الشقائق النعمانيه في علماء الدوله العثمانيهأحمد بن مصطفى بن خليل، أبو الخير، عصام الدين طاشْكُبْري زَادَهْ
صفحة 5
الجزء 1 · صفحة 5
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله الَّذِي رفع بفضله طَبَقَات الْعلمَاء وَجعل اصولهم ثَابِتَة وفروعهم فِي السَّمَاء وزين سَمَاء الشَّرِيعَة والاسلام بأنوار افكار الْفُضَلَاء وَأحكم مباني الاحكام بقواعد وَضعهَا بِاجْتِهَاد الْفُقَهَاء وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على نبيه سيد الرُّسُل وَخَاتم الانبياء من بَعثه الله تَعَالَى على فَتْرَة من الرُّسُل ليقيم بِهِ الْملَّة العوجاء وَهُوَ صَاحب الْملَّة الحنيفية السمحة اليضاء وَصَاحب ذيل الْعِزّ والشرف على الْقبَّة الخضراء وعَلى آله وَأَصْحَابه الَّذين هم نُجُوم الاهتداء وعَلى من تَبِعَهُمْ من الْمُسلمين الى يَوْم الْبَعْث وَالْجَزَاء وَبعد فَإِنِّي مُنْذُ مَا عرفت الْيَمين من الشمَال والمستقيم من الْمحَال كنت مشغوفا بتتبع مَنَاقِب الْعلمَاء وأخبارهم ومتهالكا على حفظ مآثرهم وآثارهم حَتَّى اجْتمع من ذَلِك شَيْء كثير فِي الخاطر الفاتر بِحَيْثُ يمتلئ بِهِ بطُون الْكتب والدفاتر وَلَقَد دون المؤرخون مَنَاقِب الْعلمَاء والاعيان مِمَّا ثَبت بِالنَّقْلِ اَوْ اثبته العيان وَلم يلْتَفت اُحْدُ الى جمع اخبار عُلَمَاء هَذِه الْبِلَاد وَكَاد لَا يبْقى اسمهم ورسمهم على السن كل حَاضر وباد وَلما شَاهد هَذِه الْحَال بعض من أَرْبَاب الْفضل والكمال التمس مني ان اجْمَعْ مَنَاقِب عُلَمَاء الرّوم فأجبت الى ملتمسه مستعينا بِالْملكِ الْحَيّ القيوم وأردفت ذكر عُلَمَاء الشَّرِيعَة بِبَيَان احوال مَشَايِخ الطَّرِيقَة زَاد الله أنوارهم وَقدس اسرارهم وَلَقَد ذكرت فِي هَذَا الْكتاب من بلغ مِنْهُم الى المناصب الجليلة وان كَانُوا متفاوتين فِي الْعلم والفضيلة وَمن لم يبلغ الى تِلْكَ
الجزء 1 · صفحة 6
المناصب مَعَ مَالهم من الِاسْتِحْقَاق لتِلْك الْمَرَاتِب وَمَعَ ذَلِك فَلَعَلَّ مَا تركت اكثر مِمَّا ذكرت وَلما لم اطلع على تَارِيخ وفيات هَؤُلَاءِ الاعيان وضعت الرسَالَة على تَرْتِيب سلاطين آل عُثْمَان وَلِهَذَا سميت الرسَالَة ب
الشقائق النعمانية فِي عُلَمَاء الدولة العثمانية
وَقد وَقع هَذَا الْجمع والتأليف فِي ظلّ دولة من خصّه الله تَعَالَى بالألطاف السبحانية من سلاطين الدولة الْقَاهِرَة العثمانية الَّذِي تضعضع بسطوته مباني الاكاسرة وتطأطأ دون سرادقات عَظمته سوامد القياصرة وفوضت اليه السَّعَادَة مقاليدها وأنجزت بِهِ الايام للانام مواعيدها خُلَاصَة أَرْبَاب الْخلَافَة فِي الْعَالمين شرف الاسلام ملاذ الْمُسلمين اخص الخواقين الْعِظَام وقطب السلاطين الْكِرَام مُطَاع الْمُلُوك والسلاطين مُطِيع احكام الشَّرِيعَة وَالدّين السُّلْطَان ابْن السُّلْطَان والخاقان ابْن الخاقان ابو الْفَتْح والنصر السُّلْطَان سُلَيْمَان خَان ابْن السُّلْطَان سليم خَان ادام الله أَيَّام سلطنته الزهراء الى آخر الزَّمَان وخلد اعوام دولته الغراء الى انْقِرَاض الدوران وَلَا زَالَت دولته الابدية محفوفة بالعواطف الرحمانية وَمَا بَرحت غرته السرمدية مقرونة باللطائف الربانية وَهَا أَنا اشرع فِي الْمَقْصُود متوكلا على الصَّمد المعبود وَمَا توفيقي الا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت واليه انيب وَهُوَ السَّمِيع الْقَرِيب
الطَّبَقَة الاولى
فِي عُلَمَاء دولة السُّلْطَان عُثْمَان الْغَازِي روح الله تَعَالَى روحه الْعَزِيز بُويِعَ لَهُ بالسلطنة فِي سنة تسع وَتِسْعين وسِتمِائَة وَمن الْعلمَاء فِي زَمَانه الْمولى اده بالي ولد بالبلاد القرامانية وَقَرَأَ هُنَاكَ بَعْضًا من الْعُلُوم ثمَّ ارتحل الى الْبِلَاد الشامية وتفقه بهَا على مَشَايِخ الشَّام وَقَرَأَ التَّفْسِير والْحَدِيث والاصول عَلَيْهِم ثمَّ ارتحل الى بِلَاده واتصل بِخِدْمَة السُّلْطَان عُثْمَان الْغَازِي ونال عِنْده الْقبُول التَّام وَكَانُوا يرجعُونَ اليه بالمسائل الشَّرْعِيَّة ويتشاورون مَعَه فِي أُمُور السلطنة وَكَانَ عَالما عَاملا عابدا زاهدا يرْوى انه كَانَ مَقْبُول الدعْوَة وَكَانُوا يتبركون بأنفاسه الشَّرِيفَة وَكَانَ رَحمَه الله ذَا ثروة عَظِيمَة الا انه سلك مَسْلَك الصُّوفِيَّة وَبنى فِي الدولة
الجزء 1 · صفحة 7
العثمانية زَاوِيَة ينزل فِيهَا المسافرون وَرُبمَا يبيت فِيهَا السُّلْطَان عُثْمَان الْغَازِي وَبَات لَيْلَة فِيهَا فَرَأى فِي الْمَنَام قمرا خرج من حضن الشَّيْخ اده بالي وَدخل فِي حضنه وَعند ذَلِك نَبتَت من سرته شَجَرَة عَظِيمَة سدت أَغْصَانهَا الافاق وتحتها جبال عَظِيمَة تتفجر مِنْهَا الانهار وَالنَّاس يَنْتَفِعُونَ بِتِلْكَ الانهار لأَنْفُسِهِمْ ودوابهم وبساتينهم فَقص هَذِه الرُّؤْيَا على الشَّيْخ فَقَالَ لَك الْبُشْرَى بهَا نلْت مرتبَة السلطنة وَينْتَفع بك وبأولادك الْمُسلمُونَ وَإِنِّي زوجت لَك بِنْتي هَذِه فولد لعُثْمَان الْغَازِي مِنْهَا اولاد وَكَانَ الشَّيْخ بلغ من السن مائَة وَعشْرين سنة وَمَات فِي سنة سِتّ وَعشْرين وَسَبْعمائة وَمَاتَتْ بعد شهر ابْنَته ويه زَوْجَة السُّلْطَان عُثْمَان الْغَازِي وَأم السُّلْطَان اورخان وَبعد مُضِيّ ثَلَاثَة اشهر من وفاتها مَاتَ السُّلْطَان عُثْمَان الْغَازِي روح الله أَرْوَاحهم
وَمِنْهُم الْمولى خطاب بن ابي الْقَاسِم القره حصاري رَحمَه الله
قَرَأَ ببلاده على عُلَمَاء عصره ثمَّ ارتحل الى الْبِلَاد الشامية وقرا على علمائها وَأخذ مِنْهُم الْفِقْه والْحَدِيث وَالتَّفْسِير ثمَّ عَاد الى بِلَاده وَتُوفِّي بهَا رَحمَه الله وَله شرح نَافِع على منظومة الشَّيْخ الْعَالم عمر النَّسَفِيّ فِي الخلافيات فرغ من تصنيفه فِي صفر سنة سبع عشرَة وَسَبْعمائة
وَمِنْهُم الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه مخلص بَابا
توطن فِي بِلَاد قرامان وَحضر مَعَ السُّلْطَان عُثْمَان الْغَازِي فِي فتوحاته وَكَانَ رَحمَه الله مجاب الدعْوَة سالكا واصلا الى الله تَعَالَى وَكَانَ صَاحب كرامات علية ومقامات سنية قدس الله تَعَالَى سره الْعَزِيز
حضر مَعَ السُّلْطَان اورخان فتح بروسا وَكَانَ يهيء للغزاة لَبَنًا ممزوجا بِالْمَاءِ ويقسمه عَلَيْهِم وَقت عطشهم ودوغ عبارَة عَن ذَلِك فِي لسانهم وَله مَوضِع مَنْسُوب اليه على جبل قريب من مَدِينَة بروسا عَلَيْهِ الرَّحْمَة والرضوان
الطَّبَقَة الثَّالِثَة
فِي عُلَمَاء دولة السُّلْطَان مُرَاد بن اورخان الْغَازِي الْمَشْهُور عِنْد النَّاس بغازي خداوند كار روح الله روحه وَنور ضريحه بُويِعَ لَهُ بالسلطنة بعد وَفَاة ابيه فِي سنة احدى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَمن الْعلمَاء فِي زَمَانه الْمولى مَحْمُود القَاضِي بِمَدِينَة بروسا ولد رَحمَه
الجزء 1 · صفحة 13
الله بِموضع يُقَال لَهُ سُلْطَان اوكي وَقَرَأَ على عُلَمَاء زَمَانه الْعُلُوم الْعَرَبيَّة والشرعية وَالتَّفْسِير والْحَدِيث وبرع فِي كل مِنْهَا ثمَّ استقضاه السُّلْطَان مُرَاد الْغَازِي بِمَدِينَة بروسا وَكَانَ قَاضِيا بهَا مُدَّة كَبِيرَة وَكَانَ رجلا عَالما صَالحا تقيا متورعا مرضِي السِّيرَة فِي قَضَائِهِ وَلِهَذَا كَانَ النَّاس يحبونه محبَّة شَدِيدَة وَكَانَ شَيخا هرما وَلِهَذَا سموهُ بقوجه افندي رُوِيَ انه لما زوج السُّلْطَان مُرَاد بنت ابْن الامير كرميان لِابْنِهِ السُّلْطَان بايزيد خَان ارسل الْمولى الْمَذْكُور مَعَ جمع كثير من الامراء الْكِرَام والخواقين الْعِظَام وَجعل الْمولى الْمَذْكُور رَئِيسا لهَؤُلَاء الْجَمَاعَة وارسله مَعَهم وَكَانَ للْمولى الْمَذْكُور ولد اسْمه مُحَمَّد وَكَانَ عَالما فَاضلا الا انه مَاتَ فِي سنّ الشَّبَاب وأعقب ولدا اسْمه مُوسَى باشا وَهُوَ حصل فِي بِلَاده بَعْضًا من الْعُلُوم وَلما سمع صيت الْعلم فِي بلادالعجم عزم ان يذهب اليها لتَحْصِيل الْعلم لكنه كتم الْعَزْم عَن اقاربه وفطنت لذَلِك اخته فَوضعت بَين كتبه شَيْئا كثيرا من حليها ليستعين فِي ديار الغربة فارتحل الى بِلَاد الْعَجم وَقَرَأَ على مَشَايِخ خُرَاسَان ثمَّ ارتحل الى مَا وَرَاء النَّهر وَقَرَأَ على علمائها ايضا وَحصل هُنَاكَ علوما كَثِيرَة وَبلغ من مَرَاتِب الْفضل اعلاها واشتهرت فضائله وَبعد صيته وَدَار على الالسنة ذكره ولقبوه بقاضي زَاده رومي واتصل بِخِدْمَة ملك سَمَرْقَنْد وَهُوَ الامير الاعظم الغ بك ابْن شاه بن الامير تيمور وَاقْبَلْ الامير الْمَذْكُور عَلَيْهِ اقبالا عَظِيما وقرا عَلَيْهِ بعض الْعُلُوم وَكَانَ الامير الْمَذْكُور محبا للعلوم الرياضية فَقَرَأَ عَلَيْهِ من الْعُلُوم الرياضية كتبا كَثِيرَة واعتنى هُوَ بالرياضة اشد اعتناء حَتَّى برع فِيهَا وفَاق على أقرانه بل على من تقدمه وَشرح اشكال التأسيس فِي الهندسة فِي سنة خمس عشرَة وَثَمَانمِائَة وَشرح كتاب الجغمني فِي الْهَيْئَة فِي سنة ارْبَعْ عشرَة وَثَمَانمِائَة وَاعْتذر فِي خطبَته عَن ترك وَطنه وإقامته بسمرقند وَقَالَ ... وَلَا عيب فيهم غير ان ضيوفهم ... تلام بنسيان الاحبة والوطن ...
قَرَأت الشرحين الْمَذْكُورين على الْمولى الْوَالِد روح الله روحه وقرأهما هُوَ على خَاله الْمولى مُحَمَّد النكساري رَحمَه الله وقرأهما هُوَ على مَوْلَانَا فتح الله الشيرواني وقرأهما هُوَ على الْمولى الشَّارِح رَحمَه الله يروي انه قَرَأَ على السَّيِّد
الجزء 1 · صفحة 14
الشريف وَلم تحصل الْمُوَافقَة بَينهمَا فَترك درسه وَقَالَ السَّيِّد الشريف فِي حَقه غلب على طبعه الرياضيات وَقَالَ هُوَ فِي حق السَّيِّد الشريف هولا يقدر على الافادة لي فِي الْعُلُوم الرياضية ثمَّ إِنَّه طالع شرح المواقف للسيدالشريف ورد كثيرا من موَاضعه لكنه لم يكْتب بل أَشَارَ فِي حَاشِيَة الْكتاب الى تِلْكَ الْمَوَاضِع بِحَلقَة رسمها بالقلم وَالْعُلَمَاء فِي بِلَاد الْعَجم يمْتَحنُونَ الطلاب بِالْوُقُوفِ على مَا قَصده من الرَّد ويحكى انه كَانَ فِي بَلْدَة سَمَرْقَنْد مدرسة مربعة لَهَا حجرات كَثِيرَة وَوَضَعُوا فِي كل ضلع مِنْهَا مَوضِع درس وعينوا لكل مَوضِع مِنْهَا مدرسا رئيسيهم الْمولى الْمَذْكُور وَكَانَ من عَادَتهم ان المدرسين مَعَ طلبتهم يَجْتَمعُونَ عِنْد الْمولى الْمَذْكُور فيقرؤن عَلَيْهِ الدَّرْس ثمَّ يذهب الْمولى الْمَذْكُور الى منزله فيدرس كل مدرس فِي مَوضِع عين لَهُ وَكَانَ يحضر الامير الغ بك فِي بعض الاحيان درس الْمولى الْمَذْكُور وَاتفقَ ان عزل الامير الْمَذْكُور وَاحِدًا من هَؤُلَاءِ المدرسين فَترك الْمولى الْمَذْكُور اياما فَظن الغ بك انه وَقعت لَهُ عارضة مزاجية فَذهب الى بَيته لعيادته فَإِذا هُوَ صَحِيح فَسَأَلَهُ عَن سَبَب تَركه الدَّرْس مُنْذُ أَيَّام فَقَالَ اني خدمت بَعْضًا من مَشَايِخ الصُّوفِيَّة فأوصاني ان لَا اتولى المناصب الدُّنْيَوِيَّة الا منصبا لَا يعْزل صَاحبه عَنهُ عَادَة فَكنت ظَنَنْت الان ان التدريس كَذَلِك فَلَمَّا علمت انه يعْزل صَاحبه عَنهُ تركته فَاعْتَذر الامير الغ بك عَن فعله وتضرع اليه فِي قبُول التدريس وَأعَاد الْمدرس الَّذِي عَزله الى مقَامه وَحلف ان لَا يعْزل بعد ذَلِك مدرسا اصلا فَقبل الْمولى الْمَذْكُور التدريس ثمَّ ان الامير الغ بك قصد رصد الْكَوَاكِب لما رأى من الخللل فِي ارصاد الْمُتَقَدِّمين فرتب مَكَان الرصد بسمرقند فتولاه اولا غياث الدّين جمشيد فَلم يلبث الا قَلِيلا حَتَّى مَاتَ ثمَّ تولاه قَاضِي زَاده الرُّومِي فتوفاه الله تَعَالَى قبل اتمامه وأكمله الْمولى عَليّ بن مُحَمَّد القوسجي وستجيء تَرْجَمته تغمدهم الله تَعَالَى بغفرانه
وَمِنْهُم الْمولى الاعظم الشَّيْخ جمال الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد الاقسرائي قدس الله سره الْعَزِيز
درس فَأفَاد وصنف فأجاد وانتفع بِهِ كثير من الْفُضَلَاء وَتخرج عِنْده جمع من الْعلمَاء كتب حَوَاشِي على الْكَشَّاف وصنف شرح الايضاح فِي الْمعَانِي وَشرح الانموذج فِي الطِّبّ رُوِيَ ان الْمولى الْمَذْكُور من نسل الامام فَخر الدّين الرَّازِيّ وَهُوَ رَابِع مرتبَة مِنْهُم لانه هُوَ الْمولى جمال الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابْن الامام فَخر الدّين مُحَمَّد الرَّازِيّ روح الله أَرْوَاحهم وَكَانَ رَحمَه الله مدرسا فِي بِلَاد قرامان بمدرسة مَشْهُورَة بمدرسة السلسلة وَقد شَرط بانيها ان لَا يدرس فِيهَا الا من حفظ الصِّحَاح للجوهري فَتعين لذَلِك الْمولى جمال الدّين الْمَذْكُور فِي زَمَانه وَكَانَ طلبته ثَلَاث طَبَقَات الادنى مِنْهُم من يستفيدون مِنْهُ فِي ركابه عِنْد ذَهَابه الى الدَّرْس وَسَمَّاهُمْ بالمشائية والاوسطين مِنْهُم من يسكنون فِي رواق الْمدرسَة وَسَمَّاهُمْ الرواقيين على عَادَة الْحُكَمَاء الاقدمين والاعلى مِنْهُم من يسكنون فِي دَاخل الْمدرسَة وَكَانَ يدرس اولا للمشائين فِي ركابه ثمَّ ينزل عَن فرسه ويدرس للساكنين فِي الرواق ثمَّ يدْخل الْمدرسَة ويدرس للساكنين فِي داخلها وَكَانَ الْمولى الفناري سَاكِنا فِي رواق الْمدرسَة لحداثة سنه فِي ذَلِك الْوَقْت رُوِيَ انه لما بلغ السَّيِّد الشريف صيت الْمولى جمال الدّين الْمَذْكُور ارتحل الى بلادالروم ليقْرَأ عَلَيْهِ فَلَمَّا قرب مِنْهُ رأى شَرحه للايضاح فَلم يُعجبهُ حَتَّى رُوِيَ انه قَالَ فِي حَقه انه كالذباب على لحم الْبَقر وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لَان الايضاح كتاب مَبْسُوط لَا يحْتَاج الى الشَّرْح الا فِي بعض الْمَوَاضِع وَالْمولى الْمَذْكُور كتب فِي شَرحه الْمَتْن بِتَمَامِهِ وَضرب عَلَيْهِ بالمداد الاحمر فَبَقيَ الشَّرْح فِيمَا بَينه كالذباب على لحم الْبَقر وَلما قَالَ السَّيِّد الشريف هَذَا الْكَلَام فِي حَقه قَالَ لَهُ بعض الطالبين ان تَقْرِيره احسن من تحريره فقصده السَّيِّد الشريف فَأتى بِلَاد قرامان فصادف دُخُوله الى الْبَلَد موت الْمولى المرحوم جمال الدّين وَلَقي السَّيِّد الشريف هُنَاكَ الْمولى الفناري وَذهب مَعَه الى مَدِينَة مصر فَقَرَأَ ثمت على الشَّيْخ أكمل الدّين روح الله أَرْوَاحهم
أَتَى من بِلَاد الْعَجم الى بِلَاد الرّوم وتوطن بِمَدِينَة بروسا وَكَانَ صَاحب جذبة وكرامات سنية وأحوال عَظِيمَة وَكَانَ مجاب الدعْوَة وَبنى لَهُ السُّلْطَان مرادخان الْغَازِي زَاوِيَة فِي قَصَبَة بكي شهر وقبره بهَا يزار ويتبرك بِهِ قدس الله تَعَالَى سره الْعَزِيز
الطَّبَقَة الرَّابِعَة
فِي عُلَمَاء دولة السُّلْطَان بايزيد خَان ابْن السُّلْطَان مُرَاد الْغَازِي الملقب بيلدرم بايزيد روح الله روحه وَغفر لَهُ بُويِعَ لَهُ بالسلطنة بعد وَفَاة ابيه فِي رَابِع شهر رَمَضَان الْمُبَارك من شهور سنة احدى وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَمن الْعلمَاء فِي زَمَانه الْمولى الْعَالم الْعَامِل ابو الْفَضَائِل والكمالات مَوْلَانَا
الجزء 1 · صفحة 17
شمس الدّين مُحَمَّد بن حَمْزَة بن مُحَمَّد الفناري قدس الله روحه الْعَزِيز
قَالَ السُّيُوطِيّ سَمِعت من شَيخنَا الْعَلامَة محيي الدّين الكافيجي ان نِسْبَة الفناري الى صَنْعَة الفنار قلت سَمِعت من وَالِدي رَحمَه الله يَحْكِي عَن جدي ان نسبته الى قَرْيَة مُسَمَّاة بفنار وَالله أعلم قَالَ السُّيُوطِيّ لَازمه شَيخنَا الْعَلامَة محيي الدّين الكافيجي وَكَانَ يُبَالغ فِي الثَّنَاء عَلَيْهِ جدا وَقَالَ ابْن حجر كَانَ الْمولى الفناري عَارِفًا بالعلوم الْعَرَبيَّة وَعلمِي الْمعَانِي وَالْبَيَان وَعلم القراآت كثير الْمُشَاركَة فِي الْفُنُون ولد رَحمَه الله فِي صفر سنة احدى وَخمسين وَسَبْعمائة وَأخذ عَن الْعَلامَة عَلَاء الدّين الاسود شَارِح الْمُغنِي والوقاية وَأخذ ببلاده عَن الْجمال مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الاقسرائي ولازم الِاشْتِغَال ورحل الى مصر لاجل الِاشْتِغَال واخذ عَن الشَّيْخ أكمل الدّين وَغَيره ثمَّ رَجَعَ الى الرّوم فولي قَضَاء بروسا وارتفع قدره عِنْد ابْن عُثْمَان جدا وَحل عِنْده الْمحل الاعلى وَصَارَ فِي معنى الْوَزير واشتهر ذكره وشاع فَضله وَكَانَ حسن السمت كثير الْفضل والافضال وَلما دخل الْقَاهِرَة يُرِيد الْحَج اجْتمع بِهِ فضلاء الْعَصْر وذاكروه وباحثوه وشهدوا لَهُ بالفضيلة ثمَّ رَجَعَ وَكَانَ قد أثرى الى الْغَايَة حَتَّى يُقَال ان عِنْده من النَّقْد خَاصَّة بِمِائَة وَخمسين الف دِينَار وَحج سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين فَلَمَّا رَجَعَ طلبه الْمُؤَيد فَدخل الْقَاهِرَة وَاجْتمعَ بفضلائها ثمَّ رَجَعَ الى الْقُدس فزار ثمَّ رَجَعَ الى بِلَاده ثمَّ حج سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ على طَرِيق انطاكية وَرجع فَمَاتَ ببلاده فِي شهر رَجَب وَكَانَ قد اصابه رمد وأشرف على الْعَمى بل يُقَال انه عمي ثمَّ رد الله تَعَالَى اليه بَصَره فحج فِي هَذِه الْحجَّة الاخيرة شكرا لله تَعَالَى على ذَلِك وَله مُصَنف فِي أصُول الْفِقْه سَمَّاهُ فُصُول الْبَدَائِع فِي أصُول الشَّرَائِع جمع فِيهِ الْمنَار والبزدوي ومحصول الامام الرَّازِيّ ومختصر ابْن الْحَاجِب وَغير ذَلِك واقام فِي عمله ثَلَاثِينَ سنة وَله تَفْسِير الْفَاتِحَة ورسالة اتى فِيهَا بمسائل من مائَة فن وَأورد عَلَيْهَا اشكالات وسماها انموذج الْعُلُوم قَالَ ابْن حجر كتب لي بِخَطِّهِ بالاجازة لما قدم الْقَاهِرَة مَاتَ فِي رَجَب سنة ارْبَعْ وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة هَذَا مَا ذكره ابْن حجر وَلَقَد سَمِعت من بعض احفاده ان الرسَالَة الَّتِي اتى فِيهَا بمسائل من مئة فن إِنَّمَا هِيَ لِابْنِهِ مُحَمَّد شاه
الجزء 1 · صفحة 18
وَرَأَيْت للْمولى الفناري عشْرين قِطْعَة منظومة كل قِطْعَة مِنْهَا مسئلة من فن مُسْتَقل وَغير أَسمَاء تِلْكَ الْفُنُون بطرِيق الالغاز امتحانا لفضلاء دهره وَلم يقدروا على تعْيين فنونها فضلا عَن حل مسائلها على انه قَالَ فِي خطْبَة تِلْكَ الرسَالَة وَذَلِكَ عجالة يَوْم مِمَّا تبصرون وَشرح هَذِه الرسَالَة ابْنه مُحَمَّد شاه الْمَذْكُور وَعين اسامي الْفُنُون وَبَين الْمُنَاسبَة فِيمَا ذكره من الالغازات وَحل مشكلات مسائلها ونظم عقيب كل قِطْعَة مِنْهَا قِطْعَة اخرى قَالَ فِي بَعْضهَا قلت مؤكدا وَفِي بَعْضهَا قلت مجيبا وأتى بِأَحْسَن الاجوبة وَشرح الْمولى الفناري الرسَالَة الاثيرية فِي الْمِيزَان شرحا لطيفا حسنا وَقَالَ فِي خطبَته شرعت فِيهِ غدْوَة يَوْم من اقصر الايام وختمت مَعَ اذان مغربه بعون الْملك العلام وَشرح الْفَرَائِض السِّرَاجِيَّة أَيْضا شرحا لطيفا وهومن احسن شروحها وَلما رأى شرح المواقف للسَّيِّد الشريف علق عَلَيْهِ تعليقات متضمنة لمؤاخذات لَطِيفَة على السَّيِّد الشريف وَله كثير من الرسائل والحواشي لَكِنَّهَا بقيت فِي المسودة وَمنع الافتاء والتدريس وَالْقَضَاء من تبييضها وَسمعت من بعض الثِّقَات ان مَوْلَانَا حَمْزَة وَالِد الْمولى الفناري كَانَ من تلامذة الشَّيْخ صدر الدّين القونوي وَقَرَأَ عَلَيْهِ من تصانيفه مِفْتَاح الْغَيْب واقرأه على وَلَده الْمولى الفناري ثمَّ ان الْمولى الْمَذْكُور شَرحه شرحا وافيا وَضَمنَهُ من معارف الصُّوفِيَّة مالم تسمعه الاذان وتقصر عَن فهمه الاذهان وَسمعت من وَالِدي رَحمَه الله يَحْكِي عَن جدي ان الْمولى الفناري كَانَ مدرسا بِمَدِينَة بروسا فِي مدرسة مناستر وَكَانَ قَاضِيا بهَا ومفتيا فِي المملكة العثمانية وَكَانَ صَاحب ثروة عَظِيمَة وجاه وَاسع وَصَاحب ابهة وشوكة وَكَانَ إِذا خرج الى الْجَامِع يَوْم الْجُمُعَة يزدحم النَّاس على بَابه بِحَيْثُ يمتلىء من النَّاس مَا بَين بَيته وَبَين الْجَامِع الشريف وَكَانَ لَهُ عبيد لَا يُحصونَ كَثْرَة حُكيَ ان الْمولى خطيب زَاده قَالَ للسُّلْطَان مُحَمَّد خَان ان الْمولى الفناري من احسن مصنفاته فُصُول الْبَدَائِع وَأَنا ازيفه بادنى مطالعة وَكَانَ لَهُ مَعَ ذَلِك اثْنَا عشر من العبيد يلبسُونَ الثِّيَاب الفاخرة وَالْفراء النفيسة وَكَانَ لَهُ فِي بَيته جوَار لَا يحصين كَثْرَة اربعون مِنْهُنَّ يلبسن القلانس الذهبية وَحكي ايضا انه مَعَ هَذِه الابهة وَالْجَلالَة كَانَ يلبس نَفسه النفيسة ثيابًا دنيئة وَكَانَ على ر أسه
الجزء 1 · صفحة 19
عِمَامَة صَغِيرَة على زِيّ مَشَايِخ الصُّوفِيَّة وَكَانَ يتعلل فِي ذَلِك وَيَقُول ان ثِيَابِي وطعامي من كسب يَدي وَلَا يَفِي كسبي بِأَحْسَن من ذَلِك وَكَانَ يعْمل صَنْعَة القزازية وَكَانَ بَيته بَين الْمدرسَة وَبَين قصر السُّلْطَان بايزيدخان الْمَذْكُور وَله مدرسة وجامع بِمَدِينَة بروسا ومرقده الشريف قُدَّام الْجَامِع يحْكى انه خلف عشرَة آلَاف مُجَلد من الْكتب يرْوى انه شهد السُّلْطَان الْمَذْكُور عِنْده يَوْمًا بقضية فَرد شَهَادَته فَسَأَلَهُ عَن سَبَب رده فَقَالَ انك تَارِك للْجَمَاعَة فَبنى السُّلْطَان قُدَّام قصره جَامعا وَعين لنَفسِهِ فِيهِ موضعا وَلم يتْرك الْجَمَاعَة بعد ذَلِك ثمَّ انه وَقع بَينهمَا خلاف فَترك الْمولى الفناري مناصبه ورحل الى بِلَاد قرامان وَعين لَهُ صَاحب قرامان كل يَوْم الف دِرْهَم ولطلبته كل يَوْم خَمْسمِائَة دِرْهَم وقرا عَلَيْهِ هُنَاكَ الْمولى يَعْقُوب الاصفر وَالْمولى يَعْقُوب الاسود وَكَانَ الْمولى الفناري يفتخر بذلك وَيَقُول ان يعقوبين قرآ عَليّ ثمَّ ان السُّلْطَان الْمَذْكُور نَدم على مَا فعله فِي حق الْمولى الفناري فارسل الى صَاحب قرامان يَسْتَدْعِي الْمولى الْمَذْكُور فَأجَاب اليه وَعَاد الى مَا كَانَ عَلَيْهِ من المناصب وَحكي انه صحب الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه الشَّيْخ حميد شيخ الْحَاج بيرام واخذ مِنْهُ التصوف ورايت لَهُ نظما ارسله الى الشَّيْخ عبد اللَّطِيف بن غَانِم الْقُدسِي خَليفَة الشَّيْخ زين الدّين الخافي قدس الله سره الْعَزِيز ... قدمت بِلَاد الرّوم يَا خير قادم ... بِخَير طَرِيق جلّ عَن كل نَائِم
فمنذ فتوح الرّوم لم يَأْتِ مثله ... الى ملكه يهدي بِهِ كل عَالم
على مَسْلَك الْمُخْتَار من سَائِر الورى ... الى حَضْرَة الْغفار من كل عَالم
يلقب زين الدّين قد صَحَّ كَامِلا ... وَيُسمى اذا عبد اللَّطِيف بن غَانِم
لعمرك ان ابْن الفناري طَالب ... وَلَكِن تقصيري لملزوم لَازم
التصوف ايضا وَلَكِن لم يحضرني اسْمهَا الان طيب الله مرقده وَفِي اعلى غرف الْجنان ارقده
وَمِنْهُم الْعَالم الْفَاضِل الْمولى حسن باشا ابْن الْمولى عَلَاء الدّين الاسود
قرا على وَالِده اولا ثمَّ قَرَأَ على الْمولى جمال الدّين الاقسرائي وَاجْتمعَ عِنْده مَعَ الْمولى شمس الدّين الفناري رُوِيَ ان الْمولى جمال الدّين نظر يَوْمًا فِي حجرات الطّلبَة خُفْيَة فَرَأى الْمولى حسن باشا مُتكئا ينظر فِي الْكتاب وَنظر الى الْمولى الفناري فَرَآهُ جاثيا على رُكْبَتَيْهِ يطالع الْكتب وَيكْتب الْحَوَاشِي عَلَيْهَا فَقَالَ فِي حق الاول انه لَا يبلغ دَرَجَة الْفضل وَقَالَ فِي حق الثَّانِي انه سيحصل الْفضل وَيكون لَهُ شَأْن فِي الْعلم وَكَانَ كَمَا قَالَ وَالْمولى حسن باشا شرح المراح فِي الصّرْف وَشرح الْمِصْبَاح فِي النَّحْو وَسَماهُ بالافتتاح
وَمِنْهُم الْعَالم الْفَاضِل الْمولى صفر شاه
كَانَ عَالما بِجَمِيعِ الْعُلُوم وَله يَد طولى فِي البلاغة وَقد جمع بَين الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول وَالْفُرُوع والاصول ارسل اليه الْمولى الْعَلامَة شمس الدّين الفناري بعض المشكلات من الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة وَأمره بِالْجَوَابِ عَنْهَا فَكتب اجوبتها وأرسلها اليه وَاعْتذر عَن التَّعَرُّض للجواب اظهارا للتأدب مَعَه وَذكر انه شرع فِي الْجَواب بِحكم مَا قيل الْمَأْمُور مَعْذُور وَرَأَيْت لَهُ خطبا بليغة حَسَنَة التَّرْتِيب مَقْبُولَة النظام روح الله روحه
وَمِنْهُم الْعَالم الْفَاضِل الْمولى المرحوم مُحَمَّد شاه ابْن الْمولى شمس الدّين الفناري
كَانَ رَحمَه الله عَالما فَاضلا ذكيا وَكَانَ مطلعا على مَا اطلع عَلَيْهِ وَالِده من الْعُلُوم وَكَانَ زَائِدا عَلَيْهِ فِي الذكاء وفوض اليه فِي حَيَاة ابيه تدريس الْمدرسَة السُّلْطَانِيَّة بِمَدِينَة بروسا وَسنة ثَمَانِي عشرَة سنة وَاجْتمعَ عِنْده فِي أول يَوْم من درسه عُلَمَاء تِلْكَ الْبَلدة وفضلاء طلبتها وسألوه عَن مسَائِل من الْفُنُون المتفرقة فَأجَاب عَن كل مِنْهَا باحسن الاجوبة وشهدوا لَهُ بالفضيلة واعترفوا باطلاعه على جَمِيع الْعُلُوم وَكَانَ معيد درسه وقتئذ الْمولى فَخر الدّين العجمي وستجيء تَرْجَمته حُكيَ انه مَا عجز فِي ذَلِك الْيَوْم عَن جَوَاب اُحْدُ الا عَن جَوَاب
الجزء 1 · صفحة 24
وَاحِد من الطّلبَة وَكَانَ ذَلِك الطَّالِب مشتهرا بِالْفِسْقِ رُوِيَ انه حِين الزمه وَسلم ذَلِك الطَّالِب جَوَابه بَكَى من شدَّة غيرته وَرُوِيَ انه أَتَى وَالِده ذَلِك الْيَوْم بعد الدَّرْس وَقَالَ كنت تَقول ان الْفَاسِق لَا يكون عَالما وَمَا اتعبني هَذَا الْيَوْم الا سُؤال فلَان وانه فَاسق قَالَ الْمولى الفناري لَو لم يكن هُوَ فَاسِقًا لَكَانَ فَضله فَوق مَا رَأَيْت توفّي فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل والفاضل الْكَامِل الْمولى يُوسُف بالي ابْن الْمولى شمس الدّين الفناري روح الله روحمهما
كَانَ عَالما فَاضلا فوض اليه تدريس الْمدرسَة المزبورة بعد وَفَاة اخيه وَقَرَأَ عَلَيْهِ جدي المرحوم ثمَّ استقضي بِمَدِينَة بروسا وَمَات قَاضِيا بهَا فِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة
كَانَ رَحمَه الله عَالما فَاضلا فَقِيها متشرعا يرجع اليه فِي أَمر الْفَتْوَى فِي زَمَانه
الجزء 1 · صفحة 25
تغمده الله بغفرانه
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل والفاضل الْكَامِل الْمولى إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْحَنَفِيّ
كَانَ رَحمَه الله عَالما عَاملا فَقِيها فَاضلا يرجع اليه ايضا فِي أَمر الْفَتْوَى فِي زَمَانه اسكنه الله بحبوحة جنانه
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل والفاضل الْكَامِل الْمولى نجم الدّين الْحَنَفِيّ
كَانَ رَحمَه الله عَالما عَاملا فَاضلا كَامِلا جَامعا بَين الرِّوَايَة والدراية يرجع اليه ايضا فِي أَمر الْفَتْوَى فِي زَمَانه أكْرمه الله برضوانه
وَمِنْهُم الشَّيْخ يار عَليّ الشِّيرَازِيّ
رُوِيَ انه كَانَ رجلا عَالما فَاضلا عَارِفًا بالاصول وَالْفُرُوع والمعقول والمشروع وَكَانَ يُفْتِي فِي زَمَانه وَيرجع النَّاس اليه فِي المشكلات رَحمَه الله تَعَالَى
وَمِنْهُم الشَّيْخ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَليّ بن يُوسُف الْجَزرِي
يكنى بَابي الْخَيْر ولد فِيمَا حَقَّقَهُ نَفسه من لفظ وَالِده فِي لَيْلَة السبت الْخَامِس وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان سنة احدى وَخمسين وَسَبْعمائة بِدِمَشْق وَحفظ الْقُرْآن سنة أَربع وَسِتِّينَ وَصلى بِهِ سنة خمس وَسِتِّينَ وَسمع الحَدِيث من جمَاعَة وافردالقراآت على بعض الشُّيُوخ وَجمع السَّبْعَة فِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَحج فِي هَذِه السّنة ثمَّ رَحل الى الديار المصرية فِي سنة تسع وَجمع القراآت الْعشْر والاثنتي عشرَة ثمَّ الثَّلَاث عشرَة ثمَّ رَحل الى دمشق وَسمع الحَدِيث من اصحاب الدمياطي والابرقوهي وَأخذ الْفِقْه عَن الاسنوي وَغَيره ثمَّ رَحل الى الديار المصرية وَقَرَأَ بهَا الاصول والمعاني وَالْبَيَان ورحل الى اسكندرية وَسمع من اصحاب ابْن عبد السلام وَغَيرهم وَأذن لَهُ بالافتاء شيخ الاسلام ابو الْفِدَاء اسمعيل بن كثير سنة أَربع وَسبعين وَسَبْعمائة وَكَذَلِكَ الشَّيْخ ضِيَاء الدّين سنة ثَمَان وَسبعين وَكَذَلِكَ شيخ الاسلام البُلْقِينِيّ سنة خمس وَثَمَانِينَ ثمَّ جلس للاقراء وَقَرَأَ عَلَيْهِ القراآت جمَاعَة كَثِيرُونَ وَولي قَضَاء الشَّام سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَسَبْعمائة ثمَّ دخل الرّوم لما ناله من الظُّلم من أَخذ أَمْوَاله وَغَيره بالديار المصرية فِي سنة ثَمَان وَتِسْعين وَسَبْعمائة فَنزل بِمَدِينَة بروسا دَار
الجزء 1 · صفحة 26
دَار الْملك الْكَامِل الْمُجَاهِد بايزيد بن عُثْمَان فأكمل عَلَيْهِ القراآت الْعشْر بهَا جمَاعَة كَثِيرُونَ من اهل تِلْكَ الديار وَغَيرهم وَلما كَانَت الْفِتْنَة الْعَظِيمَة الْمَشْهُورَة من قبل تيمور خَان فِي أول سنة خمس وَثَمَانمِائَة فَأَخذه الامير تيمور مَعَه الى مَا وَرَاء النَّهر وأنزله بِمَدِينَة كش ثمَّ الى سَمَرْقَنْد وقرا عَلَيْهِ فِي كل مِنْهَا جمَاعَة كَثِيرُونَ وَلما توفّي الامير تيمور خَان فِي شعْبَان سنة سبع وَثَمَانمِائَة خرج من بِلَاد مَا وَرَاء النَّهر فوصل الى خُرَاسَان وَدخل الى هراة ثمَّ الى مَدِينَة يزدْ ثمَّ الى اصبهان ثمَّ الى شيراز فقرا عيه فِي كل مِنْهَا جمَاعَة بَعضهم السَّبْعَة وَبَعْضهمْ الْعشْرَة وألزمه صَاحب شيرازبير مُحَمَّد قَضَاء شيراز ونواحيها فَبَقيَ فِيهَا كرها حَتَّى فتح الله عَلَيْهِ فَخرج مِنْهَا الى الْبَصْرَة ثمَّ فتح الله لَهُ الْمُجَاورَة بِمَكَّة وَالْمَدينَة سنة ثَلَاث وَعشْرين وَحين اقامته بِالْمَدِينَةِ قَرَأَ عَلَيْهِ شيخ الْحرم وَألف فِي القراآت كتاب النشر فِي القراآت الْعشْر فِي مجلدين ومختصره التَّقْرِيب وتحبير التَّيْسِير فِي القراآت الْعشْرَة وطبقات الْقُرَّاء وتاريخهم كبرى وصغرى الَّتِي نقلت هَذِه التَّرْجَمَة من صغراها وَلما أَخذه الامير تيمور خَان الى مَا وَرَاء النَّهر ألف هُنَاكَ شرح المصابيح فِي ثَلَاثَة اسفار وَألف فِي التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه ونظم قَدِيما غَايَة المهرة فِي الزِّيَادَة على الْعشْرَة ونظم طيبَة النشر فِي القراآت الْعشْر والجوهرة فِي النَّحْو والمقدمة فِيمَا على قَارِئ الْقُرْآن ان يُعلمهُ وَغير ذَلِك فِي فنون شَتَّى هَذَا مَا حَكَاهُ الْجَزرِي عَن نَفسه فِي طبقاته الصُّغْرَى نقلته عَن خطه وَقَالَ بعض تلامذته بِخَطِّهِ قَالَ الْفَقِير المغترف من بحاره توفّي شَيخنَا رَحمَه الله ضحوة الْجُمُعَة لخمس خلون من أول الربيعين سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة بِمَدِينَة شيراز وَدفن بدار الْقُرَّاء الي انشأها وَكَانَت جنَازَته مَشْهُورَة تبادر الاشراف والخواص الى حملهَا وتقبيلها ومسها تبركا بهَا وَمن لم يُمكنهُ الْوُصُول الى ذَلِك كَانَ يتبرك بِمن يتبرك بهَا وَقد اندرس بِمَوْتِهِ كثير من مهام الاسلام رَضِي الله عَنهُ وَعَن اسلافه واخلافه وَمن جملَة تصانيف الشَّيْخ الْمَذْكُور كتاب الْحصن الْحصين فِي الدَّعْوَات الماثورة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ كتاب نَفِيس جدا ثمَّ اخْتَصَرَهُ اختصارا غير مخل وَكَانَ للشَّيْخ الْمَذْكُور ابْنَانِ فاضلان احدهما وَهُوَ الاكبر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن
الجزء 1 · صفحة 27
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْجَزرِي ابو الْفَتْح الشَّافِعِي قَالَ الشَّيْخ رَحمَه الله ولد هُوَ فِي يَوْم الاربعاء ثَانِي شهر ربيع الاول سنة سبع وَسبعين وَسَبْعمائة بِدِمَشْق حفظ الْقُرْآن وَله ثَمَان سِنِين وَاسْتظْهر الشاطبية والرائية ومنظومتي الْهِدَايَة وَشرع فِي الْجمع بالعشر عَليّ ثمَّ رحلت بِهِ الى الديار المصرية وقرا القراآت على شيوخها ثمَّ اشْتغل بالفقه وَغَيره فحفظ عدَّة كتب فِي عُلُوم مُخْتَلفَة كالتنبيه للامام ابي اسحق والفية ابْن مَالك ومنهاج الْبَيْضَاوِيّ وتلخيص الْمِفْتَاح والمنهج فِي أصُول الدّين لشيخه شيخ الاسلام البُلْقِينِيّ وألفية شَيْخه الْعِرَاقِيّ فِي عُلُوم الحَدِيث وَغير ذَلِك وَقَرَأَ محفوظاته مَرَّات على شُيُوخ عصره واجازوه وَأذن لَهُ بالافتاء والتدريس شَيْخه الامام برهَان الدي الانباشي قَالَ الشَّيْخ لما دخلت الرّوم بَاشر وظائفي بِدِمَشْق ودرس وأقرا حَتَّى اخترمته يَد الْمنون فانا لله وانا اليه رَاجِعُون وَمَات بِمَرَض الطَّاعُون سنة ارْبَعْ عشرَة وَثَمَانمِائَة وَأَنا بشيراز وَلَا حول وَلَا قُوَّة الا بِاللَّه وَثَانِيهمَا وَهُوَ الاصغر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْجَزرِي ابو الْخَيْر قَالَ الشَّيْخ ولد هُوَ فِي جمادي الاولى سنة تسع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة بعد عودنا من مصر واتمام اخيه القراآت وَأَجَازَهُ مَشَايِخ الْعَصْر وَحضر على أَكْثَرهم ثمَّ رحلت بِهِ وباخوته الى مصر فَسمع الشاطبية وَسَائِر كتب القراآت من مَشَايِخ مصر بِقِرَاءَة اخيه ابي بكر احْمَد وَلما عدنا الى دمشق سمع البُخَارِيّ وَلما دخلت الرّوم حضر الي فِي سنة احدى وَثَمَانمِائَة فصلى بِالْقُرْآنِ وَحفظ الْمُقدمَة والجوهرة وأكمل على جَمِيع القراآت الْعشْر فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث ثمَّ اعادها فِي ختمة اخرى فختمها يَوْم الِاثْنَيْنِ وَهُوَ يَوْم الوقفة تَاسِع ذِي الْحجَّة سنة ارْبَعْ وَثَمَانمِائَة ثمَّ لحقنى إِلَى مَدِينَة كش فِي أَيَّام الْأَمِير تيمور فِي اوائل سنة سبع وَثَمَانمِائَة ثمَّ كَانَ فِي صحبتي الى شيراز وأكمل بهَا أَيْضا القراآت الْعشْر سنة تسع وَثَمَانمِائَة وللشيخ ولد آخر اسْمه احْمَد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابْن مُحَمَّد بن الْجَزرِي قَالَ الشَّيْخ ولد هُوَ فِي لَيْلَة الْجُمُعَة سَابِع عشر من شهر رَمَضَان سنة ثَمَانِينَ وَسَبْعمائة بِدِمَشْق ختم الْقُرْآن سنة تسعين وَصلى بِهِ سنة احدى وَتِسْعين وَحفظ الشاطبية والرائية وقصيدتي فِي الْعشْرَة ثمَّ قرا بالقراآت
الجزء 1 · صفحة 28
الاثْنَي عشر بِقِرَاءَة أَخِيه ابي الْفَتْح ثمَّ قَرَأَ ثَانِيًا القراآت الْعشْر واجازه الْمَشَايِخ وقرا عَليّ كتابي النشر والطيبة وسمعهما غير مرّة وَحفظ كتبا وَكتب عَن الشَّيْخ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ وَغَيره وَسمع البُخَارِيّ وَلما دخلت الرّوم لَحِقَنِي بِكَثِير من كتبي فَأَقَامَ عِنْدِي يُفِيد ويستفيد وانتفع بِهِ اولاد الْملك الْكَامِل بايزيد بن عُثْمَان الْكَامِل مُحَمَّد والسعيد مصطفى والاشرف عِيسَى وَصَارَ مُتَوَلِّي الْجَامِع الاكبر البيزيدي بِمَدِينَة بروسا وَنَشَأ مَعَ دين وعفاف اسعده الله وَبَارك فِيهِ ثمَّ لما وَقعت الْفِتْنَة التيمورية فَأرْسلهُ تيمورلنك رَسُولا الى السُّلْطَان النَّاصِر فرج ابْن برقوق ففارقني نَحْو عشْرين سنة هُوَ بالروم وَأَنا بالعجم مَعَ تيمور وَلما يسر الله تَعَالَى لي الْحَج فِي سنة سبع وَعشْرين وَثَمَانمِائَة كتبت اليه فَحَضَرَ عِنْدِي واجتمعنا بِمصْر نَحْو سِتَّة عشر يَوْمًا وتوجهت الى الْحَج وجاورت واقام هُوَ بِمصْر من شَوَّال الى شَوَّال سنة فحج معي سنة ثَمَان ورجعنا جَمِيعًا الى الديار المصرية وَتوجه الى الرّوم ليحضر اهله ففارقته بِدِمَشْق فِي جمادي الاخرة سنة تسع وَلما كَانَ بِمصْر فِي غيبتي وانا مجاور بِمَكَّة شرح طيبَة النشر فَأحْسن فِيهِ مَعَ انه لم يكن عِنْده نُسْخَة بالحواشي الَّتِي كنت كتبت عَلَيْهَا وَمن قبل ذَلِك شرح مُقَدّمَة التجويد ومقدمة علم الحَدِيث من نظمي فِي غَايَة الْحسن وولاه السُّلْطَان الاشرف برسباي وظائف أَخِيه ابي الْفَتْح رَحمَه الله من المشيخة والاقراء والتدريس وَتوجه لاحضار اهله من الرّوم وتوجهت انا لذَلِك الى الْعَجم وَالله تَعَالَى يجمع شملنا فِي خير وَذَلِكَ سنة تسع وَعشْرين وَثَمَانمِائَة وللشيخ غير هَؤُلَاءِ ابْنَانِ ابو الْبَقَاء اسمعيل وَأَبُو الْفضل اسحق وَبَنَات فَاطِمَة وَعَائِشَة وسلمى جَمِيع هَؤُلَاءِ من الْقُرَّاء المجودين والمرتلين وَمن الْحفاظ الْمُحدثين رَضِي الله عَنْهُم وأرضاهم ثمَّ ان الْمولى خضر بك ابْن جلال ارسل الى الشَّيْخ الْجَزرِي نظما وَهُوَ هَذَا ... لَو كَانَ فِي بَابه للنظم مفرخة ... الفت فِي مدحه الْفَا من الْكتب
لكنه الْبَحْر فِي كل الْفُنُون فَمَا ... اهداء در الى بَحر من الادب ...
فَأرْسل اليه الشَّيْخ جَوَابا لنظمه وَهُوَ هَذَا ... فِي در نظمك بَحر الْفضل ذُو لجب ... ودرنظمك عقد فِي طلي الادب ...
ثمَّ ان الشَّيْخ ابا الْخَيْر من ابناء الشَّيْخ الْجَزرِي اتى بِلَاد الرّوم فِي أَيَّام دولة السُّلْطَان مُحَمَّد بن مرادخان وَكَانَ عَالما فَاضلا كَمَا مر ذكره وَكَانَ بارعا فِي صنعه الانشاء حَتَّى فاق الاقدمين ونصبه السُّلْطَان مُحَمَّد خَان موقعا بالديوان العالي وأكرمه غَايَة الاكرام لوفور فَضله وَحسن اخلاقه وشمائله الا انه كَانَ مبتلي بِاسْتِعْمَال بعض الترياقات واختل مزاجه لذَلِك وَكَانَ يَقُول السُّلْطَان مُحَمَّد خَان فِي حَقه لَو لم يكن مَعَه هَذَا الِابْتِلَاء لقلدته الوزارة ثمَّ انه مرض وَكَانَ لَهُ بنت سنّهَا مِقْدَار عشر سِنِين وَكَانَ عين لَهَا ثَلَاثِينَ الف دِينَار وَكَانَ لَهُ ابْن صَغِير وَعين لَهُ ايضا ثَلَاثِينَ الف دِينَار وَكَانَ الْمولى عَليّ بن يُوسُف ابْن الْمولى شمس الدّين الفناري ارتحل الى بِلَاد الْعَجم لتَحْصِيل الْعلم وَسمع الشَّيْخ ابو الْخَيْر الْمَذْكُور فِي ايام مَرضه ان الْمولى عليا الفناري توجه الى بِلَاد الرّوم فاوصى ان تزوج بنته مِنْهُ فَلَمَّا توفّي الشَّيْخ ابو الْخَيْر اتى هُوَ بِلَاد الرّوم فزوجوا بنته مِنْهُ وسلموها اليه مَعَ ثَلَاثِينَ الف دِينَار وَحصل لَهُ مِنْهَا ابْنَانِ فاضلان وَسَيَجِيءُ ترجمتهما بعد تَرْجَمَة ابيهما ان شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ ان الشَّيْخ الْجَزرِي رَحْمَة الله عَلَيْهِ لما ذهب بِهِ الامير تيمور الى مَا وَرَاء النَّهر اتخذ الامير تيمور هُنَاكَ وَلِيمَة عَظِيمَة وَكَانَ السَّيِّد الشريف الْجِرْجَانِيّ مدرسا فِي ذَلِك الْوَقْت بسمرقند فعين الْأَمِير تيمور جَانب يسَاره للامراء وجانب يَمِينه للْعُلَمَاء وَقدم فِي ذَلِك الْمجْلس الشَّيْخ الْجَزرِي على السَّيِّد الشريف فَقَالُوا لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ كَيفَ لَا أقدم رجلا عَارِفًا بِالْكتاب وَالسّنة ويشاور مَا أشكل عَلَيْهِ مِنْهُمَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالذَّاتِ فَيحل لَهُ وَنَظِير هَذِه الْحِكَايَة مَا وَقع بَين الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ وَالسَّيِّد الشريف الْجِرْجَانِيّ حَيْثُ اجْتمعَا عندالامير تيمور خَان فَأمر بتقدم السَّيِّد الشريف عَليّ الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ وَقَالَ لَو فَرضنَا انكما سيان فِي الْفضل فَلهُ شرف النّسَب فَاغْتَمَّ لذَلِك الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ وحزن حزنا شَدِيدا فَمَا لبث حَتَّى مَاتَ رَحمَه الله وَقد وَقع ذَلِك بعد مباحثتهما عِنْده وَكَانَ الحكم بَينهمَا نعْمَان الدّين الْخَوَارِزْمِيّ المعتزلي فرجح هُوَ كَلَام السَّيِّد الشريف على كَلَام الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ وَكَانَ سَبَب ارتحال السَّيِّد الشريف من شيراز الى مَا وَرَاء النهران
الجزء 1 · صفحة 30
الامير تيمور لما قدم شيراز أَمر بنهبها وأغار بهَا فَسَأَلَ بعض من وزرائه الامان للسَّيِّد الشريف فاعطى الامان لَهُ وعلقوا على بَابه سَهْما من سِهَام الامير تيمور خَان وَكَانَ من عَادَتهم عِنْد الامان ذَلِك فنجت بَنَات أهالي شيراز وَنِسَاؤُهُمْ فِي بَيت السَّيِّد الشريف ثمَّ ان الْوَزير الْمَذْكُور لما اثْبتْ حَقًا على السَّيِّد الشريف التمس مِنْهُ ان يذهب مَعَه الى مَا وَرَاء النَّهر فَأَجَابَهُ لذَلِك وَهَذَا قَوْله فِي خطْبَة شرح الْمِفْتَاح حَتَّى ابْتليت فِي آخر الْعُمر بالارتحال الى مَا وَرَاء النَّهر
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل والفاضل الْكَامِل الْمولى عبد الْوَاجِد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد
اتى رَحمَه الله من بلادالعجم وَصَارَ مدرسا فِي مدرسة كوتاهية وَتلك الْمدرسَة تنْسب اليه فِي عصرنا ايضا وَكَانَ عَالما فَاضلا عَالما بالعلوم الادبية بارعا فِي الْفُنُون الشَّرْعِيَّة والعقلية عَالما بالتفسير والْحَدِيث شرح كتاب النقاية شرحا حسنا وأتى فِيهِ بمسائل كَثِيرَة مهمة فرغ من تأليفه فِي جمادي الاولى سنة سِتّ وَثَمَانمِائَة وَرَأَيْت لَهُ كتابا منظوما فِي علم الاسطرلاب صنفه لاجل حفظ مَوْلَانَا مُحَمَّد شاه بن الْمولى الفناري وَكَانَ نظمه نظما بليغا فِي غَايَة الْحسن رَأَيْته بِخَطِّهِ الْمليح
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل والفاضل الْكَامِل الْمولى عز الدّين عبد اللطيف بن الْملك
كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى معلما للامير مُحَمَّد بن آيدين وَكَانَ مدرسا بِمَدِينَة تيره وَتلك الْمدرسَة مُضَافَة اليه الى الان كَانَ عَالما فَاضلا ماهرا فِي جَمِيع الْعُلُوم خُصُوصا الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة شرح مجمع الْبَحْرين شرحا حسنا جَامعا للفوائد وَهُوَ مقبلول فِي بِلَادنَا وَشرح ايضا مَشَارِق الانوار للامام الصَّاغَانِي شرحا لطيفا اتى فِيهِ من النكت اللطيفة مَالا يُحْصى وَشرح ايضا كتاب الْمنَار فِي الاصول وَرَأَيْت لَهُ رِسَالَة لَطِيفَة من علم التصوف تدل تِلْكَ الرسَالَة على ان لَهُ حظا عَظِيما من معارف الصُّوفِيَّة المتشرعة وَكَانَ للْمولى الْمَذْكُور اخ من اصحاب فضل الله التبريزي رَئِيس الطَّائِفَة الضَّالة الحروفية وَيَا سُبْحَانَ الله هَذَا ملح اجاج وَذَاكَ عذب فرات
الجزء 1 · صفحة 31
وَمِنْهُم الْمولى الْفَاضِل المرحوم مُحَمَّد بن عبد اللَّطِيف بن الْملك روح الله روحه
شرح الْوِقَايَة شرحا لطيفا وَله كتاب مُسَمّى بروضة الْمُتَّقِينَ
وَمِنْهُم الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه عبد الرحمن بن عَليّ بن احْمَد البسطامي مشربا والحنفي مذهبا والانطاكي مولدا
كَانَ رَحمَه الله عَالما بِالْحَدِيثِ وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه عَارِفًا بخواص الْحُرُوف وَعلم الوفق والتكسير وَله يَد طولى فِي معرفَة الجفر والجامعة وَالْوُقُوف على التواريخ وَلما رغب فِي الِاطِّلَاع على الْعُلُوم الغريبة طَاف الْبِلَاد ورحل الى الْبِلَاد الشامية وَدخل الْقَاهِرَة وَطَاف الْبِلَاد الغربية حَتَّى نَالَ بغيته وَكَانَ لَهُ تصرف عَظِيم بخواص الْحُرُوف وتأثير عَظِيم بالاشتغال بأسماء الله تَعَالَى وَكَانَ لَهُ فِي ذَلِك حكايات غَرِيبَة لَا يَفِي بذكرها هَذَا الْمُخْتَصر ثمَّ انه دخل مَدِينَة بروسا وَاجْتمعَ مَعَه الْمولى الفناري واستفاد مِنْهُ كثيرا من العوم الغريبة وَله تصانيف فِي علم الجفر وَعلم الوفق وخواص أَسمَاء الله تَعَالَى وَفِي علم التواريخ لَا يُمكن تعدادها وَرَأَيْت اكثرها بِخَطِّهِ وَكَانَ خطه فِي غَايَة الاحكام والاتقان وَجَمِيع مصنفاته محررة متقنة يعْتَمد عَلَيْهَا وَأجل مصنفاته كتاب الفوائح المسكية فِي الفواتح المكية أدرج فِيهِ مَا يفوق مائَة علم وَكتاب شمس الافاق فِي علم الْحُرُوف والاوفاق وَلما دخل مَدِينَة بروسا استأنس بهَا وتوطن فِيهَا وقبره هُنَاكَ قَالَ رَحمَه الله فِي بعض ابياته
فَقير غَرِيب قد اتى روم زَائِرًا
... دعِي عبد الرحمن الْمُقِيم ببروسا روح الله روحه وَنور ضريحه
وَمِنْهُم الْمولى عَلَاء الدّين الرُّومِي
كَانَ رَحمَه الله عَالما فَاضلا حَدِيد الطَّبْع قوي الذكاء والبحث حضر دروس الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ وَالسَّيِّد الشريف الْجِرْجَانِيّ وَحضر مباحثتهما وَحفظ مِنْهُمَا اسئلة كَثِيرَة مَعَ اجوبتها وَكَانَ يلقِي تِلْكَ الاسئلة ويعجز الْحَاضِرين عَن المباحثة ثمَّ دخل الْقَاهِرَة واعجز علماءها وَله رِسَالَة جمع فِيهَا الاسئلة من فنون شَتَّى وَهِي عِنْدِي بِخَط جدي رَحمَه الله
الجزء 1 · صفحة 32
وَمِنْهُم الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه الْمُنْقَطع الى الله الشَّيْخ فَخر الدّين الرُّومِي
كَانَ متوطنا ببلدة مدرني وَكَانَ عَالما عَارِفًا زاهدا ورعا منجمعا عَن الْخَلَائق ومشتغلا بِنَفسِهِ وَكَانَ من التقوي على جَانب عَظِيم كَانَ لَا يُصَلِّي خلف امام يؤم باجرة احْتِيَاطًا بِنَاء على ان السّلف قد كَرهُوا الاجرة فِي الْعِبَادَات وَكَانَ لَهُ حَظّ عَظِيم من الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَقد ألف كتابا فِي الدَّعْوَات المأثورة فِي عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة وَضَمنَهُ مبَاحث دقيقة ولطائف اينقة من كل علم يدل ذَلِك على حذاقته فِي الْعُلُوم روح الله روحه وَنور ضريحه
كَانَ اصله من ولَايَة كرمان وقرا ببلاده على عُلَمَاء عصره ثمَّ دخل الْقَاهِرَة وَدخل هُوَ وَالْمولى الفناري والفاضل حاجي باشا على شيخ من مَشَايِخ الصُّوفِيَّة فَنظر الشَّيْخ اليهم وَقَالَ للْمولى احمدي واأسفي ستضيع عمرك فِي الشّعْر وَقَالَ للفاضل حاجي باشا انك ستضيع عمرك فِي الطِّبّ وَقَالَ للفاضل الْمولى الفناري انك ستصير عَالما ربانيا وَكَانَ كل مِنْهُم كَمَا قَالَ وَصَاحب الْمولى احمدي بعد قدومه الى بِلَاده الامير ابْن كرميان وَصَارَ معلما لَهُ وَكَانَ ذَلِك الامير رَاغِبًا فِي الشّعْر ثمَّ صَاحب مَعَ الامير سُلَيْمَان بن السُّلْطَان بايزيدخان وتقرب عِنْده وَحصل لَهُ جاه عَظِيم وحشمة وافرة ونظم لاجله كِتَابه الْمُسَمّى باسكندر نامه ونظم كثيرا من القصائد والاشعار وَمن نوادره ان الامير تيمورخان لما دخل تِلْكَ الْبِلَاد وَطلب الْمولى احمدي وَصَاحب مَعَه وَمَال الى مصاحبته وَدخل مَعَه الْحمام يَوْمًا فَقَالَ لَهُ قوم من كَانَ معي فِي الْحمام فَقَالَ نعم قَالَ هَذَا يُسَاوِي الْفَا وَهَذَا يُسَاوِي كَذَا وَكَذَا الى آخر من حضر فِي الْحمام ثمَّ قَالَ لَهُ الامير تيمور خَان قومني فَقَالَ أَنْت تَسَاوِي ثَمَانِينَ درهما وَقَالَ الامير تيمور مَا حكمت بِالْعَدْلِ وازاري وَحده يُسَاوِي ثَمَانِينَ درهما فَقَالَ الْمولى احمدي إِنَّمَا قومت الازار وَأما انت فَلَا تَسَاوِي درهما فَاسْتحْسن
الجزء 1 · صفحة 33
الامير تيمور هَذَا الْكَلَام وَضحك مِنْهُ ضحكا كثيرا حَتَّى وهب لَهُ مَا فِي الْحمام من آلَات الذَّهَب وَالْفِضَّة وَكَانَ شيأ كثيرا جدا
وَمِنْهُم الشَّيْخ بدر الدّين مُحَمَّد بن إِسْرَائِيل بن عبد العزيز الشهير بِابْن قَاضِي سماونة
ولد فِي قلعة سماونة من بِلَاد الرو حِين كَانَ ابوه قَاضِيا بهَا وَكَانَ ايضا اميرا على عَسْكَر الْمُسلمين بهَا وَكَانَ فتح تِلْكَ القلعة على يَده ايضا يُقَال ان اُحْدُ اجداده كَانَ وزيرا لال سلجوق وَكَانَ هُوَ ابْن اخي السُّلْطَان عَلَاء الدّين السلجوقي وَكَانَ فتح القلعة الْمَذْكُورَة وولادة الشَّيْخ بدر الدّين فِي زمن السُّلْطَان غَازِي خداوندكار من سلاطين آل عُثْمَان ثمَّ ان الشَّيْخ اخذ الْعلم فِي صباه عَن وَالِده الْمَذْكُور وَحفظ الْقُرْآن الْعَظِيم وقرا على الْمولى المشتهر بالشاهدي وَتعلم الصّرْف والنحو من مَوْلَانَا يُوسُف ثمَّ ارتحل الى الديار المصرية مَعَ ابْن عَم ابيه وَهُوَ مؤيد ابْن عبد المؤمن وَقَرَأَ بقونية من بِلَاد الرّوم بَعْضًا من الْعُلُوم وَعلم النُّجُوم على مَوْلَانَا فيض الله من تلامذة فضل الله وَمكث عِنْده اربعة اشهر وَلما توفّي مَوْلَانَا فيض الله ارتحل الى الديار المصرية وقرا هُنَاكَ مَعَ الشريف الْجِرْجَانِيّ على مَوْلَانَا مبارك شاه المنطقي الْمدرس بِالْقَاهِرَةِ ثمَّ حج مَعَ مبارك شاه وقرا بِمَكَّة على الشَّيْخ الزَّيْلَعِيّ ثمَّ قدم الْقَاهِرَة وقرا مَعَ الشريف الْجِرْجَانِيّ على الشَّيْخ أكمل الدّين وَحصل عِنْده جَمِيع الْعُلُوم وقرا على الشَّيْخ بدر الدّين الْمَذْكُور السُّلْطَان فرج ابْن السُّلْطَان برقوق ملك مصر ثمَّ ادركته الجذبة الالهية والتجأ الى كنف الشَّيْخ سيد حُسَيْن الاخلاطي السَّاكِن بِمصْر وقتئذ وَحصل عِنْده مَا حصل وأرسله الشَّيْخ الاخلاطي الى بَلْدَة تبريز للارشاد وَحكي انه لما جَاءَ الامير تيمور خَان الى تبريز وَقع عِنْده مُنَازعَة بَين الْعلمَاء وَلم ينْفَصل الْبَحْث عِنْده فَذكر الشَّيْخ الْجَزرِي الشَّيْخ بدر الدّين الْمَذْكُور للمحاكمة بَين المتخاصمين فَدَعَاهُ الامير تيمور خَان فَحكم الشَّيْخ بَينهمَا وَرَضي الْكل بِحكمِهِ واعترف الْعلمَاء بفضله ونال من الامير الْمَذْكُور مَالا جزيلا واكراما بَالغا لاالى نِهَايَة ثمَّ ترك الشَّيْخ الْكل وَلحق ببدليس ثمَّ سَافر الى مصر وَوصل الى الشَّيْخ الاخلاطي الْمَذْكُور ثمَّ مَاتَ الشَّيْخ الاخلاطي وأجلس الشَّيْخ مَكَانَهُ فَجَلَسَ فِيهِ سِتَّة أشهر ثمَّ جَاءَ الى حلب ثمَّ الى قونية ثمَّ الى
الجزء 1 · صفحة 34
نيره من بِلَاد الرّوم ثمَّ دَعَاهُ رَئِيس جَزِيرَة ساقز فَأسلم على يَدي الشَّيْخ وَصَارَ من جملَة مريدية ثمَّ جَاءَ الشَّيْخ الى أدرنه وَوجد وَالِديهِ هُنَاكَ حيين ثمَّ لما تسلطن مُوسَى جلبي من الاود عُثْمَان الْغَازِي نصب الشَّيْخ قَاضِيا بعسكره ثمَّ ان اخا مُوسَى جلبي السُّلْطَان مُحَمَّد قَتله وَحبس الشَّيْخ مَعَ أَهله وَعِيَاله ببلدة ازنيق وَعين لَهُ كل شهر الف دِرْهَم ثمَّ هرب من الْحَبْس الى الامير اسفنديار وَكَانَ قَصده الْوُصُول الى بِلَاد تاتار فَلم يَأْذَن لَهُ اسفنديار خوفًا من ابْن عُثْمَان ثمَّ ارسله الى زغرة من ولَايَة روم ايلي وَاجْتمعَ عِنْده احباؤه واضافوه مرَارًا مُتعَدِّدَة ووشى بِهِ بعض المفسدين الى السُّلْطَان انه يُرِيد السلطنة فاخذ وَقتل بافتاء مَوْلَانَا حيدر العجمي وَله تصانيف كَثِيرَة مِنْهَا لطائف الاشارات فِي الْفِقْه وَشَرحه التسهيل صنفهما مَحْبُوسًا فِي ازنيق وَمِنْهَا جَامع الْفُصُولَيْنِ وَمِنْهَا عنقود الْجَوَاهِر شرح كتاب الْمَقْصُود فِي الصّرْف وَمِنْهَا مَسَرَّة الْقُلُوب فِي التصوف والواردات فِيهِ ايضا وَكَانَ وَفَاته فِي سنة ثَمَان عشرَة وَثَمَانمِائَة تَقْرِيبًا رُوِيَ ان السَّيِّد الشريف كَانَ يمدحه بِالْفَضْلِ رحمهمَا الله تَعَالَى
وَمِنْهُم الْمولى الْعَالم الْفَاضِل الْحَاج باشا
كَانَ رَحمَه الله من ولَايَة ايدين ايلي وارتحل الى الْقَاهِرَة وقرا هُنَاكَ على الشَّيْخ أكمل الدّين وَمن شُرَكَاء درسه الشَّيْخ بدر الدّين الْمَذْكُور وَكَانَ لَهُ قبُول تَامّ عندالشيخ أكمل الدّين وقرا الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة على الْمولى مبارك شاه المنطقي وَكَانَ مَقْبُولًا عِنْده ايضا ثمَّ انه عرض لَهُ مرض شَدِيد اضطره الى الِاشْتِغَال بالطب حَتَّى مهر فِيهِ وفوض لَهُ بيمارستان مصر وَدبره احسن التَّدْبِير وصنف كتاب الشِّفَاء فِي الطِّبّ باسم الامير مُحَمَّد بن ايدين وصنف مُخْتَصرا فِيهِ ايضا بالتركية وَسَماهُ التسهيل وصنف قبل اشْتِغَاله بالطب حَوَاشِي على شرح الْمطَالع للعلامة الرَّازِيّ على تصوراته وتصديقاته وصنف تِلْكَ الْحَوَاشِي قبل تحشية السَّيِّد الشريف حَتَّى انه يرد عَلَيْهِ فِي بعض الْمَوَاضِع وَله شرح على الطوالع للبيضاوي وَكَانَ السَّيِّد الشريف يشْهد لَهُ ايضا بالفضيلة التَّامَّة
كَانَ رَحمَه الله من اصحاب الشَّيْخ طابدق امْرَهْ وَقد نقل الْحَطب الى زَاوِيَة شَيْخه مُدَّة كَثِيرَة وَلم يُوجد فِيهَا حطب معوج اصلا فساله الشَّيْخ عَن ذَلِك فَقَالَ لَا يَلِيق بِهَذَا الْبَاب شَيْء معوج وَله كرامات ظَاهِرَة وَكَانَ صَاحب وجد وَحَال وَله نظم كثير بالتركية يفهم مِنْهُ ان لَهُ مقَاما عَالِيا فِي التَّوْحِيد وَمَعْرِفَة عَظِيمَة بالاسرار الالهية قدس سره
الطَّبَقَة الْخَامِسَة
فِي عُلَمَاء دولة السُّلْطَان مُحَمَّد بن بايزيد خَان بُويِعَ لَهُ بالسلطنة فِي سنة سِتّ عشرَة وَثَمَانمِائَة وَمن الْعلمَاء فِي زَمَانه
الْمولى الْعَالم الْفَاضِل برهَان الدّين حيدر بن مَحْمُود الحوافي الْهَرَوِيّ كَانَ رَحمَه الله من تلامذة مَوْلَانَا سعد الدّين التَّفْتَازَانِيّ كَانَ رَحمَه الله عَالما فَاضلا محققا مدققا بلغ من مَرَاتِب الْفضل اعلاها وَرَأَيْت لَهُ حَوَاشِي على شرح الْكَشَّاف لاستاذه الْمولى الْعَلامَة سعدالدين التَّفْتَازَانِيّ اورد فِيهَا اجوبة عَن اعتراضات الْفَاضِل الشريف على استاذه وَله شرح لايضاح الْمعَانِي وَسمعت ان لَهُ شرحا للفرائض السِّرَاجِيَّة
الجزء 1 · صفحة 38
وَكَانَ رَحمَه الله ذَا عفاف ومروأة وَصَاحب ورع وتقوى مَاتَ فِي عشر الثَّلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة روح الله روحه وَنور ضريحه
كَانَ رَحمَه الله عَالما فَاضلا وَكَانَ لَهُ مُشَاركَة فِي الْعُلُوم قرا عَلَيْهِ جدي لامي كتاب التَّلْوِيح للعلامة التَّفْتَازَانِيّ وَكَانَ كلما قُرِئت عَلَيْهِ مسئلة من مسَائِل الاصول يُقرر جَمِيع مَا يتَفَرَّع عَلَيْهِ من مسَائِل الْفُرُوع وَكَانَ عَالما حَافِظًا للمسائل مدرسا مُقَيّدا متواضعا متخشعا طيب النَّفس كريم الاخلاق اتى مَدِينَة بروسا وَاجْتمعَ مَعَ الْمولى يكان وَعرض عَلَيْهِ بعض اشكالاته فَاسْتحْسن الْمولى الْمَذْكُور كَلَامه وَلم يجب عَن اشكالاته وأكرمه غَايَة الاكرام وَله رِسَالَة صنفها فِي دفع التَّعَارُض بَين الايتين وهما قَوْله تَعَالَى انا لننصر رسلنَا وَقَوله تَعَالَى وَيقْتلُونَ النَّبِيين بِغَيْر ح وَسبب تصنيفها مَا جرى بَينه وَبَين عُلَمَاء مصر فِي دفع التَّعَارُض الْمَذْكُور وَرَأَيْت هَذِه الرسَالَة وَعَلَيْهَا خطه وَتشهد تِلْكَ الرسَالَة بفضله وتبحره فِي الْعُلُوم وَسمعت ان لَهُ تصنيفا فِي مَنَاسِك الْحَج وَوجد فِي بعض المجاميع لبَعض الثِّقَات مَكْتُوبًا بِخَطِّهِ انه سَمِعت من بعض المدرسين وَهُوَ يروي عَن وَالِده وَكَانَ صَالحا وَهُوَ يروي عَن الْعَالم الْعَامِل الصَّالح الشهير بصاري يَعْقُوب الكراماني انه قَالَ رايت فِي رُؤْيَايَ فِي حَضْرَة الرسَالَة صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقلت يَا رَسُول الله نقل عَنْك انك قلت لُحُوم الْعلمَاء مَسْمُومَة فَمن شمها مرض وَمن اكلها مَاتَ اهكذا قلت يَا رَسُول الله قَالَ يَا يَعْقُوب قل لُحُوم الْعلمَاء سموم روح الله روحه وأوفر فِي حظائر الْقُدس فتوحه
وَمِنْهُم الْعَالم الْفَاضِل الْمولى يَعْقُوب بن ادريس ابْن عبد الله النكيدي الْحَنَفِيّ الشهير بقرًا يَعْقُوب نِسْبَة الى نكيدة من بِلَاد قرامان
الجزء 1 · صفحة 40
ولد رَحمَه الله سنة تسع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة واشتغل فِي بِلَاده وَمهر فِي الاصول والعربية والمعاني وَكتب على المصابيح شرحا وعَلى الْهِدَايَة حَوَاشِي وَدخل الى البلادالشامية والقاهرة ثمَّ رَجَعَ الى بِلَاده فاقام بلارنده الى ان مَاتَ فِي شهر ربيع الاول سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة رَحمَه الله تَعَالَى
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل الْمولى بايزيدالصوفي
كَانَ رَحمَه الله عَالما عَاملا وعاقلا فَاضلا مُدبرا للأمور نَصبه السُّلْطَان بايزيد خَان معلما لِابْنِهِ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان روح الله روحه
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل الْمولى فضل الله
كَانَ عَالما عَاملا فَقِيها وَكَانَ قَاضِيا ببلدة ككيويزه فِي زمن السُّلْطَان الْمَزْبُور تغمده الله بغفرانه
وَمِنْهُم الْمولى الْعَلامَة محيي الدّين الكافية جي
لقب بذلك لِكَثْرَة اشْتِغَاله بِكِتَاب الكافية فِي النَّحْو وَهُوَ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن سعد بن مَسْعُود الرُّومِي البرغمي قَالَ السُّيُوطِيّ شَيخنَا الْعَلامَة استاذ الاستاذ ابْن محيي الدّين ابو عبد الله الكافية جي ولد سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة واشتغل بِالْعلمِ أول مَا بلغ ورحل الى بِلَاد الْعَجم والتبريز وَلَقي الْعلمَاء الاجلاء فَأخذ الْعُلُوم عَن شمس الدّين الفناري والبرهان حيدره وَالشَّيْخ وَاجِد وَابْن فرشته شَارِح الْمجمع وحافظ الدّين البزازي وَغَيرهم وَدخل الْقَاهِرَة وَأخذ عَنهُ الْفُضَلَاء والاعيان وَولي مشيخة الشيخونية لما رغب عَنْهَا ابْن الْهمام وَكَانَ اماما كَبِيرا فِي المعقولات كلهَا الْكَلَام وأصول الْفِقْه والنحو والتصريف والاعراب والمعاني وَالْبَيَان والجدل والمنطق والفلسفة والهيئة بِحَيْثُ لَا يشق اُحْدُ غباره بِشَيْء من هَذِه الْعُلُوم وَله الْيَد الْحَسَنَة فِي الْفِقْه وَالتَّفْسِير وَالنَّظَر فِي عُلُوم الحَدِيث والف فِيهِ وَأما تصانيفه فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة فَلَا تحصى بِحَيْثُ اني سَأَلته ان يُسَمِّي لي جَمِيعهَا لاكتبها فِي تَرْجَمته فَقَالَ اقدر على ذَلِك قَالَ ولي مؤلفات كَثِيرَة نسيتهَا فَلَا أعرف الان اسماءها وأكثرها مختصرات وأجلها وأنفعها على الاطلاق شرح قواعدالاعراب وَشرح كلمتي الشَّهَادَة وَله مُخْتَصر فِي عُلُوم الحَدِيث ومختصر فِي عُلُوم التَّفْسِير مُسَمّى
الجزء 1 · صفحة 41
بالتيسير قدر ثَلَاث كراريس وَكَانَ يَقُول انه اخترع هَذَا الْعلم وَلم يسْبق اليه وَذَلِكَ لَان الشَّيْخ لم يقف على الْبُرْهَان للزركشي وَلَا على مواقع الْعُلُوم للجلال البُلْقِينِيّ وَكَانَ صَحِيح العقيدة فِي الديانَات حسن الِاعْتِقَاد فِي الصُّوفِيَّة محبا لاهل الحَدِيث كَارِهًا لاهل الْبدع كثير التَّعَبُّد على كبر سنه كثير الصَّدَقَة والبذل لَا يبقي على شَيْء سليم الْفطْرَة صافي الْقلب كثير الِاحْتِمَال لاعدائه صبورا على الاذى وَاسع الْعلم جد لازمته ارْبَعْ عشرَة سنة فَمَا جِئْته من مرّة الا وَسمعت مِنْهُ من التحقيقات والعجائب مالم اسْمَعْهُ قبل ذَلِك قَالَ لي يَوْمًا مَا اعراب زيد قَائِم فَقلت قد صرنا فِي مقَام الصغار نسْأَل عَن هَذَا فَقَالَ لي فِي زيد قَائِم مائَة وَثَلَاثَة عشر بحثا فَقلت لَا أقوم من هَذَا الْمجْلس حَتَّى استفيدها فَاخْرُج لي تذكرتها فكتبتها مِنْهُ توفّي الشَّيْخ شَهِيدا بالاشهاد لَيْلَة الْجُمُعَة رَابِع جُمَادَى الاولى سنة تسع وَسبعين وَثَمَانمِائَة هَذَا مَا ذكره السُّيُوطِيّ رَحمَه الله وَرَأَيْت للْمولى الْمَذْكُور رِسَالَة فِي مسئلة الِاسْتِثْنَاء لم يُغَادر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة الا احصاها وَأورد فِيهَا لطائف لم تسمعها آذان الزَّمَان وَلَقَد طالعتها وانتفعت بهَا روح الله روحه
كتب هُوَ بِخَطِّهِ نسبه فِي كتاب الاجازة هَكَذَا عبد اللطيف بن عبد الرَّحْمَن ابْن احْمَد بن عَليّ بن غَانِم الْمَقْدِسِي الانصاري ولد قدس سره فِي لَيْلَة الْجُمُعَة الموفية للعشرين من شهر رَجَب لسنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة واشتغل اولا بِالْعلمِ الشريف ثمَّ غَلبه الْميل الى طَرِيق التصوف واتصل بِخِدْمَة الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه الشَّيْخ عبد العزيز واجازه للارشاد وَلما وصل الشَّيْخ زين الدّين الخافي الى الْقُدس الشريف انزله الشَّيْخ عبد اللَّطِيف فِي بَيته وأكرمه غَايَة الاكرام وَصَاحب مَعَه وَحصل لَهُ ميل عَظِيم اليه وَلما توجه الشَّيْخ زين الدّين الخافي الى الْحجاز أَرَادَ الشَّيْخ عبد اللطيف ان يُسَافر مَعَه فَمَنعه الشَّيْخ زين الدّين الخافي لانه كَانَت ام الشَّيْخ عبد اللطيف امْرَأَة شريفة مَرضت فِي تِلْكَ الايام فَأمره الشَّيْخ زين الدّين أَن يقوم بِخِدْمَة والدته ووعد لَهُ ان يحصل مُرَاده عندالمراجعة من الْحَج وَلما عَاد الشَّيْخ الى الْقُدس الشريف توجه هُوَ مَعَه الى خُرَاسَان وَقعد بأَمْره فِي الْخلْوَة واشتغل
الجزء 1 · صفحة 42
بالرياضات والمجاهدات ثمَّ ذهب بامر الشَّيْخ الى بَلْدَة جَام وَقعد هُنَاكَ للخلوة الاربعينية على مرقد الشَّيْخ احْمَد النامقي الجامي وَكَانَ يعرض مَا عرض لَهُ من الاحوال على حَضْرَة الشَّيْخ زين الدّين بطرِيق المراسلة ووردت لَهُ آخر الامر آيَة النَّصْر فعرضه على الشَّيْخ فَكتب الشَّيْخ اليه كتاب الاجازة للارشاد ثمَّ ارتحل الى دمشق الشَّام ثمَّ ارتحل الى بِلَاد الرّوم وَدخل مَدِينَة قونيه رُوِيَ انه قَالَ لما دخلت مَدِينَة قونيه زرت اولا مَزَار الشَّيْخ جلال الدّين الْبَلْخِي فَرَأَيْت بدني عُريَانا قَالَ ثمَّ زرت مَزَار الشَّيْخ صدر الدّين القونوي وَكَانَ على مزاره شباك من خشب فجذبني هُوَ من ذيلي من دَاخل الشباك اليه قَالَ ثمَّ زرت مَزَار الشَّيْخ شمس الدّين التبريزي فالتمس مني ان اصلي عَلَيْهِ قَالَ فَصليت عَلَيْهِ قَالَ ثمَّ تَوَجَّهت الى مَدِينَة بروسا فَسمِعت أول يَوْم من سَفَرِي وَأَنا نَائِم على ظهر فرسي قَائِلا يَقُول ينتظرك اهل الْمعرفَة فاسرع وَلَكِن لم أر قَائِله قَالَ وقدمت مَدِينَة بروسا فِي أول شهر شعْبَان قعدت للخلوة مَعَ جمَاعَة من الْعلمَاء من أول الْعشْر الاخير من شعْبَان الى آخر رَمَضَان فَسمِعت فِي أول يَوْم من تِلْكَ الْمدَّة قَائِلا يَقُول هَذِه جمعية من الْجنَّة لَا يُوجد مثلهَا فِي الدُّنْيَا وَله بيتان اشار باول حرف من كل كلمة مِنْهُمَا الى أول حرف من اسماء رجال سلسلة وهما هَذَانِ ... علا زين عزي يَا حبائب مهجعا ... نجيا عل نهج غلا نوع كَونه
عَفا كل رسم جَازَ سري مَتى عَفا ... كَفاهُ جرى بحرزها حِين عونه
على نهج خير الْمُرْسلين مُحَمَّد ... واكرم خلق الله فِي نصر دينه ... وَأَسْمَاء رجال سلسلة هَذِه على التَّرْتِيب عبد اللطيف الْقُدسِي ثمَّ زين الدّين الخافي ثمَّ عبد الرحمن الشريسي ثمَّ يُوسُف العجمي ثمَّ حسن الشمشيري ثمَّ مَحْمُود الاصفهاني ثمَّ نور الدّين النطنزي ثمَّ عمر السهروردي ثمَّ نجيب السهروردي ثمَّ احْمَد الْغَزالِيّ ثمَّ النساج ابو عَليّ ثمَّ كرّ كَانَ ابو عَليّ ثمَّ ابو عُثْمَان المغربي ثمَّ ابو عَليّ الْكَاتِب ثمَّ ابو عَليّ الرُّوذَبَارِي ثمَّ جُنَيْد الْبَغْدَادِيّ ثمَّ سري السَّقطِي ثمَّ مَعْرُوف الْكَرْخِي ثمَّ عَليّ ابْن مُوسَى الرِّضَا ثمَّ مُوسَى الكاظم ثمَّ الامام جَعْفَر الصَّادِق ثمَّ الامام مُحَمَّد الباقر
الجزء 1 · صفحة 43
ثمَّ الامام زين العابدين ثمَّ الامام حُسَيْن بن عَليّ ثمَّ الامام عَليّ بن ابي طَالب كرم الله وَجهه وَرَضي الله تَعَالَى عَنهُ رُوِيَ ان اشْتِغَال اهل هَذَا الطَّرِيق لاجل دفع الضّر وجلب النَّفْع ومعاونة الاخوان ومقابلة الاعداء انما ظهر من الشَّيْخ عبد اللطيف الْقُدسِي وراثة من طَريقَة الشَّيْخ عبد العزيز والافلا مساغ لذَلِك فِي طَرِيق الزينية وَله تصنيف مُسَمّى بِكِتَاب التُّحْفَة فِي بَيَان المقامات والمراتب مَاتَ رَحمَه الله فِي قلعة بروسا فِي يَوْم الْخَمِيس غرَّة شهر ربيع الاول سنة سِتّ وَخمسين وَثَمَانمِائَة وَدفن بِمَدِينَة بروسا عِنْد الزاوية المنسوبة اليه وعَلى قَبره قبَّة يزار ويتبرك بِهِ قدس الله تَعَالَى سره الْعَزِيز
وَمِنْهُم الْعَارِف بِاللَّه الشَّيْخ عبد الرحيم بن الامير عَزِيز المرزيفوني
ولد رَحمَه الله بمرزيفون ثمَّ سَافر الى الْبِلَاد المصرية وَلَقي هُنَاكَ الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه الشَّيْخ زين الدّين الخاقي وَصَاحب مَعَه ثمَّ احبه محبَّة عَظِيمَة وسافر مَعَه الى خاق واختلى عِنْده خلوات كَثِيرَة وتلقن مِنْهُ ذكر لَا اله الا الله وَلبس مِنْهُ الْخِرْقَة الْمُبَارَكَة ونال عِنْده المقامات الْعَالِيَة وَوصل الى مَا وصل وَحصل مَا حصل ثمَّ اجازه الشَّيْخ زين الدّين الخاقي أجَازه الارشاد وَأَجَازَ لَهُ ان يروي عَنهُ كتاب عوارف المعارف وَكتاب اعلام الْهدى للشَّيْخ شهَاب الدّين السهروردي وَأَجَازَ لَهُ ان يروي عَنهُ تصنيفه الموسوم بالوصايا القدسية وَسَائِر مؤلفاته ومروياته وأرسله الى وَطنه مرزيفون من بلادالروم وَقَالَ بعد ذَهَابه اليه ارسلت الى بِلَاد الرّوم نَار الْعِشْق وَلما وصل الى وَطنه عين لَهُ السُّلْطَان مرادخان من اوقاف عِمَارَته بمرزيفون خَمْسَة دَرَاهِم كل يَوْم ثمَّ زَاد عَلَيْهَا ثَلَاثَة وَعين لَهُ كل سنة عشرَة امداد من الْغلَّة وَلما سُئِلَ الشَّيْخ عَن قبُوله هَذِه الدَّرَاهِم قَالَ لَا بَأْس حصرنا الايادي الْمُخْتَلفَة فِي الْيَد الْوَاحِدَة وسددنا بِتِلْكَ اللُّقْمَة فَم النَّفس مَاتَ قدس سره بوطنه مرزيفون وَدفن هُنَاكَ وقبره مَشْهُور هُنَاكَ يزار ويتبرك بِهِ وَله كرامات عيانية ومعنوية خَارِجَة عَن الْعد والاحصاء وَله نظم بالتركية مُشْتَمل على احوال الْعِشْق يلقب نسفه فِي نظمه بالرومي قدس الله روحه وللشيخ زين الدّين الخاقي خَليفَة آخر اسْمه عبد المعطي وَكَانَ سمي هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة بالعبادلة ولد رَحمَه الله بالبلاد الغربية وَكَانَ مالكي الْمَذْهَب ثمَّ وصل الى خدمَة الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه زين الدّين
الجزء 1 · صفحة 44
الخاقي وكمل عِنْده الطَّرِيقَة وَأَجَازَهُ للارشاد ثمَّ توطن بِمَكَّة الشَّرِيفَة زَادهَا الله تَعَالَى تَشْرِيفًا وتكريما ولقب بشيخ الْحرم وَله كرامات عيانية ومعنوية مَشْهُورَة فِي الافاق نقل عَن الْمولى مَحْمُود السندي الَّذِي قد نَيف سنه على مائَة وَعشْرين وَلم يظْهر فِي محاسنه بَيَاض وَقد صَاحب الشَّيْخ زين الدي الخاقي والخواجه عبيد الله السَّمرقَنْدِي وَالسَّيِّد قَاسم الانوك انه قَالَ حججْت فِي بعض السنين وَلَقِيت بِمَكَّة الشَّيْخ عبد المعطي ورأيته على الرياضة القوية والانقطاع عَن النَّاس وأحببته محبَّة عَظِيمَة فَقَالَ لي يَوْمًا سَمِعت انك رايت الخواجة عبيد الله السَّمرقَنْدِي وَهل تعرفه إِذا رَأَيْته الْيَوْم قَالَ قلت نعم قَالَ وَهَا هُوَ فِي الطّواف فَذَهَبت المطاف فرأيته يطوف بِالْبَيْتِ واشتغلت انا ايضا بِالطّوافِ وَقبل فراغي من الطّواف ذهب هُوَ الى مقَام إِبْرَاهِيم واشتغل بِالصَّلَاةِ فَلَمَّا اتممت الطّواف ذهبت الى مقَام إِبْرَاهِيم وشرعت فِي الصَّلَاة فَلَمَّا سلمت لم أر اثرا من الخواجة عبيد الله قَالَ وَبعد فَأتيت الشَّيْخ عبد المعطي فَقَالَ عرفت انك تعرف الخواجة عبيد الله قَالَ وَبعد مُدَّة سَافَرت الى سَمَرْقَنْد وَذَهَبت الى خدمَة الخواجه عبيد الله فَلَمَّا رَآنِي قَالَ لي اكتم مَا جرى قَالَ ثمَّ ذهبت الى مَكَّة فَوجدت الشَّيْخ عبد المعطي اشْتهر بَين النَّاس وَاجْتمعَ عَلَيْهِ جمَاعَة عَظِيمَة قَالَ وَلما ذهبت الى خدمته قَالَ لي شهرت الخواجه عبيد الله عنْدك وَهُوَ شهرني عِنْد النَّاس وَهَؤُلَاء الْمَشَايِخ الاعلام من خلفاء الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه زين الدّين الخاقي وَلَا علينا ان نذْكر بَعْضًا من مناقبه الشَّرِيفَة وان لم يدْخل بلادالروم تبركا بِذكرِهِ وتيمنا بِهِ إِذْ عِنْد ذكر الصَّالِحين تنزل الرحمه وَهُوَ الشَّيْخ زين الدّين ابو بكر بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْمَشْهُور بزين الدّين الخاقي ولد رَحمَه الله بقصبة خاق من بِلَاد خُرَاسَان فِي الْخَامِس عشر من شهر ربيع الاول سنة سبع وَخمسين وَسَبْعمائة كَانَ جَامعا للعلوم الظَّاهِرَة والباطنة وموفقا بمتابعة الشَّرِيعَة وَالسّنة وَكَانَ ذَلِك من أَعلَى الكرامات عِنْد أهل هَذِه الطَّرِيقَة وَأخذ التصوف عَن الشَّيْخ نور الدّين عبد الرحمن الْمصْرِيّ وَكتب لَهُ كتاب الاجازة وَذكر فِيهِ انه لما اسْتحق الْخلْوَة وَقبُول الواردات الغيبية والفتوحات استخرت الله تَعَالَى واخليته خلوتي الْمَعْهُودَة وَهِي سَبْعَة أَيَّام من
الجزء 1 · صفحة 45
الله تَعَالَى فِيهَا عَليّ بِمَا من بفضله فَفتح الله عَلَيْهِ ابواب الْمَوَاهِب من عِنْده فِي اللَّيْلَة الرَّابِعَة وازداد فِي الترقيات فِي دَرَجَات المقامات الى مقَام حَقِيقَة التَّوْحِيد وانحلت مِنْهُ قيود التَّفْرِقَة فِي شُهُود الْجمع قبل تَمام الايام السَّبْعَة ثمَّ فِي اتمامها ظهر لَهُ لوامع التَّوْحِيد الْحَقِيقِيّ الذاتي الْمشَار اليه على لِسَان اهل الْحَقِيقَة بِجمع الْجمع وَهُوَ لقُوَّة استعداده بعدفي الترقي وَالزِّيَادَة وَإِنِّي على رَجَاء من الله ان يَأْخُذ مِنْهُ اليه تَمامًا ويبقيه بَقَاء دواما ويجعله لِلْمُتقين اماما وَحكي عَنهُ انه قَالَ لما أخذت كتاب الاجازة وسافرت الى خُرَاسَان نسيت الْكتاب فِي بَغْدَاد وَلما رجعت الى مصر بعد أمد بعيد وجدت الشَّيْخ قد مَاتَ وَدخلت خلوته فَوجدت فِيهَا كتاب الاجازة الَّذِي كتب لي بِعَيْنِه وَلَا تفَاوت بَينهمَا الافي عدَّة حُرُوف وَلَا ادري انه عرف مَا جرى عَليّ وَكتب كتاب الاجازة وَوَضعه فِي الْخلْوَة لاجلي ام كَانَ هُوَ نُسْخَة اخرى من الْكتاب الْمَذْكُور وعَلى كلا التَّقْدِيرَيْنِ هُوَ من كراماته الظَّاهِرَة لَان الْخلْوَة مَفْتُوحَة الْبَاب يدخلهَا كل اُحْدُ وَبَقَاء الْكتاب الْمَذْكُور فِيهَا على حَاله كَرَامَة بِلَا شكّ وَحكي عَنهُ ايضا انه قَالَ كَانَ للشَّيْخ تَاج البسه لكثير من الْفُقَرَاء واعطاه لي عِنْد رجعتي الى بَغْدَاد وَسَأَلَ ومني التَّاج الْمَزْبُور هُنَاكَ رجل يُقَال لَهُ بير تَاج الكيلاني فأعطيته اياه على شَرط المردة الْمَعْهُودَة بَين اهل الطَّرِيقَة فاستغاث التَّاج الْمَذْكُور لدي فِي الْمَنَام وَقَالَ قد لبسني اكابر هَذِه الطَّرِيقَة وعد أَسمَاؤُهُم والان اعطيتني لرجل مشتغل بِشرب الْخمر فطلبت الرجل فَوَجَدته سَكرَان فِي بَيت الخمارين فَأخذ رفيقي التَّاج من رَأسه ثمَّ رَجعْنَا مَاتَ الشَّيْخ زين الدّين فِي لَيْلَة الاحد الثَّانِيَة من شهر شَوَّال سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة وَمُدَّة عمره اُحْدُ وَثَمَانُونَ سنة قدس الله سره الْعَزِيز
وَمِنْهُم الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه بير الياس الاماسي
كَانَ من اصحاب الشَّيْخ بير الياس وَلما مَاتَ الشَّيْخ توجه اصحابه وخلوا خلوات راصدين الاشارة من الْحق سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الى تعْيين من يقوم مقَامه فَوَقَعت الاشارة الى الشَّيْخ زَكَرِيَّا فعقدوا الْبيعَة مَعَه وَكَانَ صَاحب مجاهدات ومعارف عَظِيمَة وقبره بجوار مسجدالسراجين باماسيه قدس الله سره وروحه
وَمِنْهُم الْعَارِف بِاللَّه الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن جلبي بن الْمولى حسام الدّين كَانَت امهِ بنت الشَّيْخ بير الياس الْمَذْكُور وَأخذ طَريقَة التصوف من الشَّيْخ زَكَرِيَّا وَقَامَ بعده مقَامه وَكَانَ يلقب بِابْن كمشلو لكَون وَالِده من قَصَبَة كمش وَكَانَ عَاشِقًا ومحبا للسماع وَكَانَ لَهُ مهارة فِي تَعْبِير المنامات وَكَانَ لَهُ نظم كثير بالتركية مُتَعَلق بالعشق والوجد وَالْحَال وَكَانَ يلقب نَفسه فِي أشعاره بالحسامي نِسْبَة الى ابيه وقبره بزواية يَعْقُوب باشا بسواد أماسيه
وَهُوَ مِمَّن اخذ من الشَّيْخ الْحَاج بيرام الطَّرِيقَة وَحصل مَا حصل عِنْده وَبلغ رُتْبَة الارشاد قدس الله سره
وومنهم الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه عمر دده البروساوي
وَهُوَ ايضا مِمَّن اخذ من الشَّيْخ الْحَاج بير ام الطَّرِيقَة وَوصل مِنْهُ الى مَا وصل وَحصل عِنْده مَا حصل واجيز لَهُ بالارشاد وَيُقَال انه اخذ الطَّرِيقَة اولا عَن الشَّيْخ حَامِد الْمَذْكُور ثمَّ اتمها عِنْد الشَّيْخ الْحَاج بيرام قدس سره
الجزء 1 · صفحة 48
وَمِنْهُم الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه الشَّيْخ لطف الله
كَانَ من نسل الامير اسفنديار وَكَانَ من جملَة الامراء وَقد توطن فِي بَلْدَة بالي كسْرَى وَقد حضر مَدِينَة انقره للنَّظَر فِي أَمر البنائين للحمام لاجل وَاحِد من اكابر عصره واجتاز بِهِ يَوْمًا الشَّيْخ الْحَاج بيرام وتحدث مَعَه وَوصف مَدِينَة بالي كسْرَى وَرغب الشَّيْخ فِي الذّهاب اليها فَقبله الشَّيْخ وَقَالَ الشَّيْخ لطف الله مَتى تتَوَجَّه اليها قَالَ ان شِئْت اتوجه اليها السَّاعَة إِذْ نَحن فُقَرَاء وَلَا قيود لنا فسافر مَعَ الشَّيْخ الى الْبَلدة المزبورة وَقَالَ اصحاب الشَّيْخ لَهُ فِي الطَّرِيق وَالشَّيْخ يسير قدامهم ان للشَّيْخ همة عَظِيمَة فِي حَقك وَلَو جَلَست فِي الْخلْوَة الاربعينية لوصلت الى مرادك وَعند ذَلِك توقف الشَّيْخ وَقَالَ لَهُم يصل الى مُرَاده بنظرة وَاحِدَة فَنزل الشَّيْخ لطف الله عَن فرسه وَقبل رجل الشَّيْخ ووصلوا الى الْبَلدة المزبروة وَبنى الشَّيْخ هُنَاكَ بَيْتا وَسكن مُدَّة وَحصل الشَّيْخ لطف الله عِنْده مَا حصل وَوصل الى مَا وصل من المقامات الْعلية والحالات البهية ثمَّ ذهب الشَّيْخ الى مَدِينَة أنقره وَنصب الشَّيْخ لطف الله خَليفَة ببلدة بالي كسْرَى وَسكن هُوَ بهَا الى ان مَاتَ فِيهَا وَدفن بهَا قدس الله تَعَالَى سره الْعَزِيز
الطَّبَقَة السَّادِسَة
فِي عُلَمَاء دولة السُّلْطَان مرادخان ابْن السُّلْطَان مُحَمَّد طيب الله ثراه بُويِعَ لَهُ بالسلطنة بعد وَفَاة ابيه فِي سنة خمس وَعشْرين وَثَمَانمِائَة
وَمن عُلَمَاء عصره الْعَالم الْعَامِل والفاضل الْكَامِل الْمولى مُحَمَّد بن ارمغان الشهير بيكان رَحمَه الله
قَرَأَ الْعُلُوم كلهَا على رجل عَالم فِي ولَايَة الامير ابْن ايدين كنت سَمِعت اسْمه من الْوَالِد المرحوم وَلم اتذكره الان ثمَّ قرا على الْمولى شمس الدّين الفناري ثمَّ صَار مدرسا بِبَعْض الْمدَارِس بِمَدِينَة بروسا ثمَّ انْتَهَت اليه رياسة الدَّرْس وَالْفَتْوَى ومنصب الْقَضَاء بعد الْمولى شمس الدّين الفناري وَكَانَ مُعظما ومكرما عِنْد السُّلْطَان مرضيا ومقبولا عندالخواص والعوام ودام على ذَلِك الى ان ترك الْكل وسافر الى الْحجاز ثمَّ عَاد الى بِلَاده وَلم يتول شيأ من المناصب الى ان مَاتَ رَحمَه
الجزء 1 · صفحة 49
الله وَكَانَ فَاضلا ذكيا صَاحب طبع قوي الا انه كَانَ قَلِيل الْحِفْظ وَكَانَ ابيض اللَّوْن طَوِيل الْقَامَة كَبِير اللِّحْيَة وَكَانَ يحب الْعشْرَة مَعَ اصحابه ويهيء لَهُم الاطعمة النفيسة قرا عَلَيْهِ جدي مَوْلَانَا خير الدّين رَحمَه الله روى ان الْمولى يكان حكم بقضية وَهُوَ قَاض بِمَدِينَة بروسا فانكر ذَلِك الحكم اولادالمولى الفناري وهم كَانُوا بِهِ يتعصبون عَلَيْهِ لامر سَنذكرُهُ فارادوا عقدالمجلس لذَلِك فنصح لَهُم بعض المدرسين وَقَالَ ان هَذَا الرجل عَالم فَاضل رُبمَا يجدالملخص فِي هَذَا الامر فَلم يلتفتوا الى كَلَامه فعقدوا الْمجْلس وَحضر الْمولى الْمَذْكُور وَقَالُوا لَهُ حكمك هَذَا مُخَالف لعدة من الْكتب واظهروا لَهُ النَّقْل مِنْهَا فَقَالَ الْمولى الْمَذْكُور ان الامام زفر هَل هُوَ من الْمُجْتَهدين فَقَالُوا نعم قَالَ اني حكمت فِي هَذِه الْقَضِيَّة بمذهبه لمصْلحَة اقتضته فان قدرتم على نقض الحكم فانقضوه فتحير الْكل لعلمهم بِأَن الْمَذْهَب الضَّعِيف يقوى باتصال الْقَضَاء بِهِ وَسبب تعصبهم عَلَيْهِ هُوَ ان الْمولى الفناري اراد ان يُزَوجهُ بنته فَلم يقبل لانه كَانَ قد عهد مَعَ استاذه السَّابِق بِأَن يتَزَوَّج بنته فَلم ترض نَفسه بِنَقْض الْعَهْد
وَمِنْهُم الْعَالم الْفَاضِل الْمولى مُحَمَّد شاه ابْن الْمولى يكان
كَانَ رَحمَه الله مدرسا بسلطانية بروسا ثمَّ استقضي بِالْمَدِينَةِ المزبورة وَمَات وَهُوَ قَاض بهَا رَحمَه الله
وَمِنْهُم الْعَالم الْفَاضِل الْكَامِل الْمولى يُوسُف بالي ابْن الْمولى يكان قَرَأَ رَحمَه الله على وَالِده ثمَّ صَار مدرسا بِبَعْض الْمِدْرَاس بِمَدِينَة بروسا وَمَات وَهُوَ مدرس بهَا روح الله روحه وَله حواش على أَوَائِل التَّلْوِيح
وَمِنْهُم الْعَالم الْفَاضِل الْمولى مُحَمَّد بن بشير
ارتحل من بِلَاده الى مَدِينَة بروسا وَسكن بمدرسة السُّلْطَان بايزيد خَان بِالْمَدِينَةِ المزبورة وَصَارَ من جملَة المتأدبين فِيهَا ثمَّ ارْتقى حَتَّى صَار من جملَة الطّلبَة الساكنين فِيهَا ثمَّ صَار معيدا لتِلْك الْمدرسَة ثمَّ صَار مدرسا بهَا وَمَات وَهُوَ
الجزء 1 · صفحة 50
مدرس بهَا رَحمَه الله وقرا وَهُوَ معيد بهَا حَوَاشِي شرح الْمطَالع للسيدالشريف سِتا وَثَلَاثِينَ مرّة وقرا عَلَيْهِ جدي رَحمَه الله وَهُوَ يدرس الْحَوَاشِي الْمَذْكُورَة سَابِع سَبْعَة وَثَلَاثِينَ وَكَانَ يدرس الايام كلهَا سوى يَوْم الْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ
كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى صَاحب فضل وذكاء وَكَانَ لَهُ قُوَّة طبيعة وجودة قريحة
الجزء 1 · صفحة 60
وَكَانَ مشتغلا بِالْعلمِ وَالْعِبَادَة مُنْقَطِعًا عَن الْخَلَائق مُتَوَجها الى تَكْمِيل نَفسه قَرَأَ على الْمولى يكان وَكَانَ مدرسا بمدرسة اغراس وقرا عَلَيْهِ وَهُوَ مدرس بهَا الْمولى خواجه زَاده وَالْمولى إِيَاس وصنف شرح الْمجمع لِابْنِ الساعاتي وَهُوَ تصنيف عَظِيم مُشْتَمل على فَوَائِد جميلَة وَفِيه مؤاخذات كَثِيرَة على شُرُوح الْهِدَايَة وَيذكر فِي آخر كل كتاب مِنْهُ مَا يشذ عَنهُ من الْمسَائِل الْمُتَعَلّقَة بذلك الْكتاب طالعته وَللَّه الْحَمد وانتفعت بِهِ شكر الله تَعَالَى مساعيه
وَمِنْهُم الْعَالم الْفَاضِل عَلامَة زَمَانه واستاذ اوانه الْمولى عَلَاء الدّين عَليّ الطوسي نور الله تَعَالَى مضجعه
قرا فِي بلادالعجم على عُلَمَاء عصره وَحصل الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية وَكَانَت لَهُ مُشَاركَة فِي الْعُلُوم كلهَا وَمهر فِيهَا وفَاق أقرانه ثمَّ أَتَى بِلَاد الرّوم وأكرمه السُّلْطَان مرادخان وَأَعْطَاهُ مدرسة ابيه السُّلْطَان مُحَمَّد خَان بِمَدِينَة بروسه وَعين لَهُ كل يَوْم خمسين درهما ثمَّ ان السُّلْطَان مُحَمَّد خَان لما فتح مَدِينَة قسطنطينية جعل ثَمَانِي من كنائسها مدارس واعطى وَاحِدَة مِنْهَا للْمولى الْمَذْكُور وَعين لَهُ كل يَوْم مائَة دِرْهَم وَأَعْطَاهُ قَرْيَة هِيَ أقرب الْقرى من مَدِينَة قسطنطينية ولقبت تِلْكَ الْقرْيَة بقرية مدرس وَهِي الان مشتهرة بذلك وَأعْطى وَاحِدَة مِنْهَا للْمولى خواجه زَاده وَوَاحِدَة مِنْهَا للْمولى عبد الكريم وَكَذَلِكَ عين لكل من الْبَوَاقِي مدرسا من فضلاء ذَلِك الدَّهْر ثمَّ لما بنى الْمدَارِس الثمان هُنَاكَ نقل التدريس مِنْهَا اليها والموضع الَّذِي عين للْمولى عَليّ الطوسي مشتهر الان بِجَامِع زيرك وَكَانَ وقتئذ حولهَا مِقْدَار اربعين من الحجرات يسكن فِيهَا الطّلبَة وَفِي بعض الايام اتى السُّلْطَان مُحَمَّد خَان تِلْكَ الْمدرسَة وامر بعض الطّلبَة ان يحضر الْمولى الطوسي فَحَضَرَ فامره ان يدرس عِنْده وان يجلس فِي مَكَانَهُ الْمُعْتَاد فَجَلَسَ الْمولى وَجلسَ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان فِي جَانِبه الايمن والوزير مَحْمُود باشا مَعَه وأحضر الطّلبَة فقرأوا عَلَيْهِ حَوَاشِي شرح الْعَضُد للسَّيِّد الشريف فانبسط الْمولى لحضور السُّلْطَان فِي مَجْلِسه وَحل من المشكلات والدقائق مَالا يُحْصى وَنشر من الْعُلُوم والمعارف مَا لم تسمعه الاذان فطرب السُّلْطَان مُحَمَّد خَان عندمشاهدة فضائله حَتَّى ي يرْوى انه قَامَ وَقعد من شدَّة طربه فَأمر
الجزء 1 · صفحة 61
للْمولى الْمَذْكُور بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وخلعة نفيسة سنية واعطى لكل وَاحِد من الطّلبَة خَمْسمِائَة دِرْهَم ثمَّ ذهب وَالْمولى مَعَه الى مدرسة الْمولى عبد الكريم وَلم يتجاسر هُوَ ان يدرس عِنْد الْمولى الْمَزْبُور فعابه السُّلْطَان على ذَلِك ثمَّ انه مر فِي بعض الايام على مدرسة الْمولى خواجه زَاده وَهُوَ متهيء للدرس فَسلم عَلَيْهِ السُّلْطَان وَلم يدْخل الْمدرسَة واوصاه بالاشتغال وَذهب ثمَّ ان السُّلْطَان مُحَمَّد خَان اعطى الْمولى الطوسي مدرسة وَالِده السُّلْطَان مرادخان بِمَدِينَة ادرنه وَعين لَهُ كل يَوْم مائَة دِرْهَم وَلما ذهب هُوَ الى بِلَاد الْعَجم بنى السُّلْطَان مُحَمَّد خَان جنب تِلْكَ الْمدرسَة مدرسة اخرى وَجعل الْمِائَة نِصْفَيْنِ وَعين لكل وَاحِدَة من المدرستين المزبورتين كل يَوْم خمسين درهما ثمَّ ان السُّلْطَان مُحَمَّد خَان أَمر الْمولى الْمَزْبُور وَالْمولى خواجه زَاده ان يصنفا كتابا للمحاكمة بَين تهافت الامام الْغَزالِيّ قدس سره والحكماء فَكتب الْمولى خواجه زَاده وأتمه فِي اربعة اشهر وَكتب الْمولى الطوسي وأتمه فِي سِتَّة اشهر وسمى كِتَابه بالذخر وفضلوا كتاب الْمولى خواجه زَاده على كتاب الْمولى الطوسي وَأعْطى السُّلْطَان مُحَمَّد خَان لكل وَاحِد مِنْهُمَا عشرَة آلَاف دِرْهَم وَزَاد خواجه زَاده خلعة نفيسة كَانَ ذَلِك هُوَ السَّبَب فِي ذهَاب الْمولى الطوسي الى بِلَاد الْعَجم ثمَّ انه لما وصل الى تبريز لَقِي هُنَاكَ الشَّيْخ الالهي كَانَ الشَّيْخ من تلامذة الْمولى الطوسي فَعمل الشَّيْخ لَهُ ضِيَافَة فِي بعض بساتين تبريز وَكَانَ هُنَاكَ مَاء جَار فَقعدَ الْمولى الطوسي عِنْده ونكس رَأسه كالمتفكر فجَاء اليه الشَّيْخ وَقَالَ يَا مَوْلَانَا فيماذا تتفكر قَالَ حصل لي هُنَا خطور خاطر وَذهب عني مَا بِي من تشويش الخاطر بترك بِلَاد الرّوم ومناصبها فانشد الشَّيْخ بَيْتا فارسيا مضمونه ان فرَاغ الخاطر افضل من كل مَا يتَمَنَّى فصاح الْمولى هُنَاكَ وخر مغشيا عَلَيْهِ ثمَّ افاق رَحمَه الله تَعَالَى على حَاله ثمَّ انه ذهب الى مَا وَرَاء النَّهر وَوصل الى خدمَة الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه خواجه عبيد الله وَحصل هُنَاكَ مَا حصل وَوصل الى مَا وصل من المقامات السّنيَّة والمعارف الذوقية وَله رَحمَه الله تَعَالَى حواش على شرح المواقف للسَّيِّد الشريف وحواش على حَاشِيَة شرح الْعَضُد للسيدالشريف ايضا وحواش على التَّلْوِيح لمولانا التَّفْتَازَانِيّ وحواش على
الجزء 1 · صفحة 62
حَاشِيَة شرح الْكَشَّاف للسَّيِّد الشريف وحواش على حَاشِيَة شرح الْمطَالع للسَّيِّد الشريف ايضا وكل تصانيفه مستحسنة مَقْبُولَة عندالعلماء والفضلاء وَقَالَ بعض الْعلمَاء كنت فِي صغري اقرا على وَاحِد من طلبة الْمولى الطوسي وَكَانَ من اولاد بعض الاكابر وَكَانَ لَهُ فرش ووسائد نفيسة فَدخل الْمولى الطوسي حجرته يَوْمًا وَقَالَ مَا احسن فرشك ووسائدك فَقَالَ ذَلِك الرجل انها عَادَتْ اخلاقا فَقَالَ الْمولى هَذَا يدل على الدولة الْقَدِيمَة قَالَ الرَّاوِي هَذَا اول مَا شَعرت بِهِ من اعْتِبَار المزايا فِي الْكَلَام روح الله روحه وَزَاد فِي أَعلَى غرف جنانه فتوحه
حصل الْعُلُوم فِي بِلَاده وَيُقَال انه قَرَأَ على السَّيِّد الشريف ثمَّ اتى بلادالروم فاتى بَلْدَة قسطموني وواليها اذ ذَاك اسمعيل بك فاكرمه غَايَة الاكرام ثمَّ اتى الى مَدِينَة ادرنه فاعطاه السُّلْطَان مرادخان مدرسة جده السُّلْطَان بايزيد خَان بِمَدِينَة بروسه وعاش الى زمن السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَاجْتمعَ عِنْده مَعَ عُلَمَاء زَمَانه وباحث مَعَهم وَظهر فَضله بَينهم وَله من التصانيف حواش على حَاشِيَة شرح الشمسية للسَّيِّد الشريف وحواش على حَاشِيَة شرح الْمطَالع للسَّيِّد الشريف ايضا وحواش على شرح المواقف للسيدالشريف وَكَانَ لَهُ خطّ حسن يَحْكِي وَالِدي انه راى بِخَطِّهِ الْكَشَّاف وَكَانَ ذَلِك الْكتاب من اعلى نسخ الْكَشَّاف لحسن خطه وَصِحَّته توفّي رَحمَه الله تَعَالَى سنة سِتِّينَ وَثَمَانمِائَة
قَرَأَ على عُلَمَاء عصره ثمَّ ارتحل الى بِلَاد الْعَجم وقرا هُنَاكَ على الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ اَوْ السَّيِّد الشريف ثمَّ اتى بِلَاد الرّوم وفوض اليه تدريس بعض الْمدَارِس وصنف حَاشِيَة على شرح الْمِفْتَاح للعلامة التَّفْتَازَانِيّ وَهِي حَاشِيَة مَقْبُولَة اورد فِيهَا تحقيقات كَثِيرَة وَيفهم من تِلْكَ الْحَاشِيَة ان لَهُ مهارة تَامَّة فِي الْعُلُوم الْعَرَبيَّة ورح الله تَعَالَى روحه
كَانَ ابوه وزيرا للسُّلْطَان مرادخان كَانَ هُوَ قَاضِيا بالعسكر الْمَنْصُور فِي زمن وَالِده وَكَانَ رجلا عَالما فَاضلا ذَا مَنَاقِب جليلة مَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى فِي حَيَاة وَالِده روح الله روحه وَمن الْمَشَايِخ فِي زَمَانه الشَّيْخ المجذوب آق بيق كَانَ من اصحاب الشَّيْخ الْحَاج بيرام وَفتحت لَهُ فِي أثْنَاء الْخلْوَة ابواب الدُّنْيَا وقنع بهَا فنصح لَهُ الشَّيْخ وَقَالَ الدِّينَا فانية وَلَا بُد من طلب الْبَاقِي وَقَالَ آق بيق الدُّنْيَا مزرعة الاخرة وَبهَا يفتح ابواب الْجنَّة وَانْصَرف عَن الشَّيْخ فَقَالَ الشَّيْخ اذن لَا يصحبك مني شَيْء وَلما اراد الْخُرُوج من الزاوية سقط التَّاج عَن رَأسه وَعرف انه من جِهَة الشَّيْخ فَبَقيَ حاسر الراس الى آخر عمره وَكَانَ يُرْسل شعره وَلَا يحلقه وَانْفَتح لَهُ ابواب الدُّنْيَا وَكَانَ يلقِي الصَّفْرَاء والبيضاء فِي زَاوِيَة من بَيته وَلَا يلْتَفت الى حفظهَا وينفقها على الْفُقَرَاء والمحاويج وَاشْترى دَارا عَظِيمَة فِي مَدِينَة بروسه وَتوسع فِي النَّفَقَات وَكَانَ صَاحب كشف وكرامات وَكَانَ سكره يغلب على صحوه حكى الْمولى الْوَالِد انه كَانَ لَهُ ولد مَكْشُوف الرَّأْس وشعره مُرْسل وَكَانَ
الجزء 1 · صفحة 67
يقْرَأ بِهَذَا الزي على الْمولى عَلَاء الدّين عَليّ الْعَرَبِيّ مَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى بِمَدِينَة بروسه وَدفن بهَا وقبره مَشْهُور هُنَاكَ قدس الله سره
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَارِف بِاللَّه الشَّيْخ مُحَمَّد الشهير بِابْن الْكَاتِب
كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى من خلفاء الشَّيْخ الْحَاج بيرام قدس الله سره وتوطن فِي مَدِينَة كليبولي مُتَوَجها الى الْحق مُنْقَطِعًا عَن الْخلق ونظم كتابا بالتركية سَمَّاهُ بالمحمدية ذكر فِيهِ من مبدأ الْعَالم الى وَفَاة نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأورد فِيهِ مَا ذكر فِي التفاسير والاحاديث والاثار الصَّحِيحَة وَرُبمَا يمزجه بمعارف الصُّوفِيَّة وَهُوَ كتاب حسن يعْتَمد عَلَيْهِ فِي نَقله وَله شرح لفصوص ابْن الْعَرَبِيّ شَرحه على سَبِيل الاجمال وَلم يتَعَرَّض لتأويل مشكلاته وَله كرامات ظَاهِرَة وباطنة تعرف احواله من كِتَابه الْمَزْبُور وقبره بِالْمَدِينَةِ المزبورة نور الله تَعَالَى مضجعه
كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى من ولَايَة منوغاذ وَكَانَ من جملَة الطّلبَة المشتغلين بالعلوم الظَّاهِرَة عندالشيخ بيري خَليفَة الْحميدِي الْمَذْكُور آنِفا وَلما زار هُوَ الشَّيْخ عبد اللطيف الْمَقْدِسِي بقونية ذهب الشَّيْخ تَاج الدّين مَعَه وَلما رَجَعَ هُوَ الى وَطنه قَالَ لَهُ الشَّيْخ عبد اللطيف خل الشَّيْخ تَاج الدّين عِنْدِي وَلما وصل الشَّيْخ عبد اللطيف الى بروسه كَانَ الشَّيْخ تَاج الدّين فِي خدمته واختلى عِنْده الخلوات وَحصل طَريقَة التصوف حَتَّى بلغ رُتْبَة الارشاد وَلما مَاتَ الشَّيْخ عبد اللطيف الْمَقْدِسِي ببروسه أَقَامَ مقَامه لارشاد الطالبين فاهتم فِي ارشادهم غَايَة الاهتمام وَاجْتمعَ عَلَيْهِ كثير من الطلاب وَوصل كل مِنْهُم الى متمناه وَحكي عَن بعض خُدَّامه انه قَالَ
الجزء 1 · صفحة 69
قسمت اللَّيْلَة للطالبين المجتمعين عِنْده مائَة وَعشْرين قَصْعَة من الطَّعَام وَحكي عَن بعض اصحابه انه قَالَ فَقدنَا الشَّيْخ مُدَّة فاجتهدنا فِي طلبه فوجدناه على جبل مَدِينَة بروسا مشتغلا بالرياضة وَذَلِكَ الْموضع الان مصطاف اهل زاويته وَقد بنى رجل يدعى بخواجه رستم هُنَاكَ حجرات للطالبين من الصُّوفِيَّة وَأما زَاوِيَة الشَّيْخ عبد اللطيف ومسجده فِي مَدِينَة بروسه فَإِنَّمَا هما لرجل من تجار الْعَجم من احباء الشَّيْخ عبد اللَّطِيف يدعى بخواجه بخشايش مَاتَ قدس سره فِي شهر صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَثَمَانمِائَة وَدفن عِنْد شَيْخه عبد اللطيف تَحت قبَّة مَبْنِيَّة عِنْد زاويته بِالْمَدِينَةِ المزبورة وَقَالَ المؤرخ فِي تَارِيخ وَفَاته ... انْتقل الشَّيْخ وتاريخه ... قدسك الله بسر رفيع ...
وَمِنْهُم الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى حسن خواجه
كَانَ من ولَايَة قراسي ولد فِي مَدِينَة بالي كسْرَى وَصَحب الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه السَّيِّد مُحَمَّد بن عَليّ الْحُسَيْنِي الْمَشْهُور بالسيد البُخَارِيّ المدفون بِمَدِينَة بروسه وَلما مرض السَّيِّد البُخَارِيّ التمسوا مِنْهُ ان يعين مقَامه لاجل الارشاد وَاحِدًا من اصحابه فَقَالَ إِذا مت اذْهَبُوا الى الرجل الْفُلَانِيّ المجذوب السَّاكِن بِالْمَدِينَةِ المزبورة حَتَّى يعين وَاحِدًا من اصحابي للارشاد وَلما توفّي قدس سره ذهبت اصحابه الى المجذوب المزبورفتكلموا فِيمَا ذَهَبُوا لاجله من مصلحَة التَّعْيِين فَغَضب عَلَيْهِم المجذوب وطردهم من عِنْده ثمَّ ذَهَبُوا اليه ثَانِيًا وَذكروا عِنْده وَصِيَّة السَّيِّد البُخَارِيّ فَقبل المجذوب وَصيته وَقَالَ لَهُم انْظُرُوا الى الْعَرْش فنظروا فَإِذا السَّيِّد البُخَارِيّ جَالس فِيهِ وَعِنْده حسن خواجه الْمَزْبُور فعرفوا بِهَذِهِ الاشارة انه الْخَلِيفَة من بعد السَّيِّد الْمَذْكُور وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى عَالما عَارِفًا تقيا نقيا زاهدا متورعا قَائِما لمصْلحَة الارشاد وَمضى عمره على الْعِبَادَة وَالطَّاعَة قدس سره
وَمِنْهُم الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى ولي شمس الدّين من خلفاء حسن خواجه الْمَزْبُور
الجزء 1 · صفحة 70
كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى عَالما زاهدا ورعا تقيا نقيا يعظ النَّاس وَيذكرهُمْ وانتفع بِهِ الاكثرون وَرَأَيْت بِخَطِّهِ مَجْمُوعَة جمع فِيهَا من لطائف التَّنْزِيل ودقائق الحَدِيث وكلمات اهل الْعرْفَان مَالا يُحْصى كَثْرَة ووقفت بِتِلْكَ الْمَجْمُوعَة على ان لَهُ اطلاعا عَظِيما على المعارف وان لَهُ يدا طولى فِي التَّفْسِير والْحَدِيث قدس الله سره
الطَّبَقَة السَّابِعَة
فِي عُلَمَاء دولة السُّلْطَان مُحَمَّد خَان ابْن السُّلْطَان مُرَاد خَان طيب الله ثراهما بُويِعَ لَهُ بالسلطنة بعد وَفَاة ابيه فِي سنة خمس وَخمسين وَثَمَانمِائَة وَقد كَانَ السُّلْطَان مرادخان قبل وَفَاته بعدة سِنِين ترك السلطنة وَذهب الى بَلَده مغنيسا وأجلس ابْنه السُّلْطَان مُحَمَّد خَان مَكَانَهُ ثمَّ نَدم على ذَلِك لامور يطول شرحها فارسل ابْنه السُّلْطَان مُحَمَّد خَان مَكَانَهُ بمغنيسا وَجلسَ هُوَ مَكَانَهُ الى ان مَاتَ ثمَّ ان السُّلْطَان مُحَمَّد خَان لما جلس على سَرِير السلطنة اولا جعل الْمولى حشرو قَاضِيا بالعسكر الْمَنْصُور فَلَمَّا عزل عَن السلطنة تَركه اركان السلطنة بأجمعهم وَلم يتْركهُ الْمولى خسرو فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان اذْهَبْ انت ايضا مَعَهم فَقَالَ لَا أذهب ان من المروأة ان يُشَارك الرجل صَاحبه فِي الدولة والعزل فَأَحبهُ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان لهَذَا الْكَلَام محبَّة عَظِيمَة حَتَّى اكرمه فِي أَيَّام سلطنته الثَّانِيَة اكراما عَظِيما وَعين لَهُ مناصب عالية وعاش فِي ابهة وجلالة وَهُوَ مُحَمَّد بن قرامرز كَانَ وَالِده من أُمَرَاء التراكمة وَكَانَ هُوَ رومي الاصل ثمَّ اسْلَمْ وَكَانَ لَهُ بنت زَوجهَا من أَمِير آخر يُسمى بخسرو وَابْنه مُحَمَّد كَانَ فِي حجر خسرو بعد وَفَاة ابيه فاشتهر بِأَخ زَوْجَة خسرو ثمَّ غلب عَلَيْهِ اسْم خسرو واخذ الْعُلُوم عَن مَوْلَانَا برهَان الدّين حيدر الْهَرَوِيّ الْمُفْتِي فِي الْبِلَاد الرومية ثمَّ صَار مدرسا بِمَدِينَة ادرنه فِي مدرسة يُقَال لَهَا مدرسة شاه ملك وَكَانَ لَهُ اخ مدرس بِالْمَدْرَسَةِ الحلبية وَكَانَ جدي يقْرَأ عِنْده وَلما توفّي هُوَ هُنَاكَ ارسل الْمولى خسرو جدي المرحوم الى الْمولى يُوسُف بالي ابْن الْمولى شمس الدّين الْغِفَارِيّ وَهُوَ مدرس وقتئذ فِي مدرسة السُّلْطَان مُحَمَّد خَان بِمَدِينَة بروسه ثمَّ ان الْمولى خسرو كتب فِي الْمدرسَة المزبورة حَوَاشِي على المطول وَاتفقَ ان جَاءَ السَّيِّد احْمَد القريمي وارسل حَوَاشِيه اليه لينْظر
الجزء 1 · صفحة 71
فِيهَا فَكتب هُوَ على حَاشِيَة تِلْكَ الْحَوَاشِي كَلِمَات يرد فِيهَا على الْمولى خسرو فَصنعَ الْمولى خسرو طَعَاما ودعا الْمولى القريمي الى بَيته للضيافة وَجمع عُلَمَاء بَلَده ايضا ثمَّ احضر حَوَاشِيه وَقرر كَلِمَات الْمولى القريمي وَقرر اجوبته عَنْهَا فَسلم الْمولى القريمي اجوبته بِمحضر من الْعلمَاء وَاعْتذر عَمَّا فعله ثمَّ ان الْمولى خسرو صَار مدرسا بمدرسة اخيه بعد وَفَاته ثمَّ صَار قَاضِيا بالعسكر الْمَنْصُور وَلما جلس السُّلْطَان مُحَمَّد خَان على سَرِير السلطنة ثَانِيًا جعل لَهُ كل يَوْم مائَة دِرْهَم وَلما فتح قسطنطينية جعل الْمولى حضر بك قَاضِيا فِيهَا وَلما مَاتَ هُوَ اعطى قَضَاء قسطنطينية مَعَ خواصها وَقَضَاء غلطه وَقَضَاء اسكدار لمولانا خسرو وَضم اليها تدريس مدرسة اياصوفية كَانَ يذهب طلبته باجمعهم الى بَيته وَقت الضحوة ويتغدون عِنْده ثمَّ يركب الْمولى الْمَذْكُور بغلته وَيَمْشي الطّلبَة قدامه الى الْمدرسَة ثمَّ ينزل الْمولى فيدرس ثمَّ يَمْشُونَ قدامه الى بَيته وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى مَرْبُوع الْقَامَة عَظِيم اللِّحْيَة وَكَانَ يلبس الثِّيَاب الدنيئة وعَلى ر أسه تَاج عَلَيْهِ عِمَامَة صَغِيرَة فَإِذا دخل يَوْم الْجُمُعَة جَامع ايا صوفية يقوم لَهُ من فِي الْجَامِع كلهم ويطرقون لَهُ الى الْمِحْرَاب وَيُصلي عندالمحراب وَالسُّلْطَان مُحَمَّد خَان ينظر من مَكَانَهُ ويفتخر بِهِ وَيَقُول لوزرائه انْظُرُوا هَذَا ابو حنيفَة زَمَانه وَكَانَ متخشعا متواضعا صَاحب اخلاق حميدة وَصَاحب سُكُون ووقار وَكَانَ يخْدم فِي بَيت مطالعته بِنَفسِهِ وَقد كَانَ عهد ذَلِك مَعَ مَا لَهُ من العبيد والجواري بِحَيْثُ لَا يُحصونَ كَثْرَة وَكَانَ يكنس بِنَفسِهِ بَيت مطالعته يُوقد فِيهِ نَارا وسراجا وَكَانَ مَعَ مَاله من أشغال الْقَضَاء والتدريس يكْتب كل يَوْم ورقتين من كتب السّلف وَكَانَ لَهُ خطّ حسن وَخلف بعد مَوته كتبا كَثِيرَة بِخَطِّهِ وَوجد فِيهَا نسختان بِخَطِّهِ من شرح المواقف للسَّيِّد الشريف واشتراهما بعض من عُلَمَاء هَذِه الديار بِسِتَّة الاف دِرْهَم ثمَّ ان السُّلْطَان مُحَمَّد خَان اتخذ وَلِيمَة عَظِيمَة فِي ذَلِك الْعَصْر فارسل الى الْمولى الكوراني واستاذنه فِي أَيْن يجلس فَقَالَ الاليق بالكوراني ان يخْدم فِي هَذِه الْوَلِيمَة وَلَا يجلس فَوَقع هَذَا الْكَلَام فِي خاطر السُّلْطَان مُحَمَّد خَان فعين لَهُ جَانب الْيَمين وَعين جَانب الْيَسَار لمولانا خسرو وَلم يرض بذلك الْمولى خسرو فَكتب كتابا وَقَالَ فِيهِ ان
الجزء 1 · صفحة 72
الْغيرَة العلمية والدينية اقْتَضَت ان لَا احضر ذَلِك الْمجْلس فارسل الْكتاب الى الدِّيوَان العالي وَركب هُوَ فِي السَّفِينَة وَذهب الى بروسه وَبنى هُنَاكَ مدرسة ودرس فِيهَا وَبعد زمَان نَدم السُّلْطَان مُحَمَّد خَان على مَا فعله وَدعَاهُ الى مَدِينَة قسطنطينية فامتثل امْرَهْ واعطاه منصب الْفَتْوَى وأكرمه اكراما بَالغا وَله مَسَاجِد بناها فِي عدَّة مَوَاضِع من قسطنطينية وَمن مصنفاته حَوَاشِي شرح المطول وَقد مر ذكره وحواشي التَّلْوِيح وحواش على اوائل تَفْسِير الْعَلامَة الْبَيْضَاوِيّ وَله متن فِي الاصول يُسمى بمرقاة الْوُصُول وَشَرحه شرحا لطيفا جَامعا لفوائد الْمُتَقَدِّمين مَعَ زَوَائِد أبدعها خاطره الشريف سَمَّاهُ مرآه الْأُصُول وَله متن فِي الْفِقْه سَمَّاهُ بالغرر وَشَرحه شرحا حسنا جَامعا متضمنا للطائف وَسَماهُ بالدرر وَله رِسَالَة فِي الْوَلَاء ورسالة مُتَعَلقَة بتفسير سُورَة الانعام وَغير ذَلِك مَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة بقسطنطينية وَحمل الى مَدِينَة بروسه وَدفن فِي مدرسته روح الله تَعَالَى روحه
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل والفاضل الْكَامِل الْمولى خير الدّين خَلِيل بن قَاسم ابْن الْحَاج صفا روح الله روحه وأوفر فِي الْجنان فتوحه
هُوَ جدي لوالدي كَانَ جده الاعلى اتى من بِلَاد الْعَجم الى بلادالروم هَارِبا من فتْنَة جنكيز خَان وتوطن فِي نواحي قسطموني وَكَانَ صَاحب كرامات ويستجاب عِنْد قَبره الدَّعْوَات وَهُوَ مَشْهُور بِتِلْكَ الْبِلَاد ولد لَهُ ولد اسْمه مَحْمُود وَهُوَ حصل شَيْئا من الفقاهة والعربية وَلم يترق الى دَرَجَة الْفَضِيلَة وَولد لَهُ ولد اسْمه احْمَد وَهُوَ ايضا كَانَ عَارِفًا بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْفِقْه وَلم يبلغ مبلغ الْفَضِيلَة وَولد لَهُ ولد اسْمه الْحَاج صفا وَهُوَ ايضا كَانَ فَقِيها وعابدا صَالحا وَلم يكن لَهُ فَضِيلَة زَائِدَة وَولد لَهُ ولد اسْمه قَاسم مَاتَ وَهُوَ شَاب فِي طلب الْعلم وَولد لَهُ ولد اسْمه خَلِيل وَهُوَ جدي مَوْلَانَا خير الدّين وَهُوَ قد بلغ مرتبَة الْفضل قَرَأَ رَحمَه الله تَعَالَى فِي بِلَاده مباني الْعُلُوم ثمَّ سَافر الى مَدِينَة بروسا وقرا هُنَاكَ على الْمولى ابْن بشير الْمَار ذكره ثمَّ سَافر الى ادرنه وَقَرَأَ هُنَاكَ على أخي مَوْلَانَا خسرو وَقَرَأَ التَّفْسِير والْحَدِيث على الْمولى فَخر الدّين العجمي ثمَّ اتى مَدِينَة بروسه وقرا على الْمولى يُوسُف بالي ابْن الْمولى شمس الدّين الفناري وَهُوَ مدرس بسلطانية بروسه ثمَّ وصل الى خدمَة
الجزء 1 · صفحة 73
الْمولى الْفَاضِل مُحَمَّد الشهير بيكان واشتهر عِنْده بالفضيلة التَّامَّة وَكَانَ الامير وقتئذ على قسطموني اسمعيل بك نجل الامير جندار وَاتفقَ ان اكمل فِي ذَلِك الْوَقْت مدرسة مظفر الدّين الْوَاقِعَة فِي بَلْدَة طاشكبري من نواحي قسطموني فارسل الامير اسمعيل الى الْمولى يكان وَالْتمس مِنْهُ ان يُرْسل اليه وَاحِدًا من طلبته لتدريس الْمدرسَة المزبورة فَأرْسل الْمولى الْمَزْبُور جدي وَعين كل يَوْم لَهُ ثَلَاثِينَ درهما لوظيفة التدريس وَعين لَهُ كل يَوْم خمسين درهما من محصول كرة النّحاس وعاش هُنَاكَ فِي نعْمَة وافرة وَعزة متكاثرة ثمَّ ان السُّلْطَان مُحَمَّد خَان لما اخذ تِلْكَ الْبِلَاد من يَد اسمعيل بك الْمَذْكُور فرغ جدي عماعين لَهُ من محصول كرة النّحاس تورعا لمداخلة بعض الْبدع عَلَيْهَا وَلما بنى السُّلْطَان مُحَمَّد خَان الْمدَارِس الثمان بقسطنطينية ذكر الْمولى خير الدّين الَّذِي كَانَ معلما للسُّلْطَان مُحَمَّد خَان جدي المرحوم لتدريس احدى الثمان ومدحه عِنْده وَكَانَ قد قَرَأَ على جدي فارسل اليه السُّلْطَان مُحَمَّد خَان امرا ليجيء الى قسطنطينية ويدرس فِي احدى الْمدَارِس الثمان فَلم يمتثل جدي امْرَهْ فَعَزله السُّلْطَان مُحَمَّد خَان عَن الْمدرسَة الْمَذْكُورَة وَقَالَ إِذا جَاءَ لطلب المنصب اكرهه على الْمقَام بقسطنيطنية فَلم يذهب جدي وَقَالَ بعض اغنياء اهل الْبَلدة لَعَلَّه لَيْسَ للْمولى مَال يَسْتَعِين بِهِ على السّفر ويستحيي ان يسْأَل وأفرز ذَلِك الْبَعْض عَن مَاله عشرَة آلَاف دِرْهَم وأتى بهَا الى جدي وَقَالَ اسْتَعِنْ بهَا على السّفر فَلم يقبل وَقَالَ لَا يَلِيق بِي ان اتوجه الى غير بَاب الله تَعَالَى بعد هَذَا كَانَ الْمولى الْوَالِد رَحمَه الله يَقُول كَانَ معاشنا بعد هَذَا الْعَزْل اوسع وأرغد مِمَّا كَانَ فِي أَيَّام المنصب قَالَ ثمَّ ان اهالي كرة النّحاس اتوا اليه وأخذوه الى كرة النّحاس بعد تضرع كثير وابرام وافر وَكَانَ يعظ النَّاس فِي كل يَوْم جُمُعَة وَمَات هُنَاكَ وَدفن عِنْد الْجَامِع فِي سنة تسع وَسبعين وَثَمَانمِائَة قَالَ الْمولى الْوَالِد كَانَ وَالِدي رَحمَه الله تَعَالَى مدرسا فِي الْمدرسَة المزبورة مُدَّة اربعين سنة وَكَانَ مشتهرا بعلمي البلاغة وَكَانَ لَهُ معرفَة تَامَّة بالاصولين وَالْفِقْه وَالتَّفْسِير والْحَدِيث وَكَانَ متشرعا متورعا طَاهِر الظَّاهِر وَالْبَاطِن متحرزا عَن اللَّغْو وفضول الْكَلَام وَكَانَ يكثر الِاعْتِكَاف فِي الْمَسْجِد وتلاوة الْقُرْآن وَصَوْم
الجزء 1 · صفحة 74
التَّطَوُّع ونوافل الصَّلَاة حكى لي مَوْلَانَا مُحَمَّد بن قَاسم الشهير بِابْن الْخَطِيب قَاسم عَن رجل صوفي اسْمه عَليّ من خلفاء الشَّيْخ عبد الرحيم المرزيفوني ان الشَّيْخ عبد الرحيم اتى مَدِينَة قسطنطينية قبل الْفَتْح على حمَار وَأَنا أَمْشِي قدامه ودخلها وباحث هُنَاكَ مَعَ بعض الرهابين الساكنين فِي أيا صوفية حَتَّى أسلم مِنْهُم مِقْدَار اربعين رجلا اخفوا اسلامهم خوفًا من طاغيتهم يرْوى انه وجد مِنْهُم سِتَّة أنفس عِنْد الْفَتْح وَلما رَجَعَ الشَّيْخ الْمَذْكُور من مَدِينَة قسطنطينية مر على بَلْدَة طاشكبري وَقَالَ للخادم الْمَذْكُور ان هَهُنَا مدرسا عَالما متورعا متشرعا يجب علينا زيارته قَالَ فَلَمَّا وصلنا الى بَابه قَالُوا انه فِي الْمَسْجِد فَذهب الشَّيْخ الى الْمَسْجِد وَلما وصل الى بَاب الْمَسْجِد قَالَ للخادم الْمَذْكُور يَا عَليّ خُذ هَذَا الْخَاتم واشار الى خَاتم فِي اصبعه ان هَذَا رجل عَالم متشرع اخاف ان يُنكر عَليّ لاجله ثمَّ ان الشَّيْخ دخل عَلَيْهِ بتعظيم وتوقير وَصَاحب مَعَه زَمَانا ثمَّ ودع وَذهب هَذَا مَا سمعته من الْمولى الْمَذْكُور وَحكى الْمولى الْوَالِد عَن الْمولى خواجه زَاده انه قَالَ كَانَ الْمولى خير الدّين طَالب علم وَكَانَ سَاكِنا فِي سلطانية بروسه وَكَانَ يقرا عَلَيْهِ بعض المتأدبين قَالَ وَكُنَّا نسْمع الى درسه وَكَانَ صَاحب تَحْقِيق وتدقيق وَحسن تَقْرِير حَتَّى كُنَّا نَنْتَظِر وَقت درسه ونتلذذ باستماع تَقْرِيره قَالَ وَمَنَعَنِي حَدَاثَة السن عَن الْقِرَاءَة عَلَيْهِ نور الله تَعَالَى قَبره
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل والفاضل الْكَامِل الْمولى مُحَمَّد الشهير بزيرك
قرا رَحمَه الله تَعَالَى فِي صباه على الشَّيْخ الْحَاج بيرام ولقبه هُوَ بزيرك وَأخذ عَن مَوْلَانَا حضر شاه ثمَّ صَار مدرسا بمدرسة السُّلْطَان مرادخان الْغَازِي بِمَدِينَة بروسه ثمَّ نَقله السُّلْطَان مُحَمَّد خَان الى احدى الْمدَارِس الَّتِي عينهَا عِنْد فتح مَدِينَة قسطنطينية قبل بِنَاء الْمدَارِس الثمان وَهَذَا الْموضع مشتهر الان بالاضافة اليه وَعين لَهُ كل يَوْم خمسين درهما وَجعل يصرف الْعشْرين مِنْهَا الى مصارف بَيته وَيُرْسل الْبَاقِي الى فُقَرَاء الشَّيْخ الْحَاج بيرام قدس سره وَكَانَ اشْتِغَاله بِالْعبَادَة أَكثر من اشْتِغَاله بِالْعلمِ ادّعى الْفضل فِي يَوْم من الايام على السَّيِّد الشريف عِنْد السُّلْطَان مُحَمَّد خَان فثقل ذَلِك الْكَلَام عَلَيْهِ ودعا خواجه زَاده وَهُوَ وقتئذ كَانَ
الجزء 1 · صفحة 75
مدرسا بِمَدِينَة بروسا فِي مدرسة السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَأمره بالبحث مَعَ الْمولى زيرك وَكَانَ للْمولى خواجه زَاده سُؤال على برهَان التَّوْحِيد فارسله الى الْمولى زيرك ليكتب جَوَابا عَنهُ فَلَمَّا كتب جَوَابه حضرا عِنْد السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَالْحكم بَينهمَا الْمولى خسرو والوزير مَحْمُود باشا قَائِم على قَدَمَيْهِ فشرع الْمولى خواجه زَاده فِي الْكَلَام اولا فَقَالَ فَليعلم السُّلْطَان انه لَا يلْزم من الانكار على الْبُرْهَان الانكار على الْمُدَّعِي وَإِنِّي اخاف ان يَقُول النَّاس ان خواجه زَاده انكر التَّوْحِيد ثمَّ قرر سُؤَاله وَأجَاب عَنهُ الْمولى زيرك وَجرى بَينهمَا مبَاحث عَظِيمَة وكلمات كَثِيرَة وَلم ينْفَصل الامر فِي ذَلِك الْيَوْم حَتَّى استمرت المباحثة الى سَبْعَة ايام وَأمر السُّلْطَان مُحَمَّد خَان فِي الْيَوْم السَّادِس ان يطالع كل مِنْهُمَا مَا حَرَّره صَاحبه فَقَالَ الْمولى زيرك لَيْسَ عِنْدِي نُسْخَة غير هَذِه فَقَالَ الْمولى خواجه زَاده عِنْدِي نُسْخَة اخرى وَأعْطِي هَذِه اليه وآخذ مَا حَرَّره وأكتب مَا حَرَّره على ظهر نُسْخَتي فَاخْرُج الْوَزير مَحْمُود باشا من وَسطه دَوَاة وَوَضعه عِنْد خواجه زَاده فشرع هُوَ فِي الْكِتَابَة فَقَالَ السُّلْطَان تلطفا بِهِ ايها الْمولى لَا تكْتب كَلَامه غَلطا قَالَ وَلَو كتبت غَلطا لَا يكون ذَلِك الْغَلَط أَكثر من غلطه فَضَحِك السُّلْطَان من هَذَا الْكَلَام ثمَّ فِي الْيَوْم السَّابِع ظهر فضل الْمولى خواجه زَاده عَلَيْهِ وَحكم بذلك الْمولى خسرو أَيْضا فَقَالَ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان مُخَاطبا الخواجه زَاده أَيهَا الْمولى قد ورد فِي الحَدِيث ان من قتل قَتِيلا وَله بَيِّنَة فَلهُ سلبه وانت قتلت هَذَا الرجل وانا شَاهد بذلك فاعطيتك مدرسته وَكَانَ خواجه زَاده مدرسا وقتئذ بكنيسة من كنائس قسطنطينية الَّتِي وَضعهَا السُّلْطَان مُحَمَّد خَان مدارس قبل بِنَاء الْمدَارِس الثمان فَخَرَجَا من عِنْده فَاجْتمع احباء الْمولى زيرك عَلَيْهِ فَقَالُوا لَهُ كَيفَ كَانَ الامر قَالَ ان خواجه زَاده انكر التَّوْحِيد فَمَا زلت اضْرِب رَأسه حَتَّى اعْترف بِالتَّوْحِيدِ وخسرو مَا زَالَ يدْفع يَدي عَنهُ ثمَّ ذهب الْمولى زيرك الى بروسه وتوطن بهَا وَكَانَ لَهُ جَار هُنَاكَ يدعى بخواجه حسن فجَاء اليه وَقَالَ يَا مَوْلَانَا كم خراجك كل يَوْم قَالَ عشرُون درهما قَالَ انا اكفل بِهِ كل يَوْم فاعطى لَهُ خواجه حسن الْمَذْكُور مَا كفل بِهِ الى ان مَاتَ الْمولى الْمَزْبُور ثمَّ ان السُّلْطَان مُحَمَّد خَان نَدم على مَا فعله فَعرض عَلَيْهِ
الجزء 1 · صفحة 76
مناصب فَلم يقبل وَقَالَ ان السُّلْطَان هُوَ خواجه حسن وَالْمولى الْمَذْكُور لم يشْتَغل بالتصنيف صدر مِنْهُ بعض التعليقات على حَوَاشِي الْكتب وَرَأَيْت لَهُ رِسَالَة فِي بحث الْعلم تدل على ان فرط ذكائه مَنعه عَن تعْيين الْحق وَصرف همته الى جَانب الاعتراضات نور الله تَعَالَى روحه الْعَزِيز
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل والفاضل الْكَامِل الْمولى مصلح الدّين مصطفى بن يُوسُف بن صَالح البروسوي المشتهر بَين النَّاس بالمولى خواجه زَاده نور الله تَعَالَى مرقده وَفِي أَعلَى غرف الْجنان ارقده
كَانَ وَالِده من طَائِفَة التُّجَّار وَكَانَ صَاحب ثروة عَظِيمَة وَكَانَ اولاده مترفهين فِي اللبَاس وَالْعَبِيد وَعين للْمولى خواجه زَاده فِي شبابه كل يَوْم درهما وَاحِدًا فَقَط وَكَانَ ذَلِك لاشتغاله بِالْعلمِ وَتَركه طَريقَة وَالِده وَقد سخط ابوه عَلَيْهِ لذَلِك وَفِي يَوْم من الايام اجْتمع وَالِده مَعَ الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى ولي شمس الدّين البُخَارِيّ قدس سره فَرَأى الشَّيْخ شمس الدّين الْمولى خواجه زَاده وَعَلِيهِ سوء الْحَال يجلس فِي صف النِّعَال وَعَلِيهِ ثِيَاب دنيئة وَرَأى اخوته متجملين بالثياب النفيسة مَعَ الخدم وَالْعَبِيد فَقَالَ الشَّيْخ الْمَذْكُور لوالده من هَؤُلَاءِ وَأَشَارَ الى اولاده فَقَالَ اولادي قَالَ وَمن هَذَا واشار الى الْمولى خواجه زَاده قَالَ هُوَ ايضا وَلَدي قَالَ لأي سَبَب هُوَ فِي سوء الْحَال قَالَ إِنِّي اسقطته من عَيْني لتَركه طريقتي فنصح الشَّيْخ لَهُ وَلم يُؤثر فِيهِ نصحه وَلما قَامُوا عَن الْمجْلس قَالَ الشَّيْخ للْمولى خواجه زَاده ادن مني فَدَنَا مِنْهُ فَقَالَ لَا تتأثر من سوء الْحَال فَإِن الطَّرِيق طريقك وَيكون لَك ان شَاءَ الله تَعَالَى شَأْن عَظِيم وَيقوم اخوتك عنْدك فِي مقَام الخدم وَالْعَبِيد وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى لَا يملك الا قَمِيصًا وَاحِدًا وَكَانَ لَا يقدر على اشْتِرَاء الْكتاب وَيكْتب كِتَابه بِنَفسِهِ على اوراق ضَعِيفَة لرخصها ثمَّ انه حصل الْعُلُوم ثمَّ وصل الى خدمَة الْمولى ابْن قَاضِي اياثلوغ وَقد مر ذكره وقرا عِنْده الاصولين والمعاني وَالْبَيَان فِي مدرسة اغراس ثمَّ وصل الى خدمَة الْمولى حضر بك ابْن جلال وَهُوَ مدرس سلطانية بروسه ثمَّ صَار معيدا لدرسه وَحصل عِنْده علوما كَثِيرَة وَهُوَ فِي سنّ الشَّبَاب وَكَانَ الْمولى الْمَذْكُور يُكرمهُ اكراما عَظِيما وَكَانَ يَقُول إِذا اشكلت
الجزء 1 · صفحة 77
عَليّ مسئلة لتعرض على الْعقل السَّلِيم يُرِيد بِهِ الْمولى خواجه زَاده ثمَّ ارسله الْمولى حضر بك الى السُّلْطَان مُرَاد خَان وَشهد لَهُ باستحقاقه التدريس فَقبله السُّلْطَان الا انه كَانَ مُتَوَجها الى السّفر وَأَعْطَاهُ قَضَاء كستل وَلما رَجَعَ عَن السّفر أعطَاهُ مدرسة الاسدية بِمَدِينَة بروسه وَعين لَهُ كل يَوْم عشْرين درهما فَمَكثَ هُنَاكَ سِتّ سِنِين واشتغل بِالْعلمِ مَعَ فقر وفاقه حَتَّى انه كَانَ يخْدم فِي بَيته بِنَفسِهِ وَحفظ هُنَاكَ شرح المواقف ثمَّ لما انْتَهَت السلطنة الى السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وشاهدالعلماء رغبته فِي الْعلم ذَهَبُوا اليه واراد الْمولى خواجه زَاده الذّهاب اليه لَكِن مَنعه فقره عَن السّفر وَكَانَ لَهُ خَادِم من أَبنَاء التّرْك فاقترض لَهُ ثَمَانمِائَة دِرْهَم فَاشْترى بهَا فرسا لنَفسِهِ وفرسا لِخَادِمِهِ وَذهب الى السُّلْطَان ولقيه وَهُوَ ذَاهِب من قسطنطينية الى ادرنه وَلما رَآهُ الْوَزير مَحْمُود باشا قَالَ لَهُ اصبت فِي مجيئك اني ذكرتك عِنْد السُّلْطَان اذْهَبْ اليه وَعِنْده الْبَحْث فَذهب اليه وَسلم على السُّلْطَان فَقَالَ السُّلْطَان لمحمود باشا من هَذَا فَقَالَ هُوَ خواجه زَاده فَرَحَّبَ بِهِ السُّلْطَان فَإِذا فِي أحد جانبيه الْمولى زيرك وَفِي جَانِبه الاخر الْمولى سَيِّدي عَليّ فَتوجه خواجه زَاده الى جَانب سَيِّدي عَليّ وَاعْترض على الْمولى زيرك فَجرى بَينهمَا كَلَام كثير وَذهب الْمولى سَيِّدي عَليّ وَبَقِي هُوَ فِي جَانب السُّلْطَان وَكثر المباحثة وأفحم الْمولى زيرك حَتَّى قَالَ لَهُ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان كلامك لَيْسَ بِشَيْء وَذهب الْمولى زيرك وَبَقِي الْمولى خواجه زَاده عِنْد السُّلْطَان وتحدث مَعَه الى الْمنزل ثمَّ ان السُّلْطَان مُحَمَّد خَان احسن الى الْمولى سَيِّدي عَليّ والى الْمولى زيرك وَبَقِي الْمولى خواجه زَاده حَزينًا مهموما حَتَّى ان خادمه صَار لَا يَخْدمه وَيَقُول لَهُ لَو كَانَ لَك علم لأكرمك كَمَا اكرمهم وَفِي بعض الْمنَازل نَام الْخَادِم وخدم خواجه زَاده الْفرس بِنَفسِهِ ثمَّ جلس حَزينًا فِي ظلّ شَجَرَة فَإِذا ثَلَاثَة من حجاب السُّلْطَان يسْأَلُون عَن خيمة خواجه زَاده ويظنون ان لَهُ خيمة كَسَائِر الاكابر فاشار بعض النَّاس اليهم ان هَذَا الْجَالِس فِي ظلّ الشَّجَرَة هُوَ خواجه زَاده فانكروا ذَلِك ثمَّ جاؤوا وسلموا عَلَيْهِ وَقَالُوا انت خواجه زَاده قَالَ نعم قَالُوا اصحيح هَذَا قَالَ نعم قَالُوا انت مدرس الاسدية وانت الَّذِي الزمت على الْمولى زيرك قَالَ نعم فتقدموا اليه وقبلوا يَده وَقَالُوا ان
الجزء 1 · صفحة 78
السُّلْطَان جعلك معملما لنَفسِهِ قَالَ الْمولى خواجه زَاده فَظَنَنْت انهم يسخرون مني ثمَّ ضربوا هُنَاكَ خيمة فقدموا اليه طَوِيلَة فرس مَعَ عبيد والبسة فاخرة وَعشرَة الاف دِرْهَم وَالْعَبِيد اسرجوا مِنْهَا فرسا وَقَالُوا قُم الى السُّلْطَان وَالْخَادِم الْمَذْكُور نَائِم بعد فَذهب اليه الْمولى خواجه زَاده ونبهه من النّوم فَقَالَ الْخَادِم خَلِّنِي انام قَالَ قُم فَانْظُر الى حَالي قَالَ اني اعرف حالك دَعْنِي انام فابرم عَلَيْهِ فَقَامَ وَنظر الْحَال فَقَالَ أَي حَال هَذَا قَالَ اني صرت معلم السُّلْطَان فَقبل الْخَادِم يَده وتضرع اليه وَاعْتذر عَن تَقْصِيره فِي خدمته ثمَّ ان الْمولى خواجه زَاده ادى فِي ذَلِك الْوَقْت مَا عَلَيْهِ من دينه للخادم الْمَذْكُور وَهُوَ ثَمَانمِائَة دِرْهَم ثمَّ ركب الى السُّلْطَان وقرا عَلَيْهِ السُّلْطَان متن عز الدّين الزنجاني فِي التصريف وَكتب هُوَ شرحا عَلَيْهِ وتقرب عِنْده غَايَة التَّقَرُّب حَتَّى حسده الْوَزير مَحْمُود باشا وَقَالَ يَوْمًا للسُّلْطَان يُرِيد خواجه زَاده منصب قَضَاء الْعَسْكَر قَالَ لاي شَيْء يتْرك صحبتي قَالَ يُريدهُ وَقَالَ لخواجه زَاده امرك السُّلْطَان ان تصير قَاضِي الْعَسْكَر فَقَالَ انا لَا اريده قَالَ هَكَذَا جرى الامر فامتثل امْرَهْ وَصَارَ قَاضِيا بالعسكر وَكَانَ وَالِده وقتئذ فِي الْحَيَاة فَسمع ان لده صَار قَاضِيا بالعسكر فَلم يصدق وَلما تَوَاتر الْخَبَر قَامَ من بروسه الى مَدِينَة ادرنه لزيارة ابْنه فَلَمَّا قرب من ادرنه استقبله الْمولى خواجه زَاده وَتَبعهُ عُلَمَاء الْبَلَد واشرافه فَنظر وَالِده فَرَأى جمعا عَظِيما وَقَالَ من هَؤُلَاءِ قَالُوا ابْنك قَالَ ان ابْني هَل بلغ الى هَذِه الْمرتبَة قَالُوا نعم فَلَمَّا رأى الْمولى خواجه زَاده وَالِده نزل عَن فرسه وَنزل وَالِده ايضا فَقبل وَلَده وعانقه وَاعْتذر اليه عَن تَقْصِيره وَقَالَ الْمولى خواجه زَاده انك لَو اعطيتني مَالا لما بلغت الى هَذَا الجاه ثمَّ انه عرض وَالِده على السُّلْطَان واذن لَهُ فِي الدُّخُول عَلَيْهِ فَدخل هُوَ عَلَيْهِ بِهَدَايَا جزيلة وَقبل يَد السُّلْطَان ثمَّ ان الْمولى خواجه زَاده صنع ضِيَافَة عَظِيمَة لوالده وَجمع الْعلمَاء والاكابر وَجلسَ هُوَ فِي صدر الْمجْلس ووالده عِنْده وَسَائِر الاكابر جَلَسُوا على قدر مَرَاتِبهمْ وَلم يُمكن لاخوانه الْجُلُوس فِي الْمجْلس لازدحام الاكابر فَقَامُوا مقَام الخدم فَقَالَ الْمولى خواجه زَاده فِي نَفسه هَذَا مَا ذكره لي الشَّيْخ ولي شمس الدّين رَحمَه الله تَعَالَى على ذَلِك ثمَّ ان السُّلْطَان اعطاه تدريس سلطانية
الجزء 1 · صفحة 79
بروسه وَعين لَهُ كل يَوْم خمسين درهما وَحكى وَالِدي رَحمَه الله تَعَالَى عَنهُ انه قَالَ حِين كنت مدرسا بسلطانية بروسه كنت فِي سنّ ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة وَلَيْسَ لي محبَّة شَيْء سوى محبَّة الْعلم وَكَانَ يفتخر بتدريس سلطانية بروسه فَوق مَا يفتخر بِقَضَاء الْعَسْكَر وَتَعْلِيم السُّلْطَان مُحَمَّد خَان قَالَ وَكَانَ لي وقتئذ مائَة ألف دِرْهَم ثمَّ ان السُّلْطَان مُحَمَّد خَان امْرَهْ بالمباحثة مَعَ الْمولى زيرك حَتَّى الزمه واعطاه مدرسته بقسطنطينية وَقد مر ذكره مشروحا واشتغل بِتِلْكَ الْمدرسَة اشتغالا عَظِيما وصنف هُنَاكَ كتاب التهافت بِأَمْر السُّلْطَان وَقد مر ذكره ايضا ثمَّ انه استقضي ببلدة ادرنه ثمَّ استقضي بِمَدِينَة قسطنطينية يَحْكِي وَالِدي عَن الْمولى العذاري انه قَالَ الْمُصِيبَة كل الْمُصِيبَة قبُوله الْقَضَاء اذ لَو داوم على الِاشْتِغَال الَّذِي كَانَ هُوَ عَلَيْهِ لظهر لَهُ آثَار عَظِيمَة فِي الْعلم بِحَيْثُ يتحير فِيهِ اولو الالباب ثمَّ ان السُّلْطَان مُحَمَّد خَان جعل مُحَمَّد باشا القرماني وزيرا وَكَانَ هُوَ من تلامذة الْمولى عَليّ الطوسي وَكَانَ متعصبا لذَلِك على الْمولى خواجه زَاده فَقَالَ للسُّلْطَان مُحَمَّد خَان ان خواجه زَاده يشكو من هَوَاء قسطنطينية وَيَقُول قد نسيت مَا حفظت من الْعُلُوم ويمدح هَوَاء ازنيق فَقَالَ السُّلْطَان اعطيته قَضَاءَهُ مَعَ مدرسته فَذهب الى ازنيق امتثالا لامره ثمَّ ترك قَضَاءَهُ وَقَالَ انه مَانع لاشتغالي بِالْعلمِ وَبَقِي مدرسا بهَا الى ان مَاتَ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان عَلَيْهِ الرَّحْمَة والرضوان وَفِي ذَلِك قَالَ بعض من تلامذته وَهُوَ المرحوم الْمولى سراج الدّين ... وُجُوه اعْتِرَاف قد عنت لَك سَيِّدي ... ويرجى عنايات وَيظْهر تعنيت
وتعطس عَن انف من الْفضل شامخ ... وَلَيْسَ يرى غير الشماتة تشميت ...
رَأَيْت هذَيْن الْبَيْتَيْنِ مكتوبين بِخَط الْمولى خواجه زَاده فِي ظهر كتاب التَّوْضِيح وَقَالَ هُنَاكَ للاخ الْفَاضِل مَوْلَانَا سراج الدّين المرحوم فِي حق الْفَقِير الحائر عِنْد معاداة الْوَزير الجائر ثمَّ ان الْمولى خواجه زَاده اتى من بَلْدَة ازنيق الى بَلْدَة قسطنطينية فِي حَيَاة الْوَزير الْمَزْبُور فَذهب اليه رَاكِبًا على بغلته وتلامذته يَمْشُونَ قدامه مِنْهُم الْمولى
الجزء 1 · صفحة 80
سراج الدّين الْمَذْكُور وَالْمولى بهاء الدّين المرحوم وَكَانَا مدرسين حِينَئِذٍ بالمدارس الثمان وَمِنْهُم الْمولى مصلح الدّين اليارحصاري وَكَانَ هُوَ مدرسا بمدرسة مُرَاد باشا بِمَدِينَة قسطنطينية فَلَمَّا رَآهُ الْوَزير بِهَذِهِ الابهة والجلال تحير واستقبله الى بَابه واجلسه مَكَانَهُ وَجلسَ هُوَ قدامه والتلامذة قائمون على اقدامهم فَتحدث مَعَه سَاعَة ثمَّ قَامَ واخذ هَؤُلَاءِ الاكابر بركابه وَمَشوا قدامه الى بَيته وتأوه الْوَزير وَقَالَ مَا قَدرنَا على كسر عرضه وَمَا علمت ان عزته بِالْعلمِ لَا بالمنصب وَكَانَ السَّبَب لمجيئه الى قسطنطينية ان الْوَزير الْمَذْكُور حرض الْمولى خطيب زَاده حَتَّى طلب المباحثة مَعَ الْمولى خواجه زَاده فَقَالَ خواجه زَاده انه يباحث اولا مَعَ تلامذتي فان غلب عَلَيْهِم يباحثني فَسمع الْمولى خطيب زَاده ذَلِك الْكَلَام فاتهمه بالاحجام عَن المباحثة وسَمعه الْمولى خواجه زَاده وارسل الى ازنيق خَادِمًا ان يَجِيء بكتبه اليه فَذهب المرحوم سِنَان باشا الى الْوَزير الْمَذْكُور فَقَالَ هَل تُرِيدُ كسر عرض خطيب زَاده قَالَ لَا قَالَ ان خواجه زَاده بعدتكميل مطالعته لَا يُمكن لَاحَدَّ ان يتَكَلَّم مَعَه فَقَالَ الْوَزير الامر هَكَذَا قَالَ نعم ثمَّ اذن للْمولى خواجه زَاده ان يذهب الى ازنيق فَلم يلبث الا قَلِيلا حَتَّى مَاتَ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَجلسَ السُّلْطَان بايزيد خَان على سَرِير السلطنة فَأعْطَاهُ سلطانية بروسه وَعين لَهُ كل يَوْم مائَة دِرْهَم ثمَّ اعطاه منصب الْفَتْوَى بِمَدِينَة بروسه وَقد اخْتَلَّ رِجْلَاهُ وَيَده الْيُمْنَى وَكَانَ يكْتب الْفَتْوَى بِالْيَدِ الْيُسْرَى وَكَانَ لَا يكْتب الْفَتْوَى الا بعد النّظر فِي الْفَتَاوَى حَتَّى إِذا كررت عَلَيْهِ مسئلة وَاحِدَة كرر النّظر اليها وَكَانَ يُعلل فِي ذَلِك وَيَقُول لَو سامحت النَّفس فِيهَا لربما تسَامح فِي غَيرهَا وَكَانَ إِذا لم تُوجد مسئلة فِي الْفَتَاوَى يسْلك مَسْلَك الراي وَرُبمَا يظْهر لَهُ وُجُوه ويرجح وَاحِدًا مِنْهَا على الْبَوَاقِي قَالَ ثمَّ اني اجدتلك المسئلة فِي بعض الْكتب وَاجِد انه قد ذهب الى كل مَا لَاحَ لي من الْوُجُوه وَاحِد من الائمة وَاجِد مَا رجحته قد قيل فِيهِ وَهُوَ الاصح وَعَلِيهِ الْفَتْوَى قَالَ الْمولى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى قلت حِين سَمِعت هَذِه الْحِكَايَة مِنْهُ ان هَذِه مرتبَة عَظِيمَة قَالَ وَلَيْسَ لي فضل على سَائِر الْعلمَاء الا بِهَذِهِ قَالَ الْمولى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى قَرَأت عَلَيْهِ حَوَاشِي شرح الْمُخْتَصر للسيدالشريف فَلَمَّا بلغنَا الى مَبْحَث
الجزء 1 · صفحة 81
خَواص الذاتي وَكُنَّا نسْمع ان لَهُ هُنَاكَ اعتراضات على السَّيِّد الشريف قرر الْمولى تِلْكَ الاعتراضات وَمَا قَدرنَا ان نتكلم عَلَيْهَا لقوتها ثمَّ قَالَ الْمولى الْمَذْكُور وَهَذِه من الاعتراضات الَّتِي لَو كَانَ حَضْرَة الشريف فِي الْحَيَاة وعرضتها عَلَيْهِ لقبلها بِلَا توقف وَلَا اقل من الْقبُول بعدالمباحثة ثمَّ قَالَ وَلَا تَظنن من كَلَامي هَذَا اني ادعِي الْفضل على حَضْرَة الشريف اَوْ التَّسَاوِي مَعَه فحاشا ثمَّ حاشا انه استاذي فِي الْعُلُوم لقداستفدت من تصانيفه وَلَكِن كَانَ لَهُ همة صَادِقَة وَلم يتخللها سوء المزاج وَلَا المناصب الاجنبية وَلَقَد كَانَت معي تِلْكَ الهمة الصادقة وَلَكِن تخللها سوء المزاج والمناصب الْأَجْنَبِيَّة كالقضاء وَنَحْوه وَلَو لم يتخللها هَذِه لَكَانَ لي شَأْن فِي الْعلم قَالَ الْمولى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى هَذِه عِبَارَته بِعَينهَا قَالَ وَكَانَ يَقُول مَا نظرت فِي كتاب اُحْدُ بعد تصانيف حَضْرَة الشريف بنية الاستفادة وَحكى الْمولى الْوَالِد انه قَالَ اني صَاحب اقدام واحجام قلت مَا التَّوْفِيق بَينهَا قَالَ إِذا كملت مطالعتي لَا اخاف احدا كَائِنا من كَانَ وَإِذا لم اكملها اخاف كل اُحْدُ قَالَ الْمولى الْوَالِد انه كَانَ لايتكلم بِلَا مطالعة اصلا نقل الْمولى الْوَالِد عَنهُ انه قَالَ يَوْمًا ان الْعُلُوم على ثَلَاثَة اقسام قسم مِنْهَا مَا يُمكن تَقْرِيره وتحريره وَهُوَ الْمَكْتُوب فِي المصنفات وَمِنْهَا مَا يُمكن تَقْرِيره وَلَا يجوز تحريره وَهُوَ الْجَارِي عِنْد المباحثة وَمِنْهَا مَا لايمكن تَقْرِيره وَلَا تحريره قَالَ قلت واي علم لَا يُمكن التَّعْبِير عَنهُ قَالَ مَالا يُمكن التَّعْبِير عَنهُ لدقته الا اذا حصل لَاحَدَّ تِلْكَ الْحَالة الذوقية فيتكلم مَعَه فِيهِ بالايماء والاشارة لَا بِصَرِيح الْعبارَة وَحكى عَنهُ ايضا انه قَالَ ذهبت يَوْمًا الى الْوَزير الْمَذْكُور وَجَلَست عِنْده وَفِي جَانِبه الاخر خير الدّين المهزول واراد بِهِ الْمولى خواجة خير الدّين معلم السُّلْطَان مُحَمَّد خَان قَالَ ثمَّ جَاءَ ابْن افضل الدّين فَجَلَسَ عِنْد خير الدّين وأنف ان يجلس عِنْدِي فتكدرت عَلَيْهِ لذَلِك قَالَ قَالَ ثمَّ جرى فِي الْمجْلس فضل السَّيِّد الشريف واتفقا على انه لَا يرد عَلَيْهِ اعْتِرَاض اصلا قَالَ قلت انه بشر يُمكن ان يخطيء وَلَكِن خَطؤُهُ قَلِيل قَالَ فانكرا عَليّ فَقلت انه يعْتَرض فِي شرح المواقف على الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ فِي قَوْله ان علم الْكَلَام مُحْتَاج الى الْمنطق وَيَقُول لَا يجترئ عَلَيْهِ الا فلسفي اَوْ متفلسف يلحس من فضلات
الجزء 1 · صفحة 82
الفلاسفة قَالَ وَيذكر نَفسه كَلَام الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ فِي حَوَاشِيه على شرح الْمُخْتَصر بقوله وَالْحق قَالَ قلت وَهَذَا خطأ صَرِيح قَالَ فاعترفا بِمَا نقلته عَن شرح المواقف وأنكرا مَا نقلته عَن الْحَوَاشِي الْمَذْكُورَة قَالَ قلت انه مَكْتُوب فِي نُسْخَتي فِي الصفحة الْيُمْنَى بعد اربعة اسطر وَهُوَ الان نصب عَيْني قَالَ قَالَ الْوَزير عِنْدِي الْحَوَاشِي الْمَذْكُورَة فَأمر باحضارها فاحضرت وَكَانَ غَرَضه من ذَلِك ان لَا يُوجد فِيهَا وَيظْهر افترائي على حَضْرَة الشريف قَالَ فَوجدت الْكَلَام الْمَذْكُور فِي الْحَاشِيَة فَنظر اليه فَسكت خير الدّين وَقَالَ ابْن افضل الدّين مَا فِي هَذِه الْحَاشِيَة بَيَان فِي نفس الامر وَمَا فِي شرح المواقف اعْتِرَاض قَالَ قلت انك قلت فِي نفس الامر وَمَا مَعْنَاهَا قَالَ ان لَهَا مَعْنيين قَالَ قلت قداخطأت وجهلت ان لَهَا معنى وَاحِدًا يصدق على أَمريْن وَأَنت مِمَّن لَا يفرق بَين الْمَفْهُوم وَبَين مَا صدق هُوَ عَلَيْهِ وَمَعَ ذَلِك تَدعِي الْعلم قَالَ فَسكت ابْن افضل الدّين قَالَ قَالَ الْوَزير يَا مَوْلَانَا ان فِيك لحدة قَالَ قلت نعم ان لي حِدة لَكِن على الْكَلَام الْبَاطِل قَالَ قَالَ الْوَزير أهكذا تعامل مَعَ طلبتك قَالَ قلت لَو تكلم وَاحِد مِنْهُم بِمثل هَذَا الْكَلَام الْبَاطِل لضَرَبْت بِالْكتاب على رَأسه قَالَ فَضَحِك الْوَزير ثمَّ قُمْت فَذَهَبت قَالَ الْمولى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى أرسل سُلْطَان حُسَيْن ابْن بيقرا ملك خُرَاسَان الى السُّلْطَان بايزيد مُحَمَّد خَان لتهنئة السلطنة رَسُولا مَعَ هَدَايَا جزيلة وتحف سنية وارسل مَعَه رجلا من طلبة الْعلم بخراسان وَالْتمس من السُّلْطَان بايزيد خَان ان يَأْخُذ الاذن من الْمولى خواجه زَاده ليقرا ذَلِك الرجل عِنْده فجَاء الرجل الى الْمولى خواجه زَاده مَعَ كتاب السُّلْطَان بايزيد خَان اليه وَمَعَهُ هَدَايَا الى الْمولى خواجه زَاده فَعمل الْمولى ضِيَافَة ثمَّ أَمر لَهُ بَان يقرا حَوَاشِي شرح الْمُخْتَصر للسيدالشريف من بحث تَعْرِيف الْعلم قَالَ الْمولى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى وَكنت انا فِي ذَلِك الدَّرْس فحضرنا مجْلِس الْمولى مَعَ ذَلِك الرجل فامرني الْمولى بِالْقِرَاءَةِ فقرات وَمَا تَكَلَّمت انا وَسَائِر الشُّرَكَاء فِي ذَلِك الْيَوْم وانما تكلم ذَلِك الرجل فَقَط وَفِي الدَّرْس الثَّانِي قرر ذَلِك الرجل اعتراضا فاجبت عَنهُ فَقبل الْمولى خواجه زَاده جوابي ثمَّ اورد اعتراضا ثَانِيًا فاجبت عَنهُ ايضا فَقبل الْمولى ايضا جوابي ثمَّ اورد اعتراضا ثَالِثا فاجبت عَنهُ
الجزء 1 · صفحة 83
ايضا وَلم يقبل الْمولى جوابي وَبعد قِرَاءَة سطرين من الْحَاشِيَة المزبورة استعاد الْمولى الْمَذْكُور جوابي الثَّالِث فاعدته فَحكم بِصِحَّتِهِ وَقَالَ هَذَا الْكَلَام من الشريف يُؤَيّد مَا ذكرته من الْجَواب فقمنا من الْمجْلس وَسمعت من ولد الْمولى ان الْمولى قَالَ فِي حَقي وَافق مطالعته مطالعتي وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى يفتخر بِهَذَا الْكَلَام مِنْهُ وَكَانَ يَقُول يَكْفِينِي هَذَا فخرا مُدَّة عمري وَسمعت من مُحَمَّد بن افلاطون كَاتب المحكمة الشَّرِيفَة ببروسه ونائبها إِنَّه جَاءَ أَمر من جناب السُّلْطَان بايزيد الى الْمولى خواجه زَاده وَهُوَ مفت بِمَدِينَة بروسه بَان يسمع دَعْوَى لوَاحِد من اهالي بروسه فَسَمعَهَا فَحكم لوَاحِد من المتخاصمين فَطلب ان يكْتب لَهُ حجَّة فدعاني وَقَالَ اكْتُبْ فِي هَذِه الْقَضِيَّة حجَّة فتحيرت لَان الْمولى كَانَ مَشْهُورا بِالْفَضْلِ فِي الافاق وانا دخيل فِي صناعَة الْكِتَابَة وقتئذ لَكِن امتثلت امْرَهْ واستفرغت مجهودي فِي كِتَابَة الْحجَّة وَأَنا رَاض بَان يضْرب بعض موَاضعهَا وَلَا يرد كلهَا فَذَهَبت اليه فَنظر فِي الْحجَّة وَقرأَهَا من اولها الى آخرهَا وَسكت ثمَّ قَرَأَهَا ثَانِيًا فَطلب الدواة والقلم فَقلت الان يضْرب على مَحل الْغَلَط فَأخذ الْقَلَم وتفكر سَاعَة ثمَّ قَالَ اتدري فِي أَي شَيْء اتفكر قَالَ قلت لَا قَالَ انك احسنت فِي إنْشَاء هَذِه الْحجَّة وَأَنِّي اتفكر عنوانا يُنَاسِبهَا قَالَ ابْن أفلاطون مَا فرحت بِشَيْء بعدالاسلام مثل فرحي بِهَذَا الْكَلَام مِنْهُ ثمَّ كتب الْمولى عنوان الْحجَّة نظما وَهُوَ هَذَا ... مَا هُوَ المسطور فِي طي الْكتاب ... صَحَّ عِنْدِي خَالِيا عَن ارتياب
مصطفى بن يُوسُف قد حرر ... راجيا من ربه حسن الثَّوَاب
قَالَ الْمولى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى لما شاع حَوَاشِي حَاشِيَة التَّجْرِيد للْمولى خطيب زَاده طلبَهَا فاحضرناها لَهُ فطالعها وَلم تعجبه ثمَّ لما شاع حَوَاشِي الشَّرْح الْجَدِيد للتجريد للْمولى جلال الدّين الدواني طلبَهَا واحضرناها لَهُ فطالعها واعجبته وَسمعت عَن ثِقَة ان الْمولى ابْن الْمُؤَيد لما وصل الى خدمَة الْمولى الدواني قَالَ لَهُ بِأَيّ هَدِيَّة جِئْت الينا قَالَ كتاب التهافت لخواجه زَاده قَالَ ذَاك هُوَ الرجل المبروص
الجزء 1 · صفحة 84
قَالَ قلت لَيْسَ هُوَ بمبروص قَالَ انه هُوَ مَشْهُور فِي بِلَادنَا بذلك قَالَ فَدفعت اليه الْكتاب الْمَذْكُور فطالعه مُدَّة ثمَّ قَالَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْك وَعَن مُؤَلفه قد كَانَ فِي نيتي ان اكْتُبْ فِي هَذَا الْبَاب كتابا وَلَو كتبت قبل أَن ارى هَذَا الْكتاب لافتضحت ثمَّ ان الْمولى خواجه زَاده حِين كَانَ مفتيا واختلال رجلَيْهِ وَيَده الْيُمْنَى امْرَهْ السُّلْطَان بايزيد خَان ان يكْتب حَاشِيَة على شرح المواقف فَاعْتَذر عَن ذَلِك وَقَالَ ان كلماتي على شرح المواقف أَخذهَا الْمولى حسن جلبي وَضمّهَا الى حَاشِيَته وان لي مسودة على التَّلْوِيح ان اراد السُّلْطَان ابيضها فَأمره السُّلْطَان ثَانِيًا بِأَن يكْتب حَاشِيَة على شرح المواقف فامتثل امْرَهْ فَكَانُوا يضعون شرح المواقف أَمَامه فَوق الوسائد وَينظر فِيهِ وَلَا يقدر ان ينظر فِي كتاب آخر لضعف يَده حَتَّى إِنَّه إِذا احْتَاجَ الى تقليب ورقة يتَوَقَّف الى ان يَجِيء اُحْدُ فيقلبها وَكتب الْحَاشِيَة الْمَذْكُورَة بِيَدِهِ الْيُسْرَى الى اثناء مبَاحث الْوُجُود وَعند ذَلِك توفاه الله تَعَالَى وَوصل الى رَحمته وَبقيت الْحَاشِيَة مسودة ثمَّ اخرجها الى الْبيَاض الْمولى بهاء الدّين من تلامذته فَلَمَّا اتم تبييضها مَاتَ هُوَ ايضا وَمن غرائب الِاتِّفَاق انه وَقع آخر كلمة من تِلْكَ الْحَاشِيَة كلمة لَا يتم الْمَطْلُوب توفّي رَحمَه الله تَعَالَى بِمَدِينَة بروسه وَهُوَ مفت بهَا فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وَدفن فِي جوَار السَّيِّد البُخَارِيّ قدس سره الْعَزِيز وَله من المصنفات كتاب التهافت وحواشي شرح المواقف وحواش على شرح هِدَايَة الْحِكْمَة لمولانا زَاده يَحْكِي وَالِدي عَنهُ اني مَا قصدت تأليف هَذِه الْحَاشِيَة وانما قَرَأَ عَليّ الشَّرْح الْمَذْكُور ابو بكر جلبي وَهُوَ أَخُو احْمَد باشا ابْن ولي الدّين وَكنت اكْتُبْ مَا ظهر لي فِي مطالعتي على ورقة وادفعها اليه وَهُوَ نظم تِلْكَ الاوراق كنظم السبحة قَالَ الْمولى الْوَالِد هَذِه عِبَارَته وَله شرح للطوالع لكنه بَقِي فِي المسودة وحواش على التَّلْوِيح بقيت ايضا فِي المسودة وَله غير ذَلِك من