَّوْقُ وَالدَّمْعُ كَاتِبُ
وَمِنْ عَادَتِي حُبُّ الدِّيَارِ لِأَهْلِهَا ... وَلِلنَّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ
(وَالْفَنُّ خَيْرٌ كُلُّهُ) أَيْ هَذَا الْفَنُّ وَهُوَ عِلْمُ الْفِقْهِ كُلُّهُ خَيْرٌ، فَإِنْ شِئْت فَارْغَبْ فِي الْأَقْصَرِ وَالْأَخْصَرِ حِفْظًا وَتَحْصِيلًا وَإِنْ شِئْت فِي الْأَطْوَلِ وَالْأَكْبَرِ كَشْفًا وَتَأْصِيلًا. وَقِيلَ مَعْنَاهُ جِنْسُ الْعِلْمِ حَسَنٌ فَارْغَبْ فِي أَيِّ نَوْعٍ شِئْت، وَهُوَ كَلَامٌ صَحِيحٌ لَكِنْ لَا تَقْرِيبَ لَهُ هُنَا، وَالْمُرَادُ بِالْمَجْمُوعِ الثَّانِي هُوَ الْهِدَايَةُ، وَكَأَنَّهُ بَعْدَ صَرْفِ الْعَنَانِ وَالْعِنَايَةِ لَمْ يَشْرَعْ فِيهِ حَتَّى سَأَلَهُ إخْوَانُهُ الْإِمْلَاءَ عَلَيْهِمْ فَافْتَتَحَ مُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ فِي تَحْرِيرِ: أَيْ تَقْوِيمِ مَا يُقَاوِلُهُ وَتَلْخِيصِهِ. وَفِي لَفْظِ الْمُفَاعِلَةِ مَزِيدُ مُزَاوَلَةٍ وَمُقَاسَاةٍ لَيْسَ فِي الْقَوْلِ. وَحَاوَلْت الشَّيْءَ أَرَدْته، وَيُقَالُ فُلَانٌ جَدِيرٌ بِكَذَا: أَيْ خَلِيقٌ بِهِ.
رُوِيَ أَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ بَقِيَ فِي تَصْنِيفِ الْكِتَابِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَكَانَ صَائِمًا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ لَا يُفْطِرُ أَصْلًا، وَكَانَ يَجْتَهِدُ أَلَّا يَطَّلِعَ عَلَى صَوْمِهِ أَحَدٌ، فَإِذَا أَتَى خَادِمٌ بِطَعَامٍ يَقُولُ خَلِّهِ وَرُحْ، فَإِذَا رَاحَ كَانَ يُطْعِمُهُ أَحَدَ الطَّلَبَةِ أَوْ غَيْرَهُمْ، فَكَانَ بِبَرَكَةِ زُهْدِهِ وَوَرَعِهِ كِتَابُهُ مُبَارَكًا مَقْبُولًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
الجزء 1 · صفحة 12
كِتَابُ الطِّهَارَاتِ:
ـــــــــــــــــــــــــــــQ [كِتَابُ الطَّهَارَاتِ]
الْكِتَابُ وَالْكِتَابَةُ فِي اللُّغَةِ: جَمْعُ الْحُرُوفِ، وَالْكِتَابُ قَدْ يُعْرَفُ بِأَنَّهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ اُعْتُبِرَتْ مُسْتَقِلَّةً شَمَلَتْ أَنْوَاعًا أَوْ لَمْ تَشْمَلْ، فَقَوْلُهُ طَائِفَةٌ كَالْجِنْسِ، وَقَوْلُهُ مِنْ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ احْتِرَازٌ عَنْ غَيْرِهَا، وَقَوْلُهُ اُعْتُبِرَتْ مُسْتَقِلَّةً: أَيْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تَبَعِيَّتِهَا لِلْغَيْرِ أَوْ تَبَعِيَّةِ غَيْرِهَا لَهَا لِيَدْخُلَ فِيهِ هَذَا الْكِتَابُ فَإِنَّهُ تَابِعٌ لِلصَّلَاةِ، وَيَدْخُلُ كِتَابُ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مُسْتَتْبِعٌ لِلطَّهَارَةِ، وَقَدْ اُعْتُبِرَا مُسْتَقِلَّيْنِ، أَمَّا كِتَابُ الطَّهَارَةِ فَلِكَوْنِهِ الْمِفْتَاحَ، وَأَمَّا كِتَابُ الصَّلَاةِ فَلِكَوْنِهِ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ، فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ اعْتِبَارَ الِاسْتِقْلَالِ قَدْ يَكُونُ لِانْقِطَاعِهِ عَنْ غَيْرِهِ ذَاتًا كَكِتَابِ اللُّقَطَةِ عَنْ كِتَابِ الْآبِقِ وَكِتَابِ الْمَفْقُودِ وَانْقِطَاعِهِمَا عَنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَقَدْ يَكُونُ لِمَعْنًى يُورِثُ ذَلِكَ كَانْقِطَاعِ الصَّرْفِ عَنْ الْبُيُوعِ وَالرَّضَاعِ عَنْ النِّكَاحِ وَالطَّهَارَةِ عَنْ الصَّلَاةِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَقَوْلُهُ شَمَلَتْ أَنْوَاعًا أَوْ لَمْ تَشْمَلْ لِدَفْعِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ الْكِتَابُ اسْمٌ لِجِنْسٍ يَدْخُلُ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ مِنْ الْحِكَمِ وَكُلُّ نَوْعٍ يُسَمَّى بِالْبَابِ، وَالْبَابُ اسْمٌ لِنَوْعٍ يَشْتَمِلُ عَلَى أَشْخَاصٍ تُسَمَّى فُصُولًا، فَإِنَّ الْكِتَابَ قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ وَقَدْ لَا يَكُونُ، فَإِنَّ مِنْ الْكُتُبِ مَا لَا يُذْكَرُ فِيهِ بَابٌ وَلَا فَصْلٌ كَكِتَابِ اللُّقَطَةِ وَاللَّقِيطِ وَالْآبِقِ وَغَيْرِهَا عَلَى مَا يَأْتِي، فَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَرُبَّمَا تُوُهِّمَ ذَلِكَ فَذَكَرَهُ دَفْعًا لِذَلِكَ.
وَالطَّهَارَةُ فِي اللُّغَةِ ظَاهِرَةٌ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ عِبَارَةٌ عَنْ صِفَةٍ تَحْصُلُ لِمُزِيلِ الْحَدَثِ أَوْ الْخُبْثِ عَمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَالْمُرَادُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ طَبْعًا أَوْ شَرْعًا، وَكَلِمَةُ أَوْ لَيْسَتْ بِمَانِعَةِ الْجَمْعِ فَلَا يَفْسُدُ بِهَا الْحَدُّ، وَقَوْلُهُ عَمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ الصَّلَاةُ لِيَتَنَاوَلَ الْمَكَانَ فَإِنَّ طَهَارَتَهُ شَرْطٌ عَلَى مَا يَأْتِي، وَرُكْنُهَا اسْتِعْمَال الْمُزِيلِ، وَشَرْطُ وُجُوبِهَا الْحَدَثُ أَوْ الْخُبْثُ، وَسَبَبُهَا وُجُوبُ الصَّلَاةِ: لَا وُجُودُهَا، لِأَنَّ وُجُودَهَا مَشْرُوطٌ بِهَا فَكَانَ مُتَأَخِّرًا عَنْهَا، وَالْمُتَأَخِّرُ لَا يَكُونُ سَبَبًا
الجزء 1 · صفحة 13
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] الْآيَةَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــQلِلْمُتَقَدِّمِ. وَحُكْمُهَا إبَاحَةُ الصَّلَاةِ أَوْ مَا يُضَاهِيهَا لِمَنْ قَامَتْ بِهِ. وَإِنَّمَا جَمَعَ الطِّهَارَاتِ نَظَرًا إلَى أَنْوَاعِهَا، وَلَا يُشْكِلُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْجَمْعِ فِي مِثْلِهِ أَحَدُ الْجَائِزَيْنِ فَلَا يَرِدُ تَرْكُهُ نَقْضًا.
وَوَجْهُ تَخْصِيصِ الطَّهَارَةِ بِذَلِكَ أَنَّ أَنْوَاعَهَا أَحْسَنُ بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهَا لِتَفَاوُتِهَا مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ وَالْحُكْمُ وَالْخِفَّةُ وَالْغِلَظُ، بِخِلَافِ أَنْوَاعِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَلَا يُشْكِلُ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِأَنَّهَا دُعَاءٌ، وَإِنَّمَا ابْتَدَأَ بِكِتَابِ الطَّهَارَةِ لِأَنَّهَا مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ عِمَادُ الدِّينِ الْوَاجِبُ تَقْدِيمُهَا بَعْدَ الْإِيمَانِ عَلَى كُلِّ عِبَادَةٍ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة: 6] تَبَرَّكَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِتَقْدِيمِ الْآيَةِ الدَّالَّةِ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْوُضُوءِ عَلَى حُكْمِهَا وَإِنْ كَانَتْ الْقَاعِدَةُ فِي الدَّعَاوَى تَقْدِيمَ الْمُدَّعَى، وَمَعْنَى قَوْلِهِ {إِذَا قُمْتُمْ} [المائدة: 6] إذَا أَرَدْتُمْ الْقِيَامَ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْمُسَبَّبِ وَإِرَادَةِ السَّبَبِ الْخَاصِّ، فَإِنَّ الْفِعْلَ الِاخْتِيَارِيَّ لَا يُوجَدُ بِدُونِ الْإِرَادَةِ، وَذَلِكَ مَجَازٌ شَائِعٌ كَمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْتِفَاتٌ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْوُضُوءِ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ إلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ مُحْدِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ قَالُوا: مَعْنَاهُ إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَفْوِيتُ الْمَقْصُودِ الْأَصْلِيِّ بِالِاشْتِغَالِ بِمُقَدِّمَاتِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرُوا كَانَ كُلُّ مَنْ جَلَسَ مُتَوَضِّئًا لَزِمَهُ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ وُضُوءٌ آخَرُ، وَفِي ذَلِكَ تَفْوِيتُ الصَّلَاةِ بِالِاشْتِغَالِ بِالْوُضُوءِ، وَلِأَنَّ الْحَدَثَ شَرْطُ وُجُوبِ الْوُضُوءِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ فَإِنَّهُ ذَكَرَ التَّيَمُّمَ فِي قَوْلِهِ {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [المائدة: 6] إلَى قَوْلِهِ
الجزء 1 · صفحة 14
(فَفَرْضُ الطَّهَارَةِ: غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَمَسْحُ الرَّأْسِ) بِهَذَا النَّصِّ،
ـــــــــــــــــــــــــــــQ {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6] مَقْرُونًا بِذِكْرِ الْحَدَثِ وَهُوَ بَدَلٌ عَنْ الْوُضُوءِ.
وَالنَّصُّ فِي الْبَدَلِ نَصٌّ فِي الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا أُضْمِرَ قَوْلُهُ وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ كَرَاهَةَ أَنْ يَفْتَتِحَ آيَةَ الطَّهَارَةِ بِذِكْرِ الْحَدَثِ كَمَا قَالَ {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] وَلَمْ يَقُلْ هُدًى لِلضَّالِّينَ الصَّائِرِينَ إلَى التَّقْوَى بَعْدَ الضَّلَالِ كَرَاهَةَ أَنْ يَفْتَتِحَ أُولَى الزَّهْرَاوَيْنِ بِذِكْرِ الضَّلَالَةِ. وَاعْتُرِضَ عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْجُلُوسَ فِي الْوُضُوءِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَلَا يَتِمُّ مَا ذَكَرْتُمْ، وَعَلَى الثَّانِي بِأَنَّ الْآيَةَ بِعِبَارَتِهَا تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ، وَآيَةُ التَّيَمُّمِ تَدُلُّ بِدَلَالَتِهَا عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى الْمُحْدِثِينَ، وَالْعِبَارَةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الدَّلَالَةِ كَمَا عُرِفَ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ: سَلَّمْنَا أَنَّ الْجُلُوسَ فِي الْوُضُوءِ غَيْرُ وَاجِبٍ لَكِنْ خِلَافُ مَا ذَكَرْنَا يُفْضِي إلَى وُجُوبِ الْقِيَامِ لِلْوُضُوءِ دَائِمًا لِأَنَّ أَدَاءَ الصَّلَاةِ لَا يَتَحَقَّقُ إذْ ذَاكَ إلَّا إذَا تَوَضَّأَ قَائِمًا، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَمَا يُفْضِي إلَى الْبَاطِلِ بَاطِلٌ. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ظَهَرَ أَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ غَيْرُ مُرَادٍ فَلَا تَقْتَضِي عِبَارَتُهُ الْوُضُوءَ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ فَتَسْلَمُ الدَّلَالَةُ عَنْ الْمُعَارِضِ وَيَسْقُطُ السُّؤَالُ الثَّانِي.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالدَّلَالَةِ فَاسِدٌ هَاهُنَا لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ وُجُوبِ التَّيَمُّمِ بِوُجُوبِ الْحَدَثِ وَالتَّيَمُّمُ بَدَلٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ الْبَدَلُ الْأَصْلَ فِي الشَّرْطِ فَإِنَّهُ خَالَفَهُ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ وَهِيَ شَرْطٌ لَا مَحَالَةَ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ كَلَامَنَا فِي مُخَالَفَةِ الْبَدَلِ الْأَصْلُ فِي شَرْطِ السَّبَبِ، فَإِنَّ إرَادَةَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ بِشَرْطِ الْحَدَثِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ التَّيَمُّمِ، وَالْبَدَلُ لَا يُخَالِفُ الْأَصْلَ فِي سَبَبِهِ، وَمَا ذَكَرْتُمْ لَيْسَ بِشَرْطِ السَّبَبِ، فَإِنَّ إرَادَةَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ بِشَرْطِ نِيَّةِ التَّيَمُّمِ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لَهُ، وَإِنَّمَا النِّيَّةُ شَرْطُ صِحَّةِ التَّيَمُّمِ لَا شَرْطُ سَبَبِهِ.
قَالَ (فَفَرَضَ الطَّهَارَةَ) الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ دَخَلَتْ عَلَى الْحُكْمِ بَعْدَ ذِكْرِ الدَّلِيلِ، وَالْفَرْضُ بِمَعْنَى الْمَفْرُوضِ، وَالْمُرَادُ بِالطَّهَارَةِ الْوُضُوءُ، وَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ، وَإِنَّمَا فَسَّرَ الْغُسْلَ وَالْمَسْحَ مَعَ ظُهُورِ مَعْنَاهُمَا إشَارَةً إلَى دَفْعِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ تَكْرَارِ مَسْحِ الرَّأْسِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ، وَإِلَى أَنَّ الْبَلَلَ بِالْمَاءِ فِي الْمَغْسُولَاتِ لَا يُسْقِطُ الْفَرْضَ كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَقُصَاصُ الشَّعْرِ مُنْتَهَاهُ وَغَايَتُهُ فِي الرَّأْسِ. وَفِي الْقَافِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ وَالضَّمُّ أَعْلَاهَا.
وَقَوْلُهُ
الجزء 1 · صفحة 15
وَالْغَسْلُ هُوَ الْإِسَالَةُ وَالْمَسْحُ هُوَ الْإِصَابَةُ. وَحَدُّ الْوَجْهِ مِنْ قِصَاصِ الشَّعْرِ إلَى أَسْفَلِ الذَّقَنِ وَإِلَى شَحْمَتَيْ الْأُذُنِ؛ لِأَنَّ الْمُوَاجَهَةَ تَقَعُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْهَا (وَالْمِرْفَقَانِ وَالْكَعْبَانِ يَدْخُلَانِ فِي الْغَسْلِ) عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -،
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْهَا) اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الثُّلَاثِيَّ لَا يَكُونُ مُشْتَقًّا مِنْ الْمُنْشَعِبَةِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الِاشْتِقَاقِ الصَّغِيرِ، وَأَمَّا فِي الِاشْتِقَاقِ الْكَبِيرِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ تَنَاسُبٌ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى فَهُوَ جَائِزٌ، وَالْمِرْفَقَانِ وَالْكَعْبَانِ يَدْخُلَانِ فِي الْغُسْلِ عِنْدَنَا.
وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَدْخُلَانِ لِأَنَّ الْغَايَةَ لَا تَدْخُلَ تَحْتَ الْمُغَيَّا كَاللَّيْلِ فِي الصَّوْمِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لِزُفَرَ يُخَالِفُ مَا ذُكِرَ لَهُ فِي نُسَخِ الْأُصُولِ، فَإِنَّ الْمَذْكُورَ لَهُ فِيهَا تَعَارُضُ الْأَشْبَاهِ وَهُوَ أَنَّ مِنْ الْغَايَاتِ مَا يَدْخُلُ كَقَوْلِهِ قَرَأْت الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَدْخُلُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280] وَقَوْلُهُ {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] وَهَذِهِ الْغَايَةُ: أَعْنِي الْمَرَافِقَ تُشْبِهُ كُلًّا مِنْهُمَا فَلَا تَدْخُلُ بِالشَّكِّ، وَتَأْوِيلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ هَذِهِ الْغَايَةَ: أَعْنِي الْمَرَافِقَ لَا تَدْخُلُ بِتَعَارُضِ الْأَشْبَاهِ كَمَا لَمْ تَدْخُلْ فِي قَوْلِهِ {إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] وَلَنَا أَنَّ هَذِهِ الْغَايَةَ لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهَا: يَعْنِي أَنَّ الْغَايَةَ عَلَى نَوْعَيْنِ: نَوْعٌ يَكُونُ لِمَدِّ الْحُكْمِ إلَيْهَا، وَنَوْعٌ يَكُونُ لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهَا.
وَالْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا حَالُ صَدْرِ الْكَلَامِ، فَإِنْ كَانَ مُتَنَاوِلًا لِمَا وَرَاءَهَا كَانَتْ لِلثَّانِي وَإِلَّا فَلِلْأَوَّلِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الثَّانِي لِأَنَّ ذِكْرَ الْيَدِ يَتَنَاوَلُ الْآبَاطَ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَهْم أَهْلُ اللِّسَانِ
الجزء 1 · صفحة 16
هُوَ يَقُولُ: الْغَايَةُ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْمُغَيَّا كَاللَّيْلِ فِي بَابِ الصَّوْمِ.
وَلَنَا أَنَّ هَذِهِ الْغَايَةَ لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهَا إذْ لَوْلَاهَا لَاسْتَوْعَبَتْ الْوَظِيفَةُ الْكُلَّ، وَفِي بَابِ الصَّوْمِ لِمَدِّ الْحُكْمِ إلَيْهَا إذْ الِاسْمُ يُطْلَقُ عَلَى الْإِمْسَاكِ سَاعَةً،
ـــــــــــــــــــــــــــــQ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجزء 1 · صفحة 17
وَالْكَعْبُ هُوَ الْعَظْمُ النَّاتِئُ هُوَ الصَّحِيحُ وَمِنْهُ الْكَاعِبُ. قَالَ (وَالْمَفْرُوضُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ وَهُوَ رُبْعُ الرَّأْسِ) لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ وَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَخُفَّيْهِ» وَالْكِتَابُ مُجْمَلٌ فَالْتَحَقَ بَيَانًا بِهِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي التَّقْدِيرِ بِثَلَاثِ شَعَرَاتٍ، وَعَلَى مَالِكٍ فِي اشْتِرَاطِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQفَهِمُوا ذَلِكَ مِنْ آيَةِ التَّيَمُّمِ فَتَبْقَى الْمَرْفِقُ دَاخِلَةً، بِخِلَافِ ذِكْرِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْإِمْسَاكَ سَاعَةً فَكَانَتْ لِمَدِّ الْحُكْمِ إلَيْهَا فَيَبْقَى اللَّيْلُ خَارِجًا (وَالْكَعْبُ هُوَ الْعَظْمُ النَّاتِئُ) النَّتْءُ وَالنُّتُوءُ الِارْتِفَاعُ.
وَقَوْلُهُ (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا رَوَاهُ هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ هُوَ الْمَفْصِلُ الَّذِي فِي وَسَطِ الْقَدَمِ عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ، قَالَ: لِأَنَّ الْكَعْبَ اسْمٌ لِلْمَفْصِلِ وَمِنْهُ كُعُوبُ الرُّمْحِ، وَاَلَّذِي فِي وَسَطِ الْقَدَمِ مَفْصِلٌ وَهُوَ الْمُتَيَقَّنُ بِهِ، وَهَذَا صَحِيحٌ فِي الْمُحْرِمِ إذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ خُفَّيْهِ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، فَأَمَّا فِي الطَّهَارَةِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ الْعَظْمُ النَّاتِئُ الْمُتَّصِلُ بِعَظْمِ السَّاقِ، وَمِنْهُ الْكَاعِبُ وَهِيَ الْجَارِيَةُ الَّتِي يَبْدُو ثَدْيُهَا لِلنُّهُودِ (قَوْلُهُ وَالْمَفْرُوضُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ) أَيْ الْمُقَدَّرِ عَلَى جِهَةِ الْفَرْضِيَّةِ (مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ وَهُوَ رُبْعُ الرَّأْسِ) وَهُوَ كَمَا تَرَى يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ كَانَ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ وَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَخُفَّيْهِ» وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى إيرَادِ الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ مَعَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ، لِأَنَّ نَقْلَ الْحَدِيثِ بِمَا يَتْلُوهُ مِنْ الْحِكَايَةِ يُوجِبُ صِحَّتَهُ وَوَكَادَتَهُ. قِيلَ هُوَ حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَقِيلَ حَدِيثَانِ جَمَعَ الْقُدُورِيُّ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ السُّبَاطَةِ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الْمَسْحُ عَلَى النَّاصِيَةِ وَاَلَّذِي ذُكِرَ فِيهِ الْمَسْحُ عَلَيْهَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ السُّبَاطَةُ، وَالسُّبَاطَةُ الْكُنَاسَةُ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْحَالِّ وَإِرَادَةِ الْمَحَلِّ.
وَقَوْلُهُ (وَالْكِتَابُ مُجْمَلٌ فَالْتَحَقَ بَيَانًا بِهِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ خَبَرٌ وَاحِدٌ لَا يُزَادُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْكِتَابِ بَلْ الْكِتَابُ مُجْمَلٌ فَالْتَحَقَ الْخَبَرُ بَيَانًا بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقَعَ خَبَرُ الْوَاحِدِ بَيَانًا لِمُجْمَلِ الْكِتَابِ، وَفِيهِ بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْكِتَابَ مُجْمَلٌ لِأَنَّ الْمُجْمَلَ مَا لَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهِ إلَّا
الجزء 1 · صفحة 18
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQبِبَيَانٍ مِنْ الْمُجْمِلِ، وَالْعَمَلُ بِهَذَا النَّصِّ مُمْكِنٌ بِحَمْلِهِ عَلَى الْأَقَلِّ لِتَيَقُّنِهِ سَلَّمْنَا أَنَّهُ مُجْمَلٌ وَالْخَبَرُ بَيَانٌ لَهُ، وَلَكِنَّ الدَّلِيلَ أَخَصُّ مِنْ الْمَدْلُولِ، فَإِنَّ الْمَدْلُولَ مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ وَهُوَ رُبْعُ الرَّأْسِ، وَالدَّلِيلُ يَدُلُّ عَلَى تَعَيُّنِ النَّاصِيَةِ، وَمِثْلُهُ لَا يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ. سَلَّمْنَاهُ وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مِقْدَارَ النَّاصِيَةِ فَرْضٌ لِأَنَّ الْفَرْضَ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ، سَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ لَازِمَهُ وَهُوَ تَكْفِيرُ الْجَاحِدِ مُنْتَفٍ فَيَنْتَفِي الْمَلْزُومُ.
وَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَمَلَ بِهِ قَبْلَ الْبَيَانِ مُمْكِنٌ قَوْلُهُ يَحْمِلُهُ عَلَى الْأَقَلِّ، قُلْنَا: لَا أَقَلَّ مِنْ شَعْرَةٍ وَالْمَسْحُ عَلَيْهَا لَا يُمْكِنُ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَيْهَا، وَمَا لَا يُمْكِنُ الْفَرْضُ إلَّا بِهِ فَهُوَ فَرْضٌ، وَالزِّيَادَةُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ فَتَحَقَّقَ الْإِجْمَالُ فِي الْمِقْدَارِ، وَالْبَيَانُ إنَّمَا يَكُونُ لِمَا فِيهِ الْإِجْمَالُ، فَكَأَنَّ النَّاصِيَةَ بَيَانٌ لِلْمِقْدَارِ لَا لِلْمَحَلِّ الْمُسَمَّى نَاصِيَةً، إذْ لَا إجْمَالَ فِي الْمَحَلِّ فَكَانَ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْخَاصِّ وَإِرَادَةِ الْعَامِّ، وَهُوَ مَجَازٌ شَائِعٌ فَكَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْعُمُومِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا لَحِقَ بَيَانًا لِلْمُجْمَلِ كَانَ الْحُكْمُ بَعْدَهُ مُضَافًا إلَى
الجزء 1 · صفحة 19
الِاسْتِيعَابِ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: قَدَّرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي آلَةِ الْمَسْحِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْمُجْمَلِ دُونَ الْبَيَانِ وَالْمُجْمَلُ مِنْ الْكِتَابِ، وَالْكِتَابُ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ، وَلَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ اللَّازِمِ لِأَنَّ الْجَاحِدَ مَنْ لَا يَكُونُ مُؤَوِّلًا، وَمُوجِبُ الْأَقَلِّ أَوْ الِاسْتِيعَابُ مُؤَوِّلٌ يَعْتَمِدُ شُبْهَةً قَوِيَّةً، وَقُوَّةُ الشُّبْهَةِ تَمْنَعُ التَّكْفِيرَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ لَمْ يَكْفُرُوا بِمَا مَنَعُوا مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ الْقَطْعِيُّ فِي نَظَرِ أَهْلِ السُّنَّةِ لِتَأْوِيلِهِمْ.
وَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا كَانَ حُجَّةً عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي التَّقْدِيرِ بِثَلَاثِ شَعَرَاتٍ، وَعَلَى مَالِكٍ فِي اشْتِرَاطِهِ الِاسْتِيعَابَ (قَوْلُهُ: وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ قَدَّرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِثَلَاثِ أَصَابِعَ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي آلَةِ الْمَسْحِ) وَهِيَ الْأَصَابِعُ، قِيلَ هِيَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ لِكَوْنِهَا الْمَذْكُورَةَ فِي الْأَصْلِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَوْ وَضَعَ الْأَصَابِعَ وَلَمْ يَمُدَّهَا جَازَ، بِخِلَافِ الْأُولَى. .
الجزء 1 · صفحة 20
قَالَ (وَسُنَنُ الطَّهَارَةِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ (وَسُنَنُ الطَّهَارَةِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ بَيَّنَ سُنَنَهُ، وَالسَّنَةُ هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ فِي الدِّينِ، وَحُكْمُهَا أَنْ يُثَابَ عَلَى الْفِعْلِ وَيَسْتَحِقَّ الْمَلَامَةَ بِالتَّرْكِ لَا غَيْرُ.
وَسُنَنُ الطَّهَارَةِ: أَيْ الْوُضُوءِ وَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ، وَإِنَّمَا جَمَعَ دُونَ الْفَرْضِ لِأَنَّ الْفَرْضَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ فَرُوعِيَ ذَلِكَ وَاسْتَغْنَى عَنْ الْجَمْعِ بِخِلَافِ السُّنَّةِ، وَذِكْرُ الْإِنَاءِ وَقَعَ عَلَى عَادَتِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ مِنْ الْأَتْوَارِ. وَطَرِيقُ غَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ أَنْ يَأْخُذَ الْإِنَاءَ بِشِمَالِهِ إنْ كَانَ صَغِيرًا وَيَصُبَّ عَلَى يَمِينِهِ فَيَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا لَا يُمْكِنُهُ
الجزء 1 · صفحة 21
إذَا اسْتَيْقَظَ الْمُتَوَضِّئُ مِنْ نَوْمِهِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسَنَّ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» وَلِأَنَّ الْيَدَ آلَةُ التَّطْهِيرِ فَتُسَنُّ الْبُدَاءَةُ بِتَنْظِيفِهَا، وَهَذَا الْغَسْلُ إلَى الرُّسْغِ لِوُقُوعِ الْكِفَايَةِ بِهِ فِي التَّنْظِيفِ.
قَالَ (وَتَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا وُضُوءَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQرَفْعُهُ يَأْخُذُ عَنْهُ الْمَاءَ بِإِنَاءٍ آخَرَ صَغِيرٍ إنْ كَانَ مَعَهُ فَيَصُبُّهُ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ، وَإِلَّا يُدْخِلْ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُسْرَى مَضْمُومَةً دُونَ الْكَفِّ، وَيَصُبَّ عَلَى يَمِينِهِ فَيَغْسِلَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ يُدْخِلُ الْيَمِينَ.
وَقَوْلُهُ: (إذَا اسْتَيْقَظَ الْمُتَوَضِّئُ) نُقِلَ عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْكَرْدَرِيِّ أَنَّهُ شَرْطٌ حَتَّى إذَا لَمْ يَسْتَيْقِظْ لَا يُسَنُّ غَسْلُهُمَا وَقِيلَ هُوَ شَرْطٌ اتِّفَاقِيٌّ، خَصَّ الْمُصَنِّفُ غَسْلَهُمَا بِالْمُسْتَيْقِظِ تَبَرُّكًا بِلَفْظِ الْحَدِيثِ. وَالسَّنَةُ تَشْمَلُ الْمُسْتَيْقِظَ وَغَيْرَهُ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ.
وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِالْحَدِيثِ أَنَّ الْوُضُوءَ وَاجِبٌ، وَقَدْ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِالْغَمْسِ، وَالْغَمْسُ حَرَامٌ حَتَّى يَغْسِلَ الْيَدَ ثَلَاثًا فَيَكُونَ الْغَمْسُ وَالْغَسْلُ وَاجِبَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، لَكِنْ تَرَكْنَا الْوُجُوبَ إلَى السُّنَّةِ فِي الْغَسْلِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّلَ بِتَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ، وَتَوَهُّمُهَا لَا يُوجِبُ التَّنَجُّسَ الْمُوجِبَ لِلْغَسْلِ فَكَانَ دَلِيلًا عَلَى التَّوَرُّعِ وَالِاحْتِيَاطِ.
وَقَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ الْيَدَ آلَةُ التَّطْهِيرِ) مَبْنَاهُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، لَكِنَّهُ تُرِكَ لِأَنَّ طَهَارَةَ الْعُضْوِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَالرُّسْغُ مُنْتَهَى الْكَفِّ عِنْدَ الْمَفْصِلِ. .
وَقَوْلُهُ: (وَتَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ) قَالَ الطَّحَاوِيُّ: هُوَ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ، وَقِيلَ إنَّهُ مَرْفُوعٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ» وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنْ لَا لِنَفْيِ الْجِنْسِ فَبِحَقِيقَتِهِ يَقْتَضِي أَلَّا يَكُونَ وُضُوءٌ إلَّا بِتَسْمِيَةٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ وَأَحْمَدُ وَجَعَلُوا التَّسْمِيَةَ مِنْ شُرُوطِ الْوُضُوءِ، لَكِنَّا قُلْنَا الْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْفَضِيلَةِ لِئَلَّا يَلْزَمَ نَسْخُ آيَةِ الْوُضُوءِ بِهِ. فَإِنْ قِيلَ فَحِينَئِذٍ كَانَ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَهُوَ أَفَادَ الْوُجُوبَ.
أُجِيبَ بِأَنَّ خَبَرَ الْفَاتِحَةِ مَشْهُورٌ دُونَهُ وَالْحُكْمُ يَثْبُتُ بِقَدْرِ دَلِيلِهِ
الجزء 1 · صفحة 22
لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ» وَالْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْفَضِيلَةِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ وَإِنْ سَمَّاهَا فِي الْكِتَابِ سُنَّةً،
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَجَازَ بِهِ الزِّيَادَةُ عَلَى الْكِتَابِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَبِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاظَبَ عَلَى الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ دُونَ التَّسْمِيَةِ؛ لِأَنَّهُ رَوَى «أَنَّ مُهَاجِرَ بْنَ قُنْفُذٍ سَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْك إلَّا أَنِّي كَرِهْت أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إلَّا عَلَى طَهَارَةٍ» وَرُبَّمَا تَمَسَّكَ بِهِ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَنْكَرَ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ فَقَالَ: أَتُرِيدُ أَنْ تَذْبَحَ، إشَارَةً إلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي الذَّبْحِ دُونَ الْوُضُوءِ، وَذَلِكَ كَمَا تَرَى يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ قَبْلَ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ، وَكَوْنُهَا سُنَّةً مُخْتَارُ الطَّحَاوِيِّ وَالْقُدُورِيِّ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ التَّسْمِيَةَ مُسْتَحَبَّةٌ وَإِنْ سَمَّاهَا فِي الْكِتَابِ يَعْنِي الْقُدُورِيَّ سُنَّةً لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهَا.
رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -
الجزء 1 · صفحة 23
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQحَكَيَا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمَا التَّسْمِيَةُ. وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمَّى فَهُوَ
الجزء 1 · صفحة 24
وَيُسَمِّي قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَبَعْدَهُ هُوَ الصَّحِيحُ.
قَالَ (وَالسِّوَاكُ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يُوَاظِبُ عَلَيْهِ وَعِنْدَ فَقْدِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْ بَابِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَأْ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» (وَيُسَمِّي قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَبَعْدَهُ هُوَ الصَّحِيحُ) دُونَ مَا قِيلَ يُسَمِّي قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ لِمَا أَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ فَيُسَمِّي قَبْلَهُ لِيَقَعَ جَمِيعُ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ فَرْضُهَا وَسُنَنُهَا بِالتَّسْمِيَةِ، وَمَا قِيلَ يُسَمِّي بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ؛ لِأَنَّ قَبْلَهُ حَالُ كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَذِكْرُ اللَّهِ حَالَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الصَّحِيحَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَأُ فِيهِ بِذِكْرِ اللَّهِ» يَسْتَدْعِي التَّسْمِيَةَ فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ، وَالِاسْتِنْجَاءُ لَمَّا كَانَ مُلْحَقًا بِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ طَهَارَةٌ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُبْدَأَ بِهَا.
وَقَوْلُهُ: (وَالسِّوَاكُ) أَيْ اسْتِعْمَالُهُ حُذِفَ الْمُضَافُ لِأَمْنِ الْإِلْبَاسِ. وَالسِّوَاكُ اسْمٌ لِخَشَبَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِلِاسْتِيَاكِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ الْأَشْجَارِ الْمُرَّةِ؛ لِأَنَّهُ يُطَيِّبُ النَّكْهَةَ وَيَشُدُّ الْأَسْنَانَ وَيُقَوِّي الْمَعِدَةَ، وَيَكُونُ فِي غِلَظِ الْخِنْصَرِ وَطُولِ الشِّبْرِ، وَيَسْتَاكُ عَرْضًا لَا طُولًا عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ (؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوَاظِبُ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ فَقْدِهِ) كَانَ
الجزء 1 · صفحة 25
يُعَالِجُ بِالْأُصْبُعِ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَعَلَ كَذَلِكَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُسْتَحَبُّ.
قَالَ (وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَعَلَهُمَا عَلَى الْمُوَاظَبَةِ. وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يُمَضْمِضَ ثَلَاثًا يَأْخُذُ لِكُلِّ مَرَّةٍ مَاءً جَدِيدًا ثُمَّ يَسْتَنْشِقَ كَذَلِكَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQيُعَالِجُ بِالْأُصْبُعِ) وَالْمُوَاظَبَةُ مَعَ التَّرْكِ دَلِيلُ السُّنِّيَّةِ وَبِدُونِهِ دَلِيلُ الْوُجُوبِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى تَرْكِهِ حَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِيهِ تَعْلِيمُ السِّوَاكِ، فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَعَلَّمَهُ، وَيُسْتَدَلُّ بِتَرْكِ التَّعْلِيمِ عَلَى تَرْكِهِ دَفْعًا لِلتَّعَارُضِ، فَإِنَّ عَدَمَ التَّرْكِ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ وَتَرْكُ التَّعْلِيمِ عَلَى عَدَمِهِ فَكَانَ تَدَافُعٌ. .
وَقَوْلُهُ: (وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُمَا عَلَى الْمُوَاظَبَةِ) يَعْنِي مَعَ التَّرْكِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى التَّرْكِ حَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا حَكَتْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ تَذْكُرْ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ، وَإِنَّمَا تَعَرَّضَ لِكَيْفِيَّتِهِمَا نَفْيًا لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّ عِنْدَهُ الْأَفْضَلَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ بِكَفٍّ بِمَاءٍ وَاحِدٍ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ كَذَلِكَ، وَلَنَا أَنَّ الْفَمَ وَالْأَنْفَ عُضْوَانِ مُنْفَرِدَانِ فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِمَاءٍ وَاحِدٍ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَعِنْ بِالْيَدَيْنِ كَمَا فِي غَسْلِ الْوَجْهِ بَلْ اسْتَعْمَلَ الْكَفَّ الْوَاحِدَ. .
الجزء 1 · صفحة 26
هُوَ الْمَحْكِيُّ مِنْ وُضُوءٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
ـــــــــــــــــــــــــــــQ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجزء 1 · صفحة 27
(وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ) وَهُوَ سُنَّةٌ بِمَاءِ الرَّأْسِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ»
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَوْلُهُ: (وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ وَهُوَ سُنَّةٌ بِمَاءِ الرَّأْسِ) أَيْ لَا بِمَاءٍ جَدِيدٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يَقُولُ: هُوَ سُنَّةٌ بِمَاءٍ جَدِيدٍ.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: انْتِصَابُ خِلَافًا جَازَ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ بِإِضْمَارِ فِعْلِهِ أَيْ قَوْلُنَا هَذَا يُخَالِفُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، أَوْ هَذَا الْمَذْكُورُ فِي مَعْنًى يُخَالِفُ فَكَانَ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا لِمَضْمُونِ الْجُمْلَةِ كَقَوْلِهِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ اعْتِرَافًا، اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ لِأُذُنَيْهِ مَاءً جَدِيدًا» . وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ» .
وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ أَنَّ الْمُرَادَ
الجزء 1 · صفحة 28
وَالْمُرَادُ بَيَانُ الْحُكْمِ دُونَ الْخِلْقَةِ. قَالَ (وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَرَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِذَلِكَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــQبِقَوْلِهِ «الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ» : إمَّا أَنْ يَكُونَ لِبَيَانِ الْحَقِيقَةِ وَهُوَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - غَيْرُ مَبْعُوثٍ لِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مُشَاهَدٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ، أَوْ بَيَانِ أَنَّهُمَا مَمْسُوحَانِ كَالرَّأْسِ لَا بِمَاءِ الرَّأْسِ وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فِي أَمْرٍ لَا يُوجِبُ كَوْنَ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ كَالرِّجْلِ مِنْ الْوَجْهِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْغَسْلِ وَالْخُفِّ مِنْ الرَّأْسِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَسْحِ. وَإِمَّا لِبَيَانِ أَنَّهُمَا مَمْسُوحَانِ بِمَاءِ الرَّأْسِ، وَذَلِكَ يُنَاسِبُ الذِّكْرَ عِنْدَ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ مِنْ أَبْعَاضِ الرَّأْسِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا جَازَ أَنْ يُمْسَحَ بِمَاءٍ وَاحِدٍ فَكَذَا إذَا حَكَمَ الشَّرْعُ بِذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْزِئَ مَسْحُهُمَا عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ. أُجِيبَ بِأَنَّ كَوْنَ الْأُذُنِ مِنْ الرَّأْسِ ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَلَا يَقَعُ عَمَّا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ، كَمَا أَنَّ التَّوَجُّهَ إلَى الْحَطِيمِ لَا يُجْزِئُ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ الْبَيْتِ ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالتَّوَجُّهُ إلَى الْبَيْتِ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ فَلَا يُجْزِئُ عَنْهُ مَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِئَلَّا يَلْزَمَ نَسْخُ الْكِتَابِ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: (وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِذَلِكَ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «نَزَلَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَمَرَنِي أَنْ أُخَلِّلَ لِحْيَتِي إذَا تَوَضَّأْت» وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ، إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ لِئَلَّا يُعَارِضَ الْكِتَابَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَزِمَ ذَلِكَ أَنْ لَوْ أَفَادَ
الجزء 1 · صفحة 29
وَقِيلَ هُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، لِأَنَّ السُّنَّةَ إكْمَالُ الْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ وَالدَّاخِلُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْفَرْضِيَّةَ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَأَمَّا إذَا أَفَادَ الْوُجُوبَ فَلَا مَانِعَ عَنْهُ كَخَبَرِ الْفَاتِحَةِ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْوُجُوبَ يَثْبُتُ بِالْمُوَاظَبَةِ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: مَا رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ خَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ وَقَالَ بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي» ، لَمْ يَثْبُتْ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً. وَعَنْ هَذَا نَقَلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَسْحُ اللِّحْيَةِ جَائِزٌ لَيْسَ بِسُنَّةٍ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ جَائِزٌ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يُنْسَبُ إلَى الْبِدْعَةِ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَقَوْلُهُ: (؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ) يَعْنِي فِي الْوُضُوءِ (إكْمَالُ الْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ وَالدَّاخِلُ) أَيْ دَاخِلِ اللِّحْيَةِ (لَيْسَ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ) لِعَدَمِ وُجُوبِ إيصَالِ الْمَاءِ إلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ سُنَّتَانِ، وَدَاخِلُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ لَيْسَ مَحَلَّ الْفَرْضِ فِي الْوُضُوءِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفَمَ وَالْأَنْفَ مِنْ الْوَجْهِ مِنْ وَجْهٍ؛ إذْ لَهُمَا حُكْمُ الْخَارِجِ مِنْ وَجْهٍ، وَالْوَجْهُ
الجزء 1 · صفحة 30
قَالَ (وَتَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «خَلِّلُوا أَصَابِعَكُمْ كَيْ لَا تَتَخَلَّلُهَا نَارُ جَهَنَّمَ» وَلِأَنَّهُ إكْمَالُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQمَحَلُّ الْفَرْضِ. .
وَقَوْلُهُ: (خَلِّلُوا) لَمْ يُفِدْ الْوُجُوبَ وَإِنْ كَانَ مَقْرُونًا بِالْوَعِيدِ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ الْأَعْرَابِيِّ وَالْأَخْبَارَ الَّتِي حُكِيَ فِيهَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ التَّخْلِيلِ فِيهَا يَصْرِفُهُ عَنْ إفَادَةِ الْوُجُوبِ.
وَالْوَعِيدُ مَصْرُوفٌ
الجزء 1 · صفحة 31
الْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ.
قَالَ (وَتَكْرَارُ الْغَسْلِ إلَى الثَّلَاثِ) «لِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ: هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ، وَتَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ: هَذَا وُضُوءُ مَنْ يُضَاعِفُ اللَّهُ لَهُ الْأَجْرَ مَرَّتَيْنِ، وَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ: هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ» . وَالْوَعِيدُ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ سُنَّةٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــQبِمَا إذَا لَمْ يَصِلْ الْمَاءُ بَيْنَ الْأَصَابِعِ. .
وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً» ) أَيْ غَسَلَ كُلَّ عُضْوٍ مَرَّةً، وَالْمُرَادُ بِالْقَبُولِ الْجَوَازُ، وَرَتَّبَ عَلَى الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَعِيدًا وَلَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلٍ وَهُوَ مَنْ زَادَ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَوْ نَقَصَ عَنْهَا أَوْ زَادَ عَلَى الْحَدِّ الْمَحْدُودِ أَوْ نَقَصَ عَنْهُ أَوْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ مُعْتَقِدٌ أَنَّ كَمَالَ السُّنَّةِ لَا يَحْصُلُ بِالثَّلَاثِ فَهُوَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
وَقَوْلُهُ: (فَقَدْ تَعَدَّى) يَرْجِعُ إلَى الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهُ مُجَاوَزَةٌ عَنْ الْحَدِّ. وَقَوْلُهُ: (وَظَلَمَ) يَرْجِعُ إلَى النُّقْصَانِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} [الكهف: 33] أَيْ لَمْ تُنْقِصْ.
وَقَوْلُهُ: (وَالْوَعِيدُ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ سُنَّةٌ) إشَارَةٌ إلَى اخْتِيَارِهِ. التَّأْوِيلُ الثَّالِثُ: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا أَرَادَ لِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ عِنْدَ الشَّكِّ أَوْ بِنِيَّةِ وُضُوءٍ
الجزء 1 · صفحة 32
قَالَ (وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَضِّئِ أَنْ يَنْوِيَ الطَّهَارَةَ) فَالنِّيَّةُ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَرْضٌ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ فَلَا تَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ كَالتَّيَمُّمِ. وَلَنَا أَنَّهُ لَا يَقَعُ قُرْبَةً إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَلَكِنَّهُ يَقَعُ مِفْتَاحًا لِلصَّلَاةِ لِوُقُوعِهِ طَهَارَةً بِاسْتِعْمَالِ الْمُطَهِّرِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــQآخَرَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، فَإِنَّ الْوُضُوءَ عَلَى الْوُضُوءِ نُورٌ عَلَى نُورٍ، وَقَدْ أَمَرَ بِتَرْكِ مَا يَرِيبُهُ إلَى مَا لَا يَرِيبُهُ.
قَالَ (وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَضِّئِ أَنْ يَنْوِيَ الطَّهَارَةَ) قِيلَ الْمُسْتَحَبُّ مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَلَا يُلَامُ عَلَى تَرْكِهِ. وَقَوْلُهُ: (فَالنِّيَّةُ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا) يُنَافِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُلَامُ عَلَى تَرْكِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَوَّلَ اخْتِيَارُ الْقُدُورِيِّ.
وَالثَّانِي اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ، وَتَفْسِيرُ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ هُوَ أَنْ يَنْوِيَ إزَالَةَ الْحَدَثِ أَوْ إبَاحَةَ الصَّلَاةِ، وَهِيَ فَرْضٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ قَالَ:؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ، إذْ الْعِبَادَةُ فِعْلٌ يَأْتِي بِهِ الْمُكَلَّفُ عَلَى خِلَافِ هَوَى نَفْسِهِ تَعْظِيمًا لِأَمْرِ رَبِّهِ، وَالْوُضُوءُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، وَكُلُّ مَا هُوَ عِبَادَةٌ لَا يَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] وَالْإِخْلَاصُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَقَدْ جَعَلَهُ حَالًا لِلْعَابِدَيْنِ، وَالْأَحْوَالُ شُرُوطٌ، فَتَكُونُ كُلُّ عِبَادَةٍ مَشْرُوطَةً بِالنِّيَّةِ، وَقَاسَهُ عَلَى التَّيَمُّمِ فِي كَوْنِهِمَا طَهَارَتَيْنِ لِلصَّلَاةِ.
وَلَنَا الْقَوْلُ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ: يَعْنِي سَلَّمْنَا أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَقَعُ عِبَادَةً إلَّا بِالنِّيَّةِ، لَكِنْ لَيْسَ كَلَامُنَا فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ الْمُطَهِّرِ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ هَلْ يُوجِبُ الطَّهَارَةَ بِدُونِ النِّيَّةِ حَتَّى يَكُونَ مِفْتَاحًا لِلصَّلَاةِ أَوْ لَا، وَلَا مَدْخَلَ لِكَوْنِهِ عِبَادَةً فِي ذَلِكَ، وَيُفِيدُ ذَلِكَ بِدُونِهَا؛ لِأَنَّ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ مَحْكُومٌ بِنَجَاسَتِهَا فِي حَقِّ الصَّلَاةِ ضَرُورَةَ الْأَمْرِ بِتَطْهِيرِهَا، وَالْمَاءُ طَهُورٌ بِطَبْعِهِ فَإِذَا لَاقَى النَّجِسَ طَهَّرَهُ قَصَدَ الْمُسْتَعْمِلُ ذَلِكَ
الجزء 1 · صفحة 33
بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ لِأَنَّ التُّرَابَ غَيْرُ مُطَهِّرٍ إلَّا فِي حَالِ إرَادَةِ الصَّلَاةِ، أَوْ هُوَ يُنْبِئُ عَنْ الْقَصْدِ (وَيَسْتَوْعِبُ رَأْسَهُ بِالْمَسْحِ) وَهُوَ سُنَّةٌ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: السُّنَّةُ التَّثْلِيثُ بِمِيَاهٍ مُخْتَلِفَةٍ اعْتِبَارًا بِالْمَغْسُولِ. وَلَنَا أَنَّ أَنَسًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَاحِدَةً وَقَالَ: هَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
ـــــــــــــــــــــــــــــQأَوْ لَا كَالثَّوْبِ النَّجِسِ وَكَمَا فِي حَقِّ الْإِرْوَاءِ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ فَإِنَّ التُّرَابَ لَمْ يُعْقَلُ مُطَهِّرًا طَبْعًا فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ إلَّا مَعْنَى التَّعَبُّدِ وَلَا تَعَبُّدَ بِدُونِ النِّيَّةِ. فَإِنْ قِيلَ فِي الْوُضُوءِ مَسْحٌ وَالْمَسْحُ لَمْ يُعْقَلْ مُطَهِّرًا طَبْعًا فَيُحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ مُلْحَقٌ بِالْغَسْلِ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ وَانْتِقَالِهِ إلَيْهِ بِضَرْبٍ مِنْ الْخُرْجِ. وَقَوْلُهُ: (أَوْ هُوَ يُنْبِئُ عَنْ الْقَصْدِ) فَلَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِهِ قِيلَ يَعْنِي أَنَّ التَّيَمُّمَ يُنْبِئُ عَنْ الْقَصْدِ وَالنِّيَّةُ هِيَ الْقَصْدُ فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّيَمُّمُ بِدُونِ الْقَصْدِ أَيْ النِّيَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ الْقَصْدِ لُغَةً، وَالْقَصْدُ الَّذِي هُوَ النِّيَّةُ إنَّمَا هُوَ قَصْدٌ خَاصٌّ، وَهُوَ قَصْدُ إبَاحَةِ الصَّلَاةِ، وَالْأَعَمُّ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْأَخَصِّ؛ وَلِأَنَّ الْأَوَّلَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ، وَالثَّانِي فِعْلُ الْقَلْبِ وَلَا دَلَالَةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (قَوْلُهُ: وَيَسْتَوْعِبُ رَأْسَهُ بِالْمَسْحِ) أَيْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَوْعِبَ رَأْسَهُ بِالْمَسْحِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْقُدُورِيُّ، وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ سُنَّةٌ) يَعْنِي عَلَى اخْتِيَارِهِ، وَصِفَةُ الِاسْتِيعَابِ أَنْ يَبُلَّ يَدَيْهِ وَيَضَعَ بُطُونَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ كُلِّ كَفٍّ عَلَى مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، وَيَعْزِلُ السَّبَّابَتَيْنِ وَالْإِبْهَامَيْنِ وَيُجَافِي الْكَفَّيْنِ وَيَجُرَّهُمَا إلَى مُؤَخِّرِ الرَّأْسِ، ثُمَّ يَمْسَحُ الْفَوْدَيْنِ بِالْكَفَّيْنِ وَيَجُرُّهُمَا إلَى مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، وَيَمْسَحُ ظَاهِرَ الْأُذُنَيْنِ بِبَاطِنِ الْإِبْهَامَيْنِ وَبَاطِنَ الْأُذُنَيْنِ بِبَاطِنِ السَّبَّابَتَيْنِ، وَيَمْسَحُ رَقَبَتَهُ بِظَاهِرِ الْيَدَيْنِ حَتَّى يَصِيرَ مَاسِحًا بِبَلَلٍ لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا، هَكَذَا رَوَتْ عَائِشَةُ مَسْحَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: السُّنَّةُ التَّثْلِيثُ بِمِيَاهٍ مُخْتَلِفَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ فِي الْوُضُوءِ، فَكَانَ التَّثْلِيثُ فِيهِ سُنَّةً كَغَسْلِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ (وَلَنَا أَنَّ «أَنَسًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَمَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَقَالَ: هَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ) وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَمُعَاذٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْبَرَاءِ وَأَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ
الجزء 1 · صفحة 34
وَاَلَّذِي يُرْوَى مِنْ التَّثْلِيثِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ عَلَى مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلِأَنَّ الْمَفْرُوضَ هُوَ الْمَسْحُ وَبِالتَّكْرَارِ يَصِيرُ غُسْلًا، وَلَا يَكُونُ مَسْنُونًا فَصَارَ كَمَسْحِ الْخُفِّ، بِخِلَافِ الْغُسْلِ لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ التَّكْرَارُ.
قَالَ (وَيُرَتِّبُ الْوُضُوءَ فَيَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَكَرِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ «عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمَا حَكَيَا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَغَسَلَا ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَمَسَحَا ثَلَاثًا» ، قُلْنَا: الْمَشْهُورُ عَنْهُمَا مَا رَوَيْنَاهُ أَوَّلًا (قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَاَلَّذِي يُرْوَى فِيهِ مِنْ التَّثْلِيثِ) يُرِيدُ بِهِ ذَلِكَ: يَعْنِي عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ (مَحْمُولٌ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى التَّثْلِيثِ (بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ عَلَى مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ) ذَكَرَ الْحَسَنُ فِي الْمُجَرَّدِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إذَا مَسَحَ ثَلَاثًا بِمَاءٍ وَاحِدٍ كَانَ مَسْنُونًا. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَارَ الْبَلَلُ مُسْتَعْمَلًا بِالْمَرَّةِ الْأُولَى فَكَيْفَ يُسَنُّ إمْرَارُهُ ثَانِيًا وَثَالِثًا؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يَأْخُذُ حُكْمَ الِاسْتِعْمَالِ لِإِقَامَةِ فَرْضٍ آخَرَ لَا لِإِقَامَةِ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْفَرْضِ، أَلَا يُرَى أَنَّ الِاسْتِيعَابَ يُسَنُّ بِمَاءٍ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْمَفْرُوضَ هُوَ الْمَسْحُ) دَلِيلٌ آخَرُ وَتَقْرِيرُهُ الْمَفْرُوضُ هُوَ الْمَسْحُ وَالْمَسْحُ يَصِيرُ بِالتَّكْرَارِ غَسْلًا، فَالْمَفْرُوضُ هُوَ الْغَسْلُ وَهُوَ خِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، فَلَا يَكُونُ التَّكْرَارُ مَسْنُونًا؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي الْوُضُوءِ إكْمَالُ الْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ لَا نَقْلُهُ مِنْ كَوْنِهِ مَسْحًا إلَى كَوْنِهِ غَسْلًا.
وَقَوْلُهُ: (فَصَارَ كَمَسْحِ الْخُفِّ) تَقْرِيرُهُ مَسْحُ الرَّأْسِ مَسْحٌ فِي الْوُضُوءِ، وَكُلُّ مَا هُوَ مَسْحٌ فِي الْوُضُوءِ لَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَمَسْحِ الْخُفِّ. وَقَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْغَسْلِ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ وَبِالتَّكْرَارِ يَصِيرُ غَسْلًا، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمَسْحَ يُفْسِدُهُ التَّكْرَارُ، بِخِلَافِ الْغَسْلِ فَإِنَّهُ لَا يُفْسِدُهُ، فَكَانَ قِيَاسُ الشَّافِعِيِّ الْمَمْسُوحَ عَلَى الْمَغْسُولِ فَاسِدًا. .
قَالَ (وَيُرَتِّبُ الْوُضُوءَ فَيَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِذِكْرِهِ) وَيُرَتِّبُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَيَسْتَوْعِبُ، وَالْكَلَامُ فِي كَوْنِهِ مُسْتَحَبًّا أَوْ سُنَّةً كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: (فَيَبْدَأُ بَيَانُ التَّرْتِيبِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: التَّرْتِيبُ فِي الْوُضُوءِ فَرْضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] الْآيَةَ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ وَالتَّعْقِيبُ يَدُلُّ عَلَى
الجزء 1 · صفحة 35
وَبِالْمَيَامِنِ) فَالتَّرْتِيبُ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فَرْضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] الْآيَةَ، وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ. وَلَنَا أَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهَا حَرْفُ الْوَاوِ وَهِيَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ فَتَقْتَضِي إعْقَابَ غَسْلِ جُمْلَةِ الْأَعْضَاءِ وَالْبُدَاءَةُ بِالْمَيَامِنِ فَضِيلَةٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّ اللَّه تَعَالَى يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى التَّنَعُّلِ وَالتَّرَجُّلِ» .
ـــــــــــــــــــــــــــــQالتَّرْتِيبِ فَيُفِيدُ تَرْتِيبَ غَسْلِ الْوَجْهِ عَلَى الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ، وَإِذَا ثَبَتَ التَّرْتِيبُ فِيهِ ثَبَتَ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمُرَتَّبِ وَالْمَعْطُوفُ عَلَى الْمُرَتَّبِ مُرَتَّبٌ أَوْ لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ. وَلَنَا أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ حَرْفُ الْوَاوِ يَعْنِي بَعْدَ الْفَاءِ، وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَالْفَاءُ دَخَلَتْ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ الَّتِي لَا تَرْتِيبَ فِيهَا فَتَقْتَضِي إعْقَابَ غَسْلِ جُمْلَةِ الْأَعْضَاءِ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ وَتَحْقِيقِهِ. سَلَّمْنَا أَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ تُفِيدُ تَعْقِيبَ مَا بَعْدَهَا لِمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا غَسْلُ جُمْلَةٍ غَيْرِ مُرَتَّبَةٍ فَيُفِيدُ تَعْقِيبَهَا لِلْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي تَرْتِيبِ الْأَعْضَاءِ، وَالدَّاخِلُ فِيهَا الْوَاوُ وَهِيَ لَا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ ادَّعَى الْمُصَنِّفُ إجْمَاعَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ يُفِيدُ التَّرْتِيبَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يُفِيدُ الْقِرَانَ، أُجِيبَ بِأَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْفَارِسِيَّ ذَكَرَ أَنَّ النُّحَاةَ أَجْمَعُوا أَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا فِي كِتَابِهِ فَاعْتَمَدَ الْمُصَنِّفُ عَلَى ذَلِكَ وَبِأَنَّ خِلَافَ الْقَلِيلِ لَا يَمْنَعُ الْإِجْمَاعَ اللُّغَوِيَّ وَقَوْلُهُ: (وَالْبُدَاءَةُ بِالْمَيَامِنِ فَضِيلَةٌ) أَيْ مُسْتَحَبَّةٌ، وَالْمَيَامِنُ جَمْعُ مَيْمَنَةٍ خِلَافُ الْمَيْسَرَةِ، وَذَكَرَ فِي الْمُغْرِبِ أَنَّ الْبِدَايَةَ بِالْيَاءِ عَامِّيَّةٌ وَالصَّوَابُ بُدَاءَةٌ. وَقَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى التَّنَعُّلِ وَالتَّرَجُّلِ» التَّنَعُّلُ: لُبْسُ النَّعْلَيْنِ، وَالتَّرَجُّلُ: تَسْرِيحُ شَعْرِ الرَّأْسِ. .
الجزء 1 · صفحة 36
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ]
وَيُعْرَفُ الْفَصْلُ بِأَنَّهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ تَغَيَّرَتْ أَحْكَامُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا قَبْلَهَا غَيْرُ مُتَرْجَمَةٍ بِالْكِتَابِ وَالْبَابِ. لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْوُضُوءِ فَرْضِهِ وَسُنَّتِهِ وَمُسْتَحَبِّهِ بَدَأَ بِمَا يُنَافِيهِ مِنْ الْعَوَارِضِ، إذْ الْعَارِضُ إنَّمَا يَكُونُ مُتَأَخِّرًا عَنْ الْمَعْرُوضِ: وَالنَّوَاقِضُ جَمْعُ نَاقِضَةٍ، وَالنَّقْضُ مَتَى أُضِيفَ إلَى الْأَجْسَامِ يُرَادُ بِهِ إبْطَالُ تَأْلِيفِهَا، وَمَتَى أُضِيفَ
الجزء 1 · صفحة 37
(فَصْلٌ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ)
(الْمَعَانِي النَّاقِضَةُ لِلْوُضُوءِ كُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [المائدة: 6] «وَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا الْحَدَثُ؟ قَالَ: مَا يَخْرُجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ» وَكَلِمَةُ مَا عَامَّةٌ فَتَتَنَاوَلُ الْمُعْتَادَ وَغَيْرَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQإلَى الْمَعَانِي يُرَادُ بِهِ إخْرَاجُهُ عَمَّا هُوَ الْمَطْلُوبُ بِهِ، وَالْمَطْلُوبُ هُنَا مِنْ الْوُضُوءِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ (وَالْمَعَانِي النَّاقِضَةُ) أَيْ الْعِلَلُ الْمُؤَثِّرَةُ فِي إخْرَاجِ الْوُضُوءِ عَمَّا هُوَ الْمَطْلُوبُ بِهِ (كُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ) أَيْ خُرُوجُ كُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ: يَعْنِي الْقُبُلَ وَالدُّبُرَ وَالذَّكَرَ، وَإِنَّمَا قَدَّرْنَا الْمُضَافَ تَصْحِيحًا لِلْحَمْلِ، فَإِنَّ حَمْلَ الذَّاتِ عَلَى الْمَعْنَى غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْ الْعِلَلِ بِالْمَعَانِي اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى مَعَانٍ ثَلَاثٍ» وَاحْتِرَازًا عَنْ عِبَارَةِ الْفَلَاسِفَةِ فَإِنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ اسْتَنْكَفُوا عَنْ ذَلِكَ إلَى أَنْ نَشَأَ الطَّحَاوِيُّ فَاسْتَعْمَلَهَا فَتَبِعَهُ مَنْ بَعْدَهُ. فَإِنْ قِيلَ: الْكُلِّيَّةُ مُنْتَقِضَةٌ بِالرِّيحِ الْخَارِجِ مِنْ الذَّكَرِ وَالْقُبُلِ فَإِنَّ الْوُضُوءَ لَا يَنْتَقِضُ بِهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ: أُجِيبَ بِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ مِنْ الْعُمُومِ؛ لِأَنَّ الرِّيحَ لَا تَنْبَعِثُ مِنْ الذَّكَرِ، وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَاجٌ. وَالْقُبُلُ مَحَلُّ الْوَطْءِ لَيْسَ فِيهِ نَجَاسَةٌ تُنَجِّسُ الرِّيحَ بِالْمُرُورِ عَلَيْهَا وَهُوَ فِي نَفْسِهِ طَاهِرٌ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [المائدة: 6] وَالْغَائِطُ: هُوَ الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ مِنْ الْأَرْضِ يَنْتَهِي إلَيْهِ الْإِنْسَانُ عِنْدَ إرَادَةِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ تَسَتُّرًا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَتَّبَ وُجُوبَ التَّيَمُّمِ عَلَى الْمَجِيءِ مِنْ الْغَائِطِ حَالَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَهُوَ لَازِمٌ لِخُرُوجِ النَّجِسِ. فَكَانَ كِنَايَةً عَنْ الْحَدَثِ لِكَوْنِهِ ذَكَرَ اللَّازِمَ، وَأَرَادَ الْمَلْزُومَ، وَالتَّرْتِيبُ يَدُلُّ عَلَى الْعِلِّيَّةِ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي التَّيَمُّمِ ثَبَتَ فِي الْوُضُوءِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْبَدَلَ لَا يُخَالِفُ الْأَصْلَ فِي السَّبَبِ. لَا يُقَالُ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَدَثَ شَرْطٌ لِلْوُضُوءِ فَكَيْفَ يَكُونُ عِلَّةً لِنَقْضِهِ؛ لِأَنَّهُ عِلَّةٌ لِنَقْضِ مَا كَانَ وَشَرْطٌ لِوُجُوبِ مَا سَيَكُونُ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا.
وَقَوْلُهُ: (وَكَلِمَةُ مَا عَامَّةٌ فَتَتَنَاوَلُ الْمُعْتَادَ وَغَيْرَهُ) نَفْيٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا وُضُوءَ لَمَا يَخْرُجُ نَادِرًا كَالْحَصَاةِ وَالدُّودَةِ وَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ، مُسْتَدِلًّا
الجزء 1 · صفحة 38
(وَالدَّمُ وَالْقَيْحُ إذَا خَرَجَا مِنْ الْبَدَنِ فَتَجَاوَزَا إلَى مَوْضِعٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــQبِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَنَّى بِالْغَائِطِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ الْمُعْتَادَةِ فَلَا يَكُونُ غَيْرُهَا نَاقِضًا.
قُلْنَا: تَقْيِيدٌ بِلَا دَلِيلٍ فِي مُقَابَلَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ وَهُوَ عُمُومُ كَلِمَةِ مَا. قَالَ (وَالدَّمُ وَالْقَيْحُ إذَا خَرَجَا مِنْ الْبَدَنِ) خُرُوجُ النَّجَسِ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ الْحَيِّ، يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ كَيْفَمَا كَانَ عِنْدَنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَصُدُورِ التَّابِعِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَقَيَّدَ بِالْخُرُوجِ؛ لِأَنَّ نَفْسَ النَّجَاسَةِ غَيْرُ نَاقِضَةٍ مَا لَمْ تُوصَفْ بِالْخُرُوجِ وَإِلَّا لَمَا حَصَلَتْ الطَّهَارَةُ لِشَخْصٍ مَا، وَالْمُرَادُ بِالْبَدَنِ بَدَنُ الْحَيِّ كَمَا ذَكَرْنَا، فَإِنَّهَا
الجزء 1 · صفحة 39
يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ، وَالْقَيْءُ مِلْءَ الْفَمِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَاءَ فَلَمْ يَتَوَضَّأْ» وَلِأَنَّ غَسْلَ غَيْرِ مَوْضِعِ الْإِصَابَةِ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQإنْ خَرَجَتْ مِنْ بَدَنِ الْمَيِّتِ بَعْدَ غُسْلِهِ لَا تُوجِبُ إعَادَةَ غُسْلِهِ بَلْ تُوجِبُ غَسْلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَشَرْطُ التَّجَاوُزِ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ احْتِرَازًا عَمَّا يَبْدُو وَلَمْ يَخْرُجْ وَلَمْ يَتَجَاوَزْ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى خَارِجًا، فَكَانَ تَفْسِيرًا لِلْخُرُوجِ وَرَدًّا لِمَا ظَنَّ زُفَرُ أَنَّ الْبَادِيَ خَارِجٌ حَتَّى أَوْرَدَ مَا لَمْ يَسِلْ نَقْضًا عَلَى قَوْلِنَا الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ وَقَوْلُهُ: (يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ) أَيْ يَلْحَقُهُ حُكْمٌ هُوَ التَّطْهِيرُ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَجِبَ تَطْهِيرُهُ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا فِي الْجَنَابَةِ حَتَّى لَوْ سَالَ الدَّمُ مِنْ الرَّأْسِ إلَى قَصَبَةِ الْأَنْفِ انْتَقَضَ الْوُضُوءُ، بِخِلَافِ الْبَوْلِ إذَا نَزَلَ إلَى قَصَبَةِ الذَّكَرِ وَلَمْ يَظْهَرْ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ هُنَاكَ لَمْ تَصِلْ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ، وَفِي الْأَنْفِ وَصَلَتْ إلَى ذَلِكَ إذْ الِاسْتِنْشَاقُ فِي الْجَنَابَةِ فَرْضٌ.
(وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَلِمَا رُوِيَ عَنْ «النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَاءَ فَلَمْ يَتَوَضَّأْ» ؛ وَلِأَنَّ غَسْلَ غَيْرِ مَوْضِعِ الْإِصَابَةِ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ) أَيْ أَمْرٌ تُعُبِّدْنَا بِهِ: أَيْ كَلَّفَنَا اللَّهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ مَعْنًى يُعْقَلُ؛ إذْ الْعَقْلُ إنَّمَا يَقْتَضِي وُجُوبَ غَسْلِ مَوْضِعٍ أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ (فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ
الجزء 1 · صفحة 40
وَهُوَ الْمَخْرَجُ الْمُعْتَادُ، وَلَنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ»
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَهُوَ الْمَخْرَجُ الْمُعْتَادُ) وَالْيَاءُ فِي تَعَبُّدِيٌّ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلنِّسْبَةِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلْمُبَالَغَةِ كَأَحْمَرَيَّ فِي أَحْمَرَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي وُجُوبَ غَسْلِ كُلِّ الْأَعْضَاءِ كَمَا فِي الْمَنِيِّ، بَلْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْغَائِطَ أَنْجَسُ مِنْ الْمَنِيِّ لِاخْتِلَافٍ فِي نَجَاسَتِهِ دُونَ الْغَائِطِ، فَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ (وَلَنَا قَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّرْكِيبِ يُفْهَمُ مِنْهُ الْوُجُوبُ كَمَا فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاةٌ» وَلَا خِلَافَ فِي فَرْضِيَّتِهِ،
الجزء 1 · صفحة 41
وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ وَلِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ»
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقَوْلُهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ بِسَبَبِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ، فَكَانَ مَعْنَاهُ تَوَضَّئُوا مِنْ كُلِّ دَمٍ سَالَ مِنْ الْبَدَنِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْخَبَرِ لِكَوْنِهِ آكَدُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْوُجُوبِ كَأَنَّهُ أَمَرَ فَامْتُثِلَ أَمْرُهُ فَأَخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ آيَةُ كَوْنِهِ وَاجِبًا، فَإِنَّ الْآمِرَ إذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يَكْذِبُ فِي كَلَامِهِ يُعَبِّرُ عَنْ مَطْلُوبِهِ بِلَفْظِ الْخَبَرِ تَأْكِيدًا لِلطَّلَبِ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ تَكْذِيبًا لَهُ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَكْذِبُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ. فَإِنْ قِيلَ سَلَّمْنَاهُ لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْوُضُوءَ اللُّغَوِيَّ. قُلْنَا: ذَاكَ مَجَازٌ شَرْعِيٌّ، وَلَا تُتْرَكُ الْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ بِلَا دَلِيلٍ (وَقَوْلُهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ» ) رَوَاهُ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ذَكَرَهُ الرَّازِيّ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ.
يُقَالُ رَعَفَ: إذَا سَالَ رُعَافُهُ. قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: وَفَتْحُ الْعَيْنِ هُوَ الْفَصِيحُ، وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا الْأَمْرُ بِالِانْصِرَافِ
الجزء 1 · صفحة 42
وَلِأَنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ مُؤَثِّرٌ فِي زَوَالِ الطَّهَارَةِ، وَهَذَا الْقَدْرُ فِي الْأَصْلِ مَعْقُولٌ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ غَيْرُ مَعْقُولٍ لَكِنَّهُ يَتَعَدَّى ضَرُورَةَ تَعَدِّي الْأَوَّلِ، غَيْرَ أَنَّ الْخُرُوجَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالسَّيَلَانِ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ، وَبِمِلْءِ الْفَمِ فِي الْقَيْءِ لِأَنَّ بِزَوَالِ الْقِشْرَةِ تَظْهَرُ النَّجَاسَةُ فِي مَحَلِّهَا فَتَكُونُ بَادِيَةً لَا خَارِجَةً، بِخِلَافِ السَّبِيلَيْنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَهُوَ إبْطَالُ الْعَمَلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ الْمُفْضِي إلَى التَّنَاقُضِ الْمُسْتَحِيلِ عَلَى الشَّرْعِ. فَإِنْ قِيلَ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالِانْصِرَافِ لِإِزَالَةِ نَجَاسَةٍ أَصَابَتْ ثَوْبَهُ أَوْ بَدَنَهُ مِنْ الرُّعَافِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْبِنَاءِ يَأْبَاهُ، فَإِنَّ الْبِنَاءَ إذْ ذَاكَ غَيْرُ جَائِزٍ بِالِاتِّفَاقِ.
وَالثَّانِي الْأَمْرُ بِالْوُضُوءِ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَإِرَادَةُ الْوُضُوءِ اللُّغَوِيُّ مَدْفُوعَةٌ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ. لَا يُقَالُ: وَقَعَ فِي الشَّرْعِ ذَلِكَ «إذْ غَسَلَ فَمَه بَعْدَ الْقَيْءِ فَقِيلَ لَهُ أَلَا تَتَوَضَّأُ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - هَكَذَا الْوُضُوءُ مِنْ الْقَيْءِ» ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِقَرِينَةٍ قَائِمَةٍ فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْمُشَاكَلَةِ لِقَوْلِ السَّائِلِ أَلَا تَتَوَضَّأُ وُضُوءَك لِلصَّلَاةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ أَمَرَ بِالْبِنَاءِ وَأَدْنَاهُ الْإِبَاحَةُ، وَلَا إبَاحَةَ لِلْبِنَاءِ بَعْدَ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ إلَّا بَعْدَ انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ بِالِاتِّفَاقِ. لَا يُقَالُ: الْبِنَاءُ الْمَعْطُوفُ عَلَى الِانْصِرَافِ غَيْرُ وَاجِبٍ بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَا مَا عُطِفَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقِرَانَ فِي النَّظْمِ لَا يُوجِبُ الْقِرَانَ فِي الْحُكْمِ، أَلَا يُرَى إلَى قَوْله تَعَالَى {كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ} [سبأ: 15] فَإِنَّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ لِلْإِبَاحَةِ وَالثَّانِي لِلْوُجُوبِ، وَإذَا جَازَ ذَلِكَ فَعَكْسُهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ اتِّبَاعُ الضَّعِيفِ لِلْقَوِيِّ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ) إثْبَاتُ صِفَةِ النَّجَاسَةِ لِمَا يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ، وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ظَهَرَ عَنْ حِذْقٍ عَظِيمٍ مَعَ وَجَازَةِ اللَّفْظِ وَبَيَانُهُ عَلَى وَجْهٍ وَاضِحٍ يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَشُرُوطِ الْقِيَاسِ.
فَلَا عَلَيْنَا أَنْ نَذْكُرَ ذَلِكَ إجْمَالًا فَنَقُولُ: الْقِيَاسُ إبَانَةُ مِثْلِ حُكْمِ أَحَدِ الْمَذْكُورِينَ بِمِثْلِ عِلَّتِهِ فِي الْآخَرِ فَالْمَذْكُورُ الْأَوَّلُ هُوَ الْأَصْلُ وَالثَّانِي هُوَ الْفَرْعُ.
وَشُرُوطُهُ أَلَّا يَكُونَ الْأَصْلُ مَخْصُوصًا بِحُكْمِهِ بِنَصٍّ آخَرَ كَشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ، وَأَلَّا يَكُونَ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ كَبَقَاءِ الصَّوْمِ مَعَ الْأَكْلِ نَاسِيًا، وَأَنْ يَتَعَدَّى الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ الثَّابِتَ بِالنَّصِّ بِعَيْنِهِ إلَى فَرْعٍ هُوَ نَظِيرُهُ وَلَا نَصَّ فِيهِ. وَأَمَّا مَعْرِفَةُ تَفَاصِيلِ ذَلِكَ وَمَا يُحْتَرَزُ عَنْهُ بِكُلِّ قَيْدٍ مِنْ الْقُيُودِ فَمَوْضِعُهُ أُصُولُ الْفِقْهِ إذَا عُرِفَ هَذَا فَنَقُولُ: فَأَمَّا الْأَصْلُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَهُوَ الْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ. أَعْنِي الْغَائِطَ، وَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنًى مَعْقُولٍ، وَهُوَ أَنَّ لِخُرُوجِ النَّجَاسَةِ أَثَرًا فِي زَوَالِ الطَّهَارَةِ عَنْ الْمَخْرَجِ لِاتِّصَافِهِ بِضِدِّ الطَّهَارَةِ وَهُوَ التَّلَوُّثُ بِالنَّجَاسَةِ، وَعَنْ سَائِرِ الْبَدَنِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الِاتِّصَافَ بِالْحَدَثِ لَا يَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ، وَعَلَى مَعْنًى غَيْرِ مَعْقُولٍ، وَهُوَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ.
وَأَمَّا الْفَرْعُ فِيهِ فَهُوَ الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ عُلَمَاءَنَا اعْتَبَرُوا فَاسْتَنْبَطُوا أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ كَانَ حَدَثًا لِكَوْنِهِ نَجَسًا خَارِجًا مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ مِنْ قَوْله تَعَالَى {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [المائدة: 6] الْآيَةَ، وَهُوَ نَصٌّ مَعْلُولٌ بِذَلِكَ الْوَصْفِ لِظُهُورِ أَثَرِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ بِهِ وَهُوَ انْتِقَاضُ الطَّهَارَةِ بِخُرُوجِ دَمِ الْحَيْضِ
الجزء 1 · صفحة 43
لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَضْعَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ فَيُسْتَدَلُّ بِالظُّهُورِ عَلَى الِانْتِقَالِ وَالْخُرُوجِ، وَمِلْءُ الْفَمِ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ إلَّا بِتَكَلُّفٍ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ ظَاهِرًا فَاعْتُبِرَ خَارِجًا.
وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَلِيلُ الْقَيْءِ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ، وَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالنِّفَاسِ، وَوَجَدُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ فَعَدُوًّا الْحُكْمَ الْأَوَّلَ إلَيْهِ، وَتَعَدِّي الْحُكْمِ الثَّانِي وَهُوَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَيْضًا ضَرُورَةُ تَعَدِّي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَعَدَّ إلَيْهِ تَغَيَّرَ حُكْمُ النَّصِّ بِالتَّعْلِيلِ وَذَلِكَ يُفْسِدُ الْقِيَاسَ. فَإِنْ قِيلَ التَّغَيُّرُ وَاقِعٌ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْخُرُوجِ مُؤَثِّرٌ فِي الْأَصْلِ وَاعْتَبَرْتُمْ فِي الْفَرْعِ السَّيَلَانَ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ فَأَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ غَيْرَ أَنَّ الْخُرُوجَ يَتَحَقَّقُ بِالسَّيَلَانِ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ وَبِمِلْءِ الْفَمِ إلَخْ. فَإِنْ قِيلَ قَدْ ذَكَرْتُمْ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْقِيَاسِ أَلَّا يَكُونَ الْأَصْلُ مَخْصُوصًا بِحُكْمِهِ بِنَصٍّ آخَرَ، وَلَا نُسَلِّمُ وُجُودَهُ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاءَ فَلَمْ يَتَوَضَّأْ» ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [المائدة: 6] مَخْصُوصٌ بِحُكْمِهِ وَهُوَ نَقْضُ الطَّهَارَةِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْقَلِيلِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ. وَيُجَابُ عَمَّا لَوْ قِيلَ وَمِنْ شَرْطِهِ أَلَّا يَكُونَ الْفَرْعُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ وَقَدْ رَوَيْتُمْ فِيهِ حَدِيثَيْنِ بِأَنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ لَيْسَ بِمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ خِلَافَهُ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قَدْ ذَكَرْتُمْ أَنَّ الْأَصْلَ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنًى مَعْقُولٍ وَمَعْنًى غَيْرِ مَعْقُولٍ، وَعَدَّيْتُمْ غَيْرَ الْمَعْقُولِ تَبَعًا لِلْمَعْقُولِ لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّغَيُّرُ الْمُفْسِدُ لِتَعْدِيَةِ الْمَعْقُولِ، فَهَلَّا تَرَكْتُمْ تَعْدِيَةَ غَيْرِ الْمَعْقُولِ وَجَعَلْتُمْ الْمَعْقُولَ تَبَعًا لَهُ فِي ذَلِكَ؟ وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَوَّلَ مَعْقُولٌ لِمَا ذَكَرْنَا وَمَشْرُوعٌ لِاعْتِبَارِهِ فِي الشَّرْعِ حَدَثًا، وَالثَّانِي مَشْرُوعٌ فَقَطْ فَجَعْلُهُ تَابِعًا لِلْأَوَّلِ أَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ لَا مَحَالَةَ.
وَالثَّانِي أَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا اعْتَبَرَ الْأَوَّلَ حَدَثًا اسْتَلْزَمَ الطَّهَارَةَ عِنْدَ تَكَرُّرِهِ، وَفِي غَسْلِ جَمِيعِ الْبَدَنِ كُلَّمَا وُجِدَ حَرَجٌ بَيِّنٌ فَاقْتَصَرَ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ الظَّاهِرِ تَيْسِيرًا عَلَيْنَا، فَكَانَ الثَّانِي مِنْ ضَرُورَاتِ الْأَوَّلِ فَكَانَ تَابِعًا لَهُ، وَعَرَّفَ مِلْءَ الْفَمِ بِمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ.
وَقِيلَ إنْ مَنَعَ مِنْ الْكَلَامِ فَهُوَ مِلْؤُهُ وَإِلَّا فَلَا. وَفَرَّقَ بَيْنَ الْمِلْءِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْفَمَ تَجَاذَبَ فِيهِ دَلِيلَانِ: أَحَدُهُمَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ ظَاهِرًا، وَالْآخَرُ يَقْتَضِي كَوْنَهُ بَاطِنًا حَقِيقَةً وَحُكْمًا. أَمَّا الْحَقِيقَةُ فَلِأَنَّهُ إذَا فَتَحَ فَاهُ يَظْهَرُ، وَإِذَا ضَمَّهُ يُبْطِنُ. وَأَمَّا الْحُكْمُ فَلِأَنَّ الصَّائِمَ إذَا أَخَذَ الْمَاءَ بِفِيهِ ثُمَّ مَجَّهُ لَمْ يُفْسِدْ صَوْمَهُ كَمَا إذَا سَالَ الْمَاءُ عَلَى ظَاهِرِ جِلْدِهِ فَكَانَ ظَاهِرًا.
وَإِذَا ابْتَلَعَ رِيقَهُ لَا يُفْسِدُ صَوْمَهُ أَيْضًا كَمَا إذَا انْتَقَلَ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ بَطْنِهِ إلَى أُخْرَى فَكَانَ بَاطِنًا، فَوَفَّرْنَا عَلَى الدَّلِيلَيْنِ حُكْمَهُمَا فَقُلْنَا إذَا كَثُرَ يَنْقُضُ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ غَالِبًا بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ الْإِنْسَانُ عَلَى ضَبْطِهِ إلَّا بِكُلْفَةٍ فَاعْتُبِرَ خَارِجًا، وَإِذَا قَلَّ لَا يَنْقُضُ فَيَصِيرُ تَبَعًا لِلرِّيقِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ ظَاهِرًا فَاعْتُبِرَ خَارِجًا. فَإِنْ قِيلَ: عَرَّفَ الْمُصَنِّفُ مِلْءَ الْفَمِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ وَالتَّعْرِيفَاتُ لَا يُسْتَدَلُّ عَلَيْهَا.
فَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ ظَاهِرًا لَيْسَ دَلِيلًا لِقَوْلِهِ وَمِلْءُ الْفَمِ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ إلَخْ، بَلْ هُوَ دَلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَبِمِلْءِ الْفَمِ فِي الْقَيْءِ. قَالَ (وَقَالَ زُفَرُ: قَلِيلُ الْقَيْءِ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ) قَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَمَّا كَانَ الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ حَدَثًا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ الدَّلِيلِ وَجَبَ.
الجزء 1 · صفحة 44
السَّيَلَانُ عِنْدَهُ اعْتِبَارًا بِالْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ، وَلِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْقَلْسُ حَدَثٌ» . وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَيْسَ فِي الْقَطْرَةِ وَالْقَطْرَتَيْنِ مِنْ الدَّمِ وُضُوءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَائِلًا» وَقَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ عَدَّ الْأَحْدَاثَ جُمْلَةً: أَوْ دَسْعَةً تَمْلَأُ الْفَمَ. وَإِذَا تَعَارَضَتْ الْأَخْبَارُ يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى الْقَلِيلِ، وَمَا رَوَاهُ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى الْكَثِيرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْلَكَيْنِ قَدْ بَيَّنَّاهُ.
وَلَوْ قَاءَ مُتَفَرِّقًا بِحَيْثُ لَوْ جُمِعَ يَمْلَأُ الْفَمَ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُعْتَبَرُ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــQأَنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ كَالْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ، وَهُوَ قِيَاسٌ ظَاهِرٌ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْقَلْسُ حَدَثٌ» رَوَاهُ سَوَّارُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ بَعْضِ آبَائِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ فِي شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مَا ذُكِرَ عَنْ الْخَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ: الْقَلْسُ مَا خَرَجَ مِنْ الْفَمِ مِلْءَ الْفَمِ أَوْ دُونَهُ. وَإِنَّمَا قَدَّمَ الِاسْتِدْلَالَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ مُقِرٌّ بِصِحَّةِ الْقِيَاسِ لَا نِزَاعَ لَهُ فِيهَا فَكَانَ أَقْطَعَ فِي الْإِلْزَامِ. وَلَنَا قَوْلُهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَيْسَ فِي الْقَطْرَةِ وَالْقَطْرَتَيْنِ مِنْ الدَّمِ وُضُوءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَائِلًا» أَيْ لَيْسَ فِي الْقَطْرَةِ وَالْقَطْرَتَيْنِ بِالْقُوَّةِ مِنْ الدَّمِ وُضُوءٌ، لَكِنْ إذَا سَالَ الدَّمُ فَفِيهِ الْوُضُوءُ.
وَحَاصِلُ مَعْنَاهُ: لَا وُضُوءَ فِي الدَّمِ الْقَلِيلِ، لَكِنْ فِي الْكَثِيرِ وُضُوءٌ وَهُوَ السَّائِلُ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ لَيْسَتْ بِمُرَادَةٍ لِحُصُولِهَا بَعْدَ السَّيَلَانِ، وَالْمَجَازُ وَهُوَ الْقَلِيلُ لَا يَتَنَاوَلُ السَّائِلَ فَلَا يَكُونُ مُتَّصِلًا. فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ لَيْسَتْ بِمُرَادَةٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ قَطْرَ الدَّمِ مِنْ رَأْسِ الْجُرْحِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسِيلَ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْمَنْعَ لَا يَضُرُّنَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ كَوْنِهِ مُنْقَطِعًا وَهُوَ ظَاهِرُهُ (قَوْلُهُ: وَقَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ عَدَّ الْأَحْدَاثَ جُمْلَةً: أَوْ دَسْعَةً) أَيْ دَفْعَةً مِنْ الْقَيْءِ اسْتِدْلَالٌ بِالْأَثَرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَالَ سَمَاعًا مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَارَ قَوْلُهُ: كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
وَقَوْلُهُ: (وَإِذَا تَعَارَضَتْ الْأَخْبَارُ) يَعْنِي أَنَّ الْأَصْلَ فِي الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ أَنْ يُعْمَلَ بِهِمَا إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا فَيُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا إنْ أَمْكَنَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ يَتَهَاتَرَانِ فَيُصَارُ إلَى الْقِيَاسِ، فَإِنْ تَعَارَضَ الْقِيَاسَانِ يَعْمَلُ الْمُجْتَهِدُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ تَعَارَضَ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ قَوْلِهِ «قَاءَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَلَمْ يَتَوَضَّأْ» وَمَا رَوَاهُ زُفَرُ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْقَلْسُ حَدَثٌ» وَالْعَمَلُ بِهِمَا مُمْكِنٌ بِحَمْلِ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى الْقَلِيلِ، وَمَا رَوَاهُ زُفَرُ عَنْ الْكَثِيرِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَيْءَ مِلْءَ الْفَمِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَكْلِ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ عَنْ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ (قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْلَكَيْنِ) أَيْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ وَغَيْرِهِ جَوَابٌ لِزُفَرَ عَنْ اعْتِبَارِ غَيْرِ الْمُعْتَادِ بِالْمُعْتَادِ، وَقَدْ بَيَّنَّا عِنْدَ قَوْلِهِ غَيْرَ أَنَّ الْخُرُوجَ إلَخْ فَلَا نُعِيدُهُ (وَلَوْ قَاءَ مُتَفَرِّقًا بِحَيْثُ لَوْ جُمِعَ يَمْلَأُ الْفَمَ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُعْتَبَرُ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ) ؛ لِأَنَّ لَهُ أَثَرًا فِي جَمْعِ الْمُتَفَرِّقَاتِ وَلِهَذَا تَتَّحِدُ الْأَقْوَالُ الْمُتَفَرِّقَةُ فِي النِّكَاحِ
الجزء 1 · صفحة 45
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُعْتَبَرُ اتِّحَادُ السَّبَبِ وَهُوَ الْغَثَيَانُ، ثُمَّ مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا لَا يَكُونُ نَجَسًا، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجَسٍ حُكْمًا حَيْثُ لَمْ تَنْتَقِضْ بِهِ الطَّهَارَةُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْبَيْعِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ بِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ، وَكَذَا التِّلَاوَاتُ الْمُتَعَدِّدَةُ لِآيَةِ السَّجْدَةِ تَتَّحِدُ بِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ.
(وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُعْتَبَرُ اتِّحَادُ السَّبَبِ وَهُوَ الْغَثَيَانُ) ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ عَلَى حَسَبِ ثُبُوتِ السَّبَبِ مِنْ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فَيَتَّحِدُ بِاتِّحَادِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا جُرِحَ جِرَاحَاتٍ وَمَاتَ مِنْهَا قَبْلَ الْبُرْءِ يَتَّحِدُ الْمُوجِبُ وَإِنْ تَخَلَّلَ الْبُرْءُ اخْتَلَفَ، وَتَفْسِيرُ الِاتِّحَادِ فِي الْغَثَيَانِ أَنْ يَقِيءَ ثَانِيًا قَبْلَ سُكُونِ النَّفْسِ عَنْ الْغَثَيَانِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ سَكَنَتْ ثُمَّ قَاءَ فَهُوَ حَدَثٌ جَدِيدٌ. (ثُمَّ مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا لَا يَكُونُ نَجِسًا يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ) وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ذَكَرَهُ فِي جَامِعِ الْكَرْدَرِيِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ نَجِسٌ عِنْدَهُ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ احْتِيَاطًا. وَفَائِدَتُهُ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا أَخَذَهُ بِقُطْنَةٍ فَأَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ لَا يَنْجُسُ الْمَاءُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ.
وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَرْفَقُ خُصُوصًا فِي حَقِّ أَصْحَابِ الْقُرُوحِ، وَوَجْهُ الصِّحَّةِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ إنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ حُكْمًا حَيْثُ لَمْ تُنْتَقَضْ بِهِ الطَّهَارَةُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْخَارِجَ النَّجِسَ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ الْحَيِّ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ حَدَثًا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ حَدَثًا فَقَدْ انْتَفَى اللَّازِمُ وَانْتِفَاؤُهُ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الْمَلْزُومِ وَفِي كَلَامِهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا، وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ تُنْتَقَضْ بِهِ الطَّهَارَةُ لَيْسَ بِحَدَثٍ، فَكَانَ مَعْنَى كَلَامِهِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا لَيْسَ بِنَجِسٍ حُكْمًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ وَهُوَ مُصَادَرَةٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ مَرَّتَيْنِ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يُسْتَدَلُّ بِعَدَمِ نَقْضِ الطَّهَارَةِ عَلَى عَدَمِ النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ النَّقْضِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ خَارِجٍ لَا لِكَوْنِهِ غَيْرَ نَجِسٍ، فَإِنَّ عِلَّةَ النَّاقِضِ ذَاتُ وَصْفَيْنِ: وَصْفِ الْخُرُوجِ، وَوَصْفِ النَّجَاسَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ انْتِفَاؤُهُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ خَارِجٍ دُونَ انْتِفَاءِ الْوَصْفِ الْآخَرِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ تَقْرِيرَ كَلَامِهِ هَكَذَا مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا لَا يَكُونُ نَجِسًا،؛ لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا لَيْسَ بِنَجَسٍ حُكْمًا. وَقَوْلُهُ: حُكْمًا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ النَّجَسَ هُوَ مَا يَحْكُمُ الشَّرْعُ بِنَجَاسَتِهِ، وَالشَّرْعُ لَمْ يَحْكُمُ بِنَجَاسَتِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ بِالنَّجَاسَةِ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ حَدَثًا وَلَيْسَ بِحَدَثٍ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ الدَّلِيلِ فَلَا يَكُونُ نَجَسًا.
وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ غَيْرَ الْخَارِجِ لَا يُعْطَى لَهُ حُكْمَ النَّجَاسَةِ لِكَوْنِهِ فِي مَحَلِّهِ، فَإِنَّ مَنْ صَلَّى وَهُوَ حَامِلٌ سَخْلَةً أَوْ بَيْضَةً حَالَ مَجِّهَا دَمًا جَازَتْ صَلَاتُهُ، فَكَانَ انْتِفَاءُ الْخُرُوجِ مُسْتَلْزِمًا لِانْتِفَاءِ النَّجَاسَةِ، وَنُوقِضَ بِدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ وَالْجُرْحِ
الجزء 1 · صفحة 46
(وَهَذَا إذَا قَاءَ مُرَّةً أَوْ طَعَامًا أَوْ مَاءً، فَإِنْ قَاءَ بَلْغَمًا فَغَيْرُ نَاقِضٍ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَاقِضٌ إذَا كَانَ مِلْءَ الْفَمِ، وَالْخِلَافُ فِي الْمُرْتَقِي مِنْ الْجَوْفِ. أَمَّا النَّازِلُ مِنْ الرَّأْسِ فَغَيْرُ نَاقِضٍ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ.
لِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ نَجِسٌ بِالْمُجَاوَرَةِ، وَلَهُمَا أَنَّهُ لَزِجٌ لَا تَتَخَلَّلُهُ النَّجَاسَةُ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ قَلِيلٌ وَالْقَلِيلُ فِي الْقَيْءِ غَيْرُ نَاقِضٍ (وَلَوْ قَاءَ دَمًا وَهُوَ عَلَقٌ يُعْتَبَرُ فِيهِ مِلْءُ الْفَمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالسَّائِلُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ وَهُوَ نَجَسٌ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ بَلْ هُوَ حَدَثٌ لَكِنْ لَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ (قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ بِمِلْءِ الْفَمِ (إذَا قَاءَ مَرَّةً أَوْ طَعَامًا أَوْ مَاءً، فَإِنْ قَاءَ بَلْغَمًا) يَعْنِي صِرْفًا لَا يَشُوبُهُ طَعَامٌ، فَإِمَّا أَنْ يَنْزِلَ مِنْ الرَّأْسِ أَوْ يَرْتَقِيَ مِنْ الْجَوْفِ، وَالْأَوَّلُ غَيْرُ نَاقِضٍ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ. وَكَذَا الثَّانِي عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ. لَهُ أَنَّهُ نَجَسٌ بِمُجَاوَرَةِ مَا فِي الْمَعِدَةِ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَقَدْ خَرَجَ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ فَيَكُونُ نَاقِضًا كَالطَّعَامِ وَالصَّفْرَاءِ، وَلَهُمَا أَنَّ الْبَلْغَمَ لَزِجٌ لَا تَتَخَلَّلُهُ النَّجَاسَةُ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ قَلِيلٌ وَالْقَلِيلُ فِي الْقَيْءِ غَيْرُ نَاقِضٍ. فَإِنْ قِيلَ يُنْقَضُ بِبَلْغَمٍ يَقَعُ فِي النَّجَاسَةِ ثُمَّ يُرْفَعُ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا رِوَايَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَئِنْ سُلِّمَ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْبَلْغَمَ مَا دَامَ فِي الْبَاطِنِ تَزْدَادُ ثَخَانَتُهُ فَتَزْدَادُ لُزُوجَتُهُ، فَإِذَا انْفَصَلَ عَنْ الْبَاطِنِ تَقِلُّ ثَخَانَتُهُ فَتَقِلُّ لُزُوجَتُهُ. وَإِذَا قَلَّتْ لُزُوجَتُهُ ازْدَادَتْ رِقَّتُهُ فَجَازَ أَنْ يَقْبَلَ النَّجَاسَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا إذَا اخْتَلَطَ الْبَلْغَمُ بِالطَّعَامِ، قَالُوا: يُعْتَبَرُ فِيهِ الْغَلَبَةُ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ غَالِبًا نَقَضَ كَالدَّمِ وَإِلَّا فَلَا. (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَاءَ دَمًا) فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَجَمِّدًا وَهُوَ الْعَلَقُ أَوْ مَائِعًا. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ يُعْتَبَرُ فِيهِ مِلْءُ الْفَمِ؛ لِأَنَّهُ سَوْدَاءُ مُحْتَرِقَةٌ وَهِيَ تَخْرُجُ مِنْ الْمَعِدَةِ وَالْخَارِجُ مِنْهَا حَدَثٌ إذَا كَانَ مِلْءَ الْفَمِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ. قِيلَ وَهِيَ خَمْسَةٌ: الطَّعَامُ، وَالْمَاءُ وَالْمُرَّةُ، وَالسَّوْدَاءُ، وَالصَّفْرَاءُ. وَعِنْدَهُمَا إنْ سَالَ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ نَقَضَ، وَإِنْ قَلَّ؛ لِأَنَّ الْمَعِدَةَ لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلدَّمِ فَيَكُونُ مِنْ قُرْحَةٍ فِي الْجَوْفِ ظَاهِرًا فَيُعْتَبَرُ بِالْخَارِجِ مِنْ الْقُرْحَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْمُعْتَبَرُ هُنَاكَ السَّيَلَانُ.
فَكَذَلِكَ هَاهُنَا ذُكِرَ فِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهُ أَنَّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُضْطَرِبٌ،
الجزء 1 · صفحة 47
لِأَنَّهُ سَوْدَاءُ مُحْتَرِقَةٌ) وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اعْتِبَارًا بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ، وَعِنْدَهُمَا إنْ سَالَ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا لِأَنَّ الْمَعِدَةَ لَيْسَتْ بِمَحَلِّ الدَّمِ فَيَكُونُ مِنْ قُرْحَةٍ فِي الْجَوْفِ
(وَلَوْ) (نَزَلَ) مِنْ الرَّأْسِ (إلَى مَا لَانَ مِنْ الْأَنْفِ) (نَقَضَ بِالِاتِّفَاقِ) لِوُصُولِهِ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ فَيَتَحَقَّقُ الْخُرُوجُ (وَالنَّوْمُ مُضْطَجِعًا أَوْ مُتَّكِئًا أَوْ مُسْتَنِدًا إلَى شَيْءٍ لَوْ أُزِيلَ عَنْهُ لَسَقَطَ) لِأَنَّ الِاضْطِجَاعَ سَبَبٌ لِاسْتِرْخَاءِ الْمَفَاصِلِ فَلَا يَعْرَى عَنْ خُرُوجِ شَيْءٍ عَادَةً، وَالثَّابِتُ عَادَةً كَالْمُتَيَقَّنِ بِهِ، وَالِاتِّكَاءُ يُزِيلُ مَسْكَةَ الْيَقَظَةِ لِزَوَالِ الْمَقْعَدِ عَنْ الْأَرْضِ، وَيَبْلُغُ الِاسْتِرْخَاءُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مَعَ مُحَمَّدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ. .
(قَوْلُهُ: وَلَوْ نَزَلَ إلَى مَا لَانَ) أَيْ الَّذِي لَانَ مِنْ الْأَنْفِ: يَعْنِي الْمَارِنَ. فَإِنْ قِيلَ حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَدْ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ وَالدَّمُ وَالْقَيْحُ إذَا خَرَجَا مِنْ الْبَدَنِ فَتَجَاوَزَ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ فَكَانَ ذِكْرُهُ تَكَرُّرًا. أُجِيبَ بِأَنَّ ذِكْرَهُ هَاهُنَا لَيْسَ لِبَيَانِ حُكْمِهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا مِنْ ذَلِكَ إذَا وَصَلَ الدَّمُ إلَى قَصَبَةِ الْأَنْفِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ هَاهُنَا بَيَانًا لِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ عِنْدَ زُفَرَ لَا يَنْقُضُ بِوُصُولِهِ إلَى قَصَبَةِ الْأَنْفِ، وَإِنَّمَا يَنْقُضُ إذَا وَصَلَ إلَى مَا لَانَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ بِالِاتِّفَاقِ.
وَقَوْلُهُ: لِوُصُولِهِ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ: يَعْنِي بِالِاتِّفَاقِ لِعَدَمِ الظُّهُورِ قَبْلَ ذَلِكَ عِنْدَ زُفَرَ (قَوْلُهُ: وَالنَّوْمُ مُضْطَجِعًا) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَدَنِ حَقِيقَةً ذَكَرَ نَقْضَهُ بِمَا يُوجِبُ ذَلِكَ حُكْمًا (قَوْلُهُ: وَالنَّوْمُ مُضْطَجِعًا) وَهُوَ أَنْ يَضَعَ النَّائِمُ جَنْبَهُ عَلَى الْأَرْضِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ؛ لِأَنَّ الِاضْطِجَاعَ سَبَبٌ لِاسْتِرْخَاءِ الْمَفَاصِلِ فَلَا يَخْلُو عَنْ خُرُوجِ رِيحٍ عَادَةً، وَالثَّابِتُ عَادَةً كَالْمُتَيَقَّنِ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ دَخَلَ الْمُسْتَرَاحَ ثُمَّ شَكَّ فِي وُضُوئِهِ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِنَقْضِ وُضُوئِهِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ عِنْدَ الدُّخُولِ فِي الْخَلَاءِ بِالتَّبَرُّزِ، بِخِلَافِ مَا إذَا شَكَّ بِدُونِ الدُّخُولِ، وَكَذَلِكَ النَّوْمُ مُتَّكِئًا عَلَى أَحَدِ وَرِكَيْهِ، وَالِاتِّكَاءُ افْتِعَالٌ مِنْ وَكَأَ مُعْتَلِّ الْفَاءِ مَهْمُوزِ اللَّامِ مُقَدَّرٍ لَا مُسْتَعْمَلٍ، فَأَبْدَلَ التَّاءَ فِي اتِّكَاءٍ مِنْ الْوَاوِ إذْ الْأَصْلُ أَوْ اتَّكَأَ، فَإِنَّ التَّاءَ تُبْدَلُ مِنْ الْوَاوِ فِي افْتَعَلَ وَغَيْرِهِ (وَلِأَنَّ الِاتِّكَاءَ يُزِيلُ مَسْكَةَ الْيَقِظَةِ) أَيْ التَّمَاسُكَ
الجزء 1 · صفحة 48
غَايَتَهُ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الِاسْتِنَادِ، غَيْرَ أَنَّ السَّنَدَ يَمْنَعُهُ مِنْ السُّقُوطِ، بِخِلَافِ النَّوْمِ حَالَةَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ بَعْضَ الِاسْتِمْسَاكِ بَاقٍ، إذْ لَوْ زَالَ لَسَقَطَ فَلَمْ يَتِمَّ الِاسْتِرْخَاءُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــQالَّذِي يَكُونُ لِلْيَقْظَانِ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِنَادُ إلَى شَيْءٍ كَجِدَارٍ أَوْ حَائِطٍ بِحَيْثُ إذَا أُزِيلَ سَقَطَ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَصْلِ رِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ وَإِنَّمَا هُوَ مِمَّا اخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ؛ لِأَنَّ الِاسْتِرْخَاءَ يَبْلُغُ غَايَتَهُ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الِاسْتِنَادِ، غَيْرَ أَنَّ السَّنَدَ يَمْنَعُهُ مِنْ السُّقُوطِ، وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ وُضُوءُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ مَقْعَدَهُ مُسْتَقِرٌّ عَلَى الْأَرْضِ فَيَأْمَنُ مِنْ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْهُ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ النَّوْمِ حَالَةَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي الصَّلَاةِ) يَعْنِي إذَا كَانَ عَلَى هَيْئَةِ سُجُودِ الصَّلَاةِ مِنْ تَجَافِي الْبَطْنِ عَنْ الْفَخِذَيْنِ وَعَدَمِ افْتِرَاشِ الذِّرَاعَيْنِ، أَمَّا إذَا كَانَ بِخِلَافِهِ فَيُنْقَضُ.
وَقَوْلُهُ: وَغَيْرُهَا هُوَ الصَّحِيحُ احْتِرَازٌ عَمَّا ذَكَرَ ابْنُ شُجَاعٍ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَدَثًا فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ، أَمَّا إذَا كَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَهُوَ حَدَثٌ وَاَلَّذِي صَحَّحَهُ هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ (؛ لِأَنَّ بَعْضَ الِاسْتِمْسَاكِ بَاقٍ، إذْ لَوْ زَالَ لَسَقَطَ فَلَا يَتِمُّ الِاسْتِرْخَاءُ) وَإِذَا لَمْ يَتِمَّ لَمْ يَكُنْ النَّوْمُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ سَبَبًا لِخُرُوجِ شَيْءٍ عَادَةً فَلَا يُقَامُ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ إنَّمَا يُقَامُ مَقَامَ الْمُسَبَّبِ إذَا كَانَ غَالِبَ الْوُجُودِ بِذَلِكَ السَّبَبِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَغْلِبْ فَلَا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَقَعُ الشَّكُّ فِي وُجُودِ الْحَدَثِ
الجزء 1 · صفحة 49
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، إنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا، فَإِنَّهُ إذَا نَامَ مُضْطَجِعًا اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ»
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالْوُضُوءُ كَانَ ثَابِتًا بِيَقِينٍ فَلَا يُزَالُ بِالشَّكِّ. (وَالْأَصْلُ فِيهِ) أَيْ فِي كَوْنِ النَّوْمِ غَيْرَ نَاقِضٍ لِلْوُضُوءِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ (قَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، إنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا فَإِنَّهُ إذَا نَامَ مُضْطَجِعًا اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُسْنَدًا إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَإِنْ قِيلَ هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى أَبِي الْعَالِيَةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْد النَّقَلَةِ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ: حَدِّثْ عَمَّنْ شِئْت إلَّا عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فَإِنَّهُ لَا يُبَالِي عَمَّنْ أَخَذَ: أَيْ لَا يُبَالِي أَنْ يَرْوِيَ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ.
الجزء 1 · صفحة 50
(وَالْغَلَبَةُ عَلَى الْعَقْلِ بِالْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونُ) لِأَنَّهُ فَوْقَ النَّوْمِ مُضْطَجِعًا فِي الِاسْتِرْخَاءِ، وَالْإِغْمَاءِ حَدَثٌ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي النَّوْمِ إلَّا أَنَّا عَرَفْنَاهُ بِالْأَثَرِ، وَالْإِغْمَاءُ فَوْقَهُ فَلَا يُقَاسَ عَلَيْهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQأُجِيبَ بِأَنَّ أَبَا الْعَالِيَةِ ثِقَةٌ نَقَلَ عَنْهُ الثِّقَاتُ كَالْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيِّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، وَكَوْنُهُ لَا يُبَالِي عَمَّنْ أَخَذَ يُؤَثِّرُ فِي مَرَاسِيلِهِ دُونَ مَسَانِيدِهِ، وَقَدْ أَسْنَدَ هَذَا الْحَدِيثَ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ نَفْيُ الْوُضُوءِ عَمَّنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا. وَالثَّانِي: إثْبَاتُهُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا مُؤَكَّدًا بِإِنَّمَا. فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا لِلْحَصْرِ وَلَا حَصْرَ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَمْ يَنْحَصِرْ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا بَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْتَنِدِ وَالْمُتَّكِئِ كَمَا مَرَّ وَأُجِيبَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لِلْحَصْرِ بَلْ هُوَ لِتَأْكِيدِ الْإِثْبَاتِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَصِيغَتُهُ أَفَادَتْ الْحَصْرَ فِي الْمُضْطَجِعِ وَالْمُتَّكِئِ، وَالْمُسْتَنِدُ يَلْحَقُ بِهِ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ.
وَالثَّالِثُ التَّعْلِيلُ وَهُوَ قَوْلُهُ: «فَإِنَّهُ إذَا نَامَ مُضْطَجِعًا اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ» فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْوُضُوءِ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا لِعَدَمِ الِاسْتِرْخَاءِ، وَعَلَى وُجُوبِهِ عَلَى الْمُضْطَجِعِ وَمَنْ هُوَ بِمَعْنَاهُ لِوُجُودِهِ فِيهِ. قِيلَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ «اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ» : بَلَغَ الِاسْتِرْخَاءُ غَايَتَهُ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الِاسْتِرْخَاءِ يُوجَدُ فِيمَنْ نَامَ قَائِمًا، فَحِينَئِذٍ يَتَنَاقَضُ أَوَّلُ الْحَدِيثِ وَآخِرُهُ. وَرُبَّمَا يُشِيرُ إلَى هَذَا قَوْلُهُ: مَنْ قِيلَ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الِاسْتِمْسَاكِ بَاقٍ، وَقَوْلُهُ: فَلَا يَتِمُّ الِاسْتِرْخَاءُ. .
قَالَ (وَالْغَلَبَةُ عَلَى الْعَقْلِ بِالْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونُ) وَالْجُنُونُ مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ وَالْغَلَبَةُ، وَالْجَرُّ خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ فِي الْإِغْمَاءِ مَغْلُوبٌ وَفِي الْجُنُونِ مَسْلُوبٌ، وَلِهَذَا جَازَ الْإِغْمَاءُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ دُونَ الْجُنُونِ، وَالْإِغْمَاءُ ضَرْبُ مَرَضٍ يُضْعِفُ الْقُوَى وَلَا يُزِيلُ الْحِجَا، وَسَبَبُهُ امْتِلَاءُ بُطُونِ الدِّمَاغِ مِنْ بَلْغَمٍ غَلِيظٍ بَارِدٍ.
وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ (فَوْقَ النَّوْمِ مُضْطَجِعًا فِي الِاسْتِرْخَاءِ) ؛ لِأَنَّ النَّائِمَ يَتَنَبَّهُ بِالتَّنَبُّهِ دُونَهُمَا (وَالْإِغْمَاءُ حَدَثٌ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا) يَعْنِي حَالَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِوُجُودِ الِاسْتِرْخَاءِ، وَهُوَ
الجزء 1 · صفحة 51
(وَالْقَهْقَهَةُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ ذَاتِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ) وَالْقِيَاسُ أَنَّهَا لَا تَنْقُضُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ نَجَسٍ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ حَدَثًا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَخَارِجِ الصَّلَاةِ. وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَلَا مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ قَهْقَهَةً فَلْيُعِدْ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ جَمِيعًا» وَبِمِثْلِهِ يُتْرَكُ الْقِيَاسُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْقِيَاسُ فِي النَّوْمِ لِزَوَالِ الْمَقْعَدَةِ عَنْ الْأَرْضِ وَوُجُودِ أَصْلِ الِاسْتِرْخَاءِ، لَكِنْ تَرَكْنَا هَذَا الْقِيَاسَ فِي النَّوْمِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا» الْحَدِيثَ، وَالْإِغْمَاءُ فَوْقَهُ كَمَا مَرَّ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ وَلَا يَلْحَقُ بِهِ دَلَالَةً؛ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ أَلَّا يَكُونَ أَدْنَى الْغَفْلَةِ نَاقِضًا أَلَّا يَكُونَ أَعْلَاهَا نَاقِضًا. وَالسُّكْرُ إذَا حَصَلَ بِهِ تَمَايُلٌ فِي الْمِشْيَةِ كَالْإِغْمَاءِ قِيلَ لَمْ يُعَلِّلْ الْمُصَنِّفُ لِلْجُنُونِ، وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ عَلَّلَهُ بِغَلَبَةِ الِاسْتِرْخَاءِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَجْنُونَ قَدْ يَكُونُ أَقْوَى مِنْ الصَّحِيحِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إنَّهُ نَاقِضٌ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ مُبَالَاتِهِ وَتَمْيِيزِ الْحَدَثِ عَنْ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْقَهْقَهَةُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ ذَاتِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ) احْتِرَازٌ عَنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ (وَلَنَا قَوْلُهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَلَا مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ قَهْقَهَةً» ) الْحَدِيثَ، رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي وَأَصْحَابُهُ خَلْفَهُ فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ وَفِي بَصَرِهِ سُوءٌ: أَيْ ضَعْفٌ، فَوَقَعَ فِي رَكِيَّةٍ فَضَحِكَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: أَلَا مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ» الْحَدِيثَ، وَرَوَاهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ وَرَوَاهُ أَبُو الْعَالِيَةِ مُرْسَلًا وَمُسْنَدًا إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ (وَبِمِثْلِهِ) أَيْ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي عَمِلَ بِهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، وَكَانَ رَاوِيهِ مَعْرُوفًا بِالْفِقْهِ وَالتَّقَدُّمِ فِي الِاجْتِهَادِ كَأَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (يُتْرَكُ الْقِيَاسُ) قِيلَ التَّعَلُّقُ
الجزء 1 · صفحة 52
وَالْأَثَرُ وَرَدَ فِي صَلَاةِ مُطْلَقَةٍ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهَا. وَالْقَهْقَهَةُ مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ وَلِجِيرَانِهِ، وَالضَّحِكُ مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ دُونَ جِيرَانِهِ وَهُوَ عَلَى مَا قِيلَ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ دُونَ الْوُضُوءِ.
(وَالدَّابَّةُ تَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ نَاقِضَةٌ، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ رَأْسِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQبِهِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكِيَّةٌ فَكَانَ مَوْضُوعًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي خَبَرِ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ رَكِيَّةٌ. وَرَاوِي الْمَسْجِدِ كَأَبِي مُوسَى وَأُسَامَةَ ثِقَةٌ وَهُوَ مُثْبِتٌ فَهُوَ أَوْلَى.
وَقِيلَ لَا يَصِحُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُتَوَهَّمُ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الضَّحِكُ فِي الصَّلَاةِ قَهْقَهَةً، وَاَلَّذِينَ كَانُوا خَلْفَهُ أَصْحَابُهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي خَلْفَهُ الصَّحَابَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَالْأَعْرَابِ الْجُهَّالِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ حُسْنِ الظَّنِّ بِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَإِلَّا فَلَيْسَ الضَّحِكُ كَبِيرَةً، وَهْم لَيْسُوا مِنْ الصَّغَائِرِ بِمَعْصُومِينَ وَلَا مِنْ الْكَبَائِرِ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ كَبِيرَةً. (قَوْلُهُ: وَالْأَثَرُ وَرَدَ فِي صَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ) أَيْ كَامِلَةٍ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهَا فَلَا يَتَعَدَّى إلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَصَلَاةِ الصَّبِيِّ وَصَلَاةِ الْبَانِي بَعْدَ الْوُضُوءِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَصَلَاةِ النَّائِمِ فَإِنَّ الْوُضُوءَ لَا يَفْسُدُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْقَهْقَهَةِ وَالضَّحِكِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ التَّبَسُّمَ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُفْسِدٍ لِلصَّلَاةِ وَلَا لِلْوُضُوءِ فَلَيْسَ لَهُ هَاهُنَا مَدْخَلٌ. «قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا تَبَسَّمَ وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ» .
: قَالَ: (وَالدَّابَّةُ تَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ تَنْقُضُ الْوُضُوءِ) الدَّابَّةُ: أَيْ الدُّودَةُ الَّتِي تَنْشَأُ فِي الْبَطْنِ إذَا خَرَجَتْ مِنْ الدُّبُرِ نَقَضَتْ الْوُضُوءَ، وَاَلَّتِي تَنْشَأُ فِي الْجُرْحِ إذَا خَرَجَتْ مِنْهُ أَوْ لَحْمٌ سَقَطَ مِنْهُ لَمْ يَنْقُضْ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الدُّودَةِ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ، وَلِهَذَا لَوْ غُسِلَتْ جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهَا فَلَمْ يَبْقَ مِنْ النَّجَسِ إلَّا مَا عَلَيْهَا وَذَلِكَ قَلِيلٌ وَهُوَ حَدَثٌ فِي السَّبِيلَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا، فَأَشْبَهَ الْخَارِجُ مِنْ الْجُرْحِ الْجُشَاءَ فِي عَدَمِ النَّقْضِ، وَالْخَارِجُ مِنْ الدُّبُرِ الْفُسَاءَ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ. قِيلَ إنَّمَا فَسَّرَ الدَّابَّةَ بِالدُّودَةِ؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ مَا يَدِبُّ عَلَى
الجزء 1 · صفحة 53
الْجُرْحِ أَوْ سَقَطَ اللَّحْمُ لَا تَنْقُضُ) وَالْمُرَادُ بِالدَّابَّةِ الدُّودَةُ وَهَذَا لِأَنَّ النَّجَسَ مَا عَلَيْهَا وَذَلِكَ قَلِيلٌ وَهُوَ حَدَثٌ فِي السَّبِيلَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا، فَأَشْبَهَ الْجُشَاءَ وَالْفُسَاءَ، بِخِلَافِ الرِّيحِ الْخَارِجَةِ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ وَذَكَرِ الرَّجُلِ لِأَنَّهَا لَا تَنْبَعِثُ عَنْ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ مُفْضَاةً يُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ لِاحْتِمَالِ خُرُوجِهَا مِنْ الدُّبُرِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأَرْضِ، فَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَا يَدْخُلُ الْجُرْحَ كَالذُّبَابِ فَيَخْرُجُ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ فَفَسَّرَهُ بَيَانًا لِذَلِكَ.
وَقِيلَ قَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا لَا يَكُونُ نَجَسًا هُوَ الصَّحِيحُ، وَقَالَ هَاهُنَا:؛ لِأَنَّ النَّجَسَ مَا عَلَيْهَا وَذَلِكَ تَنَاقُضٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ كَانَ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ، أَوْ أَطْلَقَ النَّجَسَ بِطَرِيقِ الْفَرْضِ: يَعْنِي لَوْ كَانَ ثَمَّةَ نَجَسٌ فَهُوَ مَا عَلَيْهَا، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الشَّرْطِيَّةِ إنْ كَانَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَكِنْ ثَمَّةَ نَجَسٌ فَيَكُونُ مَا عَلَيْهَا لَمْ يَسْتَقِمْ فِي الْجُرْحِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا لَا يَكُونُ نَجَسًا وَهُوَ لَيْسَ بِحَدَثٍ فِي الْجُرْحِ فَلَا يَكُونُ نَجَسًا، وَإِنْ كَانَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَكِنْ لَمْ يَكُنْ نَجَسٌ مَا عَلَيْهَا فَلَا يَكُونُ نَجَسًا لَمْ يَسْتَقِمْ فِي الدُّبُرِ؛ لِأَنَّهُ نَجَسٌ وَحَدَثٌ وَالْأَوَّلُ صَوَابٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أَطْلَقَ النَّجَسَ عَلَى مَا يَخْرُجُ مِنْ الْجُرْحِ بِطَرِيقِ الْمُشَاكَلَةِ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الدُّبُرِ نَجَسًا ذُكِرَ فِي الْجُرْحِ بِلَفْظِ النَّجَسِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الرِّيحِ الْخَارِجَةِ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ) مُتَّصِلٌ بِالْفُسَاءِ: يَعْنِي أَنَّهُ نَاقِضٌ، بِخِلَافِ الرِّيحِ الْخَارِجَةِ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ (وَذَكَرِ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْبَعِثُ عَنْ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ مُفْضَاةً) وَهِيَ الَّتِي صَارَ سَبِيلَاهَا وَاحِدًا (يُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فُسَاءً.
وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّ عَيْنَ الرِّيحِ نَجَسٌ أَوْ مُتَنَجِّسٌ بِمُرُورِهَا عَلَى النَّجَاسَةِ وَثَمَرَتُهُ تَظْهَرُ فِيمَا لَوْ خَرَجَ مِنْهُ الرِّيحُ وَعَلَيْهِ سَرَاوِيلُ مُبْتَلَّةٌ، فَمَنْ قَالَ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهَا قَالَ بِتَنَجُّسِ السَّرَاوِيلِ، وَمَنْ قَالَ بِطَهَارَةِ عَيْنِهَا لَمْ يَقُلْ بِهِ، كَمَا لَوْ مَرَّتْ الرِّيحُ بِنَجَاسَةٍ ثُمَّ مَرَّتْ بِثَوْبِ مُبْتَلٍّ فَإِنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ بِهَا. قِيلَ إذَا كَانَ الْخُرُوجُ مِنْ الدُّبُرِ مُحْتَمَلًا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوُضُوءُ وَاجِبًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ كَوْنَهَا مُتَوَضِّئَةً ثَابِتٌ بِيَقِينٍ، وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالْمُحْتَمَلِ كَالشَّاكِّ فِي الْحَدَثِ. وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْكَبِيرُ: يَجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ
الجزء 1 · صفحة 54
(فَإِنْ قُشِرَتْ نَفْطَةٌ فَسَالَ مِنْهَا مَاءٌ أَوْ صَدِيدٌ أَوْ غَيْرُهُ إنْ سَالَ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ نَقَضَ، وَإِنْ لَمْ يَسِلْ لَا يَنْقُضُ) وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَنْقُضُ فِي الْوَجْهَيْنِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَنْقُضُ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ نَجِسَةٌ لِأَنَّ الدَّمَ يَنْضَجُ فَيَصِيرُ قَيْحًا ثُمَّ يَزْدَادُ نُضْجًا فَيَصِيرُ صَدِيدًا ثُمَّ يَصِيرُ مَاءً، هَذَا إذَا قَشَرَهَا فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ، أَمَّا إذَا عَصَرَهَا فَخَرَجَ بِعَصْرِهِ لَا يَنْقُضُ لِأَنَّهُ مُخْرَجٌ وَلَيْسَ بِخَارِجٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَهُوَ رِوَايَةُ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ. وَقِيلَ إذَا كَانَتْ مُنْتِنَةً يَجِبُ وَإِلَّا فَلَا.
وَقَوْلُهُ: (قُشِّرَتْ نَفِطَةٌ) فِي نُونِهَا الْحَرَكَاتُ الثَّلَاثُ وَهُوَ بَثْرٌ يَخْرُجُ بِالْيَدِ مَلْآنُ مَاءً، مِنْ قَوْلِهِمْ انْتَفَطَ فُلَانٌ: أَيْ امْتَلَأَ غَضَبًا، إذَا قُشِّرَتْ فَإِمَّا أَنْ يَسِيلَ الْمَاءُ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ أَوْ لَا، وَسَمَّاهُ جُرْحًا؛ لِأَنَّ قِشْرَهَا جُرْحٌ لَهَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ نُقِضَ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَمْ يُنْقَضْ، وَإِنَّمَا أَعَادَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَإِنْ كَانَتْ تُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ لِيُعْلَمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْخَارِجِ وَالْمَخْرَجِ، أَوْ لِيُعْلَمَ أَنَّ حُكْمَ الْمَاءِ حُكْمُ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَذْكُرْهُ مِنْ قَبْلُ، فَرُبَّمَا كَانَ يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ كَغَيْرِهِ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ: أَعْنِي قَوْلَهُ مَاءٌ أَوْ صَدِيدٌ أَوْ غَيْرَهُمَا، وَقَوْلُهُ: هَذَا: أَيْ الَّذِي ذُكِرَ أَنَّهُ إذَا سَالَ نُقِضَ إنَّمَا هُوَ إذَا قَشَّرَهَا فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ، أَمَّا إذَا عَصَرَهَا فَخَرَجَ بِعَصْرِهِ
الجزء 1 · صفحة 55
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَلَوْ لَمْ يَعْصِرْهَا لَمْ يَخْرُجْ لَمْ يُنْقَضْ؛ لِأَنَّهُ مُخْرَجٌ وَلَيْسَ بِخَارِجٍ، وَهُوَ مُخْتَارُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ: يُنْقَضُ. قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدِي؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ لَازِمُ الْإِخْرَاجِ، وَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ اللَّازِمِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَلْزُومِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْإِخْرَاجَ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ يَسْتَلْزِمُهُ، فَكَانَ ثُبُوتُهُ غَيْرَ قَصْدِيٍّ وَلَا مُعْتَبَرَ بِهِ.
الجزء 1 · صفحة 56
(فَصْلٌ فِي الْغُسْلِ)
(وَفَرْضُ الْغُسْلِ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَغَسْلُ سَائِرِ الْبَدَنِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُمَا سُنَّتَانِ فِيهِ لِقَوْلِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ [فَصْلٌ فِي الْغُسْلِ]
مَعْنَى الْفَصْلِ فِي اللُّغَةِ ظَاهِرٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَعْرِيفُهُ بِأَنَّهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ تَغَيَّرَتْ أَحْكَامُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا قَبْلَهَا غَيْرُ مُتَرْجَمَةٍ بِالْكِتَابِ وَالْبَابِ، فَإِنْ وُصِلَ بِمَا بَعْدَهُ نُوِّنَ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ فَصْلَ الْغُسْلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْوُضُوءِ أَكْثَرُ، وَلِأَنَّ مَحَلَّ الْوُضُوءِ جُزْءُ الْبَدَنِ وَمَحَلُّ الْغُسْلِ كُلُّهُ وَالْجُزْءُ قَبْلَ الْكُلِّ، أَوْ اقْتِدَاءً بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّهُ وَقَعَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، وَالْفَرْضُ بِمَعْنَى الْمَفْرُوضِ، وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ (وَفَرْضُ الْغُسْلِ) إمَّا لِلِاسْتِئْنَافِ وَإِمَّا وَاوُ الْمُخْتَصِّ لِلْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ فَفَرْضُ الْوُضُوءِ، وَالْغُسْلُ اسْمٌ مِنْ الِاغْتِسَالِ وَهُوَ غَسْلُ تَمَامِ الْجَسَدِ قَوْلُهُ: (وَغَسْلُ سَائِرِ الْبَدَنِ) أَيْ الْبَاقِي.
وَقَوْلُهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ» أَيْ السُّنَّةِ، قِيلَ خَمْسٌ مِنْهَا فِي الرَّأْسِ وَخَمْسٌ
الجزء 1 · صفحة 57
- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ» أَيْ مِنْ السُّنَّةِ وَذَكَرَ مِنْهَا الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ وَلِهَذَا كَانَا سُنَّتَيْنِ فِي الْوُضُوءِ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] وَهُوَ أَمْرٌ بِتَطْهِيرِ جَمِيعِ الْبَدَنِ، إلَّا أَنَّ مَا يَتَعَذَّرُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ خَارِجٌ عَنْ النَّصِّ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ غَسْلُ الْوَجْهِ وَالْمُوَاجِهَةُ فِيهِمَا مُنْعَدِمَةٌ، وَالْمُرَادُ بِمَا رُوِيَ حَالَةَ الْحَدَثِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّهُمَا فَرْضَانِ فِي الْجَنَابَةِ سُنَّتَانِ فِي الْوُضُوءِ» .
قَالَ (وَسُنَّتُهُ أَنْ يَبْدَأَ الْمُغْتَسِلُ فَيَغْسِلَ يَدَيْهِ وَفَرْجَهُ وَيُزِيلَ نَجَاسَةً إنْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي الْجَسَدِ، فَاَلَّتِي فِي الرَّأْسِ: الْفَرْقُ، وَالسِّوَاكُ، وَالْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ. وَاَلَّتِي فِي الْجَسَدِ: الْخِتَانُ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَالِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ. (وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] وَالْجُنُبُ يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ جَرَى مَجْرَى الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ الْإِجْنَابُ وَقَوْلُهُ: {فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] أَيْ اغْسِلُوا أَبْدَانَكُمْ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ، وَهُوَ أَمْرٌ بِتَطْهِيرِ جَمِيعِ الْبَدَنِ إلَّا أَنَّ مَا يَتَعَذَّرُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ خَارِجٌ عَنْ الْإِرَادَةِ كَدَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ لِمَا فِي غَسْلِهِمَا مِنْ الضَّرَرِ وَالْأَذَى، وَلِهَذَا سَقَطَ غَسْلُهُمَا عَنْ حَقِيقَةِ النَّجَاسَةِ بِأَنْ كَحَّلَ عَيْنَيْهِ بِكُحْلٍ نَجِسٍ، وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ لَا تَعَذُّرَ فِيهِمَا، وَلِهَذَا افْتَرَضَ غَسْلَهُمَا عَنْ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ فَيُفْتَرَضُ أَيْضًا فِي الْجَنَابَةِ. قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْوُضُوءِ) جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْغُسْلَ بِالْوُضُوءِ (؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ غَسْلُ الْوَجْهِ لَا جَمِيعِ الْبَدَنِ وَالْمُوَاجَهَةُ فِيهِمَا) أَيْ فِي مَحَلَّيْ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مَعْدُومَةٌ.
وَقَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ بِمَا رُوِيَ) جَوَابٌ عَنْ حَدِيثِ الشَّافِعِيِّ يَحْمِلُهُ عَلَى الْوُضُوءِ بِدَلِيلِ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ أَنَّهُمَا فَرْضَانِ فِي الْجَنَابَةِ سُنَّتَانِ فِي الْوُضُوءِ.
قَالَ (وَسُنَّتُهُ أَنْ يَبْدَأَ الْمُغْتَسِلُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ وَفَرْجَهُ وَيُزِيلُ نَجَاسَةً إنْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ)
الجزء 1 · صفحة 58
ثُمَّ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ إلَّا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَسَائِرِ جَسَدِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَنْتَحِي عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ فَيَغْسِلَ رِجْلَيْهِ) هَكَذَا حَكَتْ مَيْمُونَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - اغْتِسَالَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَإِنَّمَا يُؤَخِّرُ غَسْلَ رِجْلَيْهِ لِأَنَّهُمَا فِي مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَلَا يُفِيدُ الْغَسْلُ حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَى لَوْحٍ لَا يُؤَخِّرُ، وَإِنَّمَا يَبْدَأُ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ كَيْ لَا تَزْدَادَ بِإِصَابَةِ الْمَاءِ (وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَنْقُضَ ضَفَائِرَهَا فِي الْغُسْلِ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ أُصُولَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ الْإِمَامِ حُمَيْدِ الدِّينِ الضَّرِيرِ، وَأَنَّهُ أَصَحُّ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: النَّجَاسَةُ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ إمَّا أَنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ أَوْ لِلْجِنْسِ، لَا وَجْهَ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ الشَّكِّ تَأْبَاهُ، فَإِنَّ الْعَهْدَ يَقْتَضِي التَّقَرُّرَ إمَّا ذِكْرًا وَإِمَّا ذِهْنًا، وَلَا وَجْهَ لِلثَّانِي؛ لِأَنَّ كَوْنَ النَّجَاسَاتِ كُلِّهَا فِي بَدَنِهِ مُحَالٌ، وَأَقَلُّهَا وَهُوَ الْجُزْءُ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ غَيْرُ مُرَادٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ كَيْ لَا تَزْدَادَ بِإِصَابَةِ الْمَاءِ، وَهَذَا الْقَلِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لَا يَزْدَادُ بِإِصَابَةِ الْمَاءِ، ثُمَّ قَالَ: إلَّا أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ قَدْ ثَبَتَتْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، فَوَجْهُهُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَحْسِينِ النَّظْمِ.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: إنَّمَا يَتَعَيَّنُ التَّنْكِيرُ إذَا انْحَصَرَ اللَّامُ فِي التَّعْرِيفَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ لِتَعْرِيفِ الْمَاهِيَّةِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمَاهِيَّةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ لَا تُوجَدُ فِي الْخَارِجِ فَإِمَّا أَنْ تُوجَدَ فِي الْأَقَلِّ أَوْ غَيْرَهُ وَذَلِكَ فَاسِدٌ لِمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ إلَّا رِجْلَيْهِ) احْتِرَازٌ عَمَّا رَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْجُنُبَ يَتَوَضَّأُ وَلَا يَمْسَحُ رَأْسَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ لِوُجُودِ إسَالَةِ الْمَاءِ مِنْ بَعْدِهِ وَذَلِكَ يَعْدَمُ مَعْنَى الْمَسْحِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ؛ لِأَنَّ التَّسْيِيلَ هُوَ الْمَوْجُودُ فَلَمْ يَكُنْ التَّسْيِيلُ مِنْ بَعْدُ مُعْدِمًا لَهُ.
وَقِيلَ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُضُوءِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ إلَى الرُّسْغَيْنِ فَإِنَّهُ قَدْ يُسَمَّى وُضُوءًا. وَقَوْلُهُ: (وَيَبْدَأُ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ) تَكْرَارٌ، وَأَعَادَهُ لِبَيَانِ التَّعْلِيلِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا النَّجَاسَةَ الْمَعْهُودَةَ فِي ذَلِكَ الْحَالِ وَهُوَ الْمَنِيُّ الرَّطْبُ، فَإِنَّ مَيْمُونَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، وَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ مِنْ الْأَذَى» قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ) هَاهُنَا أَمْرَانِ نَقْضُ الضَّفَائِرِ، وَبَلُّهَا. أَمَّا نَقْضُهَا فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ
الجزء 1 · صفحة 59
الشَّعْرِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِأُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَمَا يَكْفِيك إذَا بَلَغَ الْمَاءُ أُصُولَ شَعْرِك» وَلَيْسَ عَلَيْهَا بَلُّ ذَوَائِبِهَا هُوَ الصَّحِيحُ، بِخِلَافِ اللِّحْيَةِ لِأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي إيصَالِ الْمَاءِ إلَى أَثْنَائِهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــQالشَّعْرَ بِالِاتِّفَاقِ؛ «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ لِأُمِّ سَلَمَةَ حِينَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضُهَا إذَا اغْتَسَلْت؟ فَقَالَ لَهَا: أَمَا يَكْفِيك إذَا بَلَغَ الْمَاءُ أُصُولَ شَعْرِك» لَا يُقَالُ خَبَرُ وَاحِدٍ فَلَا تَجُوزُ بِهِ الزِّيَادَةُ عَلَى قَوْله تَعَالَى {فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] ؛ لِأَنَّ الشَّعْرَ لَيْسَ بِبَدَنٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالْأَمْرُ بِالتَّطَهُّرِ لَهُ، أَوْ؛ لِأَنَّ مَوَاضِعَ الضَّرُورَةِ مُسْتَثْنَاةٌ كَدَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ، وَأَمَّا بَلُّهَا فَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ؛ وَقَوْلُهُ: (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا
الجزء 1 · صفحة 60
قَالَ (وَالْمَعَانِي الْمُوجِبَةُ لِلْغُسْلِ إنْزَالُ الْمَنِيِّ عَلَى وَجْهِ الدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ حَالَةَ النَّوْمِ وَالْيَقِظَةِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - خُرُوجُ الْمَنِيِّ كَيْفَمَا كَانَ يُوجِبُ الْغُسْلَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» أَيْ الْغُسْلُ مِنْ الْمَنِيِّ، وَلَنَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّطْهِيرِ يَتَنَاوَلُ الْجُنُبَ، وَالْجَنَابَةُ فِي اللُّغَةِ خُرُوجُ الْمَنِيِّ عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ، يُقَالُ أَجْنَبَ الرَّجُلُ إذَا
ـــــــــــــــــــــــــــــQرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا تَبُلُّ ذَوَائِبَهَا ثَلَاثًا مَعَ كُلِّ بَلَّةٍ عَصْرَةٌ لِيَبْلُغَ الْمَاءُ شُعَبَ قُرُونِهَا، بِخِلَافِ اللِّحْيَةِ فَإِنَّهُ لَا حَرَجَ فِي إيصَالِ الْمَاءِ إلَى أَثْنَائِهَا. وَفِي تَخْصِيصِ الْمَرْأَةِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ حُكْمَ الرَّجُلِ بِخِلَافِهَا.
قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: الرَّجُلُ إذَا ضَفَّرَ شَعْرَهُ كَمَا يَفْعَلُهُ الْعَلَوِيُّونَ وَالْأَتْرَاكُ هَلْ يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى أَثْنَاءِ الشَّعْرِ؟ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ، وَذَكَرَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ أَنَّهُ يَجِبُ.
قَالَ (وَالْمَعَانِي الْمُوجِبَةُ لِلْغُسْلِ) أَيْ الْعِلَلُ الْمُوجِبَةُ، وَاخْتَارَ لَفْظَ الْمَعَانِي لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هَذِهِ مَعَانٍ مُوجِبَةٌ لِلْجَنَابَةِ لَا لِلْغُسْلِ، فَإِنَّهَا تَنْقُضُهُ فَكَيْفَ تُوجِبُهُ. وَذَكَرَ فِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ سَبَبَ وُجُوبِ الِاغْتِسَالِ إرَادَةَ مَا لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ بِسَبَبِ الْجَنَابَةِ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْغُسْلَ يَجِبُ إذْ وُجِدَ أَحَدُ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ سَوَاءٌ وُجِدَتْ الْإِرَادَةُ أَمْ لَمْ تُوجَدْ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ: السَّبَبُ الْجَنَابَةُ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ، وَلَوْ زِيدَ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا لَانْدَفَعَ، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْمَعَانِي الْمُوجِبَةُ عِلَّةَ الْعِلَّةِ.
وَقَوْلُهُ: (إنْزَالُ الْمَنِيِّ عَلَى وَجْهِ الدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ) قِيلَ هَذَا اللَّفْظُ بِإِطْلَاقِهِ يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لِاشْتِرَاطِهِ الدَّفْقَ وَالشَّهْوَةَ حَالَ الْخُرُوجِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا مَا اشْتَرَطَا الدَّفْقَ عِنْدَ الْخُرُوجِ حَتَّى قَالَا يَجِبُ الْغُسْلُ إذَا زَالَ الْمَنِيُّ عَنْ مَكَانِهِ بِشَهْوَةٍ وَإِنْ خَرَجَ بِغَيْرِ دَفْقٍ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ مُسْتَقِيمٌ عَلَى قَوْلِهِمْ فَإِنَّ خُرُوجَ الْمَنِيِّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ
الجزء 1 · صفحة 61
قَضَى شَهْوَتَهُ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى خُرُوجِ الْمَنِيِّ عَنْ شَهْوَةٍ، ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ انْفِصَالُهُ عَنْ مَكَانِهِ عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ظُهُورُهُ أَيْضًا اعْتِبَارًا لِلْخُرُوجِ بِالْمُزَايَلَةِ إذْ الْغُسْلُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQمُوجِبٌ لِلْغُسْلِ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِمَّا أَنْ يَجِبَ الْغُسْلُ إذَا زَايَلَ الْمَنِيَّ عَنْ مَكَانِهِ عَنْ شَهْوَةٍ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ غَيْرِ دَفْقٍ فَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا يُنَافِيهِ وَلَا يَحْصُرُهُ عَلَى الْأَوَّلِ وَهَذَا جَيِّدٌ، لَكِنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ يُوهِمُ تَرْكَ بَعْضِ مُوجِبَاتِهِ عِنْدَهُمَا فِي مَوْضِعِ بَيَانِهَا، وَرُبَّمَا يُبَيِّنُ قَوْلَهُ ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ إلَخْ بَعْضَ بَيَانٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: خُرُوجُ الْمَنِيِّ كَيْفَمَا كَانَ يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ بِشَهْوَةٍ أَوْ بِحَمْلِ ثَقِيلٍ أَوْ سَقْطَةٍ مِنْ مَكَان مُرْتَفِعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ يُوجِبُ الْغُسْلَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» أَيْ الْغُسْلُ مِنْ الْمَنِيِّ، وَلَنَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّطْهِيرِ يَتَنَاوَلُ الْجُنُبَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] وَالْجُنُبُ فِي اللُّغَةِ مَنْ خَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ، يُقَالُ أَجْنَبَ الرَّجُلُ: إذَا قَضَى شَهْوَتَهُ مِنْ الْمَرْأَةِ، فَالْأَمْرُ بِالتَّطْهِيرِ يَتَنَاوَلُ مَنْ خَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ، وَغَيْرُهُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ وَلَا يَلْحَقُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ الْمَرْأَةِ قِيلَ إنَّمَا ذَكَرَهُ لِيَخْرُجَ قَضَاءُ شَهْوَةِ الْبَطْنِ فَإِنَّ قَاضِيَهَا لَا يُسَمَّى جُنُبًا. وَقِيلَ ذَكَرَهُ اتِّفَاقًا لِوُجُوبِهِ عَلَى الْمُحْتَلِمِ. وَقِيلَ الْجَنَابَةُ فِي اللُّغَةِ مَوْضُوعَةٌ لِذَلِكَ، وَالْمُحْتَلِمُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهَا «أَنَّهَا لَمَّا سَأَلْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: أَتَجِدُ لِذَلِكَ لَذَّةً؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: فَلْتَغْتَسِلْ» وَالْحَدِيثُ يَعْنِي قَوْلَهُ «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» مَحْمُولٌ عَلَى خُرُوجِ الْمَنِيِّ عَنْ شَهْوَةٍ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ مِنْ الْمَاءِ يَتَنَاوَلُ الْمَذْيَ وَالْوَدْيَ وَلَيْسَ ثَمَّةَ غُسْلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ، وَيُحْمَلُ عَلَى حَالَةِ الشَّهْوَةِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ.
وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ) ظَاهِرٌ، وَثَمَرَتُهُ تَظْهَرُ فِيمَنْ أَمْسَكَ ذَكَرَهُ بَعْدَ الِانْفِصَالِ بِشَهْوَةٍ عَنْ مَكَانِهِ حَتَّى سَكَنَتْ الشَّهْوَةُ ثُمَّ تَرَكَ حَتَّى خَرَجَ الْمَنِيُّ مِنْ إحْلِيلِهِ بِلَا
الجزء 1 · صفحة 62
يَتَعَلَّقُ بِهِمَا وَلَهُمَا أَنَّهُ مَتَى وَجَبَ مِنْ وَجْهٍ فَالِاحْتِيَاطُ فِي الْإِيجَابِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــQشَهْوَةٍ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، هُوَ قَاسَ الْخُرُوجَ بِالْمُزَايَلَةِ بِجَامِعِ تَعَلُّقِ الْغُسْلِ بِهِمَا (وَلَهُمَا أَنَّهُ مَتَى وَجَبَ مِنْ وَجْهٍ) مَعْنَاهُ أَنَّا ذَكَرْنَا أَنَّ لِلشَّهْوَةِ مَدْخَلًا فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ، وَقَدْ وُجِدَتْ فِي حَالَةٍ وَهُوَ الِانْفِصَالُ دُونَ الْأُخْرَى وَهُوَ الْخُرُوجُ، فَبِالنَّظَرِ إلَى الْأَوَّلِ يَجِبُ، وَبِالنَّظَرِ إلَى الثَّانِي لَا يَجِبُ، وَالْبَابُ بَابُ الْعِبَادَاتِ فَنُوجِبُهُ احْتِيَاطًا وَقَدْ وَقَعَ فِي النِّهَايَةِ فِي بَيَانِ ذَلِكَ أَنَّ الْخُرُوجَ عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ قَدْ وُجِدَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سَهْوٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَارْتَفَعَ النِّزَاعُ. فَإِنْ قِيلَ دَارَ الْغُسْلُ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَعَدَمِهِ فَلَا يَجِبُ كَمَا إذَا خَرَجَ الرِّيحُ مِنْ الْمُفْضَاةِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ جِهَةَ الْوُجُوبِ هُنَا رَاجِحَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ أَصْلٌ، إذْ الْخُرُوجُ بِنَاءٌ عَلَى الْمُزَايَلَةِ بِالشَّهْوَةِ وَعَدَمُ الْخُرُوجِ بِالشَّهْوَةِ بَعْدَ الْمُزَايَلَةِ
الجزء 1 · صفحة 63
(وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَتَوَارَتْ الْحَشَفَةُ وَجَبَ الْغُسْلُ، أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ» وَلِأَنَّهُ سَبَبُ الْإِنْزَالِ وَنَفْسُهُ يَتَغَيَّبُ عَنْ بَصَرِهِ وَقَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ لِقِلَّتِهِ فَيُقَامُ مَقَامَهُ، وَكَذَا الْإِيلَاجُ فِي الدُّبُرِ لِكَمَالِ السَّبَبِيَّةِ، وَيَجِبُ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ احْتِيَاطًا،
ـــــــــــــــــــــــــــــQمِنْ الْعَوَارِضِ النَّادِرَةِ فَلَا مُعْتَبَرَ بِهِ، قِيلَ وَقَوْلُهُ: قِيَاسٌ وَقَوْلُهُمَا اسْتِحْسَانٌ وَالْخَائِفُ مِنْ الرِّيبَةِ يَأْخُذُ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ.
وَقَوْلُهُ: (وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ) الْخِتَانُ مَوْضِعُ الْقَطْعِ مِنْ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَمِنْ عَادَتِهِمْ خِتَانُ الْأُنْثَى.
وَقَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ) لَيْسَ بِشَرْطٍ لِوُجُوبِ الْغُسْلِ، فَإِنَّهُ لَوْ أَنْزَلَ وَجَبَ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ نَفْيًا لِقَوْلِ الْأَنْصَارِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَإِنَّهُمْ قَالُوا لَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِالْإِكْسَالِ، وَاسْتَدَلُّوا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» وَلَنَا قَوْلُهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَتَوَارَتْ الْحَشَفَةُ وَجَبَ الْغُسْلُ، أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ» وَهَذَا مُفَسَّرٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ فَنَعْمَلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَنَقُولُ الْجَنَابَةُ تَثْبُتُ بِانْفِصَالِ الْمَنِيِّ عَنْ شَهْوَةٍ بِقَوْلِهِ «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَأْوِيلِهِ، وَبِالْإِيلَاجِ فِي الْآدَمِيِّ بِقَوْلِهِ «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ» الْحَدِيثَ، وَقَدْ قَرَّرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فِي التَّقْرِيرِ بِتَأْيِيدِ اللَّهِ.
وَفِي قَوْلِهِ (وَتَوَارَتْ الْحَشَفَةُ إشَارَةٌ) إلَى أَنَّ مُجَرَّدَ التَّلَاقِي لَا يُوجِبُهُ، وَلَكِنْ يُوجِبُ الْوُضُوءَ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ. وَالْحَشَفَةُ مَا فَوْقَ الْخِتَانِ مِنْ رَأْسِ الذَّكَرِ. وَقَوْلُهُ: (وَلِأَنَّهُ سَبَبُ الْإِنْزَالِ) بَيَانُهُ أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ إذَا كَانَ خَفِيًّا وَلَهُ سَبَبٌ ظَاهِرٌ، يُقَامُ ذَلِكَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ مَقَامَ ذَلِكَ الْأَمْرِ
الجزء 1 · صفحة 64
بِخِلَافِ الْبَهِيمَةِ وَمَا دُونَ الْفَرْجِ لِأَنَّ السَّبَبِيَّةَ نَاقِصَةٌ.
قَالَ (وَالْحَيْضُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] بِالتَّشْدِيدِ (وَ) كَذَا
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْخَفِيِّ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ، وَهَاهُنَا الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ سَبَبُ الْإِنْزَالِ، وَنَفْسُ الْإِنْزَالِ الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ يَتَغَيَّبُ عَنْ بَصَرِ الْمُنْزِلِ، وَقَدْ يَخْفَى الْإِنْزَالُ لِقِلَّةِ الْمَنِيِّ فَيُقَامُ الِالْتِقَاءُ مَقَامَ الْإِنْزَالِ كَمَا فِي السَّفَرِ مَعَ الْمَشَقَّةِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْقَصْرُ فِي السَّفَرِ.
وَالِالْتِقَاءُ مَجَازٌ لِلْإِيلَاجِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُهُ، وَكَذَا الْإِيلَاجُ فِي الدُّبُرِ لِكَمَالِ السَّبَبِيَّةِ حَتَّى إنَّ بَعْضَ الْفَسَقَةِ يُرَجِّحُونَ قَضَاءَ الشَّهْوَةِ فِي الدُّبُرِ عَلَى قَضَاءِ الشَّهْوَةِ فِي الْقُبُلِ لِمَا يَدَّعُونَ فِيهِ مِنْ اللِّينِ وَالْحَرَارَةِ وَالضِّيقِ، وَعَنْ هَذَا ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ مُحَاذَاةَ الْأَمْرَدِ فِي الصَّلَاةِ تُفْسِدُ صَلَاةَ غَيْرِهِ كَالْمَرْأَةِ، وَيَجِبُ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ احْتِيَاطًا أَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَلِأَنَّهُمَا يُوجِبَانِ الْحَدَّ الَّذِي فِيهِ لِلِاحْتِيَاطِ فِي تَرْكِهِ فَلَأَنْ يُوجِبَا الْغُسْلَ الَّذِي الِاحْتِيَاطُ فِي وُجُوبِهِ أَوْلَى، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَلِأَنَّهُ يُحْتَاطُ فِي الْحَدِّ فَيَتْرُكُهُ وَيُحْتَاطُ فِي الْغُسْلِ فَيُوجِبُهُ، وَالِاحْتِيَاطُ فِي كُلِّ بَابٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ.
وَقَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْبَهِيمَةِ وَمَا دُونَ الْفَرْجِ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ فَيُقَامُ مَقَامَهُ: أَيْ يُقَامُ سَبَبُ الْإِنْزَالِ مَقَامَهُ فِي السَّبِيلَيْنِ فِي الْآدَمِيِّ، بِخِلَافِ الْبَهِيمَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهَا الْغُسْلُ بِمُجَرَّدِ الْإِيلَاجِ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ، وَبِخِلَافِ مَا دُونَ الْفَرْجِ وَهُوَ التَّفْخِيذُ وَالتَّبْطِينُ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ الْغُسْلُ أَيْضًا لِنُقْصَانِ السَّبَبِيَّةِ إذَا لَمْ يُنْزِلْ.
قَالَ (وَالْحَيْضُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] اخْتَلَفَ الشَّارِحُونَ فِي تَفْسِيرِ كَلَامِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَقَالَ: نَفْسُ الْحَيْضِ يُوجِبُ الْغُسْلَ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجَنَابَةِ مِنْ حَيْثُ الْمَنْعُ عَنْ الصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ انْقِطَاعُ الْحَيْضِ يُوجِبُ الْغُسْلَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا عِنْدَ انْقِطَاعِهِ وَقَالَ:؛ لِأَنَّهُ يُلَازِمُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ
الجزء 1 · صفحة 65
(النِّفَاسُ) لِلْإِجْمَاعِ.
قَالَ «وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَعَرَفَةَ وَالْإِحْرَامِ» نَصَّ عَلَى السُّنِّيَّةِ، وَقِيلَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ مُسْتَحَبَّةٌ، وَسَمَّى مُحَمَّدٌ الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَسَنًا فِي الْأَصْلِ. وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: هُوَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْخُرُوجَ عَنْ الْحَيْضِ يُوجِبُ الْغُسْلَ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ مَا دَامَ بَاقِيًا لَا يَجِبُ الْغُسْلُ، وَالْخُرُوجُ عَنْ الْحَيْضِ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ فَوُجِدَ الِاتِّصَالُ فَصَحَّتْ الِاسْتِعَارَةُ، وَعُزِيَ هَذَا إلَى الْإِمَامِ حُمَيْدِ الدِّينِ، وَفِي الْكُلِّ نَظَرٌ.
أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ الْحَيْضَ اسْمٌ لِلدَّمِ مَخْصُوصٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْجَوْهَرَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْمَعْنَى، وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّ الِانْقِطَاعَ طُهْرٌ وَالطُّهْرُ لَا يُوجِبُ الْإِطْهَارَ، وَلَا مُلَازَمَةَ بَيْنَهُمَا لِوُجُودِ الْحَيْضِ قَبْلَ الِانْقِطَاعِ وَوُجُودِ الِانْقِطَاعِ بَعْدَهُ فَكَانَ أَحَدُهُمَا مُنْفَكًّا عَنْ الْآخَرِ فَلَا مُلَازَمَةَ بَيْنَهُمَا، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ لَا يَجِبُ إلَّا عِنْدَ انْقِطَاعِهِ يُفِيدُ الشَّرْطِيَّةَ لَا الْعِلِّيَّةَ، وَكَذَا الْخُرُوجُ عَنْ الْحَيْضِ عِبَارَةٌ عَنْ انْقِطَاعِهِ فَيَرِدُ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا وَرَدَ عَلَى ذَلِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ خُرُوجُ الْحَيْضِ وَهُوَ الدَّمُ الْمَخْصُوصُ يُوجِبُ الْغُسْلَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ خُرُوجَ النَّجَسِ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ يُوجِبُ تَطْهِيرَ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَاكْتَفَى بِالْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ فِيمَا كَثُرَ وُقُوعُهُ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وَوُقُوعُ الْحَيْضِ لَيْسَ بِكَثِيرٍ فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ كَخُرُوجِ الْمَنِيِّ فَكَانَ مَجَازًا بِالْحَذْفِ مِنْ بَابِ {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] إذْ لَا يَلْتَبِسُ أَنَّ نَفْسَ الدَّمِ لَا يُوجِبُ شَيْئًا.
وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] بِالتَّشْدِيدِ عَلَى وُجُوبِ الِاغْتِسَالِ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقُرْبَانِ فَلِأَنَّهُ تَعَالَى غَيًّا حُرْمَةَ الْقُرْبَانِ الَّذِي كَانَ حَلَالًا إلَى الِاغْتِسَالِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَنْتَهِيَ الْحُرْمَةُ بِهِ وَيَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ، وَإِلَّا لَكَانَتْ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً، وَفِي ذَلِكَ نَقْضٌ لِمَا شَرَعَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّلَاةِ فَلِأَنَّ الِاغْتِسَالَ لَمَّا صَارَ شَرْطًا لِحِلِّ الْقُرْبَانِ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَعَ أَنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِحِلِّ الْقُرْبَانِ عَمَّا سِوَى الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ فِي صُورَةٍ مِنْ الصُّوَرِ فَلَأَنْ يُشْتَرَطَ الِاغْتِسَالُ لِحِلِّ الصَّلَاةِ وَالْحَالُ أَنَّهَا شَرْطٌ لَهَا عَنْ جَمِيعِ النَّجَاسَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ وَالْحُكْمِيَّةِ دَائِمًا أَوْلَى. وَأَمَّا النِّفَاسُ فَإِنَّمَا وَجَبَ الِاغْتِسَالُ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ.
قَوْلُهُ: (وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) بَيَانٌ لِلْغُسْلِ الْمَسْنُونِ (نَصَّ) يَعْنِي الْقُدُورِيَّ (عَلَى السُّنِّيَّةِ) يَعْنِي فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ وَقَدْ قِيلَ هَذِهِ
الجزء 1 · صفحة 66
وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» .
وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنْ اغْتَسَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ» وَبِهَذَا يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ أَوْ عَلَى النَّسْخِ، ثُمَّ هَذَا
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْأَرْبَعَةُ مُسْتَحَبَّةٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَسْمِيَةُ مُحَمَّدٍ الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْأَصْلِ حَسَنًا وَهُوَ أَقْوَاهُمْ حَيْثُ ذَهَبَ إلَى وُجُوبِهِ مَالِكٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ أَتَى مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ.
وَلَنَا قَوْلُهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ اغْتَسَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ» رَوَاهُ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ، وَقَوْلُهُ: فَبِهَا وَنِعْمَتْ أَيْ بِالسُّنَّةِ أَخَذَ وَنِعْمَتْ الْخَصْلَةُ هَذِهِ أَيْ الْأَخْذُ بِالسُّنَّةِ (وَبِهَذَا) أَيْ بِهَذَا الْحَدِيثِ (يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ) مَالِكٌ (عَلَى الِاسْتِحْبَابِ) تَوْفِيقًا بَيْنَهُمَا (أَوْ عَلَى النُّسَخِ) بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّهُمَا قَالَا: كَانَ النَّاسُ عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ وَكَانُوا يَلْبَسُونَ الصُّوفَ وَيَعْرَقُونَ فِيهِ وَالْمَسْجِدُ قَرِيبُ السَّمْكِ فَكَانَ يَتَأَذَّى بَعْضُهُمْ بِرَائِحَةِ بَعْضٍ فَأُمِرُوا بِالِاغْتِسَالِ ثُمَّ انْتَسَخَ
الجزء 1 · صفحة 67
الْغُسْلُ لِلصَّلَاةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُوَ الصَّحِيحُ لِزِيَادَةِ فَضِيلَتِهَا عَلَى الْوَقْتِ وَاخْتِصَاصِ الطَّهَارَةِ بِهَا، وَفِيهِ خِلَافُ الْحَسَنِ، وَالْعِيدَانِ بِمَنْزِلَةِ الْجُمُعَةِ لِأَنَّ فِيهِمَا الِاجْتِمَاعُ فَيُسْتَحَبُّ الِاغْتِسَالُ دَفْعًا لِلتَّأَذِّي بِالرَّائِحَةِ. وَأَمَّا فِي عَرَفَةَ وَالْإِحْرَامِ فَسَنُبَيِّنُهُ فِي الْمَنَاسِكِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ (وَلَيْسَ فِي الْمَذْيِ وَالْوَدْيِ غُسْلٌ وَفِيهِمَا الْوُضُوءُ)
ـــــــــــــــــــــــــــــQحِينَ لَبِسُوا غَيْرَ الصُّوفِ وَتَرَكُوا الْعَمَلَ بِأَنْفُسِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الْحَسَنِ فَإِنَّهُ يَقُولُ غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِلْيَوْمِ إظْهَارًا لِفَضِيلَتِهِ. قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «سَيِّدُ الْأَيَّامِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ» . وَمَعْنَى قَوْلِهِ (لِزِيَادَةِ فَضِيلَتِهَا) ؛ لِأَنَّهَا تُؤَدَّى بِجَمْعٍ عَظِيمٍ فَلَهَا مِنْ الْفَضِيلَةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا، وَسِيَادَةُ الْيَوْمِ بِاعْتِبَارِ وُقُوعِ هَذِهِ الصَّلَاةِ فِيهِ.
وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الْجُمُعَةَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُقِيمٍ لِلسُّنَّةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِلْحَسَنِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ذِكْرُ مُحَمَّدٍ فِي مَوْضِعِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ (وَالْعِيدَانِ بِمَنْزِلَةِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِمَا الِاجْتِمَاعَ فَيُسْتَحَبُّ الِاغْتِسَالُ دَفْعًا لِلتَّأَذِّي بِالرَّائِحَةِ، وَأَمَّا فِي عَرَفَةَ وَالْإِحْرَامِ فَسَنُبَيِّنُهُ فِي الْمَنَاسِكِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) ،.
وَلَيْسَ فِي الْمَذْيِ وَالْوَدْيِ غُسْلٌ وَفِيهِمَا الْوُضُوءُ
الجزء 1 · صفحة 68
لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «كُلُّ فَحْلٍ يُمْذِي وَفِيهِ الْوُضُوءُ» وَالْوَدْيُ: الْغَلِيظُ مِنْ الْبَوْلِ يَتَعَقَّبُ الرَّقِيقَ مِنْهُ خُرُوجًا فَيَكُونُ مُعْتَبَرًا بِهِ، وَالْمَنِيُّ: خَاثِرٌ أَبْيَضُ يَنْكَسِرُ مِنْهُ الذَّكَرُ، وَالْمَذْيُ: رَقِيقٌ يَضْرِبُ إلَى الْبَيَاضِ يَخْرُجُ عِنْدَ مُلَاعَبَةِ الرَّجُلِ أَهْلَهُ. وَالتَّفْسِيرُ مَأْثُورٌ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -. .
بَابُ الْمَاءِ الَّذِي يَجُوزُ بِهِ الْوُضُوءُ وَمَا لَا يَجُوزُ:
(الطَّهَارَةُ مِنْ الْأَحْدَاثِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّ فَحْلٍ يُمْذِي وَفِيهِ الْوُضُوءُ» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. فَإِنْ قِيلَ إذَا كَانَ الْوَاجِبُ الْوُضُوءَ كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَذْكُرَهُمَا فِي فَصْلِ الْوُضُوءِ. أُجِيبَ بِأَنَّهُمَا يُشَابِهَانِ الْمَنِيَّ فَذَكَرَهُمَا فِي فَصْلِ الْغُسْلِ، وَالْأَوْجُهُ أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا ذَكَرَهُمَا هُنَا؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ بِوُجُوبِ الْغُسْلِ فِي رِوَايَةٍ، فَذَكَرَهُمَا هُنَا نَفْيًا لِمَا يَقُولُهُ. فَإِنْ قِيلَ إذَا كَانَ حُكْمُهُ الْوُضُوءَ كَانَ ذِكْرُهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ كُلُّ مَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ. أُجِيبَ بِأَنَّ ذِكْرَهُ لِلتَّأْكِيدِ، وَقِيلَ ذَكَرَهُ تَصْرِيحًا بِالنَّفْيِ لِقَوْلِ مَالِكٍ فَإِنَّهُ لَا يَقُولُ بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ بِهِمَا. فَإِنْ قِيلَ نَقْضُ الْوُضُوءِ بِالْوَدْيِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَخْرُجُ عَلَى أَثَرِ الْبَوْلِ وَقَدْ وَجَبَ الْوُضُوءُ بِالْبَوْلِ قَبْلَهُ فَلَا يَجِبُ بِالْوَدْيِ بَعْدَهُ.
أُجِيبَ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا أَنَّهُ إذَا بَالَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ أَوْدَى فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ إذَا تَوَضَّأَ لِلْبَوْلِ ثُمَّ أَوْدَى حَالَةَ بَقَاءِ الْوَقْتِ تَنْتَقِضُ طَهَارَتُهُ، وَمِنْهَا أَنَّ الْوُضُوءَ يَجِبُ فِي الْوَدْيِ لَوْ تُصُوِّرَ الِانْتِقَاضُ بِهِ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَالتَّفْسِيرُ مَأْثُورٌ عَنْ عَائِشَةَ، وَإِنَّمَا مُرَادُهَا مَنِيُّ الرَّجُلِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ لَيْسَ خَاثِرًا وَلَا أَبْيَضَ وَإِنَّمَا هُوَ رَقِيقٌ أَصْفَرُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ يَنْكَسِرُ مِنْهُ الذَّكَرُ، وَالتَّعْرِيفُ الْجَامِعُ لِمَنِيِّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ أَنْ يُقَالَ: مَاءٌ دَافِقٌ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ وَتَرَائِبِ الْمَرْأَةِ.
[بَابُ الْمَاءِ الَّذِي يَجُوزُ بِهِ الْوُضُوءُ وَمَا لَا يَجُوزُ]
مَعْنَى الْبَابِ فِي اللُّغَةِ النَّوْعُ، وَقَدْ يُعَرَّفُ بِأَنَّهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا كِتَابٌ وَلُقِّبَتْ بِبَابِ كَذَا.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الطَّهَارَتَيْنِ ذَكَرَ مَا تَحْصُلُ بِهِ الطَّهَارَةُ وَهُوَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ الطَّهَارَةُ مِنْ الْأَحْدَاثِ غَلِيظًا كَانَ
الجزء 1 · صفحة 69
جَائِزَةٌ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَالْأَوْدِيَةِ وَالْعُيُونِ وَالْآبَارِ وَالْبِحَارِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَالْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ» وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْبَحْرِ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ» وَمُطْلَقُ الِاسْمِ يَنْطَلِقُ عَلَى هَذِهِ الْمِيَاهِ.
قَالَ (وَلَا يَجُوزُ بِمَا اُعْتُصِرَ مِنْ الشَّجَرِ وَالثَّمَرِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ وَالْحُكْمُ عِنْدَ فَقْدِهِ مَنْقُولٌ إلَى التَّيَمُّمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالْحَدَثُ أَوْ خَفِيفًا (جَائِزَةٌ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَالْأَوْدِيَةِ وَالْعُيُونِ وَالْآبَارِ وَالْبِحَارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] وَقَوْلُهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» الْحَدِيثَ.
وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الْمَاءَ فِي الْآيَةِ مُطْلَقًا، وَالْمُطْلَقُ مَا يَتَعَرَّضُ لِلذَّاتِ دُونَ الصِّفَاتِ وَمُطْلَقُ الِاسْمِ يَنْطَلِقُ عَلَى هَذِهِ الْمِيَاهِ. لَا يُقَالُ: الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُنَزَّلَ مِنْ السَّمَاءِ طَهُورٌ وَلَيْسَ غَيْرُ الْمَطَرِ مُنَزَّلًا مِنْ السَّمَاءِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ} [الزمر: 21] وَقَالَ {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} [الرعد: 17] وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْحَدِيثِ، وَذِكْرُ الْأَحْدَاثِ لَيْسَ لِلتَّخْصِيصِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ الْخَبَثِ أَيْضًا تَحْصُلُ بِهَذِهِ الْمِيَاهِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ التَّبْوِيبُ لِمَاءٍ يَحْصُلُ بِهِ الْوُضُوءُ ذَكَرَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ بِمَا اُعْتُصِرَ) بِالْقَصْرِ عَلَى أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ هَكَذَا الْمَسْمُوعُ وَقَوْلُهُ: (؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ) ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ إطْلَاقِ الْمَاءِ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا فِي بَيْتِ إنْسَانٍ مَاءُ بِئْرٍ أَوْ بَحْرٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ مَاءٌ اُعْتُصِرَ مِنْ شَجَرٍ أَوْ ثَمَرٍ فَقِيلَ لَهُ هَاتِ مَاءً لَا يَسْبِقُ إلَى ذِهْنِ الْمُخَاطَبِ إلَّا الْأَوَّلُ، وَلَا نَعْنِي بِالْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ إلَّا هَذَا (وَالْحُكْمُ) وَهُوَ الطَّهَارَةُ (عِنْدَ فَقْدِهِ) أَيْ فَقْدِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ (مَنْقُولٌ إلَى التَّيَمُّمِ) قَالَ
الجزء 1 · صفحة 70
وَالْوَظِيفَةُ فِي هَذِهِ الْأَعْضَاءِ تَعَبُّدِيَّةٌ فَلَا تَتَعَدَّى إلَى غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمَاءُ الَّذِي يَقْطُرُ مِنْ الْكَرْمِ فَيَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ لِأَنَّهُ مَاءٌ يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ عِلَاجٍ، ذَكَرَهُ فِي جَوَامِعِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
ـــــــــــــــــــــــــــــQتَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] وَقَوْلُهُ: (وَالْوَظِيفَةُ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الْمَاءُ الْمُعْتَصَرُ مِنْ الشَّجَرِ أَوْ الثَّمَرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاءً مُطْلَقًا لَكِنَّهُ فِي مَعْنَاهُ فِي الْإِزَالَةِ فَيَلْحَقُ بِالْمُطْلَقِ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْوَظِيفَةَ فِي هَذِهِ الْأَعْضَاءِ تَعَبُّدِيَّةٌ فَلَا تَتَعَدَّى إلَى غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ شَرْطَ الْقِيَاسِ أَلَّا يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ، وَلَيْسَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ، بِخِلَافِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ فَإِنَّهَا مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى لِوُجُودِهَا حِسًّا فَجَازَ فِيهَا الْإِلْحَاقُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَبْ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّعْدِيَةُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ فَلْيَلْحَقْ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ فَإِنَّ كَوْنَهُ مَعْقُولًا لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهَا. وَالْجَوَابُ أَنَّ سَائِرَ الْمَائِعَاتِ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْمَاءِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مَبْذُولٌ عَادَةً لَا يُبَالَى بِحَبْسِهِ وَسَائِرُ الْمَائِعَاتِ لَيْسَ كَذَلِكَ. فَإِنْ قُلْت: فَكَيْفَ أَلْحَقْته بِهِ فِي النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ؟ قُلْت: قِيَاسًا لَا دَلَالَةً؛ لِأَنَّهُ مَعْقُولُ الْمَعْنَى. فَإِنْ قُلْت: مِنْ شَرْطِ الدَّلَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُلْحَقُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ فِي الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ مَنَاطُ الْحُكْمِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَا غَيْرُ، وَالْوَصْفُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ هُوَ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ، وَالْمَاءُ وَالْمَائِعُ سِيَّانِ فِي ذَلِكَ، وَكَوْنُ الْمَاءِ مَبْذُولًا لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي ذَلِكَ. قُلْت: إنَّهُمَا سِيَّانِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ أَوْ مُطْلَقًا، وَالْأَوَّلُ
الجزء 1 · صفحة 71
وَفِي الْكِتَابِ إشَارَةٌ إلَيْهِ حَيْثُ شَرَطَ الِاعْتِصَارَ.
قَالَ (وَلَا) يَجُوزُ (بِمَاءٍ غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَأَخْرَجَهُ عَنْ طَبْعِ الْمَاءِ كَالْأَشْرِبَةِ وَالْخَلِّ وَمَاءِ الْبَاقِلَّا وَالْمَرَقِ وَمَاءِ الْوَرْدِ وَمَاءِ الزَّرْدَجِ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَاءً مُطْلَقًا، وَالْمُرَادُ بِمَاءِ الْبَاقِلَّا وَغَيْرِهِ مَا تَغَيَّرَ بِالطَّبْخِ، فَإِنْ تَغَيَّرَ بِدُونِ الطَّبْخِ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ.
قَالَ (وَتَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِمَاءٍ خَالَطَهُ شَيْءٌ طَاهِرٌ فَغَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ، كَمَاءِ الْمَدِّ وَالْمَاءِ الَّذِي اخْتَلَطَ بِهِ اللَّبَنُ أَوْ الزَّعْفَرَانُ أَوْ الصَّابُونُ أَوْ الْأُشْنَانُ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ: أَجْرَى فِي الْمُخْتَصَرِ مَاءَ الزَّرْدَجِ مَجْرَى الْمَرَقِ، وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَاءِ الزَّعْفَرَانِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، كَذَا اخْتَارَهُ النَّاطِفِيُّ وَالْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
ـــــــــــــــــــــــــــــQمُسَلَّمٌ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ. وَقَوْلُهُ: (وَفِي الْكِتَابِ) يَعْنِي مُخْتَصَرَ الْقُدُورِيِّ.
وَقَوْلُهُ: (فَأَخْرَجَهُ عَنْ طَبْعِ الْمَاءِ) كَالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
وَقَوْلُهُ: (كَالْأَشْرِبَةِ إلَخْ) إنْ أَرَادَ بِهَا الْأَشْرِبَةَ الْمُتَّخَذَةَ مِنْ الشَّجَرِ كَشَرَابِ الرُّمَّانِ وَالْحُمَاضِ، وَبِالْخَلِّ الْخَلَّ الْخَالِصَ كَانَا مِنْ نَظِيرِ الْمُعْتَصَرِ مِنْ الشَّجَرِ وَالثَّمَرِ، وَكَانَ مَاءُ الْبَاقِلَّا وَالْمَرَقِ نَظِيرَ الْمَاءِ الَّذِي غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَكَانَ فِيهِ صَنْعَةُ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ، وَإِنْ أَرَادَ بِالْأَشْرِبَةِ الْحُلْوَ الْمَخْلُوطَ بِالْمَاءِ كَالدِّبْسِ وَالشَّهْدِ الْمَخْلُوطِ بِهِ وَمِنْ الْخَلِّ الْخَلَّ الْمَخْلُوطَ بِالْمَاءِ كَانَتْ الْأَرْبَعَةُ كُلُّهَا نَظِيرَ الْمَاءِ الَّذِي غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. وَالْبَاقِلَّا إذَا شُدِّدَتْ اللَّامُ فَهُوَ مَقْصُورٌ وَإِذَا خُفِّفَتْ فَمَمْدُودٌ. وَمَاءُ الزَّرْدَجِ هُوَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْعُصْفُرِ الْمَنْقُوعِ. وَقَوْلُهُ: (مَا تَغَيَّرَ بِالطَّبْخِ) قِيلَ الْمُرَادُ بِالتَّغَيُّرِ الثُّخُونَةُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مَرَقًا.
قَوْلُهُ: (فَغَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ) الَّتِي هِيَ الطَّعْمُ وَاللَّوْنُ، وَالرِّيحُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا غَيَّرَ الْوَصْفَيْنِ لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: لَكِنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ الْأَسَاتِذَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ حَتَّى إنَّ أَوْرَاقَ الْأَشْجَارِ وَقْتَ الْخَرِيفِ تَقَعُ فِي الْحِيَاضِ فَيَتَغَيَّرُ مَاؤُهَا مِنْ حَيْثُ اللَّوْنُ وَالطَّعْمُ وَالرَّائِحَةُ ثُمَّ إنَّهُمْ يَتَوَضَّئُونَ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَكَذَا أَشَارَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ إلَيْهِ وَلَكِنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَكُونَ بَاقِيًا عَلَى رِقَّتِهِ، أَمَّا إذَا غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَصَارَ بِهِ ثَخِينًا فَلَا يَجُوزُ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إلَّا مَا غُيِّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ» وَذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ جَوَازِ التَّوَضُّؤِ عِنْدَ تَغَيُّرِ أَحَدِ الْأَوْصَافِ. أُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» أَيْ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ نَجِسٌ وَكَلَامُنَا فِي الْمُخْتَلَطِ الطَّاهِرِ. وَقَوْلُهُ: (أَجْرَى فِي الْمُخْتَصَرِ مَاءَ الزَّرْدَجِ مَجْرَى الْمَرَقِ) أَيْ فِي عَدَمِ جَوَازِ التَّوَضُّؤِ بِهِمَا (وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَاءِ الزَّعْفَرَانِ) وَسَنَذْكُرُ حُكْمَهُ وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ الصَّحِيحُ) ؛ لِأَنَّهُ خَالَطَهُ طَاهِرٌ فَغَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ كَمَاءِ الزَّعْفَرَانِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْمُخْتَصَرِ إنْ كَانَ عَلَى إطْلَاقِهِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ ظَاهِرِ لَفْظِهِ كَانَ بَيْنَ رِوَايَةِ الْمُخْتَصَرِ وَالْمَرْوِيِّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ خِلَافٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ مَا إذَا كَانَ الْمَاءُ مَغْلُوبًا بِأَجْزَاءِ الزَّرْدَجِ فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا، وَالْإِمَامُ النَّاطِفِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ اخْتَارَ الْمَرْوِيَّ عَنْ
الجزء 1 · صفحة 72
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِمَاءِ الزَّعْفَرَانِ وَأَشْبَاهِهِ مِمَّا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ مَاءٌ مُقَيَّدٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ مَاءُ الزَّعْفَرَانِ بِخِلَافِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَخْلُو عَنْهَا عَادَةً وَلَنَا أَنَّ اسْمَ الْمَاءِ بَاقٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَلَّا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ اسْمٌ عَلَى حِدَةٍ وَإِضَافَتُهُ إلَى الزَّعْفَرَانِ كَإِضَافَتِهِ إلَى الْبِئْرِ وَالْعَيْنِ، وَلِأَنَّ الْخَلْطَ الْقَلِيلَ لَا مُعْتَبَرَ بِهِ لِعَدَمِ إمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ كَمَا فِي أَجْزَاءِ الْأَرْضِ فَيُعْتَبَرُ الْغَالِبُ، وَالْغَلَبَةُ بِالْأَجْزَاءِ لَا بِتَغَيُّرِ اللَّوْنِ هُوَ الصَّحِيحُ، فَإِنْ تَغَيَّرَ
ـــــــــــــــــــــــــــــQأَبِي يُوسُفَ.
وَقَوْلُهُ: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) ظَاهِرٌ، وَقَوْلُهُ: (وَإِضَافَتُهُ إلَى الزَّعْفَرَانِ كَإِضَافَتِهِ إلَى الْبِئْرِ) يَعْنِي أَنَّهَا لِلتَّعْرِيفِ لَا لِلتَّقْيِيدِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُضَافَ إذَا لَمْ يَكُنْ خَارِجًا مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ بِالْعِلَاجِ فَالْإِضَافَةُ لِلتَّعْرِيفِ، وَمَاءُ الزَّعْفَرَانِ وَمَاءُ الْبِئْرِ وَمَاءُ الْعَيْنِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَإِنْ كَانَ خَارِجًا مِنْهُ فَهِيَ التَّقْيِيدُ كَمَاءِ الْوَرْدِ وَغَيْرِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ، فَبَقِيَ الِاعْتِبَارُ لِلْخَلْطِ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْغَلَبَةُ بِالْأَجْزَاءِ، فَإِنْ كَانَتْ أَجْزَاءُ الْمَاءِ غَالِبَةً وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِبَقَائِهِ عَلَى رِقَّتِهِ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ أَجْزَاءُ الْمَخْلُوطِ غَالِبَةً بِأَنْ صَارَ ثَخِينًا زَالَ عَنْهُ رِقَّتُهُ الْأَصْلِيَّةُ لَمْ يَجُزْ.
وَقَوْلُهُ: (هُوَ الصَّحِيحُ) نَفْيٌ لِقَوْلِ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ يَعْتَبِرُ الْغَلَبَةَ بِتَغَيُّرِ اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ مَا قِيلَ الطَّاهِرُ الْمَخْلُوطُ بِالْمَاءِ إمَّا أَنْ يَكُونَ لَوْنُهُ كَلَوْنِ الْمَاءِ أَوْ لَا
الجزء 1 · صفحة 73
بِالطَّبْخِ بَعْدَمَا خُلِطَ بِهِ غَيْرُهُ لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي مَعْنَى الْمُنَزَّلِ مِنْ السَّمَاءِ إذْ النَّارُ غَيَّرَتْهُ إلَّا إذَا طُبِخَ فِيهِ مَا يُقْصَدُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي النَّظَافَةِ كَالْأُشْنَانِ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّ الْمَيِّتَ قَدْ يُغْسَلُ بِالْمَاءِ الَّذِي أُغْلِيَ بِالسِّدْرِ، بِذَلِكَ وَرَدَتْ السُّنَّةُ، إلَّا أَنْ يَغْلِبَ ذَلِكَ عَلَى الْمَاءِ فَيَصِيرَ كَالسَّوِيقِ الْمَخْلُوطِ لِزَوَالِ اسْمِ الْمَاءِ عَنْهُ.
(وَكُلُّ مَاءٍ وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِهِ قَلِيلًا كَانَتْ النَّجَاسَةُ أَوْ كَثِيرًا)
ـــــــــــــــــــــــــــــQفَإِنْ كَانَ الثَّانِي كَاللَّبَنِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْعُصْفُرِ فَالْعِبْرَةُ لِلَّوْنِ، فَإِنْ غَلَبَ لَوْنُ الْمَاءِ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ كَمَاءِ الْبِطِّيخِ وَالْأَشْجَارِ فَالْعِبْرَةُ لِلطَّعْمِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ طَعْمٌ فَالْعِبْرَةُ لِكَثْرَةِ الْأَجْزَاءِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْأَوَّلُ صَحِيحًا؛ لِأَنَّ الْغَلَبَةَ بِالْأَجْزَاءِ غَلَبَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، إذْ وُجُودُ الشَّيْءِ الْمُرَكَّبِ بِأَجْزَائِهِ فَكَانَ اعْتِبَارُهَا أَوْلَى.
وَقَوْلُهُ: (بَعْدَمَا خُلِطَ بِهِ غَيْرُهُ) إنَّمَا قُيِّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ إذَا طُبِخَ وَحْدَهُ وَتَغَيَّرَ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ. وَقَوْلُهُ: (إلَّا إذَا طُبِخَ فِيهِ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ، وَإِنَّمَا جَازَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ وَرَدَتْ بِهِ فِي غُسْلِ الْمَوْتَى بِالْمَاءِ الَّذِي أُغْلِيَ بِالسِّدْرِ إلَّا إذَا صَارَ غَلِيظًا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ تَسْيِيلُهُ عَلَى الْعُضْوِ لِزَوَالِ اسْمِ الْمَاءِ عَنْهُ.
قَالَ (وَكُلُّ مَاءٍ وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِهِ) أَرَادَ بِالْمَاءِ مَا لَا يَكُونُ جَارِيًا وَلَا فِي حُكْمِهِ وَهُوَ الْغَدِيرُ الْعَظِيمُ لِذِكْرِهِ هَذَا بَعْدَ هَذَا، وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْهِدَايَةِ: قَلِيلًا كَانَتْ النَّجَاسَةُ أَوْ كَثِيرًا، وَفِي بَعْضِهَا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، وَهُوَ لَفْظُ الْمُخْتَصَرِ.
وَتَوْجِيهُ الْأُولَى أَنْ يُقَالَ شَبَّهَ فَعِيلًا بِمَعْنَى فَاعِلٍ بِفَعِيلٍ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ فِي حَذْفِ عَلَامَةِ التَّأْنِيثِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] وَفِي قَوْلِهِ (قَلِيلًا) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ مَالِكٍ فَإِنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ الْمَاءُ عِنْدَهُ إذْ لَمْ يُرَ لَهَا أَثَرٌ. وَقَوْلُهُ: (كَثِيرًا) مُسْتَدْرَكٌ؛ لِأَنَّ قَلِيلَ النَّجَاسَةِ إذَا كَانَ مَانِعًا فَالْكَثِيرُ أَوْلَى. وَتَوْجِيهُ الثَّانِيَةِ الْمَاءُ الرَّاكِدُ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ، وَالْقَلِيلُ مَا يَكْفِي الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ كَذَا قِيلَ. وَقَوْلُهُ: قَلِيلًا احْتِزَازٌ عَنْ قَوْلِ مَالِكٍ، وَقَوْلُهُ: كَثِيرًا احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ مَالِكًا يُجَوِّزُ الْوُضُوءَ بِالْقَلِيلِ وَإِنْ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِهِ، وَيَسْتَدِلُّ بِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، إلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ» الْحَدِيثَ. وَالشَّافِعِيُّ يُجَوِّزُهُ إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا» وَاضْطَرَبَتْ أَقْوَالُهُمْ فِي مِقْدَارِ الْقُلَّتَيْنِ، فَقِيلَ الْقُلَّتَانِ خَمْسُ قِرَبٍ كُلُّ قِرْبَةٍ خَمْسُونَ مَنًّا، وَقِيلَ ثَلَثُمِائَةِ مَنٍّ تَقْرِيبًا
الجزء 1 · صفحة 74
وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَجُوزُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِهِ لِمَا رَوَيْنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَجُوزُ إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا» وَلَنَا حَدِيثُ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ مَنَامِهِ، وَقَوْلُهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQلَا تَحْدِيدًا، وَقِيلَ الْقُلَّةُ جَرَّةٌ تُحْمَلُ مِنْ الْيَمِينِ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا. وَلَنَا حَدِيثُ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ مَنَامَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامَةِ فَلَا يَغْمِسُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا» وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ أَنَّهُ لَمَّا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ الْغَمْسِ لِأَجْلِ احْتِمَالِ النَّجَاسَةِ، فَحَقِيقَةُ النَّجَاسَةِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ نَجِسًا.
وَقَوْلُهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلَنَّ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ» رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ، أَمَّا عَلَى مَالِكٍ فَإِنَّهُ نَهَى عَنْ الِاغْتِسَالِ فِيهِ وَأَنَّهُ لَا يُغَيَّرُ أَحَدُ أَوْصَافِ الْمَاءِ بِيَقِينٍ، وَأَمَّا عَلَى الشَّافِعِيِّ فَلِأَنَّهُ نَهَى عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ، وَمُطْلَقُ النَّهْيِ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، لَا سِيَّمَا عَلَى مَذْهَبِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُنَجَّسًا كَانَ كَسَكْبِ الْمَاءِ فِيهِ وَهُوَ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ. وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ دَائِمٍ وَدَائِمٍ فَكَانَ الْقُلَّتَانِ وَغَيْرُهُمَا سَوَاءً. لَا يُقَالُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ لِلتَّنْزِيَةِ؛ لِأَنَّ تَأْكِيدَهُ وَتَقْيِيدَهُ بِالدَّائِمِ يُنَافِيهِ، فَإِنَّ الْمَاءَ الْجَارِي يُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى، فَإِنَّ الْبَوْلَ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِأَدَبٍ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ فَكَذَلِكَ فِي الْجَارِي فَلَا يَكُونُ لِلتَّقْيِيدِ فَائِدَةٌ، وَكَلَامُ الشَّارِعِ مَصُونٌ عَنْ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ الِاسْتِدْلَال بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ؛ لِأَنَّ الْغَدِيرَ الْعَظِيمَ مَاءٌ دَائِمٌ فَيَدْخُلُ تَحْتَ إطْلَاقِهِ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْجَارِي بِالْإِجْمَاعِ فِي عَدَمِ اخْتِلَاطِ
الجزء 1 · صفحة 75
- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلَنَّ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَاَلَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَرَدَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ وَمَاؤُهَا كَانَ جَارِيًا فِي الْبَسَاتِينِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــQبَعْضِهِ بِبَعْضٍ.
(قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ جَوَابٌ عَنْ حَدِيثِ مَالِكٍ بِأَنَّهُ وَرَدَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ) وَهِيَ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا: بِئْرٌ قَدِيمَةٌ بِالْمَدِينَةِ تُلْقَى فِيهَا الْجِيَفُ وَمَحَايِضُ النِّسَاءِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تَوَضَّأَ مِنْهَا فَقَالَ «الْمَاءُ طَهُورٌ» الْحَدِيثَ، وَقَدْ كَانَ مَاؤُهَا جَارِيًا فِي الْبَسَاتِينِ يُسْقَى مِنْهُ خَمْسُ بَسَاتِينَ، وَالْمَاءُ الْجَارِي لَا يَنْجَسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ عِنْدَنَا. فَإِنْ قِيلَ الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ دُونَ خُصُوصِ السَّبَبِ فَكَيْفَ اخْتَصَّ بِئْرُ بُضَاعَةَ مَعَ وُجُودِ دَلِيلِ الْعُمُومِ فِيهِ وَهُوَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْخُصُوصِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْحَمْلِ لِلتَّوْفِيقِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَيْنِ إذَا تَعَارَضَا وَجُهِلَ تَارِيخُهُمَا جُعِلَا كَأَنَّهُمَا وَرَدَا مَعًا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِمَا يُحْمَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَحْمَلٍ إنْ أَمْكَنَ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ يُطْلَبُ التَّرْجِيحُ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ يَتَهَاتَرَانِ، وَهَاهُنَا أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِأَنْ يُحْمَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى بِئْرِ بُضَاعَةَ وَحَدِيثُ الْمُسْتَيْقِظِ، وَقَوْلُهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ» الْحَدِيثَ عَلَى غَيْرِهَا فَعَمِلْنَا كَذَلِكَ دَفْعًا لِلتَّنَاقُضِ. فَإِنْ قِيلَ اسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ أَوَّلَ الْبَابِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى طَهُورِيَّةِ الْمِيَاهِ الْمَذْكُورَةِ هُنَاكَ وَحَمَلَهُ هَاهُنَا عَلَى بِئْرِ بُضَاعَةَ، فَإِنْ كَانَتْ اللَّامُ فِي قَوْلِهِ الْمَاءُ لِلْجِنْسِ صَحَّ الِاسْتِدْلَال وَبَطَلَ الْحَمْلُ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْعَهْدِ صَحَّ الْحَمْلُ وَبَطَلَ الِاسْتِدْلَال. أَجَابَ الْعَلَّامَةُ عَلَاءُ الدِّينِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بِمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لِلْجِنْسِ وَالِاسْتِدْلَالُ صَحِيحٌ، وَالْحَمْلُ لَيْسَ بِبَاطِلٍ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ مُشْتَمِلٌ عَلَى قَضِيَّتَيْنِ: إحْدَاهُمَا الْمَاءُ طَهُورٌ، وَالثَّانِيَةُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْأُولَى؛ لِأَنَّهَا تُفِيدُ الْمَقْصُودَ مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ إلَى الثَّانِيَةِ وَالْحَمْلُ لِلثَّانِيَةِ. وَرُدَّ بِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ رَاجِعٌ إلَى مَا دَخَلَ عَلَيْهِ اللَّامُ فَكَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسَ، فَكَيْفَ يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى مُعَيَّنٍ.
وَأَجَابَ بِأَنَّ اللَّفْظَ إذَا احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ وَأُرِيدَ بِهِ أَحَدُهُمَا ثُمَّ أُرِيدَ بِضَمِيرِهِ الْآخَرُ جَازَ، وَيُسَمَّى ذَلِكَ اسْتِخْدَامًا كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
إذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ ... رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابًا
وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ» فِي كَوْنِهِ جَوَابًا زَائِدًا عَلَى مِقْدَارِ الْحَاجَةِ، فَإِنَّ الْحَاجَةَ كَانَتْ فِي دَفْعِ النَّجَاسَةِ عَنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِقَوْلِهِ «لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» إلَّا أَنَّهُ زَادَ قَوْلَهُ «الْمَاءُ طَهُورٌ» وَقَدْ يَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ مِنْ شَأْنِهَا التَّطْهِيرُ، وَمَاءُ بِئْرِ بُضَاعَةَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَيَّرَ إلَى آخِرِهِ لِكَوْنِهِ جَارِيًا، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ الْبَالِغُ قُلَّتَيْنِ طَاهِرًا إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لِوُجُودِ الدَّلِيلِ.
الجزء 1 · صفحة 76
وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُد، وَهُوَ يَضْعُفُ عَنْ احْتِمَالِ النَّجَاسَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــQعَلَى نَجَاسَتِهِ وَهُوَ حَدِيثُ الْمُسْتَيْقِظِ، وَقَوْلُهُ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ» الْحَدِيثَ. وَقَوْلُهُ: (وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) يُرِيدُ بِهِ حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُد مَعْنَاهُ لَا يَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِهَذَا الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ ضَعْفًا ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُد سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ قَالَ حَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ مِمَّا لَا يَثْبُتُ، وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ أُسْتَاذُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَعِيلَ الْبُخَارِيِّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ بَلَغَنِي بِإِسْنَادٍ لَا يَحْضُرُنِي مَنْ ذَكَرَهُ وَمِثْلُ هَذَا دُونَ الْمُرْسَلِ وَفِي مَتْنِهِ اضْطِرَابٌ فَإِنَّهُ قَالَ فِي بَعْضِ
الجزء 1 · صفحة 77
(وَالْمَاءُ الْجَارِي إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ جَازَ الْوُضُوءُ مِنْهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــQالرِّوَايَاتِ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَفِي بَعْضِهَا أَرْبَعِينَ قُلَّةً هَكَذَا رَوَاهُ جَابِرٌ وَأَخَذَ بِهِ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالْقُلَّةُ فِي نَفْسِهَا مَجْهُولَةٌ؛ لِأَنَّهَا تُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهَا قَامَةُ الرَّجُلِ، وَتُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهَا رَأْسُ الْجَبَلِ، وَتُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهَا الْجَرَّةُ، وَالتَّعْيِينُ بِقِلَالِ هَجْرٍ لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِ جُرَيْجٍ؛ لِأَنَّ جُرَيْجًا مِمَّنْ لَا يُقَلَّدُ فَيَبْقَى مُحْتَمَلًا، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: لَا يَحْتَمِلُ خُبْثًا يُحْتَمَلُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ: أَيْ لَا يَقْبَلُ النَّجَاسَةَ وَيَدْفَعُهَا، وَيَحْتَمِلُ إذَا قَلَّ الْمَاءُ حَتَّى انْتَهَى إلَى الْقُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ يَضْعُفُ عَنْ احْتِمَالِ الْخُبْثِ فَيَنْجَسُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ التَّمَسُّكُ بِهِ صَحِيحًا.
(قَوْلُهُ: وَالْمَاءُ الْجَارِي إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ) اخْتَلَفَ
الجزء 1 · صفحة 78
إذَا لَمْ يُرَ لَهَا أَثَرٌ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَقِرُّ مَعَ جَرَيَانِ الْمَاءِ) وَالْأَثَرُ هُوَ الرَّائِحَةُ أَوْ الطَّعْمُ أَوْ اللَّوْنُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــQالنَّاسُ فِي تَعْرِيفِ الْمَاءِ الْجَارِي، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ مَا لَا يَتَكَرَّرُ اسْتِعْمَالُهُ، وَذَلِكَ بِأَنَّهُ إذَا غَسَلَ يَدَهُ وَسَالَ الْمَاءُ مِنْهَا إلَى النَّهْرِ فَإِذَا أَخَذَهُ ثَانِيًا لَا يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْمَاءِ الْأَوَّلِ. وَقِيلَ مَا يَذْهَبُ بِتَبِنَةٍ. وَقِيلَ هُوَ مَا إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَوْ وَضَعَ رَجُلٌ يَدَهُ فِي الْمَاءِ عَرَضًا لَمْ يَنْقَطِعْ جَرَيَانُهُ. قِيلَ وَالْأَصَحُّ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ جَارِيًا، وَحُكْمُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ: (إذَا لَمْ يُرَ لَهَا أَثَرٌ) أَيْ لَمْ يُبْصَرْ لَهَا أَثَرٌ، إشَارَةٌ إلَى أَنَّ النَّجَاسَةَ إذَا كَانَتْ مَرْئِيَّةً لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ جَانِبِ الْوُقُوعِ.
قَالَ فِي الْمُحِيطِ: إذَا وَقَعَتْ النَّجَاسَةُ فِي الْمَاءِ الْجَارِي، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ كَالْبَوْلِ لَا يَنْجُسُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ، وَإِنْ كَانَتْ مَرْئِيَّةً كَالْجِيفَةِ وَالْعَذِرَةِ، فَإِنْ كَانَ النَّهْرُ كَبِيرًا لَا يُتَوَضَّأُ مِنْ أَسْفَلِ الْجَانِبِ الَّذِي فِيهِ الْجِيفَةُ وَيُتَوَضَّأُ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَإِنْ لَاقَاهَا أَكْثَرُ الْمَاءِ فَهُوَ نَجِسٌ،
الجزء 1 · صفحة 79
وَالْجَارِي مَا لَا يَتَكَرَّرُ اسْتِعْمَالُهُ، وَقِيلَ مَا يَذْهَبُ بِتِبْنَةٍ.
قَالَ (وَالْغَدِيرُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا يَتَحَرَّكُ أَحَدُ طَرَفَيْهِ بِتَحْرِيكِ الطَّرَفِ الْآخَرِ إذَا وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي أَحَدِ جَانِبَيْهِ جَازَ الْوُضُوءُ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَصِلُ إلَيْهِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَإِنْ كَانَ أَقَلَّهُ فَهُوَ طَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ النِّصْفَ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ فِي الْحُكْمِ، وَالْأَحْوَطُ أَلَّا يُتَوَضَّأَ.
(قَوْلُهُ: وَالْغَدِيرُ الْعَظِيمُ) الْغَدِيرُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِنْ غَدَرَ: أَيْ تَرَكَ، وَهُوَ الَّذِي تَرَكَهُ مَاءُ السَّيْلِ، وَقِيلَ بِمَعْنَى مُفَاعِلٍ أَيْ مُغَادِرٍ
الجزء 1 · صفحة 80
إذْ أَثَرُ التَّحْرِيكِ فِي السِّرَايَةِ فَوْقَ أَثَرِ النَّجَاسَةِ. ثُمَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ يَعْتَبِرُ التَّحْرِيكَ بِالِاغْتِسَالِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَعَنْهُ التَّحْرِيكُ بِالْيَدِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِالتَّوَضُّؤِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الِاغْتِسَالِ فِي الْحِيَاضِ أَشَدُّ مِنْهَا إلَى التَّوَضُّؤِ، وَبَعْضُهُمْ قَدَّرُوا بِالْمِسَاحَةِ عَشْرًا فِي عَشْرٍ بِذِرَاعِ الْكِرْبَاسِ تَوْسِعَةً لِلْأَمْرِ عَلَى النَّاسِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى،
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَقِيلَ بِمَعْنَى فَاعِلٍ؛ لِأَنَّهُ يَغْدِرُ بِأَهْلِهِ لِانْقِطَاعِهِ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَصْحَابَنَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إذَا خَلَصَ بَعْضُهُ: أَيْ وَصَلَ إلَى بَعْضٍ كَانَ قَلِيلًا، وَإِذَا لَمْ يَخْلُصُ كَانَ كَثِيرًا لَا يَنْجَسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ كَالْمَاءِ الْجَارِي. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا يُعْرَفُ بِهِ الْخُلُوصُ، فَذَهَبَ الْمُتَقَدِّمُونَ إلَى أَنَّهُ يُعْرَفُ بِالتَّحْرِيكِ: فَإِذَا حُرِّكَ طَرَفٌ مِنْهُ وَلَمْ يَتَحَرَّكْ الْجَانِبُ الْآخَرُ فَهُوَ مِمَّا لَا يَخْلُصُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ، وَالْمُرَادُ بِالتَّحَرُّكِ هُوَ التَّحَرُّكُ بِالِارْتِفَاعِ وَالِانْخِفَاضِ سَاعَةَ تَحْرِيكِهِ لَا بَعْدَ الْمُكْثِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْحَبَابِ، فَإِنَّ الْمَاءَ وَإِنْ كَثُرَ يَعْلُوهُ وَيَتَحَرَّكُ. ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي سَبَبِ التَّحْرِيكِ، فَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ التَّحْرِيكُ بِالِاغْتِسَالِ، وَهُوَ أَنْ يَغْتَسِلَ إنْسَانٌ فِي جَانِبٍ مِنْهُ اغْتِسَالًا وَسَطًا وَلَمْ يَتَحَرَّكْ الْجَانِبُ الْآخَرُ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو يُوسُفَ. وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ أَيْضًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ التَّحْرِيكُ بِالْيَدِ لَا غَيْرُ. وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ التَّحْرِيكُ بِالتَّوَضُّؤِ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الِاغْتِسَالِ فِي الْحِيَاضِ أَشَدُّ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى التَّوَضُّؤِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ يَكُونُ فِي الْبُيُوتِ عَادَةً.
وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ التَّحْرِيكَ يَكُونُ بِالِاغْتِسَالِ وَبِالتَّوَضُّؤِ وَبِغَسْلِ الْيَدِ، إلَّا أَنَّ التَّحْرِيكَ بِغَسْلِ الْيَدِ يَكُونُ أَخَفَّ فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِهِ أَوْلَى تَوْسِعَةً عَلَى النَّاسِ. وَوَجْهُ الثَّالِثِ أَنَّ مَبْنَى الْمَاءِ فِي حُكْمِ النَّجَاسَةِ عَلَى الْخِفَّةِ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ أَنْ يَنْجَسَ وَإِنْ كَثُرَ الْمَاءُ، إلَّا أَنَّهُ أَسْقَطَ حُكْمَ النَّجَاسَةِ عَنْ بَعْضِ الْمِيَاهِ تَخْفِيفًا فَاعْتُبِرَ التَّحْرِيكُ الْوَسَطُ وَهُوَ التَّحْرِيكُ بِالْوُضُوءِ.
وَذَهَبَ الْمُتَأَخِّرُونَ إلَى أَنَّهُ يُعْرَفُ بِشَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ التَّحْرِيكِ، فَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ بِالْكُدْرَةِ فَقَالَ إذَا اُغْتُسِلَ فِيهِ وَتَكَدَّرَ الْمَاءُ فَإِنْ وَصَلَتْ الْكُدَارَةُ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَهُوَ مِمَّا يَخْلُصُ وَإِلَّا فَلَا. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَفْصٍ الْكَبِيرِ أَنَّهُ اُعْتُبِرَ بِالصَّبْغِ فَقَالَ: يُلْقَى زَعْفَرَانٌ فِي جَانِبٍ مِنْهُ، فَإِنْ أَثَّرَ الزَّعْفَرَانُ
الجزء 1 · صفحة 81
وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْعُمْقِ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يَنْحَسِرُ بِالِاغْتِرَافِ هُوَ الصَّحِيحُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــQفِي الْجَانِبِ الْآخَرِ كَانَ مِمَّا يَخْلُصُ وَإِلَّا فَلَا.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الْجُوزَجَانِيِّ أَنَّهُ اُعْتُبِرَ بِالْمِسَاحَةِ إنْ كَانَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ فَهُوَ مِمَّا لَا يَخْلُصُ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ: إنْ كَانَ مِثْلَ مَسْجِدِي هَذَا فَهُوَ مَا لَا يَخْلُصُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ، فَلَمَّا قَامَ مُسِحَ مَسْجِدُهُ فَكَانَ ثَمَانِيًا فِي ثَمَانٍ، وَفِي رِوَايَةٍ وَعَشْرًا فِي عَشْرٍ فِي رِوَايَةٍ، وَبِقَوْلِ أَبِي سُلَيْمَانَ الْجُوزَجَانِيِّ أَخَذَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ، ثُمَّ أَلْفَاظُ الْكُتُبِ قَدْ اخْتَلَفَتْ فِي تَعْيِينِ الذِّرَاعِ فَجُعِلَ الصَّحِيحُ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ ذِرَاعُ الْمِسَاحَةِ وَهِيَ سَبْعُ مُشِتَّاتٍ فَوْقَ كُلِّ مُشِتَّةٍ إصْبَعٌ قَائِمَةٌ، وَالْمُصَنِّفُ اخْتَارَ لِلْفَتْوَى ذِرَاعَ الْكِرْبَاسِ وَهِيَ سَبْعُ مُشِتَّاتٍ لَيْسَ فَوْقَ كُلِّ مُشِتَّةٍ إصْبَعٌ قَائِمَةٌ تَوْسِعَةً لِلْأُمُورِ عَلَى النَّاسِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْعُمْقِ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يَنْحَسِرُ بِالِاغْتِرَافِ. وَقَوْلُهُ (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ إنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ
الجزء 1 · صفحة 82
وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ وَجَازَ الْوُضُوءُ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ، إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَنْجُسُ مَوْضِعُ الْوُقُوعِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِظُهُورِ أَثَرِ النَّجَاسَةِ فِيهِ كَالْمَاءِ الْجَارِي.
قَالَ (وَمَوْتُ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ فِي الْمَاءِ لَا يُنَجِّسُهُ كَالْبَقِّ وَالذُّبَابِ وَالزَّنَابِيرِ وَالْعَقْرَبِ وَنَحْوِهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُفْسِدُهُ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَا بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ آيَةُ النَّجَاسَةِ، بِخِلَافِ دُودِ الْخَلِّ وَسُوسِ الثِّمَارِ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً، وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِيهِ «هَذَا هُوَ الْحَلَالُ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَالْوُضُوءُ مِنْهُ» وَلِأَنَّ الْمُنَجَّسَ هُوَ اخْتِلَاطُ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ بِأَجْزَائِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــQذِرَاعًا، وَقَالَ آخَرُونَ أَنْ يَكُونَ قَدْرَ شِبْرٍ. وَقَوْلُهُ: (فِي الْكِتَابِ) يَعْنِي مُخْتَصَرَ الْقُدُورِيِّ.
وَقَوْلُهُ: (إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَنْجَسُ مَوْضِعُ الْوُقُوعِ) لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ كَوْنِهَا مَرْئِيَّةً وَغَيْرَ مَرْئِيَّةٍ وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ وَمَشَايِخِ بُخَارَى وَبَلْخِي، فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا فَقَالُوا فِي غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ يُتَوَضَّأُ مِنْ الْجَانِبِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ بِخِلَافِ الْمَرْئِيَّةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَنْجَسُ إلَّا إذَا ظَهَرَ أَثَرُهَا فِيهِ: أَيْ فِي مَوْضِعِ الْوُقُوعِ كَالْمَاءِ الْجَارِي، وَعَلَى هَذَا إذَا غَسَلَ وَجْهَهُ فِي حَوْضٍ كَبِيرٍ فَسَقَطَ غُسَالَةُ وَجْهِهِ فِي الْمَاءِ فَرَفَعَ الْمَاءَ مِنْ مَوْضِعِ الْوُقُوعِ قَبْلَ التَّحْرِيكِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ، وَجَوَّزَهُ مَشَايِخُ بُخَارَى وَبَلْخِي تَوْسِعَةً عَلَى النَّاسِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى فِيهِ.
قَالَ (وَمَوْتُ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ) إذَا مَاتَ مَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ كَالْبَقِّ وَالذُّبَابِ وَالزَّنَابِيرِ وَالْعَقْرَبِ وَنَحْوِهَا (فِي الْمَاءِ) لَا يُنَجِّسُهُ وَإِنَّمَا جَمَعَ الزَّنَابِيرَ دُونَ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا أَنْوَاعٌ شَتَّى، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُفْسِدُهُ؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] وَالتَّحْرِيمُ لَا بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ آيَةُ النَّجَاسَةِ. وَقَوْلُهُ: (لَا بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ) احْتِرَازٌ عَنْ الْآدَمِيِّ. فَإِنْ قِيلَ دُودُ الْخَلِّ وَسُوسُ الثِّمَارِ إذَا مَاتَتْ فِيهَا مَعَ أَنَّهَا
الجزء 1 · صفحة 83
حَتَّى حَلَّ الْمُذَكَّى لِانْعِدَامِ الدَّمِ فِيهِ وَلَا دَمَ فِيهَا، وَالْحُرْمَةُ لَيْسَتْ مِنْ ضَرُورَتِهَا النَّجَاسَةُ كَالطِّينِ.
قَالَ (وَمَوْتُ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ فِيهِ لَا يُفْسِدُهُ كَالسَّمَكِ وَالضُّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــQمَيْتَةُ لَا يُنَجِّسُ الْخَلَّ وَالثِّمَارَ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ:؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً.
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ بِإِسْنَادِهِ إلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «عَنْ سَلْمَانَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِيهِ: أَيْ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَادِثَةِ فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سُئِلَ عَنْ إنَاءٍ فِيهِ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ يَمُوتُ فِيهِ مَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ فَقَالَ: هُوَ الْحَلَالُ أَكْلُهُ وَشَرَابُهُ وَالْوُضُوءُ مِنْهُ» وَلِأَنَّ الْمُنَجِّسَ هُوَ اخْتِلَاطُ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ بِأَجْزَائِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ حَتَّى حَلَّ الْمُذَكَّى لِانْعِدَامِ الدَّمِ فِيهِ، وَلَا دَمَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إذْ الْفَرْضُ كَذَلِكَ فَلَا يَنْجَسُ هَاهُنَا. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُنَجِّسَ هُوَ اخْتِلَاطُ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ، فَإِنَّ ذَبِيحَةَ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ وَتَارِكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا لَيْسَ فِيهَا دَمٌ مَسْفُوحٌ وَهِيَ نَجِسَةٌ، وَذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ إذَا لَمْ يَسِلْ مِنْهَا دَمٌ يُعَارَضُ بِأَنْ أَكَلَتْ وَرَقَ الْعُنَّابِ حَلَالٌ مَعَ أَنَّ الدَّمَ لَمْ يَسِلْ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْقِيَاسَ فِي ذَبِيحَةِ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ الطَّهَارَةُ كَذَبِيحَةِ الْمُسْلِمِ، إلَّا أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ أَخْرَجَهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ الذَّبْحِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ وَلَا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ» فَجَعَلَ الشَّرْعُ ذَبْحَهُ كَلَا ذَبْحٍ، وَكَمَا جَعَلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ جَعَلَ ذَبِيحَةَ الْمُسْلِمِ إذَا لَمْ يَسِلْ مِنْهَا الدَّمُ كَذَبِيحَتِهِ إذَا سَالَ إقَامَةً لِأَهْلِيَّةِ الذَّابِحِ وَاسْتِعْمَالِ آلَةِ الذَّبْحِ مَقَامَ الْإِسَالَةِ لِإِتْيَانِهِ بِمَا هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ الدَّاخِلُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْعَوَارِضِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْقَوَاعِدِ الْأَصْلِيَّةِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ حَيًّا لَا يَنْجَسُ، وَلِهَذَا قُلْنَا: الْمُصَلِّي إذَا اسْتَصْحَبَ فَأْرَةً أَوْ عُصْفُورَةً حَيَّةً لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ وَلَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَفَسَدَتْ، وَلَوْ مَاتَتْ حَتْفَ أَنْفِهَا وَاسْتَصْحَبَهَا فَسَدَتْ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الدَّمَ الَّذِي فِي الْحَيِّ فِي مَعْدِنِهِ وَبِالْمَوْتِ يَنْصَبُّ عَنْ مَجَارِيهِ فَيَتَنَجَّسُ اللَّحْمُ بِتَشَرُّبِهِ إيَّاهُ، وَلِهَذَا لَوْ قُطِعَتْ الْعُرُوقُ بَعْدَهُ لَمْ يَسِلْ مِنْهَا دَمٌ (قَوْلُهُ: وَالْحُرْمَةُ لَيْسَتْ مِنْ ضَرُورَتِهَا النَّجَاسَةُ) جَوَابٌ عَنْ اسْتِدْلَالِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ الطِّينَ حَرَامٌ لَا لِكَرَامَتِهِ وَلَيْسَ بِنَجِسٍ.
قَالَ (وَمَوْتُ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ فِيهِ لَا يُفْسِدُهُ) مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ: يَعْنِي مَا يَكُونُ مَوْلِدُهُ وَمَثْوَاهُ فِيهِ إذَا مَاتَ فِي الْمَاءِ لَا يُفْسِدُهُ كَالسَّمَكِ
الجزء 1 · صفحة 84
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يُفْسِدُهُ إلَّا السَّمَكُ لِمَا مَرَّ. وَلَنَا أَنَّهُ مَاتَ فِي مَعْدِنِهِ فَلَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ كَبَيْضَةٍ حَالَ مُحُّهَا دَمًا، وَلِأَنَّهُ لَا دَمَ فِيهَا، إذْ الدَّمَوِيُّ لَا يَسْكُنُ الْمَاءَ وَالدَّمُ هُوَ الْمُنَجِّسُ، وَفِي غَيْرِ الْمَاءِ قِيلَ غَيْرُ السَّمَكِ يُفْسِدُهُ لِانْعِدَامِ الْمَعْدِنِ. وَقِيلَ لَا يُفْسِدُهُ لِعَدَمِ الدَّمِ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــQوَالضُّفْدَعُ وَالسَّرَطَانُ. قِيلَ إنَّمَا قَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لَا يُنَجِّسُهُ وَفِي هَذِهِ لَا يُفْسِدُهُ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فِي غَيْرِ مَعْدِنِهِ فَيُتَوَهَّمُ التَّنْجِيسُ فَيُنَاسَبُ نَفْيَهُ، وَفِي الثَّانِيَةِ فِي مَعْدِنِهِ فَلَا يُتَوَهَّمُ تَنْجِيسُهُ بِوَاسِطَةِ الضَّرُورَةِ، لَكِنْ اُحْتُمِلَ تَغَيُّرُ صِفَةِ الْمَاءِ فَنَفَاهُ بِقَوْلِهِ لَا يُفْسِدُهُ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُفْسِدُهُ إلَّا السَّمَكَ لِمَا مَرَّ) يَعْنِي مِنْ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَا بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ آيَةُ النَّجَاسَةِ.
قِيلَ فِي هَذَا التَّعْلِيلِ إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّ الضُّفْدَعَ وَالسَّرَطَانَ يَجُوزُ أَكْلُهُمَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ عَلَى مَا سَيَأْتِي.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ الْمَذْكُورُ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ أَطْلَقَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ رِوَايَةً أُخْرَى عَنْهُ فَيَكُونُ الْإِلْزَامُ عَلَيْهَا (وَلَنَا أَنَّهُ مَاتَ فِي مَعْدِنِهِ) وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَكُلُّ مَا مَاتَ فِي مَعْدِنِهِ كَانَ نَجِسًا فِي مَعْدِنِهِ، وَكُلُّ مَا كَانَ نَجِسًا فِي مَعْدِنِهِ لَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ كَبَيْضَةٍ حَالَ مَجِّهَا دَمًا: أَيْ تَغَيَّرَتْ صُفْرَتُهَا دَمًا، حَتَّى لَوْ صَلَّى وَفِي كُمِّهِ تِلْكَ الْبَيْضَةُ تَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَهَا؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ فِي مَعْدِنِهَا بِخِلَافِ مَا إذَا صَلَّى وَفِي كُمِّهِ قَارُورَةٌ فِيهَا دَمٌ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَيْسَتْ فِي مَعْدِنِهَا. قِيلَ هَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَلَّا يُعْطَى لِلْوُحُوشِ وَالطُّيُورِ حُكْمُ النَّجَاسَةِ إذَا مَاتَتْ فِي الْبَرِّ؛ لِأَنَّهُ مَعْدِنُهَا، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُمْ يَعْنُونَ بِالْمَعْدِنِ مَا يَكُونُ مُحِيطًا فَإِنَّهُمْ يُمَثِّلُونَ بِالدَّمِ فِي الْعُرُوقِ وَالْمُخَّ فِي الْبَيْضَةِ وَأَشْبَاهَهُمَا وَلَيْسَ الْبَرُّ كَذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: (وَلِأَنَّهُ لَا دَمَ فِيهَا) أَيْ فِي هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ إذْ الدَّمَوِيُّ لَا يَسْكُنُ الْمَاءَ وَالدَّمُ هُوَ الْمُنَجِّسُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَ) إذَا مَاتَ (فِي غَيْرِ الْمَاءِ) كَالْخَلِّ وَالْعَصِيرِ وَالْحَلِيبِ وَنَحْوِهَا (قِيلَ غَيْرُ السَّمَكِ يُفْسِدُهُ لِانْعِدَامِ الْمَعْدِنِ) وَهُوَ قَوْلُ نُصَيْرِ بْنِ يَحْيَى وَمُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (وَقِيلَ لَا يُفْسِدُهُ) وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ (لِعَدَمِ الدَّمِ وَهُوَ الْأَصَحُّ) لِاطِّرَادِهِ، قِيلَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ التَّعْلِيلَيْنِ نَظَرٌ، أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْعَدَمِ عَلَى وُجُودِ الشَّيْءِ لَا يَجُوزُ، وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّ انْتِفَاءَ الْعِلَّةِ لَا يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الْمَعْلُولِ لِجَوَازِ أَنْ يَثْبُتَ بِعِلَّةٍ أُخْرَى، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَيْسَ بِتَعْلِيلٍ بَلْ هُوَ بَيَانُ انْتِفَاءِ الْمَانِعِ، فَإِنَّا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تُعْطَى