الجزء 1 · صفحة 3
[مُقَدِّمَةُ الْمُؤَلِّفِ]
قَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ للَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ شَهَادَةً تَكُونُ لِلنَّجَاةِ وَسِيلَةً، وَلِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ كَفِيلَةً، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي بَعَثَهُ وَطُرُقُ (وَحَالُ) الْإِيمَانِ قَدْ عَفَتْ آثَارُهَا، وَخَبَتْ أَنْوَارُهَا، وَوَهَنَتْ أَرْكَانُهَا، وَجُهِلَ مَكَانُهَا، فَشَيَّدَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ مِنْ مَعَالِمِهَا مَا عَفَا، وَشَفَى مِنَ الْعَلِيلِ فِي تَأْيِيدِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ مَنْ كَانَ عَلَى شَفًا، وَأَوْضَحَ سَبِيلَ الْهِدَايَةِ، لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْلُكَهَا، وَأَظْهَرَ كُنُوزَ السَّعَادَةِ لِمَنْ قَصَدَ أَنْ يَمْلِكَهَا. أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ التَّمَسُّكَ بِهَدْيهِ لَا يَسْتَتِبُّ إِلَّا بِالِاقْتِفَاءِ لِمَا صَدَرَ مِنْ مِشْكَاتِهِ، وَالِاعْتِصَامُ بِحَبْلِ اللَّهِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِبَيَانِ كَشْفِهِ، وَكَانَ (كِتَابُ الْمَصَابِيحِ) ، الَّذِي صَنَّفَهُ الْإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ، قَامِعُ الْبِدْعَةِ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ الْفَرَّاءِ الْبَغَوِيُّ، رَفَعَ اللَّهُ دَرَجَتَهُ أَجْمَعَ كِتَابٍ صُنِّفَ فِي بَابِهِ، وَأَضْبَطَ لِشَوَارِدِ الْأَحَادِيثِ، وَأَوَابِدِهَا، وَلَمَّا سَلَكَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الِاخْتِصَارَ، وَحَذَفَ الْأَسَانِيدَ ; تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ النُّقَّادِ، وَإِنْ كَانَ نَقْلُهُ - وَإِنَّهُ مِنَ الثِّقَاتِ - كَالْإِسْنَادِ، لَكِنْ لَيْسَ مَا فِيهِ أَعْلَامٌ كَالْأَغْفَالِ، فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى، وَاسْتَوْفَقْتُ مِنْهُ فَأَوْدَعْتُ كُلَّ حَدِيثٍ مِنْهُ فِي مَقَرِّهِ فَأَعْلَمْتُ مَا أَغْفَلَهُ، كَمَا رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ الْمُتْقِنُونَ، وَالثِّقَاتُ الرَّاسِخُونَ مِثْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرَيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ الْأَصْبَحِيِّ. وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ الشَّيْبَانِيِّ، وَأَبِي عِيسَى بْنِ مُحَمَّدٍ التِّرْمِذِيِّ، وَأَبِي دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ النَّسَائِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ ابْنِ مَاجَهْ الْقَزْوِينِيِّ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيِّ، وَأَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِيِّ، وَأَبِي الْحَسَنِ رَزِينِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْعَبْدَرِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَلِيلٌ مَا هُوَ.
وَإِنِّي إِذَا نَسَبْتُ الْحَدِيثَ إِلَيْهِمْ كَأَنِّي أَسْنَدْتُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; لِأَنَّهُمْ قَدْ فَرَغُوا مِنْهُ، وَأَغْنَوْنَا عَنْهُ.
وَسَرَدْتُ الْكُتُبَ، وَالْأَبْوَابَ كَمَا سَرَدَهَا، وَاقْتَفَيْتُ أَثَرَهُ فِيهَا، وَقَسَّمْتُ كُلَّ بَابٍ غَالِبًا عَلَى فُصُولٍ ثَلَاثَةٍ: أَوَّلُهَا: مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا، وَاكْتَفَيْتُ بِهِمَا، وَإِنِ اشْتَرَكَ فِيهِ الْغَيْرُ ; لِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمَا فِي الرِّوَايَةِ.
وَثَانِيهَا: مَا أَوْرَدَهُ غَيْرُهُمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ. وَثَالِثُهَا: مَا اشْتَمَلَ عَلَى مَعْنَى الْبَابِ مِنْ مُلْحَقَاتٍ مُنَاسِبَةٍ مَعَ مُحَافَظَةٍ عَلَى الشَّرِيطَةِ، وَإِنْ كَانَ مَأْثُورًا عَنِ السَّلَفِ، وَالْخَلَفِ. ثُمَّ إِنَّكَ إِنْ فَقَدْتَ حَدِيثًا فِي بَابٍ، فَذَلِكَ عَنْ تَكْرِيرٍ أُسْقِطُهُ. وَإِنْ وَجَدْتَ آخَرَ بَعْضَهُ مَتْرُوكًا عَلَى اخْتِصَارِهِ، أَوْ مَضْمُومًا إِلَيْهِ تَمَامُهُ فَعَنْ دَاعِي اهْتِمَامٍ أَتْرُكُهُ، وَأُلْحِقُهُ. وَإِنْ عَثَرْتَ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي الْفَصْلَيْنِ مِنْ ذِكْرِ غَيْرِ الشَّيْخَيْنِ فِي الْأَوَّلِ، وَذِكْرِهِمَا فِي الثَّانِي فَاعْلَمْ أَنِّي بَعْدَ تَتَبُّعِي كِتَابَيْ: (الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ) لِلْحُمَيْدِيِّ، وَ (جَامِعَ الْأُصُولِ) اعْتَمَدْتُ عَلَى صَحِيحَيِ الشَّيْخَيْنِ، وَمَتْنَيْهِمَا.
وَإِنْ رَأَيْتَ اخْتِلَافًا فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ فَذَلِكَ مِنْ تَشَعُّبِ طُرُقِ الْأَحَادِيثِ، وَلَعَلِّي مَا اطَّلَعْتُ عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ الَّتِي سَلَكَهَا الشَّيْخُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَلِيلًا مَا تَجِدُ أَقُولُ: مَا وَجَدْتُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ، أَوْ وَجَدْتُ خِلَافَهَا فِيهَا.
فَإِذَا، وَقَفْتَ عَلَيْهِ فَانْسِبِ الْقُصُورَ إِلَيَّ لِقِلَّةِ الدِّرَايَةِ، لَا إِلَى جَنَابِ الشَّيْخِ رَفَعَ اللَّهُ قَدْرَهُ فِي الدَّارَيْنِ، حَاشَا لِلَّهِ مِنْ ذَلِكَ! . رَحِمَ اللَّهُ مَنْ إِذَا وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ نَبَّهَنَا عَلَيْهِ، وَأَرْشَدَنَا طَرِيقَ الصَّوَابِ. وَلَمْ آلُ جُهْدًا فِي التَّنْقِيرِ، وَالتَّفْتِيشِ بِقَدْرِ الْوُسْعِ وَالطَّاقَةِ، وَنَقَلْتُ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ كَمَا وَجَدْتُ. وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ غَرِيبٍ أَوْ ضَعِيفٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا بَيَّنْتُ وَجْهَهُ غَالِبًا. وَمَا لَمْ يُشِرْ إِلَيْهِ مِمَّا فِي الْأُصُولِ فَقَدْ قَفَّيْتُهُ فِي تَرْكِهِ، إِلَّا فِي مَوَاضِعَ لِغَرَضٍ، وَرُبَّمَا تَجِدُ مَوَاضِعَ مُهْمَلَةً، وَذَلِكَ حَيْثُ لَمْ أَطَّلِعْ عَلَى رَاوِيهِ فَتَرَكْتُ الْبَيَاضَ. فَإِنْ عَثَرْتَ عَلَيْهِ فَأَلْحِقْهُ بِهِ، أَحْسَنَ اللَّهُ جَزَاءَكُ. وَسَمَّيْتُ الْكِتَابَ بِـ (مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ) ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ، وَالْإِعَانَةَ، وَالْهِدَايَةَ، وَالصِّيَانَةَ، وَتَيْسِيرَ مَا أَقْصِدُهُ، وَأَنْ يَنْفَعَنِي فِي الْحَيَاةِ، وَبَعْدَ الْمَمَاتِ، وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُسْلِمَاتِ. حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.
اقْتِدَاءً بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَتَخَلُّقًا بِأَخْلَاقِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَاقْتِفَاءً لِلنَّبِيِّ الْكَرِيمِ، حَيْثُ قَالَ: " «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَبْتَرُ» " أَيْ: قَلِيلُ الْبَرَكَةِ، أَوْ مَعْدُومُهَا، وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنَ الْبَتْرِ، وَهُوَ الْقَطْعُ قَبْلَ التَّمَامِ وَالْكَمَالِ، وَالْمُرَادُ بِذِي الْبَالِ ذُو الشَّأْنِ فِي الْحَالِ، أَوِ الْمَآلِ، رَوَاهُ الْخَطِيبُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي (كِتَابِ الْجَامِعِ) وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ الْأَبْرَارُ فِي كِتَابَةِ الْبَسْمَلَةِ فِي أَوَّلِ كُتُبِ الْأَشْعَارِ، فَمَنَعَهُ الشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ، وَأَجَازَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَاخْتَارَهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ، وَالْأَحْسَنُ التَّفْصِيلُ بَلْ هُوَ الصَّحِيحُ، فَإِنَّ الشِّعْرَ حَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ، فَيُصَانُ إِيرَادُ الْبَسْمَلَةِ فِي الْهَجَوَيَّاتِ وَالْهَذَيَانِ وَمَدَائِحِ الظَّلَمَةِ وَنَحْوِهَا، كَمَا تُصَانُ فِي حَالِ أَكْلِ الْحَرَامِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَمَوَاضِعِ الْقَاذُورَاتِ وَحَالَةِ الْمُجَامَعَةِ وَأَمْثَالِهَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُكْتَبُ فِي أَوَّلِ كُتُبِ الْمَنْطِقِ عَلَى الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ مَسَائِلِهَا، وَكَذَا فِي الْقِصَصِ الْكَاذِبَةِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِا، وَالْكُلُّ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ: " ذِي بَالٍ " وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ، ثُمَّ إِنَّهُ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِلَفْظِ: " كُلُّ كَلَامٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ فِي (عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ) . وَبِلَفْظِ: " «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُمَا الِابْتِدَاءُ بِذِكْرِ اللَّهِ سَوَاءٌ يَكُونُ فِي ضِمْنِ الْبَسْمَلَةِ، أَوِ الْحَمْدَلَةِ ; بِدَلِيلِ أَنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الرَّهَاوِيُّ فِي (أَرْبَعِينِهِ) ، وَحَسَّنَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَلَفْظُهُ: " «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِذِكْرِ اللَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ» "، أَوْ يُحْمَلُ حَدِيثُ الْبَسْمَلَةِ عَلَى الِابْتِدَاءِ الْحَقِيقِيِّ بِحَيْثُ لَا يَسْبِقُهُ شَيْءٌ، وَحَدِيثُ الْحَمْدَلَةِ عَلَى الِابْتِدَاءِ الْإِضَافِيِّ، وَهُوَ مَا بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ، قِيلَ: وَلَمْ يُعْكَسْ لِأَنَّ حَدِيثَ الْبَسْمَلَةِ أَقْوَى فِي الْمِنْهَالِ بِكِتَابِ اللَّهِ الْوَارِدِ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ وَيَخْطُرُ بِالْبَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ. إِنَّ تَوْفِيقَ الِافْتِتَاحِ بِالْبَسْمَلَةِ لَمَّا كَانَ مِنَ النِّعَمِ الْجَزِيلَةِ نَاسَبَ أَنْ تَكُونَ الْحَمْدَلَةُ مُتَأَخِّرَةً عَنْهَا لِتَكُونَ مُتَضَمِّنَةً لِلشُّكْرِ عَلَى هَذِهِ الْمِنْحَةِ الْجَمِيلَةِ، هَذَا وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالِابْتِدَاءِ افْتِتَاحٌ عُرْفِيٌّ مُوَسَّعٌ مَمْدُودٌ يُطْلَقُ عَلَى مَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ كَمَا يُقَالُ: أَوَّلُ اللَّيْلِ وَأَوَّلُ النَّهَارِ وَأَوَّلُ الْوَقْتِ وَأَوَّلُ الدِّيَارِ، وَحِينَئِذٍ لَا يُرَدُّ عَلَى الْمُصَنَّفِ أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ: " «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَأْ فِيهِ بِذِكْرِ اللَّهِ ثُمَّ بِالصَّلَاةِ عَلَيَّ فَهُوَ أَقْطَعٌ مَمْحُوقٌ مِنْ كُلِّ بَرَكَةٍ» " أَخْرَجَهُ الرَّهَاوِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وَإِنْ قِيلَ بِضَعْفِهِ.
وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ» " عَلَى رِوَايَةِ ضَمِّ الْخَاءِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ صَنِيعِ التِّرْمِذِيِّ حَيْثُ أَوْرَدَهُ فِي (بَابِ خُطْبَةِ النِّكَاحِ) ، وَكَذَا يُفْهَمُ مِنَ اعْتِرَاضِ الشَّيْخِ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ عَلَى الْبُخَارِيِّ فِي تَرْكِهِ الشَّهَادَةَ أَوَّلَ كِتَابِهِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِعَدَمِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ، أَوْ بِأَنَّ رِوَايَتَهُ كَسْرُ الْخَاءِ لَا ضَمُّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الجزء 1 · صفحة 4
ثُمَّ الْبَاءُ جَاءَ لِأَرْبَعَةَ عَشَرَ مَعْنًى، وَالْمُنَاسِبُ هَاهُنَا مِنْهَا الْإِلْصَاقُ، وَالِاسْتِعَانَةُ، وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ وَأُخِّرَ عَلَى الْمُخْتَارِ تَحْقِيقًا لِحَقِيقَةِ الِابْتِدَاءِ، وَتَعْظِيمًا لِلِاسْمِ الْخَاصِّ عَنِ الِانْتِهَاءِ، وَإِفَادَةً لِلِاهْتِمَامِ، وَإِرَادَةً لِمَقَامِ الِاخْتِصَاصِ الَّذِي هُوَ الْمَرَامُ؛ وَرَدًّا لِدَأْبِ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ كَانُوا يَبْتَدِئُونَ بِالْأَصْنَامِ، وَيَفْتَتِحُونَ بِذِكْرِ اللَّهِ فِي بَعْضِ الْكَلَامِ.
لَكِنْ قَالَ الْعَارِفُ الْجَامِيُّ: حَقِيقَةُ الِابْتِدَاءِ بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ عِنْدَ الْعَارِفِينَ أَنْ لَا يُذْكَرَ بِاللِّسَانِ، وَلَا يَخْطُرَ بِالْجَنَانِ فِي الِابْتِدَاءِ غَيْرُ اسْمِهِ سُبْحَانَهُ لَا إِثْبَاتًا، وَلَا نَفْيًا، فَإِنَّ صُورَةَ نَفْيِ الْغَيْرِ مُلَاحَظَةٌ لِلْغَيْرِ فَهُوَ أَيْضًا مَلْحُوظٌ فِي الِابْتِدَاءِ، فَلَيْسَ الِابْتِدَاءُ مُخْتَصًّا بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَقْدِيرِ الْمَحْذُوفِ مُؤَخَّرًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ اسْمُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي التَّقْدِيرِ أَيْضًا مُقَدَّمًا كَمَا أَنَّهُ فِي الذِّكْرِ مُقَدَّمٌ اهـ.
وَالْمَعْنَى بِاسْمِ اللَّهِ أَبْدَأُ تَصْنِيفِي، أَوِ ابْتِدَائِي فِي جَمِيعِ أُمُورِي مُتَبَرِّكًا بِاسْمِهِ وَمُسْتَعِينًا بِرَسْمِهِ، وَالِاسْمُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي بُنِيَ أَوَائِلُهَا عَلَى السُّكُونِ، فَعِنْدَ الِابْتِدَاءِ بِهَا يَزِيدُونَ هَمْزَةَ الْوَصْلِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمَحْذُوفَةِ الْعَجُزِ كَيَدٍ وَدَمٍ ; بِدَلِيلِ تَصَارِيفِهِ مِنْ سَمَيْتُ وَنَحْوِهِ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ السُّمُوِّ، وَهُوَ الْعُلُوُّ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ تَنْوِيهٌ بِالْمُسَمَّى، وَرَفْعٌ لِقَدْرِهِ. وَعِنْدَ الْكُوفِيَّةِ أَصْلُهُ: وَسْمٌ: وَهُوَ الْعَلَامَةُ ; لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ دَالَّةٌ عَلَى الْمُسَمَّى فَحُذِفَ حَرْفُ الْعِلَّةِ تَخْفِيفًا، ثُمَّ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الْوَصْلِ، وَسَقَطَتْ كِتَابَتُهَا فِي الْبَسْمَلَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْجَلَالَةِ عَلَى خِلَافِ رَسْمِ الْخَطِّ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ الْكَتْبِيِّ وَطُوَّلَتِ الْبَاءُ دَلَالَةً عَلَيْهَا قَبْلَ ذِكْرِ الِاسْمِ فَرْقًا بَيْنَ الْيَمِينِ وَالتَّيَمُّنِ. وَقِيلَ الِاسْمُ صِلَةٌ، وَهُوَ إِنْ أُرِيدَ بِهِ اللَّفْظُ فَلَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ عَيْنُ الْمُسَمَّى، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ ذَاتُ الْحَقِّ، وَالْوُجُودُ الْمُطْلَقُ إِذَا اعْتُبِرَ مَعَ صِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ كَالرَّحْمَنِ مَثَلًا هُوَ الذَّاتُ الْإِلَهِيَّةُ مَعَ صِفَةِ الرَّحْمَةِ، وَالْقَهَّارِ مَعَ صِفَةِ الْقَهْرِ، فَهُوَ عَيْنُ الْمُسَمَّى بِحَسَبِ التَّحْقِيقِ وَالْوُجُودِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ بِحَسَبِ التَّعَقُّلِ، وَالْأَسْمَاءُ الْمَلْفُوظَةُ هِيَ أَسْمَاءُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ، وَالْإِضَافَةُ لَامِيَّةٌ، وَالْمُرَادُ بَعْضُ أَفْرَادِهِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا اللَّهُ، وَالرَّحْمَنُ، وَالرَّحِيمُ، أَوْ يُرَادُ بِهِ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ بِخُصُوصِهَا بِقَرِينَةِ التَّصْرِيحِ بِهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ، هَكَذَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: أَنَّ الِاسْمَ عَيْنُ الْمُسَمَّى، وَالتَّسْمِيَةِ، وَثَانِيهَا: - وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ الْجَهْمِيَّةِ، وَالْكَرَّامِيَّةِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ - غَيْرُهُمَا. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعِزُّ ابْنُ جَمَاعَةَ: هُوَ الْحَقُّ، وَثَالِثُهَا: عَيْنُ الْمُسَمَّى وَغَيْرُ التَّسْمِيَةِ، وَهُوَ الْمُصَحَّحُ عِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْقَائِلِ: وَلَيْسَ الِاسْمُ غَيْرَ الْمُسَمَّى، وَرَابِعُهَا: لَا عَيْنَ، وَلَا غَيْرَ. وَالثَّالِثُ هُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ، لَكِنْ فِي اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَعْنِي: كَلِمَةَ الْجَلَالَةِ خَاصَّةً ; لِأَنَّ مَدْلُولَ هَذَا الِاسْمِ الذَّاتُ مِنْ حَيْثُ هِيَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، كَالْعَالِمِ فَمَدْلُولُهُ الذَّاتُ بِاعْتِبَارِ الصِّفَةِ. وَقَدْ نَبَّهَ الْإِمَامَانِ، الرَّازِيُّ، وَالْآمِدِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا يَصْلُحُ مَحَلًّا لِنِزَاعِ الْعُلَمَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفَى التَّعَرُّفِ أَجْمَعُوا: أَنَّ الصِّفَاتِ لَيْسَتْ هِيَ هُوَ، وَلَا غَيْرُهُ وَأَجْمَعُوا أَنَّهَا لَا تَتَغَايَرُ، وَلَيْسَ عِلْمُهُ قُدْرَتَهُ، وَلَا غَيْرَ قُدْرَتِهِ، وَلَا قُدْرَتُهُ عِلْمَهُ، وَلَا غَيْرَ عِلْمِهِ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ صِفَاتِهِ مِنَ السَّمْعِ، وَالْبَصَرِ وَغَيْرِهِمَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَسْمَاءِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَسْمَاءُ اللَّهِ - تَعَالَى - لَيْسَتْ هِيَ اللَّهَ، وَلَا غَيْرَ اللَّهِ كَمَا قَالُوا فِي الصِّفَاتِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَسْمَاءُ اللَّهِ هِيَ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الجزء 1 · صفحة 5
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ تَحَيَّرَ الْعُلَمَاءُ فِي تَدْقِيقِ اسْمِ اللَّهِ كَمَا تَحَيَّرَ الْعُرَفَاءُ فِي تَحْقِيقِ مُسَمَّاهُ، سُبْحَانَ مَنْ تَحَيَّرَ فِي ذَاتِهِ سِوَاهُ! فَقِيلَ: إِنَّهُ عِبْرِيٌّ ; لِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ كَانُوا يَقُولُونَ: إِلَاهًا، فَحَذَفَتِ الْعَرَبُ الْأَلِفَ الْأَخِيرَةَ لِلتَّخْفِيفِ، كَمَا فَعَلُوا فِي النُّورِ، وَالرُّوحِ، وَالْيَوْمِ ; فَإِنَّهَا فِي اللُّغَةِ الْعِبْرَانِيَّةِ كَانَتْ نُورًا وَرُوحًا وَيَوْمًا، وَهَذَا وَجْهُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مُعَرَّبٌ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ عَرَبِيٌّ ; لِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ تَوَافُقِ اللُّغَتَيْنِ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ إِحْدَاهُمَا مُتَأَخِّرَةً عَنِ الْأُخْرَى مَأْخُوذَةً عَنْهَا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا: اسْمٌ هُوَ أَمْ صِفَةٌ مُشْتَقَّةٌ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، أَوْ غَيْرُ مُشْتَقٍّ؟ عَلَمٌ، أَوْ غَيْرُ عَلَمٍ؟ وَمَا أَصْلُهُ عَلَى تَقْدِيرِ اشْتِقَاقِهِ؟ ! وَمُخْتَارُ صَاحِبِ (الْكَشَّافِ) أَنَّهُ كَانَ فِي الْأَصْلِ اسْمَ جِنْسٍ، ثُمَّ صَارَ عَلَمًا وَأَنَّ أَصْلَهُ الْإِلَهُ وَأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ أَلَهَ بِمَعْنَى: تَحَيَّرَ فَاللَّهُ مُتَحَيَّرٌ فِيهِ ; لِأَنَّهُمْ لَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا.
وَحَكَى سِيبَوَيْهِ وَالْمُبَرِّدُ عَنِ الْخَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ: اسْمٌ خَاصٌّ عَلَمٌ لِلَّهِ غَيْرُ مُشْتَقٍّ مِنْ شَيْءٍ وَلَيْسَ بِصِفَةٍ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ جَامِعًا لِأَسْمَائِهِ وَنُعُوتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ أَلَهْتُ إِلَى فُلَانٍ إِذَا فَزَعْتَ إِلَيْهِ عِنْدَ الشَّدَائِدِ قَالَ:
أَلَهْتُ إِلَيْكُمْ فِي بَلَايَا تَنُوبُنِي ... فَأَلْفَيْتُكُمْ فِيهَا كَرِيمًا مُمَجَّدًا
فَإِنَّ الْخَلْقَ يَفْزَعُونَ إِلَيْهِ عِنْدَ الشَّدَائِدِ. أَوْ مِنْ أَنَّهُ الْفَصِيلُ، وَالْفَصِيلُ: وَلَدُ النَّاقَةِ إِذَا وَلِعَ بِأُمِّهِ ; لِأَنَّ الْعِبَادَ يُولَهُونَ بِهِ وَبِذِكْرِهِ. وَقِيلَ: مِنْ تَأَلَّهْتُ أَيْ: تَضَرَّعْتُ فَالْإِلَهُ هُوَ الَّذِي يُتَضَرَّعُ إِلَيْهِ.
وَقِيلَ: مِنْ قَوْلِهِمْ لَاهَ يَلُوهُ لَوْهًا وَلَاهًا إِذَا احْتَجَبَ وَارْتَفَعَ قَالَ:
لَاهَ رَبِّي عَنِ الْخَلَائِقِ طُرًّا ... فَهُوَ اللَّهُ لَا يُرَى وَيَرَى هُو.
وَقِيلَ: مِنْ أَلَهْتُ بِالْمَكَانِ إِذَا قُمْتَ بِهِ وَمَعْنَاهُ الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ عَنْ صِفَتِهِ كَمَا أَنَّ الْمُقِيمَ لَا يَتَحَوَّلُ عَنْ بُقْعَتِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَلَهْنَا بِدَارٍ لَا تَبِينُ رُسُومُهَا ... كَأَنَّ بَقَايَاهَا وِشَامٌ عَلَى الْأَيْدِي
وَقِيلَ: الْإِلَهُ أَصْلُهُ وِلَاهُ، فَهُوَ مِنَ الْوَلَهِ كَمَا قِيلَ فِي أُسَادَةٍ وَأُشَاحٍ وَأُجُوهٍ: وَسَادَةٌ وَوِشَاحٌ وَوُجُوهٌ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْعِبَادَ يُولَهُونَ عِنْدَ ذِكْرِ الْإِلَهِ أَيْ: يَطْرَبُونَ مِنْهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْكُمَيْتِ:
وَلِهَتْ نَفْسِيَ الطَّرُوبُ إِلَيْكُمْ ... وَلَهًا حَالَ دُونَ طَعْمِ الطَّعَامِ
وَقِيلَ: الْوَلَهُ: الْمَحَبَّةُ الشَّدِيدَةُ. وَقِيلَ: مُشْتَقٌّ مِنْ أَنَّهُ بِمَعْنَى عَبْدٍ، فَالْإِلَهُ: فِعَالٌ بِمَعْنَى الْمَعْبُودِ كَالْكِتَابِ بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَيَذَرُكَ وَإِلَاهَتَكَ) أَيْ: عِبَادَتَكَ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: الْأَصْلُ فِي قَوْلِنَا: اللَّهُ إِلَهٌ فَلَمَّا حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ عُوِّضَتْ فِي أَوَّلِهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ، ثُمَّ عِوَضًا لَازِمًا فَقِيلَ: اللَّهُ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: الْأَصْلُ فِي لَاهَ لَوِهَ عَلَى وَزْنِ دَوِرَ فَقَلَبُوا الْوَاوَ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا فَصَارَ: لَاهَ - عَلَى وَزْنِ دَارَ - ثُمَّ أَدْخَلُوا عَلَيْهِ لَامَ التَّعْرِيفِ.
وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ الرَّازِيُّ: الْأَصْلُ فِي اللَّهِ هُوَ الْإِلَهُ خُفِّفَتِ الْهَمْزَةُ بِإِلْقَاءِ حَرَكَتِهَا عَلَى اللَّامِ السَّاكِنَةِ قَبْلَهَا، وَحُذِفَتْ فَصَارَتْ: اللَّاهَ، ثُمَّ أُجْرِيَتِ الْحَرَكَةُ الْعَارِضَةُ مَجْرَى الْأَصْلِيَّةِ، وَأُدْغِمَتِ اللَّامُ الْأُولَى فِي الثَّانِيَةِ، قِيلَ: هَاهُنَا إِشْكَالٌ صَرْفِيٌّ، وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ إِلَى مَا قَبْلَهَا أَوَّلًا عَلَى مَا هُوَ الْقِيَاسُ، ثُمَّ حُذِفَتْ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُ الْإِدْغَامِ غَيْرَ قِيَاسِيٍّ، لِمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ مِنْ أَنَّ الْمِثْلَيْنِ الْمُتَحَرِّكَيْنِ لَا يَجِبُ فِيهِمَا الْإِدْغَامُ إِذَا كَانَا مِنْ كَلِمَتَيْنِ نَحْوَ: مَا سَلَكَكُمْ، وَمَنَاسِكَكُمْ، وَإِنْ حُذِفَتِ الْهَمْزَةُ مَعَ حَرَكَتِهَا فَيَلْزَمُ مُخَالَفَةُ الْقِيَاسِ فِي تَخْفِيفِهَا، وَإِنْ كَانَ لُزُومُ الْإِدْغَامِ عَلَى الْقِيَاسِ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: هَذَا الِاسْمُ خَارِجٌ عَنْ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ كَمَا أَنَّ مُسَمَّاهُ خَارِجٌ عَنْ دَائِرَةِ قِيَاسِ النَّاسِ، وَأُجِيبَ بِاخْتِيَارِ الْأَوَّلِ، وَمَنْعِ كَوْنِ الْإِدْغَامِ فِي كَلِمَتَيْنِ بِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ اللَّامَ عِوَضًا عَنِ الْهَمْزَةِ وَصَارَ بِمَنْزِلَتِهَا، صَارَ كَأَنَّهُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُ الْإِدْغَامِ بَعْدَ الْعَلَمِيَّةِ فَيَكُونُ الِاجْتِمَاعُ فِي
الجزء 1 · صفحة 6
كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ قَطْعًا، قَلْتُ: التَّحْقِيقُ أَنَّهُ كَمَا أَنَّ النَّقْلَ فِيهِ قِيَاسٌ غَيْرُ مُطَّرِدٍ فَكَذَلِكَ الْإِدْغَامُ فِي كَلِمَتَيْنِ، وَيَكْفِي جَوَازُهُ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى وُجُوبِهِ، مَعَ أَنَّ الْإِدْغَامَ فِي كَلِمَتَيْنِ اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْقُرَّاءُ فِي قَوْلِهِ: {لَا تَأْمَنَّا} [يوسف: 11] . وَالْحَقُّ أَنَّهُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي} [الكهف: 38] فَإِنَّ الْأَصْلَ: لَكِنْ أَنَا، فَحَوَّلُوا الْفَتْحَةَ إِلَى مَا قَبْلَهَا مِنَ النُّونِ فَاجْتَمَعَتْ نُونَانِ مُتَحَرِّكَتَانِ، فَأَسْكَنُوا الْأُولَى وَأَدْغَمُوهَا فِي الثَّانِيَةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَحْكِيٌّ عَنِ الْفَرَّاءِ. وَقِيلَ: الْأَصْلُ فِيهِ هَاءُ الْكِنَايَةِ عَنِ الْغَائِبِ ; وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا مَوْجُودًا فِي نَظَرِ عُقُولِهِمْ وَأَشَارُوا إِلَيْهِ بِحَرْفِ الْكِنَايَةِ، ثُمَّ زَادُوا فِيهِ لَامَ الْمِلْكِ ; لَمَّا عَلِمُوا أَنَّهُ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ وَمَالِكُهَا فَصَارَ (لَهُ) ، ثُمَّ قَصَرُوا الْهَاءَ وَأَشْبَعُوا فَتْحَةَ اللَّامِ فَصَارَ: (لَاهُ) ، وَخَرَجَ عَنْ مَعْنَى الْإِضَافَةِ إِلَى الِاسْمِ الْمُفْرَدِ ; فَزِيدَتْ فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلتَّعْرِيفِ تَعْظِيمًا وَفَخَّمُوهُ تَأْكِيدًا لِهَذَا الْمَعْنَى، فَصَارَ (اللَّهُ) كَمَا تَرَى، وَهَذَا أَقْرَبُ بِإِشَارَاتِ الصُّوفِيَّةِ مِنْ تَحْقِيقِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَقِيلَ: لَيْسَ هُوَ بِمُشْتَقٍّ بَلْ هُوَ عَلَمٌ ابْتِدَاءً لِذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ، وَيُلَائِمُ هَذَا الْمَذْهَبَ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْعَارِفِينَ مِنْ أَنَّهُ اسْمٌ لِلذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، لَا بِاعْتِبَارِ اتِّصَافِهَا بِالصِّفَاتِ، وَلَا بِاعْتِبَارِ لَا اتِّصَافِهَا بِهَا، وَلِذَا قَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّهُ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ. قَالَ الْقُطْبُ الرَّبَّانِيُّ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ الْجِيلَانِيُّ: الِاسْمُ الْأَعْظَمُ هُوَ اللَّهُ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُ، وَلَيْسَ فِي قَلْبِكَ سِوَاهُ، وَقَدْ خُصَّ هَذَا الِاسْمُ بِخَوَاصَّ لَا تُوْجَدُ فِي غَيْرِهِ كَمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ مِنْهَا: أَنَّهُ تُنْسَبُ سَائِرُ الْأَسْمَاءِ إِلَيْهِ، وَلَا يُنْسَبُ هُوَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا، وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَمْ يُسَمَّ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَسْمَاءِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ حَذَفُوا لَفْظَةَ يَاءٍ مِنْ أَوَّلِهِ وَزَادُوا مِيمًا فِي آخِرِهِ فَقَالُوا: اللَّهُمَّ، وَلَمْ يُفْعَلْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ أَلْزَمُوهُ الْأَلِفَ وَاللَّامَ عِوَضًا لَازِمًا عَنْ هَمْزَتِهِ، وَلَمْ يُفْعَلْ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا أَللَّهُ فَقَطَعُوا هَمْزَتَهُ. وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ جَمَعُوا بَيْنَ يَا الَّتِي لِلنِّدَاءِ وَبَيْنَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ وَلَمْ يُفْعَلْ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ حَالَ سِعَةِ الْكَلَامِ. وَمِنْهَا: تَخْصِيصُهُمْ إِيَّاهُ فِي الْقَسَمِ بِإِدْخَالِ (التَّاءِ وَايْمُنُ وَايْمُ) فِي قَوْلِهِمْ: تَاللَّهِ، وَايْمُنُ اللَّهِ، وَايْمُ اللَّهِ.
وَمِنْهَا: تَفْخِيمُ لَامِهِ إِذَا انْفَتْحَ مَا قَبْلَهُ، أَوِ انْضَمَّ ; سُنَّةً وَرِثَتْهَا الْعَرَبُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ وَتَوَاتَرَ النَّقْلُ عَنِ الْقُرَّاءِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَذْفُ أَلِفِهِ لَحْنٌ تَفْسُدُ بِهِ الصَّلَاةُ.
وَ (الرَّحْمَنُ) : فَعْلَانُ، مِنْ رَحِمَ كَغَضْبَانَ مِنْ غَضِبَ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ بِجَعْلِ الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي لَازِمًا، فَيُنْقَلُ إِلَى فَعُلَ بِضَمِّ الْعَيْنِ فَيُشْتَقُّ مِنْهُ الصِّفَةُ الْمُشَبَّهَةُ. وَأَمَّا (الرَّحِيمُ) : فَإِنْ جُعِلَ صِيغَةَ مُبَالَغَةٍ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ: هُوَ رَحِيمٌ فَلَا إِشْكَالَ، وَإِنْ جُعِلَ مِنَ الصِّفَاتِ الْمُشَبَّهَةِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُ (الْكَشَّافِ) فَالْوَجْهُ مَا ذُكِرَ فِي الرَّحْمَنِ ثُمَّ فِي الرَّحْمَنِ زِيَادَةُ مُبَالَغَةٍ مِنَ الرَّحِيمِ ; لِأَنَّ زِيَادَةَ الْمَبْنَى تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى، وَهِيَ إِمَّا بِحَسَبِ شُمُولِهِ لِلدَّارَيْنِ وَاخْتِصَاصِ الرَّحِيمِ بِالدُّنْيَا كَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ: ( «يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمَ الدُّنْيَا» ) ، وَإِمَّا بِحَسَبِ كَثْرَةِ أَفْرَادِ الْمَرْحُومِينَ وَقِلَّتِهَا كَمَا وَرَدَ: ( «يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَرَحِيمَ الْآخِرَةِ» ) وَإِمَّا بِحَسَبِ جَلَالَةِ النِّعَمِ وَدِقَّتِهَا. وَبِالْجُمْلَةِ: فَفِي الرَّحْمَنِ مُبَالَغَةٌ فِي مَعْنَى الرَّحْمَةِ لَيْسَتْ فِي الرَّحِيمِ فَيُقْصَدُ بِهِ رَحْمَةٌ زَائِدَةٌ بِوَجْهٍ مَا، فَلَا يُنَافِي مَا يُرْوَى عَنْ قَوْلِهِمْ: ( «يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا» ) لِجَوَازِ حَمْلِهِمَا عَلَى الْجَلَائِلِ وَالدَّقَائِقِ. وَقِيلَ: رَحْمَةُ الرَّحْمَنِ تَتَعَلَّقُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ فِي الدُّنْيَا وَرَحْمَةُ الرَّحِيمِ تَخْتَصُّ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي الْعُقْبَى، وَلَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ الرَّحْمَنِ عَلَى غَيْرِهِ تَعَالَى بِخِلَافِ الرَّحِيمِ، قَالَ تَعَالَى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] وَلِذَا قِيلَ: الرَّحْمَنُ: خَاصُّ اللَّفْظِ عَامُّ الْمَعْنَى، وَالرَّحِيمُ: عَامُّ اللَّفْظِ خَاصُّ الْمَعْنَى، ثُمَّ الرَّحْمَةُ فِي اللُّغَةِ: رِقَّةُ الْقَلْبِ وَانْعِطَافٌ يَقْتَضِي التَّفَضُّلَ وَالْإِحْسَانَ، وَهِيَ مِنَ الْكَيْفِيَّاتِ التَّابِعَةِ لِلْمِزَاجِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْهَا، فَإِطْلَاقُهَا عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْغَايَاتِ الَّتِي هِيَ أَفْعَالٌ دُونَ الْمَبَادِئِ الَّتِي هِيَ مِنَ الِانْفِعَالَاتِ، فَهِيَ
الجزء 1 · صفحة 7
عِبَارَةٌ عَنِ الْإِنْعَامِ فَتَكُونُ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ، أَوْ عَنْ إِرَادَةِ الْإِحْسَانِ فَتَكُونُ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسَبَّبٌ عَنْ رِقَّةِ الْقَلْبِ وَالِانْعِطَافِ ; فَتَكُونُ مَجَازًا مُرْسَلًا مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ، وَقُدِّمَ الرَّحْمَنُ عَلَى الرَّحِيمِ مَعَ أَنَّ الْقِيَاسَ التَّرَقِّي فِي الصِّفَاتِ مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرَّحِيمَ كَالتَّتِمَّةِ وَالرَّدِيفِ لِلرَّحْمَنِ، أَوْ لِزِيَادَةِ شَبَهِهِ بِاللَّهِ حَيْثُ اخْتَصَّ بِهِ سُبْحَانَهُ حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ عَلَمٌ لَهُ، أَوْ لِتَقَدُّمِ رَحْمَةِ الدُّنْيَا، وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ مِنْ صِفَاتِ الْجَمَالِ وَعَدَمِ ذِكْرِ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْجَلَالِ إِشْعَارٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: " «غَلَبَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» " وَفِي الْخَتْمِ بِالرَّحِيمِ إِيمَاءٌ بِحُسْنِ خَاتِمَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ بَعْدَ حُصُولِ رَحْمَتِهِ لِعُمُومِ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ.
(الْحَمْدُ لِلَّهِ) : قِيلَ: الْحَمْدُ، وَالْمَدْحُ، وَالشُّكْرُ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ، وَالْمُحَقِّقُونَ بَيْنَهَا يُفَرِّقُونَ وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْحَمْدَ هُوَ الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى الْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِيِّ مِنْ نِعْمَةٍ وَغَيْرِهَا، وَالْمَدْحُ يَعُمُّ الِاخْتِيَارِيَّ وَغَيْرَهُ، وَلِذَا يُقَالُ: مَدَحْتُهُ عَلَى حُسْنِهِ، وَلَا يُقَالُ: حَمِدْتُهُ عَلَيْهِ، وَالشُّكْرُ فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ بِمُقَابَلَةِ النِّعْمَةِ سَوَاءٌ يَكُونُ بِاللِّسَانِ، أَوِ الْجَنَانِ، أَوِ الْأَرْكَانِ، فَمَوْرِدُ الْحَمْدِ خَاصٌّ وَمُتَعَلِّقُهُ عَامٌّ، وَالشُّكْرُ بِخِلَافِهِ، وَحَقِيقَةُ الشُّكْرِ مَا رُوِيَ عَنِ الْجُنَيْدِ أَنَّهُ صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ إِلَى مَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ، وَرَفْعُهُ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ للَّهِ، وَأَصْلُهُ النَّصْبُ وَقُرِئَ بِهِ، وَإِنَّمَا عُدِلَ بِهِ إِلَى الرَّفْعِ دَلَالَةً عَلَى الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ، وَقُرِئَ بِإِتْبَاعِ الدَّالِّ اللَّامَ وَبِالْعَكْسِ تَنْزِيلًا لَهُمَا لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِمَا مَعًا مَنْزِلَةَ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ الْجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إِنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى ; لِتَسْمِيَةِ قَائِلِهَا بِهَا حَامِدًا وَلَوْ كَانَتْ خَبَرِيَّةً مَعْنًى لَمْ يُسَمَّ إِلَّا مُخْبِرًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُشْتَقُّ لِلْمُخْبِرِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ إِذْ لَا يُقَالُ لِمَنْ قَالَ: الضَّرْبُ مُؤْلِمٌ: ضَارِبٌ، فَإِنْ قِيلَ: جَازَ أَنْ يُعَدَّ الشَّرْعُ الْمُخْبِرُ بِثُبُوتِ الْحَمْدِ لَهُ تَعَالَى حَامِدًا أُجِيبَ: فَإِنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. وَاللَّامُ لِلِاسْتِغْرَاقِ أَيْ: كُلُّ حَمْدٍ صَدَرَ مِنْ كُلِّ حَامِدٍ، فَهُوَ ثَابِتٌ لِلَّهِ، أَوْ لِلْجِنْسِ، وَيُسْتَفَادُ الْعُمُومُ مِنْ لَامِ الِاخْتِصَاصِ. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ: فَجَمِيعُ أَفْرَادِ الْحَمْدِ مُخْتَصٌّ لَهُ تَعَالَى حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ قَدْ يُوجَدُ بَعْضُهَا لِغَيْرِهِ صُورَةً، أَوِ الْحَمْدُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ، أَوِ الْمَفْعُولِ أَيْ: الْحَامِدَيَّةُ، وَالْمَحْمُودِيَّةُ ثَابِتَانِ لَهُ تَعَالَى، فَهُوَ الْحَامِدُ، وَهُوَ الْمَحْمُودُ، أَوْ لِلْعَهْدِ فَإِنَّ حَمْدَهُ لَائِقٌ لَهُ، وَلِذَا أَظْهَرَ الْعَجْزَ أَحْمَدُ الْخَلْقِ عَنْ حَمْدِهِ وَقَالَ: ( «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» ) .
(نَحْمَدُهُ) : اسْتِئْنَافٌ فَأَوَّلًا: أَثْبَتَ الْحَمْدَ لَهُ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الثُّبُوتِ وَالدَّوَامِ، سَوَاءٌ حَمِدَ، أَوْ لَمْ يَحْمَدْ، فَهُوَ إِخْبَارٌ مُتَضَمِّنٌ لِلْإِنْشَاءِ. وَثَانِيًا: أَخْبَرَ عَنْ حَمْدِهِ وَحَمْدِ غَيْرِهِ مَعَهُ بِالْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ الَّتِي لِلتَّجَدُّدِ وَالْحُدُوثِ بِحَسَبِ تَجَدُّدِ النَّعْمَاءِ وَتَعَدُّدِ الْآلَاءِ وَحُدُوثِهَا فِي الْآنَاءِ، أَوِ الْمُرَادُ نَشْكُرُهُ إِمَّا مُطْلَقًا، أَوْ عَلَى تَوْفِيقِ الْحَمْدِ سَابِقًا. (وَنَسْتَعِينُهُ) أَيْ: فِي الْحَمْدِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، أَوِ الْأُخْرَوِيَّةِ، فَيَكُونُ تَبَرِّيًا مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ النَّفْسِيَّةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى رَدِّ الْقَدَرِيَّةِ كَمَا أَنَّ فِيمَا قَبْلَهُ رَدًّا عَلَى الْجَبْرِيَّةِ، وَلَمْ يَقُلْ: وَإِيَّاهُ نَسْتَعِينُ ; لِأَنَّ مَقَامَ الِاخْتِصَاصِ لَا يُدْرِكُهُ إِلَّا الْخَوَاصُّ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ دِينَارٍ: لَوْلَا وُجُوبُ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ لَمَا قَرَأْتُهَا لِعَدَمِ صِدْقِي فِيهَا.
(وَنَسْتَغْفِرُهُ) أَيْ: مِنَ السَّيِّئَاتِ، وَالتَّقْصِيرَاتِ وَلَوْ فِي الْحَمْدِ وَالِاسْتِعَانَةِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ (وَنَعُوذُ بِاللَّهِ) أَيْ: نَلْتَجِئُ وَنَعْتَصِمُ بِعَوْنِهِ وَحِفْظِهِ (مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا) أَيْ: مِنْ ظُهُورِ السَّيِّئَاتِ الْبَاطِنِيَّةِ الَّتِي جُبِلَتِ الْأَنْفُسُ عَلَيْهَا
الجزء 1 · صفحة 8
قِيلَ: مِنْهَا الْحَمْدُ مَعَ الرِّيَاءِ، وَالسُّمْعَةِ وَكَذَا مَعَ إِثْبَاتِ الْحَوْلِ، وَالْقُوَّةِ (وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا) أَيْ: مِنْ مُبَاشَرَةِ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْهَا، وَفِيهِ اعْتِرَافٌ بِأَنَّ الْبَوَاطِنَ وَالظَّوَاهِرَ مَمْلُوءَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ وَمَحْشُوَّةٌ مِنَ الذُّنُوبِ، وَلِذَا قِيلَ: وَجُودُكَ ذَنْبٌ لَا يُقَاسُ بِهِ ذَنْبٌ. قِيلَ: مِنْهَا التَّصْنِيفُ بِلَا إِخْلَاصٍ وَعَدَمُ رُؤْيَةِ التَّوْفِيقِ وَالِاخْتِصَاصِ، وَلَوْلَا حِفْظُهُ تَعَالَى مَعَ تَوْفِيقِهِ لَمَا اسْتَقَامَ أَحَدٌ عَلَى طَرِيقِهِ، لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا (مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ) أَيْ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ هِدَايَتَهُ الْمُوَصِّلَةَ إِلَيْهِ وَعِنَايَتَهُ الْمُقَرِّبَةِ لَدَيْهِ. (فَلَا مُضِلَّ لَهُ) أَيْ: فَلَا أَحَدَ يَقْدِرُ عَلَى إِضْلَالِهِ مِنَ الْمُضِلِّينَ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ، وَالْجِنِّ أَجْمَعِينَ، (وَمَنْ يُضْلِلْ) أَيْ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ جَهَالَتَهُ وَعَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْحَقِّ ضَلَالَتَهُ (فَلَا هَادِيَ لَهُ) أَيْ: فَلَا أَحَدَ يَقْدِرُ عَلَى هِدَايَتِهِ مِنَ الْهَادِينَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْمُرْسَلِينَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56] وَفِيهِ إِيذَانٌ بِأَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ وَلَيْسَ لِمَا سِوَاهُ إِلَّا مَا قَدَّرَ بِهِ وَقَضَاهُ مِنَ الْكَسْبِ وَالِاخْتِيَارِ، وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ، وَلِظُهُورِ قُصُورِ عُقُولِنَا الْفَانِيَةِ عَنْ إِدْرَاكِ أَسْرَارِ الْحِكَمِ الْبَالِغَةِ الْبَاقِيَةِ، قَالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ -: " لَا يَظْهَرُ سِرُّ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ إِلَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الضَّمِيرَ الْبَارِزَ ثَابِتٌ فِي (يَهْدِهِ) ، وَأَمَّا فِي (يُضْلِلْ) فَغَيْرُ مَوْجُودٍ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَهُوَ عَمَلٌ بِالْجَائِزَيْنِ، وَالْأَوَّلُ أَصْلٌ وَفِيهِ وَصْلٌ، وَالثَّانِي فَرْعٌ وَفِيهِ فَصْلٌ، وَفِيهِ نُكْتَةٌ أُخْرَى لَا تَخْفَى عَلَى أَرْبَابِ الصَّفَا (وَأَشْهَدُ) أَيْ: أَعْلَمُ وَأُبَيِّنُ (أَنْ لَا إِلَهَ) أَيْ: مَعْبُودَ، أَوْ لَا مَقْصُودَ، أَوْ لَا مَوْجُودَ فِي نَظَرِ أَرْبَابِ الشُّهُودِ (إِلَّا اللَّهُ) أَيِ: الذَّاتُ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ صَاحِبُ الْكَرَمِ وَالْجُودِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَفْرَدَ الضَّمِيرَ فِي مَقَامِ التَّوْحِيدِ؛ لِأَنَّهُ إِسْقَاطُ الْحُدُوثِ وَإِثْبَاتُ الْقِدَمِ، فَأَشَارَ أَوَّلًا إِلَى التَّفْرِقَةِ وَثَانِيًا إِلَى الْجَمْعِ اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ الْأَفْعَالَ الْمُتَقَدِّمَةَ أُمُورٌ ظَاهِرِيَّةٌ يُحْكَمُ بِوُجُودِهَا عَلَى الْغَيْرِ أَيْضًا بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ قَلْبِيٌّ غَيْبِيٌّ لَا يَعْلَمُ بِحَقِيقَتِهِ إِلَّا هُوَ (شَهَادَةً) : مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَوْصُوفٌ بِقَوْلِهِ: (تَكُونُ) أَيْ: بِخُلُوصِهَا (لِلنَّجَاةِ) أَيِ: الْخَلَاصِ مِنَ الْعَذَابِ فِي الدَّارَيْنِ عَلَى تَقْدِيرِ الِاكْتِفَاءِ بِهَا (وَسِيلَةً) أَيْ: سَبَبًا لَا عِلَّةً (وَلِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ) أَيِ: الْعَالِيَاتِ فِي الْجَنَّاتِ الْبَاقِيَاتِ (كَفِيلَةً) أَيْ: مُتَضَمِّنَةً مُلْتَزِمَةً. وَالْمَعْنَى: أَنَّ الشَّهَادَةَ إِذَا تَكَرَّرَتْ وَأَنْتَجَتِ ارْتِكَابَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَاجْتِنَابَ الْأَفْعَالِ الطَّالِحَةِ، صَارَتْ سَبَبًا لِعُلُوِّ الدَّرَجَاتِ، وَكَانَتْ مَانِعَةً عَنِ الْوُقُوعِ فِي الدَّرَكَاتِ، وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ انْدَفَعَ مَا يُرَدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ بِالْإِيمَانِ وَرَفْعَ الدَّرَجَاتِ بِالْأَعْمَالِ، وَلِكَوْنِ التَّوْفِيقِ عَلَى هَذَا السَّبَبِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يُنَافِي قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " «لَنْ يُنَجَّى مِنْكُمْ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» ". (وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا) : هُوَ فِي الْأَصْلِ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ حَمِدَ مُبَالَغَةَ حَمْدٍ نُقِلَ مِنَ الْوَصْفَيَّةِ إِلَى الِاسْمِيَّةِ، سُمِّيَ بِهِ، وَالْأَسْمَاءُ تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ لِوُصُولِهِ إِلَى الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي يَحْمَدُهُ الْأَوَّلُونَ، وَالْآخِرُونَ (عَبْدُهُ) : إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ وَتَخْصِيصٍ إِشَارَةً إِلَى كَمَالِ مَرْتَبَتِهِ فِي مَقَامِ الْعُبُودِيَّةِ بِالْقِيَامِ فِي أَدَاءِ حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ ; وَقَدَّمَهُ؛ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ أَوْصَافِهِ
الجزء 1 · صفحة 9
وَأَعْلَاهَا وَأَفْضَلُهَا وَأَغْلَاهَا، وَلِذَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذَا الْوَصْفِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ فَقَالَ: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1] {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان: 1] {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 10] وَللَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:
لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا ... فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِيَا
وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْقَاضِي عِيَاضٍ:
وَمِمَّا زَادَنِي عَجَبًا وَتِيهًا ... وَكِدْتُ بِأَخْمَصِي أَطَأُ الثُّرَيَّا
دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ يَا عِبَادِي ... وَأَنْ صَيَّرْتَ أَحْمَدَ لِي نَبِيًّا
(وَرَسُولُهُ) : إِشَارَةً إِلَى أَنَّ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْقُرْبِ، وَأَوْلَى مَنَازِلِ الْحُبِّ، وَهُوَ الْفَرْدُ الْأَكْمَلُ، وَالْوَاصِلُ إِلَى الْمَقَامِ الْأَفْضَلِ، وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ تَعْرِيضٌ لِلنَّصَارَى حَيْثُ غَلَوْا فِي دِينِهِمْ، وَأَطْرَوْا فِي مَدْحِ نَبِيِّهِمْ. ثُمَّ قِيلَ: النَّبِيُّ، وَالرَّسُولُ مُتَرَادِفَانِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّ النَّبِيَّ إِنْسَانٌ ذَكَرٌ حُرٌّ مِنْ بَنِي آدَمَ، أُوحِيَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ، فَإِنْ أُمِرَ بِهِ فَرَسُولٌ أَيْضًا، الثَّانِي أَعَمُّ مِنَ الْأَوَّلِ، فَكُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ، وَلَا عَكْسَ، وَذِكْرُ الْأَخَصِّ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَصُّ عَلَى مَعْنَى الْمَرَامِ. (الَّذِي بَعَثَهُ) أَيِ: اللَّهُ، كَمَا فِي نُسْخَةٍ أَيْ: أَرْسَلَهُ إِلَى الثَّقَلَيْنِ. وَقِيلَ: إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَيْضًا.
وَقِيلَ: إِلَى سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ. وَقِيلَ: إِلَى جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرُ مُسْلِمٍ ( «وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً» ) . (وَطُرُقُ الْإِيمَانِ) : مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْكُتُبِ، وَالْعُلَمَاءِ. (قَدْ عَفَتْ آثَارُهَا) أَيِ: انْدَرَسَتْ أَخْبَارُهَا، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَهُ وَأَظْهَرَهُ فِي حَالِ كَمَالِ احْتِيَاجِ النَّاسِ إِلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ; فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي غَايَةٍ مِنَ الضَّلَالَةِ وَغَايَةٍ مِنَ الْجَهَالَةِ ; إِذْ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَنْ يَعْرِفُهَا إِلَّا أَفْرَادٌ مِنْ أَتْبَاعِ عِيسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اسْتَوْطَنُوا زَوَايَا الْخُمُولِ وَرُءُوسَ الْجِبَالِ، وَآثَرُوا الْوَحْدَةَ، وَالْأُفُولَ عَنِ الْخَلْقِ بِالِاعْتِزَالِ. (وَخَبَتْ أَنْوَارُهَا) أَيْ: خَفِيَتْ وَانْطَفَأَتْ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ اقْتِبَاسُ الْعِلْمِ الْمُشَبَّهِ بِالنُّورِ فِي كَمَالِ الظُّهُورِ. (وَوَهَتْ) أَيْ: ضَعُفَتْ حَتَّى انْعَدَمَتْ (أَرْكَانُهَا) : مِنْ أَسَاسِ التَّوْحِيدِ، وَالنُّبُوَّةِ، وَالْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ، وَالْقِيَامَةِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ الصَّلَوَاتُ، وَالزَّكَوَاتُ، وَسَائِرُ الْعِبَادَاتِ. (وَجُهِلَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (مَكَانُهَا) : مُبَالَغَةً فِي ظُهُورِ ظُلْمَةِ الْجَهْلِ، وَغَلَبَةِ الْفِسْقِ، وَكَثْرَةِ الظُّلْمِ، وَقِلَّةِ الْعَدْلِ (فَشَيَّدَ) أَيْ: رَفَعَ وَأَعْلَى وَأَظْهَرَ، وَقَوَّى بِمَا أُعْطِيَهُ مِنَ الْعُلُومِ، وَالْمَعَارِفِ الَّتِي لَمْ يُؤْتَهَا أَحَدٌ مِثْلُهُ فِيمَا مَضَى. (صَلَوَاتُ اللَّهِ) أَيْ: أَنْوَاعُ رَحْمَتِهِ، وَأَصْنَافُ عِنَايَتِهِ نَازِلَةٌ (عَلَيْهِ) ، وَفَائِضَةٌ لَدَيْهِ، وَمُتَوَجِّهَةٌ إِلَيْهِ. وَفِي نُسْخَةٍ مَنْسُوبَةٍ إِلَى السَّيِّدِ عَفِيفِ الدِّينِ: زِيَادَةُ. (وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ) : يَعْنِي جِنْسَ السَّلَامَةِ مِنْ كُلِّ آفَةٍ فِي الدَّارَيْنِ، وَهِيَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ إِخْبَارِيَّةٌ، أَوْ دُعَائِيَّةٌ، وَهِيَ الْأَظْهَرُ (مِنْ مَعَالِمِهَا) جَمْعُ الْمَعْلَمِ، وَهُوَ الْعَلَامَةُ (مَا عَفَا) : مَا: مَوْصُولَةٌ، أَوْ مَوْصُوفَةٌ مَفْعُولُ شَيَّدَ، وَمِنْ: بَيَانِيَّةٌ مُتَقَدِّمَةٌ. وَالْمَعْنَى: أَظْهَرَ، وَبَيَّنَ مَا انْدَرَسَ، وَخَفِيَ مِنْ آثَارِ طُرُقِ الْإِيمَانِ، وَعَلَامَاتِ أَسْبَابِ الْعِرْفَانِ، وَالْإِيقَانِ، (وَشَفَى) : عَطْفٌ عَلَى شَيَّدَ (مِنَ الْعِلَلِ) : بَيَانٌ مُقَدَّمٌ لِمِنَ رِعَايَةً لِلسَّجْعِ (فِي تَأْيِيدِ التَّوْحِيدِ) أَيْ: تَأْكِيدُهُ، وَتَقْوِيَتُهُ، وَنُصْرَتُهُ، وَإِعَانَتُهُ مُتَعَلِّقٌ
الجزء 1 · صفحة 10
بِشَفَى، وَمَفْعُولُهُ قَوْلُهُ: (مَنْ كَانَ عَلَى شَفَا) أَيْ: وَخَلَّصَ مَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي حُفْرَةِ الْجَحِيمِ، وَالسُّقُوطِ فِي بِئْرِ الْحَمِيمِ إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا} [آل عمران: 103] أَيْ: طَرَفِ {حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} [آل عمران: 103] وَقِيلَ: مِنْ لِلتَّبْعِيضِ أَيْ: أَبْرَأَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعْلُولِينَ مَنْ كَانَ عَلَى إِشْرَافٍ مِنَ الْهَلَاكِ، إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُ طَبِيبُ الْعُيُوبِ، وَحَبِيبُ الْقُلُوبِ. وَفِي الْكَلَامِ صَنْعَةُ جِنَاسٍ: وَهُوَ تَشَابُهُ الْكَلِمَتَيْنِ لَفْظًا، وَصَنْعَةُ طِبَاقٍ: وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَغْرَبَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ حَيْثُ قَالَ: وَالْعَلِيلُ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا، وَجَمِيعِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ، وَيَكُونُ مِنَ الْغِلِّ بِمَعْنَى الْحِقْدِ، وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ: إِمَّا لَفْظًا: فَلِفَوَتِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الشِّفَاءِ، وَالْعِلَّةِ، وَإِمَّا مَعْنًى: فَلِذَهَابِ عُمُومِ الْعِلَلِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ جِنْسِ الْعَلِيلِ وَاقْتِصَارِهِ عَلَى عِلَّةِ الْحِقْدِ فَقَطْ مَعَ عَدَمِ مُلَاءَمَتِهِ لِلْمَقَامِ (وَأَوْضَحَ سَبِيلَ الْهِدَايَةِ) أَيْ: بَيَّنَ، وَعَيَّنَ طَرِيقَ الِاهْتِدَاءِ إِلَى الْمَطْلُوبِ، وَسَبِيلَ الْوُصُولِ إِلَى الْمَحْبُوبِ. (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْلُكَهَا) : وَالسَّبِيلُ يُذَكَّرُ، وَيُؤَنَّثُ أَيْ: لِمَنْ طَلَبَ، وَشَاءَ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا، وَإِرَادَةُ الْعَبْدِ تَابِعَةٌ لِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ (وَأَظْهَرَ كُنُوزَ السَّعَادَةِ) أَيِ: الْمَعْنَوِيَّةَ، وَهِيَ الْمَعَارِفُ، وَالْعُلُومُ، وَالْأَعْمَالُ الْعَلِيَّةُ، وَالْأَخْلَاقُ، وَالشَّمَائِلُ، وَالْأَحْوَالُ الْبَهِيَّةُ الْمُؤَدِّيَةُ إِلَى الْكُنُوزِ الْأَبَدِيَّةِ، وَالْخَزَائِنِ السَّرْمَدِيَّةِ. (لِمَنْ قَصَدَ أَنْ يَمْلِكَهَا) أَيْ: بِمَلَكَةٍ يَتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى مِلْكِهَا، وَيَتَوَسَّلُ بِهَا إِلَى مِلْكِهَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا} [الإنسان: 20] أَيْ: كَثِيرًا {وَمُلْكًا كَبِيرًا} [الإنسان: 20] وَفِي قَوْلِهِ أَرَادَ وَقَصَدَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ لَا بُدَّ مِنَ السَّعْيِ، وَلَا يَحْصُلُ بِالسَّعْيِ، وَوَجْهُ التَّخْصِيصِ أَنَّهُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِالْإِيضَاحِ، وَالْإِظْهَارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] ثُمَّ قِيلَ: يُرَدُّ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى النُّسْخَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالصَّلَاةِ دُونَ السَّلَامِ - مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ مِنْ كَرَاهَةِ إِفْرَادِ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ، لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ فِيمَنِ اتَّخَذَهُ عَادَةً، وَهُوَ ظَاهِرٌ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِلِسَانِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى كِتَابَةِ أَحَدِهِمَا، وَهَذَا بَعِيدٌ، أَوِ الْكَرَاهَةُ بِمَعْنَى خِلَافِ الْأَوْلَى لِإِطْلَاقِهَا عَلَيْهِ كَثِيرًا، وَهُوَ الْأَوْلَى.
(أَمَّا بَعْدُ) : أَتَى بِهِ اقْتِدَاءً بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَبِأَصْحَابِهِ ; فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَأْتُونَ بِهِ فِي خُطَبِهِمْ لِلِانْتِقَالِ مِنْ أُسْلُوبٍ إِلَى آخَرَ، وَيُسَمَّى فَصْلَ الْخِطَابَ قِيلَ: أَوَّلُ مَنْ قَالَ بِهِ دَاوُدُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَأَمَّا لِتَفْصِيلِ الْمُجْمَلِ، وَهُوَ كَلِمَةُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ فِعْلُهُ، وُجُوبًا، (وَبَعْدُ) مِنَ الظُّرُوفِ الزَّمَانِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِالشَّرْطِ الْمَحْذُوفِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ، لِقَطْعِهِ عَنِ الْإِضَافَةِ، وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ مَنْوِيٌّ. وَالتَّقْدِيرُ: مَهْمَا يُذْكَرُ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ بَعْدَمَا ذُكِرَ مِنَ الْبَسْمَلَةِ، وَالْحَمْدَلَةِ، وَالصَّلَاةِ، وَالثَّنَاءِ (فَإِنَّ التَّمَسُّكَ بِهَدْيِهِ) أَيِ: التَّشَبُّثَ، وَالتَّعَلُّقَ طَرِيقُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (لَا يَسْتَتِبُّ) : بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: لَا يَسْتَقِيمُ، وَلَا يَسْتَمِرُّ، أَوْ لَا يَتَهَيَّأُ، وَلَا يَتَأَتَّى. (إِلَّا بِالِاقْتِفَاءِ) أَيْ: بِالِاتِّبَاعِ التَّامِّ (لِمَا صَدَرَ) أَيْ: ظَهَرَ (مِنْ مِشْكَاتِهِ) أَيْ: صَدْرِهِ، أَوْ قَلْبِهِ، أَوْ فَمِهِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ; فَإِنَّ الْمِشْكَاةَ لُغَةٌ: هِيَ الْكُوَّةُ فِي الْجِدَارِ الْغَيْرِ النَّافِذِ يُوضَعُ فِيهَا الْمِصْبَاحُ، اسْتُعِيرَتْ لِصَدْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ; لِأَنَّهُ كَالْكُوَّةِ ذُو جِهَتَيْنِ فَمِنْ جِهَةٍ يُقْتَبَسُ النُّورُ مِنَ الْقَلْبِ الْمُسْتَنِيرِ، وَمِنْ أُخْرَى يَفِيضُ ذَلِكَ النُّورُ الْمُقْتَبَسُ عَلَى الْخَلْقِ، وَشُبِّهَتِ اللَّطِيفَةُ الْقُدُسِيَّةُ الَّتِي هِيَ الْقَلْبُ بِالْمِصْبَاحِ الْمُضِيءِ، ثُمَّ الْكُلُّ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ} [النور: 35] قِيلَ: نُورُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} [النور: 35] ، هَذَا
الجزء 1 · صفحة 11
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ فِي (هَدْيِهِ) إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُرَادُ بِهَدْيِهِ تَوْحِيدُهُ، وَيُؤَيِّدُهُ عَطْفُ قَوْلِهِ الْآتِي: (وَالِاعْتِصَامُ بِحَبْلِ اللَّهِ) عَلَيْهِ، غَايَتُهُ أَنَّهُ، وُضِعَ الظَّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ دَفْعًا لِلتَّوَهُّمِ، وَتَبَعًا لِلْوَارِدِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ} [آل عمران: 103] وَعُكِسَ فِي الْأَوَّلِ ; لِظُهُورِهِ، وَدَلَالَةِ الْمَقَامِ عَلَيْهِ، فَلَوْ بُيِّنَ الضَّمِيرُ بِالتَّصْرِيحِ لَكَانَ أَوْلَى سِيَّمَا مَعَ وُجُودِ الْفَصْلِ بِفَصْلِ الْخِطَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (وَالِاعْتِصَامَ) بِالنَّصْبِ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ أَيْ: التَّمَسُّكُ (بِحَبْلِ اللَّهِ) : وَهُوَ الْقُرْآنُ: لِمَا وَرَدَ: ( «الْقُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ الْمَمْدُودُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ» ) شُبِّهَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى الْمَقْصُودِ، وَيَحْصُلُ بِهِ الصُّعُودُ إِلَى مَرَاتِبِ السُّعُودِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ قَابِلٌ لِلتَّعَلِّي، وَالتَّدَلِّي، لِذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ " «الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ، أَوْ عَلَيْكَ» "، فَهُوَ كَالنِّيلِ مَاءٌ لِلْمَحْبُوبِينَ، وَدِمَاءٌ لِلْمَحْجُوبِينَ، قَالَ تَعَالَى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} [البقرة: 26] ، {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82] (لَا يَتِمُّ) أَيْ: لَا يَكْمُلُ الِاعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ (إِلَّا بِبَيَانِ كَشْفِهِ) أَيْ: مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ، قَالَ تَعَالَى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] وَلَا خَفَاءَ فِي الْإِجْمَالَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَالتَّبْيِينَاتِ الْحَدِيثَيَّةِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مُجْمَلَةٌ لَمْ يُبَيِّنْ أَوْقَاتَهَا، وَأَعْدَادَهَا، وَأَرْكَانَهَا، وَشَرَائِطَهَا، وَوَاجِبَاتِهَا، وَسُنَنَهَا، وَمَكْرُوهَاتِهَا، وَمُفْسِدَاتِهَا إِلَّا السُّنَّةُ، وَكَذَا الزَّكَاةُ لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُهَا، وَتَفَاصِيلُ نِصَابِهَا، وَمَصَارِفِهَا إِلَّا بِالْحَدِيثِ، وَكَذَا الصَّوْمُ، وَالْحَجُّ، وَسَائِرُ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْقَضَايَا، وَالْأَحْكَامِ الدِّينِيَّةِ، وَتَمْيِيزُ الْحَلَالِ، وَالْحَرَامِ، وَتَفَاصِيلُ الْأَحْوَالِ الْأُخْرَوِيَّةِ، فَعَلَيْكَ بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَبِالِاجْتِنَابِ عَنْ طَرِيقِ أَرْبَابِ الْهَوَى، وَأَصْحَابِ الْبِدْعَةِ ; لِتَكُونَ مِنَ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ السَّالِكَةِ طَرِيقَ الْمُتَابَعَةِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِقَامَةِ. وَللَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:
كُلُّ الْعُلُومِ سِوَى الْقُرْآنِ مَشْغَلَةٌ ... إِلَّا الْحَدِيثَ، وَإِلَّا الْفِقْهَ فِي الدِّينِ
الْعِلْمُ مُتَّبَعٌ مَا فِيهِ حَدَّثَنَا ... وَمَا سِوَى ذَاكَ وَسْوَاسُ الشَّيَاطِينِ
وَمَا قَالَهُ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ مِنْ أَنَّ (حَدَّثَنَا) بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الدُّنْيَا مُرَادُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ مَرْضَاةَ الْمَوْلَى، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْمُحَدِّثِينَ: طَلَبْنَا الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَأَبَى أَنْ يَكُونَ إِلَّا لِلَّهِ. وَقِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: إِلَى مَتَى الْعِلْمُ فَأَيْنَ الْعَمَلُ؟ ! قَالَ: عِلْمُنَا هَذَا هُوَ الْعَمَلُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - خَرَجَ يَوْمًا مِنَ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ، وَقَالَ: " اللَّهُمَّ ارْحَمْ خُلَفَائِي ". قُلْنَا: مَنْ خُلَفَاؤُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: خُلَفَائِي الَّذِينَ يَرْوُونَ أَحَادِيثِي، وَسُنَنِي، وَيُعَلِّمُونَهَا لِلنَّاسِ» . وَفَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ ارْتَحَلَ مِنَ الْمَدِينَةِ مَسَافَةَ شَهْرٍ لِتَحْصِيلِ حَدِيثٍ وَاحِدٍ. (وَكَانَ كِتَابُ الْمَصَابِيحِ) : قِيلَ: أَحَادِيثُهُ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَأَرْبَعُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا، وَزَادَ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَأَحَدَ عَشَرَ حَدِيثًا فَالْمَجْمُوعُ خَمْسَةُ آلَافٍ وَتِسْعُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ
الجزء 1 · صفحة 12
وَأَرْبَعُونَ، وَيَنْضَبِطُ بِسِتَّةِ آلَافٍ إِلَّا كَسْرَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ (الَّذِي صَنَّفَهُ) أَيْ: أَلَّفَهُ، وَجَمَعَهُ (الْإِمَامُ) أَيِ: الْمُقْتَدَى بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ فَإِنَّهُ كَانَ مُفَسِّرًا مُحَدِّثًا فَقِيهًا مِنْ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ. قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: لَيْسَ لَهُ قَوْلٌ سَاقِطٌ، وَكَانَ مَاهِرًا فِي عِلْمِ الْقِرَاءَةِ عَابِدًا زَاهِدًا جَامِعًا بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ، كَانَ يَأْكُلُ الْخُبْزَ وَحْدَهُ بِلَا إِدَامٍ فَعُلَّ عَنْ ذَلِكَ لِكِبَرِهِ، وَعَجْزِهِ فَصَارَ يَأْكُلُهُ بِالزَّيْتِ. وَقِيلَ بِالزَّبِيبِ. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَكَابِرِ كَالْحَافِظِ أَبِي مُوسَى الْمَدِينِيِّ، وَالشَّيْخِ أَبِي النَّجِيبِ السُّهْرُوَرْدِيِّ عَمِّ صَاحَبِ الْعَوَارِفِ، وَلَهُ غَيْرُ الْمَصَابِيحِ تَصَانِيفُ مَشْهُورَةٌ كَشَرْحِ السُّنَّةِ فِي الْحَدِيثِ، وَكِتَابِ التَّهْذِيبِ فِي الْفِقْهِ، وَمَعَالِمِ التَّنْزِيلِ فِي التَّفْسِيرِ.
(مُحْيِي السُّنَّةِ) أَيِ: الْأَدِلَّةِ الْحَدِيثَيَّةِ مِنْ أَقْوَالِهِ، وَأَفْعَالِهِ، وَتَقْرِيرِهِ، وَأَحْوَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا جَمَعَ كِتَابَهُ الْمُسَمَّى بِشَرْحِ السُّنَّةِ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لَهُ (أَحْيَاكَ اللَّهُ كَمَا أَحْيَيْتَ سُنَّتِي) فَصَارَ هَذَا اللَّقَبُ عَلَمًا لَهُ بِطَرِيقِ الْغَلَبَةِ، تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ بِمَرْوَ، وَدُفِنَ عِنْدَ شَيْخِهِ، وَأُسْتَاذِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ الْمَرْوَزِيِّ فَقِيهِ خُرَاسَانَ (قَامِعُ الْبِدْعَةِ) أَيْ: قَاطِعُهَا، وَدَافِعُ أَهْلِهَا، أَوْ مُبْطِلُهَا، وَمُمِيتُهَا. (أَبُو مُحَمَّدٍ) كُنْيَتُهُ، (الْحُسَيْنُ) اسْمُهُ، وَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ، أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ (ابْنُ مَسْعُودٍ) : نَعْتُهُ (الْفَرَّاءِ) : بِالْجَرِّ نَعْتٌ لِأَبِيهِ، وَهُوَ الَّذِي يَشْتَغِلُ الْفَرْوَ، أَوْ يَبِيعُهُ، وَهُوَ غَيْرُ الْفَرَّاءِ النَّحْوِيِّ الْمَشْهُورِ عَلَى مَا تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ ; فَإِنَّهُ يَنْقُلُ عَنْهُ فِي تَفْسِيرِهِ (الْبَغَوِيُّ) : بِالرَّفْعِ، وَيَجُوزُ جَرُّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى بَغَّ، وَقِيلَ: إِلَى بَغْشُورَ: قَرْيَةٌ بَيْنَ مَرْوَ وَهَرَاةَ فِي حُدُودِ خُرَاسَانَ، وَالِاسْمُ الْمُرَكَّبُ تَرْكِيبًا مَزْجِيًا يُنْسَبُ إِلَى جُزْئِهِ الْأَوَّلِ كَمَعَدِّيٍّ فِي مَعْدِي كَرِبَ، وَبَعْلِيٍّ فِي بَعْلَبَكَّ، وَإِنَّمَا جَاءَتِ الْوَاوُ فِي النِّسْبَةِ إِجْرَاءً لِلَفْظَةِ بَغَّ مَجْرَى مَحْذُوفِ الْعَجُزِ كَالدَّمَوِيِّ، وَلِئَلَّا يَلْتَبِسُ بِالْبَغِيِّ بِمَعْنَى الزَّانِي، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَنْسُوبٌ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ (رَفَعَ اللَّهُ دَرَجَتَهُ) : وَأَسْبَغَ عَلَيْهِ رَحْمَتَهُ، وَالْجُمْلَةُ دِعَائِيَّةٌ إِيمَاءً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]- (أَجْمَعَ كِتَابٍ) خَبَرُ كَانَ (صُنِّفَ) أَيْ: ذَلِكَ الْكِتَابُ (فِي بَابِهِ) أَيْ: فِي بَابِ الْحَدِيثِ ; فَإِنَّهُ جَمَعَ الْأَحَادِيثَ الْمُهِمَّةَ الَّتِي لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا سَالِكُ طَرِيقِ الْآخِرَةِ، وَلَوْ كَانَ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَلَى تَرْتِيبِ أَبْوَابِ الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ ; لِيَسْهُلَ الْكَشْفُ، وَيُفَسِّرُ بَعْضُ الْأَحَادِيثِ بَعْضَهَا الْإِجْمَالِيَّةَ، وَتَتَبَيَّنُ الْمَسَائِلُ الْخِلَافِيَّةُ بِمُقْتَضَى الدَّلَالَاتِ الْحَدِيثَيَّةِ. (وَأَضْبَطَ) : عَطْفٌ عَلَى أَجْمَعَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جُرِّدَ عَنِ الْأَسَانِيدِ، وَعَنِ اخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ، وَتَكْرَارِهَا فِي الْمَسَانِيدِ صَارَ أَقْرَبَ إِلَى الْحِفْظِ، وَالضَّبْطِ، وَأَبْعَدَ مِنَ الْغَلَطِ، وَالْخَبْطِ (لِشَوَارِدِ الْأَحَادِيثِ) : جَمْعُ شَارِدَةٍ، وَهِيَ النَّافِرَةُ، وَالذَّاهِبَةُ عَنِ الدَّرْكِ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ (وَأَوَابِدِهَا) : عَطْفُ تَفْسِيرٍ أَيْ: وَحْشِيَّاتُهَا ; شُبِّهَتِ الْأَحَادِيثُ بِالْوُحُوشِ لِسُرْعَةِ تَنَفُّرِهَا، وَتَبَعُّدِهَا عَنِ الضَّبْطِ، وَالْحِفْظِ ; وَلِذَا قِيلَ: الْعِلْمُ صَيْدٌ، وَالْكِتَابَةُ قَيْدٌ (وَلَمَّا سَلَكَ) أَيِ: الْبَغَوِيُّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) : جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ دَعَائِيَّةٌ أَيْ: ذَهَبَ فِي مَسْلَكِ تَصْنِيفِهِ هَذَا (طَرِيقَ الِاخْتِصَارِ) أَيْ: بِالِاكْتِفَاءِ عَلَى مُتُونِ الْأَحَادِيثِ عَلَى وَجْهِ الِاقْتِصَارِ (وَحَذْفِ الْأَسَانِيدِ) : عَطْفٌ عَلَى سَلَكَ، وَقِيلَ: مَصْدَرٌ مُضَافٌ عُطِفَ عَلَى طَرِيقٍ، وَهُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَالْمُرَادُ بِالْإِسْنَادِ: إِمَّا حَذْفُ الصَّحَابِيِّ، وَتَرْكُ الْمُخْرِجِ فِي كُلِّ حَدِيثٍ، وَهُوَ مَجَازٌ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ، أَيْ: طَرَفَيِ الْإِسْنَادِ، وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ ظَاهِرًا مِنْ قَوْلِهِ: (لَكِنْ لَيْسَ مَا فِيهِ أَعْلَامٌ كَالْأَغْفَالِ) ، وَأَمَّا مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ عِنْدَ مُصْطَلَحِ أَهْلِ الْحَدِيثِ: وَهُوَ حِكَايَةُ طَرِيقِ مَتْنِ الْحَدِيثِ بِحَيْثُ يُعْلَمُ رُوَاتُهُ، ثُمَّ إِنَّهُ إِنَّمَا حَذَفَهَا لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي ذِكْرِهَا ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا أَنْ يُعْلَمَ عِنْدَ التَّعَارُضِ رَاجِحُ الْحَدِيثِ مِنْ مَرْجُوحِهِ، وَنَاسِخُهُ مِنْ مَنْسُوخِهِ، بِسَبَبِ زِيَادَةِ عَدَالَةِ الرُّوَاةِ، وَتَقَدُّمِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا بُدَّ لِلْمُجْتَهِدِ مِنْهَا، وَلَمَّا عُدِمَ الْمُجْتَهِدُونَ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ، وَنَدُرَ وُجُودُهُمْ فِي الْأَمْصَارِ، وَوَضَعَ هَذَا الْكِتَابِ لِلصُّلَحَاءِ
الجزء 1 · صفحة 13
الْأَبْرَارِ لَمْ يَكُنْ فِي ذِكْرِهَا نَفْعٌ كَثِيرٌ ; فَاقْتَصَرَ عَلَى بَيَانِ الصِّحَّةِ، وَالْحُسْنِ إِجْمَالًا بِقَوْلِهِ مِنَ الصِّحَاحِ، وَالْحِسَانِ إِكْمَالًا (تَكَلَّمَ فِيهِ) : جَوَابُ لَمَّا، أَيْ: طَعَنَ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِ كِتَابِهِ (بَعْضُ النُّقَّادِ) : بِضَمِّ النُّونِ، وَتَشْدِيدِ الْقَافِ، أَيِ: الْعُلَمَاءِ النَّاقِدِينَ الْمُمَيِّزِينَ بَيْنَ الصَّحِيحِ، وَالضَّعِيفِ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ الطَّعْنَ فِي رِجَالِ الْحَدِيثِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِإِسْنَادِهِ، وَهُوَ لَا يَخْتَلِفُ بِذِكْرِهِ، وَعَدَمِ ذِكْرِهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: هَذَا يُتَصَوَّرُ فِي بَعْضِ أَفْرَادِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ إِسْنَادَانِ، فَلَوْ ذَكَرَ لَهُ إِسْنَادَهُ الثَّابِتَ لَمَا وَجَدَ الطَّاعِنُ فِيهِ مَطْعَنًا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ نَقْلُهُ. . .) إِلَخْ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَإِنْ كَانَ اعْتِرَاضُ ذَلِكَ الْبَعْضِ مَدْفُوعًا عَنْهُ لِكَوْنِهِ ثِقَةً، وَإِذَا نُسِبَ الْحَدِيثُ إِلَى الْأَئِمَّةِ الْمُخْرِجِينَ الْمُورِدِينَ لِلْحَدِيثِ مَعَ الْإِسْنَادِ بِقَوْلِهِ: الصِّحَاحُ: مَا فِيهِ حَدِيثُ الشَّيْخَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا، وَالْحَسَنُ: مَا فِيهِ أَحَادِيثُ سَائِرِ السُّنَنِ، فَهُوَ فِي حُكْمِ الْإِسْنَادِ. وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ أَيْ: تَكَلَّمَ فِي حَقِّهِ، وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُبْصِرِينَ بِأَنَّ صِحَّةَ الْحَدِيثِ، وَسَقَمَهُ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الْإِسْنَادِ، فَإِذَا لَمْ يُذْكُرْ لَمْ يُعْرَفِ الصَّحِيحُ مِنَ الضَّعِيفِ ; فَيَكُونُ نَقْصًا (وَإِنْ كَانَ نَقْلُهُ) أَيْ: نَقْلُ الْبَغَوَيِّ بِلَا إِسْنَادٍ، وَالْوَاوُ وَصْلَيَّةٌ (وَإِنَّهُ مِنَ الثِّقَاتِ) أَيِ: الْمُعْتَمَدِينَ فِي نَقْلِ الْحَدِيثِ، وَبَيَانِ صِحَّتِهِ، وَحُسْنِهِ، وَضَعْفِهِ (كَالْإِسْنَادِ) أَيْ: كَذِكْرِهِ، رُوِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ فِي (إِنَّهُ) عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ فِي نَقْلِهِ، وَرُوِيَ: بِفَتْحِهَا لِلْعَطْفِ عَلَى اسْمِ كَانَ يَعْنِي نَقْلَهُ بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ، أَيْ: وَإِنْ كَانَ نَقْلُهُ وَكَوْنُهُ مِنَ الثِّقَاتِ كَالْإِسْنَادِ ; لِأَنَّ هَذَا شَأْنُ مَنِ اشْتُهِرَتْ أَمَانَتُهُ، وَعُلِمَتْ عَدَالَتُهُ، وَصِيَانَتُهُ فَيُعَوَّلُ عَلَى نَقْلِهِ، وَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ إِسْنَادِ الشَّيْءِ لِمَحَلِّهِ (لَكِنْ لَيْسَ مَا فِيهِ أَعْلَامٌ) : أَعْلَامُ الشَّيْءِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ آثَارُهُ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا (كَالْأَغْفَالِ) : بِالْفَتْحِ، وَهِيَ الْأَرَاضِي الْمَجْهُولَةُ لَيْسَ فِيهَا أَثَرٌ تُعْرَفُ بِهِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ فِيهِمَا فَهُمَا مَصْدَرَانِ لَفْظًا، وَضِدَّانِ مَعْنًى، وَأَرَادَ بِالْأَوَّلِ كِتَابَهُ الْمِشْكَاةَ، وَبِالثَّانِي الْمَصَابِيحَ، وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: لَكِنْ لَيْسَ مَا فِيهِ أَغْفَالٌ كَالْأَعْلَامِ، وَلَعَلَّهُ قَلَبَ الْكَلَامَ تَوَاضُعًا مَعَ الْإِمَامِ، وَهَضْمًا لِنَفْسِهِ عَنْ بُلُوغِ ذَلِكَ الْمَرَامِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ ادَّعَى أَنَّ فِي صَنِيعِ الْبَغَوِيِّ قُصُورًا فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ عَدَمُ ذِكْرِ الصَّحَابَةِ أَوَّلًا، وَعَدَمُ ذِكْرِ الْمُخْرِجِ فِي كُلِّ حَدِيثٍ آخِرًا، فَإِنَّ ذِكْرَهُمَا مُشْتَمِلٌ عَلَى فَوَائِدَ: أَمَّا ذِكْرُ الصَّحَابِيِّ فَفَائِدَتُهُ: أَنَّ الْحَدِيثَ قَدْ يَتَعَدَّدُ رُوَاتُهُ، وَطُرُقُهُ، وَبَعْضُهَا صَحِيحٌ، وَبَعْضُهَا ضَعِيفٌ، فَيُذْكَرُ الصَّحَابِيُّ لِيُعْلَمَ ضَعِيفُ الْمَرْوِيِّ مِنْ صَحِيحِهِ، وَمِنْهَا: رُجْحَانُ الْخَبَرِ بِحَالِ الرَّاوِي مِنْ زِيَادَةِ فِقْهِهِ، وَوَرَعِهِ، وَمَعْرِفَةِ نَاسِخِهِ، وَمَنْسُوخِهِ بِتَقَدُّمِ إِسْلَامِ الرَّاوِي، وَتَأَخُّرِهِ، وَأَمَّا ذِكْرُ الْمُخْرِجِ فَفَائِدَتُهُ: تَعْيِينُ لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَتَبَيْيُنُ رِجَالِ إِسْنَادِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَمَعْرِفَةُ كَثْرَةِ الْمُخْرِجِينَ، وَقِلَّتِهِمْ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ، لِإِفَادَةِ التَّرْجِيحِ، وَزِيَادَةِ التَّصْحِيحِ، وَمِنْهَا: الْمُرَاجَعَةُ إِلَى الْأُصُولِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِي الْفُصُولِ، وَغَيْرُهَا مِنَ الْمَنَافِعِ عِنْدَ أَرْبَابِ الْوُصُولِ. هَذَا، وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْمِشْكَاةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: (تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ النُّقَّادِ) أَيْ: تَكَلَّمَ فِيهِ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الْحَذْفِ الَّذِي اسْتَلْزَمَ عِنْدَهُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْهُ بِمَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ بَعْضُ النُّقَّادِ كَالنَّوَوِيِّ، وَابْنِ الصَّلَاحِ، وَغَيْرِهِمَا، فَقَالُوا: مَا جَنَحَ إِلَيْهِ فِي مَصَابِيحِهِ مِنْ تَقْسِيمِ أَحَادِيثِهِ إِلَى صِحَاحٍ، وَحِسَانٍ مَعَ صَيْرُورَتِهِ إِلَى أَنَّ الصِّحَاحَ: مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا، أَوْ أَحَدِهِمَا، وَالْحِسَانَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ كَالنَّسَائِيِّ، وَالدَّارِمِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ، اصْطِلَاحٌ لَا يُعْرَفُ، بَلْ هُوَ خِلَافُ الصَّوَابِ ; إِذِ الْحَسَنُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ لَيْسَ عِبَارَةً عَنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي كُتُبِ السُّنَنِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا غَيْرُ الْحَسَنِ مِنَ الصَّحِيحِ، وَالضَّعِيفِ، لَكِنِ انْتَصَرَ لَهُ الْمُؤَلِّفُ فَقَالَ: لَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ بَلْ تَخْطِئَةُ الْمَرْءِ فِي اصْطِلَاحِهِ بَعِيدَةٌ عَنِ الصَّوَابِ. وَالْبَغَوِيُّ قَدْ صَرَّحَ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ: أَعْنِي بِالصِّحَاحِ كَذَا، وَبِالْحِسَانِ كَذَا، وَمَا قَالَ أَرَادَ الْمُحَدِّثُونَ بِهِمَا كَذَا فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ لِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَ خُصُوصًا، وَقَدْ قَالَ: وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ ضَعِيفٍ، أَوْ غَرِيبٍ أُشِيرُ إِلَيْهِ، وَأَعْرَضْتُ عَمَّا كَانَ مُنْكَرًا، أَوْ مَوْضُوعًا اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ حَمْلَ التَّكَمُّلِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَا يُنَاسِبُهُ قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ نَقْلُهُ. . .) إِلَخْ، وَلَا يُلَائِمُهُ قَوْلُهُ: (لَكِنْ لَيْسَ مَا فِيهِ أَعْلَامٌ) إِذْ لَا يَصْلُحُ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا جَوَابًا، وَلَا الثَّانِي اسْتِدْرَاكًا صَوَابًا (فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى) أَيْ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [القصص: 68] وَلِمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مَرْفُوعًا:
الجزء 1 · صفحة 14
" «مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ، وَلَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ» "، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَعْلَمُ خَيْرَهُ مِنْ شَرِّهِ " قَالَ تَعَالَى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216] وَالْخَيْرُ أَجْمَعُ فِيمَا اخْتَارَ خَالِقُنَا. (وَاسْتَوْفَقْتُ مِنْهُ) : بِتَقْدِيمِ الْفَاءِ عَلَى الْقَافِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، أَيْ: طَلَبْتُ مِنَ اللَّهِ التَّوْفِيقَ، وَعَلَى الِاسْتِقَامَةِ طَرِيقِ التَّوْثِيقِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْعَكْسِ، وَالْمَعْنَى: طَلَبْتُ الْوُقُوفَ عَلَى إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ، وَمَعْرِفَةِ الْمَعْرُوفِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمُثَلَّثَةِ، وَالْقَافِ أَيْ: طَلَبْتُ الْوُثُوقَ، وَالثُّبُوتَ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمَرْدُودِ، وَالْمَثْبُوتِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ: أَخَذْتُ مِنَ الْمَصَابِيحِ مَا هُوَ الْوَثِيقَةُ الْمَقْصُودَةُ بِالذَّاتِ، وَهُوَ الْأَحَادِيثُ عُرْيَةً عَنْ وَسْمِهَا بِصِحَاحٍ، وَحِسَانٍ، (فَأَوْدَعْتُ كُلَّ حَدِيثٍ مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الْمِصْبَاحِ (فِي مَقَرِّهِ) : كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ هَذِهِ الْفِقْرَةُ مَوْجُودَةٌ، وَالْمَعْنَى: وَضَعْتُ كُلَّ حَدِيثٍ مِنَ الْكِتَابِ فِي مَحَلِّهِ الْمَوْضُوعِ فِي أَصْلِهِ مَنْ كُلِّ كِتَابٍ، وَبَابٍ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمٍ، وَتَأْخِيرٍ، وَزِيَادَةٍ، وَنُقْصَانٍ، وَتَغْيِيرٍ (فَأَعْلَمْتُ) أَيْ: فَبَيَّنْتُ مَا (أَغْفُلُهُ) أَيْ: تَرَكَهُ بِلَا إِسْنَادٍ عَمْدًا مِنْ ذِكْرِ الصَّحَابِيِّ أَوَّلًا، وَبَيَانِ الْمُخْرِجِ آخِرًا بِخُصُوصِ كُلِّ حَدِيثٍ الْتِزَامًا. (كَمَا رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ) : جَمْعُ إِمَامٍ، وَأَصْلُهُ أَئِمَّةٌ عَلَى وَزْنِ أَفْعِلَةٍ فَأُعِلَّ بِالنَّقْلِ، وَالْإِدْغَامِ، وَيَجُوزُ تَحْقِيقُ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ، وَتَسْهِيلُهَا، وَإِبْدَالُهَا، وَالْمُرَادُ مِنْهُمْ هَاهُنَا أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِمْ فِي كُلِّ زَمَانٍ مِنَ الْقَدِيمِ، وَالْحَدِيثِ (الْمُتْقِنُونَ) أَيِ: الضَّابِطُونَ الْحَافِظُونَ الْحَاذِقُونَ لِمَرْوِيَّاتِهِمْ مِنْ: أَتْقَنَ الْأَمْرَ إِذَا أَحْكَمَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88] (وَالثِّقَاتُ) : بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ جَمْعُ ثِقَةٍ، وَهُوَ الْعُدُولُ، وَالثَّبَاتُ. (الرَّاسِخُونَ) أَيِ: الثَّابِتُونَ بِمُحَافَظَةِ هَذَا الْعِلْمِ الشَّرِيفِ، وَالْقَائِمُونَ بِمُرَاعَاةِ طُرُقِ هَذَا الْفَنِّ الْمَنِيفِ. (مِثْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَبُوهُ كَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ، رَوَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَمَالِكٍ، وَصَحِبَ ابْنَ الْمُبَارَكِ، وَرَوَى عَنْهُ الْعِرَاقِيُّونَ. قَالَ: لَا أَعْلَمُ فِي جَمِيعِ مَالِي دِرْهَمًا مِنْ شُبْهَةٍ. (الْبُخَارِيُّ) : نِسْبَةٌ إِلَى بُخَارَى: بَلْدَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ بِلَادِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ ; لِتَوَلُّدِهِ فِيهَا، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْعَلَمِ لَهُ، وَلِكِتَابِهِ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ الْمُحَدِّثُ: يُقَالُ لَهُ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ، وَنَاصِرُ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، وَنَاشِرُ الْمَوَارِيثِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، قِيلَ: لَمْ يُرَ فِي زَمَانِهِ مِثْلُهُ مِنْ جِهَةِ حِفْظِ الْحَدِيثِ، وَإِتْقَانِهِ، وَفَهْمِ مَعَانِي كِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَمِنْ حَيْثِيَّةِ حِدَّةِ ذِهْنِهِ، وَرِقَّةِ نَظَرِهِ، وَوُفُورِ فِقْهِهِ، وَكَمَالِ زُهْدِهِ، وَغَايَةِ وَرَعِهِ، وَكَثْرَةِ اطِّلَاعِهِ عَلَى طُرُقِ الْحَدِيثِ، وَعِلَلِهِ، وَقُوَّةِ اجْتِهَادِهِ، وَاسْتِنْبَاطِهِ، وَكَانَتْ أَمُّهُ مُسْتَجَابَةَ الدَّعْوَةِ تُوُفِّيَ أَبُوهُ وَهُوَ صَغِيرٌ فَنَشَأَ فِي حِجْرِ وَالِدَتِهِ، ثُمَّ عَمِيَ، وَقَدْ عَجَزَ الْأَطِبَّاءُ عَنْ مُعَالَجَتِهِ فَرَأَتْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَائِلًا لَهَا: قَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَى ابْنِكِ بَصَرَهُ بِكَثْرَةِ دُعَائِكِ لَهُ فَأَصْبَحَ وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ فَنَشَأَ مُتَرَبِّيًا فِي حِجْرِ الْعِلْمِ مُرْتَضِعًا مِنْ ثَدْيِ الْفَضْلِ، ثُمَّ أُلْهِمَ طَلَبَ الْحَدِيثِ، وَلَهُ عَشْرُ سِنِينَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْمَكْتَبِ، وَلَمَّا بَلَغَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً رَدَّ عَلَى بَعْضِ مَشَايِخِهِ بَبُخَارَى غَلَطًا وَقَعَ لَهُ فِي سَنَدٍ حَتَّى أَصْلَحَ كِتَابَهُ مِنْ حِفْظِ الْبُخَارِيِّ، وَبَيَانُهُ: أَنَّ شَيْخًا مِنْ مَشَايِخِهِ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ حَدِيثِهِ قَالَ فِي إِسْنَادِ حَدِيثٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّهَيْرِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ الْبُخَارِيُّ: أَبُو الزُّهَيْرِ لَيْسَ لَهُ رِوَايَةٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فَهَيَّبَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ فَقَالَ لَهُ الْبُخَارِيُّ: ارْجِعْ إِلَى الْأَصْلِ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ، فَقَامَ الشَّيْخُ مِنَ الْمَجْلِسِ، وَدَخَلَ بَيْتَهُ، وَطَالَعَ فِي أَصْلِهِ، وَتَأَمَّلَ فِيهِ حَقَّ تَأَمُّلِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَجْلِسِهِ فَقَالَ لِلْبُخَارِيِّ: فَكَيْفَ الرِّوَايَةُ؟ فَقَالَ: لَيْسَ أَبُو الزُّهَيْرِ بِالْهَاءِ، إِنَّمَا هُوَ الزُّبَيْرُ بِالْبَاءِ، وَهُوَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ فَقَالَ: صَدَقْتَ، وَأَخَذَ الْقَلَمَ، وَأَصْلَحَ كِتَابَهُ. وَلَمَّا بَلَغَ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً حَفِظَ كُتُبَ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَوَكِيعٍ، وَعَرَفَ كَلَامَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ خَرَجَ مَعَ أُمِّهِ، وَأَخِيهِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ إِلَى مَكَّةَ فَرَجَعَ أَخُوهُ، وَأَقَامَ هُوَ لِطَلَبِ الْحَدِيثِ، فَلَمَّا طَعَنَ فِي ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً صَنَّفَ قَضَايَا الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَأَقَاوِيلَهُمْ، وَصَنَّفَ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عِنْدَ التُّرْبَةِ الْمُطَهَّرَةِ
الجزء 1 · صفحة 15
تَارِيخَهُ الْكَبِيرَ فِي اللَّيَالِي الْمُقْمِرَةِ، وَكَتَبُوا عَنْهُ، وَسِنُّهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قَلَّ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ رِجَالِ التَّارِيخِ الْكَبِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدِي مِنْهُ حِكَايَةٌ، وَقِصَّةٌ إِلَّا أَنِّي تَرَكْتُهَا خَوْفًا مِنَ الْإِطْنَابِ، وَلَمَّا رَجَعَ مِنْ مَكَّةَ ارْتَحَلَ إِلَى سَائِرِ مَشَايِخِ الْحَدِيثِ فِي أَكْثَرِ الْمُدُنِ، وَالْأَقَالِيمِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ارْتَحَلْتُ فِي اسْتِفَادَةِ الْحَدِيثِ إِلَى مِصْرَ، وَالشَّامِ مَرَّتَيْنِ، وَإِلَى الْبَصْرَةِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَلَا أُحْصِي مَا دَخَلْتُ مَعَ الْمُحَدِّثِينَ فِي بَغْدَادَ، وَالْكُوفَةِ، وَأَقَمْتُ فِي الْحِجَازِ سِتَّ سِنِينَ طَالِبًا لِعِلْمِ الْحَدِيثِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَالْحَامِلُ لِي عَلَى تَأْلِيفِهِ أَنَّنِي رَأَيْتُنِي وَاقِفًا بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَبِيَدِي مِرْوَحَةٌ أَذُبُّ عَنْهُ، فَعُبِّرَ لِي بِأَنِّي أَذُبُّ عَنْهُ الْكَذِبَ، وَمَا وَضَعْتُ فِيهِ حَدِيثًا إِلَّا بَعْدَ الْغُسْلِ، وَصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ، وَأَخْرَجْتُهُ مِنْ زُهَاءِ سِتِّمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ، وَصَنَّفْتُهُ فِي سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَجَعَلْتُهُ حُجَّةً فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ، وَمَا أَدْخَلْتُ فِيهِ إِلَّا صَحِيحًا، وَمَا تَرَكْتُ مِنَ الصَّحِيحِ أَكْثَرُ ; لِئَلَّا يَطُولَ. وَصَنَّفْتُهُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَا أَدْخَلْتُ فِيهِ حَدِيثًا حَتَّى اسْتَخَرْتُ اللَّهَ، وَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، وَتَيَقَّنْتُ صِحَّتَهُ. اهـ.
وَهَذَا بِاعْتِبَارِ الِابْتِدَاءِ، وَتَرْتِيبِ الْأَبْوَابِ، ثُمَّ كَانَ يُخْرِجُ الْأَحَادِيثَ بَعْدُ فِي بَلَدِهِ، وَغَيْرِهَا، وَهُوَ مَحْمِلُ رِوَايَةِ أَنَّهُ كَانَ يُصَنِّفُهُ فِي الْبِلَادِ ; إِذْ مُدَّةُ تَصْنِيفِهِ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَهُوَ لَمْ يُجَاوِرْ هَذِهِ الْمُدَّةَ بِمَكَّةَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ صَنَّفَ الصَّحِيحَ فِي الْبَصْرَةِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ صَنَّفَهُ فِي بُخَارَى. وَرُوِيَ عَنِ الْوَرَّاقِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِلْبُخَارِيِّ: جَمِيعُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَوْرَدْتَهَا فِي مُصَنَّفَاتِكَ هَلْ تَحْفَظُهَا؟ فَقَالَ: لَا يَخْفَى عَلَيَّ شَيْءٌ مِنْهَا ; فَإِنِّي قَدْ صَنَّفْتُ كُتُبِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالتَّكْرَارِ التَّبْيِيضَ، وَالتَّنْقِيحَ، وَلَعَلَّ كَثْرَةَ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَرِوَايَةُ أَنَّهُ جَعَلَ تَرَاجِمَهُ فِي الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ مَحْمُولَةٌ عَلَى نَقْلِهَا مِنَ الْمُسَوَّدَةِ إِلَى الْمُبْيَضَّةِ، كَذَا قِيلَ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي جَزَرَةَ عَمَّنْ لَقِيَهُ مِنَ الْعَارِفِينَ أَنَّهُ مَا قُرِئَ فِي شِدَّةٍ إِلَّا وَفُرِّجَتْ، وَمَا رُكِبَ بِهِ فِي مَرْكَبٍ فَغَرِقَ، وَأَنَّهُ كَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، وَلَقَدْ دَعَا لِقَارِئِهِ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وَكَانَ يَسْتَسْقِي بِقِرَاءَتِهِ الْغَيْثَ، قِيلَ: وَيُسَمَّى التِّرْيَاقَ الْمُجَرَّبَ. وَنَقَلَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ عَنْ عَمِّهِ السَّيِّدِ أَصِيلِ الدِّينِ أَنَّهُ قَالَ: قَرَأْتُ الْبُخَارِيَّ مِائَةً وَعِشْرِينَ مَرَّةً لِلْوَقَائِعِ، وَالْمُهِمَّاتِ لِي، وَلِغَيْرِي، فَحَصَلَ الْمُرَادَاتُ، وَقَضَى الْحَاجَاتِ، وَهَذَا كُلُّهُ بِبَرَكَةِ سَيِّدِ السَّادَاتِ، وَمَنْبَعِ السَّادَاتِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ، وَأَكْمَلُ التَّحِيَّاتِ. قِيلَ: وَكَانَ وِرْدُهُ فِي رَمَضَانَ خَتْمَةً فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَثُلُثُهَا فِي سَحَرِ كُلِّ لَيْلَةٍ، وَلَسَعَهُ زُنْبُورٌ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ سِتَّةَ عَشَرَ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا فَقِيلَ لَهُ: لِمَ لَمْ تَخْرُجْ مِنَ الصَّلَاةِ أَوَّلَ مَا لَسَعَكَ؟ ! قَالَ: كُنْتُ فِي سُورَةٍ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُتِمَّهَا، وَكَانَ يَقُولُ: أَرْجُو اللَّهَ أَنْ لَا يُحَاسِبَنِي أَنِّي مَا اغْتَبْتُ أَحَدًا فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَنْقِمُ عَلَيْكَ التَّارِيخَ ; فَإِنَّهُ غِيبَةٌ فَقَالَ: إِنَّمَا رُوِّينَا ذَلِكَ رِوَايَةً، وَلَمْ نَنْقُلْهُ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " «بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ» " قَالَ: وَأَحْفَظُ مِائَةَ أَلْفِ حَدِيثٍ صَحِيحٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ غَيْرَ صَحِيحٍ، أَيْ: بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ طُرُقِهَا مَعَ عَدِّ الْمُكَرَّرِ، وَالْمَوْقُوفِ، وَآثَارِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَغَيْرِهِمْ، وَفَتَاوِيهِمْ مِمَّا كَانَ السَّلَفُ يُطْلِقُونَ عَلَى كُلِّهِ حَدِيثًا. وَقِيلَ: كَانَ يَحْفَظُ وَهُوَ صَبِيٌّ سَبْعِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ سَرْدًا، وَيَنْظُرُ فِي الْكِتَابِ نَظْرَةً وَاحِدَةً فَيَحْفَظُ مَا فِيهِ، وَكَانَ يَقُولُ: دَخَلْتُ بِلْخَ فَسَأَلَنِي أَهْلُهَا أَنْ أُمْلِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ مَنْ كَتَبْتُ عَنْهُ، فَأَمْلَيَتُ أَلْفَ حَدِيثٍ عَنْ أَلْفِ شَيْخٍ، وَلِبُلُوغِ نِهَايَتِهِ فِي مَعْرِفَةِ عِلَلِ الْحَدِيثِ كَانَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ يَقُولُ لَهُ: دَعْنِي أُقَبِّلُ رِجْلَيْكَ يَا أُسْتَاذَ الْأُسْتَاذِينَ، وَسَيِّدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَيَا طَبِيبَ الْحَدِيثِ فِي عِلَلِهِ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَمْ أَرَ أَحَدًا بِالْعِرَاقِ، وَلَا بِخُرَاسَانَ فِي ذَلِكَ أَعْلَمُ مِنْهُ، وَكَانَ بِسَمَرْقَنْدَ أَرْبَعُمِائَةِ مُحَدِّثٍ اجْتَمَعُوا تِسْعَةَ أَيَّامٍ لِمُغَالَطَتِهِ، فَخَلَطُوا الْأَسَانِيدَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ: إِسْنَادُ الشَّامِيِّينَ فِي الْعِرَاقِيِّينَ، وَإِسْنَادُ الْعِرَاقِيِّينَ فِي الشَّامِيِّينَ، وَإِسْنَادُ أَهْلِ الْحَرَمِ فِي الْيَمَانِيِّينَ، وَعَكْسُهُ، وَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ، فَمَا اسْتَطَاعُوا مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَتَغَلَّبُوا عَلَيْهِ سَقْطَةً لَا فِي إِسْنَادٍ، وَلَا فِي مَتْنٍ، وَلَمَّا قَدِمَ بَغْدَادَ فَعَلُوا مَعَهُ نَظِيرَ ذَلِكَ فَعَمَدُوا إِلَى مِائَةِ حَدِيثٍ فَقَلَبُوا مُتُونَهَا، وَأَسَانِيدَهَا، وَدَفَعُوا لِكُلِّ
الجزء 1 · صفحة 16
وَاحِدٍ عَشَرَةً لِيُلْقِيَهَا عَلَيْهِ فِي مَجْلِسِهِ الْغَاصِّ بِالنَّاسِ امْتِحَانًا، فَقَامَ أَحَدُهُمْ، وَسَأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ مِنْ تِلْكَ الْعَشَرَةِ، فَقَالَ: لَا أَعْرِفُهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنِ الثَّانِي فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَهَكَذَا إِلَى الْعَاشِرِ، ثُمَّ قَامَ الثَّانِي فَكَانَ كَالْأَوَّلِ، ثُمَّ الثَّالِثُ، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ فَرَغُوا ; فَالْعُلَمَاءُ الَّذِينَ كَانُوا مُطَّلِعِينَ عَلَى أَصْلِ الْقَضِيَّةِ، وَحِفْظِهِ قَالُوا: فَهِمَ الرَّجُلُ، وَالَّذِينَ مَا كَانَ لَهُمْ وُقُوفٌ عَلَى الْقَضِيَّةِ تَوَهَّمُوا عَجْزَهُ، وَحَمَلُوا عَلَى قُصُورِ ضَبْطِهِ، وَسُوءِ حِفْظِهِ ; فَالْتَفَتَ إِلَى الْأَوَّلِ فَقَالَ: أَمَّا حَدِيثُكَ الْأَوَّلُ بِذَلِكَ الْإِسْنَادِ فَخَطَأٌ، وَصَوَابُهُ كَذَا، وَكَذَا، وَلَا زَالَ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ أَكْمَلَ الْمِائَةَ فَبُهِرَ النَّاسُ، وَأَذْعَنُوا لَهُ، فَإِنَّ عِنْدَ الِامْتِحَانِ يُكْرَمُ الرَّجُلُ، أَوْ يُهَانُ، وَعِنْدَ الْمُبْصِرِينَ هَذَا الْفَنَّ لَيْسَ مِنَ الْعَجِيبِ رَدُّ خَطَئِهِمْ إِلَى الصَّوَابِ ; لِأَنَّهُ كَانَ حَافِظَ الْأَحَادِيثِ مَعَ الْأَسَانِيدِ، بَلْ كَانَ الْغَرِيبُ عِنْدَهُمْ حِفْظَهُ أَسَانِيدَهُمُ الْبَاطِلَةَ بِمُجَرَّدِ سَمَاعِهِ مَرَّةً، وَإِعَادَتَهَا مُرَتَّبَةً، وَهَذَا كَادَ أَنْ يَكُونَ خَرْقَ الْعَادَةِ، وَمَحْضَ الْكَرَامَةِ ; فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْإِلْهَامَاتِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالْعِنَايَاتِ الرَّحْمَانِيَّةِ. وَلَمَّا قَدِمَ الْبَصْرَةَ نَادَى مُنَادٍ يُعْلِمُهُمْ بِقُدُومِهِ فَأَحْدَقُوا بِهِ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَعْقِدَ لَهُمْ مَجْلِسَ الْإِمْلَاءِ ; فَأَجَابَهُمْ فَنَادَى الْمُنَادِي يُعْلِمُهُمْ أَنَّهُ أَجَابَ ; فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ اجْتَمَعَ كَذَا، وَكَذَا أَلْفًا مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَالْفُقَهَاءِ فَأَوَّلُ مَا جَلَسَ قَالَ: يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ أَنَا شَابٌّ، وَقَدْ سَأَلْتُمُونِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ أَحَادِيثَ عَنْ أَهْلِ بَلَدِكُمْ تَسْتَفِيدُونَهَا، يَعْنِي لَيْسَتْ عِنْدَكُمْ، وَأَمْلَى عَلَيْهِمْ مِنْ أَحَادِيثِ أَهْلِ بَلَدِهِمْ مِمَّا لَيْسَ عِنْدَهُمْ حَتَّى بَهَرَهُمْ، وَمِنْ ثَمَّ كَثُرَ ثَنَاءُ الْأَئِمَّةِ عَلَيْهِ حَتَّى صَحَّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَخْرَجَتْ خُرَاسَانُ مِثْلَهُ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: هُوَ فَقِيهُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّابِّ، وَاكْتُبُوا عَنْهُ ; فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ فِي زَمَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ لَاحْتَاجَ إِلَيْهِ لِمَعْرِفَتِهِ بِالْحَدِيثِ، وَفَقْهِهِ. وَقَدْ فَضَّلَهُ بَعْضُهُمْ فِي الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ عَلَى أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ. وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: مَا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ، وَوَرِثَ مِنْ أَبِيهِ مَالًا كَثِيرًا فَكَانَ يَتَصَدَّقُ بِهِ، وَكَانَ قَلِيلَ الْأَكْلِ جِدًّا. قِيلَ: كَانَ يَقْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ بِلَوْزَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثِ لَوْزَاتٍ. وَقِيلَ: لَمْ يَأْكُلِ الْإِدَامَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. قِيلَ: كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ كُلَّ شَهْرٍ مِنْ مُسْتَغَلَّاتِهِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَكَانَ يَصْرِفُهَا فِي الْفُقَرَاءِ، وَطَلَبَةِ الْعِلْمِ، وَكَانَ يُرَغِّبُهُمْ فِي تَحْصِيلِ الْحَدِيثِ، كَثِيرَ الْإِحْسَانِ إِلَى الطَّلَبَةِ مُفْرِطًا فِي الْكَرَمِ، وَأُعْطِيَ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ رِبْحَ بِضَاعَةٍ لَهُ فَأَخَّرَ فَأَعْطَاهُ آخَرُونَ عَشَرَةَ آلَافٍ فَقَالَ: إِنِّي نَوَيْتُ بَيْعَهَا لِلْأَوَّلِينَ، وَلَا أُحِبُّ أَنْ أُغَيِّرَ نِيَّتِي، وَعَثَرَتْ جَارِيَتُهُ بِمَحْبَرَةٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهَا: كَيْفَ تَمْشِينَ؟ ! فَقَالَتْ: إِذَا لَمْ يَكُنْ طَرِيقٌ كَيْفَ أَمْشِي؟ ! فَقَالَ: اذْهَبِي فَأَنْتِ حُرَّةٌ للَّهِ فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَغْضَبَتْكَ فَأَعْتَقْتَهَا فَقَالَ: أَرْضَيْتُ نَفْسِي بِمَا فَعَلْتُ. وَلَمَّا بَنَى رِبَاطًا مِمَّا يَلِي بُخَارَى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ يَبْنُونَهُ فَكَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّبِنَ فَيُقَالُ: قَدْ كُفِيتَ فَقَالَ: هَذَا هُوَ الَّذِي يَنْفَعُنِي، وَلَمَّا رَجَعَ إِلَى بُخَارَى نُصِبَتْ لَهُ الْقِبَابُ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْهَا، وَاسْتَقْبَلَهُ عَامَّةُ أَهْلِهَا، وَنُثِرَ عَلَيْهِ الدَّرَاهِمُ، وَالدَّنَانِيرُ، وَبَقِيَ مُدَّةً يُحَدِّثُهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْبَلَدِ خَالِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الذُّهْلِيُّ نَائِبُ الْخِلَافَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ يَتَلَطَّفُ مَعَهُ، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِالصَّحِيحِ، وَيُحَدِّثَهُمْ بِهِ فِي قَصْرِهِ ; فَامْتَنَعَ، وَقَالَ لِرَسُولِهِ: قُلْ لَهُ: إِنِّي لَا أُذِلُّ الْعِلْمَ، وَلَا أَحْمِلُهُ إِلَى أَبْوَابِ السَّلَاطِينِ، فَمَنِ احْتَاجَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ فَلْيَحْضُرْ فِي مَسْجِدِي، أَوْ دَارِي، فَإِنْ لَمْ يُعْجِبْكَ هَذَا فَأَنْتَ سُلْطَانٌ فَامْنَعْنِي مِنَ الْمَجْلِسِ لِيَكُونَ لِي عُذْرٌ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنِّي لَا أَكْتُمُ الْعِلْمَ. وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: الْعِلْمُ يُؤْتَى، وَلَا يَأْتِي، فَرَاسَلَهُ أَنْ يَعْقِدَ مَجْلِسًا لِأَوْلَادِهِ، وَلَا يَحْضُرَ غَيْرُهُمْ ; فَامْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ أَيْضًا، وَقَالَ: لَا يَسَعُنِي أَنْ أَخُصَّ بِالسَّمَاعِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ، وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: الْعِلْمُ لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ، فَحَصَلَتْ بَيْنَهُمَا وَحْشَةٌ ; فَاسْتَعَانَ الْأَمِيرُ بِعُلَمَاءِ بُخَارَى عَلَيْهِ حَتَّى تَكَلَّمُوا فِي مَذْهَبِهِ فَأَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْبَلَدِ فَدَعَا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ أَرِهِمْ مَا قَصَدُونِي بِهِ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَأَوْلَادِهِمْ، وَأَهَالِيهِمْ. فَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ فَلَمْ يَأْتِ شَهْرٌ حَتَّى وَرَدَ أَمْرُ الْخِلَافَةِ بِأَنْ يُنَادَى عَلَى الْأَمِيرِ فَأُرْكِبَ حِمَارًا فَنُودِيَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَحُبِسَ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِمَّنْ سَاعَدَهُ إِلَّا وَابْتُلِيَ بِبَلِيَّةٍ شَدِيدَةٍ. وَلَمَّا خَرَجَ مِنْ بُخَارَى كَتَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ سَمَرْقَنْدَ يَخْطُبُونَهُ لِبَلَدِهِمْ ; فَسَارَ إِلَيْهِمْ فَلَمَّا كَانَ بِخَرْتَنْكَ بِمُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ فِي الْأَشْهَرِ، أَوْ مَكْسُورَةٍ فَرَاءٍ سَاكِنَةٍ فَفَوْقِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ فَنُونٍ سَاكِنَةٍ فَكَافٍ، مَوْضِعٌ قَرِيبٌ بِسَمَرْقَنْدَ عَلَى فَرْسَخَيْنِ
الجزء 1 · صفحة 17
وَقِيلَ: نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَلَغَهُ أَنَّهُ وَقَعَ بَيْنَهُمْ بِسَبَبِهِ فِتْنَةٌ، فَقَوْمٌ يُرِيدُونَ دُخُولَهُ، وَآخَرُونَ يَكْرَهُونَهُ. وَكَانَ لَهُ أَقْرِبَاءُ بِهَا فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى يَنْجَلِيَ الْأَمْرُ فَأَقَامَ أَيَّامًا فَمَرِضَ حَتَّى وُجِّهَ إِلَيْهِ رَسُولٌ مِنْ أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ يَلْتَمِسُونَ خُرُوجَهُ إِلَيْهِمْ ; فَأَجَابَ، وَتَهَيَّأَ لِلرُّكُوبِ، وَلَبِسَ خُفَّيْهِ، وَتَعَمَّمَ، فَلَمَّا مَشَى قَدْرَ عِشْرِينَ خُطْوَةً إِلَى الدَّابَّةِ لِيَرْكَبَهَا قَالَ: أَرْسِلُونِي فَقَدْ ضَعُفْتُ فَأَرْسَلُوهُ فَدَعَا بِدَعَوَاتٍ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَقَضَى فَسَالَ مِنْهُ عَرَقٌ كَثِيرٌ لَا يُوصَفُ، وَمَا سَكَنَ الْعَرَقُ حَتَّى أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ. وَقِيلَ: ضَجِرَ لَيْلَةً فَدَعَا بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ اللَّهُمَّ قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ فَمَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ ذَكَرٍ لَيْلَةَ عِيدِ الْفِطْرِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ عَنِ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَتْ وِلَادَتُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي شَهْرِ شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَلَمَّا صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَوُضِعَ فِي حُفْرَتِهِ فَاحَ مِنْ تُرَابِ قَبْرِهِ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ كَالْمِسْكِ جَعَلَ النَّاسُ يَخْتَلِفُونَ إِلَى قَبْرِهِ مُدَّةً يَأْخُذُونَ مِنْ تُرَابِ قَبْرِهِ، وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ وَاقِفٌ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ: مَا وُقُوفُكَ هُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْتَظِرُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ بَلَغَنِي مَوْتُهُ، فَنَظَرْتَ فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ فِي السَّاعَةِ الَّتِي رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا، وَبَعْدَ نَحْوِ سَنَتَيْنِ مِنْ مَوْتِهِ اسْتَسْقَى أَهْلُ سَمَرْقَنْدَ مِرَارًا فَلَمْ يُسْقَوْا فَقَالَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ لِقَاضِيهَا: أَرَى أَنْ تَخَرُجَ بِالنَّاسِ إِلَى قَبْرِ الْبُخَارِيِّ، وَنَسْتَسْقِي عِنْدَهُ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَسْقِيَنَا فَفَعَلَ، وَبَكَى النَّاسُ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَتَشَفَّعُوا بِصَاحِبِهِ فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ السَّمَاءَ بِمَاءٍ غَزِيرٍ أَقَامَ النَّاسُ مِنْ أَجْلِهِ نَحْوَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ الْوُصُولَ إِلَى سَمَرْقَنْدَ مِنْ كَثْرَةِ الْمَطَرِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ، وَكِبَارِ التَّابِعِينَ لَمْ تَكُنِ الْأَحَادِيثُ مُدَوَّنَةً ; لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَصْحَابَهُ مِنْ كِتَابَةِ الْحَدِيثِ مَخَافَةَ خَلْطِهِ بِالْكَلَامِ الْقَدِيمِ، وَأَيْضًا دَائِرَةُ حِفْظِهِمْ كَانَتْ وَاسِعَةً بِبَرَكَةِ صُحْبَتِهِ، وَقُرْبِ مُدَّتِهِ، وَأَيْضًا أَكْثَرُهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَارِفِينَ بِصَنْعَةِ الْكِتَابَةِ، فَظَهَرَ فِي آخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ تَدْوِينُ الْأَحَادِيثِ، وَالْأَخْبَارِ، وَتَصْنِيفُ السُّنَنِ، وَالْآثَارِ، وَتَصَدَّوْا لِهَذَا الْأَمْرِ الشَّرِيفِ كَالزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ دَأْبُهُمْ تَصْنِيفَ كُلِّ بَابٍ عَلَى حِدَةٍ إِلَى عَهْدِ كِبَارِ أَهْلِ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ، فَأَلَّفُوا الْحَدِيثَ عَلَى تَرْتِيبِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، فَصَنَّفَ الْإِمَامُ مَالِكٌ مُقَدَّمُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مُوَطَّأَهُ، وَجَمَعَ فِيهِ أَحَادِيثَ أَهْلِ الْحِجَازِ مِمَّا ثَبَتَ وَصَحَّ عِنْدَهُ، وَأَدْرَجَ فِيهِ أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ، وَفَتَاوَى التَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَصَنَّفَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: أَبُو حَامِدٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ. وَمِنْ أَهْلِ الشَّامِ: أَبُو عَمْرٍو عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ. وَمِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ. وَمِنَ الْبَصْرِيِّينَ أَبُو سَلَمَةَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَبَعْدَهُمْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَعْيَانِ الْعُلَمَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ أَلَّفَ كِتَابًا. وَكَتَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ كُبَرَاءِ الْمُحَدِّثِينَ مَسَانِيدَهُمْ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى تَرْتِيبِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، لَكِنْ فِي الْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ لَمْ يُمَيَّزِ الصَّحِيحُ، وَالضَّعِيفُ، وَلَمَّا اطَّلَعَ الْبُخَارِيُّ عَلَى تَصَانِيفِهِمْ حَصَلَ لَهُ الْعَزْمُ بِطَرِيقِ الْجَزْمِ لِتَحْصِيلِ الْحَزْمِ عَلَى تَأْلِيفِ كِتَابٍ يَكُونُ جَمِيعُ أَحَادِيثِهِ صَحِيحَةً، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ شَيْخِي إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ يَوْمًا فَقَالَ: لَوْ جَمَعْتُمْ كِتَابًا مُخْتَصَرًا بِصَحِيحِ سُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَقَعَ فِي قَلْبِي تَصْنِيفُ كِتَابٍ فِي هَذَا الْبَابِ، وَتَقَدَّمَ رُؤْيَاهُ أَيْضًا، فَشَرَعَ فِيهِ، فَلَمَّا كَمَّلَهُ عَرَضَهُ عَلَى مَشَايِخِهِ مِثْلِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَغَيْرِهِمُ اسْتَحْسَنُوهُ، وَشَهِدُوا بِصِحَّةِ كِتَابِهِ، وَأَنَّهُ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي بَابِهِ، وَاسْتَثْنَوْا أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ
الجزء 1 · صفحة 18
وَتَوَقَّفُوا فِي صِحَّتِهَا. قَالَ الْعُقَيْلِيُّ: وَالْحَقُّ مَعَ الْبُخَارِيِّ فِيهَا أَيْضًا فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ. ثُمَّ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ، وَشُرَّاحُ الْبُخَارِيِّ فِي عَدَدِ أَحَادِيثِهِ بِالْمُكَرَّرِ، وَإِسْقَاطِ الْمُكَرَّرِ، وَالَّذِي حَقَّقَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ فِي أَنَّ جُمْلَةَ أَحَادِيثِهِ مَعَ التَّعَالِيقِ، وَالْمُتَابَعَاتِ، وَالشَّوَاهِدِ، وَمَعَ الْمُكَرَّرَاتِ تِسْعَةُ آلَافٍ وَاثْنَانِ وَثَمَانُونَ حَدِيثًا، وَبِإِسْقَاطِ الْمُكَرَّرِ أَحَادِيثُهُ الْمَرْفُوعَةُ: أَلْفَانِ وَسِتِّمِائَةٍ وَثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا، وَأَعْلَى أَسَانِيدِ أَحَادِيثِهِ، وَأَقْرَبُهُ إِلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَا يَكُونُ الْوَاسِطَةُ ثَلَاثَةً، وَوُجِدَ فِيهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فِي صَحِيحِهِ مَعَ الْمُكَرَّرِ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا، وَبِإِسْقَاطِ الْمُكَرَّرِ سِتَّةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَقَدْ أَفْرَدَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، ثُمَّ اتَّفَقَتِ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَلَقِّي الصَّحِيحَيْنِ بِالْقَبُولِ، وَأَنَّهُمَا أَصَحُّ الْكُتُبِ الْمُؤَلَّفَةِ، ثُمَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ صَحِيحَ الْبُخَارِيِّ أَرْجَحُهُمَا، وَأَصَحُّهُمَا قِيلَ: وَلَمْ يُوجَدْ عَنْ أَحَدٍ التَّصْرِيحُ بِنَقِيضِهِ لِأَنَّ قَوْلَ أَبِي عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيِّ مَا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَصَحُّ مِنْ كِتَابِ مُسْلِمٍ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَصَحِّيَّتِهِ عَلَى كِتَابِ الْبُخَارِيِّ ; لِأَنَّ نَفْيَ الْأَصَحِّيَّةِ لَا يَنْفِي الْمُسَاوَاةَ. وَتَفْضِيلُ بَعْضِ الْمَغَارِبَةِ لِصَحِيحِ مُسْلِمٍ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَرْجِعُ لِحُسْنِ السِّيَاقِ، وَجَوْدَةِ الْوَضْعِ، وَالتَّرْتِيبِ ; إِذْ لَمْ يُفْصِحْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِأَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى الْأَصَحِّيَّةِ، وَلَوْ صَرَّحُوا بِهِ لَرَدِّ عَلَيْهِمْ شَاهِدُ الْوُجُودِ؛ لِأَنَّ مَا يَدُورُ عَلَيْهِ الصِّحَّةُ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَوْجُودَةِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَوْجُودَةٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَلَى وَجْهٍ أَكْمَلَ، وَأَسَدَّ ; فَإِنَّ شَرْطَهُ فِيهَا أَقْوَى، وَأَشَدُّ، وَأَمَّا رُجْحَانُهُ مِنْ حَيْثُ الِاتِّصَالُ فَلِاشْتِرَاطِهِ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي قَدْ ثَبَتَ لَهُ الِاجْتِمَاعُ بِمَنْ يَرْوِي عَنْهُ، وَلَوْ مَرَّةً، وَاكْتَفَى مُسْلِمٌ بِمُجَرَّدِ الْمُعَاصَرَةِ نَظَرًا لِإِمْكَانِ اللَّقْيِ، وَأَمَّا رُجْحَانُهُ مِنْ حَيْثُ الْعَدَالَةُ، وَالضَّبْطُ فَلِأَنَّ الرِّجَالَ الَّذِينَ تُكِلِّمَ فِيهِمْ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ أَكْثَرُ عَدَدًا مِمَّنْ تُكِلِّمَ فِيهِمْ مِنْ رِجَالِ الْبُخَارِيِّ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُكْثِرْ مِنْ إِخْرَاجِ حَدِيثِهِمْ بَلْ غَالِبُهُمْ مِنْ شُيُوخِهِ الَّذِينَ أَخَذَ عَنْهُمْ، وَمَارَسَ حَدِيثَهُمْ، وَمَيَّزَ جِيِّدَهَا مِنْ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ مُسْلِمٍ فَإِنَّ أَكْثَرَ مَنْ تَفَرَّدَ بِتَخْرِيجِ أَحَادِيثِهِ مِمَّنْ تُكَلِّمَ فِيهِ، هُوَ مِمَّنْ تَقَدَّمَ عَصْرُهُ مِنَ التَّابِعِينَ، وَتَابِعِيهِمْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُحَدِّثَ أَعْرَفُ بِحَدِيثِ شُيُوخِهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ عَنْهُمْ. وَأَمَّا رُجْحَانُهُ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ الشُّذُوذِ، وَالْإِعْلَالِ ; فَلِأَنَّ مَا انْتُقِدَ عَلَى الْبُخَارِيِّ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَقَلُّ عَدَدًا مِمَّا انْتُقِدَ عَلَى مُسْلِمٍ، وَلَا يَقْدَحُ فِيهِمَا إِخْرَاجُهُمَا لِمَنْ طُعِنَ فِيهِ ; لِأَنَّ تَخْرِيجَ صَاحِبِ الصَّحِيحِ لِأَيِّ رَاوٍ كَانَ مُقْتَضٍ لِعَدَالَتِهِ عِنْدَهُ، وَصِحَّةِ ضَبْطِهِ، وَعَدَمِ غَفْلَتِهِ إِنْ خَرَّجَ لَهُ فِي الْأُصُولِ، فَإِنْ خَرَّجَ فِي الْمُتَابَعَاتِ، وَالشَّوَاهِدِ، وَالتَّعَالِيقِ كَانَتْ دَرَجَاتُهُ مُتَقَارِبَةً فِي الضَّبْطِ، وَغَيْرِهِ، لَكِنْ مَعَ حُصُولِ وَصْفِ الصِّدْقِ لَهُ فَالطَّعْنُ فِيمَنْ خَرَّجَ لَهُ أَحَدُهُمَا مُقَابِلٌ لِتَعْدِيلِهِ ; فَلَا يُقْبَلُ الْجَرْحُ إِلَّا مُفَسَّرًا بِمَا يَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِ، أَوْ فِي ضَبْطِهِ مُطْلَقًا، أَوْ فِي ضَبْطِهِ لِخَبَرٍ بِعَيْنِهِ لِتَفَاوُتِ الْأَسْبَابِ الْحَامِلَةِ لِلْأَئِمَّةِ عَلَى الْجَرْحِ، إِذْ مِنْهَا مَا لَا يَقْدَحُ، وَمِنْهَا مَا يَقْدَحُ، وَقَدْ كَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَقْدِسِيُّ يَقُولُ فِيمَنْ خَرَّجَ لَهُ أَحَدُهُمَا فِي الصَّحِيحِ هَذَا جَازَ الْقَنْطَرَةَ يَعْنِي لَا يُلْتَفَتُ لِمَا قِيلَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُمَا مُقَدَّمَانِ عَلَى أَئِمَّةِ عَصْرِهِمَا، وَمَنْ بَعْدَهُمَا فِي مَعْرِفَةِ الصَّحِيحِ، وَالْعِلَلِ، فَهُوَ أَصَحُّ الْكُتُبِ بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا نُقِلَ عَنِ الْحَاكِمِ أَبِي أَحْمَدَ شَيْخِ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ إِمَامُ الْمُحَدِّثِينَ، وَكُلُّ مَنْ أَتَى بَعْدَهُ، وَصَنَّفَ كِتَابًا فِي الْحَدِيثِ، وَأَفْرَدَهُ فَفِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا أَخَذَهُ عَنْهُ فَالْفَضْلُ لِلْمُتَقَدِّمِ حَتَّى إِنَّ مُسْلِمًا أَتَى بِأَحَادِيثِهِ مُفَرَّقًا فِي كِتَابِهِ، وَتَجَلَّدَ غَايَةَ التَّجَلُّدِ حَيْثُ لَمْ يُسْنِدْهَا إِلَى جَنَابِهِ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَوْلَا الْبُخَارِيُّ لَمَا رَاحَ مُسْلِمٌ، وَلَا جَاءَ، أَخَذَ كِتَابَهُ، وَزَادَ عَلَيْهِ أَبْوَابَهُ. وَلِلْبُخَارِيِّ مُصَنَّفَاتٌ غَيْرُ الصَّحِيحِ: كَالْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ، وَالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَالتَّارِيخِ الْكَبِيرِ، وَالْأَوْسَطِ، وَالصَّغِيرِ، وَخَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَكِتَابِ الضُّعَفَاءِ، وَالْجَامِعِ الْكَبِيرِ، وَالْمُسْنَدِ الْكَبِيرِ، وَالتَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ، وَكِتَابِ الْأَشْرِبَةِ، وَكِتَابِ الْهِبَةِ، وَأَسَامِي الصَّحَابَةِ، وَكِتَابِ الْوِجْدَانِ، وَكِتَابِ الْعِلَلِ، وَكِتَابِ الْكُنَى، وَكِتَابِ الْمَبْسُوطِ، وَكِتَابِ الْفَوَائِدِ. رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: رَوَيْتُ الْحَدِيثَ عَنْ أَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةِ مُحَدِّثٍ. رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ كَمُسْلِمٍ فِي غَيْرِ صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ، وَأَبِي زُرْعَةَ، وَأَبِي حَاتِمٍ، وَكَذَا النَّسَائِيُّ فِي قَوْلِ غَيْرِهِمْ. وَبِالْجُمْلَةِ، قِيلَ: رَوَى عَنْهُ مِائَةُ أَلْفِ مُحَدِّثٍ. رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَعْيَنِ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ قَدَرْتُ عَلَى أَنْ أَزِيدَ مِنْ عُمْرِي فِي عُمْرِ الْبُخَارِيِّ لَفَعَلْتُ لَأَنَّ مَوْتِي مَوْتُ وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ، وَمَوْتُ الْبُخَارِيِّ ذَهَابُ الْعِلْمِ، وَمَوْتُ الْعَالَمِ، وَنِعْمَ مَا قِيلَ:
إِذَا مَا مَاتَ ذُو عِلْمٍ، وَفَتْوَى ... فَقَدْ وَقَعَتْ مِنَ الْإِسْلَامِ ثُلْمَةٌ
الجزء 1 · صفحة 19
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَرْوَزِيُّ: كُنْتُ نَائِمًا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لِي: (يَا أَبَا زَيْدٍ إِلَى مَتَى تَدْرُسُ كِتَابَ الشَّافِعِيِّ، وَلَا تَدْرُسُ كِتَابِي؟ !) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا كِتَابُكَ؟ ! قَالَ: (جَامِعُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ) .
(وَأَبِي الْحُسَيْنِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرِيِّ) : بِالتَّصْغِيرِ نِسْبَةً إِلَى قُشَيْرٍ قَبِيلَةٍ مِنَ الْعَرَبِ، وَهُوَ نَيْسَابُورِيٌّ أَحَدُ أَئِمَّةِ عُلَمَاءِ هَذَا الشَّأْنِ، جَمَعَ مِنْ مَشَايِخِ الْبُخَارِيِّ، وَغَيْرِهِمْ كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، وَالْقَعْنِيِّ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ عَصْرِهِ، وَحُفَّاظِ دَهْرِهِ كَأَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ، وَأَبِي خُزَيْمَةَ، وَخَلَائِقَ. وَلَهُ الْمُصَنَّفَاتُ الْجَلِيلَةُ غَيْرُ جَامِعِهِ الصَّحِيحِ كَالْمُسْنَدِ الْكَبِيرِ صَنَّفَهُ عَلَى تَرْتِيبِ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ لَا عَلَى تَبْوِيبِ الْفِقْهِ، وَكَالْجَامِعِ الْكَبِيرِ عَلَى تَرْتِيبِ الْأَبْوَابِ، وَكِتَابِ الْعِلَلِ، وَكِتَابِ أَوْهَامِ الْمُحَدِّثِينَ، وَكِتَابِ التَّمْيِيزِ، وَكِتَابِ مَنْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا رَاوٍ وَاحِدٌ، وَكِتَابِ طَبَقَاتِ التَّابِعِينَ، وَكِتَابِ الْمُخَضْرَمِينَ. قَالَ: صَنَّفْتُ الصَّحِيحَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ مَسْمُوعَةٍ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ بِإِسْقَاطِ الْمُكَرَّرِ، وَأَعْلَى أَسَانِيدِهِ مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعَةُ وَسَائِطَ، وَلَهُ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ حَدِيثًا بِهَذَا الطَّرِيقِ، وُلِدَ عَامَ وَفَاةِ الشَّافِعِيِّ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ، وَتُوُفِّيَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَقَدْ رَحَلَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَالْحِجَازِ، وَالشَّامِ، وَمِصْرَ، وَقَدِمَ بَغْدَادَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَحَدَّثَ بِهَا، وَكَانَ آخِرُ قُدُومِهِ بَغْدَادَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ عُقِدَ لَهُ مَجْلِسٌ بِنَيْسَابُورَ لِلْمُذَاكَرَةِ فَذُكِرَ لَهُ حَدِيثٌ فَلَمْ يَعْرِفْهُ فَانْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَقُدِّمَتْ لَهُ سَلَّةٌ فِيهَا تَمْرٌ فَكَانَ يَطْلُبُ الْحَدِيثَ، وَيَأْخُذُ تَمْرَةً تَمْرَةً فَأَصْبَحَ وَقَدْ فَنِيَ التَّمْرُ، وَوَجَدَ الْحَدِيثَ، وَيُقَالُ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ سَبَبَ مَوْتِهِ ; وَلِذَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: كَانَتْ وَفَاتُهُ لِسَبَبٍ غَرِيبٍ نَشَأَ مِنْ غَمْرَةِ فِكْرَةٍ عِلْمِيَّةٍ. وَسِنُّهُ قِيلَ: خَمْسٌ وَخَمْسُونَ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَتَوَقَّفَ فِيهِ الذَّهَبِيُّ، وَقَالَ: إِنَّهُ قَارَبَ السِتِّينَ، وَهُوَ أَشْبَهُ مِنَ الْجَزْمِ بِبُلُوغِهِ السِتِّينَ.
قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا عَلَّامَةُ الْعُلَمَاءِ الْمُتَبَحِّرِينَ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ الْجَزَرِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ شَرْحِهِ لِلْمَصَابِيحِ الْمُسَمَّى بِتَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ: إِنِّي زُرْتُ قَبْرَهُ بِنَيْسَابُورَ، وَقَرَأْتُ بَعْضَ صَحِيحِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّيَمُنِ، وَالتَّبَرُّكِ عِنْدَ قَبْرِهِ، وَرَأَيْتُ آثَارَ الْبَرَكَةِ، وَرَجَاءَ الْإِجَابَةِ فِي تُرْبَتِهِ.
(وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) : وَهُوَ غَيْرُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ كَمَا تُوُهِّمَ (الْأَصْبَحِيِّ) : نِسْبَةً إِلَى ذِي أَصْبَحَ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ أَحَدِ أَجْدَادِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ، وَأُخِّرَ عَنِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ ذِكْرًا، وَإِنْ كَانَ مُقَدَّمًا عَلَيْهِمَا وَجُودًا، وَرُتْبَةً، وَإِسْنَادًا لِتَقَدُّمِ كِتَابَيْهِمَا عَلَى كِتَابِهِ تَرْجِيحًا ; لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ تَصْحِيحًا، وَهُوَ مِنْ تَابِعِي التَّابِعِينَ، وَقِيلَ: مِنَ التَّابِعِينَ إِذْ رُوِيَ أَنَّهُ رَوَى عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَصُحْبَتُهَا ثَابِتَةٌ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: كِتَابُ مَالِكٍ صَحِيحٌ عِنْدَهُ، وَعِنْدَ مَنْ تَقَلَّدَهُ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ نَظَرُهُ مِنَ الِاحْتِجَاجِ بِالْمُرْسَلِ، وَالْمُنْقَطِعِ، وَغَيْرِهِمَا. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: مَا فِيهِ مِنَ الْمَرَاسِيلِ فَإِنَّهَا مَعَ كَوْنِهَا حُجَّةً عِنْدَهُ بِلَا شَرْطٍ، وَعِنْدَ مَنْ وَافَقَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِالْمُرْسَلِ - حُجَّةٌ أَيْضًا عِنْدَنَا إِذَا اعْتُمِدَ، وَمَا مِنْ مُرْسَلٍ فِي الْمُوَطَّأِ إِلَّا وَلَهُ عَاضِدٌ، أَوْ عَوَاضِدُ ; فَالصَّوَابُ إِطْلَاقُ أَنَّ الْمُوَطَّأَ صَحِيحٌ لَا يُسْتَثْنَى مِنْهُ شَيْءٌ، وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كِتَابًا فِي وَصْلِ مَا فِي الْمُوَطَّأِ مِنَ الْمُرْسَلِ، وَالْمُنْقَطِعِ، وَالْمُعْضَلِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ مُرْسَلَ الثِّقَةِ تَجِبُ بِهِ الْحُجَّةُ، وَيَلْزَمُ بِهِ الْعَمَلُ كَمَا تَجِبُ بِالْمُسْنَدِ سَوَاءً، قَالَ الْبُخَارِيُّ إِمَامُ الصَّنْعَةِ: أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ مُنْتَشِرٌ مُشْتَهِرٌ، وَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ قَالُوا: أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ عَنْ مَالِكٍ الشَّافِعِيُّ ; إِذْ هُوَ أَجَلُّ أَصْحَابِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَحْمَدُ: جَمَعْتُ الْمُوَطَّأَ مِنْ سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ حُفَّاظِ أَصْحَابِ مَالِكٍ، ثُمَّ مِنَ الشَّافِعِيِّ فَوَجَدْتُهُ أَقْوَمَهُمْ بِهِ، وَأَصَحُّهَا عَنِ الشَّافِعِيِّ أَحْمَدُ، وَلِاجْتِمَاعِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ فِي هَذَا السَّنَدِ قِيلَ لَهَا: سِلْسِلَةُ الذَّهَبِ.
الجزء 1 · صفحة 20
قِيلَ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ إِكْثَارُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ إِخْرَاجَ حَدِيثِ مَالِكٍ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ، وَعَدَمُ إِخْرَاجِ أَصْحَابِ الْأُصُولِ حَدِيثَ مَالِكٍ مِنْ جِهَةِ الشَّافِعِيِّ، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلَعَلَّ جَمْعُهُ الْمُسْنَدَ كَانَ قَبْلَ سَمَاعِهِ مِنَ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِطَلَبِهِمُ الْعُلُوَّ الْمُقَدَّمَ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ عَلَى مَا عَدَاهُ مِنَ الْأَغْرَاضِ.
قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَتَيْنَا مَالِكًا فَجَعَلَ يُحَدِّثُنَا عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكُنَّا نَسْتَزِيدُهُ مِنْ حَدِيثِهِ، فَقَالَ لَنَا يَوْمًا: مَا تَصْنَعُونَ بِرَبِيعَةَ؟ ! هُوَ نَائِمٌ فِي ذَلِكَ الطَّاقِ ; فَأَتَيْنَا رَبِيعَةَ فَنَبَّهْنَاهُ، وَقُلْنَا لَهُ: أَنْتَ رَبِيعَةُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ قُلْنَا: الَّذِي يُحَدِّثُ عَنْكَ مَالِكٌ؟ ! قَالَ: نَعَمْ قُلْنَا: كَيْفَ حَظِيَ بِكَ مَالِكٌ، وَلَمْ تَحْظَ أَنْتَ بِنَفْسِكَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ مِثْقَالَ دُولَةٍ خَيْرٌ مِنْ حَمْلِ عِلْمٍ. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالدُّولَةِ اللُّطْفَ الرَّبَّانِيَّ، وَالتَّوْفِيقَ الْإِلَهِيَّ. قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ: الثَّوْرِيُّ إِمَامٌ فِي الْحَدِيثِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ إِمَامٌ فِي السُّنَّةِ، وَمَالِكٌ إِمَامٌ فِيهِمَا، وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ قَالَ لَهُ: أَمَّا أَنَا فَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ دِينِي، وَأَمَّا أَنْتَ فَشَاكٌّ اذْهَبْ إِلَى شَاكٍّ مِثْلِكَ فَخَاصِمْهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رَأَيْتُ عَلَى بَابِ مَالِكٍ كُرَاعًا مِنْ أَفْرَاسِ خُرَاسَانَ، وَبِغَالِ مِصْرَ مَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ مِنْهُ! فَقُلْتُ: مَا أَحْسَنَهُ! فَقَالَ: هُوَ هَدِيَّةٌ مِنِّي إِلَيْكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: دَعْ لِنَفْسِكَ دَابَّةً تَرْكَبُهَا فَقَالَ: أَنَا أَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أَطَأَ تُرْبَةً فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ بِحَافِرِ دَابَّةٍ، وَكَانَ مُبَالِغًا فِي تَعْظِيمِ حَدِيثِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحَدِّثَ: تَوَضَّأَ، وَجَلَسَ عَلَى صَدْرِ فِرَاشِهِ، وَسَرَّحَ لِحْيَتَهُ، وَتَطَيَّبُ، وَتَمَكَّنَ مِنَ الْجُلُوسِ عَلَى وَقَارٍ، وَهَيْبَةٍ، ثُمَّ حَدَّثَ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: أُحِبُّ أَنْ أُعَظِّمَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَمِنْ كَلَامِهِ: إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْإِنْسَانِ فِي نَفْسِهِ خَيْرٌ لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ فِيهِ خَيْرٌ. وَقَالَ: لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ نُورٌ يَضَعُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ. قَالَ مَالِكٌ: قَالَ لِي هَارُونُ الرَّشِيدُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، يَنْبَغِي أَنْ تَخْتَلِفَ إِلَيْنَا حَتَّى يَسْمَعَ صِبْيَانُنَا مِنْكَ الْمُوَطَّأَ، يَعْنِي الْأَمِينَ، وَالْمَأْمُونَ، فَقُلْتُ: أَعَزَّ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ مِنْكُمْ خَرَجَ فَإِنْ أَنْتُمْ أَعْزَزْتُمُوهُ عَزَّ، وَإِنْ أَنْتُمْ أَذْلَلْتُمُوهُ ذَلَّ. وَفِي رِوَايَةٍ: مَهْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا تَضَعْ عِزَّ شَيْءٍ رَفَعَهُ اللَّهُ، وَالْعِلْمُ يُؤْتَى، وَلَا يَأْتِي، قَالَ: صَدَقْتَ. وَفِي رِوَايَةٍ: صَدَقْتَ أَيُّهَا الشَّيْخُ، كَانَ هَذَا هَفْوَةً مِنِّي اسْتُرْهَا عَلَيَّ اخْرُجُوا إِلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى تَسْمَعُوا مَعَ النَّاسِ. وَسَأَلَهُ الرَّشِيدُ: أَلَكَ دَارٌ؟ قَالَ: لَا، فَأَعْطَاهُ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَقَالَ: اشْتَرِ بِهَا دَارًا فَأَخَذَهَا، وَلَمْ يُنْفِقْهَا، وَلَمَّا أَرَادَ الرَّشِيدُ الشُّخُوصَ، قَالَ لِمَالِكٍ: يَنْبَغِي أَنْ تَخْرُجَ مَعِي ; فَإِنِّي عَزَمْتُ أَنْ أَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى الْمُوَطَّأِ كَمَا حَمَلَ عُثْمَانُ النَّاسَ عَلَى الْقُرْآنِ. فَقَالَ: أَمَّا حَمْلُ النَّاسِ عَلَى الْمُوَطَّأِ فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - افْتَرَقُوا بَعْدَهُ فِي الْأَمْصَارِ فَحَدَّثُوا فَعِنْدَ أَهْلِ كُلِّ مِصْرٍ عِلْمٌ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ» "، وَأَمَّا الْخُرُوجُ مَعَكَ ; فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» "، وَهَذِهِ دَنَانِيرُكُمْ كَمَا هِيَ إِنْ شِئْتُمْ فَخُذُوهَا، وَإِنْ شِئْتُمْ فَدَعُوهَا، يَعْنِي أَنَّكَ إِنَّمَا كَلَّفْتَنِي مُفَارَقَةَ الْمَدِينَةِ لِمَا صَنَعْتَ إِلَيَّ فَلَا أُوثِرُ الدُّنْيَا عَلَى مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ. وَصَحَّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا فِي الْأَرْضِ كِتَابٌ فِي الْعِلْمِ أَكْثَرُ صَوَابًا مِنْ مُوَطَّأِ مَالِكٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: مَا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَصَحُّ مِنْ مُوَطَّأِ مَالِكٍ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ هَذَا قَبْلَ وُجُودِ الصَّحِيحَيْنِ، وَإِلَّا فَهُمَا أَصَحُّ مِنْهُ اتِّفَاقًا، وَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ مَسِيرَةِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فِي مَسْأَلَةٍ أَرْسَلَهُ بِهَا أَهْلُ بَلَدِهِ فَقَصَّ عَلَيْهِ خَبَرَهُ، فَقَالَ: لَا أُحْسِنُ. قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ لَهُمْ؟ قَالَ: قُلْ لَهُمْ: قَالَ مَالِكٌ لَا أُحْسِنُ! أَخَذَ عَنْ ثَلَاثِمِائَةِ تَابِعِيٍّ، وَأَرْبَعَمِائَةٍ مِنْ تَابِعِيهِمْ. تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعٍ
الجزء 1 · صفحة 21
أَوْ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، وَقَبْرُهُ مَشْهُورٌ بِهِ، وَوُلِدَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ عَلَى الْأَشْهَرِ. قِيلَ: مَكَثَ حَمْلًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَقِيلَ أَكْثَرَ، وَقِيلَ: سَنَتَيْنِ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: مَاتَ وَلَهُ تِسْعُونَ سَنَةً. وَقِيلَ: مَالِكٌ أَثْبَتُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ، وَأَبِي الْمُنْكَدِرِ، وَنَافِعٍ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَهُشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَرَبِيعَةَ، وَجَمْعٍ كَثِيرٍ، وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْهُ مَعَ أَنَّهُ مِنْ شُيُوخِهِ، وَمِنْ أَجِلَّاءِ التَّابِعِينَ، فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ رِوَايَةِ الْأَكَابِرِ عَنِ الْأَصَاغِرِ، وَقَدْ رَوَى عَنْ مَالِكٍ: ابْنُ جُرَيْجٍ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَشُعْبَةُ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ وَهْبٍ، وَخَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ. قَالَ مَالِكٌ: قَلَّ مَنْ أَخَذْتُ عَنْهُ الْحَدِيثَ أَنَّهُ مَا جَاءَنِي، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنِّي الْفَتْوَى.
(وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ) : نِسْبَةٌ إِلَى شَافِعٍ أَحَدِ أَجْدَادِهِ، قِيلَ: شَافِعٌ كَانَ صَاحِبَ رَايَةِ بَنِي هَاشِمٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَأُسِرَ، وَفَدَى نَفْسَهُ فَأَسْلَمَ، وَقِيلَ: لَقِيَ شَافِعٌ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ مُتَرَعْرِعٌ، وَأَسْلَمَ أَبُوهُ السَّائِبُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ السَّائِبُ صَاحِبَ رَايَةِ بَنِي هَاشِمٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُسِرَ، وَفَدَى نَفْسَهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ يَظْهَرُ وَجْهُ تَخْصِيصِ النِّسْبَةِ إِلَيْهِ، ثُمَّ نِسْبَةُ أَهْلِ مَذْهَبِهِ أَيْضًا شَافِعِيٌّ.
وَقَوْلُ الْعَامَّةِ: شَافِعَوِيٌّ خَطَأٌ، وَهُوَ الْمُطَّلِبِيُّ الْحِجَازِيُّ الْمَكِّيُّ ابْنُ عَمِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يَلْتَقِي مَعَهُ فِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَوَرْدَ خَبَرٌ ( «عَالِمُ قُرَيْشٍ يَمْلَأُ طِبَاقَ الْأَرْضِ عِلْمًا» ) طُرُقُهُ مُتَمَاسِكَةٌ، وَلَيْسَ بِمَوْضُوعِ خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِيهِ كَمَا بَيَّنَهُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ كَأَحْمَدَ، وَأَبِي نُعَيْمٍ، وَالْبَيْهَقِيِّ، وَالنَّوَوِيِّ. وَقَالَ: إِنَّهُ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ، وَمِمَّنْ حَمَلَهُ عَلَى الشَّافِعِيِّ أَحْمَدُ، وَتَبِعَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَى ذَلِكَ، وُلِدَ بِغَزَّةَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: بِعَسْقَلَانَ، وَقِيلَ: بِالْيَمَنِ، وَقِيلَ: بِمِنًى، وَقِيلَ: بِالْبَحْرِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ اتِّفَاقًا، وَهِيَ سَنَةُ وَفَاةِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقِيلَ: وُلِدَ يَوْمَ مَوْتِهِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا التَّقْيِيدُ لَمْ أَجِدْهُ إِلَّا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَمَّا بِالْعَامِّ، فَهُوَ مَشْهُورٌ بَيْنَ أَهْلِ التَّوَارِيخِ، وَنَشَأَ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أُمِّهِ فِي ضِيقِ عَيْشٍ بِحَيْثُ كَانَتْ لَا تَجِدُ أُجْرَةَ الْمُعَلِّمِ، وَكَانَ يُقَصِّرُ فِي تَعْلِيمِهِ. وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَتَلَقَّفُ مَا يُعَلِّمُهُ لِغَيْرِهِ فَإِذَا ذَهَبَ عَلَّمَهُمْ إِيَّاهُ فَكَفَى الْمُعَلِّمَ أَمْرَهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا لَوْ أَعْطَاهُ أُجْرَةً فَتَرَكَهَا، وَاسْتَمَرَّ حَتَّى تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ لِسَبْعِ سِنِينَ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ مُجَالَسَةُ الْعُلَمَاءِ، وَكَانَ يَكْتُبُ مَا يَسْتَفِيدُ مِنْهُمْ فِي الْعِظَامِ، وَنَحْوِهَا، لِعَجْزِهِ عَنِ الْوَرَقِ، وَكَانَ يُؤْثِرُ الشِّعْرَ، وَالْأَدَبَ إِلَى أَنَّ تَمَثَّلَ بِبَيْتٍ، وَعِنْدَهُ كَاتِبُ أُسْتَاذِ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزَّنْجِيِّ مُفْتِي مَكَّةَ، فَقَرَعَهُ بِسَوْطٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مِثْلُكَ يَذْهَبُ بِمُرُوءَتِهِ فِي مِثْلِ هَذَا! أَيْنَ أَنْتَ مِنَ الْفِقْهِ؟ ! فَهَزَّهُ ذَلِكَ إِلَى مُجَالَسَةِ مُسْلِمٍ، وَمِنْ أَشْعَارِهِ:
يَا أَهْلَ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ حُبُّكُمُ ... فَرْضٌ مِنَ اللَّهِ فِي الْقُرْآنِ أَنْزَلَهُ
كَفَاكُمُ مِنْ عَظِيمِ الْقَدْرِ أَنَّكُمُ ... مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْكُمْ لَا صَلَاةَ لَهُ
ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَعُمْرُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَازَمَ مَالِكًا فَأَكْرَمَهُ، وَعَامَلَهُ لِنَسَبِهِ، وَعَلَّمَهُ، وَفَهَّمَهُ، وَأَدَّبَهُ، وَعَقَّلَهُ بِمَا هُوَ اللَّائِقُ بِهِمَا، وَكَانَ حَفِظَ الْمُوَطَّأَ بِمَكَّةَ لَمَّا أَرَادَ الرِّحْلَةَ إِلَى مَالِكٍ حِينَ سَمِعَ أَنَّهُ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مَالِكٌ يَسْتَزِيدُهُ مِنْ قِرَاءَتِهِ ; لِإِعْجَابِهِ بِهَا حَتَّى قَرَأَهُ عَلَيْهِ فِي أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ، وَقَالَ لَهُ مَرَّةً لَمَّا تَفَرَّسَ فِيهِ النَّجَابَةَ، وَالْإِمَامَةَ: اتَّقِ اللَّهَ إِنَّهُ سَيَكُونُ لَكَ شَأْنٌ، وَأُخْرَى إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَلْقَى عَلَيْكَ نُورًا فَلَا تُطْفِئْهُ بِالْمَعْصِيَةِ ; قَالَ: فَمَا ارْتَكَبْتُ كَبِيرَةً قَطُّ. ثُمَّ بَعْدَ وَفَاةِ مَالِكٍ رَحَلَ عَنِ الْمَدِينَةِ إِلَى الْيَمَنِ، وَوَلِيَ بِهَا الْقَضَاءَ، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَجَدَّ فِي التَّحْصِيلِ، وَنَاظَرَ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ، وَغَيْرَهُ،
الجزء 1 · صفحة 22
وَنَشَرَ عِلْمَ الْحَدِيثِ، وَشَاعَ ذِكْرُهُ، وَفَضْلُهُ إِلَى أَنْ مَلَأَ الْبِقَاعَ، وَالْأَسْمَاعَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي مَدْحِ الشَّافِعِيِّ: إِنَّهُ اسْتَعَارَ مِنِّي كِتَابَ الْأَوْسَطِ لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَحَفِظَهُ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.
وَلَمَّا صَنَّفَ كِتَابَ الرِّسَالَةِ أُعْجِبَ بِهِ أَهْلُ عَصْرِهِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى اسْتِحْسَانِهِ، وَأَنَّهُ مِنَ الْخَوَارِقِ حَتَّى قَالَ الْمُزَنِيُّ: قَرَأْتُهُ خَمْسَمِائَةِ مَرَّةٍ مَا مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَقَدِ اسْتَفَدْتُ مِنْهُ شَيْئًا لَمْ أَكُنْ عَرَفْتُهُ، وَكَانَ أَحْمَدُ يَدْعُو لَهُ فِي صَلَاتِهِ لَمَّا رَأَى اهْتِمَامَهُ بِنَصْرِ السُّنَّةِ. وَصَنَّفَ فِي الْعِرَاقِ كِتَابَهُ الْقَدِيمَ الْمُسَمَّى بِالْحُجَّةِ، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى مِصْرَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَصَنَّفَ كُتَبَهُ الْجَدِيدَةَ بِهَا، وَرَجَعَ عَنْ تِلْكَ، وَمَجْمُوعُهَا يَبْلُغُ مِائَةً وَثَلَاثَةَ عَشَرَ مُصَنَّفًا، وَشَاعَ ذِكْرُهَا فِي الْبُلْدَانِ، وَقَصَدَهُ النَّاسُ مِنَ الْأَقْطَارِ لِلْأَخْذِ عَنْهُ، وَكَذَا أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ لِسَمَاعِ كُتُبِهِ، حَتَّى اجْتَمَعَ فِي يَوْمٍ عَلَى بَابِ الرَّبِيعِ تِسْعُمِائَةِ رَاحِلَةٍ. وَابْتَكَرَ أُصُولَ الْفِقْهِ، وَكِتَابَ الْقَسَامَةِ، وَكِتَابَ الْجِزْيَةِ، وَكِتَابَ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَكَانَ حُجَّةً فِي اللُّغَةِ، وَالنَّحْوِ، وَأَذِنَ لَهُ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ مُفْتِي مَكَّةَ فِي الْإِفْتَاءِ بِهَا، وَعُمْرُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَرُبَّمَا أُوقِدَ لَهُ الْمِصْبَاحُ فِي اللَّيْلَةِ ثَلَاثِينَ مَرَّةً، وَلَمْ يُبْقِهِ دَائِمَ الْوَقُودِ. قَالَ ابْنُ أُخْتِهِ مِنْ أُمِّهِ: لِأَنَّ الظُّلْمَةَ أَجْلَى لِلْقُلُوبِ. وَكَانَ يَقُولُ: إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ، فَهُوَ مَذْهَبِي، وَاضْرِبُوا بِقَوْلِي الْحَائِطَ، وَانْفَرَدَ بِالْإِعْرَاضِ عَنِ التَّمَسُّكِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي غَيْرِ الْفَضَائِلِ، وَمِنْ كَلَامِهِ الدَّالِّ عَلَى إِخْلَاصِهِ: وَدِدْتُ أَنَّ كُلَّ مَا تَعَلَّمَهُ النَّاسُ أُوْجَرُ عَلَيْهِ، وَلَا يَحْمَدُونِي قَطُّ، وَوَدِدْتُ إِذَا مَا نَاظَرْتُ أَحَدًا أَنْ يَظْهَرَ الْحَقُّ عَلَى يَدَيْهِ.
وَمِنْ حِكَمِهِ الْبَالِغَةِ: طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ، وَمَنْ أَرَادَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةَ فَعَلَيْهِ بِالْعِلْمِ أَيْ: مَعَ الْعَمَلِ، وَمَا أَفْلَحَ فِي الْعِلْمِ إِلَّا مَنْ طَلَبَهُ فِي الذِّلَّةِ، وَلَقَدْ كُنْتُ أَطْلُبُ الْقِرْطَاسَ فَيَعِزُّ عَلَيَّ، لَا يَتَعَلَّمُ أَحَدٌ هَذَا الْعِلْمَ بِالْمَلَكَةِ، وَعِزَّةِ النَّفْسِ فَيُفْلِحُ، وَلَكِنْ مَنْ طَلَبَهُ بِذِلَّةِ النَّفْسِ، وَضِيقِ الْعَيْشِ أَفْلَحَ، تَفَقَّهْ قَبْلَ أَنْ تَرْأَسَ فَإِذَا تَرَأَّسْتَ فَلَا سَبِيلَ إِلَى التَّفَقُّهِ. زِينَةُ الْعِلْمِ الْوَرَعُ، وَالْحِلْمُ، لَا عَيْبَ فِي الْعُلَمَاءِ أَقَبَحُ مِنْ رَغْبَتِهِمْ فِيمَا زَهَّدَهُمُ اللَّهُ فِيهِ، وَزُهْدِهِمْ فِيمَا رَغَّبَهُمُ اللَّهُ فِيهِ. فَقْرُ الْعُلَمَاءِ فَقْرُ اخْتِيَارٍ وَفَقْرُ الْجُهَّالِ فَقْرُ اضْطِرَارٍ، النَّاسُ فِي غَفْلَةٍ مِنْ سُورَةِ {وَالْعَصْرِ - إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 1 - 2] مَنْ لَمْ تُعِزَّهُ التَّقْوَى فَلَا تَقْوَى لَهُ، مَا فَرَغْتُ مِنَ الْعِلْمِ قَطُّ، طَلَبُ فُضُولِ الدُّنْيَا عُقُوبَةٌ عَاقَبَ اللَّهُ بِهَا أَهْلَ التَّوْحِيدِ. مَنْ غَلَبَتْهُ شِدَّةُ الشَّهْوَةِ لِلدُّنْيَا لَزِمَتْهُ الْعُبُودِيَّةُ لِأَهْلِهَا، وَمَنْ رَضِيَ بِالْقُنُوعِ زَالَ عَنْهُ الْخُضُوعُ، لَا يَعْرِفُ الرِّيَاءَ إِلَّا الْمُخْلِصُونَ، لَوِ اجْتَهَدْتَ كُلَّ الْجُهْدِ عَلَى أَنْ تُرْضِيَ النَّاسَ كُلَّهُمْ فَلَا سَبِيلَ لِذَلِكَ فَأَخْلِصْ عَمَلَكَ وَنِيَّتَكَ لِلَّهِ، لَوْ أَوْصَى رَجُلٌ بِشَيْءٍ لَأَعْقَلِ النَّاسِ صُرِفَ لِلزُّهَّادِ، سِيَاسَةُ النَّاسِ أَشَدُّ مِنْ سِيَاسَةِ الدَّوَابِّ، الْعَاقِلُ مَنْ عَقَلَهُ عَقْلُهُ عَنْ كُلِّ مَذْمُومٍ، وَمَنْ نَمَّ لَكَ نَمَّ بِكَ، مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ سِرًّا فَقَدْ نَصَحَهُ وَمَنْ وَعَظَهُ عَلَانِيَةً فَقَدْ فَضَحَهُ، التَّوَاضُعُ مِنْ أَخْلَاقِ الْكِرَامِ، وَالتَّكَبُّرُ مِنْ شِيَمِ اللِّئَامِ. أَرْفَعُ النَّاسِ قَدْرًا مَنْ لَا يَرَى قَدْرَهُ. الشَّفَاعَاتُ زَكَاةُ الْمُرُوءَاتِ. مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَلَمْ يَفْتَقِرْ فَهُوَ لِصٌّ. لَا بَأْسَ لِلْفَقِيهِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ سَفِيهٌ يُسَافِهُ بِهِ. مُدَارَاةُ الْأَحْمَقِ غَايَةٌ لَا تُدْرَكُ. الِانْبِسَاطُ إِلَى النَّاسِ مَجْلَبَةٌ لِقُرَنَاءِ السُّوءِ، وَالِانْفِرَادُ عَنْهُمْ مَكْسَبَةٌ لِلْعَدَاوَةِ فَكُنْ بَيْنَ الْمُنْقَبِضِ وَالْمُنْبَسِطِ، لَأَنْ يُبْتَلَى الْمَرْءُ بِكُلِّ ذَنْبٍ مَا عَدَا الشِّرْكَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْكَلَامِ فَإِنِّي وَاللَّهِ اطَّلَعْتُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ عَلَى شَيْءٍ مَا ظَنَنْتُهُ قَطُّ. وَكَانَ يَكْتُبُ ثُلُثَ اللَّيْلِ، ثُمَّ يُصَلِّي ثُلُثَهُ، ثُمَّ يَنَامُ ثُلُثَهُ، وَيَخْتِمُ كُلَّ يَوْمٍ خَتْمَةً. أَقُولُ: لَعَلَّهُ فِي أَيَّامِ رَمَضَانَ. وَقَالَ: مَا كَذَبْتُ قَطُّ، وَلَا حَلَفْتُ بِاللَّهِ صَادِقًا، وَلَا كَاذِبًا، وَمَا تَرَكْتُ غُسْلَ الْجُمُعَةِ قَطُّ، وَمَا شَبِعْتُ مُنْذُ سِتَّةَ عَشْرَةَ سَنَةً إِلَّا شِبْعَةً طَرَحْتُهَا مِنْ سَاعَتِي قَالَ الْكَرَابِيسِيُّ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ: قَالَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لَكِنْ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ. وَكَانَ لَهُ الْيَدُ الطُّولَى فِي السَّخَاءِ، قَدِمَ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى مَكَّةَ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ فَمَا بَرِحَ مِنْ مَجْلِسِ سَلَامِ النَّاسِ عَلَيْهِ حَتَّى فَرَّقَهَا كُلَّهَا، وَسَقَطَ سَوْطُهُ فَنَاوَلَهُ إِنْسَانٌ فَأَمَرَ غُلَامَهُ بِإِعْطَائِهِ مَا مَعَهُ مِنَ الدَّنَانِيرِ فَكَانَتْ سَبْعَةً، أَوْ تِسْعَةً، وَانْقَطَعَ
الجزء 1 · صفحة 23
شِسْعَ نَعْلِهِ فَأَصْلَحَهُ لَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَبِيعُ، أَمَعَكَ مِنْ نَفَقَتِنَا شَيْءٌ، قُلْتُ: سَبْعَةُ دَنَانِيرَ. قَالَ: ادْفَعْهَا إِلَيْهِ. وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: مَا رَأَيْتُ أَكْرَمَ مِنْهُ. خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةَ الْعِيدِ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَأَنَا أُذَاكِرُهُ فِي مَسْأَلَةٍ حَتَّى أَتَيْتُ بَابَ دَارِهِ فَأَتَاهُ غُلَامٌ بِكِيسٍ، وَقَالَ: مَوْلَايَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ لَكَ: خُذْ هَذَا الْكِيسَ فَإِنَّهُ لَكَ هَدِيَّةٌ، وَعَلَيْنَا الْمِنَّةُ، فَأَخَذَهُ مِنْهُ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَلَدَتِ امْرَأَتِي السَّاعَةَ، وَلَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ فَدَفَعَ إِلَيْهِ الْكِيسَ، وَصَعِدَ، وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ، وَكَانَ يَأْكُلُ شَهْوَةَ أَصْحَابِهِ، وَرَكِبَ حِمَارَهُ، وَأَحْمَدُ يَمْشِي بِجَانِبِهِ، وَيُذَاكِرُهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ فَعَتَبَ أَحْمَدَ فَأَرْسَلَ لَهُ: لَوْ كُنْتَ بِالْجَانِبِ الْآخَرِ مِنْ حِمَارِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ! ، وَكَانَتْ لَهُ الْمَعْرِفَةُ التَّامَّةُ بِالرَّمْيِ حَتَّى يُصِيبَ عَشَرَةً مِنْ عَشَرَةٍ، وَبِالْفُرُوسِيَّةِ حَتَّى يَأْخُذَ بِأُذُنِهِ، وَأُذُنِ الْفَرَسِ فِي شِدَّةِ عَدْوِهِ. رُوِيَ أَنَّهُ سَمِعَ قَارِئًا يَقْرَأُ: {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ - وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [المرسلات: 35 - 36] ; فَتَغَيَّرَ الشَّافِعِيُّ، وَارْتَعَدَ، وَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مَقَامِ الْكَذَّابِينَ، وَمِنْ إِعْرَاضِ الْجَاهِلِينَ هَبْ لِي مِنْ رَحْمَتِكَ، وَجَلِّلْنِي بِسَتْرِكَ، وَاعْفُ عَنِّي بِكَرَمِكَ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى غَيْرِكَ، وَلَا تُقَنِّطْنِي مِنْ خَيْرِكَ. وَمِنْ كَلَامِهِ: لَوْ لَمْ يَكُنِ الْعُلَمَاءُ أَوْلِيَاءَ فَلَيْسَ لِلَّهِ وَلِيٌّ، مَا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلِيًّا جَاهِلًا. قَالَ الْمُزَنِيُّ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ فَقَالَ: أَصْبَحْتُ مِنَ الدُّنْيَا رَاحِلًا، وَلِإِخْوَانِي مُفَارِقًا، وَلِكَأْسِ الْمَنِيَّةِ شَارِبًا، وَلِسُوءِ أَعْمَالِي مُلَاقِيًا، وَعَلَى اللَّهِ وَارِدًا، فَلَا أَدْرِي رُوحِي تَصِيرُ إِلَى الْجَنَّةِ فَأُهَنِّيهَا، أَوْ إِلَى النَّارِ فَأُعَزِّيهَا! ، ثُمَّ بَكَى، وَأَنْشَدَ يَقُولُ:
وَلَمَّا قَسَا قَلْبِي، وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي ... جَعَلْتُ رَجَائِي نَحْوَ عَفْوِكَ سُلَّمَا
تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمَّا قَرَنْتُهُ ... بِعَفْوِكَ رَبِّي كَانَ عَفْوُكَ أَعْظَمَا
تُوُفِّيَ آخَرَ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ، أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وَكَانَ قَدْ صَلَّى الْمَغْرِبَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ، وَقَبْرُهُ بِقَرَافَةِ مِصْرَ، وَعَاشَ أَرْبَعًا وَخَمْسِينَ سَنَةً.
(وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ فَالنِّسْبَةُ الْأُولَى مَجَازِيَّةٌ (الشَّيْبَانِيِّ) : نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةٍ وَهُوَ الْمَرْوَزِيُّ، ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ، وُلِدَ بِبَغْدَادَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَلَهُ سَبْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، كَانَ إِمَامًا فِي الْفِقْهِ، وَالْحَدِيثِ، وَالزُّهْدِ، وَالْوَرَعِ، وَالْعِبَادَةِ، وَبِهِ عُرِفَ الصَّحِيحُ، وَالسَّقِيمُ، وَالْمَجْرُوحُ مِنَ الْمُعَدَّلِ، نَشَأَ بِبَغْدَادَ، وَطَلَبَ الْعِلْمَ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ شُيُوخِهَا، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى مَكَّةَ، وَالْكُوفَةِ، وَالْبَصْرَةِ، وَالْمَدِينَةِ، وَالْيَمَنِ، وَالشَّامِ، وَالْجَزِيرَةِ، وَسَمِعَ مِنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ هَمَّامٍ وَغَيْرِهِمْ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ صَالِحٌ وَعَبْدُ اللَّهِ وَابْنُ عَمِّهِ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ النَّيْسَابُورِيُّ، وَأَبُو زُرْعَةَ، وَأَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ، إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَذْكُرْ فِي صَحِيحِهِ عَنْهُ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا فِي آخِرِ (كِتَابِ الصَّدَقَاتِ) تَعْلِيقًا، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ عَنْهُ: فَضَائِلُهُ كَثِيرَةٌ، وَمَنَاقِبُهُ شَهِيرَةٌ، وَهُوَ أَحَدُ الْمُجْتَهِدِينَ الْمَعْمُولِ بِقَوْلِهِ وَرَأْيِهِ وَمَذْهَبِهِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْبِلَادِ. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: كَانَ أَحْمَدُ يَحْفَظُ أَلْفَ أَلْفِ حَدِيثٍ، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُدْرِيكَ؟ قَالَ: ذَاكَرْتُهُ فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ الْأَبْوَابَ قَالَ أَيْضًا: حَرَزْتُ كُتُبَهُ اثْنَيْ عَشَرَ حِمْلًا أَوْ عَدْلًا كُلُّ ذَلِكَ كَانَ يَحْفَظُهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ: كَأَنَّ مُجَالَسَةَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ مُجَالَسَةُ الْآخِرَةِ لَا يُذْكَرُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى: حُمِلَ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِيرَاثُهُ عَنْ مِصْرَ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، فَحَمَلَ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثَلَاثَةَ أَكْيَاسٍ فِي كُلِّ كِيسٍ أَلْفُ دِينَارٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، هَذَا مِيرَاثٌ حَلَالٌ فَخُذْهَا، وَاسْتَعِنْ بِهَا عَلَى عَائِلَتِكَ. قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا، أَنَا فِي كِفَايَةٍ ; فَرَدَّهَا، وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهَا شَيْئًا، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: كُنْتُ أَسْمَعُ أَبِي كَثِيرًا فِي دُبُرِ صَلَاتِهِ: اللَّهُمَّ كَمَا صُنْتَ وَجْهِي عَنْ
الجزء 1 · صفحة 24
السُّجُودِ لِغَيْرِكَ فَصُنْ وَجْهِي عَنِ الْمَسْأَلَةِ لِغَيْرِكَ! ، وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ الْأَصْبَغِ: كُنْتُ بِبَغْدَادَ فَسَمِعْتُ ضَجَّةً فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ ! فَقَالُوا: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُمْتَحَنُ، فَدَخَلْتُ فَلَمَّا ضُرِبَ سَوْطًا قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَلَمَّا ضُرِبَ الثَّانِي قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَلَمَّا ضُرِبَ الثَّالِثَ قَالَ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَلَمَّا ضُرِبَ الرَّابِعَ قَالَ: لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا! فَضُرِبَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ سَوْطًا، وَكَانَتْ تِكَّةُ أَحْمَدَ حَاشِيَةَ ثَوْبٍ فَانْقَطَعَتْ فَنَزَلَ السِّرْوَالُ إِلَى عَانَتِهِ فَرَمَى أَحْمَدُ طَرَفَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَمَا كَانَ بِأَسْرَعِ مِنَ ارْتِقَاءِ السِّرْوَالِ، وَلَمْ يَنْزِلْ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ رَأَيْتُكَ تُحَرِّكُ شَفَتَيْكَ فَأَيَّ شَيْءٍ قُلْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي مَلَأْتَ بِهِ الْعَرْشَ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي عَلَى الصَّوَابِ فَلَا تَهْتِكْ لِي سِتْرًا. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِنْدِيُّ: رَأَيْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فِي النَّوْمِ فَقُلْتُ: مَا صَنَعَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي. ثُمَّ قَالَ: يَا أَحْمَدُ ضُرِبْتَ فَيَّ. قَالَ: قَلْتُ نَعَمْ يَا رَبِّ قَالَ: يَا أَحْمَدُ هَذَا وَجْهِي فَانْظُرْ إِلَيْهِ فَقَدَ أَبَحْتُكَ النَّظَرَ إِلَيْهِ. رُوِيَ أَنَّهُ أَرْسَلَ الشَّافِعِيُّ إِلَى بَغْدَادَ يَطْلُبُ قَمِيصَهُ الَّذِي ضُرِبَ فِيهِ، فَأَرْسَلَهُ إِلَيْهِ فَغَسَلَهُ الشَّافِعِيُّ، وَشَرِبَ مَاءَهُ، وَهَذَا مِنْ أَجْلِ مَنَاقِبِهِ. قَالَ وَلَدُهُ صَالِحٌ: إِنَّهُ حَجَّ خَمْسَ حِجَجٍ ثَلَاثًا مِنْهَا رَاجِلًا، وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَأْتَدِمُ بِالْخَلِّ. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْمُتَوَكِّلَ أَمَرَ أَنْ يُمْسَحَ الْمَوْضِعُ الَّذِي وَقَفَ النَّاسُ فِيهِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَبَلَغَ مُقَامَ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ أَلْفٍ، وَأَسْلَمَ يَوْمَ وَفَاتِهِ عِشْرُونَ أَلْفًا، وَقَبْرُهُ ظَاهِرٌ بِبَغْدَادَ يُزَارُ، وَيُتَبَرَّكُ بِهِ.
وَكُشِفَ لَمَّا دُفِنَ بِجَنْبِهِ بَعْضُ الْأَشْرَافِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِمِائَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً فَوُجِدَ كَفَنُهُ صَحِيحًا لَمْ يَبْلَ، وَجُثَّتُهُ لَمْ تَتَغَيَّرْ.
[تَنْبِيهٌ] : اعْتُرِضَ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ تَفْضِيلُ كُتُبِ السُّنَنِ عَلَى مُسْنَدِ أَحْمَدَ فَإِنَّهُ أَكْبَرُ الْمَسَانِيدِ، وَأَحْسَنُهَا، فَإِنَّهُ لَمْ يُدْخِلْ فِيهِ إِلَّا مَا يُحْتَجُّ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ اخْتَصَرَهُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ وَخَمْسِينَ أَلْفًا. وَقَالَ: مَا اخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَارْجِعُوا فِيهِ إِلَى الْمُسْنَدِ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُ فَحَسَنٌ، وَإِلَّا فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ. وَمِنْ ثَمَّ بَالَغَ بَعْضُهُمْ فَأَطْلَقَ الصِّحَّةَ عَلَى كُلِّ مَا فِيهِ، وَالْحَقُّ أَنَّ فِيهِ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً ضَعِيفَةً، وَبَعْضُهَا أَشَدُّ فِي الضَّعْفِ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى إِنَّ ابْنَ الْجَوْزِيِّ قَدْ أَدْخَلَ كَثِيرًا مِنْهَا فِي مَوْضُوعَاتِهِ، لَكِنْ تَعَقَّبَهُ فِي بَعْضِهَا بَعْضُهُمْ، وَفِي سَائِرِهَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَحَقَّقَ نَفْيَ الْوَضْعِ عَنْ جَمِيعِ أَحَادِيثِهِ، وَأَنَّهُ أَحْسَنُ انْتِقَاءً، وَتَحْرِيرًا مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي لَمْ يَلْتَزِمْ مُؤَلِّفُوهَا الصِّحَّةَ فِي جَمِيعِهَا كَالسُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ.
قَالَ: وَلَيْسَتِ الْأَحَادِيثُ الزَّائِدَةُ فِيهِ عَلَى مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ بِأَكْثَرَ ضَعْفًا مِنَ الْأَحَادِيثِ الزَّائِدَةِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ عَلَيْهِمَا. وَبِالْجُمْلَةِ، فَالسَّبِيلُ وَاحِدٌ لِمَنْ أَرَادَ الِاحْتِجَاجَ بِحَدِيثٍ مِنَ السُّنَنِ، لَا سِيَّمَا سُنَنُ ابْنِ مَاجَهْ، وَمُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ، مِمَّا الْأَمْرُ فِيهِ أَشَدُّ، أَوْ بِحَدِيثٍ مِنَ الْمَسَانِيدِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا لَمْ يَشْتَرِطْ جَامِعُوهَا الصِّحَّةَ، وَالْحُسْنَ، وَتِلْكَ السَّبِيلُ أَنَّ الْمُحْتَجَّ إِنْ كَانَ أَهْلًا لِلنَّقْلِ، وَالتَّصْحِيحِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْتَجَّ بِشَيْءٍ مِنَ الْقِسْمَيْنِ حَتَّى يُحِيطَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِذَلِكَ، فَإِنْ وُجِدَ أَهْلًا لِتَصْحِيحٍ أَوْ تَحْسِينٍ قَلَّدَهُ، وَإِلَّا فَلَا يُقْدِمُ عَلَى الِاحْتِجَاجِ فَيَكُونُ كَحَاطِبِ لَيْلٍ، فَلَعَلَّهُ يَحْتَجُّ بِالْبَاطِلِ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ.
(وَأَبِي عِيسَى) قِيلَ: يُكْرَهُ هَذِهِ التَّكْنِيَةُ: (مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى التِّرْمِذِيِّ) : بِكَسْرِ التَّاءِ، وَالْمِيمِ، وَبِضَمِّهِمَا، وَبِفَتْحِ التَّاءِ، وَكَسْرِ الْمِيمِ مَعَ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ نِسْبَةً لِمَدِينَةٍ قَدِيمَةٍ عَلَى طَرَفِ جِيحُونَ نَهْرِ بَلَخَ. الْإِمَامُ الْحُجَّةُ الْأَوْحَدُ الثِّقَةُ الْحَافِظُ الْمُتْقِنُ أَخَذَ عَنِ الْبُخَارِيِّ، وَقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، وَمَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، وَسُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَأَخَذَ عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَلَهُ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ مِنْهَا: الشَّمَائِلُ، وَهَذَا كِتَابُهُ الصَّحِيحُ أَحْسَنُ الْكُتُبِ، وَأَحْسَنُهَا تَرْتِيبًا، وَأَقَلُّهَا تَكْرَارًا، وَفِيهِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهِ مِنْ ذِكْرِ الْمَذَاهِبِ، وَوُجُوهِ الِاسْتِدْلَالِ، وَتَبْيِينِ أَنْوَاعٍ مِنَ الصَّحِيحِ، وَالْحَسَنِ، وَالْغَرِيبِ، وَفِيهِ جَرْحٌ، وَتَعْدِيلٌ، وَفِي آخِرِهِ كِتَابُ الْعِلَلِ. وَقَدْ جَمَعَ فِيهِ فَوَائِدَ حَسَنَةً لَا يَخْفَى قَدْرُهَا عَلَى مَنْ وَقَفَ عَلَيْهَا ; وَلِذَا قِيلَ: هُوَ كَافٍ لِلْمُجْتَهِدِ، وَمُغْنٍ لِلْمُقَلِّدِ. بَلْ قَالَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْهَرَوِيُّ: هُوَ عِنْدِي أَنْفَعُ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ ; لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَصِلُ لِلْفَائِدَةِ مِنْهُ، وَهُمَا لَا يَصِلُ إِلَيْهِمَا مِنْهُمَا إِلَّا الْعَالِمُ الْمُتَبَحِّرُ. وَقَوْلُ
الجزء 1 · صفحة 25
ابْنِ حَزْمٍ: إِنَّهُ مَجْهُولٌ كَذِبٌ مِنْهُ، قَالَ: عَرَضْتُ هَذَا الْكِتَابَ - يَعْنِي سُنَنَهُ - عَلَى عُلَمَاءِ الْحِجَازِ، وَالْعِرَاقِ، وَخُرَاسَانَ فَرَضُوا بِهِ، وَمَنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ فَإِنَّمَا فِي بَيْتِهِ نَبِيٌّ يَتَكَلَّمُ، نَعَمْ، عِنْدَهُ نَوْعُ تَسَاهُلٍ فِي التَّصْحِيحِ، وَلَا يَضُرُّهُ، فَقَدْ حَكَمَ بِالْحُسْنِ مَعَ وُجُودِ الِانْقِطَاعِ فِي أَحَادِيثَ مِنْ سُنَنِهِ، وَحَسَّنَ فِيهَا بَعْضَ مَا انْفَرَدَ رُوَاتُهُ بِهِ كَمَا صَرَّحَ هُوَ بِهِ، فَإِنَّهُ يُورِدُ الْحَدِيثَ، ثُمَّ يَقُولُ عَقِبَهُ: إِنَّهُ حَسَنٌ غَرِيبٌ، أَوْ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. لَكِنْ أُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ هَذَا اصْطِلَاحٌ جَدِيدٌ، وَلَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ. وَقَدْ أَطْلَقَ الْحَاكِمُ، وَالْخَطِيبُ الصِّحَّةَ عَلَى جَمِيعِ مَا فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ، تُوُفِّيَ بِتِرْمِذَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَأَعْلَى أَسَانِيدِهِ مَا يَكُونُ وَاسِطَتَانِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ فِي سُنَنِهِ بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَهُوَ: " «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ» "، فَإِسْنَادُهُ أَقْرَبُ مِنْ إِسْنَادِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُدَ، فَإِنَّ لَهُمْ ثُلَاثِيَّاتٍ، وَذَكَرَ فِي جَامِعِهِ بِسَنَدِهِ هَذَا الْحَدِيثَ، وَهُوَ: يَا عَلِيُّ، لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُجْنِبَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرِي، وَغَيْرُكَ. ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ سَمِعَهُ مِنَ الْبُخَارِيِّ.
(وَأَبِي دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيِّ) : بِكَسْرِ السِّينِ الْأُولَى، وَيُفْتَحُ، وَبِكَسْرِ الْجِيمِ، وَسُكُونِ السِّينِ الثَّانِيَةِ مُعَرَّبُ سِيسْتَانِ مِنْ نَوَاحِي هُرَاةَ مِنْ بِلَادِ خُرَاسَانَ، وُلِدَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ، وَتُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْحُجَّةُ، سَكَنَ الْبَصْرَةَ، وَقَدِمَ بَغْدَادَ مِرَارًا فَرَوَى سُنَنَهُ بِهَا، وَنَقَلَهُ أَهْلُهَا عَنْهُ، وَعَرَضَهُ عَلَى أَحْمَدَ فَاسْتَجَادَهُ، وَاسْتَحْسَنَهُ، سَمِعَ أَحْمَدَ، وَيَحْيَى بْنَ مَعِينٍ، وَالْقَعْنَبِيَّ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَقُتَيْبَةَ، وَخَلَائِقَ لَا يُحْصَوْنَ. وَرَوَى عَنْهُ النَّسَائِيُّ، وَغَيْرُهُ. قَالَ جَمْعٌ: أُلِينَ الْحَدِيثُ لِأَبِي دَاوُدَ كَمَا أُلِينَ الْحَدِيدُ لِدَاوُدَ. وَكَانَ يَقُولُ: كَتَبْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ انْتَخَبْتُ مِنْهَا مَا ضَمَّنْتُهُ كِتَابَ السُّنَّةِ، جَمَعْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ آلَافِ حَدِيثٍ وَثَمَانِمِائَةِ حَدِيثٍ، ذَكَرْتُ الصَّحِيحَ، وَمَا يُشْبِهُهُ، وَيُقَارِبُهُ، وَيَكْفِي الْإِنْسَانَ لِدِينِهِ مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ أَحَدُهَا: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - " «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» "، وَالثَّانِي: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» "، وَالثَّالِثُ: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " «لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنًا حَتَّى يَرْضَى لِأَخِيهِ مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ» "، وَالرَّابِعُ: " «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ» " الْحَدِيثَ. وَمِنْ أَشْعَارِ الشَّافِعِيِّ:
عُمْدَةُ الدِّينِ عِنْدَنَا كَلِمَاتٌ ... أَرْبَعٌ قَالَهُنَّ خَيْرُ الْبَرِيَّةْ
اتَّقِ السَّيِّئَاتِ، وَازْهَدْ، وَدَعْ مَا ... لَيْسَ يَعْنِيكَ، وَاعْمَلَنَّ بِنِيَّةْ
الجزء 1 · صفحة 26
فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: (ازْهَدْ) حَدِيثَ الْأَرْبَعِينَ: ( «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبُّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبُّكَ النَّاسُ» ) .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ شَارِحُهُ: لَمْ يُصَنَّفْ فِي عِلْمِ الدِّينِ مِثْلُهُ، وَهُوَ أَحْسَنُ وَضْعًا، وَأَكْثَرُ فِقْهًا مِنَ الصَّحِيحَيْنِ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: مَا ذَكَرْتُ فِيهِ حَدِيثًا أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى تَرْكِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: مَنْ عِنْدَهُ الْقُرْآنُ، وَكِتَابُ أَبِي دَاوُدَ لَمْ يَحْتَجْ مَعَهُمَا إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ أَلْبَتَّةَ.
وَقَالَ النَّاجِيُّ: كِتَابُ اللَّهِ أَصْلُ الْإِسْلَامِ، وَكِتَابُ أَبِي دَاوُدَ عِيدُ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيُّ بِاكْتِفَاءِ الْمُجْتَهِدِ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ، وَتَبِعَهُ أَئِمَّةُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يَنْبَغِي لِلْمُشْتَغِلِ بِالْفِقْهِ وَلِغَيْرِهِ الِاعْتِنَاءُ بِهِ ; فَإِنَّ مُعْظَمَ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ الَّتِي يُحْتَجُّ بِهَا فِيهِ مَعَ سُهُولَةِ تَنَاوُلِهِ. وَكَانَ لَهُ كُمٌّ وَاسِعٌ، وَكُمٌّ ضَيِّقٌ فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: أَمَّا الْوَاسِعُ فَلِلْكُتُبِ، وَأَمَّا الضَّيِّقُ فَلِلِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ، وَفَضَائِلُهُ وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ فِي أَعْلَى دَرَجَةٍ مِنَ النُّسُكِ، وَالْعَفَافِ، وَالصَّلَاحِ، وَالْوَرَعِ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: مَا سَكَتَ عَلَيْهِ لَا يَنْزِلُ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَا رَوَاهُ فِي سُنَنِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ ضَعْفَهُ هُوَ عِنْدَهُ صَحِيحٌ، أَوْ حَسَنٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَا سَكَتَ عَلَيْهِ صَحِيحٌ عِنْدَهُ سِيَّمَا إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَابِ غَيْرُهُ. وَأَطْلَقَ ابْنُ مَنْدَهْ، وَابْنُ السَّكَنِ الصِّحَّةَ عَلَى جَمِيعِ مَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَوَافَقَهُمَا الْحَاكِمُ.
(وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ النَّسَائِيِّ) : بِفَتْحِ النُّونِ، وَالْمَدِّ كَمَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَبِالْقَصْرِ كَمَا فِي طَبَقَاتِ الْفُقَهَاءِ نِسْبَةً إِلَى بَلَدٍ بِخُرَاسَانَ قُرَيْبَ مُرْوَ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهُ مِنْ كُوَرِ نَيْسَابُورَ، أَوْ مِنْ أَرْضِ فَارِسَ فَغَيْرُ صَحِيحٍ. أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ، سَمِعَ مِنْ: إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ أَشْعَثَ، وَمَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ وَقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، وَعَلِيِّ بْنِ حَجَرٍ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَآخَرِينَ بِبِلَادٍ كَثِيرَةٍ، وَأَقَالِيمَ مُتَعَدِّدَةٍ، وَأَخَذَ عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرُونَ: كَالطَّبَرَانِيِّ، وَالطَّحَاوِيِّ، وَابْنِ السُّنِّيِّ، وَدَخَلَ دِمَشْقَ فَسُئِلَ عَنْ مُعَاوِيَةَ فَفَضَّلَ عَلَيْهِ عَلِيًّا ; فَأُخْرِجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَحُمِلَ إِلَى الرَّمْلَةِ، وَمَاتَ بِهَا، وَقِيلَ: إِلَى مَكَّةَ، وَدُفِنَ بِهَا بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةَ. وَجَرَى عَلَيْهِ بَعْضُ الْحُفَّاظِ فَقَالَ: مَاتَ ضَرْبًا بِالْأَرْجُلِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ حِينَ أَجَابَهُمْ لَمَّا سَأَلُوهُ عَنْ فَضَائِلِ مُعَاوِيَةَ لِيُرَجِّحُوهُ بِهَا عَلَى عَلِيٍّ بِقَوْلِهِ: أَلَا يَرْضَى مُعَاوِيَةُ رَأْسًا بِرَأْسٍ حَتَّى يَفْضُلَ. وَفِي رِوَايَةٍ: مَا أَعْرِفُهُ إِلَّا أَشْبَعَ اللَّهُ بَطْنَهُ، وَمَا زَالُوا يَضْرِبُونَهُ بِأَرْجُلِهِمْ حَتَّى أُخْرِجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ حُمِلَ إِلَى مَكَّةَ فَمَاتَ مَقْتُولًا شَهِيدًا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالرَّمْلَةِ، وَكَذَا قَالَ الْعَبْدَرِيُّ: إِنَّهُ مَاتَ بِالرَّمْلَةِ بِمَدِينَةِ فِلَسْطِينَ، وَدُفِنَ بِالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، وَسِنُّهُ ثَمَانٍ وَثَمَانُونَ سَنَةً فِيمَا قَالَهُ الذَّهَبِيُّ، وَمَنْ تَبِعَهُ، وَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ مَاتَ بِمَكَّةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَهُوَ مَدْفُونٌ بِهَا. وَنَقَلَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ عَنْ شَيْخِهِ الْحَافِظِ الذَّهَبِيِّ، وَوَالِدِهِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ السُّبْكِيِّ أَنَّ النَّسَائِيَّ أَحْفَظُ مِنْ مُسْلِمٍ صَاحِبِ الصَّحِيحِ، وَأَنَّ سُنَنَهُ أَقَلُّ السُّنَنِ بَعْدَ الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثًا ضَعِيفًا، بَلْ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: إِنَّهُ أَشْرَفُ الْمُصَنَّفَاتِ كُلِّهَا، وَمَا وُضِعَ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلُهُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ، وَابْنُ السَّكَنِ، وَأَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ، وَأَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ، وَالْخَطِيبُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ: كُلُّ مَا فِيهِ صَحِيحٌ، لَكِنْ فِيهِ تَسَاهُلٌ صَرِيحٌ. وَشَذَّ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ فَفَضَّلَهُ عَلَى كِتَابِ الْبُخَارِيِّ، وَلَعَلَّهُ لِبَعْضِ الْحَيْثِيَّاتِ الْخَارِجَةِ عَنْ كَمَالِ الصِّحَّةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: صَنَّفَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ كِتَابًا يُقَالُ لَهُ: السُّنَنُ الْكَبِيرُ لِلنَّسَائِيِّ، وَهُوَ كِتَابٌ جَلِيلٌ، لَمْ يُكْتَبْ مِثْلُهُ فِي جَمْعِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، وَبَيَانِ مَخْرَجِهِ، وَبَعْدَهُ اخْتَصَرَهُ، وَسَمَّاهُ بِالْمُجْتَنَى بِالنُّونِ ; وَسَبَبُ اخْتِصَارِهِ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أُمَرَاءِ زَمَانِهِ سَأَلَهُ إِنَّ جَمِيعَ أَحَادِيثِ كِتَابِكَ صَحِيحٌ؟ فَقَالَ فِي جَوَابِهِ: لَا، فَأَمَرَهُ الْأَمِيرُ بِتَجْرِيدِ الصِّحَاحِ، وَكِتَابَةِ صَحِيحٍ مُجَرَّدٍ ; فَانْتَخَبَ مِنْهُ الْمُجْتَنَى، وَكُلُّ حَدِيثٍ تُكُلِّمَ فِي إِسْنَادِهِ أَسْقَطَهُ مِنْهُ، فَإِذَا أَطْلَقَ الْمُحَدِّثُونَ بِقَوْلِهِمْ: رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فَمُرَادُهُمْ هَذَا الْمُخْتَصَرُ الْمُسَمَّى بِالْمُجْتَنَى لَا الْكِتَابُ الْكَبِيرُ، وَكَذَا إِذَا قَالُوا: الْكُتُبُ الْخَمْسَةُ، أَوْ أُصُولُ الْخَمْسَةِ فَهِيَ: الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَسُنَنُ أَبِي دَاوُدَ، وَجَامِعُ التِّرْمِذِيِّ، وَمُجْتَنَى النَّسَائِيِّ.
الجزء 1 · صفحة 27
(وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، ابْنِ مَاجَهْ) : بِإِثْبَاتِ أَلْفِ ابْنِ خَطًّا ; فَإِنَّهُ بَدَلٌ مِنَ ابْنِ يَزِيدَ، فَفِي الْقَامُوسِ: مَاجَهْ لَقَبُ وَالِدِ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ صَاحِبِ السُّنَنِ لَا جَدُّهُ، وَفِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ أَنَّ مَاجَهْ اسْمُ أُمِّهِ (الْقَزْوِينِيِّ) : بِفَتْحِ الْقَافِ نِسْبَةً إِلَى بَلَدٍ مَعْرُوفٍ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ صَاحِبُ السُّنَنِ الَّتِي كَمَّلَ بِهِ الْكُتُبَ السِّتَّةَ، وَالسُّنَنَ الْأَرْبَعَةَ بَعْدَ الصَّحِيحَيْنِ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَوَّلُ مَنْ أَضَافَ ابْنَ مَاجَهْ إِلَى الْخَمْسَةِ الْفَضْلُ بْنُ طَاهِرٍ حَيْثُ أَدْرَجَهُ مَعَهَا فِي أَطْرَافِهِ، وَكَذَا فِي شُرُوطِ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ، ثُمَّ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ فِي كِتَابِ الْإِكْمَالِ فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ الَّذِي هَذَّبَهُ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ، وَقَدَّمُوهُ عَلَى الْمُوَطَّأِ ; لِكَثْرَةِ زَوَائِدِهِ عَلَى الْخَمْسَةِ بِخِلَافِ الْمُوَطَّأِ، وَهُوَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ: كِتَابٌ مُفِيدٌ قَوِيُّ التَّبْوِيبِ فِي الْفِقْهِ، لَكِنْ فِيهِ أَحَادِيثُ ضَعِيفَةٌ جِدًّا بَلْ مُنْكِرَةٌ. بَلْ نُقِلَ عَنِ الْحَافِظِ الْمِزِّيِّ أَنَّ الْغَالِبَ فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ الضَّعْفُ، وَلِذَا لَمْ يُضِفْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ إِلَى الْخَمْسَةِ، بَلْ جَعَلُوا السَّادِسَ الْمُوَطَّأَ مِنْهُمْ: رَزِينٌ، وَالْمَجْدُ ابْنُ الْأَثِيرِ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ مُسْنَدُ الدَّارِمِيِّ سَادِسًا لِلْخَمْسَةِ بَدَلَهُ ; فَإِنَّهُ قَلِيلُ الرِّجَالِ الضُّعَفَاءِ نَادِرُ الْأَحَادِيثِ الْمُنْكَرَةِ، وَالشَّاذَّةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَحَادِيثُ مُرْسَلَةٌ، وَمَوْقُوفَةٌ، فَهُوَ مَعَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْهُ. تُوُفِّيَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً سَمِعَ أَصْحَابَ مَالِكٍ، وَاللَّيْثَ. وَرَوَى عَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ الْقَطَّانُ، وَخَلْقٌ سِوَاهُ، وَلَهُ ثُلَاثِيَّاتٌ مِنْ طَرِيقِ جُبَارَةَ بْنِ الْمُغَلِّسِ، وَلَهُ حَدِيثٌ فِي فَضْلِ قَزْوِينَ أَوْرَدَهُ فِي سُنَنِهِ، وَهُوَ مُنْكَرٌ بَلْ مَوْضُوعٌ، وَلِذَا طَعَنَ فِيهِ، وَفِي كِتَابِهِ.
(وَأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) : السَّمَرْقَنْدِيِّ التَّمِيمِيِّ (الدَّارِمِيِّ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ نِسْبَةً إِلَى دَارِمِ بْنِ مَالِكٍ بَطْنٍ كَبِيرٍ مِنْ تَمِيمٍ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ عَالِمُ سَمَرْقَنْدَ صَنَّفَ التَّفْسِيرَ، وَالْجَامِعَ، وَمُسْنَدَهُ الْمَشْهُورَ، وَهُوَ عَلَى الْأَبْوَابِ لَا الصَّحَابَةِ خِلَافًا لِمَنْ وَهَمَ فِيهِ. رَوَى عَنْ: الْبُخَارِيِّ، وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، وَالنَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ: رَأَيْتُ الْعُلَمَاءَ بِالْحَرَمَيْنِ، وَالْحِجَازِ، وَالشَّامِ، وَالْعِرَاقِ فَمَا رَأَيْتُ فِيهِمْ أَجْمَعَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ. وَرَوَى عَنْهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هُوَ إِمَامُ أَهْلِ زَمَانِهِ تُوُفِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَدُفِنَ يَوْمَ عَرَفَةَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَوُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ أَرْبَعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَلَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ حَدِيثًا هِيَ ثُلَاثِيَّاتٌ.
(وَأَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيِّ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَيُسَكَّنُ، وَبِضَمِّ الْقَافِ، وَسُكُونِ الطَّاءِ بَعْدَهُ نُونٌ نِسْبَةً لِدَارِ الْقُطْنِ، وَكَانَتْ مَحِلَّةً كَبِيرَةً بِبَغْدَادَ، وَهُوَ إِمَامُ عَصْرِهِ، وَحَافِظُ دَهْرِهِ صَاحِبُ السُّنَنِ، وَالْعِلَلِ، وَغَيْرِهِمَا، انْتَهَى إِلَيْهِ عِلْمُ الْأَثَرِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِعِلَلِ الْحَدِيثِ، وَأَسْمَاءِ الرِّجَالِ، وَأَحْوَالِ الرُّوَاةِ مَعَ الصِّدْقِ، وَالْأَمَانَةِ، وَالثِّقَةِ، وَالْعَدَالَةِ، وَصِحَّةِ الِاعْتِقَادِ، وَالتَّضَلُّعِ بِعُلُومٍ شَتَّى: كَالْقِرَاءَةِ، وَلَهُ فِيهَا كِتَابٌ لَمْ يُسْبَقْ إِلَى مِثْلِهِ. أَخَذَ عَنْهُ الْأَئِمَّةُ: كَأَبِي نُعَيْمٍ، وَالْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيِّ، وَالْبُرْقَانِيِّ، وَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيِّ، وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ، وَالْجَوْهَرِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَمَاتَ بِبَغْدَادَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
(وَأَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِيِّ) : نِسْبَةً لِبَيْهَقَ عَلَى وَزْنِ صَيْقَلٍ بَلَدٌ قُرْبَ نَيْسَابُورَ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْجَلِيلُ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ الْأُصُولِيُّ الزَّاهِدُ الْوَرِعُ، وَهُوَ أَكْبَرُ أَصْحَابِ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ. وَقَدْ أَخَذَ عَنِ ابْنِ فَوْرَكٍ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ. رُوِيَ أَنَّهُ اجْتَمَعَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي مَجْلِسِ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ تَرَكَ الْحَاكِمُ رَاوِيًا مِنْ إِسْنَادِ حَدِيثٍ ; فَنَبَّهَ عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ ; فَتَغَيَّرَ الْحَاكِمُ ; فَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الْأَصْلِ، فَحَضَرَ الْأَصْلُ ; فَكَانَ كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ. رَحَلَ إِلَى الْحِجَازِ، وَالْعِرَاقِ، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالتَّصْنِيفِ بَعْدَ أَنْ صَارَ وَاحِدَ زَمَانِهِ، وَفَارِسَ مَيْدَانِهِ. وَأَلَّفَ كِتَابَهُ السُّنَنَ الْكُبْرَى، وَكِتَابَ الْمَبْسُوطِ فِي نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ، وَكِتَابَ مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ، وَقِيلَ: وَصَلَ تَصَانِيفُهُ إِلَى أَلْفِ جُزْءٍ، وَمِنْ تَصَانِيفِهِ: دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ، وَكِتَابُ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَكِتَابُ الْآدَابِ، وَكِتَابُ فَضَائِلِ
الجزء 1 · صفحة 28
الصَّحَابَةِ، وَفَضَائِلِ الْأَوْقَاتِ، وَكِتَابُ شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَكِتَابُ الْخِلَافِيَّاتِ، وَكَانَ لَهُ غَايَةُ الْإِنْصَافِ فِي الْمُنَاظَرَةِ، وَالْمُبَاحَثَةِ، وَكَانَ عَلَى سِيرَةِ الْعُلَمَاءِ قَانِعًا مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ، مُتَجَمِّلًا فِي زُهْدِهِ، وَوَرَعِهِ، صَائِمَ الدَّهْرِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثِينَ سَنَةً. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: مَا مِنْ شَافِعِيٍّ إِلَّا وَلِلشَّافِعِيِّ فِي عُنُقِهِ مِنَّةٌ إِلَّا الْبَيْهَقِيَّ فَإِنَّهُ لَهُ عَلَى الشَّافِعِيِّ مِنَّةٌ ; لِتَصَانِيفِهِ فِي نُصْرَةِ مَذْهَبِهِ، وَأَقَاوِيلِهِ. تُوُفِّيَ بِنَيْسَابُورَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَحُمِلَ تَابُوتُهُ إِلَى قَرْيَةٍ مِنْ نَاحِيَةِ بَيْهَقَ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ أَرْبَعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً. قِيلَ: مَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.
(وَأَبِي الْحَسَنِ رَزِينِ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَكَسْرِ الزَّايِ (بْنِ مُعَاوِيَةَ الْعَبْدَرِيِّ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَفَتْحِ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالرَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ، مَنْسُوبٌ إِلَى عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ بَطْنٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَهُوَ الْحَافِظُ الْجَلِيلُ صَاحِبُ كِتَابِ التَّجْرِيدِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصِّحَاحِ. مَاتَ بَعْدَ الْعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ. (وَغَيْرِهِمْ) : بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَقِيلَ: بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى (مَثْلُ) ، (وَقَلِيلٌ مَا) : مَا: زَائِدَةٌ إِبْهَامِيَّةٌ تَزِيدُ الشُّيُوعَ، وَالْمُبَالَغَةَ فِي الْقِلَّةِ (هُوَ) أَيْ: غَيْرُهُمْ، وَالْإِفْرَادُ لِلَفْظِ غَيْرِهِمْ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَلِيلٌ، وَنَظِيرُهُ: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} [ص: 24] . فَلَمَّا انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى آخِرِ الرِّجَالِ الْمَذْكُورِينَ، وَالْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ سَنَحَ بِالْخَاطِرِ الْفَاتِرِ مَا ذَكَرَهُ السَّادَاتُ الصُّوفِيَّةُ أَرْبَابُ الْهِدَايَةِ: أَنَّ النِّهَايَةَ هِيَ الرُّجُوعُ إِلَى الْبِدَايَةِ ; فَأَنْتَجَ أَنْ أَخْتِمَ ذِكْرَهُمْ بِمَنَاقِبِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ، وَالْهُمَامِ الْأَقْدَمِ ; لِيَكُونَ كَمِسْكِ الْخِتَامِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ أَيْضًا فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ رَاجِيًا حُصُولَ بَرَكَةِ كَمَالِهِ، لَكِنْ بَعْدَ ذِكْرِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، وَأَوْرَدَ اعْتِذَارًا عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَقَدْ بَدَأْنَا بِذِكْرِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُقْدَّمُ زَمَانًا، وَقَدْرًا، وَمَعْرِفَةً، وَعِلْمًا. قُلْتُ: كُلُّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِمَامِنَا غَيْرُ صَحِيحٍ، أَمَّا تَقَدُّمُ زَمَانِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ فَصَرِيحٌ إِذْ وُلِدَ مَالِكٌ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ، وَوُلِدَ أَبُو حَنِيفَةَ سَنَةَ ثَمَانِينَ، وَأَمَّا تَقَدُّمُ قَدْرِهِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فَمَرْدُودٌ ; لِأَنَّهُ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ، وَإِمَامُنَا مِنَ التَّابِعِينَ كَمَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، وَغَيْرُهُ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ: " «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» "، وَأَمَّا مَعْرِفَتُهُ فَمَعْرُوفَةٌ ; لِأَنَّهَا عَمَّتِ الْخَلْقَ شَرْقًا، وَغَرْبًا سِيَّمَا فِي بِلَادِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَوِلَايَةِ الْهِنْدِ، وَالرُّومِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ إِمَامًا غَيْرَهُ، وَلَا يَعْلَمُونَ مَذْهَبًا سِوَى مَذْهَبِهِ. وَبِالْجُمْلَةِ، فَأَتْبَاعُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَتْبَاعِ جَمِيعِ الْأَئِمَّةِ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ، كَمَا أَنَّ أَتْبَاعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرُ مِنْ أَتْبَاعِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُمْ ثُلُثَا أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَالْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا تَجِيءُ ثُلْثَيِ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَمَّا عِلْمُهُ فَيَكْفِي مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي حَقِّهِ: الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْفِقْهِ، وَالْعُذْرُ فِي كَثْرَةِ اشْتِغَالِهِ بِالْأُمُورِ الْفِقْهِيَّةِ مِنَ الْمَسَائِلِ الْفَرْعِيَّةِ، وَالدَّلَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ أَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ الْأَهَمُّ، وَاحْتِيَاجُ النَّاسِ إِلَيْهِ أَتَمُّ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ اشْتِغَالٌ بِالْمَعْنَى الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالدِّرَايَةِ، وَهُوَ مُفَضَّلٌ عَلَى التَّعَلُّقِ بِالْمَبْنَى الَّذِي يُقَالُ لَهُ الرِّوَايَةُ، وَهَذَا فَاقَ عَلَى أَقْرَانِهِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ سَأَلَهُ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ مَسَائِلَ، وَأَرَادَ الْبَحْثَ مَعَهُ بِوَسَائِلَ ; فَأَجَابَ عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ فَقَالَ لَهُ الْأَوْزَاعِيُّ: مِنْ أَيْنَ هَذَا الْجَوَابُ؟ فَقَالَ: مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَيْتُمُوهَا، وَمِنَ الْأَخْبَارِ، وَالْآثَارِ الَّتِي نَقَلْتُمُوهَا، وَبَيَّنَ لَهُ وَجْهَ دِلَالَاتِهَا، وَطَرِيقَ اسْتِنْبِاطِهَا ; فَأَنْصَفَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَلَمْ يَتَعَسَّفْ فَقَالَ: نَحْنُ الْعَطَّارُونَ، وَأَنْتُمُ الْأَطِبَّاءُ، أَيِ: الْعَارِفُونَ بِالدَّاءِ، وَالدَّوَاءِ. وَأَيْضًا كَانَ عِنْدَهُ أَنَّ نَقْلَ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِاللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى، فَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَقِلُّ التَّحْدِيثُ بِالْمَبْنَى مَعَ أَنَّ لَهُ مَسَانِيدَ مُتَعَدِّدَةً، وَأَسَانِيدَ مُعْتَمَدَةً يَعْرِفُهَا أَهْلُ الْخِبْرَةِ، وَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ، ثُمَّ يَدُلُّ عَلَى عُلُوِّ سَنَدِهِ أَنَّهُ رَوَى الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ، وَلَا يُوهَبُ» " كَذَا ذَكَرَهُ التَّمِيمِيُّ شَارِحُ النُّقَايَةِ فِي فَصْلِ الْوَلَاءِ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ نَقْلًا عَنِ
الجزء 1 · صفحة 29
الْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ أَنَّ الْإِمَامَ الشَّافِعِيَّ رَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ. وَقَالَ الْفَاضِلُ تِلْمِيذُ الْإِمَامِ ابْنِ الْهُمَامِ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ، ذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ: حَمَلْتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَقْرَيْ بُخْتِيٍّ كُتُبًا. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الطَّبَقَاتِ: رَوَى الرَّبِيعُ قَالَ: كَتَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَقَدْ طَلَبَ مِنْهُ كُتُبًا يَنْسَخُهَا فَأَخَّرَهَا عَنْهُ:
قُلْ لِلَّذِي لَمْ تَرَ عَيْنَا مَنْ رَآهُ مِثْلَهُ مِثْلَهُ ... وَمَنْ كَانَ مَنْ رَآهُ قَدْ رَأَى مَنْ قَبْلَهُ
الْعِلْمُ يَنْهَى أَهْلَهُ أَنْ يَمْنَعُوهُ أَهْلَهُ ... لَعَلَّهُ يَبْذُلُهُ لِأَهْلِهِ لَعَلَّهُ
وَفِي الْحَقَائِقِ شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعَانَنِي عَلَى الْفِقْهِ بِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ. انْتَهَى. مُحَمَّدٌ لَهُ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مُوَطَّأُ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ، وَلَمَّا ذَكَرَ شَيْخُنَا الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ، وَالْبَحْرُ الْفَهَّامَةُ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَمُفْتِي الْأَنَامِ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ الْكَثِيرَةِ، وَالتَّآلِيفِ الشَّهِيرَةِ، مَوْلَانَا، وَسَيِّدُنَا، وَسَنَدُنَا الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ - مَنَاقِبَ الْإِمَامِ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالشَّافِعِيِّ فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ، قَالَ: تَعَيَّنَ عَلَيْنَا إِذْ ذَكَرْنَا تَرَاجِمَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ أَنْ نَخْتِمَ لِرَابِعِهِمُ الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِمْ تَبَرُّكًا بِهِ، لِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ، وَوُفُورِ عِلْمِهِ، وَوَرَعِهِ، وَزُهْدِهِ، وَتَحْلِيَتِهِ بِالْعُلُومِ الْبَاطِنَةِ فَضْلًا عَنِ الظَّاهِرَةِ بِمَا فَاقَ فِيهِ أَهْلَ عَصْرِهِ، وَفَازَ بِحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَإِذَاعَةِ ذِكْرِهِ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ فَقِيهُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَمِنْ أَكَابِرَ التَّابِعِينَ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ زُوطَى بِضَمِّ الزَّايِ، وَفَتْحِ الطَّاءِ ابْنِ مَاهٍ مَوْلَى تَيْمِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْكُوفِيُّ. وَرَوَى الْخَطِيبُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ حَفِيدِهِ عُمَرَ بْنِ حَمَّادِ بْنِ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ ثَابِتًا وُلِدَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَزُوطَى كَانَ مَمْلُوكًا لِبَنِي تَيْمٍ فَأَعْتَقُوهُ فَصَارَ وَلَاؤُهُ لَهُمْ. وَأَنْكَرَ إِسْمَاعِيلُ أَخُو عُمَرَ الْمَذْكُورِ - حَفِيدُهُ أَيْضًا ابْنُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي حَنِيفَةَ - ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّ وَالِدَ ثَابِتٍ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ، وَأَنَّهُمْ أَحْرَارٌ، وَاللَّهِ مَا وَقَعَ عَلَيْنَا رِقٌّ قَطُّ، وُلِدَ جَدِّي سَنَةَ ثَمَانِينَ. وَذَهَبَ بِثَابِتٍ أَبِيهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رِضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَهُوَ صَغِيرٌ ; فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِيهِ، وَفِي ذُرِّيَّتِهِ، وَنَحْنُ نَرْجُو مِنَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدِ اسْتُجِيبَ مِنْ عَلِيٍّ فِينَا! اهـ.
وَهُوَ كَمَا رَجَا ; فَقَدْ بَارَكَ اللَّهُ فِي أَبِي حَنِيفَةَ بَرَكَةً لَا نِهَايَةَ لِأَقْصَاهَا، وَلَا غَايَةَ لِمُنْتَهَاهَا، وَبَارَكَ فِي أَتْبَاعِهِ فَكَثُرُوا فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ، وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَرَكَةِ صِدْقِهِ، وَإِخْلَاصِهِ مَا اشْتَهَرَ بِهِ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ. أَخَذَ الْفِقْهَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَدْرَكَ أَرْبَعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ بَلْ ثَمَانِيَةً مِنْهُمْ: أَنَسٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وَأَبُو اللَّيْلِ. قِيلَ: وَلَمْ يَلْقَ أَحَدًا مِنْهُمْ. قُلْتُ: لَكِنْ مَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي. وَسَمِعَ مِنْ عَطَاءٍ، وَأَهْلِ طَبَقَتِهِ. رَوَى عَنْهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَوَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَخَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ. وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَكَانَ يَزِيدُ بْنُ هُبَيْرَةَ وَالِيًا عَلَى الْعِرَاقِ لِبَنِي أُمَيَّةَ فَكَلَّمَهُ فِي أَنْ يَلِيَ لَهُ قَضَاءَ الْكُوفَةِ ; فَأَبَى عَلَيْهِ ; فَضَرَبَهُ مِائَةَ سَوْطٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ عَشَرَةُ أَسْوَاطٍ، وَهُوَ مُصَمِّمٌ عَلَى الِامْتِنَاعِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنْهُ خَلَّى سَبِيلَهُ. وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إِذَا ذَكَرَ ضَرْبَهُ عَلَى الْقَضَاءِ، وَامْتِنَاعَهُ مِنْهُ بَكَى، وَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، قُلْتُ: وَكَأَنَّهُ اقْتَدَى بِهِ فِي تَحَمُّلِ ضَرْبِهِ فِي مَسْأَلَةِ خَلْقِ الْقُرْآنِ. وَاسْتَدْعَاهُ الْمَنْصُورُ أَبُو جَعْفَرٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى بَغْدَادَ لِيُوَلِّيَهُ الْقَضَاءَ فَأَبَى، فَحَلَفَ عَلَيْهِ لَيَفْعَلْنَّ، فَحَلَفَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ، وَتَكَرَّرَ هَذَا مِنْهُمَا ; فَقَالَ الرَّبِيعُ الْحَاجِبُ: أَلَا تَرَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَحْلِفُ؟ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى كَفَّارَةِ أَيْمَانِهِ أَقْدَرُ مِنِّي عَلَى كَفَّارَةِ أَيْمَانِي ; فَأَمَرَ بِهِ إِلَى السِّجْنِ فِي الْوَقْتِ. وَفِي رِوَايَةٍ: دَعَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ إِلَى الْقَضَاءِ فَأَبَى فَحَبَسَهُ، ثُمَّ دَعَا بِهِ فَقَالَ: أَتَرْغَبُ عَمَّا نَحْنُ فِيهِ؟ فَقَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ; لَا أَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ ; فَقَالَ لَهُ: كَذَبْتَ، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: قَدْ حَكَمَ عَلَيَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ لَا أَصْلُحَ لِلْقَضَاءِ ;
الجزء 1 · صفحة 30
لِأَنَّهُ نَسَبَنِي إِلَى الْكَذِبِ، فَإِنْ كُنْتُ كَاذِبًا فَلَا أَصْلُحُ، وَإِنْ كُنْتُ صَادِقًا فَقَدْ أَخْبَرْتُ أَنِّي لَا أَصْلُحُ فَرَدَّهُ إِلَى السِّجْنِ، فَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ يُونُسَ: رَأَيْتُ الْمَنْصُورَ يُحَاوِرُهُ فِي أَمْرِ الْقَضَاءِ، وَهُوَ يَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكْ فِي أَمَانَتِكَ إِلَّا مَنْ يَخَافُ اللَّهَ، وَاللَّهِ مَا أَنَا مَأْمُونُ الرِّضَا فَكَيْفَ أَكُونُ مَأْمُونَ الْغَضَبِ؟ ! فَلَا أَصْلُحُ لِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: كَذَبْتَ، أَنْتَ تَصْلُحُ، فَقَالَ: قَدْ حَكَمْتَ عَلَى نَفْسِكَ، كَيْفَ يَحِلُّ لَكَ أَنْ تُوَلِّيَ قَاضِيًا عَلَى أَمَانَتِكَ، وَهُوَ كَذَّابٌ؟ وَذُكِرَ أَبُو حَنِيفَةَ عِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ، فَقَالَ: أَتَذْكُرُونَ رَجُلًا عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا فَفَرَّ مِنْهَا. وَكَانَ حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الثِّيَابِ طَيِّبَ الرِّيحِ، يُعْرَفُ بِرِيحِ الطِّيبِ إِذَا أَقْبَلَ، كَثِيرَ الْكَرَمِ حَسَنَ الْمُوَاسَاةِ لِإِخْوَانِهِ رَبْعَةً أَحْسَنَ النَّاسِ مَنْطِقًا، وَأَحْلَاهُمْ نَغَمَةً. قَالَ: قَدِمْتُ الْبَصْرَةَ فَظَنَنْتُ أَنِّي لَا أُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَجَبْتُ عَنْهُ، فَسَأَلُونِي عَنْ أَشْيَاءَ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي فِيهَا جَوَابٌ ; فَجَعَلْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا أُفَارِقَ حَمَّادًا حَتَّى يَمُوتَ، فَصَحِبْتُهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ مَا صَلَّيْتُ صَلَاةً مُنْذُ مَاتَ إِلَّا اسْتَغْفَرْتُ لَهُ قَبْلَ أَبَوَيَّ، أَوْ قَالَ: مَعَ وَالِدَيَّ، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ لِمَنْ تَعَلَّمْتُ مِنْهُ عِلْمًا، أَوْ تَعَلَّمَ مِنِّي عِلْمًا. قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْمَنْصُورِ فَقَالَ: عَمَّنْ أَخَذْتَ الْعِلْمَ؟ فَقُلْتُ: عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: بَخٍ بَخٍ، اسْتَوْفَيْتَ يَا أَبَا حَنِيفَةَ، وَرَأَى أَبُو حَنِيفَةَ فِي النَّوْمِ كَأَنَّهُ نَبَشَ قَبْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَعَثَ مَنْ سَأَلَ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ فَقَالَ: مَنْ صَاحِبُ هَذِهِ الرُّؤْيَا؟ وَلَمْ يُجِبْ عَنْهَا، ثُمَّ سَأَلَهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ سَأَلَهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: صَاحِبُ هَذِهِ الرُّؤْيَا يُبْرِزُ عِلْمًا لَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ إِلَيْهِ مِمَّنْ قَبْلَهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ آيَةً فَقِيلَ لَهُ: فِي الْخَيْرِ أَمْ فِي الشَّرِّ؟ قَالَ: اسْكُتْ يَا هَذَا؟ فَإِنَّهُ يُقَالُ: إِنَّهُ آيَةٌ فِي الْخَيْرِ، وَغَايَةٌ فِي الشَّرِّ، ثُمَّ تَلَا: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} [المؤمنون: 50] . وَقَالَ: كَانَ يَوْمًا فِي الْجَامِعِ فَوَقَعَتْ حَيَّةٌ فَسَقَطَتْ فِي حِجْرِهِ ; فَهَرَبَ النَّاسُ، وَهُوَ لَمْ يَزِدْ عَلَى نَفْضِهَا، وَجَلَسَ مَكَانَهُ، وَكَانَ خَزَّازًا يَبِيعُ الْخَزَّ، وَدُكَّانُهُ مَعْرُوفٌ فِي دَارِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ. وَمَاتَ أَخُو سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ لِعَزَائِهِ، فَجَاءَ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَامَ إِلَيْهِ سُفْيَانُ، وَأَكْرَمَهُ، وَأَقْعَدَهُ فِي مَكَانِهِ وَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ قَالَ أَصْحَابُ سُفْيَانَ: رَأَيْنَاكَ فَعَلْتَ شَيْئًا عَجِيبًا! قَالَ: هَذَا رَجُلٌ مِنَ الْعِلْمِ بِمَكَانٍ، فَإِنْ لَمْ أَقُمْ لِعِلْمِهِ قُمْتُ لِسِنِّهِ، وَإِنْ لَمْ أَقُمْ لِسِنِّهِ قُمْتُ لِفِقْهِهِ، وَإِنْ لَمْ أَقُمْ لِفِقْهِهِ قُمْتُ لِوَرَعِهِ. وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: كَانَ النَّاسُ نِيَامًا عَنِ الْفِقْهِ حَتَّى أَيْقَظَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ بِمَا فَتَّقَهُ، وَبَيَّنَهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: النَّاسُ عِيَالُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْفِقْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَبَحَّرَ فِي الْفِقْهِ فَلْيَلْزَمْ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ الرَّبِيعِ: أَقَمْتُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ خَمْسَ سِنِينَ فَمَا رَأَيْتُ أَطْوَلَ صَمْتًا مِنْهُ، فَإِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ فِي الْفِقْهِ سَالَ كَالْوَادِي. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مَا قَدِمَ مَكَّةَ فِي وَقْتِنَا رَجُلٌ أَكْثَرُ صَلَاةً مِنْهُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الزَّاهِدُ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَنَامُ فِي اللَّيْلِ. وَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ: كَانَ يُسَمَّى الْوَتِدَ لِكَثْرَةِ صَلَاتِهِ. وَقَالَ زُفَرُ: كَانَ يُحْيِي اللَّيْلَ كُلَّهُ بِرَكْعَةٍ يَقْرَأُ فِيهَا الْقُرْآنَ. وَقَالَ أَسَدُ بْنُ عَمْرٍو: صَلَّى أَبُو حَنِيفَةَ صَلَاةَ الْفَجْرِ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَ عَامَّةَ اللَّيْلِ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ، وَكَانَ يُسْمَعُ بُكَاؤُهُ حَتَّى يُرَحِّمَ عَلَيْهِ جِيرَانُهُ. وَحُفِظَ عَلَيْهِ أَنَّهُ خَتَمَ الْقُرْآنَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ سَبْعَةَ آلَافِ خَتْمَةٍ، وَلَمَّا غَسَّلَهُ الْحُسَيْنُ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ لَهُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ! لَمْ تُفْطِرْ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَلَمْ تَتَوَسَّدْ يَمِينَكَ فِي اللَّيْلِ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَقَدْ أَتْعَبْتَ مَنْ بَعْدَكَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: إِنَّهُ صَلَّى الْخَمْسَ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَ يَجْمَعُ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ زَائِدَةُ: صَلَّيْتُ مَعَهُ فِي مَسْجِدِهِ الْعِشَاءَ، وَخَرَجَ النَّاسُ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنِّي فِي الْمَسْجِدِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ مَسْأَلَةً، فَقَامَ وَافْتَتَحَ الصَّلَاةَ فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} [الطور: 27] فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهَا حَتَّى أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ، وَأَنَا أَنْتَظِرُهُ. وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ: قَامَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْلَةً بِهَذِهِ الْآيَةِ: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 46]
الجزء 1 · صفحة 31
يُرَدِّدُهَا، وَيَبْكِي، وَيَتَضَرَّعُ. وَقَالَ وَكِيعٌ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ قَدْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يَحْلِفَ بِاللَّهِ فِي عَرْضِ كَلَامِهِ إِلَّا تَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ، فَحَلَفَ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ جَعَلَ إِنْ حَلَفَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ، فَكَانَ إِذَا حَلَفَ صَادِقًا فِي عَرْضِ كَلَامِهِ تَصَدَّقَ بِدِينَارٍ، وَكَانَ إِذَا أَنْفَقَ عَلَى عِيَالِهِ نَفَقَةً تَصَدَّقَ بِمِثْلِهَا، وَكَانَ إِذَا اكْتَسَى ثَوْبًا جَدِيدًا كَسَى بِقَدْرِ ثَمَنِهِ الشُّيُوخَ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَكَانَ إِذَا وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ الطَّعَامُ أَخَذَ مِنْهُ ضِعْفَ مَا يَأْكُلُهُ فَيَجْعَلُهُ عَلَى الْخُبْزِ، ثُمَّ يُعْطِيهِ الْفَقِيرَ، وَوَهَبَ لِمُعَلِّمِ ابْنِهِ حَمَّادٍ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ لَمَّا خَتَمَ. وَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ تَشْتَرِي مِنْهُ ثَوْبَ خَزٍّ فَأَخْرَجَ لَهَا ثَوْبًا فَقَالَتْ: إِنَّهَا ضَعِيفَةٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ فَبِعْنِيهِ بِمَا يَقُومُ عَلَيْكَ، فَقَالَ: خُذِيهِ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ، فَقَالَتْ: لَا تَسْخَرْ بِي، وَأَنَا عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ، فَقَالَ: إِنِّي اشْتَرَيْتُ ثَوْبَيْنِ فَبِعْتُ أَحَدَهُمَا بِرَأْسِ الْمَالِ إِلَّا أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، فَبَقِيَ هَذَا بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ، وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ لِلثَّوْرِيِّ: مَا أَبْعَدَ أَبَا حَنِيفَةَ عَنِ الْغَيْبَةِ، مَا سَمِعْتُهُ يَغْتَابُ عَدُوًّا لَهُ قَطُّ. قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ أَعْقَلُ مِنْ أَنْ يُسَلِّطَ عَلَى حَسَنَاتِهِ مَا يَذْهَبُ بِهَا. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ حَفِيدُهُ: كَانَ عِنْدَنَا رَافِضِيٌّ لَهُ بَغْلَانِ، سَمَّى أَحَدَهُمَا أَبَا بَكْرٍ، وَالْآخَرَ عُمَرَ، فَرَمَحَهُ أَحَدُهُمَا فَقَتَلَهُ فَقِيلَ لِجَدِّي، فَقَالَ: مَا قَتَلَهُ إِلَّا الْمُسَمَّى بِعُمَرَ فَكَانَ كَذَلِكَ. قُلْتُ: لِأَنَّهُ مَظْهَرُ الْجَلَالِ، وَأَبُو بَكْرٍ مَظْهَرُ الْجَمَالِ. وَكَانَ بَعْضُ جَمَاعَةِ الْمَنْصُورِ يَبْغَضُهُ فَلَمَّا رَآهُ عِنْدَ الْمَنْصُورِ قَالَ: الْيَوْمَ أَقْتُلُهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَأْمُرُنَا بِضَرْبِ عُنُقِ الرَّجُلِ مَا نَدْرِي مَا هُوَ، فَهَلْ لَنَا قَتْلُهُ؟ قَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَأْمُرُ بِالْحَقِّ، أَوْ بِالْبَاطِلِ؟ قَالَ: بِالْحَقِّ، قَالَ: الْزَمِ الْحَقَّ حَيْثُ قَالَ، وَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ لِمَنْ قَرُبَ مِنْهُ: إِنَّ هَذَا أَرَادَ أَنْ يُوبِقَنِي فَرَبَطْتُهُ.
وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَتُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ، وَقِيلَ: فِي السِّجْنِ عَلَى أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ سَنَةَ خَمْسِينَ عَلَى الْمَشْهُورِ، أَوْ إِحْدَى، أَوْ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ فِي رَجَبٍ بِبَغْدَادَ، وَقَبْرُهُ بِهَا يُزَارُ، وَيُتَبَرَّكُ بِهِ. وَمِنْ وَرَعِهِ أَنَّهُ أَرَادَ شِرَاءَ أَمَةٍ يَتَسَرَّى بِهَا فَاسْتَمَرَّ عِشْرِينَ سَنَةً يُفَتِّشُ السَّبَايَا، وَيَسْأَلُ عَنْهُنَّ حَتَّى اطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ بِشِرَاءِ وَاحِدَةٍ. وَمِنْ كَرَامَاتِهِ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ هَرَبَ صَغِيرًا إِلَيْهِ مِنْ أُمِّهِ لِيُتْمِهِ، وَفَقْرِهِ فَجَاءَتْ أُمُّهُ لِلْإِمَامِ، وَقَالَتْ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي أَفْسَدْتَ وَلَدِي فَأَعْطَاهُ لَهَا، ثُمَّ هَرَبَ إِلَيْهِ، وَتَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ الْإِمَامُ، وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ الضَّيِّقَةِ: كَيْفَ بِكَ، وَأَنْتَ تَأْكُلُ الْفَالَوْذَجَ فِي صَحْنِ الْفَيْرُوجِ؟ ! فَلَمَّا تُوُفِّيَ، وَوَصَلَ أَبُو يُوسُفَ عِنْدَ الرَّشِيدِ مَا وَصَلَ دَعَاهُ الرَّشِيدُ يَوْمًا، وَأَخْرَجَ لَهُ فَالَوْذَجًا كَذَلِكَ، فَضَحِكَ أَبُو يُوسُفَ فَعَجِبَ مِنْهُ الرَّشِيدُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا حَنِيفَةَ، وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ اهـ. كَلَامُ الشَّيْخِ ابْنِ حَجَرٍ مُلَخَّصًا، وَاكْتَفَيْنَا بِكَلَامِهِ ; فَإِنَّهُ عَلَى الْمُخَالِفِينَ حُجَّةٌ، وَفِيمَا نَقَلَهُ لِلْمُوَافِقِينَ كِفَايَةٌ ; لِأَنَّ الْمُطْنِبَ فِي نَعْتِهِ مُقَصِّرٌ، وَالْمُسْهِبَ فِي مَنْقَبَتِهِ مُخْتَصِرٌ. وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ سَمِعَ رَجُلًا يَقَعُ فِي أَبِي حَنِيفَةَ فَدَعَاهُ، وَقَالَ: يَا هَذَا، أَتَقَعُ فِي رَجُلٍ سَلَّمَ لَهُ جَمِيعُ النَّاسِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْفِقْهِ، وَهُوَ لَا يُسَلِّمُ لَهُمُ الرُّبْعَ؟ قَالَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: الْفِقْهُ سُؤَالٌ، وَجَوَابٌ، وَهُوَ الَّذِي تَفَرَّدَ بِوَضْعِ الْأَسْئِلَةِ فَسَلِمَ لَهُ نِصْفُ الْعِلْمِ، ثُمَّ أَجَابَ عَنِ الْكُلِّ، وَخُصُومُهُ لَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ أَخْطَأَ فِي الْكُلِّ، فَإِذَا جُعِلَ مَا وَافَقُوا فِيهِ مُقَابَلًا بِمَا خَالَفُوا فِيهِ سَلِمَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعِلْمِ، وَبَقِيَ الرُّبُعُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ النَّاسِ. وَمِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي مَنَاقِبِهِ الْمُسَمَّى بِالْخَيِّرَاتِ الْحِسَانِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: رَأَيْتُ أَبَا حَنِيفَةَ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُهُ رَجُلًا لَوْ كَلَّمَكَ فِي السَّارِيَةِ أَنْ يَجْعَلَهَا ذَهَبًا لَقَامَ بِحُجَّتِهِ. وَلَمَّا دَخَلَ الشَّافِعِيُّ بَغْدَادَ زَارَ قَبْرَهُ، وَصَلَّى عِنْدَهُ رَكْعَتَيْنِ فَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرِ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ كَانَتَا الصُّبْحَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَقْنُتْ فَقِيلَ
الجزء 1 · صفحة 32
لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: أَدَبُنَا مَعَ هَذَا الْإِمَامِ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ نُظْهِرَ خِلَافَهُ بِحَضْرَتِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَتَلْمَذَ لَهُ كِبَارٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَالْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَالْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ. اهـ.
وَمِنْهُمْ: دَاوُدُ الطَّائِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ، وَفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَكَابِرِ السَّادَةِ الصُّوفِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَمَا اسْتَظَلَّ بِحَائِطِ الْمَدْيُونِ حِينَ أَتَاهُ مُتَقَاضِيًا، وَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالٍ أَتَى بِهِ وَكِيلُهُ إِلَيْهِ لَمَّا خَلَطَ ثَمَنَ ثَوْبٍ مَعِيبٍ بِيعَ مَخْفِيًّا، قِيلَ: وَكَانَ الْمَالُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَتَرَكَ لَحْمَ الْغَنَمِ لَمَّا فُقِدَتْ شَاةٌ فِي الْكُوفَةِ سَبْعَ سِنِينَ لَمَّا قِيلَ: إِنَّهَا أَكْثَرُ مَا تَعِيشُ فِيهِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ لَمَّا قَالَ فِيمَا قَدَّمَهُ: (فَأَعْلَمْتُ مَا أَغْفُلُهُ) اسْتَشْعَرَ اعْتِرَاضًا بِأَنَّ الْإِعْلَامَ الْحَقِيقِيِّ إِنَّمَا هُوَ بِإِيرَادِ الْإِسْنَادِ الْكُلِّيِّ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ رِجَالِهِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ، وَحُسْنِهِ، وَضَعْفِهِ، وَسَائِرِ أَحْوَالِهِ فَاعْتَذَرَ عَنِ الْإِشْكَالِ فَقَالَ:
(وَإِنِّي إِذَا نَسَبْتُ الْحَدِيثَ) أَيْ: كُلَّ حَدِيثٍ (إِلَيْهِمْ) أَيْ: إِلَى بَعْضِ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ الْمَعْرُوفَةِ كُتُبُهُمْ بِأَسَانِيدِهِمْ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ (كَأَنِّي أَسْنَدْتُ) أَيِ: الْحَدِيثَ بِرِجَالِهِ (إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ: فِيمَا إِذَا كَانَ الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا، وَهُوَ الْغَالِبُ، وَإِلَى أَصْحَابِهِ إِذَا كَانَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ الْمَرْفُوعُ حُكْمًا ; (لِأَنَّهُمْ) أَيِ: الْأَئِمَّةُ (قَدْ فَرَغُوا مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الْإِسْنَادِ الْكَامِلِ بِذِكْرِهِمْ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ: مِنَ الْإِسْنَادِ الْمَفْهُومِ مِنْ أَسْنَدْتُ عَلَى حَدِّ: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البقرة: 237] . اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ: {وَأَنْ تَعْفُوا} [البقرة: 237] بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى، وَالتَّقْدِيرُ: وَعَفْوُكُمْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى نَحْوَ {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184] فَالصَّوَابُ أَنَّهُ عَلَى حَدِّ: اعْدِلُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى، ثُمَّ فِي أَصْلِهِ عَلَى حَدِّ: وَأَنْ تَعْفُوا هُوَ أَقْرَبُ، وَهُوَ إِمَّا سَهْوٌ مِنَ الْكُتَّابِ، أَوْ وَهْمٌ مِنْ مُصَنِّفِ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَأَغْنَوْنَا) : بِهَمْزَةِ قَطْعٍ، أَيْ:، وَجَعَلُونَا فِي غِنًى، وَكِفَايَةٍ (عَنْهُ) أَيْ: عَنْ تَحْقِيقِ الْإِسْنَادِ مِنْ وَصْلِهِ، وَقَطْعِهِ، وَوَقْفِهِ، وَرَفْعِهِ، وَضَعْفِهِ، وَحُسْنِهِ، وَصِحَّتِهِ، وَوَضْعِهِ ; وَمِنْ ثَمَّ لَزِمَ الْأَخْذُ بِنَصِّ أَحَدِهِمْ عَلَى صِحَّةِ السَّنَدِ، أَوِ الْحَدِيثِ، أَوْ عَلَى حُسْنِهِ، أَوْ ضَعْفِهِ، أَوْ وَضْعِهِ، فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَجُوزُ نَقْلُ الْحَدِيثِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُؤَلَّفَةِ الْمُعْتَمَدَةِ الَّتِي اشْتَهَرَتْ، أَوْ صَحَّتْ نِسْبَتُهَا لِمُؤَلِّفِيهَا كَالْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْكُتُبِ الْمُؤَلَّفَةِ، وَسَوَاءٌ فِي جَوَازِ نَقْلِهِ مِمَّا ذُكِرَ أَكَانَ نَقْلُهُ لِلْعَمَلِ بِمَضْمُونِهِ، وَلَوْ فِي الْأَحْكَامِ، أَوْ لِلِاحْتِجَاجِ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَعَدُّدُ الْأَصْلِ الْمَنْقُولِ مِنْهُ، وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ مِنَ اشْتِرَاطِهِ حَمَلُوهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَالِاسْتِظْهَارِ، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ الْأَصْلِ أَنْ يَكُونَ قَدْ قُوبِلَ عَلَى أَصْلٍ مُعْتَمَدٍ مُقَابَلَةً صَحِيحَةً ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَحْصُلُ بِهِ الثِّقَةُ الَّتِي مَدَارُ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهَا صِحَّةً، وَاحْتِجَاجًا، نَعَمْ، نُسَخُ التِّرْمِذِيِّ مُخْتَلِفَةٌ كَثِيرًا فِي الْحُكْمِ عَلَى الْحَدِيثِ بَلْ، وَسُنَنُ أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا، فَلَا بُدَّ مِنَ الْمُقَابَلَةِ عَلَى أُصُولٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْهُمَا، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ فِي النَّقْلِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ لِلْعَمَلِ وَالِاحْتِجَاجِ أَنْ يَكُونَ لَهُ بِهِ رِوَايَةٌ إِلَى مُؤَلِّفِيهَا ; وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ كَافَّةً إِلَى أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ الْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ عَلَى سَمَاعِهِ بَلْ إِذَا صَحَّتْ عِنْدَهُ النُّسْخَةُ مِنَ السُّنَنِ جَازَ لَهُ الْعَمَلُ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ، وَشَذَّ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، فَقَالَ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَقُولَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَا، حَتَّى يَكُونَ عِنْدَهُ ذَلِكَ الْقَوْلُ مَرْوِيًّا، وَلَوْ عَلَى أَقَلِّ وُجُوهِ الرِّوَايَاتِ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: ( «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ) ، وَفِي رِوَايَةٍ: بِحَذْفِ مُتَعَمِّدًا، وَتَبِعَهُ الْحَافِظُ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ أَنَّهُ يَقْبُحُ لِلطَّالِبِ أَنْ لَا يَحْفَظَ بِإِسْنَادِهِ عِدَّةَ أَحَادِيثَ يَتَخَلَّصُ بِهَا عَنْ كَذَا، وَعَنْ كَذَا. قَالَ: وَيَتَخَلَّصُ بِهِ مِنَ الْجَرْحِ بِنَقْلِ مَا لَيْسَتْ لَهُ بِهِ رِوَايَةٌ ; فَإِنَّهُ غَيْرُ سَائِغٍ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الدِّرَايَةِ. وَانْتَصَرَ جَمَاعَةٌ لِلْأَوَّلِ، وَقَدْ يَجْمَعُ بَيْنَ الْإِجْمَاعَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إِذَا نَظَرَ فِي الْأَصْلِ الْمُعْتَمَدِ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْحَدِيثَ لِلْعَمَلِ، أَوِ الِاحْتِجَاجِ
الجزء 1 · صفحة 33
وَالثَّانِي: عَلَى مَا إِذَا حَدَّثَ بِأَحَادِيثِهَا مُوهِمًا نَسْبَتَهَا إِلَيْهِ قِرَاءَةً، وَإِسْنَادًا فَهَذَا لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَزِيدِ التَّغْرِيرِ. وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا أَوْرَدَ عَلَى الثَّانِي مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَنْعُ إِيرَادِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا لِمَنْ لَا رِوَايَةٌ لَهُ بِهِ، وَجَوَازُ نَقْلِ مَا لَهُ بِهِ رِوَايَةٌ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا (وَسَرَدْتُ الْكُتُبَ وَالْأَبْوَابَ) أَيْ: أَوْرَدْتُهَا، وَوَضَعْتُهَا مُتَتَابِعَةً مُتَوَالِيَةً (كَمَا سَرَدَهَا) أَيْ: رَتَّبَهَا، وَعَيَّنَهَا الْإِمَامُ الْبَغَوِيُّ فِي الْمَصَابِيحِ (وَاقْتَفَيْتُ) أَيِ: اتَّبَعْتُ (أَثَرَهُ) : بِفَتْحَتَيْنِ، وَقِيلَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ: طَرِيقَهُ (فِيهَا) أَيِ: الْكُتُبِ، وَالْأَبْوَابِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمٍ، وَتَأْخِيرٍ، وَزِيَادَةِ عُنْوَانٍ، وَتَغْيِيرٍ ; فَإِنَّ تَرْتِيبَهُ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، وَتَبْوِيبَهُ فِي غَايَةٍ مِنَ الِحُسْنِ، وَالْجَمَالِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِكَمَالِ الْمُتَابَعَةِ، وَتَبْرِئَةً عَمَّا قَدْ يَرِدُ عَلَى إِيرَادِهِ بَعْضَ الْكُتُبِ، وَالْأَبْوَابِ مِنْ وُجُوهِ الْمُنَاسَبَةِ (وَقَسَمْتُ) : بِالتَّخْفِيفِ (كُلَّ بَابٍ) : وَكَذَا كُلُّ كِتَابٍ أَيْ: جَعَلْتُهُ مَقْسُومًا (غَالِبًا) أَيْ: فِي غَالِبِ الْحَالِ (عَلَى فُصُولٍ ثَلَاثَةٍ) : وَقَيْدُ الْغَالِبِيَّةِ بِمَعْنَى الْأَكْثَرِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُوجَدُ الْفَصْلُ الثَّانِي، أَوِ الثَّالِثُ، أَوْ كِلَاهُمَا فِي بَعْضِ الْأَبْوَابِ مِنَ الْكِتَابِ.
(أَوَّلُهَا) أَيْ: أَوَّلُ الْفُصُولِ فِي هَذَا الْكِتَابِ بَدَلُ قَوْلِ الْبَغَوِيِّ فِي الْمَصَابِيحِ مِنَ الصِّحَاحِ (مَا أَخْرَجَهُ) أَيْ: أَوْرَدَهُ، أَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ بَيْنِ الْأَحَادِيثِ (الشَّيْخَانِ) أَيْ: يَزْعُمُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ: (وَإِنْ عَثَرْتَ عَلَى اخْتِلَافِ الْفَصْلَيْنِ) ، أَوِ الْمُرَادُ فِي الْغَالِبِ وَالنَّادِرِ كَالْمَعْدُومِ (أَوْ أَحَدُهُمَا) أَيْ: أَحَدُ الشَّيْخَيْنِ بِزَعْمِهِ أَيْضًا، وَهُمَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ، وَالرَّافِعِيُّ، وَالنَّوَوِيُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (وَاكْتَفَيْتُ) : وَفِي نُسْخَةٍ، وَأَكْتَفِي، وَهُوَ يَحْتَمِلُ الْمَعْلُومَ الْتِفَاتًا، وَالْمَجْهُولَ مِنَ الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَعْرُوفِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ (بِهِمَا) أَيْ: بِذِكْرِهِمَا فِي التَّخْرِيجِ (وَإِنِ اشْتَرَكَ) : وَصِيلَةٌ لَا تَطْلُبُ جَزَاءً وَلَا جَوَابًا (فِيهِ) أَيْ: فِي تَخْرِيجِهِ (الْغَيْرُ) أَيْ: غَيْرُهُمَا مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَالْمُخْرِجِينَ كَبَقِيَّةِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَنَحْوِهَا (لِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمَا) أَيْ: عَلَى سَائِرِ الْمُخْرِجِينَ مَعَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا (فِي الرِّوَايَةِ) : مُتَعَلِّقٌ بِالْعُلُوِّ، أَيْ: فِي شَرَائِطِ إِسْنَادِهَا، وَالْتِزَامِ صِحَّتِهَا مَا يَلْتَزِمُهُ غَيْرُهُمَا مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمَا أَعْلَى مَرْتَبَةً مِنْهُمَا فِي عُلُوِّ الْإِسْنَادِ، فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ أَخَذَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَهُوَ أَخَذَ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ عَنْ مَالِكٍ، وَلِذَا قَالَ بِشْرٌ الْحَافِي: إِنَّ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ حَدَّثَنَا مَالِكٌ كَذَا، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَدْحًا لِلْإِسْنَادِ بِمُقْتَضَى الْعِلْمِ الظَّاهِرِ، وَيَحْتَمِلُ ذَمًّا بِنَاءً عَلَى التَّصَوُّفِ الَّذِي مَبْنَاهُ عَلَى عِلْمِ الْبَاطِنِ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: حَدَّثَنَا بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الدُّنْيَا، وَلَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ قَصْدُهُ السُّمْعَةَ، وَغَرَضُهُ الرِّيَاءَ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْأَئِمَّةَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي شَرْطِهِمَا الَّذِي الْتَزَمَاهُ ; فَإِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِهِ فِي كِتَابِهِ، وَالْأَظْهَرُ مَا قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ، وَصَاحِبُهُ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ شَرْطَهُمَا أَنْ يَكُونَ لِلصَّحَابِيِّ الْمَشْهُورِ بِالرِّوَايَةِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَاوِيَانِ فَأَكْثَرُ، ثُمَّ يَكُونَ لِلتَّابِعِيِّ الْمَشْهُورِ رَاوِيَانِ ثِقَتَانِ، ثُمَّ يَرْوِيهِ عَنْهُ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ الْحَافِظُ الْمُتْقِنُ الْمَشْهُورُ، وَلَهُ رُوَاةٌ ثِقَاتٌ مِنَ الطَّبَقَةِ الرَّابِعَةِ، ثُمَّ يَكُونُ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ، أَوْ مُسْلِمٍ حَافِظًا مُتْقِنًا مَشْهُورًا بِالْعَدَالَةِ فِي رِوَايَتِهِ، وَلَهُ رُوَاةٌ، ثُمَّ يَتَدَاوَلُهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ بِالْقَبُولِ إِلَى وَقْتِنَا هَذَا كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَهُوَ إِنِ انْتَقَضَ فِي بَعْضِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ أَخْرَجَا لَهُمْ، فَهُوَ مُعْتَبَرٌ فِيمَنْ بَعْدَهُمْ، فَلَيْسَ فِي كِتَابَيْهِمَا حَدِيثٌ أَصْلًا مِنْ رِوَايَةِ مَنْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا رَاوٍ وَاحِدٌ فَقَطْ اهـ.
قِيلَ: وَالْحَاكِمُ مُوَافِقٌ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الصَّحَابَةِ فَكَأَنَّهُ رَجَعَ عَنِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي مُسْتَدْرَكِهِ: عَلَى شَرْطِهِمَا، أَوْ شَرْطِ أَحَدِهِمَا عِنْدَ النَّوَوِيِّ، وَابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ، وَالذَّهَبِيِّ كَأَبِي الصَّلَاحِ أَنْ يَكُونَ رِجَالُ ذَلِكَ الْإِسْنَادِ
الجزء 1 · صفحة 34
بِأَعْيَانِهِمْ فِي كِتَابَيْهِمَا، أَوْ كِتَابِ أَحَدِهِمَا، وَإِلَّا قَالَ صَحِيحٌ فَحَسْبُ، وَمُخَالَفَتُهُ لِذَلِكَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ تُحْمَلُ عَلَى الذُّهُولِ، هَذَا، وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ لَوْ لَمْ يَكْتَفِ الْمُصَنِّفُ بِهِمَا، وَذَكَرَ فِي كُلٍّ حَدِيثَ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ رَوَاهُ كَانَ أَوْلَى، وَأَنْسَبَ، وَأَحْرَى، وَأَصْوَبَ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ وَإِنْ كَانَ فِي أَصْلِ الصِّحَّةِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِمَا لَكِنْ فِي التَّرْجِيحِ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ ذِكْرِ غَيْرِهِمَا ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ السِّتَّةُ مَثَلًا لَا شَكَّ فِي تَرْجِيحِهِ عَلَى الَّذِي رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا، وَلَمْ يُخْرِجْهُ غَيْرُهُمَا.
(وَثَانِيهَا) أَيْ: ثَانِي الْفُصُولِ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي الْمَصَابِيحِ بِقَوْلِهِ: مِنَ الْحِسَانِ (مَا أَوْرَدَهُ غَيْرُهُمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ) ، وَهُمْ: أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ ; فَإِنَّ أَحَادِيثَ الْمَصَابِيحِ لَا تَتَجَاوَزُ عَنْ كُتُبِ الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ، وَأَكْثَرُهَا صِحَاحٌ.
(وَثَالِثُهَا) : وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْفَصْلِ الثَّالِثِ (مَا اشْتَمَلَ عَلَى مَعْنَى الْبَابِ) أَيْ: عَلَى مَعْنًى عُقِدَ لَهُ الْبَابُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْكِتَابِ (مِنْ مُلْحَقَاتٍ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَمِنْ بَيَانِيَّةٌ لِمَا اشْتَمَلَ (مُنَاسِبَةٍ) : بِكَسْرِ السِّينِ أَيْ: مُشَاكِلَةٍ، وَهِيَ صِفَةُ مُلْحَقَاتٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا زِيَادَاتٌ أَلْحَقَهَا صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ عَلَى وَجْهِ الْمُنَاسَبَةِ بِكُلِّ كِتَابٍ وَبَابٍ غَالِبًا لِزِيَادَةِ الْفَائِدَةِ، وَعُمُومِ الْعَائِدَةِ (مَعَ مُحَافَظَةٍ عَلَى الشَّرِيطَةِ) أَيْ: مِنْ إِضَافَةِ الْحَدِيثِ إِلَى الرَّاوِي مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَنِسْبَتِهِ إِلَى مُخْرِجِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ. وَلَمَّا كَانَ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ مُلْتَزِمًا لِلْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ فِي كِتَابِهِ فِي الْفَصْلَيْنِ، وَلَمْ يَلْتَزِمِ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ كَانَ) أَيِ: الْمُشْتَمِلُ (مَأْثُورًا) أَيْ: مَنْقُولًا، وَمَرْوِيًّا (عَنِ السَّلَفِ) أَيِ: الْمُتَقَدِّمِينَ، وَهُمُ الصَّحَابَةُ (وَالْخَلَفِ) أَيِ: الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهُمُ التَّابِعُونَ، وَاعْلَمْ أَنَّ تَقْدِيمَ السَّلَفِ عَلَى الْخَلَفِ ثَابِتٌ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَكَأَنَّهُ وَقَعَ فِي أَصْلِ ابْنِ حَجَرٍ سَهْوًا مِنْ تَقْدِيمِ الْخَلَفِ عَلَى السَّلَفِ، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ، وَلِتَوْجِيهِهِ تَكَلُّفٌ، وَقَالَ: الْخَلَفُ هُمْ مِنْ بَعْدِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ الَّتِي أَشَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ: ( «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» ) ، وَقَدَّمَهُمْ مَعَ أَنَّ رُتْبَتَهُمُ التَّأْخِيرُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ هَذَا الْحَدِيثُ ; لِأَنَّ تَقْدِيمَهُمْ أَنْسَبُ بِالْغَايَةِ الْمَذْكُورَةِ ; لِأَنَّهُ إِذَا أَتَى بِالْمَأْثُورِ عَنْهُمْ فَمَا عَنِ السَّلَفِ أَوْلَى اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِتَقْدِيمِ الْخَلَفِ عَلَى السَّلَفِ، نَعَمْ، لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الْخَلَفِ، وَنَقَلَ فِي كِتَابِهِ عَنِ السَّلَفِ - لَكَانَ يُوَجَّهُ بِهَذَا التَّوْجِيهِ، ثُمَّ قَالَ: وَالسَّلَفِ، وَهُمْ أَهْلُ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ هُمْ خَيْرُ الْأُمَّةِ بِشَهَادَةِ نَبِيِّهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَزَعَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْخَلَفِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ، وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا ضَعِيفَةٌ، أَوْ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَزِيَّةً مِنْ حَيْثُ قُوَّةُ الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ، وَالصَّبْرُ عَلَى مُرِّ الْحَقِّ فِي زَمَنِ الْجَوْرِ الصِّرْفِ، وَالْمَفْضُولُ قَدْ تُوجَدُ فِيهِ مَزِيَّةٌ بَلْ مَزَايَا لَا تُوجَدُ فِي الْفَاضِلِ، وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ لِابْنِ الْمُبَارَكِ: أَيُّمَا أَفْضَلُ مُعَاوِيَةُ، أَوْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ فَقَالَ: الْغُبَارُ الَّذِي دَخَلَ فِي أَنْفِ فَرَسِ مُعَاوِيَةَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْرٌ مِنْ مِثْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَذَا وَكَذَا مَرَّةً اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ مَا أَرَادَ إِلَّا هَذَا الْمَعْنَى بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ بِعَيْنِهَا، وَهِيَ أَنَّ الْخَلَفَ قَدْ يُوجَدُ فِيهِمُ الْكَمَالَاتُ الْعِلْمِيَّةُ، وَالرِّيَاضَاتُ الْعَمَلِيَّةُ، وَالْحَقَائِقُ الْأُنْسَيَّةُ، وَالدَّقَائِقُ الْقُدُسِيَّةُ، وَحَالَاتٌ مِنَ الْكَرَامَاتِ، وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ بِحَيْثُ إِنَّهُمْ يَكُونُونَ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، كَأَعْرَابِيٍّ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بَعْدُ ; فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ فِي حَقِّهِ: إِنَّهُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْخَلَفِ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَالْمَشَايِخِ الْمُعْتَبَرِينَ. وَأَمَّا فَضِيلَةُ نِسْبَةِ الصُّحْبَةِ فَلَا يُنْكِرُ مُؤْمِنٌ شَرَفَهَا، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِكْسِيرِ فِي عِظَمِ التَّأْثِيرِ. ثُمَّ تَفْسِيرُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى مَا شَرَحَهُ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَكِنْ لَا يُلَائِمُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ ; فَإِنَّهُ مَا يَرْوِي فِي كِتَابِهِ إِلَّا عَنِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَسْمَاءُ رِجَالِهِ الْمَحْصُورِينَ فِي ذِكْرِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، فَإِذَا فَسَّرَ السَّلَفَ بِهِمْ فَلَا يَبْقَى لِذِكْرِ الْخَلَفِ مَعْنًى، وَهَذَا خَلَفٌ (ثُمَّ) أَيْ: مَا ذَكَرْتُ أَنِّي الْتَزَمْتُ مُتَابَعَةَ صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ فِي كُلِّ بَابٍ (إِنَّكَ) أَيْ: أَيُّهَا النَّاظِرُ فِي كِتَابِي هَذَا (إِنْ فَقَدْتَ) أَيْ: مِنْ مَحَلِّهِ (حَدِيثًا) أَيْ: مِنْ أَصْلِهِ الَّذِي هُوَ الْمَصَابِيحُ (فِي بَابٍ) : مَثَلًا، أَوْ فِي كِتَابٍ أَيْضًا، وَالْمَعْنَى: مَا وَجَدْتُهُ بِالْكُلِّيَّةِ لِئَلَّا
الجزء 1 · صفحة 35
يَشْكُلَ بِنَقْلِهِ مِنْ بَابٍ إِلَى بَابٍ كَمَا فَعَلَهُ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْكِتَابِ (فَذَلِكَ) أَيِ: الْفَقْدُ، وَعَدَمُ الْوَجْدِ لَيْسَ صَادِرًا عَنْ طَعْنٍ، أَوْ سَهْوٍ بَلْ صَدَرَ (عَنْ تَكْرِيرٍ) أَيْ: عَنْ وُقُوعِ تَكْرَارٍ وَقَعَ فِي الْمَصَابِيحِ (أُسْقِطُهُ) أَيْ: أَحْذِفُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ لِتَكْرِيرِهِ، وَأَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِعَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرِهِ ; إِذْ لَا دَاعِي إِلَى إِتْيَانِهِ بَعْدَ ظُهُورِهِ، وَبَيَانِهِ (وَإِنْ وَجَدْتَ آخَرَ) أَيْ: صَادَفْتَ حَدِيثًا آخَرَ (بَعْضَهُ) : بِالنَّصْبِ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ (مَتْرُوكًا) أَيْ: بَعْضَهُ حَالَ كَوْنِهِ جَارِيًا، أَوْ بِنَاءً (عَلَى اخْتِصَارِهِ) : يَعْنِي اخْتِصَارَ مُحْيِي السُّنَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِيمَا بَعْدُ: (أَتْرُكُهُ، وَأُلْحِقُهُ) ، وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إِلَى الْحَدِيثِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (أَوْ مَضْمُومًا إِلَيْهِ تَمَامُهُ) : كَذَا ذَكَرَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا مِيرْكَشَاهْ، وَاقْتَصَرَ الطِّيبِيُّ عَلَى الْأَوَّلِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالْأَظْهَرُ الثَّانِي كَمَا أَفَادَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْكَلَامُ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَيَحْصُلُ تَفْكِيكُ الضَّمِيرِ، وَهُوَ غَيْرُ مُلَائِمٍ، ثُمَّ الْمَعْنَى: أَوْ وَجَدْتَ حَدِيثًا آخَرَ مَضْمُومًا إِلَيْهِ تَمَامُهُ الَّذِي أَسْقَطَهُ الْبَغَوِيُّ، أَوْ أَتَى بِهِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ (فَعَنْ دَاعِي اهْتِمَامٍ) : الْفَاءُ جَزَائِيَّةٌ أَيْ: فَذَلِكَ التَّرْكُ، وَالضَّمُّ لَمْ يَقَعِ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا صَدَرَ، وَنَشَأَ عَنْ مُوجِبِ اهْتِمَامٍ. وَقِيلَ: عَنْ بِمَعْنَى اللَّامِ، أَيْ: فَهُوَ لِأَجْلِ بَاعِثِ اهْتِمَامٍ اقْتَضَى أَنِّي (أَتْرُكُهُ) أَيْ: عَلَى اخْتِصَارِهِ فِي الْأَوَّلِ (وَأُلْحِقُهُ) : الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، أَيْ: وَأُلْحِقُهُ فِي الثَّانِي لِفَوَاتِ الدَّاعِي، وَالسَّبَبِ إِلَى اخْتِصَارِهِ، فَهُوَ نَشْرٌ مُرَتَّبٌ. قَالَ الْفَاضِلُ الطِّيبِيُّ: وَذَلِكَ بِأَنَّ تِلْكَ الرِّوَايَةَ كَانَتْ مُخْتَصَرَةً عَنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ جِدًّا فَأَتْرُكُهُ اخْتِصَارًا، أَوْ كَانَ حَدِيثًا يَشْتَمِلُ عَلَى مَعَانٍ جَمَّةٍ يَقْتَضِي كُلُّ بَابٍ مَعْنًى مِنْ مَعَانِيهِ، وَأَوْرَدَ الشَّيْخُ كُلًّا فِي بَابِهِ فَاقْتَفَيْنَا أَثَرَهُ فِي الْإِيرَادِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذَيْنِ الْوَضْعَيْنِ أَتْمَمْنَاهُ غَالِبًا اهـ قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: كَذَا قَرَّرَهُ الشَّارِحُ، وَحَرَّرَهُ، وَأَسْنَدَ الِاخْتِصَارَ، وَالْإِتْمَامَ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ مَعَ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُلَ هَذَا الْكَلَامَ مِنَ الْمُؤَلِّفِ، وَهَذَا الْأَمْرُ مِنَ الشَّارِحِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى سَمَاعِهِ مِنَ الْمُصَنِّفِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الشَّارِحِ أَنَّ هَذَا مَقْصُودُ الْمَاتِنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَإِنْ عَثَرْتَ) : بِتَثْلِيثِ الْمُثَلَّثَةِ، وَالْفَتْحُ أَوْلَى. أَيْ: اطَّلَعْتَ أَيُّهَا النَّاظِرُ فِي كِتَابِي هَذَا (عَلَى اخْتِلَافٍ) أَيْ: بَيْنِي، وَبَيْنَ صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ (فِي الْفَصْلَيْنِ) أَيِ: الْأَوَّلَيْنِ وَبَيَانِ الِاخْتِلَافِ قَوْلُهُ: (مِنْ ذِكْرِ غَيْرِ الشَّيْخَيْنِ) : أَيْ مِنَ الْمُخْرِجِينَ (فِي الْأَوَّلِ) أَيْ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ (وَذِكْرِهِمَا) أَيْ:، أَوْ مِنْ ذِكْرٍ لِلشَّيْخَيْنِ (فِي الثَّانِي) أَيْ: مِنَ الْفَصْلَيْنِ بِأَنْ يُسْنِدَ بَعْضَ الْأَحَادِيثِ فِيهِ إِلَيْهِمَا، أَوْ إِلَى أَحَدِهِمَا (فَاعْلَمْ) : جَزَاءُ الشَّرْطِ أَيْ: إِنِ اطَّلَعْتَ عَلَى مَا ذُكِرَ فَاعْلَمْ أَنَّهُ مَا صَدَرَ عَنِّي سَهْوًا، أَوْ غَفْلَةً فَلَا تَظُنَّ هَذَا، وَاعْلَمْ (أَنِّي بَعْدَ تَتَبُّعِي) أَيْ: تَفَحُّصِي، وَتَحَسُّسِي (كِتَابَيِ: الْجَمْعَ) : تَثْنِيَةُ مُضَافٍ أَيْ: كِتَابَيْنِ أَحَدُهُمَا الْجَمْعُ (بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ) أَيْ: بَيْنَ كِتَابَيِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ الْمُسَمَّيَيْنِ بِالصَّحِيحَيْنِ (لِلْحُمَيْدِيِّ) : مُتَعَلِّقٌ بِالْجَمْعِ، وَهُوَ بِالتَّصْغِيرِ نِسْبَةً لِجَدِّهِ الْأَعْلَى حُمَيْدٍ الْحَافِظِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ الْأَنْدُلُسِيِّ الْقُرْطُبِيِّ، وَهُوَ إِمَامٌ عَالِمٌ كَبِيرٌ مَشْهُورٌ وَرَدَ بَغْدَادَ، وَسَمِعَ أَصْحَابَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَغَيْرَهُمْ، وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ ثَمَانِينَ، وَأَرْبَعِمِائَةٍ، (وَجَامِعَ الْأُصُولِ) : بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْجَمْعِ، أَيْ: وَالْآخَرُ جَامِعُ الْأُصُولِ، أَيِ: الْكُتُبُ السِّتَّةُ لِلْإِمَامِ مَجْدِ الدِّينِ أَبِي السَّعَادَاتِ الْمُبَارَكِ بْنِ مُحَمَّدِ الْجَزَرِيِّ الشَّهِيرِ بِابْنِ الْأَثِيرِ، وَلَهُ أَيْضًا مَنَاقِبُ الْأَخْيَارِ، وَكِتَابُ النِّهَايَةِ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ، كَانَ عَالِمًا مُحَدِّثًا لُغَوِيًّا، وَكَانَ بِالْجَزِيرَةِ، وَانْتَقَلَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَمَاتَ بِهَا عَامَ سِتٍّ وَسِتِّمِائَةٍ (اعْتَمَدْتُ عَلَى صَحِيحَيِ الشَّيْخَيْنِ، وَمَتْنَيْهِمَا) : عَطْفُ بَيَانٍ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكْتَفِ بِهِمَا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَوَهَّمَ أَنَّ تَتَبُّعَهُ وَاسْتِقْرَاءَهُ غَيْرُ تَامٍّ، فَإِذَا وَافَقَ الْحُمَيْدِيَّ، وَصَاحِبَ الْأُصُولِ يَصِيرُ الظَّنُّ قَوِيًّا بِصِحَّةِ اسْتِقْرَائِهِ لِلْمُوَافَقَةِ، وَلَوِ اكْتَفَى بِتَتَبُّعِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ لَاحْتُمِلَ وُقُوعُ الْقُصُورِ فِي اسْتِقْرَائِهِمَا فَبَعْدَ اتِّفَاقٍ
الجزء 1 · صفحة 36
الْأَرْبَعَةِ يُمْكِنُ الْحُكْمُ بِالْجَزْمِ عَلَى سَهْوِ الْبَغَوِيِّ. (وَإِنْ رَأَيْتَ) أَيْ: أَبْصَرْتَ، أَوْ عَرَفْتَ أَيُّهَا النَّاظِرُ فِي الْمِشْكَاةِ، وَأَصْلِهَا مَعَ أُصُولِهِمَا (اخْتِلَافًا فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ) أَيْ: فِي مَتْنِهِ لَا إِسْنَادِهِ بِأَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْحَدِيثِ فِي الْمِشْكَاةِ مُخَالِفًا لِلَفْظِ الْمَصَابِيحِ (فَذَلِكَ) أَيِ: الِاخْتِلَافُ نَاشِئٌ (مِنْ تَشَعُّبِ طُرُقِ الْأَحَادِيثِ) أَيْ: مِنَ اخْتِلَافِ أَسَانِيدِهَا، وَرُوَاتِهَا حَتَّى عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ الْوَاحِدِ إِذْ كَثِيرًا مَا يَقَعُ لِلشَّيْخَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا، أَوْ لِغَيْرِهِمَا سَوْقُ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ بِأَلْفَاظٍ مُتَبَايِنَةٍ مُخْتَلِفَةِ الْمَعَانِي تَارَةً، وَمُؤْتَلَفَتِهَا أُخْرَى (وَلَعَلِّي) : لِلْإِشْفَاقِ، أَيْ: إِذَا وَجَدْتَنِي آثَرْتُ لَفْظَ حَدِيثٍ عَلَى الَّذِي رَوَاهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْمَصَابِيحِ لَعَلِّي (مَا اطَّلَعْتُ) أَيْ: مَا وَقَفْتُ (عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ الَّتِي سَلَكَهَا الشَّيْخُ) أَيْ: أَطْلَقَهَا، وَأَوْرَدَهَا فِي مَصَابِيحِهِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) : إِذْ هُوَ إِمَامٌ كَبِيرٌ، وَاطِّلَاعُهُ كَثِيرٌ، فَأَحْذِفُهَا، وَآتِي بِاللَّفْظِ الَّذِي اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ (وَقَلِيلًا مَا تَجِدُ) : زِيَادَةُ مَا لِتَأْكِيدِ الْقِلَّةِ، وَنَصَبَ قَلِيلًا عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ لِقَوْلِهِ: (أَقُولُ) أَيْ: وَتَجِدُنِي أَقُولُ قَوْلًا قَلِيلًا مَا أَيْ: فِي غَايَةٍ مِنَ الْقِلَّةِ، وَالْمَقُولُ قَوْلُهُ: (مَا وَجَدْتُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ) أَيْ: مَثَلًا (فِي كُتُبِ الْأُصُولِ) أَيْ: أُصُولِ الْحَدِيثِ مِنَ الْكُتُبِ الْمَبْسُوطَةِ الَّتِي هِيَ أُصُولُ السَّبْعَةِ عِنْدَ الشَّيْخِ، أَوْ مُطْلَقِ الْأُصُولِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُنْصَبَ قَلِيلًا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ (أَوْ وَجَدْتَ) : مِنْ جُمْلَةِ الْمَقُولِ، وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ (خِلَافَهَا فِيهَا) أَيْ: خِلَافَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي الْأُصُولِ (فَإِذَا وَقَفْتَ عَلَيْهِ) : الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْمَصْدَرِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ: (أَقُولُ) أَيْ: إِذَا اطَّلَعْتَ عَلَى قَوْلِي بِمَعْنَى مَقُولِيْ (هَذَا فَانْسُبْ) : بِضَمِّ السِّينِ أَيْ: مَعَ هَذَا (الْقُصُورَ) أَيِ: التَّقْصِيرَ فِي التَّتَبُّعِ (إِلَيَّ لِقِلَّةِ الدِّرَايَةِ) أَيْ: دِرَايَتِي، وَتَتَبَّعْ رِوَايَتِي (لَا) أَيْ: لَا تَنْسُبِ الْقُصُورَ (إِلَى جَانِبِ الشَّيْخِ) أَيْ: إِلَى جَانِبِهِ، وَسَاحَةِ بَابِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ، وَالْعُلَمَاءِ الْكَامِلِينَ الرَّاسِخِينَ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي مِنْ مَعْنَى الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: (فَإِذَا وَقَفْتَ) أَيْ: فَإِذَا حَذَفْتُ لَفْظًا وَأَتَيْتُ بِغَيْرِهِ حَسْبَمَا اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ، وَوَقَفْتَ أَنْتَ عَلَيْهِ أَيْ: عَلَى ذَلِكَ اللَّفْظِ فِي الْأُصُولِ فَانْسُبْ إِلَيَّ آخِرَهُ. وَأَنَا أَقُولُ أَيْضًا فَانْسُبِ الْقُصُورَ إِلَيَّ لَا إِلَى الشَّيْخِ (رَفَعَ اللَّهُ قَدْرَهُ) : جُمْلَةٌ دِعَائِيَّةٌ (فِي الدَّارَيْنِ) أَيْ: فِي الدُّنْيَا بِإِلْهَامِ النَّاسِ التَّرَضِّي، وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ، وَفِي الْعُقْبَى بِإِعْطَائِهِ مَعَالِمَ الْقُرْبِ لَدَيْهِ (حَاشَا) : بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ (لِلَّهِ) أَيْ: تَنْزِيهًا لَهُ (مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: مِنْ نِسْبَةِ الْقُصُورِ إِلَى الشَّيْخِ، وَهَذَا غَايَةٌ مِنَ الْمُؤَلِّفِ فِي تَعْظِيمِهِ، وَنِهَايَةُ أَدَبٍ مِنْهُ فِي تَكْرِيمِهِ، وَهُوَ حَقِيقٌ بِذَلِكَ، وَزِيَادَةٌ، فَإِنَّ لَهُ حَقَّ الْإِفَادَةِ، وَنِسْبَةَ السِّيَادَةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: حَاشَا: حَرْفُ جَرٍّ وُضِعَتْ مَوْضِعَ التَّنْزِيهِ وَالْبَرَاءَةِ، وَفِي مُغْنِي اللَّبِيبِ: الصَّحِيحُ أَنَّ حَاشَا اسْمٌ مُرَادِفٌ لِلتَّنْزِيهِ مِنْ كَذَا. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ مَعْنَاهُ التَّبَرِّي، وَالْبَرَاءَةُ. وَقَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: هُوَ تَنْزِيهٌ، وَاسْتِثْنَاءٌ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: مَعَاذَ اللَّهِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ فِعْلٌ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ. قِيلَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ اسْمٌ مُرَادِفٌ لِلتَّنْزِيهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قُرِئَ حَاشَ لِلَّهِ فِي سُورَةِ يُوسُفَ بِالتَّنْوِينِ، وَهُوَ لَا يَدْخُلُ عَلَى الْفِعْلِ وَالْحَرْفِ، وَقُرِئَ أَيْضًا حَاشَ اللَّهِ بِالْإِضَافَةِ، وَهِيَ مِنْ عَلَامَاتِ الِاسْمِ، وَحِينَئِذٍ لَهُ: (لِلَّهِ) لِبَيَانِ الْمُنَزَّهِ، وَالْمُبَرَّأِ كَأَنَّهُ قَالَ: بَرَاءَةٌ وَتَنْزِيهٌ. ثُمَّ قَالَ: لِلَّهِ بَيَانًا لِلْمُبَرَّأِ وَالْمُنَزَّهِ، فَلَامُهُ كَاللَّامِ فِي سُقْيًا لَكَ، فَعَلَى هَذَا يُقَالُ: مَعْنَى عِبَارَةِ الْمِشْكَاةِ: إِنَّ الشَّيْخَ مُبَرَّأٌ، وَمُنَزَّهٌ عَنْ قِلَّةِ الدِّرَايَةِ، ثُمَّ أَتَى لِبَيَانِ الْمُنَزَّهِ، وَالْمُبَرَّأِ، وَلَهُ: (لِلَّهِ) ، وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ بِلَا لَامٍ، وَكَأَنَّهَا لِإِفَادَةِ مَعْنَى الِاخْتِصَاصِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: تَنْزِيهُهُ مُخْتَصٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَهُ أَنْ يُنَزِّهَهُ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ ذَلِكَ، وَفِيهِ غَايَةُ التَّعْظِيمِ لِمَا هُنَالِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَأَقُولُ فِي حَقِّهِ:
الجزء 1 · صفحة 37
التَّنْزِيهُ لِلَّهِ لَا لِأَمْرٍ آخَرَ. وَقِيلَ: حَاشَا فِعْلٌ، وَفَسَّرَ الْآيَةَ بِأَنَّ مَعْنَاهَا جَانَبَ يُوسُفُ الْفَاحِشَةَ لِأَجْلِ اللَّهِ، وَعَلَى هَذَا يُرْجِعُ عَبَّارَةَ الْمِشْكَاةِ بِأَنَّهُ: جَانَبَ الشَّيْخُ ذَلِكَ الْقُصُورَ لِأَجْلِ اللَّهِ، لَا لِغَرَضٍ آخَرَ، أَوْ قَوْلُنَا فِي حَقِّهِ: حَاشَا إِنَّمَا هُوَ لِلَّهِ لَا لِأَمْرٍ آخَرَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى أُنَزِّهُ، أَوْ تَبَرَّأَتْ، وَاللَّامُ عِلَّةٌ. وَقِيلَ: إِنَّهُ حَرْفٌ، وَهُوَ فِي هَذَا الْمَقَامِ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ كَوْنَهُ حَرْفًا بِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ هُنَا، وَلَامُ لِلَّهِ أَيْضًا يَأْبَى عَنِ الْحَرْفِيَّةِ ; لِأَنَّ الْحَرْفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى الْحَرْفِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَحِمَ اللَّهُ) : جُمْلَةٌ دُعَائِيَّةٌ، كَقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: رَحِمَ اللَّهُ امْرَءًا أَهْدَى إِلَيَّ بِعُيُوبِ نَفْسِي، أَيِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ (مَنْ إِذَا وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ: عَلَى مَا ذَكَرَ مِنَ الرِّوَايَةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الشَّيْخُ، وَلَمْ أَجِدْهَا فِي الْأُصُولِ - (نَبَّهَنَا عَلَيْهِ وَأَرْشَدَنَا) : فِيهِ تَجْرِيدٌ، وَالْمَعْنَى: هَدَانَا (طَرِيقَ الصَّوَابِ) أَيْ: إِلَيْهِ بِنِسْبَةِ الرِّوَايَةِ، وَتَصْحِيحِهَا إِلَى الْبَابِ وَالْكِتَابِ، وَهُوَ إِمَّا مَحْمُولٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ بِالْمُشَافَهَةِ حَالَ الْحَيَاةِ، أَوْ عَلَى الْمَجَازِ بِكِتَابَةِ حَاشِيَةٍ، أَوْ شَرْحٍ بَعْدَ الْمَمَاتِ ; إِذِ التَّصْنِيفُ لَا يُغَيَّرُ، وَإِلَّا لَمْ يُوجَدْ كِتَابٌ يُعْتَبَرُ (وَلَمْ آلُ) : بِمَدِّ الْهَمْزَةِ، وَضَمِّ اللَّامِ مِنْ: أَلَا فِي الْأَمْرِ إِذَا قَصَّرَ، أَيْ: لَمْ أَتْرُكْ (جُهْدًا) أَيْ: سَعْيًا وَاجْتِهَادًا، وَهُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِهِ، أَيِ: الْمَشَقَّةُ وَالطَّاقَةُ، وَقِيلَ: بِالضَّمِّ الطَّاقَةُ، وَبِالْفَتْحِ الْمَشَقَّةُ. قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: مَعْنَاهُ لَمْ أَمْنَعْكَ جُهْدًا، وَكَأَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَيْهِ مَا وُجِدَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: لَا آلُوكَ نُصْحًا، وَقَرَّرَ تَرْكِيبَ الْعِبَارَةِ عَلَى حَذْفِ الْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ، وَاسْتَعْمَلَ آلُو بِمَعْنَى أَمْنَعُ إِمَّا تَجَوُّزًا، وَإِمَّا تَضْمِينًا، وَيَلْزَمُ مِنْهُ التَّقْصِيرُ. وَالْحَالُ أَنَّ الْمَعْنَى عَلَى اللُّزُومِ صَحِيحٌ بِأَنَّ جُهْدًا يَكُونُ تَمْيِيزًا، أَوْ حَالًا بِمَعْنَى مُجْتَهِدًا، أَوْ مَنْصُوبًا بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: فِي الِاجْتِهَادِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا إِلَى مَفْعُولَيْنِ يُمْكِنُ أَنْ يَضْمَنَ التَّرْكَ ; فَيَكُونُ مُتَعَدِّيًا إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، هَذَا حَاصِلُ كَلَامِ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} [آل عمران: 118] أَيْ: لَا يُقَصِّرُونَ لَكُمْ فِي الْفَسَادِ، وَالْأَلْوُ: التَّقْصِيرُ، وَأَصْلُهُ أَنْ يُعَدَّى بِالْحَرْفِ، ثُمَّ عُدِّيَ إِلَى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِهِمْ: لَا آلُوكَ نُصْحًا، عَلَى تَضْمِينِ مَعْنَى الْمَنْعِ وَالنَّقْصِ. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: يَأْلُو يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَخَبَالًا تَمْيِيزٌ، أَوْ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْأَظْهَرُ مَا حَقَّقَهُ الْقَاضِي أَنَّهُ فِي أَصْلِهِ لَازِمٌ، فَفِي عِبَارَةِ الْمِشْكَاةِ إِمَّا يُضَمَّنُ مَعْنَى التَّرْكِ فَيَكُونُ جُهْدًا مَفْعُولًا بِهِ، أَوْ يَبْقَى عَلَى مَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ، وَيُنْصَبُ (جُهْدًا) عَلَى أَحَدِ الِاحْتِمَالَاتِ الثَّلَاثِ، وَالْمَعْنَى: لَمْ أُقَصِّرْ لَكُمْ، أَوْ لِلَّهِ (فِي التَّنْقِيرِ) أَيْ: فِي الْبَحْثِ، وَالتَّجَسُّسِ عَنْ طُرُقِ الْأَحَادِيثِ، وَاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهَا (وَالتَّفْتِيشِ) : عَطْفُ بَيَانٍ لِمَا قَبْلَهُ (بِقَدْرِ الْوُسْعِ وَالطَّاقَةِ) أَيْ: بِمِقْدَارِ وُسْعِي وَطَاقَتِي فِي التَّفَحُّصِ، وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، وَالطَّاقَةُ عَطْفُ بَيَانٍ، وَإِيرَادُ الْأَلْفَاظِ الْمُتَرَادِفَةِ فِي الدِّيبَاجَاتِ وَالْخُطَبِ مُتَعَارَفٌ عِنْدَ الْفُصَحَاءِ، غَيْرُ مُعَايَبٍ عِنْدَ الْبُلَغَاءِ (وَنَقَلْتُ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ) أَيِ: الْمُخْتَلِفَ فِيهِ (كَمَا وَجَدْتُ) أَيْ: كَمَا رَأَيْتُهُ (فِي الْأُصُولِ) : وَلَا اكْتَفَيْتُ بِتَقْلِيدِ الشَّيْخِ، وَلَوْ كَانَ هُوَ مِنْ أَجِلَّاءِ أَرْبَابِ النُّقُولِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: وَمِنْ ثَمَّةَ نَقَلْتُ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ كَمَا وَجَدْتُهُ فِي الْأُصُولِ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَتَصَرَّفَ فِيهِ بِتَغْيِيرٍ، أَوْ بِتَبْدِيلٍ حَتَّى أَنْسُبَ كُلًّا إِلَى مُخْرِجِهِ بِاللَّفْظِ، وَالْمَعْنَى لَا الْمَعْنَى فَحَسْبُ ; لِوُقُوعِ الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ فِي جَوَازِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى، وَهُوَ وَإِنْ جَازَ - عَلَى الْأَصَحِّ لِلْعَارِفِ بِمَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ وَمَعَانِيهَا - لَكِنَّ التَّنَزُّهَ عَنْهَا أَوْلَى خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ اهـ. فَتَدَبَّرْ يَتَبَيَّنْ لَكَ الْأَظْهَرُ فِي حَمْلِ الْعَبَّارَةِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي أَصْلِ الْكَلَامِ مِنْهُ لَا مُنَاقَشَةَ لَنَا لَدَيْهِ مَعَ أَنَّ التَّحْرِيزَ الْمَذْكُورَ، وَالِاخْتِلَافَ الْمَسْطُورَ إِنَّمَا هُوَ فِي نَقْلِ الرَّاوِي الْحَدِيثَ مِنْ شَيْخِهِ إِمَّا مُطْلَقًا، أَوْ حَالَ كَوْنِهِ نَاسِيًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَأَمَّا نَقْلُ حَدِيثٍ مِنْ كِتَابٍ كَالْبُخَارِيِّ، وَغَيْرِهِ، وَإِسْنَادُهُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ نَقَلَ بِالْمَعْنَى فَلَا يَجُوزُ إِجْمَاعًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ) أَيِ: الشَّيْخُ مُحْيِي السُّنَّةِ صَرِيحًا، أَوْ كِنَايَةً - (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) -: جُمْلَةٌ دُعَائِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْمُبَيِّنِ، وَالْمُبَيَّنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (مِنْ غَرِيبٍ) أَيْ: حَدِيثٍ غَرِيبٍ: وَهُوَ مَا تَفَرَّدَ بِهِ الرَّاوِي عَنْ سَائِرِ رُوَاتِهِ، وَلَمْ يُشْرِكْ مَعَهُ
الجزء 1 · صفحة 38
أَحَدًا فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الرَّاوِي عَنْهُ (أَوْ ضَعِيفٍ) : وَهُوَ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ فِيهِ صِفَاتُ الصَّحِيحِ، وَالْحَسَنِ بِأَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ رُوَاتِهِ قَدْحٌ، أَوْ تُهْمَةٌ (أَوْ غَيْرُهُمَا) : اعْتِبَارًا لَا حَقِيقَةً، إِذْ مَا عَدَا الصَّحِيحَ وَالْحَسَنَ دَاخِلٌ تَحْتَ أَنْوَاعِ الضَّعِيفِ. وَالْمُرَادُ بِغَيْرِهِمَا نَحْوُ مُنْكَرٍ: وَهُوَ مَا رَدُّهُ قَطْعِيٌّ، أَوْ رَوَاهُ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِثِقَةٍ، أَوْ شَاذٌّ: وَهُوَ مَا خَالَفَ الثِّقَةُ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنْهُ، أَوْ مُعَلَّلٌ: وَهُوَ مَا فِيهِ عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ غَامِضَةٌ قَادِحَةٌ لَمْ يُدْرِكْهَا إِلَّا الْحُذَّاقُ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَعْرِفَةَ أَنْوَاعِ الْحَدِيثِ، وَبَيَانَ حُدُودِهَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ قُيُودِهَا يَحْتَاجُ إِلَى بَسْطٍ فِي الْكَلَامِ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ إِيرَادِهَا، وَقَدْ أَوْرَدْنَا فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ مَا يَسْتَفِيدُ بِذِكْرِهِ الْمُبْتَدِئُ، وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْ تَذَكُّرِهِ الْمُنْتَهِي (بَيَّنْتُ وَجْهَهُ) أَيْ: وَجْهَ غَرَابَتِهِ، أَوْ ضَعْفِهِ، أَوْ نَكَارَتِهِ (غَالِبًا) أَيْ: فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ، وَلَعَلَّ تَرْكَ التَّبْيِينِ فِي بَعْضِ مَوَاضِعِهِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ، أَوْ لِاخْتِلَافٍ فِيهِ، أَوْ لِغَيْرِ هَذَا، وَقَدْ قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: الْمُتَبَادَرُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّ أَحَادِيثَ الْحِسَانِ مِنَ الْمَصَابِيحِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ فِي الْمِشْكَاةِ بِالْفَصْلِ الثَّانِي كُلُّ حَدِيثٍ ذَكَرَ الشَّيْخُ فِيهِ أَنَّهُ غَرِيبٌ، أَوْ ضَعِيفٌ، أَوْ مُنْكَرٌ بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ وَجْهَهُ بِأَنْ يَقُولَ - أَيِ: الرَّاوِي -: تَفَرَّدَ بِهِ، أَوْ غَيْرُ ثِقَةٍ، أَوْ مُخَالِفٌ لِمَا هُوَ أَوْثَقُ، وَنَحْوُهُ بِذِكْرِ مَنْشَئِهِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ فِي كُلِّ حَدِيثٍ ذَكَرَ مُحْيِي السُّنَّةِ أَنَّهُ ضَعِيفٌ، أَوْ غَرِيبٌ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ قَائِلَهُ الَّذِي هُوَ التِّرْمِذِيُّ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ مِنْ أَرْبَابِ الْأُصُولِ، وَعَيَّنَهُ، وَغَايَةُ مَا فِي الْبَابِ يُشِيرُ التِّرْمِذِيُّ أَحْيَانًا إِلَى وَجْهِ الْغَرَابَةِ، وَبَيَانِ الضَّعْفِ، وَهَذَا الصَّنِيعُ مِنَ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ مُحْيِي السُّنَّةِ أَهْلًا لِلْحُكْمِ بِالضَّعْفِ، وَالصِّحَّةِ فِي الْحَدِيثِ ; فَلَا جَرَمَ نَسَبْتُهُ إِلَى مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ ذَلِكَ انْتَهَى. فَيَكُونُ الْمَعْنَى: بَيَّنْتُ وَجْهَهُ بِنِسْبَةِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ إِلَى أَهْلِهِ الْمَرْجُوعِ إِلَيْهِمْ فِيهِ، وَهَذَا يُحْتَمَلُ عَلَى أَنْ يَكُونَ تَقْوِيَةً لِلشَّيْخِ لَا سَلْبَ الْأَهْلِيَّةِ عَنْهُ، فَالْعِلْمَانِ خَيْرٌ مِنْ عِلْمٍ وَاحِدٍ، بَلْ فِي هَذَا هَضْمٌ لِنَفْسِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَهْلِيَّةٌ لِذَلِكَ (وَمَا لَمْ يُشِرْ إِلَيْهِ) أَيِ: الشَّيْخُ (مِمَّا فِي الْأُصُولِ) أَيْ: مِمَّا أُشِيرَ إِلَيْهِ مِنَ الْمُنْقَطِعِ، وَالْمَوْقُوفِ، وَالْمُرْسَلِ فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ، وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقَيِّ، وَهُوَ كَثِيرٌ (فَقَدْ قَفَّيْتُهُ) : بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: تَبِعْتُهُ تَأَسِّيًا بِهِ، كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ. وَكَتَبَ مِيرَكُ فِي هَامِشِ الْكِتَابِ قَفَوْتُهُ بِالْوَاوِ، وَرَقَّمَ عَلَيْهِ (ظ) إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ الظَّاهِرُ. وَكَتَبَ عَمُّهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ فِي أَوَّلِ شَرْحِ الْمِشْكَاةِ أَنَّ أَصْلَ سَمَاعِنَا، وَجَمِيعَ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ الْحَاضِرَةِ صُحِّحَتْ بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ. مِنَ التَّقْفِيَةِ، وَهِيَ تُسْتَعْمَلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِعَلَى وَالْبَاءِ، وَقَدْ جَاءَ فِي التَّنْزِيلِ: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [المائدة: 46] وَتُسْتَعْمَلُ أَيْضًا بِمِنْ، وَالْبَاءِ قَالَ تَعَالَى: {وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} [البقرة: 87] وَالْمَعْنَى هَاهُنَا عَلَى التَّتَبُّعِ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ بِتَخْفِيفِ الْفَاءِ، وَبِالْوَاوِ مِنَ الْقَفْوِ انْتَهَى. وَحَاصِلُ الْمُنَاقَشَةِ أَنَّهُ بِالتَّشْدِيدِ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ بِأَحَدِ الِاسْتِعْمَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَبِالتَّخْفِيفِ، وَالْبَاءِ غَيْرُ وَارِدٍ، وَكِلَاهُمَا مَدْفُوعٌ ; فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ قَفَّيْتُهُ، وَأَقْفَيْتُهُ تَبِعْتُهُ، وَاقْتَدَيْتُ بِهِ، وَفِي الْقَامُوسِ: قَفَوْتُهُ تَبِعْتُهُ كَتَقْفِيَتِهِ، وَاقْتَفَيْتُهُ: وَقَفَّيْتُهُ زَيْدًا أَيْ: أَتْبَعْتُهُ إِيَّاهُ اهـ.
وَالظَّاهِرُ مِنَ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ أَنَّ قَفَّى بِالتَّشْدِيدِ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ إِلَى وَاحِدٍ، وَبِالْبَاءِ إِلَى اثْنَيْنِ، وَلِذَا قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} [البقرة: 87] أَيْ: أَرْسَلْنَا عَلَى أَثَرِهِ الرُّسُلَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} [المؤمنون: 44] يُقَالُ: قَفَاهُ إِذَا أَتْبَعَهُ، وَقَفَّاهُ بِهِ أَتْبَعَهُ إِيَّاهُ مِنَ الْقَفَا نَحْوَ ذَنَبِهِ مِنَ الذَّنَبِ انْتَهَى. وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ إِلَى مَفْعُولَيْنِ فَأَمْرُهُ سَهْلٌ بِأَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَتْبَعْتُ نَفْسِي إِيَّاهُ (فِي تَرْكِهِ) : وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى فَاعِلِهِ، أَوْ مَفْعُولِهِ، أَيْ: فِي تَرْكِ الشَّيْخِ الْحُكْمَ عَلَى الْحَدِيثِ بِشَيْءٍ، أَوْ فِي تَرْكِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِالْمُوَافَقَةِ مَعَهُ فِي السُّكُوتِ عَلَيْهِ (إِلَّا فِي مَوَاضِعَ) أَيْ: قَلِيلَةٌ أُبَيِّنُهَا (لِغَرَضٍ) : قَالَ الْفَاضِلُ الطِّيبِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الطَّاعِنِينَ أَفْرَزُوا أَحَادِيثَ مِنَ الْمَصَابِيحِ، وَنَسَبُوهَا إِلَى الْوَضْعِ، وَوَجَدْتُ التِّرْمِذِيَّ صَحَّحَهَا، أَوْ حَسَّنَهَا، وَغَيْرَ التِّرْمِذِيِّ أَيْضًا ; فَبَيَّنْتُهُ لِرَفْعِ التُّهْمَةِ
الجزء 1 · صفحة 39
كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: ( «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ» ) فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِوَضْعِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ: إِنَّهُ حَسَنٌ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرِّيَاضِ: إِنَّهُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَمِنَ الْغَرَضِ أَنَّ الشَّيْخَ شَرَطَ فِي الْخُطْبَةِ أَنَّهُ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ الْمُنْكَرِ، وَقَدْ أَتَى فِي كِتَابِهِ بِكَثِيرٍ مِنْهُ، وَبَيَّنَ فِي بَعْضِهَا كَوْنَهُ مُنْكَرًا، وَتَرَكَ فِي بَعْضِهَا ; فَبَيَّنْتُ أَنَّهُ مُنْكَرٌ اهـ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَالْجَوَابُ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ أَنَّهُ أَعْرَضَ عَنِ الْمُنْكَرِ الْمُجْمَعِ عَلَى نَكَارَتِهِ، وَالَّذِي أَوْرَدَهُ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَصَرَّحَ بِإِنْكَارِهِ الْبَعْضُ لِئَلَّا يُحْمَلَ عَلَى ذُهُولِهِ، وَأَعْرَضَ عَنْ بَيَانِ الْبَعْضِ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ بِنَكَارَتِهِ كَانَ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ عِنْدَهُ (وَرُبَّمَا) : بِالتَّشْدِيدِ أَشْهَرُ، وَلِلتَّقْلِيلِ أَظْهَرُ، وَمَا كَافَّةٌ (تَجِدُ) أَيْ: أَيُّهَا النَّاظِرُ فِي الْمِشْكَاةِ (مَوَاضِعَ مُهْمَلَةً) أَيْ: غَيْرَ مُبَيَّنٍ فِيهَا ذِكْرُ مُخْرِجِيهَا (وَذَلِكَ) أَيِ: الْإِهْمَالُ، وَعَدَمُ التَّبْيِينِ (حَيْثُ لَمْ أَطَّلِعْ عَلَى رَاوِيهِ) أَيْ: مُخْرِجِهِ (فَتَرَكْتُ الْبَيَاضَ) أَيْ: عَقِبَ الْحَدِيثِ دَلَالَةً عَلَى ذَلِكَ (فَإِنْ عَثَرْتَ عَلَيْهِ) أَيِ: اطَّلَعْتَ أَيُّهَا النَّاظِرُ عَلَى مُخْرِجِهِ (فَأَلْحِقْهُ) أَيْ: ذِكْرَ الْمُخْرِجِ (بِهِ) أَيْ: بِذَلِكَ الْحَدِيثِ، وَاكْتُبْهُ فِي مَوْضِعِ الْبَيَاضِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَلْحِقْهُ بِذَلِكَ الْبَيَاضِ، وَفِيهِ مُسَامَحَةٌ لَا تَخْفَى (أَحْسَنَ اللَّهُ جَزَاءَكَ) أَيْ: عَلَى هَذَا الْعَمَلِ، وَالْجَزَاءُ مَمْدُودٌ بِمَعْنَى الثَّوَابِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ لِمَا وَرَدَ عَنْ أُسَامَةَ «مَرْفُوعًا مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ. هَذَا، وَقَدْ بَيَّنَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْمَوَاضِعَ الْمُهْمَلَةَ فِي حَاشِيَةِ الْكِتَابِ تَكْمِلَةً، وَتَرْكُ الْبَيَاضِ فِي أَصْلِ الْمُصَنِّفِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ التَّبْيِينَ مِنْ غَيْرِ الْمُؤَلِّفِ (وَسَمَّيْتُ الْكِتَابَ بِمِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: رُوعِيَ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الِاسْمِ، وَالْمَعْنَى، فَإِنَّ الْمِشْكَاةَ يَجْتَمِعُ فِيهَا الضَّوْءُ فَيَكُونُ أَشَدَّ تَقَوِّيًا بِخِلَافِ الْمَكَانِ الْوَاسِعِ، وَالْأَحَادِيثُ إِذَا كَانَتْ غَفْلًا عَنْ سِمَةِ الرُّوَاةِ انْتَشَرَتْ، وَإِذَا قُيِّدَتْ بِالرَّاوِي انْضَبَطَتْ، وَاسْتَقَرَّتْ فِي مَكَانِهَا اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَقَالَ مِيرَكُ: الْأَظْهَرُ فِي وَجْهِ الْمُطَابَقَةِ أَنَّ كِتَابَهُ مُحِيطٌ، وَمُشْتَمِلٌ عَلَى مَا فِي الْمَصَابِيحِ مِنَ الْأَحَادِيثِ كَمَا أَنَّ الْمِشْكَاةَ مُحِيطَةٌ، وَمُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْمِصْبَاحِ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ بِالْمَصَابِيحِ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي كِتَابِهِ مِمَّا فِي الْمَصَابِيحِ، وَغَيْرِهِ مُشَبَّهًا بِهَا لِأَنَّهَا آيَاتٌ نُورَانِيَّةٌ، وَدَلَالَاتٌ بُرْهَانِيَّةٌ صَدَرَتْ مِنْ مِشْكَاةِ صَدْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَقْتَدِيَ بِهَا أُمَّتُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَالْأَوْلِيَاءِ فِي بَيْدَاءِ الضَّلَالَةِ، وَصَحْرَاءِ الْجَهَالَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى وَرَدَ: ( «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ) ، وَشَبَّهَ كِتَابَهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ جَامِعٌ لَهَا، وَمَانِعٌ مِنْ تَفَرُّقِهَا بِالْمِشْكَاةِ، وَهِيَ الْكُوَّةُ الْغَيْرُ النَّافِذَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ مَعْنَى التَّوْرِيَةِ: وَهِيَ أَنْ يُؤْتَى بِكَلِمَةٍ لَهَا مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا قَرِيبٌ، وَالْآخَرُ بِعِيدٌ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ الْبَعِيدَ.
(وَأَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ) أَيْ: جَعْلَ أُمُورِ الْمُرِيدِ عَلَى وَفْقِ الْمُرَادِ، وَهُوَ فِي عُرْفِ الْعُلَمَاءِ خَلْقُ قُدْرَةِ الْعَبْدِ فِي الطَّاعَةِ، وَالْعِبَادَةِ (وَالْإِعَانَةَ) أَيْ: فِي الدِّينِ، وَالدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ، أَوْ عَلَى مَا قَصَدْتُ (وَالْهِدَايَةَ) أَيِ: الدِّلَالَةَ عَلَى مَا أَرَدْتُ، أَوْ ثَبَاتَ الْهِدَايَةِ مِنَ الْبِدَايَةِ إِلَى النِّهَايَةِ (وَالصِّيَانَةَ) أَيِ: الْحِفْظَ، وَالْحِمَايَةَ مِنَ الْعَقَائِدِ الدَّنِيَّةِ، وَالْأَحْوَالِ الرَّدِيَّةِ، أَوِ الْعِصْمَةِ عَنِ الْخَطَلِ، وَالزَّلَلِ، أَوْ عَمَّا يَمْنَعُ إِتْمَامَ الْكِتَابِ مِنَ الْمَوَانِعِ، وَالْعِلَلِ (وَتَيْسِيرَ مَا أَقْصِدُهُ) : بِكَسْرِ الصَّادِ أَيْ: تَسْهِيلَ مَا أُرِيدُهُ مِنَ التَّحْرِيرِ، وَالتَّفْتِيشِ، وَالتَّنْقِيرِ (وَأَنْ يَنْفَعَنِي) أَيْ: اللَّهُ بِهَذَا الْكِتَابِ، وَغَيْرِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِهِ، أَيْ: عِلْمًا، وَعَمَلًا، وَتَعْلِيمًا، وَجَوَّزَ أَنْ يَرْجِعَ ضَمِيرُ يَنْفَعُ إِلَى الْكِتَابِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ (فِي الْحَيَاةِ) أَيْ: بِالْمُبَاشَرَةِ (وَبَعْدَ الْمَمَاتِ) : بِالسَّبَبِيَّةِ، أَوْ فِي الْحَيَاةِ بِأَنْ يَجْعَلَهُ سَبَبًا لِزِيَادَةِ الْأَعْمَالِ، وَبَاعِثًا لِلتَّرَقِّي إِلَى عُلُوِّ الْأَحْوَالِ، وَبَعْدَ الْمَمَاتِ بِوُصُولِ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ، وَحُصُولِ أَعْلَى الْمَقَامَاتِ (وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُسْلِمَاتِ) : عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي يَنْفَعُنِي أَيْ: وَأَنْ يَنْفَعَ بِقِرَاءَتِهِ، وَكِتَابَتِهِ، وَوَقْفِهِ، وَنَقْلِهِ إِلَى الْبُلْدَانِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ (حَسْبِيَ اللَّهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ بِوَاوِ الْعَطْفِ أَيْ: اللَّهُ كَانَ فِي جَمِيعِ أُمُورِي (وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) أَيْ: الْمَوْكُولُ إِلَيْهِ، يَعْنِي هُوَ الْمُفَوَّضُ إِلَيْهِ، وَالْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَالْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ مَحْذُوفٌ هُوَ. (وَلَا حَوْلَ) أَيْ: عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ (وَلَا قُوَّةَ) أَيْ: عَلَى طَاعَتِهِ (إِلَّا بِاللَّهِ) أَيْ: بِعِصْمَتِهِ، وَمَعُونَتِهِ (الْعَزِيزِ) أَيِ: الْغَالِبِ عَلَى مَا يُرِيدُ، أَوِ الْبَدِيعِ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (الْحَكِيمِ) أَيْ: صَاحِبِ الْحِكَمِ، وَالْحِكْمَةِ عَلَى وَجْهِ الْإِتْقَانِ
الجزء 1 · صفحة 40
وَالْإِحْكَامِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ذَكَرَ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا الْوَارِدَانِ فِي خَتْمِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ دُونَ مَا اشْتُهِرَ مِنْ خَتْمِهَا بِالْعَلِيِّ الْعَظِيمِ عَلَى أَنَّ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْحِصْنِ الْحَصِينِ لِلْحَافِظِ الْجَزَرِيِّ رِوَايَةً خَتَمَهَا بِالْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَلَعَلَّهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى اهـ.
اعْلَمْ أَنَّ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ هِيَ: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ عَلَى مَا فِي مُسْلِمٍ كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ، وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ، وَكَذَا هُوَ فِي أَصْلِ الْحِصْنِ الْحَصِينِ، وَكَتَبَ عَلَى حَاشِيَتِهِ الْعَلِيَّ الْعَظِيمَ، وَنَسَبَهَا إِلَى الْبَزَّارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا كَانَ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُصَنِّفٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَنْ يَبْدَأَ كِتَابَهُ بِالْحَدِيثِ الْآتِي الْمُسَمَّى بِطَلِيعَةِ كُتُبِ الْحَدِيثِ. تَنْبِيهًا عَلَى تَصْحِيحِ النِّيَّةِ، وَالْإِخْلَاصِ لِكُلٍّ مِنَ الْعَالِمِ، وَالْمُتَعَلِّمِ، وَأَنَّهُ الْأَسَاسُ الَّذِي يُبْنَى عَلَيْهِ جَمِيعُ الْأَحْوَالِ مِنَ الْعَقَائِدِ، وَالْأَعْمَالِ، وَعَلَى أَنَّ أَوَّلَ الْوَاجِبَاتِ قَصْدُ الْمَقْصِدِ بِالنَّظَرِ الْمُوَصَّلِ إِلَى مَعْرِفَةِ الصَّمَدِ، فَالْقَصْدُ سَابِقٌ، وَمَا بَقِيَ لَاحِقٌ، وَإِنْ طَالَبَ الْحَدِيثُ حُكْمَ الْمُهَاجِرِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَعَلَيْهِ أَنْ يُرَاعِيَ الْإِخْلَاصَ لِيَصِلَ إِلَى مَقَامِ الِاخْتِصَاصِ، بَدَأَ بِهِ الْمُصَنِّفُ اقْتِدَاءً بِالْبَغَوِيِّ لَا تَبَعًا لِلْبُخَارِيِّ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ:
[حديث إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ]
1 - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ، وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1 - (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) : وَهُوَ النَّاطِقُ بِالصَّوَابِ، الْمُسَمَّى بِالْفَارُوقِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، وَأَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا بَيْنَ الْأَصْحَابِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) : وَهُوَ. عَدَوِيٌّ قُرَشِيٌّ يَجْتَمِعُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، كَنَّاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَبِي حَفْصٍ، وَهُوَ لُغَةً: الْأَسَدُ، وَلَقَّبَهُ بِالْفَارُوقِ لِفُرْقَانِهِ بَيْنَ الْحَقِّ، وَالْبَاطِلِ. قَالَ الْقَاضِي فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} [النساء: 60] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «أَنْ مُنَافِقًا خَاصَمَ يَهُودِيًّا فَدَعَاهُ الْيَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَدَعَاهُ الْمُنَافِقُ إِلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، ثُمَّ إِنَّهُمَا احْتَكَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَكَمَ لِلْيَهُودِيِّ، فَلَمْ يَرْضَ الْمُنَافِقُ، وَقَالَ: نَتَحَاكَمُ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ لِعُمَرَ: قَضَى لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَرْضَ بِقَضَائِهِ، وَخَاصَمَ إِلَيْكَ، فَقَالَ عُمَرُ لِلْمُنَافِقِ: أَكَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: مَكَانَكُمَا حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكُمَا فَدَخَلَ فَأَخَذَ سَيْفَهُ، ثُمَّ خَرَجَ فَضَرَبَ بِهِ عُنُقَ الْمُنَافِقِ حَتَّى بَرَدَ، وَقَالَ: هَكَذَا أَقْضِي لِمَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَنَزَلَتْ. وَقَالَ جِبْرِيلُ: إِنَّ عُمَرَ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ» فَسُمِّيَ: الْفَارُوقَ. وَقِيلَ بِإِسْلَامِهِ، إِذْ أَمْرُ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَهُ كَانَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْخَفَاءِ، وَبَعْدَهُ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الظُّهُورِ، وَالْجَلَاءِ، أَسْلَمَ بَعْدَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَعَشَرَةٍ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ النُّبُوَّةِ. وَقِيلَ: أَسْلَمَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا، وَسِتُّ نِسْوَةٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ عُمَرُ ; فَنَزَلَتْ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64] . بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ مَوْتِ الصِّدِّيقِ بِعَهْدِهِ إِلَيْهِ، وَنَصِّهِ عَلَيْهِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَفَتَحَ الْبِلَادَ الْكَثِيرَةَ، وَالْفُتُوحَ الشَّهِيرَةَ، وَاسْتُشْهِدَ عَلَى يَدِ نَصْرَانِيٍّ اسْمُهُ أَبُو لُؤْلُؤَةٍ غُلَامُ مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ بِالْمَدِينَةِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ عَامَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ عَشْرَ سِنِينَ وَنِصْفًا، وَصَلَّى عَلَيْهِ صُهَيْبٌ، رَوَى عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ، وَبَاقِي الْعَشَرَةِ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، أَحَادِيثُهُ الْمَرْفُوعَةُ خَمْسُمِائَةٍ وَسَبْعَةٌ وَثَلَاثُونَ، لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَحَدٌ وَثَمَانُونَ انْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ مِنْهَا بِأَرْبَعَةٍ وَثَلَاثِينَ، وَمُسْلِمٌ بِأَحَدٍ وَعِشْرِينَ، نَقْشُ خَاتَمِهِ: كَفَى بِالْمَوْتِ
الجزء 1 · صفحة 41
شَدِيدًا فِي أَمْرِ اللَّهِ، عَاقِلًا مُجْتَهِدًا صَابِرًا مُحْتَسِبًا، جُعِلَ الْحَقُّ عَلَى لِسَانِهِ، وَأُعِزَّ الدِّينُ بِهِ، وَاسْتَبْشَرَ أَهْلُ السَّمَاءِ بِإِسْلَامِهِ، وَلَهُ فَضَائِلُ لَا تُحَدُّ، وَشَمَائِلُ لَا تُعَدُّ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
(1) [ ( «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ) ] قِيلَ: كَلِمَةُ: (إِنَّمَا) بَسِيطَةٌ. وَقِيلَ: مُرَكَّبَةٌ مِنْ: أَنَّ، وَمَا الْكَافَّةِ، أَوِ الزَّائِدَةِ لِلتَّأْكِيدِ. وَقِيلَ: مُرَكَّبَةٌ مِنْ أَنَّ، وَمَا النَّافِيَةِ فَهِيَ عَامِلَةٌ بِرُكْنَيْهَا إِيجَابًا، وَنَفْيًا فَبِحَرْفِ التَّحْقِيقِ يَثْبُتُ الشَّيْءُ، وَبِحَرْفِ النَّفْيِ يُنْفَى مَا عَدَاهُ، وَمَا اعْتَرَاضٌ عَلَيْهِ مِنْ لُزُومِ اجْتِمَاعِ الضِّدَّيْنِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَمِنْ: أَنَّ، وَمَا كِلَاهُمَا يَقْتَضِي الصَّدَارَةَ - مَدْفُوعٌ بِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا هُوَ قَبْلَ التَّرْكِيبِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَقَدْ صَارَ عَلَمًا مُفْرَدًا عَلَى إِفَادَةِ الْحَصْرِ، وَتَضَاعِيفُهُ يُفِيدُ الْقَصْرَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ إِلَّا تَأْكِيدًا لِلْحُكْمِ عَلَى تَأْكِيدٍ، وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ، وَالْأُصُولِ عَلَى أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْحَصْرِ خِلَافًا لِمَا نُقِلَ عَنْ أَكْثَرِ النُّحَاةِ لِصِحَّةِ: إِنَّمَا قَامَ زَيْدٌ فِي جَوَابِ هَلْ قَامَ عَمْرٌو؟ كَمَا يُجَابُ بِـ: مَا قَامَ إِلَّا زَيْدٌ، وَلِوُرُودِ قَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [التغابن: 12] وَ {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ} [المائدة: 99] وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهَا لِلْحَصْرِ فَتُثْبِتُ الْمَذْكُورَ، وَتَنْفِي الْحُكْمَ عَنْ غَيْرِهِ فِي نَحْوِ: إِنَّمَا قَامَ زَيْدٌ أَيْ: لَا عَمْرٌو، أَوْ غَيْرُ الْحُكْمِ عَنِ الْمَذْكُورِ فِي نَحْوِ: إِنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ أَيْ: لَا قَاعِدٌ، وَمِمَّا يَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ: ( «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» ) فَإِنَّ الصَّحَابَةَ الْآخِذِينَ بِقَضَيَّتِهِ لَمْ يُعَارِضْهُمْ جُمْهُورُهُمُ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ الْغُسْلِ، وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ بِأَنَّ إِنَّمَا لَا تُفِيدُهُ، وَإِنَّمَا عَارَضُوهُمْ بِأَدِلَّةٍ أُخْرَى كَحَدِيثِ: ( «إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلِ» "، وَقَدِ اسْتَدَلَّ ابْنُ عَبَّاسٍ - لِمَا تَفَرَّدَ بِهِ قِيلَ: وَرَجَعَ عَنْهُ لَمَّا اشْتَدَّ إِنْكَارُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَلَيْهِ - بِخَبَرِ: ( «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» ) ، وَلَمْ يُنَازِعْهُ الصَّحَابَةُ فِيهِ، بَلْ عَارَضُوهُ فِي الْحُكْمِ بِأَدِلَّةٍ أُخْرَى، فَدَلَّ عَلَى اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهَا لِلْحَصْرِ فَالتَّقْدِيرُ: إِنَّ الْأَعْمَالَ تُعْتَبَرُ إِذَا كَانَتْ بِنِيَّةٍ، وَلَا تُعْتَبَرُ إِذَا كَانَتْ بِلَا نِيَّةٍ ; فَتَصِيرُ إِنَّمَا بِمَعْنَى مَا وَإِلَّا. وَقِيلَ: الْحَصْرُ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْجَمْعِ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ ; فَإِنَّهُ مُفِيدٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحَصْرِ، فَالْمَعْنَى لَيْسَتِ الْأَعْمَالُ حَاصِلَةً بِالنِّيَّةِ، وَلَا يُمْكِنُ هُنَا نَفْيُ نَفْسِ الْأَعْمَالِ لِثُبُوتِهَا حِسًّا، وَصُورَةً مِنْ غَيْرِ اقْتِرَانِ النِّيَّةِ بِهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ إِضْمَارِ شَيْءٍ يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ النَّفْيُ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَارُّ. فَقِيلَ: التَّقْدِيرُ صَحِيحَةٌ، أَوْ تَصِحُّ كَمَا هُوَ رَأْيُ الشَّافِعِيِّ، وَأَتْبَاعِهِ. وَقِيلَ: كَامِلَةٌ، أَوْ تَكْمُلُ عَلَى رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُقَدَّرَ: مُعْتَبَرَةٌ، أَوْ تُعْتَبَرُ ; لِيَشْمَلَ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا سَوَاءٌ كَانَتْ عِبَادَاتٍ مُسْتَقِلَّاتٍ كَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ فَإِنَّ النِّيَّةَ تُعْتَبَرُ لِصِحَّتِهَا إِجْمَاعًا، أَوْ شُرُوطًا فِي الطَّاعَاتِ كَالطَّهَارَةِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ فَإِنَّهَا تُعْتَبَرُ لِحُصُولِ ثَوَابِهَا اتِّفَاقًا ; لِعَدَمِ تَوَقُّفِ الشُّرُوطِ عَلَى النِّيَّةِ فِي الصِّحَّةِ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي الطَّهَارَةِ فَعَلَيْهِ بَيَانُ الْفِرْقِ، أَوْ أُمُورًا مُبَاحَةً فَإِنَّهَا قَدْ تَنْقَلِبُ بِالنِّيَّاتِ حَسَنَاتٍ كَمَا أَنَّهَا قَدْ تَنْقَلِبُ سَيِّئَاتٍ بِلَا خِلَافٍ. غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الصِّحَّةِ، وَالْكَمَالِ يُعْرَفُ مِنَ الْخَارِجِ، وَلَا مَحْذُورَ فِيهِ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا أَنَّ الْأَعْمَالَ جَمْعٌ مُحَلًّى بِاللَّامِ فَيَسْتَغْرِقُ كُلَّ عَمَلٍ سَوَاءٌ أَكَانَ مِنَ الْعِبَادَاتِ، أَوْ غَيْرِهَا، وَيَشْمَلُ الْمَتْرُوكَاتِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ لَا ثَوَابَ فِي تَرْكِ الزِّنَا، وَالْغَصْبِ، وَنَحْوِهَا إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً بِدُونِهَا، وَكَانَ هَذَا مَلْحَظَ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ أَعْمَالُ الْمُكَلَّفِينَ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَلَا تَرَدُّدَ عِنْدِي أَنَّ الْحَدِيثَ يَشْمَلُ الْأَقْوَالَ، ثُمَّ الْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ. وَقِيلَ لِلْمُصَاحَبَةِ لِيَعْلَمَ مِنْهُ وُجُوبَ الْمُقَارَنَةِ لَكِنَّهَا تُشْعِرُ بِوُجُوبِ اسْتِصْحَابِهَا إِلَى آخِرِ الْعَمَلِ ; لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ مِنَ الْمَعِيَّةِ، وَلَا قَائِلَ بِهِ. نَعَمْ، يُشْتَرَطُ اتِّفَاقًا اسْتِصْحَابُهَا مَعَ الْعَمَلِ حُكْمًا بِأَنْ لَا يُنْشِئَ مُنَافِيًا، وَأَيْضًا تُشِيرُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ تَقَدُّمِهَا عَلَى الْعَمَلِ، وَهُوَ مَنْقُوضٌ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ عِنْدَ أَفْرَادِ مَالِ الزَّكَاةِ، وَبِنِيَّةِ الصَّوْمِ فِي اللَّيْلِ فَإِنَّهَا أَفْضَلُ بِلَا خِلَافٍ فَالْأُولَى هِيَ الْأَوْلَى، وَأَوْقَاتُ النِّيَّاتِ فِي الْعِبَادَاتِ مُخْتَلِفَةٌ، مَحَلُّ بَسْطِهَا الْكُتُبُ الْفِقْهِيَّةُ، وَالنِّيَّةُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَقَدْ تُخَفَّفُ لُغَةً: الْقَصْدُ، وَشَرْعًا: تَوَجُّهُ الْقَلْبِ نَحْوَ الْفِعْلِ ابْتِغَاءً لِوَجْهِ اللَّهِ، وَالْقَصْدُ بِهَا تَمْيِيزُ الْعِبَادَةِ عَنِ الْعَادَةِ فَإِنْ قِيلَ: النِّيَّةُ عَمَلٌ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ، وَبِتَسَلْسُلٍ أُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ بِدَلَالَةِ الْعَقْلِ، وَبِدَلِيلِ الْخَبَرِ الْمُعْتَبَرِ: ( «نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ» ) ، وَبِدَلِيلِ أَنَّ فِي الْعُرْفِ لَا يُطْلَقُ الْعَمَلُ عَلَى فِعْلِ النَّاوِي اهـ.
الجزء 1 · صفحة 42
وَفِيهِ: أَنَّ سَائِرَ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ لَا تُعْتَبَرُ شَرْعًا إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَأَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ عَمَلُ النِّيَّةُ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ الْجَارِحَةِ لِوُجُوهٍ ذَكَرَهَا الْحُجَّةُ فِي الْإِحْيَاءِ. وَأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالْعُرْفِ مَعَ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ، فَالْأَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ اسْتِثْنَاءُ النِّيَّةِ، وَكَذَا الْأُمُورُ الِاعْتِقَادِيَّةُ لِلدَّلَالَةِ الْعَقْلِيَّةِ. ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ النِّيَّةَ بِاللِّسَانِ مَعَ غَفْلَةِ الْجَنَانِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ لِمَا وَرَدَ مِنْ «أَنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَا إِلَى أَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ، وَأَعْمَالِكُمْ» . وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ، وَنِيَّاتِكُمْ، فَلَوْ نَوَى الظُّهْرَ بِقَلْبِهِ فِي وَقْتِهِ، وَتَلَفَّظَ بِنِيَّةِ الْعَصْرِ لَا يَضُرُّهُ بِخِلَافِ الْعَكْسِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِاللِّسَانِ. وَاخْتَلَفُوا فِي التَّلَفُّظِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى النِّيَّةِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ أَنَّ الْجَهْرَ بِالنِّيَّةِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ سَوَاءٌ يَكُونُ إِمَامًا، أَوْ مَأْمُومًا، أَوْ مُنْفَرِدًا فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مُسْتَحَبٌّ لِيَسْهُلَ تَعَقُّلُ مَعْنَى النِّيَّةِ، وَاسْتِحْضَارُهَا. قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَيَحْسُنُ لِاجْتِمَاعِ عَزِيمَتِهِ. قَالَ الْمُحَقِّقُ الْإِمَامُ ابْنُ الْهُمَامِ: قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: لَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِطْرِيقٍ صَحِيحٍ، وَلَا ضَعِيفٍ أَنَّهُ كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَقُولُ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ: أُصَلِّي كَذَا، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، بَلِ الْمَنْقُولُ أَنَّهُ كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ كَبَّرَ، وَهَذِهِ بِدْعَةٌ اهـ. قَالَ: وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِاجْتِمَاعِ عَزِيمَتِهِ أَنَّهُ لَا يَحْسُنُ لِغَيْرِ هَذَا الْقَصْدِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ تَفَرُّقُ خَاطِرِهِ فَإِذَا ذَكَرَ بِلِسَانِهِ كَانَ عَوْنًا عَلَى جَمْعِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ فِي التَّجْنِيسِ. قَالَ: وَالنِّيَّةُ بِالْقَلْبِ لِأَنَّهُ عَمَلُهُ، وَالتَّكَلُّمُ لَا مُعْتَبِرَ بِهِ، وَمَنِ اخْتَارَهُ لِتَجْتَمِعَ عَزِيمَتُهُ اهـ. كَلَامُهُ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ التَّلَفُّظُ بِالنِّيَّةِ فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ، وَالْمُتَابَعَةُ كَمَا تَكُونُ فِي الْفِعْلِ تَكُونُ فِي التَّرْكِ أَيْضًا، فَمَنْ وَاظَبَ عَلَى فِعْلٍ لَمْ يَفْعَلْهُ الشَّارِعُ، فَهُوَ مُبْتَدِعٌ. وَقَدْ يُقَالُ: نُسَلِّمُ أَنَّهَا بِدْعَةٌ لَكِنَّهَا مُسْتَحْسَنَةٌ اسْتَحَبَّهَا الْمَشَايِخُ لِلِاسْتِعَانَةِ عَلَى اسْتِحْضَارِ النِّيَّةِ لِمَنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا، وَهُوَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَأَصْحَابُهُ لَمَّا كَانُوا فِي مَقَامِ الْجَمْعِ وَالْحُضُورِ لَمْ يَكُونُوا مُحْتَاجِينَ إِلَى الِاسْتِحْضَارِ الْمَذْكُورِ، وَقِيلَ: التَّلَفُّظُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَنَسَبُوهُ إِلَى الْغَلَطِ، وَالْخَطَأِ، وَمُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ، لَكِنْ لَهُ مَحْمَلٌ عِنْدَنَا مُخْتَصٌّ بِمَنِ ابْتُلِيَ بِالْوَسْوَسَةِ فِي تَحْصِيلِ النِّيَّةِ، وَعَجَزَ عَنْ أَدَائِهَا فَإِنَّهُ قِيلَ فِي حَقِّهِ إِذَا تَلَفَّظَ بِالنِّيَّةِ سَقَطَ عَنْهُ الشَّرْطُ دَفْعًا لِلْحَرَجِ. وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ، وَقَالَ: إِنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَطَقَ بِالنِّيَّةِ فِي الْحَجِّ فَقِسْنَا عَلَيْهِ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ. قُلْنَا لَهُ: ثَبِّتِ الْعَرْشَ، ثُمَّ انْقُشْ مِنْ جُمْلَةِ الْوَارِدَاتِ فَإِنَّهُ مَا وَرَدَ نَوَيْتُ الْحَجَّ، وَإِنَّمَا وَرَدَ اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ إِلَخْ، وَهُوَ دُعَاءٌ، وَإِخْبَارٌ لَا يَقُومُ مَقَامَ النِّيَّةِ إِلَّا بِجَعْلِهِ إِنْشَاءً، وَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعَقْدِ، وَالْقَصْدُ الْإِنْشَائِيُّ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ، مَعَ عَدَمِ صِحَّتِهِ جَعْلُهُ مَقِيسًا عَلَيْهِ مُحَالٌ، ثُمَّ قَالَ: وَعَدَمُ وُرُودِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ. قُلْنَا: هَذَا مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُقُوعِهِ حَتَّى يُوجَدَ دَلِيلُ وُرُودِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبَّرَ فَلَوْ نَطَقَ بِشَيْءٍ آخَرَ لَنَقَلُوهُ، وَوَرَدَ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتِهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: ( «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ» ) فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ وُجُودِ التَّلَفُّظِ. وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِلْبُخَارِيِّ: هَلْ تَقُولُ شَيْئًا قَبْلَ التَّكْبِيرِ فَقَالَ: لَا. انْتَهَى.
وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ يَتَبَيَّنُ فَسَادُ بَقِيَّةِ كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ مِنْ قَوْلِهِ: وَأَيْضًا فَهُوَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا يَأْتِي إِلَّا بِالْأَكْمَلِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ إِجْمَاعًا، وَالنَّقْلُ الضَّرُورِيُّ حَاصِلٌ بِأَنَّهُ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَى تَرْكِ الْأَفْضَلِ طُولَ عُمُرِهِ فَثَبَتَ أَنَّهُ أَتَى فِي نَحْوِ الْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ بِالنِّيَّةِ مَعَ النُّطْقِ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ تَرَكَهُ، وَالشَّكُّ لَا يُعَارِضُ الْيَقِينَ اهـ.
وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْأَفْضَلَ الْمُكَمَّلَ عَدَمُ النُّطْقِ بِالنِّيَّةِ مَعَ أَنَّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، فَإِنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: بِكَرَاهَتِهِ، وَالْحَنْبَلِيَّةَ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ بِدْعَةٌ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الِاتِّفَاقَ بَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَفِيَّةِ فَلَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ مَحَلُّهُ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ بِالِاسْتِعَانَةِ عَلَيْهِ، وَقَدْ ثَبَتَ تَرْكُهُ عِنْدَ الْحُفَّاظِ الْمُحَدِّثِينَ بِلَا رَيْبٍ فَقَوْلُهُ: وَالشَّكُّ لَا يُعَارِضُ الْيَقِينَ مُجَازَفَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ أَعْجَبِ الْعَجَائِبِ الَّذِي يَتَحَيَّرُ فِيهِ أُولُو الْأَلْبَابِ حَيْثُ جَعَلَ الْوَهْمَ يَقِينًا، وَثُبُوتَ الْحُفَّاظِ رَيْبًا، لَا يُقَالُ:
الجزء 1 · صفحة 43
الْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي لِأَنَّا نَقُولُ: مَحَلُّهُ إِذَا تَعَارَضَ دَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا عَلَى النَّفْيِ، وَالْآخَرُ عَلَى الْإِثْبَاتِ، وَالْخَصْمُ هُنَا سَوَاءٌ جَعَلْنَاهُ مُثْبِتًا، أَوْ نَافِيًا، لَيْسَ مَعَهُ دَلِيلٌ، وَدَلِيلُنَا عَلَى النَّفْيِ ثَابِتٌ بِنَقْلِ الْمُحَدِّثِينَ الْمُؤَيَّدِ بِالْأَصْلِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْوُقُوعِ فَتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ مَوْضِعُ زَلَلٍ، وَمَحَلُّ خَطَلٍ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ الْقِيَمِ ذَكَرَ فِي زَادِ الْمَعَادَ فِي هَدْيِ خَيْرِ الْعِبَادِ، وَهَذَا لَفْظُهُ «كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: (اللَّهُ أَكْبَرُ) » ، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا قَبْلَهَا، وَلَا تَلَفَّظَ بِالنِّيَّةِ، وَلَا قَالَ: (أُصَلِّي لِلَّهِ صَلَاةَ كَذَا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ إِمَامًا، أَوْ مَأْمُومًا) ، وَلَا قَالَ: أَدَاءً، وَلَا قَضَاءً، وَلَا فَرْضَ الْوَقْتِ، وَهَذِهِ عَشْرُ بِدَعٍ لَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَحَدٌ قَطُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَلَا ضَعِيفٍ، وَلَا مُسْنَدٍ، وَلَا مُرْسَلٍ لَفْظَةً وَاحِدَةً مِنْهَا الْبَتَّةَ، بَلْ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا اسْتَحَبَّهُ أَحَدٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَلَا الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ، وَإِنَّمَا غَرَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهَا لَيْسَتْ كَالصِّيَامِ لَا يَدْخُلُ فِيهَا أَحَدٌ إِلَّا بِذِكْرٍ فَظَنَّ أَنَّ الذِّكْرَ تَلَفُّظُ الْمُصَلِّي بِالنِّيَّةِ، وَأَنَّ مُرَادَ الشَّافِعِيِّ بِالذِّكْرِ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ لَيْسَ إِلَّا، وَكَيْفَ يَسْتَحِبُّ الشَّافِعِيُّ أَمْرًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ، وَأَصْحَابِهِ، وَهَذَا هَدْيُهُمْ، وَسِيرَتُهُمْ ; فَإِنْ أَوْجَدَنَا أَحَدٌ حَرْفًا وَاحِدًا عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ قَبِلْنَاهُ، وَقَابَلْنَاهُ بِالْقَبُولِ، وَالتَّسْلِيمِ، وَلَا هَدْيَ أَكْمَلُ مِنْ هَدْيِهِمْ، وَلَا سُنَّةَ إِلَّا مَا تَلَقَّوْهُ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ.
وَصَرَّحَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ الْمُحَدِّثُ بِنَفْيِ رِوَايَةِ التَّلَفُّظِ بِالنِّيَّةِ عَنِ الْمُحَدِّثِينَ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْفَيْرُوزُأَبَادِي صَاحِبُ الْقَامُوسِ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ. وَقَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي الْمَوَاهِبِ: وَبِالْجُمْلَةِ فَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - تَلَفَّظَ بِالنِّيَّةِ، وَلَا أَعْلَمَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ التَّلَفُّظَ بِهَا، وَلَا أَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ بَلِ الْمَنْقُولُ عَنْهُ فِي السُّنَنِ أَنَّهُ قَالَ: ( «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» ) . نَعَمِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّلَفُّظِ بِهَا، فَقَالَ قَائِلُونَ: هُوَ بِدْعَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِعْلُهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّهُ عَوْنٌ عَلَى اسْتِحْضَارِ النِّيَّةِ الْقَلْبِيَّةِ، وَعِبَادَةٌ لِلِّسَانِ كَمَا أَنَّهَا عُبُودِيَّةٌ لِلْقَلْبِ، وَالْأَفْعَالُ الْمَنْوِيَّةُ عِبَادَةُ الْجَوَارِحِ، وَبِنَحْوِ ذَلِكَ أَجَابَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ، وَالْحَافِظُ عِمَادُ الدِّينِ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَطْنَبَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ فِي رَدِّ الِاسْتِحْبَابِ، وَأَكْثَرَ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِمَا فِي ذِكْرِهِ طُولٌ يُخْرِجُنَا عَنِ الْمَقْصُودِ، لَاسِيَّمَا وَالَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا اسْتِحْبَابُ النُّطْقِ بِهَا، وَقَاسَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُلَبِّي بِالْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا يَقُولُ: (لَبَّيْكَ عُمْرَةً، وَحَجَّةً) » ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِاللَّفْظِ، وَالْحُكْمِ كَمَا يَثْبُتُ بِالنَّصِّ يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ لَكِنَّهُ تَعَقَّبَ هَذَا بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ إِحْرَامِهِ تَعْلِيمًا لِلصَّحَابَةِ مَا يُهِلُّونَ بِهِ، وَيَقْصِدُونَهُ مِنَ النُّسُكِ، وَلَقَدْ صَلَّى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ثَلَاثِينَ أَلْفَ صَلَاةً فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: نَوَيْتُ أُصَلِّي صَلَاةَ كَذَا، وَكَذَا، وَتَرْكُهُ سُنَّةٌ كَمَا أَنَّ فِعْلَهُ سُنَّةٌ فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُسَوِّيَ بَيْنَ مَا فَعَلَهُ، وَتَرَكَهُ فَنَأْتِي مِنَ الْقَوْلِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَرَكَهُ بِنَظِيرِ مَا أُتِيَ لَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي فَعَلَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَجِّ، وَالصَّلَاةِ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُقَاسَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، ثُمَّ اللَّامُ فِي النِّيَّاتِ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ أَيْ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِنِيَّاتِهَا، أَوِ الْحَدِيثُ مِنْ بَابِ مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ عَلَى حَدِّ رَكِبَ الْقَوْمُ دَوَابَّهُمْ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هَذَا حَدِيثٌ مَشْهُورٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَأَمَّا أَلْفَاظُهُ فَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَبِالنِّيَّةِ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَالْعَمَلُ بِالنِّيَّةِ كُلُّهَا فِي الصَّحِيحِ، وَأَمَّا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ كَمَا فِي الْكِتَابِ يَعْنِي الْهِدَايَةَ فَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِهِ بُسْتَانِ الْعَارِفِينَ، وَلَمْ يُكْمِلْهُ نَقْلًا عَنِ الْحَافِظِ أَبِي مُوسَى الْأَصْفَهَانِيِّ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ، وَأَقَرَّهُ، وَنَظَرَ بَعْضُهُمْ فِيهِ، إِذْ قَدْ رَوَاهُ كَذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي أَرْبَعِينِهِ، ثُمَّ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ. قُلْتُ: وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ إِمَامِ الْمَذْهَبِ فِي مُسْنَدِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ) الْحَدِيثَ. وَرَوَاهُ ابْنُ الْجَارُودِ فِي الْمُنْتَقَى: ( «إِنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ) اهـ.
وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي فَضْلِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ نِصْفُ الْعِلْمِ، وَوَجْهُهُ: أَنَّ النِّيَّةَ عُبُودِيَّةُ الْقَلْبِ، وَالْعَمَلَ عُبُودِيَّةُ الْقَالِبِ، أَوْ أَنَّ الدِّينَ إِمَّا ظَاهِرٌ، وَهُوَ الْعَمَلُ، أَوْ بَاطِنٌ، وَهُوَ النِّيَّةُ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: ( «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ فَإِنَّهَا نِصْفُ الْعِلْمِ» ) لِتَعَلُّقِهَا بِالْمَوْتِ الْمُقَابِلِ لِلْحَيَاةِ، وَرُوِيَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رُبُعُ الْعِلْمِ كَمَا قَالَ:
عُمْدَةُ الْخَيْرِ عِنْدَنَا كَلِمَاتٌ ... أَرْبَعٌ قَالَهُنَّ خَيْرُ الْبَرِيَّةْ
اتَّقِ الشُّبَهَاتِ، وَازْهَدْ، وَدَعْ مَا ... لَيْسَ يَعْنِيكَ، وَاعْمَلْ بِنِيَّةْ
الجزء 1 · صفحة 44
إِشَارَةً إِلَى الْأَحَادِيثِ الْأَرْبَعَةِ فَكَأَنَّهُ اعْتَبَرَ اتِّقَاءَ السَّيِّئَاتِ، وَالزُّهْدَ فِي الْمُبَاحَاتِ، وَتَرْكَ الْفُضُولَاتِ، وَالْعَمَلَ بِالنِّيَّاتِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ. وَرُوِيَ عَنْهُ، وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ ثُلُثُ الْإِسْلَامِ، أَوْ ثُلُثُ الْعِلْمِ، وَوَجَّهَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ إِمَّا بِقَلْبِهِ كَالنِّيَّةِ، أَوْ بِلِسَانِهِ، أَوْ بِبَقِيَّةِ جَوَارِحِهِ، وَالْأَوَّلُ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ بَلْ أَرْجَحُهَا؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بِانْفِرَادِهَا، وَهَذَا وَجْهُ خَيْرٍ ( «نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ» ) ، وَفِي رِوَايَةٍ أَبْلَغَ، وَفِي أُخْرَى زِيَادَةُ: ( «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيُعْطِي الْعَبْدَ عَلَى نِيَّتِهِ مَا لَا يُعْطِيهِ عَلَى عَمَلِهِ» ) ، وَذَلِكَ أَنَّ النِّيَّةَ لَا رِيَاءَ فِيهَا، وَالْعَمَلُ يُخَالِطُهُ الرِّيَاءُ، وَلَهُ طُرُقٌ ضَعِيفَةٌ يَتَقَوَّى بِمَجْمُوعِهَا، وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ: ( «مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ وَاحِدَةً، وَمَنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشَرَةً» ) الْمُوهِمُ أَنَّ الْعَمَلَ خَيْرٌ مِنْهَا لِأَنَّ كِتَابَةَ الْعَشْرِ لَيْسَتْ عَلَى الْعَمَلِ وَحْدَهُ بَلْ مَعَهَا؛ لِأَنَّهَا شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ، وَهُوَ لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّتِهَا، وَلِهَذَا يُثَابُ عَلَى النِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ فَانْقَلَبَ هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلًا عَلَى خَيْرِيَّتِهَا، وَظَهَرَ فَسَادُ مَا قِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ النِّيَّةَ خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ بِلَا نِيَّةٍ لَا مَعَهَا لِئَلَّا يَلْزَمَ أَنَّ الشَّيْءَ خَيْرٌ مِنْ نَفْسِهِ مَعَ غَيْرِهِ، وَالْعَجَبُ مِنَ ابْنِ حَجَرٍ حَيْثُ ذَكَرَ هَذَا الْقِيلَ، وَقَرَّرَهُ بِالتَّعْلِيلِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَمِنْ خَيْرِيَّتِهَا عَلَى الْعَمَلِ أَنَّهَا تَقْتَضِي التَّخْلِيدَ فِي الْجَنَّةِ، أَوِ النَّارِ إِذِ الْمُؤْمِنُ نَاوٍ الْإِيمَانَ دَائِمًا، وَالْكَافِرُ نَاوٍ الْكُفْرَ دَائِمًا فَقُوبِلَ التَّأْبِيدُ بِالتَّأْبِيدِ، وَلَوْ نُظِرَ لِلْعَمَلِ لَكَانَ الثَّوَابُ، أَوِ الْعِقَابُ لِقَدْرِ مُدَّتِهِ فَمَدْخُولٌ وَمَعْلُولٌ فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ نِيَّةُ الْكَافِرِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ، بَلْ مَفْهُومُ الْحَدِيثِ أَنَّ عَمَلَ الْكَافِرِ خَيْرٌ مِنْ نِيَّتِهِ، نَعَمْ ذَكَرُوا فِي جَانِبِ الْجَنَّةِ أَنَّ دُخُولَهَا بِالْإِيمَانِ، وَدَرَجَاتِهَا بِالْأَعْمَالِ، وَخُلُودَهَا بِالنِّيَّةِ، أَوْ مِنْ بَابِ الْإِفْضَالِ فَلَا إِشْكَالَ، وَأَمَّا دُخُولُ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ فَلِكُفْرِهِمْ، وَدَرَكَاتُهَا عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمُ السَّيِّئَةِ فَكَانَ مُقْتَضَى الْعَقْلِ فِي ظَاهِرِ الْعَدْلِ أَنَّ الْكَافِرَ الَّذِي عَاشَ فِي الدُّنْيَا مِائَةَ سَنَةٍ مَثَلًا أَنْ يُعَذَّبَ قَدْرَهَا، فَقَالُوا: التَّخْلِيدُ فِي مُقَابَلَةِ نِيَّتِهِ مِنَ التَّأْبِيدِ فَإِنَّهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ عَاشَ أَبَدَ الْآبَادِ لَاسْتَمَرَّ عَلَى كُفْرِهِ الْمُعْتَادِ، ثُمَّ قِيلَ: ضَمِيرُ عَمَلِهِ الْكَافِرِ مَعْهُودٌ، وَهُوَ السَّابِقُ كَبِنَاءِ قَنْطَرَةٍ عَزَمَ مُسْلِمٌ عَلَى بِنَائِهَا، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ خَيْرَ لَيْسَتْ بِمَعْنَى أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ: وَالْمَعْنَى النِّيَّةُ خَيْرٌ مِنْ جُمْلَةِ الْخَيْرَاتِ سَاقِطٌ عَنِ الِاعْتِبَارِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَاخْتَلَفُوا فِي النِّيَّةِ السَّيِّئَةِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا عِقَابَ عَلَيْهَا إِلَّا إِنِ انْضَمَّ إِلَيْهَا عَزْمٌ، أَوْ تَصْمِيمٌ أَيْ: عَزْمٌ عَلَى الْفِعْلِ بِالْفِعْلِ، أَوْ تَصْمِيمٌ عَلَى أَنَّهُ سَيَفْعَلُ، وَفِيهِ أَنَّ النِّيَّةَ لَا تَكُونَ إِلَّا مَعَ الْعَزِيمَةِ: وَإِلَّا فَمَعَ التَّرَدُّدِ تُسَمَّى خَطْرَةً، وَهِيَ مَرْفُوعَةٌ بِالْإِجْمَاعِ. قَالَ فِي الْمَدَارِكِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 284] الْآيَةَ، وَلَا تَدْخُلُ الْوَسَاوِسُ، وَحَدِيثُ النَّفْسِ فِيمَا يُخْفِيهِ الْإِنْسَانُ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ الْخُلُوُّ عَنْهُ، وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، وَلَكِنْ مَا اعْتَقَدَهُ، وَعَزَمَ عَلَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَزْمَ الْكُفْرِ كُفْرٌ، وَخَطْرَةَ الذُّنُوبِ مِنْ غَيْرِ عَزْمٍ مَعْفُوٌّ عَنْهَا، وَعَزْمَ الذَّنْبِ إِذَا نَدِمَ عَلَيْهِ، وَرَجَعَ عَنْهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ بَلْ يُثَابُ، فَأَمَّا إِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ، وَهُوَ ثَابِتٌ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ مُنِعَ عَنْهُ بِمَانِعٍ لَا بِاخْتِيَارِهِ فَإِنَّهُ لَا يُعَاقَبُ عَلَى ذَلِكَ عُقُوبَةَ فِعْلِهِ أَيْ: بِالْعَزْمِ عَلَى الزِّنَا لَا يُعَاقَبُ عُقُوبَةَ الزِّنَا، وَهَلْ يُعَاقَبُ عُقُوبَةَ عَزْمِ الزِّنَا؟ قِيلَ: لَا، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: ( «إِنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ مَا لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ» ) . وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ فِي الْخَطْرَةِ دُونَ الْعَزْمِ، وَأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِي الْعَزْمِ ثَابِتَةٌ، وَإِلَيْهِ مَالَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحُلْوَانِيُّ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ} [النور: 19] الْآيَةَ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَإِنْ قُلْتَ: وَنِيَّةُ الْحَسَنَةِ كَذَلِكَ قَلْتُ: فَرَّقَ بِأَنَّ نَاوِيَ الْحَسَنَةِ يُثَابُ عَلَيْهَا، وَعَلَى نِيَّتِهَا، وَنَاوِي السَّيِّئَةِ إِنَّمَا يُعَاقَبُ عَلَى نِيَّتِهَا فَقَطْ. قُلْتُ: لَا حَاجَةَ إِلَى الْفَرْقِ فَإِنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْفَرْقِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ التَّعَدُّدَ الْحَقِيقِيَّ، فَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ، وَإِنْ أَرَادَ التَّعَدُّدَ الْحُكْمِيَّ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ فِي الْكَيْفِيَّةِ دُونَ الْكَمِّيَّةِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَمَعْنَى ثَوَابِهِ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ أَنَّهُ يَكْتُبُ لَهُ حَسَنَةً عَظِيمَةً لَكِنْ بِاعْتِبَارَيْنِ، فَهَذَا جَارٍ فِي السَّيِّئَةِ أَيْضًا. وَمِنْ جُمْلَةِ الْفُرُوعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ بِمُكَفِّرٍ يَدِينُ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ إِذْ لَا نِيَّةَ لَهُ، وَيُؤَيِّدُنَا خَبَرُ مُسْلِمٍ فِي «الَّذِي ضَلَّتْ رَاحِلَتُهُ، ثُمَّ وَجَدَهَا، فَقَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّكَ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: (أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ) » .
الجزء 1 · صفحة 45
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَإِنْ قُلْتَ: ظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ قَبُولُ دَعْوَاهُ سَبْقَ اللِّسَانِ هُنَا، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ فَيُنَافِيهِ مَا مَرَّ فِي نَحْوِ الطَّلَاقِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَرِينَةٍ فَمَا الْفَرْقُ؟ قُلْتُ: أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَاطِنِ فَهُمَا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بَاطِنًا فِيهِمَا حَيْثُ سَبَقَ لِسَانُهُ، وَأَمَّا ظَاهِرًا فَلَا بُدَّ مِنْ قَرِينَةٍ فِي الطَّلَاقِ، وَكَذَا الْكُفْرُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَيُحْتَمَلُ قَبُولُهُ فِيهِ ظَاهِرًا مُطْلَقًا، وَيُفَرِّقُ بِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي حَقِّ اللَّهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِبِنَاءِ حَقِّهِ تَعَالَى عَلَى الْمُسَامَحَةِ، وَحَقِّ الْآدَمِيِّ عَلَى الْمُشَاحَّةِ، وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ وَطِئَ، أَوْ شَرِبَ، أَوْ قَتَلَ يَظُنُّ الْحَلِيلَةَ [وَنَحْوَ الْمَاءِ، وَغَيْرَ الْمَعْصُومِ] فَبَانَ مُحَرَّمًا لَا يَأْثَمُ، وَفِي عَكْسِهِ يَأْثَمُ اعْتِبَارًا بِالنِّيَّةِ فِيهَا. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: اسْتَثْنَى بَعْضَ الْأَعْمَالِ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ كَصَرِيحِ الطَّلَاقِ، وَالْعِتَاقِ لِأَنَّ تَعْيِينَ الشَّارِعِ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لِأَجْلِ هَذِهِ الْمَعَانِي بِمَنْزِلَةِ النِّيَّةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصِّحَّةِ، وَالْجَوَازِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الثَّوَابِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْحِيحِ النِّيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[ (وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ) ] أَيِ: الشَّخْصِ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ [ (مَا نَوَى) ] أَيْ: جَزَاءَ الَّذِي نَوَاهُ مِنْ خَيْرٍ، أَوْ شَرٍّ، أَوْ جَزَاءَ عَمَلٍ نَوَاهُ، أَوْ نِيَّتِهِ دُونَ مَا لَمْ يَنْوِهْ، أَوْ نَوَاهُ غَيْرُهُ لَهُ، فَفِيهِ بَيَانٌ لِمَا تُثْمِرُهُ النِّيَّةُ مِنَ الْقَبُولِ، وَالرَّدِّ، وَالثَّوَابِ، وَالْعِقَابِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ كَإِسْقَاطِ الْقَضَاءِ، وَعَدَمِهِ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الْعَمَلِ قَبُولُهُ، وَوُجُودُ ثَوَابِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] فَفَهِمَ مِنَ الْجُمْلَةِ الْأُولَى أَنَّ الْأَعْمَالَ لَا تَكُونُ مَحْسُوبَةً إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَمِنْ هَذِهِ أَنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ مَقْبُولَةً بِالْإِخْلَاصِ، وَحَاصِلُ الْفَرْقِ أَنَّ النِّيَّةَ فِي الْأَوَّلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَفْسِ الْعَمَلِ، وَفِي الثَّانِي مُتَوَجِّهَةٌ إِلَى مَا لِأَجْلِهِ الْعَمَلُ مِنَ الْأَمَلِ، وَقِيلَ: هَذِهِ مُؤَكِّدَةٌ لِلْأُولَى تَنْبِيهًا عَلَى سِرِّ الْإِخْلَاصِ، وَنُوقِشَ بِأَنَّ تَنْبِيهَهَا عَلَى ذَلِكَ يَمْنَعُ إِطْلَاقَ كَوْنِهَا مُؤَكِّدَةً، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَعْمَالِ الْعِبَادَاتُ، وَبِالثَّانِي الْأُمُورُ الْمُبَاحَاتُ فَإِنَّهَا لَا تُفِيدُ الْمَثُوبَاتِ إِلَّا إِذَا نَوَى بِهَا فَاعِلُهَا الْقُرُبَاتِ كَالْمَآكِلِ، وَالْمَشَارِبِ، وَالْمَنَاكِحِ، وَسَائِرِ اللَّذَّاتِ إِذَا نَوَى بِهَا الْقُوَّةَ عَلَى الطَّاعَاتِ لِاسْتِيفَاءِ الشَّهَوَاتِ، وَكَالتَّطَيُّبِ إِذَا قَصَدَ إِقَامَةَ السُّنَّةِ، وَدَفْعَ الرَّائِحَةِ الْمُؤْذِيَةِ عَنْ عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى، فَفِي الْجُمْلَةِ كُلُّ عَمَلٍ صَدَرَ عَنْهُ لِدَاعِي الْحَقِّ، فَهُوَ الْحَقُّ، وَكَذَا الْمَتْرُوكَاتُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْمَثُوبَاتُ إِلَّا بِالنِّيَّاتِ. رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَرَّ بِكُثْبَانِ رَمْلٍ فِي مَجَاعَةٍ، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: لَوْ كَانَ هَذَا الرَّمْلُ طَعَامًا لَقَسَّمْتُهُ بَيْنَ النَّاسِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّهِمْ: قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ، وَشَكَرَ حُسْنَ صَنِيعِكَ، وَأَعْطَاكَ ثَوَابَ مَا لَوْ كَانَ طَعَامًا فَتَصَدَّقْتَ بِهِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي إِعْلَامِ الْحَدِيثِ، وَاخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ أَنَّ هَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى إِيجَابِ تَعْيِينِ الْمَنْوِيِّ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَ فِي الْفَائِتَةِ مِنْ كَوْنِهَا ظُهْرًا، أَوْ عَصْرًا، وَلَوْلَاهُ لَدَلَّ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ عَلَى الصِّحَّةِ بِلَا تَعْيِينٍ، أَوْ أَوْهَمَ ذَلِكَ اهـ.
وَكَذَلِكَ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا ذَا وَجْهَيْنِ أَوْ وُجُوهٍ مِنَ الْقُرُبَاتِ كَالتَّصْدِيقِ عَلَى الْقَرِيبِ الَّذِي يَكُونُ جَارًا لَهُ، وَفَقِيرًا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَوْصَافِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِهَا الْإِحْسَانَ، وَلَمْ يَنْوِ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إِذَا نَوَى جَمِيعَ الْجِهَاتِ فَعُلِمَ سِرُّ تَأْخِيرِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَأَنَّهُمَا مُتَغَايِرَتَانِ، قِيلَ: الْمَفْهُومُ مِنْهُ أَنَّ نِيَّةَ الْخَاصِّ فِي ضِمْنِ نِيَّةِ الْعَامِّ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ كَمَا قَالَ بِهِ بَعْضٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ: (الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ) إِلَخْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: النِّيَّةُ فِي الْحَدِيثِ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ لِيَحْسُنَ تَطْبِيقُهُ عَلَى مَا بَعْدَهُ، وَتَقْسِيمُهُ بِقَوْلِهِ: [ (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ، وَ) ] : إِلَى [ (رَسُولِهِ) ] : فَإِنَّهُ تَفْصِيلُ مَا أَجْمَلَهُ، وَاسْتِنْبَاطُ الْمَقْصُودِ عَمَّا أَصَّلَهُ، وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: إِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ تُحْسَبُ بِحَسَبِ النِّيَّةِ إِنْ كَانَتْ خَالِصَةً لِلَّهِ فَهِيَ لَهُ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَتْ لِلدُّنْيَا فَهِيَ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِنَظَرِ الْخَلْقِ فَهِيَ لِذَلِكَ، فَالتَّقْدِيرُ إِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَنْوِيَّهُ مِنْ طَاعَةٍ، أَوْ مُبَاحٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ مِنَ الْهَجْرِ، وَهُوَ التَّرْكُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْوَصْلِ، وَالْمُرَادُ هَنَا تَرْكُ الْوَطَنِ الَّذِي بِدَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ كَهِجْرَةِ الصَّحَابَةِ لَمَّا اشْتَدَّ بِهِمْ أَذَى أَهْلِ مَكَّةَ مِنْهَا إِلَى الْحَبَشَةِ، وَإِلَى الْمَدِينَةِ قَبْلَ هِجْرَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَبَعْدَهَا، وَلَمَّا احْتَاجُوا إِلَى تَعَلُّمِ الْعُلُومِ مِنْ أَوْطَانِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَدْ تُطْلَقُ كَمَا فِي أَحَادِيثَ عَلَى هِجْرَةِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَفِي مَعْنَاهَا
الجزء 1 · صفحة 46
هَجْرُ الْمُسْلِمِ أَخَاهُ، وَهَجْرُ الْمَرْأَةِ مَضْجَعَ زَوْجِهَا، وَعَكْسُهُ، وَمِنْهَا الْهِجْرَةُ مِنْ دِيَارِ الْبِدْعَةِ إِلَى بِلَادِ السُّنَّةِ، وَالْهِجْرَةُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ، وَتَرْكُ الْوَطَنِ لِتَحْصِيلِ الْحَجِّ، وَفِي مَعْنَاهُ الِاعْتِزَالُ عَنِ النَّاسِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: ( «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» ) مَحْمُولٌ عَلَى خُصُوصِ الْهِجْرَةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ عُمُومَ الِانْتِقَالِ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الْإِيمَانِ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ، وَكَذَا الْهِجْرَةُ مِنَ الْمَعَاصِي ثَابِتَةٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: ( «الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» ) . وَالْمُرَادُ الْمُهَاجِرُ الْكَامِلُ. وَهَذَا مَعْنَى حَدِيثِ: ( «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ» ) قِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهَا هَاهُنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لِذِكْرِ الْمَرْأَةِ، وَحِكَايَةِ أَمِّ قَيْسٍ، لَكِنَّ الْعِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَالْمَعْنَى مَنْ قَصَدَ بِهِجْرَتِهِ وَجْهَ اللَّهِ، وَالتَّقَرُّبَ إِلَى رِضَاهُ لَا يَخْلِطُهَا بِشَيْءٍ مِنَ الْأَعْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَخْلِيصِ النِّيَّةِ، أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ تُوْطِئَةً لِذِكْرِ الرَّسُولِ تَخْصِيصًا لَهُ بِاللَّهِ، وَتَعْظِيمًا لِلْهِجْرَةِ إِلَيْهِ، أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ لِلتَّزْيِينِ، وَالْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ الْهِجْرَةَ إِلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَالْهِجْرَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. كَقَوْلِهِ: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] فِي الثَّابِتِ فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ إِعَادَةُ الْجَارِّ فِي الشَّرْطِ، وَالْجَزَاءِ، وَهِيَ تُفِيدُ الِاسْتِقْلَالَ فِي الْحُكْمِ بِمَعْنَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الْهِجْرَتَيْنِ يَقُومُ مَقَامَ الْأُخْرَى فِي مَرْتَبَةِ الْقَبُولِ: [ (فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ، وَ) ] : إِلَى [ (رَسُولِهِ) ] : لَمْ يَقُلْ إِلَيْهِمَا اسْتِلْذَاذًا بِتَكْرِيرِ اسْمِهِمَا، " وَإِلَى " مُتَعَلِّقَةٌ بِهِجْرَتِهِ إِنْ قُدِّرَتْ " كَانَتْ " تَامَّةً، وَبِمَحْذُوفٍ هُوَ خَبَرُهَا إِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً أَيْ: مُنْتَسِبَةً إِلَيْهِمَا، وَالْمُرَادُ أَصْلُ الْكَوْنِ لَا بِالنَّظَرِ إِلَى زَمَنٍ مَخْصُوصٍ، أَوْ وَضْعُهُ الْأَصْلِيُّ مِنَ الْمُضِيِّ، أَوْ هُنَا مِنَ الِاسْتِقْبَالِ لِوُقُوعِهَا فِي حَيِّزِ الشَّرْطِ لَفْظًا، أَوْ مَعْنًى لِلْإِجْمَاعِ عَلَى اسْتِوَاءِ الْأَزْمِنَةِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إِلَّا لِمَانِعٍ، ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْمُغَايَرَةِ بَيْنَ الشَّرْطِ، وَالْجَزَاءِ لِحُصُولِ الْفَائِدَةِ فَقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ، وَرَسُولِهِ قَصْدًا، وَنِيَّةً فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ، وَرَسُولِهِ ثَمَرَةً، وَمَنْفَعَةً، فَهُوَ تَمْيِيزٌ لِلنِّسْبَةِ، وَيَجُوزُ حَذْفُهُ لِلْقَرِينَةِ، وَقِيلَ: فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ، وَرَسُولِهِ فِي الدُّنْيَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي الْعُقْبَى، وَقِيلَ: الْجُمْلَةُ الْجَزَائِيَّةُ كِنَايَةٌ عَنْ قَوْلِهِ: فَهِجْرَتُهُ مَقْبُولَةٌ، أَوْ صَحِيحَةٌ فَأُقِيمَ السَّبَبُ مَقَامَ الْمُسَبَّبُ، وَقِيلَ: خَبَرُهُ مُقَدَّرٌ مِنْ طَرَفِ الْجَزَاءِ أَيْ: فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ، وَرَسُولِهِ مَقْبُولَةٌ أَيْ: فَهِيَ كَمَا نَوَاهَا، وَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ سَوَاءٌ مَاتَ فِي الطَّرِيقِ، أَوْ وَصَلَ إِلَى الْفَرِيقِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [النساء: 100] وَقِيلَ: اتِّحَادُ الشَّرْطِ، وَالْجَزَاءِ لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ، وَلِإِرَادَةِ التَّحْقِيرِ فِيمَا سَيَأْتِي فَيَكُونُ التَّغَايُرُ مَعْنًى بِدَلِيلِ قَرَائِنِ السِّيَاقِ بِأَنْ يُرَادَ بِالْأَوَّلِ مَا وُجِدَ خَارِجًا، وَبِالثَّانِي مَا عُهِدَ ذِهْنًا عَلَى حَدِّ: أَنْتَ أَنْتَ أَيِ: الصَّدِيقُ الْخَالِصُ، وَهُمْ هُمْ أَيِ: الَّذِينَ لَا يُعْرَفُ قَدْرُهُمْ، وَمِنْهُ: أَنَا أَبُو النَّجْمِ، وَشِعْرِي شِعْرِي. أَيْ: الْآنَ هُوَ شِعْرِي الَّذِي كَانَ، وَالْكِبَرُ مَا غَيَّرَ اللِّسَانَ، وَالْحَاصِلُ أَنْ يُقَالَ: فَهِجْرَتُهُ عَظِيمَةٌ، وَنَتِيجَتُهَا جَسِيمَةٌ. [ (وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا) ] : بِضَمِّ الدَّالِّ، وَيُكْسَرُ، وَهِيَ فُعْلَى مَنِ الدُّنُوِّ، وَهُوَ الْقُرْبُ لِدُنُوِّهَا إِلَى الزَّوَالِ، أَوْ لِقُرْبِهَا مِنَ الْآخِرَةِ مِنَّا، وَلَا تُنَوَّنُ لِأَنَّ أَلِفَهَا مَقْصُورَةٌ لِلتَّأْنِيثِ، أَوْ هِيَ تَأْنِيثُ أَدْنَى، وَهِيَ كَافِيَةٌ فِي مَنْعِ الصَّرْفِ، وَتَنْوِينُهَا فِي لُغَةٍ شَاذٌّ، وَلِإِجْرَائِهَا مَجْرَى الْأَسْمَاءِ، وَلِخَلْعِهَا عَنِ الْوَصْفِيَّةِ نُكِّرَتْ كَرُجْعَى، وَلَوْ بَقِيَتْ عَلَى وَصْفِيَّتِهَا لَعُرِّفَتْ كَالْحُسْنَى، وَاخْتَلَفُوا فِي حَقِيقَتِهَا مَعَ أَنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لَهَا فَقِيلَ: وَهِيَ اسْمُ مَجْمُوعِ هَذَا الْعَالَمِ الْمُتَنَاهِي، فَفِي الْقَامُوسِ الدُّنْيَا نَقِيضُ الْآخِرَةِ، وَلَوْ قَالَ ضِدَّهَا لَكَانَ أَوْلَى إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ مَعَ جَوَازِ أَنَّهُمَا يَرْتَفِعَانِ، وَقِيلَ: هِيَ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْجَوِّ، وَالْهَوَاءِ، أَوْ هِيَ كُلُّ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ الْجَوَاهِرِ، وَالْأَعْرَاضِ الْمَوْجُودَةِ قَبْلَ الْآخِرَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ، وَيُطْلَقُ عَلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا مَجَازًا، وَأُرِيدُ هَاهُنَا شَيْءٌ مِنَ الْحُظُوظِ النَّفْسَانِيَّةِ كَمَالٍ أَوْ جَاهٍ، وَقَدْ تَكُونُ إِشَارَةً إِلَى الْعَاجِلِ، وَالْمَرْأَةُ إِيمَاءٌ إِلَى الْآجِلِ، وَهُوَ الْآخِرَةُ لِانْضِمَامِ الرُّوحَانِيَّةِ إِلَى الْجُسْمَانِيَّةِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَيُفِيدُ حِينَئِذٍ أَنَّ قَصْدَ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ انْحِطَاطٌ تَامٌّ عَمَّنْ لَمْ يَقْصِدْ غَيْرَ وَجْهِهِ تَعَالَى، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، وَعِنْدَ مُحَقِّقِي الْقَوْمِ مَا تَعَلَّقَ دَرْكُهُ بِالْحِسِّ، فَهُوَ دُنْيَا، وَمَا تَعَلَّقَ دَرْكُهُ بِالْعَقْلِ، فَهُوَ أُخْرَى، وَفِي رِوَايَةٍ: وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا أَيْ: لِأَجْلِ عَرَضِهَا، وَغَرَضِهَا فَاللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ، أَوْ بِمَعْنَى (إِلَى) لِتُقَابِلَ الْمُقَابِلَ
الجزء 1 · صفحة 47
[ (يُصِيبُهَا) ] ، أَيْ: يُحَصِّلُهَا لَكِنْ لِسُرْعَةِ مُبَادَرَةِ النَّفْسِ إِلَيْهَا بِالْجِبِلَّةِ الْأَصْلِيَّةِ شَبَّهَ حُصُولَهَا بِإِصَابَةِ السَّهْمِ لِلْغَرَضِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ أَيْ: يَقْصِدُ إِصَابَتَهَا، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ طَلَبَ الدُّنْيَا لِأَنْ يَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى الْأُخْرَى فَلَا يُذَمُّ مَعَ أَنَّ تَرْكَهَا أَوْلَى لِقَوْلِ عِيسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: يَا طَالِبَ الدُّنْيَا لِتَبَرَّ تَرْكُكَ الدُّنْيَا أَبَرُّ. [ (أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا) ] : خُصَّتْ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلَى سَبَبِ الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَتِ الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: كَانَ فِينَا رَجُلٌ خَطَبَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا: أُمُّ قَيْسٍ فَأَبَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ حَتَّى يُهَاجِرَ فَهَاجَرَ فَتَزَوَّجَهَا. قَالَ: فَكُنَّا نُسَمِّيهِ مُهَاجِرَ أُمِّ قَيْسٍ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ قَصَدَ فِي ضِمْنِ الْهِجْرَةِ سُنَّةً عَظِيمَةً أَبْطَلَ ثَوَابَ هِجْرَتِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ غَيْرُهُ ; أَوْ دَلَالَةً عَلَى أَعْظَمِ فِتَنِ الدُّنْيَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ} [آل عمران: 14] . وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ( «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» ) لَكِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ صَالِحَةً تَكُونُ خَيْرَ مَتَاعِهَا، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: ( «الدُّنْيَا كُلُّهَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» ) .
[ (فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) ] أَيْ: مُنْصَرِفَةٌ إِلَى الْغَرَضِ الَّذِي هَاجَرَ إِلَيْهِ فَلَا ثَوَابَ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} [الشورى: 20] أَوِ الْمَعْنَى فَهِجْرَتُهُ مَرْدُودَةٌ، أَوْ قَبِيحَةٌ. قِيلَ: إِنَّمَا ذُمَّ لِأَنَّهُ طَلَبَ الدُّنْيَا فِي صُورَةِ الْهِجْرَةِ فَأَظْهَرَ الْعِبَادَةَ لِلْعُقْبَى، وَمَقْصُودُهُ الْحَقِيقِيُّ مَا كَانَ إِلَّا الدُّنْيَا فَاسْتَحَقَّ الذَّمَّ لِمُشَابَهَتِهِ أَهْلَ النِّفَاقِ، وَلِذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لَمَّا رَأَى بَهْلَوَانًا يَلْعَبُ عَلَى الْحَبْلِ: هَذَا أَحْسَنُ مِنْ أَصْحَابِنَا فَإِنَّهُ جَمَلَ الدُّنْيَا بِالدُّنْيَا، وَأَصْحَابُنَا يَأْكُلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: مَتَى اجْتَمَعَ بَاعِثُ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ فَلَا ثَوَابَ مُطْلَقًا لِلْخَبَرِ، وَفِي الصَّحِيحِ: ( «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ هُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ» ) . قَالَ الْغَزَالِيُّ: يُعْتَبَرُ الْبَاعِثُ فَإِنْ غَلَبَ بَاعِثُ الْآخِرَةِ أُثِيبَ، أَوْ بَاعِثُ الدُّنْيَا، أَوِ اسْتَوَيَا لَمْ يُثَبْ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِ مَنْ حَجَّ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ كَانَ ثَوَابُهُ دُونَ ثَوَابِ الْمُتَخَلِّي عَنْهَا أَنَّ الْقَصْدَ الْمُصَاحِبَ لِلْعِبَادَةِ إِنْ كَانَ مُحَرَّمًا كَالرِّيَاءِ أَسْقَطَهَا مُطْلَقًا، وَهُوَ مَحْمِلُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ لَفْظُهُ، أَوْ غَيْرَ مُحَرَّمٍ أُثِيبَ بِقَدْرِ قَصْدِهِ الْآخِرَةَ أَخْذًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7] اهـ.
وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ، وَتَعْلِيلٌ مُسْتَحْسَنٌ هَذَا بِلِسَانِ الْعُلَمَاءِ أَرْبَابِ الْعِبَارَةِ، وَأَمَّا بِلِسَانِ الْعُرَفَاءِ أَصْحَابِ الْإِشَارَةِ فَمَعْنَاهُ مُجْمَلًا أَنَّ أَعْمَالَ ظَاهِرِ الْقَالَبِ مُتَعَلِّقٌ بِمَا يَقَعُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ أَنْوَارِ الْغُيُوبِ، وَالنِّيَّةُ جَمْعُ الْهَمِّ فِي تَنْفِيذِ الْعَمَلِ لِلْمَعْمُولِ لَهُ، وَأَنْ لَا يَسْنَحَ فِي السِّرِّ ذِكْرُ غَيْرِهِ، وَلِلنَّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ، ثُمَّ نِيَّةُ الْعَوَامِّ فِي طَلَبِ الْأَعْرَاضِ مَعَ نِسْيَانِ الْفَضْلِ، وَالْإِعْوَاضِ، وَنِيَّةُ الْجَاهِلِ التَّحْصِينُ عَنْ سُوءِ الْقَضَاءِ، وَنُزُولِ الْبَلَاءِ، وَنِيَّةُ أَهْلِ النِّفَاقِ التَّزَيُّنُ عِنْدَ النَّاسِ مَعَ إِضْمَارِ الشِّقَاقِ، وَنِيَّةُ الْعُلَمَاءِ إِقَامَةُ الطَّاعَاتِ، وَنِيَّةُ أَهْلِ التَّصَوُّفِ تَرْكُ الِاعْتِمَادِ عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْهُمْ مَنِ الْعِبَادَاتِ، وَنِيَّةُ أَهْلِ الْحَقِيقَةِ رُبُوبِيَّةٌ تَوَلَّتْ عُبُودِيَّةً. وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى مِنْ مَطَالِبِ السُّعَدَاءِ، وَهِيَ الْخَلَاصُ عَنِ الدَّرَكَاتِ السُّفْلَى مِنَ الْكُفْرِ، وَالشِّرْكِ، وَالْجَهْلِ، وَالْمَعَاصِي، وَالسُّمْعَةِ، وَالرِّيَاءِ، وَالْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، وَحَجْبِ الْأَوْصَافِ، وَالْفَوْزِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَا وَهِيَ الْمَعْرِفَةُ، وَالتَّوْحِيدُ، وَالْعِلْمُ، وَالطَّاعَاتُ، وَالْأَخْلَاقُ الْمَحْمُودَةُ، وَجَذَبَاتُ الْحَقِّ، وَالْفَنَاءُ عَنْ إِنَابَتِهِ، وَالْبَقَاءُ بِهُوِيَّتِهِ، أَوْ مِنْ مَقَاصِدِ الْأَشْقِيَاءِ، وَهِيَ إِجْمَالًا مَا يُبْعِدُ
الجزء 1 · صفحة 48
عَنِ الْحَقِّ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ أَيْ: خُرُوجُهُ مِنْ مَقَامِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ اسْتِعْدَادَهُ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ، أَوْ مَنْزِلًا مِنْ مَنَازِلِ النَّفْسِ، أَوْ مَقَامًا مِنْ مَقَامَاتِ الْقَلْبِ إِلَى اللَّهِ لِتَحْصِيلِ مِرَاضِيهِ، وَتَحْسِينِ الْأَخْلَاقِ، وَالتَّوَجُّهِ إِلَى تَوْحِيدِ الذَّاتِ، وَرَسُولِهِ بِاتِّبَاعِ أَعْمَالِهِ، وَاقْتِفَاءِ أَخْلَاقِهِ، وَالتَّوَجُّهِ إِلَى طَلَبِ الِاسْتِقَامَةِ فِي تَوْحِيدِ الصِّفَاتِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَتُخْرِجُهُ الْعِنَايَةُ الْإِلَهِيَّةُ مِنْ ظُلُمَاتِ الْحُدُوثِ وَالْفَنَاءِ إِلَى أَنْوَارِ الشُّهُودِ، وَالْبَقَاءِ، وَتَجْذِبُهُ مِنْ حَضِيضِ الْعُبُودِيَّةِ إِلَى ذُرْوَةِ الْعِنْدِيَّةِ، وَيَفْنَى فِي عَالَمِ اللَّاهُوتِ، وَيَبْقَى بِالْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَرَجَعَ إِلَيْهِ الْأُنْسُ، وَنَزَلَ مَحَلَّةَ الْقُدُسِ بِدَارِ الْقَرَارِ فِي جِوَارِ الْمَلِكِ الْغَفَّارِ، وَأَشْرَقَتْ عَلَيْهِ سُبُحَاتُ الْوَجْهِ الْكَرِيمِ، وَحَلَّ بِقَلْبِهِ رُوحُ الرِّضَا الْعَمِيمِ، وَوَجَدَ فِيهَا الرُّوحَ الْمُحَمَّدِيَّ، وَأَحْبَابًا، وَعَرَفَ أَنَّ لَهُ مَثْوًى، وَمَآبًا. وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا أَيْ: لِتَحْصِيلِ شَهْوَةِ الْحِرْصِ عَلَى الْمَالِ، وَالْجَاهِ، أَوْ تَحْصِيلِ لَذَّةِ شَهْوَةِ الْفَرْجِ فَيَبْقَى مَهْجُورًا عَنِ الْحَقِّ فِي أَوْطَانِ الْغُرْبَةِ، وَدِيَارِ الظُّلْمَةِ لَهُ نَارُ الْفُرْقَةِ، وَالْقَطِيعَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ، وَأَنْشَدَ بَعْضُ الْمُخْلِصِينَ لِبَعْضِ الْمُخْلِطِينَ:
يَا غَافِلَ الْقَلْبِ عَنْ ذِكْرِ الْمَنِيَّاتِ ... عَمَّا قَلِيلٍ سَتَثْوَى بَيْنَ أَمْوَاتِ
إِنَّ الْحِمَامَ لَهُ وَقْتٌ إِلَى أَجَلٍ ... فَاذْكُرْ مَصَائِبَ أَيَّامٍ، وَسَاعَاتِ
لَا تَطْمَئِنَّ إِلَى الدُّنْيَا، وَزِينَتِهَا ... قَدْ حَانَ لِلْمَوْتِ يَا ذَا اللُّبِّ أَنْ يَأْتِي
وَكُنْ حَرِيصًا عَلَى الْإِخْلَاصِ فِي عَمَلٍ ... فَإِنَّمَا الْعَمَلُ الزَّاكِي بِنِيَّاتٍ
قَدْ وَرَدَ فِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ مَرْفُوعًا: ( «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْحَفَظَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: اكْتُبُوا لِعَبْدِي كَذَا وَكَذَا مِنَ الْأَجْرِ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا لَمْ نَحْفَظْ ذَلِكَ عَنْهُ، وَلَا هُوَ فِي صَحِيفَتِنَا فَيَقُولُ إِنَّهُ نَوَاهُ» ) . وَنَقَلَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ الْعَلِيَّ، أَنَّ زُبَيْدَةَ رُؤِيَتْ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهَا: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكِ؟ فَقَالَتْ: غَفَرَ لِي، فَقِيلَ لَهَا: بِكَثْرَةِ عِمَارَتِكِ الْآبَارَ، وَالْبِرَكِ، وَالْمَصَانِعِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، وَإِنْفَاقِكِ فِيهَا؟ فَقَالَتْ: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ذَهَبَ ذَلِكَ كُلُّهُ إِلَى أَرْبَابِهِ، وَإِنَّمَا نَفَعَنَا مِنْهُ النِّيَّاتُ فَغَفَرَ لِي بِهَا، اللَّهُمَّ فَأَحْسِنْ نِيَّاتِنَا، وَلَا تُؤَاخِذْنَا بِنِيَّاتِنَا، وَاخْتِمْ بِالْخَيْرِ مَنِيَّاتِنَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَيْ: اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ عَلَى رِوَايَتِهِ، وَيُعَبَّرُ عَنْ هَذَا الْقِسْمِ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَيْ: بِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ لَا بِمَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، لَكِنَّ اتِّفَاقَهَا عَلَيْهِ لَازِمُ ذَلِكَ لِاتِّفَاقِهَا عَلَى تَلَقِّي مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ بِالْقَبُولِ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ بَقِيَّةُ السِّتَّةِ. وَقِيلَ: لَمْ يَبْقَ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدِ عَلَيْهَا مَنْ لَمْ يُخْرِجْهُ سِوَى مَالِكٍ، فَفِي الْجُمْلَةِ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَمِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ مَاكُولَا، وَغَيْرُهُ مِنَ التَّكَلُّمِ فِيهِ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَمَا قِيلَ إِنَّهُ مُتَوَاتِرٌ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا عُمَرُ، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْ عُمَرَ إِلَّا عَلْقَمَةُ، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْ عَلْقَمَةَ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ إِلَّا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، ثُمَّ تَوَاتَرَ عَنْهُ بِحَيْثُ رَوَاهُ عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ إِنْسَانٍ أَكْثَرُهُمْ أَئِمَّةٌ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ: إِنَّهُ رَوَاهُ عَنْهُ سَبْعُمِائَةِ إِنْسَانٍ مِنْ أَعْيَانِهِمْ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَسَعِيدٌ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عُمَرَ تِسْعَةٌ غَيْرُ عَلْقَمَةَ، وَعَنْ عَلْقَمَةَ اثْنَانِ غَيْرُ التَّيْمِيِّ، وَعَنِ التَّيْمِيِّ خَمْسَةٌ غَيْرُ يَحْيَى، فَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى آخِرِهِ غَرِيبٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَوَّلِهِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ جَمْعًا مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَغَيْرِهِمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ جَمِيعَ مَا وَقَعَ مُسْنَدًا فِي الصَّحِيحَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا مِنَ الْأَحَادِيثِ يُقْطَعُ بِصِحَّتِهِ لِتَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهُ بِالْقَبُولِ مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةُ، وَكَذَا الْعَمَلُ مَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ نَحْوَ نَسْخٍ، أَوْ تَخْصِيصٍ، وَإِجْمَاعُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَعْصُومٌ عَنِ الْخَطَأِ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، فَقُبُولُهَا لِلْخَبَرِ الْغَيْرِ الْمُتَوَاتِرِ يُوجِبُ الْعِلْمَ النَّظَرِيَّ، وَعِبَارَةُ الْأُسْتَاذِ، أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِينِيِّ: أَهْلُ الصَّنْعَةِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْأَخْبَارَ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الصَّحِيحَانِ مَقْطُوعٌ بِصِحَّةِ أُصُولِهَا، وَمُتُونِهَا، وَلَا يَحْصُلُ الْخِلَافُ فِيهَا بِحَالٍ، وَإِنْ حَصَلَ اخْتِلَافٌ فَذَلِكَ اخْتِلَافٌ فِي طُرُقِهَا، وَرُوَاتِهَا، فَمَنْ خَالَفَ حُكْمُهُ خَبَرًا مِنْهُمَا
الجزء 1 · صفحة 49
وَلَيْسَ لَهُ تَأْوِيلٌ سَائِغٌ نَقَضْنَا حُكْمَهُ. وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صِحَّتِهِمَا، وَقَدْ قَالَ عَطَاءٌ: الْإِجْمَاعُ أَقْوَى مِنَ الْإِسْنَادِ فَإِذَنْ أَفَادَ الْعِلْمَ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ، وَالْمُحَقِّقُونَ: صِحَّتُهُمَا ظَنِّيَّةٌ؛ لِأَنَّ أَخْبَارَهُمَا آحَادٌ، وَهِيَ لَا تُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ، وَإِنْ تَلَقَّتْهَا الْأَئِمَّةُ بِالْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُمْ تَلَقَّوْا بِالْقَبُولِ مَا ظُنَّتْ صِحَّتُهُ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَلِأَنَّ تَصْحِيحَ الْأَئِمَّةِ لِلْخَبَرِ الْمُسْتَجْمِعِ لِشُرُوطِ الصِّحَّةِ إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِمَا نَحْوَ مِائَتَيْ حَدِيثٍ مُسْنَدٍ طُعِنَ فِي صِحَّتِهَا، فَلَمْ تَتَلَقَّ الْأُمَّةُ كُلُّهَا مَا فِيهِمَا بِالْقَبُولِ لَكِنَّ بَعْضَ الْقَائِلِينَ بِالْأَوَّلِ اسْتَثْنَوْا هَذِهِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ؛ لِأَنَّ مَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِمَا الْعِلْمَ بِالصِّحَّةِ جَعَلَهُ نَظَرِيًّا، وَهُوَ النَّاشِئُ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ، وَمَنْ أَبَى هَذَا الْإِطْلَاقَ خَصَّ لَفْظَ الْعِلْمِ بِالْمُتَوَاتِرِ، وَمَا عَدَاهُ عِنْدَهُ ظَنٌّ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُمْكِنُ التَّصْحِيحُ، وَالتَّحْسِينُ، وَالتَّضْعِيفُ فِي الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ؟ وَاخْتَارَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ بَلْ يُقْتَصَرُ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ فِي تَصَانِيفِهِمُ الْمُعْتَمَدَةِ، وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ، وَتَبِعُوهُ، وَأَطَالُوا فِي بَيَانِ رَدِّهِ، وَمِنْ ثَمَّ صَحَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُعَاصِرِيهِ كَالْقَطَّانِ، وَالضِّيَاءِ الْمَقْدِسِيِّ، ثُمَّ الْمُنْذِرِيِّ، وَالدِّمْيَاطِيِّ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ. قِيلَ: وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا اخْتَارَ حَسْمَ الْمَادَّةِ لِئَلَّا يَتَطَفَّلَ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ الْجَهَلَةِ. قُلْتُ: وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ اخْتِلَافُهُمْ هَلْ يُمْكِنُ لِأَحَدٍ الِاجْتِهَادُ الْمُطْلَقُ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ ; فَقِيلَ: يُمْكِنُ، وَقِيلَ: لَا. وَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ لِأَنَّ الْإِمْكَانَ أَمْرٌ عَقْلِيٌّ، وَمَنْعُهُ أَمْرٌ عَادِيٌّ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْإِيمَانِ]
الجزء 1 · صفحة 50
1 - كِتَابُ الْإِيمَانِ
" الْفَصْلُ الْأَوَّلُ "
2 - «عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخْذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ. قَالَ: " الْإِسْلَامُ: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ". قَالَ: صَدَقْتَ. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ، وَيُصَدِّقُهُ! قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ. قَالَ: (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ. قَالَ: " أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ قَالَ: " مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ " قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا. قَالَ: " أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ، يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ. قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: " يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
1 - كِتَابُ الْإِيمَانِ
الْكِتَابُ إِمَّا مَأْخُوذٌ مِنَ الْكُتُبِ بِمَعْنَى الْجَمْعِ، أَوِ الْكِتَابَةِ، وَالْمَعْنَى هَذَا مَجْمُوعٌ، أَوْ مَكْتُوبٌ فِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْإِيمَانِ، وَإِنَّمَا عَنْوَنَ بِهِ مَعَ ذِكْرِهِ الْإِسْلَامَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ فِي الشَّرْعِ، وَعَلَى اعْتِبَارِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ مِنَ الْفَرْقِ يَكُونُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ الْأَصْلُ، وَعَلَيْهِ مَدَارُ الْفَصْلِ، وَقَدَّمَهُ لِزِيَادَةِ شَرَفِهِ فِي الْفَضْلِ، وَلِكَوْنِهِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْعِبَادَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى الْمُعَامَلَاتِ، وَهُوَ التَّصْدِيقُ الَّذِي مَعَهُ أَمْنٌ، وَطُمَأْنِينَةٌ لُغَةً، وَفِي الشَّرْعِ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ مِمَّا جَاءَ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ، فَكَأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَجْعَلُ بِهِ نَفْسَهُ آمِنَةً مِنَ الْعَذَابِ فِي الدَّارَيْنِ، أَوْ مِنَ التَّكْذِيبِ، وَالْمُخَالَفَةِ، وَهُوَ إِفْعَالٌ مِنَ الْأَمْنِ يُقَالُ: أَمِنْتُ وَآمَنْتُ غَيْرِي، ثُمَّ يُقَالُ آمَنَهُ إِذَا صَدَّقَهُ، وَقِيلَ: مَعْنَى أَمِنْتُ صِرْتُ ذَا أَمْنٍ ثُمَّ نُقِلَ إِلَى التَّصْدِيقِ، وَيُعَدَّى بِاللَّامِ نَحْوَ: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} [يوسف: 17] وَقَالَ فِرْعَوْنُ: {آمَنْتُمْ لَهُ} [طه: 71] وَقَدْ يُضَمَّنُ مَعْنَى اعْتَرَفَ فَيُعَدَّى بِالْبَاءِ نَحْوَ: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3] وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ أَوَّلُهَا: عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، وَالْأَشْعَرِيُّ، وَالْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُ مُجَرَّدُ تَصْدِيقِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِيمَا عُلِمَ مَجِيئُهُ بِالضَّرُورَةِ تَفْصِيلًا فِي الْأُمُورِ التَّفْصِيلِيَّةِ، وَإِجْمَالًا فِي الْإِجْمَالِيَّةِ تَصْدِيقًا جَازِمًا، وَلَوْ لِغَيْرِ دَلِيلٍ حَتَّى يَدْخُلَ إِيمَانُ الْمُقَلِّدِ، فَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَمَا نُقِلَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ مِنْ عَدَمِ صِحَّتِهِ رُدَّ بِأَنَّهُ كَذِبٌ عَلَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أَرْكَانَ الدِّينِ مِنَ التَّوْحِيدِ، وَالنُّبُوَّةِ، وَنَحْوَ الصَّلَاةِ فَإِنْ جَوَّزَ وُرُودَ شُبْهَةٍ تُفْسِدُ اعْتِقَادَهُ، فَهُوَ كَافِرٌ، وَإِنْ لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ فَهُوَ مُؤْمِنٌ لَكِنَّهُ فَاسِقٌ بِتَرْكِهِ النَّظَرَ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَالْأَكْثَرِينَ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَبِلَ الْإِيمَانَ مِنْ غَيْرِ تَفَحُّصٍ عَنِ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، لَكِنْ فِي كَوْنِهِ فَاسِقًا بِتَرْكِهِ النَّظَرَ نَظَرٌ ظَاهِرٌ فَتَدَبَّرْ، ثُمَّ فُهِمَ مِنْ قَيْدِ مُجَرَّدِ التَّصْدِيقِ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ مَعَهُ أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ، وَمِنَ الضَّرُورَةِ أَنَّ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ كَكَوْنِهِ تَعَالَى عَالِمًا بِذَاتِهِ، أَوْ بِالْعِلْمِ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ، أَوْ مَرْئِيًّا لَا يَكْفُرُ مُنْكِرُهُ إِجْمَاعًا، وَمِنَ الْجَزْمِ أَنَّ التَّصْدِيقَ الظَّنِّيَّ لَا يَكْفِي فِي حُصُولِ مُسَمَّى الْإِيمَانِ.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ عَمَلُ الْقَلْبِ، وَاللِّسَانِ مَعًا فَقِيلَ: الْإِقْرَارُ شَرْطٌ لِإِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ لَا لِصِحَّةِ الْإِيمَانِ فِيمَا بَيْنَ الْعَبْدِ، وَرَبِّهِ. قَالَ حَافِظُ الدِّينِ النَّسَفِيُّ: وَهَذَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ، وَالْأَشْعَرِيُّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَقِيلَ: هُوَ رُكْنٌ لَكِنَّهُ غَيْرُ أَصْلِيٍّ بَلْ زَائِدٌ، وَمِنْ ثَمَّ يَسْقُطُ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ، وَالْعَجْزِ، وَلِهَذَا مَنْ صَدَّقَ وَمَاتَ فَجْأَةً عَلَى الْفَوْرِ فَإِنَّهُ مُؤْمِنٌ إِجْمَاعًا.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَالثَّانِي مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ رُكْنٌ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ بِهِ، وَشَرْطٌ لِإِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُطَالَبَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56] الْآيَةَ. حَيْثُ أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَطَالِبِ. وَبِهَذَا يَلْتَئِمُ الْقَوْلَانِ. وَالْخِلَافَانِ لَفْظِيَّانِ، وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنِ الْغَزَالِيِّ مِنْ أَنَّ الِامْتِنَاعَ عَنِ النُّطْقِ كَالْمَعَاصِي الَّتِي تُجَامِعُ الْإِيمَانَ، فَهُوَ بِظَاهِرِهِ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، فَيُحْمَلُ عَلَى الِامْتِنَاعِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُطَالَبَةِ، غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ جَعَلَ الْإِقْرَارَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ لَا شَرْطًا، وَلَا شَطْرًا. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ فِعْلُ الْقَلْبِ، وَاللِّسَانِ مَعَ سَائِرِ الْأَرْكَانِ، وَنُقِلَ عَنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَعَنِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَالْخَوَارِجِ، لَكِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ بَيْنَ الْإِيمَانِ، وَالْكُفْرِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ لَهُ مُؤْمِنٌ، وَلَا كَافِرٌ، بَلْ يُقَالُ لَهُ فَاسِقٌ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ، وَالْخَوَارِجُ عَلَى أَنَّهُ كَافِرٌ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَاسِقٌ دَاخِلٌ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] قَالُوا: وَلَا تَظْهَرُ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَ قَوْلِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَبَيْنَ سَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ لِأَنَّ امْتِثَالَ الْأَوَامِرِ، وَاجْتِنَابَ الزَّوَاجِرِ مِنْ كَمَالِ الْإِيْمَانِ اتِّفَاقًا لَا مِنْ مَاهِيَّتِهِ فَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ لَا عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي نُقْصَانِ الْإِيمَانِ، وَزِيَادَتِهِ، وَكَذَا اقْتِرَانُ الْإِيمَانِ بِالْمَشِيئَةِ، وَكَذَا الِاخْتِلَافُ فِي أَنَّ الْإِيمَانَ مَخْلُوقٌ، أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَكَذَا التَّفْضِيلُ بَيْنَ الْمَلَكِ، وَالْبَشَرِ، وَمَحَلُّ بَسْطِ هَذَا الْمَرَامِ كُتُبُ الْكَلَامِ.
الجزء 1 · صفحة 51
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
2 - (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ) : أَصْلُهُ بَيْنَ فَأُشْبِعَتِ الْفَتْحَةُ فَقِيلَ بَيْنَا. وَزِيدَتْ مَا فَقِيلَ بَيْنَمَا، وَهُمَا ظَرْفَا زَمَانٍ بِمَعْنَى الْمُفَاجَأَةِ، وَيُضَافَانِ إِلَى الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ تَارَةً، وَإِلَى الْفِعْلِيَّةِ أُخْرَى، وَيَكُونُ الْعَامِلُ مَعْنَى الْمُفَاجَأَةِ فِي إِذْ، فَمَعْنَى الْحَدِيثِ وَقْتَ حُضُورِنَا فِي مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ! فَاجَأَنَا وَقْتُ طُلُوعِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَبَيْنَا ظَرْفٌ لِهَذَا الْمُقَدَّرِ، وَإِذْ مَفْعُولٌ بِهِ بِمَعْنَى الْوَقْتِ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر: 45] أَيْ: وَقْتُ ذِكْرِ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ فَجَاءُوا وَقْتَ الِاسْتِبْشَارِ. فَنَحْنُ: مُبْتَدَأٌ، وَعِنْدَ ظَرْفُ مَكَانٍ، وَذَاتَ يَوْمٍ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ عِنْدَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ فِيهِ مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ، أَيْ: بَيْنَ أَوْقَاتٍ نَحْنُ حَاضِرُونَ عِنْدَهُ، فَنَحْنُ مُخْبَرٌ عَنْهُ بِجُمْلَةٍ ظَرْفِيَّةٍ، وَالْمَجْمُوعُ صِفَةُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ الْمَحْذُوفِ، وَزِيَادَةُ ذَاتَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ بِأَنْ يُرَادَ بِالْيَوْمِ مُطْلَقُ الزَّمَانِ لَا النَّهَارُ كَمَا فِي قَوْلِكَ: رَأَيْتُ ذَاتَ زَيْدٍ، وَقِيلَ ذَاتَ مُقْحَمٌ، وَقِيلَ بِمَعْنَى السَّاعَةِ، وَقِيلَ بَيْنَ يُضَافُ إِلَى مُتَعَدِّدٍ لَفْظًا كَقَوْلِكَ: جَلَسْتُ بَيْنَ الْقَوْمِ، أَوْ مَعْنًى كَقَوْلِكَ جِئْتُ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ، وَإِذَا قُصِدَ إِضَافَتُهُ إِلَى جُمْلَةٍ يُزَادُ أَلِفٌ، أَوْ مَا عِوَضًا عَنِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تَقْتَضِيهَا بَيْنَ، وَقِيلَ فَائِدَةُ الْمَزِيدَتَيْنِ إِنَّمَا هِيَ التَّهَيُّؤُ لِدُخُولِ الْجُمْلَتَيْنِ، وَيَجُوزُ دُخُولُ إِذْ فِي جَوَابِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَيَجُوزُ تَرْكُهُ كَمَا فِي الشِّعْرِ الْفَصِيحِ:
وَبَيْنَا نَحْنُ نَرْقُبُهُ أَتَانَا
وَجَاءَ فِي طَرِيقٍ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَالْحِكْمَةُ فِي تَأْخِيرِ مَجِيئِهِ إِلَى مَا بَعْدَ إِنْزَالِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ تَقْرِيرُ أُمُورِ الدِّينِ الَّتِي بَلَّغَهَا مُتَفَرِّقَةً فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لِتُغْبَطَ، وَتُضْبَطَ، وَقِيلَ مَجِيئُهُ كَانَ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ قُبَيْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَسَبَبُ الْحَدِيثِ مَا فِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ! قَالَ: (سَلُونِي) فَهَابُوا أَنْ يَسْأَلُوهُ فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْدَةَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ أَيْ: يَعِظُ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، وَفِي أُخْرَى لِأَبِي دَاوُدَ كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَجْلِسُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَيَجِيءُ الْغَرِيبُ فَلَا يَدْرِي أَيُّهُمْ هُوَ حَتَّى يَسْأَلَ فَطَلَبْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَجْعَلَ لَنَا مَجْلِسًا يَعْرِفُهُ الْغَرِيبُ إِذَا أَتَاهُ قَالَ: فَبَنَيْنَا لَهُ دُكَّانًا أَيْ: دِكَّةً مِنْ طِينٍ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، وَكُنَّا نَجْلِسُ بِجَنْبِهِ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْعَالِمِ الْجُلُوسُ بِمَحَلٍّ مُرْتَفِعٍ مُخْتَصٍّ بِهِ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ لِلتَّعْظِيمِ، وَنَحْوِهِ، ثُمَّ الطُّلُوعُ بِمَعْنَى الظُّهُورِ مِنْ كَمَالِ النُّورِ مُسْتَعَارٌ مِنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى كَمَالِ عَظَمَتِهِ، وَعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ، وَالتَّنْوِينُ فِي رَجُلٍ لِلتَّعْظِيمِ، وَيُحْتَمَلُ التَّنْكِيرُ؛ لِأَنَّ الرَّاوِيَ حِينَ رِوَايَتِهِ، وَإِنْ كَانَ عَارِفًا بِأَنَّهُ جِبْرِيلُ لَكِنَّهُ حَكَى الْحَالَ الْمَاضِيَةَ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ: لَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَلَكَ لَهُ أَنْ يَقْتَدِرَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى التَّشَكُّلِ مِمَّا شَاءَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم: 17] وَالْحِكْمَةُ فِي اخْتِيَارِ شَكْلِ الْبَشَرِ الِاسْتِئْنَاسُ لِأَنَّ الْجِنْسِيَّةَ عِلَّةُ الضَّمِّ، فَالْمَعْنَى رَجُلٌ فِي الصُّورَةِ إِذْ هُوَ جِبْرِيلُ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي رِوَايَةٍ، وَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فِي صُورَةِ دَحْيَةَ الْكَلْبِيِّ مَعْلُولٌ بِأَنَّهُ وَهْمٌ مِنْ رِوَايَةٍ لِقَوْلِ عُمَرَ الْآتِي. وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ. نَعَمْ كَانَ غَالِبًا يَتَمَثَّلُ بِصُورَةِ دَحْيَةَ لِكَمَالِ جَمَالِهِ.
(شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ) : بِإِضَافَةِ شَدِيدٍ إِلَى مَا بَعْدَهُ إِضَافَةً لَفْظِيَّةً مُفِيدَةً لِلتَّخْفِيفِ فَقَطْ صِفَةُ رَجُلٍ، وَاللَّامُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ الْعَائِدِ إِلَى الرَّجُلِ. أَيْ: شَدِيدٌ بَيَاضُ ثِيَابِهِ شَدِيدٌ سَوَادُ شَعْرِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّنْوِينِ فِي الصِّفَتَيْنِ الْمُشَبَّهَتَيْنِ، وَرَفْعِ مَا بَعْدَهُمَا عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْبَيَاضِ، وَالنَّظَافَةِ فِي الثِّيَابِ، وَأَنَّ زَمَانَ طَلَبِ الْعِلْمِ أَوَانُ الشَّبَابِ لِقُوَّتِهِ عَلَى تَحَمُّلِ أَعْبَائِهِ، وَقُدْرَتِهِ عَلَى تَعَلُّمِ
الجزء 1 · صفحة 52
أَدَائِهِ، وَقَدَّمَ الْبَيَاضَ عَلَى السَّوَادِ لِأَنَّهُ خَيْرُ الْأَلْوَانِ، وَمُحِيطٌ بِالْأَبْدَانِ، وَلِئَلَّا يَفْتَتِحُ بَغْتَةً بِلَوْنٍ مُتَوَحِّشٍ، وَجَمَعَ الثِّيَابَ دُونَ الشَّعْرِ إِشْعَارًا بِأَنَّ جَمِيعَهَا كَذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ شَدِيدُ سَوَادِ اللِّحْيَةِ، وَبِهَا يَتَبَيَّنُ مَحْمِلُ الشَّعْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ، وَالشَّعَرُ بِفَتْحَتَيْنِ أَفْصَحُ مِنْ سُكُونِ الثَّانِي، وَيُضَمُّ مَعَهُ مُرَاعَاةً لِلسَّجْعِ فِي قَوْلِهِ: (لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ) : رُوِيَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ الْغَائِبِ، وَرَفْعِ الْأَثَرِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ وَالْأَشْهَرِ، وَرُوِيَ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَعْلُومِ، وَنَصْبِ الْأَثَرِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ رَجُلٍ، أَوْ صِفَةٌ لَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْآثَارِ ظُهُورُ التَّعَبِ، وَالتَّغَيُّرِ، وَالْغُبَارِ، وَالسَّفَرُ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّفْرِ، وَهُوَ الْكَشْفُ؛ لِأَنَّهُ يَكْشِفُ أَحْوَالَ الرِّجَالِ، وَأَخْلَاقَهُمْ عِنْدَ مُبَاشَرَةِ الْأَعْمَالِ.
(وَلَا يَعْرِفُهُ) : عَطْفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ (مِنَّا) أَيْ: مِنَ الْحَاضِرِينَ فِي الْمَجْلِسِ قُدِّمَ لِلِاهْتِمَامِ عَلَى قَوْلِهِ: (أَحَدٌ) : وَقَالَ أَبُو الْفَضَائِلِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْمِصْرِيُّ الْمُشْتَهِرُ بِزَيْنِ الْعَرَبِ فِي شَرْحِهِ لِلْمَصَابِيحِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَإِلَّا فَالرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ عَرَفَهُ، وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: قَدْ جَاءَ صَرِيحًا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَعْرِفْهُ حَتَّى غَابَ جِبْرِيلُ كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْبُخَارِيِّ، وَالْمَعْنَى تَعَجَّبْنَا مِنْ كَيْفِيَّةِ إِتْيَانِهِ، وَتَرَدَّدْنَا فِي أَنَّهُ مِنَ الْمَلَكِ، أَوِ الْجِنِّ إِذْ لَوْ كَانَ بَشَرًا مِنَ الْمَدِينَةِ لَعَرَفْنَاهُ، أَوْ كَانَ غَرِيبًا لَكَانَ عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ عَلِمَ عُمَرُ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهَا، ثُمَّ اسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ إِلَى ظَنِّهِ، أَوْ إِلَى صَرِيحِ قَوْلِ الْحَاضِرِينَ، وَالثَّانِي أَوْلَى فَقَدْ جَاءَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ فَنَظَرَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالُوا: مَا نَعْرِفُ هَذَا كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ. (حَتَّى جَلَسَ) : غَايَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ طَلَعَ أَوَّلَهُ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى أَتَى أَيْ: أَقْبَلَ، وَاسْتَأْذَنَ. وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صُورَةِ شَابٍّ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بَيَاضٌ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (وَعَلَيْكَ السَّلَامُ) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَدْنُو» فَقَالَ: (ادْنُ) فَالتَّقْدِيرُ دَنَا حَتَّى جَلَسَ مُتَوَجِّهًا أَيْ: مَائِلًا (إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) : وَالْجُلُوسُ، وَالْقُعُودُ مُتَرَادِفَانِ، وَمَا ذَكَرَهُ التُّورَبِشْتِيُّ، وَغَيْرُهُ أَنَّ الْقُعُودَ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ الْقِيَامِ، وَالْجُلُوسَ مَعَ الِاضْطِجَاعِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ الْأَصْلِيُّ، أَوِ الْغَالِبُ، وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى بَرَكَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا يَجْلِسُ أَحَدُنَا لِلصَّلَاةِ، وَقَوْلُ زَيْنِ الْعَرَبِ أَيْ: جَلَسَ إِلَى جَانِبِهِ، أَوْ مَعَهُ لَا يُلَائِمُهُ قَوْلُهُ: (فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ،) أَيْ: رُكْبَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ الْجُلُوسَ عَلَى الرُّكْبَةِ أَقْرَبُ إِلَى التَّوَاضُعِ، وَالْأَدَبِ، وَإِيصَالُ الرُّكْبَةِ بِالرُّكْبَةِ أَبْلَغُ مِنَ الْإِصْغَاءِ، وَأَتَمُّ مِنْ حُصُولِ حُضُورِ الْقَلْبِ، وَأَكْمَلُ فِي الِاسْتِئْنَاسِ، وَأَلْزَمُ لِمُسَارَعَةِ الْجَوَابِ، وَلِأَنَّ الْجُلُوسَ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ حَاجَةِ السَّائِلِ، وَإِذَا عَرَفَ الْمَسْئُولُ حَاجَتَهُ، وَحِرْصَهُ اعْتَنَى، وَبَادَرَ إِلَيْهِ (وَوَضَعَ كَفَّهُ) أَيْ: كَفَّيِ الرَّجُلِ (عَلَى فَخِذَيْهِ،) : بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ، وَفِي الْقَامُوسِ الْفَخِذُ كَكَتِفِ مَا بَيْنَ السَّاقِ، وَالْوِرْكِ مُؤَنَّثٌ كَالْفَخْذِ، وَيُكَسَّرُ أَيْ: فَخِذَيِ الرَّجُلِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِهَيْئَةِ الْمُتَعَلِّمِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُعَلِّمِ، أَوْ عَلَى فَخِذَيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، وَغَيْرِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا بَيَّنَهُ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِلتَّقَرُّبِ لَدَيْهِ، وَالْإِصْغَاءِ إِلَيْهِ، وَقَصَرَ النَّظَرَ عَلَيْهِ (وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ!) : قِيلَ: نَادَاهُ بِاسْمِهِ إِذِ الْحُرْمَةُ تَخْتَصُّ بِالْأُمَّةِ فِي زَمَانِهِ، أَوْ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَلَكٌ مُعَلِّمٌ، وَيُرِيدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: 63] إِذِ الْخِطَابُ لِلْآدَمِيِّينَ فَلَا يَشْمَلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِدَلِيلٍ، أَوْ قُصِدَ بِهِ الْمَعْنَى الْوَصْفِيُّ دُونَ الْمَعْنَى الْعِلْمِيِّ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي الصِّحَاحِ مِنْ نِدَاءِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ بِاسْمِهِ فَذَاكَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وَقِيلَ آثَرَهُ زِيَادَةً فِي التَّعْمِيَةِ إِذْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ لَا يُنَادِيهِ بِهِ إِلَّا الْعَرَبِيُّ الْجِلْفُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَبْلَ تَحْرِيمِ نِدَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاسْمِهِ، قِيلَ: وَلَمْ يُسَلِّمْ مُبَالَغَةً فِي التَّعْمِيَةِ، أَوْ بَيَانًا أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، أَوْ سَلَّمَ، وَلَمْ يَنْقُلْهُ الرَّاوِي، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِمَا سَبَقَ مِنْ رِوَايَةِ الْإِمَامِ، وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَمَنْ ذَكَرَهُ مُقْدَّمٌ عَلَى مَنْ سَكَتَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ مَعَهُ زِيَادَةَ عِلْمٍ. نَعَمْ فِي رِوَايَةٍ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، وَالْجَمْعُ بِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْقُرْطُبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، وَأُخِذَ مِنْهُ أَنَّهُ
الجزء 1 · صفحة 53
يُسَنُّ لِلدَّاخِلِ أَنْ يَعُمَّ بِالسَّلَامِ، ثُمَّ يَخُصَّ مَنْ شَاءَ بِالْكَلَامِ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي فَتْحِ الْبَارِي: وَالَّذِي وَقَفْتُ عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَةِ إِنَّمَا فِيهِ الْإِفْرَادُ، وَهُوَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ. أَقُولُ: وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ الظَّاهِرِ مِنْ إِيرَادِ الْجَمْعِ إِرَادَةَ التَّعْظِيمِ لَا قَصْدَ التَّعْمِيمِ فَكَأَنَّ الْقُرْطُبِيَّ جَعَلَهُ نَظِيرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: 1] فِي كَوْنِ الْخِطَابِ خَاصًّا، وَالْحُكْمِ عَامًّا (أَخْبِرْنِي) أَيْ: أَعْلِمْنِي، وَصِيغَةُ الْأَمْرِ لِلِاسْتِدْعَاءِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الرَّسُولَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْعُلْوِيَّةِ (عَنِ الْإِسْلَامِ) : وَهُوَ لُغَةً الِانْقِيَادُ مُطْلَقًا، وَشَرْعًا الِانْقِيَادُ الظَّاهِرُ بِشَرْطِ انْقِيَادِ الْبَاطِنِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْإِيمَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] وَاللَّامُ فِيهِ لِلْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلِذَلِكَ أَجَابَ عَنْهُ بِالْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ السُّؤَالَ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَجَوَابَهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِيمَانِ، وَجَوَابُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَكِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَرِيَاضِ الصَّالِحِينَ، وَشَرْحِ السُّنَّةِ بِخِلَافِ الْمَصَابِيحِ، فَإِنَّهُ قَدَّمَ فِيهِ الْإِيمَانَ، وَالتَّصْدِيقَ، وَإِنْ كَانَ مُقَدَّمًا لِأَنَّهُ أَسَاسُ قَاعِدَةِ الْإِسْلَامِ، لَكِنَّ الْمَقَامَ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى التَّصْدِيقِ، وَمَا جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَّا لِتَعْلِيمِ الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ عَلَى مُقْتَضَى الْحِكَمِ التَّدْرِيجِيَّةِ فَيَبْدَأُ بِمَا هُوَ الْأَهَمُّ، وَيَتَرَقَّى مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى فَيَكُونُ الْإِسْلَامُ مُقَدَّمًا عَلَى الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ عَلَى الْإِخْلَاصِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْإِحْسَانِ، وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ بِتَأْخِيرِ الْإِسْلَامِ عَنِ الْإِيمَانِ، لَكِنْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا عَنْ عُمَرَ، فَفِي إِيرَادِ الْحَدِيثِ هَذَا اللَّفْظَ اعْتِرَاضٌ فِعْلِيٌّ مِنْ صَاحِبِ الْمِشْكَاةِ عَلَى الْبَغَوِيِّ فِي الْمَصَابِيحِ، وَفِي رِوَايَةٍ بِتَوَسُّطِ الْإِحْسَانِ بَيْنَهُمَا فَقِيلَ: إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَحَلَّهُ الْقَلْبُ فَذُكِرَ فِي الْقَلْبِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ وَجْهَ التَّوَسُّطِ أَنَّ لَهُ تَعَلُّقًا بِكُلٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ: إِنَّ هَذَا التَّقْدِيمَ، وَالتَّأْخِيرَ مِنَ الرُّوَاةِ؛ لِأَنَّ الْقَضِيَّةَ وَاحِدَةٌ فَكَانَ الْوَاقِعُ أَمْرًا وَاحِدًا عَبَّرَ الرُّوَاةُ عَنْهُ بِأَسَالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ.
(قَالَ: (الْإِسْلَامُ) ] : أَعَادَهُ، وَوَضَعَهُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِ إِرَادَةً لِوُضُوحِهِ [ (أَنْ تَشْهَدَ) ] أَيْ: أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ خِطَابًا عَامًّا، وَلَمْ يَقُلْ تَعْلَمَ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ أَبْلَغُ فِي الِانْكِشَافِ مِنْ مُطْلَقِ الْعِلْمِ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَكْفِ أَعْلَمُ عَنْ أَشْهَدُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَأَنَّ مَصْدَرِيَّةٌ، وَالتَّقْدِيرُ الْإِسْلَامُ شَهَادَةُ [ (أَنْ) ] : وَهِيَ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الْمُثَقَّلَةِ أَيْ: أَنَّهُ، وَالضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ [ (لَا إِلَهَ) ] : لَا هِيَ النَّافِيَةُ لِلْجِنْسِ عَلَى سَبِيلِ التَّنْصِيصِ عَلَى نَفْيِ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ [ (إِلَّا اللَّهُ) ] : قِيلَ: خَبَرُ لَا، وَالْحَقُّ أَنَّهُ مَحْذُوفٌ، وَالْأَحْسَنُ فِيهِ لَا إِلَهَ مَعْبُودٌ بِحَقٍّ فِي الْوُجُودِ إِلَّا اللَّهُ، وَلِكَوْنِ الْجَلَالَةِ اسْمًا لِلذَّاتِ الْمُسْتَجْمِعِ لِكَمَالِ الصِّفَاتِ، وَعَلَمًا لِلْمَعْبُودِ بِالْحَقِّ، قِيلَ: لَوْ بُدِّلَ بِالرَّحْمَنِ لَا يَصِحُّ بِهِ التَّوْحِيدُ الْمُطْلَقُ، ثُمَّ قِيلَ: التَّوْحِيدُ هُوَ الْحُكْمُ بِوَحْدَانِيَّةِ الشَّيْءِ، وَالْعِلْمُ بِهَا، وَاصْطِلَاحًا إِثْبَاتُ ذَاتِ اللَّهِ بِوَحْدَانَيَّتِهِ مَنْعُوتًا بِالتَّنَزُّهِ عَمَّا يُشَابِهُهُ اعْتِقَادًا فَقَوْلًا، وَعَمَلًا فَيَقِينًا، وَعِرْفَانًا فَمُشَاهَدَةً، وَعِيَانًا فَثُبُوتًا، وَدَوَامًا. قَالَ الْغَزَالِيُّ: لِلتَّوْحِيدِ لُبَّانِ، وَقِشْرَانِ كَاللَّوْزِ فَالْقِشْرَةُ الْعُلْيَا الْقَوْلُ بِاللِّسَانِ الْمُجَرَّدِ، وَالثَّانِيَةُ الِاعْتِقَادُ بِالْقَلْبِ جَازِمًا، وَاللُّبُّ أَنْ يَنْكَشِفَ بِنُورِ اللَّهِ سِرُّ التَّوْحِيدِ بِأَنْ يَرَى الْأَشْيَاءَ الْكَثِيرَةَ صَادِرَةً عَنْ فَاعِلٍ وَاحِدٍ، وَيَعْرِفَ سِلْسِلَةَ الْأَسْبَابِ مُرْتَبِطَةً بِمُسَبِّبَاتِهَا، وَلُبُّ اللُّبِّ أَنْ لَا يَرَى فِي الْوُجُودِ إِلَّا وَاحِدًا، وَيَسْتَغْرِقُ فِي الْوَاحِدِ الْحَقِّ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إِلَى غَيْرِهِ. [ (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) ] : إِيمَاءٌ إِلَى النُّبُوَّةِ، وَهُمَا أَصْلَانِ مُتَلَازِمَانِ فِي إِقَامَةِ الدِّينِ ضَرُورَةَ تَوَقُّفِ الْإِسْلَامِ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُؤَيِّدُ مَنْ قَالَ الْإِقْرَارُ شَرْطٌ لِإِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ أَيْ: تُوَحِّدَهُ، وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا أَيْ: مِنَ الْأَشْيَاءِ، أَوِ الْإِشْرَاكِ. قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: مُجَرَّدُ التَّوْحِيدِ هُوَ الِاحْتِجَابُ بِالْجَمْعِ عَنِ التَّفْصِيلِ، وَهُوَ مَحْضُ الْجَبْرِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْإِبَاحَةِ، وَمُجَرَّدُ إِسْنَادِ الْقَوْلِ، وَالْفِعْلِ إِلَى الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَسَائِرِ الْخَلْقِ احْتِجَابٌ بِالتَّفْصِيلِ عَنِ الْجَمْعِ الَّذِى هُوَ صَرْفُ الْقُدْرَةِ الْمُؤَدِّي إِلَى التَّعَطِيلِ، أَوِ الثَّنَوَيَّةِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْحَقُّ الْمَحْضُ. قَالَ فِي الْعَوَارِفِ: الْجَمْعُ اتِّصَالٌ لَا يُشَاهِدُ صَاحِبُهُ إِلَّا الْحَقَّ فَمَنْ شَاهَدَ غَيْرَهُ فَمَا ثَمَّ جَمْعٌ، وَالتَّفْرِقَةُ شُهُودٌ لِمَا شَاهَدَ بِالْمُبَايَنَةِ فَقَوْلُهُ: آمَنَّا بِاللَّهِ جَمْعٌ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا تَفْرِقَةٌ اهـ. وَكَذَا قَوْلُهُ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ تَفْرِقَةٌ، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ جَمْعٌ، وَالْأَوَّلُ رَدٌّ عَلَى الْجَبْرِيَّةِ، وَالثَّانِي حَطٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ. وَقَالَ الْجُنَيْدُ: الْقُرْبُ بِالْوَجْدِ جَمْعٌ، وَغَيْبَتُهُ فِي الْبَشَرِيَّةِ تَفْرِقَةٌ، وَكُلُّ جَمْعٍ بِلَا تَفْرِقَةٍ زَنْدَقَةٌ، وَكُلُّ تَفْرِقَةٍ بِلَا جَمْعٍ تَعْطِيلٌ
الجزء 1 · صفحة 54
وَحَسْبُنَا اللَّهُ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. " [ (وَتُقِيمَ) ، أَيْ: وَأَنْ تُقِيمَ [ (الصَّلَاةَ) ] أَيْ: الْمَعْهُودَةَ شَرْعًا. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: الْمَكْتُوبَةَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ النَّافِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْإِسْلَامِ لَكِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَرْكَانِهِ. يَعْنِي بِأَنْ تُؤَدِّيَهَا، وَتَحْفَظَ شُرُوطَهَا، وَتَعْدِلَ أَرْكَانَهَا، وَتُدَاوِمَ عَلَيْهَا، وَلِذَا لَمْ يَقُلْ، وَتُصَلِّي [ (وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ) ] أَيْ: وَأَنْ تُعْطِيَ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ التَّمْلِيكِ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ زَكَى. بِمَعْنَى طَهُرَ، وَنَمَا، وَهُوَ اسْمٌ لِلْقَدْرِ الْمُخْرِجِ مِنَ النِّصَابِ ; لِأَنَّهُ يُطَهِّرُ الْمُخْرِجَ، أَوِ الْمُخْرَجَ عَنْهُ، وَيَزِيدُ الْبَرَكَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ تَقْيِيدُهَا بِالْمَفْرُوضَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لِلتَّأْكِيدِ [ (وَتَصُومَ) ] : بِالنَّصْبِ [ (رَمَضَانَ) ] أَيْ: فِي شَهْرِهِ، وَفِيهِ جَوَازُ ذِكْرِهِ بِلَا كَرَاهَةٍ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ شَهْرٍ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَهُوَ مِنْ رَمَضَ إِذَا احْتَرَقَ مِنَ الرَّمْضَاءِ فَأُضِيفَ إِلَيْهِ الشَّهْرُ، وَسُمِّيَ بِهِ لِارْتِمَاضِهِمْ مِنْ حَرِّ الْجُوعِ، أَوْ مِنْ حَرَارَةِ الزَّمَانِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ، أَوْ لِأَنَّهُ يَحْتَرِقُ بِهِ الذُّنُوبُ، وَتُمْحَى بِهِ الْعُيُوبُ، أَوْ لِأَنَّهُ يَزُولُ مَعَهُ حَرَارَةُ الشَّهَوَاتِ، وَالصَّوْمُ لُغَةً الْإِمْسَاكُ، وَشَرْعًا إِمْسَاكٌ مَخْصُوصٌ بِوَصْفٍ مَخْصُوصٍ، [ (وَتَحُجَّ الْبَيْتَ) ] أَيِ: الْحَرَامَ ; فَإِنَّ فِيهِ لِلْعَهْدِ، أَوْ هُوَ اسْمُ جِنْسٍ غَلَبَ عَلَى الْكَعْبَةِ عَلَمًا، وَاللَّامُ فِيهِ جُزْءٌ كَمَا فِي النَّجْمِ، وَالْحَجُّ لُغَةً الْقَصْدُ، أَوْ تَكْرَارُهُ مُطْلَقًا، أَوْ إِلَى مُعَظَّمٍ، وَشَرْعًا قَصْدُ بَيْتِ اللَّهِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ [ (إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ) ] أَيْ: إِلَى الْبَيْتِ، أَوْ إِلَى الْحَجِّ أَيْ: إِنْ أَمْكَنَ لَكَ الْوُصُولُ إِلَيْهِ بِأَنْ وَجَدْتَ زَادًا، أَوْ رَاحِلَةً كَمَا فِي حَدِيثٍ صَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ [ (سَبِيلًا) ] : تَمْيِيزٌ عَنْ نِسْبَةِ الِاسْتِطَاعَةِ فَأُخِّرَ عَنِ الْجَارِ لِيَكُونَ أَوْقَعَ، وَهِيَ الطَّرِيقُ الَّذِي فِيهِ سُهُولَةٌ، وَتُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى شَيْءٍ، وَتَنْكِيرُهُ لِلْعُمُومِ إِذِ النَّكِرَةُ فِي الْإِثْبَاتِ قَدْ تُفِيدُ الْعُمُومَ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (عَلِمَتْ نَفْسٌ) لَكِنَّهُ مَجَازٌ، وَتَقْدِيمُ إِلَيْهِ عَلَيْهِ لِلِاخْتِصَاصِ أَيْ: سَبِيلًا مَا عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ قَرِيبًا، أَوْ بَعِيدًا، وَنَحْوَهُمَا، بِشَرْطِ اخْتِصَاصِ انْتِهَائِهِ إِلَيْهِ لَا إِلَى غَيْرِهِ، وَقِيلَ " سَبِيلًا " مَفْعُولٌ. بِمَعْنَى مُوَصِّلٍ، أَوْ مُبَلِّغٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّهُ بِالْمَالِ، وَأَوْجَبَ الِاسْتِنَابَةَ عَلَى الزَّمَنِ الْغَنِيِّ، وَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّهُ بِالْبَدَنِ فَيَجِبُ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ، وَالْكَسْبِ فِي الطَّرِيقِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّهُ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ، ثُمَّ الِاسْتِطَاعَةُ هِيَ الْقُدْرَةُ مِنْ طَاعَ لَكَ إِذَا سَهُلَ يُطْلَقُ عَلَى سَلَامَةِ الْأَسْبَابِ، وَصِحَّةِ الْآلَاتِ، وَهِيَ قَدْ تَتَقَدَّمُ عَلَى الْفِعْلِ، وَعَلَى عَرْضٍ فِي الْحَيَوَانِ يَفْعَلُ لَهُ الْأَفْعَالَ الِاخْتِيَارِيَّةَ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ الْفِعْلِ، وَهِيَ كَمَا فُسِّرَتِ اسْتِطَاعَةٌ خَاصَّةٌ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَلَا يُرَدُّ مَا قِيلَ إِنَّ الِاسْتِطَاعَةَ الَّتِي بِهَا يَتَمَكَّنُ الْمُكَلَّفُ مِنْ فِعْلِ الْعِبَادَةِ مَشْرُوطَةٌ فِي الْكُلِّ فَكَيْفَ خُصَّ الْحَجُّ بِهَا؟ قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ خُصَّ الْحَجُّ بِالِاسْتِطَاعَةِ دُونَ سَائِرِ الْأَرْكَانِ الْإِسْلَامِيَّةِ مَعَ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ الَّتِي يَتَمَكَّنُ الْمُكَلَّفُونَ مِنْ فِعْلِ الطَّاعَةِ مَشْرُوطَةٌ فِي الْكُلِّ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَعْنِيَّ بِهَذِهِ الِاسْتِطَاعَةِ الزَّادُ، وَالرَّاحِلَةُ، وَكَانَ طَائِفَةٌ لَا يَعُدُّونَهَا مِنْهَا، وَيُثْقِلُونَ عَلَى الْحَاجِّ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، أَوْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ نَاسًا فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فَصَرَّحَ تَسْهِيلًا عَلَى الْعِبَادِ، وَمَعَ ذَلِكَ تَرَى كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا يَرْفَعُونَ لِهَذَا النَّصِّ الْجَلِيِّ رَأْسًا، وَيُلْقُونَ أَنْفُسَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ. أَقُولُ: وَلَعَلَّ فِي هَذَا حِكْمَةً، وَهِيَ أَنْ تَكُونَ حُجَّةً عَلَى الْأَغْنِيَاءِ التَّارِكِينَ لِلْحَجِّ رَأْسًا مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَاهُمْ مَالًا، وَأَثَاثًا، وَإِيرَادُ الْأَفْعَالِ الْمُضَارِعِيَّةِ لِإِفَادَةِ الِاسْتِمْرَارِ التَّجَدُّدِيِّ لِكُلٍّ مِنَ الْأَرْكَانِ الْإِسْلَامِيَّةِ، فَفِي التَّوْحِيدِ الْمَطْلُوبِ الِاسْتِمْرَارُ الدَّائِمُ مُدَّةَ الْحَيَاةِ، وَفِي الصَّلَاةِ دُونَهُ، ثُمَّ فِي الصَّوْمِ، وَالزَّكَاةِ دُونَهَا، وَقَدَّمَ الصَّوْمَ لِتَعَلُّقِهِ بِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، وَأَخَّرَ مَا وَجَبَ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً. وَفِي فَتْحِ الْبَارِي فَإِنْ قِيلَ: السُّؤَالُ عَامٌّ؛ لِأَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَاهِيَّةِ الْإِسْلَامِ. وَالْجَوَابُ خَاصٌّ بِقَوْلِهِ: أَنْ تَعْبُدَ، وَتَشْهَدَ، وَكَذَا قَالَ فِي الْإِيمَانِ: أَنْ تُؤْمِنَ، وَفِي الْإِحْسَانِ أَنْ تَعْبُدَ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ لِنُكْتَةِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَصْدَرِ، وَ (أَنْ) الْفِعْلِ، لِأَنَّ أَنْ وَالْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ، وَالْمَصْدَرُ لَا يَدُلُّ عَلَى الزَّمَانِ عَلَى أَنَّ فِي رِوَايَةٍ قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ اهـ.
وَقِيلَ: الْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: الْقَصْدُ التَّعْلِيمُ هُوَ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَلَةِ فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنِ الْمَصْدَرِ الْمُنَاسِبِ لِلسُّؤَالِ إِلَى مَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ، وَيَسْنَحُ بِالْبَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ أَنَّ الْعُدُولَ عَنِ الْمَصْدَرِ الْمُفِيدِ لِلْعِلْمِ إِلَى الْمُضَارِعِ الْمُقْتَضِي لِلْعَمَلِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ الْمَعْرِفَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْلِ، وَبِنَحْوِ
الجزء 1 · صفحة 55
هَذَا الْعُدُولِ يَعْلَمُ بُلُوغَ بَلَاغَتِهِ إِلَى أَعْلَى الْغَايَاتِ، وَأَعْلَى النِّهَايَاتِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ حَذْفُ الْحَجِّ، وَفِي أُخْرَى حَذْفُ الصَّوْمِ، وَفَى أُخْرَى الِاقْتِصَارُ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ، وَفِي أُخْرَى عَلَى الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَلَا تَخَالُفَ لِأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ ضَبَطَ مَا لَمْ يَضْبِطْهُ غَيْرُهُ ذُهُولًا، أَوْ نِسْيَانًا كَذَا قِيلَ، أَوْ يُقَالُ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ، فَحَذَفَ الْحَجَّ لِأَنَّ وُجُوبَهُ نَادِرٌ، وَفِي الْعُمْرِ مَرَّةً، وَحَذَفَ الصَّوْمَ اكْتِفَاءً بِذِكْرِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا أَسَاسُ الْإِسْلَامِ، وَعَلَى الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ لِأَنَّهُمَا عُمْدَةُ الْعِبَادَةِ الْبَدَنِيَّةِ، وَالْمَالِيَّةِ، وَالْمَقْصُودُ ظَاهِرُ الطَّاعَةِ، وَالِانْقِيَادِ، وَالْعِبَادَةِ لَا اسْتِيفَاءَ أَفْرَادِهَا، وَإِنْ كَانَتِ الْخَمْسَةُ هِيَ مُعْظَمَ أَرْكَانِهَا فَالْمُرَادُ بِذِكْرِ بَعْضِهَا مَثَلًا هُوَ التَّنْبِيهُ عَلَى بَقِيَّتِهَا، وَلِذَا وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ: وَتَعْتَمِرَ، وَتَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَتُتِمَّ الْوُضُوءَ فَيُحْمَلُ الِاخْتِلَافُ اللَّفْظِيُّ عَلَى التَّحْدِيثِ الْمَعْنَوِيِّ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْ تِلْكَ الْأَرْكَانِ ظَاهِرًا تَبِينُ أَحْكَامُهُ فِي الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ، وَبَاطِنًا مِنْ حَقَائِقَ، وَأَسْرَارٍ ذَكَرَهَا أَرْبَابُ الْقُلُوبِ الْأُمَنَاءُ لِأَسْرَارِ الْغُيُوبِ، فَنَحْنُ نَذْكُرُ نُبْذَةً مِنْهَا. أَمَّا التَّوْحِيدُ، فَهُوَ ظُهُورُ فَنَاءِ الْخَلْقِ بِتَشَعْشُعِ أَنْوَارِ الْحَقِّ، وَلَهُ مَرَاتِبُ كَمَا ذَكَرَهُ ذَوُو الْمَنَاقِبِ.
الْأُولَى: التَّوْحِيدُ النَّظَرِيُّ إِنْ عُلِمَ بِالِاسْتِدْلَالِ، أَوِ التَّقْلِيدِيُّ إِنِ اعْتُقِدَ بِمُجَرَّدِ تَصْدِيقِ الْمُخْبِرِ الصَّادِقِ، وَسَلِمَ الْقَلْبُ مِنَ الشُّبْهَةِ، وَالْحَيْرَةِ، وَالرَّيْبِ، هُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ مُتَفَرِّدٌ بِوَصْفِ الْأُلُوهِيَّةِ مُتَوَحِّدٌ بِاسْتِحْقَاقِ الْعُبُودِيَّةِ يَحْقِنُ الدِّمَاءَ، وَالْأَمْوَالَ، وَيَتَخَلَّصُ مِنَ الشِّرْكِ الْجَلِيِّ فِي الْأَحْوَالِ.
الثَّانِيَةُ: التَّوْحِيدُ الْعِلْمِيُّ، وَهُوَ أَنْ يَصِيرَ الْعَبْدُ بِخُرُوجِهِ مِنْ غِشَاوَةِ صِفَاتِهِ، وَخَلَاصِهِ مِنْ سِجْنِ ظُلُمَاتِ ذَاتِهِ، وَانْسِلَاخِهِ عَنْ لِبَاسِ الِاخْتِيَارِ حَيْرَانَ فِي أَنْوَارِ عَظَمَةِ الْجَبَّارِ، وَلْهَانَ تَحْتَ سُبُحَاتِ سَطَوَاتِ الْأَنْوَارِ، فَيَعْرِفُ أَنَّ الْمُوجِدَ الْمُحَقِّقَ، وَالْمُؤَثِّرَ الْمُطْلَقَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنَّ كُلَّ ذَاتِ فَرْعٍ مِنْ نُورِ ذَاتِهِ، وَكُلَّ صِفَةٍ مِنْ عِلْمٍ، وَقُدْرَةٍ، وَإِرَادَةٍ، وَسَمْعٍ، وَبَصَرٍ عَكْسٌ مِنْ أَنْوَارِ صِفَاتِهِ، وَأَثَرٌ مِنْ آثَارِ أَفْعَالِهِ، وَمَنْشَؤُهُ نُورُ الْمُرَاقَبَةِ، وَهُوَ دُونُ الْمَرْتَبَةِ الْحَالِيَّةِ، لَكِنَّ مِزَاجَهُ مِنْ تَسْنِيمِ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَنْفِي مِنَ الظُّلْمَةِ الْوُجُودِيَّةِ، وَيَرْتَفِعُ بَعْضٌ مِنَ الشِّرْكِ الْخَفِيِّ.
الثَّالِثَةُ: التَّوْحِيدُ الْحَالِّيُّ، وَهُوَ أَنْ يَحْمِلَ التَّوْحِيدَ وَصْفًا لَازِمًا لِذَاتِ الْمُوَحَّدِ بِتَلَاشِي ظُلُمَاتِ رُسُومِ وُجُودِ الْغَيْرِ إِلَّا قَلِيلًا فِي غَلَبَةِ إِشْرَاقِ نُورِ التَّوْحِيدِ، وَاسْتَنَارُ نُورِ حَالِهِ فِي نُورِ عِلْمِ التَّوْحِيدِ كَاسْتِتَارِ نُورِ الْكَوَاكِبِ فِي نُورِ الشَّمْسِ، فَلَمَّا اسْتَنَارَ الصُّبْحُ أَدْرَجَ ضَوْءَ نُورِ الْكَوَاكِبِ، وَاسْتِغْرَاقِهِ فِي مُشَاهَدَةِ جَمَالِ وُجُودِ الْوَاحِدِ بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ عِنْدَ شُهُودِهِ إِلَّا ذَاتُ الْوَاحِدِ، وَيَرَى التَّوْحِيدَ صِفَةَ الْوَاحِدِ لَا صِفَتَهُ بَلْ لَا يَرَى ذَلِكَ، قَالَ الْجُنَيْدُ: التَّوْحِيدُ مَعْنًى يَضْمَحِلُّ فِيهِ الرُّسُومُ، وَيَنْدَرِجُ فِيهِ الْعُلُومُ، وَيَكُونُ اللَّهُ كَمَا لَمْ يَزَلْ.
الرَّابِعَةُ: التَّوْحِيدُ الْإِلَهِيُّ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ فِي الْأَزَلِ مَوْصُوفًا بِالْوَحْدَانِيَّةِ فِي الذَّاتِ، وَالْأَحَدِيَّةِ فِي الصِّفَاتِ، كَانَ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ، وَالْآنَ كَمَا كَانَ. كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، وَلَمْ يَقُلْ يَهْلِكُ؛ لِأَنَّ عِزَّةَ وَحْدَانِيَّتِهِ لَمْ تَدَعْ لِغَيْرِهِ وُجُودًا، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى أَنْشَدَ الْعَارِفُ الْأَنْصَارِيُّ لِنَفْسِهِ شِعْرًا:
مَا وَحَدَّ الْوَاحِدُ مِنْ وَاحِدٍ ... إِذْ كُلُّ مَنْ وَحَّدَهُ جَاحِدُ
تَوْحِيدُ مَنْ يَنْطِقُ عَنْ نَعْتِهِ ... عَارِيَةٌ أَبْطَلَهَا الْوَاحِدُ
تَوْحِيدُهُ إِيَّاهُ تَوْحِيدُهُ ... وَنَعْتُ مَنْ يَنْعَتُهُ لَاحِدُ
وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَقَدْ قِيلَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِعْرَاجَانِ: مِعْرَاجٌ فِي عَالَمِ الْحِسِّ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، ثُمَّ إِلَى عَالَمِ الْمَلَكُوتِ، وَمَحَلِّ الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَمِعْرَاجٌ فِي عَالَمِ الْأَرْوَاحِ مِنَ الشَّهَادَةِ إِلَى الْغَيْبِ، ثُمَّ مِنَ الْغَيْبِ إِلَى غَيْبِ الْغَيْبِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ قَالَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: الْمُسَافِرُ إِذَا عَادَ إِلَى وَطَنِهِ أَتْحَفَ أَصْحَابَهُ، وَإِنَّ تُحْفَةَ أُمَّتِكَ الصَّلَاةُ الْجَامِعَةُ بَيْنَ الْمِعْرَاجَيْنِ الْجُسْمَانِيِّ بِالْآدَابِ، وَالْأَفْعَالِ، وَالرُّوحَانِيِّ بِالْأَذْكَارِ، وَالْأَحْوَالِ. وَلِهَذَا وَرَدَ: الصَّلَاةُ مِعْرَاجُ الْمُؤْمِنِ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَصَوْمُ الشَّرِيعَةِ مَنَافِعُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا التَّشَبُّهُ بِالْمَلَأِ الْأَعْلَى لَكَفَى بِهِ فَضْلًا، وَصَوْمُ الطَّرِيقَةِ، فَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْأَكْوَانِ، وَالْإِفْطَارِ بِمُشَاهَدَةِ الرَّحْمَنِ.
صُمْتُ عَنْ غَيْرِهِ فَلَمَّا تَجَلَّى كَانَ لِي شَاغِلٌ عَنِ الْإِفْطَارِ
الجزء 1 · صفحة 56
وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَهِيَ إِشَارَةٌ إِلَى تَزْكِيَةِ أَحْوَالِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ بِتَرْكِ الْأَمْوَالِ، وَصَرْفِهَا إِلَى أَسْبَابِ الْوُصُولِ إِلَى الْأَحْوَالِ، وَتَخْلِيَةِ الْقَلْبِ عَنِ الْأَغْيَارِ، وَتَخْلِيَةِ الرُّوحِ لِظُهُورِ تَجَلِّيَاتِ الْأَنْوَارِ، وَأَمَّا الْحَجُّ، فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى وُجُوبِ زِيَارَةِ بَيْتِ الْجَلِيلِ عَلَى الْخَلِيلِ إِنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ السَّبِيلَ بِأَنْ وَجَدَ شَرَائِطَ السُّلُوكِ، وَإِمْكَانَهُ، وَآدَابَ السَّفَرِ، وَأَرْكَانَهُ، وَهِيَ الْإِحْرَامُ بِالْخُرُوجِ عَنِ الرُّسُومِ، وَالْعَادَاتِ، وَالتَّجَرُّدُ عَنِ الْمَأْلُوفَاتِ، وَالتَّوَجُّهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِصَفَاءِ الطَّوِيَّاتِ، وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَاتِ الْمَعْرِفَةِ، وَالْعُكُوفُ عَلَى عَتَبَةِ جَبَلِ الرَّحْمَةِ، وَالطَّوَافُ بِالْخُرُوجِ عَنِ الْأَطْوَارِ السَّبُعِيَّةِ بِالْأَطْوَافِ السَّبْعِيَّةِ حَوْلَ كَعْبَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ صَفَا الصَّفَاتِ، وَمَرْوَةِ الْمَرَوَاتِ، وَالْحَلْقُ بِمَحْوِ آثَارِ الْعُبُودِيَّةِ بِمُوسَى الْأَنْوَارِ الْإِلَهِيَّةِ، وَقِسْ عَلَيْهِ سَائِرَ الْمَنَاسِكِ، وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ النَّاسِكِ:
يَا مَنْ إِلَى وَجْهِهِ حَجِّي وَمُعْتَمَرِي ... إِنْ حَجَّ قَوْمٌ إِلَى تُرْبٍ، وَأَحْجَارِ
لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ مِنْ قُرْبٍ وَمِنْ بُعْدٍ ... سِرًّا بِسِرٍّ، وَإِضْمَارًا بِإِضْمَارٍ
(قَالَ: صَدَقْتَ) : دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنَّ السَّائِلَ مَا عَدَّهُ مِنَ الصَّوَابِ، وَحَمْلًا لِلسَّامِعِينَ عَلَى حِفْظِ الْجَوَابِ، (فَعَجِبْنَا لَهُ) أَيْ: لِلسَّائِلِ (يَسْأَلُهُ، وَيُصَدِّقُهُ) : التَّعَجُّبُ حَالَةٌ لِلْقَلْبِ تَعْرِضُ عِنْدَ الْجَهْلِ بِسَبَبِ الشَّيْءِ، فَوَجْهُ التَّعَجُّبِ أَنَّ السُّؤَالَ يَقْتَضِي الْجَهْلَ غَالِبًا بِالْمَسْئُولِ عَنْهُ، وَالتَّصْدِيقَ يَقْتَضِي عِلْمَ السَّائِلِ بِهِ ; لِأَنَّ صَدَقْتَ إِنَّمَا يُقَالُ إِذَا عَرَفَ السَّائِلُ أَنَّ الْمَسْئُولَ طَابَقَ مَا عِنْدَهُ جُمْلَةً، وَتَفْصِيلًا، وَهَذَا خِلَافُ عَادَةِ السَّائِلِ، وَمِمَّا يَزِيدُ التَّعَجُّبَ أَنَّ مَا أَجَابَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، وَلَيْسَ هَذَا الرَّجُلُ مِمَّنْ عُرِفَ بِلِقَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَضْلًا عَنْ سَمَاعِهِ مِنْهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: لَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَ الرَّجُلِ صَدَقْتَ أَنْكَرْنَاهُ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: انْظُرُوا هُوَ يَسْأَلُهُ، وَيُصَدِّقُهُ كَأَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُ، وَفِي أُخْرَى مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِثْلَ هَذَا كَأَنَّهُ يُعَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ لَهُ: صَدَقْتَ صَدَقْتَ. قِيلَ: هُوَ مِنْ صَنِيعِ الشَّيْخِ إِذَا امْتَحَنَ الْمُعِيدَ عِنْدَ حُضُورِ الطَّلَبَةِ لِيَزِيدُوا فِي طُمَأْنِينَةٍ، وَثِقَةٍ فِي أَنَّهُ يُعِيدُ الدَّرْسَ، وَيُلْقِي الْمَسْأَلَةَ مِنَ الشَّيْخِ بِلَا زِيَادَةٍ، وَنُقْصَانٍ، وَفِيهِ نُسْخَةٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى - عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم: 3 - 5] (قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ) : وَفِي رِوَايَةٍ: مَا الْإِيمَانُ، وَاسْتُشْكِلَتْ بِأَنَّ مَا لِلسُّؤَالِ عَنِ الْمَاهِيَّةِ؟ فَالْجَوَابُ غَيْرُ مُطَابِقٍ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَ عَنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّهَا الْأَحَقُّ بِالتَّعْلِيمِ، وَلِأَنَّ التَّصْدِيقَ فِي ضِمْنِهَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْمُطَابَقَةُ حَاصِلَةٌ فِي الْجِهَتَيْنِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ فِي [قَالَ: (أَنْ تُؤْمِنَ) ] : أُرِيدَ بِهِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ، وَقِيلَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ حَتَّى لَا يَكُونَ تَفْسِيرُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَكُونَ الدَّوْرُ فِي تَعْرِيفِهِ. وَقَوْلُ الطِّيبِيِّ أَيْ: تَعْتَرِفُ، وَلِذَا عُدِّيَ بِالْبَاءِ فِيهِ أَنَّ الِاعْتِرَافَ مِنْ أَجْزَاءِ الْإِسْلَامِ، فَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْإِيمَانَ هُنَا بِمَعْنَى التَّصْدِيقِ، وَهُوَ يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ، فَفِي الْقَامُوسِ آمَنَ بِهِ إِيمَانًا أَيْ: صَدَّقَهُ، نَعَمْ لَوْ ضَمِنَ مَعْنَى الِاعْتِرَافِ لَكَانَ حَسَنًا، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ أَنْ تُصَدِّقَ مُعْتَرِفًا، أَوْ تَعْتَرِفَ مُصَدِّقًا فَيُفِيدُ كَوْنَ الْإِقْرَارِ شَطْرًا، أَوْ شَرْطًا. قِيلَ: وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مُغَايَرَةِ الْعَمَلِ لِلْإِيمَانِ فَإِنَّهُ أَجَابَ عَنِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ عَنِ الْإِيمَانِ، وَجَعَلَهُ تَصْدِيقًا [ (بِاللَّهِ) ] أَيْ: بِتَوْحِيدِ ذَاتِهِ، وَتَفْرِيدِ صِفَاتِهِ، وَبِوُجُوبِ وَجُودِهِ، وَبِثُبُوتِ كَرَمِهِ، وَجُودِهِ، وَسَائِرِ صِفَاتِ كَمَالِهِ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ جَلَالِهِ، وَجَمَالِهِ. قِيلَ: الصِّفَةُ إِمَّا حَقِيقَةٌ لَا يَتَوَقَّفُ تَصَوُّرُهَا عَلَى شَيْءٍ كَالْحَيَاةِ، أَوْ إِضَافِيَّةٌ يُتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ لِوُجُوبِ الْقِدَمِ، أَوْ وُجُودِيَّةٌ، وَهِيَ صِفَاتُ الْإِكْرَامِ، أَوْ سَلْبِيَّةٌ، وَهِيَ صِفَاتُ الْجَلَالِ، وَتَنْحَصِرُ الْوُجُودِيَّةُ فِي ثَمَانِيَةٍ نَظَمَهَا الشَّاعِرُ فِي قَوْلِهِ:
حَيَاةٌ وَعِلْمٌ قُدْرَةٌ وَإِرَادَةٌ ... كَلَامٌ وَإِبْصَارٌ وَسَمْعٌ مَعَ الْبَقَا
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: هَذَا الْحَدِيثُ بَيَانُ أَصْلِ الْإِيمَانِ، وَهُوَ التَّصْدِيقُ، وَالْإِسْلَامِ، وَهُوَ الِانْقِيَادُ، وَحُكْمُ الْإِسْلَامِ يَثْبُتُ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَإِنَّمَا أَضَافَ إِلَيْهِمَا الْأَعْمَالَ الْمَذْكُورَةَ؛ لِأَنَّهَا أَظْهَرُ شَعَائِرِهِ، ثُمَّ قِيلَ: الْإِيمَانُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْإِسْلَامِ كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ قَيْسٍ، وَاسْمُ الْإِسْلَامِ يَتَنَاوَلُ أَصْلَ الْإِيمَانِ، وَهُوَ التَّصْدِيقُ، وَالطَّاعَاتُ فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ اسْتِسْلَامٌ فَعُلِمَ أَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ، وَيَفْتَرِقَانِ، وَأَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَهَذَا التَّحْقِيقُ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ اهـ.
الجزء 1 · صفحة 57
وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ فِي الشَّرْعِ نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْأَكْثَرِينَ ; لِأَنَّ انْقِيَادَ الظَّاهِرِ لَا يَنْفَعُ بِدُونِ انْقِيَادِ الْبَاطِنِ، وَكَذَا الْعَكْسُ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ لِأَنَّ مَبْنَى الْأَوَّلِ عَلَى الْحُكْمِ الدُّنْيَوِيِّ، وَمَدَارَ الثَّانِي عَلَى الْأَمْرِ الْأُخْرَوِيِّ، أَوِ الْأَوَّلُ بِنَاؤُهُ عَلَى اللُّغَةِ، وَالثَّانِي مَدَارُهُ عَلَى الشَّرِيعَةِ، وَصَنَّفَ فِي الْمَسْأَلَةِ إِمَامَانِ كَبِيرَانِ، وَأَكْثَرَا مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ، أَوْ مُتَرَادِفَانِ، وَتَكَافَآ فِي ذَلِكَ، وَقِيلَ التَّحْقِيقُ أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ بِاعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ مُتَّحِدَانِ فِي الْمَصَادِقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ التَّصْدِيقُ إِذْعَانُ النَّفْسِ، وَقَبُولُهَا بِمَا يَجِبُ قَبُولُهُ، وَهُوَ: تَقْلِيدِيٌّ، وَتَحْقِيقِيٌّ. وَالتَّحْقِيقِيُّ إِمَّا اسْتِدْلَالِيٌّ، أَوْ ذَوْقِيٌّ، وَالذَّوْقِيُّ إِمَّا كَشْفِيٌّ وَاقِفٌ عَلَى حَدِّ الْعِلْمِ، أَوِ الْغَيْبِ، أَوْ غَيْبِيٌّ غَيْرُ وَاقِفٍ عَلَيْهِ، وَالْغَيْبِيُّ إِمَّا مُشَاهَدَةٌ، أَوْ شُهُودٌ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ الْمُمْتَنِعُ الزَّوَالِ، وَالثَّانِي الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ الثَّابِتُ بِالْبُرْهَانِ، وَالثَّالِثُ الْمُمْتَنِعُ الزَّوَالِ الثَّابِتُ بِالْوِجْدَانِ، وَالثَّلَاثَةُ مَرَاتِبُ الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ، وَالْأَخِيرَانِ عِلْمُ الْيَقِينِ، وَالرَّابِعُ هُوَ الْمُشَاهَدَةُ الرُّوحَانِيَّةُ مَعَ بَقَاءِ الِاثْنَيْنِيَّةِ، وَيُسَمَّى عَيْنَ الْيَقِينِ، وَالْخَامِسُ هُوَ الشُّهُودُ الْحَقَّانِيُّ عِنْدَ تَجَلِّي الْوَحْدَةِ الذَّاتِيَّةِ، وَزَوَالِ الِاثْنَيْنِيَّةِ، وَيُسَمَّى حَقَّ الْيَقِينِ، هَذَا وَإِنَّ لِلْإِيمَانِ وَجُودًا غَيْبِيًّا، وَوُجُودًا ذِهْنِيًّا، وَوُجُودًا لَفْظِيًّا، أَمَّا الْأَوَّلُ، فَهُوَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ فِي مُعْتَقَدِهِ مِنْ أَنَّهُ نُورٌ يُقْذَفُ فِي الْقَلْبِ مِنْ نُورِ الذَّاتِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ أَصْلَهُ نُورٌ يَقْذِفُهُ الْحَقُّ مِنْ مَلَكُوتِهِ إِلَى قُلُوبِ عِبَادِهِ فَيُبَاشِرُ أَسْرَارَهُمْ، وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِالْحَضْرَةِ ثَابِتٌ فِي قُلُوبِهِمْ، فَإِذَا انْكَشَفَ جَمَالُ الْحَقِّ لَهُ ازْدَادَ ذَلِكَ النُّورُ فَيَتَقَوَّى إِلَى أَنْ يَنْبَسِطَ، وَيَنْشَرِحَ الصَّدْرُ، وَيَطَّلِعَ الْعَبْدُ عَلَى حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ، وَيَتَجَلَّى لَهُ الْغَيْبُ، وَغَيْبُ الْغَيْبِ، وَيَظْهَرُ لَهُ صِدْقُ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَنْبَعِثُ مِنْ قَلَمِهِ دَاعِيَةُ الِاتِّبَاعِ، فَيَنْضَافُ إِلَى نُورِ مَعْرِفَتِهِ أَنْوَارُ الْأَعْمَالِ، وَالْأَخْلَاقِ {نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} [النور: 35] وَذَلِكَ الْقَذْفُ، وَالْكَشْفُ يَتَعَلَّقُ بِمُرَادِ اللَّهِ فِي أَحَايِينَ، نَسِيمُ الصِّفَاتِ لَا يَقْدِرُ عَلَى كَسْبِهِ، نَعَمْ شَرَائِطُهُ مُكْتَسَبَةٌ، وَأَمَّا الْوُجُودُ الذِّهْنِيُّ فَمُلَاحَظَةُ ذَلِكَ النُّورِ، وَمُطَالَعَتُهُ بِالتَّصْدِيقِ، وَأَمَّا الْوُجُودُ اللَّفْظِيُّ، فَهُوَ الشَّهَادَتَانِ، وَكَمَا أَنَّ إِيمَانَ الْعَوَامِّ هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ، وَالْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالْعَمَلُ بِالْأَرْكَانِ، فَإِيمَانُ الْخَوَاصِّ عُزُوبُ النَّفْسِ مِنَ الدُّنْيَا، وَسُلُوكُهُ طَرِيقَ الْعُقْبَى، وَشُهُودُ الْقَلْبِ مَعَ الْمَوْلَى، وَإِيمَانُ خَوَاصِّ الْخَوَاصِّ مُلَازَمَةُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَإِنَابَةُ الْخَلْقِ إِلَى الْفَنَاءِ فِي اللَّهِ، وَإِخْلَاصُ السِّرِّ لِلْبَقَاءِ بِاللَّهِ ذَوَّقَنَا اللَّهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[ (وَمَلَائِكَتِهِ) ] : جَمْعُ مَلَاكٍ، وَأَصْلُهُ مَأْلَكٌ بِتَقْدِيمِ الْهَمْزَةِ مِنَ الْأَلُوكَةِ، وَهِيَ الرِّسَالَةُ قُدِّمَتِ اللَّامُ عَلَى الْهَمْزَةِ، وَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَتِهَا إِلَى مَا قَبْلَهَا فَصَارَ مَلَكٌ، وَلَمَّا جُمِعَتْ رُدَّتِ الْهَمْزَةُ، وَقِيلَ قُلِبَتْ أَلِفًا، وَقُدِّمَتِ اللَّامُ، وَجُمِعَ عَلَى فَعَائِلَ كَشَمْأَلٍ، وَشَمَائِلَ، ثُمَّ تُرِكَتْ هَمْزَةُ الْمُفْرَدِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَأُلْقِيَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى اللَّامِ، وَالتَّاءُ لِتَأْنِيثِ الْجَمْعِ، أَوْ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنَاهُ أُطْلِقَتْ بِالْغَلَبَةِ عَلَى الْجَوَاهِرِ الْعُلْوِيَّةِ النُّورَانِيَّةِ الْمُبَرَّأَةِ عَنِ الْكُدُورَاتِ الْجُسْمَانِيَّةِ، وَهِيَ وَسَائِطُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ أَنْبِيَائِهِ، وَخَاصَّةً أَصْفِيَاءَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ نُورَانَيَّةٌ مُقْتَدِرَةٌ عَلَى تَشَكُّلَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الصُّعُودُ، وَالنُّزُولُ، وَالتَّسْبِيحُ لَهُمْ بِمَنْزِلَةِ النَّفَسِ مِنَّا، فَمَشَقَّةُ التَّكْلِيفِ مُنْتَفِيَةٌ، وَالْمَعْنَى نَعْتَقِدُ بِوُجُودِهِمْ تَفْصِيلًا فِيمَا عُلِمَ اسْمُهُ مِنْهُمْ ضَرُورَةً كَجِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، وَعِزْرَائِيلَ، وَإِجْمَالًا فِي غَيْرِهِمْ، وَأَنَّهُمْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ، وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ، وَلَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ، وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، وَأَنَّ مِنْهُمْ كِرَامًا كَاتِبِينَ، وَحَمَلَةَ الْعَرْشِ الْمُقَرَّبِينَ، وَأَنَّ لَهُمْ أَجْنِحَةً مَثْنَى، وَثُلَاثَ، وَرُبَاعَ، وَأَنَّهُمْ مُنَزَّهُونَ عَنْ وَصْفِ الْأُنُوثَةِ، وَالذُّكُورَةِ، وَأَمَّا كَوْنُ الرُّسُلِ أَفْضَلَ مِنْهُمْ، أَوْ هُمْ فَلَا يَجِبُ اعْتِقَادُ أَحَدِهِمَا فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ ظَنِّيَّةٌ. فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْمُوجِبُ لِدُخُولِ الْإِيمَانِ بِهَا فِي مَفْهُومِ الْإِيمَانِ الصَّحِيحِ مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ مَعْرِفَةُ الْمَبْدَأِ، أَوِ الْمَعَادِ؟ فَأُجِيبَ: بِأَنَّ النَّاسَ يَنْقَسِمُ إِلَى فَطِنٍ يَرَى الْمَعْقُولَ كَالْمَحْسُوسِ، وَيُدْرِكُ الْغَائِبَ كَالْمُشَاهَدِ، وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، وَإِلَى مَنِ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ مُتَابَعَةُ الْحِسِّ، وَمُتَابَعَةُ الْوَهْمِ فَقَطْ، وَهُمْ أَكْثَرُ الْخَلَائِقِ، فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ مُعَلِّمٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْحَقِّ، وَيَذُودُهُمْ عَنِ الزَّيْغِ الْمُطْلَقِ، وَيَكْشِفُ لَهُمُ الْمُغَيَّبَاتِ، وَيُحِلُّ عَنْ عُقُولِهِمُ الشُّبُهَاتِ، وَمَا هُوَ إِلَّا النَّبِيُّ الْمَبْعُوثُ لِهَذَا الْأَمْرِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُشْتَعِلَ الْقَرِيحَةِ {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} [النور: 35] يَحْتَاجُ إِلَى نُورٍ يُظْهِرُ لَهُ الْغَائِبَ، وَهُوَ الْوَحْيُ، وَالْكِتَابُ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْقُرْآنُ نُورًا، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ حَامِلٍ، وَمُوَصِّلٍ، وَهُوَ الْمَلَكُ الْمُتَوَسِّطُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: {إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} [الجن: 27]
الجزء 1 · صفحة 58
فَالْمُرَادُ لَا يَصِيرُ مُؤْمِنًا إِلَّا إِذَا تَعَلَّمَ مِنَ النَّبِيِّ مَا يُحَقِّقُهُ بِإِرْشَادِ الْكِتَابِ الْوَاصِلِ إِلَيْهِ بِتَوَسُّطِ الْمَلَكِ أَنَّ لَهُ إِلَهًا وَاجِبَ الْوُجُودِ فَائِضَ الْجُودِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَثْبُتُ بِالشَّرْعِ، [ (وَكُتُبِهِ) ] أَيْ: وَنَعْتَقِدُ بِوُجُودِ كُتُبِهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى رُسُلِهِ تَفْصِيلًا فِيمَا عُلِمَ يَقِينًا كَالْقُرْآنِ، وَالتَّوْرَاةِ، وَالزَّبُورِ، وَالْإِنْجِيلِ، وَإِجْمَالًا فِيمَا عَدَاهُ، وَأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالْقُرْآنِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ نَسْخٌ، وَلَا تَحْرِيفٌ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] . وَأَمَّا كَوْنُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَ مَخْلُوقٍ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَأَهْلِ السُّنَّةِ. قِيلَ: الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ مِائَةٌ وَأَرْبَعَةُ كُتُبٍ، مِنْهَا عَشْرُ صَحَائِفَ نَزَلَتْ عَلَى آدَمَ وَخَمْسُونَ عَلَى شِيثَ، وَثَلَاثُونَ عَلَى إِدْرِيسَ، وَعَشَرَةٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَالْأَرْبَعَةُ السَّابِقَةُ، وَأَفْضَلُهَا الْقُرْآنُ، [ (وَرُسُلِهِ) ] بِأَنْ تَعْرِفَ أَنَّهُمْ بَلَّغُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ، وَأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ، وَتُؤْمِنَ بِوُجُودِهِمْ فِيمَنْ عُلِمَ بِنَصٍّ، أَوْ تَوَاتَرَ تَفْصِيلًا، وَفِي غَيْرِهِمْ إِجْمَالًا. وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَرَادُفِ الرَّسُولِ، وَالنَّبِيِّ فَإِنَّهُ كَمَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ يَجِبُ بِالْأَنْبِيَاءِ. وَعَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ أَبُو ذَرٍّ: «قَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ وَفَاءُ عِدَّةِ الْأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: (مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا» ) اهـ.
وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّغَايُرِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّبِيَّ إِنْسَانٌ بَعَثَهُ اللَّهُ، وَلَوْ لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّبْلِيغِ، وَالرَّسُولَ مَنْ أُمِرَ بِهِ فَكُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ، وَلَا عَكْسَ، فَلَعَلَّ وَجْهَ التَّخْصِيصِ أَنَّ الرَّسُولَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ فِي الْإِيمَانِ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ مُبَلِّغٌ، وَأَنَّ الْإِيمَانَ بِالْأَنْبِيَاءِ إِنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ جِهَةِ تَبْلِيغِ الرُّسُلِ، فَإِنَّهُ لَا تَبْلِيغَ لِلْأَنْبِيَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مَنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر: 78] لِأَنَّ الْمَنْفِيَّ هُوَ التَّفْصِيلُ، وَالثَّابِتَ هُوَ الْإِجْمَالُ، أَوِ النَّفْيُ مُقَيِّدٌ بِالْوَحْيِ الْجَلِيِّ، وَالثُّبُوتُ مُتَحَقِّقٌ بِالْوَحْيِ الْخَفِيِّ. فَإِنْ قُلْتَ: مَا فَائِدَةُ ذِكْرِ مَا بَعْدَ الرُّسُلِ، وَمَا قَبْلَهُمْ مَعَ أَنَّ الْإِيمَانَ بِهِمْ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإِيمَانِ بِجَمِيعِ مَا جَاءُوا بِهِ يَسْتَلْزِمُ الْإِيمَانَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: التَّنْبِيهُ عَلَى التَّرْتِيبِ الْوَاقِعِ؟ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَ الْمَلَكَ بِالْكِتَابِ إِلَى الرَّسُولِ لِمَعْرِفَةِ الْمَبْدَأِ، أَوِ الْمَعَادِ، وَأَنَّ الْخَيْرَ، وَالشَّرَّ يَجْرِيَانِ عَلَى الْعِبَادِ بِمُقْتَضَى مَا قَدَّرَهُ، وَقَضَاهُ، وَأَرَادَهُ، وَلِهَذَا قَدَّمَ الْمَلَائِكَةَ لَا لِكَوْنِهِمْ أَفْضَلَ مِنَ الرُّسُلِ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلِفٌ، وَلَا مِنَ الْكُتُبِ إِذْ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَهَذَا التَّرْتِيبُ مِمَّا يَقْتَضِيهِ حِكْمَةُ عَالِمِ التَّكْلِيفِ، وَالْوَسَائِطِ، وَإِلَّا فَمَا قَامَ لِي مَعَ اللَّهِ وَقْتٌ لَا يَسَعُنِي فِيهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، مَعْلُومٌ لِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَمْكِينِهِ فِي وَقْتِ كُشُوفِ الْمُشَاهَدَةِ، وَاسْتِغْرَاقِهِ فِي بَحْرِ الْوَحْدَةِ حَيْثُ لَا يَبْقَى فِيهِ أَثَرُ الْبَشَرِيَّةِ، وَالْكَوْنَيْنِ، وَهَذَا مَحَلُّ اسْتِقَامَتِهِ فِي مَشْهَدِ التَّمْكِينِ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم: 9] وَلَيْسَ هُنَاكَ مَقَامُ جِبْرِيلَ، وَجَمِيعِ الْكَرُوبِيِّينَ، وَلَا مَقَامُ الصَّفِيِّ، وَالْخَلِيلِ، وَمَنْ دُونَهُمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَانَ أَكْثَرَ أَوْقَاتِهِ كَذَلِكَ لَكِنْ يَرُدُّهُ اللَّهُ إِلَى تَأْدِيبِ أُمَّتِهِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِيُجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامَ التَّلْوِينِ، وَلَا يَذُوبَ فِي أَنْوَارِ كِبْرِيَاءِ الْأَزَلِ، [ (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) ] أَيْ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ أَيَّامِ الدُّنْيَا، وَهُوَ الْأَحْسَنُ لِيَشْمَلَ أَحْوَالَ الْبَرْزَخِ فَإِنَّهُ آخِرُ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، وَأَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ، وَلِأَنَّهُ مُقَدِّمَتُهُ، أَوْ لِأَنَّهُ أُخِّرَ عَنْهُ الْحِسَابُ، وَالْجَزَاءُ، وَقِيلَ هُوَ الْأَبَدُ الدَّائِمُ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ لِتَأَخُّرِهِ عَنِ الْأَوْقَاتِ الْمَحْدُودَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ تُؤْمِنَ بِوُجُودِهِ، وَبِمَا فِيهِ مِنَ الْبَعْثِ الْجُسْمَانِيِّ، وَالْحِسَابِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ. وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: وَالْبَعْثِ الْآخِرِ، فَهُوَ تَأْكِيدٌ كَأَمْسِ الذَّاهِبِ، أَوْ لِإِفَادَةِ تَعَدُّدِهِ ; فَإِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْإِخْرَاجُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، أَوْ مِنْ بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ إِلَى الدُّنْيَا، وَالثَّانِي الْبَعْثُ مِنْ بُطُونِ الْقُبُورِ إِلَى مَحَلِّ الْحَشْرِ، وَالنُّشُورِ. وَفِي أُخْرَى لَهُ: وَبِلِقَائِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ، فَاللِّقَاءُ الِانْتِقَالُ إِلَى دَارِ الْجَزَاءِ، وَالْبَعْثُ بَعْثُ الْمَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ، وَمَا بَعْدَهُ مِنْ حِسَابٍ، وَمِيزَانٍ، وَجَنَّةٍ، وَنَارٍ، وَقَدْ صُرِّحَ بِهَذِهِ الْأَرْبَعَةِ فِي رِوَايَةٍ. وَقِيلَ: اللِّقَاءُ الْحِسَابُ، وَقِيلَ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْبَعْثِ بِعْثَةُ الْأَنْبِيَاءِ [ (وَتُؤْمِنَ) ] ، أَيْ: وَأَنْ تُؤْمِنَ [ (بِالْقَدَرِ) ] : بِفَتْحِ الدَّالِّ، وَيُسَكَّنُ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ، وَقَضَاهُ، وَإِعَادَةُ الْعَامِلِ إِمَّا
الجزء 1 · صفحة 59
لِبُعْدِ الْعَهْدِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
لَقَدْ عَلِمَ الْحَيُّ الْيَمَانِيُّ أَنَّنِي ... إِذَا قُلْتُ أَمَّا بَعْدُ أَنِّي خَطِيبُهَا
أَوْ لِشَرَفِ قَدْرِهِ، وَتَعَاظُمِ أَمْرِهِ وَقَعَ فِيهِ الِاهْتِمَامُ لِأَنَّهُ مَحَارُ الْأَفْهَامِ، وَمَزَالُّ الْأَقْدَامِ، وَقَدْ عَلِمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّ الْأُمَّةَ سَيَخُوضُونَ فِيهِ، وَبَعْضُهُمْ يَتَّقُونَهُ فَاهْتَمَّ بِشَأْنِهِ، ثُمَّ قَرَّرَهُ بِالْإِبْدَالِ بِقَوْلِهِ: [ (خَيْرِهِ، وَشَرِّهِ) ] أَيْ: نَفْعِهِ، وَضُرِّهِ، وَزِيدَ فِي رِوَايَةٍ، وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ، فَإِنَّ الْبَدَلَ تَوْضِيحٌ مَعَ التَّوْكِيدِ الْمُفِيدِ لِلتَّعْمِيمِ لِتَكْرِيرِ الْعَامِلِ، وَعِنْدِي أَنَّ إِعَادَةَ الْعَامِلِ هُنَا أَفَادَتْ أَنَّ هَذَا الْمُؤْمِنَ بِهِ دُونَ مَا سَبَقَ، فَإِنَّ مَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِمَّا تَقَدَّمَ كَفَرَ بِخِلَافِ مَنْ أَنْكَرَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ التَّذْيِيلِ، وَالتَّكْمِيلِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْمَلَكِ: خَيْرِهِ، وَشَرِّهِ بَدَلُ بَعْضٍ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِاعْتِبَارِ كُلٍّ مِنَ الْمَعْطُوفِ، وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ بَدَلُ الْكُلِّ، وَالرَّابِطَةُ بَعْدَ الْعَطْفِ، وَالْمَعْنَى تَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ الْخَيْرَ، وَالشَّرَّ قَبْلَ خَلْقِ الْخَلَائِقِ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْكَائِنَاتِ مُتَعَلِّقٌ بِقَضَاءِ اللَّهِ مُرْتَبِطٌ بِقَدَرِهِ. قَالَ تَعَالَى: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النساء: 78] وَهُوَ مُرِيدٌ لَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 125] فَالطَّاعَاتُ يُحِبُّهَا، وَيَرْضَاهَا بِخِلَافِ الْكُفْرِ، وَالْمَعَاصِي. قَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7] وَالْإِرَادَةُ لَا تَسْتَلْزِمُ الرِّضَا، ثُمَّ الْقَضَاءُ هُوَ الْحُكْمُ بِنِظَامِ جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ عَلَى تَرْتِيبٍ خَاصٍّ فِي أُمِّ الْكِتَابِ أَوَّلًا، ثُمَّ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ثَانِيًا عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، وَالْقَدَرُ تُعَلُّقُ الْإِرَادَةِ بِالْأَشْيَاءِ فِي أَوْقَاتِهَا، وَهُوَ تَفْصِيلُ قَضَائِهِ السَّابِقِ بِإِيجَادِهَا فِي الْمَوَادِّ الْجُزْئِيَّةِ الْمُسَمَّاةِ بِلَوْحِ الْمَحْوِ، وَالْإِثْبَاتِ كَمَا يُسَمَّى الْكِتَابُ بِلَوْحِ الْقَضَاءِ، وَاللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ بِلَوْحِ الْقَدَرِ فِي وَجْهِ هَذَا تَحْقِيقُ كَلَامِ الْقَاضِي. وَلَمَّا كَانَ الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ مُسْتَلْزِمًا لِلْإِيمَانِ بِالْقَضَاءِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، وَذَكَرَ الرَّاغِبُ أَنَّ الْقَدَرَ هُوَ التَّقْدِيرُ، وَالْقَضَاءَ هُوَ التَّفْصِيلُ، فَهُوَ أَخَصُّ، وَمَثَّلَ هَذَا بِأَنَّ الْقَدَرَ مَا أُعِدَّ لِلُّبْسِ، وَالْقَضَاءَ بِمَنْزِلَةِ اللُّبْسُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ. كَانَ فِي الْبَدْءِ عِلْمٌ، ثُمَّ ذِكْرٌ، ثُمَّ مَشِيئَةٌ، ثُمَّ تَدْبِيرٌ، ثُمَّ مَقَادِيرُ، ثُمَّ إِثْبَاتٌ فِي اللَّوْحِ، ثُمَّ إِرَادَةٌ، ثُمَّ قَضَاءٌ، فَإِذَا قَالَ: كُنْ فَكَانَ عَلَى الْهَيْئَةِ إِلَى عِلْمٍ فَذِكْرٍ، ثُمَّ شَاءَ فَدَبَّرَ، ثُمَّ قَدَّرَ، ثُمَّ أَثْبَتَ، ثُمَّ قَضَى، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ مَا مِنْ شَيْءٍ مِنْ حَيْثُ اسْتَقَامَ فِي الْعِلْمِ الْأَزَلِيِّ إِلَى أَنِ اسْتَقَامَ فِي اللَّوْحِ، ثُمَّ اسْتَبَانَ إِلَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ أُمُورٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: إِنَّ الْقَدَرَ كَتَقْدِيرِ النَّقَّاشِ الصُّورَةَ فِي ذِهْنِهِ، وَالْقَضَاءَ كَرَسْمِهِ تِلْكَ الصُّورَةَ لِلتِّلْمِيذِ بِالْأُسْرُبِ، وَوَضْعُ التِّلْمِيذِ الصِّبْغَ عَلَيْهَا مُتَّبِعًا لِرَسْمِ الْأُسْتَاذِ هُوَ الْكَسْبُ، وَالِاخْتِيَارُ، وَهُوَ فِي اخْتِيَارِهِ لَا يَخْرُجُ عَنْ رَسْمِ الْأُسْتَاذِ كَذَلِكَ الْعَبْدُ فِي اخْتِيَارِهِ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ عَنِ الْقَضَاءِ، وَالْقَدَرِ، وَلَكِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا، هَذَا وَالْقَدَرِيَّةُ فَسَّرُوا الْقَضَاءَ بِعِلْمِهِ بِنِظَامِ الْمَوْجُودَاتِ، وَأَنْكَرُوا تَأْثِيرَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَفْعَالِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَمُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ خَيْرَهَا، وَشَرَّهَا مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى مُرَادَةٌ لَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ هِيَ مُكْتَسَبَةٌ لِلْعِبَادِ لِأَنَّ لَهُمْ نَوْعَ اخْتِيَارٍ فِي كَسْبِهَا، وَإِنْ رَجَعَ ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَى إِرَادَتِهِ وَخَلْقِهِ، وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَهُمْ يُسْأَلُونَ. وَهَذَا أَوْسَطُ الْمَذَاهِبِ، وَأَعْدَلُهَا، وَأَوْفَقُهَا لِلنُّصُوصِ، فَهُوَ الْحَقُّ، وَالصَّوَابُ خِلَافًا لِلْجَبْرِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعِبَادَ مَجْبُورُونَ عَلَى أَفْعَالِهِمْ، إِذْ يَلْزَمُهُمْ أَنْ لَا تَكْلِيفَ، وَمَنِ اعْتَرَفَ مِنْهُمْ بِهَذَا اللَّازِمِ، فَهُوَ كَافِرٌ بِخِلَافِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ سَلْبَ قُدْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ أَصْلِهَا إِنَّمَا هُوَ تَعْظِيمٌ لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ أَنْ يُشْرِكَهُ فِيهَا أَحَدٌ بِوَجْهٍ فَإِنَّهُ مُبْتَدِعٌ، وَخِلَافًا لِلْقَدَرِيَّةِ النَّافِينَ لِلْقَدَرِ، وَهُمُ الْمُعْتَزِلَةُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَ نَفْسِهِ، وَأَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُؤَثِّرُ فِيهَا، وَأَنَّ إِرَادَتَهُ لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا لِاسْتِقْلَالِ قُدْرَةِ الْعَبْدِ بِالْإِيجَادِ، وَالتَّأْثِيرِ فِي أَفْعَالِهِ، إِذْ يَلْزَمُهُمْ أَنَّ لَهُ تَعَالَى شُرَكَاءَ فِي مُلْكِهِ سُبْحَانَهُ، فَمَنِ اعْتَقَدَ حَقِيقَةَ الشَّرِكَةِ قَصْدًا فَقَدْ كَفَرَ، أَوْ تَنْزِيهَ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الْفِعْلِ الْقَبِيحِ، فَهُوَ مُبْتَدِعٌ. رُوِيَ أَنَّهُ كَتَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِىُّ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - يَسْأَلُهُ عَنِ الْقَضَاءِ، وَالْقَدَرِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِقَضَاءِ اللَّهِ، وَقَدَرِهِ خَيْرِهِ، وَشَرِّهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ حَمَلَ ذَنْبَهُ عَلَى رَبِّهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُطَاعُ اسْتِكْرَاهًا، وَلَا يُعْصَى بِغَلَبَةٍ لِأَنَّهُ تَعَالَى مَالِكٌ لِمَا مَلَّكَهُمْ
الجزء 1 · صفحة 60
وَقَادِرٌ عَلَى مَا أَقْدَرَهُمْ، فَإِنْ عَمِلُوا بِالطَّاعَةِ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا عَمِلُوا، وَإِنْ عَمِلُوا بِالْمَعْصِيَةِ فَلَوْ شَاءَ لَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا عَمِلُوا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ هُوَ الَّذِي جَبَرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ جَبَرَ اللَّهُ الْخَلْقَ عَلَى الطَّاعَةِ لَأَسْقَطَ عَنْهُمُ الثَّوَابَ، وَلَوْ جَبَرَهُمْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لَأَسْقَطَ عَنْهُمُ الْعِقَابَ، وَلَوْ أَهْمَلَهُمْ كَانَ ذَلِكَ عَجْزًا فِي الْقُدْرَةِ، وَلَكِنْ لَهُ فِيهِمُ الْمَشِيئَةُ الَّتِي غَيَّبَهَا عَنْهُمْ، فَإِنْ عَمِلُوا بِالطَّاعَةِ فَلَهُ الْمِنَّةُ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ عَمِلُوا بِالْمَعْصِيَةِ فَلَهُ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، وَالسَّلَامُ، فَهَذِهِ رِسَالَةٌ يَظْهَرُ عَلَيْهَا أَنْوَارُ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْإِيمَانَ بِالْقَدَرِ يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمَ بِتَوْحِيدِ ذَاتِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ إِتْيَانَ الْمَقْدُورَاتِ وَأَحْكَامِهَا عَلَى مَا هُوَ حَقُّهَا فِي أَزْمِنَةٍ وَأَمْكِنَةٍ مَخْصُوصَةٍ تَدُلُّ عَلَى تَوَحُّدِ الْحُكْمِ بِتَقْدِيرِهَا الْمُقْتَضِي لِتَوَحُّدِ الْمُقَدِّرِ، وَالْعِلْمِ بِصِفَاتِهِ كَسِعَةِ عِلْمِهِ وَرَحْمَتِهِ عَلَى الْعَالَمِينَ، وَآثَارِ قُدْرَتِهِ، وَحِكْمَتِهِ لِلْمَخْلُوقِينَ، وَنُفُوذِ قَضَائِهِ فِيهِمْ، وَالْعِلْمِ بِكَمَالِ صُنْعِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَأَنَّ الْحَوَادِثَ مُسْتَنِدَةٌ إِلَى الْأَسْبَابِ الْإِلَهِيَّةِ فَيَعْلَمُ أَنَّ الْحَذَرَ لَا يَقْطَعُ الْقَدَرَ، وَلَا يُنَازِعُ أَحَدًا فِي طَلَبِ شَيْءٍ مِنَ اللَّذَّاتِ، وَلَا يَأْنَسُ بِهَا إِذَا وَجَدَهَا، وَلَا يَغْضَبُ بِسَبَبِ فَوْتِ شَيْءٍ مِنَ الْمَطَالِبِ، وَلَا بِوُقُوعِ شَيْءٍ مِنَ الْمَهَارِبِ. قَالَ تَعَالَى: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} [الحديد: 23] وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: " «مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ» ". فَيَكُونُ مُسْتَسْلِمًا لِلْحَقِّ فِيمَا أَرَادَهُ مِنَ الْقَضَاءِ الْمُطْلَقِ، وَحُسْنِ الْخُلُقِ مَعَ سَائِرِ الْخَلْقِ. قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: إِنَّ اللَّهَ قَدَّرَ وُجُودَ مَخْلُوقَاتِهِ لِمَظَاهِرِ تَجَلِّي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، فَلِكُلٍّ مِنْهَا مِقْدَارٌ مُقَدَّرٌ لِمَظَاهِرِ تَجَلِّي مَا عَلَّمَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مِمَّا يَلِيقُ بِهِ، وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لَهُ، وَبِذَلِكَ يُسَبِّحُ لَهُ كَمَا قَالَهُ: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44] وَلِكُلِّ ذَرَّةٍ لِسَانٌ مَلَكُوتِيٌّ نَاطِقٌ بِالتَّسْبِيحِ، وَالتَّحْمِيدِ تَنْزِيهًا لِصَانِعِهِ، وَحَمْدًا لَهُ عَلَى مَا أَوْلَاهُ مِنْ مَظْهَرِيَّتِهَا لِلصِّفَاتِ الْجَمَالِيَّةِ وَالْجَلَالِيَّةِ فَالْأَشْيَاءُ كُلُّهَا مَقَادِيرُ لِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ دُونَ ذَاتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَسَعُهَا إِلَّا قَلْبُ الْمُؤْمِنِ لَا يَسَعُنِي أَرْضِي، وَلَا سَمَائِي، وَلَكِنْ يَسَعُنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ، وَلِذَا قِيلَ: قَلْبُ الْمُؤْمِنِ عَرْشُ اللَّهِ. وَقَالَ أَبُو يَزِيدَ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ: لَوْ وَقَعَ الْعَالَمُ أَلْفَ أَلْفِ مَرَّةٍ فِي زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا قَلْبِ الْعَارِفِ مَا أَحَسَّ بِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[قَالَ: (صَدَقْتَ) قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ] : قِيلَ أَيِ: الْمَعْهُودُ ذِهْنًا فِي الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى} [يونس: 26] وَ {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60] {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195] وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي الْآيَاتِ مَا اشْتَمَلَ عَلَى الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَعْمَالِ، وَالْأَخْلَاقِ وَالْأَحْوَالِ، وَالْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ الْمَعْنَى الْأَخَصُّ فَقِيلَ أَرَادَ بِهِ الْإِخْلَاصَ، فَإِنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ مَعًا لِأَنَّ مَنْ تَلَفَّظَ بِالْكَلِمَةِ، وَجَاءَ بِالْعَمَلِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْإِخْلَاصِ لَمْ يَكُنْ إِيمَانُهُ صَحِيحًا قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ. فَكَانَ الْمُخْلِصُ فِي الطَّاعَةِ يُوصِلُ الْفِعْلَ الْحِسِّيَّ إِلَى نَفْسِهِ، وَالْمُرَائِي يُبْطِلُ عَمَلَ نَفْسِهِ، وَالْإِخْلَاصُ تَصْفِيَةُ الْعَمَلِ مِنْ طَلَبِ عِوَضٍ، وَغَرَضِ عَرَضٍ، وَرُؤْيَةِ رِيَاءٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ إِحْسَانُ الْعَمَلِ، وَهُوَ إِحْكَامُهُ وَإِتْقَانُهُ، وَهُوَ يَشْمَلُ الْإِخْلَاصَ، وَمَا فَوْقَهُ مِنْ مَرْتَبَةِ الْحُضُورِ مَعَ اللَّهِ، وَنَفْيِ الشُّعُورِ عَمَّا سِوَاهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْجَوَابُ. [قَالَ: (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ) ] ، أَيْ: تُوَحِّدَهُ، وَتُطِيعَهُ فِي أَوَامِرِهِ، وَزَوَاجِرِهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: أَنْ تَخْشَى اللَّهَ، وَمَآلُهُمَا وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ أَثَرُ الْخَشْيَةِ، وَهِيَ مُنْتِجَةٌ لِلْعِبَادَةِ، وَهِيَ الطَّاعَةُ مَعَ الْخُضُوعِ وَالْمَذَلَّةِ. قَالَ الرَّاغِبُ: الْعِبَادَةُ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ مُنَافٍ لِلشَّهَوَاتِ الْبَدَنِيَّةِ تَصْدُرُ عَنْ نِيَّةٍ يُرَادُ بِهَا التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى طَاعَةً لِلشَّرِيعَةِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: وَهِيَ الْغَايَةُ الْقُصْوَى مِنْ إِبْدَاعِ الْخَلْقِ، وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ. وَكُلَّمَا ازْدَادَ الْعَبْدُ مَعْرِفَةً ازْدَادَ عُبُودِيَّةً، وَلِذَا خُصَّ الْأَنْبِيَاءُ، وَأُولُو الْعَزْمِ بِخَصَائِصَ فِي الْعِبَادَةِ، وَلَا يَنْفَكُّ الْعَبْدُ عَنْهَا مَا دَامَ حَيًّا بَلْ فِي الْبَرْزَخِ عَلَيْهِ عُبُودِيَّةٌ أُخْرَى لَمَّا سَأَلَهُ الْمَلَكَانِ عَنْ رَبِّهِ، وَدِينِهِ، وَنَبِيِّهِ، وَفِي الْقِيَامَةِ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ، وَإِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ كَانَتْ عُبُودِيَّتُهُ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ مَقْرُونًا بِأَنْفَاسِهِ، وَفِي كَلَامِ الصُّوفِيَّةِ: أَنَّ الْعِبَادَةَ حِفْظُ الْحُدُودِ وَالْوَفَاءُ
الجزء 1 · صفحة 61
بِالْعُهُودِ، وَقَطْعُ الْعَلَائِقِ وَالشُّرَكَاءِ عَنْ شِرْكٍ، وَالْفَنَاءُ عَنْ مُشَاهَدَتِكَ فِي مُشَاهَدَةِ الْحَقِّ، وَلَهُ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَعْبُدَهُ رَهْبَةً مِنَ الْعِقَابِ وَرَغْبَةً فِي الثَّوَابِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْعِبَادَةِ، وَهَذِهِ لِمَنْ لَهُ عِلْمُ الْيَقِينِ. أَوْ يَعْبُدَهُ تَشَوُّقًا لِعِبَادَتِهِ وَقَبُولَ تَكَالِيفِهِ، وَتُسَمَّى بِالْعُبُودِيَّةِ، وَهَذِهِ لِمَنْ لَهُ عَيْنُ الْيَقِينِ، أَوْ يَعْبُدَهُ لِكَوْنِهِ إِلَهًا وَكَوْنِهِ عَبْدًا، وَالْإِلَهِيَّةُ تُوجِبُ الْعُبُودِيَّةَ، وَتُسَمَّى بِالْعُبُودَةِ، وَهَذِهِ لِمَنْ لَهُ حَقُّ الْيَقِينِ، وَالشِّرْكُ رُؤْيَةُ ضُرٍّ، أَوْ نَفْعٍ مِمَّا سِوَاهُ، وَإِثْبَاتُ وُجُودِ غَيْرِ اللَّهِ ذَاتًا، أَوْ صِفَةً، أَوْ فِعْلًا [ (كَأَنَّكَ تَرَاهُ) ] : مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيْ: عِبَادَةٌ شَبِيهَةٌ بِعِبَادَتِكَ حِينَ تَرَاهُ، أَوْ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ أَيْ: حَالَ كَوْنِكَ مُشَبَّهًا بِمَنْ يَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ خَوْفًا مِنْهُ وَحَيَاءً، وَخُضُوعًا، وَخُشُوعًا، وَأَدَبًا، وَصَفَاءً، وَوَفَاءً، وَهَذَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِنْ قَامَ بَيْنَ يَدَيْ مَوْلَاهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِمَّا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ إِحْسَانِ الْعَمَلِ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى مَا سِوَاهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي عِبَادَةِ الْعَبْدِ مَعَ عَدَمِ رُؤْيَتِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْمَلَ بِمُقْتَضَاهُ إِذْ لَا يَخْفَى أَنَّ مَنْ يَرَى مَنْ يَعْمَلُ لَهُ الْعَمَلَ يَعْمَلُ لَهُ أَحْسَنَ مَا يُمْكِنُ عَمَلُهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ التَّحْسِينَ لِرُؤْيَةِ الْمَعْمُولِ لَهُ الْعَامِلَ حَتَّى لَوْ كَانَ الْعَامِلُ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَعْمُولَ لَهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَاهُ يَجْتَهِدُ فِي إِحْسَانِهِ الْعَمَلَ أَيْضًا، وَلِذَا قَالَ: [ (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ) ] أَيْ: تُعَامِلُهُ مُعَامَلَةَ مَنْ تَرَاهُ [ (فَإِنَّهُ يَرَاكَ) ] أَيْ: فَعَامِلْ مُعَامَلَةَ مَنْ يَرَاكَ، أَوْ فَأَحْسِنْ فِي عَمَلِكَ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنْ لَمْ تَرَهُ أَيْ: بِأَنْ غَفَلْتَ عَنْ تِلْكَ الْمُشَاهَدَةِ الْمُحَصِّلَةِ لِغَايَةِ الْكَمَالِ فَلَا تَغْفُلْ عَمَّا يَجْعَلُ لَكَ أَصْلَ الْكَمَالِ، فَإِنَّ مَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ جُلُّهُ. بَلِ اسْتَمِرَّ عَلَى إِحْسَانِ الْعِبَادَةِ مَهْمَا أَمْكَنَ فَإِنَّهُ يَرَاكَ أَيْ: دَائِمًا، فَاسْتَحْضِرْ ذَلِكَ لِتَسْتَحْيِيَ مِنْهُ حَتَّى لَا تَغْفُلَ عَنْ مُرَاقَبَتِهِ، وَلَا تُقَصِّرَ فِي إِحْسَانِ طَاعَتِهِ ; وَحَاصِلُ الْكَلَامِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ مِثْلَ الرُّؤْيَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ فَلَا تَغْفُلْ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، فَالْفَاءُ دَلِيلُ الْجَوَابِ، وَتَعْلِيلُ الْجَزَاءِ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَهَا لَا يَصْلُحُ لِلْجَوَابِ، لِأَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ حَاصِلَةٌ. سَوَاءٌ رَآهُ الْعَبْدُ أَمْ لَا. بَلِ الْجَوَابُ مَحْذُوفٌ اسْتِغْنَاءً عَنْهُ بِالْمَذْكُورِ لِأَنَّهُ لَازِمُهُ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَكُنْ بِحَيْثُ إِنَّهُ يَرَاكَ، وَهُوَ مُوهِمٌ. قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَلَيْسَ مَعْنَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَعْبُدُ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَاعْبُدْهُ كَأَنَّهُ يَرَاكَ كَمَا ظَنَّ فَإِنَّهُ خَطَأٌ بَيِّنٌ اهـ.
وَأَرَادَ بِهِ الرَّدَّ عَلَى الطِّيبِيِّ، وَبَيَانُهُ أَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى لَنَا مُتَحَقِّقَةٌ دَائِمًا حَالَةَ الْعِبَادَةِ، وَغَيْرِهَا، فَالتَّعْبِيرُ بِكَأَنَّهُ يَرَاكَ خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، وَوَهَمَ بَعْضُهُمْ أَيْضًا فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: كَأَنَّكَ تَرَاهُ أَيْ: كَأَنَّكَ تَرَاهُ وَيَرَاكَ فَحَذَفَ الثَّانِيَ لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ، وَهُوَ غَلَطٌ قَبِيحٌ لِمَا تَقَدَّمَ، فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: وَهُوَ يَرَاكَ ; وَحَاصِلُ جَمِيعِ الْأَقْوَالِ الْحَثُّ عَلَى الْإِخْلَاصِ فِي الْأَعْمَالِ، وَمُرَاقَبَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ. قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: الْأَوَّلُ إِشَارَةٌ إِلَى مَقَامِ الْمُكَاشَفَةِ، وَمَعْنَاهُ إِخْلَاصُ الْعُبُودِيَّةِ، وَرُؤْيَةُ الْغَيْرِ بِنَعْتِ إِدْرَاكِ الْقَلْبِ عِيَانَ جَلَالِ ذَاتِ الْحَقِّ، وَفَنَائِهِ عَنِ الرُّسُومِ فِيهِ. وَالثَّانِي إِلَى مَقَامِ الْمُرَاقَبَةِ فِي الْإِجْلَالِ، وَحُصُولِ الْحَيَاءِ مِنَ الْعِلْمِ بِاطِّلَاعِ ذِي الْجَلَالِ. قِيلَ: الْمَعْنَى فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِأَنْ تَكُونَ فَانِيًا تَرَاهُ بَاقِيًا فَإِنَّهُ يَرَاكَ فِي كُلِّ حَالٍ مِنْ غَيْرِ نُقْصَانٍ وَزَوَالٍ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ لَا يُسَاعِدُهُ الرَّسْمُ بِالْأَلِفِ فَمَدْفُوعٌ بِحَمْلِهِ عَلَى لُغَةٍ، أَوْ عَلَى إِشْبَاعِ حَرَكَةٍ، أَوْ عَلَى حَذْفِ مُبْتَدَأٍ، وَهُوَ أَنْتَ، وَجَازَ حَذْفُ الْفَاءِ مِنَ الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الْوَاقِعَةِ مَوْقِعَ الْجَزَاءِ، وَالْمَعْنَى أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ فِي حَالِ شُعُورِكَ بِوُجُودِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99] أَيِ: الْمَوْتُ بِإِجْمَاعِ الْمُفَسِّرِينَ، فَإِذَا فَنَيْتَ، وَمِتَّ مَوْتًا حَقِيقِيًّا تَرَاهُ رُؤْيَةً حَقِيقِيَّةً، وَتَرْتَفِعُ الْعِبَادَاتُ التَّكْلِيفِيَّةُ وَالتَّكَلُّفِيَّةُ، وَإِذَا مِتَّ مَوْتًا مَجَازِيًّا، وَدَخَلْتَ فِي حَالِ الْفَنَاءِ، وَبَقِيتَ فِي مَقَامِ الْبَقَاءِ تَرَاهُ رُؤْيَةَ مُشَاهَدَةٍ غَيْبِيَّةٍ تُسْقِطُ عَنْكَ ثِقَلَ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، أَوْ نَفْسَ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرِيَّةِ عِنْدَ غَلَبَاتِ الْجَذَبَاتِ الْبَاطِنِيَّةِ. وَقَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَرَاكَ مُتَعَلِّقٌ بِالْكَلَامِ السَّابِقِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ تَعَلُّقٌ مَا أَيْضًا بِاللَّاحِقِ، وَإِنَّمَا أَطْنَبْتُ فِي الْمَقَامِ لِتَخْطِئَةِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ فِي ذَلِكَ الْكَلَامِ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، وَفِي بَعْضِهِا فَإِنْ لَمْ تَرَهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ فَإِنَّ الْقَائِلَ بِمَا تَقَدَّمَ مَا ادَّعَى الْمُرَادَ مِنَ الْحَدِيثِ الْمُؤَدَّى بِالْعِبَارَةِ، بَلْ ذَكَرَ مَعْنًى يُؤْخَذُ مِنْ فَحْوَى الْكَلَامِ بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ. قِيلَ: وَفِي قَوْلِهِ كَأَنَّكَ تَرَاهُ دَلِيلٌ لِمَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ أَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا لَا تَقَعُ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ ( «وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا» ) قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: لِأَنَّ الْبَصَرَ فِي الدُّنْيَا خُلِقَ لِلْفَنَاءِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى رُؤْيَةِ الْبَاقِي بِخِلَافِهِ فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّهُ لَمَّا خُلِقَ لِلْبَقَاءِ الْأَبَدِيِّ قَوِيَ
الجزء 1 · صفحة 62
وَقَدَرَ عَلَى نَظَرِ الْبَاقِي سُبْحَانَهُ، فَرُؤْيَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ بِعَيْنِ رَأْسِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ إِمَّا عَلَى أَنَّهُ مُسْتَثْنًى، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ فِي الْمَلَكُوتِ الْأَعْلَى الَّذِي لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ حَالُ الدُّنْيَا، وَنِزَاعُ الْمُعْتَزِلَةِ مَعْرُوفٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، هَذَا وَقَدْ جَاءَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّ جِبْرِيلَ هُنَا أَيْضًا قَالَ: صَدَقْتَ، وَلَعَلَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ لَمْ يَذْكُرْهُ نِسْيَانًا، أَوِ اخْتِصَارًا، أَوِ اعْتِمَادًا عَلَى الْمَذْكُورِ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَشَرْحِ السُّنَّةِ مَسْطُورٌ، وَقِيلَ: إِنَّمَا لَمْ يَقُلْ هَاهُنَا صَدَقْتَ لِأَنَّ الْإِحْسَانَ هُوَ الْإِخْلَاصُ، وَهُوَ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمُسَلْسَلِ الرَّبَّانِيِّ: «الْإِخْلَاصُ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِي أَوْدَعْتُهُ قَلْبَ مَنْ أَحْبَبْتُ مِنْ عِبَادِي» اهـ.
وَمَا ذُكِرَ أَوَّلًا هُوَ الْأَوْلَى (قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ) أَيْ: عَنْ وَقْتِ قِيَامِهَا لِمَا فِي رِوَايَةِ: مَتَى السَّاعَةُ، لَا وُجُودُهَا؛ لِأَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ السَّابِقِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الزَّمَانِ عَبَّرَ بِهَا عَنْهَا، وَإِنْ طَالَ زَمَنُهَا اعْتِبَارًا بِأَوَّلِ زَمَانِهَا، فَإِنَّهَا تَقَعُ بَغْتَةً، أَوْ لِسُرْعَةِ حِسَابِهَا، أَوْ عَلَى الْعَكْسِ لِطُولِهَا، أَوْ تَفَاؤُلًا كَالْمَفَازَةِ لِلْمَهْلَكَةِ، أَوْ لِأَنَّهَا عِنْدَ اللَّهِ كَسَاعَةٍ عِنْدَ الْخَلْقِ كَذَا فِي الْكَشَّافِ. وَالسَّاعَةُ لُغَةً مِقْدَارٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِنَ الزَّمَانِ، وَعُرْفًا جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. قِيلَ: وَالسَّاعَةُ كَمَا تُطْلَقُ عَلَى الْقِيَامَةِ، وَهِيَ السَّاعَةُ الْكُبْرَى تُطْلَقُ عَلَى مَوْتِ أَهْلِ الْقَرْنِ الْوَاحِدِ، وَهِيَ السَّاعَةُ الْوُسْطَى كَمَا فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حِينَ سَأَلُوهُ عَنِ السَّاعَةِ فَأَشَارَ إِلَى أَصْغَرِهِمْ، ( «إِنْ يَعِشْ هَذَا لَا يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ» ) إِذِ الْمُرَادُ انْقِضَاءُ عَصْرِهِمْ، وَلِذَا أَضَافَ إِلَيْهِمْ وَعَلَى الْمَوْتِ، وَهِيَ السَّاعَةُ الصُّغْرَى، وَوَرَدَ: مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ. قَالَ: (مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ وَقْتِهَا. قِيلَ، حَقُّ الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهُ لِيَرْجِعَ الضَّمِيرُ إِلَى اللَّامِ. أُجِيبَ: بِأَنَّهُ كَمَا يُقَالُ سَأَلْتُ عَنْ زَيْدٍ الْمَسْأَلَةَ يُقَالُ سَأَلْتُهُ عَنْهَا، وَهُوَ الِاسْتِعْمَالُ الْأَكْثَرُ فَالضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ رَاجِعٌ إِلَى اللَّامِ، وَالْمَجْرُورُ إِلَى السَّاعَةِ، وَمَا نَافِيةٌ أَيْ: لَيْسَ الَّذِي سُئِلَ عَنْهَا. (بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ) : نَفَى أَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِأَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ - فِي أَمْرِ السَّاعَةِ - لِأَنَّهَا مِنْ مَفَاتِيحِ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: (أَكَادُ أُخْفِيهَا) . قِيلَ أَيْ: عَنْ ذَاتِي مُبَالِغَةً عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْمَسْئُولَ عَنْهُ يَجِبُ فِي الْجُمْلَةِ أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، فَلَا يُقَالُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْأَعْلَمِيَّةِ نَفْيُ أَصْلِ الْعِلْمِ عَنْهَا مَعَ أَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي انْتِفَاءِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ، وَمَسَاقُ الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ: لَسْتُ أَعْلَمَ بِعِلْمِ السَّاعَةِ مِنْكَ لَكِنَّهُ عَدَلَ لِيُفِيدَ الْعُمُومَ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى كُلُّ سَائِلٍ وَمَسْئُولٍ سِيَّانِ فِي ذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةٍ فَنَكَّسَ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ أَعَادَ فَلَمْ يُجِبْهُ شَيْئًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَالْبَاءُ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. قِيلَ: وَمَا أَفْهَمَهُ مِنْ أَنَّهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي الْعِلْمِ بِهِ غَيْرُ الْمُرَادِ فَإِنَّهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي نَفْيِ الْعِلْمِ بِهِ، أَوْ فِي الْعِلْمِ بِأَنَّ اللَّهَ اسْتَأْثَرَ بِهِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَعْلَمَانِهِ مِنْهُ، وَهُوَ نَفْسُ وُجُودِهَا، وَهَذَا وَقَعَ بَيْنَ عِيسَى وَجِبْرِيلَ أَيْضًا إِلَّا أَنَّ عِيسَى كَانَ سَائِلًا وَجِبْرِيلُ مَسْئُولًا فَانْتَفَضَ بِأَجْنِحَتِهِ فَقَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ. رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ.
فَإِنْ قُلْتَ: فَلِمَ سَأَلَ جِبْرِيلُ عَنِ السَّاعَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ، وَمَا التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْآيَةِ، وَبَيْنَ مَا اشْتُهِرَ عَنِ الْعُرَفَاءِ مِنَ الْأَخْبَارِ الْغَيْبِيَّةِ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي مُعْتَقَدِهِ، وَنَعْتَقِدُ أَنَّ الْعَبْدَ يُنْقَلُ فِي الْأَحْوَالِ حَتَّى يَصِيرَ إِلَى نَعْتِ الرُّوحَانِيَّةِ فَيَعْلَمَ الْغَيْبَ، وَتُطْوَى لَهُ الْأَرْضُ، وَيَمْشِي عَلَى الْمَاءِ، وَيَغِيبُ عَنِ الْأَبْصَارِ ; فَالْجَوَابُ: أَمَّا عَنِ الْأَوَّلِ فَلِتَنْبِيهِهِمْ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْجَوَابُ عَمَّا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَلَا الِاسْتِنْكَافُ مِنْ قَوْلِ لَا أَدْرِي الَّذِي هُوَ نِصْفُ الْعِلْمِ كَمَا نَبَّهَهُمْ مِمَّا لَهُ الْجَوَابُ عَنْهُ مِمَّا قَدْ سَلَفَ بِحُسْنِ السُّؤَالِ الَّذِي هُوَ نِصْفُ الْعِلْمِ فَتَمَّ الْعِلْمُ بِذَلِكَ، وَأَمَّا عَنِ الثَّانِي فَلِأَنَّ لِلْغَيْبِ مَبَادِئَ وَلَوَاحِقَ، فَمَبَادِئُهُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَأَمَّا اللَّوَاحِقُ، فَهُوَ مَا أَظْهَرَهُ عَلَى بَعْضِ أَحِبَّائِهِ لَوْحَةَ عِلْمِهِ، وَخَرَجَ ذَلِكَ عَنِ الْغَيْبِ الْمُطْلَقِ، وَصَارَ غَيْبًا إِضَافِيًّا، وَذَلِكَ إِذْ تَنَوَّرَ الرُّوحُ الْقُدُسِيَّةُ،
الجزء 1 · صفحة 63
وَازْدَادَ نُورِيَّتُهَا، وَإِشْرَاقُهَا بِالْإِعْرَاضِ عَنْ ظُلْمَةِ عَالَمِ الْحِسِّ، وَتَحْلِيَةُ مِرْآةِ الْقَلْبِ عَنْ صَدَأِ الطَّبِيعَةِ، وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَفَيَضَانُ الْأَنْوَارِ الْإِلَهِيَّةِ حَتَّى يَقْوَى النُّورُ، وَيَنْبَسِطَ فِي فَضَاءِ قَلْبِهِ فَتَنْعَكِسُ فِيهِ النُّقُوشُ الْمُرْتَسِمَةُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَيَطَّلِعُ عَلَى الْمُغَيَّبَاتِ، وَيَتَصَرَّفُ فِي أَجْسَامِ الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ، بَلْ يَتَجَلَّى حِينَئِذٍ الْفَيَّاضُ الْأَقْدَسُ بِمَعْرِفَتِهِ الَّتِي هِيَ أَشْرَفُ الْعَطَايَا فَكَيْفَ بِغَيْرِهَا؟ (قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ أَمَارَةٍ أَيْ: عَلَامَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ أَشْرَاطِهَا، وَهُوَ جَمْعُ شَرْطٍ بِالْفَتْحِ بِمَعْنَى الْعَلَامَةِ، وَالْمُرَادُ شَيْءٌ مِنْ عَلَامَاتِهَا الدَّالَّةِ عَلَى قُرْبِهَا، وَلِذَا قِيلَ أَيْ: مُقَدِّمَاتُهَا، وَقِيلَ صِغَارُ أُمُورِهَا. وَفِي رِوَايَةٍ سَأُخْبِرُكَ، وَفِي أُخْرَى، وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا، وَجُمِعَ بِأَنَّهُ ابْتَدَأَهُ بِقَوْلِهِ، وَسَأُخْبِرُكَ، فَقَالَ السَّائِلُ: فَأَخْبِرْنِي، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي رِوَايَةٍ: وَلَكِنْ إِنْ شِئْتَ نَبَّأَتُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا. قَالَ: أَجَلْ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَحَدِّثْنِي [ (قَالَ: (أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا) ] أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ عَلَامَاتِهَا أَوْ إِحْدَى أَمَارَاتِهَا وِلَادَةُ الْأَمَةِ مَالِكَهَا وَمَوْلَاهَا، وَقِيلَ التَّقْدِيرُ عَلَامَاتُهَا وِلَادَةُ الْأَمَةِ، وَرُؤْيَةُ الْحُفَاةِ فَاحْتَاجَ إِلَى أَنْ يَقُولَ أَخْبَرَ عَنِ الْجَمْعِ بِاثْنَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا أَقَلُّهُ كَمَا عَلَيْهِ جُمِعَ، وَتَأْنِيثُهَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَإِنْ ذُكِّرَ فِي رِوَايَاتٍ أُخَرَ بِاعْتِبَارِ التَّسْمِيَةِ، لِيَشْمَلَ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ، أَوْ فِرَارًا مِنْ شَرِكَةِ لَفْظِ رَبِّ الْعِبَادِ، وَإِنْ جَوَّزَ إِطْلَاقَهُ عَلَى غَيْرِهِ تَعَالَى بِالْإِضَافَةِ دُونَ التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَلْفَاظِ الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ أَرَادَ الْبِنْتَ فَيُعْرَفُ الِابْنُ بِالْأَوْلَى، وَالْإِضَافَةُ إِمَّا لِأَجْلِ أَنَّهُ سَبَبُ عِتْقِهَا، أَوْ لِأَنَّهُ وَلَدُ رَبِّهَا، أَوْ مَوْلَاهَا بَعْدَ الْأَبِ، وَفَسَّرَ هَذَا الْقَوْلَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بِأَنَّ السَّبْيَ يَكْثُرُ بَعْدَ اتِّسَاعِ رُقْعَةِ الْإِسْلَامِ فَيَسْتَرِدُّ النَّاسُ إِمَاءَهُمْ، فَيَكُونُ الْوَلَدُ كَالسَّيِّدِ لِأُمِّهِ لِأَنَّ مِلْكَهَا رَاجِعٌ إِلَيْهِ فِي التَّقْدِيرِ، وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى قُوَّةِ الدِّينِ، وَاسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَهِيَ مِنَ الْأَمَارَاتِ؛ لِأَنَّ بُلُوغَ الْغَايَةِ مُنْذِرٌ بِالتَّرَاجُعِ وَالِانْحِطَاطِ الْمُؤْذِنِ بِقِيَامِ السَّاعَةِ، أَوْ إِلَى أَنَّ الْأَعِزَّةَ تَصِيرُ أَذِلَّةً لِأَنَّ الْأُمَّ مُرَبِّيَةٌ لِلْوَلَدِ مُدَبِّرَةٌ أَمْرَهُ فَإِذَا صَارَ الْوَلَدُ رَبَّهَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ بِنْتًا يَنْقَلِبُ الْأَمْرُ كَمَا أَنَّ الْقَرِينَةَ الثَّانِيَةَ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ، وَهِيَ أَنَّ الْأَذِلَّةَ يَنْقَلِبُونَ أَعِزَّةً مُلُوكَ الْأَرْضِ فَيَتَلَاءَمُ الْمَعْطُوفَانِ، وَهَذَا إِخْبَارٌ بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ، وَانْقِلَابِ أَحْوَالِ النَّاسِ بِحَيْثُ لَا يُشَاهَدُ قَبْلَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثٍ أَنَّهُ ( «إِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ، وَوُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» ) . وَقِيلَ: سُمِّيَ وَلَدُهَا سَيِّدَهَا؛ لِأَنَّ لَهُ وَلَاءَهَا بِإِرْثِهِ لَهُ عَنْ أَبِيهِ إِذَا مَاتَ، أَوْ أَنَّهُ كَسَيِّدِهَا لِصَيْرُورَةِ مَالِ أَبِيهِ إِلَيْهِ غَالِبًا فَتَصِيرُ أُمُّهُ كَأَنَّهَا أَمَتَهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِمَاءَ تَلِدْنَ الْمُلُوكَ فَتَكُونُ أُمُّهُ مِنْ جُمْلَةِ رَعِيَّتِهِ، وَأُيِّدَ بِأَنَّ الرُّؤَسَاءَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ كَانُوا يَسْتَنْكِفُونَ غَالِبًا مِنْ وَطْءِ الْإِمَاءِ، وَيَتَنَافَسُونَ فِي الْحَرَائِرِ، ثُمَّ انْعَكَسَ الْأَمْرُ سِيَّمَا مِنْ أَثْنَاءِ دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ الْقَوْلُ بِأَنَّ السَّبْيَ إِذَا كَثُرَ قَدْ يُسْبَى الْوَلَدُ صَغِيرًا، ثُمَّ يُعْتَقُ، وَيَصِيرُ رَئِيسًا بَلْ مَلِكًا، ثُمَّ يَسْبِي أُمَّهُ فَيَشْتَرِيهَا عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا بِهَا ثُمَّ يَسْتَخْدِمُهَا، وَقَدْ يَطَؤُهَا أَوْ يُعْتِقُهَا وَيَتَزَوَّجُهَا، وَقِيلَ مَعْنَاهُ فَسَادُ الْأَحْوَالِ بِكَثْرَةِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَتُرَدَّدُ فِي أَيْدِي الْمُشْتَرِينَ حَتَّى يَشْتَرِيَهَا ابْنُهَا أَوْ يَطَأَهَا، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ بَعْلِهَا، وَإِنْ فُسِّرَ بِسَيِّدِهَا، وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْإِشَارَةُ إِلَى كَثْرَةِ عُقُوقِ الْأَوْلَادِ فَيُعَامِلُ الْوَلَدُ أُمَّهُ مُعَامَلَةَ السَّيِّدِ أَمَتَهُ مِنَ الْخِدْمَةِ وَغَيْرِهَا، وَخُصَّ بِوَلَدِ الْأَمَةِ لِأَنَّ الْعُقُوقَ فِيهِ أَغْلَبُ، وَعَبَّرَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ بِإِذَا بَدَلَ أَنِ الْمَفْتُوحَةِ إِشَارَةً إِلَى تَحَقُّقِ الْوُقُوعِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا يُقَالُ: إِذَا قَامَتِ الْقِيَامَةُ، وَلَا يُقَالُ: إِنْ بِالْكَسْرِ لِأَنَّهُ كُفْرٌ لِإِشْعَارِهِ بِالشَّكِّ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي جَزْمِهِمْ بِأَنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ نَظَرٌ، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مَنْ عَرَفَ هَذَا الْمَعْنَى وَاعْتَقَدَهُ، وَإِلَّا فَكَثِيرًا مَا يُسْتَعْمَلُ إِنْ مَوْضِعَ إِذْ، أَوْ بِالْعَكْسِ لِأَغْرَاضٍ بُيِّنَتْ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي [ (وَأَنْ تَرَى) ] : خِطَابٌ عَامٌّ لِيَدُلَّ عَلَى بُلُوغِ الْخَطْبِ فِي الْعِلْمِ مَبْلَغًا لَا يَخْتَصُّ بِهِ رُؤْيَةُ رَاءٍ [ (الْحُفَاةَ) ] : بِضَمِّ الْحَاءِ جَمْعُ الْحَافِي، وَهُوَ مَنْ لَا نَعْلَ لَهُ، [ (الْعُرَاةَ) ] : جَمْعُ الْعَارِي، وَهُوَ صَادِقٌ عَلَى مَنْ يَكُونُ بَعْضُ بَدَنِهِ مَكْشُوفًا مِمَّا يَحْسُنُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَلْبُوسًا [ (الْعَالَةَ) ] : جَمْعُ عَائِلٍ، وَهُوَ الْفَقِيرُ مِنْ عَالَ يَعِيلُ إِذَا افْتَقَرَ، أَوْ مِنْ عَالَ يَعُولُ إِذَا افْتَقَرَ وَكَثُرَ عِيَالُهُ، [ (رِعَاءَ الشَّاءِ) ] : بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَالْمَدِّ جَمْعُ رَاعٍ كَتَاجِرٍ وَتِجَارٍ، وَالشَّاءُ جَمْعُ شَاةٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: الْإِبِلِ الْبُهْمِ بِضَمِّ الْبَاءِ أَيْ: السُّودِ، وَهُوَ بِجَرِّ الْمِيمِ وَرَفْعِهَا، وَصَفًا لِلرُّعَاةِ، جَمْعُ بَهِيمٍ، فَيَكُونُ كِنَايَةً عَنْ حَالِهِمْ، وَأَنَّهُ لَا يَعُودُ لَهُمْ أَصْلٌ مِنْ أُبْهِمَ الْأَمْرُ، إِذَا لَمْ يُعْرَفْ حَقِيقَتُهُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى سَوَادِ اللَّوْنِ لِأَنَّ الْأُدْمَةَ غَالِبُ أَلْوَانِ الْعَرَبِ، أَوْ لِلْإِبِلِ جَمْعُ بَهْمَاءَ إِذِ السُّودُ شَرُّهَا عِنْدَهُمْ، وَخَيْرُهَا عِنْدَهُمُ الْحُمْرُ، وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ: خَيْرٌ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، وَفِي رِوَايَةٍ الْبَهْمِ بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَلَا وَجْهَ لَهُ مَعَ ذِكْرِ الْإِبِلِ بَلْ مَعَ حَذْفِهِ الَّذِي هُوَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ إِذْ هُوَ جَمْعُ بَهْمَةٍ
الجزء 1 · صفحة 64
وَهِيَ صِغَارُ الضَّأْنِ وَالْمَعِزِ، وَرُجِّحَتْ هَذِهِ عَلَى تِلْكَ؛ لِأَنَّ رِعَاءَ الْغَنَمِ أَضْعَفُ أَهْلِ الْبَادِيَةِ بِخِلَافِ رِعَاءِ الْإِبِلِ فَهُمْ أَهْلُ فَخْرٍ وَخُيَلَاءَ. [ (يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ) ] أَيْ: يَتَفَاضَلُونَ فِي ارْتِفَاعِهِ وَكَثْرَتِهِ وَيَتَفَاخَرُونَ فِي حُسْنِهِ وَزِينَتِهِ، وَهُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ إِنْ جَعَلْتَ الرُّؤْيَةَ فِعْلَ الْبَصِيرَةِ، أَوْ حَالٌ إِنْ جَعَلْتَهَا فِعْلَ الْبَاصِرَةِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ وَأَشْبَاهَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْفَاقَةِ تُبْسَطُ لَهُمُ الدُّنْيَا مِلْكًا، أَوْ مُلْكًا فَيَتَوَطَّنُونَ الْبِلَادَ، وَيَبْنُونَ الْقُصُورَ الْمُرْتَفِعَةَ، وَيَتَبَاهَوْنَ فِيهَا، فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى تَغَلُّبِ الْأَرَاذِلِ، وَتَذَلُّلِ الْأَشْرَافِ، وَتَوَلِّي الرِّئَاسَةِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا، وَتَعَاطِي السِّيَاسَةِ مَنْ لَا يَسْتَحْسِنُهَا، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا إِشَارَةٌ إِلَى عَكْسِ ذَلِكَ، وَقِيلَ: كِلَاهُمَا إِشَارَةٌ إِلَى اتِّسَاعِ دِينِ الْإِسْلَامِ فَيَتَنَاسَبُ الْمُتَعَاطِفَانِ فِي الْكَلَامِ، وَلَعَلَّ تَخْصِيصَهُمَا لِجَلَالَةِ خَطْبِهِمَا، وَنَبَاهَةِ شَأْنِهِمَا، وَقُرْبِ وُقُوعِهِمَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْأُولَى إِيمَاءً إِلَى كَثْرَةِ الظُّلْمِ وَالْفِسْقِ وَالْجَهْلِ وَبُلُوغِهَا مَبْلَغَ الْعُلْيَا، وَالثَّانِيَةُ إِلَى غَلَبَةِ مَحَبَّةِ الدُّنْيَا، وَنِسْيَانِ مَنَازِلِ الْعُقْبَى، وَيُقَالُ: تَطَاوَلَ الرَّجُلُ إِذَا تَكَبَّرَ فَلَا يَرِدُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ قَوْلِهِ: التَّفَاعُلُ فِيهِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْعُرَاةِ الْمَوْصُوفِينَ بِمَا ذَكَرَ لَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ مِمَّا كَانَ عَزِيزًا فَذَلَّ خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِيهِ، وَقَالَ: الْمَعْنَى أَنَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ الْعَارِينَ عَنِ الِقِيَامِ بِالدِّيَانَةِ يَسْكُنُونَ الْبِلَادَ، وَيَتَّخِذُونَ الْقُصُورَ الرَّفِيعَةَ، وَيَتَكَبَّرُونَ عَلَى الْعُبَّادِ وَالزُّهَّادِ، وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ انْقِلَابَ الدُّنْيَا مِنَ النِّظَامِ يُؤْذِنُ بِأَنْ لَا يُنَاسِبَ فِيهَا الْمَقَامَ فَلَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ الْكِرَامِ، كَمَا أَنْشَدَتِ الْمَلِكَةُ حُرَقَةُ بِنْتُ النُّعْمَانِ لَمَّا سُبِيَتْ، وَأُحْضِرَتْ عِنْدَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ:
فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالْأَمْرُ أَمْرُنَا ... إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ
فَأُفٍّ لِدُنْيَا لَا يَدُومُ نَعِيمُهَا ... تَقَلَّبُ تَارَاتٍ بِنَا وَتَصَرَّفُ
فَهَنِيئًا لِمَنْ جَعَلَ الدُّنْيَا كَسَاعَةٍ، وَاشْتَغَلَ فِيهَا بِالطَّاعَةِ قِيَامًا بِأَمْرِ الْحَبِيبِ، فَإِنَّ كُلَّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ. قَالَ تَعَالَى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ - مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 1 - 2] (قَالَ) أَيْ: عُمَرُ (ثُمَّ انْطَلَقَ) أَيِ: السَّائِلُ (فَلَبِثْتُ) أَيْ: أَنَا. وَفِي رِوَايَةٍ فَلَبِثَ أَيْ: هُوَ (مَلِيًّا) : بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ مِنَ الْمَلَاوَةِ إِذِ الْمَهْمُوزُ بِمَعْنَى الْغَنِيِّ أَيْ: زَمَانًا، أَوْ مُكْثًا طَوِيلًا، وَبَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَالتِّرْمِذِيِّ قَالَ عُمَرُ: فَلَبِثْتُ ثَلَاثًا، وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَفِي أُخْرَى فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَفِي أُخْرَى لِابْنِ حِبَّانَ بَعْدَ ثَالِثَةٍ، وَفِي أُخْرَى لِابْنِ مَنْدَهْ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَفِي وُرُودِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ رَدٌّ عَلَى مَنْ وَهَمَ أَنَّ رِوَايَةَ ثَلَاثًا مُصَحَّفَةٌ مِنْ رِوَايَةِ مَلِيًّا، وَالْمَعْنَى أَنِّي لَمْ أَسَتَخْبِرْ مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَهَابَةً، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ذَكَرَهُ فِي الْمَجْلِسِ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّ عُمَرَ لَمْ يَحْضُرْ فِي الْحَالِ بَلْ قَامَ فَأَخْبَرَ الصَّحَابَةَ، ثُمَّ أَخْبَرَ عُمَرَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ (ثُمَّ قَالَ لِي: (يَا عُمَرُ! أَتَدْرِي) أَيْ: أَتَعْلَمُ، وَفِي الْعُدُولِ نُكْتَةٌ لَا تَخْفَى (مَنِ السَّائِلُ؟) أَيْ: مَا يُقَالُ فِي جَوَابِ هَذَا بَشَرٌ السُّؤَالِ (قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) : لِأَنَّ الْأَمَارَاتِ السَّابِقَةَ وَالتَّعَجُّبَ أَوْقَعَهُمْ فِي التَّرَدُّدِ أَهُوَ بَشَرٌ أَمْ مَلَكٌ، وَهَذَا الْقَدْرُ يَكْفِي فِي الشَّرِكَةِ عَلَى أَنَّ اسْمَ التَّفْضِيلِ كَثِيرًا يُرَادُ بِهِ أَصْلُ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ شَرِكَةٍ. (قَالَ: (فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ) أَيْ: إِذَا فَوَّضْتُمُ الْعِلْمَ إِلَى اللَّهِ، وَرَسُولِهِ فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَى تَأْوِيلِ الْأَخْبَارِ أَيْ: تَفْوِيضُكُمْ ذَلِكَ سَبَبٌ لِلْإِخْبَارِ بِهِ، وَقَرِينَةُ الْمَحْذُوفِ قَوْلُهُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَالْفَاءُ فَصِيحَةٌ ; لِأَنَّهَا تُفْصِحُ عَنْ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، وَأَكَّدَ الْكَلَامَ لِأَنَّ السَّائِلَ طَالِبٌ مُتَرَدِّدٌ، وَفِي رِوَايَةٍ رُدُّوهُ فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوهُ فَمَا رَأَوْا شَيْئًا. قَالَ الْقَاضِي: وَجِبْرِيلُ مَلَكٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَمِنْ خَوَاصِّ الْمَلَكِ أَنْ يَتَمَثَّلَ لِلْبَشَرِ فَيَرَاهُ جِسْمًا. اهـ.
قِيلَ: وَالسِّرُّ فِي التَّوَسُّطِ أَنَّ الْمُكَالَمَةَ تَقْتَضِي مُنَاسَبَةً بَيْنَ الْمُتَخَاطِبَيْنِ فَاقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ تَوَسُّطَ جِبْرِيلَ لِيَتَلَقَّفَ الْوَحْيَ بِوَجْهِهِ الَّذِي فِي عَالَمِ الْقُدْرَةِ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ تَلَقُّفًا رُوحَانِيًّا، أَوْ مِنَ اللَّوْحِ، وَيُلْقِيهِ بِوَجْهِهِ الَّذِي فِي عَالَمِ الْحِكْمَةِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرُبَّمَا يَنْزِلُ الْمَلَكُ إِلَى صُورَةِ الْبَشَرِ، وَرُبَّمَا يَرْتَقِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ يَرْتَقِي إِلَى الْمَرْتَبَةِ الْمَلَكِيَّةِ، وَيَتَعَرَّى عَنِ الْكُسْوَةِ الْبَشَرِيَّةِ فَيَرِدُ الْوَحْيُ عَلَى الْقَلْبِ فِي لُبْسَةِ الْجَلَالِ، وَأُبَّهَةِ الْكِبْرِيَاءِ وَالْكَمَالِ، وَيَأْخُذُ بِمَجَامِعِهِ
الجزء 1 · صفحة 65
فَإِذَا سُرِّيَ عَنْهُ وَجَدَهُ الْمُنْزِلُ مُلْقًى فِي الرُّوعِ كَمَا فِي الْمَسْمُوعِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ أَحْيَانًا: ( «يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ فَيَفْصِمُ عَنِّي، وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ» "، ثُمَّ جِبْرِيلُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا مَعَ كَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا يَاءٌ، وَبِفَتْحِهَا وَهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مَعَ يَاءٍ وَتَرْكِهَا، أَرْبَعُ لُغَاتٍ مُتَوَاتِرَاتٍ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَأَكْثَرُ. [ (أَتَاكُمْ) ] : اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ، أَوْ خَبَرٌ لِجِبْرِيلَ عَلَى أَنَّهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ [ (يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ) ] ": جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ فِي أَتَاكُمْ أَيْ: عَازِمًا تَعْلِيمَكُمْ، فَهُوَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ الْإِتْيَانِ مُعَلِّمًا، أَوْ مَفْعُولٌ لَهُ بِتَقْدِيرِ اللَّامِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَالْمُرَادُ تَثْبِيتُهُمْ عَلَى عِلْمِهِمْ، وَتَقْدِيرُهُ بِطَرِيقِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ لِيَتَمَكَّنَ غَايَةَ التَّمَكُّنِ فِي نُفُوسِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَحْصُولَ بَعْدَ الطَّلَبِ أَعَزُّ مِنَ الْمُنْسَاقِ بِلَا تَعَبٍ، وَإِسْنَادُ التَّعْلِيمِ إِلَيْهِ مَجَازٌ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ، وَأَضَافَ الدِّينَ إِلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمُ الْمُخْتَصُّونَ بِالدِّينِ الْقَيِّمِ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ، أَوِ الْخِطَابُ مَخْصُوصٌ بِالصَّحَابَةِ خُصُوصًا، أَوْ عُمُومًا، فَإِنَّ سَائِرَ النَّاسِ يَأْخُذُونَ دِينَهُمْ مِنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ وَالْإِحْسَانَ يُسَمَّى دِينًا فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19] الْمُرَادُ بِهِ الْكَامِلُ، وَكَذَا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] وَفِي رِوَايَةٍ: أَرَادَ أَنْ تَعْلَمُوا إِذَا لَمْ تَسْأَلُوا، وَفِي أُخْرَى: «وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ مَا كُنْتُ أَعْلَمَ بِهِ مِنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ، وَبِأَنَّهُ لَجِبْرِيلُ» ، وَفِي أُخْرَى: ثُمَّ وَلَّى، فَلَمَّا لَمْ يُرَ طَرِيقُهُ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سُبْحَانَ اللَّهِ هَذَا جِبْرِيلُ، أَتَاكُمْ لِيُعَلِّمَكُمْ دِينَكُمْ خُذُوا عَنْهُ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا شُبِّهَ عَلَيَّ مُنْذُ أَتَانِي قَبْلَ مَرَّتِي هَذِهِ، وَمَا عَرَفْتُهُ حَتَّى وَلَّى» ". (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) أَيْ: عَنْ عُمَرَ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مَعَ تَغْيِيرٍ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْأَرْبَعِينَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَمْ يُخْرِجْهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُمَرَ لِاخْتِلَافٍ فِيهِ عَلَى بَعْضِ رُوَاتِهِ. وَقَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ: وَقَدْ رَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَبُو عَوَانَةَ الْإِسْفِرَايِينِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ، وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الطُّرُقِ مُشْتَمِلٌ عَلَى فَوَائِدَ غَزِيرَةٍ، وَفَوَائِدَ كَثِيرَةٍ لَمْ تُوجَدْ فِي طَرِيقِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَذَا حَدِيثٌ جَلِيلٌ سُمِّيَ حَدِيثَ جِبْرِيلَ، وَأُمَّ الْأَحَادِيثِ، وَأُمَّ الْجَوَامِعِ؛ لِأَنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِلشَّرِيعَةِ، وَالطَّرِيقَةِ، وَالْحَقِيقَةِ بَيَانًا إِجْمَالِيًّا عَلَى الْوَجْهِ الْأَتَمِّ الَّذِي عُلِمَ تَفَاصِيلُهَا مِنَ السُّنَنِ النَّبَوِيَّةِ، وَالشَّرَائِعِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ عَلَى صَاحِبِهَا أُلُوفُ التَّحِيَّةِ، كَمَا أَنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ تُسَمَّى أُمَّ الْقُرْآنِ، وَأُمَّ الْكِتَابِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْمَعَانِي الْقُرْآنِيَّةِ، وَالْحِكَمِ الْفُرْقَانِيَّةِ بِالدَّلَالَاتِ الْإِجْمَالِيَّةِ، فَحَدِيثُ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ بِمَنْزِلَةِ الْبَسْمَلَةِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ بِمَنْزِلَةِ الْفَاتِحَةِ الْمُصَدَّرَةِ بِالْحَمْدَلَةِ، وَهَذَا وَجْهٌ وَجِيهٌ، وَتَنْبِيهٌ نَبِيهٌ لِاخْتِيَارِهَا فِي صَدْرِ الْكِتَابِ، وَمَفْتَحِ الْأَبْوَابِ.
3 - وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ اخْتِلَافٍ، وَفِيهِ: " «وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمَّ الْبُكْمَ، مُلُوكَ الْأَرْضِ فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ " ثُمَّ قَرَأَ {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} [لقمان: 34] الْآيَةَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
3 - (وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ) أَيْ: هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا (مَعَ اخْتِلَافٍ) أَيْ: بَيْنَ بَعْضِ أَلْفَاظِهِمَا (وَفِيهِ) أَيْ: فِي مَرْوِيِّ أَبِي هُرَيْرَةَ (رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُلَ) : فَأَخَذُوا يَرُدُّونَهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ جِبْرِيلُ. ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَتَقَدَّمَ الْجَمْعُ عَنِ النَّوَوِيِّ مَعَ أَنَّ كَوْنَ هَذَا الْإِخْبَارِ فِي الْمَجْلِسِ غَيْرَ صَرِيحٍ، فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِعْلَامِ عُمَرَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الصَّحِيحِ، وَفِيهِ أَيْضًا: (وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمَّ) أَيْ: عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ (الْبُكْمَ) أَيْ: عَنِ النُّطْقِ بِالصِّدْقِ جُعِلُوا لِبَلَادَتِهِمْ، وَحَمَاقَتِهِمْ، وَعَدَمِ تَمْيِيزِهِمْ كَأَنَّهُ أُصِيبَتْ مَشَاعِرُهُمْ مَعَ كَوْنِهَا سَلِيمَةً تُدْرِكُ مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ (مُلُوكَ الْأَرْضِ) : مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لَرَأَيْتَ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ، وَالْمُرَادُ بِأُولَئِكَ أَهْلُ الْبَادِيَةِ لِمَا فِي رِوَايَةٍ، قَالَ: مَا الْحُفَاةُ الْعُرَاةُ؟ قَالَ: الْعُرَيْبُ مُصَغَّرُ الْعَرَبِ (فِي خَمْسٍ) : هُوَ فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلَى الْحَالِ أَيْ: تَرَاهُمْ مُلُوكَ الْأَرْضِ مُتَفَكِّرِينَ فِي خَمْسِ كَلِمَاتٍ إِذْ مِنْ شَأْنِ الْمُلُوكِ الْجُهَّالِ التَّفَكُّرُ فِي أَشْيَاءَ تَعْنِيهِمْ، وَلَا تَعْنِيهِمْ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِأَعْلَمَ أَيْ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ فِي عِلْمِ الْخَمْسِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِهَا مُخْتَصٌّ بِهِ تَعَالَى، وَفِيهِ إِشَارَةٌ
الجزء 1 · صفحة 66
ظَاهِرَةٌ إِلَى إِبْطَالِ الْكِهَانَةِ، وَالتَّنْجِيمِ، وَنَحْوِهِمَا مِنْ كُلِّ مَا فِيهِ تَسَوُّرٌ عَلَى عِلْمِ شَيْءٍ كُلِّيٍّ أَوْ جُزْئِيٍّ مِنْ هَذِهِ الْخَمْسِ، وَإِرْشَادٌ لِلْأُمَّةِ، وَتَحْذِيرٌ لَهُمْ عَنْ إِتْيَانِ مَنْ يَدَّعِي عِلْمَ الْغَيْبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65] .
فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ أَخْبَرَ الْأَنْبِيَاءُ، وَالْأَوْلِيَاءُ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ مِنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ الْحَصْرُ؟ قُلْتُ: الْحَصْرُ بِاعْتِبَارِ كُلِّيَّاتِهَا دُونَ جُزْئِيَّاتِهَا، قَالَ تَعَالَى: {فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا - إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن: 26 - 27] بِنَاءً عَلَى اتِّصَالِ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أُوتِيَ نَبِيُّكُمْ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ سِوَى هَذِهِ الْخَمْسِ، وَأَخْرَجَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِنَحْوِهِ مَرْفُوعًا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَنِ ادَّعَى عِلْمَ شَيْءٍ مِنْهَا غَيْرَ مُسْتَنِدٍ إِلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ كَاذِبًا فِي دَعْوَاهُ. قَالَ: وَأَمَّا ظَنُّ الْغَيْبِ فَقَدْ يَجُوزُ مِنَ الْمُنَجِّمِ وَغَيْرِهِ إِذَا كَانَ عَنْ أَمْرٍ عَادِيٍّ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعِلْمٍ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ وَالْجُعْلِ وَإِعْطَائِهَا فِي ذَلِكَ اهـ.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ ذَكَرَ الْعِلْمَ بِوَقْتِ الْكُسُوفِ قَبْلَ ظُهُورِهِ فَأُنْكِرَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّمَا الْغَيْبُ خَمْسٌ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ. وَمَا عَدَا ذَلِكَ غَيْبٌ يَعْلَمُهُ قَوْمٌ، وَيَجْهَلُهُ قَوْمٌ اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ بِأَخْبَارِ بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ مِنْ مَضْمُونِ كُلِّيَّاتِ الْآيَةِ، فَلَعَلَّهُ بِطَرِيقِ الْمُكَاشَفَةِ أَوِ الْإِلْهَامِ أَوِ الْمَنَامِ الَّتِي هِيَ ظَنِّيَّاتٌ لَا تُسَمَّى عُلُومًا يَقِينَيَّاتٍ، وَقِيلَ الْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ أَيْ: ذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي خَمْسٍ، أَوْ تَجِدُ ذَلِكَ فِي خَمْسٍ، وَقِيلَ فِي بِمَعْنَى مَعَ، وَقِيلَ: بِمَعْنَى: مِنْ، أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ خَمْسٍ، وَقِيلَ: هُوَ مَرْفُوعُ الْمَحَلِّ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ أَيِ: السَّاعَةُ ثَابِتَةٌ، أَوْ مَعْدُودَةٌ فِي خَمْسٍ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ: هِيَ فِي خَمْسٍ مِنَ الِغَيْبِ أَيْ: عَدَمُ وَقْتِ السَّاعَةِ مُنْدَرِجٌ فِي جُمْلَةِ خَمْسِ كَلِمَاتٍ [ (لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ) ] : كَمَا أَفَادَهُ تَقُومُ عِنْدَهُ فِي الْآيَةِ الْآتِيَةِ، إِذِ الظَّرْفُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ، لِأَنَّ تَقْدِيمَ مَا حَقُّهُ التَّأْخِيرُ يُفِيدُ الْحَصْرَ، وَعَطْفُ يُنَزِّلُ وَمَا بَعْدَهُ بِتَقْدِيرِ أَنِ الْمَصْدَرِيَّةِ عَلَى السَّاعَةِ، وَجُمْلَةُ وَمَا تَدْرِي الْمَقْصُودُ مِنْهُمَا إِثْبَاتُ ذَلِكَ الْمَعْنَى عَنِ الِغَيْرِ فِيهِمَا لِلَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ إِنْ لَمْ يُفَسَّرِ الْخَمْسُ بِمَفَاتِيحِ الْغَيْبِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} [الأنعام: 59] وَأَمَّا إِذَا فُسِّرَتْ بِهَا فَالْحَصْرُ جَلِيٌّ لَا يُحْتَاجُ الِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَوَابَ تَضَمَّنَ زِيَادَةً عَلَى السُّؤَالِ اهْتِمَامًا بِذَلِكَ إِرْشَادًا لِلْأُمَّةِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْكَثِيرَةِ الْفَوَائِدِ الْعَظِيمَةِ الْعَوَائِدِ، (ثُمَّ قَرَأَ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان: 34] أَيْ: آيَةُ تِلْكَ الْخَمْسِ بِكَمَالِهَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ بَيَانًا لَهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ قَرَأَ أَبَا هُرَيْرَةَ فَتَكُونَ الْآيَةُ اسْتِشْهَادًا وَمِصْدَاقًا لِلْحَدِيثِ (وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ) قُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ أَيْ: وَهُوَ يُنَزِّلُ الْمَطَرَ الَّذِي يُغِيثُ النَّاسَ فِي أَمْكِنَتِهِ وَأَزْمِنَتِهِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ (الْآيَةَ) : مِنْ قَوْلِ أَحَدِ الرُّوَاةِ بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ أَعْنِي، أَوْ يَعْنِي، أَوِ اقْرَأْ، أَوْ قَرَأَ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ، وَبِالرَّفْعِ أَيْ: الْآيَةُ مَعْلُومَةٌ مَشْهُورَةٌ إِذَا قَرَأَهَا، وَقِيلَ بِالْجَرِّ وَالتَّقْدِيرُ قَرَأَ، أَوِ اقْرَأْ إِلَى الْآيَةِ أَيْ: آخِرِهَا. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ إِلَى (خَبِيرٌ) وَأُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ إِلَى (الْأَرْحَامِ) وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةَ ثِقَةٍ وَإِفَادَةٍ، وَالرِّوَايَتَانِ تَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ لَفْظَةَ الْآيَةِ لَيْسَتْ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَمَا ظَنَّ بَعْضُهُمْ، وَتَمَامُهَا (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ) أَيْ: وَهُوَ يَعْلَمُ تَفْصِيلَ مَا فِي أَرْحَامِ الْإِنَاثِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، وَوَاحِدٍ وَمُتَعَدِّدٍ، وَكَامِلٍ وَنَاقِصٍ، وَمُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ، وَطَوِيلٍ وَقَصِيرٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ} [الرعد: 8] أَيْ: تَنْقُصُ: وَمَا تَزْدَادُ أَيْ: مِنْ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَالْجُثَّةِ وَالْعَدَدِ {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد: 8] أَيْ: بِقَدَرٍ وَاحِدٍ لَا يَتَجَاوَزُهُ، وَعَدَلَ عَنِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ:
الجزء 1 · صفحة 67
{وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34] ; لِأَنَّ الدِّرَايَةَ اكْتِسَابُ عِلْمِ الشَّيْءِ بِحِيلَةٍ فَإِذَا انْتَفَى ذَلِكَ عَنْ كُلِّ نَفْسٍ مَعَ كَوْنِهِ مُخْتَصًّا بِهَا، وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ عَلَى عِلْمٍ كَانَ عَدَمُ اطِّلَاعِهَا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ بَابٍ أَوْلَى، وَالْمُرَادُ بِالنَّفْسِ ذَاتُ النَّفْسِ، أَوْ ذَاتُ الرُّوحِ، وَهَذَانِ الْمَعْنَيَانِ لَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ النَّفْسِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلِذَا قِيلَ بِالْمُشَاكَلَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة: 116] وَأَمَّا إِذَا أُرِيدَ بِهَا الذَّاتُ الْمُطْلَقُ فَيَصِحُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا وَرَدَ: (سُبْحَانَكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ) . (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ) أَيْ: بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ جُزْئِيَّاتِهَا وَكُلِّيَّاتِهَا خُصُوصًا وَغَيْرِهَا عُمُومًا (خَبِيرٌ) أَيْ: بِبَاطِنِهَا، كَمَا أَنَّهُ عَالِمٌ بِظَاهِرِهَا، مَعْنَاهُ يُخْبِرُ بِبَعْضِهَا مِنْ جُزْئِيَّاتِهَا لِبَعْضِ عِبَادِهِ الْمَخْصُوصِينَ، وَقَدْ أَخْبَرَ فِي مَوَاضِعِ كِتَابِهِ أَنَّ عِلْمَ السَّاعَةِ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ، ثُمَّ أَدْبَرَ، فَقَالَ: (رُدُّوهُ) فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَيْ: اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى مَرْوِيِّ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي فِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَةُ لَكِنِ اسْتَدْرَكَهُ مِيرَكُ، وَقَالَ: إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَقُلْ: (الصُّمَّ الْبُكْمَ مُلُوكَ الْأَرْضِ) ، بَلْ قَالَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ: (وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الْإِبِلِ الْبُهْمِ فِي الْبُنْيَانِ) وَفِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ: (وَإِذَا كَانَ الْحُفَاةُ الْعُرَاةُ رُءُوسَ النَّاسِ فَذَلِكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا) ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ بِمَعْنَاهُ.
4 - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
4 - (وَعَنْ) أَيْ: وَرُوِيَ عَنِ (ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) : أَسْلَمَ مَعَ أَبِيهِ بِمَكَّةَ، وَهُوَ صَغِيرٌ، وَأَوَّلُ مَشَاهِدِهِ الْخَنْدَقُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَرَعِ وَالْعِلْمِ وَالزُّهْدِ قَالَ جَابِرٌ: مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا مَالَتْ بِهِ الدُّنْيَا وَمَالَ بِهَا مَا خَلَا عُمَرَ، وَابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ.
وَقَالَ نَافِعٌ: مَا مَاتَ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى أَعْتَقَ أَلْفَ إِنْسَانٍ أَوْ زَادَ، وُلِدَ قَبْلَ الْوَحْيِ بِسَنَةٍ، وَمَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ بَعْدَ قَتْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَ أَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ فِي الْحِلِّ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْحَجَّاجِ، وَدُفِنَ بِذِي طُوًى فِي مَقْبَرَةِ الْمُهَاجِرِينَ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ قَدْ أَمَرَ رَجُلًا فَسَمَّ زُجَّ رُمْحِهِ، وَزَاحَمَهُ فِي الطَّرِيقِ، وَوَضَعَ الزِّجَ فِي ظَهْرِ قَدَمِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ خَطَبَ يَوْمًا، وَأَخَّرَ الصَّلَاةَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنَّ الشَّمْسَ لَا تَنْتَظِرُكَ، فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَضُرَّكَ الَّذِي فِي عَيْنِكَ. قَالَ: " لَا تَفْعَلْ فَإِنَّكَ سَفِيهٌ مُسَلَّطٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَخْفَى قَوْلَهُ ذَلِكَ عَنِ الِحَجَّاجِ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ، وَكَانَ يَتَقَدَّمُهُ فِي الْمَوَاقِفِ بِعَرَفَةَ، وَغَيْرِهَا إِلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَفَ فِيهَا، وَكَانَ ذَلِكَ يَعِزُّ عَلَى الْحَجَّاجِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَدَّعِيَ الْخِلَافَةَ فَحَصَلَ لَهُ الشَّهَادَةُ، وَلَهُ أَرْبَعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً. رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ. [قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (بُنِيَ الْإِسْلَامُ) ] هُوَ: اسْمٌ لِلشَّرِيعَةِ دُونَ الْإِيمَانِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْإِذْعَانِ بِالْقَلْبِ، وَالِاسْتِسْلَامِ بِجَمِيعِ الْقُوَى وَالْجَوَارِحِ: فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَهُوَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَيْثُ قَالَ لَهُ: أَسْلِمْ، وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الِأَوَّلِ، وَالْمُرَادُ لَهُ الْإِسْلَامُ الْكَامِلُ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى بَيَانِ أَرْكَانِهِ مَعَ إِيمَاءٍ إِلَى بَقِيَّةِ شُعَبِ إِيمَانِهِ فَلَا يَتَوَجَّهُ مَا قِيلَ إِنَّمَا يَصِحُّ الْحَدِيثُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ الْإِسْلَامَ عِبَارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ الثَّلَاثِ. [ (عَلَى خَمْسٍ) ] أَيْ: خَمْسِ دَعَائِمَ، كَمَا فِي رِوَايَةٍ، أَوْ خِصَالٍ أَيْ: قَوَاعِدَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ بِالتَّاءِ أَيْ: خَمْسَةِ أَشْيَاءَ، أَوْ أَرْكَانٍ، أَوْ أُصُولٍ، وَإِنَّمَا جَازَ هُنَا لِحَذْفِ الْمَعْدُودِ شُبِّهَتْ حَالَةُ الْإِسْلَامِ مَعَ أَرْكَانِهِ الْخَمْسِ عَلَى وَجْهِ الدَّوَامِ بِحَالِ خِبَاءٍ أُقِيمَ عَلَى خَمْسَةِ أَعْمِدَةٍ، وَقُطْبُهَا الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ الْأَرْكَانُ هِيَ الشَّهَادَةُ النَّاشِئَةُ عَنْ صَمِيمِ الْقَلْبِ الشَّاهِدِ عَلَيْهِ لَفَظُ الشَّهَادَةِ الْمُشَبَّهَةِ بِالْعَمُودِ الْوَسَطِ لِلْخَيْمَةِ، وَبَقِيَّةُ شُعَبِ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الْأَوْتَادِ لِلْخِبَاءِ. قَالَ الْحَسَنُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي مَجْمَعِ شُهُودِ جِنَازَةٍ لِلْفَرَزْدَقِ: مَا أَعْدَدْتَ لِهَذَا الْمَقَامِ؟ فَقَالَ: شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُنْذُ كَذَا سَنَةً. فَقَالَ الْحَسَنُ: هَذَا الْعَمُودُ فَأَيْنَ الْأَطْنَابُ، وَهُوَ تَمْثِيلٌ شَبَّهَ الْإِسْلَامَ بِخَيْمَةٍ عَمُودُهَا كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، وَالْأَطْنَابُ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ [ (شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ] : بِالْجَرِّ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ عَلَى أَنَّهُ عَطْفُ بَيَانٍ، أَوْ بَدَلٌ مِنْ خَمْسٍ بَدَلَ كُلٍّ، وَهُوَ مَجْمُوعُ الْمَجْرُورَاتِ الْمُتَعَاطِفَةِ مِنْ كُلٍّ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بَدَلَ بَعْضٍ مَعَ مُلَاحَظَةِ الرَّبْطِ قَبْلَ الْعَطْفِ لِعَدَمِ الرَّابِطِ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ أَعْنِي، وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ
الجزء 1 · صفحة 68
مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَهُوَ: هِيَ، أَوْ إِحْدَاهُمَا، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ: مِنْهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَ (أَنْ) مُخَفَّفَةٌ، وَ (لَا) نَافِيَةٌ لِلْجِنْسِ، وَ (إِلَهَ) اسْمُهَا رُكِّبَ مَعَهَا تَرْكِيبَ خَمْسَةَ عَشَرَ فَفَتْحَةُ فَتْحَتِهِ بِنَاءٌ لَا إِعْرَابٌ خِلَافًا لِلزَّجَّاجِ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّهُ نُصِبَ بِهَا لَفْظًا، وَخَبَرُهَا مَحْذُوفٌ اتِّفَاقًا تَقْدِيرُهُ مَوْجُودٌ إِنْ أُرِيدَ بِالْإِلَهِ الْمَعْبُودُ بِحَقٍّ، وَإِلَّا فَتَقْدِيرُهُ مَعْبُودٌ بِحَقٍّ، وَإِلَّا حَرْفُ اسْتِثْنَاءٍ، وَقِيلَ: بِمَعْنَى غَيْرِ، وَهِيَ مَعَ مَا بَعْدَهَا صِفَةُ اللَّهِ، وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وَجَوَّزَ نَصْبَ الْجَلَالَةِ نَعْتًا لِإِلَهٍ عَلَى أَنَّ إِلَّا بِمَعْنَى غَيْرِ، وَقِيلَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَاللَّهُ مَرْفُوعٌ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنْ ضَمِيرِ الْخَبَرِ الْمُسْتَتِرِ فِيهِ، وَقِيلَ بَدَلٌ مِنَ اسْمِ لَا بِاعْتِبَارِ مَحَلِّهِ قَبْلَهَا، وَقِيلَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ لَا [ (وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ) ] أَيِ: الْكَامِلُ [ (وَرَسُولُهُ) أَيْ: الْمُكَمِّلُ، وَلِتَلَازُمِ الشَّهَادَتَيْنِ شَرْعًا جُعِلَتَا خَصْلَةً وَاحِدَةً، وَاقْتَصَرَ فِي رِوَايَةٍ عَلَى إِحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ اكْتِفَاءً، أَوْ نِسْيَانًا. قِيلَ: وَأُخِذَ مِنْ جَمْعِهِمَا كَذَلِكَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي صِحَّةِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْإِتْيَانِ بِهِمَا عَلَى التَّوَالِي، وَالتَّرْتِيبِ، [ (وَإِقَامِ الصَّلَاةِ) ] أَيْ: الْمَفْرُوضَةِ، وَحُذِفَتْ تَاءُ الْإِقَامَةِ الْمُعَوَّضَةِ عَنْ عَيْنِ الْفِعْلِ الْمَحْذُوفَةِ عِنْدَ الْإِضَافَةِ لِطُولِ الْعِبَارَةِ، هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ عَلَى مَا قَالَهُ الزُّجَاجُ، وَقِيلَ هُمَا مَصْدَرَانِ. [ (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) ] أَيْ: إِعْطَائِهَا وَتَمْلِيكِهَا لِمَصَارِفِهَا، وَالْمُرَادُ بِهَا الصَّدَقَةُ الْمَكْتُوبَةُ [ (وَالْحَجِّ) ] : بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا مَصْدَرَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ، وَحَجِّ الْبَيْتِ أَيْ: قَصْدِهِ لِأَدَاءِ النُّسُكِ فَاللَّامُ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَقِيلَ اللَّامُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ فَلَا يَرِدُ أَنَّ الصَّوْمَ فُرِضَ قَبْلَ الزَّكَاةِ، وَهِيَ قَبْلَ الْحَجِّ، وَلَعَلَّ النُّكْتَةَ فِي التَّقْدِيمِ الذِّكْرِيِّ هِيَ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْعِبَادَةَ إِمَّا بَدَنِيَّةٌ فَقَطْ، أَوْ مَالِيَّةٌ فَقَطْ، أَوْ مُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا، أَوْ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الطَّاعَةَ الْمُثَلَّثَةَ إِمَّا يَوْمِيَّةٌ، أَوْ سَنَوِيَّةٌ، أَوْ عُمْرِيَّةٌ، وَلَمْ يَذْكُرِ الِاسْتِطَاعَةَ ; لِشُهْرَتِهَا، أَوْ عَلَى اعْتِبَارِهَا فِي كُلِّ طَاعَةٍ.
[ (وَصَوْمِ رَمَضَانَ) ] أَيْ: أَيَّامِهِ بِشَرَائِطَ، وَأَرْكَانٍ مَعْلُومَةٍ. قِيلَ: فِيهِ حَذْفُ شَهْرٍ، وَفِيهِ أَنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ لِلشَّهْرِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {شَهْرُ رَمَضَانَ} [البقرة: 185] إِضَافَتُهُ بَيَانِيَّةٌ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْحَجِّ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِذَا قَدَّمَ الْبُخَارِيُّ كِتَابَ الْحَجِّ عَلَى الصَّوْمِ، وَالْجُمْهُورُ أَخَّرُوهُ عَنْ جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ لِكَوْنِ وُجُوبِهِ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِ الْعُمْرِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُفْتَتَحِ كِتَابِ الْإِيمَانِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يُطْلَقُ عَلَى الْأَفْعَالِ، وَأَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ قَدْ يَكُونَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَجْهُ ذِكْرِ الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيرَةِ مَعَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَإِنْ تَوَقَّفَ الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمَا فَقَطِ التَّنْبِيهُ عَلَى تَعْظِيمِ شَأْنِهَا، وَأَنَّهَا أَظْهَرُ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ إِذْ بِهَا يَتِمُّ الِاسْتِسْلَامُ، وَبِتَرْكِ بَعْضِهَا يَنْحَلُّ قَيْدُ الِانْقِيَادِ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ إِلَى كُفْرٍ حَيْثُ لَا إِنْكَارَ إِجْمَاعًا إِلَّا مَا جَاءَ عَنْ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لِدَلِيلٍ خَاصٍّ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ» ": وَلَمْ يَذْكُرِ الْجِهَادَ لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِلَّا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَالْكَلَامُ فِي فُرُوضِ الْعَيْنِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، وَلِهَذَا زِيدَ فِي آخِرِهِ فِي رِوَايَةٍ، وَأَنَّ الْجِهَادَ مِنَ الِعَمَلِ الْحَسَنِ، قِيلَ وَجْهُ الْحَصْرِ فِي تِلْكَ الْخَمْسَةِ أَنَّ الْعِبَادَةَ إِمَّا فِعْلٌ أَوْ تَرْكٌ. الثَّانِي الصَّوْمُ، وَالْأَوَّلُ إِمَّا لِسَانِيٌّ وَهُوَ الشَّهَادَتَانِ، أَوْ بَدَنِيٌّ وَهُوَ الصَّلَاةُ، أَوْ مَالِيٌّ وَهُوَ الزَّكَاةُ، أَوْ مَالِيٌّ وَبَدَنِيٌّ وَهُوَ الْحَجُّ، وَقُدِّمَتِ الشَّهَادَتَانِ؛ لِأَنَّهُمَا الْأَصْلُ، ثُمَّ الصَّلَاةُ لِأَنَّهَا الْعِمَادُ الْأَعْظَمُ، وَمِنْ ثَمَّ جَاءَ فِي حَدِيثٍ: وَعَمُودُهَا الصَّلَاةُ. وَفِي حَدِيثٍ: «الصَّلَاةُ عِمَادُ الدِّينِ» . وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الِفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45] وَلِذَا سُمِّيَتْ أُمَّ الْعِبَادَاتِ كَمَا سُمِّيَتِ الْخَمْرُ أُمَّ الْخَبَائِثِ، ثُمَّ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهَا قَرِينَتُهَا فِي مَوَاضِعَ مِنَ الِقُرْآنِ، وَلِلْمُنَاسَبَةِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ فِي الْقُرْآنِ، ثُمَّ الْحَجُّ لِكَوْنِهِ مُجْمِعًا لِلْعِبَادَتَيْنِ، وَمَحَلًّا لِلْمَشَقَّتَيْنِ، وَلِأَنَّ تَارِكَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ عَلَى مَدْرَجَةِ خَاتِمَةِ السُّوءِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الَّذِي
الجزء 1 · صفحة 69
اخْتُلِفَ فِي ضَعْفِهِ، وَصِحَّتِهِ: «مَنِ اسْتَطَاعَ الْحَجَّ فَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا» ، وَيَدُلُّ عَلَى أَصَالَةِ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] حَيْثُ وُضِعَ مَنْ كَفَرَ مَوْضِعَ مَنْ لَمْ يَحُجَّ مَعَ إِفَادَةِ مُبَالَغَةِ التَّهْدِيدِ فِي قَوْلِهِ: " عَنِ الْعَالَمِينَ "، حَيْثُ عَدَلَ عَنْهُ، وَأَمَّا تَأْخِيرُهُ عَنِ الصَّوْمِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ فَرِعَايَةٌ لِلتَّرْتِيبِ، فَإِنَّ الصَّوْمَ فُرِضَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَالْحَجُّ فُرِضَ سَنَةَ خَمْسٍ، أَوْ سِتٍّ، أَوْ ثَمَانٍ، أَوْ تِسْعٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا، وَالْأَحَادِيثُ الثَّلَاثَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحَادِيثِ الْأَرْبَعِينِيَّةِ النَّوَوِيَّةِ.
5 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
5 - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) : تَصْغِيرُ هِرَّةٍ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: قَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي اسْمِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَنَسَبِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَأَشْهَرُ مَا قِيلَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَبْدُ شَمْسٍ أَوْ عَبْدُ عَمْرٍو، وَفِي الْإِسْلَامِ عَبْدُ اللَّهِ أَوْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ دَوْسِيُّ. قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ: أَصَحُّ شَيْءٍ عِنْدَنَا فِي اسْمِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِ كُنْيَتُهُ فَهُوَ كَمَنْ لَا اسْمَ لَهُ، أَسْلَمَ عَامَ خَيْبَرَ وَشَهِدَهَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ لَزِمَهُ وَوَاظَبَ عَلَيْهِ رَاغِبًا فِي الْعِلْمِ، رَاضِيًا بِشِبَعِ بَطْنِهِ، وَكَانَ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ، وَكَانَ مِنْ أَحْفَظِ الصَّحَابَةِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: رَوَى عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِمِائَةِ رَجُلٍ مَا بَيْنَ صَحَابِيٍّ وَتَابِعِيٍّ، فَمِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَجَابِرٌ، وَأَنَسٌ. قِيلَ: سَبَبُ تَلْقِيبِهِ بِذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَحْمِلُ يَوْمًا هِرَّةً فِي كُمِّي، فَرَآنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: (مَا هَذِهِ؟) : فَقُلْتُ: هِرَّةٌ، فَقَالَ: (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ) . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: وَجَدْتُ هِرَّةً، وَحَمَلْتُهَا فِي كُمِّي، فَقِيلَ لِي: مَا هَذِهِ؟ فَقُلْتُ: هِرَّةً، فَقِيلَ لِي: أَنْتَ أَبُو هُرَيْرَةَ. وَرَجَّحَ بَعْضُهُمُ الْأَوَّلَ، وَقِيلَ: وَكَانَ يَلْعَبُ بِهَا وَهُوَ صَغِيرٌ، وَقِيلَ: كَانَ يُحْسِنُ إِلَيْهَا، وَقِيلَ: الْمُكَنِّي لَهُ بِذَلِكَ وَالِدُهُ، ثُمَّ جَرُّ " هُرَيْرَةَ " هُوَ الْأَصْلُ، وَصَوَّبَهُ جَمَاعَةٌ ; لِأَنَّهُ جُزْءُ عَلَمٍ، وَاخْتَارَ آخَرُونَ مَنْعَ صَرْفِهِ كَمَا هُوَ الشَّائِعُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ صَارَ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ رِعَايَةُ الْأَصْلِ وَالْحَالِ مَعًا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ فِي لَفْظَةٍ؛ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ إِذَا وَقَعَتْ فَاعِلًا مَثَلًا فَإِنَّهَا تُعْرَبُ إِعْرَابَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ نَظَرًا لِلْحَالِ، وَنَظِيرُهُ خَفِيٌّ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ رِعَايَتُهُمَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ لَا مِنْ جِهَتَيْنِ كَمَا هُنَا، وَكَانَ الْحَامِلُ عَلَيْهِ الْخِفَّةَ وَاشْتِهَارَ الْكُنْيَةِ حَتَّى نُسِيَ الِاسْمُ الْأَصْلِيُّ بِحَيْثُ اخْتُلِفَ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا حَتَّى قَالَ النَّوَوِيُّ: اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ قَوْلًا، وَبَلَغَ مَا رَوَاهُ خَمْسَةَ آلَافِ حَدِيثٍ وَثَلَاثَمِائَةٍ وَأَرْبَعَةً وَسِتِّينَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، وَمَا قِيلَ إِنَّ قَبْرَهُ بِقُرْبِ عُسْفَانَ لَا أَصْلَ لَهُ كَمَا ذَكَرَهُ السَّخَاوِيُّ وَغَيْرُهُ. [ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (الْإِيمَانُ) ] أَيْ: ثَمَرَاتُهُ، وَفُرُوعُهُ فَأُطْلِقَ الْإِيمَانُ - وَهُوَ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ - عَلَيْهَا مَجَازًا؛ لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِهِ وَلَوَازِمِهِ [ (بِضْعٌ وَسَبْعُونَ) ] ، وَفِي رِوَايَةٍ: بِضْعَةٌ، وَالْبَاءُ مَكْسُورَةٌ فِيهِمَا وَقَدْ تُفْتَحُ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَا فِي الْعَدَدِ لِمَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالْعَشَرَةِ. وَفِي " الْقَامُوسِ ": هُوَ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ أَوْ إِلَى الْخَمْسِ، أَوْ مَا بَيْنَ الْوَاحِدِ إِلَى الْأَرْبَعَةِ، أَوْ مِنْ أَرْبَعٍ إِلَى تِسْعٍ، أَوْ هُوَ سَبْعٌ اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ سَبْعٌ وَسَبْعُونَ، وَالَّذِي فِي الْأَصْلِ هُوَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، جَرَى عَلَيْهَا أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَرِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ بِضْعٌ وَسِتُّونَ، وَرَجَّحْتُ بِأَنَّهَا الْمُتَيَقَّنُ، وَصَوَّبَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْأُولَى بِأَنَّهَا الَّتِي فِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ، وَرَجَّحَهَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةُ ثِقَاتٍ، وَاعْتَرَضَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ زِيَادَةَ الثِّقَةِ أَنْ يُزَادَ لَفْظٌ فِي الرِّوَايَةِ، وَإِنَّمَا هَذَا مِنِ اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ مَعَ عَدَمِ تَنَافٍ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى؛ إِذْ ذِكْرُ الْأَقَلِّ لَا يَنْفِي الْأَكْثَرَ، وَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ أَوَّلًا بِالسِّتِّينَ، ثُمَّ أُعْلِمَ بِزِيَادَةٍ فَأَخْبَرَ بِهَا، وَيُجَابُ بِأَنَّ هَذَا مُتَضَمِّنٌ لِلزِّيَادَةِ كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ الْكِرْمَانِيُّ، فَصَحَّ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ، وَالْأَظْهَرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّكْثِيرُ لَا التَّحْدِيدُ، وَيُحْمَلُ الِاخْتِلَافُ عَلَى تَعَدُّدِ الْقَضِيَّةِ، وَلَوْ مِنْ جِهَةِ رَاوٍ وَاحِدٍ، وَقَوْلُهُ: [ (شُعْبَةً) ] هِيَ فِي الْأَصْلِ غُصْنُ الشَّجَرِ وَفَرْعُ كُلِّ أَصْلٍ، وَأُرِيدَ بِهَا هُنَا الْخَصْلَةُ الْحَمِيدَةُ أَيْ: الْإِيمَانُ ذُو خِصَالٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَابًا، وَفِي أُخْرَى: أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ بَابًا، أَيْ نَوْعًا مِنْ خِصَالِ الْكَمَالِ، وَفِي أُخْرَى: ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ شَرِيعَةً، مَنْ وَافَى اللَّهَ بِشَرِيعَةٍ مِنْهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَرَوَى ابْنُ شَاهِينَ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مِائَةَ خُلُقٍ، مَنْ أَتَى بِخُلُقٍ مِنْهَا
الجزء 1 · صفحة 70
دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَفُسِّرَتْ بِنَحْوِ الْحَيَاءِ، وَالرَّحْمَةِ، وَالسَّخَاءِ، وَالتَّسَامُحِ، وَغَيْرِهَا مِنْ أَخْلَاقِهِ تَعَالَى الْمَذْكُورَةِ فِي أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا. [ (فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ] أَيْ: هَذَا الذِّكْرُ فَوُضِعَ الْقَوْلُ مَوْضِعَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ بِلَفْظِ: أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، لَا مَوْضِعَ الشَّهَادَةِ ; لِأَنَّهَا مَنْ أَصْلِهِ لَا مَنْ شُعَبِهِ، وَالتَّصْدِيقُ الْقَلْبِيُّ خَارِجٌ عَنْهَا بِالْإِجْمَاعِ، كَذَا قِيلَ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى جَعْلِ الْإِقْرَارِ شَطْرَ الْإِيمَانِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ شَرْطٌ فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْقَوْلِ الشَّهَادَةَ لَإِنْبَائِهِ عَنِ التَّوْحِيدِ الْمُتَعَيَّنِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ الَّذِي لَا يَصِحُّ غَيْرُهُ إِلَّا بَعْدَ صِحَّتِهِ، فَهُوَ الْأَصْلُ الَّذِي يُبْنَى عَلَيْهِ سَائِرُ الشُّعَبِ، أَوْ لِتَضَمُّنِهِ شَرْعًا مَعْنَى التَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ التَّصْدِيقُ وَالْتِزَامُهُ عُرْفًا سَائِرَ الْعِبَادَاتِ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَفْضَلُهَا مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ أَنَّهُ يُوجِبُ عِصْمَةَ الدَّمِ وَالْمَالِ لَا أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقْصَدَ الزِّيَادَةُ الْمُطْلَقَةُ لَا عَلَى مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ أَيْ: الْمَشْهُورُ مِنْ بَيْنِهَا بِالْفَضْلِ فِي الْأَدْيَانِ قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. [ (وَأَدْنَاهَا) ] أَيْ: أَقْرَبُهَا مَنْزِلَةً وَأَدْوَنُهَا مِقْدَارًا وَمَرْتَبَةً، بِمَعْنَى أَقْرَبُهَا تَنَاوُلًا وَأَسْهَلُهَا تَوَاصُلًا، مِنَ الدُّنُوِّ بِمَعْنَى الْقُرْبِ، فَهُوَ ضِدُّ: فُلَانٌ بَعِيدُ الْمَنْزِلَةِ، أَيْ: رَفِيعُهَا، وَمِنْ ثَمَّ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مَكَانَ أَفْضَلِهَا بِلَفْظِ: فَأَرْفَعُهَا، وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَقْصَاهَا، أَوْ مِنَ الدَّنَاءَةِ أَيْ أَقَلُّهَا فَائِدَةً ; لِأَنَّهَا دَفْعُ أَدْنَى ضَرَرٍ [ (إِمَاطَةُ الْأَذَى) ] أَيْ: إِزَالَتُهُ، وَهُوَ مُصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمُؤْذِي، أَوْ مُبَالِغَةٌ، أَوِ اسْمٌ لِمَا يُؤْذِي بِهِ كَشَوْكَةٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ قَذَرٍ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْأَبْرَارِ: هُمُ الَّذِينَ لَا يُؤْذُونَ الذَّرَّ، وَلَا يَرْضَوْنَ الضُّرَّ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِمَاطَةُ الْعَظْمِ أَيْ: مَثَلًا [ (عَنِ الطَّرِيقِ) ] : وَفِي طَرِيقِ أَهْلِ التَّحْقِيقِ أُرِيدَ بِالْأَذَى النَّفْسُ الَّتِي هِيَ مَنْبَعُ الْأَذَى لِصَاحِبِهَا وَغَيْرِهِ، فَالشُّعْبَةُ الْأُولَى مِنَ الْعِبَادَاتِ الْقَوْلِيَّةُ، وَالثَّانِيَةُ مِنَ الطَّاعَةِ الْفِعْلِيَّةِ، أَوِ الْأُولَى فِعْلِيَّةٌ وَالثَّانِيَةُ تَرْكِيَّةٌ، أَوِ الْأُولَى مِنَ الْمُعَامَلَةِ مَعَ الْحَقِّ وَالثَّانِيَةُ مِنَ الْمُجَامَلَةِ مَعَ الْخَلْقِ، أَوِ الْأُولَى مِنَ التَّعْظِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَالثَّانِيَةُ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ، أَوِ الْأُولَى مِنَ الْقِيَامِ بِحَقِّ اللَّهِ وَالثَّانِيَةُ مِنَ الْقِيَامِ بِحَقِّ الْعِبَادِ، فَمَنْ قَامَ بِهِمَا صِدْقًا كَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ حَقًّا [ (وَالْحَيَاءُ) ] : بِالْمَدِّ [ (شُعْبَةٌ) ] أَيْ: عَظِيمَةٌ [ (مِنَ الْإِيمَانِ) ] أَيْ: مِنْ شُعَبِهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْحَيَاءُ الْإِيمَانِيُّ، وَهُوَ خُلُقٌ يَمْنَعُ الشَّخْصَ مِنَ الْفِعْلِ الْقَبِيحِ بِسَبَبِ الْإِيمَانِ؛ كَالْحَيَاءِ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَالْجِمَاعِ بَيْنَ النَّاسِ، لَا النَّفْسَانِيُّ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ فِي النُّفُوسِ، وَهُوَ تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ يَعْتَرِي الْمَرْءَ مِنْ خَوْفِ مَا يُلَامُ وَيُعَابُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أُفْرِدَ مِنْ سَائِرِ الشُّعَبِ ; لِأَنَّهُ الدَّاعِي إِلَى الْكُلِّ ; فَإِنَّ الْحَيِيَّ يَخَافُ فَضِيحَةَ الدُّنْيَا وَفَظَاعَةَ الْعُقْبَى فَيَنْزَجِرُ عَنِ الْمَنَاهِي وَيَرْتَدِعُ عَنِ الْمَلَاهِي، وَلِذَا قِيلَ: حَقِيقَةُ الْحَيَاءِ أَنَّ مَوْلَاكَ لَا يَرَاكَ حَيْثُ نَهَاكَ، وَهَذَا مَقَامُ الْإِحْسَانِ الْمُسَمَّى بِالْمُشَاهَدَةِ النَّاشِئُ عَنْ حَالِ الْمُحَاسَبَةِ، وَالْمُرَاقَبَةِ، فَهَذَا الْحَدِيثُ الْجَلِيلُ مُجْمَلُ حَدِيثِ جِبْرِيلَ، فَأَفْضَلُهَا مُشِيرٌ إِلَى الْإِيمَانِ، وَأَدْنَاهَا مُشْعِرٌ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَالْحَيَاءُ مُوصِلٌ إِلَى الْإِحْسَانِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ( «اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ) قَالُوا: إِنَّا لَنَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: (لَيْسَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الِاسْتَحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ يُحْفَظَ الرَّأْسُ وَمَا حَوَى، وَالْبَطْنُ وَمَا وَعَى، وَيُذْكَرُ الْمَوْتُ، وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا وَآثَرَ الْآخِرَةَ عَلَى الْأُولَى، فَمَنْ يَعْمَلْ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّ: الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: تَتَبَّعْتُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مُدَّةً وَعَدَدْتُ الطَّاعَاتِ فَإِذَا هِيَ تَزِيدُ عَلَى الْبِضْعِ وَالسَّبْعِينَ شَيْئًا كَثِيرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى السُّنَّةِ فَعَدَدْتُ كُلَّ طَاعَةٍ عَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْإِيمَانِ فَإِذَا هِيَ تَنْقُصُ فَضَمَمْتُ مَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَإِذَا هِيَ سَبْعٌ وَسَبْعُونَ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ الْمُرَادُ. قَالَ السُّيُوطِيُّ: قَدْ تَكَلَّفَ جَمَاعَةٌ عَدَّهَا بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ - يَعْنِي الْبَيْضَاوِيَّ وَالْكِرْمَانِيَّ وَغَيْرَهُمَا - وَأَقْرَبُهُمْ عَدًّا ابْنُ حِبَّانَ حَيْثُ ذَكَرَ كُلَّ خَصْلَةٍ سُمِّيَتْ فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ إِيمَانًا، وَقَدْ تَبِعَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَتَبِعْنَاهُمَا، وَذَلِكَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَصِفَاتِهِ، وَحُدُوثِ مَا دُونَهُ، وَبِمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْقَدَرِ، وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَمَحَبَّةُ
الجزء 1 · صفحة 71
اللَّهِ، وَالْحَبُّ فِي اللَّهِ، وَالْبُغْضُ فِيهِ، وَمَحَبَّةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاعْتِقَادُ تَعْظِيمِهِ، وَفِيهِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَاتِّبَاعُ سُنَّتِهِ، وَالْإِخْلَاصُ فِيهِ، وَتَرْكُ الرِّيَاءِ، وَالنِّفَاقِ، وَالتَّوْبَةُ، وَالْخَوْفُ، وَالرَّجَاءُ، وَالشُّكْرُ، وَالْوَفَاءُ، وَالصَّبْرُ، وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ، وَالْحَيَاءُ، وَالتَّوَكُّلُ، وَالرَّحْمَةُ، وَالتَّوَاضُعُ، وَفِيهِ تَوْقِيرُ الْكَبِيرِ، وَرَحْمَةُ الصَّغِيرِ، وَتَرْكُ الْكِبْرِ، وَالْعُجْبِ، وَتَرْكُ الْحَسَدِ وَالْحِقْدِ، وَتَرْكُ الْغَضَبِ، وَالنُّطْقُ بِالتَّوْحِيدِ، وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ، وَتَعَلُّمُ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمُهُ، وَالدُّعَاءُ، وَالذِّكْرُ، وَفِيهِ الِاسْتِغْفَارُ، وَاجْتِنَابُ اللَّغْوِ، وَالتَّطَهُّرُ حِسًّا وَحُكْمًا، وَفِيهِ اجْتِنَابُ النَّجَاسَاتِ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَالصَّلَاةُ فَرْضًا وَنَفْلًا، وَالزَّكَاةُ كَذَلِكَ، وَفَكُّ الرِّقَابِ، وَالْجُودُ، وَفِيهِ الْإِطْعَامُ، وَالضِّيَافَةُ، وَالصِّيَامُ فَرْضًا وَنَفْلًا، وَالِاعْتِكَافُ، وَالْتِمَاسُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ، وَالطَّوَافُ، وَالْفِرَارُ بِالدِّينِ، وَفِيهِ الْهِجْرَةُ، وَالْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ، وَالتَّحَرِّي فِي الْإِيمَانِ، وَأَدَاءُ الْكَفَّارَاتِ، وَالتَّعَفُّفُ بِالنِّكَاحِ، وَأَدَاءُ حُقُوقِ الْعِيَالِ، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ، وَتَرْبِيَةُ الْأَوْلَادِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ، وَطَاعَةُ السَّادَةِ، وَالرِّفْقُ بِالْعَبِيدِ، وَالْقِيَامُ بِالْإِمْرَةِ مَعَ الْعَدْلِ، وَمُتَابَعَةُ الْجَمَاعَةِ، وَطَاعَةُ أُولِي الْأَمْرِ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَفِيهِ قِتَالُ الْخَوَارِجِ وَالْبُغَاةِ، وَالْمُعَاوَنَةُ عَلَى الْبِرِّ، وَفِيهِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ، وَالْجِهَادُ، وَفِيهِ الْمُرَابَطَةُ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ، وَمِنْهَا الْخُمُسُ، وَالْقَرْضُ مَعَ وَفَائِهِ، وَإِكْرَامُ الْجَارِ، وَحُسْنُ الْمُعَامَلَةِ، وَفِيهِ جَمْعُ الْمَالِ مِنْ حِلِّهِ، وَإِنْفَاقُ الْمَالِ فِي حَقِّهِ، وَفِيهِ تَرْكُ التَّبْذِيرِ وَالسَّرَفِ، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَكَفُّ الضَّرَرِ عَنِ النَّاسِ، وَاجْتِنَابُ اللَّهْوِ، وَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ اهـ.
مَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ " النُّقَايَةِ "، وَأَدِلَّتُهَا مَذْكُورَةٌ فِي شَرْحِهَا " إِتْمَامِ الدِّرَايَةِ "، وَتَجِيءُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مُتَفَرِّقَةً، وَلَكِنْ ذَكَرْتُهَا لَكَ مُجْمَلَةً لِتَتَأَمَّلَ فِيهَا مُفَصَّلَةً، فَمَا رَأَيْتَ نَفْسَكَ مُتَّصِفَةً بِهَا فَاشْكُرِ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ، وَمَا رَأَيْتَ عَلَى خِلَافِهَا فَاطْلُبْ مِنَ اللَّهِ التَّوْفِيقَ عَلَى تَحْصِيلِ مَا هُنَالِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ هَذِهِ الشُّعَبُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ كَامِلٌ، وَمَنْ نَقَصَ مِنْهُ بَعْضُهَا فَهُوَ مُؤْمِنٌ نَاقِصٌ، وَأَغْرَبَ النَّوَوِيُّ حِيثُ قَالَ: الْحَدِيثُ نَصٌّ فِي إِطْلَاقِ اسْمِ الْإِيمَانِ الشَّرْعِيِّ عَلَى الْأَعْمَالِ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ: تَمَسَّكَ بِهِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْإِيمَانَ فِعْلُ جَمِيعِ الطَّاعَاتِ وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنَ الْإِقْرَارِ وَالتَّصْدِيقِ وَالْعَمَلِ، وَلَيْسَ كَمَا زَعَمُوا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ لَا فِي ذَاتِهِ، إِذِ التَّقْدِيرُ: شُعَبُ الْإِيمَانِ؛ حَتَّى يَصِحَّ الْإِخْبَارُ عَنْهُ بِسَبْعِينَ شُعْبَةً، إِذْ يَرْجِعُ حَاصِلُهُ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَى أَنَّ شُعَبَ الْإِيمَانِ كَذَا، وَشُعَبُ الشَّيْءِ غَيْرُهُ اهـ.
وَفِي الْحَدِيثِ تَشْبِيهُ الْإِيمَانِ بِشَجَرَةٍ ذَاتِ أَغْصَانٍ وَشُعَبٍ، كَمَا أَنَّ فِي الْقُرْآنِ تَشْبِيهَ الْكَلِمَةِ الدَّالَّةِ عَلَى حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ بِشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، أَيْ: أَصْلُهَا ثَابِتٌ فِي الْقَلْبِ، وَفَرْعُهَا أَيْ: شُعَبُهَا مَرْفُوعَةٌ فِي السَّمَاءِ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . قَالَ مِيرَكُ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: " بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً " مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ، وَفِي الْبُخَارِيِّ: " بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً "، وَكَذَا قَوْلُهُ: " فَأَفْضَلُهَا " إِلَى قَوْلِهِ: " عَنِ الطَّرِيقِ " مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ، فَلَا يَكُونُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ أَيْضًا إِلَّا أَنَّ التِّرْمِذِيَّ أَسْقَطَ قَوْلَهُ: وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ اهـ.
وَذَكَرَ الْعَيْنِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ: " بِضْعٌ وَسَبْعُونَ " مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ الْهَرَوِيِّ، وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: بِضْعٌ وَسِتُّونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هَكَذَا عَلَى الشَّكِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الثَّلَاثَةِ بِلَفْظِ: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بِلَا شَكٍّ، وَأَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ بِلَفْظِ: سِتٌّ وَسَبْعُونَ، أَوْ سَبْعٌ وَسَبْعُونَ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ اهـ.
فَيُؤَوَّلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ أَصْلَهُ مِنْ رِوَايَتِهِمَا دُونَ زِيَادَةٍ: فَأَفْضَلُهَا. . . إِلَخْ.
6 - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» " هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَلِمُسْلِمٍ قَالَ: «إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ؟ قَالَ: " مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
6 - (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) : وَكُتِبَ بِالْوَاوِ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ عُمَرَ، وَمِنْ ثَمَّةَ لَمْ يُكْتَبْ حَالَةَ النَّصْبِ ; لِتَمَيُّزِهِ عَنْهُ بِالْأَلْفِ، وَهُوَ ابْنُ الْعَاصِ الْقُرَشِيُّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَسْلَمَ قَبْلَ أَبِيهِ، وَتُوُفِّيَ بِمَكَّةَ أَوِ الطَّائِفِ أَوْ مِصْرَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ، أَوْ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ فِي السِّنِّ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً كَمَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ، قِيلَ: وَهَذَا مِنْ خَوَاصِّهِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
الجزء 1 · صفحة 72
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: كَانَ أَبُوهُ أَكْبَرَ مِنْهُ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ: بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ غَزِيرَ الْعِلْمِ، كَثِيرَ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ، عَمِيَ آخِرَ عُمْرِهِ، وَكَانَ أَكْثَرَ حَدِيثًا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ، لَكِنْ مَا رُوِيَ عَنْهُ وَهُوَ سَبْعُمِائَةِ حَدِيثٍ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: كَانَ مِمَّنْ قَرَأَ الْكُتُبَ، وَاسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَنْ يَكْتُبَ حَدِيثَهُ فَأَذِنَ لَهُ. [قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (الْمُسْلِمُ) ] أَيِ الْكَامِلُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَعْنَى الْإِسْلَامِ، أَوِ الْمُسْلِمُ الْحَقِيقِيُّ الْمُتَّصِفُ بِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ [ (مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ) ] أَيْ وَالْمُسْلِمَاتُ، إِمَّا تَغْلِيبًا وَإِمَّا تَبَعًا، وَيَلْحَقُ بِهِمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ حُكْمًا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: مَنْ سَلِمَ النَّاسُ [ (مِنْ لِسَانِهِ) ] أَيْ: بِالشَّتْمِ، وَاللَّعْنِ، وَالْغِيبَةِ، وَالْبُهْتَانِ، وَالنَّمِيمَةِ، وَالسَّعْيِ إِلَى السُّلْطَانِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، حَتَّى قِيلَ: أَوَّلُ بِدْعَةٍ ظَهَرَتْ قَوْلُ النَّاسِ الطَّرِيقُ الطَّرِيقُ [ (وَيَدِهِ) ] : بِالضَّرْبِ، وَالْقَتْلِ، وَالْهَدْمِ، وَالدَّفْعِ، وَالْكِتَابَةِ بِالْبَاطِلِ، وَنَحْوِهَا، وَخُصَّا لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَذَى بِهِمَا، أَوْ أُرِيدُ بِهِمَا مَثَلًا، وَقَدَّمَ اللِّسَانَ لِأَنَّ الْإِيذَاءَ بِهِ أَكْثَرُ وَأَسْهَلُ، وَلِأَنَّهُ أَشَدُّ نِكَايَةً كَمَا قَالَ:
جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَهَا الْتِئَامٌ ... وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ
وَلِأَنَّهُ يَعُمُّ الْأَحْيَاءَ وَالْأَمْوَاتَ، وَابْتُلِيَ بِهِ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ خُصُوصًا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَعُبِّرَ بِهِ دُونَ الْقَوْلِ لِيَشْمَلَ إِخْرَاجَهُ اسْتِهْزَاءً بِغَيْرِهِ، وَقِيلَ: كَنَّى بِالْيَدِ عَنْ سَائِرِ الْجَوَارِحِ ; لِأَنَّ سُلْطَةَ الْأَفْعَالِ إِنَّمَا تَظْهَرُ بِهَا؛ إِذْ بِهَا الْبَطْشُ وَالْقَطْعُ وَالْوَصْلُ وَالْمَنْعُ، وَالْأَخْذُ، فَقِيلَ فِي كُلِّ عَمَلٍ هَذَا مِمَّا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وُقُوعُهُ بِهَا، وَفِيهِ أَنَّ الْأَيْدِيَ وَالْيَدَيْنِ تُوضَعَانِ مَوْضِعَ الْأَنْفُسِ وَالنَّفْسِ ; لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَفْعَالِ يُزَاوَلُ بِهِمَا، وَلَا يُعْرَفُ اسْتِعْمَالُ الْيَدِ الْمُفْرَدَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى، ثُمَّ الْحَدُّ وَالتَّعْزِيرُ وَتَأْدِيبُ الْأَطْفَالِ وَالدَّفْعُ لِنَحْوِ الصِّيَالِ وَنَحْوِهَا، فَهِيَ اسْتِصْلَاحٌ وَطَلَبٌ لِلسَّلَامَةِ، أَوْ مُسْتَثْنًى شَرْعًا، أَوْ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْأَذَى عُرْفًا، [ (وَالْمُهَاجِرُ) ] أَيْ: الْكَامِلُ، أَوْ حَقِيقَةٌ لِشُمُولِهِ أَنْوَاعَ الْهِجْرَةِ لِأَنَّ فَضْلَهُ عَلَى الدَّوَامِ [ (مَنْ هَجَرَ) ] أَيْ: تَرَكَ [ (مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ) ] أَيْ: فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ، وَفِي رِوَايَةٍ: مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأُرِيدُ بِالْمُفَاعَلَةِ الْمُبَالَغَةُ حَيْثُ لَمْ تَصِحُّ الْمُغَالَبَةُ (هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ) : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. (وَلِمُسْلِمٍ) أَيْ: فِي صَحِيحِهِ بَعْضُهُ ; فَإِنَّهُ أَخْرَجَ شَطْرَهُ الْأَوَّلَ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِهِ وَبِمَعْنَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (قَالَ: إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ) وَفِي نُسْخَةٍ: (رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ: أَيُّ أَفْرَادِ هَذَا الْجِنْسِ، أَوْ أَيُّ قِسْمَيْ هَذَا النَّوْعِ (خَيْرٌ) أَيْ: أَفْضَلُ وَأَكْمَلُ [قَالَ: (مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) ] وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ: أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَنْ سَلِمَ إِلَخْ. أَيْ: إِسْلَامُ مَنْ سَلِمَ، وَقِيلَ: لِكَوْنِ " أَيِّ " لَا تَدْخُلُ إِلَّا عَلَى مُتَعَدِّدٍ كَانَ فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: أَيُّ أَصْحَابِ الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ: أَيُّ خِصَالِ الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ: الْإِسْلَامُ بِمَعْنَى الْمُسْلِمِ كَعَدْلٍ بِمَعْنَى عَادِلٍ مُبَالَغَةً، وَفَرْقٌ بَيْنَ خَيْرٍ وَأَفْضَلَ، مَعَ أَنَّ كِلَيْهِمَا أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ بِأَنَّ الْأَوَّلَ مِنَ الْكَيْفِيَّةِ إِذْ هُوَ النَّفْعُ فِي مُقَابَلَةِ الشَّرِّ وَالْمَضَرَّةِ، وَالثَّانِي: مِنَ الْكِمِّيَّةِ إِذْ هُوَ كَثْرَةُ الثَّوَابِ فِي مُقَابَلَةِ الْقِلَّةِ، وَفِي الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ الْمُرَادُ بِهَا - الْكَامِلُ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّ هَذَا عَلَى حَدِّ قَوْلِهِمْ: النَّاسُ الْعَرَبُ، أَيْ هُمْ أَفْضَلُ النَّاسِ، فَهَاهُنَا الْمُرَادُ: أَفْضَلُ الْمُسْلِمِينَ مَنْ جَمَعَ إِلَى أَدَاءِ حُقُوقِ الْحَقِّ أَدَاءَ حُقُوقِ الْخَلْقِ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الثَّانِي إِمَّا لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَفْهُومٌ بِالطَّرِيقِ الْأُولَى، أَوْ لِأَنَّ تَرْكَهُ أَقْرَبُ إِلَى الْعَفْوِ، أَوْ لِأَنَّ الثَّانِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحَقَّانِ، فَخُصَّ لِلِاهْتِمَامِ وَالِاعْتِنَاءِ بِهِ، وَلِحُصُولِ السَّلَامَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ بِوُجُودِهِ، أَوْ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ عَلَامَةَ الْإِسْلَامِ هِيَ السَّلَامَةُ مِنْ إِيذَاءِ الْخَلَائِقِ كَمَا أَنَّ الْكَذِبَ وَالْخِيَانَةَ وَخُلْفَ الْوَعْدِ عَلَامَةُ الْمُنَافِقِ.
7 - وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ، وَوَلَدِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
7 - (وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) أَيِ ابْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ الْأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجَيِّ النَّجَّارِيِّ - بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ قَبْلَ جِيمٍ مُشَدَّدَةٍ - خَادِمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشْرَ سِنِينَ بَعْدَمَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، وَقَالَتْ أُمُّهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خُوَيْدِمُكَ ادْعُ اللَّهُ لَهُ، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ فِي مَالِهِ وَوَلَدِهِ، وَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَاغْفِرْ ذَنْبَهُ) ، فَقَالَ: لَقَدْ
الجزء 1 · صفحة 73
دَفَنْتُ مِنْ صُلْبِي مِائَةً إِلَّا اثْنَيْنِ، وَإِنَّ ثَمَرَتِي لَتَحْمِلُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، وَلَقَدْ بَقِيتُ حَتَّى سَئِمْتُ الْحَيَاةَ، وَأَنَا أَرْجُو الرَّابِعَةَ، أَيِ الْمَغْفِرَةَ. قِيلَ: عُمِّرَ مِائَةَ سَنَةٍ وَزِيَادَةً، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ، انْتَقَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ لِيُفَقِّهَ النَّاسَ. رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو حَمْزَةَ، وَهِيَ اسْمُ بَقْلَةٍ حِرِّيفِيَّةٍ، وَمِنْهُ حَدِيثُ أَنَسٍ: كَنَّانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبَقْلَةٍ كُنْتُ أَجْتَنِيهَا. [قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (وَلَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) ] : وَفِي رِوَايَةٍ: الرَّجُلُ، وَفِي أُخْرَى: أَحَدٌ، وَهِيَ أَشْمَلُ مِنْهُمَا، وَالْأُولَى أَخَصُّ أَيْ: إِيمَانًا كَامِلًا [ (حَتَّى أَكُونَ) ] بِالنَّصْبِ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ، وَحَتَّى جَارَّةٌ [ (أَحَبَّ إِلَيْهِ) ] : أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، وَلِلتَّوَسُّعِ فِي الظَّرْفِ قُدِّمَ الْجَارُّ عَلَى مَعْمُولِ أَفْعَلَ وَهُوَ قَوْلُهُ: [ (مِنْ وَالِدِهِ) ] أَيْ: أَبِيهِ، وَخُصَّ عَنِ الْأُمِّ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ، فَمَحَبَّتُهُ أَعْظَمُ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَلُهُمَا، وَهُوَ وَوَالِدِهِ [ (وَوَلَدِهِ) ] أَيِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَقُدِّمَ الْوَالِدُ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ، وَأَسْبَقُ فِي الْوُجُودِ، وَتَقَدَّمَ الْوَلَدُ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ؛ لِأَنَّ مَحَبَّتَهُ أَكْثَرُ، وَخُصَّا لِأَنَّهُمَا أَعَزُّ مِنْ غَيْرِهِمَا غَالِبًا، وَأُبْدِلَا فِي رِوَايَةٍ بِالْمَالِ وَالْأَهْلِ تَعْمِيمًا لِكُلِّ مَا تُحِبُّهُ النَّفْسُ، فَذِكْرُهُمَا إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ أَعِزَّتِهِ، وَمِنْ ثَمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا وَاسْتِغْرَاقًا بِقَوْلِهِ: [ (وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) ] عَطْفًا لِلْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، ثُمَّ النَّفْسُ دَاخِلَةٌ فِي هَذَا الْعُمُومِ لُغَةً، وَإِنْ كَانَتْ خَارِجَةً عُرْفًا لِمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الْآتِي الْمُوَافِقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ} [التوبة: 24] الْآيَةَ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْحُبُّ الطَّبِيعِيُّ ; لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ، وَ {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] بَلِ الْمُرَادُ الْحُبُّ الْعَقْلِيُّ الَّذِي يُوجِبُ إِيثَارَ مَا يَقْتَضِي الْعَقْلُ رُجْحَانَهُ، وَيَسْتَدْعِي اخْتِيَارَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْهَوَى كَحُبِّ الْمَرِيضِ الدَّوَاءَ، فَإِنَّهُ يَمِيلُ إِلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِ، وَيَتَنَاوَلُ بِمُقْتَضَى عَقْلِهِ؛ لَمَّا عَلِمَ وَظَنَّ أَنَّ صَلَاحَهُ فِيهِ، وَإِنْ نَفَرَ عَنْهُ طَبْعُهُ مَثَلًا لَوْ أَمَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِ أَبَوَيْهِ وَأَوْلَادِهِ الْكَافِرِينَ، أَوْ بِأَنْ يُقَاتِلَ الْكُفَّارَ حَتَّى يَكُونَ شَهِيدًا لَأَحَبَّ أَنْ يَخْتَارَ ذَلِكَ؛ لِعِلْمِهِ أَنَّ السَّلَامَةَ فِي امْتِثَالِ أَمْرِهِ، أَوِ الْمُرَادُ الْحُبَّ الْإِيمَانِيُّ النَّاشِئُ عَنِ الْإِجْلَالِ وَالتَّوْقِيرِ وَالْإِحْسَانِ وَالرَّحْمَةِ، وَهُوَ إِيثَارُ جَمِيعِ أَغْرَاضِ الْمَحْبُوبِ عَلَى جَمِيعِ أَغْرَاضِ غَيْرِهِ حَتَّى الْقَرِيبِ وَالنَّفْسِ، وَلَمَّا كَانَ جَامِعًا لِمُوجِبَاتِ الْمَحَبَّةِ مِنْ حُسْنِ الصُّورَةِ وَالسِّيرَةِ وَكَمَالِ الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ غَيْرُهُ اسْتَحَقَّ أَنْ يَكُونَ أَحَبَّ إِلَى الْمُؤْمِنِ مِنْ نَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، سِيَّمَا وَهُوَ الرَّسُولُ مِنْ عِنْدِ الْمَحْبُوبِ الْحَقِيقِيِّ الْهَادِي إِلَيْهِ، وَالدَّالُّ عَلَيْهِ، وَالْمُكَرَّمُ لَدَيْهِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَمِنْ مَحَبَّتِهِ نَصْرُ سُنَّتِهِ، وَالذَّبُّ عَنْ شَرِيعَتِهِ، وَتَمَنِّي إِدْرَاكِهِ فِي حَيَّاتِهِ لِيَبْذُلَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ دُونَهُ اهـ.
وَمِمَّنِ ارْتَقَى إِلَى غَايَةِ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ وَنِهَايَةِ هَذِهِ الْمَزِيَّةِ سَيِّدُنَا عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّهُ لَمَّا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ أَخْبَرَ بِالصِّدْقِ حَتَّى وَصَلَ بِبَرَكَةِ صِدْقِهِ إِلَى كَمَالِ ذَلِكَ، فَقَالَ بِمُقْتَضَى الْأَمْرِ الطَّبِيعِيِّ: لَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ: ( «لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكِ» ) . فَقَالَ عُمَرُ: فَإِنَّكَ الْآنَ وَاللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ: ( «الْآنَ يَا عُمَرُ تَمَّ إِيمَانُكَ» ) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ احْتِمَالَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ فَهِمَ أَوَّلًا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحُبُّ الطَّبِيعِيُّ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ الْحُبُّ الْإِيمَانِيُّ وَالْعَقْلِيُّ، فَأَظْهَرَ بِمَا أَضْمَرَ. وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ أَوْصَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مَقَامِ الْأَتَمِّ بِبِرْكَةِ تَوْجِيهِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَطَبَعَ فِي قَلْبِهِ حُبَّهُ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ حَيَاتُهُ وَلُبُّهُ؛ وَلِهَذَا قِيلَ: فَهَذِهِ الْمَحَبَّةُ مِنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَيْسَتِ اعْتِقَادَ الْأَعْظَمِيَّةِ فَحَسْبُ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ حَاصِلَةً لِعُمَرَ قَبْلَ ذَلِكَ قَطْعًا، بَلْ أَمْرٌ يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ بِهِ يَفْنَى الْمُتَحَلِّي بِهِ عَنْ حَظِّ نَفْسِهِ، وَتَصِيرُ خَالِيَةً عَنْ غَيْرِ مَحْبُوبِهِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَكُلُّ مَنْ صَحَّ إِيمَانُهُ بِهِ - عَلَيْهِ
الجزء 1 · صفحة 74
- الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا يَخْلُو عَنْ وِجْدَانِ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْمَحَبَّةِ الرَّاجِحَةِ، وَإِنِ اسْتَغْرَقَ بِالشَّهَوَاتِ وَحُجِبَ بِالْغَفَلَاتِ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّا نَرَى أَكْثَرَهُمْ إِذَا ذُكِرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشْتَاقَ إِلَى رُؤْيَتِهِ، وَآثَرَهَا عَلَى أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ، وَأَوْقَعَ نَفْسَهُ فِي الْمَهَالِكِ أَوِ الْمَخَاوِفِ مَعَ وِجْدَانِهِ مِنْ نَفْسِهِ الطُّمَأْنِينَةَ بِذَلِكَ وِجْدَانًا لَا تَرَدُّدَ فِيهِ، وَشَاهِدُ ذَلِكَ فِي الْخَارِجِ إِيثَارُ كَثِيرِينَ لِزِيَارَةِ قَبْرِهِ الشَّرِيفِ، وَرُؤْيَةِ مَوَاضِعِ آثَارِهِ عَلَى جَمِيعِ مَا ذُكِرَ؛ لِمَا وَقَرَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ مَحَبَّتِهِ غَيْرَ أَنَّ قُلُوبَهُمْ لَمَّا تَوَالَتْ غَفَلَاتُهَا وَكَثُرَتْ شَهَوَاتُهَا كَانَتْ فِي أَكْثَرِ أَوْقَاتِهَا مُشْتَغِلَةً بِلَهْوِهَا ذَاهِلَةً عَمَّا يَنْفَعُهَا، وَمَعَ ذَلِكَ هُمْ فِي بَرَكَةِ ذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ الْمَحَبَّةِ، فَيُرْجَى لَهُمْ كُلُّ خَيْرٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَا شَكَّ أَنَّ حَظَّ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مِنْ هَذَا الْمَعْنَى أَتَمُّ؛ لِأَنَّهُ ثَمَرَةُ الْمَعْرِفَةِ، وَهُمْ بِقَدْرِهِ وَمَنْزِلَتِهِ أَعْلَمُ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فِي الْحَدِيثِ تَلْمِيحٌ إِلَى صِفَةِ النَّفْسِ الْمُطْمَئِنَّةِ وَالْأَمَّارَةِ، فَمَنْ رَجَحَ جَانِبُ نَفْسِهِ الْمُطْمَئِنَّةِ كَانَ حُبُّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - رَاجِحًا، وَمَنْ رَجَحَ جَانِبُ نَفْسِهِ الْأَمَارَةِ كَانَ بِالْعَكْسِ اهـ. وَاللَّوَّامَةُ حَالَةٌ بَيْنَهُمَا مُتَرَتِّبَةٌ عَلَيْهِمَا، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهَا مَعَهُمَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، قَالَ النَّوَوِيُّ: مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّ مَنْ مَاتَ مُوَحِّدًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قَطْعًا عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَإِنْ كَانَ سَالِمًا عَنِ الْمَعَاصِي كَالصَّغِيرِ، وَالْمَجْنُونِ الَّذِي اتَّصَلَ جُنُونُهُ بِالْبُلُوغِ، وَالتَّائِبِ تَوْبَةً صَحِيحَةً مِنَ الشِّرْكِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْمَعَاصِي إِذَا لَمْ يُحْدِثْ بَعْدَ تَوْبَتِهِ، وَالْمُوَفَّقُ الَّذِي مَا لَمَّ بِمَعْصِيَةٍ قَطُّ - فَكُلُّ هَذَا الصِّنْفِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَدْخُلُونَ النَّارَ أَصْلًا، لَكِنَّهُمْ يَرِدُونَهَا عَلَى الْخِلَافِ الْوَارِدِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُرُورُ عَلَى الصِّرَاطِ، وَهُوَ جِسْرٌ مَنْصُوبٌ عَلَى ظَهْرِ جَهَنَّمَ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهَا، وَأَمَّا مَنْ كَانَتْ لَهُ مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ وَمَاتَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ فَهُوَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ بِالْقَدْرِ الَّذِي يُرِيدُهُ سُبْحَانَهُ ثُمَّ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، فَلَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ أَحَدٌ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ وَلَوْ عَمِلَ مِنَ الْمَعَاصِي مَا عَمِلَ، كَمَا لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ مَاتَ عَلَى كُفْرٍ وَلَوْ عَمِلَ مَا عَمِلَ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الَّذِي تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ أَدِلَّةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ بِحَيْثُ حَصَلَ الْعِلْمُ الْقَطْعِيُّ، فَإِنْ خَالَفَهُ ظَاهِرُ حَدِيثٍ وَجَبَ تَأْوِيلُهُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
8 - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ": «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ؛ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
8 - (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ [قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ) ] : مُبْتَدَأٌ، وَالشَّرْطِيَّةُ خَبَرٌ، وَجَازَ مَعَ أَنَّهُ نَكِرَةٌ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: خِصَالٌ ثَلَاثٌ. قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: مِثَالُ الِابْتِدَاءِ بِنَكِرَةٍ هِيَ وَصْفُ قَوْلِ الْعَرَبِ: ضَعِيفٌ عَاذَ بِحَرْمَلَةَ. أَيْ: إِنْسَانٌ ضَعِيفٌ الْتَجَأَ إِلَى ضَعِيفٍ، وَالْحَرْمَلَةُ: شَجَرَةٌ ضَعِيفَةٌ. أَوْ ثَلَاثُ خِصَالٍ، وَالتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ هَذَا فِي غَيْرِ كُلٍّ وَبَعْضٍ، أَوْ تَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ، فَسَاغَ الِابْتِدَاءُ بِهِ، وَيَجُورُ أَنْ تَكُونَ الشَّرْطِيَّةُ صِفَةً لِثَلَاثٍ، وَيَكُونُ الْخَبَرُ مَنْ كَانَ، وَالْمَعْنَى: ثَلَاثٌ مَنْ وُجِدْنَ أَوِ اجْتَمَعْنَ فِيهِ. [ (وَجَدَ) ] ، أَيْ: أَدْرَكَ وَصَادَفَ وَذَاقَ [ (بِهِنَّ) ] أَيْ بِسَبَبِ وُجُودِهِنَّ فِي نَفْسِهِ [ (حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ) ] أَيْ لَذَّتَهُ وَرَغْبَتَهُ. زَادَ النَّسَائِيُّ: وَطَعْمُهُ. وَأُوثِرَتِ الْحَلَاوَةُ لِأَنَّهَا أَظْهَرُ اللَّذَّاتِ الْحِسِّيَّةِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ إِذَا دَخَلَتْ قَلْبًا لَا تَخْرُجُ مِنْهُ أَبَدًا، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى بِشَارَةِ حُسْنِ الْخَاتِمَةِ لَهُ، وَقِيلَ: مَعْنَى حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ اسْتِلْذَاذُ الطَّاعَاتِ وَإِيثَارُهَا عَلَى جَمِيعِ الشَّهَوَاتِ وَالْمُسْتَلَذَّاتِ وَتَحَمُّلُ الْمَشَاقِّ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَجَرُّعُ الْمَرَارَاتِ فِي الْمُصِيبَاتِ، وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ، وَفِيهِ تَلْمِيحٌ إِلَى الصَّحِيحِ الَّذِي يُدْرِكُ الطُّعُومَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ وَالْمَرِيضِ الصَّفْرَاوِيُّ الَّذِي بِضِدِّهِ إِذْ يَجِدُ طَعْمَ الْعَسَلِ مِنْ نَقْصِ ذَوْقِهِ بِقَدْرِ نَقْصِ صِحَّتِهِ، فَالْقَلْبُ السَّلِيمُ مِنْ أَمْرَاضِ الْغَفْلَةِ، وَالْهَوَى يَذُوقُ طَعْمَهُ وَيَتَلَذَّذُ مِنْهُ وَيَتَنَعَّمُ بِهِ كَمَا يَذُوقُ الْفَمُ طَعْمَ الْعَسَلِ وَغَيْرِهِ مِنْ لَذِيذِ الْأَطْعِمَةِ وَيَتَنَعَّمُ بِهَا، بَلْ تِلْكَ اللَّذَّةُ الْإِيمَانِيَّةُ أَعْلَى، فَإِنَّ فِي جَنْبِهَا يُتْرَكُ لَذَّاتُ الدُّنْيَا بَلْ جَمِيعُ نَعِيمِ الْأُخْرَى، [ (مَنْ كَانَ) ] : لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مُضَافٍ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ - إِمَّا بَدَلٌ، أَوْ بَيَانٌ، أَوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ: هِيَ أَوْ هُنَّ أَوْ إِحْدَاهَا، وَعَلَى الثَّانِي خَبَرٌ أَيْ: مَحَبَّةُ مَنْ كَانَ [ (اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ) ] : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ وَإِفْرَادُهُ لِأَنَّهُ وُصِلَ بِمَنْ، وَالْمُرَادُ الْحُبُّ الِاخْتِيَارِيُّ الْمَذْكُورُ (مِمَّا سِوَاهُمَا) ] : يَعُمُّ ذَوِي الْعُقُولِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمَالِ، وَالْجَاهِ، وَسَائِرِ الشَّهَوَاتِ وَالْمُرَادَاتِ، وَقَدْ