مقدمة [المؤلفة]
جارٍ تحميل الكتاب…
جارٍ تحميل الكتاب…
مقدمة [المؤلفة]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المذهب الحنفي أحد المذاهب الفقهية الأربعة التي يعود المسلمون إليها لمعرفة أحكام العبادات والمعاملات المختلفة، ولتطبيقها في حياتهم اليومية، بل هو أكثر هذه المذاهب انتشاراً في العالم الإسلامي، حيث استند القضاة إلى أحكامه في قضائهم ردحاً من الزمن إبان الخلافة العباسية، كما كان المذهب الرسمي للدولة العثمانية.
وقد ترك لنا السلف تراثاً غنياً في هذا الموضوع في كتب عديدة، منها ما كتب في حياة إمام المذهب، ومنها ما كتب بعد من قبل مشاهير فقهائه. في هذه المراجع دونت نتائج الجهود الكبرى التي بذلها علماء السلف الذين استقصوا كل صغيرة وكبيرة في ميدان الفقه، ولم يتركوا زيادة لمستزيد، ومدوناتهم هذه، رغم مرور قرون على تأليفها، ما تزال وستبقى مرجع المسلم في معرفة تفاصيل أحكام الشريعة الإسلامية، لكن الخوض فيها، وعلى أهميته، ليس بالأمر اليسير على من يعيش في زمننا، لتفاوت ما بين أبناء العصرين في طريقة العرض وفي الأسلوب. لذا جاء هذا الكتاب جسراً يسهل على القارئ الاتصال مع تلك الكتب، فهو مدخل إليها؛ بالنسبة للباحث المتخصص، كما أنه مرجع عملي كاف لمن ينشد في كتب الفقه الإرشاد في سلوكه اليومي على ضوء قواعد الشريعة الإسلامية. وموضوعاته تقتصر على قسم العبادات في المذهب.
في هذا الكتاب محاولة لتقديم المعلومات بطريقة تنسجم مع روح العصر؛ حيث يعتني الكتاب بالتقسيم والترقيم والعنونة والابتعاد عن الاستطرادات المطولة، كما يعتنون بعزو المعلومات إلى مراجعها بدقة، لتوثيقها ولتسهيل العودة إليها في الأصول لمن أراد. هذا الأسلوب في التأليف يلائم مادة الكتاب؛ حيث تتشعب القضايا ويلزم حفظها بعد فهمها للتطبيق العملي، وقد اعتمدته في كتابي، وأضفت شروحاً في الهوامش حيث اقتضى الأمر. كما حرصت على ذكر الأدلة محققة من الكتاب والسنة بالاعتماد على المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم والمعاجم المفهرسة للحديث وأمهات كتب الحديث. وقد صدرت بمقدمة عن حياة الإمام أبي حنيفة والفقه الحنفي.
مع هذا الجهد المبذول أقر أنه ما كان لعمل بشري أن يبلغ الكمال، وإن طمع المرء لبلوغه، وما عاد مؤلف كتاب إلى ما كتبه مرة إلا وجد فيه ما يمكن إضافته أو حذفه أو تعديله بغية بلوغ العمل مرتبة أفضل. وإني إذ أضع مؤلفي هذا بين يدي القراء لأرجو من الله أن يتقبله مني وأن ينفع به المسلمين، آملة منهم تزويدي بملاحظاتهم حول ما فيه سلبيات لعلي أتدارك ما وقع منها في الطبعات القادمة إن شاء الله.
وفي الختام لا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر لكل من ساهم معي بجهد في إنجاز هذا الكتاب، وأتوجه إلى الله بالدعاء أن يثيبه عني وعن المسلمين.
المؤلفة
-3 ربيع الأول 1406 هـ
-15 تشرين الثاني 1985 م
الإمام أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه
- لمحة عن حياته (80 - 150 هـ) .
نسبه: هو الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت الفارسي، عرف بالإمام الأعظم.
كان جده من أهل كابل قد أسر عند فتح بلاده ثم مُنّ عليه. وأبو حنيفة - وإن كان مولى - لم يجر عليه الرق ولا على أبيه، بل كان حر النفس أصيلاً، ولم يكن نسبه الفارسي غاضاً من قدره في عصر يقدم شرف التقوى على شرف النسب. وكان العلم في عصره أكثره في الموالي (¬1) ، فكانوا الوسط العلمي للدولة الإسلامية بعد الصحابة ردحاً طويلاً من الزمن، فصدقت فيه نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو كان العلم بالثريا لتناوله أناس من أبناء فارس) (¬2) .
¬
(¬1) الموالي: اسم أطلقه المؤرخون على غير العرب من المسلمين.
(¬2) مسند الإمام أحمد: ج 2 / ص 297.
مولده ونشأته:
ولد أبو حنيفة رضي الله عنه في الكوفة سنة ثمانين للهجرة على رواية الأكثرين، ونشأ وتربى بها وعاش أكثر حياته فيها متعلماً ومجادلاً ومعلماً.
ولد أبوه ثابت على الإسلام ويروى أنه التقى بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه صغيراً فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته.
نشأ أبو حنيفة رضي الله عنه في بيت إسلامي خالص، وقد ابتدأ حياته تاجراً ثم لفته الشعبي فقيه الأثر، لما لمح فيه من مخايل الذكاء وقوة الفكر، إلى الاختلاف إلى العلماء مع التجارة، فانصرف إلى العلم دون أن يهمل التجارة.
طلبه للعلم:
تثقف أبو حنيفة رضي الله عنه بالثقافة الإسلامية التي كانت في عصره، فقد حفظ القرآن على قراءة عاصم، ودرس الحديث، وعرف قدراً من النحو والأدب والشعر، كما درس علم الكلام وأصول الدين، وجادل الفرق المختلفة في مسائل الاعتقاد وما يتصل به، ثم عدل إلى الفقه واستمر عليه واستغرق كل مجهوده الفكري، وقد ذكر في اختياره للفقه قوله: "كلما قلبته وأدرته لم يزدد إلا جلالة ... ورأيت أنه لا يستقيم أداء الفرائض وإقامة الدين والتعبد إلا بمعرفته، وطلب الدنيا والآخرة إلا به".
وقد اتجه أبو حنيفة رضي الله عنه إلى دراسة الفتيا على المشايخ الكبار الذين كانوا في عصره، ولزم شيخه حماد بن أبي سليمان مذ كان في الثانية والعشرين من عمره إلى أن مات شيخه وأبو حنيفة رضي الله عنه في الأربعين من عمره.
ومع ملازمة أبي حنيفة رضي الله عنه لشيخه حماد فقد كان كثير الرحلة إلى بيت الله الحرام حاجاً، يلتقي في مكة والمدينة بالفقهاء والمحدثين والعلماء، يروي عنهم الأحاديث ويذاكرهم الفقه ويدارسهم ما عندهم من طرائق.
وكان يتتبع التابعين أينما وحيثما ثقفوا، وخصوصاً من اتصل منهم بصحابة امتازوا في الفقه والاجتهاد، وقد قال في ذلك: "تلقيت فقه عمر وفقه عبد الله بن مسعود وفقه ابن عباس عن أصحابهم".
وقد جلس الإمام أبو حنيفة في الأربعين من عمره في مجلس شيخه حماد بمسجد الكوفة، وأخذ يدارس تلاميذه ما يعرض له من فتاوى وما يبلغه من أقضية، ويقيس الأشباه بأشباهها والأمثال بأمثالها بعقل قوي مستقيم ومنطق قويم، حتى وضع تلك الطريقة الفقهية التي اشتق منها المذهب الحنفي.
أخلاقه:
كان أبو حنيفة رضي الله عنه بالغ التدين شديد التنسك عظيم العبادة، صائماً بالنهار قائماً بالليل تالياً لكتاب الله، خاشعاً دائباً في طاعة الله، قام الليل ثلاثين سنة وكان القرآن الكريم ديدنه وأنيسه.
كان كثير البكاء يرحمه جيرانه لكثرة بكائه، كثير الحياء جم الأدب وخاصة مع شيوخه، باراً بوالديه يدعو لهما في كل صلاة ويتصدق عنهما.
كان كثير الورع يقول: "لو أن عبداً عبد الله تعالى حتى صار مثل هذه السارية ثم إنه لا يدري ما يدخل في بطنه حلال أو حرام ما تقبل منه". ولذا كان شديد الحرج في كل ما تخالطه شبهة الإثم، فإن ظن إثماً أو توهمه في مال خرج منه وتصدق به على الفقراء والمحتاجين، وقد تصدق ببضاعته كلها عندما باع شريكه ثوباً معيباً دون أن يظهر عيبه.
كان عظيم الأمانة في معاملاته حتى شبهه كثيرون في تجارته بأبي بكر الصديق رضي الله عنه، فكان مثلاً كاملاً للتاجر المستقيم كما هو في الذروة بين العلماء. قال فيه معاصره مليح بن وكيع: "كان أبو حنيفة عظيم الأمانة، وكان الله في قلبه جليلاً كبيراً عظيماً، وكان يؤثر رضا ربه على كل شيء، ولو أخذته السيوف في الله لاحتمل".
ومن أخلاقه السماحة والجود، فقد كانت تجارته تدر عليه الدر الوفير رغم ورعه واكتفائه من الربح بالقدر اليسير، وكان ينفق أكثره على المشايخ والمحدثين اعترافاً بفضل الله عليه فيهم.
قال فيه الفضيل بن عياض: "كان أبو حنيفة رجلاً فقيهاً معروفاً بالفقه، واسع المال معروفاً بالأفضال على كل من يطيف به، صبوراً على تعلم العلم بالليل والنهار، حسن الليل، كثير الصمت، قليل الكلام حتى ترد مسألة في حلال أو حرام فكان يحسن أن يدل على الحق، رهاباً من مال السلطان".
كان رحمه الله واحد زمانه، لو انشقت عنه الأرض لانشقت عن جبل من الجبال في العلم والكرم والمواساة والورع والإيثار لله تعالى.
وكان أبو حنيفة رضي الله عنه حريصاً على أن يكون مظهره كمخبره حسناً، فكان كثير العناية بثيابه كثير التطيب، حسن الهيئة يحث من يعرفه على العناية بملبسه وسائر مظهره مذكراً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) . (¬1)
¬
(¬1) الترمذي: ج 5 / كتاب الزينة باب 41 / 2819
محنته ووفاته:
عاش أبو حنيفة رضي الله عنه عصراً مليئاً بالمشاحنات والتيارات، فقد أدرك دولتي بني أمية والعباس، وكان موقفه واضحاً من كل ما يجري حوله، ولم يعرف عنه يوماً أنه خرج مع الخارجين أو ثار مع الثائرين ... لكن لما طلب منه عمر بن هبيرة والي الأمويين على الكوفة أن يعمل معه امتنع فسجن وعذب ثم هرب ولجأ إلى مكة، واتخذها مقاماً ومستقراً له من سنة (130 - 136) للهجرة، فعكف على الفقه والحديث يطلبهما بمكة التي ورثت علم ابن عباس رضي الله عنهما.
ولما استتب الأمر للعباسيين عاد إلى الكوفة وأعلن ولاءه لهم وتابع حلقات درسه في مسجد الكوفة. واستمر على ولائه للدولة العباسية، إلا أنه على ما يظهر انتقد موقف الخليفة المنصور من بعض آل البيت من أبناء علي رضي الله عنه، وكان حول الخليفة كثيرون يحسدون أبا حنيفة - رضي الله عنه - ويوغرون صدر المنصور عليه، فكان أن عرض عليه الخليفة المنصور منصب القضاء امتحاناً لإخلاصه، فاعتذر الإمام عن قبول المنصب تحرجاً من الوقوع في الإثم لأنه يرى القضاء منصباً خطيراً لا تقوى نفسه على احتماله، وتعرض لمحنة قاسية بسبب رفضه؛ إذ وجد الخليفة المنصور الفرصة مواتية للنيل منه فسجن وعذب ثم أخرج من السجن على أن يفتي فكان يُرْجِعُ المسائل ولا يفتي فيها بشيء، فسجن من جديد ثم أخرج ومنع من الفتوى والناس والخروج من المنزل، فكانت تلك حاله إلى أن توفي رحمه الله سنة (150) للهجرة على أصح الأقوال. وقيل إنه مات مقتولاً بالسم في سجنه رحمه الله.
وكان قد أوصى أن يدفن بأرض الخيزران فحمل إليها. وقدر عدد من شيع جنازته وصلى عليها بخمسين ألفاً. وقد صلى المنصور نفسه عليها إقراراً منه بعظمة دينه وتقواه وقال: من يعذرني منك حياً وميتاً؟ رحم الله الإمام ورضي الله عنه وأرضاه.
منزلته العلمية ومصادر علمه:
كان الإمام أبو حنيفة فقيهاً مستقلاً قد سلك في تفكيره مسلكاً استقل به وتعمق فيه. وقد بقيت أصوات الثناء تتجاوب في الأجيال تعطر سيرته، قال أحد العلماء: "أقمت على أبي حنيفة خمس سنين فما رأيت أطول منه صمتاً، فإذا سئل عن شيء من الفقه تفتح وسال كالوادي وسمعت له دوياً وجهارة بالكلام". كما وصفه معاصره الورع التقي عبد الله بن المبارك بأنه مخ العلم، فهو قد أصاب من العلم اللباب ووصل فيه إلى أقصى مداه، وكان يستبطن المسائل ويستكنه كنهها ويتعرف أصولها ويبني عليها. ولقد شغل عصره بفكره وعلمه ومناظراته، فهو بين المتكلمين يناقشهم ويدفع أهواء ذوي الأهواء؛ ويناقش الفرق المختلفة وله رأي في مسائل علم الكلام أثر عنه؛ بل هناك رسائل نسبت إليه، وله في الفقه والتخريج وفهم الأحاديث واستنباط علل أحكامها والبناء عليها المقام الأعلى، حتى إن بعض معاصريه قال: "إنه لم يعرف أحداً أحسن فهماً للحديث منه".
من أين جاء لأبي حنيفة رضي الله عنه كل هذا العلم؟ ما مصادره؟ ما مهيئاته؟ ما الذي توافر له حتى كان منه ما رواه تاريخ العالم الإسلامي؟.
لقد تهيأ لتوجيه أبي حنيفة رضي الله عنه توجيهاً علمياً ولنبوغه في وجهته أمور أربعة، أولها: صفاته التي جبل عليها، ثانيها: شيوخه الموجهون الذين التقى بهم وأثروا فيه، ثالثها: حياته الشخصية وتجاربه، ورابعها: العصر الذي أظله والبيئة الفكرية التي عاش فيها.
وسنخص كل واحد من هذه العناصر بكلمة:
-1 - صفاته:
اتصف أبو حنيفة رضي الله عنه بصفات جعلته في الذروة بين العلماء، صفات العالم الحق الثبت الثقة، البعيد المدى في تفكيره، المتطلع إلى الحقائق، الحاضر البديهة الذي تسارع إليه الأفكار.
كان رضي الله عنه ضابطاً لنفسه مستولياً على مشاعره، لا تعبث به الكلمات العارضة ولا تبعده عن الحق العبارات النابية، كان يقول: "اللهم من ضاق بنا صدره فإن قلوبنا قد اتسعت له". وقد أوتي استقلالاً في تفكيره جعله لا يخضع في رأيه إلا لنص من كتاب أو سنة أو فتوى صحابي، ولم يؤثر فيه الحب والبغض.
كان عميق الفكرة بعيد الغور في المسائل، لا يكتفي بالبحث في ظواهر الأمور والنصوص ولا يقف عند ظاهر العبارة بل يسير وراء مراميها البعيدة أو القريبة، ولعل ذلك العقل الفلسفي المتعمق هو الذي دفعه لأن يتجه أول حياته إلى علم الكلام كما دفعه لدراسة الحديث دراسة متعمقة، يبحث عن علل ما اشتمل عليه من أحكام مستعيناً بإشارات الألفاظ ومرامي العبارات.
كان حاضر البديهة، لا تحتبس فكرته ولا يفحم في جدال، واسع الحيلة يعرف كيف ينفذ إلى ما يفحم به خصمه من أيسر السبل، وله في ذلك غرائب ومدهشات حتى قيل فيه: إنه لو أراد أن يثبت الحكم وعكسه لما أعجزه ذلك.
كان مخلصاً في طلب الحق مما نور قلبه وأضاء بصيرته، فكان لا يهمه إلا الحق سواء كان غالباً أو مغلوباً. وكان لإخلاصه لا يفرض في رأيه أنه الحق المطلق بل يقول: "قولنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاء بأحسن من قولنا فهو أولى بالصواب منا".
هذه جملة الصفات التي جعلت من أبي حنيفة رضي الله عنه فقيهاً انتفع بكل غذاء روحي وصل إليه.
-2 - شيوخه والموجهون الذين التقى بهم:
التقى الإمام أبو حنيفة بعدد من الذين عمروا من الصحابة، منهم أنس بن مالك وعبد الله ابن أبي أوفى وسهل بن سعد رضوان الله عليهم، ولكنه لم يرو عنهم إذ كان في سن لقائه بهم صغيراً، ولكن أجمع العلماء على أنه التقى بكبار التابعين وجالسهم ودارسهم وروى عنهم وتلقى فقههم.
وقد قال: "كنت في معدن العلم والفقه فجالست أهله ولزمت فقيهاً من فقهائهم".
وهذا يدل على أنه عاش في وسط علمي وجالس العلماء وعرف مناهج بحثهم ثم اختار من بينهم فقيهاً وجد فيه ما يرضي نزوعه العلمي وهو حماد بن أبي سليمان الذي انتهت مشيخة الفقه العراقي في عصره، فلزمه ثماني عشرة سنة. وكان حماد قد تلقى معظم فقهه على إبراهيم النخعي فقيه الرأي كما تلقى عن الشعبي فقيه الأثر، وهما اللذان انتهى إليهما فقه الصحابيين الجليلين عبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وكانا قد أقاما بالكوفة وأورثا أهلها تراثاً فقهياً عظيماً.
ومن شيوخه عطاء بن أبي رباح الذي أخذ خلاصة علم ابن عباس رضي الله عنهما عن مولاه عكرمة. وكان أبو حنيفة رضي الله عنه يلازمه ما دام مجاوراً لبيت الله الحرام.
ومنهم نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما وقد أخذ عنه أبو حنيفة رضي الله عنه علم ابن عمر وعلم عمر رضي الله عنهما. وهكذا اجتمع للإمام أبي حنيفة علم عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم عن طريق من تلقى عنهم من تابعيهم رضي الله عنهم أجمعين.
ولم يقتصر الإمام أبو حنيفة على الأخذ عن هؤلاء الفقهاء بل تجاوز ذلك إلى أئمة آل البيت فأخذ عنهم ودارسهم، منهم الإمام زيد بن علي زين العابدين ومحمد الباقر وجعفر الصادق وعبد الله بن الحسن بن الحسن.
ولم يكن اتصال أبي حنيفة، رضي الله عنه، العلمي مقصوراً على رجال الجماعة وأئمة آل البيت بل اتصل بمختلف الفرق وتعرف على آرائهم وأقوالهم، فكان يأخذ من كل هذه العناصر ثم يخرج منها بفكر جديد ورأي قويم لم يكن من نوعها وإن كان فيه خيرها.
وهكذا نستطيع أن نقول إنه تلقى فقه الجماعة الإسلامية بشتى منازعها وإن كان قد غلب عليه تفكير أهل الرأي بل عُدّ شيخ أهل الرأي.
-3 - دراسته الخاصة وتجاربه:
كانت حياة الإمام أبي حنيفة ودراساته وتجاربه تتجه به نحو تكوين فقيه العراق الأول.
فقد زاول التجارة وكان عليماً بأحوال البيع والعرف التجاري مما جعله يتكلم في معاملات الناس وأحكامها كلام الخبير الفاهم؛ فجعل للعرف مكاناً في تخريجه الفقهي، وأحسن التخريج بالاستحسان عندما يكون في القياس منافاة للمصلحة أو العدالة.
كما كان كثير الرحلة إلى الحج وغيره يلتقي بالعلماء يدارس ويذاكر ويناظر ويروي ويفتي. هذا إلى ما تفيده الرحلات نفسها من فتق للذهن ومعرفة بمواطن الوحي والبلاد المختلفة؛ فيحيط خبراً بمعاني الآثار ودقائق الأخبار ويحسن التفريع في المسائل الفقهية ويحكم تصورها والإلمام بأحكامها.
وقد كان أبو حنيفة رضي الله عنه مغرماً بالجدل والمناظرة منذ شب في طلب العلم، ومجادلته في العقائد أرهفت تفكيره وعمقت مداركه، ومناظراته في الفقه أطلعته على أحاديث وأوجه للقياس وفتاوى للصحابة لم يكن مطلعاً عليها.
وطريقة الإمام أبي حنيفة الخاصة في التدريس جعلت درسه مجالاً لتثقيف المعلم والمتعلم معاً، فقد كان يطرح الفكرة ويناقشها مع تلاميذه، كل يدلي برأيه مخالفاً أو موافقاً، وبعد تقليب النظر يدلي هو بالرأي الذي تنتجه هذه الدراسة فيقر الجميع به. وهذا جعل علمه في نمو متواصل وفكره في تقدم مستمر.
-4 - عصره:
أدرك الإمام أبو حنيفة العصر الأموي في عنفوانه وقوته ثم في تحدره وانهياره، وأدرك الدولة العباسية في نشأتها قوية ظافرة ناهضة مسيطرة.
وعاش أبو حنيفة رضي الله عنه في العصر الأموي اثنتين وخمسين سنة، وهي السن التي تربى فيها وبلغ أشده، ثم بلغ أوجه العلمي ونضجه الفكري الكامل. ولم يدرك من العصر العباسي إلا ثماني عشرة سنة، وكانت عاداته الفكرية ومناهجه العلمية قد استقامت، وصار ينتج الكثير ولا يأخذ إلا القليل. وعلى هذا فما أخذه الإمام أبو حنيفة من عصره كان أكثره من الأموي وأقله من العباسي، وكان العصر العباسي نمواً لما في العصر الأموي ونتائج لمقدمات بدأت قبله.
وقد أغنت الحياة السياسية الحافلة بالصراعات والاتجاهات، والحياة الاجتماعية التي ضمت عناصر مختلفة لكل منها طابع خاص رغم أنها انصهرت جميعها في بوتقة الإسلام، والمشاغل الفكرية في أمور العقيدة وما نشأ عنها من فرق ونحل، وازدهار حركة الترجمة عن الفكر اليوناني والفارسي والهندي، وتفرغ العلماء للخوض في علوم الدين الذي أثمر حركة التدوين للحديث وكثرة المناظرات والرحلات العلمية. أغنت هذه الأجواء، السياسية والاجتماعية والفكرية والعلمية، مدارك الفقهاء وساعدت في تفتق أذهان العلماء وأوجدت مناخاً ملائماً ساعد في استخراج المسائل وفي فرض الفروض والتصورات.
فقه أبي حنيفة رضي الله عنه:
كان أبو حنيفة رضي الله عنه أشهر فقهاء الرأي كما كان مالك أشهر فقهاء الحديث. ويقصد بالرأي: كل ما يفتي فيه الفقيه في الأمور التي لا يجد فيها نصاً، ويعتمد في فتواه على ما عرف من الدين بروحه العامة، أو ما يتفق مع أحكامه في جملتها في نظر المفتي، أو ما يكون مشابهاً لأمر منصوص عليه فيها فيلحق الشبيه بالشبيه. وعلى ذلك يكون الرأي شاملاً للقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والعرف.
وأساس الاختلاف بين أهل الرأي وأهل الحديث ليس في الاحتجاج بالسنة بل في أمرين: في الأخذ بالرأي، وفي تفريغ المسائل تحت سلطانه. فقد كان أهل الحديث لا يأخذون بالرأي إلا اضطراراً ولا يفرغون المسائل، فلا يستخرجون أحكاماً لمسائل لم تقع، بل لا يفتون إلا فيما يقع من الوقائع. أما أهل الرأي فيكثرون في الإفتاء بالرأي ما دام لم يصح لديهم حديث في ذلك الموضوع الذي يجتهدون فيه، ولا يكتفون باستخراج أحكام المسائل الواقعة بل يفرضون مسائلا غير واقعة ويضعون لها أحكاماً بآرائهم. وكان أكثر أهل الحديث بالحجاز، لأنه موطن الصحابة الأول ومكان الوحي، ولأن التابعين الذين أقاموا فيه تخرجوا على صحابة لم يكثروا من الرأي. وأكثر أهل الرأي كانوا بالعراق، لأنهم تخرجوا على ابن مسعود رضي الله عنه وهو ممن كانوا يتحرجون في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتحرج في الاجتهاد برأيه، ولأن العراق كان موطناً لفلسفات وعلوم مدارس قديمة، كما أن أسباب الرواية لم تتوافر عند أهله.
وقد عرف أبو حنيفة رضي الله عنه باتجاهه إلى الفرض والتقدير فكان يقدر مسائل لم تقع ويبين حكمها ويوضح أدلتها ويقول في ذلك: "إنا نستعد للبلاء قبل نزوله فإذا ما وقع عرفنا الدخول فيه والخروج منه".
وهكذا زاد أبو حنيفة رضي الله عنه الفقه التقديري نمواً وأكثر فيه، وسلك الفقهاء من بعده مسلك الفرض والتقدير واختلفوا في المقدار.
ذكر العلماء مسنداً من الأحاديث والآثار منسوباً إلى أبي حنيفة رضي الله عنه، ولكن أكثر الآراء على أن أبا حنيفة رضي الله عنه لم يدون في الفقه كتاباً مبوباً؛ فقد كان المعروف أن تلاميذه يدونون آراءه ويقيدونها، وربما كان ذلك بإملاءه أحياناً، وكان هو يراجع ما دُوّن أحياناً ليقره أو ليغيره. وكان في جلساته الفقهية مع تلاميذه يلقي مسألة مسألة يقلبها ويسمع ما عندهم ويقول ما عنده ويناظرهم حتى يستقر أحد الأقوال فيها ثم يثبتها أبو يوسف في الأصول حتى أثبت الأصول كلها. وبهذا النحو من التحرير دُوّن مذهب الإمام أبي حنيفة وأصحابه، ونشره أصحابه كتباً مبوبة مرتبة منظمة.
وكانت الأقوال التي نقلها أصحاب الإمام أبي حنيفة خالية من الدليل، إلا ما يكون من أثر منقول أو خبر مشهور أو اعتماد على فتوى صحابي أو انتهاء إلى رأي تابعي، وقليلاً ما يذكر قياسها أو عماد استحسانها، اللهم إلا ما كتب أبي يوسف ولا تحكي إلا القليل. ولا شك أن ذلك يبعد بنا عن معرفة الإمام أبي حنيفة القياس صاحب الاستحسان الذي عد أقوى قائس في عصره، فلم يجرؤ أحد على منازعته القياس إذا قايس أو استحسن.
وإذا كانت الطبقة التي وليت أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه قد عنيت بالاستدلال واستخراج الأقيسة في الأحكام وبيان أوجه الاستحسان وأحكام العرف، فإننا لسنا على ثقة كاملة من أن هذا الاستدلال الذي يسوقونه هو نفس ما كان يفكر فيه الإمام أبو حنيفة وما اهتدى على ضوئه إلى ما قرره من أحكام.
تلاميذه:
كان لأبي حنيفة رضي الله عنه تلاميذ كثيرون، منهم من كان يرحل إليه ويستمع أمداً ثم يعود إلى بلده بعد أن يأخذ طريقه ومنهاجه، ومنهم من لازمه. وقد قال هو في أصحابه الذين لازموه: "هؤلاء ستة وثلاثون رجلاً منهم ثمانية وعشرون يصلحون للقضاء، وستة يصلحون للفتوى، واثنان أبو يوسف وزُفَر يصلحان لتأديب القضاة وأرباب الفتوى".
ولا شك أن هؤلاء الصحاب الذين يقرر أبو حنيفة رضي الله عنه صلاحيتهم للقضاء والإفتاء وتأديب القضاة كانوا في حياته من النضج العلمي بحيث يمكن أن تعهد إليهم هذه الأمور الخطيرة، وكانوا في سن تؤهلهم لها. أما محمد بن الحسن فقد كان في الثامنة عشر من عمره حينما توفي أبو حنيفة رحمه الله ولم تكن سنه تؤهله للقضاء، مع أننا سنجد فقه أبي حنيفة - رضي الله عنه - خاصة وفقه العراقيين عامة مدين لمحمد ابن الحسن بكتبه، فهي التي حفظته وأبقته للأخلاف مرجعاً يرجع إليه ومنهلاً يستقى منه.
وقد أضفت خدمة تلاميذ الإمام أبي حنيفة لمذهبه وعنايتهم بذلك جلالاً على المذهب وإمامه. وسنخص بالذكر بعض أصحابه ممن كان لهم أثر في نقل فقهه إلى الأجيال اللاحقة.
أبو يوسف (113 - 182 هـ) :
وهو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب، الأنصاري نسباً والكوفي منشأً وتعلماً ومقاماً. نشأ فقيراً تضطره الحاجة للعمل ثم أمده الإمام أبو حنيفة بالمال فانصرف إلى طلب العلم. جلس إلى ابن أبي ليلى الفقيه قبل أن يجلس إلى أبي حنيفة رضي الله عنه، ثم انقطع إليه مع اتصاله بالمحدثين. وكان فقيهاً عالماً حافظاً، كثير الحديث، عُدّ أحفظ أصحاب الإمام أبي حنيفة للحديث. ولي القضاء لثلاثة من الخلفاء العباسيين: المهدي والهادي ثم الرشيد الذي كانت له عنده مكانة وحظوة.
وقد استفاد الفقه الحنفي من أبي يوسف فوائد جليلة، إذ أن اختباره للقضاء جعله يصقل المذهب صقلاً علمياً بسبب اطلاعه على الشؤون العامة ومشاكل الناس، فأصبح قياسه واستحسانه مشتقاً من الحياة العملية لا من الفروض النظرية فقط. وقد استمد المذهب الحنفي نفوذاً مكيناً بتولي أبي يوسف القضاء وكونه القاضي الأول للدولة.
ولعل أبا يوسف أول فقهاء الرأي الذين دعموا آراءهم بالحديث وبذلك جمع بين طريقة أهل الرأي وطريقة أهل الحديث.
ولأبي يوسف كتب كثيرة دوّن فيها آراءه وآراء شيخه، منها كتاب الآثار وكتاب أبي حنيفة وابن أبي ليلى وكتاب الرد على سير الأوزاعي وغيرها. وفي كتبه جمال في التعبير ووضوح وجزالة ودقة قياس وإحكام فكر، إلى جانب بعض الأدلة الفقهية المصورة لاتجاه الإمام أبي حنيفة في تفكيره.
محمد بن الحسن الشيباني (132 - 189 هـ) :
يكنى أبا عبد الله، وينتسب إلى شيبان بالولاء. كانت سنه عند موت الإمام أبي حنيفة ثماني عشرة سنة، فلم يتلق عنه أمداً طويلاً، ولكنه أتم دراسته لفقه العراق الذي صقله القضاء على أبي يوسف، كما تلقى فقه الحجاز عن مالك رضي الله عنه، وروايته للموطأ من أجود الروايات، وتلقى فقد الشام عن الأوزاعي.
وكانت له قدرة ومهارة في التفريع والتخريج بالإضافة إلى درايته الواسعة البالغة في الأدب وامتلاكه أعنة البيان. قال فيه الشافعي: "كان محمد بن الحسن يملأ العين والقلب، وكان أفصح الناس، إذ تكلم خيل إلى سامعه أن القرآن نزل بلغته". وقد تمرس بالقضاء أيضاً مما أفاده علماً وتجربة وقرب فقهه من الناحية العملية التي لا تقتصر على التصور والنظر المجرد. وكان عنده اتجاه إلى التدوين فهو يعد بحق ناقل فقه العراقيين إلى الأخلاف، وتعد كتبه المرجع الأول لفقه أبي حنيفة رضي الله عنه، سواء في ذلك ما كان بروايته عن أبي يوسف ومراجعته عليه، وما كان قد دوّنه من فقه أهل العراق وتلقاه عن أبي يوسف وغيره.
وأهم كتبه: المبسوط والزيادات والجامع الصغير والسير الصغير والسير الكبير والجامع الكبير، وتسمى الأصول وسميت كتب ظاهر الرواية لأنها رويت عن محمد برواية الثقات فهي ثابتة عنه إما متواترة أو مشهورة. ومن كتبه أيضاً كتاب الآثار الذي جمع فيه الأحاديث والآثار التي رواها أبو حنيفة رضي الله عنه، وهو يتلاقى في كثير من مروياته مع كتاب الآثار لأبي يوسف وكلاهما يعد مسنداً لأبي حنيفة رضي الله عنه وقد جمعا بعناوين فقهية مرتبة. وهذه الكتب هي عماد النقل في الفقه الحنفي وتعد الأصل الذي يرجع إليه في فقه الإمام أبي حنيفة وأصحابه.
زُفَر بن هذيل (110 - 158 هـ) :
وهو أقدم صحبة لأبي حنيفة، رضي الله عنه، من صاحبيه أبي يوسف ومحمد. كان ذكياً قوي الحجة أخذ عن الإمام أبي حنيفة فقه الرأي وكان أحد أصحابه قياساً. ليس له كتب بل عمل على نشر آراء أبي حنيفة رضي الله عنه بلسانه في مناظراته الفقهية مع علماء البصرة، وكان قد تولى قضاءها في حياة شيخه. وقد خلف زُفَر أبا حنيفة رضي الله عنه في حلقته ثم خلفه من بعده أبو يوسف.
المذهب الحنفي وانتشاره:
المذهب الحنفي الذي تلقته الأجيال وخرج العلماء المسائل على ما استنبط من أصوله هو مدرسة فقهية تجمع آراء الإمام أبي حنيفة واجتهاداته إلى أقوال واجتهادات أصحابه وتلاميذه وبعض معاصريه، كما تضم ما أضافه فقهاء آخرون تبنوا المذهب وساروا على نفس أصوله وإن لم يعاصروا شيخه. فكان لاختلاط الرواية عن الإمام أبي حنيفة بالرواية عن غيره ولاتحاد الأصول أثر في مزج الآراء وجعل مجموعها مذهباً واحداً.
وقد نشأ المذهب في موطن الإمام في الكوفة ثم تدارسه العلماء ببغداد بعد وفاة شيخه ثم شاع وانتشر في أكثر البقاع الإسلامية، فكان في العراق ثم في مصر والشام وبلاد الروم وما وراء النهر، ثم اجتاز الحدود فكان في الهند والصين حيث لا منافس له ولا مزاحم، ويكاد يكون المنفرد في تلك الأصقاع النائية إلى الآن، إذ المسلمون في الهند والصين يسيرون في عبادتهم وفي تنظيم أسرهم عليه دون سواه.
وقد ابتدأ ينال المنزلة الرسمية التي يسرت له الانتشار منذ أن ولي أبو يوسف منصب القضاء للرشيد ثم صار قاضي القضاة، فكان لا يعين قاضياً في البلاد الإسلامية، من أقصى المشرق إلى شمالي إفريقية، إلا أن يكون حنفياً. فكان المذهب الحنفي المذهب الرسمي للدولة وفي عهد العباسيين ثم العثمانيين.
وإذا كان انتشار المذهب الحنفي في أول الأمر بسبب اختيار الخلفاء للقضاة من أئمته فقد اكتسب نفوذاً قوياً بسبب إلف الناس له ونشاط العلماء والمناظرات فيه. كما أن طبيعة المذهب المرنة جعلته قابلاً لكل الأزمنة ملائماً لكل الظروف والبيئات.
تعريف بالأحكام التكليفية
تختلف الأحكام التكليفية بحسب ثبوت طلبها من الشارع وترتيب العقوبة على تركها. وهي:
-1 - الفَرض:
لغة: التقدير.
شرعاً: هو ما يطلب فعله على وجه اللزوم ويحرم تركه ويعاقب عليه، وتفوت الصحة بتركه. وهو قسمان:
آ - فرض قطعي: ويثبت به الفرض والحرام، وهو ما كان قطعي الثبوت والدلالة كالآيات القرآنية والأحاديث المتواترة (¬1) التي لا تحتمل التأويل. وهو يوجب العلم والعمل ويكفر جاحده. ومثاله: غسل الوجه للوضوء، ومقتضى تركه التحريم.
ب - فرض عملي: ويثبت به الواجب وكراهة التحريم، وهو ما كان قطعي الثبوت ظني الدلالة، وهو ما يثبت بالأحاديث والآيات المؤولة، لا يكفر جاحده، لكن مقتضى تركه عدم صحة العمل مع الإثم إن كان عمداً.
مثاله: اعتقاد مسح الرأس في الوضوء فرض قطعي، أما المقدار المسموح من الرأس فهو فرض عملي.
وقد يكون الفرض بنوعيه: ركناً: وهو ما توقف عليه وجود العمل وكان داخلاً في ماهيته كالركوع في الصلاة.
شرطاً: وهو ما توقف عليه وجود العمل وكان خارجاً عن ماهيته كالوضوء في الصلاة.
والفرض بنوعيه إما فرض عين: وهو ما يلزم بفعله كل إنسان، ولا يسقط بفعل البعض. وإما فرض كفاية: وهو فرض على المجتمع المسلم، يجب على البعض أن يقوم به فإن قصَّر أثم الجميع وإذا قام به البعض سقط عن الباقين.
-2 - الواجب: وهو ما كانت أدلته ظنية من الحديث أو القياس، ومقتضى تركه كراهة التحريم مع العمد وتجب الإعادة في الوقت. أما تركه سهواً فيسقط الإثم ويجب سجود السهو إن كان في الصلاة، وقد يطلق الواجب ويراد به الفرض العملي. ويجب قضاؤه إن فات.
-3 - السنة:
لغة: الطريقة.
شرعاً: الطريقة المسلوكة في الدين من غير لزوم.
وهي في كل ما كان ظني الثبوت والدلالة من الأحكام، أو ما كان طلبه غير جازم.
وهي نوعان: آ - سنة مؤكدة: وهي ما واظب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع تركه مرة واحدة أو مرتين، ويلام تاركها عمداً، ويؤجر فاعلها، ويفيد تركها عمداً كراهة التنزيه.
ب - سنة غير مؤكدة: وهي ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مرة وتركه أخرى. ولا يلزم بتركها كراهة، بل خلاف الأَوْلى. وحكمها: الثواب على فعلها وعدم اللوم على تركها. ومنها: المندوبات، والمستحبات، والتطوع، والآداب.
-4 - التحريم: وهو ما ورد النهي عنه بدليل قطعي. وهو ما يحرم فعله ويعاقب عليه ويطلب تركه لزوماً ويثاب على تركه.
-5 - المكروه: وهو ضد المحبوب من العمل. وهو لا يثبت إلا بدليل خاص.
وهو نوعان:
آ - مكروه تحريماً: وهو مخالفة الواجب أو السنة الواردة بلفظ النهي. وهو إلى الحرام أقرب.
ب - مكروه تنزيهاً: إذا كان الدليل يفيد النهي غير الجازم، أو ما كان خلاف السنة غير الناهية.
¬
(¬1) الحديث المتواتر: هو ما رواه جمع تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، عن مثلهم من أول السند إلى منتهاه، على أن لا يختل هذا الجمع في أي طبقة من طبقات السند.
- القواعد العامة في ترجيح أقوال أئمة الحنفية
أولاً: إذا اتفق الإمام أبو حنيفة وصاحباه على جواب واحد في مسألة من المسائل لا يجوز العدول عنه مطلقاً.
ثانياً: إذا وافق الإمام أحد صاحبيه لا يعدل عن قولهما إلى المخالف.
ثالثاً: إذا انفرد الإمام واتفق صاحباه يرجح قول الإمام على الغالب - في العبادات - أما في القضاء فيقدم قول أبي يوسف. وفيما يتعلق بذوي الأرحام يؤخذ بقول الإمام محمد.
رابعاً: قرروا جميعاً أن الاستحسان مقدم على القياس.
خامساً: إذا اقترن قول بالفتوى وقول بالصحيح يحكم بالقول المقترن بالفتوى.
سادساً: لفظ الصحيح مقدم على لفظ الأصح.
سابعاً: لا يحكم ولا يفتي بالقول الضعيف، إلا لنفسه أو للضرورة.
ثامناً: يعرف المفتي بأنه مخبر عن الحكم والقاضي ملزم به.
تاسعاً: الحكم الملفق باطل، والتلفيق هو الفساد بالمذهبين كأن يَفْسُدَ وضوؤه بمسّ يد زوجته (يفسد عند السادة الشافعية) ويرعف من أنفه (يفسد عند السادة الأحناف) .
عاشراً: الرجوع عن التقليد بعد العمل باطل.
أحد عشر: التقليد لمذهب في عبادة ما يوجب إتمامها على المذهب نفسه (¬1) ، إلا في الحج فيجوز طوافه حنفياً ووقوفه في المزدلفة شافعياً أو مالكياً مثلاً.
¬
(¬1) خلافاً للسادة الشافعية.
[متن الكتاب]
كتاب الطهارة
الباب الأول [المياه، الآسار]
- تقدم العبادات على غيرها من أبواب الفقه اهتماماً بشأنها. والصلاة التالية للإيمان، والطهارة مفتاحها، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مفتاح الصلاة الطّهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم) (¬1) .
تعريف الطهارة:
الطهارة لغة: بفتح الطاء مصدر بمعنى النظافة، وبكسرها آلة التطهير، وبضمها فَضْل ما يتطهر به.
شرعاً: النظافة من حَدَثٍ (¬2) أو خَبَث (¬3) .
سببها: أي سبب وجوبها. وهو إرادة ما يحل بدونها فرضاً كان أو واجباً أو نفلاً. وقيل: سببها: الحدث في الحكمية، والخبث في الحقيقة.
دليلها:
قوله تعالى: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} (¬4) .
وحديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الطهور شطر الإيمان) (¬5) .
أقسامها:
آ - الطهارة من الحدث: والحدث قسمان:
-1 - أصغر والطهارة منه بالوضوء.
-2 - أكبر وتكون الطهارة منه بالغسل.
ب - الطهارة من الخبث: وتكون بغسل عين النجاسة. والمزيل للحدث والخبث الماء اتفاقاً. أما الخبث فيجوز على المعتمد إزالته بغير الماء من المائعات (¬6) .
¬
(¬1) أبو داود: ج 1/ كتاب الطهارة باب 31/61.
(¬2) الحَدَثُ: الإبداء. والبَدَا: اسم مقصور: ما يخرج من دبر الرَّجُل. وبدا الرجل: أنجى فظهر ذلك منه. ويقال للرجل إذا تغوَّط وأحدث: قد أبدى فهو مُبْدٍ.
(¬3) الخَبَث: بفتحتين: النَّجَس.
(¬4) البقرة: 222.
(¬5) مسلم: ج 1 / كتاب الطهارة باب 1/1.
(¬6) وخالف في هذا الإمام محمد وكذلك الإمام الشافعي.
الفصل الأول: المياه
- المياه التي يصح التطهير بها سبعة، وهي كل ما نزل من السماء أو نبع من الأرض. وتفصيلها كما يلي:
-1 - المطر لقوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهوراً} (¬1) .
-2 - ماء البحر، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر فقال: (هو الطهور ماؤه، الحِلُّ ميتته) (¬2) . كما يُرفع الحدث بماء مهيئ لأن ينعقد ملحاً لا بماء حاصل وبذوبان ملح وهو الذي يجمد في الصيف ويذوب في الشتاء لبقاء الأول على طبيعته الأصلية وانقلاب الثاني إلى طبيعته الملحية.
-3 - ماء النهر.
-4 - ماء البئر.
-5 - ماء الثلج والبرد، لحديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد. اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ) (¬3) .
-6 - ماء العين.
¬
(¬1) الفرقان: 48.
(¬2) الترمذي: ج 1 / كتاب الطهارة باب 52/69.
(¬3) مسلم: ج 1 / كتاب الصلاة باب 40/204.
أقسام المياه:
تقسم المياه من حيث أوصافها الشرعية إلى:
أولاً - ماء طاهر مُطَهِّر غير مكروه الاستعمال:
وهو الماء المطلق الذي يخالطه ما يصير به مقيداً. وهو الذي يرفع الحدث ويزيل النجس.
أما ماء زمزم فثوابه أكبر في الوضوء والغسل، لما روى أبو ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فُرج سقفي وأنا بمكة، فنزل جبريل عليه السلام ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم) (¬1) . لكن يكره الاستنجاء وإزالة النجاسة بماء زمزم تحريماً لأنه يستعمل للتبرك.
ويبقى الماء طاهراً مطهِّراً في الحالات التالية:
-1 - إن خالطه شيء من الطاهرات الجامدة، فغيرت أحد أوصافه أو كلها على أن لا تزيل سيولته وأن لا يحدث له اسم غير الماء، كالزعفران والأشنان وورق الشجر، لما روت أم هانئ رضي الله عنها (أنها دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، وهو يغتسل، قد سترته بثوب دونه، في قصعة فيها أثر العجين) (¬2) ، وما روي عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه كان يغسل رأسه بالخَطْميّ (¬3) وهو جنب يجتزي بذلك ولا يصب عليه الماء) (¬4) .
-2 - إن خالطه شيء من الطاهرات المائعة، ولم تغلب عليه، والغلبة تحصل بظهور وصف واحد من مائع له وصفان، كاللبن له وصفان: اللون والطعم. فإن لم يوجد جاز به الوضوء وإن وجد أحدهما لم يجز كما لو كان المخالط له وصف واحد فظهر وصفه. أما إن كان للمائع ثلاثة أوصاف كالخل وظهر وصف واحد فيبقى الماء طاهراً مطهراً. وتكون الغلبة للمائع الذي له نفس أوصاف الماء بالوزن، فإن اختلط رطلان مثلاً من الماء المستعمل أو ماء الورد الذي انقطعت رائحته برطل من الماء المطلق لا يجوز به الوضوء. وبالعكس لو كان الأكثر المطلق جاز به الوضوء.
-3 - إن مات فيه ما لا دم له سائلاً، كالحشرات والذباب والبعوض والعقرب والصرصور، لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء) (¬5) .
-4 - إن مات فيه حيوان مائي المولد كالسمك وكلب البحر، للحديث المتقدم (هو الطَّهور ماؤه، الحلُّ مَيْتَتُه) .
-5 - ماء مستعمل خالطه ماء مطلق غلب عليه.
-6 - ماء تغير بطول المكث.
-7 - ماء مات فيه ضفدع مائي المولد، فلا ينجسه ويجوز التطهر به، ولكن يحرم شربه لحرمة أكل لحم الضفادع (¬6) .
¬
(¬1) البخاري: ج 1 / كتاب الحج باب 75/1555.
(¬2) النسائي: ج 1 / ص 202.
(¬3) الخطمي: ضَرْبٌ من النبات يُغسل به. ويقال: يُغسل به الرأس (الختمية) .
(¬4) البيهقي: ج 1 / ص 182.
(¬5) البخاري: ج 5 / كتاب الطب باب 57/5445.
(¬6) يحرم قتل الضفادع لحديث عبد الرحمن بن عثمان وفيه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع) مسند الإمام أحمد: ج 3 / ص 453.
ثانياً - ماء طاهر مطهر مكروه الاستعمال تنزيهاً مع وجود غيره (¬1) :
وهو الماء الذي شرب منه حيوان مثل الهرة والدجاجة المُخلاَّة (¬2) وسباع الطير. وقد وردت النصوص بطهارة الهرة لشدة تطوافها على الناس وعدم إمكان الاحتراز من سؤرها، فعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الهرة: (إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات) (¬3) .
¬
(¬1) تزول الكراهة بفقدان الماء المطلق.
(¬2) المُخَلاَّة: المرسلة، التي تجول في القاذورات ولم يعلم طهارة منقارها من نجاسته، فكُرِه سؤرها للشك. فإن لم يكن كذلك فلا كراهة فيه بأن حُبِست فلا يصل منقارها لقذر.
(¬3) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 38/75.
ثالثاً - ماء طاهر في نفسه غير مطهر لغيره (¬1) :
آ - الماء المستعمل: ويعرف بأنه الماء الذي أزيل به حَدَثٌ، كغسالة الوضوء والماء المنفصل من غسل المحدث، والماء المستعمل في البدن بنية القربة كالوضوء على الوضوء، وغسل اليدين قبل الطعام لما روى سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده) (¬2) . أو وضوء الحائض لتسبيحة الفريضة، أو المنفصل من سنة المضمضة والاستنشاق في الوضوء.
والقول الراجح: إن الماء يصير مستعملاً عندما ينفصل عن العضو وإن لم يستقر.
ب - ماء الشجر والثمر.
جـ - ماء زال عن رقته بالطبخ، كماء الحمص والعدس، وماء خالطه أحد الجامدات الطاهرات فزالت سيولته.
د - الماء الذي حصل له اسم غير الماء بمخالطة الجامدات الطاهرات، وإن بقي على سيولته، مثل العرق سوس.
¬
(¬1) يجوز شربه واستعماله، إن كان نظيفاً مع الكراهة التنزيهية، لإزالة الحدث. وهو يطهر من الخبث عند عدم وجود غيره.
(¬2) أبو داود: ج 4 / كتاب الأطعمة باب 12/3761. وغسل اليدين قبل تناول الطعام سنة.
رابعاً - الماء المتنجس:
وهو قسمان:
آ - ماء جارٍ: وهو ما يعدّه الناس جارياً على الأصح، وقيل ما يذهب بتبنة. ولا يعد هذا الماء نجساً إلا بتغير أحد أوصافه من لون أو طعم أو ريح.
ويعتبر حوض الحمام جارياً إذا كان الصنبور والمصرف مفتوحين لو الماء نازلاً والغرف متدارك بحيث لا يسكن الماء.
ب - الماء الراكد: وهو إما أن يكون قليلاً أو كثيراً.
-1 - القليل: يَنْجُس بوقوع النجاسة فيه ولو لم يظهر أثرها، لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه) (¬1) . ويطهر بالتطفيف، أي بإضافة ماء طاهر إليه حتى يجري فيحكم بطهارته ما لم تظهر أثر النجاسة فيه.
-2 - الكثير: وهو ما لا يخلص بعضه إلى بعض أي لا يتحرك أحد طرفيه بتحرك الآخر. وقال الإمام أبو حنيفة: العبرة في ذلك رأي المُبتلى. وحدد علماء الحنفية الخلوص بالمساحة فقدَّروها بعشر في عشر من ذراع الكِرباس (¬2) . أي ما يساوي (49) م 2 مساحة سطح الماء. وعمق ما لا ينجلي بالاغتراف أو لا ينحسر أسفله أي لا تبدو أرضه إذا اغترف منه.
وحكم الماء الكثير أنه لا ينجس إلا بتغير أحد أوصافه، وإذا كانت النجاسة مرئية وظاهرة فلا يتوضأ من مكانها.
¬
(¬1) البخاري: ج 1 / كتاب الوضوء باب 68/236.
(¬2) الكِرباس: فارسيٌّ معّرب بكسر الكاف وجمعه كرابيس: الثوب الخشن. وقيل أيضاً: هو الثوب الأبيض من القطن.
خامساً - ماء طاهر مشكوك في طهوريته:
وهو سؤر (¬1) كل حيوان مختلف في جواز أكل لحمه، كالحمار الأهلي والبغل الذي أمه أتان (¬2) .
حكمه:
آ - يعود طاهراً مطهراً إن خالطه ماء مطلق أكثر منه.
ب - لا يجوز استعماله في الغسل والوضوء مع وجود غيره. وعند فقد الماء يتوضأ ويتيمم للشك.
جـ - تجوز إزالة النجاسة به عن الثوب والبدن.
¬
(¬1) السؤر: هو ما بقي في الإناء بعد الشرب.
(¬2) الأتان: الحمارة، ولا يكره سؤر ما أمه مأكولة كبقرة مثلاً.
مياه الآبار والصهاريج
- تعتبر مياه الآبار من المياه الراكدة القليلة ولا علاقة لعمق البئر وغزارته.
حكم مياه الآبار:
إذا وقعت في البئر نجاسة، سواء كانت مخففة أو مغلظة ولو قطرة دم أو بول، فإنه يتنجس. ويعفى عما لا يمكن الاحتراز منه كسقوط الرَّوْث (¬1) والبعر إن كان قليلاً. أما إن كان كثيراً فيتنجس. وضابط الكثير ما يستكثره الناظر أو أن لا يخلو دلو منه.
ولا يتنجس البئر بوقوع آدمي (¬2) أو حيوان إن لم يكن نجس العين وليس على بدنه نجاسة وأخرج حياً. وإن أصاب فمه الماء فحكمه حكم سؤره (كما هو مبين في أحكام السؤر) .
¬
(¬1) الرَّوث: راث الفرس يَروث روثاً: مثل تغوَّط الرجل.
(¬2) إذا وقع آدمي محدث وأخرج حياً ينزح من (40 - 60) دلواً على سبيل الندب.
كيفية تطهير البئر:
أولاً: يطهر بنزح كل ماء البئر بعد إخراج النجاسة منه، ولو نزح قسم من الماء ثم زاد ماء البئر فينزح بمقدار ما بقي وقت وقوع النجاسة. أما إذا كان البئر غزيراً فينزح من (200 - 300) دلواً متوسطاً (أو ما يسع صاعاً) (¬1) .
ويكون ذلك:
-1 - إذا وقع في البئر خنزير ولو خرج حياً ولم يصب فمه الماء لنجاسة عينه.
-2 - إذا وقع فيه كلب، أو أي سبع من سباع البهائم، وأصاب فمه الماء.
-3 - إذا ماتت فيه شاة، أو كلب، أو آدمي. بدليل ما روي عن محمد بن سيرين "أن زنجياً وفقع في زمزم يعني فمات، فأمر به ابن عباس فأخرج، وأمر بها أن تنزح" (¬2) .
-4 - إذا مات فيه حيوان وانتفخ (¬3) أو تفسخ أو تمعّط شعره مهما كان صغيراً.
ثانياً: ينزح من (40 - 60) دلواً بعد إخراج النجاسة، وذلك:
-1 - إذا ماتت فيه دجاجة أو هرة أو نحوهما في الجثة ولم تنتفخ أو تتفسخ.
-2 - إذا مات فيه حيوان بين الدجاجة والشاة ولم ينتفخ أو يتفسخ.
ثالثاً: ينزح من (20 - 30) دلواً بعد إخراج النجاسة، وذلك:
-1 - إذا ماتت فيه فأرة أو نحوها كعصفور، ولم تنتفخ أو تتفسخ لقول أنس رضي الله عنه في فأرة ماتت في البئر وأخرجت من ساعتها: "ينزح عشرون دلواً".
-2 - إذا مات فيه حيوان بين الحمامة والفأرة ولم يتمعط أو تنتفخ.
يطهر البئر بنزح الماء المطلوب كما يطهر كل ما حول البئر من بكرة وحبل ودلو وغيرها بعد انفصال آخر قطرة عن الدلو.
¬
(¬1) الصاع: مكيال لأهل المدينة يأخذ أربعة أمداد.
(¬2) البيهقي: ج 1 / ص 268.
(¬3) الانتفاخ دليل تقادم العهد. وأدنى حدّ التقادم في الانتفاخ ونحوه ثلاثة أيام.
أحكام الصهاريج وخزانات المياه:
لا تقاس الصهاريج وخزانات المياه على الآبار، إلا إذا كان أكثرها مطموراً في الأرض أو الزير (¬1) الكبير، لأن النصوص جاءت خاصة بالآبار فلا يقاس عليها.
فلو وقعت نجاسة في صهريج ماؤه دون العشر في عشر (49 م 2 مساحة مع عمق 25 سم) ، يراق كله. أما إن كان مساحة سطح الماء عشراً في عشر فأكثر، فالمعتبر هو ظهور أثر النجاسة.
ولكن ما مقدار الزمن الذي يحكم به بنجاسة البئر أو الصهريج إن وجد فيه حيوان؟ الجواب: إذا أخرج حيوان من صهريج أو بئر فعلى المتوضئ أو المغتسل من هذا الماء أن يعيد صلاة يوم وليلة إن لم يتفسخ الحيوان، وثلاثة أيام بلياليها إن تفسخ. أما إن غسل ثوبه دون أن يتوضأ فيعيد غسل الثوب دون الصلاة إن كان غسله من نجاسة.
¬
(¬1) الزِير: الدِّن.
الفصل الثاني: الأَسْآر
تعريف السّؤْر:
لغة: هو البقية والفضلة.
شرعاً: بقية الماء في الإناء أو الحوض بعد شرب حيوان أو إنسان.
حكمه: طهارة السّؤر تعتبر بطهارة لحم الحيوان لأن اللعاب متولد من اللحم.
أقسامه: يقسم أربعة أقسام:
أولاً: سؤر طاهر مطهر: وهو:
-1 - سؤر الآدميّ مطلقاً رجل أو امرأة ولو كان حائضاً أو جنباً مسلماً كان أم كافراً، لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فيِّ فيشرب، وأتعرق العَرِق (¬1) وأنا حائض ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فيِّ) (¬2) .
-2 - سؤر ما لا دم له سائلاً.
-3 - سؤر الفرس وكل ما يؤكل لحمه من الحيوان.
¬
(¬1) العَرِق: هو العظم الذي عليه بقية من لحم. ويقال عرقت العظم إذا أخذت منه اللحم بأسنانك.
(¬2) مسلم: ج 1 / كتاب الحيض - باب 3 /14.
ثانياً: سؤر نجس مطلقاً:
-1 - سؤر الكلب والخنزير، لما روي عن الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (في الكلب يلغ في الإناء أن يغسله ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً) (¬1) ، ولقوله تعالى: {أو لحم خنزير فإنه رجس} (¬2) . وكذلك سؤر سباع الحيوانات غير الطيور، كالضبع والفهد وابن آوى وكل ما لا يؤكل لحمه.
-2 - سؤر شارب الخمر بعد شربها ولو بزمن قليل.
-3 - سؤر هرة ودجاجة وإبل وبقر علم نجاسة فمها.
¬
(¬1) الدارقطني: ج 1 / ص 65. ووَلَغَ الكلب في الإناء يَلَغُ بفتح اللام فيهما وُلوغاً: شرب ما فيه بأطراف لسانه.
(¬2) الأنعام: 145.
ثالثاً: سؤر طاهر ضرورة أي مكروه استعماله تنزيهاً مع وجود غيره:
-1 - سؤر الهرة والدجاجة المخلاة.
-2 - سؤر سباع الطير كالصقر والحدأة والغراب، لأنها تشرب بمنقارها وهو عظم طاهر، لكن لحومها نجسة فيحكم بكراهة سؤرها.
-3 - سؤر سواكن البيوت مما له دم سائل كالفأرة والحية مكروه، لأن حرمة اللحم أوجبت نجاسة السؤر إلا أنه سقطت النجاسة لعلة الطواف فبقيت الكراهة.
ويكره حمل السؤر المكروه أو لبس ما أصابه سؤر مكروه في الصلاة.
رابعاً: سؤر طاهر مشكوك (¬1) في طهوريته: وهو سؤر البغل (الذي أمه أتان) والحمار لتعارض الآثار في إباحة لحمه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يركب حماراً مَعْروريّاً (¬2) في حر الحجاز، ويصيب العرق ثوبه ويصلي في ذلك الثوب. ولكن لا يجوز استعماله إذا وجد غيره، فإن لم يجد غيره توضأ به وتيمم. والأفضل تقديم الوضوء.
ويلحق بأحكام السؤر أحكام العَرَق لتولد العرق من اللحم، ولو خالط الماء فهو كسؤره.
¬
(¬1) ومعنى الشك التوقف فيه فلا ينجس الطاهر ولا يَطْهُر النَّجِس.
(¬2) مَعْرُور: العَرُّ والعُرُّ والعُرَّة: الجَرَب. يقال: عُرَّ فهو معرور أي: أجرب.
التحرِّي:
وهو بذل الجهد لنيل القصد.
فلو اختلطت عند امرئ أواني ماء بعضها طاهر والآخر نجس ولا يملك غيرها تصرَّف كالتالي:
-1 - إن كان أكثرها طاهراً يتحرى للوضوء والشرب.
-2 - إن كان أكثرها نجساً يتحرى للشرب فقط ويتيمم بدل الوضوء.
أما في اللباس فإن اختلطت عليه وليس عنده ثوب مقطوع بطهارته يتحرى، لأن ستر العورة واجب. وإن صلى بالتحري ثم تبين له خطأ اجتهاده أعاد الصلاة في الوقت أو بعده.
وهناك قاعدة في الشك حيث يرجع للأصل دائماً، مثلاً إنْ وجدنا ذبيحة وشككنا فيمن ذبحها أهو مسلم أو مجوسي حكمنا بنجاستها ما لم يثبت إيمان المذكّي. أما لو وجدنا ماء وشككنا بنجاسته فهو طاهر لأنه الأصل. وإذا طرأ الشك على شيء مجهول الأصل كمن كان في بعض ماله حرام فهنا تكره معاملته.
الباب الثاني (قَضَاءُ الحاجَة) .
الفصل الأول (سننها ومكروهاتها)
-1 - سنن قضاء الحاجة وآدابه:
-1 - أن يقول عند الدخول: "بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سَتْرُ ما بين أعين الجنّ وعورات بني آدم إذا وضعوا ثيابهم أن يقولوا: بسم الله) (¬1) ، وعنه أيضاً قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) (¬2) .
-2 - أن يقدم رجله اليسرى على اليمنى عند الدخول.
-3 - يجب أن يستتر لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن أتى الغائط فلْيَسْتَتِر) (¬3) . وألا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، وأن يسبل ثوبه قبل انتصابه. والمهم عدم كشف العورة إلا عند الضرورة وبقدرها، لحديث أنس رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض) (¬4) .
-4 - أن يجلس معتمداً على يسراه لأنه أسهل لخروج الخرج، لحديث سراقة بن جعشم رضي الله عنه قال: (علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل أحدنا الخلاء أن يعتمد اليسرى وينصب اليمنى) (¬5) .
-5 - يستحب أن يتجنب الأمكنة الصلبة حتى لا يصيبه رشاش البول وإلا يحترز من النجاسة لحديث أبي موسى رضي الله عنه قال: إني كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فأراد أن يبول، فأتى دَمَثاً (¬6) في أصل جدار، فبال، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتَد لبوله موضعاً) (¬7) .
-6 - أن يخرج برجله اليمنى ويقول عند الخروج: "غفرانك الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاي" لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) (¬8) ، وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الغائط قال: (غفرانك) (¬9) .
-7 - أن يغسل يديه بالصابون عند الخروج، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تَوْر أو رَكوة فاستنجى ثم مسح يده على الأرض ثم أتيته بإناء آخر فتوضأ) (¬10) .
¬
(¬1) مجمع الزوائد: ج 1 / ص 205.
(¬2) البخاري: ج 1 / كتاب الوضوء باب 9 / 142.
(¬3) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 19 / 35.
(¬4) الترمذي: ج 1 / كتاب الطهارة باب 10 / 14.
(¬5) البيهقي: ج 1 / ص 96.
(¬6) الدَمث: المكان السهل الذي يخد فيه البول، فلا يرتد على البائل.
(¬7) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 2 / 3.
(¬8) ابن ماجة: ج 1 / كتاب الطهارة باب 10 / 301.
(¬9) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 17 / 30.
(¬10) البيهقي: ج 1 / ص 106. والتور: إناء معروف تعرفه العرب، والركوة: دلو صغير.
-2 - مكروهات قضاء الحاجة:
-1 - يكره الدخول إلى الخلاء ومعه شيء مكتوب فيه اسم الله، لحديث أنس رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء نزع خاتمه) (¬1) . وقد ثبت أن نقش خاتمه صلى الله عليه وسلم كان: محمد رسول الله.
-2 - يكره استقبال مهب الريح، وكذا استقبال الشمس والقمر.
-3 - يكره تحريماً استقبال القبلة بالفرج حال قضاء الحاجة أو استدبارها، ولو في البنيان، لحديث سلمان رضي الله عنه قال: (لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستنجي برَجيع أو بعظم) (¬2) . ولما روي عن أبي أيوب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا) (¬3) . وكذا يكره إمساك الصبي نحو القبلة للبول.
-4 - يكره ذكر الله تعالى فلا يحمد إذا عطس ولا يَرُدّ سلاماً، ولا يجيب مؤذِّناً، لما روي عن المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: (إني كرهت أن أذكر الله عز وجل إلا على طهر) (¬4) . كما يكره مطلق الكلام إلا لضرورة، لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فإن الله عز وجل يمقت على ذلك) (¬5) .
-5 - يكره التخلي في طريق الناس أو في الظلّ أو تحت شجرة مثمرة، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اتقوا اللاعِنَيْنِ، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلّهم) (¬6) .
-6 - يكره التخلي في جُحْر (¬7) ، لحديث عبد الله بن سَرْجَس رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الجُحْر. قال: قالوا لقتادة: ما يكره من البول في الجحر؟ قال: كان يقال: إنها مساكن الجن) (¬8) .
-7 - يكره التخلي في الماء الراكد، لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يَبُولنَّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه) (¬9) . وكذلك يكره بقرب بئر أو نهر أو حوض.
-8 - يكره البول قائماً إلا من عذر، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: (من حدثكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً) (¬10) .
-9 - يكره النظر إلى فرجه أو إلى ما يخرج منه، وقيل: إنه يورث النسيان.
-10 - يكره البول في محل الوضوء لأنه يورث الوسوسة، لحديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في مستحمه، ثم يغتسل فيه، قال أحمد: ثم يتوضأ فإن عامة الوسواس منه) (¬11) .
-11 - يحرم البول على القبر أو في المسجد أو على كل ما يحرم به الاستنجاء من طعام الجن أو الإنس.
¬
(¬1) الترمذي: ج 4 / كتاب اللباس باب 17 / 1746.
(¬2) مسلم: ج 1 / كتاب الطهارة باب 17 / 57. والرَّجيع: الرَّوْث.
(¬3) مسلم: ج 1 / كتاب الطهارة باب 17 / 59.
(¬4) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 8 / 17.
(¬5) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 7 / 15.
(¬6) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 14 / 25. واللاعنان: أي الذين هما سبب اللعن والشتم غالباً.
(¬7) الجُحْر: بضم الجيم وإسكان الحاء: الخَرقْ في الأرض والجدار.
(¬8) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 16 / 29.
(¬9) البخاري: ج 1 / كتاب الطهارة باب 68 / 236.
(¬10) الترمذي: ج 1 / كتاب الطهارة باب 8 / 12.
(¬11) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 15 / 27.
الفصل الثاني: الاستنجاء
تعريف الاستنجاء:
لغة: مسح موضع النجاسة أو غسله.
شرعاً: هو إزالة نجس عن سبيل، ومعناه استعمال الماء بقصد إزالة النَّجْو أي الغائط.
الفرق بين الاستبراء والاستنزاه والاستنقاء.
الاستبراء: طلب براءة المَخْرج من أثر البول (للرجل فقط) ويكون بنقل الأقدام أو التنحنح (أما المرأة فتنتظر قليلاً ثم تستنجي) وحكمه لازم (وهو فوق الواجب) لفوات صحة الطهارة بفواته.
الاستنزاه: طلب البعد عن الأقذار والتطهر من الأبوال.
الاستنقاء: النقاوة بالدلك حتى يذهب أثر النجاسة بالأحجار عند الاستجمار وبالأصابع عند الاستنجاء بالماء.
حكم الاستنجاء:
هو سنة مؤكدة لإزالة الخارج من السبيلين عن مخرجه. أما إذا تجاوزت النجاسة المخرج بقدر الدرهم فتجب إزالتها بالماء، وكذا المرأة يجب أن تستنجي من البول دائماً لاتساع المخرج. وإذا زادت النجاسة المتجاوزة على قدر الدرهم افترض غسلها بالماء، كما يفترض غسل ما في المخرج عند الاغتسال من الجنابة والحيض والنفاس بالماء.
ويصح أن تستنجي بالماء فقط، والأفضل الجمع بين الحجر والماء مرتباً فيمسح الخارج ثم يغسل المخرج بالماء، وذلك لأن الله تعالى أثنى على أهل قباء بإتباعهم الأحجار الماء، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيراً في الطهور فما طهوركم هذا، قالوا يا رسول الله نتوضأ للصلاة والغسل من الجنابة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل مع ذلك غيره. قالوا: لا غير أن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء. قال: هو ذاك) (¬1) . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لما نزلت هذه الآية في أهل قباء: فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين. فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء) (¬2) . فكان الجمع سنة. روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: (مُرْنَ أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله) (¬3) .
ويصح استعمال الحجر أو الورق وحده في حالة كون النجاسة لم تتجاوز المخرج، والغسل بالماء أحب لحصول الطهارة وإقامة السنة على الوجه الأكمل.
وفي الاقتصار على الحجر (الورق) يفضل التثليث، لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ومن استجمر فليوتر، ومن فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج) (¬4) .
¬
(¬1) المستدرك: ج 1 / ص 155.
(¬2) مجمع الزوائد: ج 1 / ص 212.
(¬3) الترمذي: ج 1 / كتاب الطهارة باب 15/19.
(¬4) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 19/35.
سنن الاستنجاء:
-1 - الاعتماد على الوسطى في الدبر في ابتداء الاستنجاء، ثم يصعد البنصر وغيرها.
-2 - التجفيف بعد الغسل احتياطاً من الماء المستعمل.
-3 - غسل اليدين بعده بالصابون، لحديث ميمونة رضي الله عنها قالت: (وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءاً لجنابة فأكفأ (¬1) على شماله مرتين أو ثلاثاً ثم غسل فرجه ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثاً) (¬2) .
¬
(¬1) أكفأ الإناء: أماله وقلبه ليصُبَّ ما فيه.
(¬2) البخاري: ج 1 / كتاب الغسل باب 16/270.
مكروهات الاستنجاء:
-1 - أن يستنجي باليد اليمنى، لما روي عن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا بال أحدكم فلا يأخذنّ ذَكره بيمينه، ولا يستنج بيمينه، ولا يتنفّس في الإناء) (¬1) .
-2 - أن يستنجي بعظم أو روث، لحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنه زاد إخوانكم الجنّ) (¬2) ، وعنه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتاني داعي الجن.. فذكر الحديث وفيه: كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً وكل بعرة علف لدوابكم) (¬3) .
وينهي أيضاً عن الاستنجاء بزجاج أو جصٍّ أو فحم أو خزف أو بشيء محترم لقيمته والنهي هنا يقتضي كراهة التحريم.
¬
(¬1) البخاري: ج 1 / كتاب الوضوء باب 19/153.
(¬2) الترمذي: ج 1 / أبواب الطهارة باب 14/18.
(¬3) البيهقي: ج 1 / ص 109.
الباب الثالث (الوُضوُءُ) .
الفصل الأول: تعريفه، سببه، شروطه، حكمه
تعريفه:
الوضوء لغة: من الوضاءة، وهي الحسن والنظافة.
وشرعاً: نظافة مخصوصة. والمعنى الشرعي مأخوذ من اللغوي، لأن الوضوء يُحسِّن أعضاء الوضوء في الدنيا بالنظافة وفي الآخرة بالتحجيل (¬1) .
¬
(¬1) التَّحجيل: الأصل بياضٌ في قوائم الفرس. والمراد هنا بياض في الأيدي والأرجل من النور الذي يكتسبه صاحبه بالوضوء.
سببه:
أ - استباحة ما لا يحل بدونه، فرضاً كان أو واجباً (الصلاة، مس المصحف، الطواف) .
ب - وجوب الصلاة.
جـ - وقيل سببه الحدث. والحدث لغةً: الشيء الحادث، وشرعاً وصف شرعي يحل بالأعضاء فيزيل الطهارة.
د - وقال أهل الظاهر: سببه القيام إلى الصلاة لقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} (¬1) .
¬
(¬1) المائدة: 6.
شروطه:
أ - شروط وجوب الوضوء:
-1 - العقل: إذ لا خطاب بدونه.
-2 - البلوغ: لأنه لا يكلَّف القاصر.
-3 - الإسلام: لأن الكافر لا يكلَّف بالفروع.
-4 - القدرة على استعمال الماء الطَّهور الكافي لجميع الأعضاء مرة مرة.
-5 - وجود الحدث: فلا يَلْزم الوضوء على الوُضوء.
-6 - النَّقاء من الحيض والنَّفاس بانقطاعهما شرعاً.
-7 - ضيق الوقت: لتوجه الخطاب مُضيَّقاً وموسَّعاً في ابتدائه: {إذا قمتم إلى الصلاة} .
ب - شروط صحة الوضوء:
-1 - عدم الحيض أو النّفاس.
-2 - أن يعم البشرة، فلو بقي مقدار غرزة الإبرة لم يصح الوضوء.
-3 - زوال ما يمنع وصول الماء إلى البشرة لجرم الحائل، كشمع أو شحم وكذا طلاء الأظافر. أما الدسومة التي لا جرمية لها فلا مانع كدسومة الزيت وما شابهه. ويلزم تحريك الخاتم الضيق.
-4 - أن لا يحصل ناقض أثناء الوضوء.
-5 - التَّقاطر.
حكمه:
-1 - هو فرض للصلاة، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} (¬1) - ونزلت هذه الآية في المدينة المنورة ولكن الوضوء فُرِضَ في مكة المكرمة عندما فُرضت الصلاة، نزل جبريل عليه السلام وعلَّمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم - وكذا لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تُقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة بغير غَلول) (¬2) . وسواء كانت الصلاة فرضاً أم نافلة أم صلاة جنازة، أو كانت من أجزاء الصلاة كسجدة التلاوة وغيرها مما في معنى الصلاة، فإنها لا تصح إلا بالوضوء.
ويكفر من أنكر فريضة الوضوء للصلاة، أما لغير الصلاة فلا يكفر.
وهو فرض أيضاً لمس المصحف لقوله تعالى: {لا يمسُّه إلاّ المطهرون} (¬3) ، ولما روى عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يَمَسَّ القرآن إلاّ طاهراً) (¬4)
-2 - واجب للطواف حول الكعبة، لحديث طاووس عن رجل قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الطواف صلاة، فإذا طفتم فأقِلُّوا الكلام) (¬5) ، وباعتباره أشبه الصلاة من وجه دون وجه لذا وجبت الطهارة فيه، فلا تتوقف صحة الطواف على الوضوء.
-3 - سنة للنوم، لحديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أتيت مضجعك فنتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شِقّك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، فوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مُتَّ من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به) (¬6) .
-4 - مندوب في ثلاثين موضعاً، نذكر منها:
عقب الغضب لحديث عطية وقد كانت له صحبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ) (¬7) . وبعد القهقهة خارج الصلاة.
وللجلوس في المسجد، لما روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: (من توضأ وضوئي هذا ثم أتى المسجد فركع فيه ركعتين غفر له ما تقدم من ذنبه) (¬8) .
كما يندب الوضوء لجُنُب يريد أكلاً أو شرباً أو نوماً أو جماعاً آخر، لحديث عائشة رضي الله قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان جنباً، فأراد أن يأكل أو ينام، توضأ وضوءه للصلاة) (¬9) ، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود فليتوضأ) (¬10) .
ويندب الوضوء عقب الخطايا والذنوب الصغائر لأنه يكفرها، فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده، حتى تخرج من تحت أظفاره) (¬11) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ العبد المسلم - أو المؤمن - فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء - أو مع آخر قطْر الماء - فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء - أو مع آخر قطْر الماء - فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء - مع آخر قطْر الماء - حتى يخرج نقياً من الذنوب) (¬12) . ويندب بعد الكذب أيضاً.
كما يندب لقراءة القرآن غيباً وعند ذكر الله عز وجل، لما روي عن المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: (إني كرهت أن أذكر الله عز وجل إلا على طهر) (¬13) .
ويندب لحضور مجالس العلم أو غير ذلك.
¬
(¬1) المائدة: 6.
(¬2) مسلم: ج 1 / كتاب الطهارة باب 2/1.
(¬3) الواقعة: 79.
(¬4) الدارقطني: ج 1 / ص 121.
(¬5) مسند الإمام أحمد: ج 3 / ص 414.
(¬6) البخاري: ج 1 / كتاب الوضوء باب 75/244.
(¬7) مسند الإمام أحمد: ج 4 / ص 226.
(¬8) مجمع الزوائد: ج 2 / ص 28.
(¬9) مسلم: ج 1 / كتاب الحيض باب 6/22.
(¬10) مسلم: ج 1 / كتاب الحيض باب 6/27.
(¬11) مسلم: ج 1 / كتاب الطهارة باب 11/33.
(¬12) مسلم: ج 1 / كتاب الطهارة باب 11/32.
(¬13) مسلم: كتاب الطهارة باب 8/17.
الفصل الثاني: فرائض الوضوء
وهي أربع لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} (¬1) .
أولاً: غسل الوجه: الغسل هو إسالة الماء على الوجه حتى يتقاطر، والوجه هو ما تقع به المواجهة. وحدّه طولاً من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل الذقن، وعرضاً ما بين شحمتي الأذنين. وهو يشمل الحاجبين والشاربين شعراً وبشراً. أما اللحية فإن كانت خفيفة فيجب إيصال الماء إلى البشرة، وإن كانت كثيفة فيكفي غسل ظاهر الشعر، ولا يجب غسل ما زاد على دائرة الوجه مما استرسل من اللحية.
ثانياً: غسل اليدين مع المرفقين: وتشمل اليد: الكف والساعد والمرفق. وقد اتفق الفقهاء على أن المرفق داخل بالغسل وخالف الإمام زُفَر، ودليل الجمهور حديث نعيم بن عبد الله المجمر قال: (رأيت أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ) (¬2) .
ومن قطعت يده من المرفق فلا يغسل سوى محل القطع.
ثالثاً: مسح الرأس: والمسح إمرار اليد المبتلَّة على العضو. والمقدار المطلوب مسحه مُخْتَلَفٌ فيه على أقوال:
أ - مقدار ثلاث أصابع من أصابع اليد، ودليل أصحاب هذا القول أن الباء في قوله تعالى {برؤوسكم} للإلصاق. وهي إن اتصلت بالمسموح دلّ على استيعاب الآلة يعني اليد، والمراد أكثرها وهو يتحقق بثلاث أصابع.
ب - وقال بعضهم المقصود ربع الرأس سواء أكان من مقدم الرأس أو من الناصية على أن يكون فوق الأذنين، فلو مسح على أسفل الذوائب لا يصح، وذلك لأنه الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأن استيعاب اليد يقتضي مسح ربع الرأس؛ ففي حديث أنس رضي الله عنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وعليه عمامة قِطرية، فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مُقدَّم رأسه ولم ينقض العمامة) (¬3) .
جـ - وذكر الكرخي والطحاوي أن المقصود هو مقدار ناصية الرأس، لحديث المغيرة ابن شعبة رضي الله عنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين) (¬4) .
رابعاً: غسل الرجلين مع الكعبين: والكعبان هما العظمان المرتفعان في جانبي القدم، وهما داخلان بالغسل مع القدمين للحديث المتقدم: (.. ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق) ، ولقوله صلى الله عليه وسلم بعدما غسل رجليه - فيما رواه بريدة عنه رضي الله عنه - (هذا الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به) (¬5) ، ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أسبغوا الوضوء فإن أبا القاسم قال: ويل للأعقاب من النار) (¬6) . ويجب غسل شقوق الأرجل إن قدر، ولا يضر أن يمسح عليها إ لم يقدر أو كان عليها دواء، فإن لم يستطع الغسل ولا المسح ولا إمرار الماء على الدواء الذي وضعه عليها، يتوضأ ويدع ما يضره من شقوق في رجليه.
¬
(¬1) المائدة: 6.
(¬2) مسلم: ج 1 / كتاب الطهارة باب 12/34.
(¬3) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 57/147.
(¬4) مسلم: ج 1 / كتاب الطهارة باب 23/83.
(¬5) مجمع الزوائد: ج 1 / ص 231.
(¬6) البخاري: ج 1 / كتاب الوضوء باب 28/163.
الفصل الثالث: سنن الوضوء
-1 - النية: وهي لغة: عزم القلب على الفعل.
وشرعاً قصد القلب إيجاد الفعل جزماً، أو إزالة الحدث أو استباحة الصلاة.
وقد اعتبر السادة الحنفية النية سنة في الوضوء، وهي فرض عند غيرهم، وذلك:
أ - لأنهم قسموا العبادات إلى:
-1 - مقاصد وتكون النية فيها فرضاً كالصلاة والصوم.
-2 - وسائل أو بدايات؛ ولا تكون النية فرضاً ولكن لا يؤجر الإنسان عليها إلا بالنية، لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات) (¬1) .
ب - ولأن آية الوضوء لم تأمر بالنية، وإنما أمرت بالغسل والمسح، وثبتت النية بحديث آحاد (¬2) فهي زيادة على النص، ولا تكون إلا بقطعي كالقرآن حسب ما قرروه في أصولهم (¬3) .
جـ - إن الوضوء طهارة بالماء فلا تشترط له النية كإزالة النجاسة. وعلى هذا من اغتسل أو انغمس في ماء للتبرد أو السباحة صح وضوؤه.
ومحل النية: القلب، وصيغتها: أن ينوي رفع الحدث أو إقامة الصلاة أو الوضوء. وزمنها: عند غسل الوجه، وفي قولٍ قبل جميع السنن أي عند غسل اليدين. وقيل: قبل الاستنجاء حتى يكون جميع عمله قربة.
والنية فرض في التيمم لأن التراب ليس له مطهراً أصلاً.
-2 - الترتيب: ومعناه تطهير الأعضاء واحداً بعد واحد على الوجه الذي جاءت به آية الوضوء، واستدل السادة الأحناف على أنه سنة بما يلي:
أ - إن النصّ في آية الوضوء عطف المفروضات بالواو، وهي لا تقضي إلا مطلق الجمع، ولو أراد الترتيب لعطف بينها بالفاء أو بثم.
ب - لقول علي رضي الله عنه: "ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأيِّ أعضائي بدأت" (¬4) . وعن مجاهد قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك" (¬5) .
جـ - إن حكمة الوضوء المقصودة منه لا تتوقف على الترتيب وهي الوضاءة والحسن والنظافة.
وما ورد من أحاديث عن وضوئه صلى الله عليه وسلم يفيد السميّة لا الفَرَضية.
-3 - التسمية في أوله حتى لو نسيها أثناء الوضوء لم يحصل المقصود، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ وذكر اسم الله تطهر جسده كله، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله لم يتطهر إلا موضع الوضوء) (¬6) .
وصيغة التسمية: "بسم الله العظيم والحمد لله على دين الإسلام"، وقيل: "بسم الله الرحمن الرحيم".
ودليل التسمية: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه) (¬7) .
-4 - غسل اليدين إلى الرسغين في ابتداء الوضوء، لأنهما آلة التطهير فيبدأ بهما. والرسغ هو المفصل بين الساعد والكفّ وبين الساق والقدم، ولحديث أوس بن أوس رضي الله عنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استوكف ثلاثاً) (¬8) ، وعن حمران مولى عثمان رضي الله عنه أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دعا بوَضوء فتوضأ، فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم مضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ وضوئي هذا، ثم قام فركع ركعتين، لا يحدث فيهما نفسه، غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه) (¬9) .
وغسل اليدين للمستيقظ من النوم آكد لما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده) (¬10) .
كيفية غسلهما: إن كان الإناء صغيراً فيجب رفعه أو إمالته وصبُّ الماء باليد اليسرى على اليمنى، وإن كان كبيراً لا يمكن إمالته فيغمس أصابع يسراه دون الكفّ فيصب على يمناه ثلاثاً، ثم يدخل اليمنى فيغسل يده اليسرى ثلاثاً، وذلك حتى لا يصير الماء مستعملاً. وإن زاد على قدر الضرورة بإدخال الكف مع الأصابع صار الماء مستعملاً (أي الملاقي للكف إذا انفصل لا جميع الماء) إلا أن ينوي الاغتراف، لأن غسل اليدين في ابتداء الوضوء يجزي عن الفرض ويسقط حدثهما، فهي سنة تنوب عن الفرض كما أن قراءة الفاتحة في الصلاة واجب ينوب عن الفرض وهو التلاوة.
فمثلاً إذا نقيت الحائض وأدخلت يدها في الإناء، فإنه يسقط حدث يدها ولو بدون نية، لكن يسن عند غسل الذراعين إعادة غسل الكفين.
ويكون غسل اليدين إلى الرسغين سنة إن كانتا طاهرتين. أما إن كانتا متنجستين ولو قلت النجاسة فغسلهما على وجه لا ينجس الماء فرض، فإن أفضى إلى ذلك تركه - إذا لم يمكنه الاغتراف بشيء ولو بمنديل أو بفمه، وتيمم وصلى ولم يعد.
-5 - الاستياك: وهو سنة مؤكدة عند المضمضة، لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء) (¬11) .
وهو سنة للوضوء لا للصلاة، فلو توضأ بسواك يحصل الفضل في كل صلاة أداها بهذا الوضوء. وإن توضأ بدون سواك نُدب له السواك عند الصلاة.
كما أن السواك مستحب عند تغير رائحة الفم، والقيام إلى الصلاة إن لم يخشَ نقض الوضوء بخروج دم من اللثة، وقراءة القرآن، ودخول البيت، واجتماع الناس، روي عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تسوكوا فإن السِّواك مَطْهَرَة للفم، مرضاة للرب، ما جاءني جبريل إلاّ أوصاني بالسِّواك حتى لقد خشيتُ أن يُفْرض عليَّ وعلى أمتي، ولولا أني أخاف أن أشُقَّ على أمتي لفرضْتُه لهم، وإني لأستاك حتى لقد خَشيت أن أحَفْي مقادِمَ فمي) (¬12) ، وعن عائشة رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك) (¬13) .
ويصح الاستياك بالإصبع أو بخرقة خشنة، لما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً من الأنصار من بني عمرو بن عوف قال: يا رسول الله إنك رغبتنا في السواك فهل دون ذلك من شيء؟ قال: (إصبعاك سواك عند وضوئك تمرهما على أسنانك) (¬14) .
ويندب أن يكون السواك، وهو العود الذي يستاك به، ليناً بلا عُقَد، في غِلظ خنصر وطول شبر، ويسن أن يكون من الأراك (¬15) .
كيفية الاستياك: يجعل خنصر يده اليمنى تحت السواك، ويجعل البنصر والوسطى والسبابة فوقه، والإبهام أسفل رأس السواك، ويستاك به عرضاً لا طولاً.
وأقل السواك ثلاث مرات للأعالي وثلاث مرات للأسافل بثلاث مياه.
-6 - المضمضة والاستنشاق:
المضمضة اصطلاحاً هي استيعاب الماء جميع الفم، ويسن أن تكون ثلاثاً لما روى عبد الله بن زيد رضي الله عنه في صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم قال: (فمضمض واستنشق واستنثر من ثلاث غرفات) (¬16) .
والاستنشاق من النَّشق وهو جذب الماء أو إيصال الماء إلى المارِن وهو ما لان من الأنف.
وتسن المبالغة في المضمضة والاستنشاق لغير الصائم لحديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه قال: فقلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء، قال: (أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) (¬17) .
ويسن في المضمضة والاستنشاق خمسة أشياء هي: الترتيب، والتثليث، وتجديد الماء، وأن يكون الاستنشاق باليمنى والاستنثار باليسرى، والمبالغة فيهما بالغرغرة ومجاوزة المارن. ودليل ذلك الأحاديث المتقدمة وما روي عن علي رضي الله عنه في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم: (فأدخل يده اليمنى في الإناء فملأ فمه فتمضمض واستنشق واستنثر بيده اليسرى ففعل ذلك ثلاثاً) (¬18) .
-7 - تخليل اللحية الكثّة: ويكون بتفريق الشعر من الأسفل إلى الأعلى، ويكون بعد غسل الوجه. وذلك لما روي عن عثمان رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فخلل لحيته) (¬19) ، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته وقال: هكذا أمرني ربي عز وجل) (¬20) .
-8 - تخليل الأصابع في اليدين بإدخال بعضهما في بعض، وتخليل الأصابع في الرجلين بأن يدخل خنصر يده اليسرى فيبتدئ من خنصر رجله اليمنى وينتهي بخنصر رجله اليسرى؛ وذلك من أسفل الأصابع إلى أعلاها. لما حدث المستورد بن شداد رضي الله عنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فخلل أصابه رجليه بخصره) (¬21) ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأت فخلل بين أصابع يديك ورجليك) (¬22) .
والتخليل سنة فإذا كانت الأصابع منضمة كان تخليلها فرضاً.
-9 - تثليث الغسل لأحاديث كثيرة وردت في صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم، ومنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف الطَّهور؟ فدعاء بماء في إناء، فغسل كفيه ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً، ثم مسح برأسه فأدخل أصبعيه السبَّاحتين في أذنيه ومسح بإبهامه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم" (¬23) وزاد في رواية: (أو تعدّى) (¬24) .
وغسل المرة فرض والمرتين يضاعف بهما الأجر مرتين، لما روي عن أبي بن كعب رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بماء فتوضأ مرة مرة، فقال: هذا وظيفة الوضوء أو قال: وضوء من لم يتوضأه لم يقبل الله له صلاة، ثم توضأ مرتين مرتين ثم قال: هذا وضوء من توضأه أعطاه الله كفلين من الأجر، ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً فقال: هذا وضوئي ووضوء المرسلين من قبلي) (¬25) .
-10 - استيعاب الرأس بالمسح مرة واحدة، ولا يندب التثليث لأن الوارد في أكثر الأحاديث في صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم التثليث في المغسولات وأن السنة في الرأس استيعابه بالمسح، فعن أبي عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "رأيت علياً رضي الله عنه توضأ فغسل وجهه ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه مرة واحدة، ثم قال: هكذا توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم " (¬26) .
كيفية المسح: يضع كفيه وأصابع يديه على مقدم رأسه ويمرّهما إلى القفا على وجه يستوعب جميع الرأس، لما روي عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ، فلما بلغ مسح رأسه وضع كفيه على مقدم رأسه فأمرهما حتى بلغ القفا ثم ردهما إلى المكان الذي منه بدأ" (¬27) .
-11 - البداءة بالمسح من مقدم الرأس للحديث المتقدم، وهي من المستحبات.
-12 - مسح الأذنين: يسن مسح الأذنين ولو بماء الرأس، لما ورد أنه صلى الله عليه وسلم غرف غرفة فمسح بها رأسه وأذنيه فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه في صفة الوضوء، وفيه: (ثم مسح رأسه، فأدخل أصبعيه في أذنيه، ومسح بإبهامه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه) (¬28) وإن أخذ لهما ماءً جديداً كان حسناً.
ويكون مسح الأذنين بأن يمسح ظاهرهما بالإبهامين وداخِلَهما بالسبَّابتين، ويُدخل الخنصرين في حِجْرَيْهِما ويحركهما لحديث الربيع بنت معوذ بن عفراء رضي الله عنها "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فأدخل أصبعيه في حجري أذنيه" (¬29) .
-13 - الدلك بعد الغسل بإمرار يديه على الأعضاء، لحديث عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فجعل يقول هكذا يدلك) (¬30) .
-14 - البداءة بالميامن وذلك في اليدين والرجلين، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا توضأتم فابدءُوا بميامنكم) (¬31) ، ولحديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) (¬32) .
-15 - البداءة بالغسل من رؤوس الأصابع باليدين والرجلين، لأن الله تعالى جعل المرفقين والكعبين غاية الغسل فتكون منتهى الفعل، ولصفة وضوئه صلى الله عليه وسلم.
-16 - مسح الرقبة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ وأومأ بيديه من مقدم رأسه حتى بلغ بهما أسفل عنقه من قبل قفاه، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (مسح الرقبة أمان من الغل يوم القيامة) (¬33) .
ولا يسن مسح الحلقوم لأنه بدعة. وتعتبر السنن الثلاث الأخيرة من المستحبات.
الموالاة: أي إنجاز أفعال الوضوء متتابعة بحيث لا يوجد بينها ما يعد فاصلاً بالعُرْف (أي متابعة غسل الأعضاء قبل جفاف ما قبلها) ، وقد صح عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لُمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء والصلاة) (¬34) .
¬
(¬1) البخاري: ج 1 / كتاب بدء الوحي باب 1/1.
(¬2) خبر الآحاد هو ما رواه الواحد أو الاثنان فأكثر، مما لم تتوفر فيه شروط الحديث المشهور أو المتواتر. وهو يفيد الظن ويوجب العمل عند السادة الحنفية متى توفرت فيه شروط القبول.
(¬3) محاضرات في الفقه الإسلامي العام للدكتور فوزي فيض الله.
(¬4) الدارقطني: ج 1 / ص 89.
(¬5) البيهقي: ج 1 / ص 87.
(¬6) البيهقي: ج 1 / ص 45.
(¬7) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 48/101.
(¬8) النسائي: ج 1 / ص 64. استوكف ثلاثاً: أي استقطر الماء وصبه على يديه ثلاث مرات وبالغ حتى وكف منها الماء.
(¬9) مسلم: ج 1 / كتاب الطهارة باب 3/3.
(¬10) مسلم: ج 1 / كتاب الطهارة باب 26/87.
(¬11) البخاري: ج 1 / كتاب الصوم باب 27.
(¬12) ابن ماجة: ج 1 / كتاب الطهارة باب 7/289، وأحَفي: من الإحفاء وهو الاستئصال.
(¬13) مسلم: ج 1 / كتاب الطهارة باب 15/44.
(¬14) البيهقي: ج 1 / ص 41.
(¬15) الأرَاك: شجر معروف وهو شجر السواك يُستاك بفروعه. قال الإمام أبو حنيفة: هو أفضل ما استيك بفرعه من الشجر وأطيب ما رَعَته الماشية رائحة لبن.
(¬16) مسلم: ج 1 / كتاب الطهارة باب 7/18.
(¬17) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 55/142.
(¬18) البيهقي: ج 1 / ص 48.
(¬19) ابن ماجة: ج 1 / كتاب الطهارة باب 50/430.
(¬20) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 56/145.
(¬21) ابن ماجة: ج 1 / كتاب الطهارة باب 54/446.
(¬22) الترمذي: ج 1 / كتاب الطهارة باب 30/39.
(¬23) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 51/135.
(¬24) ابن ماجة: ج 1 / كتاب الطهارة باب 48/422.
(¬25) ابن ماجة: ج 1 / كتاب الطهارة باب 47/420.
(¬26) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 50/115.
(¬27) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 50/122.
(¬28) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 51/135.
(¬29) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 50/131.
(¬30) مسند الإمام أحمد: ج 4 / ص 39.
(¬31) ابن ماجة: ج 1 / كتاب الطهارة باب 42/402.
(¬32) البخاري: ج 1 / كتاب الوضوء باب 30/166.
(¬33) أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث عمر رضي الله عنه وهو ضعيف.
(¬34) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 67/175.
الفصل الرابع: آداب الوضوء
الآداب: جمع أدب وهو لغة: الخصلة الحميدة، وشرعاً ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مرة وتركه أخرى. وتسمى أيضاً مندوبات أو مستحبات أو تطوعاً.
وحكمه: الثواب بفعله وعدم اللوم على تركه. وآداب الوضوء هي:
-1 - استقبال القبلة، لأنه أقرب إلى قبول الوضوء باعتباره عبادة، وقبول الدعاء فيه.
-2 - الجلوس في مكان مرتفع تحرزاً من الغُسَالة.
-3 - الجمع بين القلب واللسان في تحصيل النية.
-4 - الدعاء بالمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه رضوان الله عليهم فيقول عند المضمضة: "اللهم أعني على تلاوة القرآن وذكرك وشكرك وحسن عبادتك". وعند الاستنشاق: "اللهم أرِحْني رائحة الجنة ولا تُرِحْني رائحة النار". وعند غسل الوجه: "اللهم بيّض وجهي بنورك يوم تبيّض وجوه وتسودّ وجوه". وعند غسل اليد اليمنى: "اللهم أَعْطِني كتابي بيميني وحاسبني حساباً يسيراً". وعند غسل اليد اليسرى: "اللهم لا تعطني كتابي بيساري ولا من وراء ظهري ولا تحاسبني حساباً عسيراً". وعند مسح الرأس: "اللهم أظلّني تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك ولا باقي إلا وجهك". وعند مسح الرقبة: "اللهم أعتق رقبتي من النار". ويقول عند غسل الرجل اليمنى: "اللهم ثبِّتْ قدمي على الصراط يوم تزلّ الأقدام". ويقول عند غسل الرجل اليسرى: "اللهم اجعل عملي مشكوراً وذنبي مغفوراً وتجارتي لن تبور".
-5 - تحريك الخاتم الواسع مبالغة في الغسل، لما روي عن أبي رافع قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ حرك خاتمه) (¬1) .
-6 - أن تكون المضمضة والاستنشاق باليد اليمنى والاستنثار باليد اليسرى، لحديث علي رضي الله عنه في صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم: (.. فأدخل يده اليمنى في الإناء فملأ فمه فتمضمض واستنشق واستنثر بيده اليسرى ففعل ذلك ثلاثاً) (¬2) .
-7 - إدخال الخنصر في صِماخ (¬3) الأذنين مبالغة في النظافة.
-8 - التسمية والنية عند كل عضو، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا توضأت فقل بسم الله والحمد لله فإن حفظتك لا تبرح تكتب لك الحسنات حتى تحدث من ذلك الوضوء) (¬4) .
-9 - الوضوء قبل دخول الوقت استعداداً للصلاة، إلا المعذور لأنه ينتقض وضوؤه بخروج الوقت.
-10 - التشهد بعد الوضوء، وذلك لحديث عقبة بن عامر وفيه قول مر رضي الله عنه قال - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - (ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يقول حين يفرغ من وضوئه: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيّها شاء) (¬5) .
-11 - ترك التجفيف إبقاء على آثار الوضوء.
-12 - أن يشرب من فضل وضوئه قائماً مستقبلاً القبلة كما يفعل في شربه من ماء زمزم. روي عن علي رضي الله عنه "أنه توضأ ثلاثاً ثلاثاً، ثم قام فشرب فضل وضوئه وقال: صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صنعت" (¬6) . والأفضل، فيما سوى ذلك، أن يشرب قاعداً لنهيه صلى الله عليه وسلم عن الشرب قائماً؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يشربنَّ أحد منكم قائماً فمن نسي فليستقئ) (¬7) والنهي لأمر طبي لا ديني.
-13 - أن يقرأ سورة القدر ثلاثاً إثر وضوئه.
-14 - تهيئة ماء الوضوء للمرة الثانية.
¬
(¬1) البيهقي: ج 1 / ص 57.
(¬2) البيهقي: ج 1 / ص 48.
(¬3) الصِّماخ من الأذن: الخَرْق الباطن الذي يفضي إلى الأذن.
(¬4) مجمع الزوائد: ج 1 / ص 220، رواه الطبراني في الصغير وإسناده حسن.
(¬5) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 65/169.
(¬6) النسائي: ج 1 / ص 87.
(¬7) مسلم: ج 3 / كتاب الأشربة باب 14/116.
الفصل الخامس: مكروهات الوضوء
المكروه هو ضد المحبوب من العمل. ويكره للمتوضئ فعل كل ما هو ضد المستحب.
-1 - الإسراف في صب الماء، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بسعد وهو يتوضأ فقال: (ما هذا السَّرَف؟ فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: نعم وإن كنت على نهرٍ جارٍ) (¬1) . ومنه تثليث المسح بماء جديد.
-2 - الزيادة على الثلاث في الغسل وكذا النقص عن الثلاث، لأنه خلاف السنة، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء، فأراه الوضوء ثلاثاً ثلاثاً ثم قال: (هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا، فقد أساء وتعدى وظلم) (¬2) وفي رواية أبي داود: (فمن زاد على هذا أو نقص) (¬3) .
-3 - التقتير والاقتصاد الزائد في صب الماء بحيث يصير الغسل كأنه مسح، إذ لابد من التقاطر حتى يسمى غسلاً لحديث طلحة عن أبيه عن جده قال: (دخلت - يعني على النبي صلى الله عليه وسلم - وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره) (¬4) .
-4 - لطم الوجه بالماء لمنافاة شرف الوجه، فينبغي أن يغسل وجهه برفق، ولا يغمض عينه، ولا يطبق شفتيه حتى يستوعب الغسل الوجه كله.
-5 - يكره التكلم بكلام الناس أثناء الوضوء إلا لضرورة، لأن الكلام يصرف الإنسان عن الحضور والذكر والعبادة، وذكر بعض الصالحين أن الاستحضار في الصلاة يتبع الحضور في الوضوء؛ وعدمه في عدمه.
-6 - يكره الاستعانة بغيره بدون عذر، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يَكِلُ طهوره إلى أحد ولا صدقَتَه التي يتصدق بها، يكون هو الذي يتولاها بنفسه) (¬5) ، ولحديث عمر رضي الله عنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقي ماء لوضوئه فبادرته أستقي له فقال: مه يا عمر فإني أكره أن يشركني في طهوري أحد) (¬6) .
-7 - الوضوء في موضع نجس، لحديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولنّ أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه) قال أحمد: ثم يتوضأ فيه، فإن عامة الوسواس منه) (¬7) .
-8 - يكره أن يستخلص لنفسه إناء دون غيره، كما يكره أن يكون الإناء من خزف.
¬
(¬1) ابن ماجة: ج 1 / كتاب الطهارة باب 48/425.
(¬2) النسائي: ج 1 / ص 88.
(¬3) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 51/135.
(¬4) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 54/139.
(¬5) ابن ماجة: ج 1 / كتاب الطهارة باب 30/362.
(¬6) مجمع الزوائد: ج 1 / ص 227.
(¬7) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 15/27.
الفصل السادس: نواقض الوضوء
النواقض جمع ناقض وهو كل ما يُبطل المراد أو المقصود منه، وناقض الوضوء: هو ما يجعله غير صالح لإفادة العبادات التي لا تصح بلا وضوء.
والنواقض قسمان:
أ - النواقض الحقيقية:
-1 - كل خارج من السبيلين من بول أو غائط أو ريح أو مذي أو ودي وإن كان قليلاً سواء أكان معتاداً أم غير معتاد كالدودة والحصاة.
ودليل الانتقاض في الغائط قوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط ... فلم تجدوا ماء فتيمموا} (¬1) .
أما البول فبالسنة المستفيضة والإجماع والقياس على الغائط.
وأما الريح فلحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ) . قال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط (¬2) . وروي عن عباد بن تميم عن عمه رضي الله عنه قال شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: (لا ينفتل - أو ينصرف - حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) (¬3) . وهذا يخص الريح من الدبر، أما من القبل فلا يفسد الوضوء لأنه اختلاج.
وأما المذي فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أرسلنا المقداد بن الأسود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (توضأ وانضح فرجك) (¬4) .
وأما الودي فلما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "الودي الذي يكون بعد البول فيه الوضوء" (¬5) .
وأما أدلة انتقاض الوضوء في الخارج غير المعتاد فعموم قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه ابن عباس رضي الله عنهما: (الوضوء مما خرج وليس مما دخل) (¬6) ، وما روي عن عطاء بن أبي رباح أنه قال في الذي يتوضأ فيخرج الدود من دبره: "عليه الوضوء" (¬7) .
وكذا إذا حشى الإحليل بقطنة فظهر البلل للطرف الخارج انتقض وضوؤه، ولو أدخل إصبعه في دبره ينتقض وضوؤه.
-2 - كل نجاسة سائلة من غير السبيلين كالدم والقيح، لما روى تميم الداري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الوضوء من كل دم سائل) (¬8) .
ويشترط السيلان عن موضع الجرح، وهو خروج النجاسة وتجاوز محلها يطلب تطهيره ولو ندباً، كدم وقيح وصديد وماء الثدي وماء السُرَّة والأذن إن كان لمرض ولو سال بالعصر، أو كلما خرج مسحه إذ لو تركه لسال فيعتبر ناقضاً. أما لو كان الخروج في مجالس متفرقة كلما خرج مسحه قبل أن يسيل فلا ينقض. وإذا انتفخ رأس الجرح فظهر به قيح لا ينقض ما لم يتجاوز الورم لأنه لا يجب غسل موضع الورم أي إذا كان يضره غسل ذلك المتورم ومسحه وإلا فينبغي أن ينتقض. ولا يُنْقَضُ الوضوء لو خرج ماء صاف عن حرق أو عين أو غيره إلا أن يشوبه دم أو قيح. ولو وضع المريض قطنة أو رباطاً على الجرح فلم يسل الدم لا يفسد الوضوء إلا عند فك الرباط وحينئذ فقط ينفصل الدم عن الجرح، كذلك يفسد الوضوء عند سيلان الدم حول العِصابة (¬9) ، وكذا لو تشربت القطنة القيح.
-3 - القيء إن ملأ الفم، مهما كان نوعه طعاماً أو دماً، ولو لم يتغير. لحديث أبي الدرداء رضي الله عنه: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ) . قال أبو الدرداء: فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له فقال: "صدق أنا صببت له وضوءه" (¬10) وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصابه قيء أو رعاف (¬11) أو قَلْس (¬12) أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم) (¬13) . وضابط ملء الفم ما لا يمسكه الفم ويطبق عليه بمشقة، وقيل ما يمنع الكلام. ولو قاء على فترات يبلغ مجموعها ملء الفم ينقض وضوؤه إذا اتحد المجلس عند الإمام أبي يوسف، أما الإمام محمد فيقول بانتقاضه ولو لم يتحد المجلس بشرط اتحاد السبب للقيء.
ويكون القيء نجساً مطلقاً إن كان خارجاً من المعدة، أما لو كان خارجاً من المري قبل وصوله إلى المعدة فليس بنجس كالصبي إذا تقيأ ساعة رضاعته فوراً، وكذا ماء فم النائم فهو ليس بنجس ولو كان بحيث لو جُمع لملأ الفم إلا أن يكون منتناً أو أصفراً فهو نجس (¬14) على قول الإمام أبي يوسف. أما ماء فم الميت فنجس مطلقاً.
-4 - نزول دم من الأسنان أو الفم إذا غلب البصاق أو ما ساواه، والعبرة باللون. أما إن كان من المعدة أو الرأس فهو ناقض مطلقاً بسيلانه إلى الفم وإن قلَّ، وإن كان بشكل علقة فيعتبر فيه ملء الفم.
-5 - لو مصت علقة عضواً فامتلأت من الدم يفسد الوضوء، ويقاس عليها إبرة الدم حيث يخرج دم مسفوح، أما إن كان قليلاً فلا ينقض كالبّق والذباب.
-6 - المباشرة دون حائل، لأنه مظنة خروج المذي، والعبرة لوجود الشهوة إذا كانت فاحشة بتماس فرجين ولو بين امرأتين أو رجلين أو رجل وصبي أو رجل وامرأة مع الانتشار ولو بلا بلل.
ب - نواقض الوضوء الحكمية: أي أنها ليست إحداثاً بذاتها بل هي أسباب للأحداث وهي:
-1 - نوم غير المتمكن، والناقض هنا عدم وعي الحدث لحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وكاء السَّه العينان، فمن نام فليتوضأ) (¬15) .
-2 - القهقهة في الصلاة تفسد الوضوء والصلاة معاً، إذا كان المصلي بالغاً، لما روي عن معبد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بينما هو في الصلاة إذ أقبل أعمى يريد الصلاة، فوقع في زبية فاستضحك القوم حتى قهقهوا، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان منكم قهقه فليعد الوضوء والصلاة) (¬16) . وضابط القهقهة أن يسمع مَن بجواره صوته، وإن لم يسمعه من بجواره ففيه إعادة الصلاة فقط. وليس على التبسم شيء لأنه صلى الله عليه وسلم تبسم عندما جاءه جبريل عليه السلام في الصلاة وأخبره أن من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشراً ... ولم يعد صلاته.
والقهقهة مفسدة للوضوء زجراً لأنه انتهاك لحرمة الصلاة لذا يشترط البلوغ لأن الصبي لا يعاقب. وإذا قهقه الإمام في الصلاة أو أحدث عمداً بطلت صلاته ووضوؤه وبطلت صلاة المؤتمين، فإذا ضحكوا قهقهة بعده لا يبطل وضوؤهم لأنهم تقهقهوا بعد فساد الصلاة. ولو كانت القهقهة عند السلام لا يبطل الصلاة بل تنقض الوضوء لخروجه بها من الصلاة إلا أنه تارك واجب السلام.
-3 - الإغماء: وهو مرض يُضْعف القوى ويستر العقل.
-4 - الجنون: وهو مرض يزيل العقل ويزيد القوى.
-5 - السُّكْر: وهو خِفّة يظهر أثرها بالتمايل وتلعثم الكلام.
ملحق: هناك أشياء غير ناقضة للوضوء نجملها فيما يلي:
-1 - ظهور دم لم يسل عن محل خروجه.
-2 - سقوط لحم من غير سيلان دم.
-3 - خروج دودة من غير السبيلين.
-4 - مس العورة، لحديث طلق بن علي رضي الله عنه قال: قدمنا على نبي الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا نبي الله، ما ترى في مسِّ الرجل ذكره بعدما يتوضأ فقال: (هل هو إلا مضغة منه أو قال: بضعة منه) (¬17) .
-5 - مس امرأة غير محرم مطلقاً، لحديث عائشة رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم قبّل امرأة من نسائه، ثم خرج إلى الصلاة، ولم يتوضأ) (¬18) ، ولأن تفسير {أو لامستم النساء} (¬19) في الآية المقصود به الجماع، لكن يندب الوضوء للخروج من الخلاف.
-6 - قيء لا يملأ الفم.
-7 - قيء بلغم (¬20) ولو كان كثيراً.
-8 - تمايل نائم احتمل زوال مقعدته، لما روي عن أنس رضي الله عنه قال: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء الآخرة حتى تَخفِق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون) (¬21) .
-9 - نوم مصلٍّ قائماً أو راكعاً أو ساجداً على الهيئة المسنونة بأن أبدى ذراعيه وجافى بطنه عن فخذيه (ولو في غير الصلاة على المعتمد) لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يجب الوضوء على من نام جالساً أو قائماً أو ساجداً حتى يضع جنبيه، فإنه إذا وضع جنبيه استرخت مفاصله) (¬22) . وكذا لا ينقض وضوء من نام متوركاً أو محتبياً (¬23) إذا كانت مقعدته متمكنة. وإلا فعليه الوضوء بالنوم الذي لا يفهم معه الخطاب. لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "ليس على المحتبي النائم ولا على القائم النائم ولا على الساجد النائم وضوء حتى يضطجع فإذا اضطجع توضأ" (¬24) .
ولا شبه المنكّب على وجهه (¬25) .
وكذا نوم قاعد متمكّن مستند إلى شيء كحائط أو وسادة بحيث لو زال أو أزيل المستَندُ إليه لسقط الشخص، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "من نام وهو جالس فلا وضوء عليه، وإن اضطجع فعليه الوضوء" (¬26) .
ما يحرم بالحدث الأصغر:
-1 - الصلاة وكل ما كان مثلها كسجدة التلاوة وسجدة الشكر وصلاة الجنازة، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ) (¬27) .
-2 - مس المصحف ولو آية، إلا بغلاف منفصل، لقوله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون} (¬28) .
-3 - الطواف لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير) (¬29) .
تعقيبات:
-1 - إن شك في بعض وضوئه أعاد إن لم يكن له عادة في الشك.
-2 - إن تيقن الوضوء وشك بالحدث فهو متوضئ، أما لو تيقن الحدث وشك بالوضوء بعده فهو محدث. وذلك عملاً باليقين. لما روى عباد بن تميم عن عمه رضي الله عنه قال: شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة. قال: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) (¬30) .
-3 - إن شك في نجاسة ماء أو ثوب أو طلاق أو عِتْق لم يعتبر.
¬
(¬1) النساء: 43.
(¬2) البخاري: ج 1 / كتاب الوضوء باب 2/135.
(¬3) البخاري: ج 1 / كتاب الوضوء باب 4/137. وليس وجدان الرائحة أو السمع شرطاً في ذلك، بل المراد حصول اليقين بخروج شيء منه.
(¬4) مسلم: ج 1 / كتاب الحيض باب 4/19.
(¬5) البيهقي: ج 1 / ص 115.
(¬6) البيهقي: ج 1 / ص 116.
(¬7) البيهقي: ج 1 / ص 116.
(¬8) الدارقطني: ج 1 / ص 157.
(¬9) العصابة: كلّ ما شد به من منديل أو خِرْقَة.
(¬10) الترمذي: ج 1 / أبواب الطهارة باب 64/87.
(¬11) الرُّعاف: سيلان الدم من الأنف.
(¬12) القَلْس: ما خرج من الحلق ملء الفم أو دونه وليس بِقَيءٍ فإن عاد فهو قيء.
(¬13) ابن ماجة: ج 1 / كتاب إقامة الصلاة باب 137/1221.
(¬14) الفتوى على طهارته.
(¬15) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 80/203.
(¬16) الدارقطني: ج 1 / ص 167.
(¬17) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 71/182.
(¬18) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 69/179.
(¬19) النساء: 43.
(¬20) البلغم: هو الرطوبة التي تخرج من الفم.
(¬21) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 80/200.
(¬22) البيهقي: ج 1 / ص 121.
(¬23) المحتبي: هو الذي يجمع ظهره وساقيه بعمامته أو يديه، ويضع قدميه على الأرض ورأسه على ركبتيه.
(¬24) البيهقي: ج 1 / ص 123.
(¬25) أي من نام واضعاً إليته على عقبيه وبطنه على فخذيه.
(¬26) البيهقي: ج 1 / ص 120.
(¬27) البخاري: ج 1 / كتاب الوضوء باب 2/135.
(¬28) الواقعة: 79.
(¬29) الترمذي: ج 1 / كتاب الحج باب 112/960.
(¬30) مسلم: ج 1 / كتاب الطهارة باب 26/98.
الباب الرابع (المسح على الخفين) .
- الخف هو لباس القدم الساتر للكعبين، وأخذ من الخِفَّة لأن الحكم فيه يخفف من الغسل إلى المسح رخصة.
حكمه: يجوز المسح على الخفين في الوضوء لا الغسل في سفر وحضر للرجال والنساء.
دليله: ثبتت مشروعية المسح على الخفين بأحاديث كثيرة بلغت حد التواتر فزادت على ثمانين حديث. لذا يُخشى على من أنكر مشروعيته الكفر. ولو اعتقد المكلف جوازه ولكن تكلَّف نزعه يثاب على العزيمة.
ومن الأدلة: ما روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأهويت لأنزع خفيه فقال: (دَعْهما فإني أدخلتهما طاهرتَيْن، فمسح عليهما) (¬1) . وعن صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سَفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم) (¬2) . وقال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: "ما قلت بالمسح حتى جاءني فيه مثلُ ضوءِ النهار".
¬
(¬1) البخاري: ج 1 / كتاب الوضوء باب 48/203.
(¬2) الترمذي: ج 1 / أبواب الطهارة باب 71/96.
شروط جواز المسح على الخفين:
-1 - لبسهما بعد رفع الحدث عن القدمين، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم: (دَعْهما فإني أدخلتهما طاهرتين) يعني قدميه.
-2 - كون الخفين ساترين للكعبين من الجوانب.
-3 - إمكان متابعة المشي فيهما فرسخاً أي ما يقدر بـ (5. 5) كم تقريباً.
-4 - خلوّ كلّ منهما عن خَرْقٍ يزيد على ثلاث أصابع من أصغر أصابع القدم.
-5 - استمساكهما على الرجلين من غير شدِّ.
-6 - أن لا يشفّا الماء، فيجب أن يمنعا وصول الماء إلى القدمين.
-7 - أن يبقى من قدمه ما يكفي للمسح، فإن كان مقطوع مقدم القدم لا يمسح الباقي بل يغسل.
مدة المسح على الخفين:
يمسح المقيم يوماً وليلى، ويمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليهن، لما روي عن شريح بن هانئ قال: أتيت عائشة رضي الله عنها أسألها عن المسح على الخفين فقالت: عليك بابن أبي طالب فسله فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه فقال: (جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم) (¬1) .
ولو مسح المكلف وهو مقيم ثم سافر تمم المدة إلى ثلاثة أيام، ولو مسح وهو مسافر ثم أقام بعد يوم وليلة انتهت مدة المسح.
أما المعذور فإذا لبس الخفين أثناء انقطاع عذره فمدة مسحه كغيره، وإن لبسهما أثناء استمرار عذره انتهت مدة المسح في آخر الوقت الذي توضأ فيه.
وتبدأ مدة المسح من وقت الحدث الحاصل بعد لبس الخفين، لأنه منذ وقوع الحدث بدأ عمل الخفين في منع سراية الحدث إلى الرجلين، فيصح لذلك رفع الحدث عنهما بالمسح دون الغسل. وقيل: إنها تبدأ من وقت لبس الخفين، وقيل أيضاً إنها تبدأ من أول وضوء بعد لبسهما.
¬
(¬1) مسلم: ج 1 / كتاب الطهارة باب 24/85.
محل المسح على الخفين وكيفيته:
إن المطلوب هو مسح ظاهر الخفين وأعلاهما فقط، لما روي عن علي رضي الله عنه قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخفّ أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه) (¬1) .
والمقدار المفروض مسحه هو ثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد.
كيفيته المسنونة: أن يبدأ من رؤوس أصابع القدم، فيضع يديه مفرَّجتي الأصابع قليلاً، ثم يمرّهما خطوطاً على مشطي قدميه إلى ساقيه.
ولو بدأ من الساق أو مسح عرضاً صح ولكن خالف السنة.
¬
(¬1) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 63/162.
نواقض المسح على الخفين:
-1 - كل ما ينقض الوضوء ينقض المسح، وفي هذه الحالة يتوضأ ويمسح إذا كانت المدة باقية.
-2 - نزعهما، فإذا نزع أحد الخفين انتقض المسح ولزمه نزع الآخر وغسل رجليه.
-3 - إصابة الماء أكثر إحدى القدمين.
-4 - انقضاء المدة.
وفي الحالات الثلاث الأخيرة لا يجب عليه الوضوء بل يكفي غسل القدمين.
ملاحظة: لا يجوز المسح على العمامة والقلنسوة والقفازين قياساً على الخفين، لأن المسح على الخفين ثبت على خلاف القياس، وما ثبت على خلاف القياس فغيره عليه لا يقاس.
المسح على الجوربين:
دليله: ما روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين والنعلين) (¬1) .
ويشترط لجواز المسح على الجوربين أن يكونا منعلَّين أو مجلَّدين بالاتفاق بين أئمة الحنفية.
أما إذا كانا غير منعلين ولا مجلدين فيجوز المسح عليهما عند الصاحبين (¬2) إذا كانا صفيقين (¬3) ثخينين لا يشفّان الماء، ويمكن متابعة المشي فيهما، فإن كانا رقيقين يشفّان الماء فلا يجوز المسح عليهما بالاتفاق.
¬
(¬1) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 61/159.
(¬2) وإلى قولهما رجع الإمام أبو حنيفة وعليه الفتوى.
(¬3) الصَّفيق: المتين: ونقول: ثوب صفيق أي كثيف نسجُه.
المسح على الجبيرة:
الجبيرة: هي كل شُدَّ على جرح أو كسر بخرقة أو خشب أو غيرها.
وكل من لا يستطيع غسل العضو أو مسحه ولو مرة واحدة جاز له المسح على الجبيرة. ودليله: ما روي عن علي رضي الله عنه قال: انكسرت إحدى زَنْدَيَّ فسألت النبي صلى الله عليه وسلم (فأمرني أن أمسح على الجبائر) (¬1) .
وقال الفقهاء: إن الحرج فيها فوق الحرج في نزع الخف فكانت أولى بشرع المسح.
حكمه: قيل هو فرض بدلاً من غسل العضو المريض أو مسحه، لما روى ثوبان رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فأصابهم البرد، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتّساخين) (¬2) ولحديث علي رضي الله عنه المتقدم. ولا يجب فيه استيعاب. وقال الإمام: إن المسح على الجبيرة واجب لأن العذر أسقط فرضية الغسل عن العضو المصاب، وقد ثبتت فرضية غسل الصحيح بأمر قطعي فلا يخُصُّ بالظني الذي هو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (فيكون المسح على الجبيرة فرضاً عملياً لثبوته بظني. وهذا قولهما وإليه رجع الإمام وعليه الفتوى) . ولو ضره المسح على الجرح تركه دفعاً للحرج لأن الغسل سقط بالعذر فالمسح أولى، وليس عليه إعادة صلاة ولو كان الجرح بأعضاء التيمم.
فروق بين المسح على الخفين والمسح على الجبائر:
-1 - لا يشترط في الجبيرة وضعها على طهارة.
-2 - لا يتقيد المسح على الجبيرة بمدة.
-3 - يجوز مسح الجبيرة عن رِجْل وغسل الأخرى.
-4 - لا يسقط حكم المسح بسقوط الجبيرة إلا أن تسقط عن بُرْء، فلو سقطت عن برء أثناء الصلاة بطلت.
-5 - الجنابة والحدث سواء في حق الجبيرة بخلاف المسح على الخفين.
-6 - المسح على الجبيرة مشروط بالعجز عن مسح الموضع ذاته أو غسله، ولا يشترط هذا في الخفين.
-7 - لا تُمسح العصابة السفلى إذا نُزعت العليا، ولا يبطل مسحها بابتلال ما تحتها، ويجوز تبديلها بغيرها بعد مسحها ولا يجب إعادة المسح عليها.
ويضاف إلى الجبيرة المسافات حول الرباط إن ضرَّ حلُّه.
ويقاس على الجبيرة كل موضع فيه دواء على جرح يتعذر بلّه، وكذلك العين لو رمدت وضرَّ بلُّها مسح عليها.
¬
(¬1) ابن ماجة: ج 1 / كتاب الطهارة باب 134/657.
(¬2) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 57/146، والتّساخين: الخفاف ولا واحد لها.
الباب الخامس (الغُسْلُ) .
تعريف الغسل:
لغة: تمام غسل الجسد، واسم للماء الذي يغتسل به.
شرعاً: غسل البدن من جنابة أو حيض أو نفا (أي الغسل الذي هو فرض) . قال تعالى: {وإن كنتم جنباً فاطَّهروا} (¬1) .
¬
(¬1) النساء: 43.
سبب الغسل: إرادة ما لا يحل مع الحدث الأكبر إلا به.
حكم الغسل:
أ - فرض: يكون الغسل فرضاً في الحالات التالية (وهي موجباته) :
-1 - خروج المني بشهوة إلى ظاهر الجسد، لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما الماء من الماء) (¬1) . إذا انفصل عن مقره أي عن الصلب للرجل وعن الترائب (¬2) للمرأة. ولا يشترط دوام الشهوة حتى يخرج المني إلى الظاهر بل يكفي وجودها عند انفصاله من الصلب خلافاً لأبي يوسف.
وسواء كان نزول المني عن جماع أو احتلام أو نظر أو استمناء فإنه موجب للغسل، ودليل وجوب الغسل حال الاحتلام حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم إذا رأت الماء) . فقالت أم سلمة: يا رسول الله وتحتلم المرأة؟ فقال: (تَربَتْ يداك فبم يشبهها ولدها) (¬3) .
وإذا استيقظ من النوم فوجد منياً ولم يتذكر احتلاماً وجب عليه الغسل، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً. قال: (يغتسل) (¬4) . أما من ذكر حلماً ولم ير بللاً فلا غسل عليه.
ويوجب الغسل: إنزال المني بوطء ميتة أو بهيمة أو إدخال إصبع فإن نزل المني وجب الغسل لقصور الشهوة. وكذا لو وجد المني بعد سكر أو إغماء.
ولو خرج المني بدون شهوة عن مرض، أو تعب، أو حمل ثقيل، أو ضرب على الصلب، فلا غسل عليه. وذلك لما روي عن مجاهد قال: "بيننا نحن أصحاب ابن عباس حلق في المسجد، طاووس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وابن عباس قائم يصلي، إذ وقف علينا رجل فقال: هل من مُفتٍ؟ فقلنا: سل. فقال: إني كلما بلت تبعه الماء الدافق، قلنا: الذي يكون منه الولد؟ قال: نعم، قلنا: عليك الغسل، قال: فولى الرجل وهو يرجع، قال: وعجل ابن عباس في صلاته، ثم قال لعكرمة: عليَّ بالرجل، وأقبل علينا فقال: أرأيتم ما أفتيتم به هذا الرجل عن كتاب الله؟ قلنا: لا، قال: فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلنا: لا، قال: فعن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلنا: لا، قال: فعمَّه؟ قلنا: عن رأينا، قال: فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد. قال: وجاء الرجل، فأقبل عليه ابن عباس فقال: أرأيت إذا كان ذلك منك أتجد شهوة في قبلك؟ قال: لا، قال: فهل تجد خدراً في جسدك؟ قال: لا، قال: إنما هي إبردة يجزيك منها الوضوء".
-2 - التقاء الختانين ولو بدون إنزال، لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا جلس بين شُعبها الأربع، ومسّ الختان الختان، فقد وجب الغسل) (¬5) ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جلس بين شعبها الأربع وأجهد نفسه فقد وجب الغسل، أنزل أم لم ينزل) (¬6) .
وكذا يجب الغسل إذا كان الإيلاج في الدبر، قال علي رضي الله عنه: "توجبون فيه الحد ولا توجبون فيه صاعاً من ماء".
-3 - انقطاع الحيض والنفاس، لقوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن، فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} (¬7) .
ويجب الغسل بعد الولادة ولو كانت بغير دم.
-4 - الموت: ووجوب الغسل بحق الميت المسلم فقط، وغسله فرض كفاية على المسلمين، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فوقصته ناقته وهو محرم فمات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اغسلوه بماء وسِدْر) (¬8) .
ويجب الغسل احتياطاً لمن أصاب كل جسده نجاسة أو بعضه وخفي مكانها.
ب - سنة: ويكون الغسل سنة لأمور:
-1 - لصلاة الجمعة، لحديث عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل) (¬9) . والغسل للصلاة فلو اغتسل ثم أحدث فتوضأ لم تحصل السنة، وقيل الغسل لليوم.
-2 - لصلاة العيدين، لما روى الفاكه بن سعد - وكانت له صحبة - رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كان يغتسل يوم الجمعة ويوم عرفة ويوم الفطر ويوم النحر) (¬10) .
والحكمة من الغسل في أيام الاجتماعات لدفع أذى الرائحة الكريهة.
-3 - للوقوف بعرفة بعد الزوال لفضل زمان الوقوف، للحديث المتقدم ولما روي عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "اغتسلت مع ابن مسعود يوم عرفة تحت الأراك" (¬11) . ويسقط عنه إن لم يجد ساتراً.
-4 - للإحرام بالحج أو العمرة، والغاية منه التنظيف لا التطهير، لذا يسن للمرأة الحائض والنفساء. وذلك لما روي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه (رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل) (¬12) . ولا يتيمم بدله إن فقد الماء.
-5 - للإسلام، إن أسلم وهو طاهر عن موجبات الغسل.
-6 - البلوغ بالسن لا بالاحتلام.
جـ - مندوب:
-1 - يندب الغسل لمن أفاق من جنون أو سكر أو إغماء، لما روي عن عبيد الله بن عبد الله قال: دخلت على عائشة فقلت لها: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: بلى. (ثقل النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا. وهم ينتظرونك يا رسول الله! قال: ضعوا لي ماء في المِخْضَبِ. ففعلنا. فاغتسل. ثم ذهب ليَنُوء فأغمي عليه. ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا. وهم ينتظرونك يا رسول الله فقال: ضعوا لي ماء في المخضب. ففعلنا. فاغتسل..) (¬13) .
-2 - لإحياء الليالي الوارد إحياؤها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كليلة النصف من شعبان وليلة القدر.
-3 - بعد تغسيل الميت، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غسَّل ميتاً فليغتسل) (¬14) .
-4 - لصلاة الكسوف والخسوف والاستسقاء وصلاة الخوف.
-5 - لمن حكم عليه بالقتل، فيغتسل قبل أن ينفذ فيه الحكم.
-6 - للقادم من السفر.
-7 - للتائب من الذنب.
-8 - لمن أصابته نجاسة وخفي عليه مكانها.
-9 - لدخول مكة أو المدينة، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه (كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى، حتى يصبح ويغتسل، ثم يدخل مكة نهاراً ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله) (¬15) .
-10 - لرمي الجمار.
-11 - للوقوف بمزدلفة.
-12 - لطواف الزيارة.
-13 - المستحاضة إذا انقطع عنها الدم.
-14 - بعد الحجامة.
¬
(¬1) مسلم: ج 1 / كتاب الحيض باب 21/81، ويقصد بالماء الأول الغسل وبالثاني المني.
(¬2) الترائب: عظام الصدر.
(¬3) مسلم: ج 1 / كتاب الحيض باب 6/32.
(¬4) الترمذي: ج 1 / أبواب الطهارة باب 82/113.
(¬5) مسلم: ج 1 / كتاب الحيض باب 22/88.
(¬6) الدارقطني: ج 1 / ص 112.
(¬7) البقرة: 222.
(¬8) البخاري: ج 2 / كتاب الإحصار وجزاء الصيد باب 32/1753، والوَقْص: كَسْر العنق. والسِّدر شجر النَّبق.
(¬9) مسلم: ج 2 / كتاب الجمعة /4.
(¬10) مسند الإمام أحمد: ج 4 / ص 78.
(¬11) مجمع الزوائد: ج 3 / ص 153.
(¬12) الترمذي: ج 3 / كتاب الحج باب 16/830.
(¬13) مسلم: ج 1 / كتاب الصلاة باب 21/90، ومعنى لِنَوء، أي ليقوم وينهض.
(¬14) ابن ماجة: ج 1 / كتاب جنائز باب 8/1463.
(¬15) مسلم: ج 2 / كتاب الحج باب 38/227.
فرائض الغسل:
للغسل ركن واحد وهو تعميم البدن بالماء، ويشمل الفرض العملي والفرض الاعتقادي حيث لم يفصّل الله تعالى في فرائض الغسل كما فصّل في فرائض الوضوء، قال تعالى: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} (¬1) . والمبالغة في قوله تعالى: {فاطهروا} تفيد غسل الجسم ظاهراً وباطناً، ويسقط ما لا يمكن لوجود الحرج. وعلى هذا فرائض الغسل هي:
-1 - تعميم ما أمكن من البدن شَعْره وبَشره بالماء الطاهر، لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر) (¬2) . فيجب تعهد ثنايا الجسم وتحت الإبطين والشعر بالغسل.
-2 - المضمضة والاستنشاق، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما عن خالته ميمونة قالت: وضعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم غسلاً فاغتسل من الجنابة وذكرت الحديث وفيه: (ثم مضمض واستنشق..) (¬3) ويكفي في المضمضة الشرب عبَّاً.
-3 - غسل الفرج الظاهر والسرّة، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة، يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه) (¬4) ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كان (¬5) إذا اغتسل من الجنابة نضخ الماء في الماء عينيه وأدخل إصبعه في سرته) (¬6) . أخذ السادة الأحناف من الحديث وجوب غسل السرة دون وجوب غسل العينين.
-4 - إزالة ما يمنع من وصول الماء إلى الجسد.
-5 - غسل تحت الشعر وتبليغ الماء إلى أصول الشعر، ويفترض نقض المضفور من شعر الرجل للغسل وتنقض المرأة ضفائرها إذا لم تتأكد من وصول الماء إلى أصل الشعر، بدليل ما روي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ضَفْرَ رأسي فأنقضه لغُسْل الجنابة؟ قال: (لا إنما يكفيك أن تَحثْي على رأسك ثلاث حَثَيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) (¬7) .
¬
(¬1) النساء: 43.
(¬2) الترمذي: ج 1 / أبواب الطهارة باب 78/106.
(¬3) البيهقي: ج 1 / ص 177.
(¬4) مسلم: ج 1 / كتاب الحيض باب 9/35.
(¬5) يقصد النبي صلى الله عليه وسلم.
(¬6) البيهقي: ج 1 / ص 177.
(¬7) مسلم: ج 1 / كتاب الحيض باب 12/58.
سنن الغسل:
يسن في الغسل ما يسن في الوضوء عدا الترتيب.
-1 - التسمية قبل كشف العورة، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه) (¬1) .
-2 - النية، ليكون فعله قربة، والابتداء بالتسمية يصاحب النية لأن النية فعل القبل والتسمية باللسان.
-3 - أن يبدأ المغتسل بيديه.
-4 - أن يزيل الأذى والنجاسة إن كانت على بدنه.
-5 - غسل الفرج إن لم يكن به نجاسة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وليطمئن بوصول الماء إلى الجزء الذي ينضم من فرجه حال القيام. روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حَفَنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه) (¬2) .
-6 - أن يتوضأ وضوءه للصلاة فيثلث الغسل ويمسح الرأس ويؤخر غسل الرجلين إن كان يقف حال الاغتسال في محل يجمع فيه الماء لاحتياجه لغسلهما ثانية.
-7 - تعهد مواضع الانعطاف.
-8 - تخليل أصول الشعر ثلاثاً بيده المبللة.
-9 - أن يفيض الماء على بدنه ثلاثاً، فالإفاضة سنة لأنه لو انغمس في ماء جار أو كثير طهر من الجنابة حكماً.
-10 - البداية من الرأس ثم الطرف الأيمن ثم الأيسر، لحديث جبير بم مطعم رضي الله عنه قال: تذاكرْنا غسل الجنابة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أما أنا فآخذ ملء كفي ثلاثاً فأصب على رأسي ثم أفيضه بعد على سائر جسدي) (¬3) . وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كان يتوضأ من الجنابة، ثم يدخل يده اليمنى في الماء، ثم يخلل بها شق رأسه الأيمن فيتبع أصول الشعر، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر بيده اليسرى كذلك يستبرئ البشرة، ثم يصب على رأسه ثلاثاً) (¬4) .
-11 - التكرار ثلاثاً، وهو في الغسل أولى منه في الوضوء.
-12 - الدلك في المرة الأولى ثم يصب الماء وهو واجب عند الإمام أبي يوسف.
-13 - الموالاة.
-14 - نقض الشعر للغسل سنة للمرأة إن أمكن التعميم بدونه، وإلا فهو فرض كما ذكرنا. ويصح بلة العضو من العضو السابق (بانتقال الماء) في الغسل ولكن بشرط التقاطر.
¬
(¬1) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 48/101.
(¬2) مسلم: ج 1 / كتاب الحيض باب 9/35.
(¬3) مسند الإمام أحمد: ج 4 / ص 81.
(¬4) البيهقي: ج 1 / ص 175.
آداب الغسل:
-1 - استقبال القبلة على أن لا يكون مكشوف العورة حال الاغتسال وإلا فالأفضل عدم استقبالها.
-2 - عدم التكلم أثناء الاغتسال ولو بدعاء. د
-3 - عدم الإسراف في الماء أو التقتير فيه، لما روي عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء) (¬1) .
-4 - أن يغتسل في مكان لا يراه فيه أحد.
-5 - أن يستتر قدر الإمكان، لما روي عن يعلى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله عز وجل حَيِيٌّ سِتّير. يحب الحياء والسِتّر. فإذا اغتسل أحدكم فليستتر) (¬2) ، وذلك سواء أكان وحده أو معه أحد من جنسه. أما المرأة بين الرجال فتؤخر غسلها وتتيمم للصلاة ثم تعيد. ويجوز للمرأة أن تتجرد للغسل وكذا الرجل إذا كان المحل صغيراً جداً.
-6 - يستحب بعد الغسل صلاة ركعتين كما في الوضوء.
¬
(¬1) البيهقي: ج 1 / ص 197.
(¬2) أبو داود: ج 1 / كتاب الحمّام باب 2/412، وحييّ: أي منزّه عن النقائص.
ما يحرم بالحدث الأكبر:
-1 - يحرم بالحدث الأكبر ما يحرم بالحدث الأصغر وهو الصلاة والسجود للتلاوة والشكر، وكذلك الطواف - فرضاً أو نفلاً - ومس المصحف أو علاّقته، لقوله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون} (¬1) ، أما حمل المصحف تبعاً فلا يمنع منه كأن كان في صندوق فلا بأس للجنب أن يحمله.
-2 - قراءة القرآن قليلاً كان أو كثيراً ولو بعض آية ما كانت بنية التلاوة، لما روي عن علي رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن على كل حال ليس الجنابة) (¬2) ، ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يقرأ الجُنب والحائض شيئاً من القرآن) (¬3) . تحرم قراءة القرآن على الجنب دون المحدث، بخلاف مسّ القرآن فإنه يحرم على الجميع، لأن الحدث حلَّ الجسم والجنابة حلت الفم.
أما قراءة آيات الذكر في القرآن بنية الذكر فجائزة، كقوله عند المصيبة: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، أو حتى قرأ آية الكرسي بنية الذكر أو قرأ بعض آية في حديثه ومواعظه يقصد بها الذكر فلا يحرم بشرط أن يكون في الآية أو بعضها ذكر كقوله "الحمد لله رب العالمين".
-3 - دخول المسجد، وذلك لحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم صَرْحَة (¬4) هذا المسجد فنادى بأعلى صوته: إن المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض) (¬5) . فلا يجوز للجنب دخول المسجد مطلقاً سواء للعبور أو المكث، إلا عند الضرورة، كما إذا كان الماء في المسجد ولا يوجد غيره أو كان داره داخل المسجد، فيتيمم ويَعْبُر.
¬
(¬1) الواقعة: 79.
(¬2) النسائي: ج 1 / ص 144.
(¬3) ابن ماجة: ج 1 / كتاب الطهارة باب 105/596.
(¬4) الصَّرْحة من الأرض: ما استوى وظهر.
(¬5) ابن ماجة: ج 1 / كتاب الطهارة باب 126/645. (6) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 93/232.
الباب السادس (التَيَمُّم) .
- التيمم خَلَفٌ عن الوضوء والغسل، وهو من خصائص الأمة.
تعريفه:
لغة: القصد، قال الله تعالى: {ولا تيَّمموا الخبيث منه تُنفقون} (¬1) وقال أيضاً: {ولا آمينّ البيت الحرام} (¬2) .
شرعاً: قصد صعيد مطهِّر واستعماله حقيقة أو حكماً بصفة مخصوصة.
معنى التعريف:
-1 - القصد هو النية، وهي شرط في التيمم.
-2 - صعيد مطهِّر احترز بقوله مطهر عن الأرض التي وقعت عليها نجاسة وجفت؛ فتكون طاهرة غير مطهرة.
-3 - استعماله حقيقة في التراب وحكماً في الحجر الأملس.
-4 - الصفة المخصوصة هي كيفية التيمم المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
¬
(¬1) البقرة: 267.
(¬2) المائدة: 2.
دليله:
ثبتت مشروعية التيمم بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر، أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء، فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيباً} (¬1) .
وأما السنة، فحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أُعْطيتُ خمساً لم يُعْطَهنَّ أحد قبلي، نُصِرت بالرّعب مسيرة شهر وجُعلت لي الأرض مسجداً وطَهُوراً فأيُّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأُحِلَّت لي المغانم ولم تحلَّ لأحد قبلي، وأُعطيت الشفَّاعة، وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس عامّة) (¬2) .
¬
(¬1) النساء: 43.
(¬2) البخاري: ج 1 / كتاب التيمم باب 1/328.
سبب التيمم: إرادة ما لا يحل إلا به، فعن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (رأى رجلاً معتزلاً، لم يصلّ في القوم فقال: يا فلان، ما منعك أن تصلي في القوم. فقال: يا رسول الله، أصابتني جنابة ولا ماء قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك) (¬1) .
¬
(¬1) البخاري: ج 1 / كتاب التيمم باب 7/341.
شروط صحة التيمم:
يصح التيمم بشروط ثمانية هي:
أولاً: النية: وهي شرط في التيمم دون الوضوء، لأن الماء مطهِّر بطبعه فلا يحتاج إلى النية بخلاف التراب فهو ملوث بالأصل فلا يصير مطهِّراً إلا بالنية.
والنية: عقد القلب على إيجاد الفعل جزماً.
وقتها: عند ضرب يده على ما يتيمم به، أو عند مسح أعضائه بتراب أصابها.
شروط صحتها:
-1. الإسلام ليصير الفعل سبباً للثواب.
-2. التمييز ليفهم ما يتكلم به.
-3. العلم بما ينويه.
صيغتها:
-1. نية الطهارة من الحدث القائم.
-2. نية استباحة الصلاة.
-3. نية استباحة عبادة مقصودة لا تصح إلا بطهارة.
ولو قيد النية بأن نوى التيمم لقربة لا يُشترط لها الطهارة من الحدث الأصغر كدخول المسجد أو قراءة القرآن من الذاكرة، فلا تصح به الصلاة لأن نية الأدنى لا تكون نية للأعلى، بعكس ما لو نوى التيمم للصلاة فإنه يصح له بهذا التيمم كل الأعمال. ولو تيمم للدخول في الإسلام فلا تصح الصلاة بهذا التيمم، إلا عند الإمام أبي يوسف فتجوز.
ثانياً: وجود عذر مبيح للتيمم:
-1ً - بُعْدُ الشخص ميلاً عن الماء، وهو ما يعادل ثلث فرسخٍ (¬1) . ويجب عليه قبل أن يتيمم أن يطلب الماء إن ظنّ قربه بمقدار (400) خطوة، أو أن يطلبه من رفقته، كما يلزمه شراؤه بثمن مثله وبغبن يسير إن كان معه فاضلاً عن نفقته.
-2ً - المرض، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "رخص للمريض التيمم بالصعيد". وهناك حالات:
أ - ضرر الماء إنْ كان في استعماله حصول المرض، أو اشتداده، أو بطء في الشفاء، بتجربة أو إخبار طبيب مسلم عَدْل (¬2) . لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وإن كنتم مرضى أو على سفر} قال: "إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله أو القروح أو الجدري فيجنب فيخاف أن يموت إن اغتسل، يتيمم" (¬3) .
ب - عجزه عن التحرك لاستعمال الماء (كمن أجري له عمل جراحي) .
جـ - عجزه عن الفعل بنفسه كالمقعد أو المشلول، ففي هذه الحالة:
-1 - إن لم يجد من يوضئه جاز له التيمم إجماعاً، قال الحسن "في المريض عنده الماء ولا يجد من يناوله يتيمم" (¬4) .
-2 - وجد من يوضئه لكنه ليس من أهل طاعته جاز له التيمم.
-3 - إن وجد من يطيعه فمختلف فيه (لا يجب على أحد الزوجين أو يوضئ صاحبه ولا أن يتعهده فيما يتعلق بالصلاة، ولا يعتبر أحدهما قادراً بقدرة الآخر) .
د - مريض مرضاً لا يستطيع الوضوء ولا التيمم بنفسه أو بغيره:
-1 - لا يصلي حتى يقدر على أحدهما برأي الإمام.
-2 - قال الإمام أبو يوسف يصلي تشّبهاً ويعيد.
-3ً - إن كان نصف البدن أو أكثر جريحاً، وتعتبر الكثرة بعدد الأعضاء؛ فلو كانت الجراحة بالرأس والوجه واليدين جراحة ولو قليلة، يتيمم.
أما إذا كان أكثر البدن صحيحاً، غسل الصحيح ومسح الجريح بمرّ يده على الجسد، فإن لم يستطع فبخرقة، وإن ضرَّه المسح تركه، لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "من كان له جرح معصوب عليه توضأ ومسح على العصائب ويغسل ما حول العصائب" (¬5) .
وإن كانت الجراحة في بطنه ويضره استعمال الماء صار كغالب الجراحة حكماً للضرورة. ولا يصح أن يجمع بين الغسل والتيمم.
-4ً - بَرْد شديد غلب على الظن تلف بعض الأعضاء بسببه، وهذا غالباً ما يكون خارج المصر، أي العمران، إذ أن تسخين الماء في البيت ممكن. وقد يكون في المصر لكن لا يجد ما يسخن به الماء. وذلك لما روي عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: "احتلمت في ليلة باردة، في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟) فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً} فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً) (¬6) .
-5ً - خوف عدو آدمي أو غيره على ماله أو نفسه، أو خوف فاسق عند الماء.
-6 ً - عنده ماء قليل لكن خاف على نفسه أو ما معه من حيوانات العطش. لما روي عن علي رضي الله عنه قال: "في الرجل يكون في السفر، فتصيبه الجنابة ومعه الماء القليل يخاف أن يعطش، قال: يتيمم ولا يغتسل" (¬7) .
-7ً - خوف فوت صلاة الجنازة أو عيد ولو جنباً يتيمم لهما، لأنهما تفوتان بلا خَلَف.
لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما "أنه أتي بجنازة وهو على غير وضوء فيتمم ثم صلى عليها" (¬8) .
ثالثاً: أن يكون التيمم بطاهر من جنس الأرض، كالتراب المُنْبِت والرمل والحجر والعقيق ولو لم يكن عليها غبار. وكل ما يحترق بالنار ليس من جنس الأرض، وكذا كل ما ينطبع ويلين بالنار ليس من جنس الأرض أيضاً كالذهب والفضة. قال تعالى: {فتيمموا صعيداً طيباً} (¬9) والصعيد اسم لوجه الأرض تراباً كان أو حجراً وقال تعالى: {صعيداً زلقاً} (¬10) أي حجراً أملس.
رابعاً: استيعاب الوجه واليدين بالمسح. فيجب نزع الخاتم ولو واسعاً والسوار الضيق وتخليل الأصابع، لأن التيمم قائم مقام الوضوء فيشترط فيه ما يشترط في الوضوء.
خامساً: أن يمسح الأعضاء بجميع اليد أو بأكثرها، فلا يجزئ المسح بأقل من ثلاث أصابع.
سادساً: أن يكون التيمم بضربتين بباطن الكفين، لحديث عمار بن ياسر رضي الله عنهما (أنه كان يحدث أنهم تمسحوا وهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصعيد لصلاة الفجر فضربوا بأكفهم الصعيد، ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا، فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم) (¬11) . ويقوم مقام الضربتين إذا أصاب التراب جسده فمسحه بنية التيمم. وقوله: ضربتان خرج مخرج الغالب، والمهم هو مسح الوجه واليدين بالغبار بنية التيمم.
سابعاً: انقطاع ما ينافي الطهارة من حيض أو نفاس أو حدث.
ثامناً: زوال ما يمنع المسح على البشرة كشمع أو شحم.
¬
(¬1) ثلث الفرسخ يساوي (4000) خطوة (أي ما يعادل مسيرة نصف ساعة) وهو يساوي 1847 متر.
(¬2) العدل: من لا كبيرة له، كما أنه لا يُصرّ على الصغائر.
(¬3) الدارقطني: ج 1 / ص 177.
(¬4) البخاري: ج 1 / كتاب التيمم باب 2.
(¬5) البيهقي: ج 1 / ص 288.
(¬6) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 126/334.
(¬7) الدارقطني: ج 1 / ص 202.
(¬8) الجوهر النقي (ذيل السنن الكبرى للبيهقي) : ج 1 / ص 230.
(¬9) المائدة: 6.
(¬10) الكهف: 40.
(¬11) أبو داود: ج 1 / كتاب الطهارة باب 123/318.
شروط وجوب التيمم:
-1 - العقل.
-2 - البلوغ.
-3 - الإسلام.
-4 - وجود الحدث.
-5 - عدم المنافي.
-6 - ضيق الوقت مع وجود العذر المبيح.
-7 - القدرة على ما يجوز به التيمم.