الجزء 1
ـ[شرح سنن ابن ماجه - الإعلام بسنته عليه السلام]ـ
المؤلف: مغلطاي بن قليج بن عبد الله البكجري المصري الحكري الحنفي، أبو عبد الله، علاء الدين (المتوفى: 762هـ)
المحقق: كامل عويضة
الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز - المملكة العربية السعودية
الطبعة: الأولى، 1419 هـ - 1999 م
عدد الأجزاء: 5
[الكتاب مقابل ومدقق إملائيا وترقيمه موافق للمطبوع]
الجزء 1 · صفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
ترجمة المصنف
اسمه ونسبه:
هو: الإِمام الحافظ علاء الدين مغلطاي بن قليج بن عبد الله الحنفي، ولد
سنة تسع وثمانين وستمائة من هجرة أبي القاسم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وسمع من الدبوسي
والختني وخلائق، وولي تدريس الحديث بالظاهرية بعد ابن سيّد الناس
وغيرها، وله مآخذ على المحدثين وأهل اللغة. ولد سنة تسع وثمانين وستمائة.
نشأتَه وطلبه للعلم:
نشأ مغلطاي- رحمه الله تعالى- في بيت علم وفضل؛ فنشأ نشأة دينية
طاهرة، وتلقى فيها معارفه الأولى على والده وأهل العلم والفضل في بلدته،
فحفظ القرآن الكريم وجوّده.
وكان- يرحمه الله- كثير الاشتغال بمطالعة كتب الحديث والتاريخ
والأدب، وهو لا يزال مشتغلا بحفظ القرآن الكريم.
وممّا ساعد مغلطاي على طلب العلم والنبوغ المبكّر: وجوده وتربيته في بيت
العلم والفضل، كما أنّ أكثر أهل بلده كانوا- كذلك- من أهل العلم
والفضل.
واستطاع مغلطاي أن يستفيد من علماء عصره، وما أكثرهم، فأخذ
يطلب العلم بجميع فنونه على مشايخ عصره، وظلّ ينتقل بين العلماء، يتلقَّى
عليهم، ويستفيد منهم، حتى صار إماما يشار إليه بالبنان، ورأسا يرحل إليه؛
فقصده طلاب العلم والمعرفة للأخذ عنه، من اليمن، والهند، وغيرهما حتى
صار صيته في جميع البلاد، وانتفع بعلمه كثير من النّاس.
الجزء 1 · صفحة 6
ثناء العلماء عليه
صفاته الخلقية كثيرة مشهورة، ومناقبه جمّة، فقد بدأ حياته منقبضا عن
النّاس، لا يتصل بأحد منهم، إلا في طلب العلم ونشره، وكان يرسل
فتاواه ويصدر أحكامه دون أن يتقاضى عليها أجرَا.
والشّيخ لم تكن الدُّنيا أكبر همّه؛ لأنه كان يعلم أنّ عرضها الزائل لم
يكن يشغله عن الهدف الأسمى الذي وضعه لنفسه؛ وهو نشر دين الله
تعالى، وإحقاق الحقّ.
ولذلك كان يقدّر أهل العلم والفضل، الذين لا يتكالبون على جمع
حطام الدُّنيا، والتقرّب إلى الحكّام، وكان يعش حياة بسيطة مقشفة، فلم
يسمع منه أحد من تلامذته كلمة مؤذنة بالخضوع لمطلب من مطالب الدُّنيا، لا
تصريحَا ولا تلويحَا.
وكان- رحمه الله تعالى- بارَا بشيوخه وتلاميذه، فتح أمامهم أبواب
العمل، ودافع عنهم، وتشفع لهم عند الأئمة في كل أمر وقعوا فيه.
وبالرغم من حدة ذكائه، وجودة ذهنه، فكانت قسوته على الأفكار لا
على الأشخاص؛ لأنه كان يدرك أنه سبق جيله بأجيال، فترك ثروته الفكرية
والعلمية لتتفاعل مع الزمن، يكشف عن وجهها ما تبديه قرائح العلماء.
مصنفاته
كان الإمام مغلطاي عارفَا بالأنساب معرفة جيّدة، وأمّا غبرها من متعلّقات
الحديث فلهَ بها خبرة متوسطة، وتصانيفه أكثر من مائة منها:
1- شرح البخاري- لم يكمل.
2- شرح أبي داود- ولم يتمه وجمع.
3- أوهام الأطراف.
4- ذيل على التهذيب.
5- ذيل على المؤتلف والمختلف- لابن نقطة.
الجزء 1 · صفحة 7
6- الزهر الباسم في سيرة أبي القاسم.
7- رتب المبهمات على الأبواب.
8- رتب بيان الوهم لابن القطّان.
9- تخريج زوائد ابن حبان على الصحيحين، وكانت وفاته في رابع
عشري شعبان سنة اثنتين وستين وسبعمائة من هجرة أبي القاسم صلى الله عليه
وسلّم.
الجزء 1 · صفحة 9
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، قيوم السموات والأرضين، مُدبِّر الخلائق أجمعين،
باعث الرسل- صلواته وسلامه عليهم- إلى المكلَّفين؛ لهدايتهم وبيان شرائع
الدِّين، بالدلائل القطعية وواضحات البراهين. أحمده على جميع نعمه،
وأسأله المزيدَ من فضله وكَرَمه. وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهَّار،
الكريمُ الغفَّار.
وأشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله وحبيبه وخليله، أفضل المخلوقين
المكرَّم بالقرآن العزيز، المعجزة المستمرة على تعاقب السنين، وبالسنن المستنيرة
للمسترشدين، المخصوص بجوامع الكلم وسماحة الدين، صلوات الله وسلامه
عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين، وآل كل وسائر الصالحين.
أما بعد: فقد يسَّر الله بفضله وكرمه، مكتبة نزار الباز بمكة المكرمة
وفروعها المختلفة بالمملكة، نعمة خدمة كتب السنن، وتقديمها للناس بهذا
التحقيق، والتخريج المفيد، والتعليق النافع، والطبع الأنيق، والفهرسة المعُينة
الميسَّرة، التي تساعد القارئ على استعمال الكتاب، والحصول على جوهرة
العلم الثَّمين في أيسر وقت؛ ليجلى ضالّته التي اختفت عليه في طيَّات
صفحات عديدة، ومجلَّدات كثيرة، يصعب عليه فرزها لحصوله على ما خفي
عليه. وجزى بالخير الأخ الأستاذ نزار مصطفى الباز صاحب هذه المكتبة على
ما قدّم من خدمة السُّنة المطهرة من حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأقوال الصحابة
والتابعين والعلماء والمفتن، وكلّ من نهج نهجهم إلى هذا العصر الذي أرسل
الله فيه رجالا تحفظ دينه وتنشر سنة نبيّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
واليوم تقدّم مكتبة نزار الباز:"شرح سنن ابن ماجة"لأحد حفاظ عصره:
الإمام علاء الدّين مغلطاي الحنفي، رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جنَّاته مع
النبيين والصديقين والشهداء، ومن نهج نهجهم بصالح الأعمال إلى يوم يبعث
الله العباد ليوم الميعاد.
الجزء 1 · صفحة 10
وهذا الكتاب"السنن"، أحد المصادر المعتبرة التي جمعت الكلام النبوي
الشّريف، والسنّة المطهرة، باتباع منهج سليم واضح، بعيد عن الهوى
والتعصّب، الذي سار عليه بعض أهل الزيغ من الذين وضعوا نصب أعينهم
الفكرة المسبقة؛ فهم يجمعون ويصححون تبعا للمذهبية والتقليد. وقد قام
الإمام الحافظ علاء الدين مغلطاي بشرح سن ابن ماجة، إلَّا أن المنية اخترمته
قبَل أن يتمّه. وهذا الشّرح الوافر الذي قام به مغلطاي، وضع قواعده على
"سنن ابن ماجة"التي ضمّت صحيح البخاري، ومسلم، وسنن أبي داود
والترمذي والنسائي والدرامي، وموطأ مالك، ومسند أحمد، وصحيح ابن
خزيمة، والمختارة، وما يماثلها من الكتب التي اعتمدت المنهجية والأمانة والدّقة
في نقل الأحاديث.
واليوم أيها المسلم الكريم، نضع بين يديك الطاهرتين:"شرح سنن ابن
ماجة"لعلاء الدين مغلطاي بما فيه من أحاديث مصححة ومضعفة، أشار إليها
الشّارح بسلسلة طويلة في الجرح والتعديل لسلسلة الإِسناد، وقد قمنا- بفضل
الله تعالى- بوضع حكم الصحة أو الحسن أو غيرهما لنضع الحكم النهائي
على الحديث بتخريج وتعديل العلماء كل على حسب جهده، وقد اعتمدنا
في ذلك على كتب الجرح والتعديل مثل"التهذيب"و"التقريب"
و"الثقات"و"الجرح والتعديل"و"الميزان"و"لسان الميزان " و"الضعفاء
الكبير " و"الفوائد"و"اللآلئ"و"الموضوعات"و"المجروحين"و"المغني
في الضعفاء"وغيرهم من الكتب.
ثم نضع حكم"الشّيخ الألباني "، إلا أننا وجدنا بعض الاختلافات في
الحكم على الحديث بين مغلطاي والألباني، تنبهّنا من هذا الاختلاف أنّ
مغلطاي لم يعتمد على قاعدة ابن حبّان في الجرح والتعديل، حيث يخلط
أحيانا في الجرح والتعديل للعلم الواحد، وهذا وجهة الخلاف بينهما- نسأل
الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا من الزيغ، ويغفر لنا ذنوبنا، ويرحمنا رحمة
واسعة من عنده، ويغفر لصاحب المكتبة التجارية الذي يأتي لنا بكلّ نادر
عزيز، وأن يبارك الله له في نفسه وأهله والعاملين معه، وصلى الله على سيّدنا
محمّد وعلى آله وصحبه وسلم.
الجزء 1 · صفحة 11
عملنا في الكتاب ووصف المخطوط
(1) قمنا بنسخ الخطوط، ووضع خطّة التحقيق أثناء النسخ، حيث الإمام علاء
الدين مغلطاي كان واسع الاطلاع، متنّوع الثقافة، متبحرا في سائر
العلوم النقلية والعقلية، والمطلع في كتابه يدرك تنوّع الكتب والمصادر التي
أخذ"مغلطاي " منها شرحه هذا، كما يدرك سعة اطلاعه، حيث
يحيط بالمسائل الأصولية من جميع جوانبها، بالرجوع إلى كتب اللغة،
والحديث، والتفسير، علاوة على أمهات كتب الأصول، الأمر الذي
جعل كتابه هذا موسوعة علمية لا يستغني عنها أي باحث.
(2) وقد اعتمدنا في النسخ على مخطوطتين، الأولى: مخطوط دار الكتب
المصرية- مكونة من"155"لوحة، مقياس 18* 27 سم. وينتهي
هذا المخطوط ب"باب ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة- وهذا
المخطوط برقم"2750"حديث. والمخطوط الثاني: هو مخطوط"حيدر
آباد " بالهند- وفد بدأ بـ " باب تحت كلّ شعرة جنابة"إلى آخر الكتاب
- ويقع تحت رقم"1200"حديث، أسطره"17"، مقاسه 40* 20
سم.
(3) بعد نسخ المخطوط، قسّمنا الكتاب إلى جمل وفقرات، وصحّحنا ما فيه
من اللغة؛ لكي يستطيع أن يستوعبها القارئ العادي.
(4) قمنا بتخريج الآيات من المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم للشيخ
محمد فؤاد عبد الباقي.
(5) قمنا بتخريج الأحاديث من المعاجم والموسوعات المختلفة، والحكم على
الحديث بالصحة أو الضعف بتصحيح سند الحديث، ووضع حكم الشّيخ
الألباني كلّما أمكن ذلك.
الجزء 1 · صفحة 12
(6) وقمنا بوضع مفردات اللغة التي تساعد القارئ على فهم الكتاب، وذكر
الفوائد المشتملة عليها.
وأخيرا.....
أسأل الله العظيم، رب العرش العظيم، أن يجعل عملي هذا خالصا
لوجهه الكريم، وأن يرحمني يوم لا ينفع مال ولا بنون، إن أريد إلا الإصلاح
ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله.
***
الجزء 1 · صفحة 13
صور المخطوط
الجزء 1 · صفحة 14
لوحة الغلاف للجزء الثاني من المخطوطة الأولى
الجزء 1 · صفحة 15
اللوحة الأولى من الجزء الرابع من المخطوطة الثانية
الجزء 1 · صفحة 17
بسم الله الرحمن الرحيم (1)
/وصلى (2) الله على سيدنا محمد (3) وآله (4) وصحبه وسلَّم، قال الإمام
العلامة أبو عبد الله بن ماجة رحمه الله تعالى:
(1) قوله:"بسم الله الرحمن الرحيم"، اختلف العلماء في البسملة، هل هي آية من كل
سورة افتتحت بها، أو هي آية مستقلة أنزلت للفصل بها بين السور، وللتبرك بالابتداء بها،
والمختار القول الثاني.
واتفقوا على أنها جزء آية من سورة النمل، وعلى تركها في أول سورة براءة؛ لأنها جعلت هي
والأنفال كسورة واحدة.
وابتدأ بها المصنف لقوله:"كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بسم الله فْهو أبتر"وفي رواية:
"أجذم"، إتحاف (3/466) وكنز (2511) وتذكرة (80) .
(2) قوله:"وصلى الله"، الصلاة في اللغة: الدعاء، قال تعالى:"وصل عليهم إن صلاتك
سكن لهم"، وأصح ما قيل في صلاة الله على رسوله هو ما ذكره البخاري في صحيحه، عن
أبي العالية قال:"صلاة الله على رسوله ثناؤه عليه عند الملائكة"، والمشهور أن الصلاة من
الملائكة الاستغفار كما في الحديث الصحيح"والملائكة يصلون على أحدكم مادام في مجلسه
الذي فيه"يقولون: اللهم اغفر له اللهم ارحمه"، ومن الآدميين: التضرع والدعاء. (شرح
العقيدة الواسطية لهراس: ص/12) .
(3) قوله:"محمد"، قيل لجده عبد المطلب لِتم سميته محمد وليس من أسماء أبائك ولا
قومك؟ فقال: رجوت أن يحمد في السماء والأرض، وقد حقق الله رجاءه، وإنما خصه
بالذكر دون غيره من أسمائه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لشهرته وذكره في القرآن أكثر من غيره. (حامدي على الكفراوي)
(4) قوله:"وآله"، آل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند الإمام الشافعي: أقاربه المؤمنون من بني هاشم والمطلب
لحديث مسلم في الصدقة:"إنها لا تحلَ لمحمد، ولا لآل محمد"، وقال في حديث رواه
الطبراني:"إن لكم في الخمس ما يكفيكم، أو يغنيكم"وقد قسم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخمس على بني
هاشم والمطلب تاركا أخويهم بني نوفل، وعبد شمس مع سؤالهم له. (تدريب الراوي: 1/60)
الجزء 1 · صفحة 19
كتاب الطهارة
1- باب ما جاء في مقدار الوضوء
والغسل من الجنابة
- حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أبي ريحانة، عن
سفينة قال:"كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع"هذا
حديث رواه مسلم (1) في صحيحه، وخرجه هو والدارمي في مسنده (2)
بسماع إسماعيل بن أبي ريحانة. وفي بعض طرقه:"أو قال يطهره المد"،
قال: وقد كان كبر وقال: أبي يحدثه، ولفظ العسكري:"كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يغسله الصاع من الجنابة ويوضيه المد" (3) .
وقال فيه أبو عيسى: حسن صحيح، وبنحوه قاله أبو علي الطوسي في
أحكامه، وفيه علة خفيت على من صححه، وهي الانقطاع المنافي للصحة
فيما بين أبي ريحانة وسفينة. نص على ذلك أبو حاتم البستي، فإنه لما ذكره
في الثقات تردد في سماعه من سفينة بعد وصفه إياه بالخطأ!
وبنحوه ذكره الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل فإن محمد بن موسى لما
سأله عنه قال: ما أعَلم إلا خيرا، قلت: سمع من سفينة! قال: ينبغي هو قديم
سمع من ابن عمر، فهذا من أبي عبد الله ظن وحسبان لا قطع ببرهان ولا
كل من سمع من شخص ينبغي له السّماع من قرينه، هذا الزهري سمع من
(1، 2) صحيح. رواه مسلم في الحيض باب:"10"رقم"51"والترمذي (56، 609)
وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في (المياه باب:"14") وابن ماجة (ح/267،
268، 269) وفي أحمد (6/121، 133) والبيهقي (1/194، 195) والطبراني (7/96)
والقرطبي (5/214) ومعاني (2/50) وأصفهان (1/270) والدارمي (ح 688) وبلفظ:
"كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضأ ويغتسل بالصاع".
(3) بنحوه صحيح. رواه مسلم في (الحيض باب"10"رقم"52"وإتحاف (4/55) ومعاني
(2/50) .
قلت:"إلا أن السند المذكور أعله الشارح بالانقطاع".
الجزء 1 · صفحة 20
جماعة من الصحابة، منهم ابن عمر، ولم يسمع من بعض التابعين، والحسن
سمع من علي وأبي عثمان، ولم يسمع ممن توفى بعدهما بنحو من ثلاثين سنة
والله أعلم، ورواه أبو القاسم في الأوسط من حديث مرجا بن رجاء بن
ريحانة ثم قال: ولم يروه عن مرجا إلا يعقوب بن إسحاق الحضرمي حديث
أبو بكر بن شيبة عن يزيد بن هارون عن همام عن قتادة عن صفية بنت شيبة
عن عائشة قالت:"كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع".
هذا حديث إسناده صحيح متصل، وإلى هذا سار أبو عيسى، وفي كتاب
أبي داود: رواه أبان عن قتادة قال: سمعت صفية، يعني بذلك ما رواه أبو
ذكر البيهقي في السن الكبير/، ثنا أبو الحسن علي بن أحمد المقري، نا
أحمد بن سليمان، نا جعفر وسالم، نا عفان، نا أبان به في سن الدارقطني
بنحو المد وبنحو الصاع، وقال في العلل، رواه عن قتادة: الدستوائي وابن
عروة وعمران القطان والجماعة وابن الزبير، وقيل عن شعبة كلّهم عن قتادة
عن شعبة، وقال عمرو بن عامر: عن قتادة عن ابن المسيب عن عائشة، وقال
حماد بن سلمة: عن قتادة عن معاذة عن عائشة، وقال شيبان: عن قتادة عن
الحسن عن أمه عن عائشة، وأصحها قول من قال قتادة عن صفية، ورواه أبو
حصين وإبراهيم بن المهاجر عن صفية، قال: وهو غريب بهذا الإِسناد.
ورواه أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب التمييز بإسناد صحيح عن محمد
ابن عبيد، نا يحيى بن زكريا عن موسى بن عبد الله الجهني، وكان ثقة، قال
لي مجاهد: بقدح حررته ثمانية أرطال، وقال: أخبرتني عائشة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
كان يغتسل بمثل هذا في مسند أحمد بن منيع البغوي حررته ثمانية أو تسعة
أو عشرة أرطال، وفي هذا الحديث بيان لصحة سماع مجاهد من عائشة،
وسيأتي بيان ذلك بعد إن شاء الله تعالى في قول الدارقطني: وقال حماد عن
قتادة عن معاذة عن عائشة نظرا لما قال. رواه الكيني في سننه عن أبي عمر ثنا
حماد عن قتادة عن صفية أو معاذة- شَك حماد- عن عائشة فهذا كما ترى
3- حماد لم ينقل عن واحدة منهما خبرا ما والله أعلم. حدثنا هشام بن عمار،
نا الربيع ابن بدر، نا ابن الزبير بن جابر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"كان يتوضأ
الجزء 1 · صفحة 21
بالمد ويغتسل بالصاع"هذا حديث في إسناده علّتان، الأولى: ضعف الربيع (1)
ابن بدر الملقب عليلة، فإن أبا إسحاق الجوزجاني وهاه، وقال أبو حاتم الرازي:
ذاهب الحديث، وقال النسائي والأزدي والدارقطني، متروك الحديث، وقال
البستي: كان يقلب الأسانيد ويروى عن الثقات المعلومات، وعن الضعفاء
الموضوعات، وقال أبو داود: لا يكتب حديثه، وقال يعقوب بن سفيان
الفسوي في تاريخه الكبير: لا يُكتب حديثه، وقال في موضع آخر: ضعيف
متروك، وقال البخاري في الأوسط: مخالف، وذكره الساجي والعقيلي
والبلخي وأبو أحمد بن عدي وأبو العرب القيرواني وأبو إسحاق الحربي/في
الضعفاء، الثانية: الاختلاف في سماع محمد' بن مسلم بن بدر بن أبي الزبير
عن جابر، حتى قال أبو الحسن القطان وغيره: كما لم يصرح فيه بالسماع،
ولم يكن من رواية الليث عنه منقطع، ورواه أبو القاسم في الأوسط من
حديث الربيع بن صباح عن أبي الزبير وقال: لم يروه عن الربيع إلا الوليد بن
مسلم. تفرد به محمد بن أبي التبري، ومن حديث أبي جَص محمد بن
علي بن الحسين عن جابر بمثله، وقال: لم يروه عن شعبة- يعني عن مخول بن
راشد- عن جعفر عنه إّلا سعد بن عامر الضبعي: ولفظه عن جابر في المعجم
الكبير:"يجزئ من الغسل صاع ومن الوضوء مد" (2) وأرسله ابن أبي شيبة
في المصنف. رواه عن عبد الرحمن بن سليمان عن الحجاج عن أبي جعفر به،
وقد وقع لنا هذا الحديث من طرق صحيحة سوى ما أسلفناه، ذكرها أبو
عبد الله في مستدركه عن أبي بكر بن إسحاق، نا محمد بن عبد الله
الحضرمي، نا هارون بن إسحاق، نا محمد بن فضيل عن حُصَير عن سالم عن
سالم بن أبي الجعد عن جابر وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه
(1) الربيع بن بَدر عُلَيلَة السعدي، عن ثابت. قال الدارقطني وغيره:"متروك". وضعْفه أبو
داود. روى له الترمذي وابن ماجة. (المغني في الضعفاء: 1/227/2087) .
(2) مرسل. رواه ابن أبي شيبة في"مصنفه" (1/65) وابن خزيمة في"صحيحه" (117)
وأحمد في"المسند" (3/370) . والبيهقي في"الكبرى" (1/195) .
الجزء 1 · صفحة 22
بهذا اللفظ، ولما ذكره أبو داود في سننه من حديث أحمد نا هشيم نا
يزيد بن أبي زياد عن سالم به، ضعفه أبو محمد المنذري يزيد بقوله: لا يحتج
به، وفيه نظر في موضعين، الأول: اضطرابه في يزيد؛ فتارة يحسن حديثا هو
فيه، وتارة يضعفه كما فعل هذا، وتارة يسكت عنه موهما صحته، وسنبيّنه،
إن شاء الله تعالى- في أليق المواضع به، وليس لقائل أن يقول فعله ذلك لما
يقصده من متابع أو شاهد أو عدمهما، لما أسلفناه من متابعة الربيعين وابن
الحسن وحصين، الثاني: محمد بن فضيل الثقة العدل رواه عن يزيد وحصن
عن سالم فسلم الحديث من طعن إن كان في يزيد. ذكر ذلك أبو بكر
البيهقي عن الحاكم، نا أبو العباس، نا أحمد بن عبد الجبار نا بن فضيل به،
وعلى البيهقي في هذا الإسناد استدراك؛ لأجل ضعف أحمد بن عبد الجبار
وعدوله عن حديث الحاكم المذكور إلى هذا، ورويناه في كتاب الحافظ أبي
بكر بن خزيمة عن هارون بن إسحاق الهمداني في كتابه، نا ابن فضيل عنهما/
يذكره حدثنا محمد بن الصباح وعباد بن الوليد قالا: حدثنا بكر بن يحيى بن
زيان، نا حبان بن علي عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن محمد بن
عقيل بن أبي طالب عن أبيه عن جدّه قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"يجزي من
الوضوء مد ومن الغسل صاع، فقال رجل: لا يجزينا فقال: من كان يجزئ
من هو خير منك وأكثر شعرا، يعني النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه
وسلم" (1) هذا حديث في إسناده ضعفان. الأول: حبان (2) بن علي العنزي بن
علي الكوفي- رحمه الله وغفر له- روى عن التابعين، قال فيه حجر بن عبد
الجبار: ما رأى فقيها بالكوفة أفضل منه، وقال يحيى بن معين: صدوق، وفي
(1) ضعيف الإسناد. رواه ابن ماجه: (ح/270) . وفي الزوائد: إسناده ضعيف لضعف
حبان بن يزيد. قلت: ولكن الحديث له طرق صحيحة. صححها الشيخ الألباني في صحيح
ابن ماجة.
(2) حبان بن علي العَنزِي، عن التابعين، ضعفه النسائي وجماعة، ولم يترك. وقال ابن
حجر: ضعيف من الثامنة، وكان له فقه وفضل. روى له ابن ماجة) المغني في الضعفاء
للذهبي: 1/145/1277) .
الجزء 1 · صفحة 23
رواية: ليس حديثه بشيء، وقال ابن نميرة: في حديثه وحديث أخيه مندل
بعض الغلط، وقال أبو زرعة: ليّن، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج
به، وسئل عنه ابن المديني فضعفه، وقال الدارقطني: متروك رموه، قال،
ضعيف ويخرج حديثه، وقال أبو الحسان الزيادي توفى سنة اثنتين وسبعين
ومائة، ويقال سنة إحدى فإن مولده سنة إحدى عشرة، وقال البخاري: ليس
هو عندهم بالقوي: وقال النسائي: ضعيف، وكذلك قاله ابن سعيد، وقال
العجلي: صدوق، وقال الخطيب: كان رجلا صالحا دينا، وقال أبو داود: لا
أحدّث عنه، وقال المرزباني قال حبان لأخيه مندل وكان يسمى عمرا:
عجبا يا عمرو من غفلتنا ... والمنايا مقبلات عنفا
قاصدات نحونا مسرعة ... تتخللن إلينا الطرقا
وإذا أذكر فقدان أخي ... أتقلب في فراشي أرقا
وأخي ابن أخ مثل أخي ... قد جرى في كل خير سبقا
وقال ابن قانع: ضعيف، وبنحوه قاله ابن طاهرٍ.
الثاني: يزيد (1) بن أبي زياد، وقد اختلف فيه فأمّا البخاري في الأوسط
فإنه قال: ابن زياد أو ابن أبي زياد عن الزهري منكر الحديث، وتتبع ذلك
عليه أبو محمد بن أبي حاتم فقال: قال أبو زرعة: إنّما هو يزيد بن أبي زياد،
وسمعت أبي يقول كما قال انتهى. فعلى ما أسلفناه في التاريخ الأوسط لا
وهم عليه،/وكذا فرّق النسائي بين ابن زياد وابن أبي زياد وقال في ابن زياد:
متروك الحديث، وقال الآجري: سألت أبا داود عن ابن أبي زياد فقال: ثبت لا
أعلم أحدا يترك حديثه وغيره أحب إليّ منه، وقال ابن سعد: كان ثقة في
نفسه إلا أنّه اختلط في آخر عمره فجاء بالعجائب، وقال ابن المديني وابن
معين: ضعيف الحديث لا نحتج به، وقال ابن المبارك: أرْمَ به، وقال أبو حاتم
الرازي: ضعيف الحديث، كل أحاديثه موضوعة وباطلة، وقال ابن حبان: كان
(1) يزيد بن أبي زياد، ويقال ابن زياد الشامي، عن الزهري. قال البخاري:"منكر
الحديث". وقال النسائي:"متروك". (المغني في الضعفاء للذهبي: 2/749/7102) .
الجزء 1 · صفحة 24
صدوفا إّلا انه لما كبر ساء حفظه وتغيّر، وكان يلقّن ما لقن فوقعت المناكير في
حديثه فسماع من سمع منه قبل التغيّر صحيح، وبنحوه ذكره الساجي، وذكر
ابن الجوزي يزيد بن زياد ويقال ابن أبي زياد ويقال أبو زياد اسمه، واسم ابنه:
ميسرة في ترجمة واحدة وبنحوه ذكره ابن سرور المقدسي وذكر أنّ مسلما
روى له وقال ابن نمير: ليس بشيء، وقال الترمذي: ضعيف في الحديث،
الثالث: عبد الله (1) بن محمد بن عقيل بن أبي طالب أبو محمد الهاشمي
المدني سمع جماعة من الصحابة، كان أحمد بن حنبل وإسحاق يحتجان
بحديثه، ولكن ليس بالمتين عنهما. قاله الحاكم، وقال ابن سعد: منكر
الحديث لا يحتج بحديثه، وكان كثبر العلم، ومات سنة خمس وأربعين ومائة.
وقال أبو معمر: كان ابن عيينة (2) لا يحمد حفظه، وقال ابن معين: ليس
بذاك، وفي رواية: ضعيف، وقال أبو حاتم: ليّن الحديث ليس ممن يحتج بحديثه
ونكتب حديثه، وهو أحب إلينا من تمام بن نجيج، وسئل عنه أبو زرعة فقال:
يختلف عليه في الأسانيد، وقال العجلي: جائز الحديث، وقال الترمذي:
صدوق لكن تكلّم فيه بعضهم من قبل حفظه، وقال الفسوي: صدوق وفي
حديثه ضعف، وقال ابن عدي: نكتب حديثه وقال ابن حبان: كان رديء
الحفظ يحدث على التوّهم فيجئ بالخبر على غير سننه فوجب مجانبة أخباره،
وأما الحاكم فإنه صحّح حديثه في مستدركه، وذكره أبو عبد الله البرقي في
كتاب الطبقات، في باب من ينسب إلى الضعف ممن يُكتب حديثه، وروى لنا
عن القطان أنه قال: عاصم عندي/نحو ابن عقيل في الضعف، الرابع: أبو
عبد الله بن محمد عقيل وهو مجهول لا يُعرف حاله، ولا نعرف بأي من
(1) عبد الله بن محمد بن عقيل، ابن أبي طالب الهاشمي، أبو محمد، المدني، أمه زينب
بنتُ عَلي، صدوق، في حديثه لين، ويقال تغبر بآخره، من الرابعة، مات بعد الأربعين.
روى له البخاري وا بو داود والترمذي وابن ماجة. (تقريب: 1/447/607) .
(2) سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي الأعور. أحد أئمة
الإسلام. قال ابن المديني: ما في أصحاب الزهري أتقن من ابن عيينة. وقال الشافعي: لولا
ماَلك وسفيان لذهب علم الحجاز. مات بمكة أول يوم من رجب سنة ثمان وتسعين ومائة.
) طبقات الحفاظ: ص/119) .
الجزء 1 · صفحة 25
روايته عن أبيه ورواية ابنه عنه والله أعلم، ومع هذا فباعتبار مجموع
الأحاديث المتقدّمة يكون حسنا؛ لما أسلفناه من الاختلاف في حال إسناده،
وفيه زيادة على ما قاله الترمذي: أنّ حديث سفينة في الباب المتقدّم عن عائشة
وجابر وأنس بن مالك، وأغفل أيضَا حديث أم سلمة من رواية الحسن عن أمه
عنها. ذكره الطبراني في الأوسط، وقال: لم يروه عن أشعث بن عبد المالك-
يعني عن الحسن- إلا سيف بن محمد. تفرد به جمهور بن منصور،
وحديث أنس عند البخاري:"يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد ويتوضأ بالمدّ"
وحديث ابن عباس من عنده أيضا مرفوعا:"يجزئ في الوضوء مد وفي
الغسل صاع" (1) .
وقال: لم يروه غير حصين عن عكرمة عنه إلا عبد العزيز بن عبد الرحمن
الباسلي. تفرّد به، وذكره أبو الحسن الدارقطني في كتابه الأفراد من حديث
إسرائيل عن مسلم الأعور عن مجاهد وإسناده عالي. تفرّد إسرائيل به،
وحديث أبي عمارة عن أبي داود"يرفعه قدر ثلثي المد" وإسناده صحيح،
وحديث زينب بنت أبي سلمة سمعناه. ذكره القشيري، وحديث أبي أمامة.
ذكره الطبراني في المعجم الكبير وابن عدي في الكامل من حديث الصلت بن
دينار عن شهر بن حوشب، وضعفه بهما، وخرجه ابن أبي سعيد مرفوعَا من
مسند ابن أبي أسامة من حديث عطية عنه، وكان الشافعي وأحمد يقولان:
ليس معنى هذا الحديث على الترتيب أنه لا يجوز أكثر منه ولا أقل منه؛ بل
هو قدر ما يكفي، والله أعلم:"لا يقبل الله صلاة بغير طهور" (2) نا
محمد بن بشار، نا يحيى بن سعيد، نا محمد بن جعفر ح، ونا بكر بن خلف
أبو بشر ختر المقري، نا يزيد بن بريع بالراء، نا شعبة عن قتادة عن أبي المليح بن
أسامة عن ابنه أسامة عن عمير الهذلي قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا يقبل الله
(1) ضعيف. وتقدم روايته عند ابن ماجة (ح/270) .
(2) حسن. رواه أبو داود (ح/59) والنسائي في (الطهارة، باب"103"وفي الزكاة باب
489" (وللترمذي (ح/1) وقال: هذا حديث حسن. وأحمد في"المسند" (2/20، 39،
51، 57، 53) والدارمي (1/175) . وحسنه الشيخ الألباني. (الإِرواء: 1/267) .
الجزء 1 · صفحة 26
صلاة من غير طهور، ولا يقبل صدقة من غلول"نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا
عبيد بن سعيد وسرابة بن سوار عن شعبة نحوه في مسند أبي داود الطيالسي،
ثنا/شعبة عن قتادة قال أبا المليح يحدث عن أبيه فذكره. هذا حديث صحيح
خرجه ابن حبان (1) في كتابه من جهة قتادة، وقال البغوي فيما رويناه عنه
في شرح السنة: هذا حديث صحيح ألزم الدارقطني الشيخين إخراجه، وخرّجه
الإسفرايني في صحيحه في كتاب البيهقي أن الله لا يقبل. وأبو المليح اسمه:
عامر بن أسامة بن عمير بن عباس بن أقيش، واسمه عمِر خرجا حديثه في
صحيحيهما، قال ابن شعبة: توفى سنة ثنتي عشرة ومائة، وقال الفلاس: توفى
سنة ثمان وتسعين. ذكر مسلم في كتاب الوحدات والعسكري والطبري في
المزيل: أنه لم يرد عن أبيه غيره، وكذلك قال ابن بنت منيع في معاوية وابن
عبد البر، نا على بن محمد، نا وكيع، نا إسرائيل عن سماك ح، وحدّثنا
محمد بن يحيى، نا وهب بن جرير، نا شعبة عن سماك بن جرير عن
مصعب بن سعد عن ابن عمر قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا يقبل الله صلاة إلا
بطهور، ولا صدقة من غلول" في كتاب مسلم عن سماك عن مصعب: دخل
ابن عمر على ابن عباس- يعني عبد الله- يعوده وهو مريض فقال: ألا تدعو
الله لي يا ابن عمر فقال لي: سمعت النبي- عليه السلام- يقول: فذكره،
وفي آخره وكنت على البصرة، وفي صحيح ابن خزيمة عنه: فجعلوا يبنون عليه
وابن عمر ساكت، فقال: أما إني لست باعثهم لك ولكن النبي- عليه
السلام- قال: فذكره، ولما ذكره الترمذي قال: هذا الحديث أصح شيء في
هذا الباب وأحسن شيء ذكره أبو القاسم، في الأوسط من حديث مندل عن
عبد الله بن عمر عن نافع عنه بلفظ: " لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا صلاة
لمن لا طهور له، ولا دين لمن لا صلاة له، وإنما موضع الصلاة من الدين
كموضع الدائر من الحد " (2) لم يروه عن ابن عمر إّلا مندل، ولا عن مندل
(1) صحيح. رواه ابن حبان: (ح/145) .
(2) حسن. رواه أحمد في"سنده" (3/135، 154، 210، 251) والطبراني في"الكبير"
(8/230، 10/280) وابن أبي شيبة في"المصنف" (11/11) والمجمع (1/292) وعزاه
إلى الطبراني في"الأوسط"و"الصغير"من حديث ابن عمر، وقال: تفرد به الحسين بن
الجزء 1 · صفحة 27
إّلا حسن أبو زهير عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن أني حبيب عن سنان بن
سعد عن أنس بن مالك سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:"لا يقبل الله/صلاة
بغير طهور، ولا صدقة من غلول"وهذا حديث أخرجه أبو عوانة (1) في
صحيحه، من حديث سهل بن أبي سهل واسمه، زنجلة، روى عنه جماعة،
وقال أبو حاتم: صدوق وأبو زهير بن عبد الرحمن بن مغر بن الحرث بن
عبد الله بن وهب الكوفي قاضي الأردن، سئل عنه وكيع فقال: طلب الحديث
قبلنا وبعدنا. وكان أبو خالد الأحمر يحسن إلينا عليه، وقال أبو زرعة:
صدوق، وتكلّم ابن المديني في روايته عن الأعمش وسنان بن سعد لما ذكره
ابن حبان في كتاب الثقات قال: حدّث عنه المصريون وهم يختلفون فيه،
فيقولون سنان بن سعد وسعد بن سنان، وأرجو أن يكون سنان بن سعد، وقد
اعتبرت حديثه فرأيت ما روى عن سنان بن سعد يشبه أحاديث الثقات ما
روى عن سعد بن سنان فيه المناكير، فكأنهما- والله أعلم- اثنان، وصحح
البخاري قول من قال سنان وكذلك ابن يونس وسئل عنه ابن معين فقال:
ثقة، وكذلك قاله الدارقطني. قال النسائي في كتاب التمييز: ضعيف وبنحوه
قال الإِمام أحمد.
وقال أبو داود: قلت لأحمد بن صالح: سنان بن سعد سمع أنسا! فغضب
من إجلاله له، وقال العجلي: سعد بن سنان مصري تابعي ثقة نا محمد بن
عقيل نا الخليل بن زكريا، نا هشام بن حسان عن الحسن عن أبي بكرة، نا
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول"
هذا حديث قال ابن عدي: رواه الخليل بن زكريا عن هشام عن الحسن، ورواه
عن الحسن أيضا المنهال بن حسن وبه يعرف، والخليل أضعف من منهال،
وذكره في باب محمد بن عبد العزيز الزبيري عن منهال وقال: هذا بهذا
الإِسناد باطل فذكر محمد عن منهال، ورواه الخليل، والمنهال خير من الخليل،
الحكم الجبري. والتمهيد (9/255) وشرح السنة (1/75) والمشكاة (35) والكنز
(5501) والحلية (3/220) وابن عدي في"الكامل" (3/1112، 6/2221) والخفاء
(2/485) . قلت: وللحديث طرق وشواهد أخرى يرتقى بها تفرد الهيثمي إلى درجة الحسن.
(1) صحيح. رواه أبو عوانة (1/236) . وللحديث متابعات صحيحة بنحوه.
الجزء 1 · صفحة 28
ولما ذكره أبو نعيم في كتابه فقال: هذا حديث مشهور (1) لا يعرف الأمر
حديث ابن عقيل بهذا اللفظ من حديث علي. انتهى.
وهو معلَل بأشياء منها: محمد بن عقيل، وإن كان الحاكم قال فيه: هو
من الثقات مات سنة سبع وخمسين ومائتين، فقد ذكر أنه أنكر عليه حديثان،
والخليل وإن قال فيه جعفر/الصائغ (2) : كان ثقة مأمونا، فقد كذبه القاسم بن
زكريا: وقال ابن عدي: عامة أحاديثه مناكير، وقال العقيلي: يحدث
بالبواطيل، وقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث، وسماع الحسن بن أبي
بكرة مختلف فيه، فمن أنكره أبو الحسن الدارقطني قال: هو عن أبي بكرة
مرسل لم يسمع منه، ذكره في سؤالات الحاكم له، وفي صحيح البخاري في
كتاب الفتن، قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: فذكر حديثا وفي
كتاب الصلح أيضا قال: سمعت أبا بكرة يقول: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:
"إن ابني هذا سيد وسيصلح اللَه به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" (3) قال
أبو عبد اللَه: قال ابن المديني: إنما يثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا
الحديث، وفي كتاب ابن بطال: وزعم الداودي أنّ راوي هذا عن أبي بكرة
(1) الحديث المشهور: ما رواه ثلاثة فأكثر ولم يبلغ حد التواتر، مثاله. قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"المسلم من سلم
المسلمون من لسانه ودمه". صحيح متفق عليه. رواه البخاري (1/9، 8/127) ومسلم في الإِيمان (ح/
65) والترمذي (ح/2627) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأبو داود (ح/2481) والنسائي (8/
105) وأحمد في"المسند" (2/163، 192، 195، 203، 205، 209) والدارمي (2/300)
والبيهقي في"الكبرى" (10/187) والحاكم في"المستدرك" (1/10، 3/517) وابن حبان في
صحيحه (26) والطبراني (1/356، 18/309، 19/176) والحميدي (595) والمشكاة (6/33)
والبغوي (1/27) وللترغيب (3/522) والمغني عن حمل الأسفار للعراقي (2/191) والحلية لأني نْعيم
(4/333) والخطيب في"تاريخه" (5/139، 11/416) .
(2) جعفر بن محمد بن شاكر الصائغ، أبو محمد البغدادي، ثقة، عارف بالحديث، من
الحادية عشرة، مات في آخر سنة تسع وسبعين، وله تسعون سنة. روى له أبو داود.
أتقريب: 1/96/132) .
(3) صحيح. رواه البخاري"تعليقا"في: الصلح، باب"9"، وأبو داود (ح/4662)
والترمذي (ح/3773) والنسائي في (الجمعة، باب"26") والجوامع (6058) وابن عساكر
في"التاريخ" (4/226) وأذكار النووي (321) والنبوة للبيهقي (6/442) والمشكاة (5/
617) والقرطبي في"تفسيره" (4/77، 104، 7/32) وشرح السنة للبغوي (14/136) .
الجزء 1 · صفحة 29
إنما هو الحسن بن علي ابن أبي طالب- رضى الله عنهم- وفي كتاب
المراسيل لابن أبي حاتم: عن بهز سمع الحسن من أبي بكرة شيئا قال: لا، قال
الباجي في إسناد رجال البخاري: أخرج البخاري حديثا فيه، قال الحسن:
سمعت أبا بكرة فأولّه الدارقطني وغيره من الحفاظ على أنه الحسن بن علي؛
لأن الحسن البصري عندهم لم يسمع من أبي بكرة، ولما ذكره الحاكم في
التاريخ رواه عن محمد بن علي بن عمر بن محمد بن عقيل، نا الخليل به،
وزاد بعد قوله:"ولا صدقة من غلول، وابدأ بمن تعول"وفيه ردّ لما قاله
الترمذي وزيادة علَّته وكذا حديث عمران بن حصين قال: قال عليه الصلاة
والسلام:"لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول"رواه
الحاكم في تاريخ بلده عن أبي الفضل محمد بن أحمد القاضي، نا أبو سعيد
عبد الرحمن بن الحسين، نا أحمد بن عبيد الله، نا زيد بن حباب عن شعبة
عن قتادة عن أبي البرار عنه، وحدّث علي نحوه، ذكره ابن أبي عروة في
مسنده، وحديث أبي هريرة الذي أشار إليه، ذكره الحافظ أبو بكر بن حزم-
رحمه الله تعالى- فيما رويناه عنه في صحيحه فقال: نا ابن عمار الحسين بن
حريث، نا عبد العزيز بن أبي حازم عن كثير وهو زيد- عن الوليد- وهو
ابن رباح- عن أبي هريرة، فذكره، ولما ذكر ابن عدي هذا الحديث من جهة
ابن سلمة وابن سيرين قال: لا أعلم مربعه إلَّا/غسّان بن عبيد الموصلي،
ورواه عثمان بن أبي حنيفة مرفوعا، وغيرهما أوقفه، وهذا بهذا الإِسناد باطل.
انتهى. وما أسلفناه من عند ابن حرمة يرد قوله، ولما ذكره الطبراني في
الأوسط قال: لم يروه عن الأعمش يعني عن أبي مسافع عنه إلا أبو مريم وابن
فضل وابن عاصم، وأغفل أيضا حديث جابر بن عبد الله، ذكره الطبراني في
المعجم الأوسط من حديث سليمان بن قدم عن أبي يحيى القتات عن مجاهد
عنه مرفوعا، نا المصري الصالح موسى الحنفي الكردي- رحمه الله- أبو نصر
نا زنجويه نا محمد بن أسلم، نا يعلي بن عبيد، نا يحيى بن عبيد الله عن أبيه
عن أبي هريرة، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا
صدقة من غلول"ورواه ابن المنذر في كتاب الإقناع عن الربيع أنبأ ابن
وهب، أخبرني سليمان بن بلال، أخبرني ابن عبد اللَه بن عمير عنه وحدّثه أبو
الجزء 1 · صفحة 30
عوانة في صحيحه، وحديث أبي سعيد الخدري مرفوعَا:"لا يقبل الله صدقة
من غلول، ولا صلاة بغير طهور"ورواه الأسفرايني في صحيحه وأبو القاسم
في الأوسط من حديث مكحول عن رجاء بن حيوة عنه وقال: لم يروه عن
مكحول إلا محمد بن سليمان بن أني داود، تفرد به محمد بن عبيد الله بن
يزيد القردواني عن أبيه، ورواه ابن أبي أسد في مسنده عن محمد بن فضيل
عن أبي سُفيان السعدي عن أبي نضرة عنه ولفظه:"مفتاح الصلاة الطهور،
وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" (1) ، وفي كل ركعتين تسليمة، ولا صلاة
لكل من لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في الفريضة وغيرها، وحديث
أبي بكر الصديق، قال عليه السلام:"لا يقبل الله صدقة من غلول، ولا
صلاة بغير طهور، وابدأ بمن تعول"ذكره أبو عوانة في صحيحه، وحديث
عبد الله بن عباس ذكره أيضا من حديث نافع مولى يوسف السلمي عن عطاء
بن عباس يرفعه، وقال: لم يروه عن عطاء غير نافع، ولا عن نافع إّلا سعيد أنّ
ابن يحيى تفرد به سليمان بن عبد الرحمن ولا يروى عن ابن عباس إّلا بهذا
الإِسناد. انتهى كلامه، وفيه نظر لما ذكره الحاكم في تاريخ بلده أبو بكر
الجوزي، نا إبراهيم بن محمد بن يزيد السكري، نا عبد العزيز بن زينب
المروذي، نا إسحاق بن عبد الله بن أبان عن عكرمة فذكره، ولما ذكره ابن
أبي شيبة أيضا في مصنفه في ابن خالد الأحمر عن ابن كرب عن أبيه عن
ابن عباس/مرفوعا، وحديث الزبير بن العوام عنده أيضا وقال: لم يروه عن
الليث بن سعد، يعني عن هشام عن أبيه عن الزبير إلا أبو قتادة الحراني ولا
يروى عن الزبير إلا بهذا الإِسناد، وقال القزاز: سمى بذلك لأن الرجل كان
إذا أخذ منه شيئَا ستره في متاعه، فقيل للخائن: غال ومغل من هذا يعني
قوله على الماء والسيل: يغل غللا وغلولا إذا جرى من الشجر، وغللت الشيء
(1) صحيح. رواه أبو داود في (الطهارة، باب"31"، ح/61) والترمذي (ح/3، 238) وقال: هذا
الحديث أصح شيء في هذا للباب وأحسن. والدارس (1/175) وابن أفط شيبة في"مصنفه" (1/229)
الدارقطني في"السنن (1/359، 379) وعبد الرزاق في"مصنْفه" (2539) والمجمع (2/104)
رابن عدي في"الكامل" (4/1448، 6/2405) والتمهيد (9/185) وإتحاف (2/303، 3/41)
وتلخيص (1/216) . وصححه الشيخ الألباني. (الإرواء: 2/9) .
الجزء 1 · صفحة 31
أغلّه غلا: سترته، والطهور بالفتح: الماء الذي يتطهر به، وبالضم: الفعل، وقال
سيبويه: بالفتح يقع على الماء والمصدر معَا، وقال الخليل: الفتح في الفعل والماء
ولم يعرف الضم وحكى الضم فيهما جميعَا مفتاح الصلاة الطهور أنبأ على بن
محمد، نا وكيع عن سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن
الحنفية عن أبيه- رضى الله عنه- قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مفتاح الصلاة
الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم"هذا حديث خرجه الترمذي من
حديث سفيان عن ابن عقيل وقال: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب
وأحسن، وابن عقيل صدوق، وقد تكلّم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه.
انتهى. وقد تقدّم الكلام في ابن عقيل قبل وذكر حديثه هذا الحافظ ضياء
الدين المقدسي في الأحاديث المختارة من حديث وكيع عن سفيان عنه وخرّجه
الإِمام أحمد بن حنبل في مسنده عن وكيع وشرطه معروف، وقال ابن العربي
في الأجودي: إسناد أبي داود أصح من مسند الترمذي ولا وجه لما قاله؛ لأن
مداره على ابن عقيل، وقد جاء التكبير في غير ما حديث عن أبي هريرة في
الصحيحين:"كان النبي- عليه السلام- إذا أقام إلى الصلاة يكبر حين
يقوم" (1) وفي حديث المسيء صلاته:"إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء
ثم استقبل القبلة فكبر" (2) وحديث عمران بن حصين وابن عباس، وكلهم في
الصحيح، وابن عمر عند الفسوي وابن مسعود، صححه الترمذي، والتسليم
كذلك. رواه ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص، وهما في الصحيح، وسهل بن
سعد عند أحمد ووائل بن حجر وحذيفة وغيرهم، وسيأتي الكلام على ذلك
(1) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري (1/200) ومسلم في (الصلاة باب"10"رقم "28،
29") والنسائي (2/233) وأحمد في"المسند" (4/45) والبيهقي في"الكبرى" (2/
67، 93، 127) وإتحاف (5/94) وشرح السنة (3/91) وصححه الشيخ الألباني.
(2) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري (8/69، 169) ومسلم في (الصلاة، ح/45،
46) وابن ماجة (ح/447، 1060) والبيهقي في"الكبرى" (2/15، 126، 372، 373)
وابن خزيمة في"صحيحه" (454) وشرح السنة (3/3) والمشكاة (790) والترغيب (1/
340) وتلخيص (1/218) وابن أبي شيبة في"مصنفه" (1/288) . وصححه الشيخ
الألباني. (الإِرواء: 1/321) .
الجزء 1 · صفحة 32
في موضعه- إن شاء الله تعالى- ولفظ أبي نعيم في تاريخ أصبهان"مفتاح
الصلاة الوضوء" (1) ثنا سويد بن سعيد، ثنا علي بن مسهر/عن أبي سفيان بن
سعيد طريف السعدي ح ونا أبو كريب، نا أبو معاوية عن أبي سفيان السعدي
عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:"مفتاح الصلاة
الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم". وخرجه الترمذي بزيادة:"ولا
صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة في فريضة (2) أو غيرها"هذا حديث رواه
بحشل في تاريخ واسط عن محمد بن حسان البرجلاني، نا محمد بن يزيد،
نا أبو شيبة إيراهيم بن عثمان بن أبي سفيان ولفظه:"مفتاح الصلاة الوضوء،
وتحريمها التكبير، وأدائها التسليم""ولا يجزى صلاة لا يقرأ فيها بأم
القرآن" (3) وبغيرها من القرآن، وإذا ركع فليضع يده على ركبتيه وليس
ظهره، ولا يذبح بذبيح الحمار، وحديث علي أجود إسنادا وأصح من
حديث أبي سعيد، وخالف ذلك الحاكم لما ذكره من جهة الثوري عن أبي
سفيان عن أبي نضرة به، هذا حديث صحيح الإِسناد على شرط مسلم ولم
يخرجاه عن أبي سفيان عن أبي نضرة كبرة فقد رواه أبو حنيفة وحمزة
الزيات وأبو مالك النخعي، وأشهر إسنادا فيه حديث ابن عقيل. انتهى. وفيما
قاله نظر، وذلك أن أبا طريف لم يخرج مسلم له شيئا، وسيأتي الكلام على
ضعفه، ورواه البزار في مسنده عن علي بن المنذر، نا محمد بن فضيل أبو
سفيان أنه زاد في كل ركعة قراءة بفاتحة الكتاب وسورة، قال: وهذا الكلام
لا نعلم أحدا رواه بهذا اللفظ إلا أبو سعيد بهذا الإِسناد، وإن كان همّام قد
(1) حسن. رواه الترمذي (ح/4) وأحمد في "المستدرك" (1/129) والبيهقي في "الكبرى" (2/
180، 380) وابن عدي في"الكامل" (2/783، 784) والحاكم في"المستدرك" (1/132)
وصححه. وشفع (193) وأصفهان لأني نعيم (176، 275) والعقيلي (2/137) .
(2) حسن. رواه الترمذي (ح/238) ونصب الراية (1/363) .
(3) صحيح متفق عليه. رواه البخاري (1/192) ومسلم في (الصلاة باب"11 دارقم 34،
36) وأبو داود في (الاستفتاح باب"22") والترمذي (ح/247، 311) وصححه. وأحمد
في"المسند" (5/322) والبيهقي في الكبرى" (2/374) والدارقطني في"سننه" (1/
322) وعبد الرزاق في"مصنفه" (2623) ونصب الراية (1/338) والكنز (19664) وأبو
عوانة في"صحيحه" (2/124، 125) .
الجزء 1 · صفحة 33
روى عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن النبي عليه الصلاة والسلام:
"أمر أن يقرأ في الصلاة بفاتحة الكتاب وما تيسر" (1) .
فحديث همام يؤيّد حديث أبي سفيان وإن كان بغير لفظه. انتهى. وخرّجه
الدارقطني (2) بلفظ:"مفتاح الصلاة الوضوء"، أبو سفيان اسمه طريف بن
شهاب الأشبل، وقال البخاري: كان عطارديا، وقال أيضا أبو معاوية طريف
بن سعد ويقال: طريف بن سفيان، وجمع أبو عمر بين السعدي والعطاردي،
وهو الصحيح؛ لأن عطارد وهو من عواد بن كعب بن سور بن زيد مناه بن
تميم، وقال: أجمعوا على أنّه ضعيف الحديث. انتهى. أبو إسحاق الحربي يفهم
من كلامه غير ما قاله أبو عمرو ذلك أنه لما/ذكره في كتاب العلل قال: ليس
هو أوثق الناس، وتقدّم تصحيح الحاكم حديثه، وقال ابن عدي: أسانيده
مستقيمة، وفي كتاب الدارقطني حديث عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد عن
النبي- عليه السلام- مثل حديث ابن عقيل، وإسناده لا بأس به، وذلك أنه
رواه عن محمد بن عمر وابن البحيري، قال الخطيب: كان ثقة ثبتا عن
أحمد بن الخليل، وقد وثّقه النسائي والحاكم محمد بن نعمان الضبيّ عن
الواقدي ومحمد بن عمر، وقد أثنى عليه مالك ووثقه غيره من الأئمة، وسيأتي
الكلام عليه مستوفي- إن شاء الله تعالى- عن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي
صعصعة- وهو مذكور في كتاب الثقات- لابن حبان عن عباد بن تميم عن
عمه عبد الله بن يزيد، ورواه البيهقي في كتاب السن الكبير عن أبي عبد الله
(1) صحيح متفق عليه. رواه البخاري (1/192) ومسلم في (الصلاة، باب"11"رقم
"34") وأبو داود (ح/822) والترمذي (ح/247، 311) وصححه. والنسائي (2/137،
138) وأحمد في"المسند" (5/314) والبيهقي في"الكبرى" (2/38، 61، 164، 375)
وابن أبي شيبة في"مصنفه" (1/360) والدارقطني في"سننه" (1/321، 322) وتغليق
(1904) وا بو عوانة (2/124) والمشكل (822) وشرح السنة للبغوي (3/83) ونصب الراية
(1/365) . وصححه الشيخ الألباني. (الإرواء: 2/10، 11) .
(2) صحيح. رواه الدارقطني في"سننه" (1/359) والشافعي في"مسنده" (ح/34)
وشرح السنة للبغوي (3/17) .
الجزء 1 · صفحة 34
الحافظ، نا أبو بكر بن إسحاق، نا الحسن بن علي بن زياد، نا إبراهيم بن
موسى الرازي، نا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة: نا شعبة عن حبيب ابن زيد
عن عباد بن تميم، وقال أبو زرعة الرازي: يسند متابع لما تقدّم، ولما ذكره أبو
القاسم في الأوسط قال: تفرّد به الواقدي ولا يروى عن ابن زيد إّلا بهذا
الإِسناد، حديث ابن عمارة أصح، يعني الحديث المذكور من عند أبي داود
قبل والله أعلم، وخالف في ذلك الحافظ أبو بكر بن خزيمة؛ فرواه في
صحيحه عن أبي كريب، نا يحيى فذكره بلفظ أتى بثلثي مد فتوضأ فجعل
بذلك ذراعه، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وفيه
رد لما ذكره أبو عيسى من أن حديث علي أصح شيء في هذا الباب، لكنه ردّ
عليه أيضَا في قوله، وفي الباب عن علي وعائشة وكذا حديث جابر بن
عبد الله المذكور عند أبو القاسم في الأوسط من حديث سلمان بن قرمز عن
أبي يحيى القتات عن مجاهد عنه يرفعه:"ومفتاح الصلاة الوضوء "،
وحديث ابن عباس مرفوعَا:"مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير،
وتحليلها التسليم " المذكور عنده من حديث نافع مولى يوسف السلمي عن
عطاء عنه، وقال: لم يروه عن عطاء إّلا نافع، ولا عن نافع إّلا سعد أن ابن
يحيى تفرّد به سليمان بن عبد الرحمن، ولا يروى عن ابن عباس إلّا بهذا
الإِسناد، وأما الصحابة فقد/روى عن جماعة منهم ذلك موقوفا، منهم ابن
مسعود وابن عباس وإسناد حديثهما وعائشة، قال الطحاوي: ذهب قوم إلى
أنّ الرجل إذا انصرف من صلاته بغير تسليم فصلاته باطلة، وخالفهم في ذلك
آخرون، وافترقوا على قولن؛ فمنهم من قال: إذا قعد قدر التشهد فقد تمّت
صلاته وإنْ لم يسلم، ومنهم من قال: إذا رفع رأسه من أخر سجدة من
صلاته فقد تمت صلاته وإن لم يتشهّد ولم يسلم، فكان من الحجة للفريقين
على أهل المقالة الأولى ما روى عن النبي- عليه السلام-: لا تحليلها
التسليم، إنما روى عن على وقد روى عنه من رأيه في مثل ذلك، ما يدل
على أن معنى ذلك عنده على غير ما حمله عليه أهل المقالة الأولى وهو ما
الجزء 1 · صفحة 35
رواه أبو عوانة عن الحكم عن عاصم عن علي قال:"إذا رفع رأسه من أخر
سجدة فقد تمت صلاته".
وقد روى عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن
سوادة عن ابن عمر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:"إذا رفع رأسه من أخر السجود فقد
مضت صلاته إذا هو أحدث" (1) وفي بعض ألفاظه:"إذا قضى الإِمام
الصلاة فقعد فأحدث هو أو أحد ممن أتمّ معه الصلاة قبل أن يسلم الإِمام، فقد
تمّت صلاته، فلا يعود فيها" (2) قال أبو جعفر: فهذا معناه غير معنى الحديث
الأوّل، وقد روى بلفظ أخر: اإذا رفع المصلي رأسه من آخر الصلاة وقضى
تشهده ثم أحدث، فقد تمت صلاته فلا يعود" (3) واحتج الذين قالوا: لا تتم
الصلاة حتى تقعد قدر التشهد، نا فهد، نا أبو نعيم وأبو غسان قالا: نا زهير
عن الحسن بن الحرجة ابن القاسم بن مخيمر قال: أخذ علقمة بيدي فحدّثني
أنَّ ابن مسعود أخذ بيده"أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخذ بيده فعلّمه التشّهد" (4)
وفال فيه: فإذا فعلت هذا أو قضيت هذا فقد تمت صلاتك، إنْ شئت أن تقم
فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد، وقد روى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يدل على أنَّ ترك
التسليم غير مفسد للصلاة وهو أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"صلى الظهر خمسَا، فلما ختم
ثنى رجله فسجد سجدتن" (5) فهذا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل في الصلاة أمه/من
(1) المنحة: (468) .
(2) حسن. رواه أبو داود (617) والبيهقي في"الكبير" (2/167) والدارقطني في"سننه
(1/379) و"شرح السنة للبغوي (3/276) ونصب الراية (2/63) والكنز (19900) .
(3) انظر: الحاشية رقم"1".
(4) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري في (الاستئذان، باب 27، 28) ومسلم في (الصلاة،
ح 59. 60، 61) ورواه النسائي في (التطبيق، باب (100، 103، 104"، والسهو باب
"42، 45" (وابن ماجة (ح/899) وأحمد في"المسند" (1/292، 394، 413، 414،
422، 450، 459، 5/363) .
(5) صحيح. رواه البخاري في (السهو باب"3" (والنسائي في (الإمامة، باب"17" (
وابن ماجة (ح/1205) وأحمد في (المسند" (1/463، 2/499، 3/237، 4/59،
الجزء 1 · صفحة 36
غيرها قبل السلام ولم ير ذلك مفسد للصلاة، ولو رأى ذلك منه مفسدا لها
لأعادها لا عادها فلما لم يعدها، وقد خرج منها إلى الخامسة لا بتسليم؛ دَلَّ
ذلك على أن السلام ليس من حلتها، ألا ترى أنّه لو كان جاء بالخامسة وقد
بقى عليه مما قبلها سجدة كان ذلك مفسدا للأربع؛ لأنه خلطهن بما ليس
منهن، ولو كان السلام واجبَا كوجوب السجود لكان حكمه أيضا كذلك،
ولكنّه بخلافه فهو سنّة. انتهى. وعليه فيه مآخذ، الأول، قوله: إنما روى عن
علي يريد انه لم يروه غيره وقد قدمنا حديثين منها غير روايته أحدهما صحيح،
والثاني: ردّه المرفوع بالموقوف (1) الذي هو من رواية عاصم بن ضمرة وهو
متكلّم فيه حتى قال ابن عدي: ينفرد عن علي بأحاديث باطلة لا تتابعه الرواة
عليها والعلية منه، وقال ابن حسان: كان رديء الحفظ فاحش الخطأ يرفع عن
علي قوله كثيرا، فلما فحش ذلك منه استحق الترك، وعلى تقدير صحته يكون
العمل بروايته لا برأيه هذا هو مذهب أكثر العلماء، الثالث: ابن أنعم وابن
رافع ضعيفان، وحديث عبد الرحمن عن ابن عمرو منقطع (2) فيما ذكره ابن
أبي حاتم مع ضعفه ونكارة حديثه فيما قاله البخاري، وبكر بن سوادة- وإن
كان ثقة- فحديثه عن ابن عمرو لم أر أحدا صرح به ولا ذكر له رواية عنه
فيما أعلم، والذي وصفه به ابن يونس: روى عن سهل بن سعد والتابعين،
الرابع: حديث ابن مسعود:"فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك"وهي زيادة
ذكر الخطيب وغيره أنها مدرجة وليست من كلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
60، 288، 413، 5/112، 6/10) وابن أبي شيبة في"المصنف" (4/164) .
(1) الحديث الموقوف: وهو المروي عن الصحابة قولا لهم أوْ فعلا أو نحوه مُتصلا كان أو
منقطعا، ويستعمل في غيرهم مقيدا، فيقال: وقفه فلان على الزهري ونحوه، وعند فقهاء
خراسان تسمية الموقوف بالأثر، والمرفوع بالخبر، وعند المحدثين: كل هذا يُسمى أثرا. (تدريب
الراوي: 1/184- 185) .
(2) الحد المنقطع: ما حذف من أثناء سنده راويان وقد يراد به: كل ما لم يتصل سنده فيشمل الأقسام
الأربعة كلها- منها المعضل، والمرسل، والمعلق-. (مصطلح الحديث لابن عثيمين: ص/14) .
الجزء 1 · صفحة 37
المحافظة على الوضوء
نا على بن محمد، نا وكيع عن سفيان عن منصور عن سالم بن أبي
الجعد عن ثوبان قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"استقيموا ولا تحصوا، واعلموا أن
خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" (1) . هذا حديث
قال فيه أبو عبد الله النيسابوري لما خرّجه من حديث منصور عن سالم ومن
حديث الأعمش عن سالم بلفظ:"واعلموا أن خير دينكم الصلاة "،
صحيح على شرط الشيخين./ولم أعرف علة من العلل يُعَلَّل مثلها هذا
الحديث، إلَّا وهم من وهم أبي بلال الأشعري؛ فإنه وهم فيه على أبي معاوية
فيما حدثناه أبو بكر بن إسحاق الفقيه، نا الحسن بن بشار الخياط، نا أبو بلال
الأشعري، نا أبو حازم عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
"استقيموا ولا تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يواظب على
الوضوء إّلا مؤمن". انتهى كلامه، وليس كما قال: فإن هذا حديث منقطع،
والمنقطع ليس صحيحا، وممن صرح بذلك الإِمام أحمد قائله قال: سالم بن أبي
الجعد لم يسمع من ثوبان، بينهما معدان بن أبي طلحة، وقال أبو حاتم
الرازي: لم يدركه، وبنحوه قاله ابن حبان، وأما تحسين الترمذي حديثه عن
ثوبان يرفعه والذين يكنزون الذهب والفضة، فالكلام معه كالكلام مع
الحاكم، وقد وضع أيضا حديث ثوبان متصل سند صحيح، ذكره أبو حاتم بن
حبّان في كتابه الصحيح فقال: نا أبو يعلي، نا شريح بن يونس وأبو خيثمة
قالا: نا الوليد بن مسلم، نا ابن ثوبان، نا حسان بن عطية أن أبا البشر
السلولي حدّثه أنّه سمع ثوبان قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"سددوا وقاربوا واعلموا
(1) ضعيف الإسناد. رواه ابن ماجة (ح/277، 278) وأحمد في"المسند" (5/277،
282) والدارمي (1/168) والبيهقي في"الكبرى" (1/82، 457) والحاكم في"المستدرك"
(1/30) والموطأ (34) والطبراني (2/98، 7/28) وفي"الصغير" (1/11، 2/88)
والمشكاة (292) وابن كثير (5/458) والخطيب في"تاريخه" (1/293) والمنحة (46)
والترغيب (1/162، 557) وكشاف (95) والعقيلي (4/168) . فلت: ولكن الحديث قد
صحح إسناده من قبل الشيخ الألباني.
الجزء 1 · صفحة 38
أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" (1) قال أبو
حاتم: خبر سالم عن ثوبان منقطع فلذلك كتباه، وفي مسند الطيالسي إشارة
إلى حديث ابن حبان هذا، وأله لما ذكر خبر سالم قال: ويروى هذا الحديث
عن الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن ثابت عن حسان عن أبي كبشة عن
ثوبان عن النبي- عليه السلام- ورواه الدرامي عن يحيى بن بشر، نا الوليد
فذكره، نا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب، نا المعتمر بن سليمان عن ليث عن
مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " استقيموا، ولن تحصوا،
واعلموا أن من أفضل أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا
مؤمن" (2) . هذا الإِسناد لا بأس به؛ لأن إسحاق هذا قال فيه أحمد: صدوق،
وقال الدارقطني فيه: مأمون وتابعه على ذلك الحسين بن علي عند ابن أبي
شيبة في مسنده عن زائدة عن ليث ومحمد بن أبي شيبة عند ابن طاهر في
كتاب صفة التصوف، وليث (3) ابن أبي سليمان حاله في الضعف مشهورة،
ومع ذلك قال عبد الغني: خرّج حديثه الشيخان ومجاهد، فمنصوص على
سماعه من ابن عمرو، والله أعلم.
/ثنا محمد بن يحيى، نا ابن أبي مريم، نا يحيى بن أيوب، حدثني
إسحاق بن أسيد عن أبي حفص الدمشقي عن أبي أمامة يرفع الحديث قال
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"استقيموا، ونعما إذا استطعتم، وخير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ
على الوضوء إلّا مؤمن " (4) . إسحاق بن أسيد وإن كان مذكورا في كتاب
الثّقات لابن حبان، فقد وصفه بالخطأ معِ ذلك، وقال ابن حبان: ليس
(1) صحيح. رواه الترمذي في الترغيب (1/162) والكنز (5399) وابن حبان (164)
وأحمد (3/362) . وصححه السيوطي في"الجامع الصغير" (1/37) .
(2) تقدم ص 37.
(3) انظر ترجمته في:"المغني للضعفاء للذهبي: 2/536/5126".
(4) ضعيف. رواه ابن ماجة: (ح/279) . في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف التابع.
وضعّفه الشيخ الألباني. انظر: ضعيف ابن ماجة (ح/57) ، والإرواء (2/137) ، والروض
(177)
الجزء 1 · صفحة 39
بالمشهور ولا يشتغل به، وقال أبو أحمد بن عدي: هو مجهول- يعني بذلك
جهالة الحال لا العين. وذلك أنه روى عن جماعة منهم حيوة بن شريح،
والليث بن سعد بن سعيد بن أبي أيوب، وعقبة بن نافع، ويحيى بن أيوب،
ذكر أبو محمد بن سرور أنّ جماعة رووا حديثه إلَّا مسلفا، وروى ذلك أبو
الحسن بن القطان فقال: هو ممن يجب على مسلم إخراج حديثه، وأيضا
فالبخاري لم يخرج حديثا صحيحا به إنّما روى عنه تعليقا. بَيَّنَ ذلك أبو نصر
الكلاباذي- رحمهم الله تعالى-. أبو حفص الدمشقي لم يذكره ابن أبي
حاتم ولا البخاري، وذكر أبو عمر في كتاب الاستفتاء: أنّه روى عن مكحول
قال: وروى عنه إسحاق بَن أسيد حديثا منكرا، وقد قيل: انّه عثمان بن أبي
العاتكة وليس ممن تقوم به حجة. انتهى. فعلى هذا تكون روايته عن أبي أمامة
منقطعة مع ضعفها، قال أبو عمر: يعني استقيموا على الطريقة الهجة؛ التي
نهجت لكم، وسددوا وقاربوا فإنكم لن تطبقوا الإِحاطة في أعمال البر، ولابدّ
للمخلوق من ملال وتقصير في الأعمال، فإن قاربتم ووفقتم كنتم أجدر أن
تبلغوا ما يراد منكم.
الجزء 1 · صفحة 40
2- باب الوضوء شطر الإِيمان
نا عبد الرحمن بن إبراهيم، نا محمد بن شعيب بن شابور، أخبرني
معاوية بن سلام عن أخيه أنه أخبره عن جده أبي سلام عن عبد الرحمن بن
غنم عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:"إسباغ الوضوء شطر
الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، والتسبيح والتكبير ملء السموات، والأرض،
والَصلاة فور، والزكاة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك وعليك، كلّ
الناس تغدوا فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها"خرجه/مسلم (1) عن إسحاق بن
منصور، نا حيان بن هلال، نا أبان، نا يحيى أن زيدا حدّثه أن أبا سلام حدّثه
عن أبي مالك به، وتتبع ذلك الدارقطني عليه، وزعم أن الصواب ما قاله
معاوية بن سلام، يعني بذلك المذكور عند ابن ماجة والفسوي، والترمذي، قال
المازري: يحتمل قوله:"الطهر شطر الإِيمان"وجهين، الأول: أنه يحتمل
تضعيف الأجر به إلى نصف أجر الإيمان من غير تضعيف، وهذا إلى حد
التأويلات في قوله عليه السلام أن:"قَل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن" (2) ،
الثاني: أن يكون معناه أن الإِيمان يجب ما قبله من الآثام، وقد أخبر عليه
السلام أن الوضوء أيضا يذهب عن الإنسان الخطايا إلا أنه قد قام الدليل أنَّ
الوضوء لا يصح الانتفاع به إلا مع مضَامة الإيمان له، فكأنه لم يحصل به رفع
إلا مع مضامة شيء ثان، ولما كان الإيمان مَحو الآثام المتقدّمة عليه بانفراده
صار الطهور في التشبيه كاله على الشَطر منه، وفي هذا الحديث حجة على
هن يرى أن الوضوء لا يفتقر إلى نية.
(1) صحيح. رواه مسلم في (الطهارة ح لم 41) قوله:"كل الناس يغدوا إلخ"فمعناه: كل
إنسان يسعى بنفسه. فمنهم من يبيعها لله بطاعته فيعتقها من العذاب، ومنهم من يبيعها
للشيطان والهوى باتباعها فيوبقها، أي يهلكها.
(2) صحيح. رواه مسلم في (صلاة المسافرين، باب"45"رقم"295") والترمذي (ح/
2894، 2899) والنسائي (2/172، 250) وابن ماجة (ح/3787، 3788) وأحمد في
"المسند" (3/23، 4/122، 5/418، 6/404) والطبراني في"الكبرى" (4/198، 10/
172، 12/82، 405) وعبد الرزاق في"الصنف (6003) ، ومشكل الآثار (2/82)
والمشكاة (2169) وابن كثير في"تفسيره" (8/480، 541) .
الجزء 1 · صفحة 41
3- باب ثواب الطهور
نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي
هريرة قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إنَّ أحدكم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى
المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحط
عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد " أخرجاه في الصحيح بلفظ:"صلاة
الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمسا وعشرين
درجة، وذلك أنَّ أحدكمَ إذا توضأ فأحسن الوضوء وأتى المسجد لا يريد إلا
الصلاة ولا ينهزه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفع الله له بها درجة، وحطَّ
عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في صلاة ما
كانت الصلاة في حبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه
الذي صلى فيه يقولون: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه، اللهم ما
لم يزد فيه أو يحدث فيه " (1) قوله ينهزه: أي لا يبغته ولا يشخصه وبه
انتهاء الغرمة وهو الانبعاث لها والمبادرة، وهي بفتح الياء نهز الرجل/ينهز،
وحُكى فيه ضم الياء ومنه أنّ هذه المعاني أسباب الدرجات، وأضيف إلى ذلك
أمور أخر وردت في ذلك من الدعاء عند دخول المسجد، والخروج منه،
والسلام على أهل المسجد وتحمِته، وغير ذلك نقل أن التضعيف لمجرّد الجماعة
وهي كلّها زيادة على الدرجات. نا سويد بن سعيد، نا حفص بن ميسرة،
حدثني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي عن رسول
الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:"من توضأ فتمضمض واستنشق خرجت خطاياه من فيه
وأنفه، وإذا غسل وجهه خرجت خطاياه من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار
عينيه، فإذا غسل يديه خرجت خطاياه من يديه، فإذا مسح برأسه خرجت
(1) صحيح متفق عليه. رواه البخاري (1/166) ومسلم في (المساجد، باب"49"رقم
"272") وأبو داود في (الصلاة، باب"49") وابن ماجة (ح 786، 787، 790)
والدرامي (1/192) والطبراني في"الكبير" (8/41) وابن حبان (431) وإتحاف (3/14)
وابن كثير في تفسيره (6/69) والقرطبي في "تفسيره" (1/250، 12/276) والكنز
الجزء 1 · صفحة 42
خطاياه من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من
رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد
نافلة" (1) . هذا حديث مختلف في إرساله، وقد خرج مسلم معناه من
حديث عمرو بن عنبسة، وفيه طول، وفي آخره: وحدَّث عمرو بهذا الحديث،
أما أمامة صاحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: نا عمرو بن عنبسة: انظر ما تقول في مقام
واحد يعظم هذا الرجل، فقال عمرو: لقد كبر سني ورقّ عظمي، وكما رواه
حفص هنا رواه عن مالك في الموطأ يحيى بن يحيى والقعنبي وجمهور الرواة،
وقالت طائفة منهم مطرف وإسحاق بن عيسى الطباع: عن مالك عن زيد عن
عطاء عن أبي عبد الله الصنابحي، واختلف عن زيد بن أسلم في ذلك،
فقالت طائفة: عنه كما قال مالك في أكثر الروايات عنه: وقالت طائفة أخرى:
عن زيد عن عطاء عن عبد الله الصنابحي، قال أبو عمر: ما أظن هذا
الاضطراب جاء إلا من زيد بن أسلم، والصواب فول من قال: فيه أبو عبد
الله وهو عبد الرحمن بن عسيلة تابعي ثقة ليست له صحبة، وروى زهر بن
محمد عن زيد عن عطاء عن عبد الله الصنابحي قال: سمعت رسول الله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: فذكر قوله:"إنّ الشّمس تطلع ومعها قرن الشيطان لما الحديث،
وهو خطأ عند أهل العلم، والصنابحي لم/يلق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وزهير بن
محمد لا يحتج به إذا خالفه نميزة، وقد روى عن ابن معين أنه يسأل عن
عبد الله الصنابحي يروى عنه المدنيون فقال: يشبه أن يكون له صحبة، وأصح
من هذا عن ابن معين أنه سئل عن أحاديث الصنابحي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال
لمن سأله: ليست له صحبة، وبنحوه قال الترمذي في كتاب العلل الكبير عن
البخاري- رحمهما الله تعالى-، وأما قول أبي عمر أن زهير بن محمد لا
يحتج به، فليس ذلك؛ لأنه ممن خرج حديثه الشيخان في صحيحيهما، ومن
كانت هذه حاله لا يقال فيه ما ذكره لا سيما مع عدم الحالة المصرَح بها، بل
(1) صحيح. رواه النسائي في (الطهارة، باب"84") وابن ماجة (ح/282) ومالك في
الموطأ (طهارة/ح/30) وأحمد في"المسند" (1/348، 349) . وصححه الشيخ الألباني.
كما في صحيح ابن ماجة.
الجزء 1 · صفحة 43
هو في المعنى متابعة مالك، وفي ذلك عتبة، والله أعلم، قال أبو عمر: صدق
ابن معين ليس في الصحابة أحد يقال له: عبد الله الصنابحي وإنما فيهم
الصنابحي بن الأعسر الأحمسي، كوفي روى عنه قيس بن أبي حازم أحاديث،
وفي الباب أيضَا أحد يقال له عبد الله الصنابحي، مشهور في التابعين، كبير
من كبرائهم واسمه عبد الرحمن بن غسيلهَ، وهو جليل، كان عبادة بن
الصامت يقول: من سره أن ينظر إلى رجل كأنه رفع فوق السموات ثم ردّ
يعمل على ما رأى فلينظر إلى عبد الله الصنابحي، قال ابن إسحاق: عن
يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن عبد الرحمن بن غسيلة
قال: لم يكن بيني وبين وفَاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا خمس ليال، توفى وأنا بالجحفة،
كذا زعم ابن عمر أن الذي يروى عنه مرثد هو الذي يروى عن عطاء، وأبو
حاتم يخالف ذلك، ذكر ابنه في كتاب المراسيل سمعت أبي يقول: الصنابحي
هم ثلاثة: الذي يروى عنه عطاء بن يسار وهو عبد الله الصنابحي، لم تصح
صحبته، والذي يروى أبو الخير فهو عبد الرحمن بن غسيلة الصنابحي روى
عن أبي بكر، والصنابحي بن الأعسر له صحبة، وفي هذا أيضَا يوهم من ادّعى
أن مالكا وهم في تسميته عبد الله، وقد قيل ذلك له فلم يرجع؛ بل أصر
عليه، وزعم أن لذلك حفظ فوجده كذلك في كتابه، ففي هذا دلالة انه لم
يرجع إلى ما قيل له لعلّة أنّه غير صواب إذ لو كان صوابَا لكان أسرع الناس
رجوعَا إليه مع تسليمه أنّ الخطأ لا يسلم أحد منه بذكر لم البلل رأسه.
فهؤلاء كلهم اختاروا الوضوء بالماء المستعمل، وأما مالك والشّافعي وأبو
حنيفة ومن قال بقولهم، فلا يجوز ذلك عندهم، ولو فعل لم يجزه، وكان
عليه الإعادة لكلّ ما صلى بذلك الوضوء لأنه قد أدّى به فرض فلا يؤدي به
فرض أخَر كالحمار وشبهها قال أبو عمر: الحمار مختلف فيه، وقال بعض
المفتين من آل العلم من أهل عصرنا: إنَّ الكبائر والصغائر يكفرها الطهارة
والصلاة، واحتج بطاهر حديث الصنابحي وبمثله من الآثار وبقوله:"فما ترون
ذلك يبقى من دونه، وهذا جهل بيّن وموافقة للمرجئة، وكيف يجوز لذي
لب أن يحمل هذه الآثار على عمومها وهو يسمع قوله تعالى: {يا أيها
الجزء 1 · صفحة 44
الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا} (1) وقوله تبارك وتعالى: {وتوبوا
إلى الله جميعا أيّهَ المؤمنون لعلكم تفلحون} (2) في آيات كثيرة، ولو كانت
الطهارة والصلاة وأعمال البرّ مكفرة للكبائر، والمتطهر المصلي غير ذاكر لذنبه
ولا قَاصد إليه ولا حضره في حينه ذلك الندم عليه لما كان لأمر الله عليه
بالتوبة معنى، ولكان كلّ من يتوضأ وصلى يشهد له بالجنة بأثر سلامه من
صلاته، وإن ارتكب مثلها ما شاء من المرتكبات الكبائر، وهذا لا يقوله أحد
ممن له فهم صحيح، وقد أجمع المسلمون أنَّ التوبة على المذنب فرض،
والفروض لا يصح أداء شيء منها إّلا بقصد ونية، وقال عليه السلام:"الندم
توبة (3) وقال: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى
رمضان، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر" (4) وهذا يبيّن لك ما ذكرنا
(1) سورة التحريم آية: 8.
(2) سورة النور آية: 31.
(3) صحيح. رواه ابن ماجة (ح/4252) وأحمد في"المسند" (1/376، 423، 433)
والبيهقي في الكبرى" (10/154) والحاكم في"المستدرك" (4/243) والحميدي (105)
والفتح (11/103) والطبراني في"الصغير" (1/33) والتمهيد (4/45) والترغيب (4/
97، 98) وشرح السنة (5/91) ومشكل الآثار (2/199) وآمالي الشجري (1/195،
196) والحلية لأبي نعيم (8/51، 312،، 10/398) وابن عساكر في"التاريخ" (3/
314) وابن عدي في"الكامل" (1/203، 4/1329، 1381، 1364، 1499، 7/
2668) . وكذا صححه الشْيخ الألباني.
(4) صحيح. رواه مسلم في (الطهارة ح/14، 15، 16) وابن ماجة (ح/598) والترمذي
(ح/214) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأحمد (رقم 1029 ج 2 ص 484) . ورواه
مسلم أيضا من طريق ابن وهب عن أبي صخر حميد بن زياد عن عمر بن إسحاق مولى زائدة
عن أبيه عن أبي هريرة. ورواه أحمد أيضا مختصرا من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد،
وصالح المعلم، وحميد، ويونس عن الحسن عن أبي هريرة (رقم 9345. ح 2، ص 414) .
والطبراني (4/185) ومطالب (581) والتمهيد (4/45، 46، 50) وأبو عوانة (2/20)
وشرح السنة (2/177) وللكنز (18894) والمغني عن حمل الأسفار (1/146، 4/16)
والمجمع (1/298، 300) والبغوي (1/515، 3/257) وابن خزيمة (314، 1814)
واستذكار (1/254) والمشكاة (564) والطبري (1/386) .
الجزء 1 · صفحة 45
ويوضح لك أن الصغائر تكفر بالصلوات لمن اجتنب الكبائر، فيكون على هذا
المعنى قوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم} (1)
الصغائر بالصلاة والصوم والحج وأداء الفرائض وإن لم تجتنبوا الكبائر ولم تتوبوا
منها، لم تنتفعوا بتكفير الصغائر إذا واقعتم الموبقات المهلكات، وهذا كله قتل
الموت، وبهذا قال جماعة المسلمين، وجاعت بها الآثار الصحاح ولو تدبر هذا
القائل الحديث الذي فيه ذكر خروج الخطايا من فيه ويديه ورأسه ورجليه؛ لعلم
أنّها الصغائر في الأغلب، ولعلم ألها معفو عنها بترك الكبائر، دليله قوله عليه
السلام:"العينان يزنيان،/- والفم يزني، ويصدق ذلك كله الفرج أو يكذبه" (2)
يريد- والله أعلم- أن الفرج بعمله يوجب الهلكة وما لم يكن كذلك
وأعمال البر تغسل ذلك كلّه والله أعلم. حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة
ومحمد بن يسار قالا: نا عن محمد بن جعفر عن شعبة عن يعلي عن عطاء
عن يزيد بن طلق عن عبد الرحمن بن السلماني عن عمرو بن عنبسة قال
رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إن العبد إذا توضأ فغسل يديه خرت خطاياه من يديه،
فإذا غسل وجهه خرت خطاياه من وجهه، فإذا غسل ذراعيه ومسح برأسه
خرت خطاياه من ذراعيه ورأسه، فإذا غسل رجليه خرت خطاياه من
رجليه" (3) هذا الحديث أخرجه أبو عبد الله في مستدركه من حديث عبد
العزيز بن أبي حازم عن الضحاك بن عثمان عن أيوب بن موسى عن أبي عبيد
مولى سلمان بن عبد المالك عن ابن عنبسة وقال فيه: صحيح الإِسناد على
شرطهما ولم يخرجاه، وأبو عبيد تابعي، إذ لا شك في سماعه من عمرو،
وفي الحديث صحة سماعه، وله شاهد على شرط مسلم عن عمرو بن عنبسة،
(1) سورة النساء آية: 31.
(2) صحيح. رواه أحمد في"المسند" (2/372، 411، 528. 535) والطبراني في"الكبير"
(10/192) والمجمع (6/256) وعزاه إلى أحمد وأبي يعلي والبزار والطبراني وإسنادهما جيد.
وتلخيص (3/225) ونصب الراية (4/248) وابن حبيب (2/55) وإتحاف (5/321، 7/
434) والكنز (13062) والخفاء (2/100) .
(3) صحيح. رواه الحاكم في"المستدرك" (1/129) . ووافقه الذهبي.
الجزء 1 · صفحة 46
وأما حديث ابن ماجة ففي إسناده ضعف، وقد تقدَّم معناه من كتاب مسلم،
وسبب ضعفه عبد الرحمن (1) بن البيلماني الأنهاري- والبيلمان هي خرق
تعمل منها القلوع- وقال الرشاطي: بيلمان من بلاد السند، قال فيه أبو حيان
الرازي والدارقطني: ضعيف لا يقوم به حجة، وإذا وصل الحديث فكيف ما
يرسله، قال أبو الفتح الأزدي: منكر الحديث روى عن ابن عمر بواطيل، ولما
ذكره أبو حبان في كتاب الثقات قال: لا يجب أن نعمر بشيء من حديثه،
وإذا كان من رواية ابنه؛ لأن ابنه يضع على أبيه العجائب، وممن ضعفه أيضا:
يعقوب بن طاهر.
وذكر الحاكم في كتاب المدخل: أن الشيخين اتفقا على تخريج حديث
عمرو بن عنبسة، ولم يرد ذلك، وعبد الغني بن سعيد فيما ردّه فكأنه قرّره
وتتبع ذلك عليهما الحافظ ابن محمد بن يربوع الشنتمدي، فزعم أن مسلما
يرد لحديثه دون البخاري والله أعلم. حدثنا محمد بن يحيى بن هشام بن عبد
الملك، نا حماد بن عاصم عن رزين بن حبيش أنّ عبد الله بن مسعود قال:
قيل: يا رسول الله كيف تعرف من لم تر من أمتك؟ قال:"غر محجلون
بلق من آثار الطهور" خرجه أبو حاتم البستي في صحيحه (2) .
/عن أبي يعلي، نا كامل بن طلحة، نا حماد به، ولفظ أحمد في
مسنده (3) :"من آثار الوضوء"وفي الأوسط عن أبي إسرائيل الملائي عن
عطية عن أبي سعيد قالوا: يا رسول الله، كيف تعرف من لم تر من أمتك؟
فقال ح: لم يروه عن أبي إسرائيل إلا حسن بن حسين العرفي، وفيه حديث
جابر بن عبد الله أيضا، أو قال: لم يروه عن الأعمش- يعني عن أبي
مسلم- عن جابر إّلا يحيى بن يمان.
(1) عبد الرحمن بن البيلماني، تابع مشهور. قال أبو حاتم:"لين"، وذكره ابن حبان في
الثقات. وقال الدارقطني:"ضعيف". (المغني في الضعفاء: 2/277/3536) .
(2) صحيح. رواه ابن حبان في"صحيحه": (9/183) .
(3) صحيح. رواه أحمد في"المسند": (1/282، 296، 403، 452، 453، 30012،
334، 362، 400، 408، 523، 3/431، 4/207، 5/199، 262) .
الجزء 1 · صفحة 47
وفي صحيح مسلم حديث أدي هريرة يرفعه:"أرأيت لو أنَّ رجلا له خيل
محجلة بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله،
قال: فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض" (1)
الحديث، وفي كتاب الترمذي بيان الغرّة م هي، إذ هي في الأحاديث
السابقة مجملة، عن عبد الله بن بشر مرفوعا:"أمتي يوم القيامة غر من
السجود، محجلون من الوضوء" (2) وقال: هذا حديث صحيح غريب من هذا
الوجه. حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، نا الوليد بن مسلم، نا الأوزاعي،
حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني محمد بن إبراهيم، حدثني شفيق بن
سلمة، حدثني حمران مولى عثمان فْال:"رأيت عثمان بن عفان قاعدا في
القاعد، فدعا بوضوءٍ فتوضأ، ثم قال: من توضأ مثل وضوئي هذا غفر له ما
تقدم من ذنبه" (3) وقال رسول اللَه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"ولا تغتروا"حدّثنا هشام بن
عمار، نا عبد الحميد بن حبيب، نا الأوزاعي، نا يحيى، حدّثني محمد بن
إبراهيم، حدثني عِيسى بن طلحة، حدثني حمران عن عثمان عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
نحوه. هذا حديث إسناده صحيح؟ لأن الوليد إنما يحذر منه التدليس أو
التشويه وهنا أمِنا ذلك لسرعته بسماعه، وسماع شيخه ومتابعة عبد الحميد له
(1) صحيح، متفق عليه. رواه البخاري في (الرقاق، باب (53"، والفتن، باب"1" (ومسلم في
) الطهارة، ح/39، والإمارة، ح/10، والفضائل، ح/25، 26، 29- 32، 44، 45) وابن ماجة في
) الزهد، باب"36" (وأَحمد في"المسند" (1/257، 384، 402، 4056، 407، 2/408، 3/18،
62، 166، 5/41، 86، 88، 89، 339، 393، 412) .
(2) صحيح. رواه الترمذي (607) والجوامع (4387) والكنز (34450) . وقد ورد هذا المعنى
في أحاديث أخر في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة، وعند ابن ماجة وابن حبان
من حديث ابن مسعود، وعند أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة، وعند أحمد من حديث
أبي الدرداء، وانظر الترغيب (1/92- 94) . وصححه الشيخ الألباني.
(3) صحيح. رواه احمد في"مسند" (1/64، 66) والترغيب (1/152) ومشكل (3/199)
وفي لفظه:"من توضأ مثل وضوئي هذا ثم صلى ركعتن لها يحدث فيها نفسه، غفر الله له ما تقدْم
من ذنبه".
ورواه أبو داود (ح/106) والنسائي (1/64، 65، 80) وإتحاف (2/373) والمشكاة
(387) والكنز (18951) والعلل (444) بلفظ:"من توضأ مثل وضوئي هذا ثم صلى
ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه، غفر الله له".
الجزء 1 · صفحة 48
وإن كان قد أتى بعيسى مكان شقيق وهما ببيان، فلا يضر ذلك الحديث،
ويكون محمد سمع منهما، أو يكون القول في ذلك قول الوليد ليفسد به
على عبد الحميد، فإن بعضهم- وهو ابن أبي حاتم- يزعم أنَّه ليس بصاحب
حديث، وقال النسائي: ليس بالقوي ويكون أراد ذكر شقيق فوهم إلى
عيسى، والله تعالى أعلم، وتبع ذلك فله أصل في الصحيحين من حديث
الزهري عن عفان بن زيد عن حمران من غير زيادة"ولا تفتروا"وهي في/
صحيح أبي حاتم البستي وقال: نا ابن مسلم، نا عبد الرحمن بعد ولفظه:
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"من توضأ مثل وضوئي هذا غفر له ما تقدم من
ذنبه" (1) ثم قال عليه السلام:"ولا تغتروا"وفي حديث مسلم:"وكانت
صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة" (2) فوله: واستنشق يعني حر الماء يزيح
الأنف قال الفراء: النشق مصدر نشقت الشيء النشقة بشيقاء إذا أشممته
واسم ما يستنشقه النشوق، والشيء يستنشق وتقول: نشق الرجل بمعنى
استنشق؛ ولذلك قال الملتمس: ولو أن محموما بخيبر مدنفا تنشق رياها لأقلع
صالبه أي: وجد ريحها، وتقول للرجل: استنشق يا فلان هذه الريح، وهذه
ريح مكروهة النشق أي الرائحة ومنه فول رؤبة:
كأنها مستنشق من العزقِ ... حرا من الخردل مكروه النشق
وفي الغريبين أي ببلغ الماء خياشيمه، وذكر ابن قتيبة أنّ الاستنشاق
والاستنثار سواء، مأخوذ من النثرة وهي طرف الأنف، ويشبه أن يكون وهم؛
لأنّ أهل اللغة فرّقوا بينهما، وفي نفس الحديث:"فليجعل في أنفه ثم لينثر"
فدلَّ على أنَّ النثر طرح الماء بريح الأنف متبددا وقد أنكر ذلك عليه غير واحد
من الأمة. قوله: إشفار عينيه يعني حروف أشفاره واحدها شفر بضم الشين من
لذا ذكره ثعلب، وذكر ابن قتيبة فتح الشين في أدب الكاتب، وفي الجامع مع
شفير كلّ شيء حدّه، وفي المحكم وشافره أيضا فحكى فيه الضم وأنكره
(1) تقدم ص 47.
(2) صحيح. رواه مسلم في (الطهارة ح/13) والنسائي في الصغرى (2/112) والبيهقي
في"الكبرى (1/82) والمنذري في"الترغيب" (1/239) وأبو عوانة في"صحيحه" (2/
79) والكنز (18953) .
الجزء 1 · صفحة 49
بعضهم قوله: خرت خطاياه، قال في الجمهرة: خر يخز خرَا إذا هوى من علو
إلى أسفل، وكل واقع من حائط وغيره فقد خرّ يخر خرّا، وكذلك الرجل إذا
سقط وهو قائم على وجهه، وقال الهروي: سقط مخرور خرورَا بضم الخاء،
وبنحوه قال الجوهري: قوله خرب البياض في الوجه: والغرَّة بياض في جبهة
الفرس تفوق الدرهم، يقال فرس أغر، والأغر الأبيض، وقوم غران قال امرؤ
القيس: ثياب بني عوف طهادي نقبه ووجوههم عند المشاهد غرّان، ورجل
أغر أي شريف وفلان غُرةُ قومه أي سيدهم وغُرَّةُ كل شيء أوّله/وأكرمه
ذكره صاحب الصحاح، وفي الجمهرة وكلِّ شيء بذاك من ضوءٍ أو صباح
فقد بدت لك غزَته، وقال القزاز: الأغر والغراء الأبيض والبيضاء ومنه قول
الأعشى:
غراء فرعاء مصقول عوارضها تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحل
وقيل: الغراء الواسعة الجبهة، وقمِل: هي البيضاء النقية العرض، وقالت
العرب: هي التي تتسع جبهتها وسلاح ما بين عينها وتباعد قضبتها من جبينها،
وقيل: هي البيضاء العينين، وهذا أمير أغز محجّل أي رامج، ولذلك قال
الشاعر:
ألا حبّبا ليلى وقولا لها هلا لقد ركبت أمرا أغر محجلا
وفي كتاب النبات لأبي حنيفة:"الغراء من نبات البدو لها زهرة بيضاء
شديدة البياض ناصعة، وقال أبو نصر: الغراء تمرة بيضاء يعنى بالتمرة الزهرة،
قال أبو حنيفة: ونباتها مثل نبات الجذر وحبّها كحبّه" (1) ، وهي طيبة الريح
أنشد أبو العباس للفلاح بقوله لإِبراهيم بن النعمان بن بشير لما زوج أخته من
يحصي بن أبي حفصة مولى عثمان:
لله درّ جياد أنت قائدها برد منها وبها التحجيل والغرار
وفي الكتابة وإذا كان بوجه الفرس بياض يسير بقدر الدرهم فما دون ذلك
فذلك الفرس أفرج، فإذا جاور ذلك فهو الغزة، فإن كانت قوائمه الأربع بيضَا
(1) سقط"بالأصل"لا يغير سياق الكلام.
الجزء 1 · صفحة 50
لا يبلغ البياض منها الركبتين فهو المحجل، فإن كان البياض بيديه دون رجليه
فهو أعظم، وذكر الأصمعي: أنه الذي يرتفع البياض إلى موضع القيد، قال:
ومنه الحجل، وفي الصحاح: التحجيل بياض في قوائم الفرس أو في ثلاث بها
أو في رجليه، قلّ أو كثر بعد أن تجاوز الأرساغ، ولا يجاوز الركبتين
والعرقوبين فإذا كان في قوائمه الأربع فهو محجل أربع، وإن كان قْي الرجلين
جميعا فهو محجل الرجلين، فإن كان بأحد رجليه وجاوز الأرساغ فهو محجّل
الرجل اليمنى أو اليسرى، فإن كان البياض في ثلاث قوائم دون رجل أو دون
يد فهو محجل ثلاث مطلق يد أو رجل، فلا يكون/التحجيل واقعا بيد أو
جدين ما لم يكن معها أو معهما رجل أو رجلان، فإن كان محجلا يد ورجل
من شق فهو ممسك الأيامن مطلق الأياسر، أو ممسك الأياسر مطلق الأيامن من
ولعا المقاعد فذكر القاضي، والمشارق أنَّها موضع عند باب المسجد، وقيل
مصاطب حوله، وقيل: هي دكاكين عند دار عثمان، وقال الداوودي: هي
الدرج، وفي سن الدارقطني، هي حيث مصلّى الجنائز عند المسجد.
الجزء 1 · صفحة 51
4- باب السواك
نا محمد بن عبد الله بن نمير، نا أبو معاوية وأبي عن الأعمش ح، ثنا
علي بن محمد، نا وكيع عن سفيان عن منصور بن حصن عن أبي وائل عن
حذيفة قال:"كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قام من الليل يتهجد يشوص فاه
بالسواك"أخرجاه في صحيحيهما (1) ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو
أسامة وعبد الله بن نمير عن عبد الله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد المقري
عن أبي هريرة قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم
بالسواك عند كلّ صلاة"أخرجاه في الصحيح (2) . حدثنا سفيان بن وكيع، نا
عثمان بن علي عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن
ابن عباس:"كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي من الليل ركعتين ركعتين ثم
ينصرف فيستاك"رواه النسائي (3) في الصلاة عن قتيبة عن عثام، وبذلك صح
إسناده؛ لأن سفيان ضعيف، ومنهم من اتهمه بالكذب، وهو أبو زرعة الرازي،
وقال البخاري: يتكلمون فيه لأشياء لفتوه إيها، وقال النسائي ليس بشيء
وقال ابن حبان: قيل له في أشياء لفتها فلم يرجع عنها فاستحق الترك
لإِصراره، وقال ابن عدي: كان إذا لقن وبنحوه قال أبو حاتم الرازي وعثام
(1) صحيح. رواه البخاري (2/64) ومسلم في (الطهارة باب"5 ا"رقم"46" (وأحمد
(5/402) وأبو عوانة (1/193) .
(2) صحيح متفق عليه. رواه البخاري (2/5، 3/40، 9/106) ومسلم في (الطهارة باب
"15"رقم"42" (وأبو داود (46، 47) والترمذي (22، 23) وقال: هذا حديث حسن
صحيح. والنسائي (1/12) وابن ماجة (287) وأحمد (1/221، 326، 2/245، 250،
287) والمجمع (1/221، 2/97، 98) والبيهقي (1/35، 36، 37) وحبيب (2211،
46) وإتحاف (2/348، 350، 351) والمشكاة (390) والترغيب (1/164) . وصححه
الشيخ الألباني. (الإِرواء: 1/108، 109، 2/197) .
(3) صحيح. رواه النسائي في:) قيام الليل، باب"10" (بلفظ:"كان إذا قام من الليل
يشوص فاه بالسواك".
الجزء 1 · صفحة 52
ممن احتج به في الصحيح، ووصف مع ذلك بالثقة والصدق، وزعم أبو
القاسم ابن عساكر- رحمه الله- في كتاب الأطراف أنّ ابن ماجة خرّج
هذا الحديث بهذا الإِسناد في كتاب السنة، وتبعه على ذلك الحافظ المزني، وما
قدّمناه يقضي على قولهما وقد استظهرت/بنسخ من السن فوجدته كذلك،
وقال الحاكم عندما أخرجه من حديث محمد بن حسان نا عثام هذا حديث
صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وليس كما زعم لكونه على شرط
البخاري وحده لمفرّده بعثمان فيما ذكره ابن سرور وغيره عندما رواه عن
محمد بن عبد الله بن بزيع، نا عثام فذكره مختصرَا، وهذا الحديث لا نعلم
أحدَا رواه عن الأعمش إلَّا عثمان بن علي، وهو ثقة. حدّثنا هشام بن عمار، نا
محمد بن شعيب نا عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن يزيد عن القاسم عن
أبي أمامة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:"تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم،
مرضاة للربِّ، ما جاءني جبريل إّلا وصاني بالسّواك حتى خشيت أن يفرض
علي وعلى أمتي ولولا أن أخاف أن أشق على أمتي لفرضته لهم، وأني لأستاك
حتى أني لقد خشيت أن أخفي مقادم فمي" (1) هذا حديث إسناده معلل
بأشياء منها: عثمان بن أبي العاتكة سليمان بن حفص الأزدي الدمشقي
القاضي قال فيه ابن معن ليس بشيء، وقال النسائي: ضعيف، وقال أبو احمد
الحاكم، هو مع ضعفه نكتب حديثه مع أن دحيمَا كان يثني عليه وينسبه إلى
الصدق ولم ينكر حديثه عن غير علي بن يزيد إلا من قبل علي، وقال أبو
حاتم: لا بأس به، فكتبه من كثرة روايته عن علي، وأما ما روى عن عليّ
فمقارب" (2) ، ومنها علي بن زيد أبو عبد الملك الألهاني الدمشقي قال فيه
البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حاتم الرازي: ضعيف الحديث، أحاديثه
(1) ضعيف. رواه ابن ماجة (289) والفتح (2/376) والترغيب (1/166) والمنثور (1/
113) وكحال (2/117) وابن عساكر (4/464) . وكذا ضعفه الشيخ الألباني في
"ضعيف ابن ماجة". ارجع لرقم"298"فيه.
(2) قلت: هذا باب من أبواب الضعف.
الجزء 1 · صفحة 53
منكرة، وقال النسائي والأزدي والدارقطني: متروك، وقال يعقوب بن شيبة:
واهي الحديث، وقال أحمد: هو ضعيف، ولما ذكره أبو مسهر قال: ما أعلم إلا
خيرا وذكر أبو عبد الله في مستدركه حديثا من رواية يحيى بن أيوب عن
عبيد الله بن خير عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعا:"إن
أغبط الناس عندي المؤمن خفيف الحاد" (1) ثم قال إسناده للشامين صحيح
عندهم ولم يخرجاه- يعني الشيخين- وليس كما/ترجمه لما أسلفناه، ولما
قاله ابن حسان وغبره من أنّ هؤلاء إذا اجتمعوا في إسناد كان ذلك الحديث
من عمل أيديهم، وإنه اعتمد على قول أبي مسهر في علي والبخاري في ابن
زحر والله أعلم، ومنها القاسم بن عبد الرحمن مولى خالد بن يزيد بن
معاوية، وهو- وإن قال فيه الكوفي- شامي تابعي نكتب حديثه وليس
بالقويّ، وقال إبراهيم بن الحسين عن ابن معين: هو ثقة إذا روى عن الثقات،
وقال الحربي في كتاب العلل من ثقات المسلمين: توفى سنة ثنتي عشرة ومائة،
وقال الجوزجاني في تاريخه: كان خيارا فاضلا، وقال المزي: ثقة، وسئل عنه
أبو حاتم فقال: حديث الثقات عنه مستقيم لا بأس به، وإنما ينكر عليه من قبل
الضعفاء، فقد قال فيه الإِمام أحمد بن حنبل: منكر الحديث، حدث عنه
علي بن يزيد بأعاجيب وما أراها إلا من قبله، وقال أبو حاتم البستي: كان
يروي عن أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المعضلات، وفي سؤالات الآجري عن
(1) ضعيف. رواه ابن ماجة (4117) وأحمد (5/255) والحاكم (4/123) والطبراني (8/
242) وخمر (11) والكنز (5928) . وفي الزوائد: إسناده ضعيف، لضعف أيوب بن
سليمان. قال فيه أبو حاتم: مجهول. وتبعه على ذلك الذهبي في الطبقات وغيرها. وصدقه
ابن عبد الله متفق على تضعيفه. ا. هـ كلام الزوائد. وضعفه الشيخ الألباني. انظر: ضعيف
ابن ماجة، والمشكاة (5189) (ح/897) .
قال الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي: حديث أبي أمامة، رواه الترمذي بزيادة، بإسناد آخر قد
حشنه.
قلت: والزيادة التي رواها الترمذي من طريق آخر لا تُزيل علّة الضعف، إذا كان الطريقان كلْ
له راو يرفعه إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبذلك يتبين علة ضعف الطريق الآخر التي حكم بها وجزم عليها
الشّيخ الألباني بضعفه.
الجزء 1 · صفحة 54
أحمد بن صالح تضعيفه، وفي الأوسط للبخاري روى عنه المعلى وغيره
أحاديث متقاربة، وأما من يتكلم فيه مثل علي بن يزيد ونحوه؛ ففي حديثه
مناكير واضطراب، ومع ذلك ففي سننه أشياء لها أصول صحيحة وشواهد
حسنة: أما قوله:"السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب" (1) فهو في حديث
عائشة عند ابن خزيمة والحاكم وابن حبان، وذكره البخاري تعليقا، وقال
البغوي في شرح السنة: هذا حديث حسن، وعند ابن حبان أيضا من حديث
أبي هريرة، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"عليكم بالسواك فإنه مطهرة للفم، مرضاة للرث" (2)
وعند القاضي أبي بكر أحمد بن علي المروزي في مسند أبي بكر الصديق من
حديثه عن أبي حنيفة، نا يونس بن عمر، نا حماد عن أبي عتيق عن أبيه عن
أبي بكر سمعت النبي لم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:"السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب" (3)
وسنده صحيح، وحدثنا ابن عمر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:"عليكم بالسواك فإنه
مطهرة للفم، مرضاة للرب" (4) ، طبقات الموصلي من حديث ابن لهيعة عن
عبد الله بن أبي جعفر عن نافع عنه، وقوله:"ما جاءني جبريل- عليه
السلام- إلا أوصاني بالسواك، السواك واجب، السواك واجب " شاهده
عند ابن خزيمة في صحيحه عن عبد الله بن حنظلة:"كان عليه السلام أمر
بالوضوء لكل صلاة طاهرَا كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أمر بالسواك عند كل صلاة " (6) وقوله:"ولقد خشيت أن يفرض علي " (7)
(1) حسن. رواه ابن خزيمة في"صحيحه" (135) وابن حبان في"صحيحه" (143) والحاكم
في"مستدركه"وصححاه. وللبخا ري"تعليقا" (3/40) .
(2) ضعيف رواه ابن حبان (144) وابن أبي شيبة (2/96) والترغيب (1/166) والفتح (2/
376) وإتحاف (5/267، 349، 351) والمغني عن حمل الأسفار (1/132) وأصفهان (2/
26) وابن عدي (3/929) والمجمع (1/220) وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف.
(3، 4، 5) تقدمت قريبَا في الهوامش السابقة.
(6) بنحوه. رواه احمد في"المسند" (1/282) والبيهقي في"الكبير" (1/42) والشمائل
للترمذي (95) ولفظه:"أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة".
(7) ضعيف. رواه أحمد في"مسند" (3/490) والجوامع (4423، 4430، 4436)
والمنذري في"الترغيب" (1/166) والمجمع (2/98) .
الجزء 1 · صفحة 55
شاهده ما رواه أحمد في مسنده من حديث ابن عباس، قال عليه السلام:
"ولقد أمرت بالسواك حتى ظننت أنه سينزل علي قرآن أو وحي" (1) وعنده
أيضا عن واثلة، قال عليه السلام:"أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب
علي"وذكر أبو نعيم من جهة محمد بن مسلمة أن عبد العزيز بن عبد
الرحمن بن صهيب قال: سمعت عبد الله بن عمر بن خلخلة، ورافع بن
خديج قالا: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"السواك واجب، السواك واجب" (2)
وقوله:"لفرضته" شاهده حديث تمام بن عباس- رضى الله عنهما- قال عليه
السلام:"مالي أراكم تأتون قلحا استاكوا، لولا أن أشقَّ على أمتي لفرضت
عليهم السواك كما فرضت عليهم الوضوء" (3) . رواه أحمد. وعلّله ابن
القطان، وفيما أعلَّه به نظر، ولما رواه في الأفراد من حديث جعفر تمام بن
عباس عن أبيه عن العباس قال: هذا حديث غريب من حديث الثوري عن
منصور تفرد أبو خالد عبد العزيز بن أبان عنه، ولا نعلم حدّث به عنه غير
الحسن بن ملزم، وحديث أبي هريرة:"لولا أن أشق على أمتي لفرضت
عليهم السواك مع الوضوء" (4) قال الحاكم: هذا حديث صحيح على
شرطهما، وفي الدلائل لابن عدي قال/عليه السلام:"لولا أن أشق على
أمتي لجعلت السواك عليهم عزيمة"، وفي الصحيح:"لولا أن أشق على أمتي
لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"وقوله:"حتى لقد خشيت أن أخفي
مقاديم فمي"شاهده حديث عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن
عباس، قال عليه السلام:"لقد أمرت بالسواك حتى خفت على أسناني" (5)
(1) صحيح. رواه أحمد في "المسند" (1/237، 337) وفي المجمع أورده الهيثمي (2/98)
وعزاه لأبي يعلي.
(2) 1لمنثور (1/114) وإتحاف (2/350) .
(3) ضعيف. أبو حنيفة: (24) ورواه أحمد في"المسند" (3/442) .
(4) تقدم قبل حواش قليلة.
(5) ضعيف. أورده الهيثمي في"المجمع" (2/98) وعزاه إلى الطبراني في"الأوسط".
الجزء 1 · صفحة 56
قال الطبراني في الأوسط: لم يروه عن عطاء إلا الحسين بن واقد، وحديث
جرير تطهر مرفوعا:"لقد أمرت بالسواك، حتى لقد خشيت أن يدردنى" (1)
فقد طهر لك بمجموع ما ذكر صحة المتن، وعرفان مخرجه، وضعف الإِسناد،
وفي صحيح الإِسناد، وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان والمستدرك لأبي
عبد الله:"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع الوضوء عند كل
صلاة". حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا شريك عن المقدام بن شريج بن
هانئ عن أليه عن عائشة قالت: قلت: أخبرني بأي شيء كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يبدأ
إذا دخل عليك؟ قالت:"كان إذا دخل يبدأ السواك"رواه مسلم (2) في
صحيحه، وذكر ابن عبد الله بن منده الإِجماع على صحته، وفيما قاله نظر
لأمرين، الأول: إن أراد إجماع أهل العلم قاطبة فمتعدد، وإن أراد إجماع
الأئمة المتعاصرين أصحاب الليث- وهو الأشبه بمصطلحه؛ لا بين في غير
موضع أنه يريد ذلك- فغير صواب أيضا؛ لأنه لم يخرجه أحد منهم زيادة
على ما ذكرناه غير النسائي والسجستاني في رواية ابن داست فقط، فأي
إجماع مع مخالفة البخاري والترمذي!، وعند ابن خزيمة وأبي عوانة، وسيأتي
له تتمة عند أحمد- رحمه الله تعالى- إذا دخل بيته، حدثنا محمد بن عبد
العزيز، نا مسلم بن إبراهيم، نا بحر بن كثير عن عثمان بن ساج عن
سعيد بن جبير عن علي بن أبي طالب- رضى الله عنه- قال:"إن
أفواهكم طرق القرآن فطيبوها بالسواك" (3) هذا أبر إسناده ضعيف لضعف بحر
وفيه عطاء بن السائب.
فلت: فيه اختلاف لاختلاطه في آخره.
(1) صحيح. المصدر السابق (2/99) وعزاه إلى الطبراني في"الأوسط"ورجاله رجال
للصحيح.
(2) صحيح. رواه مسلم في (الطهارة، باب"15"، ح/44) وأحمد (6/188) والكنز
(17859) .
(3) ضعيف. إتحاف (2/340) والكنز (2751) والحلية (4/296) والجوامع (6249)
وتلخيص (1/70) والمنثور (1/113) والمغني عن حمل الأسفار (1/131) .
الجزء 1 · صفحة 57
رواية مولى بأهله السقا، قال فيه يزيد بن زريع: لا شيء، وقال يحيى: ليس
بشيء، ولا كتب حديثه/كل الناس أحب إلي منه، وقال النسائي وابن الجنيد
والدارقطني: ليس ثقة، ولا نكتب حديثه، وقال الحربي في العلل: ضعيف،
وفي كتاب الآجري: سمل أبو داود عنه فقال: ضعيف، وسئل عنه مرة أخرى
وعن عمران فقال عمر: فوق مجر متروك، وقال أبو حاتم: ضعيف، وقال أبو
أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم، وقال ابن سعد: مات سنة ستين ومائة،
وكان ضعيفا، وقال البخاري في التاريخ: ليس عندهم بالقوى، الثاني: الجهالة
بحال عثمان وإن كان ابن أبي حاتم قد وصفه بالرواية عن خصيف وبرواية
المعتمر بن سليمان، نا محمد بن يزيد بن سنان عنه وضعفه البخاري بأنه من
الجزيرة فلم أر أحدا تعرّض للمعرفة بحاله، وهو وبحر مما يستدرك ذكرهما علي
بن سرور، الثالث: وكذلك يستدرك الحديث وزعم بعض المتأخرين أنّ
عثمان بن ساج هذا هو عثمان بن عمرو بن ساج، نسب إلى جدّه أخذا من
طبقات الجزر لأبي عروبة، وبها علم أن أبا محمد بن أبي حاتم فرّق بينهما ولا
يعدل عن كلامه، إّلا بيان واضح.
الثالث: نا محمد بن عبد العزيز أيضا لا يدري من هو؛ لأنَّ ابن سرور
ذكر فيمن روي عنه ابن ماجة اثنين يقال لكل منهما محمد بن عبد العزيز:
الأول المعروف بابن أبي رزمة، والثاني لم يصفه، قال من رواية ابن ماجة عنه
فالله أعلم أيهما هذا أبي رزمة، وما أخاله فهو مشهور بالثقة، وإن كان الآخر
فهو مجهول وبنحو ما ذكرهما به ذكره الشيخ جمال الدين ولم يذكر أحدا
منهما برواية عن مسلم بن إبراهيم، وكذلك الخطيب في تاريخه على كثرة
تعدادهما للمشايخ، الرابع: انقطاع ما بن سعيد وعلي؛ فإن ابن أبي حاتم
ذكر في كتاب المراسيل: سئل أبو زرعة عن سعيد بن حر عن علي فقال:
مرسل، وفي التاريخ الأوسط عن أبي معشر عن سعيد بن جبير قال: رأيت
عقبة بن عمرو، نا أبو معمر، نا عبد الوارث نحوه، نا يحيى قال: مات
أبو مسعود أيام علي،/ولا أحسبه حفظ؛ لأن سعيد بن حر لم يدرك أيام
علي. انتهى. قول البخاري: ولا أحسبه حفظ؛ يعني وفاة ابن مسعود؛ لأنه
الجزء 1 · صفحة 58
هو صرح في ذلك بسماع سعيد منه، ويكون مولد سعيد على ما ذكره هو
وغيره بعد موت علي- رضى الله عنه- سنة ستين؛ لأنه قيل سنة خمس
وتسعين وهو ابن تسع وأربعين والله أعلم، وقد وقع لنا هذا الحديث مرفوعا
من طريق سالمة من المذكورين نا بها المعتمر أبو التقي صالح بن مختار- رحمه
الله تعالى- قرأه عليه وأنا أسمع، نا المسند أبو العباس بن عبد الدايم بقراءة
والدي عليه، نا أبو الفرج يحيى بن محمود الثقفي قرأه عليه، نا أبو القاسم
الجوزي أبو الحسن، نا الربيع نا عمر بن نعيم وكل المتقى من أصل سماعه نا
حمدون بن الحرث بن ميمون المقري، نا العباس بن الوليد بن عبد الرحمن
الجارودي شعبة عن الحسن بن عبيد الله عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد
الرحمن السلمي عن علي، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إن العبد إذا قام يصلي
وقد تسوك أتاه الملك فقام خلفه، ولا يخرج منه شيء إّلا دخل جوف الملك،
فطهروا أفواهكم بالسواك" (1) . أخبرنا المسند المعمر أبو زكريا يحيى المقدسي-
رحمه الله- عن العلامة ابن بنت الحميري، نا بشهدة، نا أبو عبد الله
الحسين بن طلحة، نا أبو عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله، نا
القاضي أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل، نا عبيد الله بن سعد الزهري، نا
عمي، نا أبي عن ابن إسحاق عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة عن
سالم بن عبد الله عن أبي الجراح مولى أم حبيبة أنها حدثت أن رسول الله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة كما
يتوضئون"وروى مجالد عن الشعبي عن عبد الله بن جعفر، قال عليه
السلام:"إذا قام أحدكم إلى الصلاة فليغسل يده من الغمر، ما قام عبد إلى
الصلاة قط إلا التقم ملك فاه فلا يخرج من بداية إلا في فم الملك " (2) ذكره
البيهقي يحيى عن أبي الرضا في كتاب نمرة الصحاح من تأليفه/وفي مجموع
(1) صحيح. رواه البزار في"مسنده") ص. 6) وقال:"لا نعلمه عن علي بأحسن من هذا
الإِسناد". وإسناده جيَد، رجاله رجال البخاري، وفي الفضيل كلام لا يضرَ، وقد قال
المنذري في"الترغيب" (1/102) :"رواه البزار بإسناد جيد لا بأس به، وروى ابن ماجة
بعضه موقوفا، ولعله أشبه".
(2) راجع:"الكنز، ح/20105) .
الجزء 1 · صفحة 59
الزغايب لابن عساكر عن أبي هريرة:"كان أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسواكهم
خلف آذانهم يستنون لكل صلاة. السواك"والمسواك ما يدلك به الأسنان من
العيدان. قال القزاز: استعمل منه سكت الشيء أسوكه سوكَا إذا دلكته،
ومنه اشتقاق السواك يقول: ساك فمه يسوكه سوكَا إذا دلكه بالمسواك، فإذا
قلت استاك لم يذكر الفم، والمسواك يذكر ويؤنث، والتذكير أكثر وهو نفس
العود الذي استاك به، وأصله للشيء الضعيف، يقال: جاءت الغنم والإِبل
تستاك هنا لا أدري ما تحرك رؤوسها، وقد تساوكت الإبل وغيرها: أصابها
الهزال، قال عبيد الله بن الحر الجعفي.. إلى الله أشكوا مَا أرى بجياد تساوك
هذا لا مخمن قليل.. والسواك متن الجائع، وفي الصحاح ويجمع على سوك،
مثل كتاب وكتب قال الشاعر:
أغر الثنايا أحمر اللثات تمنحه سوك الأسجل
وشرع السواك لتعظيم شأن العبادة وشأن المناجي؛ ليكون على كمال من
الطهارة والنظافة؛ لأنه مزيل القلح، مضعف للأجر، مطيب للنكهة، مكره
للصداع، مذهب لوجع الأضراس، يزيد صاحبه فصاحة، مذهب البلغم، مجلي
للبصر. جاء ذلك في آثار مرسلة ذكرها أبو نعيم والطبراني، ومذهب الجمهور
عدم وجوبه للصلاة خلافَا لإسحاق بن راهويه وداود إذ أوجباه، وبالغ إسحاق
وأبطل الصلاة بتعمد تركَه، قال أبو عمر: فضل السواك مجمع عليه لا
اختلاف فيه، والصلاة عند الجميع بسواك أفضل منها بغير سواك، حتى قال
الأوزاعي: هو شطر الوضوء وقتادة عند إرادة طلبه الصلاة وعند الوضوء وقراءة
القرآن والاستيقاظ من النوم وعند تغيّر الفم، ويستحب بين كل ركعتين من
صلاة الليل، ويوم الجمعة، وقبل النوم، وبعد الوتر، وعند الأكل، وفي السحر،
والأولى الاستياك من شجر الزيتون في حديث معاذ مرفوعَا:"نعم السواك/
(1) إبراهيم بن أبي عَبلة، بسكون الموحدة، واسمه شمر: بكسر المعجمة ابن يقظان الشامي، يكنى
أبا إسماعيل، ثقة من الخامسة، مات سنة اثنتين وخمسين. روى له البخاري ومسلم وأبو داود
والنسائي وابن ماجة. (تقريب: 1/39/239) . والحديث ضعيف. أورده الهيثمي في
المجمع (2/100) وعزاه إلى الطبراني في"الأوسط"وفيه معلل بن محمد ولم أجد من ذكره.
الجزء 1 · صفحة 60
الزيتون، من شجرة مباركة، تطيب الفم، وتذهب الحفر، وهو سواكي وسواك
الأنبياء قبلي"ذكره الطبراني في الأوسط من حديث إبراهيم (1) بن أبي عبلة
عن عبد الله بن الديلمي عن عبد الرحمن بن غنم عنه، وقال ابن برون عن
إيراهيم إلا إيراهيم بن محصن، ثم بكل ما يجلو الأسنان إذا لم يكن فيه صبغ
ولون خلا الريحان والقصب، واستضعف ابن العربي الأول، وقاسه على
الكحل، وحمل بعض الحنفية السواك للصلاة على صلاة المتيمم، أو من لم
يجد ماءَ ولا ترابَا حتى لا يخلو المصلي من سواك، إن لم يكن عند الوضوء
فعند الصلاة جمعَا بين الأحاديث، أو يحمل على ما في حديث يوسف
السمتي عن الأعمش عن أنس:"أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يستاك بفضل
وضوئه" (1) وحمل بعض العلماء:"يشوص على ذلك السن بالأصابع " وهو
في حديث ضعفه البيهقي عن أنس مرفوعَا:"يجزئ من السواك الأصابع" (2)
وفي حديث لم ير عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جدَّه، قال عليه
السلام:"الأصابع تجزئ مجزئ السواك إذا لم يكن سواك " (3) قال ابن
القاسم في كتابه الأوسط: لم يروه عن أبي إلا أبو غزنة محمد بن موسى،
تفرد به هارون بن موسى القروي، وبعضهم يزعم أنّه الدلك عرضَا، وقال
بعضهم: هو الغسل وقيل: التقية. قاله أبو عبيد، وقيل: هو الحك. قاله ابن
عبد البر، ويستحب الاستياك طولا لحديث أبي موسى عند أحمد:"دخلت
على النبي- عليه السلام- وهو يستاك وهو رافع طرف السواك على لسانه
يستن إلى فوق" (4) قال حماد ووضعه لنا غيلان كأنه يستن طولا، وحديث
(1) ضعيف جدا. رواه الدارقطني في"سننه " (1/40) و"المطالب العالية"لابن حجر (70)
والكنز (17860) وابن عساكر في"التاريخ" (2/246) والخطيب في"تاريخه" (11/16) .
وضعفه الشيخ الألباني. (ضعيف الجامع: ص 657 ح 4551) 0 انظر: (الضعيفة: ح/4268) .
(2) ضعيف. رواه ابن عدي في"الكامل": (5/1971) .
وأورده الألباني في"ضعيف الجامع: ص 930 ح/6415) وعزاه إلى"الضياء"من حديث
أنى. وانظر:) الإِرواء: ح 69) .
(3) ضعيف. أورده الهيثم في"مجمع الزوائد" (2/100) وعزاه إلى الطبراني في
"الأوسط"وكثير ضعيف وقد حسن الترمذي حديثه.
(4) صحيح. رواه أحمد: (4/417) .
الجزء 1 · صفحة 61
بهز وربيعة بن الشمر وعطاء بن أبي رباح:"كان عليه السلام يستاك
عرضا، (1) ضعَّفه البيهقي، وحديث عائشة مرفوعا:"كان يستاك عرضا ولا
يستاك طولا" (2) ، ذكره وهو ضعيف، وزعم بعضهم أنه من حديث أبي
موسى ومن ذكرناه تعارض، فإن حديث أبي موسى يدل على أن تسوك
اللسان والحلق طولا، وحديث بهز يوضحه ومن تابعه يكون في الأسنان عرضا
وفي قوله عليه السلام/:"لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، يقتضي جواز
الاستياك للصائم أخذا بعموم اللفظ، يوضحه حديث عامر بن ربيعة:"رأيت
النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما لا أحصى يتسوك وهو صائم" (3) قال فيه الترمذي: حسن،
وحديث عائشة ترفعه:"من خير خصال الصائم السواك" (4) وحديث أنس:
"لا بأس بالسواك للصائم" (5) ، وحديث ابن عمر:"كان عليه السلام
يستاك آخر النهار وهو صائم" (6) ذكره ابن طاهر في التذكرة، وضعفه على
معارضة غيرهم لهم في ذلك، وسيأتي في موضعه- إن شاء الله تعالى-،
(1) ضعيف. أورده الهيثمي في المجمع (2/100) وعزاه إلى الطبراني في"الكبير' وفيه
بنيت بن كثير وهو ضعيف. والتمهيد (1/394، 395) وإتحاف (7/124) والكنز
(17861) والخفاء (1/134، 296) والفوائد (11) .
وضعفه الشيخ الألباني. (الضعيفة: ح/942) .
(2) انظر: الحاشية السابقة.
(3) حسن. رواه أبو داود (ح/2364) والترمذي (ح/725) . وقال الترمذي: حديث
عامر بن ربيعة حديث حسن. والعمل على هذا عند أهل العلم. لا يرون بالسواك للصائم
بأسا. إلا أن بعض أهل العلم كرهوا السواك للصائم بالعود الرطب، وكرهوا له السواك آخر
النهار. ولم ير الشافعي بالسواك باسا أول النهار ولا آخره. وكره أحمد وإسحاق السواك آخر
النهار.
(4) ضعيف. رواه البيهقي في"الكبرى" (4/272) والكنز (23861) وضعفه الشيخ الألباني.
) ضعيف الجامع: ص 472 ح/2908) 0 انظر:) الضعيفة: ح 3574، وابن ماجة
1677) .
(5) قوله:"للصائم"غير واضحة"با لأصل"، وكذا أثبتناه.
(6) باطل. أورده الألباني في"الضعيفة: ح/402) . وقال: أخرجه ابن حبان في"كتاب
الضعفاء"عن أحمد بن عبد الله بن ميسرة الحراني عن شجاع بن الوليد عن عبيد الله بن عمر
عن نافع عن ابن عمر مرفوعا.
الجزء 1 · صفحة 62
وما قدمناه أحسن دلالة ممن قال ذلك يؤخذ من قول عائشة:"بأي شيء
كان عليه السلام يبدأ إذا دخل عليك بيتك؟ فالت: بالسواك" (5) لأن
الحديث إنما جاء في دخوله البيت ليلَا؛ فلا حجة فيه، بيانه رواية شريح قلت
لعائشة:"بأي شيء كان يبدأ عليه السلام إذا دخل عليك بيتك؟ قالت:
يبدأ بالسواك، ونختم بركعتي الفجر"ذكره الإِمام أبو حاتم في صحيحه.
وأعلَه ابن حبان بابن ميسرة وقال: لا يحتج به، ورفعه باطل، والصحيح عن ابن عمر
من فعله، كذا في نصب الراية (2/460) .
الجزء 1 · صفحة 63
5- باب الفطرة
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن
المسيب عن أبي هريرة، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"الفطرة خمس- أو خمس من
الفطرة- الختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإِبط، وقص
الشارب " (1) خرجاه في صحيحيهما وأما سعيد بن أبي سعيد، فرواه عنه
مالك في موطئه عن أبي هريرة موقوفا له، ورواه أكثر رواة الموطأ إلا بسر بن
عمر، فإنه رواه عنه موقِوفا وبلفظ ابن حبان قال:"من فطرة الإِسلام:
الغسل يوم الجمعة، والاستنان، وأخذ الشارب، وإعفاء اللحى فإن ألمجوس تحفي
شواربها وتحفي لحاها، فخالفوهم، خذوا شواربكم وأعفوا لحاكم" (2) حدثنا أبو
بكر بن أبي شيبة، نا وكيع، نا زكريا بن أبي زائدة عن مصعب بن شيبة عن
طلق بن صا عن ابن الزبير عن عائشة قالت: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"عشر
من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والاستنشاق بالماء، وقص
الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإِبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء " يعني:
الاستنجاء. قال زكريا: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون
المضمضة، رواه مسلم (3) في صحيحه لم والترمذي، وقال: حسن، وقد
(1) صحيح. رواه البخاري في (اللباس، باب قص الشارب، وتقليم الأظافر) ومسلم في (الطهارة، باب
خصال الفطرة) وأبو داود في (الترجل، باب "16") والترمذي (ح/2756) وقال: هذا حديث حسن
صحيح. والنسائي (1/14، 7/129، 181) وابن ماجة (ح/292) وأحمد في"المسند" (2/229،
239، 283، 410، 489) والبيهقي في"الكبير" (1/149) والحميدي (936) وعبد الرزاق
(20234) وابن أني شيبة في"مصنفه" (1/195، 9/58) والقرطبي في"تفسيره (14/25)
الخطيب في"تاريخه" (5/438) والموطأ (921) .
(2) انظر: الحاشية السابقة.
(3) صحيح. رواه مسلم في (الطهارة، ح/56) وأبو داود (ح/53) والترمذي في (ح/
2757) وحسنه. وابن ماجه (ح/293) والنسائي في (الزينة باب"1") وأحمد في "المسند"
(6/137) والبيهقي في"للكبرى" (1/36، 52، 53. 300) وأبو عوانة (1/191) وابن
أبي شيبة (1/195) وتلخيص (1/66) ومشكل (1/297) والمشكاة (379، 380) وشرح
السنة (1/398) وإتحاف (2/350، 427) والدارقطني في"سننه" (1/95) ونصب الراية
(1/76) . قوله:"البراجم"هي غصون الأصابع من أسفل.
الجزء 1 · صفحة 64
اختلف في رفعه ووقفه؛ فرواه مرفوعا مصعب منفردا به عن طلق ورواه سلمان
التيمي بن جعفر بن إياس عن طلق قال: كان يقال عشر من الفطرة، كذا في
كتاب الفسوي، ورواية الرفع انفرد بها ابن زائدة عن مصعب، واختلف في
تصحيحه؛ فأباه الإِمام أحمد بن حنبل فقال: مصعب بن شيبة أحاديثه
مناكير، منها عشر من الفطرة، والنسائي وقال: حديث التميمي أشبه بالصواب
من حديث مصعب، ومصعب منكر الحديث، وفي موضع آخر: وحديث
التيمي، وأبي بشر، أولى حيث قال التيمي: وابن إياس أثبت منه وأصح حديثا
وأبو عبد الله بن منده الأصبهاني حيث قال: خرجه مسلم وتركه البخاري
وهو حديث معلوم، رواه التيمي عن طلق مرسلا، وقيل: الرفع صحيح اعتبارا
بتوثيق مصعب عن ابن معين والعجلي وأبن خزيمة لذكره، حديثه هذا في
صحيحه من حديث محمد بن بشر، نا زكريا، نا مصعب وحديث محمد بن
رافع، نا ابن نمير عن زكريا لم يذكر العاشرة، لا يتيقن ولا يشك، وفي
حديث عنده العاشرة لا أدري ما هي إلَّا أن تكون المضمضة، ومذهب
مسلم بن حجاج وغيرهما وسيأتي أحاديث متابعة عطاء، وشاهده: حدّثنا
سهل بن أبي سهل، ومحمد بن يحمى قالا: نا أبو الوليد، نا حماد عن علي بن
زيد عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر عن عمار بن ياسر أن رسول الله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:"من الفطرة: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب،
وتقليم الأظفار، ونتف الإِبط، والاستحداد، وغسل البراجم، والانتضاح،
والاختتان" (1) هذا حديث معلول، ولما ذكره البيهقي في كتاب المعرفة قال:
هذا حديث ضعيف، ولم يبيّن سبب ذلك، وهو ما ذكره أبو داود حين خرجه
عن موسى بن إسماعيل، وداود بن شيب قالا: نا حماد عَن علي بن زيد عن
سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر عن عمار بن ياسر أن رسول الله/صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قال:"من الفطرة: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب،
وتقليم الأظفار، ونتف الإِبط، والاستحداد، وغسل البراجم، والانتضاح،
والاختتان"هذا حديث معلول، ولما ذكره البيهقي في كتاب المعرفة قال: هذا
حديث ضعيف ولم يبين سبب ذلك وهو ما ذكره أبو داود حين خرجه عن
(1) قوله:"هذا"غير واضحة"بالأصل"وكذا أثبتناه 0
الجزء 1 · صفحة 65
موسى بن إسماعيل، قال موسى: عن أبيه، وقال داود: عن عمار، فعلى قول
موسى يكون الحديث مرسلا (1) ؛ لأن أباه لم يذكر أحد أن له صحبة، وعلى
قول داود يكون منقطعا؛ لأن حديثه عن جدّه قال ابن معين: مرسل، وقال
البخاري: لا يعرف أنّه سمع منه، وقال عنه: لم يره ومع ذلك فحاله مجهولة
لا نعرف أحدا تعرض لذكرها، دان كان أبوه قد ذكره ابن حبان في كتاب
الثقات، وقد تابع داود حجاج بن منهال وابن عمر الضرير وهدية بن خالد
فيما ذكره الطبراني في المعجم الكبير، فهذا كما ترى متابع لحديث طلق،
ومنه ما ذكره أبو داود فيما رواه عنه ابن العَثد قال: روى نحوه عن ابن
عباس قال:"خمس كلها في الرأس، منها العزق". ولم يذكر إعفاء
اللحية، وعن إبراهيم النخعي نحوه ذكر إعفاء اللحية، والختان، ولفظ الطيالسي
عن حماد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:"الفطرة ... "فذكره وفي حديث يعلي بن
الأشدق عن عبد الله بن حراد- وهو مختلف في صحبته- قال عليه السلام:
"السواك من الفطرة" (2) وفي حديث ابن عباس المذكور عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
"أنّ جبريل أبطأ عنه، فذكر ذلك له فقال: كيف لا نبطئ عنكم وأنتم حولي
لا تستنون ولَا تقَلِّمون أظفاركم ولا تحفون من حواجبكم" (3) حدثنا شمر بن
هلال الصواف، نا جعفر بن سلمان عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك
قال:"وقّت لنا في قصّ الشارب، وحلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم
الأظافر، لا نترك أكثر من أربعن ليلة" (4) . حدثنا/جعفر بن أحَمد بن عمر،
نا عفان بن مسلم، نا حماد بن سلمة عن علي بن زيد مثله، هذا حديث
صحيح رواه مسلم عن يحيى بن يحيى وقتيبة كلاهما عن جعفر به، قال ابن
منده عند تخريجه إياه من حديث جعفر: وهذا حديث صحيح أخرجه
مسلم (5) ، وتركه البخاري من هذا الوجه، ورواه هشيم وغيره عن صدقة
(1) قلت: هذه فقرة كررها الشارح.
(2) قلت: هو طرف من حديث صحيح سابق لفظه:"الفطرة عشر.. ط ذكر منها السواك.
(3) صحيح. رواه أحمد في"مسنده: (1/243) .
(4) صحيح. رواه أبو داود (ح/4200) والبيهقي في"الكبرى" (1/150) .
(5) انظر: الحاشية السابقة.
الجزء 1 · صفحة 66
الدقيقي عن أبي عمران عن أنس قال:"وقت لنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قص
الشارب ... "الحديث، وقال: هذا حديث صحيح على رسم البخاري.
انتهى. وفيِما قاله نظر، وذلك أن صدقة بن موسى أبو المغيرة، ويقال: أبو
محمد السلمي الدقيقي البصري ليس من شرط البخاري في شيء وأتى ذلك
مع قول ابن معين: ليس بشيء وفي موضع آخر: ضعيف، وبنحوه قاله
النسائي، وقال ابن عدي: بعض أحاديثه مما يتابع عليه وبعضها مما لا يتابع
عليه وهو ضعيف، وقال ابن حبان: كان شيخا صالحَا إلَّا أنّ الحديث لم يكن
صناعته؛ فكان إذا روى قلب الأخبار فخرج عن حد الاحتجاج به، ولما خرّج
الترمذي حديثه هذا، خرج بعده حديث جعفر، وقال: هذا، أصح من الأول،
وهو في ذلك كما قيل حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا خراش، وبعض الشواهد
من بعض؛ لأن جعفر بن سلمان تكلّم فمِه غير واحد وإن كان مسلم قد خرج
حديثه منفردا به، منهم سليمان بن حرب وابن المديني وابن سعد وابن عدي
ويحيى بن سعيد وغيرهم، والله أعلم، ولما ذكره البزار من جهة جعفر قال:
لا نعلم أحدا مشهورا رواه عن أنس إلا الجوني، وصدقة ليس عندهم بالحافظ،
ولا نعلم رواه عن النبي- عليه السلام- إلَّا أنس بن مالك. الأصل في
الفطرة: الفطر، وهو المصدر مفتوح الفاء وهو الابتداء والاختراع، يقال: فطره
الله تعالى: أي ابدأه واخترعه، وكذلك افتطر فيما ذكره الزمخشري في
أساس البلاغة. قال ابن عباس: كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض،
حتى أتاني/إعرابيان مختصمان، فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها، وهي
لفظة يقال بالإِشراك على الفطرة والجبلة التي خلق الله تعالى الخلقَ عليها، وفي
الحديث:"كل مولود يولد على الفطرة" (1) قيل: على نوع من الجبلة
(1) صحيح. رواه البخاري (2/125) وا بو داود (ح/4714، 4716) والترمذي (ح/
2138) وا حمد في "المسند" (2/233، 275، 282، 393، 410، 481، 3/353)
والحميدي (1113) وتجريد (258) وحنيفة (6) وإتحاف (2/218، 7/233، 234، 8/
567) وابن كثير في"تفسيره (2/368، 3/386، 5/53، 6/321، 8/311، 400،
434، 449، 500) والقرطبي في"تفسيره" (5/395، 14/26، 18/133) وأبو نعيم في
"الحلية" (9/228) وأخبار أصفهان (2/226) والموطأ (241) .
الجزء 1 · صفحة 67
والطبع المنتهي لقبول الدين، فلو تُرك عليها لاستمر على لزومها وعلى معرفة
الله- تعالى- والإقرار به أي: يولد لما كان أقربه لما خرج من ظهر آدم.
حكى ذلك القزاز في تفسير غريب البخاري، وزعم أنّ الأول أولى
الوجوه فيها، وقال الخطابي: فسّره أكثر العلماء بالسنة، وقد جاء في صحيح
البخاري من حديث ابن عمر مرفوعا:"من السنة: قص الشارب، ونتف
الإِبط، وتقليم الأظفار " (1) وفي صحيح ابن حبان من حديث زيد بن أرقم
مرفوعا:"من السنة: قص الشارب؛ من لم يأخذ من شاربه فليس منا" (2)
وفسرها آخرون بالدين، منهم الماوردي، ويدلّ عليه وروده صريحا في بعض
الروايات، وأما إعفاء اللحية فهو توفيرها، قال الجوهري: عفا الشعر وأنتف
وغيرهما أكثر زاد ابن سيّده في المحكم وطال قال الجوهري، ومنه قوله حتى
إذا عفوا أي كثر، وعفوته وعفيته: لغتان، والعافي: الطويل الشعر، وفي كتاب
الأضداد لابن السكيت: عفا الشعر إذا وفا، وعفا إذا درس، قال الهروي: ومنه
قوله عليه السلام:"فعلى الدنيا العفا" (3) أي الدروس، كره لنا أن نعفها
كفعل بعض الأعاجم، وأما الأخذ من طولها وعرضها فحسن، وأما الأظفار،
فهو جمع ظفر مضموم الظاء والفاء، وبضم الظاء وإسكان الفاء وبكسر الظاء
وسكون الفاء وأظافير جمع أظفور لغة في الظفر، ورجل أظفر: طويل الأظفار
عريضها، وظفر الجديد الظفر. قاله في الأساس، والبراجم واحدها برجمة بضم
الباء وهي عقد الأصابع ومفاصِلها، وبه سميت البراجم من تميم وعبد
القيس،/وقال أبو عبيد: البراجم والرواجب جميعا: مفاصل الأصابع وألى ذلك
غيره؛ فقال: الرواجب هي ما بين العقد من داخل واحدها راجبة، والبراجم:
من ظهور الأصابع، والإِبط، باطن المنكب يذكر ويؤنث، والتذكير أعلا،
(1) صحيح. رواه الترمذي (ح/2761) والنسائي (1/15، 8/129) وأحمد في"المسند" (4/
366، 368) والطبراني في"الكبير" (5/208) وابن عدي في"الكامل" (6/2360) وإتحاف
السادة المتقين (2/411، 413) وشرح السنة (12/108) والمشكاة (4438) ومشكل (2/
138) والكنز (17242) والخفاء (2/430) والطبراني في"الصغير" (1/100) .
(2) انظر: الحاشية السابقة.
(3) /أقف إلا في' الإِتحاف: 8/160"بلفظ:"على الدنيا وأهلها منط المّمار".
الجزء 1 · صفحة 68
والجمع إباط، قال الجواليقي وبعض المتحذلقين يقوله بكسر الباء والصواب
سكونها. انتهى. يشهد لقائل ذلك فول الراجز مما أنشده الهذاز:
كان هوى في خوا إبطه ليس يمهل البروك فرشطه
وأما المبرد فزعم أن ذلك للاتباع كقول عبد مناف بن ربع الهذلي:
إذا تأوب نوح وأساء معه ضربا أليما بسبب بلعج الجلدا
والعانة: النابت من الشعر حول القبل، وقيل: نبت الشعر هناك، وتصغيرها
عوينة، وانتقاص الماء بقاف وصاد مهملة وفُسر بالاستنجاء ويؤيّده ورود ذلك
صريحا في الموقوف عن ابن عباس، والحديثان بيان واحد في تعداد خصال
الفطرة، والمعنى انقطاع البول بالماء عند الغسل. قاله أبو عبيد، وقيل: الماء
يذهب الماء وزعم ابن الأثير أنّ الصواب بفاءٍ وصاد مهملة، فالمراد نضحه
على الذكر من قولهم: ليصح الدّم الغليل نقصه وجمعها نقص والأول أعرف،
والختان: قال الأزهري: أصله انقطع ويطلق على قطع الغُلفَة من العتل تارة،
وعلى موضع القطع أخرى، والمراد: الأول، ويقال: فيه الختانة. قاله الجوهري
يقال: ختن " (1) الغلام والجارية يختنهما ويختنهما ختنا وختانا فيما قال أبو
زيد: وقال: الختن للرجال، والخفض للنساء، والختين المجنون والمجنونة، الذكر
والأنثى في ذلك سواء، وحكم ذلك يذكر في بابه إن شاء الله تعالى، وفي
قوله: إلا أن تكون المضمضة، قال عياض- رحمه الله- ولقبها اللسان، وهو
أولى لأنه في حديث أبي هريرة مذكور، واستضعف ذلك لوجهن، أحدهما:
أنّ خصال الفطرة لم ترد على جهة الحصر، ولهذا/أختلف تعدادها في
الأحاديث، وجاءت بصيغة التعديد بالنص على شيء منها في حديث الخمس
لا يدل على فرد معنى لسببه رواه من حديث العشر الثاني ما رجّح بعينه
بوروده في حديث أبي هريرة معارض بوروده في حديث أبيِ هريرة معارض
بورود ما تقدّم في حديث عمار وعبد الله بن عباس، ويرجّح ذلك لأمرين:
أحدهما: في حديث عمار وابن عباس مع حديث عائشة كالمتن الواحد من
جهة تعداد العشر، فما قصد في ضبطه بعض رواته بقرب إتمامه من ضبط
(1) كذا"بالأصل""حين"، والصحيح ما أثبتناه.
الجزء 1 · صفحة 69
الأخر؛ ولهذا أوردهما ابن ماجة في باب واحد، وكذلك غيره، الثاني:
المضمضة والاستنشاق قريبان؛ فورود المضمضة يقرب ورود الآخر، واختلف في
الناس لذلك؛ فعند وكيع عن زكريا أنه مصعب، كما في الكتاب، وقال
يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن أبيه أنه هو، وروى ذلك مسلم في
صحيحه، وقيل غير ذلك كما أسلفناه من صحيح ابن خزيمة.
الجزء 1 · صفحة 70
6- باب ما يقول إذا دخل الخلاء
حدثنا محمد بن بشار، نا محمد بن جعفر وعبد الرحمن بن مهدي، قالا:
حدثنا شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم، قال رسول الله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا دخل أحدكم فليقل اللهم إني أعوذ
بك من الخبث والخبائث" (1) حدثنا جميل بن الحسن العتكي، نا عبد
الأعلى بن عبد الأعلى، نا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ح، ونا هارون بن
إسحاق عبده عن سعيد عن قتادة عن القاسم بن عوف الشيباني عن زيد بن
أرقم أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال ... فذكر الحديث، هذا حديث أخرجه ابن
خزيمة في صحيحه (2) عن محمد بن بشار بن محمد بن عبد الأعلى، نا خالد
يعني ابن الحرث، نا شعبة، ونا يحمى بن حكيم، نا ابن أبي عون، نا شعبة، ونا
يحيى بن حكيم، نا أبو داود، نا شعبة، فذكره، وقال: هذا حديث بندار غير
أنّه/قال عن النّضر بن أنس وكذا قال يحيى بن حكيم في حديث ابن أبي
عدي عن النضر بن أنس، قال أبو عيسى في كتاب الجامع: في إسناده
اضطراب (3) فذكر ما تقدّم وزاد، وقال معمر عن النضر بن أنس عن أبيه، زاد
(1) صحيح. رواه أبو داود (ح/6) وابن ماجة (ح/296) وأحمد في"المسند" (4/369،
373) والبيهقي في"الكبرى" (1/96) والحاكم في"المستدرك" (1/187) وصححاه
والمشكاة (357) والطبراني في"الكبير" (5/232، 236) وإتحاف (2/339) وابن أبي شيبة
(1/11، 453) وابن حبان في"صحيحه" (126) وتلخيص (1/105) .
وصححه الشيخ الألباني. (الصحيحة: ح/1070) .
قوله:"الحشوش"واحد الحش وهي الكنف، وأصله جماعة النخل الكثيف وكانوا يقضون
حوائجهم إليها قبل اتخاذ الكنف في البيوت.
(2) رواه ابن خزيمة: (ح/99) .
(3) قلت: الحديث أشار إليه الترمذي (1/11) وأعلَه بقوله:"في إسناده اضطراب"، روى
هشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة، فقال سعيد: عن القاسم بن عوت الشيباني
عن زيد بن أرقم، وقال هشام الدستواثي: عن قتادة عن زيد بن أرقم، ورواه شعبة عن قتادة
عن النضر بن أنس عن أليه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قال الترمذي: سألت محمدا- يعني البخاري- عن هذا فقال: يحتمل أن يكون قتادة،
الجزء 1 · صفحة 71
البزار: وقال بسام بن مصل عن قتادة عن القاسم بن ربيعة بن زيد، قال:
وهذا الحديث قد اختلفوا في إسناده عن قتادة، وفي كتاب العلل للترمذي،
وسألت محمدَا عنه وقلت له: أي الروايات عندك أصح؟ فقال: لعلّ محمد
اتبع منها جميعَا عن زيد، ولم يقض في هذا الشيء، وفي قوله عن زيد إشارة
إلى عدم صحة حديث النضر عن أبيه، وقدّمنا ذلك مصرحَا به من كلام
الإِمام أحمد فيما ذكره البيهقي، وإنّ تعليل الحديث بالاضطراب على قتادة
ليس فيه، لاحتمال سماعه منهما كما قال البخاري، وهما تقيان فسواء كان
عنهما أو عن أحدهما، وإلى كونه صحيحَا عنهما قال أبو حاتم البستي: فرواه
في صحيحه من جهة عيسى بن يونس عن شعبة عن قتادة عن القاسم، وقال:
هذا الحديث مشهور عن شعبة وسعيد جميعَا مما تفرد به قتادة، نا عمر بن
محمد بن عبد الأعلى، نا خالد بن الحرث عن شعبة عن قتادة، سمعت
النضر بن أنس يحدث عن زيد ... فذكره، ورواه الحاكم (1) من جهة عمر بن
روق، نا شعبة عن قتادة عن النضَّر عن زيد بلفظ:"فإذا دخل أحدكم
الغائط فليقل أعوذ بالله من الرجس النجس الشيطان الرجيم" (2) ثم قال: قد
احتج مسلم بحديث لقتادة عن النضر عن زيد، واحتج البخاري بعمرو بن
مرزوق، وهذا الحديث مختلف فيه عن قتادة، ورواه شعبة عنه عن القاسم عن
زيد وكلا الإسنادين من شرط الصحيح ولم يخرجاه بهذا اللفظ، وزعم
الأشبل أنه اخَتلف في إسناده، قال: والذي أسنده ثقة؛ وفيما قاله نظر؛ لأن
روى عنهما جميعا.
وهذا الذي ذكره البخاري- رحمه الله- هو الذي نجزم به مطمئنين، قتادة رواه عن النضر بن
أنس، وعن القاسم بن عوف الشيباني، كلاهما عن زيد بن أرقم، وذلك لأنَ قتادة ثقة حافظ ثبت،
فمثله جائز أن يكون له في الحديث إسنادان فأكثر، فإذا كان الا مر كذلك فلا نرى إعلال الحديث
بأمر جائز الوقوع، بل هو واقع في كثير من الأحاديث، كما يشهد بذلك من له ممارسة بهذا الشأن.
(1) صحيح. رواه الحاكم: (1/187) من الوجهين عن شعبة وعن سعيد، ثم قال: كلا
الإِسناد من شرط الصحيح، ووافقه الذهبي.
(2) ضعيف. رواه ابن عدي في"الكامل" (5/1825/والميزان (5966) ترجمة: علي بن
يزيد الا لهاني الشامي. قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال أبو
زرعة: ليس بقوي، وقال الدارقطني: متروك.
الجزء 1 · صفحة 72
الحديث لم يرم بالإِرسال حتى يكون الحكم للثقة المسند، إنما رمي ما ذكرناه
آنفا والله أعلم. حدثنا محمد بن حميد، نا الحكم بن بشر بن سليمان خالد
الصَّفَّار عن الحكم البصري/عن أبي إسحاق عن أبي جحيفة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
"ستر ما بين الجن وعورات بني آدم: إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم
الله" (1) هذا حديث قال فيه أبو علي الطوسي: غريب ولا نعرفه إلَّا من هذا
الوجه، وقد روى في هذا الباب يعني التسمية عند دخول الخلاء حديث،
وليس إسناده بذاك وقال الترمذي: عندما خرج عن محمد بن (2) حميد غريب
لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده ليس بالقوي، ولا أدري ما الموجب
لذلك؛ لأن جميع من في إسناده غير مطعون عليه بوجه من الوجوه فيما
رأيت، بل لو قال فيه قائل إنّ إسناده صحيح لكان مصيبا، وبيان ذلك أنَّ
محمد بن حميد قال فيه يحيى: ليس به بأس كيس، وقال جعفر بن أبي
عثمان الطيالسي: ثقة، وسئل عنه الذهلي؟ فقال: ألا ترى أني هو ذا أحدث
عنه، وفيل الصنعاني. يحدّث عن ابن حميد فقال: وما لي لا أحدّث عنه،
وفد حدّث عنه الإمام أحمد وابن معين، وأما الحكم فروى عنه إبراهيم بن
موسى، وزرع ومحمد بن بهران الجمال، ويحيى بن أبي المغيرة، وعمرو بن
رافع، وأبنه عبد الرحمن بن الحكم، وقال أبو حاتم الرازي: هو صدوق، وأما
خالد الصَّفّار أبو مسلم الكوفي فروى عنه عمرو بن محمد وحسين الجعفي،
وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، والحكم بن عبد الله البصري حديثه في
صحيح مسلم، ووصف مع ذلك بالثقة. حدثنا عمرو بن نافع، نا إسماعيل بن
علية عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال:"كان رسول الله
(1) ضعيف. رواه ابن ماجة في:) كتاب الطهارة، ح/297) . قلت: وعلْته محمد بن
حميد. انظر: ضعيف ابن ماجة للشيخ الألباني"برقم"الحديث السابق. تجده قد صحّحه
بطريقة غاير فيها مغلطاي كما أشرت في مقدمة الكتاب. قلت: وقد رأيت تضعيف مغلطاي
أرجح من تصحيح الألباني لهذا الحديث.
(2) محمد بن حُميد الرازي الحافظ، عن يعقوب العمي وجرير وابن المبارك، ضعيف لا من
قبل الحفظ. قال يعقوب بن شيبة:"كثير المناكير". وقال البخاري:"فيه نظر". وقال أبو
زرعة:"يكذب". وقال النسائي:"ليس بثقة". وقال صالح جزرة:"ما رأيت أحذق
بالكذب منه، ومن ابن المسائط كوني". (المغني في الضعفاء: 2/573/5449) .
الجزء 1 · صفحة 73
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث "أخرجه
الجماعة (1) في كتبهم، وذكره البزار في مسنده من حديث إسماعيل (2) ، بن
مسلم عن الحسن وقتادة عن أنس أن النبي- عليه السلام- قال:"إذا دخل
أحدكم الخلاء فليفل"الحديث. وإسماعيل ضعيف، وفي كتاب أبي داود
من طريق ابن العبد: أنه حدّث عبد العزيز وقال وهب فيتعوذ بالله تعالى، وقال
فيه الترمذي: هو أصح شيء في هذا الباب/وأحسن، وفي كتاب الذخيرة
لابن طاهر بزيادة عن أنس:"كان عليه السلام إذا دخل الكنيف قال بسم
الله، ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك"فال: رواه أبو معشر نجيح، وهو ضعيف
عن أبي طلحة عنه، وفيهَ ردّ لما ذكره الإِمام أحمد بن حنبل ما سأله ههنا عن
هذا الحديث تعرفه عن أحد من غير وجه عبد العزيز؟ قال: لا، ويقال بعبد
العزيز بن صهيب فإنه ثقة ثبت بصري قال: نعم هو في كتاب الإِفراد لأبي
الحسن، رواه عدي بن أبي عمارة عن قتادة عن أنس، وهو غريب من حديث
قتادة تفرد به عدي عنه ورواه الطبراني في الأوسط من حديث صالح بن أبي
الأخضر عن الزهري عنه، وقال: لم يروه عن الزهري إلا صالح، تفرد به
إبراهيم بن حميد الطويل، حدثنا محمد بن يحيى بن أبي مريم، نا يحيى بن
أيوب عن عبيد الله بن زجر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة أن
رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللَّهم إني
أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث الشيطان الرجيم " (3) قال أبو الحسن
(1) صحيح. رواه البخاري (1/48، 8/88) وأبو داود (ح/4) والنسائي في (الطهارة،
باب"18" والترمذي (5/6) والبيهقي في الكبرى" (1/95) وإتحاف السادة المتقين (2/
339) وأبو عوانة في"صحيحه (1/216) والكنز (17877) وابن السني في عمل اليوم
والليلة (16، 24) . وصححه الشيخ الألباني. الإرواء (1/90) .
(2) له ترجمة في:"الضعفاء الكبير: 1/87.
(3) ضعيف. رواه ابن ماجة في: 1- كتاب الطهارة، باب"9"، (ح/299) .
في الزوائد: إسناده ضعيف. قال ابن حبان: إذا اجتمع في إسناد خبرٍ عبيدُ الله بن زَحْر
وعلي بن يزيد والقاسم، فذاك مما عملته أيديهم أ. هـ وكذا ضعفه الشيخ الألباني كما
"وجدناه"في"ضعيف سنن ابن ماجة"برقمه السّابق. (ح/59/299) . وانظر: الضعيفة (ح/
4189) ، وضعيف الجامع (ح/6354) .
الجزء 1 · صفحة 74
القطان: نا أبو حاتم، نا ابن أبي مريم، فذكره ولم يقل في حديثه:"الرجس
النجس"وإنّما قال:"من الخبيث المخنث الشيطان الرجيم"هذا الحديث إسناده
ضعيف لضعف روايته، وقد تقدم ذكره قريبا، وفي الباب حديث رواه أبو
عبد الرحمن عبد الله بن مسعود، نا به المسند شرف الدين المصري، نا الإِمام
بهاء الدين إجازة، الأمر به قراءة عليه، نا ابن خزيمة، نا النبهاني، نا إسماعيل
ابن نصر بن عبد الله بن محمد، وكان صاحب حديث، نا إسماعيل بن عبد
الجبار السكوني، نا أبو يوسف القاضي عن أبي إسحاق الشيباني عن أبي
الأحوص عن عبد الله أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا دخل الغائط قال: " أعوذ بالله
من الخبث والخبائث " (1) وأشار اليزيدي إلى حديث جابر، واعتل حديث أبي
أمامة هذا وحديث اليزيدي من عند ابن عدي في كامله، وضعفه بحسن بن
عمر، قال ابن سليمان الخطابي: الخبث بضم الباء: جماعة الخبث، والخبائث:
جمع الخبيثة يزيد ذكر أن الشياطين وإناثهم، وعامة أصحاب الحديث يقولون:/
الخبث مسكنة والصواب مضمومة الباء، وفيما قاله نظر؛ لأنّ الذي أنكره هو
الذي حكاه أبو عبيد بن سلام والداراني في كتاب ديوان الأدب، فلا إنكار
على المحدثين إذا والله أعلم، وأيضا ففعل- بضم الفاء والعين- تسكن عينه
قياسا، فلعل من سكنها سلك ذلك المسلك، وأمّا معناه فذكر ابن الأعرابي أنَّ
أصله في كلام العرب: المكروه، فإن كان من الكلام فهو ألستم، وإن كان من
الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو
الضار، قال ابن الأنباري: الخبث الكفر، والخبائث الشياطين، وقال غيره:
الخبث الشيطان، والخبائث المعاصي، وزاد بعض المتأخرين على ابن الأعرابي،
وقيل: الخبائث الأفعال المذمومة، والخصال الرديئة، وليس ذلك بزيادة لدخوله
في معنى كلامه، وقوله إذا دخل الخلاء، يريد به إذا أراد دخول الخلاء، كما
في صحيح البخاري وكقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} ويحتمل أن
(1) ضعيف. رواه ابن السني في"عمل اليوم والليلة" (17) والكنز (17875، 27220)
والخطب في"التاريخ" (4/262، 8/62) .
وضعفه الشيخ الألباني. (ضعيف الجامع: ص 637، ح/4392) 0 انظر: (الضعيفة: ح/
4189) .
الجزء 1 · صفحة 75
يراد به ابتداء الدخول، وينبني عليه من دخل ونسى التعوذ هل يتعوذ أم لا؟
كرهه ابن عباس وغيره، وأجازه جماعة منهم ابن عمر، أخذا بقول عائشة
رضى الله عنها- فالت: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يذكر الله على كل إجابة،
وقد نقل القولان عن مالك. هذا كله في الكنف المتخذة في البيوت لا في
الصحراء، وهو ظاهر في لفظة دخل والحش، والحش البستان والجمع حشان
نصف ونصفان، والحَشِّ والحُشِّ المخرج أيضا؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم
في البساتين، والجمع حشوش، والمحشة- بالفتح- الدبر، ونهى عن إتيان
النساء في محاشهن، وربما جاء بالسين من الصحاح وفي الجمهرة، ويسمى
أيضا الحاتش، قال الشاعر:
ثعلب أتل زل عن جلاجل أو مثمر من حاتش حلاحل
وفي المغيث: واحد الحشوش حش، ويجمع على حشان، كبطن وبطان،
فإذا استعمل في الكنيف فبالفتح لا غير، سمى للجمع فيه، وكل شيء جمعته
فقد حششته، وزعم الخطابي أنه يفتح ويضم كما تقدم من كلام الجوهري،
وكلامه على أبي موسى- والله أعلم- وهو صريح في الردة.
الجزء 1 · صفحة 76
7- باب ما يقول إذا خرج من المخرج
/حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا يحيى بن أبي بكر، نا إسرائيل، نا يوسف
ابن أبي بردة، سمعت أبي يقول: دخلت على عائشة فسمعتها تقول:"كان
رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول إذا خرج من الغائط: غفرانك" (1) ، قال أبو الحسن بن
سلمة: نا أبو حاتم، نا أبو غسان النهدي، نا إسرائيل نحوه، أخرجه
الترمذي (2) وقال: هذا حديث غريب حسن لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل
عن يوسف، ولا يعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
وفيما قاله نظر من وجوه، الأول: قوله: لا يعرف في هذا الباب إلا حديث
عائشة، إن أراد مطلق القول عند الخروج ففي الباب أحاديث عدّة؛ منها
حديث أنس الآتي في هذا الباب عند ابن ماجة، وحديث أبي ذر:"كان
عليه السلام إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب علي الأذى
وعافاني" (3) من عند النسائي، وذكر فيه خلاه وذكره أبو حاتم في كتاب
العلل وضعفه، وحديث ابن عمر يرفعه:"الحمد لله الذي أذاقني لذّته، وأبقى
فيّ قوته، وأذهب عني أذاه" (4)
وحديث طاوس من سنن الدارقطني (5) عن ابن عباس مرفوعا بلفظ:
(1) صحيح. رواه أبو داود (ح/30) وابن ماجة (ح/300) والبيهقي في"الكبرى" (1/97)
والكنز (17869، 17871، 27211) وابن أبي شيبة في"مصنفه " (1/2) وابن السني في
"عمل اليوم والليلة" (23) .
(2) راجع سنن الترمذي: 5- باب ما يقول إذا خرج من الخلاء، (ح/7) - من أبواب الطهارة.
(3) ضعيف. رواه ابن ماجة في: 1- كتاب الطهارة، 10- باب ما يقول إذا خرج من
الخلاء، (ح/301) .
قال محققه:"عن إسماعيل بن مسلم"في الزوائد: هو متفق على تضعيفه. والحديث بهذا
اللفظ غير ثابت أ. هـ وضعْفه الشيخ الألباني. انظر: ضعيف ابن ماجة (ح/60) والمشكاة
(374) والإرواء (53) .
(4) رواه الزبيدي في"إتحاف السادة المتقين" (2/340) والكنز (17877) وأذكار النووي (29) .
(5) رواه الدارقطني في"سننه" (1/57) والبيهقي في"الكبرى" (3/111) .
الجزء 1 · صفحة 77
"فليقل الحمد لله الذي أخرج عني ما يؤذيني، وأمسك علي ما ينفعني"،
وحديث سهل بن أبي خيثمة بنحوه ذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية، وإن
أراد قول غير فيتجه له قوله، الثاني: استقراء به إيَّاه من غير تصحيح، وإن
كانت الغرابة لا تنافي الصحة، ولذلك لم يلتفت ابن خزيمة إلى ذلك، بل
ذكره في صحيحه، وكذلك ابن حبان والحاكم، وخرجه ابن الجارود في
المنتقى، وقال أبو حاتم الرازي: هو أصح شيء في هذا الباب، وإن كانت هذه
اللفظة لا تعطي تصحيحا مطلقا، وتشعر بأن في الباب غيره، بخلاف ما قاله
الترمذي، الثالث: الجمعِ بين قوله: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث
إسرائيل، وبين قوله: لا يعرف في هذا الباب إلَّا حديث عائشة، فإنه أثبت له
غرابة السند بتفرد إسرائيل بمن قرنه وغرابة المتن بكونه لا يعرف غيره، ثم
وصفه بعد ذلك بالحسن/ولو لم تكن إلا الغرابة الراجعة إلى الإسناد لما
عارضت في ذلك، وأما أن لا يعرف في الباب إلَّا هو مع قوله في الَحسن أنه
يروي مثل ذلك الحديث أو نحوه من وجه آخر؛ فهذا الحديث قد يوهم منا
فالأحسن الذي وصفه به على شرطه، فيحتاج الجواب على ذلك فنقول: لا
يشترط في كل حسن أن يكون كذلك، بل الذي نحتاج فيه إلى أن نروي
نحوه من وجه أخر هو من كان راويه في درجة المستور، ومن لم تثبت عدالته
ولا ارتقى إلى أن يدخل في الصحيح مع متابعة روايته، فهناك يحتاج إلى
تقويته بالمتابعات والشواهد ليصل لمجموع ذلك إلى الدرجة، وأما هذا فقد كان
من شأنه أن يكون من الصحيح فإن إسرائيل المنفرد به متفق على إخراج حديثه
عند الشيخين، والثقة إذا انفرد بحديث ولم يتابع عليه الأثر ارتقى إلى درجة
الصحيح، حتى يكون مع الثقة في المرتبة العليا من الحفظ والإتقان، وإن لم
يتجاوز الثقة فحديثه هناك حسن، كما أن المستور مع التفرد لا يرتقي إلى
درجة الحسن؛ بل تفرده مردود، فكذلك هذا الحديث، لو وجد شاهد كما
وصف عند مرتبة الحسن وربما لم يقف عندها لما بينا من تصحيح من
صححه، أو يكون الترمذي لما شرط الحسن وتقويته بالمتابعات عرف بنوع منه
وهو أكثر وقوعا عنده لا بكل أنواعه، وهذا نوع آخر منه مستفاد من كلامه
وكلام الخليل والحاكم وغيرهم من الحفاظ؛ فعلى هذين القولين تسنى كلام
الجزء 1 · صفحة 78
الترمذي أو تكون الغرابة بالنسبة إلى الراوي لا إلى الحديث؛ إذ الغرابة والحسن
في المتن لا يجتمعان، وذكر بعض الحفاظ أن جمهور الروايات على لفظ
الخلاء بدلا من الغائط ولفظ الغائط تفرد بها هاشم بن القاسم عن إسرائيل،
وحديث ابن ماجة المذكور يقضي على قوله؛ لأن يحيى قال ذلك عنه بما
ينفي التفرد، والله أعلم. حدثنا هارون بن إسحاق، نا عبد الرحمن المجاري عن
إسماعيل بن مسلم عن الحسن وقتادة عن أنس بن مالك:/"كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني" (1) هذا
حديث ضعيف؛ لضعف رواية إسماعيل بن مسلم المخزومي المكي أبي ربيعة،
قال فيه سفيان: كان يخطئ في الحديث، وضعفه ابن المبارك، وقال فيه أحمد:
منكر الحديث، وقال يحيى بن سعيد القطان: لم يزل مختلطا، وليس بشيء،
كان يحدّث بالحديث على ثلاثة ضروب، وقال ابن المديني: ضعيف لا نكتب
حديثه، أجمع أصحابنا على ترك حديثه، وقال النسائي وابن الجنيد: متروك
الحديث، وقال الحربي: في حديثه شيء، وقال السعدي: واهي الحديث جدا،
وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث مختلط، وقال أبو زرعة: ضعيف، وقال
البخاري: تركه ابن المبارك، وربما روى عنه، وتركه يحيى وابن المهدي، وقال
الفلاس: كان يري القدر وهو ضعيف يحدث عن الحسن وقتادة بأحاديث
بواطيل، وهو متروك الحديث، وقد اجتمع أهل العلم على ترك حديثه، وإنّما
يحدّث عنه من لا يبصر الرجال، وقال يعقوب وابن معين: لا شيء، وقال ابن
عدي: أحاديثه غير محفوظة عن أهل الحجاز والكوفة والبصرة إلَّا أنه ممن
نكتب حديثه، وقال أبو الفرج ابن الجوزي: وحمله من يحيى في الحديث
إسماعيل بن مسلم خمسة، هذا أحدهم، والثاني أبو محمد العبدي سمع أبا
المتوكل والحسن، والثالث: مولى بنى مخزوم يروى عن ابن جبير، والرابع ابن
أبي الفداك دينار مولى بني الدبل، والخامس: مولى رفاعة الزرقي يروي عن
(1) ضعيف. رواه ابن ماجة في: 1- كتاب الطهارة، باب"10"، (ح/301) وعلته:
إسماعيل بن مسلم.
ضعفه الشيخ الألباني. انظر: ضعيف سنن ابن ماجة. (ح/60) والمشكاة (374) والإرواء
الجزء 1 · صفحة 79
محمد بن كعب، لم نعلم في أحد منهم طعنا إلَّا في الأول. انتهى كلامه،
وقد اغفل إسماعيل بن مسلم السكوني شامي، قال فيه الدارقطني يضع
الحديث، وإسماعيل بن مسلم اليشكري حدّث عن ابن عوف حديثا منكرا
ذكره العقيلي، وإنما ذكرت ذلك انتصارا لابن عدي؛ لأنه ذكر في كامله أنهم
ثلاثة، فزاد أبو الفرج اثنين، ولو تتبعنا ذلك حق التتبع لألفينا أكثر من ذلك
ولله الحمد، وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق سالمة من إسماعيل هذا،
ذكرها الحاكم في تاريخ بلده فقال: نا أبو جعفر محمد بن أحمد بن سعد أبو
بكر محمد بن ياسين: نا أبي: نا عبد السلام بن نهيك عن أبيه عن قرّة عن
الحسن عن أنس قال:"كان/النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا دخل الخلاء قال: بسم الله
اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبث الشيطان الرجيم، وإذا خرج
قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني (1) وأما الغفران، فمصدر
كالمغفرة قال الخطابي: نصبه بإضمار الطلب، وقيل في تأويل قوله ذلك
قولان:
الأول: أنه استغفر من تركه ذكر الله تعالى مدّة لبثه في الخلاء.
الثاني: قيل معناه التوبة من تقصيره في شكر النعمة التي أنعم الله بها عليه فأطعمه ثمٍ
هضمه، ويحتمل أن يكون فعله عليه السلام ذلك للتشريع والتعليم فحق من خرج سالما
معاذا مما استعاذ من الخبث والخبائث أن يؤدي شكر نعمة الله عليه في إعادته وإجابة
سؤاله، وأن يستغفر الله خوفا أن لا يؤدي شكر تلك النعمة، وهو قريب من حمد
العاطس على سلامته، ويحتمل أن يكون حاله التخلي لما كان محظورا فيها الذكر
والتوجه إلى الله- تعالى- حسن أن يكون الذكر والاستغفار أوّل ما يصدر منه عند
الخروج، كما كان أخر ما ختم به عند الدخول، كقول الشاعر:
وآخر شيء أنت أول هجعة وأول شيء أنت عند هبوبي
ونص جماعة من الفقهاء منهم أحمد على أنه ليس قول ذلك إذا خرج
المتخلي، وعند غيرهم من الآداب، والله- تعالى- أعلم.
(1) تقدم في أول الباب ص 76.
الجزء 1 · صفحة 80
8- باب ذكر الله على الخلاء
والخاتم في الخلاء
حدثنا سويد بن سعيد، نا يحيى بن زكريا عن أبي زائدة عن أبيه عن
خالد بن سلمة عن عبد الله البهي عن عروة عن عائشة:"أن رسول الله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يذكر الله على كل أحيانه" (1) رواه الترمذي عن أبي كريب
ومحمد بن عبيد، نا يحيى عن أبيه، وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من
حديث زائدة، وزعم بعض المتأخرين من العلماء أن في كلام الترمذي ما
يقتضي أن يحيى بن زكريا تفرد به عن أبيه، وليس كذلك؛ لأن إسحاق بن
يوسف الأزرق رواه عن زكريا أيضا، قال: ولكنه يتخلى شهر. انتهى كلامه،
وفيه نظر من حيث أن الترمذي لم يتبيّن أي بني زائدة تفرّد به./
ويحيى وأبوه يصدق على كل منهما ابن أبي زائدة؛ فيحتمل أن يكون
المعنى به عنده بالتفرد زكريا لا ابنه، ويحتمل الآخر، وإذا كان كذلك فليس
لنا أن نقول: أراد وأحلّ العينة إذ لم يبيّن هو نفسه ذلك، وإذا تطرق الاحتمال
سقط الاستدلال، وفي قول الترمذي حسن غريب، يريد بذلك تفرد به ابن
أبي زائدة، وكان ينبغي أن يكون على رأيه صحيحا لا حسنا؛ لأن تفرد أبي
زائدة لا نحطه عن درجة الصحيح؛ ولذلك لم يعتمده مسلم؛ بل خرجه في
صحيحه، وأيضا فرجاله عند الترمذي ممن يصح أحاديثهم دائما. حدثنا نصر بن
علي الجهضمي، نا أبو بكر الحنفي، نا همام بن يحيى عن ابن جريج عن
الزهري عن أنس بن مالك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"كان إذا دخل الخلاء وضع
(1) صحيح، متفق عليه. رواه الترمذي (ح/3384) والبخاري (1/83، 163) ومسلم في
(الحيض، باب"30"رقم"117") وأبو داود (ح/18) وابن ماجة (ح/302) وأحمد في
"المسند" (6/70، 153، 278) وإتحاف (6/287، 7/110) وكنز (17980) والسنة
للبغوي (2/44) والقرطبي في"تفسيره" (4/310) والمشكاة (456) وتغليق (172، 173)
ومعاني (1/88، 91) .
وصححه الشيخ الألباني. الإِرواء (2/244) والصحيحة (ح/406) .
الجزء 1 · صفحة 81
خاتمه" (1) هذا حديث اختلف في تصحيحه وتضعيفه، صححه أبو حاتم
البستي في صحيحه، والترمذي وقال: حسن صحيح غريب، والحاكم وقال:
صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، إنما أخرجا حديث نقش الخاتم فقط،
وزعم أبو عبد الرحمن النسائي أنه غير محفوظ، وقال أبو داود: هذا حديث
منكر وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس أن
النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه" (2) والوهم فيه من همام، ولم
يرق إلا همتكم زاد في التفرد، يخاف أن يكون هذا الحديث ليس بمحفوظ،
وفيه نظر من وجوه:
الأول: قوله هذا حديث منكر، وهو مردود بما أسلفناه.
الثاني: قوله لم يروه إلا همام مردود برواته يحيى بن المتوكل. ذكره
الحاكم عن علي بن حماد (3) ثنا عبيد بن عبد الواحد، ثنا يعقوب بن كعب
الأنطاكي، ثنا يحمى بن المتوكل البصري عن ابن جريج عن الزهري به، ورواه
أبو نعيم في تاريخ بلده من حديث عثمان بن أبي شيبة عن يحيى به، وقال
الحاكم، صحيح الإسناد وفيما قاله نظر، وذلك أن يحيى قال فيه:/أحمد
واهي الحديث، وقالَ يحيى: ليس بشيء، وقال مرة: ضعيف، وكذلك قال ابن
المديني وعمرو بن علي والرازي والنسائي، وقال ابن حبان: ينفرد بأشياء ليس
لها أصول من حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا يرتاب المنمعر في الصناعة أنها
معمولة، وأطن- والله أعلم- أن تضعيف يحيى هو الذي ألجأ البغوي إلى أن
قال فيه حين رواه في شرحه من جهة إسحاق بن الخليل عنه، هذا حديث
غريب، والبيهقي في فوله: هذا شاهد ضعيف.
(1) ضعيف. رواه أبو داود (ح/19) وابن ماجة (ح/303) والبيهقي في"الكبرى" (1/95)
والقرطبي (10/88) والكنز (17872) ، وضعفه الشيخ الألباني. (ضعيف الجامع: ص 636
ح/4389) 0 انظر: (الضعيفة: ح/4188) . وضعيف ابن ماجة (ح/61) وضعيف أبى
داود (ح/4) ومختصر الشمائل (ح/75) .
(2) انظر: رواية أبو داود في"الحاشية السابقة".
(3) قوله: "حَماد" وردت "بالأصل" "حمشاد" وهو تحريف، والصحيح ما أثبتناه
الجزء 1 · صفحة 82
الثالث: على صحة ما يقوله من تفرد بهمام يوهم ضعفا فيه، وليس
كذلك؛ لاحتجاج الشيخين به في صحيحيهما، ولقول يزيد بن هارون: كان
همام قويا في الحديث، وقول أحمد: همام ثبت في كلّ المشايخ، وقول ابن
معين وأبي حاتم وأبي سعد فيه: ثقة؛ فظهر مجموع ما تقدّم ترجيح قول من
صحّحه على من ضعفه وأن ضعفه، يشبه أنَّ يكون ذلك عنده لتفرّد همام،
وقد بينا ذلك في قول الترمذي: حسن يوضح كذا لا تفرد والله أعلم، أو
يكون ظنا منهما أن الحديثين اللذين أشار إليهما أبو داود أساسهما على همام،
وليس بثقة؛ لأن ذلك إنما يتأتى من سوء الحفظ وليس همام، كذلك لما بين
الحديثين من التباين، وفي مسند أنس بن مالك لأبي علي إسماعيل بن قراط
العذري: قالوا لابن جريج فقال: قال طارئ: إنما لبسَه يوما واحدا، والخاتم
فيه لغات: فتح التاء، وكسرها بالألف بعدها، ومن آخر الحروف قبلها عوضَا
عن الألف مع فتح الخاء، وختام وختم، وعلى هذا قول الأعشى وصهباء طاف
يهوديها وأبرزها وعليها ختم، قال الليلي: فأمّا الذي يختم به فبالكسر لا غير،
وجمعه خياتيم على إبدال الياء من الواو، والحديث أصل في استحباب رفع
ما فيه اسم الله تعالى عند الخلاء؛ لأن:"خاتمه عليه السلام كان نقشه؛
محمد رسول اللَّه " (1) وعلى ذلك ففيها الإِمصار، واختلفوا في الاستصحاب؛
فأباحه مالك وأحمد بشرط الستر إن كان خاتما فبإدارته قصد إلى الكف، وإن
كان درهما فبصيرة هذا الحديث/العذري هو نافع عن ابن عمر:"كان عليه
السلام يتختم في خنصره الأيمن فإذا دخل الخلاء جعل الكتاب مما يلي كفه،
وإن كان في اليسرى جعله في اليمنى" (2) وفد جاء ذلك مصرحا أيضا في
(1) صحيح. رواه ابن سعد في "الطبقات": (1/2/164، 165) ولفظه: "كأن نقش
خاتم رسول الله: محمد رسول الله". ورواه الترمذي في: 25- كتاب اللباس، باب"17"،
(ح/1747) . وقال:"حديث حسن صحيح غريب".
(2) صحيح. وبنحوه. رواه أبو داود (ح/4226) والترمذي (ح/1744) وابن ماجة (ح/
3647) والنسائي في (الزينة، باب"45") وأحمد في"المسند" (1/204، 205)
والطبراني في"الكبير" (8/291) والمجمع (5/153) وإتحاف (7/129) وابن أبي شيبة في
"مصنفه" (8/286) والمشكاة (4391، 4392) والشمائل (48) والفتح (10/326) وابن
سعد (1/2/166) وشرح السنة (12/67، 68) والكنز (17400، 17402)
الجزء 1 · صفحة 83
حديث رواه علي بن أبي طالب عند ابن طاهر، وقال فيه الجوزجاني: حديث
منكر، رفعت أيضا حديث ابن عمر وأبو حنيفة والشافعي قالا بكراهة
الاستصحاب تنزيها، والله أعلم.
وأخلاق (124، 125، 126، 129) وهامش المواهب (68، 69) والإِرواء (3/299،
301، 303) ، وكذا صححه الشيخ الألباني.
الجزء 1 · صفحة 84
كراهية البول في المغتسل
حدثنا محمد بن يحيى عبد الرزاق، نا معمر عن أشعب بن عبد الله عن
الحسن عن عبد الله بن مغفل، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لا يبولن أحدكم في
مستحمه، فإنّ عامة الوسواس منه" (1) هذا حديث صحيح خرجه أبو حاتم
البستي في صحيحه (2) بلفظ:"فإن عامة الوسواس تكون منه"وقال
البخاري في تاريخه الصغير: رواه- يعني الحديث- ابن المبارك عن أشعث بن
عبد الله ورواه بعضهم عن أشعث بن جابر. انتهى. وهو يقتضي التفرقة
بينهما وليس كذلك للتذكرة بعد، وقال الحاكم (3) : صحيح على شرط
الشيخين ولم يخرجاه وفيما قاله نظر؛ لأن أشعث بن عبد الله بن جابر أبو
عبد الله الأعمى الجداني البصري الأزدي الجملي لم يخرجا له شيئا في
صحيحيهما ولا أحدهما إلا البخاري تعليقا، وسبب ذلك: الاختلاف في
حاله فابن معين وابن حبان والنسائي وغيرهم يوثقونه، وقال العقيلي: في
حديثه وهم، ذكر البرقاني قلت لم يعن الدارقطني أشعث عن الحسن قال:
هم ثلاثة يحدثون جميعا عن الحسن: أحدهم الحمراني، منسوب إلى حمران
مولى عثمان، بصري ثقة، وأشعث بن عبد الله الجداني يعتبر به، يروى عن
الحسن، وأشعث بن سوار الكوفي، يعتبر به، وهو أضعفهم، وذكره ابن
الجارود في كتاب المنتفى، وأحمد بلفظ:"ثم يتوضأ فيه"وعلل برواية شعبة
عن قتادة عن ابن مغفل موقوفا:"البول في المغتسل يأخذ منه الوسواس"،
وفي لفظ: أنّ ابن مغفل سُئِلَ عن الرجل يبول في مغتسله فقال: يخاف منه
الوسواس؛/ولذلك قال بعض الحفاظ: الوقف أصح، وكذلك رواه يزيد بن
إبراهيم التستري عن قتادة عن الحسن عن ابن مغفل، أنه كان يكره البول في
(1، 2) صحيح. رواه ابن ماجة (304) وأبو داود (27) والنسائي (1/34) واحمد (5/
56) والبيهقي (1/98) وعبد الرزاق (978) والمشكاة (353) وإتحاف (2/338) وموضح
(1/240) والفتح (8/588) وابن حبان (1/274- 276) ولفظ ابن حبان:"لا يبولن
أحدكم في الماء الدائم"من حديث أبي هريرة.
(3) صحيح. رواه الحاكم في"المستدرك" (1/167، 185) وصححه.
الجزء 1 · صفحة 85
المغتسل، وقال: إنه منه الوسواس، وقال الإمام أحمد فيما حكاه عنه الخلال:
إنما يروى عن الحسن مرسلا، ويشبه أن يكوَن هذا مستند بن عيسى البُوْعي في
قوله: هذا حديث أشعث وليس ذلك بعلّة؛ لأن أشعث يحتمل رفعه الحديث،
تابعه عليه غيره خلافا له وللبخاري وأحمد في قولهما لا نعرف هذا الحديث
إلا من هذا الوجه، وهو ما رواه الحاكم، وزعم أنّه على شرطهما. عن أبي
بكر بن إسحاق أبو المثنى، نا محمد بن المنهال، نا يزيد بن زريع عن سعيد بن
أبي عروبة عن قتادة عن عقبة بن صهبان عن عبد الله بن مغفل قال:"نهى-
أو زجر- أن يبال في المغتسل" (1) وصيغة نهي أو زجر من الصحابي محمولة
على الرفع كما هو مقرر في هذا الفن، وما ذكره أبو القاسم الكبير في
معجمه بسند لا بأس به عن الحسين بن إسحاق القشيري عن سهل بن عثمان
عن عليّ بن هاشم أولى من النافي، ومن علم حجة على من لم يعلم، وأمّا
ما ذكره البيهقي من أن البخاري يروى أن أشعث هذا هو ابن جابر الجداني،
وقال معمر: أشعث بن عبد الله، قال: وقيل: هو أشعث بن عبد الله بن
جابر؛ فهذا اختلاف يدل على اضطراب الحفظ وعدم الضبط فكلام لا حاصل
تحته؛ لأن عبد الغني بن سعيد المصري قال: أشعث بن جابر الجدَّاني
البصري، وأشعث بن عبد الله البصري، وأشعث بن عبد الله بن جابر،
وأشعث الأعمى، والأشعث الأزدي، والأشعث الحميلي وأحد، وفي كلام
البيهقي المذكور آنفا أشعثان ببعض ذلك؛ فهو تارة ينسبه الراوي عنه إلى أبيه،
وتارة إلى جدّه، وتارة إلى لقبه، وتارة إلى قبيلته، وتارة إلى غير ذلك، وما
هذا سبيله فليس من الاضطراب في شيء، وأيضا فهذا اختلاف في نسبه ليس
في نفسه ولا حاله، ولو كان مثل ذلك صار لكان الذهلي وغيره أجدر بهذا،
وأيضا فقوله: فهذا الاختلاف يدل على اضطراب الحفظ، إن أراد حفظ الذين
سموه/بذلك فليس بشيء؛ لأن معمرا وابن المبارك لا يحسن فيهما هذا، وإن
أراد حفظه هو فليس بشيء أيضا لأنه هو لا يتهم في تسبب نفسه فلا يَنسبُّ
ذلك الاضطراب إليه، وسبب ذلك- والله أعلم- أنهم كانوا يحفظون ولا
(1) صحيح. رواه الحاكم في"المستدرك" (1/185) وصححاه. والبيهقي في"الكبرى (1/98) .
الجزء 1 · صفحة 86
يكتبون، فتارة ينشط الراوي بنسب شيخه، وتارة يقتصر على بعض نسبه، أو
يكون كثير الرواية عنه فيبدثه أو غير ذلك من الأغراض، ومثل ذلك لا يعد
اضطرابَا ولئن عددناه اضطرابَا؛ فبالنسبة إلى من أدَّى وأرَّخ لا إليه، والله أعلم،
وأمّا ما ذكره عبد الحق الأشبيلي من أنّ هذا الحديث أرسله الأشعث عن
الحسن ولم يسمعه منه ما ذكره العقيلي عن القطان قال: قيل للأشعث:
أسمعته من الحسن؟ قال: لا نوهم منه على العقيلي لم يقله، والذي فيه رواه
ابن المديني عن يحيى القطان عن الحسن بن ذكوان عن الحسن: قيل لابن
ذكوان: أسمعته من الحسن؟ قال: لا، قال العقيلي: لعله سمعه من الأشعث
عنه. وابن ذكوان لا مدخل له فيما نحن بصدده وأمّا ما ذكره أبو القاسم في
الأوسط من أنّه لم يروه عن الأشعث إلَّا معمر؛ فحبذا معمر وما رواه، وهذا
هو الذي سيّره عند الترمذي غريبَا، والله أعلم، وقد روى عن جماعة من
الصحابة نحوه، منهم عمران بن حصين وعائشة وابن مسعود وأبو بكرة ورجل
له صحبة وحديثه عند أبي داود إسناده صحيح، وإن كان قد جعله بعضهم ما
لا يقدح فيه، والله أعلم، وعبد الله بن سرجس، وحديثه عندنا عن النسوي
وابن عمر وحديثه في تاريخ الموصل وسيأتي في حديث ابن يزيد الجهني:
"نهى النبي أن يبال في الماء المجتمع المستنقع" (1) ذكره أبو موسى من حديث
بشر بن عمارة عن الأحوص بن حكيم عن الحرث بن زياد عنه، المستحم
المغتسل مشتق من الحميم وهو الماء المسخن لملازمة المغتسل له غالبَا، وحكى
الأزهري عن ابن الأعرابي إطلاق الحميم على البارد، فهو من الأضداد، وفي
الصحاح: الغسول الماء الذي يغتسل به وكذلك قال الله تعالى: {هذا
مغتسل بارد وشراب} (2) والمغتسل: المكان الذي يغتسل فيه، وهو المراد هنا
وعامة يعبر بها عن الجميع، وتستعمل في الأكثر توسعَا، والوسواس بالفتح،
(1) بنحوه. رواه أحمد في فالمسند" (2/288، 492، 532، 350الخطيب (4/252،
278، 9/193، 14/278) والعقيلي (1/242) ترجمة الحسن بن محمدالبلخي، قال
العقيلي: منكر الحديث، يروى الموضوعات والأحاديث المقلوبة عن الثقات، وكل أحاديثه
مناكير، الميزان (1/519) ، والمجروحين (1/238) . ولفظه:"نهى النبي- عليه السلام- أن
يبال في الماء الراكد"قلت: والحديث على هذا النحو ضعيف جدا.
(2) صورة ص: آية: 42.