الجزء 1 · صفحة 7
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
سُبْحَانَهُ مَا أجلى برهانه. جلّ شانه مَا أحلى بَيَانه. علام جَمِيع المعلومات. فهام سَائِر المفهومات. قَامُوس هدايته مَمْلُوء بأشرق لآلىء أوضح اللُّغَات. وَصرح عفايته معمور بصراح أبرق أَبَارِيق اصْطِلَاحَات تروي غليل العصات. وَنُصَلِّي ونسلم على حَبِيبه مُحَمَّد كنز شَرِيعَته أغْنى عَن حِكْمَة الْحُكَمَاء. ومعدن طَرِيقَته وهب ذهب مَذْهَب الْحق للْعُلَمَاء. وعَلى آله وَأَصْحَابه الَّذين شموس حقائق علومهم طالعة من أفق التَّحْقِيق. ونجوم دقائق عرفانهم لامعة على سَمَاء التدقيق.
وَبعد: فَيَقُول العَبْد الضَّعِيف الراجي إِلَى الله المنان. عبد النَّبِي الأحمد نكرِي ابْن قَاضِي عبد الرَّسُول من بني عُثْمَان. غمره الله تَعَالَى بِكَمَال الْإِحْسَان. وَأَسْكَنَهُ بحبوحة الْجنان. إِن هَذَا دستور الْعلمَاء جَامع الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة. حاوي الْفُرُوع وَالْأُصُول النقلية. فِيهِ فَوَائِد غَرِيبَة. وجرائد عَجِيبَة. فِي تحقيقات اصْطِلَاحَات الْعُلُوم المتناولة. وتدقيقات لُغَات الْكتب المتداولة. وتوضيحات مُقَدمَات منتشرة مشكلة على المعلمين. وتلويحات مسَائِل مُبْهمَة متعسرة على المتعلمين. بعبارات وَاضِحَة ليتيسر الْوُصُول بهَا إِلَى المرام. وتعبيرات لائحة لِئَلَّا يتعسر على كل طَالب إِدْرَاك مَا رام. جنَّة لسالكي الطَّرِيقَة الظَّاهِرَة. جنَّة لمعاوني الشَّرِيعَة الباهرة. صمصام الْفَتْح فِي المعارك والمغازي. قمقام القمع فِي الميدان الاهتزازي. برق خاطف على من طَغى وغوى. ريح عاصف على من بغى وَاتبع الْهوى. نظمت الْمسَائِل فِي سلك قويم. وسلكت المطالب على صِرَاط مُسْتَقِيم. جعلت الْحَرْف الأول مَعَ الثَّانِي بَابا ليسهل الْوُصُول إِلَى مقصوارت الْمَقَاصِد من الْأَبْوَاب. وَلَا يبْقى الِاحْتِيَاج فِي نيل المآرب إِلَى عدَّة كتاب. وأشرت فِي أثْنَاء الْبَيَان إِلَى أبحاث شريفة. وَنَثَرت فِي سوق التِّبْيَان اعتراضات لَطِيفَة. لمعانها نور فِي قُلُوب أولي الْأَبْصَار. يتلألأ من وَرَاء حجب أوضح الْعبارَات وأشرق الأستار. أَجْنِحَة للطيران إِلَى عرش الْهِدَايَة. أعمدة لنصب فسطاط الأفكار على أَرض الدِّرَايَة. سيوف مهندة للْعُلَمَاء الْمُجَاهدين. رماح محددة لطعن الجهلاء المعاندين. اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مَقْبُولًا عِنْد الْفُضَلَاء. محبوبا لَدَى الْعلمَاء. مصونا عَن نظر المتعصبين المتفلسفين.
الجزء 1 · صفحة 8
مَحْفُوظًا عَن مطالعة المتغلبين المتعصبين. حديقة أثمار أَشجَار الْفَيْض والنوال. رَوْضَة مَاء أنهارها سلسال. وعَلى الناظرين فِي هَذَا الْبَحْر العميق. أَن يَأْخُذُوا بأيدي الْكَرم هَذَا الغريق. بِدُعَاء بَقَاء الْإِيمَان وَرفع الْعَذَاب. والغفران ولقاء الرَّحْمَن يَوْم الْحساب. اللَّهُمَّ ثبتني على الشَّرِيعَة المصطفوية. وَالسّنة السّنيَّة النَّبَوِيَّة. واحفظني من الْخلَل والزلل وَالْخَطَأ وَالنِّسْيَان فِي الْبَيَان. وَالْكذب واللغو وسياقة الْقَلَم وَاللِّسَان. وشرور الدهور وَأَبْنَاء الزَّمَان. سِيمَا من شرور الْكفَّار والفجار والجوار من إِيذَاء الإخوان. وَعَلَيْك التكلان يَا منان. أَنْت حسبي وَنعم الْوَكِيل وَنعم الْمولى وَنعم النصير.
الجزء 1 · صفحة 9
[حرف الْألف] بَاب الْألف مَعَ الْألف
فَإِن قلت لَا يتَصَوَّر لفظ يكون فِي أَوله ألف لكَونهَا سَاكِنة والابتداء بالساكن محَال فَلَا تقع فِي ابْتِدَاء الْكَلَام فضلا عَن أَن يَقع أَلفَانِ فِي الِابْتِدَاء قُلْنَا إِن المُرَاد بِالْألف الأول الْهمزَة وَبِالثَّانِي الْألف وَفِي الصِّحَاح الْألف على ضَرْبَيْنِ لينَة ومتحركة فاللينة تسمى ألفا والمتحركة تسمى همزَة.
الله: وَإِنَّمَا افتتحت بِهَذِهِ الْكَلِمَة المكرمة المعظمة مَعَ أَن لَهَا مقَاما آخر بِحَسب رِعَايَة الْحَرْف الثَّانِي تيمنا وتبركا وَهَذَا هُوَ الْوَجْه للإتيان بعد هَذَا بِلَفْظ الأحمد وَالْأَصْحَاب وَاعْلَم أَنه لَا اخْتِلَاف فِي أَن لفظ الله لَا يُطلق إِلَّا عَلَيْهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِي أَنه إِمَّا علم لذات الْوَاجِب تَعَالَى الْمَخْصُوص الْمُتَعَيّن أَو وصف من أَوْصَافه تَعَالَى فَمن ذهب إِلَى الأول قَالَ إِنَّه علم للذات الْوَاجِب الْوُجُود المستجمع للصفات الْكَامِلَة. وَاسْتدلَّ بِأَنَّهُ يُوصف وَلَا يُوصف بِهِ وَبِأَنَّهُ لَا بُد لَهُ تَعَالَى من اسْم يجْرِي عَلَيْهِ صِفَاته وَلَا يصلح مِمَّا يُطلق عَلَيْهِ سواهُ. وَبِأَنَّهُ لَو لم يكن علما لم يفد قَول لَا إِلَه إِلَّا الله التَّوْحِيد أصلا لِأَنَّهُ عبارَة عَن حصر الألوهية فِي ذَاته المشخص الْمُقَدّس. وَاعْترض عَلَيْهِ الْفَاضِل المدقق عِصَام الدّين رَحمَه الله بِأَنَّهُ كَيفَ جعل الله علما شخصيا لَهُ تَعَالَى لِأَنَّهُ لَا يتَحَقَّق إِلَّا بعد حُصُول الشَّيْء وحضوره فِي أذهاننا أَو القوى المثالية والوهمية لنا أَلا ترى أَنا إِذا جعلنَا العنقاء علما لطائر مَخْصُوص تصورناه بِصُورَة مشخصة بِحَيْثُ لَا يتَصَوَّر الشّركَة فِيهَا وَلَو بالمثال وَالْفَرْض وَهَذَا لَا يجوز فِي ذَاته تَعَالَى الله علوا كَبِيرا. فَإِن قلت وَاضع اللُّغَة هُوَ الله تَعَالَى فَهُوَ يعلم ذَاته بِذَاتِهِ وَوضع لفظ الله لذاته الْمُقَدّس، قلت هَذَا لَا يُفِيد فِيمَا نَحن فِيهِ لِأَن التَّوْحِيد أَن يحصل من قَوْلنَا لَا إِلَه إِلَّا الله حصر الألوهية فِي عقولنا فِي ذَاته المشخص فِي أذهاننا وَلَا يَسْتَقِيم هَذَا إِلَّا بعد أَن يتَصَوَّر ذَاته تَعَالَى بِالْوَجْهِ الجزئي. هَذَا غَايَة حَاصِل كَلَامه وَقد أجَاب عَنهُ أفضل
الجزء 1 · صفحة 10
الْمُتَأَخِّرين الشَّيْخ عبد الْحَكِيم رَحمَه الله بِأَنَّهُ آلَة الْإِحْضَار وَهُوَ وَإِن كَانَ كليا لَكِن الْمحْضر جزئي وَلَا يخفى على المتدرب مَا فِيهِ لِأَنَّهُ إِن أَرَادَ أَن الْمحْضر جزئي فِي الْوَاقِع فَهُوَ لَا يُفِيد حصر الألوهية فِي أذهاننا كَمَا هُوَ المُرَاد. وَإِن أَرَادَ أَن الْمحْضر جزئي فِي عقولنا فَمَمْنُوع، فَإِن وَسِيلَة الْإِحْضَار والموصل إِلَيْهِ إِذا كَانَ كليا كَيفَ يحصل بهَا فِي أذهاننا محْضر جزئي وَمَا الْفرق بَين قَوْلنَا لَا إِلَه إِلَّا الله وَبَين قَوْلنَا لَا إِلَه إِلَّا الْوَاجِب لذاته. فَإِن مَا يصدق عَلَيْهِ هَذَا الْمَفْهُوم أَيْضا جزئي فِي الْوَاقِع. فَإِن قلت التَّوْحِيد حصر الألوهية فِي ذَات مشخصة فِي نفس الْأَمر لَا فِي أذهاننا فَقَط. قلت فَهَذَا الْحصْر لَا يتَوَقَّف على جعل اسْم الله علما بل إِن كَانَ بِمَعْنى المعبود بِالْحَقِّ يحصل أَيْضا ذَلِك، وَلذَلِك يحصل بقولنَا لَا إِلَه إِلَّا الله إِلَّا الْوَاجِب لذاته كَمَا سبق وَمن ذهب إِلَى الثَّانِي قَالَ إِنَّه وصف فِي أَصله لكنه لما غلب عَلَيْهِ تَعَالَى بِحَيْثُ لَا يسْتَعْمل فِي غَيره تَعَالَى وَصَارَ كَالْعلمِ أجري مجْرى الْعلم فِي الْوَصْف عَلَيْهِ وَامْتِنَاع الْوَصْف بِهِ وَعدم تطرق الشّركَة إِلَيْهِ. وَاسْتدلَّ، بِأَن ذَاته من حَيْثُ هُوَ بِلَا اعْتِبَار أَمر آخر حَقِيقِيّ كالصفات الإيجابية الثبوتية أَو غير حَقِيقِيّ كالصفات السلبية غير مَعْقُول للبشر فَلَا يُمكن أَن يدل عَلَيْهِ بِلَفْظ. ثمَّ على الْمَذْهَب الثَّانِي قد اخْتلف فِي أَصله فَقَالَ بَعضهم إِن لفظ الله أَصله إِلَه من إِلَه الآهة وإلها بِمَعْنى عبد عبَادَة والإله بِمَعْنى المعبود الْمُطلق حَقًا أَو بَاطِلا فحذفت الْهمزَة وَعوض عَنْهَا الْألف وَاللَّام لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال أَو للْإِشَارَة إِلَى المعبود الْحق وَعند الْبَعْض من إِلَه إِذا فزع وَالْعَابِد يفزع إِلَيْهِ تَعَالَى وَعند الْبَعْض من وَله إِذا تحير وتخبط عقله، وَعند الْبَعْض من لاه مصدر لاه يَلِيهِ ليها ولاها إِذا احتجب وارتفع وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِكَمَال ظُهُوره وجلائه مَحْجُوب عَن دَرك الْأَبْصَار ومرتفع على كل شَيْء وَعَما لَا يَلِيق بِهِ. وَالله أَصله الْإِلَه حذفت الْهمزَة إِمَّا بِنَقْل الْحَرَكَة أَو بحذفها وعوضت مِنْهَا حرف التَّعْرِيف ثمَّ جعل علما إِمَّا بطرِيق الْوَضع ابْتِدَاء وَإِمَّا بطرِيق الْغَلَبَة التقديرية فِي الْأَسْمَاء وَهِي تَجِيء فِي موضعهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
ثمَّ اعْلَم أَن حذف الْهمزَة بِنَقْل الْحَرَكَة قِيَاس وَبِغَيْرِهِ خلاف قِيَاس وَهُوَ هَا هُنَا يحْتَمل احْتِمَالَيْنِ لَكِن على الثَّانِي الْتِزَام الْإِدْغَام ووجوبه قياسي لِأَن السَّاقِط الْغَيْر القياسي بِمَنْزِلَة الْعَدَم فَاجْتمع حرفان من جنس وَاحِد أَولهمَا سَاكن وعَلى الثَّانِي الْتِزَامه على خلاف الْقيَاس لِأَن الْمَحْذُوف القياسي كالثالث فَلَا يكون المتحركان المتجانسان فِي كلمة وَاحِدَة من كل وَجه وعَلى أَي حَال فَفِي اسْم الله المتعال خلاف الْقيَاس فَفِيهِ توفيق بَين الِاسْم والمسمى لِأَنَّهُ تَعَالَى شَأْنه خَارج عَن دَائِرَة الْقيَاس وطرق الْعقل وَعند
الجزء 1 · صفحة 11
أهل الْحق وَالْيَقِين رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ. حرف الْهَاء فِي لفظ الله إِشَارَة إِلَى غيب هويته تَعَالَى وَالْألف وَاللَّام للتعريف وَتَشْديد اللَّام للْمُبَالَغَة فِي التَّعْرِيف وَلَفظ الله اسْم أعظم من أَسْمَائِهِ تَعَالَى وَقد يُرَاد بِهِ وَاجِب الْوُجُود بِالذَّاتِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {قل هُوَ الله أحد} وَفِي قَوْلهم والمحدث للْعَالم هُوَ الله الْوَاحِد فَلَا يلْزم اسْتِدْرَاك الْأَحَد وَالْوَاحد فيهمَا وتفصيله فِي الْأَحَد إِن شَاءَ الله الصَّمد.
الأحمد: اسْم نَبِي آخر الزَّمَان وفخر الْأَوَّلين والآخرين مُحَمَّد الْمُصْطَفى خَاتم الْمُرْسلين - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اسْم تَفْضِيل من حمد يحمد بِمَعْنى الْفَاعِل أَي الْفَاضِل عَمَّن عداهُ فِي الحامدية يَعْنِي لَيْسَ غَيره [عَلَيْهِ السَّلَام] كثير الْحَمد لمَوْلَاهُ لِأَنَّهُ [عَلَيْهِ السَّلَام] عريف لَهُ تَعَالَى وَقلة الْحَمد وكثرته بِحَسب قلَّة الْمعرفَة وَكَثْرَتهَا أَو بِمَعْنى الْمَفْعُول بِمَعْنى كثير المحمودية بِلِسَان الْأَوَّلين والآخرين، وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مَشْهُور من بَين أَسْمَائِهِ المتعالية باسم مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلِهَذَا سَيذكرُ بعض شمائله الجميلة ونبذ أَحْوَاله الجليلة هُنَاكَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. (ف (1)) .
الْآل: أَصله أهل بِدَلِيل أهيل لِأَن التصغير محك الْأَلْفَاظ يعرف بِهِ جَوَاهِر حروفها وأعراضها إِلَى أُصُولهَا وزوائدها سَوَاء كَانَت مبدلة من الْحُرُوف الْأَصْلِيَّة أَو لَا فأبدل الْهَاء بِالْهَمْزَةِ لقرب الْمخْرج ثمَّ أبدلت الْهمزَة الثَّانِيَة بِالْألف على قانون آمن لَكِن الْآل يسْتَعْمل فِي الْأَشْرَاف والأهل فِيهِ وَفِي الأرذال أَيْضا فَيُقَال أهل الْحجام لَا آله وَآل
الجزء 1 · صفحة 12
النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لأَهله. وَأَيْضًا يُضَاف الْأَهْل إِلَى الْمَكَان وَالزَّمَان دون الْآل فَيُقَال أهل الْمصر وَأهل الزَّمَان لَا آل الْمصر وَآل الزَّمَان. وَأَيْضًا يُضَاف الْأَهْل إِلَى الله تَعَالَى بِخِلَاف الْآل فَيُقَال أهل الله وَلَا يُقَال آل الله. وَاخْتلف فِي آل النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَقَالَ بَعضهم آل هَاشم وَالْمطلب وَعند الْبَعْض أَوْلَاد سيدة النِّسَاء فَاطِمَة الزهراء رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا كَمَا رَوَاهُ النَّوَوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وروى الطَّبَرَانِيّ بِسَنَد ضَعِيف أَن آل مُحَمَّد كل تَقِيّ وَاخْتَارَهُ جلال الْعلمَاء فِي شرح (هياكل النُّور) وَفِي مَنَاقِب آل النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وهم بَنو فَاطِمَة رَضِي الله عَنْهَا كتب ودفاتر.
وَاعْلَم أَن أَفضَلِيَّة الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة مَخْصُوصَة بِمَا عدا بني فَاطِمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا كَمَا فِي تَكْمِيل الْإِيمَان وَقَالَ الشَّيْخ جلال الدّين السُّيُوطِيّ رَحمَه الله فِي الخصائص الْكُبْرَى أخرج ابْن عَسَاكِر عَن أنس رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا يقومن أحد من مَجْلِسه إِلَّا لِلْحسنِ وَالْحُسَيْن أَو ذريتهما وَفِي شرعة الْإِسْلَام وَيقدم أَوْلَاد الرَّسُول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالْمَشْيِ وَالْجُلُوس وَفِي التشريح للْإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ لَا يجوز للرجل الْعَالم أَن يجلس فَوق الْعلوِي الْأُمِّي لِأَنَّهُ إساءة فِي الدّين. وَفِي جَامع الْفَتَاوَى ولد الْأمة من مَوْلَاهُ حر لِأَنَّهُ مَخْلُوق من مَائه. وَكَذَا ولد الْعلوِي من جَارِيَة الْغَيْر حر لَا يدْخل فِي ملك مَوْلَاهَا لَا يجوز بَيْعه كَرَامَة وشرفا لجده رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلَا يُشَارك فِي هَذَا الحكم أحد من أمته. وَفِي الْفَتَاوَى الْعَتَّابِيَّةِ ولد الْعلوِي من جَارِيَة الْغَيْر حر خَاص لَا يدْخل فِي ملك مَوْلَاهَا وَلَا يجوز بَيْعه فرجح جَانب الْأَب بِاعْتِبَار جده مُحَمَّد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وَقَالَ الإِمَام علم الدّين الْعِرَاقِيّ رَحمَه الله إِن فَاطِمَة وأخاها إِبْرَاهِيم أفضل من الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة بالِاتِّفَاقِ. وَقَالَ الإِمَام مَالك رَضِي الله عَنهُ مَا أفضل على بضعَة النَّبِي أحدا. وَقَالَ الشَّيْخ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي رَحمَه الله فَاطِمَة أفضل من خَدِيجَة وَعَائِشَة بِالْإِجْمَاع ثمَّ خَدِيجَة ثمَّ عَائِشَة. وَاسْتدلَّ السُّهيْلي بالأحاديث الدَّالَّة على أَن فَاطِمَة رَضِي الله عَنْهَا بضعَة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على أَن شتمها رَضِي الله عَنْهَا يُوجب الْكفْر وكما أَن لنسب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شرافة على غَيرهم كَذَلِك لسببه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَرَامَة على من سواهُم لما جَاءَ فِي الرِّوَايَات الصَّحِيحَة عَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ أَنه خطب أم كُلْثُوم من عَليّ فاعتل بصغرها وَبِأَنَّهُ أعدهَا لِابْنِ أَخِيه جَعْفَر فَقَالَ مَا أردْت الباه وَلَكِن سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول كل سَبَب وَنسب يَنْقَطِع يَوْم الْقِيَامَة مَا خلا سببي ونسبي وكل بني أُنْثَى عصبتهم لأبيهم مَا خلا ولد فَاطِمَة فَإِنِّي أَنا أبوهم وعصبتهم. (ف (2)) .
الجزء 1 · صفحة 13
الْأَصْحَاب: جمع صَاحب كالأطهار جمع طَاهِر وَمن يَقُول إِن الْفَاعِل لَا يجمع على الْأَفْعَال يُخَفف صاحبا بِحَذْف الْألف ثمَّ الْحَاء الْمُهْملَة عِنْد الْبَعْض بَاقِيَة على كسرهَا وَعند الْبَعْض تسكن وَلذَا قيل أَو جمع صحب بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة كأنمار جمع نمر أَو جمع صحب بسكونها كأنهار جمع نهر. وَأَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هم الَّذين أدركوا صُحْبَة النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي الْيَقَظَة مَعَ الْإِيمَان وماتوا عَلَيْهِ وَاخْتلف فِيمَن تخللت ردته بَين إِدْرَاكه صُحْبَة النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بل بَين مَوته أَيْضا مُؤمنا بِهِ. قَالَ الْبَعْض لَيْسَ بصحابي وَالأَصَح أَنه صَحَابِيّ وَعَلِيهِ الْجُمْهُور لِأَن اسْم الصُّحْبَة بَاقٍ لَهُ سَوَاء رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَام فِي حَيَاته عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَو بعده وَسَوَاء لقِيه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ثَانِيًا بعد الرُّجُوع إِلَى الْإِسْلَام أم لَا لقصة أَشْعَث بن قيس فَإِنَّهُ ارْتَدَّ ثمَّ أَخذ وَأتي بِهِ إِلَى أبي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَسِيرًا فَعَاد إِلَى الْإِسْلَام فَأسلم فَقبل رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الْإِسْلَام مِنْهُ وزوجه أُخْته وَلم يتَخَلَّف أحد عَن ذكره فِي الصَّحَابَة وَلَا عَن تَخْرِيج أَحَادِيثه فِي المسانيد وَغَيرهَا وَالتَّعْبِير بِإِدْرَاك الصُّحْبَة أولى من قَول بَعضهم الصَّحَابِيّ من رأى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِأَنَّهُ يخرج ابْن أم مَكْتُوم وَنَحْوه من العميان وهم صحابته عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِلَا تردد.
الْآيَة: الْعَلامَة وَجَمعهَا: الْآيَات وَإِنَّمَا سميت آيَات الْقُرْآن بهَا لكَونهَا عَلَامَات على الْأَحْكَام مثلا. (ف (3)) .
آيَة الْكُرْسِيّ: هِيَ من قَوْله تَعَالَى {الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ} إِلَى قَوْله تَعَالَى {الْعلي الْعَظِيم} لَا إِلَى خَالدُونَ كَمَا قيل لِأَنَّهَا آيَة لَا آيتان. قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من قَرَأَ آيَة الْكُرْسِيّ دبر كل صَلَاة مَكْتُوبَة لم يكن بَينه وَبَين الْجنَّة إِلَّا الْمَوْت وَلَا يواظب عَلَيْهَا إِلَّا صديق أَو عَابِد وَمن قَرَأَهَا إِذا أَخذ مضجعه آمنهُ الله على نَفسه وجاره وجار
الجزء 1 · صفحة 14
جَاره وبيوت حوله وَفِي حَدِيث آخر من خرج من منزله فَقَرَأَ آيَة الْكُرْسِيّ بعث الله إِلَيْهِ سبعين ألفا من الْمَلَائِكَة فيستغفرون لَهُ وَيدعونَ لَهُ فَإِذا رَجَعَ إِلَى منزله وَدخل بَيته فَقَرَأَ آيَة الْكُرْسِيّ نزع الْفقر من بَين عَيْنَيْهِ.
الْآلَة: هِيَ الْوَاسِطَة بَين الْفَاعِل ومنفعله فِي وُصُول أَثَره إِلَيْهِ كالمنشار للنجار والقيد الْأَخير لإِخْرَاج الْعلَّة المتوسطة كَمَا بَين الْجد وَابْن الابْن فَإِنَّهَا وَاسِطَة بَين فاعلها ومنفعلها إِلَّا أَنَّهَا لَيست بِوَاسِطَة بَينهمَا فِي وُصُول أثر الْعلَّة الْبَعِيدَة إِلَى الْمَعْلُول لِأَن أثر الْعلَّة الْبَعِيدَة لَا يصل إِلَى الْمَعْلُول فضلا عَن أَن يتوسط فِي ذَلِك شَيْء آخر وَإِنَّمَا الْوَاصِل إِلَيْهِ أثر الْعلَّة المتوسطة لِأَنَّهُ الصَّادِر مِنْهَا وَهِي من الْعلَّة الْبَعِيدَة وَإِنَّمَا كَانَ الْمنطق آلَة لما سَيَأْتِي فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَاسم الْآلَة عِنْد عُلَمَاء الصّرْف كل اسْم اشتق من فعل لما يستعان بِهِ فِي ذَلِك الْفِعْل كالمفتاح فَإِنَّهُ اسْم لما يفتح بِهِ والمكحلة اسْم لما يكحل بِهِ.
الآمة: بِمد الْهمزَة وَتَشْديد الْمِيم الْمَفْتُوحَة فِي الشجاج إِن شَاءَ الله الْمُسْتَعَان.
آدَاب الْبَحْث والمناظرة: صناعَة نظرية يَسْتَفِيد مِنْهَا الْإِنْسَان كَيْفيَّة المناظرة وشرائطها صِيَانة لَهُ عَن الْخبط فِي الْبَحْث وإلزاما للخصم وإفحامه وإسكاته وَإِن أردْت الإطلاع عَلَيْهَا فَهِيَ منظومة فِي سلك هَذَا النّظم.
الجزء 1 · صفحة 15
(جَنِين كفتند ارباب مَعَاني ... جو بكشادند أَبْوَاب مَعَاني)
(اكرناقل كَلَامي كرد انشا ... بِوَجْه نقل يابر وَجه دَعْوَى)
(اكرناقل بود در كفته خويش ... ازو صحت طلب كن نى كم وبيش)
(بود تَصْحِيح نقلش از كتابي ... وَيَا از كفته عالي جنابي)
(كلامش ار بود بر وَجه دَعْوَى ... دَلِيل وحجتش بايد در آنجا)
(اكركويد بدعوائش دَلَائِل ... از آنجا نَام اَوْ كردد مُعَلل)
(بداند هر كه اَوْ از اهل راز است ... بِنَقْل ومدعي منع از مجَاز است)
(بس انكه مي تواند كرد سَائل ... بِهِ تعْيين منع اجزاء دَلَائِل)
(درين هنكام سَائل مي تواند ... دليلش را كند منع مُجَرّد)
(وَيَا بر منع خود كويد سَنَد را ... كه منعش مختفي نبود خرد را)
(مر ايْنَ را منع تفصيلي بود نَام ... جَنِين دارم من از استاد ييغام)
(وكر منعش بود بر وَجه اجمال ... بمنعش شَاهِدي بايد درين حَال)
(مراين را منع اجماليش خوانند ... وكرنه نقض تفصيليش دانند)
(وكردار ددليلش را مُسلم ... تواند كرد منع مدعي هم)
(كه من هم حجتى دارم در اينجا ... دليلى مي توانم كرد بيدا)
(بيكديكر جو حجت عرض دادند ... از ان نامش معَارض مي شمارند)
(بَيَان شدّ آنجه بايد اندرين بَاب ... خطا باشد جز ايْنَ در بحث وآداب)
وتفصيل هَذَا الْمُجْمل مَا فِي غَايَة الْهِدَايَة من أَن النَّاقِل من شخص أَو كتاب يطْلب مِنْهُ صِحَة النَّقْل من شخص أَو من كتاب. وَالْمُدَّعِي يطْلب مِنْهُ الدَّلِيل فَإِذا اسْتدلَّ
الجزء 1 · صفحة 16
فالخصم أَن منع بَعْضًا من مُقَدمَات الدَّلِيل وَلَو بِاعْتِبَار الصُّورَة أَو منع كلهَا على التَّعْيِين وَالتَّفْصِيل يُسمى منعا ومناقضة ونقضا تفصيليا. وَيجوز أَن يكون الْمَنْع قبل فرَاغ الْمُسْتَدلّ عَن الدَّلِيل وَالْأَحْسَن أَن يكون بعده وللمانع الِاقْتِصَار على مُجَرّد الْمَنْع وَالْأَحْسَن ذكر السَّنَد الْمُؤَيد لَهُ وَمنع السَّنَد غير مُفِيد للمستدل سَوَاء كَانَ السَّنَد لَازِما للْمَنْع أَو لَا وَدفعه مُفِيد إِن كَانَ مُسَاوِيا للْمَنْع وللمستدل أَن يَقُول إِن السَّنَد لَا يصلح للسندية والمقدمة الممنوعة إِن كَانَت نظرية أَو بديهية فِيهَا خَفَاء فعلى الْمُسْتَدلّ رفع الْمَنْع بِالدَّلِيلِ أَو التَّنْبِيه وَلَيْسَ للمانع الْغَصْب بِأَن يسْتَدلّ على بطلَان الْمُقدمَة قبل أَن يُقيم الْمُعَلل دَلِيلا على ثُبُوتهَا لاستلزام الْخبط فِي الْبَحْث وَمنع الْمُقدمَة قد لَا يضر الْمُعَلل بِأَن يكون انتفاؤها أَيْضا مستلزما للمطلوب وَإِن لم يمْنَع شَيْئا من الْمُقدمَات على التَّفْصِيل فَلَو بَين أَن فِي الدَّلِيل خللا لتخلف الحكم عَنهُ فِي بعض الصُّور أَو لِأَنَّهُ مُسْتَلْزم لمحال يُسمى نقضا إجماليا ونقضا أَيْضا. والنقض الإجمالي لدَلِيل الْمُقدمَة يُسمى بِالنِّسْبَةِ إِلَى أصل الدَّلِيل نقضا تفصيليا على طَريقَة الْإِجْمَال وَلَو أَقَامَ دَلِيلا على مَا يُنَافِي مَطْلُوب الْمُسْتَدلّ سَوَاء كَانَ نقيضه أَو مستلزما لنقيضه يُسمى مُعَارضَة وعرفوها بالمقابلة على سَبِيل الممانعة. وَمَتى صَار الْخصم مُعَارضا أَو ناقضا فقد يصير الْمُعَلل مناقضا وَلَيْسَ الْمعَارض مُصدقا لدَلِيل الْمُسْتَدلّ بل الْمُعَارضَة بِمَنْزِلَة نقض إجمالي لدَلِيل الْمُعَلل. وَحَاصِله أَنه لَو صَحَّ دَلِيل الْمُسْتَدلّ بِجَمِيعِ الْمُقدمَات لما صَحَّ مَا يُنَافِي مَدْلُوله لَكِن عندنَا مَا يدل على صدق الْمنَافِي. وَدَلِيل الْمعَارض إِن كَانَ غير دَلِيل الْمُسْتَدلّ يُسمى قلبا وَإِلَّا فَإِن كَانَ على صورته فمعارضة بِالْمثلِ وَإِلَّا فمعارضة بِالْغَيْر. وَقيل إِن كَانَت الْمُعَارضَة بِغَيْر دَلِيل الْمُسْتَدلّ فَهِيَ الْمُعَارضَة الْخَالِصَة وَإِن كَانَت بدليله وَلَو بِزِيَادَة شَيْء فَهِيَ مُعَارضَة فِيهَا معنى المناقضة وَإِن كَانَ دَالا على مَا يسْتَلْزم نقيضه فَهِيَ عكس. وللسائل أَن ينْقض دَلِيل الْمُسْتَدلّ فِي كل مرتبَة من الْمَرَاتِب إِجْمَالا وتفصيلا ومعارضا فَإِن انْتهى الْبَحْث إِلَى أَمر ضَرُورِيّ الْقبُول للسَّائِل بديهيا كَانَ أَو كسبيا حَقًا كَانَ أَو بَاطِلا لزم إِلْزَام السَّائِل وَإِلَّا لزم إفحام الْمُعَلل.
الْآبِق: من الآباق وَهُوَ الْهَرَب والتمرد على المحق وَفِي الشَّرْع الْمَمْلُوك الَّذِي يفر عَن مَالِكه قصدا سَوَاء كَانَ قِنَا أَو مُدبرا أَو أم الْوَلَد وَأَخذه أحب من تَركه وَأخذ الضال قيل أَيْضا كَذَلِك وَقيل تَركه أولى والضال هُوَ الَّذِي ضل الطَّرِيق إِلَى منزل مَالِكه. فِي كنز الدقائق وَمن رده مُدَّة سفر فَلهُ أَرْبَعُونَ درهما وَلَو قِيمَته أقل مِنْهُ أَي من أَرْبَعِينَ وَمن رده لأَقل مِنْهَا فبحسابه انْتهى وَمن أنْفق على الْآبِق بِغَيْر إِذن القَاضِي يكون مُتَبَرعا.
الجزء 1 · صفحة 17
آدَاب القَاضِي: هِيَ الْتِزَامه لما ندب إِلَيْهِ الشَّرْع من بسط الْعدْل وَرفع الظُّلم وَترك الْميل.
الآفة: عدم مطاوعة الْآلَات إِمَّا بِحَسب الْفطْرَة أَو الْخلقَة أَو غَيرهَا كضعف الْآلَات. أَلا ترى أَن الآفة فِي التَّكَلُّم قد تكون بِحَسب الْفطْرَة كَمَا فِي الْأَخْرَس أَو بِحَسب ضعفها وَعدم بُلُوغهَا حد الْقُوَّة كَمَا فِي الطفولية. ثمَّ اعْلَم أَن الآفة فِي التَّكَلُّم لفظية ومعنوية فَإِنَّهَا ضد الْكَلَام فَكَمَا أَن الْكَلَام لَفْظِي ومعنوي كَذَلِك ضِدّه. أما الآفة اللفظية فَعدم الْقُدْرَة على الْكَلَام اللَّفْظِيّ كَمَا فِي الْأَخْرَس والطفل. والآفة المعنوية فَهِيَ عدم قدرَة الْمُتَكَلّم على تَدْبِير الْمَعْنى فِي نَفسه الَّذِي يدل عَلَيْهِ بالعبارة أَو الْكِتَابَة أَو الْإِشَارَة.
الآيسة: هِيَ من لَا تحيض فِي مُدَّة خمس وَخمسين سنة وَاخْتلف فِي حد الْإِيَاس وَالْمُخْتَار فِي زَمَاننَا على مَا فِي الزَّاهدِيّ خَمْسُونَ سنة وَفِي الْفَتَاوَى العالمكيري الْإِيَاس مُقَدّر بِخمْس وَخمسين سنة.
بَاب الْألف مَعَ الْبَاء (ف (4)) .
أبجد: فِي خزانَة الْمُفْتِينَ (أبجد) أَي وجد آدم نَفسه فِي الْمعْصِيَة (هوز) أَي اتبع هَوَاهُ فَزَالَ عَنهُ نعيم الْجنَّة (حطي) أَي حط عَنهُ ذنُوبه (كلمن) أَي كلم بِكَلِمَات فَتَابَ عَلَيْهِ بِالْقبُولِ وَالرَّحْمَة (سعفص) أَي راق عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأصَاب عَلَيْهِ (قرشت) أَي أقرّ بذنب مر عَلَيْهِ (ثخذ) أَي أَخذ من الله الْقُوَّة (ضظغ) أَي شجع عَن وسواس الشَّيْطَان بعزيمة لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله كَذَا فِي (الشافي) وحساب الأبجد هَكَذَا (ا) (ب) (ج) 3 (د) 4 (هـ) 5 (و) 6 (ز) 7 (ح) {ط) 9 (ى) 10 (ك) 20 (ل) 30 (م) 40 (ن) 50 (س) 60 (ع) 70 (ف} 0 (ص) 90 (ق) 100 (ر) 200 (ش) 300 (ت) 400 (ث) 500 (خَ) 600 (ذ) 700 (ض} 00 (ظ) 900 (غ) 1000. وَبَعض أولي الْأَلْبَاب رتب حُرُوف الأبجد هَكَذَا (ايقغ) 111 (بكر) 22 (جلش) 333 (دمت) 444 (هنث) 555
الجزء 1 · صفحة 18
(وسخ) 666 (زغذ) 777 (حفض} 8 {طصظ) 999 وَيُسمى حِسَاب الأبجد بِحِسَاب الْجمل. (ف (5)) .
الْإِبَاحَة: (مُبَاح كردانيدن) . فِي التَّلْوِيح الْمَشْهُور فِي الْفرق بَين الْإِبَاحَة والتخيير أَي التَّسْوِيَة أَن الْجمع يمْتَنع فِي التَّخْيِير وَلَا يمْتَنع فِي الْإِبَاحَة لَكِن الْفرق فِي الْمسَائِل الشَّرْعِيَّة أَنه لَا يجب فِي الْإِبَاحَة الْإِتْيَان بِوَاحِد وَفِي التَّخْيِير يجب. وَإِذا كَانَ وجوب الْإِتْيَان بِوَاحِد فِي التَّخْيِير إِن كَانَ الأَصْل فِيهِ الْحَظْر أَي الْمَنْع وَثَبت الْجَوَاز بِعَارِض الْأَمر كَمَا إِذا قَالَ بِعْ من عَبِيدِي وَاحِدًا وَذَلِكَ يمْنَع الْجمع وَيجب الِاقْتِصَار على الْوَاحِد لِأَنَّهُ الْمَأْمُور بِهِ. وَإِن كَانَ الأَصْل فِيهِ الْإِبَاحَة وَوَجَب بِالْأَمر وَاحِد كَمَا فِي خِصَال الْكَفَّارَة يجوز الْجمع بِحكم الْإِبَاحَة الْأَصْلِيَّة وَهَذَا يُسمى التَّخْيِير على سَبِيل الْإِبَاحَة انْتهى. إِمَّا كَونه تخييرا فكلونه تخييرا بَين مُتَعَدد وَلَيْسَ بِالْإِبَاحَةِ لوُجُوب الْإِتْيَان بِوَاحِد. وَإِمَّا كَونه على سَبِيل الْإِبَاحَة فلجواز الْجمع بَين ذَلِك المتعدد. وَقَوله كَمَا إِذا قَالَ بِعْ من عبيد الخ فَإِن بيع عبد الْغَيْر مَحْظُور مَمْنُوع وَإِنَّمَا جَازَ بِعَارِض التَّوْكِيل. وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام الْفرق بَين التَّسْوِيَة وَالْإِبَاحَة أَن الْمُخَاطب يتَوَهَّم فِي الْإِبَاحَة أَن لَيْسَ يجوز لَهُ الْإِتْيَان بِالْفِعْلِ وَفِي التَّسْوِيَة يتَوَهَّم أَن أحد الطَّرفَيْنِ أَنْفَع وأرجح ثمَّ اعْلَم أَن المُرَاد بِالْإِبَاحَةِ فِي قَوْلهم وَتَصِح الْإِبَاحَة فِي الْكَفَّارَات والفدية دون الصَّدقَات وَالْعشر أَن يضع صَاحب الْكَفَّارَة للْمَسَاكِين أَو الْفُقَرَاء طَعَاما مطبوخا مَا دَوْمًا أَو غير مَا دوم ويمكنهم مِنْهُ حَتَّى يستوفوا آكلين مشبعين من غير أَن يَقُول ملكتكم هَذَا الطَّعَام أَو وهبته لكم. وَالتَّمْلِيك أَن يُعْطي لكل مِسْكين نصف صَاع من بر أَو صَاع من شعير والضابطة أَن مَا شرع بِلَفْظ الطَّعَام يجوز فِيهِ الْإِبَاحَة وَمَا شرع بِلَفْظ الإيتاء وَالْأَدَاء يشْتَرط فِيهِ التَّمْلِيك. (ف (6)) .
الإبداع والابتداع: إِيجَاد الشَّيْء من غير سبق مَادَّة وَمُدَّة كإيجاد الله تَعَالَى
الجزء 1 · صفحة 19
الْعُقُول مثلا فَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أوجدهم من غير سبق مَادَّة وَمُدَّة عِنْد الْحُكَمَاء وَأما عِنْد الْمُتَكَلِّمين فَمَا سواهُ تَعَالَى حَادث بحدوث زماني.
الِابْتِدَاء بالساكن محَال: كَمَا هُوَ الْمَشْهُور لِأَن الْحَرْف الْمَنْطُوق بِهِ إِمَّا مُعْتَمد على حركته كباء بكرا وعَلى حَرَكَة مجاورة كميم عَمْرو أَو على لين قبله يجْرِي مجْرى الْحَرَكَة كباء دَابَّة وصاد خويصة فَمَتَى فقد هَذِه الاعتمادات تعذر التَّكَلُّم بِدَلِيل التجربة وَمن أنكر ذَلِك فقد أنكر العيان وكابر المحسوس. وَقد يسْتَدلّ على إِمْكَانه بِأَنَّهُ لَو امْتنع لتوقف التَّلَفُّظ بالحروف على التَّلَفُّظ بالحركة ابْتِدَاء ضَرُورَة تقدم الشَّرْط على الْمَشْرُوط لَكِن التَّلَفُّظ بالحركة مَوْقُوف على التَّلَفُّظ بالحروف ضَرُورَة توقف وجود الْعَارِض على وجود المعروض. وَجَوَابه منع الشّرطِيَّة لجَوَاز أَن يكون الْحَرَكَة لَازِما غير مُتَقَدم للحرف المبتدء بهَا لَا شرطا سَابِقًا هَكَذَا ذكره الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله فِي حَاشِيَة الْكَشَّاف. وَلَكِن فِي كَلَام القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ رَحمَه الله فِي تَفْسِير بِسم الله إِشَارَة إِلَى جَوَاز الِابْتِدَاء بالساكن فِي كَلَام من بِهِ لكنة حَيْثُ قَالَ لِأَن من دأبهم أَن يبتدؤوا بالمتحرك ويقفوا على السَّاكِن انْتهى. وَقَالَ أفضل الْمُتَأَخِّرين الشَّيْخ عبد الْحَكِيم رَحمَه الله قَوْله لِأَن من دأبهم يَعْنِي من طريقتهم أَن يبتدؤوا بالحرف المتحرك لخلوص لغتهم عَن اللكنة وَفِيه إِشَارَة إِلَى جَوَاز الِابْتِدَاء بالساكن. وَإِنَّمَا اختير الْهمزَة من الْحُرُوف الزَّوَائِد لدفع لُزُوم الِابْتِدَاء بالساكن لِأَنَّهَا أقوى الْحُرُوف لِأَن لحروف الْحلق السِّتَّة قُوَّة على سَائِر الْحُرُوف وَمن تِلْكَ الْحُرُوف السِّتَّة للهمزة قُوَّة عَلَيْهَا لِأَنَّهَا من مبدأ الْحلق فَهِيَ أقوى الْحُرُوف والابتداء بالأقوى أولى لقُوَّة الْمُتَكَلّم فِي الِابْتِدَاء. (ف (7)) .
الابْن: إِن كَانَ بَين علمين وَيكون الأول موصوفه يحذف أَلفه من الْكِتَابَة وَإِلَّا فَلَا وَمن أَرَادَ أَن تَلد امْرَأَته الحبلى ابْنا فَلْينْظر فِي الحبلى (ف (8)) .
الْأَبْصَار: بِالْفَتْح جمع الْبَصَر وبالكسر مصدر أبْصر وَفِي الْأَبْصَار ثَلَاثَة مَذَاهِب. مَذْهَب الرياضيين. وَمذهب جُمْهُور الْحُكَمَاء الطبيعيين. وَمذهب بعض الْحُكَمَاء. أما مَذْهَب الرياضيين فَهُوَ أَن الإبصار بِخُرُوج شُعَاع من الْعين على هَيْئَة مخروطية رَأسه عِنْد مَرْكَز الْبَصَر وقاعدته عِنْد سطح المرئي المبصر وحجتهم على الْأَبْصَار بِالْخرُوجِ الْمَذْكُور أَن الْمُتَوَسّط بَين الْبَصَر وَمَا يُقَابله إِذا كَانَ جسما لطيفا لي غير مَانع لنفوذ الشعاع فِيهِ
الجزء 1 · صفحة 20
فَهُوَ لَا يحجب الْبَصَر عَن الرُّؤْيَة وَإِذا كَانَ كثيفا فَهُوَ يحجب الْبَصَر عَن الروية وَمَا ذَلِك إِلَّا كَونه شعاعا من الْبَصَر فقد نفذ فِي الْجِسْم الْمُتَوَسّط وَوصل إِلَى المرئي على التَّقْدِير الأول وَلم ينفذ فِي الْجِسْم الْمُتَوَسّط وَلم يصل إِلَى المرئي على التَّقْدِير الثَّانِي. ورد بِأَن الشعاع إِن كَانَ عرضا امْتنع عَلَيْهِ الْحَرَكَة والانتقال وَإِن كَانَ جسما امْتنع أَن يخرج من أَعيننَا بل من عين البقة جسم يخرق الأفلاك وينبسط فِي لَحْظَة إِلَى نصف كرة الْعَالم ثمَّ إِذا طبق الجفن عَاد إِلَيْهَا أَو انْعَدم ثمَّ إِذا فتحت الْعين خرج مثله وَهَكَذَا. وَدفع بِأَنَّهُم أَرَادوا بِمَا ذكرُوا أَن المرئي إِذا قَابل شُعَاع الْبَصَر استعد لِأَن يفِيض على سطحه من المبدء الْفَيَّاض شُعَاع يكون ذَلِك الشعاع قَاعِدَة مخروطة رَأسه عِنْد مَرْكَز الْبَصَر لكِنهمْ سموا حُدُوث الشعاع بِسَبَب مُقَابِله للتعين بِخُرُوج الشعاع عَنْهَا إِلَيْهِ مجَازًا على قِيَاس تَسْمِيَة حُدُوث الضَّوْء فِيمَا يُقَابل الشَّمْس بِخُرُوج الضَّوْء عَنْهَا إِلَيْهِ فَافْهَم. ثمَّ إِن الرياضيين اخْتلفُوا فِيمَا بَينهم فَذهب جمَاعَة إِلَى أَن ذَلِك المخروط مصمت أَي غير مجوف وَذهب جمَاعَة أُخْرَى إِلَى أَنه مركب من خطوط شعاعية مُسْتَقِيمَة أطرافها الَّتِي تلِي الْبَصَر مجتمعة عِنْد مركزه ثمَّ يَمْتَد مُتَفَرِّقَة إِلَى المبصر فبمَا ينطبق عَلَيْهِ من المبصر أَطْرَاف تِلْكَ الخطوط أدْركهُ الْبَصَر وَمَا وَقع بَين أَطْرَاف تِلْكَ الخطوط لم يُدْرِكهُ وَلذَلِك يخفى على الْبَصَر المسامات الَّتِي فِي غَايَة الدقة فِي سطوح البصرات وَذهب جمَاعَة ثَالِثَة إِلَى أَن الْخَارِج من الْعين خطّ وَاحِد مُسْتَقِيم فَإِذا انْتهى إِلَى المبصر تحرّك على سطحه فِي جِهَتَيْنِ طوله وَعرضه حَرَكَة فِي غَايَة السرعة ويتخيل بحركته هَيْئَة مخروطية. وَأما مَذْهَب جُمْهُور الْحُكَمَاء الطبيعيين فَهُوَ أَن الإبصار بالانطباع والانتقاش وَهُوَ الْمُخْتَار عِنْد أرسطو وَأَتْبَاعه كالشيخ الرئيس وَغَيره قَالُوا إِن مُقَابلَة المبصر للباصرة يُوجب اسْتِعْدَادًا يفِيض بِهِ صورته على الجليدية وَلَا يَكْفِي فِي إبصار شَيْء وَاحِد من حَيْثُ إِنَّه وَاحِد الانطباع فِي الجليدية وَإِلَّا لرؤي شَيْء وَاحِد شَيْئَيْنِ لانطباع صورته فِي جليديتي الْعَينَيْنِ بل لَا بُد من تأدي الصُّورَة من الجليدية إِلَى ملتقى العصبتين المجوفتين وَمِنْه إِلَى الْحس الْمُشْتَرك وَلم يُرِيدُوا بتأدي الصُّورَة من الجليدية إِلَى العصبتين المجوفتين وَمِنْه إِلَى الْحس الْمُشْتَرك انْتِقَال الْعرض الَّذِي هُوَ الصُّورَة ليلزم انْتِقَال الْعرض من مَكَان إِلَى مَكَان آخر بل أَرَادوا أَن انطباعها فِي الجليدية معد لفيضان الصُّورَة على الْمُلْتَقى وفيضانها عَلَيْهِ معد لفيضانها على الْحس الْمُشْتَرك. وَحجَّة الْجُمْهُور أَن الْإِنْسَان إِذا نظر إِلَى قرص الشَّمْس بتحديق نظره مُدَّة طَوِيلَة ثمَّ غمض عَيْنَيْهِ فَإِنَّهُ يجد من نَفسه كَأَنَّهُ ينظر إِلَيْهَا. وَكَذَلِكَ إِذا بَالغ فِي النّظر إِلَى الخضرة الشَّدِيدَة ثمَّ غمض عَيْنَيْهِ فَإِنَّهُ يجد من نَفسه هَذِه الْحَالة. وَإِذا بَالغ فِي النّظر إِلَيْهَا ثمَّ نظر إِلَى لون آخر لم ير ذَلِك اللَّوْن خَالِصا بل مختلطا بالخضرة وَمَا ذَلِك إِلَّا لارتسام صُورَة المرئي فِي الباصرة وبقائها زَمَانا. ورد بِأَن صُورَة المرئي بَاقِيَة فِي الخيال لَا فِي الباصرة. وَدفع الشَّارِح الْجَدِيد للتجريد بِأَنَّهُ فرق بَين بَين التخيل والمشاهدة. والارتسام فِي الخيال هُوَ التخيل دون الْمُشَاهدَة. وَلَا شكّ
الجزء 1 · صفحة 21
أَن تِلْكَ الْحَالة حَالَة الْمُشَاهدَة لَا حَالَة التخيل. ثمَّ قَالَ فَالصَّوَاب أَن يُقَال فِي الرَّد صُورَة المرئي فِي تِلْكَ الْحَالة بَاقِيَة فِي الْحس الْمُشْتَرك وَفِيه نظر. إِذْ لَا شكّ أَن رد الِاسْتِدْلَال مناقضة مستندة وتحريره أَنا لَا نسلم قَوْله وَمَا ذَلِك إِلَّا لارتسام صُورَة المرئي فِي الباصرة وبقائها فِي الخيال لَا فِي الباصرة وَمَا ذكر فِي دفع الْمَنْع من أَن تِلْكَ الْحَالة حَالَة الْمُشَاهدَة لَا حَالَة التخيل أَيْضا مَمْنُوع بل الْأَمر بِالْعَكْسِ وَكَلَام الْمُسْتَدلّ نَاظر إِلَى هَذَا بل ظَاهر فِي أَن تِلْكَ الْحَالة شَبيهَة بِالْمُشَاهَدَةِ لَا عينهَا حَيْثُ قَالَ كَأَنَّهُ ينظر إِلَيْهَا أَي يشبه بِأَن يُشَاهِدهُ وَلَو سلم هَذَا فَلَا شُبْهَة فِي أَنه كَلَام على السَّنَد الْأَخَص فَلَا يُفِيد فِي دفع الْمَنْع وَمَعَ ذَلِك يلْزم أَن يكون قَوْله فَالصَّوَاب عين خطأ بِعَين مَا ذكر وَبِأَن يُقَال فرق بَين بَين المرتسم فِي الْحس الْمُشْتَرك والمشاهدة وَتلك الْحَالة حَالَة الْمُشَاهدَة لَا حَالَة المرتسم فِي الْحس الْمُشْتَرك فَمَا هُوَ جَوَابه فَهُوَ جَوَابنَا. وَالْحَاصِل أَنه إِن أَرَادَ بِالْمُشَاهَدَةِ الإبصار فَكَمَا أَن التخيل غَيرهَا الْحس الْمُشْتَرك أَيْضا غَيرهَا وَإِن أَرَادَ بِهِ الارتسام فَكَمَا أَن فِي الْحس الْمُشْتَرك ارتسام فِي الخيال أَيْضا كَذَلِك. وَأما مَذْهَب بعض الْحُكَمَاء فَهُوَ أَن الإبصار لَيْسَ بالانطباع وَلَا بِخُرُوج الشعاع بل بِأَن الْهَوَاء الشفاف الَّذِي بَين الْبَصَر والمرئي يتكيف بكيفية الشعاع الَّذِي فِي الْبَصَر وَيصير بذلك آلَة للإبصار. وَذكروا فِي إِبْطَاله إِنَّا نعلم بِالضَّرُورَةِ أَن الشعاع الَّذِي فِي عين العصفور بل البقة يَسْتَحِيل أَن يقوى على إِحَالَة نصف الْعَالم إِلَى كيفيته بل العصفور أَو الْفِيل إِن كَانَ كُله نورا أَو نَارا لما أحَال إِلَى كيفيته من الْهَوَاء عشرَة فراسخ فضلا عَن هَذِه الْمسَافَة الْعَظِيمَة وَإِن لم يكن هَذَا جليا عِنْد الْعقل فَلَا جلي عِنْده وَيُمكن أَن يأول كَلَامهم بِمثل تَأْوِيل الْكَلَام الرياضيين بِأَن يُقَال قَوْلهم إِن الْهَوَاء المشف الَّذِي بَين الْبَصَر والمرئي يتكيف بكيفية شُعَاع الْبَصَر أَرَادوا مِنْهُ أَن المرئي إِذا قَابل شُعَاع الْبَصَر استعد الْهَوَاء المشف الَّذِي بَينهمَا لِأَن يفِيض عَلَيْهِ من المبدء الْفَيَّاض شُعَاع لكِنهمْ قَالُوا إِن الْهَوَاء يتكيف بكيفية شُعَاع الْبَصَر مجَازًا لحُصُول الاستعداد مِنْهُ وعَلى هَذَا لَا اسْتِحَالَة وَلَا استبعاد. وَاعْلَم أَنه قَالَ صَاحب المواقف للحكماء فِي الإبصار قَولَانِ وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد الشريف قدس سره فِي شَرحه لما كَانَ الأول وَالثَّالِث مبنيين على الشعاع عدهما قولا وَاحِدًا وَفِي شرح الهياكل أَن الفارابي فِي رِسَالَة الْجمع بَين الرايين ذهب إِلَى أَن غَرَض الْفَرِيقَيْنِ التَّنْبِيه على هَذِه الْحَالة الأدراكية وضبطها بِضَرْب من التَّشْبِيه لَا حَقِيقَة خُرُوج الشعاع وَلَا حَقِيقَة الانطباع وَإِنَّمَا اضطروا إِلَى إِطْلَاق اللَّفْظَيْنِ لضيق الْعبارَة فَافْهَم واحفظ. (ف (9)) .
الِابْتِدَاء بِأَمْر: شُرُوعه وَعند أَرْبَاب الْعرُوض هُوَ أول جُزْء من المصراع الثَّانِي
الجزء 1 · صفحة 22
وَعند النُّحَاة خلو الِاسْم وتعريته عَن العوامل اللفظية للإسناد نَحْو الله وَاحِد وَمُحَمّد رَسُول الله. وَهَذَا الْمَعْنى عَامل فِي الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر عِنْد الزَّمَخْشَرِيّ والجزولي وَعند سِيبَوَيْهٍ عَامل فِي الْمُبْتَدَأ والمبتدأ عَامل فِي الْخَبَر. وَقَالَ بَعضهم أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا عَامل فِي الآخر. قيل عَلَيْهِ أَن الْعَامِل يكون مقدما على الْمَعْمُول فَإِذا كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا عَاملا فِي الآخر. يلْزم أَن يكون كل مِنْهُمَا مقدما على الآخر ومتأخرا عَنهُ أَيْضا بل يلْزم تقدم الشَّيْء على نَفسه لِأَن الْمُتَقَدّم على الْمُتَقَدّم على الشَّيْء مُتَقَدم على ذَلِك الشَّيْء. وَالْجَوَاب أَن الْجِهَة متغائرة فَلَا بَأْس بِهِ قيل إِن الْخُلُو أَمر عدمي وَكَذَا التعرية والعدمي لَا يكون مؤثرا وَأجِيب بِأَن الْخُلُو عبارَة عَن إتْيَان الِاسْم بِلَا عَامل لَفْظِي والإتيان وجودي وَيُسمى الْمَعْمُول الأول مُبْتَدأ وَمُسْندًا إِلَيْهِ ومحكوما عَلَيْهِ وموضوعا ومحدثا عَنهُ وَالثَّانِي خَبرا وَمُسْندًا ومحكوما بِهِ ومحمولا وحديثا. وَاعْلَم أَن بَين الْحَدِيثين الشريفين الْمَشْهُورين الواردين فِي الْأَمر بابتداء كل أَمر ذِي بَال بِالتَّسْمِيَةِ والتحميد تعَارض وَوجه التَّعَارُض أَن الْبَاء الجارة فيهمَا للصلة وَالْجَار وَالْمَجْرُور وَاقع موقع الْمَفْعُول بِهِ وَابْتِدَاء أَمر بِشَيْء عبارَة عَن ذكر ذَلِك الشَّيْء فِي أول ذَلِك الْأَمر بجعله جُزْءا أَولا لَهُ إِن كَانَا من جنس وَاحِد كابتداء الْأَلْفَاظ الْمَخْصُوصَة بِلَفْظ الْحَمد وَالتَّسْمِيَة وبجعله مقدما على ذَلِك الْأَمر بِحَيْثُ لَا يكون قبله شَيْء آخر إِن كَانَا من جِنْسَيْنِ كابتداء الْأكل وَالشرب بِالتَّسْمِيَةِ وَالْحَمْد يَعْنِي أَن الِابْتِدَاء فيهمَا مَحْمُول على الْحَقِيقِيّ والابتداء بِهَذَا الْمَعْنى لَا يُمكن بالشيئين بِالضَّرُورَةِ فَالْعَمَل بِأحد الْحَدِيثين يفوت الْعَمَل بِالْآخرِ. فالتعارض مَوْقُوف على أَمريْن كَون الْبَاء للصلة وَكَون الِابْتِدَاء فيهمَا حَقِيقِيًّا. وَدفعه يحصل بِرَفْع مَجْمُوع ذَيْنك الْأَمريْنِ إِمَّا بِرَفْع كل مِنْهُمَا أَو بِرَفْع أَحدهمَا على مَا هُوَ شَأْن رفع الْمَجْمُوع. وَالتَّفْصِيل أَن الْبَاء إِمَّا صلَة الِابْتِدَاء والابتداء فِي كل مِنْهُمَا إِمَّا عرفي أَو إِ ضافي أَو فِي أَحدهمَا حَقِيقِيّ وَفِي الآخر عرفي أَو إضافي أَو الْبَاء فِي أَحدهمَا صلَة الِابْتِدَاء وَفِي الآخر للاستعانة أَو للملابسة أَو فِي كل مِنْهُمَا للاستعانة أَو الملابسة. أما تَقْرِير الدّفع على تَقْدِير كَون الْبَاء فيهمَا للاستعانة فَهُوَ أَن الِابْتِدَاء فيهمَا حَقِيقِيّ وَالْبَاء فيهمَا لَيْسَ صلَة الِابْتِدَاء بل هُوَ بَاء الِاسْتِعَانَة فَالْمَعْنى أَن كل أَمر ذِي بَال لم يبْدَأ ذَلِك الْأَمر باستعانة التَّسْمِيَة والتحميد يكون أَبتر وأقطع. وَلَا ريب فِي أَنه يُمكن الِاسْتِعَانَة فِي أَمر بِأُمُور معتددة فَيجوز أَن يستعان فِي الِابْتِدَاء أَيْضا بِالتَّسْمِيَةِ والتحميد بل بِأُمُور أخر. وَإِنَّمَا حملنَا الِابْتِدَاء على هَذَا الْجَواب على الْحَقِيقِيّ إِذْ لَو حمل على الْعرفِيّ
الجزء 1 · صفحة 23
فَالْجَوَاب هَذَا لِأَن الْبَاء فيهمَا للاستعانة. قيل إِن جُزْء الشَّيْء لَا يكون آلَة لَهُ فَجعل الْبَاء للاستعانة يَقْتَضِي أَن لَا يَجْعَل التَّسْمِيَة والتحميد جزأين من الْمُبْتَدَأ باستعانتهما فليزم أَن لَا يكون أَرْبَاب التَّأْلِيف عاملين بِالْحَدِيثين حَيْثُ جعلوهما جزأين من تأليفاتهم وَالْجَوَاب أَن الْقَائِل بِأَن الْبَاء للاستعانة يلْتَزم عدم الْجُزْئِيَّة وَمن ادّعى الْجُزْئِيَّة فَعَلَيهِ الْبَيَان. وَاعْترض بِأَن جعل الْبَاء للاستعانة يُفْضِي إِلَى سوء الْأَدَب لِأَنَّهُ يلْزم حِينَئِذٍ جعل اسْم الله تَعَالَى آلَة والآلة غير مَقْصُودَة وَالْجَوَاب أَن الحكم بِكَوْن الْآلَة غير مَقْصُودَة إِن كَانَ كليا فَمَمْنُوع. كَيفَ والأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَسَائِل مَعَ أَن الْإِيمَان بهم والتصديق بنبوتهم مقصودان وَإِن كَانَ جزئيا فَلَا ضير لأَنا نقُول إِن هَذَا من تِلْكَ الْآلَات الْمَقْصُودَة ويناقش بِأَن الِابْتِدَاء الْحَقِيقِيّ إِنَّمَا يكون بِأول جُزْء من أَجزَاء الْبَسْمَلَة مثلا فَحمل الِابْتِدَاء على الْحَقِيقِيّ فِي أَحدهمَا غير صَحِيح فضلا عَن أَن يحمل فيهمَا عَلَيْهِ. وَالْجَوَاب أَن المُرَاد بِالِابْتِدَاءِ الْحَقِيقِيّ مَا يكون بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيع مَا عداهُ وبالإضافي مَا يكون بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَعْض على قِيَاس معنى الْقصر الْحَقِيقِيّ والإضافي. والابتداء بِهَذَا الْمَعْنى لَا يُنَافِي أَن يكون بعض الْأَجْزَاء متصفا بالتقديم على الْبَعْض كَمَا أَن اتصاف الْقُرْآن بِكَوْنِهِ فِي أَعلَى مَرَاتِب البلاغة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا سواهُ لَا يُنَافِي أَن يكون بعض سُورَة أبلغ من سُورَة. وَأما تَقْرِير الدّفع على تَقْدِير كَون الْبَاء للملابسة فَهُوَ أَن الِابْتِدَاء فيهمَا مَحْمُول على الْحَقِيقِيّ وَالْبَاء فيهمَا للملابسة فَإِن قيل إِن التَّلَبُّس بهما حِين الِابْتِدَاء محَال لِأَن التَّلَبُّس بهما لَا يتَصَوَّر إِلَّا بذكرهما وذكرهما مَعًا محَال. فَلَو ابْتَدَأَ حِين ذكر التَّسْمِيَة والتلبس بهَا لَا يكون متلبسا بالتحميد وَلَو عكس لَا يكون متلبسا بِالتَّسْمِيَةِ قُلْنَا إِن الملابسة مَعْنَاهَا الملاصقة والاتصال وَهُوَ عَام يَشْمَل الملاصقة بالشَّيْء على وَجه الْجُزْئِيَّة بِأَن يكون ذَلِك الشَّيْء جُزْءا لذَلِك الْأَمر ويشمل الملاصقة بِأَن يذكر الشَّيْء قبل ذَلِك الْأَمر بِدُونِ تخَلّل زمَان متوسط بَينهمَا فَيجوز أَن يَجْعَل الْحَمد جُزْءا من الْكتاب وَيذكر التَّسْمِيَة قبل الْحَمد ملاصقة بِهِ بِلَا توَسط زمَان بَينهمَا فَيكون آن الِابْتِدَاء آن تلبس الْمُبْتَدِي بهما أما التَّلَبُّس بالتحميد فَظَاهر لِأَن آن الِابْتِدَاء بِعَيْنِه آن التَّلَبُّس بالتحميد لِأَن ابْتِدَاء الْأَمر بِعَيْنِه ابْتِدَاء التَّحْمِيد لكَونه جُزْءا مِنْهُ وَإِمَّا بِالتَّسْمِيَةِ فلكونها مَذْكُورَة أَولا بِلَا توَسط زمَان. وَالْحَاصِل أَن التَّلَبُّس بأمرين ممتدين زمانيين زماني لَا بُد أَن يَقع بَين التَّلَبُّس بِالْأَمر الأول والتلبس بِالْأَمر الآخر أَمر مُشْتَرك بَينهمَا بِحَيْثُ يكون أول التَّلَبُّس بِالْآخرِ وَآخر التَّلَبُّس بِالْأولِ مجتمعان فِي ذَلِك الْأَمر الْمُشْتَرك بَينهمَا وَإِذا كَانَ التَّلَبُّس بالبسملة والحمدلة زمانيا لَا بُد أَن يَقع بَين التلبسين بهما أَمر مُشْتَرك بَينهمَا وَهُوَ الْآن الَّذِي وَقع فِيهِ بِالِابْتِدَاءِ الْحَقِيقِيّ. فَإِذا كَانَ الْحَمد جُزْءا من الْكتاب كَانَ الِابْتِدَاء الْحَقِيقِيّ أول حرف من الحمدلة وَهُوَ عين آن ابْتِدَاء التَّلَبُّس بالحمدلة وآن الِانْتِهَاء التَّلَبُّس بالبسملة فآن الِابْتِدَاء آن التَّلَبُّس بهما بِمَعْنى أَن آخر التَّلَبُّس بالبسملة وَأول التَّلَبُّس بالحمدلة قد اجْتمعَا فِي آن الِابْتِدَاء فَيكون آن ابْتِدَاء الْكتاب آن التَّلَبُّس بهما وَيرد على هَذَا الْجَواب أَنه لَا يجْرِي فِيمَا لَا يُمكن جعل أَحدهمَا جُزْءا
الجزء 1 · صفحة 24
كالذبح وَالْأكل وَالشرب وَغير ذَلِك وَسَائِر تقريرات الدّفع وَاضح بِأَدْنَى تَأمل. هَذَا خُلَاصَة مَا فِي حَوَاشِي صَاحب الخيالات اللطيفة والحواشي الحكيمية على شرح العقائد النسفية مَعَ فَوَائِد كَثِيرَة نافعة للناظرين فَافْهَم وَكن من الشَّاكِرِينَ.
الِابْتِدَاء الْحَقِيقِيّ: الِابْتِدَاء بِشَيْء مقدم على جَمِيع الْكتاب مثلا بِحَيْثُ لَا يكون شَيْء آخر مقدما عَلَيْهِ.
الِابْتِدَاء الإضافي: الِابْتِدَاء بِشَيْء مقدم بِالْقِيَاسِ إِلَى أَمر آخر سَوَاء كَانَ مُؤَخرا بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَيْء آخر أَو لَا.
الِابْتِدَاء الْعرفِيّ: هُوَ ذكر الشَّيْء قبل الْمَقْصُود فَيتَنَاوَل الحمدلة بعد الْبَسْمَلَة وَهُوَ أَمر ممتد يُمكن الِابْتِدَاء بِهَذَا الْمَعْنى بِأُمُور مُتعَدِّدَة من التَّسْمِيَة والتحميد وَغَيرهمَا. وَهَذَا الْمَعْنى قد يتَحَقَّق فِي ضمن الِابْتِدَاء الْحَقِيقِيّ وَقد يتَحَقَّق فِي ضمن الإضافي.
الإباضية: هم المنسوبون إِلَى عبد الله بن إباض واعتقادهم أَن مرتكب الْكَبِيرَة موحد وَلَيْسَ بِمُؤْمِن بِنَاء على أَن الْأَعْمَال دَاخِلَة فِي الْإِيمَان عِنْدهم. وَأَن الْمُخَالفين من أهل الْقبْلَة كفار وَكَفرُوا عليا كرم الله وَجهه وَأكْثر الصَّحَابَة رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ.
الْأَبَد: هُوَ الزَّمَان الْغَيْر المتناهي من جَانب الْمُسْتَقْبل. وَقيل اسْتِمْرَار الْوُجُود فِي أزمنة مقدرَة غير متناهية فِي جَانب الْمُسْتَقْبل كَمَا أَن الْأَزَل اسْتِمْرَار الْوُجُود فِي أزمنة مقدرَة غير متناهية فِي جَانب الْمَاضِي.
الأبدي: مَا وجد فِي الْأَبَد وَقيل مَا لَا يكون منعدما والأزلي مَا لَا يكون مَسْبُوقا بِالْعدمِ وَاعْلَم أَن الْوُجُود على ثَلَاثَة أَقسَام لِأَنَّهُ إِمَّا أزلي وأبدي وَهُوَ وجود الله تَعَالَى وتقدس أَو لَا أزلي وَلَا أبدي وَهُوَ وجود الدُّنْيَا أَو أبدي غير أزلي وَهُوَ وجود الْآخِرَة وَعَكسه محَال فَإِن مَا ثَبت قدمه امْتنع عَدمه.
الجزء 1 · صفحة 25
الابتلاع: من البلع وَهُوَ عمل الْحلق دون الشّفة.
الْإِبْدَال: بِالْكَسْرِ (بدل كردن جيزي بجيزي) وَفِي اصْطِلَاح الصّرْف وضع حرف مَكَان حرف آخر سَوَاء كَانَا حرفي عِلّة أَو لَا للتَّخْفِيف. وبالفتح جمع الْبَدَل. وَأَيْضًا رجال سَبْعَة من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى مأمورون بِأُمُور الْخَلَائق من جنابه تَعَالَى وَيعلم من الفواتح أَنهم لَيْسُوا أقطابا وأوتادا وَإِنَّمَا سموا بِهَذَا الِاسْم لِأَن وَاحِدًا مِنْهُم إِذا يَمُوت يقوم بدله وَاحِد من الْأَرْبَعين وَلِأَنَّهُم إِذا انتقلوا من مقَام يقدرُونَ أَن يضعوا أَجْسَادهم فِي ذَلِك الْمقَام. قَالَ بعض الأبدال مَرَرْت بِبِلَاد الْمغرب على طَبِيب والمرضى بَين يَدَيْهِ وَهُوَ يصف لَهُم علاجهم فتقدمت إِلَيْهِ وَقلت عالج مرضِي يَرْحَمك الله فَتَأمل فِي وَجْهي سَاعَة ثمَّ قَالَ خُذ عروق الْفقر وورق الْبَصَر مَعَ إهليلج التَّوَاضُع واجمع الْكل فِي إِنَاء الْيَقِين وصب عَلَيْهِ مَاء الخشية وأوقد تَحْتَهُ نَار الْحزن ثمَّ صفه بمصفاة المراقبة فِي جَام الرِّضَا وامزجه بشراب التَّوَكُّل وتناوله بكف الصدْق واشربه بكأس الاسْتِغْفَار وتمضمض بعده بِمَاء الْوَرع واحتم عَن الْحِرْص والطمع فَإِن الله سُبْحَانَهُ يشفيك إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَفِي الفواتح (جون كسى راحاجتي باشد بايدكه رو بجانبي كندكه ايشان در ان جَانب اندو بكويد) السَّلَام عَلَيْكُم يَا رجال الْغَيْب يَا أَرْوَاح المقدسة أغيثوني بغوثة. انظروني بنظرة. أعينوني بِقُوَّة. (بس بسوى مقصد خود مُتَوَجّه شود وبمقابل ايشان نردد ومقرر است كه ايشان در هر روز از روز هلى ماه بجانبي باشند بدين تَفْصِيل) .
الجزء 1 · صفحة 26
الْإِبْطَال: متعدي الْبطلَان. اعْلَم أَن إبِْطَال الشَّيْء عبارَة عَن إِقَامَة دَلِيل ينْتج بُطْلَانه سَوَاء أقيم على بُطْلَانه أَو على أَمر آخر فَمَعْنَى إبِْطَال التسلسل مثلا إِقَامَة دَلِيل ينْتج بُطْلَانه سَوَاء أقيم على بُطْلَانه بِأَن يُؤْتى لبطلانه قصدا وبالذات أَولا بِأَن يُؤْتى لإِثْبَات الْوَاجِب تَعَالَى مثلا فَإِنَّهُ وَإِن أُتِي لإثباته تَعَالَى لكنه يكون منتجا لبُطْلَان التسلسل أَيْضا وَعَلِيهِ مدَار دفع الِاعْتِرَاض الْوَارِد على الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ فِي شرح العقائد النسفية فِي إِثْبَات الْوَاجِب تَعَالَى حَيْثُ قَالَ وَقد يتَوَهَّم أَن هَذَا دَلِيل على وجود الصَّانِع من غير افتقار إِلَى إبِْطَال التسلسل وَلَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ إِشَارَة إِلَى أحد أَدِلَّة إبِْطَال التسلسل انْتهى. وَتَقْرِير الِاعْتِرَاض أَن قَوْله وَلَيْسَ كَذَلِك صَرِيح فِي أَن إِثْبَات الْوَاجِب بِهَذَا الدَّلِيل مفتقر ومحتاج إِلَى إبِْطَال التسلسل وَيفهم من قَوْله بل هُوَ إِشَارَة الخ أَن هَذَا الدَّلِيل مشير إِلَى بطلَان التسلسل أَي مُسْتَلْزم ومنتج لبطلانه وَلَيْسَ بمفتقر إِلَى إِبْطَاله والافتقار غير الاستلزام. وَحَاصِل الدّفع أَن إبِْطَال التسلسل عِنْد الْمُعْتَرض عبارَة عَن إِقَامَة دَلِيل أقيم على بُطْلَانه لَا على أَمر آخر وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ عبارَة عَن مَا مر آنِفا فالتمسك فِي إِثْبَات الْوَاجِب بِأحد أَدِلَّة بطلَان التسلسل افتقار إِلَى إِقَامَة ذَلِك الدَّلِيل المنتج بُطْلَانه فَيكون ذَلِك التَّمَسُّك افتقارا إِلَى إِبْطَاله إِذْ لَا معنى لإبطاله إِلَّا إِقَامَة دَلِيل ينْتج بُطْلَانه وَهُوَ مُتَحَقق فحاصل قَول الْعَلامَة وَقد يتَوَهَّم أَن هَذَا الدَّلِيل الخ أَنه قد يتَوَهَّم أَن هَذَا دَلِيل على إِثْبَات الْوَاجِب من غير افتقار إِلَى إِقَامَة دَلِيل ينْتج بطلَان التسلسل يَعْنِي قد يتَوَهَّم أَن هَذَا الدَّلِيل الَّذِي أقيم على إِثْبَات الْوَاجِب لَيْسَ من الْأَدِلَّة الَّتِي أُقِيمَت على بطلَان التسلسل وَلَيْسَ كَذَلِك بل هَذَا الدَّلِيل من جملَة أَدِلَّة بُطْلَانه فالافتقار فِي إِثْبَات الْوَاجِب إِلَى إِقَامَة هَذَا الدَّلِيل افتقار إِلَى إِقَامَة دَلِيل ينْتج بطلَان التسلسل وَإِن لم يقم عَلَيْهِ فَإِن قيل مَا الْقَرِينَة على أَن المُرَاد بِإِبْطَال التسلسل ذَلِك الْمَعْنى قُلْنَا إِن الْعَلامَة اخْتَار لفظ الْإِبْطَال فِي قَوْله بل هُوَ إِشَارَة إِلَى أحد أَدِلَّة إبِْطَال التسلسل دون أَن يَقُول بُطْلَانه. وَقَالَ أفضل الْمُتَأَخِّرين الشَّيْخ عبد الْحَكِيم رَحمَه الله وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن معنى الْإِبْطَال إِقَامَة دَلِيل ينْتج الْبطلَان مُطلقًا إِذْ لَو كَانَ مَعْنَاهُ إِقَامَة الدَّلِيل على بطلَان التسلسل لَا تصح الْعبارَة الْمَذْكُورَة إِذْ يصير الْمَعْنى بل هَذَا الدَّلِيل إِشَارَة إِلَى أحد أَدِلَّة أُقِيمَت على بطلَان التسلسل وَلَا يخفى فَسَاده لِأَن هَذَا الدَّلِيل لم يقم على بُطْلَانه بل على إِثْبَات الْوَاجِب نعم إِنَّه وَاحِد من الْأَدِلَّة الَّتِي إِقَامَتهَا ينْتج الْبطلَان لَا يُقَال إِنَّمَا يلْزم الْفساد الْمَذْكُور لَو كَانَ عبارَة الشَّارِح بل هُوَ من أحد أَدِلَّة إبِْطَال التسلسل وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن عِبَارَته صَرِيحَة فِي أَنه إِشَارَة إِلَى أحد أَدِلَّة بطلَان التسلسل وَلَا خَفَاء فِي أَن كَون هَذَا الدَّلِيل مقَاما على إِثْبَات الْوَاجِب لَا يُنَافِي كَونه إِشَارَة إِلَى دَلِيل أقيم على بطلَان التسلسل إِنَّمَا يُنَافِيهِ كَونه نفس ذَلِك الدَّلِيل على مَا اعْترف بِهِ لأَنا نقُول لَيْسَ مُرَاد الشَّارِح من إِيرَاد لفظ الْإِشَارَة أَنه لَيْسَ من أَدِلَّة بطلَان التسلسل وَأَنه إِشَارَة إِلَيْهِ إِذْ لَا يكون هَذَا الدَّلِيل حِينَئِذٍ مستلزما لبُطْلَان التسلسل فضلا عَن الافتقار إِذْ كَون الدَّلِيل إِشَارَة وإيماء إِلَى دَلِيل لَا يسْتَلْزم كَونه
الجزء 1 · صفحة 27
مستلزما لنتيجة ذَلِك الدَّلِيل بل مَقْصُوده أَنه وَاحِد من أَدِلَّة إبِْطَال التسلسل إِلَّا أَنه أورد لفظ الْإِشَارَة لِأَنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا فِي إبِْطَال التسلسل إِذْ لم يقم عَلَيْهِ بل على إِثْبَات الْوَاجِب فَيكون إِشَارَة إِلَيْهِ وَلَا يخفى أَنه حِينَئِذٍ يلْزم الْفساد على تَقْدِير حمل الْإِبْطَال على إِقَامَة الدَّلِيل على الْبطلَان هَذَا وَالْحق أَن معنى الْإِبْطَال إِقَامَة الدَّلِيل على الْبطلَان كَمَا تشهد بِهِ الْفطْرَة السليمة وَقَول الشَّارِح بل هُوَ إِشَارَة إِلَى أحد أَدِلَّة إِبْطَاله مَحْمُول على الْمُسَامحَة وَلذَا غَيره فِي بعض النّسخ إِلَى الْبطلَان فالإيراد الْمَذْكُور فِي غَايَة الْقُوَّة انْتهى. (ف (10)) .
الْإِبَاق: هُوَ التمرد فِي الانطلاق. وَهُوَ من سوء الْأَخْلَاق، ورداءة الأعراق، فِي الْعَيْنِيّ شرح كنز الدقائق الآباق مصدر من أبق العَبْد إِذا هرب وَالْفَاعِل مِنْهُ آبق وَهُوَ العَبْد المتمرد على مَوْلَاهُ.
بَاب الْألف مَعَ التَّاء
الاتصاف: قيام بِشَيْء وَكَونه متصفا بِهِ انضماما أَو انتزاعا. أما الانضمامي فَهُوَ أَن يكون الْمَوْصُوف وَالصّفة موجودان فِي ظرف الاتصاف كقيام الْبيَاض بالجسم. وَأما الانتزاعي فَهُوَ أَن يكون الْمَوْصُوف فِي ظرف الاتصاف بِحَيْثُ يَصح انتزاع الصّفة عَنهُ كاتصاف الْفلك بالفوقية وَزيد بالعمى. وَيعلم من هَا هُنَا أَن وجود الطَّرفَيْنِ فِي ظرف الاتصاف لَا بُد مِنْهُ فِي الانضمامي دون الانتزاعي فَإِنَّهُ لَا بُد فِيهِ من وجود الْمَوْصُوف فَقَط فِي ظرف الاتصاف بِحَيْثُ يُمكن انتزاع الْوَصْف مِنْهُ فطبيعة الاتصاف من حَيْثُ هِيَ تستدعي تحقق الْمَوْصُوف مُطلقًا والاتصاف الْخَارِجِي يَسْتَدْعِي تحَققه فِي الْخَارِج والاتصاف الذهْنِي يَسْتَدْعِي تحَققه فِي الذِّهْن. وَأما الصّفة فَهِيَ بخصوصها وَلَا بخصوصها بمعزل عَن هَذَا الحكم وتفصيله أَن طبيعة الاتصاف تَسْتَلْزِم ثُبُوت الحاشيتين فِي ظرف مَا لَا على سَبِيل التَّوَقُّف وخصوص الاتصاف الانضمامي يسْتَلْزم ثبوتهما فِي ظرف الاتصاف على سَبِيل التَّوَقُّف وخصوص الاتصاف الانتزاعي يسْتَلْزم ثُبُوت الْمَوْصُوف فِي ظرف الْإِثْبَات وَثُبُوت الصّفة فِي ظرف مَا لَا على سَبِيل التَّوَقُّف فَافْهَم. والاتصاف الانضمامي اتصاف حَقِيقِيّ. والاتصاف الانتزاعي اتصاف بِحَسب الظَّاهِر وَلَيْسَ اتصافا بِحَسب الْحَقِيقَة فَيكون الْوَصْف الانضمامي مَوْجُودا لموصوفه حَقِيقَة،
الجزء 1 · صفحة 28
وَالْوَصْف الانتزاعي لَيْسَ مَوْجُودا لَهُ حَقِيقَة ضَرُورَة أَن وجود الْوَصْف لموصوفه هُوَ اتصافه بِهِ وَقد يُطلق الاتصاف على كَون الْمَاهِيّة فِي ظرف مَا بِحَيْثُ يَصح انتزاع الْوَصْف عَنْهَا. وَهَذَا تَفْصِيل مَا قَالُوا إِن حُصُول شَيْء لآخر إِذا كَانَ وجود الْعرض لموضوعه يَقْتَضِي وجود ذَلِك الشَّيْء أَيْضا وَإِلَّا لجَاز اتصاف الْجِسْم بِالسَّوَادِ الْمَعْدُوم بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ بطرِيق الاتصاف وَالْحمل فَإِنَّهُ يَقْتَضِي وجود الْمُثبت دون الْمُثبت لجَوَاز أَن يكون الاتصاف انتزاعا. فَلَا يرد أَن قَوْلنَا زيد أعمى قَضِيَّة خارجية مَعَ عدمية الْعَمى فِي الْخَارِج. نعم لَو صدق أَن الْعَمى حَاصِل لزيد فِي الْخَارِج بِمَعْنى وجوده لَهُ لاقتضى وجود الْعَمى أَيْضا فِيهِ، وَهَا هُنَا مغالطة مَشْهُورَة، تقريرها أَنه لَا يجوز اتصاف شَيْء بِصفة مَخْصُوصَة بِهِ. بَيَان ذَلِك أَنه لَو كَانَ السوَاد ثَابتا لزيد مثلا لَكَانَ ذَلِك السوَاد ثَابتا لجَمِيع الْأَشْيَاء وَبَيَان الْمُلَازمَة أَن السوَاد إِذا كَانَ ثَابتا لزيد لم يكن عدم السوَاد أمرا شَامِلًا لجَمِيع الْأَشْيَاء إِذْ من جملَة جَمِيع الْأَشْيَاء هُوَ زيد الَّذِي فرض كَونه معروضا للسواد وَإِذا لم يكن عدم السوَاد شَامِلًا لجَمِيع الْأَشْيَاء يجب أَن يكون السوَاد شَامِلًا لجَمِيع الْأَشْيَاء حَتَّى لَا يرْتَفع النقيضان.
وَاعْلَم أَنه يُمكن إِجْرَاء هَذِه المغالطة فِي نفي الْوُجُود عَن جَمِيع الموجودات وَنفي التَّكْلِيف وَنفي صِفَات الْوَاجِب وَنفي الامتياز بَين الْأَشْيَاء وَنفي الجزئي الْحَقِيقِيّ والشخصي وَنفي امْتنَاع كَون الْمَعْدُوم عِلّة فاعلية وَفِي إِثْبَات قيام الصّفة الْوَاحِدَة بالشخص بمحلين وَكَون صانع الْعَالم مُمكنا وَكَون جَمِيع الكائنات ملونا بلون خَاص كالسواد كَمَا لَا يخفى على من لَهُ أدنى حدس وحلها (منع كبري) الْقيَاس الْمَذْكُور لبَيَان الْمُلَازمَة إِذْ اللَّازِم كَون كل من الْأَشْيَاء مندرجة تَحت أحد النقيضين لَا أَن يكون أحد النقيضين شَامِلًا لجَمِيع الْأَشْيَاء فَجَاز أَن يكون بعض الْأَشْيَاء مندرجا تَحت أحد النقيضين وَالْبَعْض الآخر مندرجا تَحت النقيض الآخر فَافْهَم واحفظ.
الاتفاقية: فِي الْمُتَّصِلَة الاتفاقية.
الِاتِّحَاد: صيرورة الذاتين أَو الذوات وَاحِدَة وَلَا يكون إِلَّا فِي الْعدَد من اثْنَيْنِ
الجزء 1 · صفحة 29
فَصَاعِدا. وَأما صيرورة شَيْء عين شَيْء آخر بِأَن يكون هُنَاكَ زيد وَعَمْرو مثلا فيتحدان بِأَن يصير زيد بِعَيْنِه عمر أَو بِالْعَكْسِ فممتنع لِأَنَّهُمَا بعد الِاتِّحَاد إِن كَانَا موجودين كَانَا اثْنَيْنِ لَا وَاحِدًا وَإِن كَانَ أَحدهمَا فَقَط مَوْجُودا كَانَ هَذَا فنَاء لأَحَدهمَا وَبَقَاء لآخر وَإِن لم يكن شَيْء مِنْهُمَا مَوْجُودا كَانَ هَذَا فنَاء لَهما وحدوث ثَالِث وَالْكل بِخِلَاف الْمَفْرُوض. فَإِن قلت لَا نسلم امْتنَاع الِاتِّحَاد بَين الشَّيْئَيْنِ بِسَنَد أَنهم قَائِلُونَ بالجعل الْمُؤلف الْمُقْتَضِي اتِّحَاد المفعولين. قلت الْجعل الْمُؤلف هُوَ جعل الشَّيْء شَيْئا وتصييره إِيَّاه وأثره الْمُتَرَتب عَلَيْهِ هُوَ مفَاد الْهَيْئَة التركيبية الحملية فمقتضاه الِاتِّحَاد الحملي لَا الِاتِّحَاد الْعَيْنِيّ بِالِاسْمِ والرسم فَلَا بُد أَن يكون الْمَفْعُول الثَّانِي مِمَّا يَصح حمله على الأول والاتحاد الحملي لَيْسَ مَعْنَاهُ صيرورة الْمَحْمُول عين الْمَوْضُوع وذاته فَإِن الْحمل عبارَة عَن اتِّحَاد المتغائرين ذهنا فِي الْوُجُود خَارِجا فِي نفس وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَن الْوُجُود قَائِم بهما بل مَعْنَاهُ أَن الْوُجُود لأَحَدهمَا بِالْأَصَالَةِ وَللْآخر بالتبع مَا يكون منتزعا عَنهُ. فَلَا يرد أَن الْوُجُود عرض وَقيام الْعرض بمحلين مُخْتَلفين مُمْتَنع فَكيف يتَصَوَّر اتِّحَاد المتغائرين فِي الْوُجُود. ثمَّ اعْلَم أَن الْمَفْعُول الثَّانِي إِن لم يكن مِمَّا يَصح حمله على الأول مواطأة فَلَيْسَ هُنَاكَ الْجعل الْمُؤلف لِأَن مفاده حِينَئِذٍ صيرورة شَيْء عين شَيْء آخر وَلذَا قَالُوا إِن الضياء والنور فِي قَوْله تَعَالَى {جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نورا} بِمَعْنى المضيء وَالْمُنَوّر. فَإِن قلت صيرورة شَيْء عين شَيْء آخر جَائِز بل وَاقع فَإِن المَاء يصير هَوَاء وَبِالْعَكْسِ فامتناع الِاتِّحَاد الْمَذْكُور مَمْنُوع. قلت صيرورة المَاء هَوَاء وَبِالْعَكْسِ مجازي لَا حَقِيقِيّ والمحال هُوَ الِاتِّحَاد الْحَقِيقِيّ فَإِن الِاتِّحَاد يُطلق مجَازًا على صيرورة شَيْء شَيْئا بطرِيق الاستحالة أَي التَّغَيُّر والانتقال دفعيا كَانَ أَو تدريجيا كَمَا يُقَال صَار المَاء هَوَاء وَالْأسود أَبيض. وعَلى صيرورة شَيْء شَيْئا آخر بطرِيق التَّرْكِيب حَتَّى يحصل شَيْء ثَالِث كَمَا يُقَال صَار التُّرَاب طينا والخشب سريرا. والاتحاد بِهَذَيْنِ الْمَعْنيين جَائِز بل وَاقع وَهَذَا نبذ مِمَّا حررناه فِي الْحَوَاشِي على حَوَاشِي الزَّاهِد على الْحَوَاشِي الجلالية على تَهْذِيب الْمنطق.
الِاتِّصَال: مَشْهُور وَعند الصُّوفِيَّة الِاتِّحَاد هُوَ شُهُود الْحق الْوَاحِد الْمُطلق الَّذِي كل بِهِ مَوْجُود فيتحد بِهِ الْكل من حَيْثُ كَون الْكل مَوْجُودا بِهِ مَعْدُوما بِنَفسِهِ لَا من
الجزء 1 · صفحة 30
حَيْثُ إِن لَهُ وجودا خارجيا اتَّحد بِهِ فَإِنَّهُ محَال. والاتصال هُوَ مُلَاحظَة العَبْد عينه مُتَّصِلا بالوجود الأحدي بِقطع النّظر عَن تَقْيِيد وجوده بِعَيْنِه وَإِسْقَاط إِضَافَته إِلَيْهِ فَيرى اتِّصَال مدد الْوُجُود وَنَفس الرَّحْمَن إِلَيْهِ على الدَّوَام بِلَا انْقِطَاع حَتَّى يبْقى مَوْجُودا بِهِ.
اتِّصَال التربيع: اتِّصَال جِدَار بجدار بِحَيْثُ يتداخل بِنَاء هَذَا الْجِدَار بِنَاء ذَلِك وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره وَإِنَّمَا سمي اتِّصَال التربيع لِأَنَّهُمَا إِنَّمَا يبنيان بخيط مَعَ جدارين آخَرين بمَكَان مربع.
الاتخاذ: عِنْد أَصْحَاب التصريف جعل الْفَاعِل الْمَفْعُول أصل الْفِعْل نَحْو توسدت التُّرَاب أَي أَخَذته وسَادَة.
الاتقان: معرفَة الْأَدِلَّة بعللها وَضبط الْقَوَاعِد الْكُلية بجزئياتها.
بَاب الْألف مَعَ الثَّاء
الْإِثْبَات: هُوَ بِأَن تَقول إِن هَذَا ذَاك بِخِلَاف النَّفْي.
أثر الشَّيْء: حكمه الْمُتَرَتب عَلَيْهِ بطرِيق المعلولية وَقد يُقَال أثر الشَّيْء وَيُرَاد غَرَضه وغايته فَإِن أثر الشَّيْء أَي معلولة كَمَا يكون بعده كَذَلِك الْغَرَض من الشَّيْء وغايته يكون بعد ذَلِك الشَّيْء. وَالْفرق بَين الْأَثر والمأثور أَن الْمَأْثُور يُطلق على القَوْل وَالْفِعْل والأثر لَا يُطلق إِلَّا على القَوْل. وَالْفرق بَين الْأَخْبَار والْآثَار عِنْد الْفُقَهَاء أَن الْأَخْبَار مَرْفُوعَة إِلَى الشَّارِع والْآثَار إِلَى الصَّحَابَة.
الجزء 1 · صفحة 31
الْأَثِير: الْخَالِص الْمُخْتَار وَبِمَعْنى الموبر أَيْضا وَيُقَال للأفلاك وَمَا فِيهَا من الْكَوَاكِب أجرام أثيرية لتأثيرها فِي عَالم العناصر أَو لكَونهَا فِي ذَاتهَا خَالِصَة مختارة لصفائها وجلائها وعظمة شَأْنهَا.
بَاب الْألف مَعَ الْجِيم
الأجرد من لَا يكون على بدنه شعر وتثنيته جرداوان وَجمعه جرد.
الْإِجَارَة: بِالْكَسْرِ فعالة من أجر يُؤجر من بَاب الْأَفْعَال بِمَعْنى الْأُجْرَة وَهِي اسْم لَهَا وَهِي بيع الْمَنَافِع لُغَة وَفِي الشَّرْع عقد على الْمَنَافِع بعوض هُوَ مَال أَي بيع نفع مَعْلُوم جِنْسا وَقدرا بعوض مَالِي أَو نفع من غير جنس الْمَعْقُود عَلَيْهِ كسكنى دَار بركوب دَابَّة وَلَا يجوز بسكنى دَار أُخْرَى. وَلَا بُد أَن يكون ذَلِك الْعِوَض أَيْضا مَعْلُوما قدرا أَو صفة سَوَاء كَانَ دينا أَو عينا. وَالْمرَاد بِالدّينِ هَا هُنَا مثل النَّقْدَيْنِ والمكيل وَالْمَوْزُون وبالعين كالثياب وَالْعَبِيد.
الْأَجِير الْخَاص: هُوَ الَّذِي يسْتَحق الْإِجَارَة بِتَسْلِيم نَفسه فِي الْمدَّة عمل أَو لم يعْمل كراعي الْغنم وَالْخَادِم بالمشاهرة.
الْأَجِير الْمُشْتَرك: من يعْمل لغير وَاحِد كالخياط والصباغ.
الأجوف: فِي المعتل.
الِاجْتِمَاع: فِي الأكوان وَأما الِاجْتِمَاع الَّذِي عِنْد أَرْبَاب النُّجُوم فَفِي الاحتراق.
اجْتِمَاع الساكنين: على حَده هُوَ مَا كَانَ السَّاكِن الأول حرف لين وَالثَّانِي مدغما مثل دَابَّة وَخُوَيصة فِي تَصْغِير خَاصَّة واللين أَعم من الْمَدّ وَمن قَالَ هُوَ مَا كَانَ السَّاكِن الأول حرف مد وَالثَّانِي مدغما أَرَادَ بِالْمدِّ اللين وَهُوَ جَائِز مُطلقًا وَاشْترط بَعضهم فِي جَوَازه كَون الساكنين فِي كلمة وَاحِدَة فَحذف الْوَاو وَالْيَاء فِي افعلن وافعلن
الجزء 1 · صفحة 32
جمع الْمُذكر الْحَاضِر والواحدة الْمُؤَنَّث الْحَاضِرَة عِنْد الْجُمْهُور للتَّخْفِيف وَوُجُود الدَّال أَعنِي الضمة والكسرة لَا لِاجْتِمَاع الساكنين على غير حَده وَعند ذَلِك الْبَعْض لِاجْتِمَاع الساكنين على غير حَده لفَوَات الشَّرْط الْمَذْكُور.
اجْتِمَاع الساكنين على غير حَده: مَا كَانَ على خلاف الساكنين على حَده وَإِمَّا بِأَن لَا يكون السَّاكِن الأول حرف لين أَولا يكون الثَّانِي مدغما أَو لَا يكون الساكنان فِي كلمة وَاحِدَة بل فِي كَلِمَتَيْنِ وَهَذَا عِنْد الْبَعْض. وتفصيل اجْتِمَاع الساكنين فِي التقاء الساكنين.
الاجماع: فِي اللُّغَة الْعَزْم والاتفاق يُقَال أجمع فلَان على كَذَا أَي عزم وَأجْمع الْقَوْم على كَذَا أَي اتَّفقُوا. وَفِي الِاصْطِلَاح اتِّفَاق الْمُجْتَهدين من أمة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي كل عصر على أَمر ديني وَالتَّفْصِيل وَالتَّحْقِيق فِي أَصْحَاب الْفَرَائِض وَعلم أصُول الْفِقْه إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الْإِجْمَاع الْمركب: هُوَ الِاتِّفَاق فِي الحكم مَعَ الِاخْتِلَاف فِي المأخذ لَكِن يصير الحكم مُخْتَلفا فِيهِ لفساد أحد المأخذين مِثَاله انْعَقَد الاجماع على انْتِقَاض الطَّهَارَة عِنْد وجود الْقَيْء والمس مَعًا لَكِن مَأْخَذ الانتقاض عندنَا الْقَيْء وَعند الشَّافِعِي رَحمَه الله الْمس فَلَو قدر عدم كَون الْقَيْء ناقضا نَحن لَا نقُول بالانتقاض بالمس ثمَّ فَلم يبْق الْإِجْمَاع وَلَو قدر عدم كَون الْمس ناقضا فالشافعي لَا يَقُول بالانتقاض أَيْضا فَلم يبْق الْإِجْمَاع أَيْضا.
الأجرام: جمع الجرم بِكَسْر الْجِيم يُطلق على الْفلك وَمَا فِيهِ من الْأَجْسَام
الجزء 1 · صفحة 33
الصافية كالكواكب. والجسم يُطلق على مَا تَحت الْفلك من العناصر الْأَرْبَعَة والمواليد الثَّلَاثَة فَلَا فرق بَين الأجرام والأجسام إِلَّا فِي الْإِطْلَاق لِأَن الأفلاك وَمَا فِيهَا والعناصر وَمَا يتَوَلَّد مِنْهَا أجسام لَا غير وَلِهَذَا قَالُوا الأجرام الفلكية هِيَ الْأَجْسَام الَّتِي فَوق العناصر من الأفلاك وَالْكَوَاكِب كَأَن الجرم هُوَ الْجِسْم الصافي.
الْأَجْسَام الطبيعية: تعلم من الْجِسْم الطبيعي. وَعند الطَّائِفَة الْعلية الصُّوفِيَّة عبارَة عَن الْعَرْش والكرسي.
الْأَجْسَام العنصرية: عبارَة عَن كل مَا عدا الأجرام والأجسام الطبيعية من السَّمَاوَات وَمَا فِيهَا من الاسطقسات.
الْأَجْسَام الْمُخْتَلفَة الطباع: العناصر وَمَا يتركب هُنَا من المواليد الثَّلَاثَة.
الْأَجْسَام البسيطة: المستقيمة الحركات أَي الْأَجْسَام الَّتِي موَاضعهَا الطبيعية دَاخِلَة جَوف فلك الْقَمَر وَيُقَال لَهَا بِاعْتِبَار أَنَّهَا أَجزَاء للمركبات أَرْكَان إِذْ ركن الشَّيْء جزؤه وَبِاعْتِبَار أَنَّهَا أصُول لما يتألف مِنْهَا اسطقسات وعناصر لِأَن الاسطقس هُوَ الأَصْل بلغَة اليونان وَكَذَا العنصر بلغَة الْعَرَب إِلَّا أَن إِطْلَاق الاسطقسات عَلَيْهَا بِاعْتِبَار أَن المركبات تتألف مِنْهَا وَإِطْلَاق العناصر بِاعْتِبَار أَنَّهَا منحل إِلَيْهَا فلوحظ فِي إِطْلَاق لفظ الاسطقسات معنى الْكَوْن وَفِي إِطْلَاق لفظ العنصر معنى الْفساد. هَذَا مَا ذكره السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره.
الْإِجْمَال: إِيرَاد الْكَلَام على وَجه يحْتَمل أمورا مُتعَدِّدَة فالتفصيل تعْيين بعض تِلْكَ المحتملات أَو كلهَا.
الْأَجَل: هُوَ الْوَقْت الْمُقدر للْمَوْت وَهُوَ وَاحِد عندنَا خلافًا للفلاسفة فَإِن الْأَجَل عِنْدهم للحيوان أجلان أَحدهمَا: طبيعي هُوَ وَقت مَوته بتحلل رطوبته وانطفاء حرارته الغريزيتين. وَثَانِيهمَا: اخترامي بِحَسب الْآفَات والأمراض (والاخترام) الإهلاك وَخِلَافًا للكعبي من الْمُعْتَزلَة فَإِن للمقتول عِنْده أجلين الْقَتْل وَالْمَوْت. وَفِي كَون الْمَقْتُول مَيتا بأجله اخْتِلَاف. عِنْد جُمْهُور الْمُعْتَزلَة لَيْسَ بميت بأجله فَإِنَّهُم يَزْعمُونَ أَن الله تَعَالَى مد أَجله وَالْقَاتِل قد قطع عَلَيْهِ الْأَجَل فَلهم قطع بامتداد الْعُمر بِأَنَّهُ لَو لم يقْتله الْقَاتِل لعاش إِلَى مُدَّة أَجله. وَذهب أَبُو الْهُذيْل مِنْهُم إِلَى الْقطع بِالْمَوْتِ بدل الْقَتْل فَإِنَّهُ قَالَ لَو لم يقتل لمات بدل
الجزء 1 · صفحة 34
الْقَتْل. وَعِنْدنَا الْمَقْتُول ميت بأجله أَي بِالْوَقْتِ الْمُقدر لمَوْته وَلَو لم يقتل لجَاز أَن يَمُوت فِي ذَلِك الْوَقْت وَأَن لَا يَمُوت لِأَنَّهُ لَا قطع وَلَا يَقِين بامتداد الْعُمر وَلَا بِالْمَوْتِ بدل الْقَتْل فَلَا قطع بِالْمَوْتِ والحياة لَو لم يقتل. فَإِن قيل مَا الْفرق بَين مَذْهَب جُمْهُور الْمُعْتَزلَة وَأهل السّنة فَإِن المُرَاد بالأجل إِذا كَانَ زمَان بطلَان الْحَيَاة فِي علم الله تَعَالَى كَانَ الْمَقْتُول مَيتا بأجله قطعا وَإِن قيد بطلَان الْحَيَاة بِأَن لَا يَتَرَتَّب على فعل من العَبْد لم يكن كَذَلِك قطعا من غير تصور خلاف فالنزاع لَفْظِي كَمَا زَعمه الْأُسْتَاذ وَكثير من الْمُحَقِّقين. قُلْنَا النزاع معنوي وَالْمرَاد بالأجل زمَان بطلَان الْحَيَاة فِي علم الله تَعَالَى لَكِن لَا مُطلقًا بل مَا علمه وَقدره بطرِيق الْقطع بِحَيْثُ لَا مخلص عَنهُ وَلَا تقدم وَلَا تَأَخّر على مَا يُشِير إِلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} . وَحِينَئِذٍ الْخلاف رَاجع إِلَى أَنه هَل تحقق ذَلِك الْأَجَل فِي حق الْمَقْتُول أم الْمَعْلُوم فِي حَقه إِن قتل مَاتَ وَإِلَّا فيعيش وَلَا يلْزم من عدم تحقق ذَلِك الْأَجَل فِي الْمَقْتُول تخلف الْعلم عَن الْمَعْلُوم لجَوَاز أَن يعلم تقدم مَوته بِالْقَتْلِ مَعَ تَأَخّر الْأَجَل الَّذِي لَا يُمكن تخلفه عَنهُ كَذَا فِي الْحَوَاشِي الحكيمية وَقَالَ صَاحب ... إِن قلت لَا يتَصَوَّر الاستقدام عِنْد مَجِيئه فَلَا فَائِدَة فِي نَفْيه. قلت، قَوْله تَعَالَى {لَا يَسْتَقْدِمُونَ} عطف على الْجُمْلَة الشّرطِيَّة لَا الجزائية فَلَا يتَقَيَّد بِالشّرطِ انْتهى فَمَعْنَى الْآيَة لكل أمة أجل فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ عَنهُ وَلكُل أمة أجل لَا يَسْتَقْدِمُونَ عَلَيْهِ.
الِاجْتِهَاد: فِي اللُّغَة تحمل الْجد أَي الْمَشَقَّة وَفِي الِاصْطِلَاح استفراغ الْفَقِيه الوسع لتَحْصِيل ظن لحكم شَرْعِي. وَبِعِبَارَة أُخْرَى بذل المجهود لنيل الْمَقْصُود وَمعنى استفراغ الوسع بذل تَمام الطَّاقَة بِحَيْثُ يحس من نَفسه الْعَجز عَن الْمَزِيد عَلَيْهِ وأركانه وشروطه فِي أصُول الْفِقْه.
اجْتِمَاع النقيضين: محَال بِالضَّرُورَةِ فَإِن قيل إِن زيد الْكَاتِب الْأسود قد اجْتمع فِيهِ نقيضان إِذْ الْكِتَابَة فَرد اللاأسود لصدقه عَلَيْهَا واتصاف الشَّيْء بالخاص يسْتَلْزم اتصافه بِالْعَام فليزم من اتصاف زيد بِالْكِتَابَةِ اتصافه باللاأسود وَقد فَرضنَا أَنه متصف بالأسود أَيْضا فَيلْزم اجْتِمَاع النقيضين فِي زيد الْكَاتِب الْأسود. قُلْنَا لَا نسلم كُلية كَون الاتصاف بالخاص مستلزما للاتصاف بِالْعلمِ نعم إِذا كَانَ الْعَام ذاتيا للخاص فالاستلزام مُسلم لَكِن كَون كل عَام ذاتيا للخاص مِنْهُ مَمْنُوع وَلَو سلمنَا تِلْكَ الْكُلية فَنَقُول إِن فِي زيد الْكَاتِب الْأسود جِهَتَيْنِ يَتَّصِف بِاعْتِبَار كل وَاحِد مِنْهُمَا بِأحد النقيضين بل فِي زيد شَيْئَانِ يَتَّصِف كل وَاحِد مِنْهُمَا بِأحد النقيضين وَلَا مَحْذُور فِيهِ. فَإِن قيل اجْتِمَاع النقيضين وَاقع بِالْقِيَاسِ الْمُؤلف من الشرطيتين اللزوميتين على هَيْئَة الشكل الثَّالِث هَكَذَا كلما تحقق النقيضان تحقق أَحدهمَا وَكلما تحقق النقيضان تحقق الآخر ينْتج قد يكون إِذا تحقق أحد النقيضين تحقق الآخر
الجزء 1 · صفحة 35
وَهُوَ اجْتِمَاع النقيضين. قُلْنَا إنتاج هَذَا الضَّرْب من الشكل الثَّالِث مَمْنُوع كَمَا بَين فِي مَوْضِعه وَلَك أَن تورد شُبْهَة جذر الْأَصَم فِي إِثْبَات جَوَاز اجْتِمَاع النقيضين أَيْضا.
أَجْمَعِينَ: من أَلْفَاظ التَّأْكِيد الْمَعْنَوِيّ يُفِيد شُمُول الحكم لجَمِيع أَفْرَاد الْمُؤَكّد إِن كَانَ ذَا أَفْرَاد أَو لجَمِيع أَجْزَائِهِ إِن كَانَ ذَا أَجزَاء مثل يحْشر النَّاس أَجْمَعُونَ وَجَاءَنِي الْقَوْم أَجْمَعُونَ. وَقَالَ جلال الْعلمَاء الدواني رَحمَه الله فِي الأنموذج الَّذِي جعله تحفة لسلطان مَحْمُود بيكره (سُلْطَان الكجرات) الْمَسْأَلَة السَّادِسَة من التَّفْسِير قَوْله تَعَالَى {وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ} . يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ دُخُول جَمِيع الْفَرِيقَيْنِ فِي جَهَنَّم والمعلوم من الْأَخْبَار والْآثَار وَسَائِر الْآيَات خِلَافه. وَأجَاب بعض الْمُفَسّرين عَنهُ بِأَن ذَلِك مثل مَلَأت الْكيس من الدَّرَاهِم أَجْمَعِينَ وَهُوَ لَا يَقْتَضِي دُخُول جَمِيع الدَّرَاهِم فِي الْكيس وَلَا يخفى مَا فِيهِ فَإِنَّهُ إِذا نظر إِلَى أَن يُقَال مَلَأت الْكيس من جَمِيع الدَّرَاهِم وَهُوَ بِظَاهِرِهِ يَقْتَضِي دُخُول جَمِيع الدَّرَاهِم فِيهِ فَالْكَلَام فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي المبحث وَالْحق فِي الْجَواب أَن يُقَال المُرَاد بِلَفْظ أَجْمَعِينَ تَعْمِيم الْأَصْنَاف وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي دُخُول جَمِيع الْأَفْرَاد كَمَا إِذا قلت مَلَأت الجراب من جَمِيع أَصْنَاف الطَّعَام وَلَا يَقْتَضِي ذَلِك إِلَّا أَن يكون فِيهِ شَيْء من كل صنف من الْأَصْنَاف لَا أَن يكون فِيهِ جَمِيع أَفْرَاد الطَّعَام وكقولك املأ الْمجْلس من جَمِيع أَصْنَاف النَّاس لَا يَقْتَضِي أَن يكون فِي الْمجْلس جَمِيع أَفْرَاد النَّاس بل أَن يكون فِيهِ من كل صنف فَرد وَذَلِكَ ظَاهر وعَلى هَذَا يظْهر فَائِدَة لفظ أَجْمَعِينَ إِذْ فِيهِ رد على الْيَهُود وَغَيرهم مِمَّن يزْعم أَنهم لَا يدْخلُونَ النَّار انْتهى أَيهَا الْخَلِيل الْجَلِيل أَلا يخْطر بخيالك أَن مَا ذكره الْجلَال رَحمَه الله بعيد بمراحل عَن جَلَاله. أَو لَا يجلو علينا مَا خطر بِبَالِهِ. أَلا تعلم أَن الْجَواب الَّذِي وسمه بِالْحَقِّ يُنَادي نِدَاء يسمعهُ الثَّقَلَان أَنه يدْخل فِي النَّار فَرد من كل صنف من الْجِنّ وَالْإِنْسَان. فَيلْزم أَن يدْخل وَاحِد من الْأَنْبِيَاء والأولياء وَالصبيان. وَالْأَمر على خِلَافه بالدلائل القاطعة وساطع الْبُرْهَان. اللَّهُمَّ احفظنا من خسران اللِّسَان. وَإِن أنْكرت كَون النَّبِي وَالْوَلِيّ وَالصَّبِيّ صنفا من الْإِنْسَان، فلعلك فِي صنف آخر أما سَمِعت أَن النَّوْع الْمُقَيد بالقيد العرضي صنف فَعَلَيْك بَيَان صنفك وَالْجَوَاب النَّاطِق بِالْحَقِّ وَالصَّوَاب أَن المُرَاد بِالْجنَّةِ وَالنَّاس العصاة بل الْكفَّار مِنْهُمَا لَا مُطلقًا باستعانة لَام الْعَهْد لبت شعري لم ترك رَحمَه الله هَذَا الْجَواب مَعَ ظُهُوره وسلامته عَن الْمُنَافَاة والوقوع فِي الْعَذَاب وَلم يتَنَبَّه أَنه فر عَن بلَاء فَوَقع فِي وباء وَلما حررت هَذَا الْجَواب نظرت إِلَى تَفْسِير القَاضِي رَحمَه الله فَإِن فِيهِ إِعَانَة لهَذَا القَاضِي نعم الْجِنْس إِلَى الْجِنْس يمِيل والفاضل الْعَامِل والعارف الْكَامِل الشَّيْخ الْمَشْهُور بِعَبْد الرَّحْمَن الماهمي قدس
الجزء 1 · صفحة 36
الله روحه وَنور مرقده فِي التَّفْسِير الْمَشْهُور بالرحماني وصف الْجنَّة وَالنَّاس بالمضلين والضالين فَهَذَا أَيْضا صَرِيح فِي أَن المُرَاد بهما الْكفَّار.
الإجهاز: السرعة فِي الْقَتْل وتتميم جرح الجريح وَهُوَ كِنَايَة عَن إتْمَام الْقَتْل.
بَاب الْألف مَعَ الْحَاء الْمُهْملَة (ف (11)) .
الاحتراق: عِنْد أَصْحَاب النُّجُوم اجْتِمَاع كَوْكَب سوى الْقَمَر من الْكَوَاكِب السيارة مَعَ الشَّمْس فِي برج وَاحِد ودرجة وَاحِدَة وَأما الْقَمَر إِذا كَانَ مَعَ الشَّمْس فِي برج وَاحِد ودرجة وَاحِدَة فيسمى اجتماعا لَا احتراقا عِنْدهم.
الإحداث: إِيجَاد الشَّيْء مَعَ سبق مُدَّة فَهُوَ أخص من التكوين الَّذِي هُوَ إِيجَاد الشَّيْء مَعَ سبق مَادَّة لِأَن الْمَسْبُوق بالمدة لَا بُد وَأَن يكون مَسْبُوقا بمادة يقوم إِمْكَانه بهَا بِخِلَاف الْمَسْبُوق بالمادة فَإِنَّهُ لَا يجب أَن يكون مَسْبُوقا بِمدَّة لَا مَكَان كَونه قَدِيما بِالزَّمَانِ كالأفلاك فالصادر عَنهُ تَعَالَى، إِمَّا مَسْبُوق بمادة وَمُدَّة كالحيوان الْمُتَوَلد، وَإِمَّا غير مَسْبُوق بهما كالعقل الأول فَإِنَّهُ لَا مَادَّة لَهُ لكَونه لَيْسَ بجسم وَلَا جسماني وَلَا مُدَّة أَيْضا لقدمه. وَإِمَّا مَسْبُوق بِمدَّة دون مَادَّة فَإِن هَذَا الْقسم غير مُتَحَقق بِنَاء على مَا عرفت من أَن كل مَسْبُوق بِمدَّة مَسْبُوق بمادة ليقوم إِمْكَانه بهَا هَذَا على رَأْي الْحُكَمَاء وَأما على رَأْي الْمُتَكَلِّمين فَكل شَيْء إِمَّا مَسْبُوق بمادة وَمُدَّة كالجسمانيات، وَإِمَّا مَسْبُوق بِمدَّة دون مَادَّة كالروحانيات ومنشأ الْخلاف أَن الْإِمْكَان عِنْد الْحُكَمَاء صفة وجودية حَقِيقِيَّة فَلَا بُد لَهُ من مَحل وَعند الْمُتَكَلِّمين من الْأُمُور الاعتبارية فَلَا احْتِيَاج لَهُ إِلَى الْمحل وَلكُل وجهة هُوَ موليها. والتكوين عِنْد بعض الْمُتَكَلِّمين صفة أزلية لله تَعَالَى وَهُوَ الْمَعْنى الَّذِي يعبر عَنهُ بِالْفِعْلِ والتخليق والإيجاد والأحداث والاختراع وَنَحْو ذَلِك ويفسر بِإِخْرَاج الْمَعْدُوم من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود والمحققون مِنْهُم على أَنه من الإضافات والاعتبارات الْعَقْلِيَّة وعَلى أَن الْحَاصِل فِي الأزلي هُوَ مبدأ التخليق والترزيق والإماتة والإحياء وَغير ذَلِك وَلَيْسَ ذَلِك المبدأ سوى الْقُدْرَة والإرادة وتفصيل هَذَا المرام فِي كتب الْكَلَام.
الْأَحَد: بِفَتْح الْهمزَة والحاء الْمُهْملَة فِي الأَصْل وحد قلبت الْوَاو همزَة على خلاف الْقيَاس لِأَن قلب الْوَاو المضمومة أَو الْمَكْسُورَة فِي أول الْكَلِمَة بِالْألف قِيَاس شَائِع وذائع بالتبع مثل أجوه وأشاح كَانَا فِي الأَصْل وُجُوه ووشاح بِالضَّمِّ فِي الأول وَالْكَسْر فِي الثَّانِي وقلب الْوَاو الْمَفْتُوحَة فِي أول الْكَلِمَة لم يجِئ فِي كَلَامهم إِلَّا أحد
الجزء 1 · صفحة 37
وأناة وَفِي الصِّحَاح أَن لفظ أحد لَا تسْتَعْمل فِي الْإِيجَاب فَلَا يُقَال فِي الدَّار أحد بل لَا أحد فِي الدَّار لَكِن يشكل بقوله تَعَالَى: {قل هُوَ الله أحد} وَأجِيب بِأَن الْمُحَقق الرضي الاسترأبادي صرح بمجيء اسْتِعْمَاله فِي الْإِيجَاب على الْقلَّة كَذَا فِي حَاشِيَة شيخ الْإِسْلَام على التَّلْوِيح وَالْفرق بَين الْأَحَد وَالْوَاحد أَن الأول لَا يُطلق إِلَّا على غير المتعدد وَالْوَاحد يُطلق عَلَيْهِ وعَلى المتعدد إِذا كَانَ فِيهِ جِهَة الْوحدَة بِأَنَّهُ وَاحِد من الْجَمَاعَات أَو وَاحِد من المثنيات أَو وَاحِد من الْأَفْرَاد فَإِن قيل إِن لفظ الله تَعَالَى علم للجزئي الْحَقِيقِيّ وَهُوَ لَا يكون إِلَّا وَاحِدًا أحدا فَلَا فَائِدَة بعده فِي ذكر الْأَحَد فِي قَوْله تَعَالَى {قل هُوَ الله أحد} وَلَا حَاجَة فِي توصيفه بِالْوَاحِدِ فِي الْمَسْأَلَة الكلامية وَهِي أَن الْمُحدث للْعَالم هُوَ الله الْوَاحِد بل لَا يجوز جعلهَا من الْمسَائِل الكلامية لِأَن مَسْأَلَة الْعلم لَا بُد وَأَن تكون نظرية وَثُبُوت الْوحدَة للجزئي الْحَقِيقِيّ ضَرُورِيّ. قُلْنَا لَا نسلم إِن المُرَاد بِاللَّه الجزئي إِذْ المُرَاد بِهِ وَاجِب الْوُجُود مُطلقًا فَحِينَئِذٍ يكون الحكم بِالْوَاحِدِ أَو وَصفه بِهِ بِمَنْزِلَة الحكم بِهِ على الْوَاجِب أَو وَصفه بِهِ وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن التَّوْحِيد هُوَ عدم اعْتِقَاد الشّركَة فِي وجوب الْوُجُود على مَا قَالَه الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ فِي شرح الْمَقَاصِد من أَن التَّوْحِيد عدم اعْتِقَاد الشّركَة فِي الألوهية وخواصها وَأَرَادَ بالألوهية وجوب الْوُجُود وبخواصها الْأُمُور المتفرعة عَلَيْهِ من كَونه خَالِقًا للأجسام مُدبرا للْعَالم مُسْتَحقّا لِلْعِبَادَةِ وَإِن سلمنَا أَن المُرَاد بِاللَّه الجزئي الْحَقِيقِيّ فَنَقُول المُرَاد بالأحد الْوَاحِد وحدته تَعَالَى فِي صفته أَعنِي وجوب الْوُجُود لَا فِي ذَاته. والضروري إِنَّمَا هُوَ ثُبُوت الْوحدَة للجزئي الْحَقِيقِيّ فِي ذَاته الشخصية دون صفته وَلما كَانَ الْكفَّار اعتقدوا اشْتِرَاك معبوداتهم لَهُ تَعَالَى فِي صفة الْوُجُوب وَمَا يتَفَرَّع عَلَيْهِ من اسْتِحْقَاق الْعِبَادَة وَخلق الْعَالم وتدبيره قَالَ الله تَعَالَى: {قل هُوَ الله أحد} ردا عَلَيْهِم وَجعل المتكلمون تِلْكَ مَسْأَلَة كلامية وَلَا يخفى مَا فِي هَذَا الْجَواب من عدم جَرَيَانه فِي قَوْله تَعَالَى {قل هُوَ الله أحد} ، لِأَن الأحدية لَا تسْتَعْمل إِلَّا فِي الْوحدَة فِي الذَّات لَا فِي الْوحدَة فِي الصّفة فَافْهَم. وَقَالَ الْفَاضِل الجلبي رَحمَه الله فِي حَاشِيَته على المطول إِن هُوَ فِي {قل هُوَ الله أحد} يحْتَمل أَن يكون مُبْتَدأ وَالله خَبره وَأحد خَبرا ثَانِيًا أَو بَدَلا من الله بِنَاء على حسن إِبْدَال النكرَة الْغَيْر الموصوفة من الْمعرفَة إِذا اسْتُفِيدَ مِنْهَا مَا لم يستفد من الْمُبدل مِنْهُ كَمَا ذكره الرضي رَحمَه الله وَيحْتَمل أَن يكون ضمير الشَّأْن وَالْجُمْلَة خَبره وَتَعْيِين الأحدية بِحَسب الْوَصْف بِمَعْنى أَنه أحد فِي وَصفه مثل الْوُجُوب وَاسْتِحْقَاق الْعِبَادَة ونظائرهما أَو بِحَسب الذَّات أَي لَا تركيب فِيهِ أصلا وعَلى الْوَجْهَيْنِ يظْهر فَائِدَة حمل الْأَحَد عَلَيْهِ تَعَالَى فَلَا يكون مثل زيد أحد انْتهى.
الأحدية: فِي الواحدية (ف (12)) .
الاحتقار: قريب من الإهانة وَقد فرقوا بَينهمَا بِأَن الإهانة تحصل بقول أَو فعل
الجزء 1 · صفحة 38
أَو تَركهمَا لَا بِمُجَرَّد الِاعْتِقَاد والاحتقار يحصل بِهِ وبمجرد الِاعْتِقَاد فِي عدم الِاعْتِبَار بِشَيْء.
الإحالة: قد تطلق على تغير الشَّيْء فِي كَيْفيَّة كالتسخين والتبريد وتلزمهما الاستحالة كالتسخن والتبرد وَقد تطلق على تغير حَقِيقَته وجوهره أَي صورته النوعية وَهَذَا التَّغَيُّر هُوَ الْمُسَمّى بالكون وَالْفساد وَهَذَا الْمَعْنى الْأَخير هُوَ المُرَاد فِي تَعْرِيف الْقُوَّة الغاذية فاحفظ.
الْإِحَاطَة: من الحوط وَهُوَ الْحِفْظ والصيانة وَمِنْه الْحَائِط للجدار لحفظه وصيانته عَن دُخُول الْغَيْر (وفرا كرفتن جيزي راود انستن همه) راو لهَذَا قَالَ السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره الْإِحَاطَة إِدْرَاك الشَّيْء بِكَمَالِهِ ظَاهرا وَبَاطنا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى {أَلا أَنه بِكُل شَيْء مُحِيط} .
الْإِحْصَار: من الْحصْر وَهُوَ الْمَنْع وَالْحَبْس عَن السّفر وَفِي الشَّرْع الْمَنْع عَن الْمُضِيّ فِي إفعال الْحَج سَوَاء كَانَ بالعدو أَو بِالْحَبْسِ أَو بِالْمرضِ. وأقسام الْحصْر فِي الْحصْر إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الإحصاء: الْعد على سَبِيل الْإِجْمَال وَالْعد على سَبِيل التَّفْصِيل وَهَذَا هُوَ الْفرق بَينهمَا.
الْإِحْسَان: فِي اللُّغَة فعل مَا يَنْبَغِي أَن يفعل من الْخَيْر وَفِي الشَّرْع أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك.
أحسن الْخَالِقِينَ: جمع بطرِيق عُمُوم الْمجَاز إِذْ لَا مُؤثر فِي الْحَقِيقَة إِلَّا الله تَعَالَى.
الْإِحْصَان: فِي اللُّغَة الْمَنْع وَالدُّخُول فِي الْحصن يُقَال إِنَّه أحصن أَي دخل فِي الْحصن كَمَا يُقَال فلَان أعرق أَي دخل فِي الْعرق. وَفِي الشَّرْع أَن يكون الْإِنْسَان رجلا أَو امْرَأَة عَاقِلا بَالغا حرا مُسلما حصل لَهُ الوطئ بِإِنْسَان بَالغ حر مُسلم بِنِكَاح صَحِيح. وَهَذَا إِحْصَان الرَّجْم فَمن كَانَ على هَذِه الصِّفَات الْخمس وزنى بِأَيّ امْرَأَة كَانَت على صِفَات الْإِحْصَان أَولا رجم فَإِن كَانَت المزنية على صِفَات الْإِحْصَان رجمت أَيْضا وَإِلَّا حدت وَإِن كَانَت امْرَأَة على هَذِه الصِّفَات الْخمس وزنت بِأَيّ زَان كَانَ على صِفَات الْإِحْصَان أَولا رجمت فَإِن كَانَ الزَّانِي أَيْضا على صِفَات الْإِحْصَان رجم وَإِلَّا حد فَكَانَ الْإِنْسَان يصير دَاخِلا فِي الْحصن عِنْد وجود الصِّفَات الْخمس الْمَذْكُورَة. وَأما إِحْصَان حد الْقَذْف كَون الْمَقْذُوف عَاقِلا بَالغا حرا مُسلما عفيفا عَن زنا شَرْعِي.
الإحساس: إِدْرَاك الشَّيْء بِإِحْدَى الْحَواس الْخمس الظَّاهِرَة أَو الْبَاطِنَة فَإِن كَانَ الإحساس بالحس الظَّاهِر فَهُوَ الْمُشَاهدَة وَإِن كَانَ بالحس الْبَاطِن فَهُوَ الوجدان وَإِن
الجزء 1 · صفحة 39
أردْت أَن تعقل الْإِحْسَان بتفصيله فَانْظُر فِي التعقل.
الاحتراس: أَن يُؤْتى فِي كَلَام يُوهم خلاف الْمَقْصُود بِمَا يَدْفَعهُ أَي يُؤْتى بِشَيْء يدْفع ذَلِك الْإِيهَام نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين} . فَإِنَّهُ تَعَالَى لَو اقْتصر على وَصفهم بالأدلة على الْمُؤمنِينَ لتوهم أَن ذَلِك لضعفهم وَهَذَا خلاف الْمَقْصُود فَأتى على سَبِيل التَّكْمِيل أعزة على الْكَافرين.
الإحجام: كف النَّفس عَن الشَّيْء ويقابله الْإِقْدَام.
الْأَحْكَام: الشَّرْعِيَّة النظرية مَا يكون الْمَقْصُود مِنْهُ النّظر والاعتقاد وَهِي مُقَابلَة العملية الَّتِي يكون الْمَقْصُود مِنْهَا الْعَمَل.
بَاب الْألف مَعَ الْخَاء الْمُعْجَمَة
الاختراع: يرادف الإبداع كَمَا أُشير إِلَيْهِ فِي الإشارات.
الِاخْتِصَاص: كَون الشَّيْء خَاصّا بِشَيْء أَي التَّعَلُّق الْخَاص وَمَا قيل إِن المُرَاد بالاختصاص فِي تَعْرِيف الْحُلُول أَن لَا يُمكن تحقق هَذَا الشَّخْص بِعَيْنِه نظرا إِلَى ذَاته بِدُونِ ذَلِك كَمَا فِي الْعرض بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَوْضُوعه فتكلف. لِأَن الِاخْتِصَاص بِهَذَا الْمَعْنى غير مَشْهُور بل الْمَشْهُور هُوَ الأول. ثمَّ اعْلَم أَن الِاخْتِصَاص بِحَسب اللُّغَة يَقْتَضِي أَن يكون فَاعله مَقْصُورا وَالْمَذْكُور بعد الْبَاء مَقْصُورا عَلَيْهِ لَكِن غلب اسْتِعْمَاله على أَن يكون فَاعله مَقْصُورا عَلَيْهِ وَالْمَذْكُور بعد الْبَاء مَقْصُورا إِمَّا بِجعْل التَّخْصِيص مجَازًا عَن التَّمْيِيز مَشْهُورا فِي الْعرف حَتَّى صَار كَأَنَّهُ حَقِيقَة فِيهِ، وَإِمَّا بتضمين معنى التَّمْيِيز فِيهِ بِشَهَادَة الْمَعْنى فيلاحظ المعنيان مَعًا وَتَكون الْبَاء الْمَذْكُورَة صلَة للمضمن وَيقدر للمضمن فِيهِ بَاء أُخْرَى فَمَعْنَى قَوْلهم نخصك بِالْعبَادَة مثلا على الأول نميزك ونفردك من بَين المعبودين بِالْعبَادَة فَتكون الْعِبَادَة مَقْصُورَة عَلَيْهِ تَعَالَى وَمَعْنَاهُ على الثَّانِي نميزك بهَا مُخَصّصا إِيَّاهَا بك. وَقس عَلَيْهِ قَول النُّحَاة اخْتصَّ الْمَنْدُوب بوا. والباعث على هَذَا الْمجَاز أَو التَّضْمِين الْمَذْكُور هُوَ أَن تَخْصِيص شَيْء بآخر فِي قُوَّة تميزه بِالْآخرِ فَافْهَم واحفظ فَإِنَّهُ ينفعك كثيرا.
الْأَخْذ: (كرفتن) والشروع فِي الشَّيْء وَالْمَشْهُور إِن أَخذ شَيْء فِي تَعْرِيف شَيْء آخر يسْتَلْزم كَونه جُزْءا لذَلِك الشَّيْء وَلَيْسَ كَذَلِك إِلَّا أَن الْغَيْر وَالْإِنْسَان مأخوذان فِي تَعْرِيف الأَصْل أَعنِي مَا يبتنى عَلَيْهِ غَيره. وَفِي تَعْرِيف اللَّفْظ أَعنِي مَا يتَلَفَّظ بِهِ الْإِنْسَان
الجزء 1 · صفحة 40
مَعَ أَن الْغَيْر وَالْإِنْسَان ليسَا جزأين لماهية الْمَحْدُود. أَقُول لَيْسَ المُرَاد أَن كل مَأْخُوذ فِي تَعْرِيف الْمَاهِيّة جُزْءا لَهَا بل المُرَاد أَن كل مَأْخُوذ بطرِيق الْحمل أَو بطرِيق الْوَصْف للمأخوذ الْمَحْمُول يكون جُزْءا لَهَا مثل الْحَيَوَان والناطق فِي تَعْرِيف الْإِنْسَان بِالْحَيَوَانِ النَّاطِق.
أخبرنَا: فِي حَدثنَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الِاخْتِصَار: تقليل اللَّفْظ مَعَ كَثْرَة الْمَعْنى.
اخْتِلَاف الدَّاريْنِ: إِنَّمَا يتَحَقَّق باخْتلَاف الْعَسْكَر وَالْملك بِحَيْثُ تَنْقَطِع الْعِصْمَة فِيمَا بَينهم حَتَّى يسْتَحل كل من الْملكَيْنِ قتال الآخر. وَإِذا ظفر رجل من عَسْكَر أَحدهمَا بِرَجُل من عَسْكَر الآخر قَتله وَهَذَا الِاخْتِلَاف بَين الْوَارِث والمورث من مَوَانِع الْإِرْث فِي حق أهل الْكفْر كُلية حَتَّى لَا يَرث الذِّمِّيّ من الْحَرْبِيّ وَلَا الْحَرْبِيّ من الذِّمِّيّ. وَأما فِي حق الْمُسلمين فَإِنَّمَا يُؤثر فِي الحرمان جزئية لَا كُلية حَتَّى لَو مَاتَ الْمُسلم فِي دَار الْإِسْلَام وَله ابْن مُسلم فِي دَار الْحَرْب بالاستئمان أَو على الْعَكْس يَرث كل وَاحِد مِنْهُمَا من الآخر بِالْإِجْمَاع. وَأما الْمُسلم الَّذِي لم يُهَاجر من دَار الْحَرْب فَلَا يَرث الْمُسلم المُهَاجر بالِاتِّفَاقِ. وَمِمَّا حررنا لَك يظْهر التَّوْفِيق بَين مَا هُوَ الْمَشْهُور من أَن اخْتِلَاف الدَّاريْنِ إِنَّمَا هُوَ مَانع من الْإِرْث فِي حق الْكفَّار خَاصَّة. وَبَين مَا ذكره صَاحب الْبَسِيط وشارحه من أَن اخْتِلَاف الدَّاريْنِ بَين الشخصين على ثَلَاثَة أوجه. (اخْتِلَاف حَقِيقَة وَحكما) وَهُوَ مَانع فِي حق الْكَافِر وَالْمُسلم كالحربي وَالذِّمِّيّ وكالمسلم الَّذِي فِي دَارنَا وَمن أسلم فِي دَار الْحَرْب وَلم يُهَاجر (وَاخْتِلَاف حكما لَا حَقِيقَة) وَهُوَ مَانع أَيْضا فِي حَقّهمَا كالكافر الْمُسْتَأْمن مَعَ الذِّمِّيّ وكالمسلم الْمُسْتَأْمن الَّذِي كَانَ فِي دَار الْحَرْب وَلم يُهَاجر وَاسْتَأْمَنَ مَعَ الْمُسلم الَّذِي فِي دَار الْإِسْلَام. (وَالثَّالِث اخْتِلَاف حَقِيقَة لَا حكما) وَهُوَ لَيْسَ بمانع لَا فِي حق الْكَافِر وَلَا فِي حق الْمُسلم كالكافر الْمُسْتَأْمن مَعَ الْحَرْبِيّ وَالْمُسلم الَّذِي فِي دَار الْإِسْلَام وَاسْتَأْمَنَ من الْحَرْبِيّ مَعَ الْمُسلم الَّذِي فِي دَار الْإِسْلَام. (وَالِاخْتِلَاف الْحَقِيقِيّ) أَن يكون أَحدهمَا فِي دَار الْإِسْلَام حسا وَالْآخر فِي دَار الْحَرْب. (وَالِاخْتِلَاف الْحكمِي) أَن يكون أَحدهمَا فِي اعْتِبَار الشَّرْع وَحكمه من أهل دَار الْإِسْلَام وَالْآخر من أهل دَار الْحَرْب وَإِن كَانَا مَعًا فِي مَكَان وَاحِد فالاختلاف حكما وحقية مَا يكون اخْتِلَافا بِحَسب الْحس وَفِي اعْتِبَار الشَّارِع كحربي مَاتَ فِي دَار الْحَرْب وَله أَب أَو ابْن ذمِّي فِي دَار الْإِسْلَام فَإِنَّهُ لَا يَرث الذِّمِّيّ من ذَلِك الْحَرْبِيّ. وَكَذَا لَو مَاتَ الذِّمِّيّ فِي دَار الْإِسْلَام وَله أَب أَو ابْن فِي دَار الْحَرْب فَإِنَّهُ لَا يَرث ذَلِك الْحَرْبِيّ من ذَلِك الذِّمِّيّ. وَكَذَا لَو مَاتَ الْمُسلم الَّذِي فِي دَارنَا وَله أَب أَو ابْن أسلم فِي دَار الْحَرْب يَعْنِي لم يُهَاجر إِلَيْنَا فَإِنَّهُ لَا يَرث الْأَب أَو الابْن من ذَلِك الْمُسلم وَذَلِكَ لِأَن اخْتلَافهمْ فِي الدَّار حسا وَفِي اعْتِبَار الشَّرْع. (وَالِاخْتِلَاف حكما فَقَط) كمستأمن مَاتَ فِي دَارنَا وَله وَارِث
الجزء 1 · صفحة 41
ذمِّي لَا يَرث مِنْهُ لِأَنَّهُمَا وَإِن كَانَا فِي دَار وَاحِدَة حَقِيقَة فهما فِي دارين حكما لِأَن الْمُسْتَأْمن على عزم الرُّجُوع وَتمكن مِنْهُ بل يتَوَقَّف مَاله لوَرثَته الَّذين فِي دَار الْحَرْب لِأَن حكم الْأمان بَاقٍ فِي مَاله لحقه وَمن جملَة حَقه إِيصَال مَاله إِلَى ورثته فَلَا يصرف المَال إِلَى بَيت المَال انْتهى وَالْمرَاد بالمستأمن فِي مِثَال الِاخْتِلَاف حكما لَا حَقِيقَة الْمُسلم الَّذِي كَانَ فِي دَار الْحَرْب وَلم يُهَاجر وَاسْتَأْمَنَ حَتَّى يكون مِثَالا لاخْتِلَاف الدَّار حكما لَا حَقِيقَة بِخِلَاف الْمُسْتَأْمن فِي مِثَال الِاخْتِلَاف حَقِيقَة لَا حكما فَإِن المُرَاد بِهِ الْمُسلم الَّذِي فِي دَار الْإِسْلَام وَاسْتَأْمَنَ من الْحَرْبِيّ ليدْخل فِي دَار الْحَرْب فَافْهَم واحفظ.
وَإِن: أردْت توضيح التَّوْفِيق فَاعْلَم أَنهم لما عدوا اخْتِلَاف الدَّاريْنِ من الْمَوَانِع ثمَّ فسروه باخْتلَاف المنعة وَالْملك كَاد أَن ينْتَقض بِالْمُسْلِمين الْمُخْتَلِفين بِالْعَدْلِ وَالْبَغي مَعَ أَنهم يتوارثون بالِاتِّفَاقِ خصصوا الْكُلية بالكفار يَعْنِي أَن اخْتِلَاف الدَّار بِهَذَا التَّفْسِير إِنَّمَا يمْنَع كُلية فِي حق الْكفَّار حَتَّى أَن الْكفَّار فِي دارين من دَار الْحَرْب مُخْتَلفين بالمنعة وَالْملك لَا يتوارثون بِخِلَاف أهل الْإِسْلَام فَإِن الِاخْتِلَاف فِيمَا بَينهم بِالدَّار بِهَذَا التَّفْسِير لَا يمْنَع كُلية فَإِن الْبَاغِي والعادل مَعَ أَنَّهُمَا فِي دارين مختلفتين بالمنعة وَالْملك يتوارثان كَمَا خصص السَّيِّد السَّنَد قدس سره فِي شَرحه مُعَللا بِهَذَا التَّعْلِيل كَمَا يلوح لمن يطالعه وشارح الْبَسِيط مَعَ أَنه قَالَ بالتعميم أَولا مَال إِلَى التَّخْصِيص بِعَين هَذَا التَّعْلِيل ثَانِيًا بقوله بعد التَّفْسِير الْمَذْكُور وَهَذَا بِخِلَاف الْمُسلمين فليطالع فِيهِ ليطلع عَلَيْهِ. ثمَّ لما كَانَ الْمُسلم الَّذِي لم يُهَاجر من دَار الْحَرْب لَا يَرث الْمُسلم المُهَاجر بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا مَا لكم من وَلَا يتهم من شَيْء حَتَّى يهاجروا} إِذْ الْإِرْث من بَاب الْولَايَة حَتَّى أَن أَصْحَاب التفاسير بأجمعهم صَرَّحُوا بذلك.
فِي الْبَيْضَاوِيّ: فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى {من ولايتهم} أَي من توليتهم فِي الْمِيرَاث وَفِي المدارك لصَاحب الْكَنْز هَذَا التَّفْسِير بِعَيْنِه مَعَ زِيَادَة قَوْله فَكَانَ لَا يَرث الْمُؤمن الَّذِي لم يُهَاجر مِمَّن آمن وَهَاجَر انْتهى. عمم صَاحب الْبَسِيط وشارحه اخْتِلَاف الدَّاريْنِ الْمَانِع من الْإِرْث بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكفَّار وَأهل الْإِسْلَام لكنهما أَرَادوا بالدارين أخص من التَّفْسِير الَّذِي فسر بِهِ المخصصون وَهُوَ دَار الْإِسْلَام وَالْكفْر فَقَط يَعْنِي أَن اخْتِلَاف دَار الْكفْر وَالْإِسْلَام يمْنَع الْإِرْث مُطلقًا وَإِن كَانَ الِاخْتِلَاف بالمنعة وَالْملك لَا يمْنَع كُلية مُطلقًا بل فِيمَا بَين الْكفَّار خَاصَّة. وَأما بَين الْمُسلمين فَإِنَّمَا يمْنَع إِذا تحقق فِي ضمن الِاخْتِلَاف بدار الْكفْر وَالْإِسْلَام حَتَّى إِذا تحقق فِي ضمن فَرد آخر لَا يمْنَع كَمَا بَين الْبَاغِي والعادل فالمخصصون عنوا بِهِ التَّفْسِير الْأَعَمّ والمعمم أَرَادَ الْمَعْنى الْأَخَص فَلَا تدافع. وَأما تواطؤهم على التَّصْرِيح بجري التَّوَارُث بَين الْمُسلم الَّذِي هُوَ فِي دَار الْإِسْلَام مَعَ ورثته الَّذين فِي دَار الْحَرْب فَيَقْتَضِي أَن لَا يُؤثر الِاخْتِلَاف بدار الْكفْر وَالْإِسْلَام أَيْضا فِي حق أهل الْإِسْلَام فيصادم بِنَاء التَّوْفِيق فَلَا يُنَافِي قَول صَاحب الْبَسِيط
الجزء 1 · صفحة 42
لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يُرَاد بقَوْلهمْ مَعَ رثته الَّذين فِي دَار الْحَرْب ورثته الَّذين دخلُوا دَار الْحَرْب بعد الْهِجْرَة لَا الَّذين لم يهاجروا على مَا يرشدك إِلَيْهِ عبارَة وَاحِد من المخصصين وَهُوَ صَاحب ضوء السراج من قَوْله حَتَّى لَو دخل التَّاجِر الْمُسلم دَار الْحَرْب لأجل التِّجَارَة وَمَات فِيهَا تَرث مِنْهُ ورثته الَّذين كَانُوا فِي دَار الْإِسْلَام كَذَلِك الْمُسلم إِذا أسره أهل الْحَرْب وألحقوه بدارهم وَمَات فِيهَا وَلم يُفَارق دينه يَرث مِنْهُ ورثته الَّذين فِي دَار الْإِسْلَام لِأَن الدُّخُول فِي دَار الْحَرْب للتِّجَارَة أَو بالأسر لَا يكون إِلَّا بعد الْهِجْرَة. وَلَا يُنكره صَاحب الْبَسِيط أَيْضا لِأَن الِاخْتِلَاف بدار الْكفْر وَالْإِسْلَام إِنَّمَا يُؤثر إِذا كَانَ حكما كَمَا صرح هُوَ بِهِ والداخل للتِّجَارَة أَو المأسور على إِرَادَة الرُّجُوع فَكَأَنَّهُ فِي دَار الْإِسْلَام بل صرح بِهِ شَارِحه بقوله وَالْمُسلم الْمُسْتَأْمن مَعَ الْمُسلم الَّذِي فِي دَار الْإِسْلَام فَحصل التَّوْفِيق وَالله ولي التَّوْفِيق. بَقِي شَيْء وَهُوَ أَنه أطبق كلمة المخصصين سوى الحبر النحرير السَّيِّد السَّنَد قدس سره على جعل التَّوَارُث بَين الْمُسلم الَّذِي فِي دَار الْحَرْب وَالَّذِي فِي دَار الْإِسْلَام غَايَة وَثَمَرَة لهَذَا التَّخْصِيص فَلَو أُرِيد بِهِ روما للتوفيق الْمُسلم الَّذِي دخل دَار الْحَرْب بعد الْهِجْرَة لم يصلح أَن يكون ثَمَرَة لَهُ فَإِنَّهُ لَو فرض تَأْثِير تبَاين الدَّاريْنِ فِي حق أهل الْإِسْلَام أَيْضا فِي الحرمان جرى التَّوَارُث بَينهمَا لاعْتِبَار التباين حكما وَهُوَ مُنْتَفٍ هَا هُنَا. أَلا ترى إِلَى توارث الْكَافِر الْمُسْتَأْمن وَالْحَرْبِيّ مَعَ اعْتِبَار تبَاين الدَّاريْنِ فِي حَقهم بالِاتِّفَاقِ فَلَا بُد أَن يحمل على مَا قبل الْهِجْرَة فينهدم قصر التَّوْفِيق لكنه يُمكن أَن يُقَال عِبَارَات المخصصين سوى صَاحب ضوء السراج مجملة مُحْتَملَة لِأَن يُرَاد فِيهَا بالورثة الْمُسلمين الَّذين فِي دَار الْحَرْب الَّذين لم يهاجروا بعد أَو هَاجرُوا ثمَّ دخلُوا. وَعبارَة ضوء السراج كَمَا سَمِعت آنِفا مفسرة متعينة فِي الثَّانِي. وَمن مسلمات فن الْأُصُول حمل الْمُجْمل على الْمُفَسّر فَلَا بُد أَن يُرَاد مَا بعد الْهِجْرَة خَاصَّة وَأَيْضًا الِاحْتِمَال الأول مُخَالف للنَّص الصَّرِيح فَبَطل وَبَقِي الِاحْتِمَال الثَّانِي جزما فَحصل التَّوْفِيق فِي أصل الْمَسْأَلَة. إِمَّا جعلهم إِيَّاه ثَمَرَة التَّخْصِيص فإمَّا أَن يحمل على قلَّة التعمق مِنْهُم وَلذَا ترى أُسْوَة الْمُحَقِّقين وَسيد الشُّرَّاح قدس سره لم يَجْعَل ثَمَرَة. وَإِمَّا أَن يُقَال إِن اخْتِلَاف الدَّاريْنِ بِمَعْنى دَار الْكفْر وَالْإِسْلَام الَّذِي هُوَ مَانع فِيمَا بَين أهل الْإِسْلَام أَيْضا لَا يمْنَع كُلية فِي حق أهل الْإِسْلَام كَمَا لَا يمْنَع اخْتِلَاف الدَّاريْنِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ أَي الِاخْتِلَاف بالمنعة وَالْملك كُلية فِي حَقهم بل إِنَّمَا يمْنَع إِذا كَانَ قبل الْهِجْرَة أما بعد الْهِجْرَة كَمَا إِذا دخل تَاجِرًا أَو أَسِيرًا فَلَا. بِخِلَاف الْكفَّار فَإِن ذَلِك الِاخْتِلَاف مُؤثر فِي الحرمان بَينهم مُطلقًا فَإِن الْأَسير مِنْهُم فِي أَيْدِينَا حَال كَونه على دينه لَا يَرث مِمَّن هُوَ فِي دَار الْحَرْب من أَقَاربه فَإِنَّهُ مَمْلُوك ذمِّي وَالذِّمِّيّ لَا يَرث من الْحَرْبِيّ وَإِن كَانَ يَرث التَّاجِر مِنْهُم إِلَى دَارنَا من أهل الْحَرْب فالثمرة فِي عبارَة ضوء السراج هُوَ الْمَجْمُوع
الجزء 1 · صفحة 43
يَعْنِي أَن اخْتِلَاف الدَّاريْنِ دَار الْكفْر وَالْإِسْلَام إِنَّمَا يُؤثر فِي الحرمان مُطلقًا فِي حق الْكفَّار أما فِي حق الْمُسلمين فَإِنَّمَا يُؤثر قبل الْهِجْرَة أما بعد الْهِجْرَة فَلَا يُؤثر حَتَّى أَن الدَّاخِل فِي دَار الْحَرْب تَاجِرًا أَو أَسِيرًا يَرث فَمن هُوَ فِي دَار الْإِسْلَام بِخِلَاف الْكفَّار فَإِنَّهُم يتوارثون فِي الصُّورَة الأولى دون الثَّانِيَة وَفِي عبارَة الشهابي وَغَيره من المجملين هُوَ الثَّانِي فَقَط أَي الدَّاخِل دَارهم أَسِيرًا فَعلم أَن الْأسر فِي حَقنا لَا يقطع الْولَايَة بخلافهم فَإِن ولَايَة أهل الْإِسْلَام قَوِيَّة فبعدما ثبتَتْ بِالْهِجْرَةِ لم يظْهر عَلَيْهَا اسْتِيلَاء الْكفَّار بالأسر لِأَن الْإِسْلَام بحذافيره يَعْلُو وَلَا يعلى بِخِلَاف الْكفَّار فَإِنَّهُ لما كَانَت ولايتهم فِيمَا بَينهم ضَعِيفَة ترْتَفع باستيلاء أهل الْإِسْلَام. هَذَا التَّوْفِيق الفويق نور من أنوار السَّيِّد السَّنَد السَّيِّد نور الْهدى سلمه الله الْعلي الْأَعْلَى.
الْإِخْلَاص: فِي اللُّغَة ترك الرِّيَاء فِي الطَّاعَات وَفِي الِاصْطِلَاح تَخْلِيص الْقلب من شَائِبَة الشّرك المكدر لصفاه، وتحقيقه أَن كل شَيْء يتَصَوَّر أَن يشوبه غَيره فَإِذا صفا عَن شوبه وخلص عَنهُ يُسمى خَالِصا وَيُسمى الْفِعْل المخلص إخلاصا قَالَ الله تَعَالَى {من بَين فرث وَدم لَبَنًا خَالِصا} . فَإِنَّمَا خلوص اللَّبن أَن لَا يكون فِيهِ شوب من الفرث وَالدَّم. قَالَ الفضيل رَحْمَة الله عَلَيْهِ ترك الْعَمَل لأجل النَّاس رِيَاء - وَالْعَمَل لأجلهم شرك - وَالْإِخْلَاص الْخَلَاص من هذَيْن. وَإِن أردْت أَن تعلم الْإِخْلَاص وَعَدَمه بَين الزَّوْج وَالزَّوْجَة فاجمع أعداد اسْم كل وَاحِد مِنْهُمَا بِحِسَاب الْجمل على حِدة واطرح تِسْعَة تِسْعَة واحفظ الْبَاقِي من الْكل وارقم على حِدة. فَإِن بَقِي الْوَاحِد من الطَّرفَيْنِ فبينهما إخلاص واتحاد - وَإِلَّا فالواحد مَعَ الِاثْنَيْنِ إخلاص - وَمَعَ الثَّلَاثَة عَدَاوَة - وَمَعَ الْأَرْبَعَة خُصُومَة - وَمَعَ الْخمس إخلاص - وَمَعَ السِّت إخلاص بالجنان - وَمَعَ السَّبع مُوَافقَة. وَمَعَ الثَّمَانِية محبَّة لَا بالسرور. وَمَعَ التِّسْعَة إخلاص.
وَإِن: بَقِي من أَحدهمَا اثْنَان فهما مَعَ الِاثْنَيْنِ من الآخر إخلاص وَمَعَ الثَّلَاثَة إِلَى الْخَمْسَة كَذَلِك على اخْتِلَاف وَمَعَ السِّتَّة سرُور وَمَعَ السَّبْعَة إخلاص حسن وَمَعَ الثَّمَانِية خُصُومَة وَمَعَ التِّسْعَة إخلاص.
وَإِن بَقِي: من أَحدهمَا ثَلَاثَة فَهِيَ مَعَ الثَّلَاثَة من الآخر إخلاص من وَجه لكَون الزَّوْجَة ذميمة الْأَخْلَاق وَسُوء الْعَيْش. وَمَعَ الْأَرْبَعَة الْخُصُومَة المفضية إِلَى الفضيحة. وَمَعَ الْخَمْسَة الِافْتِرَاق. وَمَعَ السِّتَّة الذل. وَمَعَ السَّبْعَة الْإِخْلَاص. وَمَعَ الثَّمَانِية الْمحبَّة. وَمَعَ التِّسْعَة الِافْتِرَاق بِالآخِرَة.
وَإِن بَقِي: من أَحدهمَا أَرْبَعَة فَهِيَ مَعَ الْأَرْبَعَة من الآخر الِافْتِرَاق بِالآخِرَة. وَمَعَ الْخَمْسَة عدم الْمحبَّة رَأْسا. وَمَعَ السِّتَّة الْخُصُومَة دَائِما لِكَوْنِهِمَا مرتكبين بالأفعال القبيحة. وَمَعَ السَّبْعَة الرَّاحَة. وَمَعَ الثَّمَانِية الْإِخْلَاص بالجنان. وَمَعَ التِّسْعَة عدم الْإِخْلَاص بِوَجْه.
الجزء 1 · صفحة 44
وَإِن بَقِي: الْخَمْسَة من جَانب فَهِيَ مَعَ الْخَمْسَة من الْجَانِب الآخر الْخُصُومَة دَائِما. وَمَعَ السِّتَّة فرط الْمحبَّة. وَمَعَ السَّبْعَة بَينهمَا مكر وتزوير. وَمَعَ الثَّمَانِية مُرُور الزَّمَان بالسرور. وَمَعَ التِّسْعَة الْخُصُومَة والجدال.
وَإِن بَقِي: من أَحدهمَا سِتَّة فَهِيَ مَعَ السِّتَّة من الآخر عدم الْإِخْلَاص. وَمَعَ السَّبْعَة الْمحبَّة والوداد. وَمَعَ الثَّمَانِية فرط الْمحبَّة وقدوم الزَّوْجَة مُوجب الْبركَة. وَمَعَ التِّسْعَة السرُور من وَجه.
وَإِن بَقِي: من أَحدهمَا السَّبْعَة فَهِيَ مَعَ السَّبْعَة من الآخر فرط الْمحبَّة. وَمَعَ الثَّمَانِية السرُور. وَمَعَ التِّسْعَة الْمَكْر وَالسحر.
وَإِن بَقِي: من أَحدهمَا الثَّمَانِية فَهِيَ من الثَّمَانِية من الآخر السرُور. وَمَعَ التِّسْعَة الْإِخْلَاص.
وَإِن بَقِي: من أَحدهمَا تِسْعَة فَهِيَ مَعَ التِّسْعَة من الآخر الْخُصُومَة وَوُقُوع الِافْتِرَاق. فَافْهَم واحفظ وَكن من الشَّاكِرِينَ.
الْأَخَص: قد يُرَاد بِهِ الْمَعْنى التفصيلي كَمَا يُقَال هَذَا الْأَمر أخص من ذَلِك الْأَمر مَعَ اشتراكهما فِي الْخُصُوص وَقد يُرَاد بِهِ الْخَاص وَقس عَلَيْهِ الْأَعَمّ.
الاختلاس: هُوَ الْأَخْذ من الْيَد بِسُرْعَة جَهرا.
الْإِخْبَار: بِالْفَتْح جمع الْخَبَر وبالكسر مصدر من بَاب الْأَفْعَال. وَقد يُطلق على الْكَلَام الَّذِي لنسبته خَارج تطابقه أَو لَا تطابقه. وَقد يُطلق على إِلْقَاء هَذَا الْكَلَام. وَقَالَ الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله فِي التَّلْوِيح الْمركب التَّام الْمُحْتَمل للصدق وَالْكذب يُسمى من حَيْثُ اشتماله على الحكم قَضِيَّة - وَمن حَيْثُ احْتِمَاله الصدْق وَالْكذب خَبرا. وَمن حَيْثُ إفادته الحكم أَخْبَارًا. وَاعْلَم أَن الْأَخْبَار ثَلَاثَة إِمَّا بِحَق للْغَيْر على آخر وَهُوَ الشَّهَادَة. أَو بِحَق للمخبر على آخر وَهُوَ الدَّعْوَى أَو بِالْعَكْسِ وَهُوَ الْإِقْرَار.
اخفش: اسْم ثَلَاثَة رجال من النُّحَاة. أحدهم: أستاذ سِيبَوَيْهٍ أبي عُبَيْدَة وكنيته أَبُو الْخطاب وثانيهم: تلميذ سِيبَوَيْهٍ ولقبه سعيد وكنيته أَبُو الْحسن وَأَبوهُ مسعده وثالثهم: قرينه وَهُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن سُلَيْمَان. والأخفش الْأَكْبَر هُوَ أَبُو الْخطاب والأخفش الْأَوْسَط هُوَ أَبُو الْحسن بن مسعده. توفّي فِي إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. وَقيل فِي خمس عشر وَمِائَتَيْنِ.
الِاخْتِيَار: تَرْجِيح أحد الْأَمريْنِ أَو الْأُمُور على الآخر.
إِخْرَاج الْكَلَام على مُقْتَضى الظَّاهِر: وإخراجه لَا على مُقْتَضَاهُ.
الأول: عبارَة عَن إِلْقَاء الْخَبَر إِلَى الْمُخَاطب على وفْق ظَاهر حَاله بِأَن يلقِي إِلَى
الجزء 1 · صفحة 45
خَالِي الذِّهْن عَن الحكم مُجَردا عَن مؤكدات الحكم وَإِلَى المتردد فِيهِ السَّائِل عَنهُ الطَّالِب عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ فِي نفس الْأَمر مؤكدا اسْتِحْسَانًا وَإِلَى الْمُنكر عَنهُ الْحَاكِم بِخِلَافِهِ مؤكدا وجوبا على حسب إِنْكَاره قُوَّة وضعفا. وَالثَّانِي: عبارَة عَن إِلْقَاء الْخَبَر إِلَى الْمُخَاطب لَا على وفْق ظَاهر حَاله بِأَن يلقِي الْكَلَام الْمُؤَكّد إِلَى غير الْمُنكر الَّذِي ظَاهر حَاله عدم الْإِنْكَار الْمُقْتَضِي أَن يلقِي إِلَيْهِ كَلَام مُجَرّد عَن التَّأْكِيد وَإِنَّمَا يكون هَذَا الْإِلْقَاء إِذا لَاحَ على غير الْمُنكر إمارات الْإِنْكَار. وَاعْلَم أَن ضابطة إِخْرَاج الْكَلَام سَوَاء كَانَ على مُقْتَضى الظَّاهِر أَو على خِلَافه. إِن أَحْوَال الْمُخَاطب منحصرة فِي الْأَرْبَعَة (1) الْعلم بِحكم الْخَبَر (2) والخلو (3) وَالسُّؤَال (4) وَالْإِنْكَار عَنهُ. فالأقسام الْعَقْلِيَّة سِتَّة عشر. ثَلَاثَة مِنْهَا بَاطِلَة لَا فَائِدَة فِيهَا تَنْزِيل الْخَالِي (1) منزلَة الْخَالِي (2) والسائل منزلَة السَّائِل (3) وَالْمُنكر منزلَة الْمُنكر. وَاحِد مِنْهَا لَا يتَصَوَّر مَعَه الْكَلَام على ظَاهر حَاله وَهُوَ الْعَالم فَإِنَّهُ لَا يتَصَوَّر مَعَه إِخْرَاج الْكَلَام على مُقْتَضى ظَاهر حَاله لِأَن مُقْتَضَاهُ أَن لَا يُخَاطب بِمَا يُعلمهُ فَيبقى اثْنَا عشر قسما صَحِيحا. وتفصيله أَن الْعَالم لَا يُخَاطب بِمَا يُعلمهُ على مُقْتَضى ظَاهر حَاله إِلَّا بعد تَنْزِيله منزلَة غَيره من الثَّلَاثَة الْأَخِيرَة أَعنِي الْخَالِي والسائل وَالْمُنكر يكون إِخْرَاج الْكَلَام مَعَه حِينَئِذٍ على خلاف مُقْتَضى ظَاهر حَاله فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَقسَام وكل من الْخَالِي والسائل وَالْمُنكر إِذا خُوطِبَ على مُقْتَضى ظَاهر حَاله من الْخُلُو والسائل وَالْإِنْكَار كَانَ إِلْقَاء الْخَبَر إِلَيْهِ إخراجا على مُقْتَضى الظَّاهِر وَهَذِه أَيْضا ثَلَاثَة أَقسَام وَإِن نزل كل وَاحِد مِنْهَا منزلَة أحد الآخرين بِأَن (1) نزل الْخَالِي منزلَة السَّائِل (2) أَو الْمُنكر (3) والسائل منزلَة الْخَالِي أَو الْمُنكر (4) وَالْمُنكر منزلَة الْخَالِي أَو السَّائِل. وَهَذِه سِتَّة أَقسَام كَانَ إِلْقَاء الْخَبَر على خلاف مُقْتَضى ظَاهر حَال الْمُخَاطب فإخراج الْكَلَام سَوَاء كَانَ على مُقْتَضى الظَّاهِر أَو على خِلَافه منحصر فِي اثْنَي عشر قسما ثَلَاثَة مِنْهَا إِخْرَاج الْكَلَام على مُقْتَضى الظَّاهِر تِسْعَة على خِلَافه ثَلَاثَة فِي الْعَالم وَسِتَّة فِي غَيره هَذَا توضيح مَا ذكره السَّيِّد السَّنَد قدس سره فِي حَوَاشِيه على المطول.
بَاب الْألف مَعَ الدَّال الْمُهْملَة
الْأَدَاء: وَكَذَا الْقَضَاء فِي اللُّغَة الْإِتْيَان بالموقتات كَصَلَاة الْفجْر مثلا وَغَيرهَا مثل أَدَاء الزَّكَاة وَالْأَمَانَة وَقَضَاء الْحُقُوق وَقَضَاء الْحَج والإتيان بِهِ ثَانِيًا بعد فَسَاد الأول وَنَحْو ذَلِك كَالصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَة بِطَلَب الْفَضِيلَة بعد الصَّلَاة مُنْفَردا.
وَأما: فِي اصْطِلَاح الْفُقَهَاء فَعِنْدَ أَصْحَاب الشَّافِعِي رَحمَه الله الْأَدَاء وَالْقَضَاء يختصان بالعبادات الموقتة وَلَا يتَصَوَّر الْأَدَاء إِلَّا فِيمَا يتَصَوَّر الْقَضَاء. فَلهَذَا قَالُوا الْأَدَاء مَا فعل فِي وقته الْمُقدر لَهُ شرعا أَولا. وَالْقَضَاء مَا فعل بعد وَقت الْأَدَاء استدراكا لما
الجزء 1 · صفحة 46
سبق لَهُ وجوب مُطلقًا. وَقَوْلهمْ مُطلقًا تَنْبِيه على أَنه لَا يشْتَرط الْوُجُوب عَلَيْهِ ليدْخل فِيهِ قَضَاء النَّائِم وَالْحَائِض إِذْ لَا وجوب عَلَيْهِمَا عِنْد الْمُحَقِّقين وَإِن وجد السَّبَب لوُجُود الْمَانِع كَيفَ وَجَوَاز التّرْك مجمع عَلَيْهِ وَهُوَ يُنَافِي الْوُجُوب. والإعادة مَا فعل فِي وَقت الْأَدَاء ثَانِيًا لخلل فِي الأول وَقيل لعذر فَالصَّلَاة بِالْجَمَاعَة بعد الصَّلَاة مُنْفَردا يكون إِعَادَة على الثَّانِي لِأَن طلب الْفَضِيلَة عذر لَا على الأول لعدم الْخلَل. فَظَاهر كَلَامهم أَن الْإِعَادَة قسم مُقَابل للْأَدَاء، وَالْقَضَاء خَارج عَن تَعْرِيف الْأَدَاء بقوله أَولا على أَنه مُتَعَلق بقوله فعل فَإِن الْإِعَادَة مَا فعل ثَانِيًا لَا أَولا.
وَذهب الْمُحَقِّقُونَ: إِلَى أَنَّهَا قسم من الْأَدَاء وَأَن قَوْلهم أَولا فِي تَعْرِيف الْأَدَاء مُتَعَلق بقوله الْمُقدر لَهُ شرعا احْتِرَاز عَن الْقَضَاء فَإِنَّهُ وَاقع فِي الْوَقْت الْمُقدر لَهُ شرعا ثَانِيًا حَيْثُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من نَام عَن صَلَاة ونسيها فليصلها إِذا ذكرهَا فَذَلِك وَقتهَا فقضاء صَلَاة النَّائِم وَالنَّاسِي عِنْد التَّذَكُّر قد فعل فِي وَقتهَا الْمُقدر لَهَا ثَانِيًا أَو لَا.
وَعند أَصْحَاب: أبي حنيفَة رَحمَه الله الْأَدَاء وَالْقَضَاء من أَقسَام الْمَأْمُور بِهِ مؤقتا كَانَ أَو غير مُؤَقّت فالأداء تَسْلِيم عين مَا ثَبت بِالْأَمر وَاجِبا كَانَ أَو نفلا. وَالْقَضَاء تَسْلِيم مَا وَجب بِالْأَمر. هَذِه عبارَة التَّلْوِيح وَفِيه أَيْضا أَنه يُطلق كل من الْأَدَاء وَالْقَضَاء على الآخر مجَازًا شَرْعِيًّا لتباين الْمَعْنيين مَعَ اشتراكهما فِي تَسْلِيم الشَّيْء إِلَى من يسْتَحقّهُ وَفِي إِسْقَاط الْوَاجِب كَقَوْلِه تَعَالَى: {فَإِذا قضيتم مَنَاسِككُم} . أَي أديتم وَقَوله تَعَالَى {فَإِذا قضيت الصَّلَاة} . وكقولك أدّيت الدّين ونويت أَدَاء ظهر الأمس. وَأما بِحَسب اللُّغَة فقد ذكرُوا أَن الْقَضَاء حَقِيقَة فِي تَسْلِيم الْعين والمثل لِأَن مَعْنَاهُ الْإِسْقَاط والإتمام والإحكام وَأَن الْأَدَاء مجَاز فِي تَسْلِيم الْمثل لِأَنَّهُ يُنبئ عَن شدَّة الرِّعَايَة وَالِاسْتِقْصَاء فِي الْخُرُوج عَمَّا لزمَه وَذَلِكَ بِتَسْلِيم الْعين دون الْمثل. وَفِي الحسامي الْأَدَاء هُوَ تَسْلِيم عين الْوَاجِب لسببه إِلَى مُسْتَحقّه وَعين الْوَاجِب كَفعل الصَّلَاة وَالثمن. وَسبب الْوَاجِب كالوقت للصَّلَاة والاشتراء للثّمن ومستحق الْوَاجِب هُوَ الله تَعَالَى أَو العَبْد كَمَا فِي الثّمن. وَبِعِبَارَة أُخْرَى الْأَدَاء هُوَ تَسْلِيم الْعين الثَّابِت فِي الذِّمَّة بِالسَّبَبِ الْمُوجب كالوقت للصَّلَاة والشهر للصَّوْم إِلَى من اسْتحق ذَلِك الْوَاجِب.
الْأَدَاء الْكَامِل: مَا يُؤَدِّيه الْإِنْسَان على الْوَجْه الَّذِي أَمر بِهِ كأداء الْمدْرك وَالْإِمَام.
الْأَدَاء النَّاقِص: مَا يُؤَدِّيه الْإِنْسَان لَا على الْوَجْه الَّذِي أَمر بِهِ كأداء الْمُنْفَرد والمسبوق.
الْأَدَاء المشابه للْقَضَاء: هُوَ أَدَاء اللَّاحِق بعد فرَاغ الإِمَام لِأَنَّهُ بِاعْتِبَار الْوَقْت مؤد وَبِاعْتِبَار أَنه الْتزم أَدَاء الصَّلَاة مَعَ الإِمَام حِين يحرم مَعَه قَاض لما فَاتَهُ مَعَ الإِمَام.
الجزء 1 · صفحة 47
الْأَدَب: (نكاه داشتن حدهر جيزي) وَجمعه الْآدَاب وَمن كَانَ مؤدبا يكون جَامعا للشريعة النَّبَوِيَّة والأخلاق الْحَسَنَة قَالَ الْعَارِف الْجلَال الرُّومِي رَحْمَة الله عَلَيْهِ فِي المثنوي.
(از خدا جوئيم توفيق ادب ... بِي ادب محروم كشت از لطف رب)
(بِي ادب تنهانه خودراداشت بُد ... بلكه آتش درهمه آفَاق زد)
الْأَدَب: على ضَرْبَيْنِ. أدب النَّفس وأدب الدَّرْس. وَالْأول: احْتِرَاز الْأَعْضَاء الظَّاهِرَة والباطنة من جَمِيع مَا يتعنت بِهِ وَالثَّانِي: عبارَة عَن معرفَة مَا يحْتَرز بِهِ عَن جَمِيع أَنْوَاع الخطابات فِي المناظرة خطابا ظنيا واستدلالا يقينيا.
أدنى تَأمل: أَي أقل تبصر وأدون تفكر وَلَا يبعد أَن يكون مَعْنَاهُ أقرب تفكر وتبصر فعلى الأول لفظ أدنى مُشْتَقّ من الدناءة المهموزة. وعَلى الآخر مُشْتَقّ من الدنو المنقوص.
الإدمان: المداومة والاعتياد وَمِنْه المدمن أَي المداوم.
الْإِدْغَام: فِي اللُّغَة إِدْخَال الشَّيْء فِي الشَّيْء تَقول أدغمت الثَّوْب فِي الْوِعَاء إِذا أدخلته فِيهِ وأدغمت فِي الْفرس اللجام إِذا أدخلته فِي فِيهِ. وَفِي صناعَة التصريف أَن تَأتي بحرفين أَولهمَا سَاكن وَثَانِيهمَا متحرك من مخرج وَاحِد من غير فصل. وَفِي الشافية الْإِدْغَام أَن تَأتي بحرفين سَاكن فمتحرك من مخرج وَاحِد من غير فصل. وَإِنَّمَا قَالَ بحرفين إِذْ لَا يتَصَوَّر الْإِدْغَام إِلَّا فِي حرفين وَلَا بُد من سُكُون الأول ليتصل بِالثَّانِي إِذْ لَو حرك حَالَة الْحَرَكَة بَينهمَا فَلم يتَّصل بِالثَّانِي. وَلَا بُد أَيْضا أَن يكون الثَّانِي متحركا لِأَنَّهُ مُبين للْأولِ والحرف السَّاكِن كالميت لَا يبين نَفسه فَكيف يبين غَيره. وَإِنَّمَا قَالَ فمتحرك بِالْفَاءِ دون ثمَّ ليدل على انْتِفَاء المهلة وَلم يقل بِالْوَاو ليعلم التَّرْتِيب. وَقَوله من مخرج وَاحِد احْتِرَاز من مثل فلس. وَقَوله من غير فضل احْتِرَاز من مثل ربرب. وَيكون الْإِدْغَام فِي المثلين أَو الْمُخْتَلِفين إِن كَانَ من مخرج وَاحِدًا وَمن مخرجين متقاربين لَكِن بعد أَن يصيرا مثلين ليمكن الْإِدْغَام مثل ذب وعبدت ولبت وَالْأَصْل ذبب وعبدت وَلَبِثت وَقيل الباث الْحَرْف فِي مخرجه مِقْدَار الباث الحرفين نَحْو مد وَاعد.
الإدماج: فِي اللُّغَة اللف. وَفِي اصْطِلَاح البديع أَن يضمن كَلَام سيق لِمَعْنى مدحا كَانَ أَو ذما معنى آخر وَهُوَ أَعم من الاستتباع لشُمُوله الْمَدْح وَغَيره واختصاص الاستتباع بالمدح.
الْإِدْرَاك: قد يُفَسر بانتقاش النَّفس بالصورة الْحَاصِلَة من الشَّيْء (وح) يكون انفعالا وَقد يُفَسر بالصورة الْحَاصِلَة فِي النَّفس (وح) يكون كيفا ثمَّ الْإِدْرَاك أَرْبَعَة: إحساس وَهُوَ إِدْرَاك النَّفس بِوَاسِطَة إِحْدَى الْحَواس الْخمس الظَّاهِرَة، وتخيل وَهُوَ إِدْرَاك
الجزء 1 · صفحة 48
النَّفس بِوَاسِطَة الْحس الْمُشْتَرك، وتوهم وَهُوَ إِدْرَاك النَّفس بِوَاسِطَة الْوَهم، وتعقل وَهُوَ إِدْرَاك النَّفس بِوَاسِطَة الْقُوَّة الْعَاقِلَة وَلِهَذَا للإدراك الَّذِي هُوَ التعقل تفسيران كَمَا مر آنِفا وَقد يرد بالإدراك إحاطة الشَّيْء بِكَمَالِهِ.
الإدلاء: الانتساب فَمَعْنَى الإدلاء بِالْأُنْثَى الانتساب بهَا أَي باستعانتها إِلَى الْمَيِّت. وَفِي بعض الْحَوَاشِي على الشريفية الإدلاء إرْسَال الدَّلْو فِي الْبِئْر ثمَّ استعير فِي إرْسَال كل شَيْء مجَازًا فَمَعْنَى إدلائه بِالْأُنْثَى أَن يُرْسل قرَابَة الْمَيِّت بِوَاسِطَة شخص على أَن الْبَاء للاستعانة.
بَاب الْألف مَعَ الذَّال الْمُعْجَمَة
الْأَذَان: كَالْكَلَامِ اسْم من التأذين أَي الْإِعْلَام. وَفِي الشَّرْع الْإِعْلَام بِوَقْت الصَّلَاة بِكَلِمَات مَعْلُومَة مأثورة. وَهِي خمس عشرَة كلمة (فِي الزَّاهدِيّ) الْأَذَان أَن نقُول الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر - أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله - أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله - أشهد أَن مُحَمَّد رَسُول الله - حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الْفَلاح حَيّ على الْفَلاح - الله أكبر الله أكبر - لَا إِلَه إِلَّا الله. وَهُوَ خمس عشرَة كلمة. وَالْأَذَان عِنْد الشَّافِعِي رَحمَه الله تسع عشرَة كلمة بِزِيَادَة أَربع كَلِمَات بالترجيع وَهُوَ أَن يَقُول كلا من الشَّهَادَتَيْنِ مرَّتَيْنِ خَافِضًا صَوته ثمَّ كلا مِنْهُمَا مرَّتَيْنِ رَافعا صَوته ثمَّ الْأَصَح أَن الْأَذَان سنة مُؤَكدَة للفرائض الْخمس للْأَدَاء وَالْقَضَاء بِالْجَمَاعَة وللجمعة.
الْإِذْن: بِالْكَسْرِ فِي اللُّغَة الْإِعْلَام مُطلقًا وَمِنْه الْأَذَان والإعلام بِالْإِجَازَةِ فِي التَّصَرُّفَات والرخصة فِي الشَّيْء وَالْإِطْلَاق عَن أَي شَيْء كَانَ. وَفِي الشَّرْع إِطْلَاق الْمَمْلُوك عبدا أَو أمة فِي حق التِّجَارَة بِإِسْقَاط الْحجر أَي الْمَنْع الثَّابِت بِالرَّقَبَةِ وَفِي (كنز الدقائق) والوقاية الْإِذْن فك الْحجر وَإِسْقَاط الْحق. وَلَا يخفى على المستيقظ أَن إِسْقَاط الْحق مُسْتَدْرك وَإِنَّمَا هُوَ لزِيَادَة الْإِيضَاح. وَبِعِبَارَة أُخْرَى الْإِذْن فِي الشَّرْع فك الْحجر وَإِطْلَاق التَّصَرُّف لمن كَانَ مَمْنُوعًا شرعا.
الإذاله: فِي الْعرُوض زِيَادَة حرف سَاكن فِي وتد مَجْمُوع مثل مستفعلن زيد فِي آخِره نون بَعْدَمَا أبدلت النُّون ألفا فَصَارَ مستفعلان وَيُسمى مذالا.
{إِذا قرئَ الْقُرْآن فَاسْتَمعُوا لَهُ وأنصتوا} : تمسكوا بِهِ على أَن لَا يقْرَأ الْمُؤْتَم بل يسمع وينصت. فَإِن قيل، إِذا كَانَت الْقِرَاءَة جَهرا فالتمسك بقوله تَعَالَى مُسلم، وَأما إِذا كَانَت سرا فَمَمْنُوع فَإِن الحكم بِعَدَمِ قِرَاءَة الْمُؤْتَم لَا يعلم بقوله تَعَالَى قيل الْأَمر بِالسَّمَاعِ للجهرية وَالْأَمر بالإنصات للسرية فَافْهَم.
الجزء 1 · صفحة 49
بَاب الْألف مَعَ الرَّاء الْمُهْملَة
الأرجواني: الْحمرَة المائلة إِلَى السوَاد.
الإرهاص: فِي اللُّغَة (ديوار بنياد نهادن) وَفِي الِاصْطِلَاح هُوَ الخارق للْعَادَة الَّذِي يظْهر من النَّبِي قبل بعثته وَإِنَّمَا سمي إرهاصا لِأَنَّهُ تأسيس لقاعدة النُّبُوَّة دَال على بعثته فِي الْمَآل من أرهصت الْحَائِط إِذا أسسته. وَبِعِبَارَة أُخْرَى الإرهاص مَا يظْهر من الخوارق عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قبل ظهروه كالنور الَّذِي فِي جبين آبَاء نَبينَا مُحَمَّد الْمُصْطَفى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -.
ارْتِفَاع الْمَانِع: اعْلَم أَن عِلّة الْمَاهِيّة إِمَّا أَن لَا يجب بهَا وجود الْمَعْلُول بِالْفِعْلِ بل بِالْقُوَّةِ وَهِي الْعلَّة المادية. وَإِمَّا أَن يجب بهَا وجوده بِالْفِعْلِ وَهِي الْعلَّة الصورية وَعلة الْوُجُود إِمَّا أَن يُوجد مِنْهَا الْمَعْلُول أَي يكون مؤثرا فِي الْمَعْلُوم موجدا لَهُ وَهِي الْعلَّة الفاعلية أَو لَا يُوجد وَحِينَئِذٍ إِمَّا أَن يكون الْمَعْلُول لأَجلهَا وَهِي الْعلَّة الغائية أَو لَا وَهِي الشَّرْط إِن كَانَ وجوديا وارتفاع الْمَانِع إِن كَانَ عدميا وَإِن كَانَ مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْمَعْلُول وجود شَيْء مَعَ جَوَاز عَدمه فَهُوَ الْمعد.
ارْتِفَاع الشَّمْس: أقصر قَوس دَائِرَة الِارْتفَاع الْوَاقِع بَين مَرْكَز الشَّمْس والأفق. (ف (13)) .
الإرصاد: فِي المطول هُوَ نصب الرَّقِيب فِي الطَّرِيق. وَالْحق أَنه فِي اللُّغَة بِمَعْنى الإعداد كَمَا ينْطق بِهِ تَاج المصادر. وَفِي علم البديع الإرصاد أَن يَجْعَل قبل الْعَجز من الْفَقْرَة أَو الْبَيْت مَا يدل عَلَيْهِ أَي على الْعَجز إِذا عرف الروي مثل قَوْله تَعَالَى {وَمَا كَانَ الله ليظلمهم وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ} فَإِن من عرف أَن الْحَرْف الروي فِي الفقرات السَّابِقَة النُّون يدل قَوْله تَعَالَى {ليظلمهم} عِنْده أَن الْعَجز الْآتِي هُوَ {يظْلمُونَ} لَا غير. والمناسبة بَين الْمَعْنى اللّغَوِيّ والاصطلاحي أظهر من أَن يخفى.
الْأَرْبَعَة المتناسبة: المُرَاد بهَا فِي ديباجة خُلَاصَة الْحساب عَليّ وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم لِأَن نِسْبَة الْحسن وَالْحُسَيْن إِلَى عَليّ كرم الله وَجهه كنسبتهما إِلَى خاتون الْجنَّة فَاطِمَة الزهراء رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وَبِالْعَكْسِ وَتلك النِّسْبَة هِيَ نِسْبَة الْولادَة.
ثمَّ اعْلَم: أَن لاستخراج المجهولات العددية واستعلامها من معلوماتها ضوابط مِنْهَا الْأَرْبَعَة المتناسبة وَهِي أَرْبَعَة أعداد متناسبة بِأَن يكون نِسْبَة أَولهَا إِلَى ثَانِيهَا كنسبة ثَالِثهَا إِلَى رَابِعهَا من غير أَن تكون النِّسْبَة بَين الثَّانِي وَالثَّالِث كَالَّتِي بَين الثَّالِث وَالرَّابِع.
الجزء 1 · صفحة 50
وَلذَلِك تسمى بالمنفصلة وَغير المتوالية مثل ثَلَاثَة وَأَرْبَعَة وَسِتَّة وَثَمَانِية فنسبة الثَّلَاثَة إِلَى الْأَرْبَعَة كنسبة السِّتَّة إِلَى الثَّمَانِية. وَيُسمى الثَّلَاثَة وَالثَّمَانِيَة مِنْهَا الطَّرفَيْنِ وَالْأَرْبَعَة والستة مِنْهَا الوسطين. وَيلْزم لتِلْك الْأَرْبَعَة مُسَاوَاة مسطح الطَّرفَيْنِ لمسطح الوسطين كَمَا برهن عَلَيْهِ فِي الهندسة. وَيلْزم لهَذِهِ الْخَاصَّة أَنه إِذا كَانَ أحد الْأَرْبَعَة مَجْهُولا والبواقي مَعْلُومَة أمكن اسْتِخْرَاج الْمَجْهُول.
والضابطة: فِي استخراجه واستعلامه أَن الْمَجْهُول إِمَّا أحد الطَّرفَيْنِ أَو أحد الوسطين فَإِذا كَانَ أحد الطَّرفَيْنِ فاقسم مسطح الوسطين على الطّرف الْمَعْلُوم فالخارج هُوَ الْمَطْلُوب وَإِذا كَانَ أحد الوسطين فاقسم مسطح الطَّرفَيْنِ على الْوسط الْمَعْلُوم فالخارج هُوَ الْمَطْلُوب وَالْعدَد إِذا ضرب فِي غَيره يُسمى حَاصِل الضَّرْب بالمسطح وَإِذا ضرب فِي نَفسه يُسمى الْحَاصِل بالمجذور وَالسُّؤَال باستعلام الْمَجْهُول بالمعلوم بطرِيق الْأَرْبَعَة المتناسبة على نَوْعَيْنِ: أَحدهمَا مَا يتَعَلَّق بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان، وَالثَّانِي مَا يتَعَلَّق بالمعاملات.
أما السُّؤَال: الْمُتَعَلّق بِالزِّيَادَةِ فنحو قَول السَّائِل أَي عدد إِذا زيد عَلَيْهِ ربعه صَار ثَلَاثَة وَطَرِيق الْوُصُول فِيهِ أَن تَأْخُذ مخرج الْكسر الَّذِي هُوَ الرّبع أَعنِي أَرْبَعَة وَيُسمى هَذَا الْمخْرج فِي عرفهم مأخذا لِأَنَّهُ أول شَيْء تَأْخُذ أَنْت وَسِيلَة لاستخراج الْمَجْهُول. وتتصرف فِي هَذَا الْمخْرج الَّذِي هُوَ المأخذ بِحَسب السُّؤَال بِأَن تزيد على الْأَرْبَعَة ربعه يصير خَمْسَة فَمَا انْتهى إِلَيْهِ الْعَمَل وَهُوَ فِي هَذَا الْمِثَال خَمْسَة يُسمى وَاسِطَة عِنْدهم للتوسط بَين المأخذ والمعلوم فَيحصل عنْدك مَعْلُومَات ثَلَاث أَولهَا المأخذ وَثَانِيها الْوَاسِطَة وَثَالِثهَا الْمَعْلُوم وَهُوَ مَا أعطَاهُ السَّائِل بقوله صَار كَذَا وَهُوَ فِي الْمِثَال ثَلَاثَة فَحصل أَرْبَعَة متناسبة الأول المأخذ وَالثَّانِي الْوَاسِطَة وَالثَّالِث الْمَجْهُول وَالرَّابِع الْمَعْلُوم. وَنسبَة المأخذ وَهُوَ فِي الْمِثَال أَرْبَعَة إِلَى الْوَاسِطَة الَّتِي هِيَ خَمْسَة هَا هُنَا كنسبة الْمَجْهُول إِلَى الْمَعْلُوم الَّذِي هُوَ ثَلَاثَة فِي الْمِثَال فَوَقع الْمَجْهُول فِي الْوسط فَاضْرب المأخذ فِي الْمَعْلُوم واقسم الْحَاصِل أَعنِي اثْنَي عشر على الْوَاسِطَة أَعنِي الْخَمْسَة ليخرج الْمَجْهُول وَهُوَ فِي هَذَا الْمِثَال اثْنَان وخمسان. وَهَذَا عدد إِذا زيد عَلَيْهِ ربعه يصير ثَلَاثَة لِأَنَّهُ إِذا جنس اثْنَان وخمسان يصير اثْنَا عشر خمْسا. وَإِذا زيد عَلَيْهِ ربعه وَهُوَ ثَلَاث يبلغ خَمْسَة عشر خمْسا وَإِذا قسم هَذَا الْمبلغ على مخرج الْخمس الَّذِي هُوَ الْخَمْسَة يخرج ثَلَاثَة. وَأما السُّؤَال الْمُتَعَلّق بِالنُّقْصَانِ فنحو قَول السَّائِل أَي عدد إِذا نقصت مِنْهُ ثلثه يصير ثَلَاثَة. وَالطَّرِيق فِيهِ أَن تَأْخُذ مخرج الْكسر الَّذِي هُوَ الثُّلُث فِي هَذَا الْمِثَال وَهُوَ ثَلَاثَة وتنقص مِنْهُ ثلثه أَعنِي الْوَاحِد على حسب السُّؤَال فَيبقى اثْنَان ثمَّ اضْرِب المأخذ وَهُوَ ثَلَاثَة فِي الْعدَد الْمَعْلُوم وَهُوَ ثَلَاثَة أَيْضا يحصل تِسْعَة. ثمَّ اقسمها على الْوَاسِطَة أَعنِي اثْنَيْنِ يخرج أَرْبَعَة وَنصف هُوَ الْمَطْلُوب لِأَنَّهُ عدد إِذا نقص عَنهُ ثلثه صَار ثَلَاثَة. وَأما
الجزء 1 · صفحة 51
السُّؤَال الْمُتَعَلّق بالمعاملات فَكَمَا لَو قيل خَمْسَة أَرْطَال بِثَلَاثَة دَرَاهِم فرطلان بكم دَرَاهِم فخمسة أَرْطَال المسعر وَالثَّلَاثَة السّعر والرطلان الْمُثمن والمسؤول عَنهُ الثّمن وَنسبَة المسعر إِلَى السّعر كنسبة الْمُثمن إِلَى الثّمن فالمجهول وَقع فِي الرَّابِع فاعمل على مُقْتَضى الضابطة الْمَذْكُورَة فِي مَا سبق بِأَن تقسم على الأول الَّذِي هُوَ الْخَمْسَة السِّتَّة الَّتِي هِيَ مسطح الوسطين أَي حَاصِل ضرب الثَّلَاثَة فِي الِاثْنَيْنِ فَيخرج دِرْهَم وَخمْس دِرْهَم وَهُوَ الْمَطْلُوب وَنسبَة الْخَمْسَة إِلَى الثَّلَاثَة كنسبة الِاثْنَيْنِ إِلَى دِرْهَم وَخمْس دِرْهَم وَلَا يخفى أَن النّسَب لَا تفهم إِلَّا إِذا جعل الْكل أَخْمَاسًا فَاجْعَلْ الْخَمْسَة خَمْسَة وَعشْرين خمْسا. الثَّلَاثَة خَمْسَة عشر خمْسا واثنين عشرَة أَخْمَاس ودرهما وخمسا سِتَّة أَخْمَاس وَلَا شكّ أَن النِّسْبَة بَين خَمْسَة وَعشْرين وَخَمْسَة عشر كالنسبة بَين الْعشْرَة والستة، فَالْحَاصِل أَن الْعلم بِالنّسَبِ إِنَّمَا يحصل بعد التَّجْنِيس.
وَإِن أردْت: مِثَال أَن يكون الْمَجْهُول أحد الوسطين فَقل كم رطلا بِدِرْهَمَيْنِ مقَام رطلين بكم فالمجهول حِينَئِذٍ الْمُثمن وَهُوَ الثَّالِث فاقسم على حسب الضابطة الْمَذْكُورَة مسطح الطَّرفَيْنِ أَعنِي عشرَة على الثَّانِي وَهُوَ ثَلَاثَة يخرج ثَلَاثَة وَثلث وَهُوَ الْمَطْلُوب.
وَاعْلَم: أَن الْعدَد الأول من الْأَعْدَاد الْأَرْبَعَة المتناسبة الَّتِي يكون فِي الْمُعَامَلَات يُسمى فِي الْعرف مسعرا على صِيغَة الْمَفْعُول من التسعير وَيُسمى الثَّانِي مِنْهَا سعرا أَو على الْعَكْس وَيُسمى الْعدَد الثَّالِث من تِلْكَ الْأَعْدَاد مثمنا على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول من أثمنت الرجل مَتَاعه إِذا أوقعت إِلَيْهِ ثمنه وَيُسمى الرَّابِع مِنْهَا ثمنا أَو على الْعَكْس فَإِن كَانَ المسعر أَولا يجب أَن يكون الْمُثمن ثَالِثا وَإِن كَانَ المسعر ثَانِيًا يجب أَن يكون الثّمن رَابِعا وَيكون الثَّلَاثَة من هَذِه الْأَعْدَاد مَعْلُومَة أبدا وَهِي الأول وَالثَّانِي وَأحد الباقيين وَيكون أَحدهمَا مَجْهُولا وَهُوَ إِمَّا الثَّالِث أَو الرَّابِع وَذَلِكَ لِأَن النَّاس لما كَانَ لَهُم حَاجَة إِلَى الْمُعَامَلَات كَانَ عِنْدهم مسعرات الْأَشْيَاء المتداولة فِيمَا بَينهم وأسعارها مَشْهُورَة يعلمهَا أَكْثَرهم فَيكون لَهُم الأول وَالثَّانِي من الْأَعْدَاد الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة معلومين ثمَّ عِنْد الْمُقَابلَة الْمُعَاوضَة لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون لَهُم مثمن ويريدون بَيْعه أَو يكون لَهُم ثمن ويريدون اشْتِرَاء مثمن فَيكون لَهُم على التَّقْدِيرَيْنِ أحد الباقيين أَيْضا مَعْلُوما وَيبقى الآخر مَجْهُولا وَهُوَ الثّمن على الأول والمثمن على الثَّانِي فَيكون الثَّلَاثَة من الْأَرْبَعَة مَعْلُومَة أبدا الْأَوَّلَانِ وَأحد الباقيين وَيكون أحد الباقيين مَجْهُولا.
وَإِن أردْت: أَن تكْتب أَرْبَعَة متناسبة فالطريق أَن يخط خطان متقاطعان بِحَيْثُ يحدث أَربع زَوَايَا قَوَائِم وتوضع الطّرف الأول فِي الزاوية الْيُمْنَى الفوقانية وَالْوسط الأول فِي الزاوية الْيُسْرَى الفوقانية وَالْوسط الثَّانِي فِي الزاوية الْيُمْنَى التَّحْتَانِيَّة إِن كَانَ مَعْلُوما وَإِلَّا فاتركها خَالِيَة والطرف الثَّانِي فِي الزاوية الْيُسْرَى التَّحْتَانِيَّة إِن كَانَ مَعْلُوما وَإِلَّا فاتركها خَالِيَة ثمَّ تضرب أحد المتقابلين فِي الآخر وتقسم الْحَاصِل على الثَّالِث الْبَاقِي
الجزء 1 · صفحة 52
فخارج الْقِسْمَة هُوَ الْمَجْهُول. مِثَاله أردنَا أَن نعلم أَن خَمْسَة أَسْبَاع كم هِيَ اتساعا فَهَذِهِ أَرْبَعَة متناسبة لِأَن نِسْبَة الْخَمْسَة الَّتِي هِيَ كسور إِلَى السَّبْعَة الَّتِي هِيَ مخرجها كنسبة الْكسر الْمَطْلُوب إِلَى التِّسْعَة الَّتِي هِيَ مخرجه فَوَضَعْنَا المعلومات الثَّلَاث هَكَذَا 5 / 7 / 9 فضربنا الْخَمْسَة فِي التِّسْعَة حصل 45 ثمَّ قسمنا على 7 خرج سِتَّة وَثَلَاثَة أَسْبَاع تسع.
واكتب: فِي مِثَال مَا لَو قيل خَمْسَة أَرْطَال بِثَلَاثَة دَرَاهِم رطلان بكم هَكَذَا فَاضْرب أحد المتقابلين فِي الآخر أَعنِي الِاثْنَيْنِ فِي الثَّلَاثَة. ثمَّ اقْسمْ الْحَاصِل أَعنِي (6) على (5) يخرج دِرْهَم وَخمْس دِرْهَم وَقس عَلَيْهِ سَائِر الصُّور.
ولاستخراج الْمَجْهُول: بالأربعة المتناسبة طَرِيق آخر. وَهُوَ أَن يقسم أَي وَاسِطَة اتّفقت على الطّرف الْمَعْلُوم ثمَّ يضْرب الْخَارِج فِي الْوَاسِطَة الْبَاقِيَة فَمَا بلغ فَهُوَ الطّرف الْمَجْهُول. هَذَا إِذا كَانَ أحد الطَّرفَيْنِ مَجْهُولا وَأما إِذا كَانَ أحد الوسطين مَجْهُولا فَإِن يقسم أَي طرف اتّفق على الْوَاسِطَة الْمَعْلُومَة ثمَّ تضرب الْخَارِج فِي الطّرف الْبَاقِي إِلَيْهَا فَمَا حصل فَهُوَ الْوَاسِطَة المجهولة. فَفِي الْمِثَال الأول يقسم الْأَرْبَعَة على الْخَمْسَة وَيضْرب الْخَارِج أَعنِي أَرْبَعَة أَخْمَاس فِي الثَّلَاثَة يحصل اثْنَان وخمسان وَفِي الْمِثَال الْأَخير يقسم الثَّلَاثَة على الْخَمْسَة وتضرب الْخَارِج أَعنِي ثَلَاثَة أَخْمَاس فِي الِاثْنَيْنِ يحصل وَاحِد وَخمْس وَهُوَ الْمَطْلُوب.
فالضابطة: فِي اسْتِخْرَاج الْمَجْهُول بالأربعة المتناسبة فِيمَا يتَعَلَّق بالمعاملات أَن تضرب عدد مَا وَقع فِي آخر السُّؤَال فِي عدد غير جنسه وتقسم الْحَاصِل على عدد جنسه فالخارج هُوَ الْمَطْلُوب. فَفِي الْمِثَال الْأَخير يضْرب عدد الرطلين فِي عدد ثَلَاثَة دَرَاهِم وَيقسم السِّتَّة على عدد خَمْسَة أَرْطَال فالخارج هُوَ الْمَطْلُوب. هَذِه خُلَاصَة مَا فِي هَذَا الْبَاب. اللَّهُمَّ هون عَليّ الْحساب. يَوْم الْحساب. بشفاعة الْأَرْبَعَة المتناسبة خُلَاصَة الأحباب (أَي أحباب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -) .
الِارْتفَاع: فِي دَائِرَة الِارْتفَاع وَيُطلق على مَا يُطلق عَلَيْهِ مسْقط الْحجر غَالِبا ولاستعلام ارْتِفَاع المرتفعات طرق أسهلها أَن ينْتَصب شاخصا على أَرض مسطح بِحَيْثُ يعْتَمد عَلَيْهِ واستعلم نِسْبَة ظلّ ذَلِك الشاخص إِلَيْهِ فَتلك النِّسْبَة بَينهَا نِسْبَة ظلّ الْمُرْتَفع إِلَيْهِ. هَذَا فِي مُرْتَفع يُمكن الْوُصُول إِلَى مسْقط حجره. وَأما فِيمَا لَا يُمكن فطريق استعلام ارتفاعه يفْتَقر إِلَى الاضطرلاب وَهُوَ مَذْكُور فِي خُلَاصَة الْحساب.
ارْتِفَاع النقيضين محَال: كاجتماعهما بِالضَّرُورَةِ نعم إِن ارتفاعهما فِي مرتبَة اللَّذَّات جَائِز وَالْمرَاد إِنَّا لَا نتعقل فِي مرتبَة الذَّات إِلَّا الذَّات منسلخا عَن الْعَوَارِض كلهَا وَهَذِه مرتبَة لَا يثبت فِيهَا إِلَّا الذاتيات أَي لَا يتعقل غَيرهَا وَلَا يلْزم سلب الْغَيْر فِي الْوَاقِع فارتفاع النقيضين فِي هَذِه الْمرتبَة عبارَة عَن عدم تعلقهما فِي تِلْكَ الْمرتبَة. وعَلى هَذَا
الجزء 1 · صفحة 53
التَّحْقِيق الْحقيق مدَار حل أَكثر الاعتراضات فَافْهَم واحفظ. فَإِن قيل إِن الْوُجُود والعدم نقيضان مَعَ أَن شَيْئا مِنْهُمَا لَا يصدق على زيد مثلا إِذْ لَا يَصح أَن يُقَال زيد وجودا وَعدم فَيلْزم ارْتِفَاع النقيضين عَن زيد، قُلْنَا معنى ارْتِفَاع النقيضين عدم اتصاف شَيْء بِشَيْء من النقيضين لَا عدم حملهما على شَيْء بالمواطأة. فَإِن قيل إِن بعض الموجودات آني فتأثير الْعلَّة فِي عدم هَذِه الموجودات الْآنِية أَيْضا آني بِنَاء على كَلَام الشَّيْخ فَإِن كَانَ آن تَأْثِير الْعلَّة فِي عدمهَا هُوَ آن وجودهَا يلْزم اجْتِمَاع النقيضين وَإِن كَانَ غَيره فَلَا بُد أَن يكون بَين الآنين زمَان إِذْ تتالي الآنات بَاطِل عِنْد الْحُكَمَاء فالشيء الآني الْوُجُود فِي هَذَا الزَّمَان الَّذِي يتَحَقَّق بَين آن وجوده وَبَين آن عَدمه الْعلَّة لَهُ لَا يكون مَوْجُودا وَلَا مَعْدُوما فَيلْزم ارْتِفَاع النقيضين. قُلْنَا إِنَّا نَخْتَار كَون آن تَأْثِير الْعلَّة فِي عدم الشَّيْء الآني هُوَ عين آن وجوده وَلَكِن اتصافه بالمعدومية فِي زمَان بعد هَذَا الْآن وَلَا يلْزم اجْتِمَاع النقيضين وَلَا تخلف الْمَعْلُول عَن الْعلَّة إِذْ معنى تخلف الْمَعْلُول عَن الْعلَّة هُوَ أَن يكون الْعلَّة فِي زمَان والمعلول فِي زمَان آخر وَمَا يلْزمه لَيْسَ كَذَلِك، فَإِن قيل إِن الْمُمكن الْخَاص واللاممكن الْخَاص متناقضان وكل مِنْهُمَا أخص من الْمُمكن الْعَام وَلَا يصدق شَيْء من الْمُمكن واللاممكن الخاصين على كل الْأَعَمّ فَيلْزم ارتفاعهما عَن بعض الْمُمكن الْعَام قُلْنَا بِصدق الْأَخَص على الْأَعَمّ تَنْعَقِد قَضِيَّة جزئية فَيجوز أَن يصدق الْمُمكن الْخَاص واللاممكن الْخَاص على جَمِيع أَفْرَاد الْمُمكن الْعَام توزيعا ثمَّ اعْلَم أَن كَون الْمُمكن الْخَاص أخص من الْمُمكن الْعَام فَظَاهر وَأما كَون اللاممكن الْخَاص أخص مِنْهُ فَلِأَن الْمُمكن الْعَام يصدق على الْمُمكن الْخَاص وعَلى اللاممكن الْخَاص فللممكن الْعَالم فردان وَلَا خَفَاء فِي أَن اللاممكن الْخَاص لَا يصدق على أحد فرديه وَهُوَ الْمُمكن الْخَاص فَتَأمل.
الْإِرَادَة: صفة توجب للحي حَالَة لأَجلهَا يَقع مِنْهُ الْفِعْل على وَجه دون وَجه. وَبِعِبَارَة أُخْرَى هِيَ صفة فِي الْحَيّ تخصص بعض الأضداد بالوقوع دون الْبَعْض وَفِي بعض الْأَوْقَات دون الْبَعْض مَعَ اسْتِوَاء نِسْبَة قدرَة ذَلِك الْحَيّ إِلَى الْكل. وَقَالَ الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله هما أَي الْإِرَادَة والمشيئة عبارتان عَن صفة فِي الْحَيّ توجب تَخْصِيص أحد المقدورين فِي أحد الْأَوْقَات بالوقوع مَعَ اسْتِوَاء نِسْبَة الْقُدْرَة إِلَى الْكل وَكَون تعلق الْعلم تَابعا للوقوع. قَوْله (وَكَون تعلق الْعلم) مَعْطُوف على قَوْله تَخْصِيص أحد المقدورين وغرضه رَحمَه الله من هَذَا الْبَيَان ثَلَاثَة أُمُور أَحدهَا الرَّد على الكرامية الْقَائِلين بِأَن الْمَشِيئَة قديمَة والإرادة حَادِثَة قَائِمَة بِذَات الله تَعَالَى وَثَانِيها الرَّد على النجار وَكثير من معتزلة بَغْدَاد حَيْثُ زَعَمُوا أَن معنى إِرَادَة الله تَعَالَى فعله أَنه لَيْسَ بمكره وَلَا ساه وَلَا مغلوب أَي لَا مَجْنُون وَمعنى إِرَادَته فعل غَيره أَنه آمُر بِهِ يَعْنِي أَن مَا لَا يكون مَأْمُورا بِهِ لَا يكون مرادفا فالإرادة عِنْدهم عين الْأَمر وَثَالِثهَا إِثْبَات الْمُغَايرَة بَين الْإِرَادَة وَالْعلم ردا على الكعبي الْقَائِل بِأَن إِرَادَته تَعَالَى لفعله الْعلم بِهِ وعَلى الْمُحَقِّقين من
الجزء 1 · صفحة 54
الْمُعْتَزلَة وهم النظام والعلاف وَأَبُو الْقَاسِم الْبَلْخِي والجاحظ الْقَائِلين بِأَن الْإِرَادَة عين الْعلم بِمَا فِي الْفِعْل من الْمصلحَة. أما وَجه الرَّد الأول فَإِنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ فَقدم أَحدهمَا مُسْتَلْزم لقدم الآخر وحدوث أَحدهمَا لحدوث الآخر فَالْقَوْل بحدوث أَحدهمَا وَقدم الآخر لَيْسَ بِصَحِيح لَكِن لَا يخفى أَن لَهُم أَن يمنعوا الترادف. وَأما وَجه الرَّد الثَّانِي فَإِن الْإِرَادَة والمشيئة مترادفتان وَقد تقرر أَن المشيء لَا يتَخَلَّف عَن الْمَشِيئَة لقَوْله تَعَالَى {وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا} . فَالْمُرَاد أَيْضا لَا يتَخَلَّف عَن الْإِرَادَة وَأَنه تَعَالَى أَمر كل مُكَلّف بِالْإِيمَان وَلم يُوجد الْمَأْمُور بِهِ عَن الْبَعْض فَلَو كَانَ الْإِرَادَة والمشيئة عين الْأَمر لما تخلف الْمَأْمُور بِهِ عَن الْأَمر لِأَن المُرَاد لَا يتَخَلَّف عَن الْإِرَادَة.
وَالْجَوَاب: بِأَنا لَا نسلم عدم تخلف المشيء وَالْمرَاد عَن الْمَشِيئَة والإرادة لجَوَاز أَن يأول قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا اشْتهر من السّلف وَالْخلف مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن. بِمَشِيئَة قسر عدُول عَن الظَّاهِر بِلَا ضَرُورَة نعم يرد الْمَنْع بِأَنا لَا نسلم اتِّحَاد الْمَشِيئَة والإرادة بِأَن المشيء لَا يَنْفَكّ عَن الْمَشِيئَة وَالْمرَاد يَنْفَكّ عَن الْإِرَادَة كَيفَ وتخلف المُرَاد عَن الْإِرَادَة جَائِز عِنْدهم لأَنهم يَقُولُونَ إِن الله تَعَالَى أَرَادَ إِيمَان الْكَافِر وطاعته لكنه لم يَقع. وَأما الثَّالِث أَي إِثْبَات أَن الْعلم غير الصّفة الَّتِي ترجح أحد المقدورين بالوقوع فَإِن الْعلم لَو كَانَ عين الْإِرَادَة فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون مُرَجّح أحد الطَّرفَيْنِ الْعلم بِنَفس حَقِيقَة الْمَقْدُور أَو الْعلم بِوُقُوعِهِ ووجوده فِي الْخَارِج وَكِلَاهُمَا لَا يصير مُخَصّصا. أما الأول فَلِأَنَّهُ عَام شَامِل للْوَاقِع وَغَيره فَإِنَّهُ تَعَالَى يعلم الْمُمكن والممتنع وَالْوَاجِب فَلَا يكون مُخَصّصا لَهُ وَهُوَ ظَاهر. وَأما الثَّانِي فَلِأَن الْعلم بِوُقُوع الشَّيْء فرع وتابع لكَونه مِمَّا يَقع فِي الْحَال أَو فِي الِاسْتِقْبَال فَإِن الْمَعْلُوم هُوَ الأَصْل وَالْعلم صُورَة لَهُ وظل وحكاية عَنهُ سَوَاء كَانَ مقدما عَلَيْهِ وَهُوَ الْفعْلِيّ أَو مُؤَخرا عَنهُ وَهُوَ الانفعالي وَالصُّورَة والحكاية عَن الشَّيْء فرع ذَلِك الشَّيْء حَتَّى لَو لم يكن ذَلِك الشَّيْء بِتِلْكَ الْحَيْثِيَّة الَّتِي تعلّقت بِهِ الْعلم لَا يكون علما بل جهلا. وَإِذا كَانَ الْعلم بِوُقُوع الشَّيْء مِمَّا يَقع فَلَا يكون عين الْإِرَادَة الَّتِي كَون الشَّيْء مِمَّا يَقع فرع وتابع لَهُ.
فَإِن قيل: الْإِرَادَة من حَيْثُ هِيَ إِرَادَة نسبتها إِلَى الضدين وَإِلَى الْأَوْقَات سَوَاء إِذْ كَمَا يجوز تعلقهَا بِهَذَا الضِّدّ يجوز تعلقهَا بالضد الآخر وكما يجوز إِرَادَة وُقُوع وَاحِد مِنْهُمَا فِي وَقت يجوز إِرَادَة وُقُوعه فِي وَقت آخر فَيَعُود الْكَلَام فِيهَا فَيُقَال لَا بُد للتخصيص من مُخَصص مغائر للْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة فَيثبت صفة رَابِعَة وَيلْزم التسلسل.
وَحَاصِل الِاعْتِرَاض: إِن تَسَاوِي نِسْبَة الْإِرَادَة إِلَى التعلقين يحْتَاج إِلَى مُخَصص آخر فيتسلسل وَإِن لم تتساو نسبتها فَيلْزم الْإِيجَاب.
قُلْنَا: نَخْتَار الشق الأول ونمنع لُزُوم الِاحْتِيَاج إِلَى مُخَصص آخر فَإِن الْإِرَادَة صفة من شَأْنهَا صِحَة الْفِعْل وَالتّرْك فَيصح تخصيصها مَعَ اسْتِوَاء نسبتها إِلَى الضدين من غير
الجزء 1 · صفحة 55
احْتِيَاج إِلَى مُخَصص قيل لَا نسلم وجود الصّفة الَّتِي من شَأْنهَا صِحَة الْفِعْل وَالتّرْك من غير مُخَصص بل هُوَ مُمْتَنع لاستلزام وجودهَا الْمحَال الَّذِي هُوَ تَرْجِيح أحد المتساويين بِلَا مُرَجّح.
وَقد أُجِيب: عَنهُ بِأَن اللَّازِم هُوَ تَرْجِيح أحد المتساويين أَي إيجاده من غير مُرَجّح أَي غير سَبَب دَاع إِلَى إيجاده وَهُوَ لَيْسَ بمحال بل هُوَ وَاقع فَإِن الهارب من السَّبع إِذا ظهر لَهُ طَرِيقَانِ متساويان فَإِنَّهُ يخْتَار أَحدهمَا من غير دَاع وباعث عَلَيْهِ وَكَذَا العطشان إِذا كَانَ عِنْده قدحا مَاء مستويان من جَمِيع الْوُجُوه فَإِنَّهُ يخْتَار أَحدهمَا أَيْضا إِنَّمَا الْمحَال هُوَ ترجح أحد المتساويين أَو وُقُوع أَحدهمَا من غير مُرَجّح أَي موقع وموجد وَهُوَ غير لَازم من كَون الْإِرَادَة مرجحة وَقَالَ أفضل الْمُتَأَخِّرين مَوْلَانَا عبد الْحَكِيم رَحمَه الله وَأَنت خَبِير بِأَن هَذَا الْجَواب لَا يجدي نفعا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يجوز أَن يكون مُخَصص أحد المقدورين بالوقوع فِي وَقت معِين هِيَ الْقُدْرَة واستواء نسبتها إِلَى الطَّرفَيْنِ والأوقات إِنَّمَا يسْتَلْزم التَّرْجِيح بِلَا مُرَجّح لَا الترجح بِلَا مُرَجّح إِذا الْمُرَجح الموجد هُوَ الذَّات وَهُوَ مَوْجُود. وَالْفرق بِأَن كَون الْقُدْرَة مرجحة يسْتَلْزم التَّرْجِيح بِلَا مُرَجّح دون الْإِرَادَة مُشكل على إِنَّا نقُول قد صرح السَّيِّد الشريف رَحمَه الله فِي شرح المواقف فِي بحث الْإِمْكَان التَّرْجِيح بِلَا مُرَجّح يسْتَلْزم الترجح بِلَا مُرَجّح. هَذَا وَلَا مخلص عَن هَذَا الْإِيرَاد إِلَّا بِأَن يُقَال إِن تعلق الْإِرَادَة بترجيح أحد الطَّرفَيْنِ يحْتَاج إِلَى تعلق آخر مُخَصص لَهُ وَهَكَذَا إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ فالتسلسل فِيهَا لَيْسَ بمحال وَفِيه تَأمل انْتهى.
وَاعْلَم: أَن الْإِرَادَة فِي الْحَقِيقَة لَا تتَعَلَّق دَائِما إِلَّا بالمعدوم فَإِنَّهَا صفة تخصص أَمر إِمَّا بحصوله ووجوده كَمَا قَالَ الله تَعَالَى {إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون} . والإرادة عِنْد أهل الْحَقَائِق طلب الْقرب الإلهي من المرشد الْمجَاز الَّذِي تَنْتَهِي سلسلته إِلَى النَّبِي الْكَرِيم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِوَاسِطَة خَليفَة من الْخُلَفَاء الرَّاشِدين رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وتتمة هَذَا المرام فِي المريد إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الْإِرْسَال: (كذاشتن وفرستادن) والإرسال فِي الحَدِيث عدم الْإِسْنَاد مثل أَن يَقُول الرَّاوِي قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من غير أَن يَقُول حَدثنَا فلَان عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -.
الإرش: بِفَتْح الأول وَسُكُون الثَّانِي اسْم لِلْمَالِ الْوَاجِب على مَا دون النَّفس.
الأَرْض: جسم بسيط طبيعتها أَن تكون بَارِدَة ويابسة متحركة إِلَى الْمَكَان الذاتي الَّذِي هُوَ تَحت كرة المَاء. وَاعْلَم أَن مَرْكَز الأَرْض مَرْكَز الْعَالم فَهِيَ بَين الْمشرق وَالْمغْرب وَالشمَال والجنوب والفوق والتحت لِأَنَّهَا لَو كَانَت قريبَة من الْمشرق لَكَانَ الزَّمَان الَّذِي بَين طُلُوع الشَّمْس إِلَى غَايَة ارتفاعها أقل من الزَّمَان الَّذِي من غَايَة ارتفاعها
الجزء 1 · صفحة 56
إِلَى غُرُوبهَا وَلَيْسَ كَذَلِك فَلَا تكون قريبَة من الْمشرق. وَلَو كَانَت قريبَة من الْمغرب لَكَانَ الزمانان بعكس الْمَذْكُور وَلَيْسَ كَذَلِك فَلَا يكون ذَلِك. وَالشَّمْس إِذا كَانَت فِي الْحمل أَو الْمِيزَان فانصب مقياسا على الأَرْض فمجموع خطي ظِلِّي الْمشرق وَالْمغْرب يكون خطا مُسْتَقِيمًا فَلَو كَانَت الأَرْض فِي جَانب الشمَال أَو الْجنُوب لما كَانَ الخطان خطين مستقيمين. فَمن هَا هُنَا يعلم أَنَّهَا بَين الشمَال والجنوب لَا فِي جَانب من أَحدهمَا وَلَو كَانَت قريبَة من الفوق لَكَانَ الظَّاهِر من الْفلك أقل من نصفه. وَلَو كَانَت قريبَة من التحت لَكَانَ الظَّاهِر من الْفلك أَكثر من نصفه وَلَيْسَ كَذَلِك. فَعلم أَنَّهَا فِي وسط الْعَالم مركزها مركزه كَانَ الْفلك مغناطيس وَالْأَرْض حَدِيدَة جذبها الْفلك من كل جَانب على السوَاء وَالْأَرْض سَاكِنة دَائِما. وَمَا قيل، إِنَّهَا تتحرك بالاستدارة دون الأفلاك وطلوع الْكَوَاكِب وغروبها بِسَبَب حَرَكَة الأَرْض مِمَّا تكرههُ الآذان لِأَن فِي طبيعة الأَرْض ميل حَرَكَة مُسْتَقِيمَة فَلَا يُمكن أَن يكون فِيهَا ميل حَرَكَة مستديرة لِامْتِنَاع اجْتِمَاع ميلين طبيعيين بجهتين مختلفتين وَلِأَن الأَرْض لَو تحركت من الْمشرق إِلَى الْمغرب أَو بِالْعَكْسِ فَلَا بُد أَن لَا يَقع الْحجر المرمي فِي الْهَوَاء من مَوضِع معِين على ذَلِك الْموضع وَلَيْسَ كَذَلِك وَلَك أَن تَقول إِن ذَلِك الْحجر المرمي لكَونه جُزْءا من الأَرْض أَيْضا يَتَحَرَّك مَعَ حَرَكَة مَوضِع الرَّمْي فَالْوَاجِب أَن لَا يَقع إِلَّا فِي مَوضِع الرَّمْي فَافْهَم.
الإرتثاث: (كهنه شدن) مَأْخُوذ من ثوب رث أَي خلق. وَفِي الشَّرْع أَن يرتفق الْمَجْرُوح بِشَيْء من مرافق الْحَيَاة أَو يثبت لَهُ حكم من أَحْكَام الْأَحْيَاء كَالْأَكْلِ وَالشرب وَالنَّوْم والمداواة وَغير ذَلِك. وَفِي كنز الدقائق فِي بَاب الشَّهِيد أَو ارتث بِأَن أكل أَو شرب أَو نَام أَو تداوى أَو مضى وَقت صَلَاة وَهُوَ يعقل أَو نقل من المعركة حَيا أَو أوصى. وَفِي الصِّحَاح ارتث فلَان وَهُوَ افتعل مَا لم يسم فَاعله أَي حمل من المعركة رثيثا أَي جريحا وَبِه رَمق.
الارين: مَحل الِاعْتِدَال فِي الْأَشْيَاء. وَهِي نقطة فِي الأَرْض يَسْتَوِي مَعهَا ارْتِفَاع القطبين وَلَا يَأْخُذ هُنَاكَ اللَّيْل من النَّهَار وَلَا النَّهَار من اللَّيْل وَقد يُقَال عرفا على مَحل الِاعْتِدَال مُطلقًا.
بَاب الْألف مَعَ الزَّاي الْمُعْجَمَة
الْأَزْمَان: جمع الزَّمَان.
الْأزَارِقَة: جمَاعَة نَافِع بن الْأَزْرَق وَقَالُوا كفر عَليّ كرم الله وَجهه بالتحكيم وَابْن
الجزء 1 · صفحة 57
ملجم وَهُوَ الَّذِي قتل عليا رَضِي الله عَنهُ محق وَكَفرُوا الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وقضوا بتخليدهم فِي النَّار.
أزلية الْإِمْكَان وَإِمْكَان الأزلية: فِي الْعَكْس الْمُسْتَقيم إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الْأَزَل: عبارَة عَن عدم الأولية أَو اسْتِمْرَار الْوُجُود فِي أزمنة مقدرَة غير متناهية فِي جَانب الْمَاضِي وَالْأول أَعم من الثَّانِي لصدق الأول فِي الإعدام أَيْضا بِخِلَاف الثَّانِي فَإِنَّهُ لَا يتَحَقَّق إِلَّا فِي الموجودات الْقَدِيمَة كَمَا لَا يخفى. وَقَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ فِي شرح العقائد النسفية فِي بَيَان حُدُوث الإعيان والإعراض وَالثَّالِث أَن الْأَزَل لَيْسَ عبارَة عَن حَالَة مَخْصُوصَة إِلَى آخِره وَمَا خطر فِي خاطري الكليل وذهني العليل أَو أَن تكراره بخلص الأحباب وزبدة الْأَصْحَاب مستان على السنكميزي أعطَاهُ الله أحسن مَا يتمناه فِي تَحْرِير ذَلِك الْبَحْث الثَّالِث من جَانب الْحُكَمَاء أَن قَوْله الثَّالِث أَن الْأَزَل إِلَى آخِره. حَاصله منع الْمُلَازمَة لَو أُرِيد بالحادث الْحَادِث الْمعِين أَي الْحَرَكَة الْمعينَة وَمنع اسْتِحَالَة اللَّازِم لَو أُرِيد بِهِ الْحَادِث مُطلقًا أَي مُطلق الْحَرَكَة.
وتوضيحه: إِن المُرَاد بالحادث فِي قَوْله فلَان مَا لَا يَخْلُو عَن الْحَادِث أَي الحركات لَو ثَبت فِي الْأَزَل لزم ثُبُوت الْحَادِث فِي الْأَزَل وَهُوَ محَال إِمَّا فَرد معِين من الْحَادِث فَلَا نسلم أَن مَا لَا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث أَي الحركات لَو ثَبت فِي الْأَزَل لزم ثُبُوت ذَلِك الْفَرد الْمعِين من الْحَادِث فِي الْأَزَل لجَوَاز ثُبُوته فِي الْأَزَل بِدُونِ ذَلِك الْفَرد. نعم لَو كَانَ الْأَزَل عبارَة عَن زمَان مُقَدّر مَخْصُوص للَزِمَ من وجود مَا لَا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث فِيهِ وجود جَمِيع الْحَوَادِث فِيهِ فَيكون ذَلِك الْفَرد الْمعِين فِيهِ الْبَتَّةَ وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن الْأَزَل عبارَة عَن عدم الأولية أَو عَن اسْتِمْرَار الْوُجُود. وَلَا شكّ أَن عدم أولية مَا لَا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث أَو اسْتِمْرَار وجوده لَا يسْتَلْزم عدم أولية الْحَادِث الْمعِين فِيهِ أَو اسْتِمْرَار وجوده. وَأما الْحَادِث مُطلقًا أَي فَرد منتشر مِنْهُ فالملازمة مسلمة لَكِن استمالة اللَّازِم مَمْنُوع لِأَن مَا لَا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث أَي الحركات الْحَادِثَة مثلا لَو كَانَ فِي الْأَزَل يكون مُطلق الْحَرَكَة أَي فَرد منتشر مِنْهَا فِي الْأَزَل الْبَتَّةَ وَلَا ضير فِي أزليتها فَإِنَّهُم قَائِلُونَ بأزلية الحركات الْحَادِثَة وَيَقُولُونَ إِن معنى أزليتها أَنه مَا من حَرَكَة إِلَى آخِره وَلَا شكّ أَن الْحَرَكَة الْمُطلقَة أزلية بِمَعْنى عدم الأولية واستمرار الْوُجُود أَيْضا. فَقَوله إِنَّمَا الْكَلَام فِي الْحَرَكَة الْمُطلقَة أَي إِنَّمَا أردنَا بالحادث فِي التَّالِي الْحَرَكَة الْمُطلقَة لِأَن كلامنا فِيهَا وَهِي أزلية عندنَا فاستحالة اللَّازِم مَمْنُوع. فحاصل قَوْله فَالْجَوَاب أَنه لَا وجود إِلَى آخِره وَاضح ولائح.
قَوْله: بل هُوَ عبارَة إِلَى آخِره فللأزلي مَعْنيانِ الأول أَعم من الثَّانِي لشُمُوله الإعدام دون الثَّانِي والأزلي بِالْمَعْنَى الثَّانِي يُسَاوِي الْقَدِيم أَو يرادفه وَإِنَّمَا قَالَ فِي أزمنة مقدرَة ليشْمل أزليته تَعَالَى وأزلية صِفَاته فَإِنَّهُ تَعَالَى وَصِفَاته مَوْجُودَة حَيْثُ لَا زمَان. قَوْله
الجزء 1 · صفحة 58
وَمعنى أزلية الحركات الْحَادِثَة إِلَى آخِره تَحْقِيقه مَا حررنا آنِفا وَيحْتَمل أَن يكون جَوَابا عَمَّا يُقَال إِن الحركات الفلكية حَادِثَة لَيْسَ لَهَا عدم الأولية وَلَا اسْتِمْرَار الْوُجُود مَعَ أَنهم قَائِلُونَ بأزليتها.
وَحَاصِل الْجَواب: أَن الْأَزَل هَا هُنَا بِمَعْنى آخر وَأَنت تعلم أَنه على مَا حررنا اربط بالسابق واللاحق. قَوْله وَالْجَوَاب أَنه لَا وجود إِلَى آخِره حَاصله اخْتِيَار الشق الثَّانِي وَإِثْبَات اسْتِحَالَة اللَّازِم بِأَنَّهُ لَا وجود للمطلق إِلَى آخِره. قَوْله فَلَا يتَصَوَّر قدم الْمُطلق أَي أزليته وَمن هَا هُنَا يعلم أَن الْأَزَل مسَاوٍ للقدم أَو مرادف لَهُ انْتهى - وَفِي شرح الْمطَالع الْأَزَل دوَام الْوُجُود فِي الْمَاضِي والأبد دوَام الْوُجُود فِي الْمُسْتَقْبل.
الأزلي: لَهُ مَعْنيانِ أَحدهمَا مَا لَا أول لَهُ سَوَاء كَانَ مَوْجُودا أَو مَعْدُوما فَهُوَ مَا لَا أول لوُجُوده أَو عَدمه وَثَانِيهمَا مَا اسْتمرّ وجوده فِي أزمنة مقدرَة غير متناهية فِي جَانب الْمَاضِي وَالْمعْنَى الأول أَعم من الثَّانِي كَمَا لَا يخفى.
الْإِزَار فِي الْإِحْرَام: هُوَ من السُّرَّة إِلَى مَا تَحت ركبته وَفِي الْكَفَن هُوَ من الْقرن أَي الرَّأْس إِلَى الْقدَم تَحت اللفافة.
بَاب الْألف مَعَ السِّين الْمُهْملَة
الِاسْم: عِنْد النُّحَاة كلمة دلّت على معنى فِي نَفسهَا غير مقترن بِأحد الْأَزْمِنَة الثَّلَاثَة بِالْوَضْعِ. وَهُوَ على نَوْعَيْنِ اسْم عين وَهُوَ الدَّال على شَيْء معِين يقوم بِذَاتِهِ كزيد وَعَمْرو. وَاسم معنى وَهُوَ مَا لَا يقوم بِذَاتِهِ سَوَاء كَانَ مَعْنَاهُ وجوديا كَالْعلمِ أَو عدميا كالجهل - وَفِي شرح الْمَقَاصِد الِاسْم هُوَ اللَّفْظ الْمُفْرد الْمَوْضُوع للمعنى فَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنى شَامِل لأنواع الْكَلِمَة - وَفِي الْأَنْوَار تَحت قَوْله تَعَالَى {وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا} . الِاسْم بِاعْتِبَار الِاشْتِقَاق مَا يكون عَلامَة للشَّيْء إِن كَانَ من الوسم ودليلا يرفعهُ إِلَى الذِّهْن إِن كَانَ من السمو سَوَاء كَانَ لفظا مُطلقًا أَو صفة أَو فعلا واستعماله عرفا فِي اللَّفْظ الْمَوْضُوع لِمَعْنى سَوَاء كَانَ مركبا أَو مُفردا مخبرا عَنهُ أَو خَبرا أَو رابطة وَاصْطِلَاحا فِي الْمُفْرد الدَّال على معنى فِي نَفسه غير مقترن بِأحد الْأَزْمِنَة الثَّلَاثَة انْتهى وَهُوَ يدل على أَن التَّخْصِيص بالمفرد مُطلقًا لَيْسَ فِي شَيْء من الإطلاقات فَافْهَم.
ثمَّ اعْلَم: إِن من خواصه الحكم عَلَيْهِ أَي الْإِسْنَاد إِلَيْهِ. فَإِن قلت لَا نسلم ذَلِك بِسَنَد قَوْلهم (ضرب) فعل مَاض (وَمن) حرف. قُلْنَا إِن الْإِسْنَاد فِيهِ إِلَى لفظ (ضرب) وَلَفظ (من) لَا إِلَى مَعْنَاهُمَا والإسناد إِلَى الْمَعْنى من خَواص الِاسْم. وَأما الْإِسْنَاد إِلَى اللَّفْظ لَيْسَ من خواصه بل يجْرِي فِي الْفِعْل والحرف حَتَّى فِي المهملات أَيْضا كَمَا يُقَال (جق) مهمل (وديز) مقولب زيد. - وتفصيل هَذَا الْمُجْمل أَن الْإِخْبَار عَن الْحَرْف وَالْفِعْل
الجزء 1 · صفحة 59
إِمَّا عَن لَفْظهمَا فَهُوَ جَائِز كالمثالين الْمَذْكُورين. وَإِمَّا عَن مَعْنَاهُمَا فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يعْتَبر مَعْنَاهُمَا بِلَفْظ وضع بإزائهما أَو بِغَيْر لفظ كَذَلِك وَلَا امْتنَاع فِي الثَّانِي أَيْضا كَقَوْلِنَا معنى الْفِعْل مقرون بِالزَّمَانِ وَمعنى الْحَرْف غير مُسْتَقل بِنَفسِهِ. وَالْأول إِمَّا أَن يكون بلفظهما مَعَ ضميمة وَهُوَ أَيْضا لَيْسَ بممتنع كَقَوْلِنَا معنى من غير معنى فِي وَمعنى ضرب غير معنى كلمة فِي أَو بِمُجَرَّد لَفْظهمَا وَهُوَ غير جَائِز لِأَن الْإِخْبَار عَن الْمَعْنى والإسناد إِلَيْهِ بِمُجَرَّد لَفظه خَاصَّة الِاسْم وَهَذَا هُوَ الْجَواب الصَّوَاب فَلَا تنظر إِلَى مَا هُوَ الْمَشْهُور من أَن كلمة من وَضرب فِي القَوْل الْمَذْكُور اسمان للحرف وَالْفِعْل الْمَاضِي وَكَذَا جق وديز اسمان لجق وديز فَإِنَّهُ لم يقل أحد من أَرْبَاب اللُّغَة باسميتهما مَعَ أَن القَوْل باسميتهما إِن كَانَ مَقْرُونا بِدَعْوَى الْوَضع فَلَا بُد من إِثْبَات الْوَضع وَإِلَّا فاصعب من خرط القتاد. هَذَا حَاصِل مَا حققناه فِي جَامع الغموض منبع الفيوض. وَإِن أردْت تَحْقِيق لفظ الِاسْم فَاعْلَم أَن فِي الِاسْم مذهبين الصَّحِيح أَنه مَأْخُوذ من السمو بِالسِّين الْمُهْملَة المتحركة بالحركات الثَّلَاث وَسُكُون الْمِيم وَإِنَّمَا سميت الْكَلِمَة الْمَذْكُورَة اسْما لعلوها عَن أخويها اسْتِقْلَالا فِي الدّلَالَة على الْمَعْنى واستغناء فِي الِاشْتِقَاق ثمَّ حذفت الْوَاو تَخْفِيفًا على خلاف الْقيَاس ونقلت حَرَكَة السِّين إِلَى الْمِيم ليَصِح الْوَقْف لِأَنَّهُ إِسْقَاط الْحَرَكَة ثمَّ جِيءَ بِالْهَمْزَةِ لِئَلَّا يلْزم الِابْتِدَاء بالساكن. وَقيل الْهمزَة عوض الْوَاو المحذوفة فَصَارَ السمو اسْما. وَالْمذهب الثَّانِي أَن الِاسْم مَأْخُوذ من الوسم بِمَعْنى الْعَلامَة وَإِنَّمَا سميت تِلْكَ الْكَلِمَة بِالِاسْمِ لكَونهَا عَلامَة على مسماها والهمزة مبدلة عَن الْوَاو على غير الْقيَاس لِأَن إِبْدَال الْوَاو الْمَفْتُوحَة فِي أول الْكَلِمَة بِالْهَمْزَةِ نَادِر شَاذ كَأحد واناة. وَلَا يخفى أَن هَذَا الْمَذْهَب بَاطِل لِأَن ماضيه سمى وَجمعه أَسمَاء. وَلَو كَانَ الِاسْم من الوسم الْمِثَال الواوي لَكَانَ الْفِعْل الْمَاضِي مِنْهُ وسم وَجمعه أوسام. وَالْجَوَاب بارتكاب الْقلب المكاني يُنبئ عَن الْقلب الجناني يَعْنِي مَا قَالَ بَعضهم أَن فاءه جعل لامه ملوم. وَقد يُطلق الِاسْم على مَا يُقَابل الصّفة فالاسم الْمُقَابل للْفِعْل والحرف اسْم كزيد وَعَمْرو. وَصفَة كأحمر وأسود. وَقد يُطلق الِاسْم على مَا يُقَابل اللقب والكنية فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ قسم من الْعلم فَإِن الْعلم وَهُوَ مَا وضع لشَيْء بِعَيْنِه غير متناول غَيره بِوَضْع وَاحِد اسْم ولقب وكنية لِأَن الْعلم إِن كَانَ مصدرا بَاب أَو أم أَو ابْن أَو بنت أَو لَا الأول الكنية وَالثَّانِي إِن كَانَ مشعرا بالمدح أَو الذَّم أَو لَا الأول اللقب وَالثَّانِي الِاسْم هَذَا عِنْد النُّحَاة فعلى هَذَا تقَابل الْأَقْسَام بِالذَّاتِ. وَنقل عَن بعض أهل الحَدِيث أَن الْعلم الْمصدر بَاب أَو أم مُضَاف إِلَى اسْم حَيَوَان كَأبي هُرَيْرَة أَو صفة كَأبي الْحسن كنية وَإِلَى غير ذَلِك لقب كَأبي تُرَاب. ثمَّ إِن الكنية عِنْد الْمُحدثين قد يكون بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَوْصَاف كَأبي الْغفار وَأبي الْمَعَالِي وَأبي الحكم وَأبي الْخَيْر. وَقد يكون بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَوْلَاد كَأبي مُسلم وَأبي شُرَيْح. وَقد يكون بِالنِّسْبَةِ إِلَى أدنى مُلَابسَة كَأبي هُرَيْرَة فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام رَآهُ وَمَعَهُ هرة فكناه بِأبي هُرَيْرَة. وَقد يكون بِالنِّسْبَةِ إِلَى العلمية الصرفة كَأبي بكر وَأبي عمر كَذَا فِي كنز الْأُصُول فِي معرفَة حَدِيث الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَالِاسْم
الجزء 1 · صفحة 60
عِنْد الصُّوفِيَّة هُوَ اللَّفْظ الدَّال على الذَّات مَعَ الصّفة الوجودية كالعليم والقدير، أَو العدمي كالقدوس وَالسَّلَام.
الِاسْم المتمكن: هُوَ الِاسْم الَّذِي يتَغَيَّر آخِره بِتَغَيُّر الْعَامِل. وَبِعِبَارَة أُخْرَى هُوَ الِاسْم الَّذِي يدْخلهُ حركات الْإِعْرَاب الثَّلَاثَة مَعَ التَّنْوِين لعدم مشابهته بمبنى الأَصْل وَلعدم مشابهته بِالْفِعْلِ فِي الفرعيتين الْمَانِعَة عَن دُخُول الْجَرّ والتنوين وَالتَّحْقِيق الْحقيق إِن التَّمَكُّن عِنْدهم عبارَة عَن عدم مشابهة الِاسْم بِالْفِعْلِ فِي الفرعيتين فالاسم المتمكن هُوَ الِاسْم الَّذِي لَهُ ذَلِك التَّمَكُّن.
الِاسْم عين الْمُسَمّى: لَيْسَ المُرَاد بِهِ أَن لفظ زيد مثلا عين الْمُسَمّى بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَقُول بِهِ عَاقل بل قد اشْتهر الْخلاف فِي أَن الِاسْم هَل هُوَ نفس الْمُسَمّى أَو غَيره بِمَعْنى أَن مَدْلُول الِاسْم أهوَ الذَّات من حَيْثُ هِيَ هِيَ أم هُوَ الذَّات بِاعْتِبَار أَمر صَادِق عَلَيْهِ عَارض لَهُ يُنبئ عَنهُ. فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ رَحمَه الله قد يكون مَدْلُول الِاسْم عين الْمُسَمّى نَحْو الله فَإِنَّهُ اسْم علم للذات من غير اعْتِبَار معنى فِيهِ. وَقد يكون غَيره نَحْو الْخَالِق والرازق مِمَّا يدل على نسبته إِلَى غَيره وَلَا شكّ أَن تِلْكَ النِّسْبَة غَيره، وَقد يكون لَا هُوَ وَلَا غَيره كالعليم والقدير مِمَّا يدل على صفة حَقِيقِيَّة قَائِمَة بِذَاتِهِ. وَذهب ابْن فورك وَغَيره إِلَى أَن كل اسْم فَهُوَ الْمُسَمّى بِعَيْنِه فقولك الله قَول دَال على اسْم هُوَ الْمُسَمّى. وَكَذَا قَوْلك عَالم وخالق فَإِنَّهُ يدل على الرب الْمَوْصُوف بِكَوْنِهِ عَالما وخالقا. وَأما التَّسْمِيَة فَغير الِاسْم والمسمى بالِاتِّفَاقِ لِأَن التَّسْمِيَة هِيَ وضع الِاسْم للمعنى. نعم قد يُرَاد بهَا ذكر الشَّيْء باسمه كَمَا يُقَال سمى زيدا وَلم يسم عمرا. أَي ذكر زيدا باسمه وَلم يذكر عمرا باسمه. وَذهب أَبُو نصر بن أَيُّوب إِلَى أَن لفظ الِاسْم مُشْتَرك بَين التَّسْمِيَة والمسمى فيطلق على كل مِنْهُمَا وَيفهم الْمَقْصُود بِحَسب الْقَرَائِن يَعْنِي أَن لفظ الِاسْم قد يُطلق وَيُرَاد بِهِ لفظ الْمُسَمّى. وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ لفظ التَّسْمِيَة لَا أَنه يُطلق على التَّسْمِيَة بِمَعْنى تَخْصِيص اللَّفْظ للمعنى الَّذِي هُوَ فعل الْوَاضِع وكلا الإطلاقين وَاقع ثَابت فِي الِاسْتِعْمَال.
ثمَّ اعْلَم: أَن الأحق أَن يُقَال إِن الِاسْم هُوَ اللَّفْظ الْمَخْصُوص والمسمى مَا وضع ذَلِك اللَّفْظ بإزائه فَنَقُول الِاسْم قد يكون غير الْمُسَمّى فَإِن لفظ الْجِدَار مغائر لحقيقة الْجِدَار. وَقد يكون عينه فَإِن لفظ الِاسْم اسْم للفظ الدَّال على الْمَعْنى الْمُجَرّد عَن الزَّمَان وَمن جملَة تِلْكَ الْأَلْفَاظ لفظ الِاسْم فَيكون لفظ الِاسْم اسْما لنَفسِهِ واتحد هَا هُنَا الِاسْم والمسمى كَذَا فِي شرح المواقف.
اسْم الْجِنْس: اعْلَم أَن الِاسْم على أَرْبَعَة أَنْوَاع: جنس وَاسم جنس وَعلم جنس ونكرة. أما الْجِنْس فَهُوَ الَّذِي يَصح إِطْلَاقه على الْقَلِيل وَالْكثير كَالْمَاءِ فَإِنَّهُ يُطلق على القطرة وَالْبَحْر. وَاسم الْجِنْس كالإنسان. وَعلم الْجِنْس كأسامة. والنكرة كَرجل. فَإِن قيل مَا الْفرق بَين اسْم الْجِنْس وَعلم الْجِنْس مَعَ أَنَّهُمَا موضوعان للماهية من حَيْثُ هِيَ
الجزء 1 · صفحة 61
هِيَ. قُلْنَا اسْم الْجِنْس مَوْضُوع للماهية من حَيْثُ هِيَ هِيَ من غير مُلَاحظَة الْحُضُور فِي الذِّهْن. وَعلم الْجِنْس أَيْضا مَوْضُوع لَهَا لَكِن من حَيْثُ إِنَّهَا حَاضِرَة فِيهِ وَلِهَذَا صَار معرفَة كَمَا أَنه لَا فرق بَين الْعلم والمعلوم عِنْد الْقَائِلين بِحُصُول الْأَشْيَاء بأنفسها فِي الذِّهْن إِلَّا بِاعْتِبَار الْقيام بالذهن وَعدم الْقيام على مَا تقرر فِي مَحَله.
والنكرة مَا يكون مَوْضُوعا لفرد منتشر من الْمَفْهُوم وملاحظة الْمَفْهُوم فِي النكرَة لَيْسَ إِلَّا ليَكُون آلَة لملاحظة الْأَفْرَاد. والنكرة بِهَذَا الْمَعْنى مُقَابل للْجِنْس وَاسم الْجِنْس وَعلم الْجِنْس. وَأما النكرَة بِمَعْنى مَا وضع لغير معِين فشامل للْجَمِيع مُقَابل للمعرفة تقَابل التضاد أَو تقَابل الْعَدَم والملكة. إِن فسر النكرَة بِمَا لَيْسَ بِمَعْرِِفَة عَمَّا من شَأْنه أَن يكون معرفَة فَبين النكرَة بِالْمَعْنَى الأول والمعرفة وَاسِطَة بِخِلَاف النكرَة بِالْمَعْنَى الثَّانِي. وَالْمَفْهُوم من كَلَام جمال الْعَرَب الشَّيْخ ابْن الْحَاجِب رَحمَه الله فِي شرح الْمفصل أَن اسْم الْجِنْس والنكرة متحدان مُتَرَادِفَانِ.
ثمَّ فِيهَا اخْتِلَاف: قَالَ بَعضهم إِنَّهَا مَوْضُوعَة للماهية مَعَ تشخص غير معِين وَيُسمى فَردا منتشرا. وَقَالَ بَعضهم إِنَّهَا مَوْضُوعَة للماهية من حَيْثُ هِيَ أَي من غير مُلَاحظَة إِلَى أَن يعرضهَا التشخص. فعلى الأول الْفرق بَين النكرَة وَعلم الْجِنْس ظَاهر. وَأما على الثَّانِي فَإِنَّهُمَا وَإِن اتحدا فِي كَون كل مِنْهُمَا مَوْضُوعا للماهية المتحدة فِي الذِّهْن لكنهما افْتَرقَا من حَيْثُ إِن علم الْجِنْس يدل بجوهره على كَون تِلْكَ الْمَاهِيّة مَعْلُومَة للمخاطب معهودة عِنْده كَمَا أَن الْأَعْلَام الشخصية تدل بجواهرها على كَون تِلْكَ الْأَشْخَاص معهودة لَهُ. وَأما اسْم الْجِنْس أَي النكرَة فَلَا يدل بجوهره على كَون تِلْكَ الْمَاهِيّة مَعْلُومَة للمخاطب معهودة عِنْده بل يدل عَلَيْهِ إِذا دخله اللَّام فَهِيَ آلَة تجْعَل تِلْكَ الْمَاهِيّة الَّتِي وضع اسْم الْجِنْس بإزائها معهودة مَعْلُومَة عِنْد الْمُخَاطب وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره اسْم الْجِنْس مَا وضع لِأَن يَقع على شَيْء وعَلى مَا أشبهه كَالرّجلِ فَإِنَّهُ مَوْضُوع لكل فَرد خارجي على سَبِيل الْبَدَل من غير اعْتِبَار تعينه. وَإِن أردْت زِيَادَة التَّفْصِيل فَارْجِع إِلَى كتَابنَا جَامع الغموض شرح الكافيه فِي بحث الْمعرفَة.
الِاسْم التَّام: هُوَ الِاسْم الَّذِي يكون على حَالَة لَا يُمكن إِضَافَته مَعَ تِلْكَ الْحَالة وَهِي كَونه مَعَ التَّنْوِين أَو نوني التَّثْنِيَة وَالْجمع وَالْإِضَافَة. وَالظَّاهِر أَن الِاسْم لَا يُمكن إِضَافَته مَعَ بَقَاء التَّنْوِين ونوني التَّثْنِيَة وَالْجمع. وَكَذَا مَعَ الْإِضَافَة إِذْ الِاسْم الْمُضَاف لَا يُضَاف ثَانِيًا. وَإِنَّمَا يُسمى هَذَا الِاسْم بالتام لتمامه بِتِلْكَ الْأُمُور وَعدم احْتِيَاجه مَعَ تِلْكَ الْأُمُور إِلَى الْمُضَاف إِلَيْهِ. فَإِذا تمّ الِاسْم بِهَذِهِ الْأَشْيَاء شابه الْفِعْل التَّام بفاعله فيشابه التَّمْيِيز الْآتِي بعده الْمَفْعُول لوُقُوعه بعد تَمام الِاسْم كَمَا أَن الْمَفْعُول حَقه أَن يَقع بعد تَمام الْكَلَام فينصبه ذَلِك الِاسْم التَّام قبله لمشابهته الْفِعْل التَّام بفاعله. وَهَذِه الْأَشْيَاء إِنَّمَا قَامَت مقَام الْفَاعِل لكَونهَا فِي آخر الِاسْم كَمَا أَن الْفَاعِل يكون عقيب الْفِعْل. أَلا
الجزء 1 · صفحة 62
ترى أَن لَام التَّعْرِيف الدَّاخِلَة على أول الِاسْم وَإِن كَانَ يتم بهَا الِاسْم لِأَنَّهُ لَا يُضَاف مَعهَا لكنه لَا ينْتَصب التَّمْيِيز عَنهُ فَلَا يُقَال عِنْدِي الراقود خلا.
الاستهلال: رفع الصَّوْت وَأَن يكون من الْوَلَد مَا يدل على حَيَاته من بكاء أَو تَحْرِيك عين أَو عُضْو آخر. وَفِي الْفَتَاوَى (عالمكيري) من اسْتهلّ بعد الْولادَة سمي وَغسل وَصلي عَلَيْهِ. وَمن لم يستهل لم يصل عَلَيْهِ وَيغسل فِي غير ظَاهر الرِّوَايَة وَهُوَ الْمُخْتَار. وَكَذَا فِي الْهِدَايَة الاستهلال مَا يعرف بِهِ حَيَاة الْوَلَد من صَوت أَو حَرَكَة انْتهى.
الْإِسْلَام: (كردن نهادن واطاعت كردن) والخضوع والانقياد بِمَا أخبر الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَفِي الْكَشَّاف أَن كل مَا يكون من الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ من غير مواطأة الْقلب فَهُوَ إِسْلَام وَمَا واطأ فِيهِ الْقلب فَهُوَ إِيمَان.
وَاعْلَم: أَن هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي رَحمَه الله وَأما عندنَا فالإيمان وَالْإِسْلَام وَاحِد لما بَين فِي كتب الْكَلَام. وَفِي بعض حَوَاشِي شرح العقائد النسفية الشَّرْع هُوَ الدّين الْمَنْسُوب إِلَى نَبينَا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَسَائِر الْأَنْبِيَاء وَهُوَ الْوَضع الإلهي السَّائِق لِذَوي الْعُقُول باختيارهم الْمَحْمُود إِلَى الْخَيْر بِالذَّاتِ. وَذَلِكَ الْوَضع دين من حَيْثُ يطاع وينقاد بِهِ. وملة من حَيْثُ إِنَّه يجمع عَلَيْهِ الْملَل وَمن حَيْثُ إِنَّه تملئ وتكتب. وَجَاء الإملال بِمَعْنى الْإِمْلَاء وَالْملَّة مضاعف والإملاء نَاقص. وَشرع من حَيْثُ إِنَّه أظهره الشَّارِع. وناموس من حَيْثُ إِنَّه أوحى الله تَعَالَى إِلَى الْأَنْبِيَاء [عَلَيْهِم السَّلَام] بِوَاسِطَة الْملك الْمُسَمّى بالناموس.
الاستدراج: خد أَي (رافر اموش كردن وبكارخو دناز يدن) وَعند الْمُتَكَلِّمين مَا سَيَجِيءُ ذكره فِي الخارق للْعَادَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الِاسْتِنْجَاء: اسْتِعْمَال الْحجر أَو المَاء.
الِاسْتِبْرَاء: نقل الْأَقْدَام والركض بهَا وَنَحْو ذَلِك حَتَّى يستيقن زَوَال أثر الْبَوْل.
الاستنقاء: وَهُوَ أَن يدلك بالأحجار حَال الِاسْتِجْمَار أَو بالأصابع حَال الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ حَتَّى تذْهب الرَّائِحَة الكريهة هَذَا هُوَ الْأَصَح فِي الْفرق بَينهَا.
الْإِسْقَاط: (افكندن وافكندن بجه از شكم) فِي خزانَة الرِّوَايَات فِي الْفَتَاوَى السِّرَاجِيَّة امْرَأَة عَالَجت فِي إِسْقَاط وَلَدهَا لَا تأثم مَا لم يتَبَيَّن شَيْء من خلقه لِأَنَّهُ لَا يكون ولدا وَذَلِكَ لَا يتم إِلَّا بِمِائَة وَعشْرين يَوْمًا. وَفِي الْخُلَاصَة فِي فصل الْحَظْر
الجزء 1 · صفحة 63
وَالْإِبَاحَة من كتاب النِّكَاح امْرَأَة مُرْضِعَة ظهر بهَا الْحَبل وَانْقطع لَبنهَا وَتخَاف على وَلَدهَا الْهَلَاك أَن تعالج فِي استنزال الدَّم مَا دَامَ نُطْفَة أَو علقَة أَو مُضْغَة. وَذكر فِي كَرَاهَته أَنه يُبَاح من غير هَذَا الْقَيْد. وَفِي متفرقات دستور الْقُضَاة من فَتَاوَى الْوَاقِعَات امْرَأَة عَالَجت لإِسْقَاط الْولدَان كَانَ مستبين الْخلقَة لَا يجوز أما فِي زَمَاننَا يجوز وَإِن كَانَ مستبين الْخلقَة كَذَا فِي تجنيس الْمُلْتَقط. وَيُقَال زيد مَاتَ وَأَرَادَ الْوَرَثَة الْإِسْقَاط أَي إِسْقَاط الصَّلَاة وَالصِّيَام الْفَائِتَة عَنهُ بِإِعْطَاء الْكَفَّارَة وَفِي الْفَتَاوَى (العالمكيري) إِذا مَاتَ الرجل وَعَلِيهِ صلوَات فَائِتَة فأوصى بِأَن يُعْطي كَفَّارَة صَلَاة يُعْطي لكل صَلَاة نصف صَاع من بر وللوتر نصف صَاع ولصوم يَوْم نصف صَاع من ثلث مَاله وَإِن لم يتْرك مَالا يستقرض ورثته نصف صَاع وَيدْفَع إِلَى مِسْكين يتَصَدَّق الْمِسْكِين على بعض ورثته نصف صَاع ثمَّ يتَصَدَّق ثمَّ وَثمّ حَتَّى يتم لكل صَلَاة مَا ذكرنَا كَذَا فِي الْخُلَاصَة وَفِي الْفَتَاوَى الْحجَّة وَإِن لم يوص الْوَرَثَة وتبرع بعض الْوَرَثَة يجوز وَيدْفَع عَن كل صَلَاة نصف صَاع حِنْطَة منوين وَلَو دفع جملَته إِلَى فَقير وَاحِد جَازَ بِخِلَاف كَفَّارَة الْيَمين وَكَفَّارَة الظِّهَار وَكَفَّارَة الْإِفْطَار. وَفِي الْوَلوالجِيَّة وَلَو دفع عَن خمس صلوَات ولاتسع أُمَنَاء لفقير وَاحِد وَمنا لفقير وَاحِد اخْتَار الْفَقِيه أَنه يجوز عَن أَربع صلوَات وَلَا يجوز عَن الصَّلَاة الْخَامِسَة.
الاسطقس: الأَصْل وتفصيله فِي العناصر إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الِاسْتِبْرَاء: طلب بَرَاءَة رحم الْجَارِيَة من الْحمل. وَمن ملك أمة حرم وَطْؤُهَا ولمسها وَالنَّظَر إِلَى فرجهَا بِشَهْوَة حَتَّى تستبرئ. والاستبراء فِي الْحَامِل بِوَضْع الْحمل. وَفِي ذَوَات الْحيض بِحَيْضَة وَإِن كَانَت لَا تحيض من صغرها فاستبراؤها بِشَهْر. وَإِذا حَاضَت فِي أَثْنَائِهِ بَطل الِاسْتِبْرَاء بِالْأَيَّامِ. وَإِن ارْتَفع حَيْضهَا بِأَن صَارَت ممتدة الطُّهْر وَهِي مِمَّن تحيض يَتْرُكهَا حَتَّى إِذا تبين أَنَّهَا لَيست بحامل وَاقعهَا وَلَيْسَ فِيهِ تَقْدِير فِي ظَاهر الرِّوَايَة إِلَّا أَن مَشَايِخنَا قَالُوا يتَبَيَّن ذَلِك بشهرين أَو ثَلَاثَة أشهر. وَكَانَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول أَرْبَعَة أشهر وَعشرَة أَيَّام ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ يَسْتَبْرِئهَا بشهرين وَخَمْسَة أَيَّام وَعَلِيهِ الْفَتْوَى. وَالْحِيلَة فِي إِسْقَاط الِاسْتِبْرَاء أَن يَتَزَوَّجهَا المُشْتَرِي قبل الشِّرَاء ثمَّ يَشْتَرِيهَا إِذا لم تكن تَحْتَهُ حرَّة. وَلَو كَانَت فَالْحِيلَةُ أَن يُزَوّجهَا البَائِع قبل الشِّرَاء وَالْمُشْتَرِي قبل الْقَبْض مِمَّن يوثق بِهِ ثمَّ يَشْتَرِيهَا ويقبضها ثمَّ يُطلق.
الاستفتاء: والإفتاء فِي الْفَتْوَى إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الِاسْتِهْزَاء: (تمسخر كردن وَخفت وسبكي كسى خواستن) - قَالُوا لَو قَالَ الْمُدَّعِي لي عَلَيْك مائَة دِرْهَم فَقَالَ الْمُدعى عَلَيْهِ أتزنه أَو أنتقده مثلا مَعَ الضَّمِير يكون إِقْرَارا وَبلا ضمير لَا لِأَنَّهُ إِن لم يذكر الضَّمِير يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ زن كلامك بميزان الْعقل
الجزء 1 · صفحة 64
أَو انتقد كلامك وَلَا تقل قولا زيفا فَإِن قيل كَمَا أَن هَذَا الْكَلَام بِدُونِ الضَّمِير يحْتَمل غير الْإِقْرَار كَذَلِك يحْتَمل مَعَ الضَّمِير أَن يكون استهزاء، فَالْجَوَاب أَن الِاسْتِهْزَاء حرَام فَلَا يحمل على الْحَرَام. اعْلَم أَن المزاح مُبَاح مسنون للتطييب وَإِنَّمَا يقْصد بِهِ تطييب الأحباب وخلوص الْمَوَدَّة لَا التحقير والخفة.
الاستهجان: الاستقباح وَقد يستهجن التَّصْرِيح بِشَيْء فَيتْرك ويختار الْكِنَايَة وَالرَّمْز إِلَيْهِ كَمَا حُكيَ عَن قَاضِي شُرَيْح أَن رجلا أقرّ عِنْده بِشَيْء ثمَّ رَجَعَ يُنكر فَقَالَ لَهُ شُرَيْح شهد عَلَيْك ابْن أُخْت خالتك آثر شُرَيْح التَّطْوِيل وَالرَّمْز على التَّصْرِيح بكذب الْمُنكر لاستقباح التَّصْرِيح بِهِ لكَون الْإِنْكَار بعد الْإِقْرَار إدخالا للعنق فِي ربقة الْكَذِب. وَالْإِقْرَار وَالْإِنْكَار إخْوَان وَابْن الْإِقْرَار الْمقر وَابْن الْإِنْكَار الْمُنكر وإنكار الْمُنكر بعد الْإِقْرَار شَاهد على كذبه بِنَفسِهِ وَشُرَيْح كَانَ قَاضِيا فِي خلَافَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
الإسكان: فِي التصريف حذف الْحَرَكَة ثمَّ الإسكان نَوْعَانِ. الإسكان بِنَقْل الْحَرَكَة. والإسكان بِحَذْف الْحَرَكَة فَقَط.
والضابطة: إِن الْوَاو وَالْيَاء المتحركتين بالضمة أَو الكسرة إِذا تحرّك مَا قبلهمَا بالضمة أَو الكسرة فَإِن كَانَتَا فِي الطّرف أَو فِي حكم الطّرف. فعلى الأول يجب الإسكان بِحَذْف الْحَرَكَة فَقَط سَوَاء كَانَ حركتهما مُخَالفَة لحركة مَا قبلهمَا أَو لَا مثل يَدْعُو وَيَرْمِي. وعَلى الثَّانِي يجب الإسكان بِحَذْف الْحَرَكَة فَقَط أَيْضا عِنْد اتِّحَاد الحركتين مثل يدعونَ أَصله يدعوون على وزن ينْصرُونَ وَيجب الإسكان بِنَقْل الْحَرَكَة عِنْد اخْتِلَافهمَا مثل دعوا ورموا مجهولي دَعَا وَرمي وَهَذِه ضابطة مضبوطة ذَكرنَاهَا أَيْضا فِي حَاشِيَة دستور الْمُبْتَدِي.
الِاسْتِثْنَاء: مُشْتَقّ من الثني بِمَعْنى الصّرْف وَالْمَنْع يُقَال ثنى فلَان عنان فرسه إِذا مَنعه وَصَرفه عَن الْمُضِيّ فِي الصوب الَّذِي يتَوَجَّه إِلَيْهِ فَسُمي الِاسْتِثْنَاء بِهِ لِأَن الِاسْم الْمُسْتَثْنى مَصْرُوف عَن حكم الْمُسْتَثْنى مِنْهُ. وَالِاسْتِثْنَاء عِنْد النُّحَاة إِخْرَاج الشَّيْء عَن حكم دخل فِيهِ غَيره بإلا وَأَخَوَاتهَا سَوَاء كَانَ ذَلِك الشَّيْء الْمخْرج دَاخِلا فِي صدر الْكَلَام مندرجا تَحْتَهُ أَو لَا. فَإِن كَانَ مندرجا كزيد فِي جَاءَنِي الْقَوْم إِلَّا زيدا فالاستثناء مُتَّصِل. وَإِن لم يكن مندرجا بِأَن لَا يكون الْمُسْتَثْنى من جنس الصَّدْر كالحمار فِي جَاءَنِي الْقَوْم إِلَّا حمارا. أَو كَانَ من جنسه لَكِن يكون المُرَاد من الصَّدْر مَا لَا يُمكن دُخُول الْمُسْتَثْنى فِيهِ كَمَا إِذا أُرِيد بالقوم الْقَوْم الَّذِي لَا يكون زيد دَاخِلا فِيهِ وَقيل جَاءَنِي الْقَوْم إِلَّا زيدا فالاستثناء على كلا الْحَالين مُنْقَطع وَكلمَة إِلَّا فِي الْمُنْقَطع للْعَطْف بِمَعْنى لَكِن.
وَقَالُوا للاستثناء: الْمُتَّصِل شُرُوط ثَلَاثَة: أَحدهَا الِاتِّصَال إِذْ لَو قَالَ عَليّ لفُلَان
الجزء 1 · صفحة 65
عشرَة فَسكت وَشرع فِي فعل آخر ثمَّ قَالَ إِلَّا ثَلَاثَة لم تعْتَبر. وَوَجَب الْعشْرَة الْكَامِلَة. وَالثَّانِي أَن يكون الْمُسْتَثْنى دَاخِلا فِي الْكَلَام الأول لَوْلَا الِاسْتِثْنَاء كَقَوْلِك رَأَيْت الْقَوْم إِلَّا زيدا وَزيد مِنْهُم وَرَأَيْت عمرا إِلَّا وَجهه فَإِن لم يكن دَاخِلا كَانَ مُنْقَطِعًا وَلَا يكون اسْتثِْنَاء مُتَّصِلا. وَالثَّالِث أَن لَا يكون مُسْتَغْرقا لِأَن الِاسْتِثْنَاء تكلم بِالْبَاقِي بعد الِاسْتِثْنَاء وَفِي اسْتثِْنَاء الْكل لَا يبْقى شَيْء يَجْعَل الْكَلَام عبارَة عَنهُ. وَلِهَذَا اشْتهر بطلَان اسْتثِْنَاء الْكل من الْكل. وَالْمَشْهُور فِيمَا بَينهم أَن الِاسْتِثْنَاء حَقِيقَة فِي الْمُتَّصِل ومجاز فِي الْمُنْقَطع وَالْمرَاد صِيغ الِاسْتِثْنَاء وَأما لفظ الِاسْتِثْنَاء فحقيقة اصطلاحية فِي الْقسمَيْنِ. ثمَّ اخْتلف فقد قيل إِنَّه متواطئ أَي مقول على الْمُتَّصِل والمنقطع بِاعْتِبَار أَمر مُشْتَرك بَينهمَا وَقيل لَا بل مُشْتَرك بَينهمَا بالاشتراك اللَّفْظِيّ. وَذهب الْفَاضِل الْمُحَقق صدر الشَّرِيعَة عبيد الله بن تَاج الشَّرِيعَة رَحْمَة الله عَلَيْهِ إِلَى أَن لفظ الِاسْتِثْنَاء حَقِيقَة فِي الْمُتَّصِل ومجاز فِي الْمُنْقَطع فَلم يَجعله من أَقسَام الِاسْتِثْنَاء.
وَاعْلَم: أَنه قد يسْبق إِلَى الْفَهم أَن فِي الِاسْتِثْنَاء الْمُتَّصِل تناقضا من حَيْثُ إِن قَوْلك لزيد عَليّ عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة إِثْبَات للثَّلَاثَة فِي ضمن الْعشْرَة وَنفى لَهَا صَرِيحًا فاضطروا إِلَى بَيَان كَيْفيَّة عمل الِاسْتِثْنَاء على وَجه لَا يرد ذَلِك.
وَحَاصِل: أَقْوَالهم فِيهَا ثَلَاثَة. الأول أَن الْعشْرَة مجَاز عَن السَّبْعَة وَإِلَّا ثلثة قرينَة وَالثَّانِي الْعشْرَة يُرَاد بهَا مَعْنَاهَا أَي عشرَة أَفْرَاد فَيتَنَاوَل السَّبْعَة وَالثَّلَاثَة مَعًا ثمَّ أخرج مِنْهَا ثَلَاثَة حَتَّى بقيت سَبْعَة ثمَّ أسْند الحكم إِلَى الْعشْرَة الْمخْرج مِنْهَا الثَّلَاثَة فَلم يَقع الْإِسْنَاد إِلَّا على سَبْعَة. وَالثَّالِث أَن الْمَجْمُوع أَعنِي عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة مَوْضُوع بِإِزَاءِ سَبْعَة حَتَّى كَأَنَّهُ وضع لَهَا اسمان مُفْرد وَهُوَ سَبْعَة ومركب هُوَ عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة فَلَا تنَاقض على أَي حَال وَالْأول مَذْهَب الْأَكْثَرين. وَالثَّالِث مَذْهَب القَاضِي أَبُو بكر الباقلاني وَالثَّانِي الْمُتَوَسّط هُوَ الصَّحِيح كَمَا فِي مُخْتَصر الْأُصُول.
وَإِن أردْت تَفْصِيل هَذِه الْمذَاهب ووجوه التَّرْجِيح فاطلبه من المطولات. وَعَلَيْك أَن تعلم أَن أَصْحَابنَا قَالُوا إِن الِاسْتِثْنَاء يعْمل بطرِيق الْبَيَان بِمَعْنى الدّلَالَة على أَن الْبَعْض غير ثَابت من الأَصْل وَيمْنَع التَّكَلُّم بِقدر الْمُسْتَثْنى مَعَ حكمه فَيكون تكلما بِالْبَاقِي فَمن قَالَ لَهُ عَليّ ألف إِلَّا مائَة كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ عَليّ تسع مائَة فالاستثناء عندنَا تصرف فِي الْكَلَام بجعله عبارَة عَمَّا وَرَاء الْمُسْتَثْنى. وَقَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله أَن الِاسْتِثْنَاء يمْنَع الحكم لَا التَّكَلُّم وَيعْمل بطرِيق الْمُعَارضَة بِمَعْنى أَن أول الْكَلَام إِيقَاع للْكُلّ لكنه لَا يَقع لوُجُود الْمعَارض وَهُوَ الِاسْتِثْنَاء الدَّال على النَّفْي عَن الْبَعْض حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ إِلَّا ثَلَاثَة فَإِنَّهَا لَيست عَليّ فَلَا يلْزمه الثَّلَاثَة للدليل الْمعَارض لأوّل الْكَلَام فَيكون الِاسْتِثْنَاء عِنْده تَصرفا فِي الحكم. فَأَجَابُوا بِأَن الْكَلَام قد يسْقط حكمه بطرِيق الْمُعَارضَة بَعْدَمَا انْعَقَد فِي نَفسه كَمَا فِي التَّخْصِيص وَقد لَا ينْعَقد حكمه كَمَا فِي طَلَاق الصَّبِي وَالْمَجْنُون إِلَّا أَن الحاق
الجزء 1 · صفحة 66
الِاسْتِثْنَاء بِالثَّانِي أولى لِأَنَّهُ لَو انْعَقَد الْكَلَام فِي نَفسه مَعَ أَنه لَا يُوجب الْعشْرَة بل السَّبْعَة فَقَط لزم إِثْبَات مَا لَيْسَ من محتملات اللَّفْظ إِذْ السَّبْعَة لَا تصح مُسَمّى للفظ الْعشْرَة لَا حَقِيقَة وَهُوَ ظَاهر وَلَا مجَازًا لِأَن اسْم الْعدَد نَص فِي مَدْلُوله لَا يحمل على غَيره وَلَو سلم فالمجاز خلاف الأَصْل فَيكون مرجوحا وَلما رأى صدر الشَّرِيعَة رَحمَه الله أَن هَذَا الْجَواب إِنَّمَا يرد إِذا بَين الْمُعَارضَة بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور عدل عَن ذَلِك الْمَعْنى وَبَين أَن مُرَاد الشَّافِعِي يكون الِاسْتِثْنَاء بطرِيق الْمُعَارضَة هُوَ أَن الْمُسْتَثْنى مِنْهُ عبارَة عَن الْقدر الْبَاقِي مجَازًا وَالِاسْتِثْنَاء قرينَة على مَا صرح بِهِ صَاحب الْمِفْتَاح حَيْثُ قَالَ إِن اسْتِعْمَال الْمُتَكَلّم للعشرة فِي التِّسْعَة مجَاز وَإِلَّا وَاحِد قرينَة الْمجَاز. وَأما الِاسْتِثْنَاء الْمُسْتَغْرق سَوَاء كَانَ مثل الْمُسْتَثْنى مِنْهُ مثل لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا عشرَة أَو إِلَّا خَمْسَة وَخَمْسَة وَأكْثر مثل لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا أحد عشر فَبَاطِل بالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ إِنْكَار بعد الْإِقْرَار. وَالتَّفْصِيل فِي مُخْتَصر الْأُصُول فَإِن قيل الْمَشْهُور أَن الِاسْتِثْنَاء عِنْد الْحَنَفِيَّة من الْإِثْبَات نفي وَمن النَّفْي لَيْسَ بِإِثْبَات. وَعند الشَّافِعِيَّة من الْإِثْبَات نفي وَمن النَّفْي إِثْبَات. فَيرد على الْحَنَفِيَّة أَنه يلْزم أَن لَا يكون كلمة لَا إِلَه إِلَّا الله مفيدة للتوحيد، قُلْنَا إِن الشَّارِع وضع هَذِه الْكَلِمَة الطّيبَة للتوحيد كَمَا بَين فِي مَوْضِعه.
وَاعْلَم: أَن الْخلاف الْمَذْكُور مَبْنِيّ على أَن المركبات الإسنادية عِنْد الشَّافِعِيَّة مَوْضُوعَة لما فِي الْخَارِج وَلَا وَاسِطَة بَين الثُّبُوت الْخَارِجِي والانتفاء الْخَارِجِي. وَعند الْحَنَفِيَّة مَوْضُوعَة للْأَحْكَام الذهنية وَلَا يلْزم من نفي الحكم والإذعان بالثبوت أَو الانتفاء الحكم والإذعان بالانتفاء أَو الثُّبُوت وَكَانَ مَا هُوَ الْمَشْهُور مَبْنِيّ على أَن رفع النِّسْبَة الإيجابية هُوَ بِعَيْنِه نِسْبَة سلبية. أَو على أَن الْعَدَم أصل فِي الِاسْتِثْنَاء فَإِذا قيل جَاءَنِي الْقَوْم إِلَّا زيدا يكون زيدا مخرجا عَن هَذَا الحكم وَالْأَصْل عدم الْمَجِيء فَيكون الِاسْتِثْنَاء نفيا.
وَاعْلَم: أَن الحنفيين أَجمعُوا على أَن الْمُسْتَثْنى مسكوت عَنهُ. وَأهل الْعَرَبيَّة أَجمعُوا على أَن الِاسْتِثْنَاء من الْإِثْبَات نفي وَمن النَّفْي إِثْبَات. فَبين الإجماعين مُنَافَاة بِحَسب الظَّاهِر فَلَا بُد من دَفعهَا وَمن الْجمع بَينهمَا بِأَن قَوْلهم الِاسْتِثْنَاء من الْإِثْبَات نفي وَبِالْعَكْسِ مَحْمُول على الْمجَاز من قبيل إِطْلَاق الْأَخَص على الْأَعَمّ لِأَن انْتِفَاء حكم الصَّدْر أَعم من الحكم بنقيض الصَّدْر فعبروا الانتفاء الأول بالانتفاء الثَّانِي مَا هُوَ الْمَشْهُور من أَن الِاسْتِثْنَاء عِنْد الْحَنَفِيَّة من الْإِثْبَات نفي لَيْسَ مَعْنَاهُ أَن النَّفْي أَي الحكم بِنَفْي حكم الصَّدْر عَن الْمُسْتَثْنى مَدْلُول الِاسْتِثْنَاء بل الْمُسْتَثْنى مسكوت فَبَقيَ على عَدمه الْأَصْلِيّ فَتَأمل. وَقد يرا بِالِاسْتِثْنَاءِ كلمة إِن شَاءَ الله تَعَالَى كَمَا فِيمَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن الْإِيمَان يدْخلهُ الِاسْتِثْنَاء فَيُقَال أَنا مُؤمن إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَي تضم مَعَ الْإِيمَان كلمة إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَإِنَّمَا سميت هَذِه الْكَلِمَة بِالِاسْتِثْنَاءِ لِأَن
الجزء 1 · صفحة 67
الِاسْتِثْنَاء الْإِخْرَاج وَهَا هُنَا أَيْضا إِخْرَاج مضمونه عَن وَسعه بالتفويض إِلَى مَشِيئَته تَعَالَى أَو إِخْرَاج عَن الْقطع إِلَى الشَّك وَالْأول أولى وَذهب الشَّافِعِي رَحمَه الله وَأَصْحَابه إِلَى صِحَّته. وَمنعه أَبُو حنيفَة رَحمَه الله وَأَصْحَابه لِأَن الِاسْتِثْنَاء الْمَذْكُور إِن كَانَ للشَّكّ والتردد كَانَ كفرا فَلَا يُوجد تَصْدِيق وَإِن لم يكن للشَّكّ والتردد أَو الشَّك فِي بَقَائِهِ فِي الْآخِرَة فَالْأولى تَركه لدفع إِيهَام الْكفْر.
هَذِه: خُلَاصَة مَا ذهب إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّة وللقائلين بِصِحَّتِهِ وُجُوه فِي كتب الْكَلَام وتتمة هَذَا المرام فِي الْإِنْشَاء إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
اسْم الْإِشَارَة: اسْم وضع لما يشار إِلَيْهِ إِشَارَة حسية بالجوارح والأعضاء، لَا يُقَال إِن التَّعْرِيف دوري أَو بِمَا هُوَ أخْفى مِنْهُ أَو بِمَا هُوَ مثله فِي الْمعرفَة والجهالة لِأَنَّهُ عرف اسْم الْإِشَارَة الاصطلاحية بِالْمُشَارِ إِلَيْهِ اللّغَوِيّ الْمَعْلُوم.
أَسمَاء الْأَفْعَال: عِنْد النُّحَاة مَا كَانَ بِمَعْنى الْأَمر أَو الْمَاضِي سَوَاء كَانَ معنى الْمَاضِي معبرا بِصِيغَة الْمَاضِي أَيْضا كَمَا أَن هَيْهَات بِمَعْنى بعد أَو بِصِيغَة الْمُضَارع الحالي كَاف بِمَعْنى أتضجر واوه بِمَعْنى أتوجع فَإِن (اف) كَانَ بِمَعْنى تضجرت و (أوه) كَانَ بِمَعْنى توجعت وَلما قصد الْمُتَكَلّم إنْشَاء التضجر والتوجع عبر عَن معنى الْمَاضِي بِصِيغَة الْمُضَارع الحالي وَأَرَادَ الْإِنْشَاء لَا الْإِخْبَار عَن الْمُضِيّ.
اسْم الْعدَد: عِنْد النُّحَاة كل اسْم وضع لكمية أحاد المعدودات مُنْفَرِدَة أَو مجتمعة أَي اسْم يكون تَمام مَا وضع لَهُ تِلْكَ الكمية فَقَط لاهي مَعَ أَمر آخر فَلَا يرد نَحْو رجل ورجلان وذراع وذراعان وَمن ومنان حَيْثُ لَا يفهم مِنْهَا الْوحدَة والأثنينية فَقَط. والكمية الْمَعْنى الَّذِي يُجَاب بِهِ إِذا سُئِلَ بكم الاستفهامية عَن وَاحِد وَاحِد أَو أَكثر من المعدودات. والأسماء الْمَوْضُوعَة بِإِزَاءِ تِلْكَ الكميات بِأَن يكون كل وَاحِد مِنْهَا مَوْضُوعا لكمية وَاحِدَة مُعينَة من الكميات أَسمَاء الْعدَد فَلفظ الْوَاحِد مَوْضُوع لكمية أحاد المعدودات إِذا أخذت مُنْفَرِدَة. فَإِذا سُئِلَ عَن معدودين معدودين يُجَاب بالاثنين وَقس على هَذَا لفظ الثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ. وَقد ظهر من هَذَا الْبَيَان أَن لفظ الْوَاحِد والاثنين من أَسمَاء الْعدَد عِنْد النُّحَاة داخلان فِي تَعْرِيفهَا وَإِن اخْتلف أَصْحَاب الْحساب فِي إنَّهُمَا من الْعدَد أم لَا كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْعدَد إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَلَا تَمْيِيز للْوَاحِد والاثنين لِأَن مَا يصلح لتمييزهما أَعنِي الْمُفْرد والمثنى يُغني عَنْهُمَا لدلالته على الكمية وَالْجِنْس وتمييز الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة مَجْمُوع ومجرور وَمن الْعشْرَة إِلَى تِسْعَة وَتِسْعين مُفْرد ومنصوب وَمِنْه إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ مُفْرد ومجرور. والتمييز إِن كَانَ مذكرا فاسم الْعدَد من الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة مؤنث وَإِن كَانَ مؤنثا فمذكر وَهَذَا معنى قَوْلهم ثأنيث الْعدَد عكس تَأْنِيث جَمِيع سَائِر الْأَسْمَاء وَالْعبْرَة فِي التَّذْكِير والتأنيث لمفرد التَّمْيِيز الْمَجْمُوع. ثمَّ التَّذْكِير والتأنيث فِي المرتبتين فَوق كل عقد من
الجزء 1 · صفحة 68
العشرات على الْقيَاس. ثمَّ فِي الْجُزْء الأول عكس التَّأْنِيث وَفِي الْجُزْء الثَّانِي التَّذْكِير والتأنيث على الْقيَاس.
اسْم الْفَاعِل: اسْم مُشْتَقّ من الْمصدر مَوْضُوع لمن قَامَ بِهِ معنى الْمصدر أَعنِي الْحَدث حَال كَون ذَلِك الْقيام بِمَعْنى الْحُدُوث لَا بِمَعْنى الثُّبُوت وَالْمرَاد بِمَعْنى الْحُدُوث وجود الْفِعْل لَهُ وقيامه بِهِ مُقَيّدا بِأحد الْأَزْمِنَة الثَّلَاثَة وَخرج عَن قيد الْحُدُوث الصّفة المشبهة وَاسم التَّفْضِيل لِكَوْنِهِمَا بِمَعْنى الثُّبُوت.
اسْم الْمَفْعُول: أَي اسْم الْمَفْعُول بِهِ على حذف الْجَار واستتار الضَّمِير وَإِلَّا فالمفعول هُوَ الْحَدث وَهُوَ عِنْد النُّحَاة اسْم مُشْتَقّ من الْحَدث مَوْضُوعا لمن وَقع عَلَيْهِ.
اسْم التَّفْضِيل: أَي اسْم دَال على تَفْضِيل شَيْء على شَيْء وَهُوَ عِنْد النُّحَاة اسْم مُشْتَقّ من الْمصدر مَوْضُوع لذات مَا قَامَ بِهِ مَدْلُول ذَلِك الْمصدر أَو وَقع عَلَيْهِ مَوْصُوف بِزِيَادَة على غَيره فِي أصل مَدْلُول ذَلِك الْمصدر مثل أفضل وَأكْرم وألوم وَأشهر. وَالْفرق بَينه وَبَين صِيغَة الْمُبَالغَة أَن مَدْلُوله ذَات مَوْصُوف بِزِيَادَة على غير بِخِلَاف مَدْلُول صِيغَة الْمُبَالغَة فَإِنَّهُ ذَات مَوْصُوف بِزِيَادَة الْفِعْل كَيْفيَّة أَو كمية وَلَيْسَ هُنَاكَ زِيَادَته على الْغَيْر أَي لَيْسَ الْغَيْر ملحوظا فِيهِ. وَإِن أردْت التَّفْصِيل والتدقيق فَارْجِع إِلَى كتَابنَا جَامع الغموض.
الِاسْتِعَانَة: فِي التَّاج (ياري كردن، خواستن) وَمعنى قَوْلهم إِن الْبَاء الجارة للاستعانة أَنَّهَا لإِفَادَة استعانة الْفَاعِل الْفِعْل فِي صدوره عَنهُ بمجرورها نَحْو كتبت بالقلم. وَالْمرَاد بِالْفِعْلِ أَي الْحَدث مُتَعَلق الْبَاء سَوَاء كَانَ فعلا أَو مَعْنَاهُ.
وَاعْلَم أَن الْبَاء الجارة الَّتِي للاستعانة غير الْبَاء السَّبَبِيَّة لِأَن تِلْكَ الْبَاء هِيَ الدَّاخِلَة على آلَة الْفِعْل وَهِي معنى غير السَّبَبِيَّة على مَا فِي الْمُغنِي والاستعانة فِي البديع أَن يَأْتِي الْقَائِل بِبَيْت غَيره ليستعين بِهِ على تَمام مُرَاده.
الأسطوانة: اعْلَم أَن الْجِسْم الَّذِي هُوَ ذُو الامتدادات الثَّلَاثَة الَّتِي هِيَ الطول وَالْعرض والعمق إِن أحاطه سطح وَاحِد بِحَيْثُ تتساوى الخطوط الْخَارِجَة من النقطة الَّتِي فِي دَاخل ذَلِك الْجِسْم إِلَى ذَلِك السَّطْح فَذَلِك الْجِسْم كرة وَتلك النقطة مركزها وَذَلِكَ السَّطْح محيطها والخطوط أَنْصَاف أقطارها وَالْخَارِج إِلَى الْمُحِيط فِي الْجِهَتَيْنِ قطرها. فَإِن كَانَ هُوَ الَّذِي تتحرك عَلَيْهِ الكرة يُسمى محورا وطرفاه قطبي الكرة وقطبي الْحَرَكَة ومنصف الكرة من الدَّوَائِر المتوهمة على بسيطها عَظِيمَة إِن مرت بمركزها وَإِلَّا فصغيرة. والنقطة الَّتِي فِي سطح الكرة وتتساوى الخطوط الْخَارِجَة مِنْهَا إِلَى مُحِيط قَاعِدَة الْقطعَة هِيَ قطبها. وَإِن أحَاط بالجسم سِتَّة مربعات مُتَسَاوِيَة فَذَلِك الْجِسْم مكعب وَإِن أحَاط
الجزء 1 · صفحة 69
بالجسم دائرتان متساويتان متوازيتان وسطح وَاصل بَين الدائرتين بِحَيْثُ لَو أدير خطّ مُسْتَقِيم وَاصل بَين محيطي الدائرتين على محيطها مَاس ذَلِك الْخط السَّطْح الْمَذْكُور بكله فِي كل الدورة فَذَلِك الْجِسْم أسطوانة وَهَاتَانِ الدائرتان قاعدتاها والخط الْوَاصِل بَين مركزيهما سهم الأسطوانة ومحورها. فَإِن كَانَ الْخط الْوَاصِل بَين المركزين عمودا على الْقَاعِدَة فالأسطوانة قَائِمَة وَإِلَّا فمائلة.
وَطَرِيق: معرفَة العمود أَنه إِذا قَامَ خطّ على سطح بِحَيْثُ لَو أخرج عَن مَوضِع قِيَامه عَلَيْهِ خطوط على الاسْتقَامَة أحاطت بِهِ على زَوَايَا قَوَائِم فَهُوَ عَمُود عَلَيْهِ. وَإِن أحَاط بالجسم دَائِرَة وَاحِدَة وسطح صنوبري مُرْتَفع من محيطها متضايقا إِلَى نقطة بِحَيْثُ لَو أدير خطّ مُسْتَقِيم وَاصل بَين مُحِيط الدائرة والنقطة مَاس ذَلِك السَّطْح الْجِسْم الْمَذْكُور بِكَلِمَة فِي كل الدورة فَذَلِك الْجِسْم مخروط إِمَّا قَائِم أَو مائل على قِيَاس مَا مر فِي الأسطوانة وَتلك الدائرة قَاعِدَة المخروط والخط الْوَاصِل بَين مركزها والنقطة الْمَذْكُورَة سَهْمه ومحوره. وَإِن قطع المخروط بسطح مستو يوازي قَاعِدَة المخروط فَمَا يَلِي الْقَاعِدَة من المخروط مخروط نَاقص وَمَا لم يكن يَليهَا مِنْهُ مخروط تَامّ وَقَاعِدَة المخروط والأسطوانة إِن كَانَت مضلعة فَكل مِنْهُمَا مضلع مثل الْقَاعِدَة وَإِن كَانَت مستديرة فمستديرة.
استبهام التَّارِيخ: عدم الْعلم بترتيب موت الْوَارِث والمورث وَهَذَا مَانع من الْإِرْث من الْمَوَانِع الْخَمْسَة لَهُ فَلَا توارث بَين الحرقى أَو الغرقى والهدمى إِلَّا إِذا علم تَرْتِيب الْمَوْتَى بل مَال كل مِنْهُم لوَرثَته الْأَحْيَاء فَلَو غرق زوجان أَو حرقا وَترك كل وَاحِد مِنْهُمَا أَخا فَمَا لَهَا لأَخِيهَا وَمَا لَهُ لِأَخِيهِ وَكَذَا لَو وَقع حَائِط على جمَاعَة وماتوا جَمِيعًا وَلم يدر أَيهمْ مَاتَ أَولا لَا يَرث بَعضهم بَعْضًا.
اسْم الْمصدر: هُوَ علم الْمصدر كالسبحان علم التَّسْبِيح كَمَا سَيَجِيءُ فِي علم الْمصدر.
الِاسْتِقْبَال: هُوَ الزَّمَان المترقب وجوده بعد زَمَانك الَّذِي أَنْت فِيهِ.
الاسْتِسْقَاء: هُوَ طلب الْمَطَر عِنْد طول الِانْقِطَاع وعبارات متون الْفِقْه متفقة على أَن لَهُ صَلَاة لَا بِجَمَاعَة وَدُعَاء واستغفار إِلَّا قلب رِدَاء. وَاعْلَم أَن عباراتها لَا على مَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه الله بل على مَذْهَب الصاحبين رحمهمَا الله وَاللَّازِم أَن يعْمل على قَول الصاحبين وَهُوَ خُرُوج الإِمَام وَالصَّلَاة بِالْجَمَاعَة والجهر بِالْقِرَاءَةِ وَالْخطْبَة وقلب الرِّدَاء حَتَّى يُوَافق الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة ويطابق أَمر أبي حنيفَة رَحمَه الله أَيْضا حَيْثُ أمرنَا بالاقتداء بهما حَيْثُ اجْتمعَا على مَسْأَلَة وَقد قَالَ الشَّيْخ عبد الْحق الدهلوي رَحمَه الله فِي تَرْجَمَة المشكوة وَالْفَتْوَى الْآن عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله على مَذْهَب
الجزء 1 · صفحة 70
الصاحبين وَإِن أردْت الِاطِّلَاع على الِاسْتِدْلَال على هَذَا الْمقَال فَانْظُر فِي الرسَالَة الغريبة العجيبة الَّتِي صنفها فِي بَاب الاسْتِسْقَاء سيدنَا ومولانا أفضل عُلَمَاء الْعَصْر أعلم فضلاء الدَّهْر الحبيب الشفيق فِي الدُّنْيَا وَالدّين سيد شمس الدّين الْمَدْعُو بِسَيِّد مُحَمَّد ميرك خلد الله ظلاله وأوصل إِلَى الْعَالمين بره ونواله ابْن سيد شاه منيب الله الْحُسَيْنِي الْحَنَفِيّ الخجندي البالافوري قدس الله سره وَنور مرقده فَإِنَّهُ سلمه الله تَعَالَى بذل فِي تِلْكَ الرسَالَة كَمَال جهده فِي اسْتِخْرَاج مَا هُوَ الْحق الَّذِي بالاتباع أَحَق. وَفِي الْفَتَاوَى (العالمكيري) الْأَفْضَل أَن يقْرَأ {سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى} فِي الرَّكْعَة الأولى و {وَهل أَتَاك حَدِيث الغاشية} فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة وَالصَّحِيح أَنه لَا يخْتَص بِوَقْت كَمَا لَا يخْتَص بِيَوْم ويخطب خطبتين بعد الصَّلَاة وَيسْتَقْبل النَّاس بِوَجْهِهِ قَائِما على الأَرْض لَا على الْمِنْبَر ويفصل بَين الْخطْبَتَيْنِ بجلسة وَإِن شَاءَ خطب خطْبَة وَاحِدَة وَيَدْعُو الله ويسبحه ويستغفر للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات وَهُوَ متكئ قوسا فَإِذا مضى من خطْبَة قلب رِدَاءَهُ.
ثمَّ كَيْفيَّة تقلب الرِّدَاء: عِنْدهمَا إِن كَانَ مربعًا جعل أَسْفَله أَعْلَاهُ وَأَعلاهُ أَسْفَله وَإِن كَانَ مدورا جعل الْجَانِب الْأَيْمن على الْأَيْسَر والأيسر على الْأَيْمن وَلَكِن الْقَوْم لَا يقلبون أرديتهم عِنْد عَامَّة الْعلمَاء وَفِي التُّحْفَة إِذا فرغ الإِمَام من الْخطْبَة يَجْعَل ظَهره إِلَى النَّاس وَوَجهه إِلَى الْقبْلَة ثمَّ يشْتَغل بِدُعَاء الاسْتِسْقَاء قَائِما وَالنَّاس قعُود مستقبلون ووجوهم إِلَى الْقبْلَة فِي الْخطْبَة وَالدُّعَاء فيدعو الله تَعَالَى ويستغفر للْمُؤْمِنين ويجددون التَّوْبَة وَيَسْتَغْفِرُونَ ثمَّ عِنْد الدُّعَاء إِن رفع يَدَيْهِ نَحْو السَّمَاء فَحسن. ثمَّ الْمُسْتَحبّ أَن يخرج الإِمَام بِالنَّاسِ ثَلَاثَة أَيَّام متتابعة كَذَا فِي الزَّاد وَلم ينْقل أَكثر من ذَلِك وَلَا يخرج فِيهِ الْمِنْبَر وَيخرجُونَ مشَاة فِي ثِيَاب خلق أَو غسيلة أَو مرقعة متذللين خاشعين متواضعين لله عز وَجل ناكسي رؤوسهم ثمَّ فِي كل يَوْم يقدمُونَ الصَّدَقَة قبل الْخُرُوج ثمَّ يخرجُون كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّة وَفِي التَّجْرِيد إِن لم يخرج الإِمَام أَمر النَّاس بِالْخرُوجِ وَإِن خَرجُوا بِغَيْر إِذْنه جَازَ وَلَا يخرج أهل الذِّمَّة للاستسقاء مَعَ أهل الْإِسْلَام وَإِن خَرجُوا مَعَ أنفسهم إِلَى بيعهم إِلَى كنائسهم أَو إِلَى الصَّحرَاء لم يمنعوا عَن ذَلِك كَذَا فِي الْعَيْنِيّ شرح الْهِدَايَة وَإِنَّمَا يكون الاسْتِسْقَاء فِي مَوضِع لَا يكون لَهُم أَوديَة وَلَا أَنهَار وآبار يشربون مِنْهَا ويسقون مَوَاشِيهمْ أَو زُرُوعهمْ أَو تكون وَلَا تَكْفِي ذَلِك فَإِذا كَانَ لَهُم أَوديَة وآبار وأنهار فَإِن النَّاس لَا يخرجُون إِلَى الاسْتِسْقَاء لِأَنَّهَا تكون عِنْد شدَّة الضَّرَر وَالْحَاجة كَذَا فِي التاتارخانية وَيسْتَحب إِخْرَاج الْأَطْفَال والشيوخ الْكِبَار والعجائز اللَّاتِي لَا هَيْئَة لَهُنَّ كَذَا فِي الْعَيْنِيّ شرح الْهِدَايَة. وَيسْتَحب إِخْرَاج الدَّوَابّ كَذَا فِي السراج الْوَهَّاج.
وأدعية الاسْتِسْقَاء: المروية عَن النَّبِي الْمُخْتَار - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَثِيرَة مِنْهَا الْحَمد لله رب الْعَالمين الرَّحْمَن الرَّحِيم مَالك يَوْم الدّين لَا إِلَه إِلَّا الله يفعل مَا يُرِيد اللَّهُمَّ أَنْت الله لَا إِلَه إِلَّا أَنْت الْغَنِيّ وَنحن الْفُقَرَاء أنزل علينا الْغَيْث وَاجعَل مَا أنزلت لنا قُوَّة وبلاغا إِلَى
الجزء 1 · صفحة 71
حِين (وَمِنْهَا) اللَّهُمَّ اسقنا اللَّهُمَّ اسقنا الله اسقنا. (وَمِنْهَا) اللَّهُمَّ أغثنا اللَّهُمَّ أغثنا اللَّهُمَّ أغثنا (وَمِنْهَا) اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادك وبهيمتك وانشر رحمتك واحي بلدك الْمَيِّت (وَمِنْهَا) اللَّهُمَّ اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا نَافِعًا غير ضار عَاجلا غير آجل. وَإِذا رأى الْمَطَر قَالَ اللَّهُمَّ صيبا نَافِعًا وَإِذا زَاد الْمَطَر حَتَّى خيف الضَّرَر قَالَ اللَّهُمَّ حوالينا وَلَا علينا اللَّهُمَّ على الآكام وَالْآجَام والضراب والأودية ومنابت الشّجر. وَلِهَذَا الرباعي.
(يَا رب سَبَب حيات حَيَوَان بفرست ... وازخوان كرم نعمت الوان بفرست)
(از بهرلب تشنهء طفلان نَبَات ... از دايهء ابر شير بار ان بفرست)
تَأْثِير عَجِيب فِي استجابة الدُّعَاء للاستسقاء وَهُوَ من رباعيات سُلْطَان أبي سعيد أبي الْخَيْر قدس الله سره الْعَزِيز.
وَاعْلَم أَن بعض الْأَحَادِيث صَرِيح فِي وضع الْمِنْبَر كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قَالَت شكا النَّاس إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قُحُوط الْمَطَر فَأمر بمنبر فَوضع لَهُ فِي الْمصلى ووعد النَّاس يَوْمًا يخرجُون فِيهِ قَالَت فَخرج - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حِين بدا حَاجِب الشَّمْس فَقعدَ على الْمِنْبَر فَكبر وَحمد الله عز وَجل ثمَّ قَالَ إِنَّكُم شكوتم جَدب دِيَاركُمْ واستئخار الْمَطَر عَن إبان زَمَانه عَنْكُم وَقد أَمر الله عز وَجل أَن تَدعُوهُ ووعدكم أَن يستجيب لكم ثمَّ قَالَ الْحَمد لله إِلَى قُوَّة وبلاغا إِلَى حِين ثمَّ رفع يَدَيْهِ فَلم يزل فِي الرّفْع حَتَّى بدا بَيَاض أبطيه ثمَّ حول إِلَى النَّاس ظَهره وقلب رِدَاءَهُ وَهُوَ رَافع يَدَيْهِ ثمَّ أقبل على النَّاس وَنزل من الْمِنْبَر فصلى رَكْعَتَيْنِ الحَدِيث وَالِاسْتِسْقَاء فِي اصْطِلَاح الطِّبّ مرض مادي سَببه مَادَّة غَرِيبَة بَارِدَة تتخلل الْأَعْضَاء فتربو بهَا الْأَعْضَاء أما الظَّاهِرَة من الْأَعْضَاء كلهَا وَأما الْمَوَاضِع الخالية من النواحي الَّتِي فِيهَا تَدْبِير الفضاء والأخلاط مثل فضاء الْبَطن الَّتِي فِيهَا الْمعدة والكبد والأمعاء. وأقسامه ثَلَاثَة لحمي وزقي وطبلي وتفصيلها فِي كتب الطِّبّ.
اسْتِيفَاء الدّين: لَا يَنْعَدِم بِهِ الدّين بل يثبت لكل من الدَّائِن والمديون دين على الآخر بعد الِاسْتِيفَاء بِنَاء على أَن الدُّيُون تقضى بأمثالها لَا بِأَعْيَانِهَا لَكِن يسْقط الطّلب بعد الِاسْتِيفَاء بِعَدَمِ الْفَائِدَة فِي الطّلب. تَوْضِيحه أَن زيدا اسْتقْرض مائَة دِرْهَم من عَمْرو وَقَبضهَا فَصَارَ دين عَمْرو على زيد ثمَّ إِذا أدّى زيد مائَة دِرْهَم من عِنْد نَفسه إِلَى عَمْرو صَار دين زيد على عَمْرو لِأَن هَذِه الْمِائَة لَيست على عين مَا استقرضه فَصَارَ لكل وَاحِد مِنْهُمَا دين على الآخر فَيَنْبَغِي أَن يطْلب كل مِنْهُمَا مائَة دِرْهَم من الآخر لَكِن يسْقط الطّلب بِعَدَمِ الْفَائِدَة من الطّلب. وَمن متفرعات بَقَاء الدّين بعد الِاسْتِيفَاء جَوَاز الْإِبْرَاء عَن الدّين بعد الِاسْتِيفَاء فَيجب رد مَا استوفي على الْمَدْيُون فَافْهَم واحفظ فَإِنَّهُ ينفعك فِي الْهِدَايَة وَشرح الْوِقَايَة فِي آخر كتاب الرَّهْن.
الِاسْتِدْلَال: تَقْرِير الدَّلِيل لإِثْبَات الْمَطْلُوب وَالنَّظَر فِيهِ وَهُوَ على نَوْعَيْنِ أَنِّي
الجزء 1 · صفحة 72
ولمي لِأَنَّهُ إِن كَانَ من الْأَثر إِلَى الْمُؤثر يُسمى اسْتِدْلَالا آنيا كالاستدلال من الْحمى إِلَى تعفن الأخلاط وَإِن كَانَ من الْمُؤثر إِلَى الْأَثر يُسمى اسْتِدْلَالا لميا كالاستدلال من تعفن الأخلاط إِلَى الْحمى. وَقد يخص الأول باسم الِاسْتِدْلَال وَالثَّانِي بِالتَّعْلِيلِ.
الِاسْتِفْهَام: طلب فهم الشَّيْء واستعلام مَا فِي ضمير الْمُخَاطب وَقيل هُوَ طلب حُصُول صُورَة الشَّيْء فِي الذِّهْن فَإِن كَانَت تِلْكَ الصُّورَة إذعان وُقُوع نِسْبَة بَين الشَّيْئَيْنِ أَولا وُقُوعهَا فحصولها هُوَ التَّصْدِيق وَإِلَّا فَهُوَ التَّصَوُّر وَالْحق أَن تِلْكَ الصُّورَة الْحَاصِلَة على الأول تَصْدِيق وعَلى الثَّانِي تصور بل الْحق مَا سَيَأْتِي فِي الْعلم والتصور والتصديق إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الِاسْتِحْسَان: فِي اللُّغَة هُوَ عد الشَّيْء واعتقاد حسهنا وَفِي الِاصْطِلَاح هُوَ اسْم لدَلِيل من الْأَدِلَّة الْأَرْبَعَة تعَارض الْقيَاس الْجَلِيّ وَيعْمل بِهِ إِذا كَانَ أقوى مِنْهُ سموهُ بذلك لِأَنَّهُ يكون فِي الْأَغْلَب أقوى من الْقيَاس الْجَلِيّ فَيكون قِيَاسا مستحسنا.
الاستقراء: فِي اللُّغَة التفحص والتتبع وَفِي اصْطِلَاح المنطقيين هُوَ الْحجَّة الَّتِي يسْتَدلّ فِيهَا من استقراء حكم الجزئيات على حكم كليها فَإِن كَانَ اسْتِدْلَال فِيهَا من استقراء حكم جَمِيع الجزئيات فالاستقراء تَامّ وَإِلَّا فناقص وَتَسْمِيَة الْحجَّة الْمَذْكُورَة بالاستقراء لَيْسَ على سَبِيل الارتجال أَي بِلَا مُلَاحظَة الْمُنَاسبَة بل على سَبِيل النَّقْل وملاحظة الْمُنَاسبَة كَمَا لَا يخفى.
الِاسْتِحَاضَة: دم ترَاهُ الْمَرْأَة أقل من ثَلَاثَة أَيَّام أَو أَكثر من عشرَة أَيَّام فِي الْحيض وَمن أَرْبَعِينَ فِي النّفاس على مَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه الله وأحكامها فِي الْفِقْه.
الاستحالة: حَرَكَة فِي الكيف كتسخن المَاء وتبرده مَعَ بَقَاء صورته النوعية.
الاسْتقَامَة: كَون الْخط بِحَيْثُ تنطبق أجزاؤه الْمَفْرُوضَة بَعْضهَا على بعض وَعند الطَّائِفَة الْعلية الصُّوفِيَّة رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ الاسْتقَامَة الْوَفَاء بالعهود كلهَا وملازمة الصِّرَاط الْمُسْتَقيم برعاية حد التَّوَسُّط فِي كل الْأُمُور من الطَّعَام وَالشرَاب واللباس فِي كل أَمر ديني ودنيوي فَذَلِك هُوَ الصِّرَاط الْمُسْتَقيم كالصراط الْمُسْتَقيم فِي الْآخِرَة فَلذَلِك قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شيبتني سُورَة هود إِذْ نزلت فاستقم كَمَا أمرت.
الاستدارة: كَون السَّطْح بِحَيْثُ يُحِيط بِهِ خطّ وَاحِد ويفرض فِي دَاخله نقطة تَسَاوِي الخطوط المستقيمة الْخَارِجَة مِنْهَا إِلَيْهِ.
الِاسْتِطَاعَة: عرض يخلقه الله تَعَالَى فِي الْحَيَوَان يفعل بِهِ الْأَفْعَال الاختيارية (والاستطاعة الْحَقِيقِيَّة) هِيَ الْقُدْرَة التَّامَّة الَّتِي يجب عِنْدهَا صُدُور الْفِعْل فَهِيَ لَا تكون إِلَّا مُقَارنَة للْفِعْل والاستطاعة الصَّحِيحَة سَلامَة الْأَسْبَاب والآلات والجوارح وَرفع الْمَوَانِع من الْمَرَض وَغَيره والاستطاعة الْحَقِيقِيَّة عندنَا مَعَ الْفِعْل خلافًا للمعتزلة فَإِنَّهُم
الجزء 1 · صفحة 73
ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهَا قبل الْفِعْل ممتد بَاقٍ وَقت الْفِعْل مُقَارن بِهِ. وَاسْتَدَلُّوا بِأَن التَّكْلِيف حَاصِل قبل الْفِعْل ضَرُورَة أَن الْكَافِر مُكَلّف بِالْإِيمَان وتارك الصَّلَاة مُكَلّف بهَا بعد دُخُول الْوَقْت فَلَو لم تكن الِاسْتِطَاعَة متحققة حِينَئِذٍ لزم تَكْلِيف الْعَاجِز وَهُوَ بَاطِل والاستطاعة الْحَقِيقِيَّة عندنَا مَعَ الْفِعْل لَا قبله لِأَنَّهَا صفة يخلقها الله تَعَالَى عِنْد قصد اكْتِسَاب الْفِعْل بعد سَلامَة الْأَسْبَاب والآلات وَعلة تَامَّة لصدور الْفِعْل فَهِيَ مَعَ الْفِعْل لَا قبله وَإِن لم تكن مَعَه وَكَانَت قبله كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْمُعْتَزلَة فَلَا تكون بَاقِيَة عِنْد الْفِعْل لِامْتِنَاع بَقَاء الْأَعْرَاض فَيلْزم وُقُوع الْفِعْل بِلَا استطاعة وقدرة عَلَيْهِ وَهُوَ مُمْتَنع عِنْد الْمُعْتَزلَة لِأَن العَبْد عِنْدهم خَالق لأفعاله وَقدرته مُؤثرَة فِيهَا فعندهم إِذا وَقع الْفِعْل بِلَا استطاعة وقدرة يلْزم وجود الْأَثر بِدُونِ الْمُؤثر وَهُوَ محَال. وَأما عندنَا فالاستطاعة الْمَذْكُورَة عِلّة عَادِية أَو شَرط عادي لَا عِلّة حَقِيقِيَّة كَمَا زَعَمُوا فَيجوز وُقُوع الْفِعْل عندنَا بِدُونِهَا بِخلق الله تَعَالَى لَكِن عَادَة الله تَعَالَى جرت بِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يخلق الْفِعْل على يَد العَبْد إِلَّا بعد إِعْطَاء الِاسْتِطَاعَة الْمَذْكُورَة فَمَا ذكرنَا من الدَّلِيل على أَنَّهَا مَعَ الْفِعْل الزامي على الْمُعْتَزلَة يَعْنِي لَو كَانَت الِاسْتِطَاعَة مُقَدّمَة على الْفِعْل لزم وُقُوعه بِلَا استطاعة وقدرة عَلَيْهِ على مذهبكم أَي الْمُعْتَزلَة. لَكِن لَهُم أَن يَقُولُوا لَا نسلم اسْتِحَالَة بَقَاء الْأَعْرَاض وَإِن سلمنَا فَلَا نسلم وُقُوع الْفِعْل حِينَئِذٍ بِلَا استطاعة وقدرة عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا نزاع فِي إِمْكَان تجدّد الْأَمْثَال عقيب الزَّوَال فَمن أَيْن يلْزم وُقُوع الْفِعْل بِدُونِهَا. وَالْجَوَاب وَاضح لأَنهم اعْتَرَفُوا بِأَن الْقُدْرَة الَّتِي بهَا الْفِعْل لَا تكون إِلَّا مُقَارنَة مَعَ الْفِعْل وَإِن كَانَت لَهَا أَمْثَالًا مُتَقَدّمَة على الْفِعْل وَهَا هُنَا تَفْصِيل فِي المطولات. ثمَّ اعْلَم أَن مدَار التَّكْلِيف عندنَا هُوَ الِاسْتِطَاعَة الصَّحِيحَة فَلَا يلْزم تَكْلِيف الْعَاجِز وَقَالَ الإِمَام الرَّازِيّ إِن أُرِيد بالاستطاعة الْقُدْرَة المستجمعة بِجَمِيعِ شَرَائِط التَّأْثِير فَالْحق أَنَّهَا مَعَ الْفِعْل وَإِلَّا فَقبله.
ثمَّ اعْلَم: أَن الِاسْتِطَاعَة عِلّة عَادِية للْفِعْل عِنْد صَاحب التَّبْصِرَة وَشرط عادي عِنْد الْجُمْهُور فإطلاق الْعلَّة أَو الشَّرْط عَلَيْهَا على الْمجَاز. وَلَك أَن تَقول إِن إطلاقهما عَلَيْهَا على الْحَقِيقَة لأَنهم قَالُوا من شَأْنهَا التَّأْثِير أَو من شَأْنهَا توقف تَأْثِير الْفَاعِل عَلَيْهَا فباعتبار شَأْنهَا يطلقون الْعلَّة أَو الشَّرْط عَلَيْهَا فَإِن قلت كَلَام الإِمَام رَحمَه الله صَرِيح فِي أَنَّهَا مُؤثرَة حَيْثُ قَالَ بِجَمِيعِ شَرَائِط التَّأْثِير قُلْنَا المُرَاد بالتأثير مَا يعم الْكسْب وَفِي كَلَام الْآمِدِيّ أَن الْقُدْرَة الْحَادِثَة من شَأْنهَا التَّأْثِير لَكِن عدم التَّأْثِير. بِالْفِعْلِ لوُقُوع متعلقها بقدرة الله تَعَالَى وَحِينَئِذٍ لَا إِشْكَال فِي كَلَام الإِمَام أصلا انْتهى. وَفِي تَفْسِير الِاسْتِطَاعَة الصَّحِيحَة بسلامة الْآلَات إِلَى آخِره إِشْكَال مَشْهُور (تَقْرِيره) أَن الِاسْتِطَاعَة صفة الْمُكَلف وسلامة الْأَسْبَاب والآلات لَيْسَ صفة لَهُ بل صفة الْأَسْبَاب والآلات كَمَا لَا يخفى فَكيف يَصح تَفْسِيرهَا بهَا وتحرير الْجَواب أَن للمكلف وَصفا إضافيا لَا حَقِيقِيًّا كَمَا قيل ويعبر عَن ذَلِك الْوَصْف الإضافي تَارَة بِلَفْظ يدل عَلَيْهِ إِجْمَالا وَهُوَ لفظ الِاسْتِطَاعَة وَتارَة بِلَفْظ
الجزء 1 · صفحة 74
دَال عَلَيْهِ صَرِيحًا تَفْصِيلًا وَهُوَ سَلامَة الْأَسْبَاب. فَالْحَاصِل أَن المُرَاد بالاستطاعة كَمَا هُوَ استطاعة الْمُكَلف كَذَلِك المُرَاد بسلامة الْأَسْبَاب سَلامَة أَسبَابه وَلَيْسَ الْفرق بَينهمَا إِلَّا بالإجمال فِي لفظ الِاسْتِطَاعَة وَالتَّفْصِيل فِي سَلامَة الْأَسْبَاب إِلَى آخِره.
الِاسْتِعَارَة: فِي اللُّغَة طلب الْعَارِية وَعند عُلَمَاء الْبَيَان هِيَ مجَاز يكون علاقَة اسْتِعْمَاله فِي غير مَا وضع لَهُ التَّشْبِيه بِأَن يقْصد اسْتِعْمَاله فِي ذَلِك الْغَيْر بِسَبَب مشابهته بِمَا وضع لَهُ فَإِذا أطلق المشفر الَّذِي وضع لشفة الْإِبِل على شفة الْإِنْسَان فَإِن قصد تشبيهها بمشفر الْإِبِل فِي الغلظ فَهِيَ اسْتِعَارَة وَإِن أُرِيد أَنه من قبيل إِطْلَاق الْمُقَيد على الْمُطلق كإطلاق المرسن على الْأنف من غير قصد إِلَى التَّشْبِيه فمجاز مُرْسل فَظهر أَن اللَّفْظ الْوَاحِد بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنى الْوَاحِد قد يكون اسْتِعَارَة وَقد يكون مجَازًا مُرْسلا (المرسن) اسْم مَكَان أَي مَكَان الرسن وَالْأنف مَعَ قيد أَن يكون مرسونا يدل على اعْتِبَار هَذَا الْقَيْد اشتقاقه من الرسن (وَفِي الْقَامُوس) الرسن محركة الْحَبل وَمَا كَانَ من زِمَام على أنف ثمَّ إِنَّهُم اخْتلفُوا فِي أَن الِاسْتِعَارَة مجَاز لغَوِيّ أَو عَقْلِي (فالجمهور) على أَنه مجَاز لغَوِيّ بِمَعْنى أَنه لفظ اسْتعْمل فِي غير مَا وضع لَهُ لعلاقة المشابهة وَقيل إِنَّهَا مجَاز عَقْلِي لَا بِمَعْنى إِسْنَاد الْفِعْل أَو شبهه إِلَى غير من هُوَ لَهُ مثل أنبت الرّبيع البقل بل بِمَعْنى أَن التَّصَرُّف فِيهَا فِي أَمر عَقْلِي لَا لغَوِيّ لِأَنَّهَا لما لم يُطلق على الْمُشبه إِلَّا بعد ادِّعَاء دُخُول الْمُشبه فِي جنس الْمُشبه بِهِ بِأَن يَجْعَل الرجل الشجاع فَردا من أَفْرَاد الْأسد فَكَانَ اسْتِعْمَال الْأسد مثلا فِي الرجل الْمَذْكُور فِيمَا وضع لَهُ تَأْوِيلا وادعاء وَلِهَذَا قَالَ السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره الِاسْتِعَارَة ادِّعَاء معنى الْحَقِيقَة فِي الشَّيْء للْمُبَالَغَة فِي التَّشْبِيه كَقَوْلِك لقِيت أسدا وَأَنت تُرِيدُ الرجل الشجاع وَعرف السكاكي الِاسْتِعَارَة بِأَنَّهَا ذكر أحد طرفِي التَّشْبِيه أَعنِي الْمُشبه والمشبه بِهِ وتريد بالطرف الْمَذْكُور والطرف الْمَتْرُوك مُدعيًا دُخُول الْمُشبه فِي جنس الْمُشبه بِهِ كَمَا تَقول فِي الْحمام أَسد وَأَنت تُرِيدُ بِهِ الرجل الشجاع مُدعيًا أَنه من جنس الْأسد فَتثبت لَهُ شَيْئا من خَواص الْمُشبه بِهِ حَتَّى يكون قرينَة على الْمَعْنى الْمجَازِي وَأَنت تعلم أَن الْقَرِينَة الصارفة عَن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ مِمَّا لَا بُد مِنْهَا فِي الْمجَازِي اللّغَوِيّ الَّذِي قسمه السكاكي إِلَى الِاسْتِعَارَة وَغَيرهَا وَكَثِيرًا مَا يُطلق الِاسْتِعَارَة على فعل الْمُتَكَلّم وَهُوَ اسْتِعْمَال اسْم الْمُشبه بِهِ فِي الْمُشبه وَحِينَئِذٍ تكون بِمَعْنى الْمصدر فَيصح مِنْهَا الِاشْتِقَاق فَيكون الْمُتَكَلّم مستعيرا وَلَفظ الْمُشبه بِهِ مستعارا وَالْمعْنَى الْمُشبه بِهِ مستعارا مِنْهُ وَالْمعْنَى الْمُشبه مستعارا لَهُ.
الِاسْتِعَارَة المصرحة: هِيَ أَن يذكر الْمُشبه ويحذف الْمُشبه بِهِ مَعَ ذكر الْقَرِينَة مثل رَأَيْت أسدا يَرْمِي وَأَنت تُرِيدُ الرجل الشجاع وَلَقِيت أسدا فِي الْحمام وَتسَمى اسْتِعَارَة تحقيقية أَيْضا لتحَقّق مَعْنَاهَا الْمجَازِي حسا أَو عقلا بِأَن يكون ذَلِك الْمَعْنى أمرا مَعْلُوما يُمكن أَن ينص عَلَيْهِ ويشار إِلَيْهِ إِشَارَة حسية أَو عقلية.
الجزء 1 · صفحة 75
الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ: هِيَ أَن يذكر الْمُشبه وَيتْرك الْمُشبه بِهِ وَيثبت للمشبه أَمر مُخْتَصّ بالمشبه بِهِ من غير أَن يكون هُنَاكَ أَمر مُتَحَقق حسا أَو عقلا يُطلق عَلَيْهِ اسْم ذَلِك الْأَمر مثل رَأَيْت زيدا يصول بالمخاطب وَمثل قَول الْهُذلِيّ (وَإِذا الْمنية أنشبت أظفارها) فَإِنَّهُ شبه الْمنية أَي الْمَوْت بالأسد فِي الإهلاك وَذكرهَا دون الْأسد وَأثبت لَهَا الإنشاب والأظفار المختصين بالأسد وَقد تطلق الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ على التَّشْبِيه الْمُضمر فِي النَّفس وتوضيحه أَنه قد يضمر التَّشْبِيه فِي النَّفس أَي فِي نفس اللَّفْظ أَو فِي نفس الْمُتَكَلّم فَلَا يُصَرح بِشَيْء من أَرْكَان التَّشْبِيه سوى الْمُشبه وَيدل على ذَلِك التَّشْبِيه الْمُضمر فِي النَّفس بِأَن يثبت للمشبه أَمر مُخْتَصّ بالمشبه بِهِ من غير أَن يكون فِي الْمُشبه أَمر مُتَحَقق حسا أَو عقلا يُطلق عَلَيْهِ اسْم ذَلِك الْأَمر فيسمى ذَلِك التَّشْبِيه الْمُضمر فِي النَّفس اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ واستعارة مكنية عَنْهَا. أما الْكِنَايَة فَلِأَنَّهُ لم يُصَرح بالمشبه بِهِ بل إِنَّمَا يدل عَلَيْهِ بِذكر خواصه ولوازمه وَأما الِاسْتِعَارَة فمجرد التَّسْمِيَة خَال عَن الْمُنَاسبَة.
الِاسْتِعَارَة التخييلية: إِثْبَات الْأَمر الْمُخْتَص بالمشبه للمشبه بِهِ عِنْد حذف الْمُشبه بِهِ أَي فِي الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ وَإِنَّمَا سمي هَذَا الْإِثْبَات بالاستعارة التخييلية لِأَنَّهُ قد استعير للمشبه ذَلِك الْأَمر الْمُخْتَص بالمشبه بِهِ فَذَلِك الْإِثْبَات اسْتِعَارَة أَمر من الْمُشبه بِهِ للمشبه وَمُوجب لتخييل التَّشْبِيه الْمُضمر فِي النَّفس كإثبات إنشاب الْأَظْفَار للمنية فِي الْمِثَال الْمَذْكُور فتشبيه الْمنية بالسبع فِي الإهلاك بَغْتَة اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ وَإِثْبَات إنشاب الْأَظْفَار لَهَا اسْتِعَارَة تخييلية وَاعْلَم أَن الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ والمصرحة والتخييلية أُمُور معنوية غير دَاخِلَة فِي الْمجَاز الَّذِي هُوَ من أَقسَام اللَّفْظ.
الِاسْتِعَارَة الْمُطلقَة: والاستعارة الْمُجَرَّدَة والاستعارة المرشحة أَقسَام ثَلَاثَة للاستعارة بِحَسب الاقتران بالملائم وَعدم الاقتران بِهِ لِأَنَّهَا إِمَّا لم تقترن بِشَيْء يلائم الْمُسْتَعَار لَهُ والمستعار مِنْهُ أَو قرنت بِمَا يلائم الْمُسْتَعَار لَهُ أَو قرنت بِمَا يلائم الْمُسْتَعَار مِنْهُ الأول الأول وَالثَّانِي الثَّانِي وَالثَّالِث الثَّالِث وَقد يجْتَمع التَّجْرِيد والترشيح والأمثلة فِي المطولات.
الِاسْتِعَارَة الْأَصْلِيَّة والاستعارة التّبعِيَّة: قِسْمَانِ للاستعارة بِاعْتِبَار اللَّفْظ الْمُسْتَعَار لِأَن اللَّفْظ الْمُسْتَعَار إِن كَانَ اسْم جنس حَقِيقَة أَو تَأْوِيلا فالاستعارة أَصْلِيَّة كأسد إِذا استعير للرجل الشجاع وَقتل إِذا استعير للضرب الشَّديد وكحاتم إِذا استعير للسخي فَإِنَّهُ اسْم جنس تَأْوِيلا لِأَنَّهُ متاول باسم جنس هُوَ السخي وَكَذَا كل علم يكون مَشْهُورا بِوَصْف كموسى وَفرْعَوْن فَإِنَّهُ اسْم جنس تَأْوِيلا وَإِن لم يكن اللَّفْظ الْمُسْتَعَار اسْم جنس فالاستعارة تَبَعِيَّة كالحرف وَالْفِعْل وكل مَا يشتق مِنْهُ كاسم الْفَاعِل وَالْمَفْعُول وَغير ذَلِك والاستعارة فِي هَذِه الْأُمُور لَا تكون إِلَّا تَبَعِيَّة لِأَن الِاسْتِعَارَة مَوْقُوفَة على التَّشْبِيه والتشبيه يَقْتَضِي أَن يكون الْمُشبه مَوْصُوفا بِوَجْه الشّبَه والموصوف لَا يكون إِلَّا أمرا
الجزء 1 · صفحة 76
مُسْتقِلّا بالمفهومية مقررا ثَابتا فِي نَفسه ومعاني الْأَفْعَال وَالصِّفَات المشتقة مِنْهَا لكَونهَا متجددة غير متقررة بِوَاسِطَة دُخُول الزَّمَان فِي مفهوماتها كَمَا فِي الْأَفْعَال أَو عروضه لَهَا كَمَا فِي الصِّفَات المشتقة مِنْهَا على مَا هُوَ الْمَشْهُور وَإِن كَانَت مُسْتَقلَّة بالمفهومية ومعاني الْحُرُوف غير مُسْتَقلَّة بالمفهومية كَمَا لَا يخفى فَلَا تصلح مَعَانِيهَا للموصوفية وَإِنَّمَا قُلْنَا على مَا هُوَ الْمَشْهُور لِأَن الْحق أَن الزَّمَان دَاخل فِي مَفْهُوم الصِّفَات المشتقة من الْأَفْعَال فمعانيها مقترنة بِأحد الْأَزْمِنَة الثَّلَاثَة لَكِن لَا فِي الْفَهم عَن تِلْكَ الصِّفَات كَمَا حققنا فِي جَامع الغموض. والمحقق التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله قَالَ التَّشْبِيه يَقْتَضِي كَون الْمُشبه مَوْصُوفا بِوَجْه الشّبَه أَو بِكَوْنِهِ مشاركا للمشبه بِهِ فِي وَجه الشّبَه. قَالَ شيخ الْإِسْلَام قَوْله أَو بِكَوْنِهِ مشاركا إِلَى آخِره الظَّاهِر أَنه تَخْيِير فِي الْعبارَة بِاعْتِبَار المُرَاد والمودي وتنبيه على أَن الْمَقْصُود من كَونه مشاركا كَونه مَوْصُوفا انْتهى مثل نطقت الْحَال وَالْحَال ناطقة فَإِنَّهُ يقدر تَشْبِيه دلَالَة الْحَال بنطق النَّاطِق فِي إِيضَاح الْمعَانِي وإيصاله إِلَى الذِّهْن ثمَّ يدْخل الدّلَالَة فِي جنس النُّطْق بالتأويل الْمَذْكُور فيستعار لَهَا لفظ النُّطْق ثمَّ يشتق مِنْهُ الْفِعْل وَالصّفة فَتكون الِاسْتِعَارَة فِي الْمصدر أَصْلِيَّة وَفِي الْفِعْل وَالصّفة تَبَعِيَّة فالتشبيه الَّذِي هُوَ مدَار الِاسْتِعَارَة أَولا وبالأصالة يكون فِي معنى الْمصدر وَفِي الْأَفْعَال وَمَا يشتق مِنْهَا يكون ثَانِيًا وبالتبعية كَمَا عرفت فِي المثالين الْمَذْكُورين وَكَذَا التَّشْبِيه يكون أَولا وبالأصالة فِي متعلقات الْحُرُوف ثمَّ فِيهَا ثَانِيًا وبالتبعية كالظرفية فِي زيد فِي النِّعْمَة فَإِن الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ لكلمة فِي كَمَا أَنه غير مُسْتَقل بالمفهومية وَإِذا أُرِيد أَن يُفَسر عبر عَنهُ بالظرفية كَذَلِك مَعْنَاهَا الْمجَازِي غير مُسْتَقل بالمفهومية وَإِذا أُرِيد أَن يُفَسر عبر عَنهُ بالإحاطة مثلا فَلَا يتَصَوَّر تَشْبِيه أحد هذَيْن الْمَعْنيين إِلَّا تبعا وَذَلِكَ بِأَن يقدر تَشْبِيه إحاطة النِّعْمَة يزِيد بالظرفية فَيدْخل الْمُشبه فِي جنس الْمُشبه بِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ صَار الظَّرْفِيَّة مستعارا للإحاطة ثمَّ يشبه تِلْكَ الْإِحَاطَة الْمَخْصُوصَة بِتِلْكَ الظَّرْفِيَّة الْمَخْصُوصَة الَّتِي هِيَ معنى فِي تبعا فيستعار لَهَا كلمة فِي وَقس عَلَيْهِ سَائِر الْحُرُوف وَإِذا عرفت حَال التَّشْبِيه بِأَنَّهُ فِي أَي شَيْء بِالْأَصَالَةِ وَفِي أَي أَمر بالتبعية حصل لَك حَال الِاسْتِعَارَة بِحَسب الْأَصَالَة والتبعية بِالْقِيَاسِ على حَال التَّشْبِيه. هَذَا خُلَاصَة مَا ذكر عُلَمَاء الْبَيَان رَحِمهم الله فِي تبيان هَذَا المرام ينفعك لَدَى الْفَهم والإفهام وَعَلَيْك أَن لَا تنسى بِدُعَاء الْخَيْر لهَذَا المستهام.
الِاسْتِغْرَاق: اسْتِيفَاء شَيْء بِتمَام أَجْزَائِهِ أَو إِفْرَاده والتوجه فِي شَيْء بِحَيْثُ يكون مَا وَرَاءه لَا شَيْئا عِنْده واستغراق اللَّفْظ أَن يُرَاد بِهِ كل فَرد مِمَّا يتَنَاوَلهُ بِحَسب اللُّغَة أَو الشَّرْع أَو الْعرف الْخَاص وَهُوَ الِاسْتِغْرَاق الْحَقِيقِيّ أَو أَن يُرَاد بِهِ كل فَرد مِمَّا يتَنَاوَلهُ بِحَسب متفاهم الْعرف وَهُوَ الِاسْتِغْرَاق الْعرفِيّ. مِثَال الأول عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة أَي عَالم كل غيب وَشَهَادَة وَمِثَال الثَّانِي جمع الْأَمِير الصاغة أَي جمع كل صاغة بَلَده أَو مَمْلَكَته لَا صاغة الدُّنْيَا.
الجزء 1 · صفحة 77
الاسْتوَاء: برا بري وَخط الاسْتوَاء هُوَ مُحِيط دَائِرَة تحدث على وَجه الأَرْض من قطع سطح معدل النَّهَار إِيَّاهَا وَإِنَّمَا سمي خطّ الاسْتوَاء لِاسْتِوَاء اللَّيْل وَالنَّهَار عِنْد سكانها أبدا وَقد يُرَاد بالاستواء اسْتِوَاء الشَّمْس فِي كبد السَّمَاء وَتصير الأَرْض بِتِلْكَ الدائرة نِصْفَيْنِ الأول جنوبي وَالْآخر شمَالي.
الِاسْتِدْرَاك: فِي اللُّغَة طلب تدارك السَّامع وَفِي الِاصْطِلَاح رفع التَّوَهُّم النَّاشِئ عَن الْكَلَام السَّابِق وَكلمَة لَكِن للاستدراك أَي لحفظ الحكم السَّابِق نفيا كَانَ أَو إِثْبَاتًا عَن أَن يدْخل فِيهِ مَا بعد لَكِن وَهُوَ يَقْتَضِي مُغَايرَة الْكَلَامَيْنِ نفيا وإثباتا.
الاستتباع: فِي اللُّغَة طلب التّبعِيَّة وَعند أَرْبَاب البديع هُوَ الْمَدْح بِشَيْء على وَجه يستتبع الْمَدْح بِشَيْء آخر وَهُوَ من المحسنات المعنوية.
الِاسْتِخْدَام: فِي اللُّغَة طلب الْخدمَة عَن شَيْء وَعند أَصْحَاب البديع هُوَ أَن يذكر لفظ لَهُ مَعْنيانِ حقيقيان أَو مجازيان أَو مُخْتَلِفَانِ فيراد بِهِ أَحدهمَا ثمَّ يُرَاد بالضمير الرَّاجِع إِلَى ذَلِك اللَّفْظ مَعْنَاهُ الآخر أَو يُرَاد بِأحد ضميريه أحد معنييه ثمَّ بِالْآخرِ مَعْنَاهُ الآخر فالاستخدام على نَوْعَيْنِ مِثَال الأول.
(إِذا نزل السَّمَاء بِأَرْض قوم ... رعيناه وَإِن كَانُوا غضابا)
فَإِن للسماء مَعْنيين مجازيين الْمَطَر والنبت فَأَرَادَ بِهِ الْمَطَر وبضميره فِي رعيناه النبت وَمِثَال الثَّانِي.
(فسقى الغضا والساكنيه وَإِن هم ... شبوه بَين جوانحي وضلوعي)
قَوْله فسقى الغضا جملَة دعائية يَعْنِي (سيراب سازد الله تَعَالَى درخت تاخت وساكنان آن مَكَان راكه درخت تاخت دران ميرويد) الجوانح عِظَام الظّهْر والضلوع الْجنب أَرَادَ بِأحد ضميري الغضا أَعنِي الْمَجْرُور فِي الساكنيه الْمَكَان الَّذِي فِيهِ شَجَرَة الغضا وبالآخر أَعنِي الْمَنْصُوب فِي شبوه النَّار الْحَاصِلَة من شَجَرَة الغضا وَكِلَاهُمَا مجَاز (والساكنيه) مثل الضاربة الْمَحْمُول على ضاربه. يَعْنِي (بدرستيكه تَشْبِيه داده اند ساكنان مَكَان غضا آتش أَو رابآتشى كه ميان جوانح وضلوع من است وغضا درختيست كه جون جوب اورا بجنبانند اتش بيدا آيد) .
الاستعداد: كَون الشَّيْء بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَة أَو الْبَعِيدَة إِلَى الْفِعْل.
الاستعجال: طلب الْأَمر قبل مَجِيء وقته.
الجزء 1 · صفحة 78
الِاسْتِصْحَاب: وَهُوَ حكم بِبَقَاء أَمر كَانَ فِي الزَّمَان الأول وَلم يظنّ عَدمه وَهُوَ حجَّة عِنْد الشَّافِعِي رَحمَه الله فِي كل أَمر نفيا كَانَ أَو إِثْبَاتًا ثَبت وجوده أَي تحَققه بِدَلِيل شَرْعِي ثمَّ وَقع الشَّك فِي بَقَائِهِ أَي لم يَقع ظن بِعَدَمِهِ وَعِنْدنَا حجَّة للدَّفْع لَا للإثبات لَهُ أَن بَقَاء الشَّرَائِع بالاستصحاب وَلِأَنَّهُ إِذا تَيَقّن بِالْوضُوءِ ثمَّ شكّ فِي الْحَدث يحكم بِالْوضُوءِ وَفِي الْعَكْس بِالْحَدَثِ وَإِذا شهدُوا أَنه كَانَ ملكا للْمُدَّعِي فَإِنَّهُ حجَّة. وَلنَا أَن الدَّلِيل الْمُوجب لَا يدل على الْبَقَاء وَهَذَا ظَاهر فبقاء الشَّرَائِع بعد وَفَاته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَيْسَ بالاستصحاب بل لِأَنَّهُ لَا نسخ لشريعته وَالْوُضُوء وَكَذَا البيع وَالنِّكَاح وَنَحْوهَا يُوجب حكما ممتدا إِلَى زمَان ظُهُور مُنَاقض فَيكون الْبَقَاء للدليل وكلامنا فِيمَا لَا دَلِيل على الْبَقَاء كحياة الْمَفْقُود فيرث عِنْده لَا عندنَا لِأَن الْإِرْث من بَاب الْإِثْبَات فَلَا يثبت بِهِ وَلَا يُورث لِأَن عدم الْإِرْث من بَاب الدّفع فَيثبت بِهِ وتفصيل هَذَا المرام فِي كتب الْأُصُول.
الِاسْتِيلَاد: فِي اللُّغَة طلب الْوَلَد مُطلقًا وَفِي الشَّرْع هُوَ طلب الْوَلَد من الْأمة سَوَاء كَانَت مَمْلُوكَة أَو مَنْكُوحَة كَمَا ستعلم فِي أم الْوَلَد إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَهُوَ من الْأَسْمَاء الْغَالِبَة.
الأسلوب الْحَكِيم: عبارَة عَن تَقْدِيم الأهم تعريضا للمتكلم على ترك الأهم كَمَا قَالَ الْخضر [عَلَيْهِ السَّلَام] حِين سلم عَلَيْهِ مُوسَى إنكارا لسلامه لِأَن السَّلَام لم يكن معهودا فِي تِلْكَ الأَرْض بقوله إِنِّي بأرضك السَّلَام وَقَالَ مُوسَى [عَلَيْهِ السَّلَام] فِي جَوَابه أَنا مُوسَى أُجِيب عَن اللَّائِق وَهُوَ أَن تستفهم عني لَا عَن سلامي بأرضي.
الْإِسْرَاف: إِنْفَاق المَال الْكثير فِي الْغَرَض الخسيس.
اسْم الْآلَة: هُوَ اسْم مَا يعالج بِهِ الْفَاعِل الْمَفْعُول لوصول أَثَره إِلَيْهِ.
الاستباق: طلب السباقة وَفِي السِّرَاجِيَّة يجوز الاستباق فِي أَرْبَعَة أَشْيَاء فِي الْخُف يَعْنِي الْبَعِير وَفِي الْحَافِر يَعْنِي الْفرس وَفِي النصل يَعْنِي الرَّمْي وَفِي الْمَشْي يَعْنِي الْعَدو وَإِنَّمَا يجوز إِذا كَانَ الْبَدَل مَعْلُوما من جَانب وَاحِد بِأَن يَقُول أَحدهمَا للْآخر إِن سبقتك فلي كَذَا وَإِن سبقتني فَلَا شَيْء لَك فَإِن كَانَ الْبَدَل من الْجَانِبَيْنِ لَا يجوز إِلَّا أَن يكون بَينهمَا ثَالِث وَالشّرط أَنه لَو سبقهما أَو وَاحِدًا مِنْهُمَا أعطياه وَإِن سبقاه لم يعطهما شَيْئا وَهَذَا يجوز إِذا كَانَ فرسه بِحَال قد يسْبق وَقد لَا يسْبق وَالْمرَاد من الْجَوَاز الْحل وَالطّيب لَا الِاسْتِحْقَاق ثمَّ الْمَذْكُور فِي شرح الطَّحَاوِيّ أَن هَذَا إِنَّمَا يجوز فِي هَذِه الْأَشْيَاء لَا غير وَقَالَ الشَّيْخ الإِمَام الحلوائي لَو وَقع الِاخْتِلَاف فِي مَسْأَلَة بَين اثْنَيْنِ وَشرط أَحدهمَا لصَاحبه إِن كَانَ الْجَواب كَمَا قلت أَعطيتك كَذَا وَإِن كَانَت كَمَا قلت لَا آخذ مِنْك شَيْئا هَذَا جَائِز وَفِي الْخَانِية وَمَا يفعل الْأُمَرَاء فَهُوَ جَائِز بِأَن يَقُولُوا لاثْنَيْنِ أيكما سبق فَلهُ كَذَا وَإِنَّمَا جوزوا الاستباق فِي هَذِه الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة لوُرُود الْأَثر فِيهَا وَلَا أثر فِي غَيرهَا وَفِي الشرعة والمسابقة على الْفرس لامتحان كرمه وعتقه سنة.
الجزء 1 · صفحة 79
اسْم الزَّمَان وَالْمَكَان: اسْم مُشْتَقّ من الْمصدر لزمان أَو مَكَان وَقع فِيهِ مَدْلُول ذَلِك الْمصدر أَي الْحَدث.
الِاسْم الْمَنْسُوب: هُوَ الِاسْم الملحق بِآخِرهِ يَاء مُشَدّدَة مَكْسُورَة مَا قبلهَا عَلامَة للنسبة إِلَيْهِ كَمَا ألحقت التَّاء عَلامَة للتأنيث نَحْو بَصرِي وهاشمي - وَتَحْقِيق هَذَا المرام فِي الْمَنْسُوب وَالنِّسْبَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الاسوارية: هم أَصْحَاب الأسوارى وافقوا النظامية فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ وَزَادُوا عَلَيْهِم أَن الله تَعَالَى لَا يقدر على مَا أخبر بِعَدَمِهِ أَو علم عَدمه وَالْإِنْسَان قَادر عَلَيْهِ.
الإسكافية: هم أَصْحَاب أبي جَعْفَر الإسكاف قَالُوا الله تَعَالَى لَا يقدر على ظلم الْعُقَلَاء بِخِلَاف ظلم الصّبيان والمجانين فَإِنَّهُ يقدر عَلَيْهِ.
الإسحاقية: قَالُوا حل الله تَعَالَى فِي عَليّ كرم الله وَجهه.
الإسماعيلية: هم الَّذين أثبتوا الْإِمَامَة لإسماعيل بن جَعْفَر الصَّادِق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَمن مَذْهَبهم أَن الله تَعَالَى لَا مَوْجُود وَلَا مَعْدُوم وَلَا عَالم وَلَا جَاهِل وَلَا قَادر وَلَا عَاجز وَكَذَلِكَ جَمِيع الصِّفَات وَذَلِكَ لِأَن الْإِثْبَات بِالْحَقِيقَةِ يَقْتَضِي الْمُشَاركَة بَينه وَبَين الموجودات وَهُوَ تَشْبِيه وَالنَّفْي الْمُطلق يَقْتَضِي الْمُشَاركَة للمعدومات وَهُوَ تَعْطِيل بل هُوَ واهب هَذِه الصِّفَات وَرب للمضادة.
اسْتثِْنَاء نقيض الْمُقدم: لَا ينْتج شَيْئا فِي جَمِيع الْموَاد أَي لَا ينْتج كليا. أَلا ترى أَن قَوْلك إِن كَانَ هَذَا إنْسَانا كَانَ حَيَوَانا لكنه لَيْسَ بِإِنْسَان لَا ينْتج أَنه حَيَوَان أَو لَيْسَ بحيوان. نعم إِذا كَانَ بَين الْمُقدم والتالي مُلَازمَة كطلوع الشَّمْس وَوُجُود النَّهَار فهناك تصح النتائج الْأَرْبَع. فَإِن قيل عدم إنتاج اسْتثِْنَاء نقيض الْمُقدم مَمْنُوع. أَلا ترى أَن مثل قَوْلنَا لَو جئتني لأكرمتك لكنك لم تجئ يَعْنِي فَلم أكرمك. أَي عدم إكرامي بِسَبَب عدم الْمَجِيء صَحِيح. وَقد قَالَ الحماسي فِي مدح الْفرس.
(وَلَو طَار ذُو حافر قبلهَا ... لطارت وَلكنه لم يطر)
أَي عدم طيران تِلْكَ الْفرس بِسَبَب أَنه لم يطر ذُو حافر قبلهَا. وَقَالَ أَبُو الْعَلَاء المعري:
(وَلَو دَامَت الدولات كَانُوا كغيرهم ... رعايا وَلَكِن مَا لَهُنَّ دوَام)
وَمن هَذَا الْقَبِيل مَا قيل بِالْفَارِسِيَّةِ:
(هركه غم جهان خورد كي زحيات بر خورد ... ووتوغم جهان مخورتا زحيات بر خورى)
الجزء 1 · صفحة 80
قُلْنَا: قد تسْتَعْمل كلمة لَو للدلالة على أَن عِلّة انْتِفَاء مَضْمُون الْجَزَاء فِي الْخَارِج هِيَ انْتِفَاء مَضْمُون الشَّرْط من غير الْتِفَات إِلَى أَن عِلّة الْعلم بِانْتِفَاء الْجَزَاء مَا هِيَ. أَلا ترى أَن قَوْلهم لَوْلَا لِامْتِنَاع الثَّانِي لوُجُود الأول فِيمَا كَانَ الأول منفيا وَالثَّانِي مثبتا نَحْو لَوْلَا عَليّ لهلك عمر. مَعْنَاهُ أَن وجود عَليّ كرم الله وَجهه سَبَب لعدم هَلَاك عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لَا أَن وجوده دَلِيل على الْعلم بِأَن عمر لم يهْلك. وَحَاصِل الْجَواب أَن المُرَاد اسْتثِْنَاء نقيض الْمُقدم لَا ينْتج شَيْئا بِحَسب الْعلم أَي عِنْد الِاسْتِدْلَال وَلَيْسَ الْمَقْصُود فِي تِلْكَ الْأَمْثِلَة الِاسْتِدْلَال حَتَّى يرد الْمَنْع وَمعنى بَيت أبي الْعَلَاء لَو دَامَت الدولات كَانَ جَمِيع السلاطين رعايا للْأولِ. وَالْأَقْرَب أَن مَعْنَاهُ لَو دَامَت دولات الَّذين يرغبون عَن طَاعَة الممدوح لكانوا منخرطين فِي سلك رَعيته لَكِن لما لم يقدر عِنْد الله تَعَالَى دوامها عصوه فاستأصلهم الممدوح أَي لَو رَضوا بِأَن يَكُونُوا مُطِيعِينَ للممدوح لما ذهبت دولتهم.
الاستطراد: (خويشتن ااز بيش دشمن بهزيمت دادن براى فريفتن وى) كَذَا فِي تَاج المصادر وَيُرَاد بِهِ فِي الْعُلُوم ذكر الشَّيْء لَا عَن قَصده بل بتبعية غَيره. {اسْتغْفر لذنبك وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات} أَي لذنب أمتك. فَإِن قيل فَيلْزم حِينَئِذٍ اسْتِدْرَاك قَوْله تَعَالَى {وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات} قُلْنَا هَذَا تَخْصِيص بعد التَّعْمِيم لِأَن أمته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثَلَاث وَسَبْعُونَ فرقة وَالْأَمر بالاستغفار لَيْسَ إِلَّا لوَاحِدَة مِنْهَا وهم الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات أَي الَّذين آمنُوا واعتقدوا على طَريقَة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة. وَإِذا أُرِيد بذنبك ذَنْب النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَلَا يرد الْإِشْكَال الْمَذْكُور. نعم يرد حِينَئِذٍ ثُبُوت الشَّفَاعَة لصغائر الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات دون كبائرهم لِأَن ذنبهم مَخْصُوص بالكبائر بِقَرِينَة قَوْله تَعَالَى لذنبك لِأَن ذَنبه علية الصَّلَاة وَالسَّلَام صَغِيرَة قطعا وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن شَفَاعَة رَسُولنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَامَّة لذنوبهم مُطلقًا صَغِيرَة أَو كَبِيرَة. وَالْجَوَاب أَن الذَّنب فِي أصل الْوَضع شَامِل لَهما وَإِن كَانَ الذَّنب الْمُضَاف إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام هُوَ ترك الأولى أَي الصَّغِيرَة لِأَن الْأَنْبِيَاء معصومون عَن الْكَبَائِر كَمَا تقرر فِي مَوْضِعه فَافْهَم.
الِاسْتِحْقَاق الذاتي: كَون الشَّيْء مُسْتَحقّا لأمر بِالنّظرِ إِلَى ذَاته دون وَصفه.
والاستحقاق الوصفي: كَون الشَّيْء مُسْتَحقّا لأمر النّظر إِلَى وَصفه دون ذَاته. وَالْمرَاد بِالِاسْتِحْقَاقِ الذاتي والوصفي فِيمَا قَالُوا إِن لله تَعَالَى فِي اسْتِحْقَاقه الْحَمد استحقاقين ذاتي ووصفي. إِن الِاسْتِحْقَاق الذاتي مَا لَا تلاحظ مَعَه خُصُوصِيَّة صفة من جَمِيع الصِّفَات كَمَا يُقَال الْحَمد لله. لَا مَا لَا يكون الذَّات البحت مُسْتَحقّا لَهُ فَإِن اسْتِحْقَاق الْحَمد لَيْسَ إِلَّا على الْجَمِيل وَسمي ذاتيا لملاحظة الذَّات فِيهِ من غير اعْتِبَار
الجزء 1 · صفحة 81
خُصُوصِيَّة صفة من الصِّفَات أَو لدلَالَة اسْم الذَّات عَلَيْهِ أَو لِأَنَّهُ لما لم يكن مُسْتَندا إِلَى صفة من الصِّفَات الْمَخْصُوصَة كَانَ مُسْتَندا إِلَى الذَّات وَأَن الِاسْتِحْقَاق الوصفي مَا لَا يُلَاحظ مَعَ الذَّات صفة من صِفَاته كَمَا يُقَال الْحَمد للخالق فَافْهَم واحفظ فَإِنَّهُ ينفعك فِي المطول.
الاستفتاح: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وتبارك اسْمك وَتَعَالَى جدك وَلَا إِلَه غَيْرك (كفتن) وَإِنَّمَا سمي هَذَا الدُّعَاء بِهِ لِأَنَّهُ تستفتح بِهِ الْأَذْكَار.
الْإِسْنَاد: (تكيه دادن جيزى رابجيزى ونسبت جيزى بسوي جيزي) . وَفِي الْعرف ضم أَمر إِلَى آخر بِحَيْثُ يُفِيد فَائِدَة تَامَّة. وَقد يُطلق بِمَعْنى النِّسْبَة مُطلقًا وَلما كَانَ بحث النُّحَاة فِي الْأَلْفَاظ فسروه بِأَنَّهُ نِسْبَة إِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى بِحَيْثُ تفِيد الْمُخَاطب فَائِدَة تَامَّة يَصح السُّكُوت عَلَيْهَا بِأَن لَا يحْتَاج السَّامع إِلَى الْمَحْكُوم عَلَيْهِ أَو الْمَحْكُوم بِهِ. والإسناد فِي أصُول الحَدِيث أَن يَقُول الْمُحدث عِنْد رِوَايَة الحَدِيث حَدثنَا فلَان عَن فلَان عَن فلَان عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. ثمَّ الْإِسْنَاد عِنْد أَرْبَاب الْمعَانِي على نَوْعَيْنِ الْحَقِيقَة الْعَقْلِيَّة وَالْمجَاز الْعقلِيّ وجعلهما صَاحب التَّلْخِيص صفتين للإسناد وَعبد القاهر والسكاكي صَاحب الْمِفْتَاح جَعلهمَا صفتين للْكَلَام وَالْأولَى مَا ذهب إِلَيْهِ الْخَطِيب الدِّمَشْقِي صَاحب التَّلْخِيص حَيْثُ قَالَ فِي الْإِيضَاح وَإِنَّمَا اخترناه لِأَن نِسْبَة الشَّيْء الَّذِي يُسمى حَقِيقَة أَو مجَازًا إِلَى الْعقل على هَذَا التَّفْسِير بِلَا وَاسِطَة وعَلى قَوْلهمَا لاشْتِمَاله على مَا ينْسب إِلَى الْعقل أَعنِي الْإِسْنَاد. وَقَالَ الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ فِي المطول يَعْنِي أَن تَسْمِيَة الْإِسْنَاد حَقِيقَة عقلية إِنَّمَا هِيَ بِاعْتِبَار أَنه ثَابت فِي مَحَله ومجازا بِاعْتِبَار أَنه متجاوز عَنهُ وَالْحَاكِم بذلك هُوَ الْعقل دون الْوَضع لِأَن إِسْنَاد كلمة إِلَى كلمة شَيْء يحصل بِقصد الْمُتَكَلّم دون وَاضع اللُّغَة فَإِن ضرب مثلا لَا يَصح خَبرا عَن زيد بواضع اللُّغَة بل بِمن قصد إِثْبَات الضَّرْب فعلا لَهُ وَإِنَّمَا الَّذِي يعود إِلَى الْوَاضِع أَنه لإِثْبَات الضَّرْب دون الْخُرُوج وَإنَّهُ لإثباته فِي الزَّمَان الْمَاضِي دون الْمُسْتَقْبل. فالإسناد ينْسب إِلَى الْعقل بِلَا وَاسِطَة وَالْكَلَام ينْسب إِلَيْهِ بِاعْتِبَار أَن إِسْنَاده مَنْسُوب إِلَيْهِ انْتهى. فالإسناد مَنْسُوب إِلَى الْعقل بِلَا وَاسِطَة وَالْكَلَام ينْسب إِلَيْهِ بِاعْتِبَار أَن إِسْنَاده مَنْسُوب إِلَيْهِ وتعريف الْحَقِيقَة الْعَقْلِيَّة وَالْمجَاز الْعقلِيّ فِي مَحلهمَا.
الاستلزام: طلب لُزُوم الشَّيْء أَي كَون الشَّيْء طَالبا لِأَن يكون شَيْء آخر لَازِما لَهُ وشبهة الاستلزام فِي شُبْهَة الاستلزام. فَانْظُر هُنَاكَ فَإِنَّهَا أدق المرام.
الجزء 1 · صفحة 82
بَاب الْألف مَعَ الشين الْمُعْجَمَة
الْأَشْيَاء: جمع شَيْء أَو اسْم جمع وتفصيل هَذَا الْمُجْمل أَن فِي أَشْيَاء مذهبين الْأَصَح أَنه منصرف جمع شَيْء على وزن أَفعَال وَذهب سِيبَوَيْهٍ إِلَى أَنه غير منصرف فَلَزِمَهُ منع الصّرْف بِغَيْر عِلّة فاضطر إِلَى إِحْدَاث الْعلَّة فَقَالَ إِنَّه على وزن فعلاء يَعْنِي كَانَ فِي الأَصْل شَيْئا، على وزن حَمْرَاء فجيء لَام الْكَلِمَة أَعنِي الْهمزَة الأولى فِي أَولهَا فَصَارَ أَشْيَاء. فأشياء على هَذَا التَّقْدِير اسْم مؤنث فِي آخِره ألف ممدودة قَائِمَة مقَام علتين لَا جمع بل اسْم جمع فَافْهَم واحفظ.
الإشراط: جمع شَرط بِمَعْنى سَاعَة الْقِيَامَة وَالشّرط الَّذِي بِمَعْنى مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الشَّيْء وَلم يكن ركنا وجزءا مِنْهُ جمعه الشُّرُوط.
اشراط السَّاعَة: أَي عَلَامَات الْقِيَامَة عَن حُذَيْفَة بن أسيد الْغِفَارِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ أطلع النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - علينا وَنحن نتذاكر فَقَالَ مَا تذكرُونَ قَالُوا نذْكر السَّاعَة قَالَ إِنَّهَا لن تقوم حَتَّى تروا قبلهَا عشر آيَات فَذكر الدُّخان والدجال وَالدَّابَّة وطلوع الشَّمْس من مغْرِبهَا ونزول عِيسَى ابْن مَرْيَم وياجوج وماجوج وَثَلَاثَة خُسُوف خسف بالمشرق وَخسف بالمغرب وَخسف بِجَزِيرَة الْعَرَب وَآخر ذَلِك نَار تخرج من الْيمن تطرد النَّاس إِلَى مَحْشَرهمْ. وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا تقوم السَّاعَة إِلَّا على أشرار الْخلق. وَفِي حَدِيث آخر لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى لَا يُقَال فِي الأَرْض الله الله. وَلها عَلَامَات أخر مَذْكُورَة فِي المطولات والمحشر أَرض الشَّام إِذْ صَحَّ فِي الحَدِيث أَن الْحَشْر يكون فِي الشَّام.
الإشراقيون: جمع الإشراقي. اعْلَم أَن للْإنْسَان قُوَّة نظرية كمالها معرفَة الْحَقَائِق كَمَا هِيَ وَقُوَّة عملية كَمَا لَهَا الْقيام بالأمور على مَا يَنْبَغِي واتفقت الْملَّة والفلسفة بتكميل النُّفُوس البشرية فِي القوتين لتحصل سَعَادَة الدَّاريْنِ لَكِن الْعقل يتبع فِي الْملَّة هداه وَفِي الفلسفة هَوَاهُ وَبِالْجُمْلَةِ الْغَرَض مِنْهَا معرفَة المبدأ والمعاد. وَالطَّرِيق إِلَى هَذِه الْمعرفَة من وَجْهَيْن. أَحدهمَا طَريقَة أهل النّظر وَالِاسْتِدْلَال وَثَانِيهمَا طَريقَة أهل الرياضة والمجاهدات. والسالكون للطريقة الأولى أَن اتبعُوا مِلَّة فهم المتكلمون وَإِلَّا فهم الْحُكَمَاء المشائيون كأرسطو وَأَتْبَاعه والشيخين أبي عَليّ وَأبي نصر. والسالكون للطريقة الثَّانِيَة إِن وافقوا الشَّرِيعَة فهم الصُّوفِيَّة المتشرعون وَإِلَّا فهم الْحُكَمَاء الإشراقيون كأفلاطون وَالشَّيْخ شهَاب الدّين الْمَقْتُول. وللإشراقيين معنى آخر سَنذكرُهُ فِي الرواقيين إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الأشاعرة: الْفرق بَين الأشاعرة والأشعرية أَن الأشعرية فِي مُقَابلَة الماتريدية وهم الَّذين تبعوا أَبَا الْحسن الْأَشْعَرِيّ. والأشاعرة فِي مُقَابلَة الْمُعْتَزلَة شَامِلَة للماتريدية والأشعرية. والأشاعرة إِذا وَقعت فِي مُقَابلَة الْحُكَمَاء فَالْمُرَاد بهَا جَمِيع الْمُتَكَلِّمين.
الجزء 1 · صفحة 83
الِاشْتِرَاك: لَفْظِي ومعنوي. أما الِاشْتِرَاك اللَّفْظِيّ فَهُوَ أَن يكون اللَّفْظ مَوْضُوعا لمعنيين أَو لمعان بأوضاع مُتعَدِّدَة كَلَفْظِ الْعين للباصرة وَالْجَارِيَة وَالذَّهَب وَغير ذَلِك. والاشتراك الْمَعْنَوِيّ أَن يكون اللَّفْظ مَوْضُوعا لِمَعْنى كلي كالإنسان للحيوان النَّاطِق.
الإشمام: جَائِز فِي قيل وَبيع. قَالَ نجم الْأَئِمَّة فَاضل الْأمة الرضي الاسترآبادي رَحمَه الله حَقِيقَة هَذَا الإشمام أَن تنحو بكسرة فَاء الْفِعْل نَحْو الضمة فتميل الْيَاء الساكنة بعْدهَا نَحْو الْوَاو قَلِيلا إِذْ هِيَ تَابِعَة لحركة مَا قبلهَا هَذَا هُوَ مُرَاد النُّحَاة والقراء بالإشمام فِي هَذِه الْمَوَاضِع. وَقَالَ بَعضهم الإشمام هَا هُنَا كالإشمام حَالَة الْموقف أَعنِي ضم الشفتين فَقَط مَعَ كسر الْفَاء خَالِصا وَهَذَا خلاف الْمَشْهُور عِنْد الْقُرَّاء والنحاة. وَقَالَ بَعضهم هُوَ أَن تَأتي بضمة خَالِصَة بعْدهَا يَاء سَاكِنة وَهَذَا أَيْضا غير مَشْهُور عِنْدهم. وَالْغَرَض من الإشمام الإيذان بِأَن الأَصْل الضَّم فِي أَوَائِل هَذِه الْحُرُوف وَهَكَذَا فِي الْفَوَائِد الضيائية. وَإِن أردْت حَقِيقَة الإشمام الوقفي فاستمع لما أذكرهُ أَن الإشمام الوقفي إِنَّمَا يكون فِي المضموم وَهُوَ أَن تضم شفتيك بعد الإسكان وَتَدَع بَينهمَا بعض الانفراج ليخرج مِنْهُ النَّفس فَيَرَاهُمَا الْمُخَاطب مضمومتين فَيعلم أَنَّك أردْت بضمهما الْحَرَكَة فَهُوَ شَيْء يخْتَص بِإِدْرَاك الْعين دون الْأذن لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَوْت وَإِنَّمَا هُوَ تَحْرِيك عُضْو فَلَا يُدْرِكهُ الْأَعْمَى. وَالروم يُدْرِكهُ الْأَعْمَى والبصير لِأَن فِيهِ مَعَ حَرَكَة الشّفة صَوتا يكَاد الْحَرْف يكون بِهِ متحركا واشتقاقه من الشم كَأَنَّك أشممت الْحَرْف رَائِحَة الْحَرَكَة بِأَن هيأت الْعُضْو للنطق بهَا. وَالْغَرَض مِنْهُ الْفرق بَين مَا هُوَ متحرك فِي الْوَصْل واسكن للْوَقْف. وَبَين مَا هُوَ سَاكن فِي كل حَال وَهُوَ مُخْتَصّ بالمضموم لِأَنَّك لَو ضممت الشفتين فِي غَيره أوهمت خِلَافه فرفضوه لِئَلَّا يُؤَدِّي إِلَى نقيض مَا وضع لَهُ.
الِاشْتِقَاق: عِنْد عُلَمَاء التصريف اقتطاع فرع من أصل يَدُور فِي تصاريفه مَعَ تَرْتِيب الْحُرُوف وَزِيَادَة الْمَعْنى وَهَذَا تَعْرِيف للاشتقاق الصَّغِير.
وَأما تَعْرِيفه: الشَّامِل لجَمِيع أَنْوَاعه فَهُوَ أَن تَجِد بَين اللَّفْظَيْنِ تنَاسبا فِي أحد المدلولات الثَّلَاثَة. واشتراكا فِي جَمِيع الْحُرُوف الْأَصْلِيَّة مُرَتبا أَو غير مُرَتّب أَو اشتراكا فِي أَكثر الْحُرُوف الْأَصْلِيَّة مَعَ تقَارب مَا بَقِي فِي الْمخْرج كنعق من نهق. وَالْمرَاد بِأَن تَجِد أَن تعلم فَهَذَا تَعْرِيف الْعلم بالاشتقاق لَا نَفسه وَكلمَة أَو للتنويع لَا للتشكيك. فَلَا يرد أَن التشكيك يُنَافِي التَّعْرِيف. فَاعْلَم أَن الِاشْتِقَاق على ثَلَاثَة أَنْوَاع صَغِير وكبير وأكبر. أما الِاشْتِقَاق الصَّغِير فكون اللَّفْظَيْنِ متناسبين فِي أحد المدلولات الثَّلَاثَة، ومشتركين فِي الْحُرُوف وَالتَّرْتِيب كضرب من الضَّرْب، وَأما الِاشْتِقَاق الْكَبِير فَهُوَ أَن تكون بَينهمَا مُنَاسبَة ومشاركة فِي الْحُرُوف دون التَّرْتِيب كجبذ من جذب، وَأما الِاشْتِقَاق الْأَكْبَر فَهُوَ أَن يكون بَينهمَا مُنَاسبَة ومشاركة فِي أَكثر الْحُرُوف مَعَ تقَارب مَا بَقِي فِي الْمخْرج كنعق من نهق.
وَاعْلَم أَن لمعْرِفَة زِيَادَة الْحُرُوف ثَلَاثَة طرق. الأول الِاشْتِقَاق وَالْمرَاد بِمَعْرِِفَة زِيَادَة
الجزء 1 · صفحة 84
الْحُرُوف أَنه إِذا أوردت الْكَلِمَة وفيهَا بعض حُرُوف الزِّيَادَة الْعشْرَة أَعنِي حُرُوف (الْيَوْم تنسيها) وَرَأَيْت ذَلِك الْحَرْف قد سقط فِي بعض تصاريف الْكَلِمَة الَّذِي يُوَافِقهَا فِي الْمَعْنى والتركيب حكمت بِزِيَادَة ذَلِك الْحَرْف وَالثَّانِي عدم النظير وَمَعْنَاهُ أَنَّك لَو حكمت بأصالة الْحَرْف أَو زيادتها لزم بِنَاء لم يُوجد فِي كَلَامهم كنون قرنفل فَإنَّك تحكم بزيادتها إِذْ لَيْسَ فِي الْكَلَام فعلل مثل سفرجل بِضَم الْجِيم وَالثَّالِث كَثْرَة زِيَادَة ذَلِك الْحَرْف فِي ذَلِك الْموضع كالهمزة إِذا وَقعت أَولا وَبعدهَا ثَلَاثَة أصُول نَحْو احمر. وَإِذا تعَارض بَعْضهَا مَعَ بعض يحكم بالترجيح. وتفصيل هَذَا الْمُجْمل أَن الِاشْتِقَاق مُحَقّق وَشبه اشتقاق لِأَن الدّلَالَة إِن كَانَت على الْمَعْنى الْمُشْتَرك ظَاهِرَة كضارب من الضَّرْب فالاشتقاق حِينَئِذٍ مُحَقّق وَإِن لم تكن الدّلَالَة كَذَلِك فَحِينَئِذٍ شبه الِاشْتِقَاق ثمَّ الِاشْتِقَاق الْمُحَقق إِن لم يُعَارضهُ اشتقاق آخر تعين الْعَمَل بِهِ. إِذْ الحكم بِهِ قَطْعِيّ. وَإِن عَارضه اشتقاق آخر فَإِن تَسَاويا يجوز فِيهِ الْأَخْذ بِأَيّ شِئْت وَإِن ترجح أَحدهمَا فَالْحكم بالراجح وتفصيل الْأَمْثِلَة فِي المطولات.
الْأَشْرِبَة: جمع الشَّرَاب وَهُوَ كل مَائِع رَقِيق يشرب وَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ المضغ حَرَامًا كَانَ أَو حَلَالا.
الْإِشَارَة: فِي اصْطِلَاح أصُول الْفِقْه هُوَ الثَّابِت بِنَفس الصِّيغَة من غير أَن يساق لَهُ الْكَلَام وَهَذَا هُوَ إِشَارَة النَّص مثل قَوْله تَعَالَى {للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين} الْآيَة. سيق الْكَلَام لبَيَان إِيجَاب سهم من الْغَنِيمَة لَهُم. وَفِيه إِشَارَة إِلَى زَوَال أملاكهم إِلَى الْكفَّار لِأَنَّهُ تَعَالَى سماهم فُقَرَاء، وَالْفَقِير اسْم لعديم المَال لَا للبعيد عَن الْملك لِأَن الْفقر ضد الْغناء. والغني من يملك المَال حَقِيقَة لَا من قربت يَده من المَال حَتَّى لَا يكون الْمكَاتب غَنِيا وَإِن كَانَت فِي يَده أَمْوَال. وَابْن السَّبِيل غَنِي وَإِن بَعدت يَده من المَال لقِيَام ملكه وَلِهَذَا تجب عَلَيْهِ الزَّكَاة. وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره أَن إِشَارَة النَّص هُوَ الْعَمَل بِمَا ثَبت بنظم الْكَلَام لُغَة لكنه غير مَقْصُود وَلَا سيق لَهُ النّظم لقَوْله تَعَالَى {وعَلى الْمَوْلُود لَهُ رزقهن وكسوتهن} . سيق الْكَلَام لإِثْبَات النَّفَقَة وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن النّسَب إِلَى الْآبَاء وَالْإِشَارَة بالسبابة عِنْد الشَّهَادَة فِي التَّحِيَّات سنة وَعَلِيهِ الْفَتْوَى. وَفِي فتح الْقَدِير عَن مُحَمَّد فِي كَيْفيَّة الْإِشَارَة يقبض خِنْصره وَالَّتِي تَلِيهَا ويحلق الْوُسْطَى والإبهام وَيُقِيم المسبحة. وَمَا فِي الكيداني من أَن الْإِشَارَة الْمَذْكُورَة مَكْرُوهَة مَرْدُود. وَقَالَ شمس الْأَئِمَّة الحلوائي رَحمَه الله يُقيم الْأصْبع عِنْد (لَا إِلَه) ويضعها عِنْد (إِلَّا الله) ليَكُون الرّفْع للنَّفْي والوضع للإثبات. وَقَالَ الْعَارِف بِاللَّه الصَّمد بَابا فتح مُحَمَّد البرهانبوري فِي مِفْتَاح الصَّلَاة (بعضى دوستان ازين فَقير استفسار كردند كه در التَّحِيَّات وَحده لَا شريك لَهُ نيست وَجه جه باشد كفته شدد وَوجه احْتِمَال دارد (يكى) آنكه باشاره انكشت جنانجه در حَدِيث صَحِيح است كه بر شَيْطَان از تبر آهنى سخت است كفايت نموده باشند
الجزء 1 · صفحة 85
(دوم) آنكه جون در مِعْرَاج از فرشتكان ايْنَ كَلمه وَارِد شدّ وانجا مَحل شرك بنودتا دفع كرده شود) (ف (14)) .
الْإِشَارَة الحسية: عِنْد أَرْبَاب الْمَعْقُول قد تكون امتدادا خطيا موهوما آخِذا من المشير منتهيا إِلَى نقطة من الْمشَار إِلَيْهِ وَقد تكون امتدادا سطحيا ينطبق الْخط الَّذِي هُوَ طرفه على الْخط الْمشَار إِلَيْهِ أَو على خطّ من الْمشَار إِلَيْهِ وَقد تكون امتدادا جسميا ينطبق السَّطْح الَّذِي هُوَ طرفه على السَّطْح الْمشَار إِلَيْهِ أَو ينفذ فِي أقطار الْمشَار إِلَيْهِ بِحَيْثُ ينطبق كل قِطْعَة مِنْهُ على كل قِطْعَة من الْجِسْم الْمشَار إِلَيْهِ انطباقا وهميا. هَذَا إِذا كَانَ الْجِسْم الْمشَار إِلَيْهِ شفافا. فَإِن قيل يفهم من هَذَا الْبَيَان أَن الْإِشَارَة الحسية غير منحصرة فِي الامتداد الخطي - وَيفهم من قَوْلهم الْإِشَارَة الحسية هُوَ الامتداد الخطي الموهوم الْآخِذ من المشير الْمُنْتَهى إِلَى الْمشَار إِلَيْهِ حصرها فِي الامتداد الخطي الْمَذْكُور فَكيف التَّوْفِيق. قُلْنَا الْحصْر الْمَذْكُور بِاعْتِبَار الْأَغْلَب فَإنَّك إِذا لاحظت حالك فِي الْإِشَارَة إِلَى المحسوسات ظهر لَك أَن الْأَغْلَب فِي الْإِشَارَة إِلَيْهَا هُوَ الامتداد الْمَذْكُور. فَإِن قيل تَعْرِيف الْإِشَارَة الحسية بالامتداد الْمَذْكُور لَيْسَ بِصَحِيح لِأَن الْإِشَارَة صفة المشير والامتداد صفة الْخط فَلَا يَصح تَعْرِيفهَا بِهِ إِذْ لَا يُمكن حمل أَحدهمَا على الآخر. قُلْنَا إِن الْمُعَرّف هُوَ الْمَجْمُوع أَعنِي امتداد خطي آخذ من المشير إِلَى آخِره لَا مُجَرّد الامتداد والمشير كَمَا يَتَّصِف بِالْإِشَارَةِ كَذَلِك يَتَّصِف بالامتداد الخطي الْآخِذ من المشير إِلَى آخِره إِلَّا أَنه لتركبه لَا يُمكن اشتقاق اسْم الْفَاعِل مِنْهُ بِخِلَاف الْإِشَارَة. فَإِن قيل إِن المشير والمشار إِلَيْهِ مأخوذان فِي تَعْرِيف الْإِشَارَة فَيلْزم تَعْرِيف الشَّيْء بِنَفسِهِ. قُلْنَا الْمُعَرّف اصطلاحي وَمَا فِي الْمُعَرّف لغَوِيّ أَو المُرَاد من المشير المحس وَمن الْمشَار إِلَيْهِ المحسوس من قبيل ذكر الْخَاص وَإِرَادَة الْعَام. وَأَيْضًا كَون الْإِشَارَة نِسْبَة وَكَون أحد المنتسبين مُشِيرا وَالْآخر مشارا إِلَيْهِ مَعْلُوم بالبداهة فالغرض من التَّعْرِيف تَحْقِيق حَقِيقَة تِلْكَ النِّسْبَة فَلَا بَأْس بِذكر المنتسبين فِي تَعْرِيفهَا.
إِشَارَة النَّص: أَي ثَابت بهَا مَا ثَبت بنظم الْكَلَام وَهُوَ مثل الثَّابِت بِعِبَارَة النَّص إِلَّا أَنه مَا سيق لَهُ الْكَلَام كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين} الْآيَة سيق الْكَلَام لبَيَان إِيجَاب سهم من الْغَنِيمَة لَهُم وَفِيه إِشَارَة إِلَى زَوَال أملاكهم إِلَى الْكفَّار وَقد أَشَرنَا إِلَى توضيحها وتفصيلها الْآن فِي الْإِشَارَة.
اشْتِرَاك الْمَاهِيّة بَين كثيرين: مَعْنَاهُ فِي الْكُلِّي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الجزء 1 · صفحة 86
الْإِشْعَار: الْإِعْلَام وإشعار الْبَدنَة إعلامها بِشَيْء أَنَّهَا هدي من الشعار وَهُوَ الْعَلامَة وَطَرِيقَة الطعْن فِي سَنَام الْهَدْي من جَانبهَا الْأَيْمن وَهُوَ مَكْرُوه عِنْد أبي حنيفَة رَضِي الله عَنهُ خلافًا لَهما.
اشد الضَّرْب: التَّعْزِير فِي التَّعْزِير إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الْأَشْهر: الْفرق بَين الأوضح وَالْأَشْهر فِي الْإِعْلَام أَن الأول يكون علما مُشْتَركا قَلِيل الِاشْتِرَاك من علم آخر. وَالثَّانِي علم يكون مُسَمَّاهُ مَشْهُورا بِهِ سَوَاء كَانَ مُخْتَصًّا بِهِ أَو مُشْتَركا بَين كثيرين كَمَا يفهم من حَوَاشِي السَّيِّد السَّنَد قدس سره على المطول فِي مَبْحَث عطف بَيَان الْمسند إِلَيْهِ.
بَاب الْألف مَعَ الصَّاد الْمُهْملَة
الأصر: بِالْكَسْرِ الثّقل وَالْحَبْس. فِي التَّحْقِيق شرح الحسامي الأصر الْأَعْمَال الشاقة وَالْأَحْكَام الْمُغَلَّظَة كَقَتل النَّفس فِي التَّوْبَة وَقطع الْأَعْضَاء الْخَاطِئَة والأغلال المواثيق اللَّازِمَة لُزُوم الغل كَذَا فِي عين الْمعَانِي. وَفِي الْكَشَّاف الأصر الثّقل الَّذِي يأصر صَاحبه أَي يحْبسهُ فِي الحراك لثقله وَهُوَ مثل لثقل تكليفهم وصعوبته نَحْو اشْتِرَاط قتل النَّفس فِي صِحَة تَوْبَته. وَكَذَا الأغلال مثل لما كَانَ فِي شرائعهم من الْأَشْيَاء الشاقة نَحْو بت الْقَضَاء بِالْقصاصِ عمدا كَانَ أَو خطأ من غير شرع الدِّيَة - وَقطع الْأَعْضَاء الْخَاطِئَة - وقرض مَوضِع النَّجَاسَة من الْجلد وَالثَّوَاب - وإحراق الْغَنَائِم - وَتَحْرِيم الْعُرُوق فِي اللَّحْم - وَتَحْرِيم السبت.
وَرُوِيَ: أَن الأصر كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل فِي عشرَة أَشْيَاء كَانَت الطَّيِّبَات تحرم عَلَيْهِم بِالذنُوبِ - وَكَانَ الْوَاجِب عَلَيْهِم خمسين صَلَاة فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة - وزكاتهم كَانَت ربع المَال - وَلَا يطهرهم من الْجَنَابَة وَالْحَدَث غير المَاء - وَلم تكن صلَاتهم جَائِزَة فِي غير الْمَسْجِد - وَيحرم عَلَيْهِم الْأكل بعد النّوم فِي الصَّوْم - وَحرم عَلَيْهِم المجامعة بعد صَلَاة الْعشَاء وَالنَّوْم كَالْأَكْلِ - وَكَانَت عَلامَة قبُول قُرْبَانهمْ إحراق نَار تتنزل من السَّمَاء - وحسناتهم كَانَت بِوَاحِدَة - وَمن أذْنب مِنْهُم ذَنبا بِاللَّيْلِ كَانَ يصبح وَهُوَ مَكْتُوب على بَاب دَاره. فَرفعت عَن هَذِه الْأمة تكريما للنَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَلِهَذَا يُقَال إِن هَذِه الْأمة مَرْحُومَة والحراك الْحَرَكَة وَبت الْقَضَاء بِالْقصاصِ أَي الحكم بِالْقصاصِ جزما بِلَا تردد وَتَحْرِيم الْعُرُوق يَعْنِي كَانَ عَلَيْهِم أكل اللَّحْم حَرَامًا مَا لم يخرجُوا الْعُرُوق مِنْهُ وَتَحْرِيم السبت يَعْنِي (شكار كردن مَا هِيَ روز شنبه) .
أَصْحَاب الصّفة: هم الْجَمَاعَة من الصَّحَابَة الَّذين كَانُوا ملازمين للنَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي مَسْجده لِلْعِبَادَةِ مَعَه ومعرضين عَن الدُّنْيَا والأكساب وَقَالَ الله تَعَالَى