ـ[أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة]ـ
المؤلف: محمد بن عبد الرحمن الخميس
الناشر: دار الصميعي، المملكة العربية السعودية
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
(تنبيه) : كأن بالكتاب نقصا بعد ص 11
جارٍ تحميل الكتاب…
ـ[أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة]ـ
المؤلف: محمد بن عبد الرحمن الخميس
الناشر: دار الصميعي، المملكة العربية السعودية
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
(تنبيه) : كأن بالكتاب نقصا بعد ص 11
أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة
تأليف: محمد بن عبد الرحمن الخميس
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} "سورة آل عمران: الآية102".
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} "سورة النساء: الآية1".
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} "سورة الأحزاب: الآيتان70-71".
أما بعد: فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.
وبعد:
فإن أعظم نعم الله عزَّ وجلَّ على هذه الأمة أن أنزل إليها خير كتبه،
وأرسل إليها أفضل خلقه وجعلها خير أمة أخرجت للناس، وحفظ لها كتابها الكريم وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهما أصل هذا الدين ومنبعه الصافي فلا تنال منهما أبدا أيدي العابثين.
ثم جعل الصحابة والتابعين وأتباعهم بالحق على بصيرة، قائمين بالحق والهدى، مبتعدين عن الهوى والردى، همهم الأول فهم نصوص الكتاب والسنة والتمسك بهما، والاعتصام بهديهما.
ثم جعل من العلماء في كل عصر من دعا إلى الكتاب والسنة، ليبددوا بهما أرجاس الشركيات والوثنيات، ويبددوا بهما ظلمات البدع والخرافات ومنهم الأئمة الأربعة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، فكلهم متفقون على وجوب التمسك بالكتاب والسنة والرجوع إليهما وترك كل قول يخالفهما؛ فهذا الإمام أبو حنيفة يقول:
"إذا صح الحديث فهو مذهبي" 1.
ويقول: "لا يحل لمن يفتي من كتبي أن يفتي حتى يعلم من أين قلت" 2.
وهذا قول الإمام مالك: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه ... " 3.
1 حاشية ابن عابدين 1/67؛ ورسم المفتي من مجموعة رسائل ابن عابدين 1/4؛ وإيقاظ الهمم ص62.
2 الانتقاء لابن عبد البر ص145؛ وانظر رسم المفتي ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين 32،29؛ والميزان الكبرى للشعراني 1/58.
3 إيقاظ الهمم ص 72.
وهذا الشافعي يقول: "إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا ما قلت"، وفي رواية: "فاتبعوها ولا تلتفتوا إلى قول أحد ... "1.
وهذا الإمام أحمد يقول: "من رد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على شفا هلكة ... " 2. ويقول: "لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا ... "3.
تلك أقوال الأئمة رضي الله عنهم في الأمر بالتمسك بالسنة والنهي عن مخالفتها، ومع ذلك فقد تعصب بعض الناس للأئمة وخاصة للإمام أبي حنيفة حتى قاربوا به منازل النبيين والمرسلين، فزعموا أن التوراة بشَّرت 4 به وأن محمدا صلى الله عليه وسلم ذكره باسمه وبيّن أنه سراج أمته 5، ونعتوه
1 كتاب مسألة الاحتجاج بالشافعي ص72؛ ومناقب الشافعي 1/472، والرواية الأخرى لأبي نعيم في الحلية "9/107".
2 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 3/430.
3 إعلام الموقعين 2/201؛ وانظر مسائل أبي داود ص277؛ وإيقاظ الهمم ص113.
4 روى المكي في مناقب أبي حنيفة ص 20 عن عبد الكريم بن مسفر أنه قال: "سمعت جماعة من أهل العلم يقولون: مكتوب في التوراة صفة كعب الأحبار والنعمان بن ثابت ومقاتل بن سليمان"، وأورده الكَرْدي ص 41.
5 من ذلك زعم بعضم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "سيكون في أمتي رجل اسمه النعمان وكنيته أبو حنيفة هو سراج أمتي هو سراج أمتي هو سراج أمتي ". أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد 13/355،336؛ وأورده ابن حجر في اللسان 5/179، والسيوطي في اللآلئ 1/457، واستدل بعض الحنفية به على فضل أبي حنيفة، انظر مناقب المكي ص 15، والدر المختار على الرد المحتار 1/52.
قال الخطيب: "هو حديث موضوع تفرد بروايته البورقي وقد شرحنا فيما تقدم ـ قلت: يشير إلى ما ذكره في ترجمة محمد بن سعيد البورقي 5/309، 310 ـ ثم قال: حدثت عن الحاكم أنه قال: هذا البورقي قد وضع المناكير على الثقات =
بالصفات والمناقب ما عدوا به رتبته وتجاوزا معه درجته 1، وتعصب
= ما لا يحصى وأفحشها روايته عن بعض مشايخه، عن الفضل بن موسى السناني، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة ثم ذكر الحديث وقال على أثره هكذا حدث به في بلاد خراسان، ثم حدث به بالعراق وزاد فيه أنه قال: "سيكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس فتنته على أمتي أضر من فتنة إبليس"، قال الخطيب بعده: "ما كان أجرأ هذا الرجل على الكذب كأنه لم يسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كذب عليَّ متعمِّدا فليتبوّأ مقعده من النار" نعوذ بالله من غلبة الهوى ونسأله التوفيق لما يحبه ويرضى".
1 من ذلك قول الحصكفي: "إن أبا حنيفة النعمان من أعظم معجزات المصطفى بعد القرآن وحسبك من مناقبه اشتهار مذهبه، ما قال قولا إلا أخذ به إمام من الأئمة الأعلام، قد جعل الله الحكم لأصحابه وأتباعه من زمنه إلى هذه الأيام إلى أن يحكم بمذهبه عيسى بن مريم عليه السلام" الدر المختار 1/56،55.
وهذا القول في نظري تَقَوُّلٌ وغلو ظاهر وتنقص لنبي الله عيسى عليه السلام إذ كيف يظن بنبي أن يتبع عالما مجتهدا؟! وقد رد ذلك القول ابن عابدين في حاشيته ونقل قول السيوطي في رد ذلك وفيه: " ... ما يقال إنه يحكم ـ أي عيسى عليه السلام بمذهب من المذاهب الأربعة باطل لا أصل له. وكيف يظن بنبي أنه يقلد مجتهدا مع أن المجتهد من آحاد هذه الأمة لا يجوز له التقليد، إنما يحكم بالاجتهاد ... " رد المحتار 1/57.
كما زعم الحصكفي أن سهل بن عبد الله التستري قال: "لو كان في أمتي موسى وعيسى مثل أبي حنيفة لما تهودوا ولما تنصروا" الدر المختار 1/53، والأحرى أن هذا كذب على سهل، وهو قول باطل في نفسه فقد عبد بنوا إسرائيل عجلا وهارون نبي الله بينهم، وكذلك كفر من كفر منهم وعيسى عليه السلام بين أظهرهم كما قال تعالى: {أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} "سورة آل عمران: الآية52".
ومن ذلك قول الحصكفي: "وعنه عليه السلام: إن سائر الأنبياء يفتخرون بي، وأنا أفتخر بأبي حنيفة، من أحبه فقد أحبني ومن أبغضه فقد أبغضني" الدر المختار 1/52.
وهذا لا شك كذب محض لا يجوز ذكره فضلا عن اعتقاده.
تمهيد
في بيان أن اعتقاد الأئمة الأربعة واحد في مسائل أصول الدين ما عدا مسألة الإيمان
اعتقاد الأئمة الأربعة ـ أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ـ هو ما نطق به الكتاب والسنَّة، وما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان. وليس بين هؤلاء الأئمة ولله الحمد نزاع في أصول الدين، بل هم متفقون على الإيمان بصفات الرب، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الإيمان لا بدّ فيه من تصديق القلب واللسان. بل كانوا ينكرون على أهل الكلام، من جهمية وغيرهم وممن تأثروا بالفلسفة اليونانية والمذاهب الكلامية ...
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
" ... ولكن من رحمة الله بعباده، أن الأئمة الذين لهم في الأمة لسان صدق كالأئمة الأربعة وغيرهم ... كانوا ينكرون على أهل الكلام من الجهمية قولهم في القرآن والإيمان وصفات الرب، وكانوا متفقين على ما كان عليه السلف من أن الله يرى في الآخرة وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الإيمان لا بد فيه من تصديق القلب واللسان ... " 1.
وقال: "إن الأئمة المشهورين كلهم يثبتون الصفات لله تعالى
1 كتاب الإيمان 350، 351، دار الطباعة المحمدية تعليق محمد الهراس.
ويقولون: إن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، ويقولون: إن الله يرى في الآخرة، هذا مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أهل البيت وغيرهم، وهذا مذهب الأئمة المتبوعين، مثل مالك بن أنس، والثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي وأحمد.." 1.
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن اعتقاد الشافعي فأجاب بقوله:
"اعتقاد الشافعي رضي الله عنه، واعتقاد سلف الإسلام، كمالك، والثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية، هو اعتقاد المشايخ المقتدى بهم، كالفضيل بن عياض، وأبي سليمان الدارمي، وسهل بن عبد الله التستري، وغيرهم، فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة وأمثالهم نزاع في أصول الدين وكذلك أبو حنيفة رحمه الله فإن الاعتقاد الثابت عنه في التوحيد والقدر ونحو ذلك، موافق لاعتقاد هؤلاء واعتقاد هؤلاء هو ما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وهو ما نطق به الكتاب والسنة" 2.
وهذا ما اختاره العلامة صديق حسن خان حيث يقول:
"فمذهبنا مذهب السلف إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل، وهو مذهب أئمة الإسلام، كمالك، والشافعي، والثوري، وابن المبارك، والإمام أحمد ... وغيرهم، فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة نزاع في أصول الدين، وكذلك أبو حنيفة رضي الله عنه فإن الاعتقاد الثابت عنه موافق لاعتقاد هؤلاء، وهو الذي نطق به الكتاب والسنة ... " 3.
1 منهاج السنة 2/106.
2 مجموع الفتاوى 5/256.
3 قطف الثمر ص 47،48.
وهاك طائفة من أقوال الأئمة الثلاثة ـ مالك، والشافعي، وأحمد ـ "أما أبو حنيفة فستأتي أقواله مفصلة في موضعها" ـ فيما يعتقدونه في مسائل أصول الدين، مع بيان موقفهم من علم الكلام.
أولا ـ الإمام مالك بن أنس.
"أ" قوله في التوحيد:
1- أخرج الهروي عن الشافعي قال: سئل الإمام مالك عن الكلام والتوحيد؛ فقال مالك: "محال أن يُظنَّ بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه علَّم أمَّته الاستنجاء، ولم يعلمهم التوحيد، والتوحيد ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" 1، فما عصم به المال والدم حقيقة التوحيد" 2.
2- وأخرج الدارقطني عن الوليد بن مسلم قال: "سألت مالكا، والثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد عن الأخبار في الصفات؛ فقالوا: أمرّوها كما جاءت" 3.
1 أخرجه البخاري: كتاب الزكاة باب وجوب الزكاة 3/262 ح1399، ومسلم: كتاب الإيمان باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله 1/51 ح324، والنسائي: كتاب الزكاة باب مانع الزكاة 5/14 ح2443؛ جميعهم من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة. وأخرجه أبو داود: كتاب الجهاد باب على ما يقاتل المشركون 3/101 ح2640 من طريق أبي صالح عن أبي هريرة.
2 ذم الكلام "ق-210".
3 أخرج هذا الأثر الدارقطني في الصفات ص 75؛ والآجري في الشريعة ص 314، والبيهقي في الاعتقاد ص 118؛ وابن عبد البر في التمهيد 7/149.
3- وقال ابن عبد البر: "سئل مالك أيرى الله يوم القيامة؟ فقال: نعم يقول الله عزَّ وجلَّ {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} "سورة القيامة: الآيتان 22-23".
وقال لقوم آخرين: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} " سورة المطففين: الآية15"1 ".
أورد القاضي عياض في ترتيب المدارك 2، عن ابن نافع3، وأشهب 4، وأحدهما قال: يزيد على الآخر: يا أبا عبد الله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ينظرون إلى الله؟ قال: نعم بأعينهم هاتين، فقلت له: فإن قوما يقولون: لا ينظر إلى الله، إن "ناظرة" بمعنى منتظرة قال: كذبوا بل ينظر إلى الله أما سمعت قول موسى عليه السلام {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} "سورة الأعراف: الآية143".
أترى موسى سأل ربه محالا؟ فقال الله: {لَنْ تَرَانِي} "سورة الأعراف: الآية143".
1 الانتقاء ص 36.
2 2/42.
3 الذي يروي عن الإمام مالك باسم ابن نافع رجلان. أما الأول فهو عبد الله بن نافع بن ثابت الزبيري أبو بكر المدني قال عنه ابن حجر: "صدوق مات سنة 216 هـ". وأما الثاني فهو عبد الله بن نافع بن أبي نافع المخزومي مولاهم أبو محمد المدني قال عنه ابن حجر: "ثقة صحيح الكتاب في حفظه لين مات سنة 206 هـ وقيل بعدها". تقريب التهذيب 1/455-456؛ وتهذيب التهذيب 6/50-551.
4 هو أشهب بن عبد العزيز بن داود القيسي أبو عمر المصري قال عنه ابن حجر: "ثقة فقيه مات سنة 204 هـ"، تقريب التهذيب 1/80. وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب 1/359.
أي في الدنيا لأنها دار فناء ولا ينظر ما يبقى بما يفنى فإذا صاروا إلى دار البقاء نظروا بما يبقى إلى ما يبقى وقال الله: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} "سورة المطففين: الآية15".
4- وأخرج أبو نعيم عن جعفر بن عبد الله قال: "كنا عند مالك بن أنس فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟
فما وجد 1 مالك من شيء ما وجد من مسألته، فنظر إلى الأرض، وجعل ينكت بعود في يده علاه الرحضاء ـ يعني العرق ـ ثم رفع رأسه ورمى بالعود، وقال: الكيف منه غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأظنك صاحب بدعة وأمر به فأخرج" 2.
5- وأخرج أبو نعيم عن يحيى بن الربيع قال: "كنت عند مالك بن أنس، ودخل عليه رجل فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول فيمن يقول القرآن مخلوق؟ "
1 جاء في لسان العرب 3/446؛ "وجد عليه في الغضب يُجِدُ ويَجِدُ وجدا ومَوْجِدَة ووجدانا غضب، وفي حديث الإيمان، إني سائلك فلا تجد عليّ أي لا تغضب من سؤالي".
2 الحلية 6/325،326. وأخرجه أيضا الصابوني في عقيدة السلف أصحاب الحديث ص 17-18 من طريق جعفر بن عبد الله عن مالك وابن عبد البر في التمهيد 7/151؛ من طريق عبد الله بن نافع عن مالك والبيهقي في الأسماء والصفات ص 408 من طريق عبد الله بن وهب عن مالك قال الحافظ ابن حجر في الفتح 13/406، 407: إسناده جيد وصححه الذهبي في العلو ص 103.
فقال مالك: زنديق 1 فاقتلوه فقال: يا أبا عبد الله، إنما أحكي كلاما سمعته فقال: لم أسمعه من أحد، إنما سمعته منك، وعظَّم هذا القول" 2.
6- وأخرج ابن عبد البر عن عبد الله بن نافع قال: "كان مالك بن أنس يقول: من قال القرآن مخلوق يوجع ضربا ويحبس حتى يتوب" 3.
7- وأخرج أبو داود عن عبد الله بن نافع قال: "قال مالك: الله في السماء، وعلمه في كل مكان"4.
"ب" قوله في القدر:
1- أخرج أبو نعيم عن ابن وهب 5 قال: "سمعت مالكا يقول لرجل: سألتني أمس عن القدر؟ قال: نعم. قال: إن الله تعالى يقول: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} "سورة السجدة:13".
1 الزنديق: كلمة معربة عن الفارسية استعملها المسلمون أولا في الدلالة على القائلين بالأصلين النور والظلمة على مذهب المانوية وغيرهم، ثم اتسع معناها عندهم، فشمل الدهريين والملحدين وسائر أصحاب المعتقدات الضالة، بل أطلق على المتشككين وكل متحرر عن أحكام الدين فكرا وعملا.
انظر الموسوعة الميسرة 1/929، وتاريخ الإلحاد لعبد الرحمن بدوي ص 24-32.
2 الحلية 6/325، وأخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/249، من طريق أبي محمد يحيى بن خلف عن مالك، وأورده القاضي عياض في ترتيب المدارك 2/44.
3 الانتقاء ص35.
4 رواه أبو داود في مسائل الإمام أحمد ص 263، وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة ص11 الطبعة القديمة وابن عبد البر في التمهيد 7/138.
5 هو عبد الله بن وهب القرشي مولاهم المصري قال عنه ابن حجر: "الفقيه ثقة حافظ عابد مات سنة 197هـ، تقريب التهذيب 1/460.
فلا بد أن يكون ما قال الله تعالى" 1.
2- وقال القاضي عياض: "سئل الإمام مالك عن القدرية من هم؟ قال: من قال: ما خلق المعاصي، وسئل كذلك عن القدرية؟ قال: هم الذين يقولون إن الاستطاعة إليهم، إن شاؤوا أطاعوا، وإن شاؤوا عصوا" 2.
3- وأخرج ابن أبي عاصم عن سعيد بن عبد الجبار قال: "سمعت مالك بن أنس يقول: رأيي فيهم أن يستتابوا؛ فإن تابوا، وإلا قتلوا ـ يعني القدرية ـ" 3.
4- وقال ابن عبد البر: "قال مالك: ما رأيت أحدا من أهل القدر، إلا أهل سخافة وطيش وخفة" 4.
5- وأخرج ابن أبي عاصم عن مروان بن محمد الطاطري قال: "سمعت مالك بن أنس يسأل عن تزويج القدري؟ فقرأ {وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ} "سورة البقرة: الآية221" 5.
6- وقال القاضي عياض: "قال مالك: لا تجوز شهادة القدري الذي يدعو 6 ولا الخارجي، والرافضي" 7.
1 الحلية 6/326.
2 ترتيب المدارك 2/48. وانظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/701؛ والمقصود نفي أن يكون الله تعالى خلق المعاصي.
3 السنة لابن أبي عاصم 1/87، 88؛ وأخرجه أيضا أبو نعيم في الحلية 6/326.
4 الانتقاء ص34.
5 السنة لابن أبي عاصم 1/88؛ الحلية 6/326.
6 يدعو إلى بدعته.
7 ترتيب المدارك 2/47.
7 - وقال القاضي عياض: "سئل مالك عن أهل القدر؟ أنكف عن كلامهم؟ قال: نعم إذا كان عارفا بما هو عليه، وفي رواية أخرى قال: لا يصلى خلفهم، ولا يقبل عنهم الحديث، وإن وافيتموهم في ثغر؛ فأخرجوهم منه" 1.
"ج" قوله في الإيمان:
1- أخرج ابن عبد البر، عن عبد الرزاق بن همام، قال: "سمعت ابن جريج 2، وسفيان الثوري، ومعمر بن راشد، وسفيان بن عيينة، ومالك بن أنس يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص" 3.
2- وأخرج أبونعيم، عن عبد الله بن نافع قال: "كان مالك بن أنس يقول: الإيمان قول وعمل" 4.
وأخرج ابن عبد البر، عن أشهب بن عبد العزيز، قال: "قال مالك: فقام الناس يصلون نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم أمروا بالبيت الحرام، فقال الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} "سورة البقرة: الآية143".
أي صلاتكم إلى بيت المقدس. قال مالك: وإني لأذكر بهذه قول المرجئة: إن الصلاة ليست من الإيمان"5.
1 ترتيب المدارك 2/47.
2 هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي الأموي مولاهم المكي، قال عنه الذهبي: "الإمام الحافظ فقيه الحرم أبو الوليد". مات سنة 150هـ، تذكرة الحفاظ 1/169. وانظر ترجمته في تاريخ بغداد 10/400.
3 الانتقاء ص34.
4 الحلية 6/327.
5 الانتقاء ص34.
"د" قوله في الصحابة:
أخرج أبو نعيم، عن عبد الله العنبري 1 قال: "قال مالك بن أنس: من تنقَّص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كان في قلبه عليهم غل فليس له حق في فيء المسلمين. ثم تلا قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} "سورة الحشر:10".
فمن تنقصهم، أو كان في قلبه عليهم غل، فليس له في الفيء حق" 2.
2- وأخرج أبو نعيم، عن رجل من ولد الزبير 3 قال: "كنا عند مالك، فذكروا رجلا يتنقَّص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ مالك هذه الآية {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ} ـ جتى بلغ ـ {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} "سورة الفتح: الآية29".
فقال مالك: من أصبح في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته الآية" 4.
3- وأورد القاضي عياض، عن أشهب بن عبد العزيز قال: "كنا
1 هو عبد الله بن سُوار بن عبد الله العنبري البصري القاضي، قال عنه ابن حجر: "ثقة مات سنة 228هـ"، وقيل غير ذلك. تقريب التهذيب 1/421؛ وتهذيب التهذيب 5/248.
2 الحلية 6/327.
3 الذي تتلمذ على مالك وسمع منه من ولد الزبير بن العوام هو عبد الله بن نافع بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام. وقد تقدم التعريف به ومصعب بن عبد الله بن مصعب وسيأتي التعريف به.
4 الحلية 6/327.
عند مالك إذ وقف عليه رجل من العلَويين، وكانوا يقبلون على مجلسه فناداه: يا أبا عبد الله، فأشرف له مالك، ولم يكن إذا ناداه أحد يجيبه أكثر من أن يشرف برأسه فقال له الطالبي: إني أريد أن أجعلك حجة فيما بيني وبين الله، إذا قدمت عليه فسألني، قلت له: مالك قال لي.
فقال له: قل.
فقال: من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: أبو بكر، قال العلوي: ثم من؟ قال مالك: ثم عمر. قال العلوي: ثم من؟ قال: الخليفة المقتول ظلما، عثمان، قال العلوي: والله لا أجالسك أبدا. قال له مالك: فالخيار إليك" 1.
"هـ" نهيه عن الكلام والخصومات في الدين.
أخرج ابن عبد البر، عن مصعب بن عبد الله الزبيري 2 قال: "كان مالك بن أنس يقول: الكلام في الدين أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه وينهون عنه، نحو الكلام في رأي جهم والقدر وكل ما أشبه ذلك، ولا يحب الكلام إلا فيما تحته عمل. فأما الكلام في دين الله، وفي الله عزَّ وجلَّ، فالسكوت أحب إليّ لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين، إلا فيما تحته عمل" 3.
1 ترتيب المدارك.2/44-45
2 هو مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي المدني نزيل بغداد، قال عنه ابن حجر: "صدوق عالم بالنسب مات سنة 236هـ". تقريب التهذيب 2/252. وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب 10/162.
3 جامع بيان العلم وفضله ص415. ط دار الكتب الإسلامية.
2- وأخرج أبو نعيم، عن عبد الله بن نافع قال: "سمعت مالكا يقول: لو أن رجلا ارتكب الكبائر كلها بعد ألاَّ يشرك بالله، ثم تخلى من هذه الأهواء والبدع ـ وذكر كلاما ـ دخل الجنة" 1.
3- وأخرج الهروي، عن إسحاق بن عيسى 2 قال: "قال مالك: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كُذِّب" 3.
4- وأخرج الخطيب، عن إسحاق بن عيسى قال: "سمعت مالك بن أنس يعيب الجدال في الدين، ويقول: كلما جاءنا رجل أجدل من رجل؛ أرادنا أن نرد ما جاء به جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم " 4.
5- وأخرج الهروي، عن عبد الرحمن بن مهدي قال: "دخلت على مالك وعنده رجل يسأله، فقال: لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد لعن الله عمرو بن عبيد، فإنه ابتدع هذه البدعة من الكلام، ولو كان الكلام علما لتكلم فيه الصحابة والتابعون، كما تكلموا في الأحكام والشرائع" 5.
6- وأخرج الهروي، عن أشهب بن عبد العزيز قال: "سمعت مالكا يقول: إياكم والبدع، قيل: يا أبا عبد الله، وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله، وصفاته، وكلامه، وعلمه، وقدرته، ولايسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان" 6.
1 الحلية 6/325.
2 هو إسحاق بن عيسى بن نجيح البغدادي، قال عنه ابن حجر: "صدوق مات 214هـ". تقريب التهذيب 1/60. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 1/245.
3 ذم الكلام "ق173-أ".
4 شرف أصحاب الحديث ص5.
5 ذم الكلام "ق173-ب".
6 ذم الكلام "ق173-أ".
7- وأخرج أبونعيم، عن الشافعي قال: "كان مالك بن أنس إذا جاءه بعض أهل الأهواء قال: أما إني على بينة من ربي وديني، وأما أنت فشاكٌّ، فاذهب إلى شاكٍّ فخاصمه" 1.
8- روى ابن عبد البر، عن محمد بن أحمد بن خويزِ منداد المصري المالكي، قال في كتاب الإجارات من كتابه الخلاف: قال مالك: لا تجوز الإجارات في شيء من كتب الأهواء والبدع والتنجيم وذكر كتبا، ثم قال: وكتب أهل الأهواء والبدع عند أصحابنا هي كتب أصحاب الكلام من المعتزلة وغيرهم، وتفسخ الإجارة في ذلك" 2.
ثانيا ـ الإمام الشافعي
"أ" قوله في التوحيد:
1- أخرج البيهقي، عن الربيع بن سليمان قال: "قال الشافعي: من حلف بالله، أو باسم من أسمائه، فحنث؛ فعليه الكفارة. ومن حلف بشيء غير الله، مثل أن يقول الرجل: والكعبة، وأبي، وكذا وكذا ما كان، فحنث؛ فلا كفارة عليه. ومثل ذلك قوله: لعمري.. لا كفارة عليه. ويمين بغير الله فهي مكروهة، منهي عنها من قبل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله عزَّ وجلَّ نهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليسكت" 3 ... " 4.
1 الحلية 6/324.
2 جامع بيان العلم وفضله ص416 417، دار الكتب الإسلامية.
3 أخرجه البخاري: كتاب الأيمان والنذور باب لا تحلفوا بآبائكم 11/530، ومسلم: كتاب الإيمان باب النهي عن الحلف بغير الله 3/1266 ح1646.
4 مناقب الشافعي 1/405.
وعلَّل الشافعي ذلك بأن أسماء الله غير مخلوقة؛ فمن حلف باسم الله، فحنث؛ فعليه الكفارة 1.
2- وأورد ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية، عن الشافعي أنه قال: "القول في السنة التي أنا عليها، ورأيت أصحابنا عليها، أهل الحديث الذين رأيتهم، وأخذت عنهم مثل سفيان، ومالك، وغيرهما: الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن الله تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء، وأن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء" 2.
3- وأورد الذهبي عن المزني قال: "قلت إن كان أحد يخرج ما في ضميري، وما تعلَّق بخاطري من أمر التوحيد؛ فالشافعي، فصرت إليه وهو في مسجد مصر، فلما جثوت بين يديه، قلت: هجس في ضميري مسألة في التوحيد، فعلمت أن أحدا لا يعلم علمك، فما الذي عندك؟ فغضب ثم قال: أتدري أين أنت؟ قلت: نعم. قال: هذا الموضع الذي أغرق الله فيه فرعون، أبلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالسؤال عن ذلك؟ قلت: لا، قال: هل تكلم فيه الصحابة؟ قلت: لا، قال: أتدري كم نجما في السماء؟ قلت: لا، قال: فكوكب منها تعرف جنسه، طلوعه، أفوله،
1 رواه ابن أبي حاتم في آداب الشافعي ص193، وأبو نعيم في الحلية 9/112، 113، والبيهقي في السنن الكبرى 10/28، وفي الأسماء والصفات ص255، 256، وذكره البغوي في شرح السنة 1/188، وانظر العلو ص121، ومختصره ص77.
2 اجتماع الجيوش الإسلامية ص165، إثبات صفة العلو ص124، وانظر مجموع الفتاوى 4/181-183؛ والعلو للذهبي ص120، ومختصره للألباني ص176.
ممَّ خلق؟ قلت: لاَ، قال: فشيء تراه بعينك من الخلق لست تعرفه تتكلم في علم خالقه؟ ثم سألني عن مسألة في الوضوء فأخطأت فيها، ففرَّعها على أربعة أوجه، فلم أصب في شيء منه، فقال: شيء تحتاج إليه في اليوم خمس مرات؛ تدع علمه وتتكلف علم الخالق إذا هجس في ضميرك ذلك. فارجع إلى قول الله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ} "سورة البقرة: الآيتان 163-164".
فاستدل بالمخلوق على الخالق، ولا تتكلف على ما لم يبلغه عقلك" 1.
4- وأخرج ابن عبد البر، عن يونس بن عبد الأعلى 2، قال: "سمعت الشافعي يقول: إذا سمعت الرجل يقول الاسم غير المسمى، أو الشيء غير الشيء، فاشهد عليه بالزندقة" 3.
5- وقال الشافعي في كتابه الرسالة: "والحمد لله ... الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه" 4.
6- وأورد الذهبي في السير عن الشافعي أنه قال: "نثبت هذه الصفات التي جاء بها القرآن، ووردت بها السنة، وننفي التشبيه عنه، كما نفى عن نفسه، فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} "سورة الشورى: الآية11" 5.
1 سير أعلام النبلاء 10/31.
2 هو يونس بن عبد الأعلى بن ميسرة الصدفي المصري قال عنه ابن حجر: "ثقة من صغار العاشرة مات سنة 264هـ"؛ تقريب التهذيب 2/385، وانظر ترجمته في شذرات الذهب 2/149؛ وطبقات الشافعية لابن هداية الله ص28.
3 الانتقاء ص79؛ ومجموع الفتاوى 6/187.
4 الرسالة ص7، 8..
5 السير 20/341.
7- وأخرج ابن عبد البر عن الربيع بن سليمان قال: "سمعت الشافعي يقول في قول الله عزَّ وجلَّ {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} "سورة المطففين: الآية15".
أعلمنا الله أن ثم قوما غير محجوبين، ينظرون إليه، لا يضامون في رؤيته" 1.
8- وأخرج اللالكائي، عن الربيع بن سليمان قال: "حضرت محمد بن إدريس الشافعي، جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} ، قال الشافعي: "فلما حجبوا هؤلاء في السخط، كان هذا دليلا على أنه يرونه في الرضا. قال الربيع: قلت يا أبا عبد الله وبه تقول؟ قال: نعم به أدين الله" 2.
9- وأخرج ابن عبد البر، عن الجارودي 3 قال: "ذُكر عند الشافعي، إبراهيم بن إسماعيل بن عليَّة 4 فقال: أنا مخالف له في كل شيء، وفي قول لا إله إلا الله، لست أقول كما يقول. أنا أقول لا إله إلا الله الذي كلم موسى عليه السلام تكليما من وراء حجاب، وذاك يقول
1 الانتقاء ص79.
2 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/506.
3 لعله موسى بن أبي الجارود قال عنه النووي: "أحد أصحاب الشافعي والآخذين عنه والرواة عنه"، وقال ابن هبة الله: "كان يفتي بمكة على مذهب الشافعي ولا يعلم تاريخ وفاته". تهذيب الأسماء واللغات 2/120؛ وطبقات الشافعي لابن هداية الله ص129.
4 هو إبراهيم بن إسماعيل بن عُلَيَّة قال عنه الذهبي: "جهمي هالك كان يناظر ويقول بخلق القرآن مات سنة 218هـ"؛ ميزان الاعتدال 1/20، وانظر ترجمته في لسان الميزان 1/34، 35.
لا إله إلا الله الذي خلق كلاما أسمعه موسى من وراء حجاب" 1.
10- وأخرج اللالكائي عن الربيع بن سليمان، قال الشافعي: "من قال القرآن مخلوق؛ فهو كافر"2.
11- وأخرج البيهقي عن أبي محمد الزبيري قال: "قال رجل للشافعي، أخبرني عن القرآن خالق هو؟ قال الشافعي: اللهم لا، قال: فمخلوق؟ قال الشافعي: اللهم لا، قال: فغير مخلوق: قال الشافعي: اللهم نعم، قال: فما الدليل على أنه غير مخلوق؟ فرفع الشافعي رأسه وقال: تقر بأن القرآن كلام الله؟ قال: نعم. قال الشافعي: سبقت في هذه الكلمة، قال الله تعالى ذكره: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} "سورة التوبة: الآية6".
{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} .
قال الشافعي: فتقر بأن الله كان، وكان كلامه؟ أو كان الله، ولم يكن كلامه؟ فقال الرجل: بل كان الله، وكان كلامه قال: فتبسم الشافعي وقال: يا كوفيون إنكم لتأتوني بعظيم من القول إذا كنتم تقرّون بأن الله كان قبل القبل، وكان كلامه. فمن أين لكم الكلام: إن الكلام اللهُ، أو سوى اللهِ، أو غير اللهِ، أو دون الله؟ قال: فسكت الرجل وخرج" 3.
12- وفي جزء الاعتقاد المنسوب للشافعي ـ من رواية أبي طالب العشاري 4 ـ ما نصه قال: وقد سئل عن صفات الله عزَّ وجلَّ، وما ينبغي
1 الانتقاء ص79، والقصة ذكرها الحافظ عن مناقب الشافعي للبيهقي، اللسان 1/35.
2 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/252.
3 مناقب الشافعي 1/407، 408.
4 هو محمد بن علي العشاري شيخ صدوق معروف وقد تفرد برواية هذا الجزء =
أن يؤمن به؛ فقال: "لله تبارك وتعالى أسماء وصفات، جاء بها كتابه وخبَّر بها نبيه صلى الله عليه وسلم أمته، لا يسع 1 أحدا من خلق الله عزَّ وجلَّ قامت لديه 1 الحجة أن القرآن نزل به، وصحَّ عنده 2 قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عنه، العدلَ خلافه 3، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجّة عليه؛ فهو كافر بالله 4 عزَّ وجلَّ. فأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر؛ فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل، ولا بالدراية 5 والفكر. ونحو ذلك إخبار الله عزَّ وجلَّ أنه سميع وأن له يدين بقوله عزَّ وجلَّ:
{بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} "سورة المائدة: الآية64".
وأن له يمينا بقوله عزَّ وجلَّ: {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} "سورة الزمر: الآية67".
وأن له وجها بقوله عزَّ وجلَّ: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} "سورة القصص: الآية88".
1 في الطبقات: "لا يسمع".
1 في الطبقات: "عليه".
2 في الطبقات: "عنه بقوله".
3 في الطبقات: سقطت كلمة "خلافه".
4 في الطبقات: "فهو بالله كافر".
5 في الطبقات: "ولا بالرواية".
وقوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ} "سورة الرحمن: الآية27"..
وأن له قدما بقوله صلى الله عليه وسلم: "حتى يضع الرب عزَّ وجلَّ فيها قدمه" 1.
يعني جهنم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم للذي قتل في سبيل الله عزَّ وجلَّ أنه: "لقي الله عزَّ وجلَّ وهو يضحك إليه " 2، وأنه يهبط كل ليلة إلى السماء الدنيا، بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وأنه ليس بأعور لقول النبي صلى الله عليه وسلم إذ ذكر الدجال فقال: "إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور " 3، وأن المؤمنين يرون ربهم عزَّ وجلَّ يوم القيامة بأبصارهم كما يرون القمر ليلة البدر، وأن له أصبعا بقوله صلى الله عليه وسلم: "ما من قلب إلا هو بين أصبعين من أصابع الرحمن عزَّ وجلَّ " 4.
1 أخرجه البخاري كتاب التفسير باب: "وتقول هل من مزيد" 8/594 ح4848، ومسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء 4/2187 ح2848 كلاهما من طريق قتادة عن أنس بن مالك.
2 أخرجه البخاري: كتاب الجهاد باب الكافر يقتل المسلم 6/39 ح2826 ومسلم كتاب الإمارة باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة 3/1504 ح1890 كلاهما من طريق الأعرج عن أبي هريرة.
3 أخرجه البخاري: كتاب الفتن باب ذكر الدجال 13/91 ح7131، ومسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة باب ذكر الدجال وصفته 4/2248 ح2933 كلاهما من طريق قتادة عن أنس بن مالك.
4 أخرجه بنحو هذا اللفظ أحمد في المسند 4/182 وابن ماجه في المقدمة باب: فيما أنكرت الجهمية 1/72 ح199 والحاكم في المستدرك 1/525، والآجري في الشريعة ص317، وابن مندة في الرد على الجهمية ص87 جميعهم من حديث النواس بن سمعان، قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي في التلخيص، وقال عنه ابن مندة: "حديث النواس بن سمعان حديث ثابت رواه الأئمة المشاهير ممن لا يمكن الطعن على واحد منهم".
وإن 1 هذه المعاني التي وصف الله عزَّ وجلَّ بها نفسه، ووصفه بها رسول صلى الله عليه وسلم لا تُدرَك 2 حقيقتها 3 تلك بالفكر والدراية 4، ولا يكفر بجهلها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه به، وإن 5 كان الوارد بذلك خبرا يقوم في الفهم مقام المشهادة في السَّماع؛ "وجبت الدينونة" 6 على سامعه بحقيقته والشهادة عليه، كما عاين وسمع وسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن نثبت 7 هذه الصفات، وننفي 8 التشبيه كما نفى ذلك عن نفسه تعالى ذكره فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} "سورة الشورى: الآية11" ... " 9 آخر الاعتقاد.
"ب" قوله في القدر:
1- أخرج البيهقي عن الربيع بن سليمان، قال: سئل الشافعي عن القدر، فقال:
ما شئتَ كان وإن لم أشأ ... وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن
خلقت العباد على ما علمت ... ففي العلم يجري الفتى والمسنُ
1 في الطبقات: "فإن".
2 في الطبقات: "مما لا يدرك".
3 في الطبقات: "حقيقته".
4 في الطبقات: "والروية".
5 في الطبقات: "فإن كان".
6 ما بين القوسين مثبت من الطبقات.
7 في الطبقات: "يثبت".
8 في الطبقات: "وينفى".
9 نقل هذا الاعتقاد من نسخة مصورة من أصل خطي محفوظ في المكتبة المركزية بجامعة ليدن بهولندا.
على ذا مننت وذا خذلت ... وهذا أعنت وذا لم تعن
فمنهم شقيّ ومنهم سعيد ... ومنهم قبيحٌ ومنهم حسن 1
2- أورد البيهقي في مناقب الشافعي أن الشافعي، قال: "إن مشيئة العباد هي إلى الله تعالى، ولا يشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين، فإن الناس لم يخلقوا أعمالهم، وهي خلق من خلق الله تعالى، أفعال العباد وإن القدر خيره وشرَّه من الله عزَّ وجلَّ، وإن عذاب القبر حقٌّ، ومساءلة أهل القبور حقٌّ، والبعث حقٌّ، والحساب حق والجنَّة والنار حق، وغير ذلك مما جاءت به السنن" 2.
3- وأخرج اللالكائي، عن المزني، قال: "قال الشافعي: تدري ما القدري؟ الذي يقول: إن الله لم يخلق الشيء حتى عمل به" 3.
4- وأورد البيهقي، عن الشافعي حيث قال: "القدرية الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هم مجوس هذه الأمة" 4، الذين يقولون إن الله لا يعلم المعاصي حتى تكون" 5.
5- وأخرج البيهقي، عن الربيع بن سليمان عن الشافعي أنه كان يكره الصلاة خلف القدري 6.
1 مناقب الشافعي 1/412، 413؛ شرح أصول اعتقاد أهل السنة 2/702.
2 مناقب الشافعي 1/415.
3 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/701.
4 أخرجه أبو داود: كتاب السنة باب في القدر 5/66 ح4691، والحاكم في المستدرك 1/85 كلاهما من طريق أبي حازم عن ابن عمر، قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر ولم يخرجاه" وأقره الذهبي.
5 مناقب الشافعي1/413.
6 مناقب الشافعي 1/413.
"ج" قوله في الإيمان:
1- أخرج ابن عبد البر، عن الربيع، قال: "سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول وعمل واعتقاد بالقلب، ألا ترى قول الله عزَّ وجلَّ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} "سورة البقرة: الآية143".
يعني صلاتكم إلى بيت المقدس؛ فسمى الصلاة إيمانا وهي قول وعمل وعقد" 1.
2- وأخرج البيهقي، عن الربيع بن سليمان، قال: "سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص" 2.
3- وأخرج البيهقي، عن أبي محمد الزبيري قال: "قال رجل للشافعي: أي ُّ الأعمال عند الله أفضل؟ قال الشافعي: ما لا يقبل عملا إلا به قال: وما ذاك؟ قال: الإيمان بالله الذي لا إله إلا هو، أعلى الأعمال درجة، وأشرفها منزلة، وأسناها حظا، قال الرجل: ألا تخبرني عن الإيمان: قول وعمل، أو قول بلا عمل؟ قال الشافعي: الإيمان عمل لله، والقول بعض ذلك العمل، قال الرجل: صف لي ذلك حتى أفهمه. قال: الشافعي: إن للإيمان حالات ودرجات وطبقات، فمنها التام، المنتهي تمامه، والناقص البين نقصانه، والراجح الزائدة رجحانه؛ قال الرجل: وإن الإيمان لا يتم وينقص ويزيد؟ قال الشافعي: نعم، قال: وما الدليل على ذلك؟ قال الشافعي: إن الله جل ذكره فرض الإيمان على جوارح بني آدم، فقسَّمه فيها، وفرَّقه عليها، فليس من جوارحه جارحة إلا وقد وكلت من الإيمان بغير ما وُكِّلت به أختها لفرض من الله تعالى:
1 الانتقاء ص81.
2 مناقب الشافعي 1/387-393.
فمنها: قلبه الذي يعقل به، ويفقه ويعلم، وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح ولا تصدر إلا عن رأيه وأمره.
ومنها: عيناه اللتان ينظر بهما، وأذناه اللتان يسمع بهما، ويداه اللتان يبطش بهما، ورجلاه اللتان يمشي بهما، وفرجه الذي الباه من قِبَله، ولسانه الذي ينطق به، ورأسه الذي فيه وجهه.
فرض على القلب غير ما فرض على اللسان، وفرض على السمع غير ما فرض على العينين، وفرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين، وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه.
فأما فرض الله على القلب من الإيمان: فالإقرار، والمعرفة، والعقد، والرضا، والتسليم بأن الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، والإقرار بما جاء من عند الله من نبيٍّ أو كتاب فذلك ما فرض الله جل ثناؤه على الخلق وهو عمله:
{إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً} "سورة النحل: الآية106".
وقال: {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} "سورة الرعد: الآية28".
وقال: {مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} "سورة المائدة: الآية41.
وقال: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} "سورة البقرة: الآية284".
فذلك ما فرض الله على القلب من الإيمان، وهو عمله، وهو رأس الإيمان.
"وفرض الله على اللسان": القول والتعبير عن القلب بما عقد وأقر به، فقال في ذلك: {قُولُوا آمَنَّا} .
وقال: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنا} "سورة البقرة: الآية83".
فذلك ما فرض الله على اللسان من القول، والتعبير عن القلب، وهو عمله، والفرض عليه من الإيمان.
"وفرض الله على السمع": أن يتنزه عن الاستماع إلى ما حرم الله، وأن يغض عما نهى الله عنه، فقال في ذلك: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ} "سورة النساء: الآية140".
ثم استثتنى موضع النسيان، فقال جل وعز: {إِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ} "سورة الأنعام: الآية68". أي: فقعدت معهم {فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} "سورة الأنعام: الآية68".
وقال: {فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ} "سورة الزمر: الآيتان17-18".
وقال: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} "سورة المؤمنون: الآيتان1، 2"
إلى قوله: {لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} "سورة المؤمنون: الآيات من1-4".
وقال: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ} "سورة القصص: الآية55".
وقال: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً} "سورة الفرقان: الآية72".
فذلك ما فرض الله جل ذكره، على السمع من التنزيه عما لا يحل له، وهو عمله، وهو من الإيمان.
"وفرض على العينين": ألا ينظر بهما إلى ما حرم الله، وأن يغضهما عما نهاه عنه، فقال تبارك وتعالى في ذلك: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} "سورة النور: من الآية30".
نهى في الآيتين: أن ينظر أحدهم إلى فرج أخيه، ويحفظ فرجه من أن ينظر إليه.
وقال: كل شيء من حفظ الفرج، في كتاب الله، فهو من الزنا إلا هذه الآية، فإنها من النظر.
فذلك ما فرض الله على العينين من غض البصر، وهو عملهما، وهو من الإيمان.
ثم أخبر عما فرض على القلب والسمع والبصر، في آية واحدة، فقال سبحانه وتعالى، في ذلك: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} "سورة الإسراء:36".
قال: يعني وفرض على الفرج: أن لا يهتكه بما حرم الله عليه: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} "سورة المؤمنون: الآبة5".
وقال: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ} "سورة فصلت: الآية22".
يعني بالجلود: الفروج والأفخاذ، فذلك ما فرض الله على الفروج من حفظها عما لا يحل له، هو عملها.
"وفرض على اليدين": ألا يبطش بها "إلى ما حرم الله تعالى، وأن
يبطش بهما" إلى ما أمر الله من الصدقة وصلة الرحم، والجهاد في سبيل الله، والطهور للصلوات، فقال في ذلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ... } "سورة المائدة: الآية6" إلى آخر الآية.
وقال: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} "سورة محمد: الآية4".
لأن الضرب، والحرب، وصلة الرحم، والصدقة من علاجها.
"وفرض على الرجلين": ألا يُمشى بهما إلى ما حرم الله، جلَّ ذكره، فقال في ذلك: {وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} "سورة لقمان: الآية18".
"وفرض على الوجه": السجود لله بالليل والنهار، ومواقيت الصلاة، فقال في ذلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} "سورة الحج: الآية77".
وقال: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} "سورة الجن:18".
يعني بالمساجد: ما يسجد عليه ابن آدم في صلاته، من الجبهة وغيرها.
قال: فذلك ما فرض الله على هذه الجوارح.
وسمَّى الطهور والصلوات إيمانا في كتابه، وذلك حين صرف الله تعالى، وجه نبيه صلى الله عليه وسلم من الصلاة إلى بيت المقدس، وأمره بالصلاة إلى الكعبة. وكان المسلمون قد صلوا إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، فقالوا: يا رسول الله، أرأيت صلاتنا كنا نصليها إلى بيت المقدس، ما حالها وحالنا؟
فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} "سورة البقرة: الآية143".
فسمى الصلاة إيمانا، فمن لقي الله حافظا لصلواته، حافظا لجوارحه، مؤديا بكل جارحة من جوارحه ما أمر الله به وفرض عليه ـ لقي الله مستكمل الإيمان من أهل الجنة، ومن كان لشيء منها تاركا متعمدا مما أمر الله ـ لقي الله ناقص الإيمان. قال: وقد عرفت نقصانه وإتمامه، فمن أين جاءت زيادته؟
قال الشافعي: قال الله، جل ذكره: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} "سورة التوبة: الآيتان 124-125".
وقال: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً} "سورة الكهف: الآية13".
قال الشافعي: "ولو كان هذا الإيمان كله واحدا لا نقصان فيه ولا زيادة ـ لم يكن لأحد فيه فضل، واستوى الناس، وبطل التفضيل ولكن بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنة، وبالزيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله "في الجنة"، وبالنقصان من الإيمان دخل المفرطون النار".
قال الشافعي: "إن الله، جلّ وعزّ، سابق بين عباده كما سوبق بين الخيل يوم الرهان، ثم إنهم على درجاتهم من سبق عليه، فجعل كل امرئ على درجة سبقه، لا ينقصه فيها حقه، ولا يقدّم مسبوق على سابق، ولا مفضول على فاضل. وبذلك فُضل أول هذه الأمة على آخرها. ولو
لم يكن لمن سبق إلى الإيمان فضل على من أبطأ عنه للحق آخر هذه الأمة بأولها" 1.
"د" قوله في الصحابة:
1- أورد البيهقي عن الشافعي أنه قال: "أثنى الله تبارك وتعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن، والتوراة، والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله، هنّأهم بما أتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصدّيقين، والشهداء والصالحين، فهم أدّوا إلينا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشاهدوه والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم عاما وخاصا وعزما وإرشادا، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع وعقل، وأمر استدرك به علم واستنبط به وآراؤهم لنا أحمد وأولى من آرائنا عندنا لأنفسنا، والله أعلم"
2- وأخرج البيهقي، عن الربيع بن سليمان قال: "سمعت الشافعي يقول في التفضيل: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي" 2.
3- وأخرج البيهقي، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكيم3 قال: "سمعت الشافعي يقول: أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم" 4.
1 مناقب الشافعي 1/387-393.
2 مناقب الشافعي 1/442.
3 مناقب الشافعي 1/432.
4 هو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري أبو عبد الله قال عنه الشيرازي: صحب الشافعي وتفقه به وحمل في المحنة إلى بغداد إلى ابن أبي دؤاد ولم يجب إلى ما طلب منه ورُدّ إلى مصر..مات في سنة اثنتين وستّين =
4- وأخرج الهروي، عن يوسف بن يحيى البويطي قال: "سألت الشافعي أأصلي خلف الرافضي؟ قال: لا تصل خلف الرافضي ولا القدري ولا المرجئ، قلت: صفهم لنا، قال: من قال: الإيمان قول فهو مرجئ، ومن قال: إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامين فهو رافضي، ومن جعل المشيئة إلى نفسه فهو قدري" 1.
"هـ" نهيه عن الكلام والخصومات في الدين:
1- أخرج الهروي، عن الربيع بن سليمان قال: "سمعت الشافعي يقول: ... لو أن رجلا أوصى بكتبه من العلم لآخر، وكان فيها كتب الكلام، لم تدخل في الوصية لأنه ليس من العلم" 2.
2- وأخرج الهروي، عن الحسن الزعفراني قال: "سمعت الشافعي يقول: ما ناظرت أحدا في الكلام إلا مرة، وأنا أستغفر الله من ذلك" 3.
3- وأخرج الهروي، عن الربيع بن سليمان قال: "قال الشافعي: لو أردت أن أضع على مخالف كتابا كبيرا لفعلت، ولكن ليس الكلام من شأني، ولا أحب أن ينسب إليّ منه شيء" 4.
وأخرج ابن بطة، عن أبي ثور قال: "قال لي الشافعي: ما رأيت أحدا ارتدى شيئا من الكلام فأفلح"5.
= ومائتين. طبقات الفقهاء ص99، وانظر ترجمته في طبقات الشافعية لابن هداية الله ص30؛ وشذرات الذهب 2/154.
1 مناقب الشافعي 1/433.
2 ذم الكلام "ق-215"، وأورده الذهبي في السير 10/31.
3 ذم الكلام "ق-213"، وأورده الذهبي في السير 10/30.
4 ذم الكلام "ق-213"، وأورده الذهبي في السير 10/30.
5 ذم الكلام "ق-215".
5 - وأخرج الهروي، عن يونس المصري قال: "قال الشافعي: لأن يبتلي الله المرء بما نهى عنه خلا الشرك بالله، خير من أن يبتليه بالكلام" 1.
ثالثا ـ الإمام أحمد بن حنبل
"أ" قوله في التوحيد:
1- جاء في طبقات الحنابلة 1/416: "إن الإمام أحمد سئل عن التوكل، فقال: قطع الاستشراف بالإياس من الخلق".
2- وجاء في كتاب المحنة لحنبل ص68 أن الإمام أحمد قال: "لم يزل الله عزَّ وجلَّ متكلما، والقرآن كلام الله عزَّ وجلَّ، غير مخلوق، وعلى كل جهة، ولا يوصف الله بشيء أكثر مما وصف به نفسه، عزَّ وجلَّ ".
3- وأورد ابن أبي يعلى، عن أبي بكر المروذي قال: "سألت أحمد بن حنبل عن الأحاديث التي ترددها الجهمية في الصفات والرؤية والإسراء وقصة العرش فصححها، وقال: تلقتها الأمة بالقبول وتمر الأخبار كما جاءت" 2.
4- قال عبد الله بن أحمد في كتاب السنة: إن أحمد قال: "من زعم أن الله لا يتكلم فهو كافر، إلا أننا نروي هذه الأحاديث كما جاءت" 3.
1 الإبانة الكبرى ص535، 536.
2 مناقب الشافعي لابن أبي حاتم ص182.
3 طبقات الحنابلة 1/56.
5- وأخرج اللالكائي، عن حنبل 1 أنه سأل الإمام أحمد عن الرؤية فقال: "أحاديث صحاح، نؤمن بها، ونقر، وكل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بأسانيد جيدة نؤمن به ونقر" 2.
6- وأورد ابن الجوزي في المناقب كتاب أحمد بن حنل لمسدد 3 وفيه: "صِفوا الله بما وصف به نفسه، وانفُوا عن الله ما نفاه عن نفسه ... " 4.
7- جاء في كتاب الرد على الجهمية للإمام أحمد قوله: "وزعم ـ جهم بن صفوان ـ أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه، أو حدّث عنه رسوله كان كافرا وكان من المشبهة"5.
8- وأورد ابن تيمية في الدرء قول الإمام أحمد: "نحن نؤمن بأن الله على العرش، كيف شاء، وكما شاء، بلا حد، ولا صفة يبلغها واصف، أو يحده أحد؛ فصفات الله منه وله، وهو كما وصف نفسه، لا تدركه الأبصار" 6.
1 السنة ص71 "ط/ دار الكتب العلمية".
2 هو حنبل بن إسحاق بن حنبل بن هلال بن أسد أبو علي الشيباني وهو ابن عم أحمد بن حنبل، قال عنه الخطيب: "ثقة ثبت". مات سنة 273هـ، تاريخ بغداد 8/286، 287.
وانظر ترجمته في طبقات الحنابلة 1/143.
3 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/507.
4 هو مسدد بن مسرهد بن مسربل الأسدي البصري، قال عنه الذهبي: "الإمام الحافظ الحجة". مات سنة 228هـ، سير أعلام النبلاء 10/591. وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب 10/107.
5 مناقب الإمام أحمد ص221.
6 درء تعارض العقل والنقل 2/30.
9- وأورد ابن أبي يعلى، عن أحمد، أنه قال: "من زعم أن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر مكذب بالقرآن" 1.
10- وأورد ابن أبي يعلى، عن عبد الله بن أحمد، قال: "سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلم الله موسى، لم يتكلم بصوت فقال أبي: تكلم الله بصوت، وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت" 2.
11- وأخرج اللالكائي عن عبدوس بن مالك العطار، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: " ... والقرآن كلام الله، وليس بمخلوق، ولا تضعف أن تقول ليس بمخلوق؛ فإن كلام الله منه، وليس منه شيء مخلوق" 3.
"ب" قوله في القدر:
1- أورد ابن الجوزي في المناقب، كتاب أحمد بن حنبل لمسدد، وفيه: "ويؤمن بالقدر خيره وشره وحلوه ومرّه من الله" 4.
2- وأخرج الخلال، عن أبي بكر المروذي، قال: "سئل أبو عبد الله فقال: الخير والشر مقدر على العباد؟ فقيل له: الله خلق الخير والشر، قال: نعم الله قدره" 5.
1 طبقات الحنابلة 1/59، 145.
2 طبقات الحنابلة 1/185.
3 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/157.
4 مناقب الإمام أحمد ص169، 172، ط/ دار الآفاق الجديدة.
5 السنة للخلال "ق-85".
3- وجاء في كتاب السنة للإمام أحمد، قوله: "والقدر خيره وشره، وقليله وكثيره، وظاهره وباطنه، وحلوه ومره، ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيئه، وأوله وآخره من الله قضاء قضاه على عباده، وقدر قدره، ولا يعدو واحد منهم مشيئة الله عزَّ وجلَّ، ولا يجاوز قضاءه" 1.
4- وأخرج الخلال، عن محمد بن أبي هارون، عن أبي الحارث قال: "سمعت أبا عبد الله يقول: فالله عزَّ وجلَّ قدر الطاعة والمعاصي، وقدر الخير والشر، ومن كتب سعيدا فهو سعيد، ومن كتب شقيا فهو شقي" 2.
5- قال عبد الله بن أحمد سمعت أبي، وسأله علي بن جهم عمن قال بالقدر يكون كافرا؟ قال: "إذا جحد العلم، إذا قال: إن الله لم يكن عالما حتى خلق علما، فعلم، فجحد علم الله فهو كافر" 3.
6- قال عبد الله بن أحمد: "سألت أبي مرة أخرى عن الصلاة خلف القدري، فقال: إن كان يخاصم فيه، ويدعو إليه فلا تصل خلفه" 4.
"ج" قوله في الإيمان:
1- أورد ابن أبي يعلى عن أحمد، قال: "من أفضل خصال الإيمان؛ الحب في الله والبغض في الله" 5.
2- وأورده ابن الجوزي، عن أحمد، قال: "الإيمان يزيد وينقص،
1 السنة ص68.
2 السنة للخلال "ق-85".
3 السنة لعبد الله بن أحمد ص119.
4 السنة ص1/384.
5 طبقات الحنابلة 2/275.
كما جاء في الخبر: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا" 1 ... " 2.
3- وأخرج الخلال، عن سليمان بن أشعث 3، قال: "إن أبا عبد الله قال: الصلاة والزكاة والحج والبر من الإيمان، والمعاصي تنقص الإيمان" 4.
4- قال عبد الله بن أحمد: "سألت أبي عن رجل يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ولكن لا يستثني أمرجئ؟ قال: أرجو ألا يكون مرجئا. سمعت أبي يقول: الحجة على من لا يستنثني؛ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل القبور: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون "5 ... " 6.
5- قال عبد الله بن أحمد: "سمعت أبي رحمه الله، سئل عن الإرجاء، فقال: نحن نقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، إذا زنى، وشرب الخمر، نقص إيمانه"
1 أخرجه أحمد في المسند 2/250 وأبو داود في كتاب السنة باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه 5/60 ح4682، والترمذي في الرضاع باب ما جاء في حق المرأة على زوجها 3/457 ح1162 جميعهم من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة، وقال عنه الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
2 مناقب الإمام أحمد ص173، وانظر أيضا ص153، 168.
3 هو أبو داود سليمان بن أشعث بن إسحاق السجستاني صاحب السنن قال عنه الذهبي: "الإمام الثبت سيد الحفاظ" مات سنة 275هـ، تذكرة الحفاظ 2/591، وانظر ترجمته في تاريخ بغداد 9/55.
4 السنة للخلال "ق-96".
5 أخرج مسلم: كتاب الجنائز باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها 2/669 ح974 من طريق عطاء عن عائشة رضي الله عنها.
6 السنة لعبد الله 1/307، 308، ط/ المحققة.
"د" قوله في الصحابة:
1- جاء في كتاب السنة للإمام أحمد ما يأتي: "ومن السنة ذكر محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم أجمعين، والكف عن ذكر مساوئهم والخلاف الذي شجر بينهم، فمن سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحدا منهم فهو مبتدع، رافضي خبيث، مجاف، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، بل حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة". ثم قال: "ثم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الأربعة خير الناس، ولا يجوز أن يذكر شيئا من مساوئهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا بنقص، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه" 1.
2- أورد ابن الجوزي رسالة أحمد إلى مسدد وفيها: "وأن تشهد للعشرة أنهم في الجنة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح ومن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم شهدنا له بالجنة" 2.
3- قال عبد الله بن أحمد: "سألت أبي عن الأئمة فقال: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي" 3.
4- وقال عبد الله بن أحمد: "سألت أبي عن قوم يقولون: إن عليا ليس بخليفة، قال هذا قول سوء رديء "4.
1 كتاب السنة للإمام أحمد ص77/78.
2 مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص170، ط/ دار الآفاق الجديدة.
3 السنة ص235.
4 السنة ص235.
5- وأورد ابن الجوزي عن أحمد، قال: "من لم يثبت الخلافة لعلي، فهو أضل من حمار أهله" 1.
6- وأورد ابن أبي يعلى عن أحمد، قال: "من لم يربّع علي بن أبي طالب الخلافة؛ فلا تكلموه، ولا تناكحوه" 2.
"هـ" نهيه عن الكلام والخصومات في الدين:
1- أخرج ابن بطة عن أبي بكر المروذي، قال: "سمعت أبا عبد الله يقول: من تعاطى علم الكلام لم يفلح، ومن تعاطى الكلام لم يخل أن يتجهم" 3.
2- وأورد ابن عبد البر في جامع بيان العلم عن أحمد، قال: "إنه لا يفلح صاحب الكلام أبدا ولا تكاد ترى أحدا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دَغَل" 4.
3- وأخرج الهروي، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: "كتب أبي إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان 5: لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتاب الله، أو في حديث"
1 مناقب الإمام أحمد ص163، ط/ دار الآفاق.
2 طبقات الحنابلة 1/54.
3 الإبانة 2/538.
4 جامع بيان العلم وفضله 2/95، ط/ دار الكتب العلمية.
5 هو أبو الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان التركي ثم البغدادي قال عنه الذهبي: "الوزير الكبير ... وزر للمتوكل والمعتمد..وحظي عند المتوكل وكان سمحا جوادا"، وقال ابن أبي يعلى: "نقل عن إمامنا أشياء منها: سمعت أحمد، يقول: أنزه نفسي عن مال السلطان وليس بحرام" مات سنة 263هـ؛ وسير أعلام النبلاء 13/9؛ وطبقات الحنابلة 1/204.
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود" 1.
4- وأخرج ابن الجوزين عن موسى بن عبد الله الطرسوسي، قال: "سمعت أحمد بن حنبل، يقول: لا تجالسوا أهل الكلام وإن "ذبُّوا" عن السنة" 2.
5- وأخرج ابن بطة، عن أبي الحارث الصَّايغ، قال: "من أحب الكلام لم يخرج من قلبه، ولا ترى صاحب كلام يفلح" 3.
6- وأخرج ابن بطة عن عبيد الله بن حنبل، قال "حدثني أبي، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: عليكم بالسنة والحديث، وينفعكم الله به، وإياكم والخوض والجدال والمراء، فإنه لا يفلح من أحب الكلام، وكل من أحدث كلاما لم يكن آخر أمره إلا إلى بدعة، لأن الكلام لا يدعو إلى خير، ولا أحب الكلام ولا الخوض ولا الجدال، وعليكم بالسنن والآثار والفقه الذي تنتفعون به، ودعوا الجدال وكلام أهل الزيغ والمراء، أدركنا الناس ولا يعرفون هذا، ويجانبون أهل الكلام، وعاقبة الكلام لا تؤول إلى خير. أعاذنا الله وإياكم من الفتن وسلمنا وإياكم من كل هلكة" 4.
7- أورد ابن بطة في الإبانة عن أحمد، قال: "إذا رأيت الرجل يحب الكلام فاحذره" 5.
1 ذم الكلام "ق-216-ب".
2 مناقب الإمام أحمد ص205.
3 الإبانة لابن بطة 2/539.
4 الإبانة لابن بطة 2/539.
5 الإبانة لابن بطة 2/540.
هذا اعتقاد الأئمة الأربعة ـ أبي حنيفة 1 ومالك والشافعي وأحمد ـ وهذا ما يدينون الله به، ما عدا مسألة الإيمان التي وقع فيها النزاع مع أبي حنيفة، وخالف السلف فيما ذهبوا إليه. وسيأتي تفصيله في مبحث الإيمان في الباب الثالث من هذه الرسالة إن شاء الله تعالى.
1 ستأتي أقوال مفصلة في مواضعها إن شاء الله تعالى وقد حرصت على تتبع أقواله في أصول الدين وتصنيفها وترتيبها وإتباعها بمذهب السلف ليتبين لكل مطلع ما قدمناه آنفا أن اعتقاد الأئمة الأربعة واحد في مسائل أصول الدين ما عدا مسألة الإيمان.
الباب الأول: في ترجمة الإمام أبي حنيفة وبيان منهجه في تقرير أصول الدين
وفيه فصلان:
الفصل الأول: ترجمة الإمام أبي حنيفة.
الفصل الثاني: منهجه في تقرير أصول الدين.
الفصل الأول: ترجمة الإمام أبي حنيفة
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: حياته الشخصية.
المبحث الثاني: حياته العلمية.
المبحث الثالث: دراسة موجزة لمؤلفاته في أصول الدين.
المبحث الأول: حياته الشخصية
1- اسمه ونسبه
"أ" اسمه: هو النعمان بن ثابت بن زوطي بضم الزاي وفتح الطاء الخزَّاز الكوفي 1.
1 انظر ترجمته في المعارف لابن قتيبة ص495؛ والفهرست لابن النديم ص255؛ والتاريخ الكبير للبخاري 8/81؛ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم 8/449؛ طبقات الفقهاء للشيرازي ص86؛ الطبقات االكبرى لابن سعد 6/368، 369؛ وتاريخ بغداد 13/323-454؛ وتذكرة الحفاظ 1/168؛ وسير أعلام النبلاء 6/390؛ والكامل في التاريخ 5/585؛ وفيات الأعيان 5/405-415؛ وميزان الاعتدال 4/265؛ والنجوم الزاهرة 2/12؛ وتهذيب التهذيب 10/449؛ والطبقات لخليفة بن خياط ص167؛ شذرات الذهب 1/277؛ طبقات الحفاظ للسيوطي ص73، وإسنادها صحيح ورجال السند ثقات.
ومن الكتب التي أفردت في ترجمة الإمام أبي حنيفة هي:
فضائل أبي حنيفة لعبد الله محمد السعدي المعروف بابن العوَّام، أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيمري، وقلائد عقود العقيان في مناقب الإمام أبي حنيفة لأبي القاسم بن عبد العليم الحنفي، مناقب الإمام أبي حنيفة للذهبي، مناقب =
أجمعت مصادر ترجمته على ذلك، ولم تختلف إلا ما رواه الصيمري عن إسماعيل بن حماد؛ حيث قال: "أنا إسماعيل بن النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان" 1. ونقلها عنه الخطيب في تاريخه2، والغزي في الطبقات السنية3.
"ب" نسبته:
نسبته إلى الخزاز 4 بفتح المعجمتين وتشديد الزاي. وإنما قيل ذلك؛ لأنه كان يبيع الخز، ويأكل منه طلبا للحلال 5. أما نسبته بالكوفي؛ فلأن موطنه الذي ولد وعاش فيه هو الكوفة. أما نسبته بالتيمي؛ فلأن جده زوطي مولى لبني تيم الله بن ثعلبة من بني ربيعة 6.
"ج" كنيته:
أبو حنيفة، أجمعت مصادر ترجمته على ذلك.
= أبي حنيفة للمكي، وعقود الجمان للصالحي والخيرات الحسان للهيتمي.
1 أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص2. وإسنادها موضوع.
2 تاريخ بغداد 13/326.
3 1/74، 75.
4 الخزُّ: هي ثياب منسوجة من صوف وإبرسيم أو المنسوجة من إبرسيم. تاج العروس 4/33 فمن يبيع الخز أو يصنعه يسمى خزازا وكان أبوحنيفة خزازا يبيع الخز. انظر تاريخ بغداد 13/324.
5 الأنساب للسمعاني 5/103 واللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير 1/439.
6 المجروحين 3/63.
2- مولده وموطنه
ولد الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى سنة ثمانين من الهجرة بالكوفة، في خلافة عبد الملك بن مروان، وقيل: إنه ولد سنة إحدى وستين 1. حكاه الخطيب في تاريخه، وقال: "لا أعلم لصاحب هذا القول متابعا" 2. وقال المكي في مناقب أبي حنيفة 3: "هذه الرواية تخالف ما تقدم، والصحيح هي الرواية الأولى تجميع عليها".
3- نشأته وصفاته
"أ" نشأته:
ولد الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى في الكوفة، وقضى سنوات عمره الأولى فيها، أما كيفية نشأته فإن كتب التراجم ضَنَّت علينا بالأخبار في هذا الصدد، ولم تذكر سوى أنه اشتغل في مبدأ أمره تاجرا في الخز، وله دكان معروف في دار عمر بن حريث 4، وأنه كان أمينا في تجارته ولا يغش، ولا يخدع أحدا، حتى أصبح عريفا على الحاكة بدار
1 إسناد هذه الرواية لا يصح، فيه عبد الله بن إبراهيم بن قتيبة لم أجد من ترجم له وداود بن علية ضعيف عابد كما في التقريب وقال ابن معين: ضعيف ولا يكتب حديثه. الكامل لابن عدي 3/984 ومزاحم بن داود: قال ابن أبي حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به. انظر تهذيب التهذيب 10/100.
2 تاريخ بغداد 13/330.
3 وإسناد الرواية الأولى صحيح، لأن مولده سنة 80هـ.
4 تاريخ بغداد 13/325.
الخَزَّازين 1، ثم توسعت تجاراته، ونمت وازدهرت حتى أصبح له معمل لحياكة الخز، وعنده صنّاع وأجراء 2.
"ب" صفاته:
أولا ـ صفاته الخِلقية:
كان الإمام أبو حنيفة، رحمه الله تعالى، فصيح اللسان، عذب المنطق، إن تكلم أحسن الناس منطقا، وأحلاهم نغمة، وأنبههم على ما يريد، وكان جميلا تعلوه سمرة، حسن الوجه والهيئة نظيف الملبس، طيب الرائحة، حتى إنه يعرف بريح الطيب إذا أقبل أو إذا خرج من منزله قبل أن يرى.
وصفه تلميذه أبو يوسف بقوله: "كان أبو حنيفة ربعا من الرجال، ليس بالقصير ولا بالطويل، وكان أحسن الناس منطقا وأحلاهم نغمة، وأنبههم على ما يريد" 3.
ووصفه عمر بن حماد بقوله: "إن أبا حنيفة كان طوالا، تعلوه سمرة، وكان لبسا، حسن الهيئة، كثير التعطر يعرف بريح الطيب إذا أقبل وإذا خرج من منزله قبل أن تراه" 4.
قال الهيثمي: "ولا تنافي بين كونه ربعة وبين كونه طوالا لأنه قد يكون مع كونه ربعة أقرب إلى الطول"
1 الكامل لابن عدي 7/.
2 العبر في تاريخ من غبر 1/214، تحقيق المنجد، الكويت.
3 تاريخ بغداد 13/1330، 331.
4 تاريخ بغداد 13/331.
ووصفه تلميذه عبد الله بن المبارك بقوله: "كان حسن السمت، حسن الوجه، حسن الثوب" 1.
وقال أبو نعيم الفضل بن دكين يصفه:"كان أبو حنيفة حسن الوجه، والثوب، والنعل، وكثير البر والمؤاساة لكل من أطاف به" 2.
وجملة القول في هذا المقام أن الإمام أبا حنيفة، كان حسن السمت والمظهر، نظيف الملبس، مع حسن العشرة والبر والمواساة لمجالسيه.
ثانيا ـ صفاته الخُلقية:
وأما صفاته الخُلُقية فكان رحمه الله ورعا، تقيا، شديد الذَّبِّ عن محارم الله أن تؤتى، زاهدا، عرضت عليه الدنيا والأموال العظيمة فنبذها وراء ظهره، ولقد ضُرب بالسياط وعذّب ليقبل تولِّي القضاء أو بيت المال فأبى. روى الصيمري عن الربيع بن عاصم قال: "أرسلني يزيد بن عمر بن هبيرة 3 فقدمت بأبي حنيفة عليه، فأراده على بيت المال فأبى، فضربه عشرين سوطا" 4.
كذلك عرض عليه ابن هبيرة ـ والي العراق ـ قضاء الكوفة فأبى وامتنع، فحلف ابن هبيرة إن هو لم يفعل ليضربه بالسياط على رأسه، فقيل لأبي حنيفة فقال: ضربة لي في الدنيا أسهل عليّ من مقامع الحديد في
1 أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيمري ص3.
2 أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيمري ص2.
3 هو يزيد بن عمر بن هبيرة أبو خالد الفزاري أمير وقائد من ولاة الدولة الأموية قال عنه الذهبي: "كان بطلا شجاعا سائسا جوادا فصيحا خطيبا" قتله السفاح سنة 132هـ.
سير أعلام النبلاء 6/207.
4 أخبار أبي حنيفة للصيمري ص57.
الآخرة، والله لا أفعلنّ ولو قتلني، فحكي قوله لابن هبيرة فقال: بلغ قدره أن يعارض يميني بيمينه، فدعاه فحلف إن لم يل القضاء ليضربن على رأسه حتى يموت، فقال له أبو حنيفة: هي موتة واحدة، فأمر به فضرب عشرين سوطا على رأسه، فقال أبو حنيفة: اذكر مقامك بين يدي الله، فإنه أذل من مقامي بين يديك، ولا تهددني فإني أقول: لا إله إلا الله، والله سائلك عني حيث لا يقبل منك جوابا إلا بالحق، فأومأ إلى الجلاد أن أمسك وبات أبو حنيفة في السجن، فأصبح وقد انتفخ وجهه ورأسه من الضرب، فقال ابن هبيرة: إني قد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول لي: أما تخاف الله تضرب رجلا من أمتي بلا جرم وتهدِّده، فأرسل إليه فأخرجه واستحلّه 1.
وكذلك عرض 2 عليه الخليفة العباسي المنصور القضاء، فأبى، فسجنه، ومات محبوسا في السجن، رحمه الله.
ولعل رفضه لهذا المنصب يعود إلى جملة أسباب منها: خوفه من الله تعالى؛ حيث خشي أن يجور في حكم من الأحكام التي تعرض عليه، فلذلك آثر الضرب بالسياط في الدنيا على مقامع الحديد في الآخرة.
أضف إلى ذلك أن القضاة تعرض عليهم منازعات يتصل بعضها بأمراء ذلك العصر وحكّامه، والإمام لا يمالئ أميرا أو يجامل وزيرا، أو يحابي كبيرا، في محارم الله أن تؤتى. وكان مع زهده وورعه كثير العبادة، حتى قيل إنه سمي الوتد 3 لكثرة صلاته وتهجّده وطول قيامه.
1 كتاب أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص58 بتصرف.
2 المنتظم "ق-238-ب" مخطوطة في مكتبة أيا صوفيا بتركيا.
3 تاريخ بغداد 13/354.
وكان كريما، جوادا، سخيا بماله، ينفق على العلماء مثلما كان ينفق على عياله، وإذا اكتسى ثوبا فعل مثل ذلك، وإذا جاءته الفاكهة والرطب، وكل شيء يريد أن يشتريه لنفسه ولعياله، لا يفعل ذلك حتى يشتري للعلماء مثله، ثم يشتري بعد ذلك لعياله.
وكان إذا اشترى للصدقة أو لبرِّ إخوانه شيئا اشترى ما يقدر عليه، وكان يتساهل فيما يشتريه لنفسه ولعياله 1. هذا فعله مع العلماء، أما من يعلمه، فهو يبرّهم ويواسي فقيرهم بماله، وينفق عليه ويزوج من احتاج إليه، حتى إنه كان يعول أبا يوسف وعياله عشر سنين 2.
قال شريك: "كان أبو حنيفة يصبر على من يعلمه، وإن كان فقيرا أغناه، وأجزل عليه وعلى عياله، حتى يتعلم، فإذ تعلم قال له: قد وصلت إلى الغنى الأكبر بمعرفة الحلال والحرام" 3.
وقال الفضيل بن عياض: "كان أبو حنيفة معروفا بكثرة الأفعال، وقلة الكلام وإكرام العلم وأهله"4.
وجملة القول في هذا المقام أن الإمام أبا حنيفة، رحمه الله تعالى؛ قد جمع الكثير من الخصال، والصفات الحميدة، والأخلاق والشمائل الكريمة، فقد ألِّفت في مناقبه مصنفات وأجزاء.
أختتم هذا المبحث بقول أبي يوسف يصف خصال الإمام الحسنة، حينما سأله عنها الخليفة العباسي هارون الرشيد فقال: "يا أبا يوسف صف
1 أخبار أبي حنيفة ص49 بتصرف.
2 أخبار أبي حنيفة ص48.
3 أخبار أبي حنيفة ص48.
4 أخبار أبي حنيفة ص50.
لي أخلاق أبي حنيفة رضي الله عنه، فقال: إن الله تعالى يقول: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} "سورة ق: الآية18".
وهو عند لسان كل قائل، كان علمي بأبي حنيفة أنه كان شديد الذب عن محارم الله أن تؤتى، شديد الورع أن ينطق في دين الله بما لا يعلم، يحب أن يطاع الله ولا يعصى، مجانبا لأهل الدنيا في زمانهم، لا ينافس في عزها، طويل الصمت، دائم الفكر، على علم واسع، لم يكن مهذارا، ولا ثرثارا، إن سئل عن مسألة كان عنده فيها علم، نطق وأجاب فيها بما سمع، وإن كان غير ذلك قاس على الحق واتبعه، صائنا نفسه ودينه، بذولا للعلم والمال، مستغنيا بنفسه عن جميع الناس، لا يميل إلى طمع، بعيدا عن الغيبة، لا يذكر أحدا إلا بخير، فقال له الرشيد: هذه أخلاق الصالحين، ثم قال للكاتب: اكتب هذه الصفة وادفعها إلى ابني ينظر فيها ... " 1
4- وفاته
توفي رحمه الله ليلة النصف من شعبان سنة خمسين ومائة من الهجرة، ودفن في مقابر الخيزران ببغددا، ولما مات كان عمره سبعين عاما 2.
قال الذهبي في وصف قبر أبي حنيفة: "وعليه قبة 3 عظيمة،
1 أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص31، 32.
2 الانتقاء ص171.
3 أحدثت هذه القبة في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة قال ابن الجوزي في المنتظم: "قرأت بخط أبي الوفاء ابن عقيل، كان قبر أبي حنيفة عليه=
ومشهد فاخر ببغداد" 1.
قلت: لا يزال قبر أبي حنيفة مبنيا عليه بناء تعلوه قبة مفروشة بالقاشي الأزرق، وإلى جنبه جامع تقام فيه الجمعة والجماعة، وله صحن يجتمع فيه الناس في الأعياد والمواسم الدينية كما هو ظاهر في الصورة ـ الفوتغرافية 2 كما في كتاب مراقد المعارف ـ وهذه مخالفة صريحة لعقيدة الإمام أبي حنيفة رحمه الله من المدعين تعظيمه؛ فقد كره أن يبنى على القبر، وأن يعلَّم بعلامة 3 متّبعا في ذلك النص الشرعي؛ فقد روى
= التركمان سقفا ثم قدِم شرف الملك في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة فأحدث هذه القبة وكان قد وضع أساس مسجد بين يدي ضريح أبي حنيفة، فهدم شرف الملك أبنية ذلك، وما يحيط بالقبر وحفروا أساسات، وكانوا يطلبون الأرض الصلبة فأخرجوا أربعمائة صن ** من عظام الموتى قال ابن عقيل فقلت وما يدريكم لعله خرجت عظامه في هذه العظام وبقية القبة فارغة".
المنتظم "ق-238-أ" مخطوط في مكتبة أحمد الثالث بتركيا.
1 سير أعلام النبلاء 6/403.
2 مراقد المعارف لمحمد حرز الدين 1/96، ط/ الأولى، النجف.
3 انظر بدائع الصنائع 1/320، وتحفة الفقهاء 2/256، والمتانة ص301، وفتح الملهم 2/121، ومعارف السنن 3/305، 307، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص405؛ ط/ دار إحياء التراث العربي.
........................
* خربشت لم أعرف معناها ولعلها "خشت" والخشت بالفارسية هو اللبن الذي يصنع من الطين.
انظر قاموس الفارسية لعبد المنعم محمد حسنين ط. دار الكتاب العربي، ص318.
** صَنَّ: لم أعرف معناها ولعلها" صن" بفتح الصاد المهملة، شبه السلة المطبقة يجعل فيها الطعام أو الخبز. انظر القاموس ص1563، وتاج العروس 9/261 فعلى هذا يكون المعنى: أربعمائة كيس من عظام الموتى". والله أعلم."
مسلم عن جابر بن عبد الله قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصَّص القبر، وأن يُقعد عليه، وأن يبنى عليه" 1.
1 أخرجه مسلم في كتاب الجنائز من صحيحه باب النهي عن تجصيص القبر 2/667 ح970، وأبو داود كتاب الجنائز باب في البناء على القبر 3/552 ح3225.
والترمذي: كتاب الجنائز باب ما جاء في كراهية تجصيص القبور والكتابة عليها 3/359 ح1052، وابن ماجه: كتاب الجنائز باب ما جاء في النهي عن البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها 1/498 ح1562.
المبحث الثاني: حياته العلمية
1- نشأته العلمية:
أدرك 1 الإمام أبو حنيفة في صغره بعض الصحابة كأنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى. لكن لم يجد في حال ترعرعه من يرشده إلى الأخذ 2 عنهم، فاشتغل بالتجارة في ثياب الخز وتوسع في ذلك، حتى كان له دار كبيرة لعمل الخز، وعنده صناع وأُجراء ومكث على هذه الحال
1 حكى القاري عن السيوطي أنه قال: قال الحافظ ابن حجر: "أدرك الإمام أبو حنيفة جماعة من الصحابة، لأنه ولد بالكوفة سنة ثمانين من الهجرة وبها يومئذ من الصحابة عبد الله بن أبي أوفى فإنه مات بعد ذلك بالاتفاق، وبالبصرة يومئذ أنس بن مالك ومات سنة تسعين أو بعدها" شرح مسند أبي حنيفة للقاري ص581، وقال أبو إسحاق الشيرازي "كان في زمانه أربعة من الصحابة: أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى، وسهل بن سعد، وأبو الطفيل ولم يأخذ عن أحد منهم" الطبقات السنية 1/96.
2 قال السخاوي: "والثنائيات في الموطأ والوحدان في حديث الإمام أبي حنيفة لكن بسند غير مقبول إذ المعتمد أنه لا رواية له عن أحد من الصحابة"، فتح المغيث 3/11، وقد ادّعى القاري رواية أبي حنيفة عن الصحابة وأن مسنداته عن الصحابة قد بلغت خمسين حديثا.
انظر شرح مسند أبي حنيفة ص582.
إلى أن قيض الله له الإمام الشعبي؛ فحثّه على الاشتغال بالعلم، كما حكى ذلك الإمام أبو حنيفة حيث قال:
"مررت يوما على الشعبي وهو جالس فدعاني وقال: إلى من تختلف؟ فقلت: أختلف إلى السوق، وسميت له أستاذي فقال: لم أعن الاختلاف إلى السوق، عنيت الاختلاف إلى العلماء فقلت له: أنا قليل الاختلاف إليهم فقال لي: لا تفعل وعليك بالنظر في العلم ومجالسة العلماء؛ فإني أرى فيك يقظة وحركة قال: فوقع في قلبي من قوله فتركت الاختلاف إلى السوق، وأخذت في العلم فنفعني الله بقوله" 1.
ويظهر أنه استمر في تجاراته بعد أن أخذ في طلب العلم وأقبل عليه، فهذا قيس بن الربيع 2 يحدث كما روى الخطيب في تاريخه 3: "أنه كان يبعثه بالبضائع إلى بغداد، فيشتري بها الأمتعة، ويحملها إلى الكوفة ويجمع الأرباح عنده من سنة إلى سنة فيشتري بها حوائج الأشياخ المحدثين وأقواتهم وكسواتهم وجميع حوائجهم، ثم يدفع باقي الأرباح من الدنانير إليهم ويقول: أنفقوا في حوائجكم ولا تحمدوا إلا الله فإني ما أعطيتكم من مالي شيئا، لكن من فضل الله عليّ فيكم، وهذه أرباح بضائعكم، فإنه هو والله مما يجريه الله على يدي مما في رزق الله حولٌ لغيره".
1 مناقب أبي حنيفة للمكي ص54.
2 هو قيس بن الربيع الأسدي أبو محمد الكوفي قال عنه ابن حجر: "صدوق تغير لما كبر، أدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به من السابعة مات سنة بضع وستين ومائة"، تقريب التهذيب 2/128. وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب 8/391-395.
3 13/360.
أما ما قيل عن أبي حنيفة إنه لما أراد طلب العلم أخذ يتخير بين العلوم ويوازن بينها؛ فهذه حكاية موضوعة لا تصح، كما ذكر ذلك الذهبي في السير 1.
والقصة رواها الخطيب عن أبي يوسف قال: "لما أردت طلب العلم؛ جعلت أتخير العلوم، وأسأل عن عواقبها؛ فقيل لي: تعلم القرآن، فقلت: إذا تعلمت القرآن وحفظته؛ فما يكون آخره؟ قالوا: تجلس في المسجد، ويقرأ عليك الصبيان والأحداث، ثم لا تلبث أن يخرج فيهم من هو أحفظ منك ـ أو يساويك ـ في الحفظ؛ فتذهب رياستك. قلت: فإن سمعت الحديث وكتبته حتى لم يكن في الدنيا أحفظ مني؟ قالوا: إذا كبرت وضعفت حدثت، واجتمع عليك الأحداث والصبيان، ثم لا تأمن أن تغلط فيرموك بالكذب، فيصير عارا عليك في عقبك، فقلت: لا حاجة لي في هذا. ثم قلت: أتعلم النحو. فقلت: إذا حفظت النحو والعربية، ما يكون آخر أمري؟ قالوا: تقعد معلما فأكثر رزقك ديناران إلى ثلاثة، قلت: وهذا لا عاقبة له، قلت: فإن نظرت في الشعر فلم يكن أحد أشعر مني، ما يكون من أمري؟ قالوا: تمدح هذا فيهب لك، أو يحملك على دابة، أو يخلع عليك خلعة، وإن حرمك هجوته، فصرت تقذف المحصنات. قلت: لا حاجة لي في هذا. قلت: فإن نظرت في الكلام ما يكون آخر أمري؟ قالوا: لا يسلم من نظر في الكلام من مشنَّعات الكلام فيرمى بالزندقة، فإما أن تؤخذ فتقتل، وإما أن تسلم؛ فتكون مذموما ملوما.
قلت: فإن تعلمت الفقه؟ قالوا: تسأل وتفتي الناس وتطلب للقضاء
1 6/396.
وإن كنت شاباً، قلت: ليس في العلوم شيء أنفع من هذا. فلزمت الفقه وتعلمته" 1.
هذه الحكاية تصور الإمام طالب رئاسة أو دنيا، وهذا يتنافى مع ورعه وزهده وانصرافه عنها، والصحيح في نظري أنه اتّجه أول ما اتّجه إلى تعلُّم النحو، كما روى ذلك الخطيب البغدادي في تاريخه 2 ثم تحول إلى علم الكلام وأخذ منه نصيبا وافرا، حتى بلغ فيه مبلغا يشار إليه بالبنان، ثم انتقل بعد ذلك إلى علم الفقه، وانصرف إليه بكليته، واتصل بحماد بن أبي سليمان يأخذ عنه، ولازمه ثماني عشرة سنة 3. ولعله كان مع ملازمته لشيخه حماد يأخذ من مشايخ وقته ما امتازوا به، فأخذ علم التفسير عن عكرمة مولى ابن عباس، ومحمد بن المنكدر وسمع الحديث من هشام بن عروة، ومحارب بن دثار السدوسي الكوفي.
2- شيوخه
أدرك الإمام بعض الصحابة4 في صغره، لكنه لم يجد في حال
1 تاريخ بغداد 13/331، 332، ورواها الذهبي من طريق الخطيب في سير أعلام النبلاء 6/395-397، بلفظ متقارب، ورواها الصيمري عن أبي يوسف مختصرة. انظر أبا حنيفة ص5.
2 13/332.
3 تاريخ بغداد 13/333.
4 كأنس بن مالك. تاريخ بغداد 13/324، وقد ادعى بعض كتاب المناقب أنه رأى عدة من الصحابة وسمع منهم. انظر أخبار أبي حنيفة ص4، 5؛ ومناقب أبي حنيفة للمكي ص27-37، ومناقب أبي حنيفة للكردي ص8/25، وشرح مسند أبي حنيفة للقاري ث582.
نشأته من يرشده لطلب العلم، والأخذ عمن كان يمكنه السماع 1 ممن أدرك منهم؛ فاشتغل بالبيع والشراء إلى 2 أن قيض الله تعالى له الإمام الشعبي فنبَّهه وحثَّه على الاشتغال بالعلم فأخذ من مشايخ وقته ما امتازوا به من العلوم.
ولقد ذكر المزي في تهذيب الكمال 3 طائفة من شيوخ أبي حنيفة بلغ عددهم من ذكرهم خمسين شيخا هم كالآتي: " محمد بن المنكدر، وإسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصغيرات، وجبلة بن سحيم، وأبو هند الحارث بن عبد الرحمن الهمداني، والحسين بن عبيد الله، والحكم بن عتيبة، وحماد بن أبي سليمان، وخالد بن علقمة، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وزبيد اليامي، وزياد بن علاقة، وسعيد بن مسروق الثوري، وسلمة بن كهيل، وسماك بن حرب، وأبو ربوة شداد بن عبد الرحمن، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي وهو من أقرانه، وطاووس بن كيسان فيما قيل، وظريف السعدي، وأبو سفيان طلحة بن نافع، وعاصم بن كليب، وعامر الشعبي، وعبد الله بن أبي حبيبة، وعبد الله بن دينار، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وعبد العزيز بن رفيع، وعبد الكريم بن أبي أمية البصري، وعبد الملك بن عمير، وعدي بن ثابت الأنصاري، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن السائب، وعطية بن سعيد العوفي، وعكرمة مولى ابن عباس، وعلقمة بن مرثد، وعلي بن الأقمر،
1 زعم بعض من كتب في مناقب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى ـ كالمكي والكردي ـ أن أبا حنيفة سمع من بعض الصحابة وجمع بعضهم جزءا فيما ورد في رواية أبي حنيفة عن بعض الصحابة لكن ذكر ابن حجر أن إسنادها لا يخلو من ضعف كما في عقود الجمان ص50.
2 عقود الجمان ص160.
3 3/1415، ط/ دار المأمون نسخة مصورة عن أصل خطي.
وعلي بن الحسن الزناد، وعمرو بن دينار، وعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وقابوس بن أبي ظبيان، والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وقتادة بن دعامة، وقيس أبو مسلم، ومحارب بن دثار، ومحمد بن الزبير الحنظلي، ومحمد بن السائب الكلبي، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن قيس الهمداني، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ومحمد بن المنكدر، ومخول بن راشد، ومسلم البطين الملائي، ومعن بن عبد الرحمن، ومقسم، ومنصور بن المعتمر، وموسى بن أبي عائشة، وناصح بن عبد الله المحلي، ونافع مولى بن عمر، وهشام بن عروة، وأبو غسان الهيثم بن حبيب الصراف، والوليد بن سريع المخزومي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن عبد الله الكندي، ويحيى بن عبد الله الجابر، ويزيد بن صهيب الفقير، ويزيد بن عبد الرحمن الكوفي، ويونس بن عبد الله بن أبي فروة أبو إسحاق السبيعي، وأبو بكر بن عبد الله بن أبي الجهم، وأبو خباب الكلبي، وأبو حصين الأسدي، أبو الزبير المكي، أبو السوار ويقال أبو الأسود السلمي، أبو عون الثقفي، أبو فروة الجهني، أبو معبد مولى بن عباس، أبو يعفور العبدي".
فهؤلاء طائفة من شيوخ أبي حنيفة، ولم أستقص جميعهم، ولو شرعت في ذلك لطال بنا البحث، ثم إني أقتصر على ترجمة مجموعة من أشهر شيوخه الذين أخذ عنهم وهم كما يلي:
التعريف بأشهر شيوخه
1- حماد بن أبي سليمان: هو حماد بن أبي سليمان مسلم الأشعري، مولاهم أبو إسماعيل الكوفي الفقيه.
قال عنه الذهبي: "العلامة الإمام فقيه العراق ... أصله من أصبهان، روى عن أنس بن مالك، وتفقّه بإبراهيم النخعي، وهو أنبل أصحابه وأفقههم وأقيسهم وأصبرهم بالمناظرة والرأي ... وكان أحد العلماء الأذكياء، والكرام الأسخياء له ثروة وحشمة وتجمل" إلى أن قال: "فأفقه أهل الكوفة علي وابن مسعود، وأفقه أصحابهما علقمة، وأفقه أصحابه إبراهيم، وأفقه أصحاب إبراهيم حماد، وأفقه أصحاب حماد أبو حنيفة، وأفقه أصحابه أبو يوسف، وانتشر أصحاب أبي يوسف في الآفاق، وأفقههم محمد، وأفقه أصحاب محمد، أبو عبد الله الشافعي، رحمهم الله تعالى" 1. وقال ابن سعد: "قالوا وكان حماد ضعيفا في الحديث، فاختلط في آخر أمره، وكان مرجئا، وكان كثير الحديث" 2.
وقال عنه النسائي: "ثقة إلا أنه مرجئ" 3.
وقال ابن حبان: "وكان مرجئا، وكان لا يقول بخلق القرآن، وينكر على من يقوله" 4.
وقال معمر لحماد: "كنت رأسا، وكنت إماما في أصحابك، فخالفتهم فصرت تابعا، قال: إني إن أكن تابعا في الحق، خير من أن أكون رأسا في الباطل. قال الذهبي على أثره: يشير معمر إلى أنه مرجئا إرجاء الفقهاء، وهو أنهم لا يعدون الصلاة والزكاة من الإيمان، ويقولون: الإيمان إقرار باللسان، ويقين في القلب، والنزاع على هذا لفظي إن
1 سير أعلام النبلاء 5/231-236.
2 الطبقات 6/333.
3 تهذيب الكمال 7/277؛ تهذيب التهذيب 3/17.
4 الثقات 4/160؛ تهذيب التهذيب 3/17.
شاء الله، وإنما غلو الإرجاء من قال: لا يضر مع التوحيد ترك الفرائض نسأل الله العافية" 1.
قال خليفة بن خياط: "مات حماد سنة عشرين ومائة" 2.
2- زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي العلوي المدني:
قال عنه الذهبي: "كان ذا علم وجلالة وصلاح، هفا وخرج فاستشهد ... خرج متأولا وقتل شهيدا وليته لم يخرج" 3.
وقال عيسى بن يونس: "جاءت الرافضة زيدا، فقالوا: تبرأ من أبي بكر وعمر حتى ننصرك قال: بل أتولاهما. قالوا: إذا نرفضك فمن ثم قيل لفظة الرافضة. وأما الزيدية فقالوا بقوله وحاربوا معه" 4.
وقال عنه ابن حجر: "ثقة من الرابعة وهو الذي ينسب إليه الزيدية. خرج في خلافة هشام بن عبد الملك، فقتل بالكوفة سنة اثنتين وعشرين ومائة، وكان مولده سنة ثمانين" 5.
3- عطاء بن أبي رباح:
هو عطاء بن أبي رباح، بفتح الراء، واسم أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكي مفتي أهل مكة ومحدثهم، قال عنه الذهبي: "الإمام شيخ
1 سير أعلام النبلاء 5/233
2 كتاب الطبقات لخليفة بن خياط ص162. وانظر ترجمته في طبقات ابن سعد 6/332؛ والتاريخ الكبير 3/18؛ وتهذيب الكمال 7/269-279.
3 سير أعلام النبلاء 5/389-391.
4 سير أعلام النبلاء 5/390.
5 تقريب التهذيب 1/276.
الإسلام، مفتي الحرم، أبو محمد القرشي مولاهم المكي: يقال ولاؤه لبني جمح" 1.
وقال عنه ابن حجر: "ثقه فقيه، فاضل، لكنه كثير الإرسال من الثالثة مات سنة أربع عشرة ومائة على المشهور" 2.
4 - عبد الملك بن أبي المخارق: بضم الميم وبخاء معجمة، أبو أمية المعلم المصري، واسم أبيه قيس، وقيل طارق نزيل مكة.
قال معمر: "سألني حماد ـ يعني بن أبي سليمان، عن فقهائنا، فذكرتهم فقال: قد تركت أفقههم، يعني عبد الكريم أبا أمية. قال أحمد بن حنبل: "كان يوافقه على الإرجاء" 3.
قال عنه ابن حجر: "ضعيف له في البخاري زيادة، في أول قيام الليل من طريق سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاووس، عن ابن عباس في الذكر عند القيام ... وله ذكر في مقدمة مسلم، وما روى له النسائي إلا قليلا من الثالثة مات سنة ست وعشرين ومائة" 4.
5- عدي بن ثابت الأنصاري الكوفي:
قال عنه ابن معين: "شيعي مفرط" 5.
وقال الدارقطني: "ثقة إلا أنه كان مغاليا يعني في التشيع" 6.
1 سير أعلام النبلاء 5/79.
2 تقريب التهذيب 2/22. وانظر ترجمته في طبقات ابن سعد 5/467؛ والتاريخ الكبير 6/463؛ والمعرفة والتاريخ 1/701.
3 تهذيب التهذيب 6/376.
4 تقريب التهذيب 1/516.
5 تهذيب التهذيب 7/166؛ ميزان الاعتدال 3/62.
6 تهذيب التهذيب 7/166.
وقال أحمد: "ثقة إلا أنه كان يتشيع" 1.
قال الذهبي: "عالم الشيعة وقاصُّهم وإمام مسجدهم، ولو كانت الشيعة مثله لقلّ شرهم" 2. قال ابن حجر: "ثقة رمي بالتشيع، مات سنة ست عشرة ومائة" 3.
6- قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز السدوسي البصري الضرير الأكمه:
قال عنه الذهبي: "حافظ العصر، قدوة المفسرين والمحدثين ... وهو حجة بالإجماع إذا بيّن السماع، لكنه مدلس معروف بذلك، وكان يرى القدر، نسأل الله العفو، مع هذا فما توقّف أحد في صدقه وعدالته وحفظه، ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكم عدل لطيف بعباده، ولا يسأل عما يفعل. ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحرّيه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه وعرف صلاحه وورعه واتباعه يغفر له زلَلُه ولا نضلله ولا نطَّرحه، وننسى محاسنه. نعم لا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك" 4.
وقال علي بن المديني: "قلت ليحيى بن سعيد: إن عبد الرحمن يقول: اترك كل من كان رأسا في بدعة يدعو إليها قال: كيف تصنع بقتادة
1 تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين ص177، تحقيق صبحي السامرائي، الدار السلفية.
2 ميزان الاعتدال 3/61.
3 تقريب التهذيب 2/16. وانظر ترجمته في تهذيب الكمال 2/923، ط/ المصورة عن المخطوط، خلاصة تذهيب تهذيب الكمال 2/223.
4 سير أعلام النبلاء 5/271.
وابن أبي روّاد وعمر بن ذر، وذكر قوما ثم قال يحيى: إن تركت هذا الضرب تركت كثيرا" 1.
وقال عنه ابن حجر: "ثقة ثبت يقال: وُلد أكمه 2، وهو رأس الطبقة الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومائة" 3.
7- قيس بن مسلم الجدلي الكوفي أبو عمرو:
قال عنه أبو داود: "كان مرجئا" 4.
وقال عنه النسائي: "ثقة وكان يرى الإرجاء" 5.
وقال عنه الذهبي: "الإمام المحدث" 6.
وقال ابن حبان: "مات سنة عشرين ومائة" 7.
8- محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو جعفر الباقر:
قال عنه الذهبي: "الإمام الثبت الهاشمي العلوي المدني أحد الأعلام ... وكان سيد بني هاشم في زمانه اشتهر بالباقر من قولهم بقر العلم، يعني شقّه فعلم أصله وخفيّه" 8.
1 تهذيب التهذيب 8/353.
2 هو الذي يولد أعمى. انظر مختار الصحاح ص579.
3 تقريب التهذيب 2/123. وانظر ترجمته في طبقات ابن سعد 7/229؛ والتاريخ الكبير 7/185؛ والجرح والتعديل 7/133.
4 سير أعلام النبلاء 5/164.
5 تهذيب التهذيب 8/404.
6 سير أعلام النبلاء 5/164.
7 الثقات 7/326. وانظر ترجمته في طبقات ابن سعد 6/317؛ والتاريخ الكبير 5/145؛ والجرح والتعديل 7/103.
8 تذكرة الحفاظ 1/124، 125.
وقال سالم بن أبي حفصة: "سألت أبا جعفر وابنه جعفر بن محمد عن أبي بكر وعمر فقالا لي: يا سالم تولهما ابرأ من عدوهما؛ فإنهما كانا إمامي هدى. وعنه قال: ما أدركت من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما" 1.
وقال عنه ابن حجر: "ثقة مات سنة بضع عشرة ومائة" 2.
9- محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير القرشي التيمي المدني:
قال عنه الذهبي: "الإمام الحافظ القدوة شيخ الإسلام" 3.
وقال عنه أبو حاتم البستي: "كان من سادات القراء" 4.
وقال مالك: "كان ابن المنكدر سيد القراء" 5.
وقال عنه ابن حجر: "ثقة فاضل من الثالثة مات سنة ثلاثين ومائة أو بعدها" 6.
10- نافع أبو عبد الله القرشي ثم العدوي العمري مولى ابن عمر وراويتُه:
قال عنه الذهبي: الإمام المفتي الثبت عالم المدينة" 7.
1 تهذيب التهذيب 9/350، 351.
2 تقريب التهذيب 2/191. وانظر ترجمته في تذكرة الحفاظ 1/124؛ وحلية الأولياء 3/180؛ وطبقات ابن سعد 5/235.
3 سير أعلام النبلاء 5/353.
4 سير أعلام النبلاء 5/354.
5 سير أعلام النبلاء 2/210.
6 تقريب التهذيب 2/210. وانظر ترجمته في التاريخ الكبير 1/219؛ وحلية الأولياء 3/146؛ والجرح والتعديل 8/97.
7 سير أعلام النبلاء 5/95.
قال عنه ابن حجر: "ثقة ثبت فقيه مشهور من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك" 1.
3- تلاميذه
أخذ العلم عن الإمام أبي حنيفة كثيرون، من محدثين وفقهاء. ولقد ذكر المزي في تهذيب الكمال 2، طائفة ممن أخذوا العلم عن أبي حنيفة بلغ عدد من ذكرهم سبعين تلميذا وهم كالآتي:
"إبراهيم بن طهمان، والأبيض بن الأغر بن الصباح، وأسباط بن محمد القرشي، وإسحاق بن يوسف الأزرق، وأسد بن عمرو القاضي، وإسماعيل بن يحيى الصيرفي، وأيوب بن هاني الجعفي، والجارود بن يزيد النيسابوري، وجعفر بن عون، والحارث بن نبهان، وحبان بن علي العنزي، والحسن بن زياد اللؤلؤي، والحسن بن فرات القزاز، والحسين بن الحسن بن عطية العوفي، وحفص بن عبد الرحمن البلخي القاضي، وحكام بن سالم الرازي، وأبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، وابنه حماد بن أبي حنيفة، وحمزة بن حبيب الزيات، وخارجة بن مصعب السرجني، وداود بن نصير الطائي، وأبو الهذيل زفر بن الهذيل التميمي، وزيد بن الحباب العكلي، وسابق الرقي، وسعد بن الصلت قاضي شيراز، وسعيد بن أبي الجهم القابوسي، وسعيد بن سلام بن أبي الهيفا العطار البصري، وسلم بن سالم البلخي، وسليمان بن عمرو النخيعي، وسهل بن
1 تقريب التهذيب 2/296. وانظر ترجمته في: التاريخ الكبير 8/84؛ والمعرفة والتاريخ 1/645؛ والجرح والتعديل 8/451.
2 3/1415، ط/ دار المأمون، نسخة مصورة عن أصل خطي.
مزاحم، وشعيب بن إسحاق الدمشقي، والصباح بن محارب، والصلت بن الحجاج الكوفي، وأبو عاصم الضحاك بن مخلد، وعامر بن فرات النسوي، وعايد بن حبيب، وعباد بن العوام، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقري، وأبو يحيى عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني، وعبد الرزاق بن همام، وعبد العزيز الترمذي، وعبد الكريم بن محمد الجرجاني، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، وعبد الوارث بن سعيد، وعبيد الله بن الزبير القرشي، وعبيد الله بن عمرو الرقي، وعبيد الله بن موسى، وعتاب بن محمد بن شوذب، وعلي بن ظبيان الكوفي القاضي، وعلي بن عاصم الواسطي، وعلي بن مسهر، وعمرو بن محمد العنقزي، وعمرو بن الهيثم القطيعي، وأبو نعيم الفضل بن دكين، والفضل بن موسى الشيباني، والقاسم بن الحكم العرني، والقاسم بن معن المسعودي، وقيس بن الربيع، ومحمد بن أبان العمبري الكوفي، ومحمد بن بشر العبدي، ومحمد بن الحسن بن أنس الصنعاني، ومحمد بن الحسن الشيباني، ومحمد بن خالد الوهبي، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، ومحمد بن فضل بن عطية، ومحمد بن القاسم الأسدي، ومحمد بن مسروق الكوفي، ومحمد بن يزيد الواسطي، ومروان بن سالم، ومصعب بن المقدام، ومعافر بن عمران الموصلي، ومكي بن إبراهيم البلخي، وأبو سهل نصر بن عبد الكريم البلخي، ونصر بن عبد الملك العتكي، وأبو غالب النصر بن عبد الله الأزدي، والنصر بن محمد المروذي، والنعمان بن عبد السلام الأصبهاني، ونوح بن دراج القاضي، وأبو عصمة نوح بن أبي مريم، وهشيم بن بشير، وهوذة بن خليفة، والهياج بن بساط البرجمي، ووكيع بن الجراح، ويحيى بن أيوب المصري، ويحيى بن نصر بن حاجب، ويحيى بن يمان، ويزيد بن
زريع وبزيد بن هارون، ويونس بن بكير الشيباني، وأبو إسحاق الفزاري، وأبو حمزة السكري، وأبو سعد الصاغاني، وأبو شهاب الحناط، وأبو مقاتل السمرقندي، والقاضي أبو يوسف".
فهؤلاء طائفة ممن أخذوا عن أبي حنيفة، وإن كانوا أكثر من ذلك لانقطاعه للتعليم فترة طويلة قاربت ربع قرن أو أكثر.
وسأقتصر على ترجمة مجموعة من أشهر تلاميذه الذين أخذوا عنه وهم كما يأتي:
التعريف بأشهر تلامذته
1- جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي:
قال عنه النسائي وأبو حاتم والعجلي: "ثقة".
وقال عنه أحمد: "لم يكن بالذكي، اختلط عليه حديث أشعث وعاصم الأحول".
وقال عنه ابن حجر: "الكوفي نزيل الري وقاضيها ثقة صحيح الكتاب، قيل كان في آخر عمره يتهم في حفظه، مات سنة ثمان ثمانين ومائة، وله إحدى وسبعون سنة" 1.
2- الحسن بن زياد اللؤلؤي مولى الأنصار:
قال عنه الخطيب: "أحد أصحاب أبي حنيفة الفقيه، حدث عن أبي حنيفة، روى عنه محمد بن سماعة القاضي، ومحمد بن شجاع الثلجي، وشعيب بن أيوب الصريفيني، وهو كوفي نزل بغداد".
1 انظر ترجمته في تقريب التهذيب 1/127؛ وتهذيب التهذيب 2/75؛ والجواهر المضية في طبقات الحنفية 2/10.
وقال عنه الذهبي: "العلامة فقيه العراق ... كان أحد الأذكياء البارعين في الرأي، ولي القضاء بعد حفص بن غياث ثم عزل نفسه".
قال فيه يحيى بن معين والنسائي: كذاب خبيث، وكذبه أيضا أبو داود، وأبو ثور، ويعقوب والدارقطني وغيرهم.
وقال عنه ابن المديني: "لا يكتب حديثه".
وقال أبو حاتم، وأبو داود والنسائي، وغيرهم: "ليس بثقة ولا مأمون".
وقال الدارقطني: كذاب كوفي متروك الحديث.
مات سنة أربع ومائتين 1.
3- حفص بن غياث بن طلق بن معاوية أبو عمر الكوفي القاضي:
قال عنه الذهبي: "الإمام الحافظ أبو عمر النخعي الكوفي قاضي بغداد ثم قاضي الكوفة".
وقال عنه ابن حجر: "القاضي ثقة فقيه تغير حفظه قليلا في الآخر، من الثامنة، مات سنة أربع أو خمس وتسعين ومائة، وقد قارب الثمانين" 2.
1 انظر ترجمته في تاريخ ابن معين 1/114، 3/36؛ ومجموعة رسائل للنسائي ص71؛ وكتاب الضعفاء له ص89،؛ والضعفاء للعقيلي 1/227-228؛ والجرح والتعديل 3/15؛ وتاريخ بغداد 7/314-317؛ والكامل لابن عدي 2/731؛ وسير أعلام النبلاء 9/543؛ وميزان الاعتدال 1/491؛ ولسان الميزان 2/208، 209؛ والفوائد البهية ص61.
2 انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ 1/297؛ وميزان الاعتدال 1/567؛ والثقات 6/200؛ وتقريب التهذيب 1/189؛ وتهذيب التهذيب 2/415.
4- حماد بن أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي:
قال عنه الذهبي: "ضعفه ابن عدي وغيره من قبل حفظه".
وقال عنه ابن خلكان: "كان على مذهب أبيه رضي الله عنه، وكان من الصلاح والخير على قدر عظيم".
"تفقه على أبيه وأفتى في زمانه، وتفقه عليه ابنه إسماعيل، وهو من طبقة أبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد، وكان الغالب عليه الورع والزهد، استقضى على الكوفة بعد القاسم بن معين الكوفي تلميذ أبي حنيفة" 1.
ولم أقف له على تاريخ وفاة.
5- الحكم بن عبد الله بن مسلم أبو مطيع البلخي الخراساني:
قال عنه ابن معين: "ليس بشيء".
وقال عنه أبو حاتم: "تركوا حديثه وكان جهميا".
وقال ابن حبان: "كان من رؤساء المرجئة ممن يبغض السنن ومنتحليها".
وقال عنه الذهبي: "أبو مطيع البلخي الفقيه صاحب أبي حنيفة، تفقه به أهل تلك الديار، وكان بصيرا بالرأي علاّمة كبير الشأن، ولكنه واهم في ضبط الأمر ... ولي أبو مطيع قضاء بلخ، ومات سنة تسع وتسعين ومائة عن أربع وثمانين سنة" 2.
1 انظر ترجمته في الجرح والتعديل 3/149، والكامل لابن عدي 2/669؛ ووفيات الأعيان 2/205؛ وميزان الاعتدال 1/590؛ ولسان الميزان 2/346-347؛ والجواهر المضية 3/153؛ والفوائد البهية ص69.
2 انظر ترجمته في تاريخ ابن معين 4/356؛ والضعفاء للنسائي ص259؛ =
6 - زفر بضم الزاي وفتح الفاء بن الهذيل بضم الهاء وفتح الذال المعجمة وسكون الياء المثناة بن قيس العنبري:
قال عنه الذهبي: "الفقيه المجتهد الرباني العلامة ... هو من بحور الفقه، تفقه بأبي حنيفة، وهو أكبر تلامذته، وكان ممن جمع بين العلم والعمل وكان يروي الحديث ويتقنه".
وقال عنه ابن خلكان: "الفقيه الحنفي كان قد جمع بين العلم والعبادة، وكان من أصحاب الحديث، غلب عليه الرأي، وهو أقيس أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه.
مات سنة ثمان وخمسين ومائة 1.
7- عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي:
قال عنه الذهبي: "الإمام شيخ الإسلام عالم زمانه وأمير الأتقياء في وقته أبو عبد الرحمن الحنظلي، مولاهم التركي، ثم المروزي الحافظ الغازي أحد الأعلام".
وقال الخطيب: "وكان من الربانيين في العلوم، الموصوفين بالحفظ، ومن المذكورين بالزهد ".
وقال عنه أسود بن سالم: "كان ابن المبارك إماما يقتدى به، وكان من أثبت الناس في السنة. إذا رأيت رجلا يغمز ابن المبارك بشيء فاتهمه على الإسلام".
= والمجروحين لابن حبان 1/250؛ والجرح والتعديل 3/122؛ والكامل لابن عدي 2/631؛ والميزان 1/5714؛ واللسان 2/334؛ والفوائد البهية ص68.
1 انظر ترجمته في وفيات الأعيان 2/317؛ وسير أعلام النبلاء 8/38؛ وشذرات الذهب 2/243؛ والجواهر المضية 2/207؛ والفوائد البهية ص75.
مات سنة إحدى وثمانين ومائة وهو ابن ثلاث وستين 1.
8- محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني:
قال عنه الذهبي: "العلامة فقيه العراق أبو عبد الله الشيباني الكوفي صاحب أبي حنيفة، ولد بواسط، ونشأ بالكوفة، وأخذ عن أبي حنيفة بعض الفقه، وتمم الفقه على القاضي أبي يوسف ... ولي القضاء للرشيد بعد القاضي أبي يوسف، وكان مع تبحره في الفقه يضرب بذكائه المثل".
وقال عنه الخطيب: "أبو عبد الله الشيباني مولاهم ... صاحب أبي حنيفة وإمام أهل الرأي ... نشأ بالكوفة وطلب العلم وطلب الحديث، وجالس أبا حنيفة وسمع منه ونظر في الرأي فغلب عليه، وعرف به ونفذ فيه، وقدم بغداد فنزلها واختلف إليه الناس، وسمعوا منه الحديث والرأي، وخرج إلى الرَّقّة 2، وهارون أمير المؤمنين بها، فولاه قضاء الرقة، ثم عزله فقدم بغداد، فلما خرج هارون إلى الري3 الخرجة الأولى أمره فخرج معه؛ فمات بالري سنة تسع وثمانين ومائة وهو ابن ثمان وخمسين سنة" 4.
9- نوح بن أبي مريم المروزي أبو عصمة القرشي مولاهم:
1 انظر ترجمته في تاريخ بغداد 10/152؛ وسير أعلام النبلاء 8/378؛ والجواهر المضية 2/324؛ والفوائد البهية ص103.
2 الرقة بفتح أوله وثانيه وتشديده وأصله كل أرض إلى جنب واد ينبسط عليها الماء وجمعها رُقاق، وهي مدينة مشهورة على الفرات معدودة في بلاد الجزيرة لأنها من جانب الفرات الشرقي. معجم البلدان 3/58، 59.
3 الري: بفتح أوله وتشديد ثانيه، وهي مدينة مشهورة بينها وبين نيسابور مائة وستون فرسخا. انظر معجم البلدان 3/116.
4 انظر تاريخ بغداد 2/172؛ وسير أعلام النبلاء 9/134؛ والجواهر المضية 3/22؛ والفوائد البهية ص163.
قال ابن المبارك: "يضع الحديث كما يضع المعلَّى" 1.
وقال عنه أحمد بن حنبل: "كان أبو عصمة يروي أحاديث مناكير وكان شديدا على الجهمية والرد عليهم" 2.
وقال عنه البخاري: "نوح بن أبي مريم ذاهب الحديث جدا" 3.
وقال: "منكر الحديث" 4.
وقال مسلم وغيره: "متروك الحديث" 5.
وقال ابن حبان: "نوح الجامع جمع كل شيء إلا الصدق" 6.
وقال عنه اللكنوي: "أبو عصمة المروزي الشهير بالجامع ... وهو وإن كان فقيها جليلا إلا أنه مقدوح فيه عند أهل الحديث" 7.
وقال عنه ابن حجر: "يعرف بالجامع لجمعه العلوم، لكن كذبوه في الحديث" 8.
مات سنة ثلاث وسبعين ومائة 9.
1 التاريخ الصغير 2/165، تحقيق المرغني.
2 العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد 3/437؛ وتهذيب التهذيب 10/487.
3 التاريخ الكبير 8/111؛ وتهذيب التهذيب 10/488.
4 الميزان 4/279.
5 الكنى لمسلم 1/643؛ تحقيق القشقري، والميزان 4/279.
6 تهذيب التهذيب 10/488؛ قلت: ترجم له ابن حبان في المجروحين 3/48؛ 49؛ ولكن لم أجد فيه كلام ابن حبان هذا؟!
7 الفوائد البهية ص221.
8 تقريب التهذيب 2/309.
9 انظر ترجمته في ميزان الاعتدال 4/279، 280؛ وشذرات الذهب 1/273؛ والجواهر المضية 2/72.
10- يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف القاضي:
قال عنه الخطيب: "القاضي صاحب أبي حنيفة ... سكن بغداد وولاه موسى بن مهدي القضاء بها ثم هارون الرشيد من بعده، وهو أول من سمي قاضي القضاة في الإسلام" 1.
وقال عنه طلحة بن محمد بن جعفر: "أبو يوسف مشهور الأمر ظاهر الفضل، وهو صاحب أبي حنيفة، وأفقه أهل عصره ولم يتقدمه أحد في زمانه، وكان النهاية في العلم والحكم والرئاسة والقدر، وأول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة وأملى المسائل ونشرها، وبث علم أبي حنيفة في أقطار الأرض" 2.
وقال عنه اللكنوي: "كان صاحب حديث حافظا. ولزم أبا حنيفة وغلب عليه الرأي، وولي قضاء بغداد فلم يزل بها حتى مات سنة ثلاث وثمانين ومائة في خلافة هارون الرشيد" 3.
4- مكانته العلمية وأقوال العلماء فيه
"أ" مكانته العلمية:
أخذ الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى من العلوم الشرعية نصيبا وافرا، وكان له نبوغ في العلوم الشرعية، وكثرة اشتغاله بها، وله قدرة على الإفتاء
1 تاريخ بغداد 14/242.
2 تاريخ بغداد 14/242.
3 الفوائد البهية ص225، وانظر ترجمته في طبقات خليفة بن خياط ص328؛ والجواهر المضية 3/613.
والتدريس وحل المشكلات الدقيقة التي تعرض عليه.
وكان له مع ذلك معرفة ببعض العلوم الأخرى، كعلم الكلام والجدل، وكانت معرفته تلك مرتبطة بنشأته بالكوفة؛ حيث كانت موطنا للنّحل المختلفة، والفرق المتباينة، وإذا كان المجتمع على هذه الشاكلة كثر فيه الجدل والمناظرات حول العقائد.
لذلك انشغل الإمام أبو حنيفة رحمه الله في بداية طلبه للعلم بعلم الكلام حتى برع فيه ونبغ، وبلغ فيه مبلغا يشار إليه بالبنان، وكان به يجادل وعنه يناضل، وكان يرتحل إلى البصرة لمناقشة أصحاب الخصومات.
قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: "كنت رجلا أعطيت جدلا في الكلام، فمضى دهر فيه أتردد، وبه أخاصم وعنه أناضل، وكان أصحاب الخصومات والجدل أكثرهم بالبصرة، فدخلت البصرة نيفا وعشرين مرة ... " 1.
وقال قبيصة بن عقبة: "كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله في أول أمره يجادل أهل الأهواء، حتى صار رأساً في ذلك، منظوراً إليه، ثم ترك الجدل ورجع إلى الفقه والسنة وصار إماماً2.
هذه لمحة موجزة عن ثقافته في علم الكلام، حيث كان رأسا فيه، ثم بدا له فتركه، وتحول عنه إلى علم الفقه والسنة. وسوف أعرض منزلته في علمي الفقه والحديث.
أولاـ الفقه:
أراد الله بالإمام خيرا حين ترك علم الكلام والجدل، وأقبل على تعلم
1 مناقب أبي حنيفة للمكي ص54.
2 عقود الجمان ص161.
الفقه والسنة، فاتصل بالعلماء من محدثين وفقهاء؛ يأخذ عنهم، لذلك رأيناه يلازم حماد بن أبي سليمان ثماني عشرة سنة، وليس معنى ذلك أنه لم يأخذ الفقه إلا عن حماد، بل الثابت أنه اتصل بالكثير من الفقهاء وأخذ عنهم مثل عطاء بن أبي رباح فقيه مكة، ونافع مولى ابن عمر، وزيد بن علي، وجعفر الصادق وغيرهم.
من أجل ذلك نرى الإمام يجيب الخليفة العباسي المنصور لما سأله: يا نعمان عمن أخذت العلم، قال: "عن أصحاب عمر عن عمر، وعن أصحاب علي عن علي، وعن أصحاب عبد الله عن عبد الله، وما كان في وقت ابن عباس على وجه الأرض أعلم منه، قال: لقد استوثقت لنفسك".
وفي رواية أخرى أنه أجاب عن سؤال المنصور بقوله: "عن حماد عن إبراهيم 1، عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، فقال: بخٍ بخٍ استوثقت ما شئت يا أبا حنيفة الطيبين الطاهرين" 2.
وهؤلاء الشيوخ الأفاضل كانوا أئمة الفقه في عصره، بالإضافة إلى رغبته القوية للتحصيل العلمي، ساعده على ذلك ما فطره الله عليه من الذكاء والفطنة والسجايا الحسنة ـ كالصبر والحلم ـ، وهذه الأمور كلها ساعدت على نبوغه، ففاق أقرانه والكثير من أهل عصره في هذا العلم، فكان الناس عيالا عليه، كما قال الإمام الشافعي: "من أراد أن يعرف
1 هو إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي أبو عمران الكوفي، قال عنه الذهبي: "الإمام الحافظ فقيه العراق، وقال عنه ابن حجر: "الفقيه ثقة إلا أنه يرسل كثيرا من الخامسة مات سنة 96هـ"، انظر: سير أعلام النبلاء 4/520، وتقريب التهذيب 1/46.
2 تاريخ بغداد 13/334.
الفقه، فليلزم أبا حنيفة وأصحابه؛ فإن الناس كلهم عيال عليه في الفقه" 1.
وقال عبد الله بن المبارك: "أبو حنيفة أفقه الناس" 2.
وقال حفص بن غياث: "كلام أبي حنيفة في الفقه أدق من الشعر" 3.
فمن المسائل الفقهية الدقيقة التي عرضت على أبي حنيفة، ما ذكره الصالحي عن وكيع قال: "كنا عند أبي حنيفة فأتته امرأة فقالت: مات أخي وخلف ستمائة دينار، فأعطوني دينارا واحدا، قال: ومن قسم فريضتكم؟ قالت: داود الطائي قال: هو حقك أليس خلف أخوك بنتين؟ قالت: بلى، قال: وأمًّا؟ قالت: بلى، قال: وزوجة؟ قالت: بلى، قال: واثني عشر أخا وأختا واحدة؟ قالت: بلى، قال: فإن للبنات الثلثين أربعمائة، وللأم السدس مائة، وللمرأة الثمن خمسة وسبعين، ويبقى خمسة وعشرون؛ للإخوة أربعة وعشرون لكل أخ ديناران، ولك دينار" 4.
لذا قال الذهبي في فقه أبي حنيفة: "الإمامة في الفقه ودقائقه مسلمة إلى هذا الإمام، وهذا أمر لا شك فيه ـ ثم استشهد بهذا البيت:
وليس يصح في الأذهان شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل 5
فكلام هؤلاء الأئمة في تقدير فقه الإمام أبي حنيفة ليس فيه مبالغة؛ فأثر فقه الإمام واضح على تلاميذه، وعلى من جاء بعدهم، فالمنتسبون إلى
1 تاريخ بغداد 13/346.
2 سير أعلام النبلاء 6/403.
3 سير أعلام النبلاء 6/403.
4 عقود الجمان ص261.
5 سير أعلام النبلاء 6/403.
مذهبه في زماننا هذا جمع غفير من أمة الإسلام. ومما ساعد على انتشار مذهبه أن قيض الله لأبي حنيفة تلامذة نشروا المذهب، تأليفا 1 وتدريسا وإفتاءً.
ثم إن من هؤلاء من تولى القضاء 2، فصار سببا في شيوع مذهب أبي
1 أول من دوّن الكتب من تلامذة أبي حنيفة تلميذه الأكبر أبو يوسف. قال اللكنوي في الفوائد ص225: "كان أبو يوسف هو المقدم من أصحاب الإمام وأول من وضع الكتب على أبي حنيفة وأملى المسائل ونشرها وبث علم أبي حنيفة في أقطار الأرض"، وذكر ابن النديم في الفهرست ص256 أسماء بعض مؤلفات أبي يوسف ككتاب الصلاة، والزكاة، والصيام، والفرائض والبيوع، والحدود والوكالة، والوصايا، والصيد والذبائح، والغصب والاستبراء واختلاف الأمصار، والرد على مالك بن أنس، ورسالته في الخراج وكتاب الجوامع ولم يصل إلينا من هذه الكتب إلا رسالته التي كتبها في الخراج وكتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى، ومن الذين دونوا الكتب من تلامذة الإمام أبي حنيفة زفر ومحمد بن الحسن وأسد بن عمرو بن الفرات وغيرهم..قال الطحاوي كما في الفوائد البهية ص224، كان أصحاب أبي حنيفة الذين دوّنوا الكتب أربعين رجلا فكان في العشرة المتقدمين أبو يوسف وزفر ومحمد وداود الطائي وأسد بن عمرو ويوسف بن خالد ويحيى بن زكريا".
ولم يصل إلينا من مؤلفات هؤلاء إلا بعض كتب محمد بن الحسن كالجامع الصغير والجامع الكبير والسير الصغير والسير الكبير وكتاب الآثار وكتاب الحجة على أهل المدينة، فمن هذه الكتب وغيرها أخذت الحنفية مذهب أبي حنيفة.
2 الذين تولوا القضاء من تلامذة الإمام كثير وهم على سبيل المثال لا الحصر:
1- حفص بن غياث بن طلق النخعي الكوفي ولاه هارون الرشيد قضاء بغداد وكذا تولى قضاء الكوفة. انظر الجواهر المضية 1/138، والفوائد البهية ص68. =
حنيفة في القرون الأولى.
قال عبد الحي اللكنوي: "وكان أشهر أصحابه أبو يوسف؛ تولى قضاء القضاة زمن هارون الرشيد؛ فكان سببا لشيوع مذهبه في أقطار العراق وبلاد ما وراء النهر" 1.
= 2- حفص بن عبد الرحمن البلخي: تولى قضاء نيسابور. انظر الجواهر المضية 2/137.
3- أسد بن عمرو بن عامر القشيري البجلي الكوفي: تولى قضاء بغداد وواسط. انظر الفوائد البهية ص44.
4- الحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي: تولى قضاء الكوفة. انظر الفوائد البهية ص60.
5- زفر بن الهذيل: تولى قضاء البصرة في زمن أبي حنيفة. انظر الانتقاء ص173.
6- علي بن ضبيان الكوفي: تولى قضاء الشرقية ثم ولي قضاء القضاة أيام الرشيد. انظر الجواهر المضية 2/573.
7- يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الكوفي: تولى قضاء المدينة. انظر الفوائد البهية ص45.
8- يحيى بن زكريا: ولي القضاء بعد أبي يوسف. انظر الفوائد البهية ص45.
9- محمد بن الحسن الشيباني: تولى قضاء الرقة. انظر الانتقاء ص175.
10- نوح بن درج القاضي: تولى قضاء الكوفة. انظر الجواهر المضية 3/562.
11- نوح بن أبي مريم: تولى قضاء مرو. انظر الفوائد البهية ص222.
12- أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم: تولى القضاء لثلاثة من خلفاء بني العباس المهدي والهادي والرشيد. انظر الانتقاء ص173.
1 النافع الكبير مقدمة الجامع الصغير ص7، وراجع حجة الله 1/152، والتنكيل 1/259-261.