الجزء 1 · صفحة 13
مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الحمد لله على آلائه، والشكر له على جزيل عطائه، وأفضل الصلاة والسلام على سيد أصفيائه، محمد أفضل الخليقة وخاتم أنبيائه، وعلى آله وأصحابه وأوليائه.
وبعد: فقد أشار إلى من طاعته قرض يلزمني أداؤه، وامتثاله فرض يجب عليّ قضاؤه. وهو الأمير الفاضل والكريم الباذل، مفخر الأمراء، كهف الفقراء، ذو الأخلاق المرضية، والأوصاف السنية، ولي الأيادي والنعم، صاحب السيف والقلم، المتعيّن بين أمثاله بمحبة العلم كالعلم، الأمير الكبير صرغتمش الملكي الناصري، نور الله بالعلوم النافعة بصيرته، وحسن سيرته وسريرته، وأدام عليه نعمته وبهجته، وحرس من الآفات مهجته، وأبقاه في خير وعافية لأهله ومحبيه، ويبلغه من خيري الدنيا والآخرة ما يؤمله ويرتجيه، أن أترجم بالعربية كتاب الطريقة البهائية، الذي صنفه الإمام فخر الدين للسلطان المرحوم بهاء الدين بالفارسية، وأزيد عليه دلائل وأجوبة من جانب الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه وجعل الجنة مثواه. فبادرت إلى امتثال أمره بالجد والهناء فجاء بحمد الله كما يرتضيه العلماء، ويثني عليه الفضلاء، وسميته "بالغرة المنيفة في تحقيق بعض مسائل الإمام أبي حنيفة" والله المستعان وعليه التكلان.
الجزء 1 · صفحة 15
كتاب الطهارة
مسألة: يجوز إزالة النجاسة من البدن والثوب بكل مائع طاهر يمكن إزالتها به كالخل وماء الورد عند أبي حنيفة رضي الله عنه وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف رحمه الله، وقال: الشافعي رضي الله عنه: لا يجوز إلا بالماء، وهو قول محمد رحمه الله. [حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه:
الأول: ما روى مجاهد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "ما كان لإحدانا إلا ثوب تحيض فيه فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها فمصعته بظفرها، والمصع: الحك بالظفر لاستخراج الدم فإذا زالت النجاسة بالريق فبالخل وماء الورد أولى. أخرجه البخاري، وفي رواية الترمذي: "فإن أصابه شيء من دم بلته بريقها ثم قصعته، والقصع: هو الدلك".
الثاني: قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} 1. فإنه مطلق فمن قيد بالماء فقد زاد على النص من غير دليل.
الثالث: قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات" أمر بالغسل مطلقا فيجري على إطلاقه، والغسل غير مختص بالماء، قال: الشاعر:
فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها
الرابع: ما رواه أبو داود عن بكار بن يحيى قال: "حدثتني جدتي،
1سورة المدثر: الآية 4.
الجزء 1 · صفحة 16
قالت: دخلت على أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم فسألتها امرأة من قريش عن الصلاة في ثوب الحائض، فقالت: قد كان يصيبنا الحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلبث إحدانا أيام حيضها ثم تطهر فتنظر الثوب الذي كانت تلتف فيه فإن أصابه دم غسلناه وصلينا فيه وإن لم يكن أصابه شيء تركناه ولم يمنعنا ذلك أن نصلي فيه. فقول أم سلمة غسلنا مطلق غير مقيد بالماء فيجرى على إطلاقه كما مر.
الخامس: دلالة النص وهو أنه لما زالت النجاسة بالماء فبالخل وماء الورد أولى، لأن تأثير الخل في قلع النجاسة أكثر لأنه قال: ع للأثر وماء الورد مذهب للرائحة الكريهة.
السادس: القياس وهو أن المائع قال: ع للنجاسة والطهورية بعلة القلع وإزالة النجاسة المجاورة إذ الثوب كان طاهرا قبل إصابة النجاسة وإزالة النجاسة كما تحصل بالماء تحصل بسائر المائعات المزيلة لها فإذا زالت النجاسة بقي الثوب طاهراً ولهذا لو قطع موضع النجاسة بالمقراض طهر الثوب.
حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه:
الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغسل ثيابه بالماء ولم ينقل عنه أنه صلى الله عليه وسلم غسلها بالخل ومتابعته واجبة، لقوله تعالى: {فَاتَّبِعُوهُ} 1. فلزم على الأمة غسل الثوب بالماء دون الخل.
الجواب عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما غسل الثياب بالماء لكثرته وسهولة إصابته وقلة الخل وماء الورد فلا يدل على عدم جواز الغسل بغيره إن لم يمنع عن ذلك بل أمره بالغسل مطلقا كما مر، ونحن نتبعه حيث تجوز إزالة النجاسة بالماء مع الزيادة وإنما تلزم المخالفة لو منع عن الإزالة بغير الماء ولم ينقل ذلك.
1 سورة الأنعام: الآية 153.
الجزء 1 · صفحة 17
الثاني: ما أخرجه الترمذي عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الثوب يصيبه الدم من الحيض فقال: النبي صلى الله عليه وسلم: "حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء" قيد غسل الثوب بالماء فلا يجوز بغيره.
الجواب عنه: أن ذكر الماء لا يدل على نفي ما عداه فإن مفهوم اللقب ليس بحجة بالاتفاق وقد جاز الاستنجاء بغير الأحجار اتفاقاً مع التقييد بالأحجار في قوله صلى الله عليه وسلم: "فليستنج بثلاثة أحجار" على أن ذكر الماء خرج مخرج الغالب لا مخرج الشرط والصفة، فإذا خرجت مخرج الغالب لا يقتضي النفي عما عداها كما في قوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} 1. فاسم الجنس أوفى.
الثالث: أن الثوب إذا تنجس يبقى نجساً إلى وجود استعمال المطهر والمطهرية حكم شرعي فلا يعرف إلا منه ولم يرد في الشرع الأمر إلا بمطهرية الماء قال: تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً} 2. ولم يقل خلا طهوراً فظهر أنه لا يطهر الثوب إلا الماء.
فالجواب عنه: كما مر من أن ذكر الشيء لا يدل على نفي ما عداه وأن ذكر الماء خرج مخرج الغالب.
الرابع: أن في غسل النجاسة بالخل وماء الورد إضاعة المال وهو منهي عنه لقوله صلى الله عليه وسلم: "نهى عن إضاعة المال".
الجواب عنه: إنما كان إضاعة لو استعمل بلا غرض وأي غرض أعظم من حصول الطهارة إذ لو لم نجوز إزالة النجاسة بالخل وماء الورد تلزم الصلاة مع النجاسة إذا لم يجد الماء ووجد الخل لأجل إضاعة خل قيمته فليس3 على أنا نفرض المسألة: في موضع يكون فيه أعز بحيث تكون قيمة
1 سورة النساء: الآية 23.
2 سورة الفرقان: الآية 48.
3 فليس: بضم الفاء، تصغير الفلس.
الجزء 1 · صفحة 18
قدح من الماء ألف قدح من الخل ففي هذه الصورة لو أوجبنا استعمال الماء كان إضاعة للمال على أن الإضاعة لا تقتضي عدم حصول الطهارة بعد زوال النجاسة كما في القطع بالمقراض.
الخامس: أنه لو استعمل الخل في إزالة النجاسة يصير حراماً وتحريم الطعام الطاهر لا يجوز لقوله تعالى: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} 1.
الجواب عنه: أن هذا بعينه وارد في الماء فإنه جاز استعماله وإن كان فيه تحريم الماء الطاهر، على أنه جاز ذلك لغرض صحيح كما بينا، على أن النص ورد في تحريم النبي صلى الله عليه وسلم مارية القبطية على نفسه فالمراد من تحريم النبي صلى الله عليه وسلم غير ما ذكره.
السادس: أن الطهارة عن النجاسة أقوى من الطهارة عن الحدث لأن الأول: ى حقيقية والثاني: حكمية وبالاتفاق لا يقيد الخل وماء الورد طهارة الحدث فلا يفيد أيضاً طهارة الخبث.
الجواب عنه: بالفرق بينهما وهو أن النص جعل الماء مطهراً للحدث غير معقول المعنى لأنه لا نجاسة على الأعضاء عيناً لتزول به فيقتصر على ما ورد به الشرع وهو الماء بخلاف النجاسة الحقيقية فإن الإزالة ثمة معقولة وهي حاصلة بالمائعات أيضاً ولم يذكر الإمام لأبي حنيفة إلا القياس.
ثم قال: دلائلنا من النصوص ودليلكم من القياس والنص أولى منه ففي هذا القول قلة الإنصاف وكثرة الاعتساف فإن الدلائل المذكورة لنا أيضاً من النصوص فإن لم يعلم بها فهو دليل على عدم إطلاعه على مدارك العلماء فكيف تجزم بأن دليلنا قياس فقط وإن علم بها ولم يذكرها ترويجا لدلائله الضعيفة فذلك أشنع فهو كما قيل:
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
1 سورة التحريم: الآية 1.
الجزء 1 · صفحة 19
مسألة: الوضوء: يجوز بدون النية عند الإمام أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله، وعند الشافعي رحمه الله لا يجوز بدونهما.
حجة الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه:
الأول: ما رواه مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله: "إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال: "لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين الماء عليك فتطهرين" فما زاد على الجواب النية وقد علمنا أنه عليه الصلاة والسلام أراد تعليمها صفة الغسل المجزي فلو كانت النية شرطاً لعلمها.
الثاني: أن الله تعالى: أمر في آية الوضوء بغسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس ولم يزد عليها فلو كانت النية شرطاً لذكرها.
الثالث: أنه لو شرطنا النية في الوضوء والغسل يلزم منه الزيادة على الكتاب بخبر الواحد وهو نسخ فلا يجوز.
الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم حين علم الأعرابي أركان الوضوء لم يذكر فيها النية.
الخامس: أن الماء خلق مطهراً طبعاً فلا يحتاج التطهير إلى النية كما لا يحتاج في حصول الري به إليها.
حجة الإمام الشافعي رحمه الله من وجوه:
الأول: قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} 1. فإذا لم يقصد رفع الحدث لا يرتفع عنه.
الجواب عنه: أن رفع الحدث بالماء لا يتوقف على القصد لكونه مطهرا طبعاً.
والمراد بالنص والله أعلم أن ليس للإنسان إلا ثواب ما سعى ونحن
1 سورة النجم:39.
الجزء 1 · صفحة 20
نقول بموجبه فإنه لا يحصل له ثواب الوضوء بدون النية، إذ الثواب لا يحصل إلا بالقربة ولا يقع قربة إلا بالنية عندنا أيضاً، ولكنه يقع مفتاحاً للصلاة بدونها.
الثاني: أن الوضوء عبادة لأنه مأمور به وكل مأمور به عبادة محتاج إلى النية؛ لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} 1. والإخلاص لا يتحقق إلا بالنية فالوضوء لا يصح إلا بالنية.
الجواب عنه: لا نسلم أن كل عبادة تحتاج إلى النية فإن تطهير الثوب مأمور به وعبادة بقوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} 2. وستر العورة بقوله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} 3. أي استروا عورتكم عند كل صلاة، واستقبال القبلة بقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} 4. وأداء الأمانة بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} 5. وغير ذلك ومع هذا لا يشترط لهذه الأشياء النية، على أن العبادة على نوعين: مقصودة لذاتها كالصلاة وهي لا تصح إلا بالنية، وغير مقصودة لذاتها بل هي وسيلة لغيرها كالوضوء وغيره من الشرائط فإنه لا يراعى وجودها قصداً فيتحقق بدون النية، وهذا لأن النص مطلق فيقتضي كون الإخلاص شرطاً في العبادة المطلقة الكاملة.
الثالث: قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس للمرء من عمله إلا ما نوى" فالوضوء الذي لا يكون منويا لا يرفع الحدث.
الجواب عنه: أن معنى الحديث "ليس للمرء من ثواب عمله إلا
1 سورة البينة: الآية 5
2 سورة المدثر:4.
3 سورة الأعراف: الآية 31.
4سورة البقرة: الآية 144
5سورة النساء: الآية 58.
الجزء 1 · صفحة 21
ما نوى". ونحن نقول بموجبه، فإن الثواب لا يحصل له بالوضوء إلا إذا نوى.
الرابع: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا وضوء لمن لم يسم الله عليه" ومعلوم أن من لم ينو لم يذكر اسم الله عليه فلا يصح وضوءه.
الجواب عنه: أن هذا الحديث لا دلالة له على اشتراط النية، وإنما يدل على اشترط التسمية والخصم لا يقول به، والنية غير التسمية.
الخامس: إنا اتفقنا على أن الوضوء المنوي أفضل من غيره فالوضوء الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله ما يكون إلا منويا لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ما هو الأفضل فيجب على الأمة الاتباع، لقوله تعالى: {فَاتَّبِعُوهُ} 1. فعلم أن النية واجبة في الوضوء.
ثم قال: لا يجب على الأمة المتابعة في جميع الأفعال، وإلا يلزم أن يجوز للأمة التزوج بالتسع. قلنا: العام المخصوص حجة فيما بقي والمتابعة في ذلك كان واجباً لولا قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} 2.
الجواب عنه: المتابعة عبارة عن إتيان الفعل على الصفة التي أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أتى بها على سبيل الندب فيجب علينا إتيانها على تلك الصفة إذ لو وجب علينا لكان مخالفة لا اتباعاً، فنحن متبعون له والخصم مخالفه في الصفة.
مسألة: الترتيب في الوضوء ليس بشرط عند أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله، وعند الشافعي رحمه الله شرط. حجة الإمام أبي حنيفة رحمه الله من وجوه:
1سورة الأنعام: الآية 153
2 سورة النساء: الآية 3.
الجزء 1 · صفحة 22
الأول: قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} 1. الآية وجه التمسك أنه تعالى عطف بعض الأعضاء على البعض بحرف الواو، وهو لمطلق الجمع عند الجمهور دون الترتيب.
الثاني: ما ذكره أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم: تيمم فبدأ بذراعيه ثم بوجهه. فترك النبي صلى الله عليه وسلم الترتيب في التيمم، فلو كان شرطاً لما تركه. وإذا لم يكن شرطاً في التيمم لا يكون شرطاً في الوضوء لعدم القائل بالفصل.
الثالث: ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم، نسي مسح الرأس في وضوئه فتذكره بعد فراغه فمسح ببلل كفه وهو دليل ظاهر على أن الترتيب ليس بشرط.
الرابع: ما رواه الدارقطني عن علي رضي الله عنه أنه قال: "ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأي أعضائي بدأت" وكذلك روى عن ابن مسعود، وبه قال: سعيد بن المسيب وعطاء والنخعي والثوري رحمهم الله.
الخامس: أن الركن تطهير الأعضاء وذلك حاصل بدون الترتيب ألا ترى أنه لو انغمس بنية الوضوء أجزأه ولم يوجد الترتيب.
حجة الشافعي رحمه الله من وجوه:
الأول: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا} 2. الآية والفاء للتعقيب ويقتضي بداية الوجه عقيب القيام إلى الصلاة فيثبت الترتيب في الجميع لعدم القائل بالفصل.
الجواب عنه: أن المذكور في الآية كلمتان الفاء والواو وهو لمطلق الجمع كما مر فكان العمل بهما أولى من ترك العمل بأحدهما فيكون مقتضى الآية إعقاب غسل جملة الأعضاء من غير اشتراط الترتيب.
الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور
1 سور المائدة: الآية 6.
2سورة المائدة: الآية 6.
الجزء 1 · صفحة 23
مواضعه، فيغسل وجهه، ثم يغسل ذراعيه، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجليه، وكلمة ثم للترتيب.
الجواب عنه: أن الحديث ليس بصحيح، ولو صح لحملت كلمة ثم على الواو كما في قوله تعالى: {ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ} 1. توفيقاً بين هذا الحديث وبين ما روينا على أنه لو عمل بهذا الحديث يلزم الزيادة على الكتاب بخبر الواحد، فإنه يقتضي مطلق الجمع والزيادة نسخ فلا يجوز بخبر الواحد.
الثالث: قوله صلى الله عليه وسلم: "ابدؤوا بما بدأ الله تعالى" والله تعالى: بدأ بالوجه فيكون الترتيب شرطاً.
الجواب عنه: أن الحديث وقع جواباً عن سؤال الصحابة حين اشتبه عليهم أمر البداية بالصفا والمروة، فقالوا: بماذا نبدأ يا رسول الله فلا تكون كلمة ما للعموم إذ لو كانت للعموم يلزم أن يكون الترتيب واجباً بين الصلاة والزكاة لأن الله تعالى بدأ بالصلاة في قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} 2. على أنه لا يمكن حمله على الترتيب لئلا يلزم الزيادة على الكتاب بخبر الواحد.
مسألة: الخارج النجس من غير السبيلين كالدم، والقيح، والقيء، ملء الفم ينقض الوضوء عند أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله، وهو مذهب العشرة المبشرين بالجنة، وابن مسعود وابن عمر وزيد بن ثابت وأبي موسى الأشعري وأبي الدرداء وصدور التابعين كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء والحسن البصري وغيرهم من جمهور العلماء.
وعند الشافعي رحمه الله، لا ينقض.
1 سورة يونس: الآية 46.
2 سورة البقرة: الآية 43.
الجزء 1 · صفحة 24
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه:
الأول: ما رواه الدارقطني وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قاء أحدكم في صلاته أو قلس فلينصرف وليتوضأ ثم ليبن على صلاته ما لم يتكلم".
الثاني: ما رواه الدارقطني عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس في القطرة والقطرتين وضوء إلا أن يكون سائلاً".
الثالث: عن سلمان رضي الله عنه قال: قال: له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحدث لما حدث بك وضوءاً".
الرابع: ما أخرجه الدارقطني، عن تميم الداري رضي الله عنه: "الوضوء من كل دم سائل".
الخامس: عن زيد بن علي عن أبيه عن جده، قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القلس حدث". رواه الخلال.
السادس: عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قاء فتوضأ، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت له ذلك فقال: "صدق أنا صببت له وضوءاً". رواه أحمد وقال: الترمذي: حديث حسين المعلم أصح شيء في الباب.
السابع: ما رواه البيهقي، أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: "يعاد الوضوء من سبع من نوم غالب، وقيء ذارع، وتقطار بول، ودم سائل، ودسعة تملأ الفم، والقهقهة في الصلاة والإغماء".
الثامن: عن علي رضي الله عنه حين عد الأحداث أو دسعة تملأ الفم وعن ابن عباس رضي الله عنهما "إذا كان القيء يملأ الفم أوجب الوضوء". قال: الخطابي: أكثر الفقهاء على انتقاض الوضوء بسيلان الدم، وهو أقوى في الاتباع وروى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان إذا رعف انصرف وتوضأ، ثم رجع فبنى ولم يتكلم ولأن المؤثر في انتقاض الطهارة
الجزء 1 · صفحة 25
خروج النجاسة من السبيلين وإليه الإشارة في قوله عليه الصلاة والسلام:: "فإنهما دم عرق انفجر" وقد وجد ذلك المعنى في الخارج النجس من غير السبيلين فوجد الانتقاض.
حجة الشافعي رحمه الله من وجوه:
الأول: ما رواه الدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم: "احتجم وصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل حجامته".
الجواب عنه: أن ما ذكرناه من الأحاديث قول وهذا فعل والقول مقدم على الفعل، أو نقول ما ذكرناه مثبت وهذا ناف والمثبت أولى من النافي، ولئن سلم التعارض فالترجيح فيما ذكرنا لأنه أحوط في باب العبادة، إذ المراد بالاحتجام قص الأظفار وحلق الشعر دفعاً للتعارض وهو لا ينقض الوضوء.
الثاني: ما رواه الدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم: قاء ولم يتوضأ. وروى عنه أنه قاء ولم يتوضأ، فغسل فمه فقيل له: ألا تتوضأ وضوء الصلاة فقال: "هكذا الوضوء من القيء".
الجواب عنه: أن هذا الحديث غريب فلا يعارض ما ذكرناه، أو يحمل على ما دون ملء الفم توفيقاً بين الأحاديث وهو الظاهر من حال النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كثرة القيء إنما تنشأ من كثرة الأكل والنبي صلى الله عليه وسلم لم يشبع مدة عمره، أو يحتمل أنه كان ذلك في غير وقت الصلاة؛ فلا يحتاج إلى الوضوء فاكتفى بذلك.
الثالث: ما رواه أبو داود أن أنصاريا رمى في فيه في غزوة ذات الرقاع، فنزعه حتى رمى ثلاثة أسهم وهو في الصلاة فلم يقطعها فلما فرغ من صلاته نبه صاحبه المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله هلا نبهتني أول ما رميت؟ فقال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها.
والجواب عنه: من وجوه:
الجزء 1 · صفحة 26
الأول: أن الدماء التي خرجت من ثلاثة أسهم أصابت ثوبه وبدنه بلا شك ولا تجوز الصلاة معها بالاتفاق ولا يمكن إنكار ذلك فإنه قد رآه المهاجري بالليل حتى هاله ما رأى من الدماء فلما لم يدل مضيه في الصلاة على جواز الصلاة مع النجاسة كذلك لم يدل على أن الدم لا ينقض الوضوء.
الثاني: أنه فعل واحد من الصحابة فلعله كان مذهباً له، أو كان غير عالم بحكمه ولم ينقل أنه عرف النبي صلى الله عليه وسلم حاله وقدره ولم ينكر عليه، أو يجعل له ذهول في ذلك الوقت غير كون الدم ناقضاً، ولئن سلم ففعل الصحابي ليس بحجة عند الشافعي فكيف يحتج به.
الثالث: أن البخاري رواه تعليقا وهو ليس بحجة.
الرابع: أنه لا معارضة بين ما ذكرنا من قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله وبين فعل الصحابي، ولو سلم التعارض فالترجيح معنا، لأن مذهبنا مروي عن أكثر الصحابة وهو أحفظ، وأحاديثنا أصح وأكثر والترجيح بالكثرة ثابت عندهم وعند بعض أصحابنا، لأن ما ذكرناه مثبت وما ذكره ناف والمثبت أولى.
الحجة الرابعة له: أنه لو كان القيء الكثير مبطلاً للوضوء لكان القليل أيضاً مبطلاً له كالبول والغائط فلما سلم أبو حنيفة أن القليل غير ناقض لزم أن الكثير أيضاً غير ناقض.
الجواب عنه: أن هذا قياس في مقابلة النص الذي ذكرنا فلا يقبل، أو نقول الفرق ثابت بين القليل والكثير، وهو أن الناقض هو الخارج النجس والفم له حكم الظاهر من وجه وحكم الباطن من وجه بدليل أن المضمضة لا تفسد صومه وكذا لو بلع بصاقه لا يفسد صومه أيضاً عملاً بالشبيهين فالقيء الكثير أعطى له حكم الخارج، فإنه يمكن ضبطه نظراً إلى الوجهين.
ثم قال: دلائلنا نصوص ودليلكم قياس والنص أولى.
فالجواب عنه: أن ما ذكرناه نصوص صحيحة وما ذكره ضعيف كما مر تحقيقه.
الجزء 1 · صفحة 27
كتاب الصلاة
مسألة: الصلاة في أول الوقت أفضل عند الشافعي رحمه الله، وعند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم يستحب الإسفار بالفجر، والإبراد بالظهر في الصيف وتقديمهما في الشتاء، وتأخير العصر ما لم يتغير قرص الشمس، وتعجيل المغرب، وتأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه في الإسفار بالفجر من وجوه:
الأول: ما رواه أبو داود والترمذي عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: سمعت رسرل الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" وفي لفظ أبي داود: "أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لأجوركم" قال: الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
الثاني: ما قاله ابن مسعود رضي الله عنه ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة قبل ميقاتها إلا صلاة الفجر صبيحة الجمعة فإنه صلاها يومئذ بغلس. ولفظ البخاري: "ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء وصلى الفجر قبل ميقاتها" يعني بمزدلفة. فدل أن المعهود إسفاره بها والتغليس كان بعذر الخروج إلى سفر. أو كان ذلك حين تحضر النساء المساجد ثم انتسخ ذلك حين أمرن بالقرار في البيوت.
الثالث: ما رواه الطحاوي عن القضبي عن عيسى بن يونس عن إبراهيم قال: ما اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر. وهذا لا يكون إلا بعد ثبوت نسخ التغليس عندهم.
الرابع: مارواه الطحاوي عن شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: صلى بنا أبو بكر صلاة الصبح فقرأ سورة آل عمران فقالوا: كادت الشمس تطلع فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين ولم ينكر عليه أحد.
الجزء 1 · صفحة 28
الخامس: ما رواه الطحاوي عن السائب بن يزيد قال: صليت خلف عمر بن الخطاب الصبح فقرأ فيها البقرة فلما انصرفوا استشرقوا الشمس فقالوا ما طلعت فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين فكان يدخل فيها بغلس ويخرج منها بتنوير وكذلك كتب إلى عامله وهو اختيار الطحاوي.
السادس: أن مكث المصلي في موضع صلاته حتى تطلع الشمس مندوب قال: صلى الله عليه وسلم "من صلى الفجر ومكث في مكان الصلاة حتى تطلع فكأنما أعتق أربع رقاب من ولد إسماعيل" وبالاسفار يمكن إحراز هذه الفضيلة وبالتغليس قل ما يتمكن منها.
وأما الحجة على الأبراد بالظهر في الصيف فمن وجوه:
الأول: ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم".
الثاني: ما رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم". قال: الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
الثالث: ما رواه الترمذي عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في سفر ومعه بلال فأراد أن يقيم، فقال: "أبرد" ثم أراد أن يقيم، فقال: "أبرد" ثم أراد أن يقيم فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم "أبرد" حتى رأينا فيء التلول. ثم أقام فصلى فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن شدة الحر من فيح جهنم فأبردوا عن الصلاة". قال: حديث حسن صحيح.
الرابع: قال: النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين وجهه إلى اليمن: "إذا كان الصيف فأبرد فإنهم يقيلون فأمهلهم حتى يدركوا وإذا كان الشتاء فصل الظهر حين تزول الشمس فان الليالي طوال".
الخامس: أن فيتن التعجيل في الصيف تقليل الجماعات وإضرارا بالناس فإن الحر يؤذيهم.
الجزء 1 · صفحة 29
وأما الحجة على تأخير العصر في الصيف والشتاء فمن وجوه:
الأول: مارواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي فيقولون تركناهم وهم يصلون" وأتيناهم وهم يصلون"وفيه دليل على أنه يستحب فعلهما في آخر الوقت حين تعرج الملائكة
الثاني: ما رواه أبو داود عن علي بن شيبان قال: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فكان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية.
الثالث: ما رواه الترمذي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد تعجيلا للظهر وأنتم أشد تعجيلا للعصر.
الرابع: ما رواه الطحاوي عن الحكم بن أبان عن عكرمة قال: كنا مع أبي هريرة رضي الله عنه في جنازة فلم يصل العصر وسكت حتى راجعناه مرارا فلم يصل العصر حتى رأينا الشمس على رأس أطول جبل في المدينة.
الخامس: أن في تأخير العصر تكثير النوافل لأن أداء النافلة بعدها مكروه ولهذا كان التعجيل في المغرب أفضل لأن النافلة قبله مكروهة.
السادس: أن المكث بعد العصر إلى غروب الشمس مندوب إليه قال: النبي صلى الله عليه وسلم: "من صلى العصر ومكث في المسجد إلى غروب الشمس فكأنما أعتق ثمانية من ولد إسماعيل عليه السلام" وإذا أخر العصر يتمكن من إحراز هذه الفضيلة فيكون أفضل وقيل سميت العصر لأنها تعصر أي تؤخر.
وأما الحجة على تعجيل المغرب فالمستحب تعجيلها مطلقا لقوله عليه الصلاة والسلام:: "لا تزال أمتي بخير ما لم تؤخر المغرب إلى أن تشتبك النجوم".
الجزء 1 · صفحة 30
وأما الحجة على تأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل فمن وجوه:
الأول: ما رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل" حديث حسن صحيح.
الثاني: ما رواه أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أخر العشاء إلى ثلث الليل ثم خرج فوجد أصحابه في المسجد ينتظرونه فقال: "أما إنه لا ينتظر هذه الصلاة إلى هذا الوقت أحد غيركم ولولا سقم السقيم وضعف الضعيف لأخرت العشاء إلي هذا الوقت".
الثالث: ما رواه البخاري قال: سئل أنس رضي الله عنه هل اصطنع رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما؟ قال: نعم أخر الصلاة ليلة إلى شطر الليل فلما صلى أقبل بوجهه فقال: "إن الناس قد رقدوا وإنكم لن تزالوا في الصلاة ما انتظرتم الصلاة".
الرابع: عن عائشة رضي الله عنها قالت أعتم النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فذهب عامة الليل ونام أهل المسجد ثم خرج فصلى فقال: "إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي".
الخامس: كتب عمر رضي الله عنه إلي أبي موسي الأشعري أن صل العشاء حتي يذهب ثلث الليل.
السادس: أن في التأخير قطع السمر المنهي بعد العشاء فانه عليه الصلاة والسلام كان لا يحب النوم قبلها ولا الحديث بعدها.
حجة الشافعي رحمه الله من وجوه:
الأول: أن العبادة في أول الوقت رضوان وهو أكبر الدرجات فيلزم أن تكون الصلوات أول الوقت أفضل. أما بيان أن العبادة في أول الوقت رضوان الله فإنه تعالى قال: حكاية عن موسى عليه السلام: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ
الجزء 1 · صفحة 31
رَبِّ لِتَرْضَى} 1 فعلم أن تعجيل العبادة سبب الرضوان وقد قال: النبي صلى الله عليه وسلم: "أول الوقت رضوان الله" فهذه الآية وهذا الحديث بهما علم أن تعجيل العبادة سبب الرضوان وأما بيان أن الرضوان أكبر الدرجات فلأنه تعالى قال: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} 2 فصح أن تعجيل الصلاة أعلى الدرجات.
الجواب عنه: أن التعجيل إنما يكون سببا في العبادات التي ندب تعجيلها كالمغرب والظهر في الشتاء أما في العبادات التي ندب تأخيرها فالرضوان إنما هو باتباع النبي صلى الله عليه وسلم فانه سبب لمحبة الله تعالى قال: الله تعالى: {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} 3 وقد أخرالنبي صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات وأمر بتأخير بعضها كما مر من قوله صلى الله عليه وسلم: "أسفروا بالفجر وأبردوا بالظهر" وحذر الله تعالى عن مخالفة أمره حيث قال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} 4 على أن التعجيل ليس بأولى في جميع العبادات بالإجماع فإن تأخير المغرب إلى مزدلفة واجب وتأخير الوتر مستحب فلما دل الدليل على استحباب تأخير بعض العبادات فقد خرج دليلكم عن الدلالة لأن الدليل قد دل على تأخير بعض الصلوات كما ذكرناه فيجب إعمال دليلكم في غير ما دل دليلنا عليه عملا بالدليلين على أن الآية فيها إنكار التعجيل في نفسه حيث قال: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ} 5وحديث أول الوقت رضوان ضعيف الحجة.
الثاني: أن الله تعالى أمر بتعجيل العبادة ورغب فيها بأربع آيات الأولى بقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} 6 والثانية: بقوله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ} 7 الثالثة: مدح
1 سورة طه: الآية 84.
2 سورة التوبة: الآية 72.
3 سورة آل عمران الآية 31.
4 سورة النور: الآية 63.
5 سورة طه: الآية 83.
6 سورة آل عمران: الآية 133.
7 سورة الحديد: الآية 21.
الجزء 1 · صفحة 32
الأنبياء به وقال: تعالى {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} 1 والرابعة بقوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} 2 وهذه النصوص قاطعة دالة على أن تعجيل العبادة في غاية الفضيلة.
الجواب عنه: أن ما ذكرنا من الأدلة صريحة على استحباب التأخير في بعض العبادات وهذه الآيات ليست بصريحة على استحباب تعجيلها فيحمل على استحباب ما اتفق العلماء على تعجيله عملا بالدليل على أن قوله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ, وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ} نكرة في الإثبات فلا تقتضي العموم: وباقي الآيات وإن كانت عامة لكنها خصت عنها المواضع التي ندب التأخير فيها بالإجماع فليخص بما ذكرناه من الأدلة المتنازع فيها إذ العام إذا خص منه البعض يخص الباقي بخبر الواحد فبقي تحته المواضع التي لم يدل الدليل على تأخيرها.
الثالث: أن الصحابي الذي تقدم إيمانه أفضل من غيره قال: الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأول: ونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ3} وإذا كان السبق في الإيمان سببا لزيادة الفضيلة والرضى فكذا السبق في الطاعة التي هي ثمرته.
الجواب عنه: أن قياس الطاعة على الإيمان قياس في مقابلة النصوص الدالة على استحباب تأخير بعضها لما ذكرنا فلا يقبل على أن هذا قياس مع الفارق فان الإيمان حسن في جميع الأوقات والكفر قبيح في كلها فلا يجوز تأخير الإيمان بخلاف غيره من الطاعات.
الرابع: قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ , أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} 4 وهذا نص قاطع فيمن يكون سابقا في العبادة يكون مقربا إلى حضرة الله تعالى.
1سورة الأنبياء: الآية 90
2 سورة البقرة: الآية 148
3سورة التوبة: الآية 100
4سورة التوبة: 10
الجزء 1 · صفحة 33
الجواب عنه: أن المفسرين قد اختلفوا في المراد من السابق فقيل المراد بالسابق في الإيمان وقيل في الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: السابق في طلب معرفة الله تعالى فلا تكون الآية دليلا على تعجيل العبادة فتحمل على عبادة لم يدل الدليل على تأخيرها عملا بالدليلين.
الخامس: قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} 1 قال: المفسرون أشار بقوله {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} إلى صلاة الظهر والعصر وأشار بقوله: {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} يعني ظلمته إلى صلاة المغرب والعشاء وأشار بقوله: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} إلى صلاة الصبح ثم قال: {كَانَ مَشْهُوداً} يعني صلاة الفجر مشهود بحضور الملائكة وهم الشهداء ومعلوم أن هذا المعنى إنما يمكن إذا أدى الفجر في الغلس أول الصبح لتحضر ملائكة النهار.
الجواب: أن هذا الاستدلال تكلف بعيد لا نترك به الدلائل الصريحة ولا نسلم أن كون الفجر مشهودا لا يمكن إلا بالصلاة في الغلس فإن قيل إن المراد بكونه المشهود إنه يشهده الكثير من المصلين في العادة وذلك يقتضي أن تؤخر لتكثير الجماعة فإنه وقت النوم والقيام منه ولهذا قيل قوله {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ} حث على طول القراءة وقد قال: الطحاوي: من أصحابنا إنه إذا أراد تطويل القراءة يدخل في الغلس ويخرج في الإسفار جمعا بين الدلائل.
السادس: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله" ورضاه أفضل من عفوه لأن الرضى للمطيعين والعفو للمقصرين.
الجواب عنه: هذا الحديث رواه يعقوب بن الوليد عن العمري وهما ضعيفان قال: أحمد بن حنبل رحمه الله لا أعرف شيئا يثبت في أوقات الصلوات أولها أو آخرها يعني الرضوان والعفو وإن صح فنقول: المراد
1سورة الإسراء: الآية 78
الجزء 1 · صفحة 34
بالعفو هو الفضل قال: الله تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} 1 أي الفضل من المال ولا يجوز أن يحمل العفو هنا على التجاوز عن التقصير فقد ذكر في إمامة جبريل عليه السلام تأخير أداء الصلوات في اليوم الثاني: إلى آخر الوقت ولايجوز أن يقصر جبريل ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فيه تقصير يحتاج إلى العفو على أن مذهبنا ليس فيه أداء الصلاة في آخر الوقت بل وسطه حتى قلنا إن أداء الصلاة بعد تغيير قرص الشمس مكروه فيكون من قبل عفو الله تعالى وكذا تأخير العشاء والمغرب إلى آخر وقتهما فنحن قائلون بموجب دليلكم وفي التحقيق ما قلناه أولى لأنه أوسط الأمور وهو الذي أشار إليه جبريل عليه السلام بقوله: [والوقت ما بين هذين الوقتين لك ولأمتك] أي وقت الاستحباب والأول: وية إذ الجواز ثابت في أول الوقت وفي آخره فلو كان أول الوقت أولى لكان ينبغي لجبريل عليه السلام في معرض التعليم أن يقول أول الوقت وقت لك ولأمتك.
السابع: المسافر له الإفطار والصوم في رمضان وقد اتفقنا على أن تعجيل الصوم أفضل قال الله تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} 2 فعلم أن تأخير الصلاة وإن كان جائزا ولكن الأفضل تقديمها.
الجواب: أن هذا قياس في مقابلة النصوص الدالة على استحباب تأخير بعض الصلوات فلا يقبل مع أن الفرق بين الصوم والصلاة ثابت وهو أن في تعجيل الصوم أداءها في وقته وفي تأخيرها قضاءها في أيام أخر والأداء أفضل من القضاء ولا يلزم من تأخير الصلاة إلى الوقت المستحب قضاء.
الثامن: أن التعجيل حرفة العباد المخلصين والتأخير حرفة الكسالى المقصرين ولا شك أن الأول: أفضل وقد ذم الله تعالى وأوعد الكسالى في الصلاة وقال: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ, الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} 3 فإذا
1سورة البقرة: الآية 219
2سورة البقرة: الآية 184
3سورة الماعون: الآية 4
الجزء 1 · صفحة 35
كان كذلك كان التقديم أفضل.
الجواب عنه: أن حرفة المخلصين الاتباع في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وهو ما ذكرنا وهو واضح لمن تأمل وترك التعصب وحرفة المقصرين التأخير عن وقت الاستحباب لا التأخير لإدراك الفضيلة والوعيد لقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ, الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} لأجل اشتغالهم بأمور تلهيهم عن أداء الصلاة في أوقاتها ولا دلالة للاية على مذهب الخصم وهو ظاهر لا يخفى على المنصف.
ثم قال: يفرض في مذهب الشافعي رحمه الله في ركعتين خمسة وثلاثون شيئا النية وتكبيرة الافتتاح والجمع بين النية والتكبيرة والقيام وقت القراءة وقراءة فاتحة الكتاب في جميع الركعات والركوع والطمأنينة فيه والقومة من الركوع والطمأنينة فيها والسجود والطمأنينة فيه والرفع من السجود والطمأنينة فيه والسجدة الثاني: ة والطمأنينة فيها والترتيب بين هذه الأركان والموالاة ومجموع هذه الأركان سبعة عشر في الركعة الأول: ى وفي الركعة الثاني: ة تسقط من هذا المجموع ثلاثة وهي النية والتكبير والجمع بينهما وتبقى أربعة عشر إذا ضمت مع ما في الأول: ى يصير المجموع إحدى وثلاثين وأربعة أخرى تفرض في التشهد وهي القعدة وقراءة التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والسلام للخروج وإذا ضمت هذه الأربعة مع السابع: ة يصير المجموع خمسة وثلاثين فهذه هي أركان الصلاة عنده تفرض رعايتها فإن وقع الخلل في واحدة منها تبطل الصلاة وعند الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه جميع هذه الأشياء ليس من الأركان بل الأركان منها ستة والباقي من الواجبات والسنن وعند أبي حنيفة لا تشترط المقارنة بين النية والتكبير حتى لو نوى حين توضأ في بيته ولم يشتغل بعده بشيء يقطع النية جاز وتجعل المقدمة كالقائمة عند التكبير حكما كما في الصوم ولا يشترط عند أبي حنيفة رضي الله عنه تعيين لفظة التكبير حتى لو قال: بدلا منه الله أجل أو أعظم أو الرحمن أكبر أو لا إله إلا الله جاز لأن التكبير هو التعظيم لغة قال: الله تعالى: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} 1 أي
1سورة يوسف: الآية 31
الجزء 1 · صفحة 36
عظمنه وقال: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} 1 أي فعظم والتعظيم حاصل بقوله الله أعظم ولأن الركن ذكر الله على وجه التعظيم وهو الثابت بالنص قال: الله تعالى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} 2 وإذا قال: الله أعظم فقد وجد ما هو الركن وأما لفظ التكبير فثابت في الخبر فيعمل به حتى يكره غيره لمن يحسنه ولكن الركن ما هو الثابت بالنص ثم من قال: الرحمن أكبر فقد أتى بالتكبير قال: الله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} 3 وروى مجاهد أن الأنبياء صلوات الله عليهم كانوا يفتتحون الصلاة بلا إله إلا الله وكذا تعيين قراءة الفاتحة ليس بفرض عند أبي حنيفة رحمه الله وهي واجبة والفرض مطلق القرآن لقوله تعالى: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} 4 في الأول: يين ولو لم يقرأ في الأخريين بشيء جاز لقوله عليه الصلاة والسلام::"القراءة في الأوليين قراءة في الأخريين" والقومة من الركوع ليس بواجب عنده وكذلك الرفع من السجود والطمأنينة فيها ليس بفرض وكذا قراءة التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليس بفرض وكذا لفظة السلام حتى لو قعد مقدار التشهد وتعمد الحدث أو عمل ما ينافي الصلاة تتم صلاته.
حجة الشافعي رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم في مدة ثلاث وعشرين سنة صلى وقد اتفق المسلمون أن صلاته لم تخل عن جميع ما ذكرنا من خمس وثلاثين خصلة وكل شيء فعله النبي صلى الله عليه وسلم يجب علينا المتابعة فيه قال: الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} 5 وقال: النبي صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ففي هذا الحديث دليل ظاهر على وجوب هذه الأركان نعم لو قام دليل من الآية أو الخبر على أن بعض هذه الأشياء ليس من الأركان نقره بذلك.
1سورة المدثر: الآية 3.
2سورة الأعلي: الآية 15.
3سورة الإسراء الآية 110.
4سورة المزمل: الآية 20
5سورة آل عمران: الآية 31
الجزء 1 · صفحة 37
الجواب عنه: أنه يجب علينا متابعة النبي صلى الله عليه وسلم على الصفة التي فعلها ولم يدل دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذه الأشياء على أنها من الأركان ولو كان جميع مافعل النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة ركنا لكان ينبغي أن يكون رفع اليدين في تكبيرة الافتتاح وفي كل خفض ورفع عنده والثناء في الافتتاح والتحميد والتسميع وتسبيحات الركوع والسجود وسائر ما فعله من الآداب أيضا من الأركان لعين ما ذكره الخصم لأن النبي صلى الله عليه وسلم مدة ثلاث وعشرين سنة فعله واتفق المسلمون على ذلك فلما لم تجعل هذه الأشياء من الأركان دل على أن ما ذكره من الدليل لا يصلح أن يكون دليلا على إثبات ركنية جميع ما جعله ركنا فكما قام الدليل عنده على كون هذه الأشياء ليس من الأركان فكذلك قام الدليل عند خصمه على كون بعض ما ذكره من الأركان ليس من الأركان على أن الركنية لا تثبت إلا بدليل قطعي وفي كون فعل النبي صلى الله عليه وسلم موجبا خلاف المعروف عند أهل الأصول فكيف يصلح دليلا على الركنية نعم إذا واظب النبي صلى الله عليه وسلم على فعل ولم يتركه ولم يدل دليل آخر على عدم الوجوب دل على الوجوب ونحن نقول بموجبه دون الركنية.
مسألة: قراءة فاتحة الكتاب لا يتعين ركنا في الصلاة بل الركن مطلق القراءة وتعيين الفاتحة واجب في مذهب أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم وعند الشافعي رحمه الله قراءة الفاتحة ركن في الصلاة.
حجة الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه:
الأول: قوله تعالى: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} 1 مطلق فتعيين الفاتحة يكون زيادة على هذا النص وهو نسخ فلا يثبت بخبر الواحد.
الثاني: ما رواه البخاري ومسلم في حديث الأعرابي الذي صلى وخفف فجاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرده عليه الصلاة والسلام قال: "ارجع فصل فإنك لم تصل" ثلاث مرات فقال: الرجل والذي بعثك بالحق ما أحسن غير
1سورة المزمل: الآية 20
الجزء 1 · صفحة 38
هذا فعلمني فقال: "إذا قمت في الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع" إلى آخر الحديث فلو كان قراءة الفاتحة ركنا لعلمه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان في معرض بيان الأركان وتعليمها فدل على أن الركن مطلق القراءة:
الثالث: ما روى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال: لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أخرج فناد في المدينة لا صلاة إلا بالقرآن ولو بفاتحة الكتاب".
حجة الشافعي رحمه الله من وجوه:
الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم في مدة ثلاث وعشرين سنة صلى وقرأ بفاتحة الكتاب في صلاته فيجب متابعته على جميع الناس لقوله تعالى: {فَاتَّبِعُوهُ} 1 فظهر أنه لا تجوز الصلاة بدون الفاتحة إذ لو كانت الصلاة جائزة بدونها لكان النبي صلى الله عليه وسلم يتركها مرة فإذا لم يتركها مرة علم أن الصلاة بدونها لا تجوز.
الجواب عنه: ما مر أن المواظبة تدل على الوجوب دون الركنية ونحن نقول بموجبه فإن الفاتحة عندنا واجبة ولا يلزم من كونها واجبة أن تبطل الصلاة بتركها وإذا لم يتركها النبي صلى الله عليه وسلم لكونها واجبة وتركه الواجب قصدا لا يجوز فنحن نقول بالإجماع على الصفة التي أتى أتى بها.
الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال: العبد الحمد لله رب العالمين يقول الله تعالى حمدني عبدي وإذا قال: الرحمن الرحيم يقول الله تعالى مجدني عبدي وإذا قال: مالك يوم الدين يقول الله تعالى أثنى علي عبدي وفوض أمره إلي فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين إلى آخر السورة يقول الله تعالى هذا بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل" المقصود من هذا الخبر أن الله تعالى قال: قسمت الصلاة نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي وهذه القسمة بناء على قراءة الفاتحة
1سورة الأنعام: الآية 153
الجزء 1 · صفحة 39
في الصلاة فلو صحت الصلاة بدونها لما صحت هذه القسمة.
الجواب عنه: المراد بالصلاة في هذا الحديث الفاتحة مجازا لأن الصلاة لا تجوز عنده ولا تكمل عندنا إلا بها فوجدت المناسبة بينهما ثم هذه القسمة لا تختص بالصلاة فإن الفاتحة تحميد وتمجيد وثناء ودعاء مطلقا سواء كان في الصلاة أو في غيرها فإذا قرأ العبد فاتحة الكتاب خارج الصلاة تصح هذه القسمة أيضا فلا تتعين كونها في الصلاة ولئن سلم كونها في الصلاة فلا تثبت الركنية بمثله إذ الركنية بخبر الواحد الصريح لاتثبت فبالمحتمل بطريق الأول: ى فغاية الحديث على تقدير التسليم أن تقتضي الوجوب فنحن نقول بموجبه:
الثالث: قوله عليه الصلاة والسلام: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب".
الجواب عنه: أن الركنية لا تثبت بخبر الواحد بل يثبت به الوجوب فالذي ذهبنا إليه عمل بالكتاب والسنة حيث قلنا إن مطلق القراءة ركن بالكتاب وهو قوله تعالى: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} 1 وتعيين الفاتحة واجب بالحديث عملا بالدليلين بقدر قوتهما والخصم مذهبه ضعيف من وجهين:
الأول: أنه حط رتبة الكتاب حيث زاد عليه بخبر الواحد.
والثاني: أنه رفع رتبة خبر الواحد حيث جعله ناسخا لإطلاق الكتاب التحقيق فيما قلناه حيث جمعنا بينهما وحملنا قوله عليه الصلاة والسلام: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" على نفي الكمال دون نفي الجواز فإن الصلاة بدون الفاتحة ناقصة عندنا وإليه الإشارة في قوله عليه الصلاة والسلام: "كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج" الخداج عبارة عن النقصان مع بقاء الذات دون البطلان كما في قوله عليه الصلاة والسلام: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" الرابع: جميع أهل الشرق والغرب والموافق والمخالف يقرؤون بفاتحة
1سورة المزمل: الآية 20
الجزء 1 · صفحة 40
الكتاب في الصلاة فالمخالف لهم يدخل تحت الوعيد لقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} 1 الآية.
الجواب عنه: إنما لم نترك الفاتحة قصدا في الصلاة لأنها واجبة عندنا وترك الواجب قصدا لا يجوز فلا نكون مخالفين ولكن الكلام في كونها ركنا أو غير ركن ودليلكم لم يدل على كونها ركنا على أنا نعارضه بالمثل بأن نقول إن أهل الشرق والغرب كلهم يسبحون في الركوع والسجود فيقتضي أن تكون تسبيحات الركوع والسجود ركنا والمخالف لهم يدخل تحت هذا الوعيد فكل جواب للخصم في تلك الصورة فهو جواب لنا في هذه على أنه قد عرف بأنه قيل إن المراد بسبيل المؤمنين الإيمان فاتباع غير سبيل المؤمنين الكفر فيكون الوعيد للكفار لا لمن ترك الفاتحة في الصلاة والشافعي رحمه الله استدل به على كون الإجماع حجة وما سلم له الإستدلال به على ذلك فكيف نسلم استدلال الرازي به على كون الفاتحة ركنا في الصلاة وهو يعلم بضعف هذه الأدلة ولعل غرضه ترويج مذهبه على المقلدين فإنه يعلم قطعا أن كل شيء يفعله جميع المسلمين في الصلاة لا يقتضي أن يكون ركنا فيها.
الخامس: أن قوله تعالى: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} 2 في الحقيقة حجة للشافعي رحمه الله تقريره أن الخطاب بقوله فاقرؤوا متوجه إلى جميع الأمة فما تيسر لجميع الأمة يكون مراده به وقراءة الفاتحة متيسرة لهم فعلم أن هذا دليل ظاهر على أن الفاتحة ركن في الصلاة.
الجواب عنه: أن قول: {مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} أعم من أن يكون فاتحة الكتاب أو غير ذلك كسورة الإخلاص والكوثر والعصر وغيرها كما أن الفاتحة متيسرة لهم فكذلك سورة الإخلاص فتعيين الفاتحة بالإرادة من الآية دون
1سورة النساء: الآية 115
2سورة المزمل: الآية 20
الجزء 1 · صفحة 41
سورة الإخلاص وغيرها ترجيح بلا مرجح وتخصيص بلا مخصص وهو مكابرة ظاهرة.
مسألة: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ليست آية من الفاتحة بل هي آية مستقلة من القرآن أنزلت للفصل بين السور عند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم وعند الشافعي رحمه الله هي آية من الفاتحة.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الله تعالى: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فاذا قال: الحمد لله رب العالمين يقول الله تعالى حمدني عبدي" إلى آخر الحديث الاحتجاج به من وجوه:
الأول: أنه عليه الصلاة والسلام لم يذكر التسمية فلو كانت آية من الفاتحة لذكرها
والثاني: أنه تعالى قال: "جعلت الصلاة" أي الفاتحة كما مر "بيني وبين عبدي نصفين" وهذا التنصيف إنما يحصل إذا قلنا إن التسمية ليست آية من الفاتحة لأن الفاتحة سبع ايات فيكون لله ثلاث ايات ونصف وهو من قوله: الحمد لله إلى قوله إياك نعبد وللعبد ثلاث آيات ونصف وهو من قوله: وإياك نستعين إلى آخر السورة فإذا جعلنا التسمية آية من الفاتحة حصل لله أربع آيات ونصف وللعبد إثنان ونصف وذلك يبطل التنصيف.
الثالث: ماجاء في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين فلو كانت التسمية آية منها لافتتح الصلاة بها.
الرابع: نقل أهل المدينة بأسرهم عن ابائهم التابعين عن الصحابة رضي الله عنهم افتتاح الصلاة بالحمد لله رب العالمين.
الجزء 1 · صفحة 42
الخامس: أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر ولا تواتر بكونها آية من الفاتحة.
السادس: أن العلماء اختلفوا في كونها أنها من الفاتحة وسوغوا الخلاف فيه وأدنى درجات الخلاف إيراث الشبهة والقرآن لا يثبت بدون اليقين.
حجة الشافعي رحمه الله: أن التسمية مكتوبة بخط المصحف فإنهم كانوا يشددون في منع كتابة ما ليس من القرآن مبالغة في حفظ القرآن وصيانته وتمييزه عما ليس منه.
الجواب عنه: أن القرآن يشترط فيه التواتر في المحل وعدم تواترة في المحل دليل على أنه ليس آية من الفاتحة فلا يثبت كونها من الفاتحة بالاحتمال غاية ما ذكرتم أن تقتضي كونها آية من القرآن وهو مسلم عندنا ولكن مطلوبكم كونها من الفاتحة ودليلكم لا يدل على ذلك وأما المعوذتان فلا خلاف في كونها من القرآن وغاية الأمر أنهما لم توجدا في مصحف ابن مسعود رضي الله عنه وذلك لا يدل على أنهما ليسا من القرآن فإن عدم كتابته بناء على وضوح أمرهما فإنه لم يصرح بأنهما ليسا من القرآن وقد وقع الإجماع والتواتر على أنهما من القرآن والله أعلم.
مسألة: لا يجب على المقتدي أن يقرأ الفاتحة أو القراءة خلف الإمام لا في صلاة سر ولا جهر عند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم ومذهب الشافعي رحمه الله أن يقرأ الفاتحة إذا قرأ الإمام سرا أو جهرا وهو قول مالك رضي الله عنه.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه:
الأول: ما رواه الترمذي عن أبي نعيم وهب بن كيسان أنه سمع جابر بن عبد الله يقول من صلى ركعة ولم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا أن يكون وراء الإمام قال: ابن عبد البر رواه يحيى بن سلام عن مالك عن أبي نعيم وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الثاني: قوله عليه الصلاة والسلام: "من كان له إمام فقراءة الإمام له
الجزء 1 · صفحة 43
قراءة" حكاه الخطابي.
الثالث: ما رواه مسلم عن عطاء بن يسار أنه أخبره أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء وكفى بزيد بن ثابت قدوة.
الرابع: ما رواه الطحاوي عن يونس بن وهب أن مالكا حدثه عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان إذا سئل هل يقرأ خلف الإمام؟ فيقول: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام.
الخامس: ما رواه مسلم "وإذا قرأ فأنصتوا".
حجة الشافعي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وقال: الله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا1} فيجمع بين الخبر والآية فتحمل الآية على الصلاة جهرا والخبر على الصلاة سرا وأيضا يمكن الجمع بينهما بأنه إذا قرأ الإمام جهرا وسكت بين الفاتحة والقراءة يقرأ المقتدي الفاتحة في تلك الوقفة حتى يكون عملا بالحديث والآية.
الجواب عنه: يمكن العمل بهما بأن يحمل الخبر على الإمام أو المنفرد والحديث الذي ذكرناه وهو قوله إلا أن يكون وراء الإمام يدل على ذلك والآية على المقتدي.
الحجة الثانية: أن صلاة السر إذا لم يقرأ فيها المقتدي ولا يستمع كان معطلا غير مشغول بالقراءة والاستماع والصلاة موضع العبادة دون التعطيل.
الجواب عنه: أنه لما جعل قارئا حكما بقراءة الإمام لا يكون معطلا.
مسألة: لو صلى إنسان في ليلة مظلمة أو حالة الاشتباه بالتحري إلى جهة ثم تبين أنه أخطأ في اجتهاده لا يعيد الصلاة عند أبي حنيفة وأصحابه رضي
1سورة الأعراف: الآية 204
الجزء 1 · صفحة 44
الله عنهم وعند الشافعي رحمه الله يعيدها إذا استدبر القبلة.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه ما رواه الترمذي عن عامر بن ربيعة قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل على حياله فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} 1 أي قبلته والمراد به حالة الإشتباه والنص والحديث مطلقان فلا يجوز تقييدهما بغير المستدبر ولأن المصلي مأمور بالتحري والاجتهاد حالة اشتباه القبلة والتكليف بحسب الوسع وقد أتى بما هو في وسعه وهو التوجه إلى جهة التحري والإتيان بالمأمور به كاف في الإجزاء فلا يجب عليه الإعادة كما لو صلى بالتيمم ثم وجد الماء.
حجة الشافعي رحمه الله من وجوه:
الأول: قوله تعالى: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} 2 والذي قصد غير القبلة في إتيان المأمور به فلا بد من الإعادة.
الجواب عنه: أن التوجه قابل بالنقل من جهة إلى أخرى ولهذا حول من الكعبة إلى بيت المقدس ثم منها إلى الكعبة ثم من عين الكعبة إلى جهاتها للبعيد عنها ثم إلى جهة التحري حالة الاشتباه ثم إلى أي جهة قدر حالة الخوف وأي جهة توجهت دابته في النفل فإذا صلى إلى جهة التحري فقد صلى متوجها إلى ما هو قبلة في حقه في تلك الحالة فلا يجب عليه الإعادة بخلاف طهارة الثوب والإناء ونجاستهما فإنهما لا يحتملان الانتقال: والتحول من موضع إلى آخر فإذا تبين أنه صلى في الثوب النجس أو توضأ من الإناء النجس تجب عليه الإعادة لذلك فافترقا.
مسألة: المطيع والعاصي في رخصة السفر سواء عند أبي حنيفة وأصحابه
1سورة البقرة: الآية 115
2سورة البقرة: الآية 144.
الجزء 1 · صفحة 45
رحمهم الله وعند الشافعي رحمه الله سفر المعصية لا يفيد الرخصة فعلى هذا إذا أبق العبد من المولى أو سافر جماعة لنهب البلاد أو قطع الطريق لهم أن يقصروا الصلاة الرباعية ويفطروا في رمضان ويأكلوا الميتة إذا اضطروا إلى ذلك على المذهب الأول: دون الثاني.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: إطلاق النصوص وهو قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَر} 1 وقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ} 2 الآية وقوله صلى الله عليه وسلم: "فرض المسافر ركعتان" فتقييد هذه النصوص بسفر الطاعة أو سفر المباح تحتاج إلى دليل ولأن نفس السفر ليس بمعصية وإنما المعصية مجاوره فصار كما لو سافر إلى الحج أو التجارة وهو يقطع الطريق أو يشرب الخمر أو يزني.
حجة الشافعي رحمه الله: قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} 3 فشرط في الرخصة كونه غير باغ ولا عاد فإذا كان باغيا أو عاديا لا تصح له الرخصة.
الجواب عنه: أن على قول أكثر أهل التفسير اختص قوله غير باغ ولا عاد بالأكل ومعناه غير باغ على مضطر آخر بالأخذ منه والاستئثار عليه ولا عاد في شدة الجوعة والأكل فوق العادة فإذا احتمل هذا لا يصلح حجة للخصم.
الثاني: أن الرخصة إعانة على ذلك العمل فلو كان سفر المعصية سببا للرخصة كان إعانة عليها.
الجواب عنه: أن الرخصة لطف من الله تعالى لعباده والله تعالى كريم لا يمنع الرزق من الكافر الذي هو سبب لبقائه في الكفر فكيف يمنع عن
1سورة البقرة: الآية 184
2سورة المائدة: الآية 3.
3سورة البقرة: 173
الجزء 1 · صفحة 46
الفاسق رخصته وقد قال عليه الصلاة والسلام: "إن الله يحب أن يؤتى برخصه كما يحب أن يؤتى بعزائمه وهذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته"
مسألة: إذا ماتت المرأة لا يحل لزوجها غسلها عند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم وعند الشافعي رحمه الله يحل وأجمعوا أنه إذا مات الرجل يحل لها غسله.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه أن المرأة لم تبق محلا للنكاح بعد موتها فلم تبق الزوجية فلا يحل له النظر إلى عورتها لقوله عليه الصلاة والسلام: "غض بصرك إلا عن زوجتك" وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن امرأة تموت بين الرجال فقال: تيمم بالصعيد ولم يفرق بين أن يكون فيهم زوجها أو لا يكون والدليل على أن النكاح ارتفع بموتها صحة التزويج بأختها وأربع سواها بخلاف موت الزوج لأن محل النكاح هي المرأة فيمكن إبقاء النكاح في حق هذا الحكم لبقاء محله لحاجته كما بقيت مالكيته بعد موته بقدر ما يقتضي به حوائجه من التجهيز والتكفين وقضاء الديون وتنفيذ الوصايا ولهذا تجب عليها العدة ولا يحل لها أن تتزوج قبل انقضاء العدة وهي أثر النكاح والشيء يعد باقيا ببقاء أثره فأما بعد موتها فلا يمكن بقاء النكاح بوجه لاستحالة بقاء الشيء بدون محله.
حجة الشافعي رضي الله عنه من وجه:
الأول: قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: "لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك" فإذا جاز ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم جاز لأمته متابعة له.
الجواب عنه من وجهين:
الأول: أن زوجية النبي صلى الله عليه وسلم مسخرة لا تنقطع بالموت لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل سبب ونسب ينقطع إلا سببي ونسبي" فيكون ذلك من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم فلا تجوز فيها المتابعة.
الجزء 1 · صفحة 47
الثاني: أن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: "غسلتك" أي قمت في تهيئة أسباب غسلك وأمرت به كما يقال: بني السلطان المدرسة.
الوجه الثاني: ما روى عن علي رضي الله عنه أنه غسل فاطمة رضي الله عنها ولم تنكر عليه الصحابة فدل على الجواز.
الجواب عنه: أنه قد روي أن فاطمة رضي الله عنها غسلتها أم أيمن حاضنة النبي صلى الله عليه وسلم والدة أسامة بن زيد رضي الله عنه ولو ثبت أن عليا رضي الله عنه غسلها فقد روى أنه أنكر عليه بعض الصحابة واعتذر علي رضي الله عنه عن ذلك حين أنكره عليه ابن مسعود رضي الله عنه بقوله أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: "إن فاطمة زوجتك في الدنيا والآخرة" فإنكار ابن مسعود واعتذار علي رضي الله عنهما بذلك الجواب دليل ظاهر على أنه لا يجوز للرجل أن يغسل امرأته بعد موتها.
الثالث: قوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} 1 يدل على بقاء الزوجية فيجوز له غسلها.
الجواب عنه: أن التسمية بالزوج باعتبار ما كان لا تقتضي بقاء الزوجية بعد فوات المحل والإرث بناء على السبب السابق على الموت ولو كانت الزوجية باقية لما جاز نكاح أختها والأربع سواها.
1سورة النساء: الآية 12
الجزء 1 · صفحة 48
كتاب الزكاة
مسألة: إذا هلك النصاب بعد وجوب الزكاة سقطت عند أبي حنيفة رضي الله عنه وأصحابه وقال: الشافعي رحمه الله: إذا هلك بعد التمكن من الأداء لا تسقط فيضمن قدر الزكاة.
حجة أبي حنيفة من وجهين:
الأول: قوله عليه الصلاة والسلام: "هاتوا ربع عشر أموالكم" وربع الشيء لا يبقى بدونه فالواجب من النصاب تحقيقا لليسر فيسقط بهلاك محله كالعبد الجاني أو العبد المديون إذا مات سقط عن المولى الدفع بالجناية والدين لفوات محله أو كالشقص1 الذي فيه الشفعة إذا صار بحرا بطل فيه جزء الشفعة.
الثاني: أن الشرع أوجب الزكاة بصفة اليسر وبهذا خص الوجوب بالمال النامي بعد الحول والحق متى وجب بصفة لا يبقى بدونها تحقيقا لليسر فلو بقي الوجوب بعد هلاك النصاب انقلب غرامة وهي لا تجب إلا بالتعدي ولم يوجد لأن الأداء غير موقت فلا يكون متعديا بالتأخير.
حجة الشافعي رحمه الله من وجهين:
الأول: أنه بعد ما حال الحول على النصاب وهو قادر على الأداء وتوجه عليه الخطاب بقوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} 2 فاذا لم يؤد كان مانعا للزكاة ولا يسقط عنه الخطاب والتكليف فيؤخذ منه لقوله عليه الصلاة والسلام: "من منع منا الزكاة فإنا نأخذها منه".
الجواب عنه: أن الخطاب بقوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} مطلق عن
1الشقص بكسر الشين المعجمة وسكون القاف القطعة من الأرض "لسان العرب – مادة شقص".
2سورة البقرة: الاية 43
الجزء 1 · صفحة 49
الوقت لليسر فلا يكون الوجوب على الفور كي لا يصير عسرا منافيا لليسر وبهذا لا يصير قضاء بالتأخير فلا تصير مقصرا بالتأخير فلا يضمن لعدم التعدي لأنه إنما يصير متعديا لو امتنع عن الأداء بعد طلب من له الحق ولم يصر متعينا للطلب إذ المستحق فقير يعينه المالك بالأداء ولم يوجد وبعد طلب الساعي في المواشي إن امتنع من الأداء حتى هلك المال قال: مشايخ العراق يضمن لأن الساعي متعين للأخذ فيصير بالامتناع منه مفوتا فيضمن وقال: غيرهم من المشايخ لا يضمن وهو الأصح لانعدام التعيين لأن الرأي للمالك في اختيار المحل إن شاء أدى عين السائمة وإن شاء أدى قيمتها فلا يصير الحق متعينا إلا بأداء فلا يضمن بخلاف ما لو استهلك لأنه وجد التعدي فيضمن.
الثاني: أن وجوب الزكاة تقرر عليه بالتمكن من الأداء ومن تقرر عليه الوجوب لا يبرأ بالعجز عن الأداء بهلاك المال كما في ديون العباد إذا أفلس لا يسقط بالعجز حتى لو ملك مالا آخر يجب الأداء منه.
والجواب عنه: بالفرق بين ديون العباد والزكاة وهو أن ديون العباد متعلقة بالذمة دون عين المال وذمته باقية بعد هلاك المال فيبقى الدين ببقاء محله وأما الزكاة فمتعلقة بعين المال لأن الواجب جزء منه ولهذا جعل النصاب ظرفا للواجب قال: الله تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} 1 وقال عليه الصلاة والسلام: "في الورق أي الفضة ربع العشر وفي أربعين شاة شاة وفي خمس من الإبل شاة" فتسقط بهلاك محله فافترقا.
مسألة: لا تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون عند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم وهو مذهب أكثر الصحابة والتابعين وحكى الحسن البصري فيه إجماع الصحابة رضي الله عنهم وعند الشافعي رحمه الله تجب
1سورة المعارج: الآية 25
الجزء 1 · صفحة 50
الزكاة في مالهما ويخاطب المولى أو الصبي بالأداء أو يخاطب الصبي بأداء زكاة ما مضى بعد البلوغ.
حجة أبو حنيفة رضي الله عنه: قوله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم وعن النائم حتى ينتبه وعن المجنون حتى يفيق" وفي إيجاب الزكاة في مالهما إجراء القلم عليهما ولأن الصبي ليس بأهل للخطاب بقوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} 1 وكذا المجنون لأنهما لا يخاطبان بالصلاة وسائر العبادات فلا يخاطب الولي باخراج زكاة مالهما إذ الولي لا يخاطب بأداء مالا يجب عليهما.
حجة الشافعي رحمه الله من وجوه:
الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: "في أربعين شاة شاة وفي الرقة ربع العشر وفي خمس من الإبل شاة وفي عشرين مثقالا نصف مثقال" وهذه النصوص عامة في حق البالغ والصبي والعاقل والمجنون.
الجواب عنه: أن هذه النصوص لم تتناولهما لأنهما مرفوع عنهما القلم وإن قال والزكاة واجب في المال لا على الصبي والمجنون قلنا هذا منقوض بمال الجنين فإنه لا تجب الزكاة فيه على الذهب عندكم ذكره النووي رحمه الله في شرح المهذب مع وجود المال.
الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: "ابتغوا في أموال اليتامى خيرا لا تأكلها الصدقة".
الجواب عنه: أن هذا الحديث ضعيف لأن مداره على عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفيه المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب قال أحمد رحمه الله: لا يساوي شيئا وقال النسائي: متروك الحديث وقال يحيى: ليس بشيء ولئن سلمنا صحته فتأويله أن المراد بالصدقة النفقة فإن نفقة المرء على نفسه صدقة على ما جاء في الخبر والدليل علي صحة هذا التأويل أنه
1سورة البقرة: الآية 43
الجزء 1 · صفحة 51
أضاف الأكل إلى جميع المال والنفقة هي التي تأكل جميع المال دون الزكاة أو المراد بالصدقة صدقة الفطر والمراد بقوله صلى الله عليه وسلم: "من ولى يتيما" فيلزم في ماله التثمير بالتجارة لأن التزكية اسم للتثمير فإن الزكاة عبارة عن الزيادة.
الثالث: أن عليا رضي الله عنه أوجب الزكاة على الصبي والمجنون وقد قال صلى الله عليه وسلم: "اللهم أدر الحق مع علي حيث ما دار".
الجواب عنه: أنه قد روي عن علي رضي الله عنه أنه لا تجب الزكاة عليهما ولئن صح النقل عنه فهو معارض لقول سائر الصحابة وقد نقل إجماع الصحابة على عدم الوجوب وأيضا قول الصحابي ليس بحجة عند الخصم.
الرابع: أن الصبي والمجنون إذا كانا من الأغنياء دخلا تحت الخطاب بقوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ: "خذها من أغنيائهم وردها على فقرائهم".
الجواب: ما مر من أن الصبي والمجنون ليسا من أهل الخطاب فلا يخاطبان بالزكاة.
الخامس: أنه يجب على الصبي والمجنون العشر في أرضهما وصدقة الفطر في مالهما بالإجماع وكذا الزكاة والجامع دفع الحاجة عن الفقير.
الجواب عنه: بالفرق وهو أن الزكاة عبادة خالصة فلا تجب عليهما كسائر العبادات بخلاف العشر فانه ليس بعبادة خالصة بل فيه معنى المؤنة وهما أهلان لوجود المؤنة كنفقة الزوجة وأما صدقة الفطر فلا تجب عليه على قول محمد رحمه الله وأما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله إنما وجبت على مالهما لأن فيهما معنى المؤنة لاختصاصهما بمحل المؤنة قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أدوا عمن تمونون" فلا يجوز قياس العبادة الخالصة على ما فيه معنى المؤنة.
مسألة: يجوز أداء القيمة مكان المنصوص عليه من الشاة والإبل والبقر
الجزء 1 · صفحة 52
في الزكاة عند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم وعند الشافعي رحمه الله لا يجوز أداء القيمة بل يؤدي من الذهب الذهب ومن الفضة الفضة ومن الإبل الإبل ومن الغنم الغنم.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه:
الأول: ما روى الامام أحمد بن حنبل عن الصنابحي قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبل الصدقة ناقة مسنة فغضب فقال: "ما هذه" فقال: ارتجعتها ببعيرين من إبل الصدقة فسكت والارتجاع أخذ سن مكان سن قاله أبو عبيد وفي الصحاح الارتجاع في الصدقة إنما يجب على رب المال أسنان فيأخذ المصدق أسنانا فوقها أو دونها بقيمتها فدل ذلك على جواز أداء القيمة في الزكاة.
الثاني: ما روي عن طاوس قال: معاذ بن جبل لأهل اليمن ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم في الصدقة فهو أهون عليكم وخير للمهاجرين والأنصار بالمدينة والخميس ثوب طوله خمسة أذرع واللبيس الثوب الملبوس وأخذ الثوب مكان الصدقة لا يكون إلا باعتبار القيمة.
الثالث: ما صح في حديث أبي بكر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فمن بلغت عنده صدقة الجذعة وليست عنده الجذعة وعنده حقة فإنها تقبل منه يجعل معها شاتين إن استيسرتا أو عشرين درهما ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده حقة وعنده جذعة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهما" فدل هذا على جواز أداء القيمة في الزكاة.
الرابع: أن المقصود إغناء الفقير قال صلى الله عليه وسلم: "أغنوهم عن المسألة" والإغناء يحصل بأداء القيمة كما يحصل بأداء المنصوص عليه من الشاة وغيرها وقد تكون القيمة أدفع للحاجة من غير الشاة.
حجة الشافعي رحمه الله من وجوه:
الأول: قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن لأخذ الصدقات: "خذ
الجزء 1 · صفحة 53
من الإبل الإبل ومن البقر البقر" فأخذ القيمة يكون مخالفا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم.
الجواب عنه: أن هذا خطاب لمعاذ وقد بعثه إلى أرباب المواشي الذين هم سكان البوادي فذكر ذلك للتيسير عليهم فان الأداء بما عندهم أيسر عليهم لعدم الدراهم والدنانير عندهم فيكون الأمر بالأخذ من غير الإبل للتيسير لا لتقييد الواجب به أو يحمل الأمر على الاستحباب دون الوجوب جمعا بين الأدلة.
الثاني: ما كتب أبو بكر رضي الله عنه إلى أطراف البلاد في شرح أحوال الزكاة ومضمون الكتاب هذا كتاب الصدقة التي فرضها الله تعالى على الناس وأمر رسوله أن يأخذها منهم في كل خمس من الابل شاة وفي العشر شاتان وفي خمس عشرة ثلاث شياه وفي عشرين أربع شياه وفي خمس وعشرين بنت مخاض وفي خمس وثلاثين بنت لبون وفي أربعين حقة فهذا بيان الزكاة التي فرضها الله على عباده بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم للخلق على التفصيل فعلم أن ما أوجب الله تعالى من الزكاة هو ما فصل النبي صلى الله عليه وسلم فمن لم يؤد هذه الأشياء بأن يؤدي قيمتها فقد خالف الأمر ودخل تحت الوعيد بقوله تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} 1.
الجواب عنه: أن هذا التفصيل لبيان قدر الواجب لما سمي لا للتقييد به وتخصيص المسمى أنه يسير على أرباب المواشي ألا ترى أن الله تعالى قال: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} 2 جعل محل الأخذ ما سمى بمطلق المال فالتقييد بكونه شاة أو إبلا زيادة على الكتاب وهو كالنسخ فلا يجوز بخبر الواحد والذي يفيد أن الحق في مطلق المالية قوله صلى الله عليه وسلم: "في خمس من الأبل" وكلمة في للظرفية حقيقة وعين الشاة لا توجد في الإبل وإنما توجد فيها مالية الشاة فعرف أن المراد بالشاة قدر
1سورة البقرة: الآية 59
2سورة التوبة: الآية 103
الجزء 1 · صفحة 54
ماليتها على أن الزكاة واجبة حقا لله تعالى لأن العبادة لا يستحقها غيره وقد أسقط حقه من صورة الشاة باقتضاء النص في ذلك لأنه عز وجل وعد أرزاق العباد بقوله {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} 1 ثم أوجب لنفسه حقا في مال الأغنياء وهي الزكاة ثم أمرهم بقوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} 2 بالصرف إلى الفقراء لقوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} 3 إيفاء للرزق الموعود لهم من الله والمال المسمى لا يحتمل انجاز الوعد منه لاختلاف المواعيد إذ الرزق عبارة عما تقع به الكفاية من المأكول والملبوس وسائر ما لا بد منه وكان الأمر بصرف هذا المال لإيفاء رزقهم دليلا على إذنه بالاستبدال بسائر الأموال لتندفع بها حوائجهم المختلفة إذ عين الشاة لا يصلح لجميع قضاء الحوائج فنحن إنما جوزنا القيمة بإذن الشارع الثابت باقتضاء النص والأحاديث الواردة التي مر ذكرها والخصم بدل ذلك الإذن بالتقييد فيكون هو داخلا تحت قوله تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا} 4 لا نحن علم أن الاستشهاد بمثل هذه الآية الواردة في حق الكفار الذين يبدلون كلام الله لا يكون لائقا لأهل العلم في حق بعضهم ببعض في مسائل الاجتهاد ولكن نحن عارضناه بالمثل إذ معارضة الفاسد بمثله من وجوه النظر.
الثالث: أن الأمة أجمعت أنه لو أدى القيمة مكان الشاة في الضحايا والهدايا لا يكون كافيا فلا يكفي في الزكاة فلا يخرج به عن عهدة الأمر إلا بأداء عين الشاة.
الجواب عنه: أن القربة في الضحايا والهدايا في نفس إراقة الدماء على خلاف القياس ولهذا لو هلكت الشاة بعد أن ذبح قبل التصدق لا يلزمه
1سورة هود: الآبة 6
2سورة التوبة: الآية 6.
3سورة البقرة: الآية 43
4سورة البقرة: الآية 53
الجزء 1 · صفحة 55
شيء وإراقة الدم ليست بمنقومة حتى يجوز أداء قيمتها بدلها ولا يعقل فيها معنى فلا يجوز القياس عليها وأما وجه القربة في الزكاة فسد حاجة الفقير وهو أمر معقول وذلك المقصود حاصل بأداء القيمة بأتم الوجوه فيحوز بطريق الأول: ى فإن قيل هذا التعليل منقوض بالصلاة فإن المقصود منها حضور القلب فإذا حصل حضور القلب فلا تجب الصلاة ولما كان هذا باطلا بطل ما ذكرتموه هكذا أورده الخصم قلت المقصود من الصلاة تعظيم الله تعالى والخضوع والخشوع والتواضع في الظاهر أعمال الجوارح من الركوع والسجود وفي الباطن الحضور بالقلب وذلك المجموع لا يحصل بمجرد حضور القلب بدون الأركان.
مسألة: تجب الزكاة في الحلي من الذهب والفضة عند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم وهو مذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود وعبد الله بن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري من الصحابة رضي الله عنهم وجمهور التابعين وعند الشافعي رحمه الله لا تجب الزكاة في الحلي المباح في قول وفي قول تجب.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه:
الأول: ما رواه حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم وفي يدها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان أي سوران غليظتان من ذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتعطين زكاة هذا" قالت لا قال: "أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار" فاختلعتهما وألقتهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت هما لله ورسوله رواه أبو داود والنسائي وقال النووي إسناده حسن.
الثاني: ما رواه أبو داود بإسناده عن عبد الله بن شداد بن الهاد أنه دخل على عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم "فرأى في يدي فتخات أي خواتم من ورق فقال: "ما هذا يا عائشة" قلت صنعتهن أتزين لك بهن يا رسول الله قال: " أتؤدين زكاتهن" قلت لا أو ما شاء الله قال: "هي حسبك من النار"
الجزء 1 · صفحة 56
أخرجه الحاكم في المستدرك وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين.
الثالث: ما رواه أبو داود عن أم سلمة رضي الله عنها قالت كنت ألبس أوضاحا أو حليا من ذهب فقلت يا زسول الله أكنز هو فقال: "ما بلغ أن تؤدي زكاتها فزكي فليس بكنز" أخرجه الحاكم أيضا في المستدرك على شرط البخاري ومسلم.
الرابع: ما رواه الدارقطني عن علقمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن امرأة أتت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالت إن لي حليا وإن لي بني أخ أفيجزئ عني أن أجعل زكاة الحلبي فيهم قال: "نعم".
الخامس: عموم القرآن والأحاديث في وجوب الزكاة لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} 1 الآية وقوله صلى الله عليه وسلم: "في عشرين مثقال نصف مثقال وفي الرقة ربع العشر".
حجة الشافعي رحمه الله من وجوه:
الأول: ما روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس في الحلي زكاة"
الجواب عنه: قال: البيهقي والذي يروي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم "ليس في الحلي زكاة لا أصل له" وفيه عافية بن أيوب مجهول فمن احتج به مرفوعا كان مغرورا بدينه داخلا فيما يعيب به من يحتج بالكذابين".
الثاني: ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "زكاة الحلي عاريتها".
الجواب عنه: أن هذا لا يوجد مرفوعا وقال: أبو بكر الرازي هذا لا يصح لأن الزكاة واجبة والعارية ليست بواجبة.
والثالث: أن الحلي مال مبتذل في مباح فلا يكون حلي الرجال لأنها وإن كانت مبتذلة لكن في الحرام فلا يمكن الإلحاق بثياب المهنة.
1سورة التوبة: الآية 34
الجزء 1 · صفحة 57
الجواب عنه: أنه لا يجوز ترك الأحاديث المذكورة بالقياس على أن سبب وجوب الزكاة مال نام وذلك موجود في الحلي باعتبار أنه خلق الله تعالى الذهب والفضة للنماء ولكونهما أثمان الأشياء بخلاف ثباب البذلة فانها غير نامية فلا يقاس عليها.
مسألة: من كان له مال فاستفاد في أثناء الحول من جنسه ضمه إلى ماله وزكاه بحوله كما في الأول: اد والأرباح عند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم وعند الشافعي رحمه الله لا يضم إلى ما عنده بل يشترط لكل مال مستفاد حول على حدة.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه
أن المجانسة هي علة الضم في الأول: اد والأرباح لأنه عند المجانسة يتعسر التمييز فيعسر اعتبار الحول في كل مستفاد وما شرع إلا للتيسير فيعود الأمر على موضوعه بالنقص عدن اشتراط حول جديد لكل مستفاد وقد قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} 1 وأي حرج أعظم من هذا فانه لو فرض أنه استفاد في يوم وقت الظهر شيئا ووقت العصر شيئا وفي الليل شيئا وفي كل يوم كذلك فيحتاج إلى حساب الحول لكل مستفاد وفيه من الحرج ما لا يخفى.
حجة الشافعي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول".
الجواب عنه: أن الأول: اد والأرباح مخصوصان عن هذا الحديث فيخصص المتنازع فيه بالقياس عليهما.
مسألة: لا تجب الزكاة على المديون إذا كان الدين يحيط بماله عند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم وعند الشافعي رحمه الله الدين لا يمنع وجوب الزكاة.
2سورة الحج: الآية 78
الجزء 1 · صفحة 58
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه:
الأول: حديث عثمان رضي الله عنه حيث قال: في خطبته في رمضان ألا إن شهر زكاتكم حضر فمن كان له مال وعليه دين فليحتسب ماله بما عليه ثم ليترك بقية ماله ولم ينكر عليه أحد من الصحابة وكان إجماعا منهم على أنه لا زكاة في المال المشغول بالدين.
الثاني: أن المديون يحل له أن يأخذ الزكاة فلا يكون غنيا إذ الغني لا يحل له أحذ الصدقة قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تحل الصدقة لغني" وإذا لم يكن غنيا لا تجب عليه الزكاة لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا صدقة إلا عن ظهر غني".
الثالث: أن ماله مشغول بحاجته الأصلية وهي قضاء الدين فاعتبر معدوما كالمشغول بالشرب للعطش وثياب اللبس.
الرابع: أن الشرع لا يرد بما لا يفيد ولا فائدة في أن يأخذ المديون شاة من صدقة غيره ويعطي للفقير شاة من نصابه.
الخامس: أن ملك المديون في النصاب ناقص فإن صاحب الدين إذا ظفر بجنس حقه يأخذه من غير قضاء ولا رضى منه فصار من هذه الحيثية كالوديعة والمغصوب.
حجة الشافعي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "هاتوا ربع عشر أموالكم" وهذا الخطاب عام يتناول المديون وغيره.
الجواب عنه: أنه قد خص عنه الأموال المشغولة بالحاجة الأصلية فيخصص المتنازع فيه بجامع الحاجة والشغل بها.
مسألة: لا تجب الزكاة في مال الضمان وهو المال الموقوف في الصحراء إذا نسي مكانه ولا يرجى وجدانه عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله يجب فيه الزكاة بجميع ما مضى من السنين إذا وجده مالكه.
الجزء 1 · صفحة 59
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه قول علي رضي الله عنه لا زكاة في مال الضمان وهذا لأن وجوب الزكاة هو المال النامي بالإجماع والإنماء لا يكون إلا بالقدرة على التصرف ولا قدرة ها هنا ولو زكى من أصل المال يلزمه استئصاله وهو حرج والحرج مرفوع لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} 1
حجة الشافعي رضي الله عنه: قوله عليه الصلاة والسلام: "في عشرين مثقالا نصف مثقال وفي الرقة ربع العشر" وهذا عام في جميع الأموال.
الجواب أن وجوب الزكاة مختص بالمال النامي وغير النامي مخصوص عن المنصوص بالإجماع فيخص عنه المتنازع فيه بالقياس عليه بجامع عدم إمكان النماء.
مسألة: مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أنه يجب العشر في الفواكه سواء بقيت إلى السنة أولا ومذهب الشافعي رحمه الله لا يجبر فيما لا يبقى وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله من وجوه
الأول: حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه:
عموم قوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} 2
الثاني: عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "فيما سقي بماء السماء والعيون العشر" أخرجه البخاري ومسلم.
الثالث: عموم قوله عليه الصلاة والسلام: "ما أخرجته الأرض ففيه العشر" قال الإمام فخر الدين الرازي: مع تعصبه اختياري قول أبي حنيفة وقال أبو بكر ابن العربي: أقوى المذاهب في المسائل مسألة أبي حنيفة دليلا وأحوطها للمساكين نفعا.
1سورة الحج: الآية 78
2سورة الأنعام: الآية 141.
الجزء 1 · صفحة 60
حجة الشافعي رحمه الله: قوله عليه الصلاة والسلام: "ليس في الخضروات صدقة" أي عشر لأن الزكاة غير منفية بالإجماع.
الجواب عنه: أن المراد بالصدقة المنفية في الحديث الزكاة لأن مطلق اسم الصدقة ينصرف إليها دون العشر والمراد بالنفي زكاة يأخذها العاشر إذا مر به فإنها منفية عند أبي حنيفة فلا يصح دعوى الإجماع.
مسألة: مذهب أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم أنه إذا اجتمع على إنسان زكاة سنين ثم مات قبل الأداء ولم يوص بإخراج الزكاة لا تؤخذ من التركة وعند الشافعي تؤخذ منها أوصى بذلك أو لا.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله صلى الله عليه وسلم: "يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مال إلا ما أكلت فأفنيت ولبست فأبليت وتصدقت فأمضيت وما سوى ذلك فهو مال الوارث" فهذا الحديث يقتضي أن يكون الوارث هو المالك ولم يبق للميت ملك فكيف تؤخذ الزكاة من مال الوارث ولأن الواجب عليه إيتاء الزكاة باختياره مع النية لأن الزكاة عبادة فلا تتأدى إلا بالاختيار والنية فلا يكون المأخوذ من التركة زكاة وخلافة الوارث ليس باختيار الميت فإنها ثابتة شاء أو أبى فلا تتأدى العبادة بفضل وارث إلا أن يكون أوصى بذلك لوجود الاختيار منه لكنه يؤخذ من الثلث.
حجة الشافعي رحمه الله: أن الزكاة حق الفقراء لقوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} 1والموت لا يبطل حقهم كديون العباد.
الجواب: لا نسلم أن الزكاة قبل الأداء حق الفقراء بل هي حق الله لأنها عبادة لا يستحقها غيره والفقراء مصرفها وإنما يصير لهم بعد الدفع إليهم فإذا مات صار المال للورثة وحق العبد لاحتياجه مقدم بخلاف ديون العباد فإنهم أيضا محتاجون فيقدمون على الورثة لأن الدين مقدم على الإرث لقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} 2.
1سورة التوبة: الآية 60
2سورة النساء: الآية 11
الجزء 1 · صفحة 61
كتاب الصوم
مسألة: مذهب أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم أن صوم رمضان يجوز بالنية من الليل وهو الأول: ى وإن لم ينو حتى الصبح أجزأته النية إلى ما قبل نصف النهار وعند الشافعي رحمه الله لا يجوز إلا بالنية من الليل.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه:
الأول: ما رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا "أن أذن في الناس أن من أكل فليصم بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم" قاله يوم عاشوراء وكان يومئذ فرضا عليهم بدليل ما روى البخاري عن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها قالت كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بصيام يوم عاشوراء فلما فرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر قال الطحاوي: ففي أمر النبي صلى الله عليه وسلم إياهم بصومه بعد ما أصبحوا دليل على أن من كان في يوم عليه صومه بعينه يجزئه نيته قبل نصف النهار
الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم بعدما شهد الأعرابي برؤية الهلال: "ألا من أكل فلا يأكلن بقية يومه ومن لم يأكل فليصم" وكان ذلك في رمضان.
الثالث: عموم قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} 1.
الرابع: إشارة قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} 2 وكلمة ثم للتراخي ومن ضرورته وقوع النية في النهار.
حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه.
1سورة البقرة: الآية 185
2سورة البقرة: الآية 187
الجزء 1 · صفحة 62
الأول: قوله عليه الصلاة والسلام: "لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل".
الجواب عنه: أنه محمول على نفي الفضيلة والكمال إذ الحقيقة غير مرادة لوجود صوم النفل بدون النية من الليل بالاتفاق فيحمل على صوم لا يكون متعينا كقضاء رمضان وصوم الكفارات عملا بالدلائل.
الثاني: قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} 1 والنية من الليل مسارعة فتجب من الليل إذا ثبت الوجوب ثبت الاشتراط لعدم القائل بالفصل.
الجواب عنه: الليل ليس بمحل الصوم فلا تجب المسارعة قبل دخول الوقت.
الثالث: أن هذا الصوم لا يخلوا إما أن يكون منويا أو غير منوي وكلا القسمين باطل فبطل هذا الصوم وذلك لأنه إذا كان منويا والنية قصد وتعلق الصوم والقصد بالماضي محال فيكون بعضه منويا وبعضه غير منوي وهو غير متجزء فلا يكون الكل منويا وكذا إذا لم يكن منويا أصلا إذ الصوم عمل لقوله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الأعمال الصوم" والعمل لا يصح إلا بالنية لقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: "الأعمال بالنيات" وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا عمل لمن لا نية له" فظهر أن هذا الصوم غير جائز.
الجواب: أن هذا الصوم منوي لكنه ركن واحد ممتد والنية لتعيينه لله وقد وجدت في الأكثر والأقل تابع له فيسترجع بالكثرة جانب الوجود فكأنه وجدت النية في الجميع حكما.
الرابع: أن الصوم بنية من الليل أفضل بالإجماع فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد ينوي من الليل لأن أفضل الخلائق لا يترك أفضل الأعمال فتجب
1سورة آلا عمران: الآية 133
الجزء 1 · صفحة 63
متابعته علينا لقوله تعالى: {فَاتَّبِعُوهُ} 1.
الجواب عنه: أن المتابعة هو الإتيان بالصفة التي أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم وقد أتي بها على سبيل الأول: وية دون الوجوب فنحن نتبعه كذلك.
مسألة: مذهب أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم أن صوم رمضان يتأدى بمطلق النية وبنية النفل وبنية واجب آخر ومذهب الشافعي رحمه الله لا يتأدى إلا بتعيين النية أنه من رمضان.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه
أن الفرض يتعين في هذا الوقت وغيره غير مشروع فيه لقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا انسلخ شعبان فلا صوم إلا صوم رمضان" فلا يحتاج إلى التعيين فيصاب بمطلق النية ومع الخطأ في الوصف لوجود أهل النية.
حجة الشافعي رحمه الله من وجوه:
الأول: أنه إذا لم ينو الصوم من رمضان فلا يحصل له من صوم رمضان قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} 2 فلا يدل أنه قصده من رمضان فلا يحصل له صوم رمضان لقوله صلى الله عليه وسلم: {ليس للمرء من عمله إلا ما نوى} .
الجواب عنه: أنه قد سعى بأصل النية وتعيين الشارع لا يكون أقل من تعيين العبد.
الثاني: أن تعيين النية أفضل بالاتفاق فالظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أتى به لما ذكرنا أن أفضل الخلائق لا يترك أفضل الأعمال فيجب علينا الاتباع لقوله تعالى: {فَاتَّبِعُوهُ} 3 وإذا ثبت الوجوب ثبت الاشتراط.
1سورة الأنعام: الآية 535.
2سورة النجم: الآية 39
3سورة الأنعام: الآية 153.
الجزء 1 · صفحة 64
الجواب عنه: ما مر أن الاتباع هو الإتيان بالصفة التي أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم وقد أتى بها على صفة الأول: وية دون الوجوب فكذا في حقنا
الثالث: أن الصوم بتعيين النية صحيح بالاتفاق وبلا تعيين مختلف فيه فتعيين النية أقرب إلى الاحتياط فيجب لقوله صلى الله عليه وسلم: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".
الجواب أن هذا الدليل يقتضي وجوب رعاية موضع الخلاف فيجب على الشافعي أن يتوضأ مما يخرج عن غير السبيلين كالدم وعن القهقهة في الصلاة ولا يأكل متروك التسمية عامدا إلى غير ذلك من مواضع الخلاف ولكن هو غير قائل بالوجوب فكذا نحن نقول بان الأول: ى مراعاة موضع الخلاف.
مسألة: مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أن من رأى هلال رمضان وحده فشهد عند القاضي فرد شهادته ثم أفطر بالوقاع فعليه القضاء دون الكفارة ومذهب الشافعي رحمه الله أن عليه القضاء والكفارة.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أن القاضي رد شهادته بدليل شرعي وهو تهمة الغلط لأن تفرده بالرؤية مع تساوي كافة الناس في النظر والمنظر والجو والالتماس يورث تهمة الغلط وهذه الكفارة تندرئ بالشبهات ولأن عدم وجوب الصوم على غيره دليل على أن هذا اليوم ليس من رمضان في حق الكافة وكذا في حقه لقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} 1 وقوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا شهركم" وقوله صلى الله عليه وسلم: "صومكم يوم تصومون" فجعل الشهر مضافا إلى الكافة لا إلى واحد بعينه فلا تثبت الرمضانية إلا بوجوب الصوم على الكل فإذا لم تثبت الرمضانية قطعا لا تجب الكفارة.
حجة الشافعي رحمه الله: أنه أفطر ورمضان حقيقة لتيقنه أنه من رمضان
1سورة البقرة: الآية 185
الجزء 1 · صفحة 65
لوجوب ما يوجب التيقن وهو الرؤية وتيقنه لا يتغير لشك غيره ولهذا أمر بالصوم فيه فتلزمه الكفارة بإفساده.
الجواب عنه: أنه لما رد القاضي شهادته صار مكذبا شرعا فالتحق بالعدم على أن شبهة التخيل باقية في حقه لبعد المسافة ودقة المرئ فتحمل أنه رأى الخيال فلم يتحقق التيقن في حقه أيضا والقضاء محتاط في إيجابه دون الكفارة.
مسألة: مذهب أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم أنه إذا أفاق المجنون في بعض شهر رمضان فعليه صوم ما بقي وقضاء ما مضى ومذهب الشافعي رحمه الله أنه ليس عليه قضاء ما مضى.
حجة أبي حنيفة رحمه الله: أن السبب وهو شهود الشهر قد وجد قال الله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} 1 والمراد به شهود بعض الشهر إذ لولا ذلك لكان السبب شهود جميع الشهر فيقع الصوم في شوال فينعقد سببا لوجوب القضاء إذ لا حرج في ذلك بخلاف المستوعب لأنه يحرج في ذلك وخلاف الصبي إذا بلغ لأنه عتد فيحرج الصبي الإيجاب عليه ولأن المجنون مريض فيجب عليه القضاء إذا أفاق لقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} .
حجة الشافعي رحمه الله: أن القضاء إنما يجب في موضع تجب فيه نية الأداء والمجنون لم تجب عليه الأداء فلا يجب عليه القضاء لأنه مبني عليه ولا يجوز نقضه بقضاء ما فات من الصوم في زمان الحيض لأن ذلك ورد على خلاف القياس فلا يمكن إيراده نقضا على ما ثبت على وفق القياس.
والجواب عنه: أن القضاء إذا كان بسبب جديد لا يكون مبنيا على الأداء وإن كان سبب الأداء فيكفي فيه وجود السبب وعدم الحرج كما في النائم والمغمى عليه إذا لم يزد على يوم وليلة
1سورة البقرة الآية 185
2سورة البقرة الآية 184
الجزء 1 · صفحة 66
مسألة: مذهب أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم أنه لو أفطر صائم في رمضان متعمدا بالأكل والشرب يجب عليه القضاء والكفارة ومذهب الشافعي رحمه الله أنه لا تلزمه الكفارة.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه ما رواه الدارقطني عن عامر بن سعد عن أبيه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أفطرت يوما من رمضان متعمدا قال: "أعتق رقبة أو صم شهرين متتابعين أو أطعم ستين مسكينا" وكذا روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله إني أفطرت في رمضان فقال عليه الصلاة والسلام: "من غير سفر ولا مرض" قال: نعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعتق رقبة" فهذا بإطلاقة يوجب الكفارة بالإفطار وإن كان بالأكل أو الشرب على أن بعض الرواة قال: إن الرجل قال: شربت في رمضان وهو الأصح عن أبي داود وقال: علي رضي الله عنه: إنما الأكل والشرب والجماع ولأن الكفارة إنما وجبت بالجماع لهتك حرمة الصوم بالإفطار وقد تحقق ذلك على الكمال بالأكل والشرب وهذا لأن الله تعالى أباح الأكل والشرب والجماع إلى أن يتبين الفجر ثم قال: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ} 1 أي احفظوها عن هذه المفطرات الثلاث إلى الليل فصار الإمساك عن هذه المفطرات ركنا للصوم فإذا وجبت الكفارة بفوت الإمساك عن الجماع فكذا بفوت الإمساك عن الأكل والشرب للاستواء في الركنية.
حجة الشافعي رحمه الله: أن أبا حنيفة رضي الله عنه يسلم أنه لو أفطر أولا بأكل الطين أو ابتلاع الحجر ثم أكل الطعام أو شرب الماء لا تجب عليه الكفارة وكذا لو ابتدأ بأكل الخبز وشرب الماء لا تجب عليه الكفارة لأنه لا تفاوت في الأكل بين أن يأكل الطين ويبلع الحجر ثم يأكل الطعام ويشرب الماء وبين أن يأكل الطعام ويشرب ابتداء.
1سورة البقرة: الآية 187
الجزء 1 · صفحة 67
الجواب عنه: أن هذا قياس مع الفارق وهو أنه إذا أفطر أولا بأكل الطين أو ابتلاع الحجر لم يبق صائما لقوله صلى الله عليه وسلم: "الفطر مما يدخل" والكفارة إنما تجب إذا أكل أو شرب وهو صائم بخلاف ما لو ابتدأ بالأكل والشرب لوجود الجناية على الصوم ثم قال: إن الجماع أقوى في الأثر لوجوب الكفارة من الأكل والشرب من وجوه:
الأول: أنه إذا اشتد الجوع يجوز أكل مال الغير بقدر الحاجة ولو اشتد شهوة الجماع لا يجوز قضاؤه من الحرام.
والثاني: أنه إذا اشتد الجوع والعطش يجوز له الإفطار ولو اشتد الشبق لا يجوز له الإفطار بالمباشرة فعلم أن الجماع في رمضان أشد إفطارا من الأكل والشرب.
الثالث: أن المحرم بالحج أو العمرة يجوز له الأكل والشرب ولا يجوز له الجماع.
والرابع: أنه لو أكل أو شرب الحرام لا يحد ولو جامع الحرام يحد.
والجواب عنه: أن التفاوت بين الجماع وبين الأكل والشرب في هذه الأشياء لا يوجب التفاوت في وجوب الكفارة لوجود المساواة في الركنية فإنا نعلم قطعا أن عين الجماع ليس بجناية لوقوعه في محل مملوك وإنما الجناية بالفطر لهتك حرمة رمضان بإفساد صومه والجماع آلته وذلك المعنى موجود في الإفطار بالأكل والشرب ولا يتفاوت الحكم بتفاوت الآلة فإن القصاص يجب بالقتل العمد سواء كان بالسيف أو السكين أو السهم.
مسألة: مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أنه إذا أفطر بالجماع مرارا في رمضان فعليه كفارة واحدة وتتداخل الكفارات إذا كان قبل أداء الكفازة.
ومذهب الشافعي أنه لا تتداخل الكفارات بل تجب لكل جماع كفارة.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أن الكفارة إنما تجب في الإفطار الأول: عقوبة على هتك حرمة الشهر فإذا تكرر منه الهتك قبل أداء الكفارة حصل
الجزء 1 · صفحة 68
المقصود وهو الانزجار بكفار ة واحدة فيتمكن شبهة فوات المقصود في الثاني: ة فتتداخلان كما لو زنى مرارا أو شرب الخمر مرارا فانه يكتفي بحد واحد بخلاف ما لو كفر للأولى ثم أفطر ثانيا لعدم حصول المقصود وهو الانزجار بالأول: ى فصار كما لو زنى فحد ثم زنى.
حجة الشافعي رحمه الله: أن الإفطار الأول: بالوقاع موجب للكفارة بالإجماع والثاني أولى أن يكون موجبا لها لأن الأول: كان ذنبا بلا إصرار والثاني: ذنب مع إصرار فإذا كان الذنب بدون الاصرار موجبا للكفارة فمع الإصرار أولى.
الجواب عنه: أن الثاني: إن وجد بعد أداء الكفارة عن الأول: ى فهو عندنا أيضا موجب للكفارة لعدم حصول المقصود بالأول: وإن وجد قبله فيكتفي بكفارة واحدة كما مر من معنى التداخل.
مسألة: مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه وأصحابه أنه لو نذر بصوم يوم النحر صح نذره لكنه أفطر وقضى وعند الشافعي رحمه الله لا يصح نذره.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه أنه نذر بصوم مشروع بأصله إذ النهي لغيره فإذا نذر به يجب الوفاء لقوله تعالى: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} 1 ويوفون بالنذر وقوله صلى الله عليه وسلم: "من نذر وسمى فعليه الوفاء بما سمى" لكنه يفطر احترازا عن المعصية المجاورة ثم يقضي اسقاطا للواجب وفيه عمل بأصله حيث جوزنا النذر وأسقطنا وصفه حيث قلنا بالإفطار والقضاء وإن صام فيه يخرج عن العهدة لأنه أدى كما التزم.
حجة الشافعي رحمه الله: أن الصوم في يوم العيد حرام بالإجماع فلا يصح النذر به لأنه لا يصح النذر في معصية الله.
1سورة الحج: الآية 29
الجزء 1 · صفحة 69
الجواب أنه نذر بما هو مشروع بأصله وإن كانت المعصية تجاوره فعلا لا قولا.
مسألة: مذهب أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم أنه من شرع في الصوم التطوع أو الصلاة التطوع يجب عليه إتمامه فان أفسده يجب عليه القضاء ومذهب الشافعي رحمه الله أنه لا قضاء عليه.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: ما رواه مالك عن ابن شهاب أن عائشة وحفصة رضي الله عنهما زوجتي النبي صلى الله عليه وسلم أصبحتا صائمتين متطوعتين فأهدي لهما طعام فأفطرتا فدخل عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدرنا لنسأله فبدرتني حفصة بالكلام وكانت بنت أبيها سباقة وقالت يا رسول الله إني أصبحت أنا وعائشة صائمتين متطوعتين فأهدي لنا طعام فأفطرنا فقال رسول الله صلى الله عليه ورسلم: "اقضيا مكانه يوما آخر" ولأن المؤدى قربة وعمل فتجب صيانته عن الإبطال بالمعني فيه لقوله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} 1 وإذا وجب المضي وجب القضاء بإفساده.
حجة الشافعي رحمه الله: أن الإجماع منعقد على أن الشرع جوز له ترك الصوم والصلاة المتطوع فيهما بجملة الأجزاء فاذا جاز له الترك بجملة الأجزاء فكذا جاز له ترك بعض الأجزاء.
الجواب عنه: أنه قبل الشروع لم يؤد شيئا فجاز له تركه أما بعد الشروع فقد أدى بعض القربة فيجب حفظه باتمامه والقضاء بافساده.
1سورة محمد: الآية 33
الجزء 1 · صفحة 70
كتاب الحج
مسألة: مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه وأصحابه أن القرآن أفضل من الإفراد ومذهب الشافعي رحمه الله أن الإفراد أفضل.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سمع عمر رضي الله عنه يقول سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بقول: "بوادي العقيق أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة" وما رواه مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم بالبيداء وإنه رديف أبي طلحة يهل بالحج والعمرة جميعا وما رواه مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان وعليا رضي اله عنهما وعثمان ينهى عن المتعة والجمع بينهما فلما رأى علي رضي الله عنه ذلك أهل بهما لبيك بحجة وعمرة وقال: ما كنت لأدع سنة النبي صلى الله عليه وسلم لقول أحد ولأن فيه جمعا بين العبادتين فأشبه الصوم والاعتكاف والحراسة في سبيل الله وصلاة الليل.
حجة الشافعي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "القرآن رخصة" والرخصة دون العزيمة ولأن في الإفراد زيادة التلبية والسفر والحلق.
الجواب عنه: أن المقصود بما روي نفي قول الجاهلية أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور على أن قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ} 1 محمول على الإحرام بهما من دويرة أهله فكان القران عزيمة لا رخصة والتلبية غير محصورة والسفر غير مقصود والحلق خروج عن العبادة فلا ترجيح بما ذكر.
مسألة: مذهب أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم: أن القارن يطوف
1 سورة البقرة: الآية 196
الجزء 1 · صفحة 71
طوافين ويسعى سعيين وعند الشافعي رحمه الله يطوف طوافا واحدا ويسعى سعيا واحدا.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه ما رواه الطحاوي عن أبي النضر قال: أهللت بالحج فأدركت عليا فقلت له إني أهللت بالحج أفأستطيع أن أضيف إليه عمرة قال: لو كنت أهللت بالعمرة ثم أردت أن تضم إليها الحج ضممته قال: قلت كيف أصنع إذا أردت ذلك قال: تصب عليك أداوة ماء ثم تحرم بهما وتطوف لكل واحد منهما طوافا وعنه عن علي وعبد الله ابن مسعود رضي الله عنهما قال: القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين وعنه عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف طوافين وسعى سعيين وما رواه الدارقطني عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا فطاف طوافين وسعى سعيين ولما طاف صبي بن معبد طوافين وسعى سعيين قال: له عمر رضي الله عنه هديت لسنة نبيك ولأن القرآن ضم عبادة إلى عبادة وذلك إنما يتحقق بأداء عمل لكل واحد على الكمال وذلك بطوافين وسعيين.
حجة الشافعي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" ولأن مبنى القرآن على التداخل حتى أكتفي بتلبية واحدة وسفر وحلق واحد فكذلك في الأركان.
والجواب عنه: أن معنى ما رواه دخلت وقت العمرة في وقت الحج لا أفعالها في أفعاله عملا بالدليلين والقرآن عبادة مقصودة فلا تداخل فيها والسفر للتوسل والتلبية للتحرم والحلق للتحلل فليست هذه الأشياء بمقاصد بخلاف الأركان.
الجزء 1 · صفحة 72
كتاب البيع
مسألة: مذهب أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم أن من اشترى شيئا لم يره فهو جائز وله الخيار إذا رآه ومذهب الشافعي رحمه الله لا يصح العقد أصلا.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه:
الأول: ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: بعت من أمير المؤمنين عثمان مالا بالوادي أي بوادي القرى بمال له بخيبر فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خيفة أن يزاد في البيع فقد تبايعا ما لم يكن بحضرتهما ولم ينكر عليهما أحد.
الثاني: ما رواه الطحاوي عن ابن أبي مليكة عن علقمة بن أبي وقاص الليثي قال: اشترى طلحة بن عبيد الله من عثمان بن عفان رضي الله عنهما مالا وكان المال في الكوفة فقيل لعثمان إنك قد غبنت فقال: عثمان لي الخيار لأني بعت ما لم أره وقيل مثل ذلك لطلحة فقال: لي الخيار لأني اشتريت ما لم أره فحكما جبير بن مطعم فقضى أن الخيار لطلحة ولا خيار لعثمان وذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر أحد.
الثالث: ما رواه الدارقطني عن مكحول ورفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه إن شاء أخذه وإن شاء تركه" وذكر أن فيه ابن أبي مريم وهو متكلم فيه قلنا هذا طعن مبهم فلا يقبل.
حجة الشافعي رحمه الله من وجوه:
الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عن بيع الغرر" وبيع ما لم ير فيه غرر لأنه ربما يوافقه وربما لا يوافقه فيكون داخلا تحت النهي.
الجزء 1 · صفحة 73
والجواب عنه: أن الغرر ليندفع بالخيار فإنه إذا لم يوافقه يرده.
الثاني: أن جواز البيع مشروط بالرضى لقوله تعالى: {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ} 1 والرضى بالشيء إنما يحصل إذا كان معلوما بجميع صفاته وإذا لم يكن مرئيا لم يكن العلم بجميع الصفات حاصلا فلا يجوز بيع ما لم يكن مرئيا.
والجواب عنه: أن هذا البيع تجارة عن تراض لوجود الإيجاب والقبول منهما بالتراضي والعلم إنما يشترط للزوم العقد دون انعقاده فاذا رضي بعد الرؤية تم العقد وإلا لا يتم.
الثالث: أن بيع الغائب يفضي إلى الخصومة لأنه إن لم يوافق طبع المشتري وأراد الفسخ له ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" ولو أراد البائع عدم الفسخ له ذلك لقوله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} 2 فبناء على هذين الدليلين المتعارضين تقع بينهما المنازعة وهي حرام لقوله تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا} 3.
الجواب عنه: أن الجهالة بعدم الرؤية لا تفضي إلى الخصومة لأنه إذا لم يوافقه يرده وليس للآخر أن يمتنع عن ذلك لأن خيار الرؤية ثابت للمشتري شرعا وهما قد رضيا بذلك حيث باشر ذلك العقد فترتفع المنازعة كما في خيارالشرط فصار كجهالة الوصف والمعاين المشار إليه.
مسألة: مذهب أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم أنه إذا حصل الإيجاب والقبول لزم البيع والخيار لواحد من المتعاقدين والفسخ قبل الافتراق من المجلس وقال الشافعي رحمه الله: لكل واحد منهما خيار المجلس.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه:
1سورة النساء: الآية 29
2سورة المائدة: الآية 1
3سورة الأنفال: الاية 46
الجزء 1 · صفحة 74
الأول: قوله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} وهذا عقد فيلزم الوفاء به بظاهر الآية وفي الفسخ بخيار المجلس نفي لزوم الوفاء به.
الثاني: ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه" وفي رواية حتى يقبضه ففيه دليل على أنه إذا وجد القبض جاز البيع ولو في مجلس العقد والبيع لا يجوز بعد ثبوت الملك له وإذا ثبت له الملك لا يجوز إبطاله إلا برضاه لقوله تعالى: {َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ} 1
الثالث: ما رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فكنت على بكر صعب لعمر وكان يغلبني فيتقدم القوم فيزجره عمر رضي الله عنه ويرده ثم تقدم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر:"بعنيه" فقال: هو لك يا رسول الله فقال: "بعنيه" فباعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: النبي صلى الله عليه وسلم: "هو لك يا عبد الله بن عمر فاصنع به ما شئت" أخرجه البخاري في باب ما لو اشترى شيئا فوهب من ساعته قبل أن يتفرقا وفي هبة النبي صلى الله عليه وسلم قبل التفرق بالأبدان دليل على أن البيع لازم بدون التفرق.
الرابع: أن في الفسخ بدون رضى الآخر إبطال حقه فلا يجوز إلا بإذنه.
حجة الشافعي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا" رواه مالك في الموطأ.
الجواب عنه: أن هذا الحديث منسوخ لأن مالكا رحمه الله رواه وترك العمل به فقيل له فيه فقال: رأيت إجماع أهل المدينة على خلافه وإجماع التابعين على مخالفة الخبر الواحد دل على انتساخه أو تقول الحديث محمول على خيار القبول وفي الحديث إشارة إليه فإنهما متبايعان حالة المباشرة حقيقة وبعدها مجازا والحمل على الحقيقة أولى والمراد بالتفرق تفرق الأقوال دون
1سورة النساء: الآية 29
الجزء 1 · صفحة 75
الأبدان وهو الواقع في الكتاب والسنة قال: الله تعالى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ} 1 وقال تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} 2 وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "افترقت اليهود والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة".
مسألة: مذهب أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم أنه إذا مات من له خيار الشرط في البيع بطل خياره ولا ينتقل إلى ورثته وعند الشافعي رحمه الله ينتقل إلى ورثته.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه أن المنافي لثبوت الخيار قائم وهو إبطال الملك على الآخر بالفسخ في مدة الخيار بدون رضاه وأنه إضرار به وقد قال: النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" وإنما يثبت للمورث بالاشتراط ولم يشترط الخيار للوارث فلا يثبت ولا يمكن انتقال الخيار إلى الوارث لأن الخيار مشيئة وإرادة وهما وصفان قد عدما بموته فلا يتصور انتقالهما إليه.
حجة الشافعي رحمه الله من وجوه:
الأول: كون الملك قابلا لهذا والفسخ صفة من صفات هذا الملك وهذه الصفة أمر ينتفع به فيكون حقا وقد قال: صلى الله عليه وسلم: "من ترك مالا أو حقا فهو لورثته بعد موته".
الجواب عنه: أن المراد منه حق يمكن بقاؤه بعد موته والخيار قد بطل بموته لكونه مشيئة قائمة بالميت فلا يتصور فيها الإنتقال: إلى الوارث.
الثاني: أجمعنا على أن خيار العيب للوارث ابتداء يورث فكذا خيار الشرط والجامع القدرة على دفع الضرر.
1سورة النساء: الآية 130
2سورة البيتة: الآية 4
الجزء 1 · صفحة 76
والجواب عنه: أن خيار العيب يثبت لا بطريق الإرث وذلك لأن المورث استحق المبيع سليما فكذا الوارث لأنه خليفته فأما نفس الخيار فلا يورث.
مسألة: مذهب أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم أن علة الربا في الأشياء الستة الكيل مع الجنس أو الوزن مع الجنس وعند الشافعي رحمه الله الطعم مع الجنس في المطعومات والثمنية مع الجنس في الأثمان.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم: "الحنطة بالحنطة مثلا بمثل والفضل ربا إلى آخر الحديث" وجه التمسك به أن هذا الحديث قد أوجب كون المماثلة شرطا والمماثلة بين الشيئين باعتبار الصورة والمعنى في المعيار والمعيار هو الكيل والوزن فسوى الذات والجنسية في الصورة والمعنى فيظهر الفضل على ذلك فيتحقق الربا لأن الربا هو الفضل والمستحق في المعاوضة الخالي عن العوض والذي يؤيد هذا أنه روي مكان قوله مثلا بمثل كيلا بكيل وفي الذهب وزنا بوزن فدل على أن الكيل والوزن هو المؤثر في الربا مع الجنسية وإليه الإشارة في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين ولا الصاع بالصاعين".
حجة الشافعي رحمه الله من وجوه:
الأول: قوله عليه الصلاة والسلام: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء" رتب النبي صلى الله عليه وسلم على وصف المطعومية وهذا الوصف يناسب تحريم الربا لأن الطعام تتعلق به الحاجة الأصلية وبذلك القدر الزائد من مثل هذا الشيء يقتضي تفويت ما تتعلق به الحاجة الأصلية وأنه يناسب المنع فإن قالوا إنه يقتضي توسيع الطعام على الغير قلنا بذل الزائد يقتضي تفويته على أن المصلحتين إذا تعارضتا فتقديم المالك أولى فثبت أنه وصف مناسب والحكم المذكور عقيبه يقتضي كون الحرمة معللة به باتفاق العلماء على أن الحكم عقيب الوصف المناسب معلل به.
الجواب عنه: أن في الحديث استثنى الحال بقوله سواء بسواء فالمراد منه
الجزء 1 · صفحة 77
تساويهما في الكيل إذ المذكور في صدر الكلام هو الطعام وهو عين واستثناء الحال من العين لا يجوز فلا بد من تقدير شيء يصح به الاستثناء وهو عموم صدر الكلام في الأحوال أي لا تبيعوا في جميع الأحوال من المساواة والمفاضلة والمجازفة إلا في حال المساواة والمراد بالتساوي هو المساواة بالكيل بالإجماع فدل على أن الكيل هو العلة والوصف المذكور وهو الطعم أو الثمنية ليس بمناسب فلا يصح التعليل به لأنه من أعظم وجوه المنافع والسبيل في مثله التوسعة والإطلاق بأبلغ الوجوه لشدة الاحتياج إليه دون الحرمة.
الثاني: أن العلة عند الإمامين إما الكيل أو الطعم والتعليل بالكيل لا يجوز وإلا لكان ما ليس بمكيل غير ربا فيلزم التخصيص في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء" وذلك خلاف الأصل فثبت أن الكيل لا يصلح علة فتعين الطعم للعلية.
الجواب: أن التخصيص حصل بنفس الحديث لما ذكرنا أن قوله إلا سواء بسواء حال فيقتضي عموم الأحوال وتلك الأحوال لا تستقيم إلا فيما يدخل تحت الكيل دون الطعم والتخصيص وإن كان على خلاف الأصل لكن ثبت بالدليل والقرينة وقد وجدت القرينة.
مسألة: مذهب أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم أن الجنس أو القدر بانفراده يحرم النسأ وعند الشافعي رحمه الله لا يحرمه:
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الربا في النسيئة" وهذا نسيئة فيكون فيه الربا فيحرم لقوله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبا} 1 ولأنه قال: الربا من وجه ينظر إلى القدر أو الجنس والنقدية أوجبت فضلا في المالية إذ النقد خير من النسيئة فيتحقق شبهة الربا وهي ملحقة بالحقيقة احتياطا فيحرم وهذا لأن كل واحد من القدر أو الجنس جزء العلة فيكون
1سورة البقرة: الآية 275
الجزء 1 · صفحة 78
لكل واحد منهما شبهة العلية فتحرم به شبهة الربا وهي النسيئة إعمالا للدليل بقدر الإمكان.
حجة الشافعي رحمه الله: العمومات المقتضية بحل البيع للتجارة مطلقا كقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ} 1 وقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} 2 والقرآن أولى من الخبر.
الجواب عنه: قد خص من العمومات المذكورة حرمة الربا لقوله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبا} والعام إذا خص من البعض بنص يجوز تخصيص بعض أفراده بخبر الواحد والقياس فيخص المتنازع بما ذكرنا من الأدلة.
مسألة: مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أنه يجوز بيع الرطب بالتمر مثلا بمثل يدا بيد وعند الشافعي رحمه الله لا يجوز.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه أن الرطب تمر لقوله صلى الله عليه وسلم حين أهدى إليه الرطب: "أو كل تمر خيبر هكذا" وبيع التمر بمثله جائز لقوله صلى الله عليه وسلم: "التمر بالتمر مثلا بمثل" ولأن الرطب لا يخلو إما أن يكون تمرا أو لا فإن كان تمرا جاز البيع بآخر الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم".
حجة الشافعي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم حين سئل عن بيع الرطب بالتمر: "أينقص إذا جف" فقيل نعم فقال عليه الصلاة والسلام: "لا إذن".
الجواب عنه: أن مدار هذا الحديث عن زيد بن عياش وهو ضعيف عند أهل النقل.
مسألة: مذهب أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم أن من باع سيفا محلى بالفضة بمائة درهم فصاعدا وحليته خمسون درهما ودفع من الثمن خمسين
1 سورة النساء: الآية 29
2 سورة البقرة: الآية 275
الجزء 1 · صفحة 79
درهما جاز البيع وتكون الفضة بمقابلة الفضة والزائد بمقابلة السيف وهذا إذا كانت الفضة المقدرة ثمنا أزيد مما فيه كما ذكرنا بأن تكون المقدرة مائة وإن كانت مثله أو أقل منه أو لا يدري لا يجوز البيع وكذا لو باع قلادة فيها ذهب وجواهر بذهب أزيد مما في القلادة جاز فيكون الذهب بمثله والزيادة بمقابلة الجواهر ومذهب الشافعي رحمه الله لا يجوز.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه أن تصرف العاقل يحمل على الصحة وقد أمكن هنا الحمل على الصحة بأن تكون الفضة والذهب بمثلها والباقي بمقابلة الباقي والذي يؤيد هذا ما رواه الطحاوي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف المحلى بالفضة وعنه عن ابن المبارك عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا بأن يباع السيف المفضض بأكثر مما فيه الفضة بالفضة والسيف بالفضل.
حجة الشافعي رحمه الله: ما روي عن حنش أنه كان مع فضالة بن عبيد الله في غزاة قال: فصارت لي ولأصحابه قلادة فيها ذهب وورق وجوهر فأردت أن أشتريها فسألت فضالة فقال: أنزع ذهبها فاجعله في كفة واجعل ذهبك في كفة لا تأخذ إلا مثلا بمثل فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر لا يأخذ إلا مثلا بمثل".
الجواب عنه: أن الأمر بالفضل من قول فضالة لا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ليس بحجة عنده فقد يجوز أن يكون أمر بذلك على أن أن البيع لا يجوز عنده في هذا الذهب حتى يفصل وقد يجوز أن يكون أمر بذلك لإحاطة علمه أن تلك القلادة لا توصل إلي علم ما فيها من الذهب إلا بعد أن يفصل أو يكون ما فيها من الذهب أكثر من الثمن والذي يؤيد هذا ما روي عن فضالة بن عبيد قال: اشتريت يوم حنين قلادة باثني عشر دينارا فيها ذهب وخذف ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لا تباع حتى تفصل".
مسألة: مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أنه يجوز بيع اللحم بالشاة
الجزء 1 · صفحة 80
كيف ما كان وعند الشافعي رحمه الله لا يجوز كيف ما كان.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه أن المقتضي لجواز هذا البيع ثابت وهو النص العام كقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} 1 وقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ} 2 والمانع منتف وهو احتمال الربا لأن علة الربا القدر مع الجنس كما مر وهو منتف هنا لأن اللحم موجود والحيوان غير موجود.
حجة الشافعي رحمه الله: أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك فلا يزاد على كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ونصنا خاص ونصكم عام والخاص مقدم على العام.
الجواب عنه: أنه لا نسلم أن الخاص مقدم على العام عندنا بل العام عندنا كالخاص على أن ما ذكرنا من العام قرآن فيقدم على خبركم.
مسألة: مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أنه لو اشترى شيئا بدراهم معينة أو بدنانير معينة لا يتعينان حتى جاز للمشتري أن يمسك تلك الدراهم والدنانير ويعطي مثلهما ولو هلكتا قبل التسليم لا ينفسخ العقد ويطالب بتسليم مثلهما وعند الشافعي رحمه الله يتعينان.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أن حكم الشرع في الأعيان أن البيع يتعلق به وجوب ملكها لا وجودها فإن وجودها شرط البيع لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عند الإنسان لا حكمه وفي جانب الأثمان يتعلق به وجودها ووجوبها معا حتى جاز الشراء بثمن ليس في ملك المشتري فلو صح التعيين انقلب الحكم شرطا فلا يجوز.
حجة الشافعي رحمه الله: أن البيع وقع على الدنانير والدراهم المعينة
1سورة البقرة: الآية 275
2سورة النساء: الآية 29
الجزء 1 · صفحة 81
وهي أولى من المطلقة فلا يجوز إبدال ما هو أولى بما ليس بأولى بدون رضى مالكه.
الجواب: أن التعيين لبيان المقدار لا غير إذ الثمن ثابت في الذمة بالدراهم المطلقة.
مسألة: مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه جواز بيع العقار قبل القبض ومذهب الشافعي رحمه الله عدم جوازه.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه أن ركن البيع صدر من أهله في محله فيكون المقتضي للجواز ثابتا والمانع منتف وهو عرف البيع وقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ} 1.
حجة الشافعي رحمه الله: ما رواه حكيم بن حزام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا ابتعت شيئا فلا تبعه حتى تقبضه" وهو نص صريح في المسألة.
الجواب: أن المراد بالحديث ما ينقل ويحول لأن الحديث معلول بفرض انفساخ العقد على اعتبار الهلاك عملا بدلائل الجواز والهلاك في العقار غير جائز والذي يؤيد هذا ما ذكر المنقول صريحا وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه" وفي الصحيحين من "ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يكتاله".
مسألة: أهل الخلاف ذكروا ثلاث مسائل بمنع الرد فيها بالعيب عند أبي حنيفة ولا يمنع عند الشافعي رضي الله عنهما.
أولهما: أن الزيادة المنفصلة المتولدة من الأصل بعد القبض يمنع رد الأصل وحده بالعيب فيه عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله لا يمنع رده فيرد الأصل بكل الثمن ويقبض الولد وحده بلا ثمن.
1سورة النساء: الآية 29
الجزء 1 · صفحة 82
وثانيها: أن وطء الثيب يمنع الرد عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله لا يمنعه.
وثالثهما: أنه إذا اشترى عبدين صفقة وقبض أحدهما ووجد بأحدهما عيبا فانه يأخذهما أو يدعهما وليس له أن يأخذ السليم ويرد المعيب عند أبي حنيفة وعند الشافعي رضي الله عنهما: له أن يرد المعيب خاصة.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه في الأولى:
أنه لا سبيل إلى رد الزيادة مع الأصل لأن البيع لم يرد عليها قصدا فلا يرد عليه الفسخ فلا سبيل إلى رد الأصل وحده لأنه لو سلمت الزيادة للمشتري بلا ثمن تكون ربا وهو حرام.
وحجته في الثانية: أن الرد بالعيب فسخ العقد ودفعه من الأصل فيقع الوطء الموجود فيه منه في محل غير مملوك وهو حرام فلا يجوز الرد بالعيب.
وحجته في الثالثة: أن الصفقة تتم بقبضها فتكون الزيادة تفريقا للصفقة قبل التمام وهو منهي عنه وذكر صاحب الكتاب دليلا لأبي حنيفة عاما وهو أن الرد ضرر وقد قال عليه الصلاة والسلام: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" ثم قال: نصنا خاص ونصكم عام والخاص مقدم على العام وهذا لا يرد على ما ذكرنا من الدلائل على أن العام عندنا كالخاص.
حجة الشافعي رحمه الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالرد بالعيب وهذا مطلق متناول لجميع العيوب وأيضا ترتيب جواز الرد على قيام العيب ترتيب الحكم على وصف يناسبه فيدل على كونه معللا به فيعم الحكم لعموم العلة.
الجواب: أنه لا يمكن حمله على العام فانه لم يقض النبي صلى الله عليه وسلم بالرد على العاقد بجميع العيوب بل الحديث يقتضي أنه قضى بالرد في عيب هو ليس بعام ثم قوله المطلق يتناول جميع العيوب ليس بصحيح فإن المطلق متناول لفرد غير معين وإنما المتناول للجميع العام والمطلق غير العام والرد وإن كان معللا بالعيب لكن العلة إنما تعمل عند عدم المانع في السنة وقد وجد المانع
الجزء 1 · صفحة 83
إلا في المتنازع فيه وهو ما ذكرنا من المعايب.
مسألة: مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أنه يجوز للمشتري أن يزيد للبايع في الثمن بعد تمام البيع ويلتحق بأصل العقد ومذهب الشافعي رحمه الله أنه لا يصح على اعتبار ابتداء الصلة.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله تعالى: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} 1 والتراضي بعد الفريضة إنما يكون بالزيادة عليها فاذا جاز ذلك في المهر جاز في الثمن لعدم القائل بالفصل ولأن للعاقدين ولاية دفع العقد بالكلية بالإقالة فأولى أن يكون لهما ولاية التغيير وهما بالزيادة يغيران العقد من وصف مشروع إلى وصف مشروع وهو كونه رابحا أو خاسرا أو عدلا فجاز لهما ذلك.
حجة الشافعي رحمه الله: لوصح هذا الإلحاق لصارت الزيادة جزءا من الثمن وهو غير جائز لأن جعلها جزءا من الثمن إذا كان مع بقاء العقد الأول: لزم أن يقال: إنه قد اشترى ملك نفسه لنفسه وهو محال وإن كان لا مع بقائه فهو أيضا محال لأن الأصل في العقد الأول: البقاء ما لم يزل ولا مزيل إلا هذا الإلحاق ويلزمه الدور وهو محال.
الجواب عنه: أنا نختار أن الزيادة جعلت جزءا من الثمن لكن مع بقاء ذات العقد الأول: مع تغيير وصفه من كونه جائزا إلى كونه عدلا فهو مشروع فتصح الزيادة وتلتحق بأصل العقد فكأن العقد وقع على هذا المقدار لأن وصف الشيء يقوم به لا بوصفه وعلى اعتبار الإلتحاق لا يكون مشتريا ملك نفسه لنفسه ولا تكون الزيادة عوضا عن ملكه.
مسألة: مذهب أبي حنيفة رحمه الله:
إذا اشترى جارية أو ثوبا بألف درهم فقبضها ثم باعها من البايع بأقل مما اشترى منه قبل
1سورة النساء: الآية 24
الجزء 1 · صفحة 84
نقد الثمن لا يجوز البيع الثاني: ومذهب الشافعي رحمه الله أنه يجوز البيع الثاني.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: ما رواه الدارقطني عن يونس بن أبي إسحاق عن أمه العالية بنت أيفع قالت حججت أنا وأم حبيبة رضي الله عنها فدخلنا على عائشة رضي الله عنها فقالت لها أم حبيبة يا أم المؤمنين كانت لي جارية وإني بعتها من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء وإنه أراد أن يبيعها فابتعتها منه بست مائة درهم نقدا فقالت بئسما اشتريت بئسما اشتريت وأبلغي زيد بن أرقم أنه قد بطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب فلو كان جائزا لما قالت عائشة مثل ذلك الوعيد فإن قيل لعلها أنها قالت ذلك لإرتكابه الحرام بالبيع بثمن مؤجل إلى العطاء وأنه فاسد لكونه بيعا إلى أجل مجهول ففسد البيع الأول: لجهالة الأصل وفسد الثاني: لكونه بنى عليه قلت إنما قالته لارتكابه المحرم وهو شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن لأن البيع إلى العطاء جائز عند عائشة رضي الله عنها ذكره في المبسوط فذلك الوعيد لا يكون لكونه بيعا إلى العطاء بل لكونه شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن سماعا من النبي صلى الله عليه وسلم إذ العقل لا يهتدي إلى ذلك ولأن الثمن لم يدخل في ضمانه فإذا وصل إليه المبيع ووقعت المقاصة في ستمائة وذلك الباقي بلا عوض فيكون ربا وهو حرام.
حجة الشافعي رحمه الله: العمومات وهو قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} 1.
والجواب عنه: أنا قد بينا أن فيه معنى الربا فيكون جوابنا بهذا النص على أن الحديث نص خاص في الباب فلا يترك بعام مخصوص.
مسألة: مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أنه لو اشتري الثوب بالخمر
1سورة البقر: الآية 275
الجزء 1 · صفحة 85
يكون البيع فاسدا لا باطلا وكذا لو اشترى الخمر بالثوب وعند الشافعي رحمه الله البيع باطل في الصورتين.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: فيما إذا اشترى الثوب بالخمر لأن المشتري إنما قصد الثوب بالخمر لأنه هو المبيع وفيه إعزاز الثوب دون الخمر لأن الثمن وسيلة فبقي ذكر الخمر معتبرا في تلك الثوب لا في نفس الخمر حتى فسدت التسمية ووجدت قيمة الثوب دون الخمر وكذا إذا باع الخمر بالثوب يكون البيع فاسدا لا بطالا لأنه يعتبر شراء الثوب بالخمر لكونه بيع مقايضة فيكون كل واحد منهما ثمنا ومبيعا ولكن رجحنا في الخمر جهة الثمنية ترجيحا لجانب الفساد على البطلان صونا لتصرف العاقل على البطلان بقدر الإمكان.
حجة الشافعي رحمه الله: أن الإجماع ينعقد على أن هذا الييع منهي عنه فيكون باطلا وأيضا أجمعنا على أنه لو قال: اشتريت هذا الخنزير بهذا الثوب يكون البيع باطلا فكذا لو قال: اشتريت هذا الثوب بهذا الخنزير أيضا يكون باطلا إذ لا تفاوت بين العقدين.
الجواب عنه: أن النهي عن الأفعال الشرعية لا يقتضي البطلان بل يقتضي أن يكون مشروعا بأصله غير مشروع بوصفه كما عرف في أصول الفقه وقد عملنا بموجب النهي وقلنا بأن هذا البيع فاسد والنهي لا يقتضي البطلان فإن البيع وقت النداء يوم الجمعة منهي عنه ومع ذلك يفيد الملك بالإجماع لكون النهي لمعنى في غيره بخلاف النهي عن بيع الحر والخمر والخنزير بالدراهم وعن بيع المضامين والملاقيح إذ النهي في هذه الأشياء مستعار عن النفي لعدم محلية الحر وأخواته للبيع وما ذكره من الإجماع في الدليل ممنوع لما ذكرنا أن البيع في الصورتين فاسد عندنا لا باطل.
مسألة: تصرفات الفضولي موقوفة عند أبي حنيفة رضي الله عنه على الاجازة وعند الشافعي رحمه الله: باطلة.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: ما رواه الترمذي عن حكيم بن حزام أن
الجزء 1 · صفحة 86
رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه ليشتري له أضحية بدينار فاشترى أضحية فربح بها دينارا ثم اشترى مكانه أخرى فجاء بالأضحية والدينار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحى بالشاة وتصدق بالدينار وعن عروة البارقي قال: دفع إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا لأشتري له شاة فاشتريت له شاتين فبعت إحداهما بدينار وجئت بالشاة الأخرى والدينار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ما كان من أمره فقال له: "بارك الله لك في صفقتك" فأجاز ما فعله ودعا له بالبركة وهو فضولي في بيع الشاة الأول: ى لأنه اشتراها بالوكالة بمال الموكل فيكون ملك موكله فإن قيل يجوز أن يكون وكيلا مطلقا لا فضوليا قلنا لم يوكله إلا في شراء أضحية أو شاة فلا يكون وكيلا مطلقا وإنما تصدق بالدينار لأن قصده أن يصرف الأضحية إلى الفقراء وهذا الدينار مستفاد منها فكره إمساكه ولأن تصرف الفضولي صدر من أهله في محله ولا ضرر في انعقاده فينعقد
موقوفا حتى إذا رأى المالك فيه مصلحة أنفذه وإلا أبطله.
حجة الشافعي رحمه الله: قوله عليه الصلاة والسلام: "لا تبع ما ليس عندك" فعلم أن بيع ملك الغير لا يجوز.
الجواب عنه: أن المراد بالنهي بيع المعدوم أو البيع البات ونحن نقول بموجبه.
مسألة: إذا اشترى الكافر عبدا مسلما يجوز شراؤه عند أبي حنيفة رضي الله عنه ويجبر على البيع من مسلم أو العتق وعند الشافعي رحمه الله لا يصح.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: العمومات وهي قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} 1 وقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ} 2 ولأن الركن في التصرف صدر عن أهله في محله عن ولاية شرعية فيصح ويترتب عليه حكمه
1سورة البقرة: الآية 275
2سورة النساء: الآية 29
الجزء 1 · صفحة 87
أما الركن فظاهر وأما المحل فلأن العبد المسلم محل لملك الكافر كما لو أسلم وهو عبد الكافر أو ورثه الكافر وأما الولاية فلأن الكافر مالك على التصرفات كلها ولكن يجبر على إزالة ملكه عنه دفعا لضرر استخدام الكافر إياه والذل في الانتفاع لا بمجرد النسبة مع المنع من الانتفاع بالبيع.
حجة الشافعي رحمه الله من وجوه:
الأول: قوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} 1 فلو جاز الشراء يكون للكافر عليه سبيل وهو منفي بالنص.
الجواب عنه: أن هذا عام مخصوص وهو أنا أجمعنا أنه لو أسلم عبد الكافر لا يزول عنه ملك الكافر مع بقاء الملك عليه وهذا سبيل عليه فيخص المتنازع بالقياس عليه أو المراد بالسبيل الاستيلاء عليهم وقهرهم.
الثاني: أن العبودية ذلة والمالكية عزة فلو جاز كون المسلم عبدا للكافر يلزم ذلة المسلم وعزة الكافر وذلك لا يجوز لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} 2.
والجواب عنه: أن الذل إنما هو في الاستخدام ونحن لا نجوز ذلك بل نجبره على إزالة ملكه عنه بالبيع رعاية لعزة الإسلام ولأن الرق أثر الكفر لأنهم لما استنكف الكفار عن عبادة الله تعالى جعلهم عبيد عبيده سبحانه فثبوته باعتبار أثر الكفر لا باعتبار أنه مسلم ولو كان النص يجري على عمومه لكان ينبغي أن لا يرث المسلم أصلا لأن الرقيق ذليل حيث يباع في الأسواق كالبهائم والمسلم عزيز فلا يجوز إرقاقه وكان ينبغي أن لا يبقي رقيقا للكافر إذا أسلم عبده.
الثالث: أن الإجماع منعقد على أن الكافر لا يجوز له التزوج بالمسلمة
1سورة النساء: الآية 141
2سورة المنافقون: الآية 8
الجزء 1 · صفحة 88
فلا يجوز أن يشتري المسلم لأن الذل الحاصل بملك اليمين أقوى من الذل الحاصل بملك النكاح فإذا لم يشرع الأدنى فبالأول: ى أن لا يشرع الأعلى.
والجواب عنه: أن القياس فاسد لأن اتحاد الحكم شرط لصحة القياس ولم يوجد لأن الثابت هنا مجرد نسبة الملك إلى الكافر والثابت بالنكاح الملك والنسبة فكان أضر ولأنه لا فائدة في القول بجواز النكاح تم جبره على الطلاق فيكون عبثا فلا يشرع بخلاف الشراء فانه وسيلة إلى الربح بالبيع فيكون مشروعا لكونه من باب الإكتساب وأما ما ذكره أن هناك نصا خاصا فممنوع فانه لم ينص فيه بحرمة البيع.
مسألة: بيع الكلب المعلم والحارس جائز عند أبي حنيفة رضي الله عنه وغير جائز عند الشافعي رحمه الله.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عن بيع الكلب إلا كلب صيد أو ماشية" وروى الطحاوي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قضى في كلب صيد قتله رجل بأربعين درهما وعنه عن عطاء قال: لا بأس بثمن الكلب وهو قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ثمن الكلب من السحت وفتوى الراوي بخلاف الرواية دال على ثبوت النسخ عنده وعنه عن ابن شهاب أنه قال: إذا قتل الكلب فإنه تقوم قيمته فيغرم الذي قتله فهذا الزهري يقول هذا وقد روي أن ثمن الكلب من السحت فدل على ثبوت النسخ وعن إبراهيم لا بأس بثمن كلب الصيد وروى عن مالك رحمه الله أنه أجاز بيع الكلب الضاري والزرع والماشية وعن عثمان رضي الله عنه أنه أجاز بيع الكلب الضاري في المهر وجعل على قاتله عشرين من الإبل ولأنه مال منتفع به حراسة واصطيادا قال الله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} 1 فيحوز بيعه قياسا على الفهد والبازي لجامع دفع الحاجة إذ الاحتياج إليه حاصل وجريان
1سورة المائدة: الآية 4
الجزء 1 · صفحة 89
الشح على أنه لا يوجد إلا بعوض فتمس الحاجة إلى تجويز بيعه.
حجة الشافعي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: "ثمن الكلب خبيث" فيكون حراما لقوله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} 1.
الجواب: أن هذا الحديث محمول على أنه كان ذلك في ابتداء الإسلام قلعا لهم عن اقتناء الكلاب كما كانت عادتهم وبهذا أمر بقتل الكلاب وغسل الإناء من ولوغها سبعا ثم نسخ ذلك حين تركوا الاقتناء لأن كلب الصيد مخصوص عنه بالحديث الذي روينا فنخص غيره قياسا عليه.
مسألة: لا يجوز بيع لبن النساء في قدح عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعند الشافعي رحمه الله يجوز.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أنه جزء لآدمي والآدمي بجميع أجزائه مكرم قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} 2 فيصان عن الابتذال بالبيع ولا فرق في ظاهر الرواية بين لبن الحرة والأمة وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يجوز بيع لبن الأمة لأنه يجوز بيع نفسها فكذا بيع جزئها وجه الظاهر أن الرق حل في نفسها دون اللبن لأن الرق يختص بمحل القوة وهو الحي ولا حياة في اللبن.
حجة الشاقعي رحمه الله: أنه منتفع به فيجوز بيعه لقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} 3.
الجواب عنه: أنه ليس كل منتفع به يجوز بيعه فإن الجزء منتفع به ولا يجوز بيعه بل محل البيع النفس دون جزء الآدمي.
مسألة: إذا عقل الصبي كون البيع سالبا للملك جالبا للربح فأذن
1سورة الأعراف: الآية 157
2سورة الإسراء: الآية 70
3سورة البقرة: الآية 275.
الجزء 1 · صفحة 90
له الولي في تصرف البيع والشراء نفذ تصرفه عند أبي حنيفة رضي الله عنه وقال: الشافعي رحمه الله لاينفذ.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: قوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} 1 الآية أي اختبروا عقولهم وجربوا أحوالهم ومعرفتهم قبل البلوغ حتى إذا تبينتم منهم رشدا أي هداية في التصرفات دفعتم إليهم أموالهم من غير تأخير عن حد البلوغ ففي هذا النص دليل ظاهر على اختبار أحوالهم في التصرفات ولا يحصل ذلك إلا بجواز تصرفهم فدلت الآية على جواز تصرفهم بإذن الولي ليختبر به النقصان لاحتمال الوقوع في الخسران ولأن التصرف المشروع صدر من أهله في محله عن ولاية شرعية فوجب تنفيذه.
ثم اعلم أن تصرفات الصبي على ثلاثة أقسام ما هو نفع محض كقبول الهبة فهو جائز منه وإن لم يأذن الولي وما هو ضرر محض كالطلاق فهو غير جائز منه وإن أذن الولي وما هو متردد بين النفع والضرر كالبيع والشراء فهو جائز بإذن الولي.
حجة الشافعي رحمه الله: أن الصبي المأذون من جهة الولي إما أن يكون له عقل كامل أولا فإن كان له عقل كامل فلا يكون للولي عليه ولاية لأنه إذا كان كامل العقل فشفقته على ماله أكثر من شفقة وليه عليه وتصرفه في ماله أصلح من تصرف غيره فينقطع عنه تصرف الولي فيجوز تصرفه فان لم يأذن له الولي وليس كذلك بالإجماع وإن لم يكن له عقل كامل لا تصح تصرفاته لأنه حينئذ يكون تصرفه سببا لفساد ماله وهو لا يجو.
الجواب عنه: أنه قد حصل له أصل العقل ولكن لا بكمال بل فيه قصور فينجبر برأي الولي فلا بد من إذنه.
1سورة النساء: الآية 2
الجزء 1 · صفحة 91
مسألة: إذا اختلف المتبايعان في مقدار الثمن بعد هلاك المبيع لم يتحالف المتبايعان عند أبي حنيفة رحمه الله والقول قول المشتري وعند الشافعي رحمه الله يتحالفان ويفسخ البيع علي قيمة الهلاك.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب التحالف عند قيام السلعة حيث قال: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة تحالفا وترادا" وذلك التحالف والتراد فيه لا يمكن إلا بعد قيام المبيع فلا يجري التحالف بعد هلاكه ثم البائع يدعي زيادة الثمن والمشتري ينكره والقول قول المنكر مع اليمين لقوله صلى الله عليه وسلم: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" وكذا المشتري ينكر دعوى البائع فيتحالفان.
الجواب عنه: أن المشتري بعد قبض المبيع لا يدعي شيئا لأن المبيع سالم له لكن بقي دعوى البائع في زيادة الثمن والمشتري ينكره فيكتفي بحلفه.
مسألة: أهل الخلاف يذكرون ثلاث مسائل في كتاب السلم.
الأولى قال: أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجوز بيع السلم في الحيوان ولا في منقطع الجنس وقت العقد ولا يجوز إلا مؤجلا وقال: الشافعي رحمه الله يجوز السلم في المسائل الثلاث.
حجة أبي حنيفة رضي الله عنه في الأولى: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن السلم في الحيوان ولأنه بعد ذكر الأوصاف يبقى فيه تفاوت فاحش في المعاني الباطنية فيقضي إلى المنازعة فلا يجوز.
وفي الثانية: قوله صلى الله عليه وسلم: "لاتسلفوا في الثمار حتى يبدو صلاحها" وجه التمسك به أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد به النهي عن بيعها لأن ذلك الجواز فيه ثابت بشرط القطع فعرف أن المراد به النهي عن بيعها سلما.
وفي الثالثة: قوله عليه أفضل الصلاة والسلام: "من أسلم في شيء فليسلم إلى أجل معلوم" رواه الجماعة ولأنه شرع رخصة دفعا لحاجة
الجزء 1 · صفحة 92
المفلس فلا بد من الأجل ليقدر على التحصيل.
حجة الشافعي رحمه الله من وجوه:
الأول: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} 1.
الجواب عنه: أن هذا العام مخصوص منه البعض بقوله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبا} فيجوز تخصيص المتنازع فيه بما ذكرنا من الدلائل.
الثاني: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} 2.
الجواب عنه: قد خص منه البعض أيضا فانه لا يجوز الربا وإن وجد التراضي بين المتعاقدين فيخص المتنازع فيه بما مر من دليلنا.
الثالث: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال المسلم إلا بطيب من نفسه"
والجواب عنه: كما مر وأن الربا لا يحل وإن كان من طيب نفس المتعاقدين.
الرابع: أنه صلى الله عليه وسلم رخص في المسلم وهذا يتناول جميع أنواع السلم إما لعموم القضية أو لأن ترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية فيعم الحكم بعموم العلية.
والجواب: أن الألف واللام فيه للعهد دون الاستغراق والمعهود هو المعلوم بقوله عليه أفضل الصلاة والسلام "من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" فلا يصح التمسك بعمومه لعدم عمومه ولئن سلم أنه عام لكنه قد خص منه ما لم يكن إلى أجل معلوم فيخص المتنازع بما ذكرناه من الدليل ولهذا قال: الخصم إنما يصح السلم
1 سورة البقرة: الآية 275
2 سورة النساء: الآية 29
الجزء 1 · صفحة 93
بإيجاب وقبول ممن له البيع إلى أجل معلوم فتضبط الصفة كثيرا لوجود موصوف مقدور التسليم عند الحلول بعوض مسلم في المجلس فلما شرط هو هذه الشرائط مع أن الحديث عام ليس فيه هذه الشرائط جاز لغيره أن يشترط شروطا أخرى بما عنده من الأدلة.