الجزء 1 · صفحة 17
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله خَالق الْإِنْس وَالْجنَّة وَأشْهد أَن لَا اله إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة تكون لمن تدرع بهَا أوقى جنه وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الدَّاعِي إِلَى الْجنَّة صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى آله وَأَصْحَابه أولى الْبَأْس والنجدة صَلَاة يعظم بهَا عَلَيْهِم الْمِنَّة وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا يقوم بِالْفَرْضِ وَالسّنة كَمَا علم الصَّلَاة وَالسَّلَام عَلَيْهِ وأسنه
وَبعد فَهَذَا كتاب جَامع لذكر الْجِنّ وأخبارهم وَمَا يتَعَلَّق بأحكامهم وآثارهم وَكَانَ السَّبَب فِي تصنيفه ونسخه على هَذَا المنوال الْغَرِيب وترصيفه مذاكرة وَقعت فِي مَسْأَلَة نِكَاح الْجِنّ وإمكانه ووقوعه وضاق الْمجْلس عَن تقريرها وَتَحْقِيق المباحث فِيهَا وتحريرها ثمَّ رَأَيْت أَن هَذِه الْمَسْأَلَة تَقْتَضِي مُقَدمَات
الأولى تَقْرِير وجود الْجِنّ خلافًا لكثير من الفلاسفة وجماهير الْقَدَرِيَّة وكافة الزَّنَادِقَة وَغَيرهم وَفَسَاد قَول من أنكر وجودهم
الثَّانِيَة تَقْرِير أَن لَهُم أجساما مشخصة رقيقَة أَو كثيفة تتطور وتتشكل فِي صور شَتَّى ليمكن الوقاع ويتأتى لِأَنَّهُ إِنَّمَا يتَصَوَّر بَين جسمين مماسين وَيتَفَرَّع على هَذَا ذكر تحيزهم وأكلهم وشربهم وتناكحهم فِيمَا بَينهم لِأَن جسم الْحَيّ لَا بُد لَهُ من تحيز وَتَنَاول مَا هُوَ سَبَب لنموه وبقائه وَبَقَاء جنسه بالتوالد
الثَّالِثَة بَيَان تكليفهم خلافًا للحشوية وَذَلِكَ لِأَن من جوز النِّكَاح بَين الْإِنْس وَالْجِنّ أما أَن يشْتَرط فِي نِسَائِهِم الْإِيمَان أَو أَن يكن من أهل الْكتاب لِأَن مَا اشْترط فِي حل النِّسَاء الآدميات أولى أَن يشْتَرط فِي الجنيات لِأَن الْقَائِل
الجزء 1 · صفحة 18
بِجَوَاز نكاحهم لَا يفرق وَيتَفَرَّع على ذَلِك ذكر بعثة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَيْهِم وَقبل بعثته إِلَيْهِم بِمَاذَا كَانُوا مكلفين هَل بعث إِلَيْهِم نَبِي مِنْهُم كَمَا يَقُوله الضَّحَّاك وَغَيره وَقطع بِهِ أَبُو مُحَمَّد بن حزم أَو كَانَ فهم نذر مِنْهُم لَيْسُوا رسلًا عَن الله تَعَالَى وَلَكِن بثهم الله تَعَالَى فِي الأَرْض فَسَمِعُوا كَلَام رسل الله عز وَجل الَّذين هم من بني آدم وعادوا إِلَى قَومهمْ من الْجِنّ فأنذروهم وَهَذَا قَول جَمَاهِير الْعلمَاء من السّلف وَالْخلف وَهَذَا كَمَا سمع النَّفر من الْجِنّ الْقُرْآن من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعادوا إِلَى قَومهمْ فَقَالُوا انا سمعنَا كتابا أنزل من بعد مُوسَى وَكَانَ هَذَا قبل دَعْوَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إيَّاهُم واجتماعهم بِهِ وَيتَفَرَّع على تكليفهم ثوابهم على الطَّاعَة وعقابهم على الْمعْصِيَة وَدخُول كافرهم النَّار ومؤمنهم الْجنَّة عِنْد بعض الْعلمَاء وَيتَفَرَّع على كل مُقَدّمَة مسَائِل تتأتى وتتفتح لَهَا أَبْوَاب شَتَّى يتشبث بَعْضهَا بأذيال بعض وينخرط فِي عقد سلكها دُرَر لَا يكَاد نظمها ينفض ويستطرد فِي غُضُون ذَلِك نكت وأخبار وعيون وَأَحَادِيث مروية عَنْهُم لَا تَنْتَهِي وَلِحَدِيث الْجِنّ شجون فاستخرت الله فِي إبراز هَذَا التصنيف وإحراز كثير مِمَّا ورد عَنْهُم فِي هَذَا التَّأْلِيف وَجَعَلته جَامعا لمهم أحكامهم حاويا لأحوالهم فِي رحلتهم ومقامهم رَافعا لستورهم دافعا لما يتطورون عَلَيْهِ من الكيد فِي صُدُورهمْ كاشفا لضمائرهم كاشفا لمناورهم ورتبت على كل مقطع بوابا وَفتحت لكل مطلع بَابا وضمنته مائَة وَأَرْبَعين بَابا وَقد يزِيد على ذَلِك بِمَا ينخرط فِي هَذِه المسالك من التوابع الَّتِي يتَعَيَّن إيرادها والفصول الَّتِي لَا يحسن إفرادها وسميته آكام المرجان فِي أَحْكَام الجان وَبِاللَّهِ استعيذ من الشَّيَاطِين ونزعاتهم وَبِه استعين على مَرَدَة الْجِنّ وطغاتهم وبقدرته أدفَع سطوة شرورهم وبعزته أدرأ فِي نحورهم وبذكره أتحصن من كيدهم وبقوته أوهن مَا قوى من أَيْديهم هُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
الجزء 1 · صفحة 19
الْبَاب الأول
فِي بَيَان إِثْبَات الْجِنّ وَالْخلاف فِيهِ
قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابه الشَّامِل اعلموا رحمكم الله أَن كثيرا من الفلاسفة وجماهير الْقَدَرِيَّة وكافة الزَّنَادِقَة أَنْكَرُوا الشَّيَاطِين وَالْجِنّ رَأْسا وَلَا يبعد لَو أنكر ذَلِك من لَا يتدبر وَلَا يتشبث بالشريعة وَإِنَّمَا الْعجب من إِنْكَار الْقَدَرِيَّة مَعَ نُصُوص الْقُرْآن وتواتر الْأَخْبَار واستفاضة الْآثَار ثمَّ سَاق حَملَة من نُصُوص الْكتاب وَالسّنة وَقَالَ أَبُو قَاسم الْأنْصَارِيّ فِي شرح الْإِرْشَاد وَقد أنكرهم مُعظم الْمُعْتَزلَة وَدلّ إنكارهم اياهم على قلَّة مبالاتهم وركاكة دياناتهم فَلَيْسَ فِي إثباتهم مُسْتَحِيل عقلى وَقد دلّت نُصُوص الْكتاب وَالسّنة على اثباتهم وَحقّ على اللبيب المعتصم بِحَبل الدّين أَن يثبت مَا قضى الْعقل بِجَوَازِهِ وَنَصّ الشَّرْع على ثُبُوته
وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر الباقلاني وَكثير من الْقَدَرِيَّة يثبتون وجود الْجِنّ قَدِيما وينفون وجودهم الْآن وَمِنْهُم من يقر بوجودهم وَيَزْعُم أَنهم لَا يرَوْنَ لرقة أجسامهم ونفوذ الشعاع فِيهَا وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّمَا لَا يرَوْنَ لأَنهم لَا ألوان لَهُم ثمَّ قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ والتمسك بالظواهر والآحاد تكلّف منا مَعَ إِجْمَاع كَافَّة الْعلمَاء فِي عصر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ على وجود الْجِنّ وَالشَّيَاطِين والاستعاذة بِاللَّه تَعَالَى من شرورهم وَلَا يراغم مثل هَذَا الِاتِّفَاق متدين متشبث بمسكه من الدّين ثمَّ سَاق عدَّة أَحَادِيث ثمَّ قَالَ فَمن لم يرتدع بِهَذَا وَأَمْثَاله فَيَنْبَغِي أَن يتهم فِي الدّين ويعترف بالانسلال مِنْهُ على أَنه لَيْسَ فِي إِثْبَات الشَّيَاطِين ومردة الْجِنّ مَا يقْدَح فِي أصل من أصُول الْعقل وَقَضِيَّة من قضاياه وأكبر مَا يستروحون إِلَيْهِ خطور الْجِنّ بِنَا وَنحن لَا نراهم وَلَو شَاءَت
الجزء 1 · صفحة 20
أبدلت لنا أَنْفسهَا وَإِنَّمَا يستبعد ذَلِك من لم يحط علما بعجائب المقدورات وَقَوْلهمْ فِي الْجِنّ يجرهم الى انكار الْحفظَة من الْمَلَائِكَة عَلَيْهِم السَّلَام وَمن انْتهى بهم الْمَذْهَب الى هَذَا وضح افتضاحه
قلت وَإِنَّمَا طويت ذكر مَا اورده إِمَام الْحَرَمَيْنِ من الْآيَات وَالْأَخْبَار لِأَن ذَلِك يأتى إِن شَاءَ الله تَعَالَى مَبْسُوطا فِي كل بَاب بِحَسبِهِ
وَقَالَ القَاضِي عبد الْجَبَّار بن أَحْمد بن عبد الْجَبَّار الْهَمدَانِي أعلم ان الدَّلِيل على اثبات وجود الْجِنّ السّمع دون الْعقل وَذَلِكَ أَنه لَا طَرِيق لِلْعَقْلِ إِلَى إِثْبَات أجسام غَائِبَة لِأَن الشَّيْء لَا يدل على غَيره من غير ان يكون بَينهمَا تعلق كتعلق الْفِعْل بالفاعل وَتعلق الاعراض بالمحال أَلا ترى أَن الدّلَالَة لما دلّت على حَاجَة الْفِعْل فِي حُدُوثه الى الْفَاعِل وَحَاجته فِي كَونه محكما الى كَون فَاعله قَادِرًا عَالما وَكَونه قَادِرًا عَالما يقتضى كَونه حَيا وَكَونه حَيا لَا آفَة بِهِ يقتضى كَونه سميعا بَصيرًا فَدلَّ الْفِعْل على أَن لَهُ فَاعِلا وَأَنه على أَحْوَال مَخْصُوصَة على مَا ذكرنَا بَينهمَا من التَّعَلُّق قَالَ وَلَا يعلم اثبات الْجِنّ باطرار أَلا ترى أَن الْعُقَلَاء الْمُكَلّفين قد اخْتلفُوا فَمنهمْ من يصدق بِوُجُود الْجِنّ وَمِنْهُم من كذب ذَلِك من الفلاسفة والباطنية وَإِن كَانُوا عقلاء بالغين مأمورين منهيين وَلَو علم ذَلِك باضطرار لما جَازَ أَن يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِك بل لم يجز ان يشكوا فِيهِ لَو شككهم فِيهِ مشكك أَلا ترى أَنه لَا يجوز أَن يخْتَلف الْعُقَلَاء فِي أَن الارض تَحْتهم وَلَا أَن السَّمَاء فَوْقهم وَلَا يجوز أَن يشكوا فِي ذَلِك لَو شككهم فِيهِ مشكك وَفِي اخْتلَافهمْ فِي اثبات الْجِنّ وَالْأَمر على مَا هُوَ عَلَيْهِ دلَالَة على أَنه لَا يجوز أَن يعلم اثبات الْجِنّ ضَرُورَة ثمَّ قَالَ وَالَّذِي يدل على اثباتهم آي كثير فِي الْقُرْآن تغنى شهرتها عَن ذكرهَا وَأجْمع أهل التَّأْوِيل على مَا يذهب اليه من اثباتهم بظاهرها وَيدل أَيْضا على اثباتهم مَا علمناه باضطرار من ان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يتدين بإثباتهم وَمَا روى عَنهُ فِي ذَلِك من الْأَخْبَار وَالسّنَن الدَّالَّة على اثباتهم أشهر من ان يشْتَغل بذكرها
الجزء 1 · صفحة 21
فصل قَالَ الشَّيْخ ابو الْعَبَّاس بن تَيْمِية لم يُخَالف أحد من طوائف الْمُسلمين فِي وجود الْجِنّ وَجُمْهُور طوائف الْكفَّار على إِثْبَات الْجِنّ أما اهل الْكتاب من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فهم مقرون بهم كإقرار الْمُسلمين وَإِن وجد فيهم من يُنكر ذَلِك فَكَمَا يُوجد فِي بعض طوائف الْمُسلمين كالجهمية والمعتزلة من يُنكر ذَلِك وَإِن كَانَ جُمْهُور الطَّائِفَة وأئمتها مقرون بذلك وَهَذَا لِأَن وجود الْجِنّ تَوَاتَرَتْ بِهِ اخبار الانبياء عَلَيْهِم السَّلَام تواترا مَعْلُوما بالاضطرار وَمَعْلُوم بالاضطرار أَنهم أَحيَاء عقلاء فاعلون بالإرادة مأمورون منهيون لَيْسُوا صِفَات وأعراضا قَائِمَة بالانسان أَو غَيره كَمَا يزعمه بعض الْمَلَاحِدَة فَلَمَّا كَانَ أَمر الْجِنّ متواترا عَن الانبياء عَلَيْهِم السَّلَام تواترا ظَاهرا يعرفهُ الْعَامَّة والخاصة لم يُمكن طَائِفَة من طوائف الْمُؤمنِينَ بالرسل أَن ينكرهم فالمقصود هُنَا ان جَمِيع طوائف الْمُسلمين يقرونَ بِوُجُود الْجِنّ وَكَذَلِكَ جُمْهُور الْكفَّار كعامة أهل الْكتاب وَكَذَلِكَ عَامَّة مشركى الْعَرَب وَغَيرهم من أَوْلَاد سَام والهند وَغَيرهم من أَوْلَاد حام وَكَذَلِكَ جُمْهُور الكنعانيين واليونانيين وَغَيرهم من أَوْلَاد يافث فجماهير الطوائف تقر بِوُجُود الْجِنّ بل يقرونَ بِمَا يستجلبون بِهِ معاونة الْجِنّ من العزائم والطلاسيم سَوَاء كَانَ ذَلِك سائغا عِنْد أهل الْأَيْمَان أَو كَانَ شركا فَإِن الْمُشْركين يقراون من العزائم والطلاسم والرقى مَا فِيهِ عبَادَة للجن وتعظيم لَهُم وَعَامة مَا بأيدي النَّاس من العزائم والطلاسم والرقى الَّتِي لَا تفقه بِالْعَرَبِيَّةِ فِيهَا مَا هُوَ شرك بالجن وَلِهَذَا نهى عُلَمَاء الْمُسلمين عَن الرقى الَّتِى لَا يفقه بِالْعَرَبِيَّةِ مَعْنَاهَا لِأَنَّهَا مَظَنَّة الشّرك وَإِن لم يعرف الراقي أَنَّهَا شرك وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه رخص فِي الرقى مَا لم تكن شركا وَقَالَ من اسْتَطَاعَ ان ينفع أَخَاهُ فَلْيفْعَل وَقد كَانَ للْعَرَب ولسائر الْأُمَم من ذَلِك أُمُور يطول وصفهَا وَأُمُور وأخبار
الجزء 1 · صفحة 22
الْعَرَب فِي ذَلِك متواترة عِنْد من يعرف أخبارهم من عُلَمَاء الْمُسلمين وَكَذَلِكَ عِنْد غَيرهم وَلَكِن الْمُسلمين أخبر بجاهلية الْعَرَب مِنْهُم بجاهلية سَائِر الْأُمَم
فصل وَلم يُنكر الْجِنّ الا شرذمة قَليلَة من جهال الفلاسفة والأطباء وَنَحْوهم أما أكَابِر الْقَوْم فالمأثور عَنْهُم إِمَّا الْإِقْرَار بهم وَإِمَّا أَن يحْكى عَنْهُم قَول فِي ذَلِك وَأما الْمَعْرُوف عَن أبقراط أَنه قَالَ فِي بعض الْمِيَاه إِنَّه ينفع من الصراع لست أَعنِي الصرع الَّذِي يعالجه أَصْحَاب الهياكل وَإِنَّمَا أَعنِي الصرع الَّذِي تعالجه الْأَطِبَّاء وَأَنه قَالَ طبنا مَعَ طب أهل الهياكل كطب الْعَجَائِز مَعَ طبنا وَلَيْسَ لمن أنكر ذَلِك حجَّة يعْتَمد عَلَيْهَا تدل على النَّفْي وَإِنَّمَا مَعَه عدم الْعلم إِذا كَانَت صناعته لَيْسَ فِيهَا مَا يدل على ذَلِك كالطبيب الَّذِي ينظر فِي الْبدن من جِهَة صِحَّته ومرضه الَّذِي يتَعَلَّق بمزاجه وَلَيْسَ فِي هَذَا تعرض لما يحصل من جِهَة النَّفس وَلَا من جِهَة الْجِنّ وَإِن كَانَ قد علم من طبه ان للنَّفس تَأْثِيرا عَظِيما فِي الْبدن أعظم من تَأْثِير الْأَسْبَاب الطبية وَكَذَلِكَ للجن تَأْثِير فِي ذَلِك قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث إِن الشَّيْطَان يجْرِي من ابْن آدم مجْرى الدَّم أهـ
وَهُوَ البخار الَّذِي تسميه الْأَطِبَّاء الرّوح الحيواني المنبعث من الْقلب الساري فِي الْبدن الَّذِي بِهِ حَيَاة الْبدن
فصل قَالَ ابْن دُرَيْد الْجِنّ خلاف الْإِنْس وَيُقَال حنه اللَّيْل وأحنه وحن عَلَيْهِ وغطاه فِي معنى وَاحِد إِذا ستره وكل شَيْء استتر عَنْك فقد جن عَنْك وَبِه سميت الْجِنّ وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يسمون الْمَلَائِكَة جنا لاستتارهم عَن الْعُيُون وَالْجِنّ وَالْجنَّة وَاحِد وَالْجنَّة مَا واراك من السِّلَاح قَالَ والحن بِالْحَاء زَعَمُوا أَنهم ضرب من الْجِنّ قَالَ الراجز
الجزء 1 · صفحة 23
(يلعبن أحوالي من حن وحن ... )
قَالَ ابو عمر الزَّاهِد الحن كلاب الْجِنّ وسفلتهم وَقَالَ الْجَوْهَرِي الجان ابو الْجِنّ وَالْجمع جينان مثل حَائِط وحيطان والجان إيضاحية بَيْضَاء قلت وَقد وَقع فِي كَلَام السُّهيْلي فِي النتائج ان الْجِنّ تشْتَمل على الْمَلَائِكَة وَغَيرهم مِمَّا اجتن عَن الْأَبْصَار فَإِنَّهُ قَالَ وَمِمَّا قدم للفصل والشرف تَقْدِيم الْجِنّ على الْإِنْس فِي أَكثر الْمَوَاضِع لِأَن الْجِنّ تشْتَمل على الْمَلَائِكَة وَغَيرهم مِمَّا اجتن عَن الابصار قَالَ الله تَعَالَى {وَجعلُوا بَينه وَبَين الْجنَّة نسبا} وَقَالَ الاعشى ... وسخر من جن الملائك سَبْعَة ... قيَاما لَدَيْهِ يعْملُونَ بِلَا أجرل ...
فَأَما قَوْله تَعَالَى {لم يطمثهن إنس قبلهم وَلَا جَان} وَقَوله تَعَالَى {لَا يسْأَل عَن ذَنبه إنس وَلَا جَان} وَقَوله تَعَالَى {وَأَنا ظننا أَن لن تَقول الْإِنْس وَالْجِنّ على الله كذبا}
فَإِن لفظ الْجِنّ هَهُنَا لايتناول الْمَلَائِكَة بِحَال لنزاهتهم عَن الْعُيُوب وَأَنه لَا يتَوَهَّم عَلَيْهِم الْكَذِب وَلَا سَائِر الذُّنُوب فَلَمَّا لم يتناولهم عُمُوم اللَّفْظ لهَذِهِ الْقَرِينَة بَدَأَ بِلَفْظ الْإِنْس لفضلهم وكمالهم
وَقَالَ ابْن عقيل إِنَّمَا سمي الْجِنّ جنا لاستجنانهم واستتارهم عَن الْعُيُون مِنْهُ سمي الْجَنِين جَنِينا وَالْجنَّة للحرب جنَّة لسترها والمجن مجنا لستره للمقاتل فِي الْحَرْب وَلَيْسَ يلْزم بِأَن ينتقص هَذَا بِالْمَلَائِكَةِ لِأَن الْأَسْمَاء المشتقة لَا تنَاقض أَلا ترى أَن الخابئة سميت بذلك لاشتقاقها من الخبئ وَأَنه يخبأ فِيهَا وَلَا يُقَال يبطل بالصندوق فَإِنَّهُ يخبأ فِيهِ وَلَا يُسمى صندوقا وَالشَّيَاطِين
الجزء 1 · صفحة 24
العصاة من الْجِنّ وهم ولد إِبْلِيس والمردة أعتاهم وأغواهم وهم أعوان إِبْلِيس ينفذون بَين يَدَيْهِ فِي الأغواء كأعوان الشَّيَاطِين قَالَ الْجَوْهَرِي كل عَاتٍ متمرد من الْجِنّ وَالْإِنْس وَالدَّوَاب شَيْطَان قَالَ جرير ... أَيَّام يدعونني الشَّيْطَان من غزل ... وَهن يهوينني إِذْ كنت شَيْطَانا ...
وَالْعرب تسمي الْحَيَّة شَيْطَانا قَالَ يصف نَاقَته ... تلاعب مثنى حضرمي كَأَنَّهُ ... تعمج شَيْطَان بِذِي خروع قفر ...
وَقَوله تَعَالَى {طلعها كَأَنَّهُ رُؤُوس الشَّيَاطِين}
قَالَ الْفراء فِيهِ ثَلَاثَة أوجه احدها ان يشبه طلعها فِي قبحه برءوس الشَّيَاطِين لِأَنَّهَا مَوْصُوفَة بالقبح وَالثَّانِي أَن الْعَرَب تسمى بِهِ بعض الْحَيَّات والشيطان نونه أَصْلِيَّة قَالَ امية ... أَيّمَا شاطن عَصَاهُ عكاه ... ثمَّ يلقى فِي السجْن والأغلال ...
وَيُقَال أَيْضا إِنَّهَا زَائِدَة فَإِن جعلته فيعالا من قَوْلهم شيطن الرجل صرفته وَإِن جعلته من تشيطن لم تصرفه لِأَنَّهُ فعلان
وَقَالَ ابو الْبَقَاء الشَّيْطَان فيعال من شطن يشطن إِذا بعد وَيُقَال فِيهِ شاطن وتشيطن وَسمي بذلك كل متمرد لبعد غوره فِي الشَّرّ وَقيل هُوَ فعلان من شاط يشيط إِذا هلك فالمتمرد هَالك بتمرده وَيجوز ان يكون سمي بفعلان لمبالغته فِي إهلاك غَيره
وَقَالَ القَاضِي ابو يعلى الشَّيَاطِين مَرَدَة الْجِنّ وأشرارهم وَكَذَلِكَ يُقَال فِي الشرير مارد وَشَيْطَان من الشَّيَاطِين وَقد قَالَ تَعَالَى {شَيْطَان مارد}
وَقَالَ الْجَوْهَرِي شطن عَنهُ بعد وأشطنه ابعده
وَقَالَ ابْن السّكيت شطنه يشطنه شطنا إِذا خَالف عَن نِيَّة وَجهه وبئر شطون بعيدَة القعر وَنوى شطون بعيد
الجزء 1 · صفحة 25
وَقَالَ ابْن دُرَيْد زعم قوم من اهل اللُّغَة أَن اشتقاق ابليس من الابلاس كَأَنَّهُ إبلس أَي يئس من رَحْمَة الله وإبلس الرجل إبلاسا فَهُوَ مبلس إِذا يئس
قلت وَهَذَا يدل على أَن إِبْلِيس إِنَّمَا سمي بِهَذَا الِاسْم بعد لعن الله تَعَالَى إِيَّاه وَقد روى ابْن ابي الدُّنْيَا وَغَيره عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَ اسْم إِبْلِيس حَيْثُ كَانَ مَعَ الْمَلَائِكَة عزازيل وَكَانَ من الْمَلَائِكَة ذَوي الأجنحة الْأَرْبَعَة ثمَّ إِبْلِيس بعد وَعَن ابي الْمثنى قَالَ كَانَ اسْم ابليس نائل فَلَمَّا أَسخط الله تَعَالَى سمي شَيْطَانا وَعَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ لما عصى إِبْلِيس لعن وَصَارَ شَيْطَانا وَعَن سُفْيَان قَالَ كنية إِبْلِيس ابو كدوس
وَقَالَ ابو الْبَقَاء وإبليس اسْم أعجمي لَا ينْصَرف للعجمة والتعريف وَقيل هُوَ عَرَبِيّ واشتقاقه من الإبلاس وَلم ينْصَرف للتعريف وَلِأَنَّهُ لَا نَظِير لَهُ فِي الاسماء وَهَذَا بعيد على أَن فِي الْأَسْمَاء مثله نَحْو إخريط وإحفيل وإصليت
قَالَ ابو عمر بن عبد الْبر الْجِنّ عِنْد أهل الْكَلَام وَالْعلم بِاللِّسَانِ منزلون على مَرَاتِب فَإِذا ذكرُوا الْجِنّ خَالِصا قَالُوا جني فَإِن أَرَادوا أَنه مُمكن يسكن مَعَ النَّاس قَالُوا عَامر وَالْجمع عمار فَإِن كَانَ مِمَّن يعرض للصبيان قَالُوا أَرْوَاح فَإِن خبث وتعزم فَهُوَ شَيْطَان فَإِن زَاد على ذَلِك فَهُوَ مارد فَإِن زَاد على ذَلِك وقوى امْرَهْ قَالُوا عفريت وَالْجمع عفاريت وَالله تَعَالَى أعلم بِالصَّوَابِ
الجزء 1 · صفحة 26
الْبَاب الثَّانِي فِي ابْتِدَاء خلق الْجِنّ
قَالَ ابو حُذَيْفَة اسحاق بن بشر الْقرشِي فِي الْمُبْتَدَأ حَدثنَا عُثْمَان حَدثنَا الْأَعْمَش عَن بكير بن الْأَخْنَس عَن عبد الرَّحْمَن بن سابط الْقرشِي عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ رَضِي الله عَنهُ قَالَ خلق الله تَعَالَى بني الجان قبل آدم بألفي سنة أهـ أخبرنَا جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ وَكَانَ الْجِنّ سكان الأَرْض وَالْمَلَائِكَة سكان السَّمَاء وهم عمارها لكل سَمَاء مَلَائِكَة وَلكُل اهل سَمَاء صَلَاة وتسبيح وَدُعَاء فَكل سَمَاء فَوق سمائهم أَشد عبَادَة وَأكْثر دُعَاء وَصَلَاة وتسبيحا من الَّذين تَحْتهم فَكَانَت الْمَلَائِكَة عمار السَّمَاء وَالْجِنّ عمار الأَرْض أهـ
وَقَالَ بَعضهم عمروا الارض الفي سنة وَقَالَ بَعضهم اربعين سنة وَقَالَ اسحاق قَالَ ابو روق عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ خلق الله سوميا ابو الْجِنّ وَهُوَ الَّذِي خلق من مارج من نَار قَالَ تبَارك وَتَعَالَى تمن قَالَ أَتَمَنَّى أَن نرى وَلَا نرى وَأَن نغيب فِي الثرى وَأَن يصير كهلنا شَابًّا فَأعْطِي ذَلِك فهم يرَوْنَ وَلَا يرَوْنَ وَإِذا مَاتُوا غَيَّبُوا فِي الثرى وَلَا يَمُوت كهلهم حَتَّى يعود شَابًّا يَعْنِي مثل الصَّبِي يرد الى أرذل الْعُمر قَالَ وَخلق الله تَعَالَى آدم فَقيل لَهُ تمن قَالَ فتمنى الْجَبَل فَأعْطِي الْجَبَل وَقَالَ إِسْحَاق حَدثنِي جُوَيْبِر وَعُثْمَان بإسنادهما أَن الله تَعَالَى خلق الْجِنّ وَأمرهمْ بعمارة الارض فَكَانُوا يعْبدُونَ الله جلّ ثَنَاؤُهُ حَتَّى طَال بهم الأمد فعصوا الله عز وَجل وسفكوا الدِّمَاء وَكَانَ فيهم ملك يُقَال لَهُ يُوسُف فَقَتَلُوهُ فَأرْسل الله تَعَالَى عَلَيْهِم
الجزء 1 · صفحة 27
جندا من الْمَلَائِكَة كَانُوا فِي السَّمَاء الدُّنْيَا كَانَ يُقَال لذَلِك الْجند الْجِنّ فيهم إِبْلِيس وَهُوَ على أَرْبَعَة آلَاف فهبطوا فأفنوا بني الجان من الأَرْض وأجلوهم عَنْهَا وألحقوهم بجزائر الْبَحْر وَسكن إِبْلِيس والجند الَّذين كَانُوا مَعَه الأَرْض فهان عَلَيْهِم الْعَمَل وأحبوا الْمكْث فِيهَا
حَدثنَا مُحَمَّد بن اسحاق عَن حبيب بن أبي ثَابت أَو غَيره أَن إِبْلِيس وَجُنُوده أَقَامُوا فِي الأَرْض قبل خلق آدم أَرْبَعِينَ سنة حَدثنَا إِدْرِيس الأودي عَن مُجَاهِد قَالَ إِبْلِيس كَانَ على سُلْطَان سَمَاء الدُّنْيَا وسلطان الأَرْض وَكَانَ مَكْتُوبًا فِي الرفيع عِنْد الله تَعَالَى أَنه قد سبق فِي علمه أَنه سَيجْعَلُ خَليفَة فِي الأَرْض فَوجدَ ذَلِك إِبْلِيس فقرأه وَأبْصر دون الْمَلَائِكَة فَلَمَّا ذكر الله عز وَجل للْمَلَائكَة أَمر آدم عَلَيْهِ السَّلَام اخبر إِبْلِيس الْمَلَائِكَة أَن هَذَا الْخَلِيفَة الَّذِي يكون تسْجد لَهُ الْمَلَائِكَة وَأسر ابليس فِي نَفسه أَنه لن يسْجد لَهُ أبدا وَأخْبر الْمَلَائِكَة أَن الله تَعَالَى يخلف خَليفَة يسفك دِمَاء وَأَنه سيأمر الْمَلَائِكَة فيسجدون لذَلِك الْخَلِيفَة قَالَ فَلَمَّا قَالَ الله عز وَجل {إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة} حفظوا مَا كَانَ قَالَ لَهُم ابليس قبل ذَلِك فَقَالُوا {أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا} الْآيَة وَأَخْبرنِي مقَاتل وجويبر عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ لما أَرَادَ الله عز وَجل أَن يخلق آدم قَالَ للْمَلَائكَة {إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة} قَالَت الْمَلَائِكَة {أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا} وَذَلِكَ أَنهم أَحبُّوا الْمكْث فِي الأَرْض واستخفوا لِلْعِبَادَةِ فِيهَا قَالَ ابْن عَبَّاس لم يعلمُوا الْغَيْب لكِنهمْ اعتبروا أَعمال ولد آدم بأعمال الْجِنّ فَقَالُوا {أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا} اه
كَمَا أفسدت الْجِنّ ويسفك الدِّمَاء كَمَا سفكت الْجِنّ وَذَلِكَ إِنَّهُم قتلوا نَبيا لَهُم يُقَال لَهُ يُوسُف وَأخْبرنَا جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ كَانَ الله تَعَالَى بعث اليهم رَسُولا فَأَمرهمْ بِطَاعَتِهِ وَأَن لَا يشركوا بِهِ شَيْئا وَأَن لَا يقتل بَعضهم بَعْضًا فَلَمَّا تركُوا طَاعَة الله تَعَالَى وَقتلُوا
الجزء 1 · صفحة 28
قَالَت الْمَلَائِكَة {أَتجْعَلُ فِيهَا} الْآيَة فَرد عَلَيْهِم قَوْلهم وَأخْبرهمْ أَنهم لم يبلغُوا عنصر علم الله تَعَالَى فِي آدم عَلَيْهِ السَّلَام فخافت الْمَلَائِكَة أَن يَكُونُوا قد عصوا الله تَعَالَى فِيمَا ردوا عَلَيْهِ فلاذوا بالعرش يطوفون بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ من ذَلِك وَبقول الله عز وَجل {إِنِّي أعلم مَا لَا تعلمُونَ} وَاعْلَم أَن آدم هُوَ خَليفَة الأَرْض وَولده عمارها وسكانها وَأَنْتُم عمار السَّمَاء وَأخْبرنَا ابْن جريج قَالَ الله تَعَالَى {إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة} فتكلموا يَعْنِي بِمَا هُوَ كَائِن من خلق آدم عَلَيْهِ السَّلَام وَقَالَ الله تَعَالَى لَهُم {إِنِّي أعلم مَا لَا تعلمُونَ} {وَأعلم مَا تبدون وَمَا كُنْتُم تكتمون} فَأَما الَّذين كتموا فَلَمَّا قَالَ الله تَعَالَى {إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة} فَرَجَعُوا بِمَا قد سَمِعت ليخلق الله تَعَالَى رَبنَا مَا شَاءَ فوَاللَّه لَا يخلق رَبنَا خلقا إِلَّا كُنَّا أكْرم عَلَيْهِ وَأعلم مِنْهُ فَلَمَّا أسجدهم لآدَم قَالُوا هُوَ أكْرم على الله تَعَالَى منا غير أَنا أعلم مِنْهُ فَلَمَّا أنبأهم بِأَسْمَائِهِمْ علمُوا أَن آدم عَلَيْهِ السَّلَام أعلم مِنْهُم
قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي ربيع الْأَبْرَار أَبُو هُرَيْرَة يرفعهُ إِن الله تَعَالَى خلق الْخلق أَرْبَعَة أَصْنَاف الْمَلَائِكَة وَالشَّيَاطِين وَالْجِنّ وَالْإِنْس ثمَّ جعل هَؤُلَاءِ عشرَة أَجزَاء فتسعة مِنْهُم الْمَلَائِكَة وجزء وَاحِد الشَّيَاطِين وَالْإِنْس وَالْجِنّ ثمَّ جعل هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة عشرَة أَجزَاء فتسعة مِنْهُم الشَّيَاطِين وَوَاحِد الْجِنّ وَالْإِنْس ثمَّ جعل الْجِنّ وَالْإِنْس عشرَة أَجزَاء فتسعة مِنْهُم الْجِنّ وَوَاحِد مِنْهُم الْإِنْس قلت فعلى هَذَا يكون نِسْبَة الْإِنْس من الْخلق كنسبة الْوَاحِد من الْألف وَنسبَة الْجِنّ من الْخلق كنسبة التِّسْعَة من الْألف وَنسبَة الشَّيَاطِين من الْخلق كنسبة التسعين من الْألف وَنسبَة الْمَلَائِكَة من الْخلق كنسبة التسْعمائَة من الْألف وَالله اعْلَم
الجزء 1 · صفحة 29
الْبَاب الثَّالِث فِي أَن أصل الْجِنّ النَّار كَمَا أَن أصل الْإِنْس الطين
قَالَ الله تَعَالَى {والجان خلقناه من قبل من نَار السمُوم} وَقَالَ تَعَالَى {وَخلق الجان من مارج من نَار} وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَن إِبْلِيس {خلقتني من نَار وخلقته من طين}
وَقَالَ القَاضِي عبد الْجَبَّار الدَّلِيل على هَذ السّمع دون الْعقل وَذَلِكَ لِأَن الْجَوَاهِر كلهَا قد دلّ الدَّلِيل على أَنَّهَا متماثلة لِأَن كل وَاحِد مِنْهَا يسد مسد الآخر وَيقوم مقَامه فِي الصّفة الَّتِي تخصه إِذا كَانَ على مثل صفته وَهَذَا هُوَ حد المثلين وَإِنَّمَا تخْتَلف صفاتهما وهيئتهما لأغراض تخص بَعْضهَا دون بعض وَإِذا صَحَّ هَذَا فَالله قَادر على أَن يفعل مَا شَاءَ من التَّأْلِيف وَيُوجد من الألوان وَسَائِر الْأَعْرَاض ويركب مَا شَاءَ من ذَلِك تركيبا يحْتَمل الْأَعْرَاض المحتاجة إِلَى تركيب مَخْصُوص كالحياة الَّتِي يحْتَاج فِي وجودهَا إِلَى تركيب مَخْصُوص وَالْعلم إِلَى بنية الْقلب وَكَذَلِكَ الْإِرَادَة وَمَا جرى هَذَا المجرى وَإِذا كَانَ هَذَا هَكَذَا دلّ على أَن لَا طَرِيق لنا إِلَى أَن نعلم ان الله عز وَجل خلق اصل الْجِنّ من قبيل جَوْهَر مَخْصُوص دون قبيل آخر من جِهَة الْعقل وَلَا نعلم ذَلِك أَيْضا باضطرار لِأَن ذَلِك لَو علم باضطرار لم يَقع اخْتِلَاف فِي اثباتهم لِأَن الْعلم بِمَا خلقُوا مِنْهُ فرع على الْعلم بِأَنَّهُم مخلوقون وَلَا يجوز أَن يعلم الْفَرْع باضطرار وَيعلم الأَصْل باكتساب لِأَن مَا يعلم باكتساب يجوز أَن يجهل وَمَا يعلم باضطرار لَا يجوز أَن يجهل مَعَ كَمَال الْعقل وَبطلَان هَذَا يدل على أَنه
الجزء 1 · صفحة 30
لَا يجوز أَن يعلم أصل الْجِنّ مَا هُوَ باضطرار للِاخْتِلَاف فِي إثباتهم فقد بَان أَن ذَلِك لَا يعلم باضطرار كَمَا لَا يعلم باكتساب من جِهَة الْعقل فان قيل كَيفَ تَجْعَلُونَ فِي قَول إِبْلِيس {خلقتني من نَار} دلَالَة مَعَ أَنه يجوز أَن يكذب فِي ذَلِك أَو يَظُنّهُ وَلَا يكون لَهُ بِهِ علم قيل لَهُ مَوضِع الدّلَالَة من ذَلِك قَول الله تَعَالَى ولولم يكن الْأَمر على مَا قَالَ لما ترك الله تَكْذِيبه لِأَن ترك تَكْذِيب الْكَاذِب مِمَّن لَا يجوز عَلَيْهِ الْخَوْف وَالْجهل قَبِيح اهـ
قَالَ وَبِهَذَا بِعَيْنِه احْتج شُيُوخنَا على الْمخبر بالاستطاعة بقول الْجِنّ لِسُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام {أَنا آتِيك بِهِ قبل أَن تقوم من مقامك وَإِنِّي عَلَيْهِ لقوي أَمِين} فَزعم أَن قوى على الْإِتْيَان بِعَرْشِهَا قبل أَن يفعل الْإِتْيَان فَلم يَجْعَل قَول الجنى دَلِيلا على ذَلِك وَإِنَّمَا جعلُوا سكُوت سُلَيْمَان على تَكْذِيبه وَالْإِنْكَار عَلَيْهِ حجَّة لِأَنَّهُ لَو لم يكن قَادِرًا على الْإِتْيَان بِهِ لم يدع الْإِنْكَار عَلَيْهِ وَإِذا كَانَ هَذَا هَكَذَا بَطل الِاعْتِرَاض الْمَذْكُور بِأَن صِحَة مَا تقدم ذكره على أَنا لَا نعلم خلافًا بَين الْمُسلمين فِي ذَلِك وَلَا يشك أَن هَذَا كَانَ من دين الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن قيل فِي النَّار من اليبس مَا لَا يَصح وجود الْحَيَاة فِيهَا والحياة فِي وجودهَا تحْتَاج إِلَى رُطُوبَة كَمَا تحْتَاج إِلَى بنية مَخْصُوصَة وَإِلَى الرّوح الَّتِي هِيَ النَّفس المتردد عِنْد شيخكم أبي هَاشم إِن كَانَ شيخكم أَبُو عَليّ يجوز وجود الْحَيَاة مَعَ عدم النَّفس وَيَقُول إِن أهل النَّار لَا يتنفسون وَإِذا صَحَّ هَذَا فالرطوبة لَا بُد مِنْهَا فِي وجود الْحَيَاة وَكَذَلِكَ البنية فَكيف يَصح لكم مَا قُلْتُمْ فَهَلا لديكم هَذَا على أَن الله تَعَالَى أَرَادَ بقوله {خلقناه من قبل من نَار السمُوم} غير مَا ذهبتم اليه وَإِن الْآيَة لَيست على ظَاهرهَا
قيل لَهُ إِن الامر وَإِن كَانَ على مَا ذكرت فَإِن الله تَعَالَى قَادر على أَن يفعل رُطُوبَة فِي تِلْكَ النَّار بِمِقْدَار مَا يَصح وجود الْحَيَاة فِيهَا لِأَن مجاورة المَاء وَالنَّار لَا تستحيل يدلك على هَذَا المَاء المسخن فَإِنَّهُ إِنَّمَا يسخن من
الجزء 1 · صفحة 31
أَجزَاء من النَّار تتخلل فِي خلل المَاء فَلهَذَا مَتى قَامَ فِي الْهَوَاء رقت أَجزَاء النَّار وَفَارَقت المَاء وَعَاد إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ من الْبُرُودَة أَلا ترى أَن البخار الَّذِي يرْتَفع مِنْهُ صعد إِنَّمَا يكون ذَلِك لارْتِفَاع أَجزَاء النَّار لِأَن أجزاءها خَفِيفَة والخفيف هُوَ مَا فِيهِ اعْتِمَاد صعدا وَالْمَاء ثقيل لِأَن فِيهِ اعْتِمَادًا سفلا فالبخار وَإِن كَانَ فِيهِ أَجزَاء من الرُّطُوبَة فَإِن أَكثر مَا فِيهِ أَجزَاء النَّار فلغلبتها عل الاجزاء الرّطبَة ترْتَفع مَعهَا وَتصير حكم الاجزاء المائية فِي لطافتها حَتَّى ترفعها أَجزَاء النَّار كالقطن وَمَا يجْرِي مجْرَاه مِمَّا ترفعه النَّار بصعودها فَدلَّ على صِحَة مَا ذَهَبْنَا اليه من مجاورة المَاء وَالنَّار على هَذَا السَّبِيل الَّذِي بَيناهُ وَإِذا صحت هَذِه الْجُمْلَة لم يمْتَنع إِحْدَاث الله تَعَالَى أَجزَاء من الرُّطُوبَة فِي خلل النَّار حَتَّى يَصح وجود الْحَيَاة وَلَيْسَ فِي البنية وَلَا فِي الرّوح لَهُم تعلق لِأَن النَّار تحْتَمل البنية وَكَذَلِكَ تحْتَمل مجاورتها الرّيح وَالروح هُوَ الْهَوَاء للنار قَالَ فَإِن قيل إِذا لم يجوزوا لُغَة اسْتثِْنَاء الشَّيْء من غير جنسه أَلا ترى أَنَّك لَا تَقول عِنْدِي عشرَة دَرَاهِم إِلَّا ثوبا وَمَا شاكله فَكيف يجوز اسْتثِْنَاء إِبْلِيس من جملَة الْمَلَائِكَة إِذا لم يكن من جنسهم وَمن أصلهم مَعَ أَن الله تَعَالَى خاطبنا بلغَة الْعَرَب فَهَلا دلكم هَذَا على أَنه من جنس الْمَلَائِكَة وَأَن اصل الْجِنّ لَيْسَ هُوَ النَّار
قُلْنَا انما جَازَ ذَلِك لما جمعهم وإياه الحكم الْمَقْصُود وَهُوَ الْأَمر بِالسُّجُود وَإِذا كَانَ هَذَا سائغا فِي اللُّغَة وَكَانَ مَشْهُورا عِنْد أَهلهَا سقط السُّؤَال وَصَحَّ مَا ذَكرْنَاهُ فِي هَذَا الْفَصْل
وَقَالَ ابو الْوَفَاء بن عقيل فِي الْفُنُون سَأَلَ سَائل عَن الْجِنّ فَقَالَ الله تَعَالَى اخبر عَنْهُم أَنهم من نَار بقوله تَعَالَى {والجان خلقناه من قبل من نَار السمُوم} وَأخْبر أَن الشهب تَضُرهُمْ وتحرقهم فَكيف تحرق النَّار النَّار فَقَالَ الْجَواب وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
اعْلَم أَن الله تَعَالَى أضَاف الشَّيَاطِين وَالْجِنّ إِلَى النَّار حسب مَا أضَاف الْإِنْسَان إِلَى التُّرَاب والطين والفخار وَالْمرَاد بِهِ فِي حق الانسان أَن أَصله الطين وَلَيْسَ الْآدَمِيّ طينا حَقِيقَة لكنه كَانَ طينا كَذَلِك الجان كَانَ نَارا فِي
الجزء 1 · صفحة 32
الأَصْل وَالدَّلِيل على ذَلِك قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عرض لي الشَّيْطَان فِي صَلَاتي فخنقته فَوجدت برد رِيقه على يَدي وَلَوْلَا دَعْوَة أخي سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام لقتلته أهـ
وَمن يكون نَارا محرقة كَيفَ يكون رِيقه بَارِدًا وَلَا لَهُ ريق رَأْسا لَكِن كَانَ يَقُول لَهُ لِسَان وذؤابة من نَار محرقة فَعلم صِحَة مَا قُلْنَا وَالنَّبِيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شبههم بالنبط وَلَوْلَا أَنهم على أشكال لَيست نَارا لما ذكر الصُّور وَترك الالتهاب والشرر انْتهى
قلت هَكَذَا لَفظه وَلَوْلَا دَعْوَة أخي سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام لقتلته وَهَذَا اللَّفْظ غير مَعْرُوف بل الْمَعْرُوف فِي الصَّحِيح وَالسّنَن لَوْلَا دَعْوَة أخي سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام لأصبح موثقًا حَتَّى ترَاهُ النَّاس وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَقَد هَمَمْت أَن أوثقه إِلَى سَارِيَة حَتَّى تصبحوا فتنظروا إِلَيْهِ وَمِمَّا يدل على أَن الْجِنّ لَيْسُوا باقين على عنصرهم الناري قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن عَدو الله تَعَالَى إِبْلِيس جَاءَ بشهاب من نَار ليجعله فِي وَجْهي أهـ وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَأَيْت لَيْلَة أسرِي بِي عفريتا من الْجِنّ يطلبني بشعلة من نَار كلما الْتفت رَأَيْته أهـ
وَبَيَان الدّلَالَة مِنْهُ أَنهم لَو كَانُوا باقين على عنصرهم الناري وَأَنَّهُمْ نَار محرقة لما احتاجوا إِلَى أَن يَأْتِي الشَّيْطَان أَو العفريت مِنْهُم بشعلة من نَار ولكانت يَد الشَّيَاطِين أَو العفريت أَو شَيْء من أَعْضَائِهِ إِذا مس ابْن آدم احرقه كَمَا يحرق الْآدَمِيّ النَّار الْحَقِيقِيَّة بِمُجَرَّد الْمس فَدلَّ على أَن تِلْكَ النَّار انغمرت فِي سَائِر العناصر حَتَّى صَار الْبرد رُبمَا كَانَ هُوَ الْغَالِب فِي بعض الأحيان إِمَّا للأعضاء نَفسهَا أَو لما تحلل من الْبدن كاللعاب كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى برد لِسَانه على يَدي وَفِي رِوَايَة حَتَّى برد لعابه وَلَا شكّ أَن الله تَعَالَى جعل الأقوات منمية للأجسام وَيكون
الجزء 1 · صفحة 33
النمو استأصل عَن الْغذَاء على حَسبه فِي الْحَرَارَة والبرودة على اخْتِلَافهمَا فِي الرُّطُوبَة واليبوسة وَلَا شكّ أَنهم يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ مِمَّا نَأْكُل مِنْهُ وَنَشْرَب وَيحصل لأجسامهم بذلك نمو وَبَقَاء على حسب الْمَأْكُول فِي مأكولهم الْحَار والبارد الرطبان واليابسان فَهَذَا مَعَ التوالد قد نقلهم عَن العنصر الناري وَصَارَ فيهم الطبائع الْأَرْبَع
قَالَ القَاضِي أَبُو بكر ولسنا ننكر مَعَ ذَلِك يَعْنِي أَن الأَصْل الَّذِي خلقه مِنْهُ النَّار أَن يكثفهم الله تَعَالَى ويغلظ أجسامهم ويخلق لَهُم أعراضا تزيد على مَا فِي النَّار فَيخْرجُونَ عَن كَونهم نَارا ويخلق لَهُم صورا وأشكالا مُخْتَلفَة وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمرجع والمآب
الجزء 1 · صفحة 34
الْبَاب الرَّابِع
فِي بَيَان أجسام الْجِنّ
قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الْفراء الْحَنْبَلِيّ
الْجِنّ أجسام مؤلفة وأشخاص ممثلة وَيجوز أَن تكون كثيفة خلافًا للمعتزلة فِي قَوْلهم إِنَّهُم أجسام رقيقَة ولرقتهم لَا نراهم وَالدّلَالَة على ذَلِك علمنَا بِأَن الاجسام يجوز أَن تكون رقيقَة وَيجوز أَن تكون كثيفة وَلَا يُمكن معرفَة أجسام الْجِنّ أَنَّهَا رقيقَة أَو كثيفة إِلَّا بِالْمُشَاهَدَةِ أَو الْخَبَر الْوَارِد عَن الله تَعَالَى أَو عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وكلا الْأَمريْنِ مَفْقُود فَوَجَبَ أَن لَا يَصح أَنهم أجسام رقيقَة أصلا فَأَما قَوْلهم إِن الْجِنّ إِنَّمَا كَانَت أجساما رقيقَة لأننا لَا نرَاهَا وَإِنَّمَا نرَاهَا لرقتها فَلَا يَصح لأننا قد دللنا على أَن الرقة لَيست بمانعة عَن الرُّؤْيَة فِي بَاب الرُّؤْيَة وَيجوز أَن تكون الْأَجْسَام الكثيفة مَوْجُودَة وَلَا نرَاهَا إِذا لم يخلق الله تَعَالَى فِينَا الْإِدْرَاك وَقَالَ ابو الْقَاسِم الانصاري فِي شرح الارشاد حِكَايَة عَن القَاضِي ابي بكر وَنحن نقُول إِنَّمَا برأهم من رَآهُمْ لِأَن الله تَعَالَى خلق لَهُ رُؤْيَة وَأَن من لم يخلق لَهُ الرُّؤْيَة لَا يراهم لأَنهم أجسام مؤلفة وجثث وَقَالَ كثير من الْمُعْتَزلَة إِنَّهُم أجسام رقيقَة بسيطة
قَالَ القَاضِي وَهَذَا عندنَا جَائِز غير مُمْتَنع إِن ثَبت بِهِ سمع وَلَا سمع نعلمهُ فِي ذَلِك فَإِن قَالَ قَائِل كَيفَ يُمكن أَن يكون الْجِنّ مخلوقين من نَار مَعَ مَا علم أَن أَجزَاء النَّار وتلهبها يَقْتَضِي افْتِرَاق اجزائها وَعدم ثُبُوت بنية لَهَا قيل قد ثَبت أَن الْحَيَاة لَا تتَعَلَّق بحملة الْجِسْم وَأَن الْحَيّ
الجزء 1 · صفحة 35
بهَا محلهَا وَأَنه لَو اسْتَحَالَ خلقهَا فِي الْحَيّ دون اتِّصَاله ببنية لم يحْتَج محلهَا إِلَى كَونه من بنية مَخْصُوصَة على أننا لَو قُلْنَا إِن الْحَيَاة تحْتَاج إِلَى بنية لم يمْتَنع أَن يَبْنِي الله تَعَالَى من جسم النَّار وَهِي على مَا هِيَ عَلَيْهِ من التلهب وَالْحَرَكَة أَجزَاء مؤتلفة غير متباينة فَإِن قيل كَيفَ يجوز كَونهم وَكَون الْمَلَائِكَة رقاق الْأَجْسَام مَعَ عظم قدره وَحَملهمْ الْعَرْش وقلبهم لمدن وسد جِبْرِيل مَا بَين الْخَافِقين بجناحه قيل لَا يمْتَنع أَن يخلق الله تَعَالَى فِي أجسام الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ وَإِن كَانُوا من نَار وريح مَا يصير بهَا إِلَى حد يحْتَمل زِيَادَة الْقدر
وَقَالَ القَاضِي عبد الْجَبَّار الْهَمدَانِي فصل فِي كَون اجسامهم رقيقَة ولضعف ابصارنا لَا نراهم لَا لعِلَّة أُخْرَى لَو قوي الله تَعَالَى أبصارنا أَو كثف أجسامهم لرأيناهم
اعْلَم أَن الَّذِي يدل على رقة أجسامهم قَوْله تَعَالَى {إِنَّه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم} فَلَو كَانُوا لنا مرئيين وَإِن كَانُوا بقربنا وَلَا حَائِل بَيْننَا وَبينهمْ بِحَيْثُ يوسوسون إِلَيْنَا وَكَانُوا كثافا لرأيناهم كَمَا يرونا كَمَا يرى بَعضهم بَعْضًا وَفِي علمنَا بِخِلَاف ذَلِك من حَالنَا وحالهم دَلِيل على صِحَة مَا قُلْنَاهُ قَالَ وَقد ذكر شُيُوخنَا أَن الرقة أحد الْمَوَانِع من رُؤْيَة المرئيات بِشَرْط ضعف الْبَصَر كالبعد واللطافة وَلِهَذَا قَالُوا أَنه يجوز أَن نراهم إِذا قوى الله تَعَالَى شُعَاع ابصارنا كَمَا يجوز أَن نراهم لَو كثف الله تَعَالَى أجسامهم وعَلى هَذَا الْوَجْه يرى المعاين الْمَلَائِكَة دون من يحضرهُ ويرونهم الْأَنْبِيَاء جَمِيعًا ويرون الْجِنّ أَيْضا دون غَيرهم على أَنهم لَو كَانُوا كثافا لحجز الجني عَن رُؤْيَة من بحضرتنا إِذا تخَلّل فِيمَا بَيْننَا وَيكون حكمه حكم الْحَائِط وَسَائِر الْأَجْسَام الكثيفة أَنه مَتى كَانَ ذَلِك بَيْننَا وَبَين من يرَاهُ لَو حجزها حجزت ومنعت عَن رُؤْيَته وَفِي وجداننا الْأَمر بِخِلَاف ذَلِك فِي سَائِر الْأَوْقَات الَّتِي نجد الوسواس فِي قُلُوبنَا على طَريقَة وَاحِدَة فِي أَنه نرى مَا بحضرتنا مَا يحجز بَيْننَا وَبَينه حَائِط وحاجز من بِسَائِر الْأَجْسَام دلَالَة على صِحَة مَا ذَكرْنَاهُ من رقة الْأَجْسَام قَالَ وَقد اسْتدلَّ غير شُيُوخنَا على ان الْمَانِع من رُؤْيَة الْجِنّ هُوَ أَن الله تَعَالَى لَا يحدث فيهم من الألوان مَا لَو فعله لرأيناهم وَلَيْسَ الْمَانِع من الرُّؤْيَة الرقة
الجزء 1 · صفحة 36
قَالَ القَاضِي عبد الْجَبَّار وَهَذَا لَا يَصح لوجوه مِنْهَا أَن الله تَعَالَى يراهم وَيرى بَعضهم بَعْضًا وَلَو كَانَ الْأَمر كَمَا قَالُوا لما جَازَ أَن يرَوا لِأَنَّهُ جعل الْعلَّة فِي جَوَاز كَونهم مرئيين هُوَ إِحْدَاث لون مَخْصُوص فَإِذا لم يحدث لم يَكُونُوا مرئيين وَأَن يكون الله تَعَالَى أحدث هَذَا اللَّوْن فَلهَذَا رَآهُمْ وَرَأى بَعضهم بَعْضًا فَيجب أَن نراهم نَحن وَفِي عالمنا بِأَن الْأَمر بِخِلَاف ذَلِك دَلِيل على بطلَان مَا ذكر من الِاسْتِدْلَال وَمِنْهَا أَنه لَا يجوز خلو الْأَجْسَام من اللَّوْن أَو ضِدّه عَن شَيخنَا أبي عَليّ فَلَا بُد من أَن يكون فيهم لون من الألوان وكل مَا يتضاد على الْجِسْم وَيدْرك بحاسة فَلَا بُد من أَن يدْرك تِلْكَ الحاسة مَا يُنَافِيهِ وبضده وَقد جعل الله تَعَالَى فِي الْجِنّ اللَّوْن الَّذِي ذكره هَذَا الْقَائِل ورأيناهم ثمَّ نفى هَذَا اللَّوْن بلون آخر لوَجَبَ أَيْضا على مَا قُلْنَا إِن نراهم فَإِذا كَانَ حكم كل لون هَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ فِي أَنه يدْرك بالحاسة الَّتِي يدْرك بهَا هَذَا اللَّوْن وَيدْرك الْجِنّ لأَجله ثمَّ لم تخل الْأَجْسَام من الألوان كلهَا على مَذْهَب شَيخنَا أبي عَليّ وَوَجَب أَن نراهم وَفِي علمنَا باضطرار أَن الْأَمر بِخِلَاف هَذَا دَلِيل على سُقُوط هَذَا الِاعْتِرَاض وَأما على قَول أبي هَاشم فَإِنَّهُ يُجِيز خلو الْأَجْسَام من الْأَعْرَاض كثيفة كَانَت أَو رقيقَة سوى الألوان وَلَو كَانَت كثيفة لم يكن بُد من أَن يَرَاهَا الرَّائِي مَعَ عدم السواتر وَكَيف يَصح لَهُ هَذَا الِاسْتِدْلَال مَعَ هَذَا القَوْل على أَن الْجِسْم يرى وَإِن كَانَ يرى مَعَه اللَّوْن أَلا ترى أَن الرَّائِي يرى حُدُود الْجِسْم وَطوله وَعرضه وَهَذِه صِفَات الْأَجْسَام لَا صِفَات الألوان فَدلَّ على ان وجود اللَّوْن فِي الْجِسْم لَيْسَ من شَرطه كَونه مرئيا فقد بَان بِهَذِهِ الْوُجُوه بطلَان هَذَا الِاسْتِدْلَال وَأَن الدَّلِيل فِي كوننا غير رائين لَهُم إِنَّمَا هُوَ رقة أجسامهم على مَا بَينا
قَالَ وَإِنَّمَا يدْرك بَعضهم بَعْضًا للطافة حواسهم وللطافة تَأْثِير فِي هَذَا الْإِدْرَاك أَلا ترى أَن الْإِنْسَان يدْرك بحدقته من الْحر وَالْبرد مَالا يُدْرِكهُ بِأَسْفَل قَدَمَيْهِ وَذَلِكَ للطاقة الحدقة وَنحن أَسْفَل الْقدَم وصلابته فَإِن قيل فِي الْحَاجة فِي رُؤْيَة اللَّطِيف إِلَى قُوَّة شُعَاع الْبَصَر فِي رُؤْيَته قيل لَهُ الَّذِي يدل على الْحَاجة إِلَى قُوَّة شُعَاع فِي رُؤْيَة اللَّطِيف لَا يحْتَاج إِلَى مثل ذَلِك فِي الكثيف أَلا ترى أَنا لَا نرى الرّيح مَا دَامَت رقيقَة لَطِيفَة فَإِذا كثفت باختلاط الْغُبَار رأيناها وَهَذَا ظَاهر فَلذَلِك قُلْنَا لَو كثف الله تَعَالَى أجسام
الجزء 1 · صفحة 37
الْجِنّ وقوى شُعَاع أبصارنا على مَا هُوَ عَلَيْهِ من غير أَن يقوى لرأيناهم وَالله تَعَالَى أعلم بِالصَّوَابِ
الجزء 1 · صفحة 38
الْبَاب الْخَامِس
فِي بَيَان أَصْنَاف الْجِنّ
قَالَ أَبُو الْقَاسِم السُّهيْلي الْجِنّ ثَلَاثَة أَصْنَاف كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث صنف على صور الْحَيَّات وصنف على صور كلاب سود وصنف ريح طيارة أَو قَالَ هفافة ذُو أَجْنِحَة وَزَاد بعض الروَاة صنف يحلونَ ويظعنون وهم السعالى قَالَ وَلَعَلَّ هَذَا الصِّنْف هُوَ الَّذِي لَا يَأْكُل وَلَا يشرب إِن صَحَّ أَن الْجِنّ لَا تَأْكُل وَلَا تشرب يَعْنِي الرّيح الطيارة قلت روى ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب مكايد الشَّيْطَان فَقَالَ حَدثنَا الْحُسَيْن ابْن عَليّ بن الْأسود الْعجلِيّ حَدثنَا أَبُو شامة حَدثنَا يزِيد بن سُفْيَان أَبُو فَرْوَة الرهاوي حَدثنَا أَبُو منيب الْحِمصِي عَن يحيى بن كثير عَن أبي سَلمَة ابْن عبد الرَّحْمَن عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خلق الله تَعَالَى الْجِنّ ثَلَاثَة أَصْنَاف صنف حيات وعقارب وخشاش الأَرْض وصنف كَالرِّيحِ فِي الْهوى وصنف عَلَيْهِم الْحساب وَالْعِقَاب وَخلق الله تَعَالَى الْإِنْس ثَلَاثَة أَصْنَاف صنف كَالْبَهَائِمِ أهـ
قَالَ الله تَعَالَى {لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا وَلَهُم أعين لَا يبصرون بهَا وَلَهُم آذان لَا يسمعُونَ بهَا} الْآيَة وصنف أَجْسَادهم أجساد بني آدم وأرواحهم أَرْوَاح الشَّيَاطِين وصنف فِي ظلّ الله تَعَالَى يَوْم لَا ظلّ الا ظله وَأوردهُ فِي كتاب الهواتف مُقْتَصرا على ذكر الْجِنّ فَقَط وَقَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن جَعْفَر بن سهل العامري الخرائطي فِي كتاب هواتف الْجنان وَحدثنَا إِبْرَاهِيم بن هَانِئ النَّيْسَابُورِي
الجزء 1 · صفحة 39
حَدثنَا عبد الله بن صَالح عَن مُعَاوِيَة بن صَالح عَن أبي الزَّاهِرِيَّة عَن جُوَيْبِر ابْن نفير عَن ابي ثَعْلَبَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْجِنّ على ثَلَاثَة اصناف صنف لَهُم أَجْنِحَة يطيرون فِي الْهَوَاء وصنف حيات وكلاب وصنف يحلونَ ويظعنون قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ رَأَيْت للأعاريب من الْأَعَاجِيب فِي بَاب الْجِنّ مَا لَا يُوصف وَيَقُولُونَ من الْجِنّ جنس صورته على نصف صُورَة الانسان واسْمه شقّ وَأَنه يعرض للْمُسَافِر إِذا كَانَ وَحده وَرُبمَا أهلكه
الجزء 1 · صفحة 40
الْبَاب السَّادِس فِي بَيَان تطور الْجِنّ وتشكلهم
وَلَا شكّ ان الْجِنّ يتطورون ويتشكلون فِي صور الْإِنْس والبهائم فيتصورون فِي صور الْحَيَّات والعقارب وَفِي صور الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحمير وَفِي صور الطير وَفِي صور بني آدم كَمَا أَتَى الشَّيْطَان قُريْشًا فِي صُورَة سراقَة بن مَالك بن جعْشم لما أَرَادوا الْخُرُوج إِلَى بدر قَالَ الله تَعَالَى {وَإِذ زين لَهُم الشَّيْطَان أَعْمَالهم وَقَالَ لَا غَالب لكم الْيَوْم من النَّاس وَإِنِّي جَار لكم فَلَمَّا تراءت الفئتان نكص على عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيء مِنْكُم إِنِّي أرى مَا لَا ترَوْنَ إِنِّي أَخَاف الله وَالله شَدِيد الْعقَاب}
وكما روى أَنه تصور فِي صُورَة شيخ نجدي لما اجْتَمعُوا بدار الندوة للتشاور فِي أَمر الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَل يقتلوه أَو يحبسوه أَو يخرجوك كَمَا قَالَ الله تَعَالَى {وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا ليثبتوك أَو يَقْتُلُوك أَو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله وَالله خير الماكرين} وروى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة من حَدِيث صَيْفِي مولى أبي السَّائِب عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ يرفعهُ أَن بِالْمَدِينَةِ نَفرا من الْجِنّ قد أَسْلمُوا فَإِذا رَأَيْتُمْ من هَذِه الْهَوَام شَيْئا فأذنوه ثَلَاثًا فَإِن بدا لكم فَاقْتُلُوهُ
فصل قَالَ القَاضِي ابو يعلى وَلَا قدرَة للشياطين على تَغْيِير خلقهمْ والانتقال فِي الصُّور وَإِنَّمَا يجوز أَن يعلمهُمْ الله تَعَالَى كَلِمَات وَضَربا
الجزء 1 · صفحة 41
من ضروب الْأَفْعَال إِذا فعله وَتكلم بِهِ نَقله الله تَعَالَى من صُورَة إِلَى صُورَة فَيُقَال إِنَّه قَادر على التَّصْوِير والتخييل على معنى أَنه قَادر على قَول إِذا قَالَه وَفعله نَقله الله تَعَالَى عَن صورته إِلَى صُورَة أُخْرَى يجْرِي الْعَادة وَأما أَنه يصور نَفسه فَذَلِك محَال لِأَن انتقالها من صُورَة إِلَى صُورَة إِنَّمَا يكون بِنَقْض البنية وتفريق الْأَجْزَاء وَإِذا انتقضت بطلت الْحَيَاة واستحال وُقُوع الْفِعْل من الْجُمْلَة وَكَيف تنقل نَفسهَا القَوْل فِي تشكيل الْمَلَائِكَة مثل ذَلِك قَالَ وَالَّذِي روى أَن إِبْلِيس تصور فِي صُورَة سراقَة بن مَالك وَأَن جِبْرِيل تمثل فِي صُورَة دحْيَة وَقَوله تَعَالَى {فَأَرْسَلنَا إِلَيْهَا رُوحنَا فتمثل لَهَا بشرا سويا} مَحْمُول على مَا ذكرنَا وَهُوَ أَنه أقدره الله تَعَالَى على قَول قَالَه فنقله الله تَعَالَى من صورته إِلَى صُورَة أُخْرَى قلت روى أَبُو بكر بن ابي الدُّنْيَا فِي كتاب مكايد الشَّيْطَان فَقَالَ حَدثنَا ابو خَيْثَمَة حَدثنَا هشيم عَن الشَّيْبَانِيّ عَن يسير بن عَمْرو قَالَ ذكرنَا الغيلان عِنْد عمر فَقَالَ إِن أحدا لَا يَسْتَطِيع أَن يتَغَيَّر عَن صورته الَّتِي خلقه الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَلَكِن لَهُم سحرة كسحرتكم فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فأذنوا
حَدثنَا مُحَمَّد بن يزِيد الْآدَمِيّ حَدثنَا معن بن عِيسَى عَن جرير بن حَازِم عَن عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر قَالَ سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الغيلان قَالَ هم سحرة الْجِنّ وَرَوَاهُ ابراهيم بن هراثة عَن جرير بن حَازِم عَن عبد الله بن عبيد عَن جَابر وَوَصله
حَدثنَا مُحَمَّد بن إِدْرِيس حَدثنَا أَحْمد بن يُونُس حَدثنَا أَبُو شهَاب عَن يُونُس عَن الْحسن عَن سعد بن أبي وَقاص قَالَ أمرنَا إِذا رَأينَا الغول أَن ننادي بِالصَّلَاةِ
وَقَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الباغندي حَدثنَا أَحْمد ابْن بكار بن أبي مَيْمُونَة حَدثنَا غياث عَن خصيف عَن مُجَاهِد قَالَ كَانَ الشَّيْطَان لَا يزَال يتزين لي إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فِي صُورَة ابْن عَبَّاس قَالَ
الجزء 1 · صفحة 42
فَذكرت قَول ابْن عَبَّاس فَجعلت عِنْدِي سكينا فتزين لي فَحملت عَلَيْهِ فطعنته فَوَقع وَله وجبة فَلم أره بعد ذَلِك وَذكر الْعُتْبِي أَن ابْن الزبير رأى رجلا طوله شبران على بردعة رَحْله فَقَالَ مَا أَنْت قَالَ إزب قَالَ وَمَا إزب قَالَ رجل من الْجِنّ فَضَربهُ على رَأسه بِعُود السَّوْط حَتَّى ناص أَي هرب (إزب بِكَسْر الْهمزَة وَإِسْكَان الزَّاي وَقد قَالَ كثير من النَّاس إِن الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ إِنَّمَا تُوصَف بِأَنَّهَا قادرة على التمثل والتصور على معنى أَنَّهَا تقدر على تخييل وَفعل مَا يتَوَهَّم عِنْده انتقالها عَن صورها فيدرك الراؤون ذَلِك تخييلا ويظنون أَن الْمرَائِي ملك أَو شَيْطَان وَإِنَّمَا ذَلِك خيالات واعتقادات يَفْعَلهَا الله تَعَالَى عِنْد فعل الْبشر للناظرين فَأَما أَن ينْتَقل أحد من صورته على الْحَقِيقَة إِلَى غَيرهَا فَذَلِك محَال
فصل قد قدمنَا أَن مَذْهَب الْمُعْتَزلَة أَن الْجِنّ أجسام رقاق ولرقتها لَا نرَاهَا وَعِنْدهم يجوز أَن يكثف الله اجسام الْجِنّ فِي زمَان الانبياء دون غَيره من الازمنة وَأَن يقويهم بِخِلَاف مَا هم عَلَيْهِ فِي غير أزمانهم قَالَ القَاضِي عبد الْجَبَّار وَيدل على ذَلِك مَا فِي الْقُرْآن الْكَرِيم من قَوْله تَعَالَى فِي قصَّة سُلَيْمَان بن دَاوُد عَلَيْهِمَا السَّلَام إِنَّه كثفهم لَهُ حَتَّى كَانَ النَّاس يرونهم وقواهم حَتَّى كَانُوا يعْملُونَ لَهُ الاعمال الشاقة من المحاريب والتماثيل والجفان والقدور الراسيات والمقرن فِي الاصفاد لَا يكون إِلَّا جسما كثيفا ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك وَأما أقداره إيَّاهُم وتكثيف أجسامهم فِي غير أزمان الانبياء فَإِنَّهُ غير جَائِز لِأَن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى أَن يكون نقضا للْعَادَة قَالَ أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر فِي كتاب سَبَب الزهادة فِي الشَّهَادَة وَمِمَّنْ ترد شَهَادَته وَلَا تسلم لَهُ عَدَالَته من يزْعم أَنه يرى الْجِنّ عيَانًا وَيَدعِي أَن لَهُ مِنْهُم
الجزء 1 · صفحة 43
إخْوَانًا كتب إِلَى أَبُو عَليّ الْحسن بن أَحْمد الْحداد من أَصْبَهَان أَخْبرنِي أَبُو نعيم أَحْمد بن عبد الله الْحَافِظ حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن التسترِي حَدثنَا يحيى بن أَيُّوب العلاف سَمِعت بعض اصحابنا قَالَ التسترِي أَظُنهُ حَرْمَلَه سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول من زعم أَنه يرى الْجِنّ أبطلنا شَهَادَته لقَوْل الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْكَرِيم {إِنَّه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم} وأنبأني مُحَمَّد بن الْفضل الْفَقِيه عَن أَحْمد بن الْحسن الْحَافِظ أَنا أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ أَنبأَنَا الْحسن بن رَشِيق إجَازَة قَالَ أَنا عبد الرَّحْمَن بن احْمَد الْهَرَوِيّ سَمِعت الرّبيع بن سُلَيْمَان يَقُول سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول من زعم من أهل الْعَدَالَة أَنه يرى الْجِنّ أبطلت شَهَادَته لِأَن الله تَعَالَى يَقُول {إِنَّه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم} إِلَّا أَن يكون نَبيا
فصل قَالَ ابو الْقَاسِم الْأنْصَارِيّ فِي الْمقنع فِي شرح الْإِرْشَاد وَاعْلَم أَن الله تَعَالَى باين بَين الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ وَالْإِنْس فِي الصُّور والأشكال كَمَا باين بَينهمَا فِي الصِّفَات فَمن حصل على بنية الْإِنْسَان ظَاهرا أَو بَاطِنا فَهُوَ إِنْسَان وَالْإِنْسَان اسْم لهَذِهِ الْجُمْلَة الَّتِي نشاهدها كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ {وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة} الْآيَة قَالَ أهل التَّفْسِير خلقنَا فِيهِ الرّوح والحياة وَقَالَ تَعَالَى {إِنَّا خلقنَا الْإِنْسَان من نُطْفَة أمشاج نبتليه} الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى {قتل الْإِنْسَان مَا أكفره من أَي شَيْء خلقه من نُطْفَة خلقه فقدره ثمَّ السَّبِيل يسره ثمَّ أَمَاتَهُ فأقبره ثمَّ إِذا شَاءَ أنشره} وَهَذِه الْآيَات وأمثالها تدل على بطلَان قَول من قَالَ الْإِنْسَان هُوَ الرّوح بِأَن الرّوح لم تخلق من الطين وَلَا بُد من النُّطْفَة وَأَنَّهَا لَا تَمُوت على زعم قَائِله وَلَا تقبر وَلَا تنشر فَإِن قلب الله تَعَالَى الْملك إِلَى بنية الْإِنْسَان ظَاهرا وَبَاطنا خرج عَن كَونه ملكا وَكَذَلِكَ لَو قلب الشَّيْطَان إِلَى بنية الْإِنْسَان لخرج بذلك عَن كَونه شَيْطَانا وَمن النَّاس من قَالَ لَو قلب الشَّيْطَان أَو الْملك إِلَى صُورَة الْإِنْسَان ظَاهرا صَار إنْسَانا
الجزء 1 · صفحة 44
وَمن مسخ من بني إِسْرَائِيل قردة هَل خَرجُوا عَن كَونهم نَاسا بالمسخ وقلب الصُّورَة الظَّاهِر أَنه يخرج على الْقَوْلَيْنِ وَمِمَّا يدل على أَن صُورَة الْملك مُخَالفَة لصورة الْإِنْسَان قَوْله تَعَالَى {وَلَو جَعَلْنَاهُ ملكا لجعلناه رجلا} أَي جَعَلْنَاهُ على صُورَة الْبشر ظَاهرا وَالله تَعَالَى أعلم
الجزء 1 · صفحة 45
الْبَاب السَّابِع
فِي بَيَان أَن بعض الْكلاب من الْجِنّ
قَالَ أَبُو عُثْمَان سعيد بن الْعَبَّاس الرَّازِيّ أَنا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى أَنا أَبُو الْأَحْوَص حَدثنَا سماك عَن بشر سَمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول وَهُوَ على مِنْبَر الْبَصْرَة إِن الْكلاب من الْجِنّ وَهِي ضعفة الْجِنّ فَمن غشيه كلب على طَعَام فليطعمه أَو ليؤخره أخبرنَا ابراهيم أَنا جرير عَن الْحسن بن عبيد الله عَن سعيد بن عُبَيْدَة عَن أبي عبد الرَّحْمَن قَالَ قَالَ عَليّ أما الْجِنّ فَمَا قد عَرَفْتُمْ هِيَ الْجِنّ أما الْجِنّ فَهِيَ الْكلاب المعيبة أخبرنَا إِبْرَاهِيم أَنا وَكِيع عَن إِسْرَائِيل وسُفْيَان عَن سماك بن حَرْب عَن بشر عَن ابْن عَبَّاس قَالَ الْكلاب من الْجِنّ فَإِذا غشيتكم عِنْد طَعَامكُمْ فالقوا لَهُنَّ فَإِن لَهَا نفسا أخبرنَا إِبْرَاهِيم أَنا الْقَاسِم بن مَالك الْمدنِي الْكُوفِي حَدثنَا خَالِد عَن أبي قلَابَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَوْلَا أَن الْكلاب أمة لأمرت بقتلها وَلَكِن خفت أَن أبيد أمة فَاقْتُلُوا مِنْهَا كل أسود بهيم فَإِنَّهُ جنها وَقد أخبر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن مُرُور الْكَلْب الْأسود يقطع الصَّلَاة فَقيل لَهُ مَا بَال الْأَحْمَر من الْأَبْيَض من الْأسود فَقَالَ الْكَلْب الْأسود شَيْطَان فعلل بِأَنَّهُ شَيْطَان وَهُوَ كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن الْكَلْب الْأسود شَيْطَان الْكلاب وَالْجِنّ تتَصَوَّر بصورته كثيرا وَكَذَلِكَ بِصُورَة القط الْأسود لِأَن السوَاد أجمع للقوى الشيطانية من غَيره وَفِيه قُوَّة الْحَرَارَة وَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى فَإِن قيل مَا معنى قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ فِي الْكَلْب الْأسود إِنَّه شَيْطَان وَمَعْلُوم أَنه مَوْلُود من كلب وَكَذَلِكَ قَوْله فِي الْإِبِل
الجزء 1 · صفحة 46
إِنَّهَا جن وَهِي مولودة من الْإِبِل وَأجَاب إِنَّمَا قَالَ ذَلِك على طَرِيق التَّشْبِيه لَهَا بالجن لِأَن الْكَلْب الْأسود أشر الْكلاب وأقلها نفعا وَالْإِبِل تشبه الْجِنّ فِي صعوبتها وصولتها وَهَذَا كَمَا يُقَال فلَان شَيْطَان إِذا كَانَ صعبا شريرا وَالله تَعَالَى أعلم
الجزء 1 · صفحة 47
الْبَاب الثَّامِن فِي بَيَان مسَاكِن الْجِنّ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن جَعْفَر بن حبَان الْأَصْبَهَانِيّ الْمَعْرُوف بِأبي الشَّيْخ فِي الْجُزْء الثَّانِي عشر من كتاب العظمة وَذكر بَابا فِي الْجِنّ وخلقهم حَدثنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن معدان حَدثنَا إِبْرَاهِيم الْجَوْهَرِي حَدثنَا عبد الله بن كثير حَدثنَا كثير بن عبد الله بن عَمْرو ابْن عَوْف عَن أَبِيه عَن جده عَن بِلَال بن الْحَارِث قَالَ نزلنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بعض أَسْفَاره فَخرج لِحَاجَتِهِ وَكَانَ إِذا خرج لِحَاجَتِهِ يبعد فَأَتَيْته بأداوة من مَاء فَانْطَلق فَسمِعت عِنْده خُصُومَة رجال ولغطا مَا سَمِعت أحد من ألسنتهم قَالَ اخْتصم الْجِنّ الْمُسلمُونَ وَالْجِنّ الْمُشْركُونَ فسألوني أَن أسكنهم فأسكنت الْمُسلمين الجلس وأسكنت الْجِنّ الْمُشْركين الْغَوْر قَالَ الرَّاوِي عبد الله بن كثير قلت لكثير مَا الجلس وَمَا الْغَوْر قَالَ الجلس الْقرى وَالْجِبَال والغور مَا بَين الْجبَال والبحار وَهِي يُقَال لَهَا الْجنُوب قَالَ كثير وَمَا رَأَيْت أحدا أُصِيب بالجلس إِلَّا سلم وَلَا أُصِيب بالغور إِلَّا لم يكد يسلم وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو نعيم عَن أبي مُحَمَّد بن حبَان عَن مُحَمَّد بن أَحْمد بن معدان وَعَن سُلَيْمَان بن احْمَد حَدثنَا خَالِد بن النَّضر عَن ابراهيم بن سعد الْجَوْهَرِي عَن عبد الله بن كثير فَذكره وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي ربيع الْأَبْرَار تَقول الْأَعْرَاب رُبمَا نزلنَا بِجمع كثير ورأينا خياما وأناسا ثمَّ فقدناهم من ساعتنا يَعْتَقِدُونَ أَنهم الْجِنّ وَأَن تِلْكَ خيامهم وقبابهم وروى مَالك فِي الْمُوَطَّأ أَنه بلغه أَن عمر بن الْخطاب أَرَادَ الْخُرُوج إِلَى
الجزء 1 · صفحة 48
الْعرَاق فَقَالَ لَهُ كَعْب الْأَحْبَار لَا تخرج يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن بهَا تِسْعَة أعشار السحر وَالشَّر وفيهَا فسقة الْجِنّ وَبهَا الدَّاء العضال وَقَالَ أَبُو بكر بن عبيد فِي مكايد الشَّيْطَان حَدثنَا الْقَاسِم بن هِشَام حَدثنَا هِشَام بن عمار حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن الْوَلِيد بن أبي الثائب الْقرشِي عَن أَبِيه عَن يزِيد بن جَابر قَالَ مَا من أهل بَيت من الْمُسلمين إِلَّا وَفِي سقف بَيتهمْ من الْجِنّ من الْمُسلمين إِذا وضع غذاءهم نزلُوا فتغدوا مَعَهم وَإِذا وضع عشاءهم نزلُوا فَتَعَشَّوْا مَعَهم يدْفع الله بهم عَنْهُم وَقَالَ ابْن أبي دَاوُد حَدثنَا أَبُو عبد الرَّحْمَن الأزرمي حَدثنَا هِشَام عَن الْمُغيرَة عَن ابراهيم قَالَ لَا تبل فِي فَم البالوعة لِأَنَّهُ إِن عرض مِنْهُ شَيْء كَانَ أَشد لعلاجه حَدثنَا أَحْمد بن يحيى بن مَالك حَدثنَا عبد الْوَهَّاب عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن سعيد بن أبي الْحسن قَالَ لَا أرى بَأْسا أَن يَبُول عِنْد مثعبة وَعَن زيد بن أَرقم عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ إِن هَذِه الحشوش محضرة فَإِذا أَتَى أحدكُم الْخَلَاء فَلْيقل اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْخبث والخبائث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظه أَن هَذِه الحشوش محضرة فَإِذا أَرَادَ أحدكُم أَن يدْخل فَلْيقل أعوذ بِاللَّه من الْخبث والخبائث وروى ابْن السّني من حَدِيث أنس عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ هَذِه محضرة فَإِذا دَخلهَا أحدكُم الْخَلَاء فَلْيقل بِسم الله وروى عبد الرَّزَّاق فِي جَامعه من حَدِيث أنس أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِن هَذِه الحشوش محضرة فَإِذا دَخلهَا أحدكُم فَلْيقل اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْخبث والخبائث وَقَوله محضرة يَعْنِي يحضرها الْجِنّ فَإِذا قَالَ المخلي هَذَا الدُّعَاء احتجب عَن أَبْصَارهم فَلَا يرَوْنَ عَوْرَته
فصل يدل على إطلاع الْجِنّ على عورات النَّاس عِنْد إتْيَان الْخَلَاء مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَليّ بن أبي طَالب أَن رَسُول الله صلى الله
الجزء 1 · صفحة 49
عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ستر مَا بَين أعين الْجِنّ وعورات أمتِي إِذا دخل أحدكُم الْخَلَاء أَن يَقُول بِسم الله أهـ قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه وَإِسْنَاده لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أنس كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا دخل الْخَلَاء قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْخبث والخبائث أهـ وَرَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور فِي سنَنه فَقَالَ كَانَ يَقُول بِسم الله اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْخبث والخبائث أهـ
فصل وغالب مَا يُوجد الْجِنّ فِي مَوَاضِع النجسات كالحمامات والحشوش والمزابل والقمامين والشيوخ الَّذين تقرن بهم الشَّيَاطِين وَتَكون أَحْوَالهم شيطانية لَا رحمانية يأوون كثيرا إِلَى هَذِه الْأَمَاكِن الَّتِي هِيَ مأوى الشَّيَاطِين وَقد جَاءَت الْآثَار بِالنَّهْي عَن الصَّلَاة فِيهَا لِأَنَّهَا مأوى الشَّيَاطِين وَالْفُقَهَاء مِنْهُم من علل النَّهْي بِكَوْنِهَا مَظَنَّة النَّجَاسَة وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّه تعبد لَا يعقل مَعْنَاهُ وَالصَّحِيح أَن الْعلَّة فِي الْحمام وأعطان الْإِبِل وَنَحْو ذَلِك أَنَّهَا مأوى الشَّيَاطِين وَفِي الْمقْبرَة أَن ذَلِك ذَرِيعَة إِلَى الشّرك مَعَ أَن الْمَقَابِر تكون أَيْضا مأوى الشَّيَاطِين وَالْمَقْصُود أَن أهل الضلال والبدع الَّذين فيهم زهد وَعبادَة على غير الْوَجْه الشَّرْعِيّ وَلَهُم أَحْيَانًا مكاشفات وَلَهُم تأثيرات يأوون كثيرا إِلَى مَوَاضِع الشَّيَاطِين الَّتِي نهى عَن الصَّلَاة فِيهَا لِأَن الشَّيَاطِين تتنزل عَلَيْهِم فِيهَا وتخاطبهم بِبَعْض الْأُمُور كَمَا تخاطب الْكُهَّان وكما كَانَت تدخل فِي الْأَصْنَام وَتكلم عابدي الاصنام وتفتنهم فِي بعض المطالب كَمَا تفتن السَّحَرَة وكما يفتن عباد الْأَصْنَام الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب إِذا عبدوها بالعبادات الَّتِي يظنون أَنَّهَا تناسبها من تَسْبِيح لَهَا ولباس وبخور وَغير ذَلِك فَإِنَّهُ قد تنزل عَلَيْهِم شياطين يسمونها روحانية الْكَوَاكِب وَقد تقضى بعض حوائجهم إِمَّا قتل بَعضهم أَو إمراضه وَأما جلب بعض من يهوونه أَو إِحْضَار بعض المَال وَلَكِن الضَّرَر الَّذِي يحصل لَهُم بذلك أعظم من النَّفْع بل قد يكون أَضْعَاف أَضْعَاف النَّفْع وَالله تَعَالَى أعلم بِالصَّوَابِ
الجزء 1 · صفحة 50
الْبَاب التَّاسِع فِيمَا يمْنَع الشَّيَاطِين من الْمبيت بمنازل الْإِنْس
روى مُسلم وَأَبُو دَاوُد عَن جَابر أَنه سمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول إِذا دخل الرجل منزله فَذكر اسْم الله عِنْد دُخُوله وَعند طَعَامه قَالَ الشَّيْطَان لَا مبيت لكم وَلَا عشَاء وَإِذا ذكر اسْم الله عِنْد دُخُوله وَلم يذكرهُ عِنْد طَعَامه يَقُول أدركتم الْعشَاء وَلَا مبيت لكم وَإِذا لم يذكر اسْم الله عِنْد دُخُوله قَالَ أدركتم الْمبيت وَالْعشَاء
الجزء 1 · صفحة 51
الْبَاب الْعَاشِر فِي بَيَان القرين من الْجِنّ
روى مُسلم وَأحمد وَغَيرهمَا من حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج من عِنْدهَا لَيْلًا قَالَت فغرت عَلَيْهِ قَالَ فجَاء فَرَأى مَا أصنع فَقَالَ مَالك يَا عَائِشَة أغرت فَقلت وَمَالِي لَا يغار مثلي على مثلك فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفأخذك شَيْطَانك فَقلت يَا رَسُول الله أَو معي شَيْطَان قَالَ نعم وَمَعَ كل إِنْسَان قلت ومعك يَا رَسُول الله قَالَ نعم وَلَكِن رَبِّي عز وَجل أعانني عَلَيْهِ حَتَّى أسلم وَفِي لفظ آخر أعانني عَلَيْهِ فَأسلم قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ عَامَّة الروَاة يَقُولُونَ فَأسلم على مَذْهَب الْفِعْل الْمَاضِي يُرِيدُونَ إِن الشَّيْطَان قد أسلم إِلَّا سُفْيَان بن عُيَيْنَة فَإِنَّهُ يَقُول فَأسلم من شَره وَكَانَ يَقُول الشَّيْطَان لَا يسلم قَالَ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ وَقَول ابْن عُيَيْنَة حسن وَهُوَ يظْهر أثر المجاهدة لمُخَالفَة الشَّيْطَان إِلَّا أَن حَدِيث ابْن مَسْعُود كَأَنَّهُ يرد قَول ابْن عُيَيْنَة وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا من أحد مِنْكُم حد الا وَقد وكل بِهِ قرينه من الْجِنّ وقرينه من الْمَلَائِكَة قَالُوا وَإِيَّاك يَا رَسُول الله قَالَ وإياي وَلَكِن الله تَعَالَى أعانني عَلَيْهِ فَلَا يَأْمُرنِي إِلَّا بِحَق وَفِي رِوَايَة مَا من اُحْدُ الا وَقد وكل بِهِ قرينه من الْجِنّ قَالُوا وَأَنت يَا رَسُول الله قَالَ وَأَنا إِلَّا أَن الله تَعَالَى أعانني عَلَيْهِ فَأسلم فَلَيْسَ يَأْمُرنِي إِلَّا بِخَير انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ مُسلم قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وَظَاهره إِسْلَام الشَّيْطَان وَيحْتَمل القَوْل الآخر وَقَالَ مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ حَدثنَا سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن سَالم بن أبي الْجَعْد عَن ابيه عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا وَمَعَهُ قرينه من الْجِنّ وقرينه من الْمَلَائِكَة قَالُوا وَإِيَّاك يَا رَسُول الله قَالَ وإياي
الجزء 1 · صفحة 52
وَلَكِن الله تَعَالَى أعانني عَلَيْهِ فَأسلم فَلَا يَأْمُرنِي إِلَّا بِخَير وَقد روى أَيْضا من حَدِيث شريك بن طَارق يرفعهُ لَيْسَ أحد مِنْكُم إِلَّا وَله شَيْطَان قَالُوا وَلَك قَالَ ولي إِلَّا أَن الله تَعَالَى أعانني عَلَيْهِ فَأسلم رَوَاهُ الْجراح أَبُو وَكِيع والوليد بن ابي ثَوْر وَأَبُو عوَانَة فِي الآخرين عَن زِيَاد بن علاقَة عَن شريك
قلت وَقد ورد إِسْلَام القرين النَّبَوِيّ صَرِيحًا لَا يحْتَمل التَّأْوِيل فروى الْحَافِظ أبونعيم فِي كتاب الدَّلَائِل فَقَالَ حَدثنَا ابراهيم بن مُحَمَّد ابْن يحيى النَّيْسَابُورِي وابراهيم بن عبد الله قَالَا حَدثنَا مُحَمَّد بن حمويه بن عباد (ح) وَحدثنَا مُحَمَّد بن ابراهيم حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن الْفرج قَالَا حَدثنَا مُحَمَّد بن الْوَلِيد بن أبان أَبُو جَعْفَر بِمَكَّة حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن صرمة حَدثنَا يحيى بن سعيد عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فضلت على آدم بخصلتين كَانَ شيطاني كَافِرًا فَأَعَانَنِي الله عَلَيْهِ حَتَّى أسلم وَكن أزواجي عونا لي وَكَانَ شَيْطَان آدم كَافِرًا وَزَوجته عونا على خطيئته أهـ فَهَذَا صَرِيح فِي إِسْلَام قرين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَن هَذَا خَاص بقرين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيكون صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُخْتَصًّا بِإِسْلَام قرينه لقَوْله فضلت على آدم بخصلتين وعد مِنْهُمَا إِسْلَام قرينه قَالَ أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ فِي مُشكل الْآثَار فِي أثْنَاء كَلَام سَاقه فِي القرين وَكَانَ فِيمَا روينَاهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي هذَيْن الْحَدِيثين مَا قد يحْتَمل ان يكون رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد كَانَ فِي ذَلِك كمن سواهُ من النَّاس وَيحْتَمل أَن يكون كَانَ فِيهِ بخلافهم فتأملنا مَا روى فِي هَذَا الْبَاب من سوى هذَيْن الْحَدِيثين هَل فِيهِ مَا يدل على شَيْء من ذَلِك فَوَجَدنَا فَهَذَا قد حَدثنَا قَالَ حَدثنَا عبد الله بن رَجَاء ثمَّ سَاق بِسَنَدِهِ عَن ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا وَقد وكل بِهِ قرينه من الْجِنّ فَقيل وَإِيَّاك قَالَ وإياي وَلَكِن الله تَعَالَى أعانني عَلَيْهِ فَأسلم فَلَا يَأْمُرنِي إِلَّا بِخَير ثمَّ سَاق بِسَنَدِهِ عَن جَابر قَالَ لنا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تدْخلُوا على المغيبات فَإِن الشَّيْطَان يجْرِي من ابْن آدم مجْرى الدَّم قيل
الجزء 1 · صفحة 53
ومنك يَا رَسُول الله قَالَ ومني وَلَكِن الله تَعَالَى أعانني فَأسلم أهـ ثمَّ سَاق بِسَنَدِهِ عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت فقدت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَة وَكَانَ معي على رَأْسِي فَوجدت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَاجِدا راصا عَقِبَيْهِ مُسْتَقْبلا بأطراف اصابعه الْقبْلَة فَسَمعته يَقُول أعوذ بِاللَّه من سخطك وبعفوك من عُقُوبَتك وَبِك مِنْك لَا أبلغ كل مَا فِيك فَلَمَّا انْصَرف قَالَ يَا عَائِشَة أخذك شَيْطَانك فَقَالَت أما لَك شَيْطَان قَالَ من آدَمِيّ إِلَّا لَهُ شَيْطَان فَقلت وَأَنت يَا رَسُول الله قَالَ وانا ولكنني دَعَوْت الله فَأَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأسلم قَالَ أَبُو جَعْفَر فَعرفنَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد كَانَ فِي هَذَا الْمَعْنى كَسَائِر النَّاس سَوَاء وان الله تَعَالَى اعانه عَلَيْهِ بِإِسْلَامِهِ الَّذِي هداه لَهُ حَتَّى صَار صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي السَّلامَة مِنْهُ بِخِلَاف غَيره من النَّاس فِيمَن هُوَ مَعَه من جنسه فَإِن قَالَ قَائِل فقد روى عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي هَذَا الْبَاب شَيْء مِمَّا يجب أَن يُوقف على ارْتِفَاع التضارب عَنهُ وَعَما رويت مِمَّا قد كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خص بِهِ من إِسْلَام شَيْطَانه لكَي يسلم مِنْهُ وَذكر فِي ذَلِك حَدِيث أَبى الْأَزْهَر الأنصارى أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا أَخذ مضجعه من اللَّيْل قَالَ بِسم الله وضعت جَنْبي اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ من واجس شيطاني وَفك رهاني وَثقل ميزاني واجعلني فِي الندى الْأَعْلَى قيل لَهُ هَذَا عندنَا وَالله أعلم كَانَ من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قبل إِسْلَام شَيْطَانه فَلَمَّا أسلم اسْتَحَالَ أَن يكون عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يدعوا الله تَعَالَى فِيهِ بذلك مَعَ إِسْلَامه الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ وَالله تَعَالَى أعلم
الجزء 1 · صفحة 54
الْبَاب الْحَادِي عشر
فِي أَن الْجِنّ يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ
قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى وَالْجِنّ يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ ويتناكحون كَمَا نَفْعل قلت للنَّاس فِي أكل الْجِنّ وشربهم ثَلَاثَة أَقْوَال وتتفرع إِلَى أَرْبَعَة
أَحدهَا أَن جَمِيع الْجِنّ لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون وَهَذَا قَول سَاقِط الثَّانِي أَن صنفا مِنْهُم يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ وَصِنْفًا لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون وَيشْهد لهَذَا القَوْل الْأَثر الْآتِي عَن وهب عَن كثب
الثَّالِث إِن جَمِيع الْجِنّ يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ وَاخْتلف أَصْحَاب هَذَا القَوْل فِي أكلهم وشربهم فَقَالَ بَعضهم أكلهم وشربهم تشمم واسترواح لَا مضغ وبلع هَذَا قَول لَا ينْهض لَهُ دَلِيل وَقَالَ الْآخرُونَ أكلهم وشربهم مضغ وبلع وَهَذَا القَوْل هُوَ الَّذِي تشهد لَهُ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة والعمومات الصَّرِيحَة وَيدل على مضغهم وبلعهم حَدِيث أُميَّة بن مخشى من رِوَايَة أبي دَاوُد وَفِيه مَا زَالَ الشَّيْطَان يَأْكُل مَعَه فَلَمَّا ذكر الله تَعَالَى استقاء مَا فِي بَطْنه وَسَيَأْتِي الحَدِيث بِكَمَالِهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الْبَاب الْآتِي بعده وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر حَدثنَا عبد الْوَارِث بن سُفْيَان حَدثنَا قَاسم بن الاصبغ حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد السَّلَام الْخُشَنِي حَدثنَا الْمُنِيب بن وَاضح السّلمِيّ حَدثنَا الحكم بن مُحَمَّد الطغري عَن عبد الصَّمد بن معقل قَالَ سَمِعت وهب بن مُنَبّه يَقُول وَسُئِلَ عَن الْجِنّ مَا هم وَهل يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ ويتناكحون فَقَالَ هم أَجنَاس فَأَما خَالص الْجِنّ فهم ريح لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون وَلَا يتوالدون وَمِنْهُم أَجنَاس يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ ويتوالدون ويتناكحون مِنْهُم السعالي والغول والقطرب واشباه ذَلِك وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن الْجِنّ
الجزء 1 · صفحة 55
سَأَلُوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الزَّاد فَقَالَ كل عظم ذكر اسْم الله عَلَيْهِ يَقع فِي يَد أحدهم أوفر مَا يكون لَحْمًا وكل بعر علف لدوابهم وَزَاد ابْن سَلام فِي تَفْسِيره أَن البعر يعود خضرًا لدوابهم أهـ وَقد نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يستنجى بالعظم والروث وَقَالَ إِنَّه زَاد اخوانكم من الْجِنّ وَقد ثَبت نَهْيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الِاسْتِنْجَاء بالعظم والروث فِي أَحَادِيث مُتعَدِّدَة فَفِي صَحِيح مُسلم وَغَيره عَن سلمَان الْفَارِس قَالَ نَهَانَا ان نستقبل الْقبْلَة بغائط أَو بَوْل أَو نستنجي بِالْيَمِينِ أَو يستنجى أَحَدنَا بِأَقَلّ من ثَلَاثَة أَحْجَار وَأَن نستنجي برجيع أَو عظم وَفِي صَحِيح مُسلم وَغير عَن جَابر قَالَ نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن نتمسح بِعظم اَوْ بَعرَة أهـ وَكَذَلِكَ ورد النَّهْي عَن ذَلِك فِي حَدِيث خُزَيْمَة بن ثَابت وَغَيره وَقد بَين عِلّة ذَلِك فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أَتَانِي دَاعِي الْجِنّ فَذَهَبت مَعَه فَقَرَأت عَلَيْهِم الْقُرْآن قَالَ فَانْطَلق بِنَا فأرانا آثَارهم وآثار نيرانهم وسألوه الزَّاد فَقَالَ لكم كل عظم ذكر اسْم الله عَلَيْهِ يَقع فِي ايديكم أوفر مَا يكون لَحْمًا وكل بَعرَة علف لدوابكم فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَا تستنجوا بهما لِأَنَّهُمَا طَعَام اخوانكم أهـ وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ وَغَيره عَن أبي هُرَيْرَة أَنه كَانَ يحمل مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إداوة لوضوئه وَحَاجته فَبَيْنَمَا هُوَ يتبعهُ بهَا قَالَ من هَذَا قَالَ أَنا أَبُو هُرَيْرَة فَقَالَ أبغني أَحْجَار استفضل بهَا وَلَا تأتني بِعظم وَلَا بروثة فَأَتَيْته بأحجار أحملها فِي طرف ثوبي حَتَّى وضعت إِلَى جنبه ثمَّ انصرفت حَتَّى إِذا فرغ مشيت فَقلت مَا بَال الروث والعظم قَالَ لَهُم طَعَام الْجِنّ وَأَنه حِين أَتَانِي جن نَصِيبين وَنعم الْجِنّ فسألوني الزَّاد فدعوت الله تَعَالَى لَهُم أَن لَا يمروا بِعظم وَلَا بروثة إِلَّا وجدوا عَلَيْهَا طَعَاما أهـ
الجزء 1 · صفحة 56
فصل لفظ الحَدِيث فِي كتاب مُسلم كل عظم ذكر اسْم الله عَلَيْهِ وَلَفظه كتاب أبي دَاوُد كل عظم لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ واكثر الاحاديث تدل على معنى رِوَايَة أبي دَاوُد وَقَالَ بعض الْعلمَاء رِوَايَة مُسلم فِي الْجِنّ الْمُؤمنِينَ وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى فِي حق الشَّيَاطِين قَالَ أَبُو الْقَاسِم السُّهيْلي وَهَذَا قَول صَحِيح تعضده الْأَحَادِيث وَهَذَا فِيهِ رد على من زعم أَن الْجِنّ لَا تَأْكُل وَلَا تشرب وتأولوا قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الشَّيْطَان يَأْكُل بِشمَالِهِ وَيشْرب بِشمَالِهِ على غير ظَاهره وروى ابْن الْعَرَبِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى جَابر ابْن عبد الله قَالَ بَينا أَنا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يمشى إِذْ جَاءَت حَيَّة فَقَامَتْ إِلَى جنبه فأدنت فاها من أُذُنه وَكَأَنَّهَا تناجيه أَو نَحْو هَذَا فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نعم فَانْصَرَفت قَالَ جَابر فَسَأَلته فَأَخْبرنِي أَنه رجل من الْجِنّ وَأَنه قَالَ مر أمتك لايستنجوا بالروث وَلَا بالرمة فَإِن الله جعل لنا فِي ذَلِك رزقا أهـ وَقد تقدم حَدِيث زيد بن جَابر قَالَ مَا من أهل بَيت من الْمُسلمين إِلَّا وَفِي سقف بَيتهمْ من الْجِنّ من الْمُسلمين إِذا وضع غداءهم نزلُوا فتغدوا مَعَهم وَإِذا وضع عشاءهم نزلُوا فَتَعَشَّوْا مَعَهم يدْفع الله بهم عَنْهُم فالقائلون إِن الْجِنّ لَا تَأْكُل وَلَا تشرب إِن أَرَادوا أَن جَمِيع الْجِنّ لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون فَهَذَا قَول سَاقِط لمصادمته الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَإِن أَرَادوا أَن صنفا مِنْهُم لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون فَهُوَ مُحْتَمل غير أَن العمومات تَقْتَضِي أَن الْكل يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ وَسَيَأْتِي فِي الْأَبْوَاب احاديث فِي أكلهم وشربهم قَالَ القَاضِي عبد الْجَبَّار وَكَون الرَّقِيق لَا يمْتَنع أَن يكون مِمَّن يَأْكُل وَيشْرب كَمَا لَا يمْنَع كَون اللَّطِيف لطيفا عَن ذَلِك ثمَّ احْتَرز عَن إِشْكَال فَقَالَ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن الْمَلَائِكَة عَلَيْهِم السَّلَام لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون لإِجْمَاع أهل الصَّلَاة على ذَلِك وللأخبار المروية فِي ذَلِك وَلَكنَّا نقُول علتهم فِي أَنهم لَا يَأْكُلُون أَنهم أجسام رقاق وَالله تَعَالَى أعلم
الجزء 1 · صفحة 57
الْبَاب الثَّانِي عشر
فِي أَن الشَّيْطَان يَأْكُل وَيشْرب بِشمَالِهِ
روى مُسلم وَمَالك وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الله بن عمر أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا يأكلن أحد مِنْكُم بِشمَالِهِ وَلَا يشربن بهَا فَإِن الشَّيْطَان يَأْكُل بِشمَالِهِ وَيشْرب بهَا قَالَ وَكَانَ نَافِع يزِيد وَلَا يَأْخُذن بهَا وَلَا يعْطى وروى ابْن عبد الْبر بِسَنَدِهِ عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أكل أحدكُم فَليَأْكُل بِيَمِينِهِ وليشرب بِيَمِينِهِ وليأخذ بِيَمِينِهِ وليعط بِيَمِينِهِ فَإِن الشَّيْطَان يَأْكُل بِشمَالِهِ وَيشْرب بِشمَالِهِ وَيُعْطى بِشمَالِهِ وَيَأْخُذ بِشمَالِهِ أهـ قَالَ أَبُو عمر فِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَن الشَّيَاطِين يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ وَقد حمل قوم هَذَا الحَدِيث وَمَا كَانَ مثله على الْمجَاز فَقَالُوا فِي قَوْله إِن الشَّيْطَان يَأْكُل بِشمَالِهِ أَي ان الْأكل بالشمال أكل يُحِبهُ الشَّيْطَان كَمَا قيل فِي الْحمرَة زِينَة الشَّيْطَان وَفِي الاتعاظ بالعمامة عمَّة الشَّيْطَان أَي أَن الْحمرَة وَمثل تِلْكَ الْعِمَامَة يزينها الشَّيْطَان وَيَدْعُو إِلَيْهَا وَكَذَلِكَ يَدْعُو إِلَى الْأكل بالشمال وَالشرب بالشمال ويزينه قَالَ أَبُو عمر وَهَذَا عِنْدِي لَيْسَ بِشَيْء وَلَا معنى لحمل شَيْء من الْكَلَام على الْمجَاز إِذا أمكنت فِيهِ الْحَقِيقَة بِوَجْه مَا وَقَالَ آخَرُونَ أكل الشَّيْطَان صَحِيح وَلكنه تشمم واسترواح لَا مضغ وَلَا بلع وَإِنَّمَا المضغ والبلع لِذَوي الجثث وَيكون استرواحه وتشممه من جِهَة شِمَاله وَيكون بذلك مشاركا فِي المَال قَالَ أَبُو عمر أَكثر أهل الْعلم بالتأويل يَقُول فِي قَوْله الله تَعَالَى {وشاركهم فِي الْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد} قَالُوا الْأَمْوَال الْإِنْفَاق فِي الْحَرَام وَالْأَوْلَاد فِي الزِّنَا وَالله تَعَالَى أعلم
الجزء 1 · صفحة 58
الْبَاب الثَّالِث عشر
فِيمَا يمْنَع الْجِنّ من تنَاول طَعَام الْإِنْس وشرابهم
روى مُسلم وَأَبُو دَاوُد عَن حُذَيْفَة قَالَ كُنَّا إِذا حَضَرنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم نضع أَيْدِينَا حَتَّى يبْدَأ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيَضَع يَده وَإِنَّا حَضَرنَا مرّة مَعَه طَعَاما فَجَاءَت جَارِيَة كَأَنَّهَا تدفع فَذَهَبت لتَضَع يَدهَا فِي الطَّعَام فَأخذ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِيَدِهَا ثمَّ جَاءَ أَعْرَابِي كَأَنَّمَا يدْفع فَذهب ليضع يَده فَأخذ بِيَدِهِ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الشَّيْطَان يسْتَحل الطَّعَام أَن لَا يذكر اسْم الله عَلَيْهِ وَأَنه جَاءَ بِهَذِهِ الْجَارِيَة ليستحل بهَا فَأخذت بِيَدِهَا فجَاء بِهَذَا الْأَعرَابِي ليستحل بِهِ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ أَن يَده فِي يَدي مَعَ يَدهَا أهـ وروى أَبُو دَاوُد عَن أُميَّة بن مخشى رجل من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَالِسا وَرجل يَأْكُل وَلم يسم حَتَّى إِذا لم يبْق من طَعَامه إِلَّا لقْمَة فَلَمَّا رَفعهَا إِلَى فِيهِ قَالَ بِسم الله أَوله وَآخره فَضَحِك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ قَالَ مَا زَالَ الشَّيْطَان يَأْكُل مَعَه فَلَمَّا ذكر اسْم الله استقاء مَا فِي بَطْنه وَقَالَ أَبُو بكر بن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب مكايد الشَّيْطَان حَدثنَا مُحَمَّد بن إِدْرِيس حَدثنَا عِيسَى بن أبي فَاطِمَة الرَّازِيّ حَدثنَا مُعَاوِيَة بن نفَيْل الْعجلِيّ قَالَ كنت عِنْد عَنْبَسَة بن سعيد قَاضِي الرّيّ فَدخل عَلَيْهِ ثَعْلَبَة بن سُهَيْل فَقَالَ لَهُ عَنْبَسَة مَا أعجب مَا رَأَيْت قَالَ كنت أَضَع شرابًا لي أشربه فِي السحر فَإِذا جَاءَ السحر جِئْت فَلم أجد مِنْهُ شَيْئا فَوضعت شرابًا وقرأت عَلَيْهِ يس فَلَمَّا كَانَ السحر جِئْته فرأيته على حَاله وَإِذا الشَّيْطَان أعمى يَدُور حول الْبَيْت وَرَوَاهُ أَبُو عبد الرَّحْمَن مُحَمَّد ابْن الْمُنْذر الْهَرَوِيّ فِي كتاب الْعَجَائِب فَقَالَ حَدثنَا أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ
الجزء 1 · صفحة 59
حَدثنَا عِيسَى بن أبي فَاطِمَة فَذكره وروى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِن الشَّيْطَان جساس لحاس فَاحْذَرُوهُ على أَنفسكُم من بَات وَفِي يَده ريح غمر فَأَصَابَهُ شَيْء فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه أهـ وَالله تَعَالَى أعلم
الجزء 1 · صفحة 60
الْبَاب الرَّابِع عشر
فِي أَن الْجِنّ يتناكحون ويتناسلون
قَالَ الله تَعَالَى {لم يطمثهن إنس قبلهم وَلَا جَان} وَهَذَا يدل على أَنه يَتَأَتَّى مِنْهُم الطمث وَهُوَ الافتضاض يُقَال طمثها طمثا إِذا افتضها قَالَ ابْن جرير فِي تَهْذِيب الْآثَار وَاخْتلفُوا فِي الطمث فَقَالَ بَعضهم الطمث هُوَ الْجِمَاع الَّذِي يكون مَعَه تدمية من فرج الْأُنْثَى عَن الْجِمَاع ونقول ذَلِك الدَّم من فرج الْأُنْثَى عَن الْجِمَاع هُوَ الطمث وَقَالَ آخَرُونَ الطمث هُوَ الْمس بِالْمُبَاشرَةِ وَحكى ذَلِك قَائِل عَن الْعَرَب سَمَاعا أَنَّهَا تَقول مَا طمث هَذَا الْبَعِير حَبل قطّ بِمَعْنى مَا مَسّه حَبل قطّ وَقَالَ آخَرُونَ المطث هُوَ الْحيض نَفسه قَالَ وَالْآيَة مُحْتَملَة إِلَى وَجه الثَّلَاثَة قلت الْحيض بعيد واحتماله فِي الْمس ظَاهر وَالله أعلم وَقَالَ تَعَالَى {أفتتخذونه وَذريته أَوْلِيَاء من دوني وهم لكم عَدو} وَهَذَا يدل على أَنهم يتناكحون لأجل الذُّرِّيَّة قَالَ القَاضِي عبد الْجَبَّار الذُّرِّيَّة هم الْوَلَد والأهل ورقتهم لَا تمنع من كَانَ مَا يلده لطيفا أَلا ترى أَنا قد نرى الْحَيَوَان مَالا يتَبَيَّن للطافته إِلَّا بِالتَّأَمُّلِ وَلَا يمْنَع ذَلِك من أَن يتوالدوا إِذا كَانَ مَا يتوالدونه لطيفا قَالَ الزمحشري فِي الْكَشَّاف رُبمَا رَأَيْت فِي تضاعيف الْكتب العتيقة دويبة لَا يكَاد يحدها الْبَصَر الحاد إِلَّا إِذا تحركت فَإِذا سكنت فالسكون يواريها ثمَّ إِذا لوحت لَهَا بِيَدِك حادت عَنْهَا وتجنبت مضرتها فسبحان من يدْرك صُورَة تِلْكَ وأعضاءها
الجزء 1 · صفحة 61
الظَّاهِرَة والباطنة وتفاصيل خلقتها ويبصر بصرها ويطلع على ضميرها وَلَعَلَّ فِي خلقه مَا هُوَ أَصْغَر مِنْهَا وأصغر {سُبْحَانَ الَّذِي خلق الْأزْوَاج كلهَا مِمَّا تنْبت الأَرْض وَمن أنفسهم وَمِمَّا لَا يعلمُونَ}
قلت فَهَذِهِ الدويبة لَا تمنعها اللطافة المفرطة فسبحان الْقَادِر على كل شَيْء من التوالد {إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون}
الجزء 1 · صفحة 62
الْبَاب الْخَامِس عشر
فِي أَن الْجِنّ مكلفون بِإِجْمَاع أهل النّظر
قَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر الْجِنّ عِنْد الْجَمَاعَة مكلفون مخاطبون لقَوْله تَعَالَى {فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ} وَقَالَ الرَّازِيّ فِي تَفْسِيره أطبق الْكل على أَن الْجِنّ كلهم مكلفون
فصل قَالَ القَاضِي عبد الْجَبَّار لَا نعلم خلافًا بَين أهل النّظر فِي الْجِنّ مكلفون وَقد حكى زرقان وغسان فِيمَا ذكرَاهُ من المقالات عَن الحشوية أَنهم مضطرون إِلَى أفعالهم وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا مكلفين قَالَ وَالدَّلِيل على أَنهم مكلفون مَا فِي الْقُرْآن من ذمّ الشَّيَاطِين ولعنهم والتحرز من غوائلهم وشرهم وَذكر مَا أعد الله لَهُم من الْعَذَاب وَهَذِه الْخِصَال لَا يَفْعَلهَا الله تَعَالَى إِلَّا لمن خَالف الامر وَالنَّهْي وارتكب الْكَبَائِر وهتك الْمَحَارِم مَعَ تمكنه من أَن لَا يفعل ذَلِك وَقدرته على فعل خِلَافه وَيدل على ذَلِك أَيْضا بِأَنَّهُ كَانَ من دين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعن الشَّيَاطِين وَالْبَيَان عَن حَالهم وَأَنَّهُمْ يدعونَ إِلَى الشَّرّ والمعاصي ويوسوسون بذلك وَهَذَا كُله يدل على أَنهم مكلفون وَقَوله تَعَالَى {قل أُوحِي إِلَيّ أَنه اسْتمع نفر من الْجِنّ} إِلَى قَوْله {فَآمَنا بِهِ وَلنْ نشْرك بربنا أحدا} إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات الدَّالَّة على تكليفهم وَأَنَّهُمْ مأمورون منهيون انْتهى
الجزء 1 · صفحة 63
الْبَاب السَّادِس عشر فِي أَنه هَل كَانَ فِي الْجِنّ أَنْبيَاء قبل بعثة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
جُمْهُور الْعلمَاء سلفا وخلفا على أَنه لم يكن من الْجِنّ قطّ رَسُول وَلم تكن الرُّسُل إِلَّا من الْإِنْس وَنقل معي هَذَا عَن ابْن عَبَّاس وَابْن جريح وَمُجاهد والكلبي وَأبي عبيد والواحدي وَقد قدمنَا فِي أَوَاخِر الْبَاب الثَّانِي مَا ذكره اسحاق بن بشر فِي الْمُبْتَدَأ عَن ابْن عَبَّاس أَن الْجِنّ قتلوا نَبيا لَهُم قبل آدم اسْمه يُوسُف وَأَن الله تَعَالَى بعث إِلَيْهِم رَسُولا وَأمرهمْ بِطَاعَتِهِ وَقَالَ ابْن جرير حَدثنَا ابْن حميد حَدثنَا يحيى بن وَاضح حَدثنَا عبيد بن سُلَيْمَان قَالَ سُئِلَ الضَّحَّاك عَن الْجِنّ هَل كَانَ فيهم من نَبِي قبل أَن يبْعَث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ ألم تسمع إِلَى قَوْله تَعَالَى {يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس ألم يأتكم رسل مِنْكُم يقصون عَلَيْكُم} يَأْتِي يَعْنِي بذلك أَن رسلًا من الْإِنْس ورسلا من الْجِنّ قَالُوا بلَى ثمَّ قَالَ ابْن جرين أما الَّذين قَالُوا بقول الضَّحَّاك فَإِنَّهُم قَالُوا إِن الله أخبر أَن من الْجِنّ رسلًا أرْسلُوا اليهم قَالُوا وَلَو جَازَ أَن يكون خَبره عَن رسل الْجِنّ بِمَعْنى أَنهم رسل الْإِنْس جَازَ أَن يكون خَبره عَن رسل الْإِنْس بِمَعْنى أَنهم رسل الْجِنّ قَالُوا وَفِي فَسَاد هَذَا الْمَعْنى مَا يدل على أَن الْخَبَرَيْنِ جَمِيعًا بِمَعْنى الْخَبَر عَنْهُم أَنهم رسل الله تَعَالَى لِأَن ذَلِك هُوَ الْمَعْرُوف فِي الْخطاب دون غَيره وَقَالَ ابْن حزم لم يبْعَث إِلَى الْجِنّ نَبِي من الْإِنْس الْبَتَّةَ قبل مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ لَيْسَ الْجِنّ من قوم الْإِنْس وَقد قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد كَانَ النَّبِي يبْعَث إِلَى قومه خَاصَّة وَقَالَ ابْن حزم وباليقين ندرى أَنهم قد أنذروا وأفصح أَنهم جَاءَهُم أَنْبيَاء مِنْهُم قَالَ الله تَعَالَى {يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس ألم يأتكم رسل مِنْكُم يقصون عَلَيْكُم آياتي وينذرونكم لِقَاء يومكم هَذَا}
الجزء 1 · صفحة 64
) قلت وَيدل على مَا قَالَه الضَّحَّاك مَا رَوَاهُ الْحَاكِم فَقَالَ حَدثنَا أَحْمد بن يَعْقُوب الثَّقَفِيّ حَدثنَا عبيد بن عنام حَدثنَا عَليّ بن حَكِيم حَدثنَا شريك عَن عَطاء بن السَّائِب عَن أبي الضُّحَى عَن ابْن عَبَّاس قَالَ وَمن الأَرْض مِثْلهنَّ قَالَ سبع أَرضين فِي كل نَبِي كنبيكم وآدَم كآدمكم ونوح كنوح وَإِبْرَاهِيم كإبراهيم وَعِيسَى كعيسى قَالَ شَيخنَا الذَّهَبِيّ إِسْنَاده حسن
قلت وَله شَاهد قَالَ الْحَاكِم حَدثنَا عبد الله بن الْحسن حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن الْحُسَيْن حَدثنَا شُعْبَة عَن عَمْرو بن مرّة عَن أبي الضُّحَى عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى {خلق سبع سماوات وَمن الأَرْض مِثْلهنَّ} قَالَ فِي كل أَرض نَحْو إِبْرَاهِيم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ شَيخنَا الذَّهَبِيّ هَذَا حَدِيث على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم رِجَاله أَئِمَّة وَتَأَول الْجُمْهُور الْآيَة على مَا نقل عَن ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَابْن جريج وَأبي عبيد بِمَا مَعْنَاهُ رسل الْإِنْس رسل من الله تَعَالَى إِلَيْهِم ورسل إِلَى قوم من الْجِنّ لَيْسُوا رسلًا عَن الله تَعَالَى بَعثهمْ الله تَعَالَى فِي الأَرْض فَسَمِعُوا كَلَام رسل الله تَعَالَى الَّذين هم من آدم وعادوا إِلَى قَومهمْ من الْجِنّ فأنذرهم وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعلَى
الجزء 1 · صفحة 65
الْبَاب السَّابِع عشر فِي بَيَان أَن الْجِنّ داخلين فِي عُمُوم بعثة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
لم يُخَالف أحد من طوائف الْمُسلمين فِي أَن الله تَعَالَى أرسل مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الْجِنّ وَالْإِنْس وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث جَابر بن عبد الله أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أَعْطَيْت خمْسا لم يُعْطهنَّ أحد من الْأَنْبِيَاء قبلي إِلَى أَن قَالَ وَكَانَ النَّبِي يبْعَث إِلَى قومه خَاصَّة وَبعثت إِلَى النَّاس عَامَّة قَالَ ابْن عقيل الْجِنّ داخلون فِي مُسَمّى النَّاس لُغَة وَقَالَ الرَّاغِب النَّاس جمَاعَة حَيَوَان ذِي كفر وروية وَالْجِنّ لَهُم فكر وروية وَالنَّاس من نَاس يقوس إِذا تحرّك وَقَالَ الْجَوْهَرِي النَّاس قد يكون من الْإِنْس وَمن الْجِنّ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعثت إِلَى الْأَحْمَر وَالْأسود وَاخْتلفت الْعلمَاء فِي الْمَعْنى المُرَاد من الْأَحْمَر وَالْأسود هُنَا فَقيل هم الْعَرَب الْعَجم لِأَن الْغَالِب على الْعَجم الْحمرَة وَالْبَيَاض وعَلى الْعَرَب الآدمة والسواد وَقيل أَرَادَ الْإِنْس وَالْجِنّ وَقيل أَرَادَ الْأَحْمَر والأبيض مُطلقًا فَإِن الْعَرَب تَقول إمرأة حَمْرَاء أَي بَيْضَاء وَيُؤَيّد قَول من قَالَ إِنَّهُم الْجِنّ إِن إِطْلَاق السوَاد على الْجِنّ صَحِيح بِاعْتِبَار مشابهتهم للأرواح والأرواح يُقَال لَهَا اسودة كَمَا فِي حَدِيث الْإِسْرَاء أَنه رأى آدم وَعَن يَمِينه اسودة وَعَن شِمَاله اسودة وانها نسم بنيه وَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود لَيْلَة الْجِنّ فَغَشِيتهُ أَسْوِدَة حَالَتْ بيني وَبَينه وروى شمة بن مُوسَى من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ أرْسلت إِلَى الْجِنّ وَالْإِنْس وَإِلَى كل أَحْمَر وأسود قَالَ ابْن عبد الْبر وَلَا يَخْتَلِفُونَ أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الْإِنْس وَالْجِنّ بشيرا وَنَذِيرا وَهَذَا مِمَّا فضل بِهِ على الْأَنْبِيَاء أَنه بعث إِلَى الْخلق كَافَّة الْجِنّ وَالْإِنْس وَغَيره وَلم يُرْسل إِلَّا لمَكَان قومه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
الجزء 1 · صفحة 66
وعَلى سَائِر الْأَنْبِيَاء وَكَذَلِكَ نقل ابْن حزم وَكَثِيرًا مَا تذكر الْعلمَاء فِي تصانيفهم كَونه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَبْعُوثًا إِلَى الثقلَيْن وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْإِرْشَاد فِي الرَّد على العيسوية وَقد علمنَا ضَرُورَة انه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أدعى كَونه مَبْعُوثًا إِلَى الثقلَيْن وَقَالَ الشَّيْخ ابو الْعَبَّاس بن تَيْمِية أرسل الله مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى جَمِيع الثقلَيْن الْإِنْس وَالْجِنّ وَأوجب عَلَيْهِم الْإِيمَان بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ وطاعته وَأَن يحللون مَا حلل الله وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ويحرمون مَا حرم الله وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَن يوجبوا مَا أوجب الله وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ويحبوا مَا أحب الله وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيَكْرَهُوا مَا كره الله وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَن كل مَا مَا قَامَت عَلَيْهِ الْحجَّة برسالة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْإِنْس وَالْجِنّ فَلم يُؤمن بِهِ اسْتحق عِقَاب الله تَعَالَى كَمَا يسْتَحق أَمْثَاله من الْكَافرين الَّذين بعث اليهم الرُّسُل وَهَذَا أصل مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأئمة الْمُسلمين وَسَائِر الطوائف الْمُسلمين أهل السّنة وَالْجَمَاعَات وَغَيرهم قلت وَقد اخبر الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن أَن الْجِنّ اسْتَمعُوا الْقُرْآن وَأَنَّهُمْ آمنُوا بِهِ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى {وَإِذ صرفنَا إِلَيْك نَفرا من الْجِنّ} إِلَى قَوْله تَعَالَى {أُولَئِكَ فِي ضلال مُبين} ثمَّ أمره أَن يخبر النَّاس بذلك فَقَالَ {قل أُوحِي إِلَيّ أَنه اسْتمع نفر من الْجِنّ} السُّورَة بكمالها فَأمره بقول ذَلِك ليعلم الْإِنْس بأحوال الْجِنّ وَأَنه مَبْعُوث إِلَى الْأنس وَالْجِنّ وَلما فِي ذَلِك من هدى الْإِنْس وَالْجِنّ إِلَى مَا يجب عَلَيْهِم من الْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْيَوْم الآخر وَمَا يجب من طَاعَة الله وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمن تَحْرِيم الشّرك بالجن وَغَيرهم كَمَا قَالَ فِي السُّورَة {وَأَنه كَانَ رجال من الْإِنْس يعوذون بِرِجَال من الْجِنّ فزادوهم رهقا} فَإِنَّهُ كَانَ الرجل
الجزء 1 · صفحة 67
من الْإِنْس ينزل بالوادي والأودية مظان الْجِنّ فَإِنَّهُم يكونُونَ بالأودية أَكثر مِمَّا يكونُونَ بأعالي الأَرْض فَكَانَ الْإِنْسِي يَقُول أعوذ بعظيم هَذَا الْوَادي من سفهائه روى أَن حجاج بن علاظ السّلمِيّ وَالِد نصر بن حجاج الَّذِي قيل فِيهِ
(أم من سَبِيل إِلَى نصر بن حجاج ... )
قدم مَكَّة فِي ركب فأجنهم اللَّيْل بواد مخوف موحش فَقَالَ لَهُ الركب قُم فَخذ لنَفسك أَمَانًا ولأصحابك فَجعل يطوف بالركب وَيَقُول ... أعيذ نَفسِي وأعيذ صحبي ... من كل جني بِهَذَا القب
حَتَّى أؤوب سالما وركبي ...
فَسمع قَارِئًا يقرا {يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس إِن اسْتَطَعْتُم أَن تنفذوا من أقطار السَّمَاوَات وَالْأَرْض فانفذوا} الْآيَة فَلَمَّا قدم مَكَّة خبر كفار قُرَيْش بِمَا سمع فَقَالُوا صَبَأت يَا أَبَا كلاب إِن هَذَا يزْعم أَن مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنزل عَلَيْهِ قَالَ وَالله لقد سمعته وسَمعه هَؤُلَاءِ معي ثمَّ أسلم وَحسن إِسْلَامه وَهَاجَر إِلَى الْمَدِينَة وَبنى بهَا مَسْجِدا يعرف بِهِ وَلما رَأَتْ الْجِنّ أَن الْإِنْس تستعيذ بهم زَاد طغيانهم وعتوهم وَبِهَذَا يجيبون المعزم والراقي بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاء مُلُوكهمْ فَإِنَّهُ يقسم عَلَيْهِم بأسماء من يعظمونه فَيحصل لَهُم ذَلِك من الرِّئَاسَة والشرف على الْإِنْس مَا يحملهم على أَن يعطوهم بعض سؤلهم وهم يعلمُونَ أَن الْإِنْس اشرف مِنْهُم وَأعظم قدرا فَإِذا خضعت الْإِنْس لَهُم واستعاذتهم كَانَ بِمَنْزِلَة أكَابِر النَّاس إِذا خضع لأصاغرهم ليقضى لَهُم حَاجته قلت قَول النَّفر الَّذِي اسْتَمعُوا الْقُرْآن لقومهم {يَا قَومنَا أجِيبُوا دَاعِي الله وآمنوا بِهِ يغْفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عَذَاب أَلِيم} صَرِيح ظَاهر فِي بعثته إِلَيْهِم وانقيادهم للْإيمَان بِهِ وَقَول النَّفر {وَمن لَا يجب دَاعِي الله فَلَيْسَ بمعجز فِي الأَرْض وَلَيْسَ لَهُ من دونه أَوْلِيَاء أُولَئِكَ فِي ضلال مُبين} صَرِيح فِي أَن من لم يُؤمن بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْجِنّ فَهُوَ كَافِر وَبِاللَّهِ الْعِصْمَة والتوفيق
الجزء 1 · صفحة 68
الْبَاب الثَّامِن عشر فى بَيَان انصراف الْجِنّ إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم واستماعهم الْقُرْآن
قَالَ ابْن إِسْحَاق لما إيس رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من خبر ثَقِيف انْصَرف عَن الطَّائِف رَاجعا رَاجعا إِلَى مَكَّة حَتَّى إِذا كَانَ بنخلة قَامَ من جَوف اللَّيْل يُصَلِّي فَمر بِهِ النَّفر من الْجِنّ ذكر الله تَعَالَى وهم فِيمَا ذكر لي سَبْعَة نفر من أهل نَصِيبين فَاسْتَمعُوا لَهُ فَلَمَّا فرغ من صلَاته ولوا إِلَى قَومهمْ منذرين قد آمنُوا وَأَجَابُوا إِلَى مَا سمعُوا فَقص الله تَعَالَى خبرهم عَلَيْهِ فَقَالَ تَعَالَى {وَإِذ صرفنَا إِلَيْك نَفرا من الْجِنّ} إِلَى قَوْله {أَلِيم} ثمَّ قَالَ تَعَالَى {قل أُوحِي إِلَيّ أَنه اسْتمع نفر من الْجِنّ} إِلَى آخر الْقِصَّة من خبرهم فِي هَذِه السُّورَة وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ مَا قَرَأَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْجِنّ وَلَا رَآهُمْ أنطق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي طَائِفَة من أَصْحَابه عَامِدين إِلَى سوق عكاظ وَقد حيل بَين الشَّيَاطِين وَبَين خبر السَّمَاء وَأرْسل عَلَيْهِم الشهب فَرَجَعت الشَّيَاطِين إِلَى قَومهمْ فَقَالُوا مَا لكم قَالُوا حيل بَيْننَا وَبَين خبر السَّمَاء وَأرْسلت علينا الشهب قَالُوا مَا ذَاك إِلَّا من شَيْء حدث فاضربوا مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا فَمر النَّفر الَّذين أخذُوا نَحْو تهَامَة بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ بنخلة عَامِدين إِلَى سوق عكاظ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاة الْفجْر فَلَمَّا سمعُوا الْقُرْآن اسْتَمعُوا لَهُ وَقَالُوا هَذَا الَّذِي حَال بَيْننَا وَبَين خبر السَّمَاء فَرَجَعُوا إِلَى قَومهمْ فَقَالُوا يَا قَومنَا الْآيَة فَأنْزل الله تَعَالَى على نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم {قل أُوحِي إِلَيّ أَنه اسْتمع نفر من الْجِنّ}
الجزء 1 · صفحة 69
قلت وَهَذَا النَّفْي من عبد الله بن عَبَّاس إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ اسْتَمعُوا التِّلَاوَة فِي صَلَاة الْفجْر وَلم يرد بِهِ نفي الرُّؤْيَة والتلاوة مُطلقًا وَيدل عَلَيْهِ أَن ابْن عَبَّاس قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى {وَإِذ صرفنَا إِلَيْك نَفرا من الْجِنّ} الأية قَالَ كَانُوا سَبْعَة من جن نَصِيبين فجعلهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رسلًا إِلَى قَومهمْ فَعلم أَن ابْن عَبَّاس لم ينف كَلَامه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا حَيْثُ استمعوه فِي صَلَاة الْفجْر وَلم يرد نفي الْكَلَام بعد ذَلِك وَقَوله فجعلهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رسلًا إِلَى قَومهمْ دلّ على أَنه كَلمهمْ بعد ذَلِك وَلِهَذَا قَالُوا {يَا قَومنَا أجِيبُوا دَاعِي الله} فَدلَّ على أَنه دعاهم لما اجْتَمعُوا بِهِ قبل عودهم إِلَى قَومهمْ وَلم يرد النَّفْي أَيْضا اجْتِمَاع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي اللَّيْلَة الَّتِي خطّ على عبد الله بن مَسْعُود خطا وَقَالَ لَهُ لَا تَبْرَح حَتَّى آتِيك وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ هَذَا الَّذِي حَكَاهُ عبد الله بن عَبَّاس إِنَّمَا هُوَ فِي أول مَا سَمِعت الْجِنّ قِرَاءَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعلمت حَاله وَفِي ذَلِك الْوَقْت لم يقْرَأ عَلَيْهِم وَلم يرهم كَمَا حَكَاهُ ثمَّ أَتَاهُم دَاعِي الْجِنّ مرّة أُخْرَى فَذهب مَعَه وَقَرَأَ عَلَيْهِم الْقُرْآن كَمَا حَكَاهُ عبد الله بن مَسْعُود وَقَالَ وَأرَانِي آثَارهم وآثار نيرانهم وَالله أعلم وَعبد الله بن مَسْعُود حفظ الْقصَّتَيْنِ جَمِيعًا فرواهما ثمَّ سَاق الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى أبي بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا أَحْمد الزبيرِي حَدثنَا سُفْيَان بن عَاصِم عَن زر عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ هَبَطُوا على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يقْرَأ الْقُرْآن بِبَطن نَخْلَة فَلَمَّا سمعُوا قَالُوا انصتوا قَالُوا صه وَكَانُوا تِسْعَة أحدهم زَوْبَعَة فَأنْزل الله {وَإِذ صرفنَا إِلَيْك نَفرا من الْجِنّ} إِلَى قَوْله {مُبين} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن مَسْعُود أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم آذنته شَجَرَة ثمَّ سَاق الْقِصَّة الْأُخْرَى عَن عَلْقَمَة قلت لِابْنِ مَسْعُود هَل صحب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَة الْجِنّ مِنْكُم أحد الحَدِيث وَسَيَأْتِي وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا مَعْنَاهُ لم يقصدهم بِالْقِرَاءَةِ وعَلى هَذَا فَلم يعلم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِاسْتِمَاعِهِمْ وَلَا كَلمهمْ وَإِنَّمَا أعلمهُ الله تَعَالَى بقوله {قل أُوحِي إِلَيّ أَنه اسْتمع نفر من الْجِنّ}
الجزء 1 · صفحة 70
وَقَالَ الشَّيْخ ابو الْعَبَّاس بن تَيْمِية بن عَبَّاس كَانَ قد علم مَا دلّ عَلَيْهِ الْقُرْآن من ذَلِك وَلم يعلم مَا علمه ابْن مَسْعُود وابو هُرَيْرَة وَغَيرهمَا من إتْيَان الْجِنّ إِلَيْهِ ومخاطبته إيَّاهُم وَأَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اخبره وَبِه بذلك وَأمره أَن يخبر بِهِ وَكَانَ ذَلِك فِي أول الْأَمر لما حرست السَّمَاء وحيل بَينهم وَبَين خبر السَّمَاء وملئت حرسا شَدِيدا وَكَانَ فِي ذَلِك من دَلَائِل النُّبُوَّة مَا فِيهِ عِبْرَة وَبعد هَذَا أَتَوْهُ وَقَرَأَ عَلَيْهِم وروى أَنه قَرَأَ عَلَيْهِم سُورَة الرَّحْمَن وَصَارَ كلما قَالَ {فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ} قَالُوا وَلَا بِشَيْء من آلَاء رَبنَا نكذب فلك الْحَمد قَالَ عبد الله بن مَسْعُود أعلم بِقصَّة الْجِنّ من عبد الله بن عَبَّاس فَإِنَّهُ حضرها وحفظها وَابْن عَبَّاس كَانَ إِذْ ذَاك طفْلا رضيعا فقد قيل إِن قصَّة الْجِنّ كَانَ قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين وَقَالَ الْوَاقِدِيّ كَانَت سنة إِحْدَى عشرَة من النُّبُوَّة وَابْن عَبَّاس فِي حجَّة الْوَدَاع كَانَ ناهز الِاحْتِلَام وَالله أعلم قَالَ السُّهيْلي وَفِي التَّفْسِير أَنهم كَانُوا يهودا وَلذَلِك قَالُوا {من بعد مُوسَى} وَلم يَقُولُوا من بعد عِيسَى ذكره ابْن سَلام وَكَانَ صرف الله تَعَالَى الْجِنّ قبل الْهِجْرَة بِنَحْوِ ثَلَاث سِنِين وَقيل الْإِسْرَاء وَذكر الْوَاقِدِيّ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج إِلَى الطَّائِف لثلاث بَقينَ من شَوَّال وَأقَام خمْسا وَعشْرين لَيْلَة وَقدم مَكَّة لثلاث وَعشْرين خلت من ذِي الْقعدَة يَوْم الثُّلَاثَاء وَأقَام بِمَكَّة ثَلَاثَة أشهر وَقدم عَلَيْهِ جن الْحجُون فِي ربيع الأول سنة إِحْدَى عشرَة من النُّبُوَّة
الجزء 1 · صفحة 71
فصل وَاخْتلف فِي عَددهمْ فَقَالَ ابْن إِسْحَاق كَانُوا سَبْعَة وَحكى ابْن أبي حَاتِم فِي تَفْسِيره عَن مُجَاهِد قَالَ كَانُوا سَبْعَة ثَلَاثَة من أهل حران واربعة من أهل نصيبن وَحكى الثَّوْريّ عَن عَاصِم عَن زر كَانُوا تِسْعَة وَعَن عِكْرِمَة قَالَ كَانُوا اثنى عشر ألفا قَالَ السُّهيْلي وَقد ذكرُوا بِأَسْمَائِهِمْ فِي التفاسير والمسندات وهم شاصر وماصر ومنشى وماشي والأحقب وَهَؤُلَاء الْخَمْسَة ذكرهم ابْن درير قَالَ وَوجدت فِي خبر حَدثنِي بِهِ أَبُو بكر بن طَاهِر الأشبيلي الْقَيْسِي عَن أبي عَليّ الغساني فِي فَضَائِل عمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ بَيْنَمَا عمر بن عبد الْعَزِيز يمشي بِأَرْض فلاة فَإِذا حَيَّة ميتَة فكفنها من بفضله من رِدَائه ودفنها فَإِذا قَائِل يَقُول يَا سرق أشهد لسمعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لَك سَتَمُوتُ بِأَرْض فلاة فيكفنك ويدفنك رجل صَالح فَقَالَ من أَنْت يَرْحَمك الله فَقَالَ رجل من النَّفر الَّذين سمعُوا الْقُرْآن من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يبْق مِنْهُم إِلَّا أَنا وسرق وَهَذَا سرق قد مَاتَ وروى أَبُو بكر بن أبي الدُّنْيَا فَقَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن حَدثنَا يُوسُف بن الحكم الرقي حَدثنِي فياض بن مُحَمَّد الرقي أَن عمر بن عبد الْعَزِيز بَينا هُوَ يسير على بغلة وَمَعَهُ نَاس من أصحابة إِذا هُوَ بحان ميت على قَارِعَة الطَّرِيق فَنزل عَن بغلته فَأمر بِهِ فَعدل بِهِ عَن الطَّرِيق ثمَّ حفر لَهُ فدفنه وواراه ثمَّ مضى فَإِذا بِصَوْت عَال يسمعونه وَلَا يرونه لِيَهنك الْبشَارَة من الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنا وصاحبي هَذَا الَّذِي دَفَنته آنِفا من النَّفر من الْجِنّ قَالَ الله تَعَالَى {وَإِذ صرفنَا إِلَيْك نَفرا من الْجِنّ يَسْتَمِعُون الْقُرْآن} فَلَمَّا أسلمنَا وآمنا بِاللَّه وبرسوله قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لصاحبي المدفون سَتَمُوتُ فِي أَرض غربَة يدفنك فِيهَا يَوْمئِذٍ خير أهل الأَرْض وَذكر ابْن سَلام من طَرِيق أبي إِسْحَاق السبيعِي عَن أشياخه عَن ابْن مَسْعُود أَنه كَانَ فِي نفر من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَمْشُونَ فَرفع لَهُم إعصار ثمَّ جَاءَ إعصار أعظم مِنْهُ ثمَّ
الجزء 1 · صفحة 72
انقشع فَإِذا حَيَّة قَتِيل فَعمد رجل منا إِلَى رِدَائه فشقه وكفن الْحَيَّة بِبَعْضِه ودفنها فَلَمَّا جن اللَّيْل إِذْ امْرَأَتَانِ تَسْأَلَانِ أَيّكُم دفن عَمْرو بن جَابر فَقُلْنَا مَا نَدْرِي من عَمْرو بن جَابر فَقَالَت إِن كُنْتُم ابتغيتم الْأجر فقد وجدتموه إِن فسقة الْجِنّ اقْتَتَلُوا مَعَ الْمُؤمنِينَ فَقتل عَمْرو وَهُوَ الْحَيَّة الَّتِي رَأَيْتُمْ وَهُوَ من الَّذين اسْتَمعُوا الْقُرْآن من مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ ولوا إِلَى قَومهمْ منذرين وَقَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا حَدثنَا مُحَمَّد بن عباد بن مُوسَى العكلي حَدثنَا مطلب ابْن زِيَاد الثَّقَفِيّ حَدثنَا أَبُو اسحاق أَن نَاسا من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانُوا فِي سفر لَهُم وَأَن حيتين اقتتلتا فقتلت إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى فعجبوا من طيب رِيحهَا وحسنها فَقَامَ بَعضهم فلفها فِي خرقَة ثمَّ دَفنهَا فَإِذا قوم يَقُولُونَ السَّلَام عَلَيْكُم السَّلَام عَلَيْكُم لَا يرونهم إِنَّكُم دفنتم عمرا إِن مسلمينا وكفارنا اقْتَتَلُوا فَقتل الْمُسلم الَّذِي دفنتم وَهُوَ من الرَّهْط الَّذين أَسْلمُوا مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدثنَا مُحَمَّد بن عياد حَدثنِي مُحَمَّد بن زِيَاد حَدثنِي أَبُو مصبح الْأَسدي حَدثنِي يحيى بن صَالح عَن أبي بكر بن عبد الله بن أبي الجهم عَن حُذَيْفَة بن غَانِم الْعَدوي قَالَ خرج حَاطِب بن أبي بلتعة من حَائِط يُقَال لَهُ قرَان يُرِيد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى إِذا كَانَ بالمسحاء الْتفت عَلَيْهِ عجاجتان ثمَّ أنجلتا عَن حَيَّة لين الحوران يَعْنِي الْجلد فَنزل ففحص لَهُ نِسْبَة قوسه ثمَّ واراه فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل إِذا هَاتِف يَهْتِف بِهِ ... يَا أَيهَا الرَّاكِب المزجى مطيته ... أَربع عَلَيْك سَلام الْوَاحِد الصَّمد
واريت عمرا وَقد ألْقى كلا كُله ... دون الْعَشِيرَة كالضرغامة الْأسد
وَأَشْجَع حاذر فِي الركب منزله ... وَفِي الْحيَاء من الْعَذْرَاء فِي الْخلد ...
فَأتى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأخْبرهُ فَقَالَ ذَاك عَمْرو بن الجومانة وَافد نَصِيبين الشامية لقِيه مُحصن بن جوشن النَّصْرَانِي فَقتله أما أَنِّي قد رَأَيْتهَا يَعْنِي
الجزء 1 · صفحة 73
نَصِيبين فَرَفعهَا إِلَى جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَسَأَلت الله تَعَالَى أَن يعذب نهرها ويطيب ثَمَرهَا وَيكثر مطرها وَقَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا حَدثنَا الْحسن بن جهور حَدثنِي ابْن أبي إلْيَاس عَن عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة الْمَاجشون عَن عَمه عَن معَاذ بن عبد الله بن معمر قَالَ كنت جَالِسا عِنْد عُثْمَان بن عَفَّان فجَاء رجل فَقَالَ أَلا أخْبرك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عجبا بَينا أَنا بفلاة كَذَا وَكَذَا إِذا إعصاران قد أَقبلَا أَحدهمَا من هَهُنَا وَالْآخر من هَهُنَا فَالْتَقَيَا فتعاركا ثمَّ تفَرقا وَإِذا أَحدهمَا أكبر من الآخر فَجئْت معتركهما فَإِذا من الْحَيَّات شَيْء مَا رَأَتْ عَيْنَايَ مثله قطّ كَثْرَة وَإِذا ريح الْمسك من بَعْضهَا وَإِذا حَيَّة دقيقة صفراء ميتَة فَقُمْت فَقبلت الْحَيَّات كَيْمَا أنظر من أَيهَا هُوَ فَإِذا ذَلِك من حَيَّة صفراء دقيقة فَظَنَنْت أَن ذَلِك الْخَيْر فِيهَا فلففتها فِي عمامتي ودفنتها فَبينا أَنا أَمْشِي فناداني مُنَاد وَلَا أرَاهُ فَقَالَ يَا عبد الله مَا هَذَا الَّذِي صنعت فَأَخْبَرته بِالَّذِي رَأَيْت وَوجدت فَقَالَ إِنَّك قد هديت ذَانك حَيَّان من الْجِنّ بَنو الشَّيْطَان وَبَنُو قيس الْتَقَوْا فَاقْتَتلُوا فَكَانَ بَينهم من الْقَتْلَى مَا قد رَأَيْت وَاسْتشْهدَ الَّذِي دفنت وَكَانَ أحد الَّذين سمعُوا الْوَحْي من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرِيّ عَن مطلب بن شُعَيْب حَدثنَا عبد الله بن صَالح حَدثنِي عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة الْمَاجشون عَن معَاذ وَسَاقه الْحَافِظ أَبُو نعيم عَن اللَّيْث بن سعد عَن عبد الْعَزِيز عَن عَمه عَن معَاذ كَمَا رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن حَدثنِي أَبُو الْوَلِيد الْكِنْدِيّ حَدثنَا كثير بن عبد الله أَبُو هَاشم التاحي قَالَ دَخَلنَا على أبي رَجَاء العطاردي فَسَأَلْنَاهُ هَل عنْدك علم من الْجِنّ مِمَّن بَايع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَتَبَسَّمَ وَقَالَ أخْبركُم بِالَّذِي رَأَيْت وَبِالَّذِي سَمِعت كُنَّا فِي سفر حَتَّى إِذا نزلنَا على المَاء وضربنا أخبيتنا وَذَهَبت أقيل فَإِذا أَنا بحية دخلت الخباء وَهِي
الجزء 1 · صفحة 74
تضطرب فعمدت إِلَى إداوتي فنضحت عَلَيْهَا من المَاء فسكنت حَتَّى أذن مُؤذن بالرحيل فَقلت لِأَصْحَابِي انتظروني أعلم حَال هَذِه الْحَيَّة إِلَى مَا تصير فَلَمَّا صلينَا الْعَصْر مَاتَت فعمدت إِلَى عيبتي فأخرجت مِنْهَا خرقَة بَيْضَاء فلففتها وحفرت لَهَا ودفنتها وسرنا بَقِيَّة يَوْمنَا وليلتنا حَتَّى إِذا أَصْبَحْنَا ونزلنا على المَاء وضربنا أفنيتنا وَذَهَبت أقيل واذا أَنا بِأَصْوَات سَلام عَلَيْكُم مرَّتَيْنِ لَا وَاحِد وَلَا عشرَة وَلَا مائَة وَلَا ألف أَكثر من ذَلِك فَقلت من أَنْتُم قَالُوا نَحن الْجِنّ بَارك الله عَلَيْك فِيمَا اصطنعت إِلَيْنَا مَا نستطيع أَن نجازيك قلت مَا اصطنعت إِلَيْكُم قَالُوا إِن الْحَيَّة الَّتِي مَاتَت عنْدك كَانَ ذَلِك آخر من بَاقِي مِمَّن بَايع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْجِنّ قلت وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو نعيم فَقَالَ حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن جَعْفَر أَنبأَنَا أَحْمد بن الْحُسَيْن ابْن عبد الْجَبَّار حَدثنَا بشر بن الْوَلِيد الْكِنْدِيّ وَقَالَ فبه لَا وَاحِد وَلَا عشرَة وَلَا مائَة وَلَا ألفا أَكثر من ذَلِك قلت وَقد تقدم من أسمائهم مَا ذكره ابْن دُرَيْد شاصر وماصر ومنشنى وماشى والاحقب وسَاق الْحَافِظ أَبُو نعيم بِسَنَدِهِ عَن أبن إِسْحَاق قَالَ وأسماؤهم فِيمَا ذكر لي حسا ومساو شاصر وماصر وَابْن الأزب وأنين والأخصم وَاخْبَرْ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِعَمْرو بن الحومانة الَّذِي دَفنه حاصب بن أبي بلتعة وَمِنْهُم سرق الَّذِي دَفنه عمر بن عبد الْعَزِيز وَمِنْهُم زَوْبَعَة وَعَمْرو بن جَابر المذكورون فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود فَهَؤُلَاءِ تِسْعَة مذكورون بِأَسْمَائِهِمْ وَالله اعْلَم
الجزء 1 · صفحة 75
الْبَاب التَّاسِع عشر فِي قِرَاءَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْقُرْآن على الْجِنّ واجتماعه بهم بِمَكَّة وَالْمَدينَة
روى مُسلم وَأَبُو دَاوُد عَن عَلْقَمَة قَالَ قلت لِابْنِ مَسْعُود هَل صحب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَة الْجِنّ أحد مِنْكُم قَالَ مَا صَحبه منا أحد وَلَكنَّا كُنَّا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَات لَيْلَة ففقدناه فالتمسناه فِي الأودية والشعاب فَقُلْنَا استطير أَو اغتيل فبتنا بشر لَيْلَة بَات بهَا قوم فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذا هُوَ جَاءَ من قبل حراء فَقُلْنَا يَا رَسُول الله افتقدناك فطلبناك فَلم نجدك فبتنا بشر لَيْلَة بَات بِهِ قوم قَالَ أَتَانِي دَاعِي الْجِنّ فَذَهَبت مَعَه فَقَرَأت عَلَيْهِم الْقُرْآن قَالَ فَانْطَلق بِنَا فأرانا آثَارهم وآثار نيرانهم فَسَأَلُوهُ الزَّاد فَقَالَ لكم كل عظم ذكر اسْم الله عَلَيْهِ يَقع فِي أَيْدِيكُم أوفر مَا يكون لَحْمًا وكل بَعرَة علف لدوابكم فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَا تستنجوا بهما فَإِنَّهُمَا طَعَام إخْوَانكُمْ أهـ رَوَاهُ الإِمَام احْمَد وسألوه الزَّاد بِمَكَّة وَكَانُوا جن الجزيرة قلت هَذِه اللَّيْلَة غير اللَّيْلَة الَّتِي حضر أولهاابن مَسْعُود مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن تِلْكَ أعلمهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذهابه إِلَى الْجِنّ وَذهب ابْن مَسْعُود مَعَه وَخط النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ خطا وَغَابَ عَنهُ ثمَّ عَاد إِلَيْهِ فروى الْبَيْهَقِيّ فِي دَلَائِل النُّبُوَّة حَدثنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ حَدثنَا أَبُو الْحسن عبيد الله بن مُحَمَّد الْبَلْخِي بِبَغْدَاد من أصل كِتَابه حَدثنَا أَبُو اسماعيل مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل السّلمِيّ حَدثنَا أَبُو صَالح عبد الله بن صَالح حَدثنِي اللَّيْث بن سعد حَدثنِي يُونُس ابْن يزِيد عَن ابْن شهَاب أَخْبرنِي أَبُو عُثْمَان بن سَلمَة الْخُزَاعِيّ وَكَانَ رجلا
الجزء 1 · صفحة 76
من أهل الشَّام أَنه سمع عبد الله بن مَسْعُود يَقُول إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لأَصْحَابه وَهُوَ بِمَكَّة من أحب مِنْكُم أَن يحضر اللَّيْلَة أَمر الْجِنّ فَلْيفْعَل فَلم يحضر أحد مِنْهُم غَيْرِي فَانْطَلَقْنَا حَتَّى إِذا كُنَّا بِأَعْلَى مَكَّة خطّ بِرجلِهِ خطا ثمَّ أَمرنِي أَن أَجْلِس فِيهِ ثمَّ أَنطلق حَتَّى قَامَ فَافْتتحَ الْقُرْآن فَغَشِيتهُ أَسْوِدَة كَثِيرَة حَالَتْ بيني وَبَينه حَتَّى مَا سمع صَوته ثمَّ انْطَلقُوا فطفقوا يَتَقَطَّعُون مثل قطع السَّحَاب ذَاهِبين حَتَّى بَقِي مِنْهُم رَهْط وَفرغ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ الْفجْر وَانْطَلق فبرز ثمَّ أَتَانِي فَقَالَ مَا فعل الرَّهْط فَقلت هم أُولَئِكَ يَا رَسُول الله فَأخذ عظما وَرَوْثًا فَأَعْطَاهُمْ زادا ثمَّ نهى أَن يَسْتَطِيب أحد بِعظم أَو رَوْث وَوَقع فِي بعض الرِّوَايَات قَالَ ابْن مَسْعُود سَمِعت الْجِنّ تَقول للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من يشْهد أَنَّك رَسُول الله وَكَانَ قَرِيبا من ذَلِك شَجَرَة فَقَالَ لَهُم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرَأَيْتُم إِن شهِدت هَذِه الشَّجَرَة أتؤمنون قَالُوا نعم فَدَعَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَقْبَلت قَالَ ابْن مَسْعُود فَلَقَد رَأَيْتهَا تجر أَغْصَانهَا فَقَالَ لَهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تشهدين أَنِّي رَسُول الله قَالَت أشهد أَنَّك رَسُول الله أهـ قَالَ الْبَيْهَقِيّ يحْتَمل قَوْله فِي الحَدِيث الصَّحِيح مَا صَحبه منا أحدا أَرَادَ بِهِ فِي حَال ذَهَابه لقِرَاءَة الْقُرْآن عَلَيْهِم إِلَّا أَن مَا روى فِي هَذَا الحَدِيث من إِعْلَام أَصْحَابه بِخُرُوجِهِ اليهم يُخَالف مَا روى فِي الحَدِيث الصَّحِيح من فقدهم إِيَّاه حَتَّى قيل اغتيل أَو استطير إِلَّا أَن يكون المُرَاد بِمن فقد غير الَّذِي علم بِخُرُوجِهِ وَالله أعلم
قلت ظَاهر كَلَام ابْن مَسْعُود ففقدناه فالتمسناه وبتنا بشر لَيْلَة يدل على أَنه فَقده والتمسه وَبَات بشر لَيْلَة وَفِي هَذَا الحَدِيث قد علم بِخُرُوجِهِ وَخرج مَعَه وَرَأى الْجِنّ وَلم يُفَارق الْخط الَّذِي خطه لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى عَاد إِلَيْهِ بعد الْفجْر فَكيف يَسْتَقِيم قَول الْبَيْهَقِيّ أَن يكون المُرَاد بِمن فَقده
الجزء 1 · صفحة 77
غير الَّذِي علم بِخُرُوجِهِ وَإِذا قُلْنَا إِن لَيْلَة الْجِنّ كَانَت مُتعَدِّدَة صَحَّ معنى الْحَدِيثين وَظَاهر كَلَام السُّهيْلي أَن لَيْلَة الْجِنّ وَاحِدَة وَفِيه نظر كَمَا ترى وَالله أعلم
وَلَا شكّ أَن الْجِنّ تعدّدت وفادتهم على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَكَّة وَالْمَدينَة بعد الْهِجْرَة وَحضر ابْن مَسْعُود ذَلِك مَعَه بِالْمَدِينَةِ أَيْضا كَمَا سَاقه الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي دَلَائِل النُّبُوَّة فَقَالَ حَدثنَا سُلَيْمَان بن احْمَد حَدثنَا مُحَمَّد بن عَبدة المصِّيصِي حَدثنَا أَبُو ثوبة الرّبيع بن نَافِع حَدثنَا مُعَاوِيَة بن سَلام عَن زيد بن أسلم أَنه سمع أَبَا سَلام يَقُول حَدثنِي من حَدثهُ عَمْرو بن غيلَان الثَّقَفِيّ قَالَ أتيت عبد الله بن مَسْعُود فَقلت لَهُ حدثت أَنَّك كنت مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَة وَفد الْجِنّ فَقَالَ أجل فَقلت حَدثنِي كَيفَ كَانَ شَأْنه فَقَالَ إِن أهل الصّفة أَخذ كل رجل مِنْهُم رجلا يعشيه وَتركت فَلم يأخذني أحد فَمر بِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ من هَذَا فَقلت أَنا ابْن مَسْعُود فَقَالَ مَا أخذك أحد يعشيك فَقلت لَا قَالَ فَانْطَلق لعلى أجد لَك شَيْئا قَالَ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَى حجرَة أم سَلمَة فتركني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَائِما وَدخل إِلَى أَهله ثمَّ خرجت الْجَارِيَة فَقَالَت يَا ابْن مَسْعُود إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يجد لَك عشَاء فَارْجِع مضجعك فَرَجَعت إِلَى الْمَسْجِد فَجمعت حصا الْمَسْجِد فتوسدته والتففت بثوبي فَلم ألبث قَلِيلا حَتَّى جَاءَت الْجَارِيَة فَقَالَت عبد الله بن مَسْعُود أجب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فاتبعتها وَأَنا أَرْجُو الْعشَاء حَتَّى إِذا بلغت مقَامي خرج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي يَده عسيب من نخل فرض بِهِ على صَدْرِي فَقَالَ انْطلق معي حَيْثُ انْطَلَقت قلت مَا شَاءَ الله فَأَعَادَهَا على ثَلَاث مَرَّات كل ذَلِك أَقُول مَا شَاءَ الله فَانْطَلق وَانْطَلَقت مَعَه حَتَّى أَتَيْنَا بَقِيع الفرقد فَخط بعصاه خطة ثمَّ قَالَ اجْلِسْ فِيهَا وَلَا تَبْرَح حَتَّى آتِيك فَانْطَلق يمشي وَأَنا انْظُر إِلَيْهِ خلال النّخل حَتَّى إِذا كَانَ من حَيْثُ أرَاهُ ثارت
الجزء 1 · صفحة 78
مثل الْعَجَاجَة السَّوْدَاء ففرقت فَقلت ألحق برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِنِّي أَظن هَؤُلَاءِ هوَازن مكروا برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليقتلوه فأسعى إِلَى الْبيُوت فأستغيث النَّاس فَذكرت أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن لَا أَبْرَح مَكَاني الَّذِي أَنا فِيهِ فَسمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يفزعهم بعصاه وَيَقُول اجلسوا فجلسوا حَتَّى كَاد ينشق عَمُود الصُّبْح ثمَّ ثَارُوا وذهبوا فَأَتَانِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أنمت بعدِي قلت لَا وَالله وَلَقَد فزعت الفزعة الأولى حَتَّى رَأَيْت أَن آتِي الْبيُوت فأستغيث حَتَّى سَمِعتك تقرعهم بعصاك وَكنت أَظن هوَازن مكروا برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليقتلوه قَالَ لَو أَنَّك خرجت من هَذِه الْحلقَة مَا أمنت عَلَيْك أَن يخطفك بَعضهم فَهَل رَأَيْت من شَيْء قلت رَأَيْت رجَالًا سُودًا مستدفرين عَلَيْهِم ثِيَاب بيض فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُولَئِكَ وَفد جن نَصِيبين فسألوني الْمَتَاع والزاد فَمَتَّعْتهمْ بِكُل عظم حَائِل أَو رَوْثَة أَبُو بَعرَة قلت وَمَا يُغني عَنْهُم ذَلِك قَالَ إِنَّهُم لَا يَجدونَ عظما إِلَّا وجدوا عَلَيْهِ لَحْمه الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَيَوْم أكل وَلَا رَوْثَة إِلَّا وجدوا عَلَيْهَا حبها الَّذِي كَانَ فِيهَا يَوْم أكلت فَلَا يستنجي أحد مِنْكُم بِعظم وَلَا رَوْثَة فَهَذِهِ اللَّيْلَة مَعَ الْجِنّ كَانَت بِالْمَدِينَةِ وحضرها ابْن مَسْعُود وَجلسَ فِي الخطة ببقيع الفرقد
وروى الإِمَام احْمَد عَن عبد الرازق عَن أَبِيه عَن عبد الله ابْن مَسْعُود قَالَ كنت مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَة وَفد الْجِنّ فتنفس فَقلت مَا لَك يَا رَسُول الله قَالَ نعيت إِلَى نَفسِي يَا ابْن مَسْعُود قلت اسْتخْلف قَالَ من قلت أَبُو بكر قَالَ فَسكت ثمَّ مضى سَاعَة ثمَّ تنفس فَقلت مَا شَأْنك بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله قَالَ نعيت إِلَى نَفسِي
الجزء 1 · صفحة 79
يَا ابْن مَسْعُود قلت اسْتخْلف قَالَ من قلت عمر فَسكت ثمَّ مضى سَاعَة ثمَّ تنفس فَقلت مَا شَأْنك قَالَ نعيت إِلَى نَفسِي يَا ابْن مَسْعُود قلت فاستخلف قَالَ من قلت عَليّ قَالَ أما وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَئِن أطاعوه لتدخلن الْجنَّة أكتعين أهـ وَهَذَا الحَدِيث لم يذكر فِيهِ أَنه كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَالظَّاهِر أَنه كَانَ بِالْمَدِينَةِ لِأَن لَيْلَة الْجِنّ بِمَكَّة لم يكن على إِذْ ذَاك فِي رُتْبَة الِاسْتِخْلَاف لِأَنَّهُ كَانَ شَابًّا حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ توفى فِي شهر رَمَضَان سنة أَرْبَعِينَ من الْهِجْرَة عَن ثَمَان وَخمسين سنة وَقيل عَن خمس وَقيل عَن ثَلَاث وَسِتِّينَ وَقد قدمنَا أَن لَيْلَة الْجِنّ كَانَت بِمَكَّة قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين فَيكون عمره إِذْ ذَاك خمس عشرَة سنة أَو أقل مِنْهَا أَو عشْرين سنة
وَنقل الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر أَن مولده سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ من الْفِيل أَو قبل ذَلِك فَيكون عمره لَيْلَة الْجِنّ دون الْعشْرين سنة فَكَانَ حِينَئِذٍ شَابًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أبي بكر وَعمر وَأَن يعد فِي جملَة من يشار على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم باستخلافه مَعَ أبي بكر وَعمر فَلَا قُلْنَا الظَّاهِر أَن ذَلِك كَانَ لَيْلَة الْجِنّ بِالْمَدِينَةِ وَالله أعلم فَهَذِهِ لَيْلَة بِالْمَدِينَةِ ويؤكد ذَلِك قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نعيت إِلَى نَفسِي وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا عِنْد قرب الْوَفَاة ثمَّ وجدت حَدِيثا رَوَاهُ أَبُو نعيم ذكر فِيهِ الِاسْتِخْلَاف وَأَن الْقِصَّة كَانَت بِأَعْلَى مَكَّة وَسَيَأْتِي ذكره وَهُوَ يشكل على مَا قُلْنَاهُ وَقد وفدوا عَلَيْهِ مرّة أُخْرَى بِالْمَدِينَةِ أَيْضا حضرها الزبير بن الْعَوام وَخط لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بإبهام رجله خطا وَقَالَ اقعد فِي وَسطه قَالَ أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ حَدثنَا أَحْمد بن عبد الْوَهَّاب بن نجدة حَدثنَا أبي حَدثنَا بَقِيَّة بن الْوَلِيد حَدثنَا ابْن الْعَوام قَالَ صلى بِنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلَاة الصُّبْح فِي مَسْجِد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا انْصَرف قَالَ أَيّكُم يَتبعني إِلَى وَفد الْجِنّ
الجزء 1 · صفحة 80
اللَّيْلَة فأسكت الْقَوْم فَلم يتَكَلَّم مِنْهُم أحد قَالَ ذَلِك ثَلَاثًا فَمر بِي يمشي فَأخذ بيَدي فَجعلت أَمْشِي مَعَه حَتَّى حبست عَنَّا جبال الْمَدِينَة كلهَا وأفضينا إِلَى أَرض برَاز فَإِذا رجال طوال كَأَنَّهُمْ الرماح مستدفرو ثِيَابهمْ من بَين أَرجُلهم فَلَمَّا رَأَيْتهمْ غشيتني رعدة شَدِيدَة حَتَّى مَا تمسكني رجلاي من الْفرق فَلَمَّا دنونا خطّ لي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بإبهام رجله فِي الأَرْض خطا وَقَالَ لي اقعد فِي وَسطه فَلَمَّا جَلَست ذهب عني كل شَيْء كنت أَجِدهُ من رِيبَة وَمضى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بيني وَبينهمْ فَتلا قُرْآنًا وبقوا حَتَّى طلع الْفجْر ثمَّ أقبل حَتَّى مر بِي فَقَالَ لي الْحق فَجعلت أَمْشِي مَعَه فمضينا غير بعيد فَقَالَ لي الْتفت وَانْظُر هَل ترى حَيْثُ كَانَ أُولَئِكَ من أحد فَقلت يَا رَسُول الله أرى سوادا كثيرا فخفض رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَأسه إِلَى الأَرْض فنظم عظما بروثه ثمَّ رمى بهَا إِلَيْهِم وَقَالَ رشد أُولَئِكَ من وَفد قوم هم وَفد نَصِيبين سَأَلُونِي الزَّاد فَجعلت لَهُم كل عظم وروثة قَالَ الزبير فَلَا يحل لأحد أَن يستنجي بِعظم وروثة وَرَوَاهُ يزِيد بن عبد ربه وَأحمد بن مَنْصُور بن يسَار عَن مُحَمَّد بن وهب بن عَطِيَّة الدِّمَشْقِي عَن بَقِيَّة عَن نمير عَن قُحَافَة عَن أَبِيه عَن الزبير فَهَذِهِ اللَّيْلَة غير لَيْلَة ابْن مَسْعُود تِلْكَ كَانَت ببقيع الفرقد وَهَذِه كَانَت نائية عَن جبال الْمَدِينَة فقد دلّت الْأَحَادِيث على تعدد وُفُود الْجِنّ على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَكَّة وَالْمَدينَة وَالله أعلم
قَالَ الْحَافِظ أَبُو نعيم نقُول وَالله الْمُوفق إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْأَمر بِمَا فقد من حياطة أبي طَالب ابْتغى النَّصْر والحياطة من رُؤَسَاء قُرَيْش فَلم يجد عِنْدهم نصرا وَخرج إِلَى أَخْوَاله بِالطَّائِف فَكَانَ مَا لَقِي مِنْهُم أعظم وأوحش مِمَّا كَانَ يلقى من أهل مَكَّة فَانْصَرف كئيبا مَحْزُونا فَأرْسل الله إِلَيْهِ ملك الْجبَال مَعَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام ليقوى متته فَكَانَ مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا خص بِهِ من الرأفة وَالرَّحْمَة واستظهرهم واستبقاهم رَجَاء استنقاذهم وَأَن يخرج الله تَعَالَى من أصلابهم من يوحد الله تَعَالَى فصرف
الجزء 1 · صفحة 81
الله تَعَالَى إِلَيْهِ النَّفر من الْجِنّ لاستماع الْقُرْآن وآذنت بمجيئهم شَجَرَة تسخيرا لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وتعريفا لصرف الْجِنّ إِلَيْهِ فآنسه الله تَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَات من صرف الْجِنّ وإيذان الشَّجَرَة إِن عاقبته مختومة بالنصر وَإجَابَة النَّاس لدعوته وَدخُول الْجِنّ وَالْإِنْس فِي مِلَّته وَأَن امْتنَاع من أَبى عَلَيْهِ وَلم يجبهُ إِلَى الْإِيمَان بِهِ مرده امتحان من الله تَعَالَى لَهُ وترفيعا لدرجته لاصطباره على مَا يتَأَذَّى بِهِ من قومه وتكذيبهم لَهُ وَهُوَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمن كَانَ عَالما بِمَا سبق من مَوْعُود الله تَعَالَى لَهُ بالنصر وان الْعَاقِبَة لَهُ فطباع الْبشر غير خَالِيَة من الخواطر فَفعل الله تَعَالَى بِهِ مَا فعل تثبيتا لَهُ وتأسيسا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى لنَبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم {وكلا نقص عَلَيْك من أنباء الرُّسُل مَا نثبت بِهِ فُؤَادك} فَانْصَرف الْجِنّ من نَخْلَة رَاجِعين إِلَى قَومهمْ منذرين كالرسل إِلَى من وَرَاءَهُمْ من قبيلتهم من الْجِنّ وَقيل إِنَّهُم كَانُوا ثَلَاثمِائَة نفر فأنذروا ودعوا قَومهمْ إِلَى الْإِسْلَام فانصرفوا بعد مُدَّة ثَلَاثَة أشهر فجاءوه بِمَكَّة مُسلمين فواعدهم بالالتقاء مَعَهم اللَّيْل وَقَرَأَ عَلَيْهِم الْقُرْآن طوال ليلتهم وَقطع خصومات ونزاعا كَانَ بَينهم بِقَضَائِهِ فيهم بِالْحَقِّ ائتلافا لكلمتهم وقطعا لخصومتهم وسألوه الزَّاد فزودهم الْعظم والروثة على أَن يَجْعَل الله لَهُم كل عظم حَائِل عرقا كاسيا وكل رَوْثَة حبا قَائِما فَكَانَ ذَلِك آيَة لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفادت الْجِنّ استبصارا فِي إسْلَامهمْ ويخبرون بهَا من وَرَاءَهُمْ من الْجِنّ ليَكُون برهانا لَهُ على صدق نبوته ودعوته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَذَلِكَ الْخط الَّذِي خطه لعبد الله بن مَسْعُود وللزبير آيَة وَدلَالَة لَهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَآمَنا بِهِ من الروعة الَّتِي غشيتهما واحترزا بِهِ ليلتهما من اختطاف الْجِنّ لَهما وَوجه مَا ذكره عَلْقَمَة أَن عبد الله بن مَسْعُود لم يكن مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَة الْجِنّ يَعْنِي أَنه لم يكن مَعَه وَقت قِرَاءَته عَلَيْهِم الْقُرْآن وقضائه فِيمَا بَينهم لقطع التَّنَازُع والخصومات لَا أَنه لم يحضر تِلْكَ اللَّيْلَة قَائِما فِي الخطة وَأَن مَا رَوَاهُ الزبير من قدومهم ووفودهم الْمَدِينَة فَجَائِز أَن نَفرا غَيرهم حَضَرُوهُ بعد الْهِجْرَة بِالْمَدِينَةِ فَحصل لَهُم مَا حصل لمن وَفد عَلَيْهِ بِمَكَّة بالحجون وَمَا رَوَاهُ عَمْرو بن غيلَان عَن عبد الله بن مَسْعُود أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم التقى مَعَ الْجِنّ بِالْمَدِينَةِ فمخرج على أَن يكون ذَلِك فِي طَائِفَة أُخْرَى لِأَن إِسْلَام الْجِنّ
الجزء 1 · صفحة 82
ووفادتهم على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كوفادة الْإِنْس فوجا بعد فَوْج وقبيلة بعد قَبيلَة حَسْبَمَا جرت الْعَادة فِي مثله فَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُعَامل كل طَائِفَة وفدت عَلَيْهِ من تقدمهم من قِرَاءَة الْقُرْآن عَلَيْهِم وتزويدهم الْعظم والروث وَقد بقى من الْجِنّ من ثَبت على كفره فَكَانُوا يعترضون للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وللمسلمين كاعتراض بقايا الْكفَّار من الْإِنْس ثمَّ سَاق عدَّة أَحَادِيث مِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِن عفريتا من الْجِنّ تفلت إِلَى البارحة ليقطع على الصَّلَاة فأمكنني الله تَعَالَى مِنْهُ فذعته وَأَرَدْت أَن أربطه إِلَى سَارِيَة من سواري الْمَسْجِد حَتَّى تصبحوا فتنظروا إِلَيْهِ كلكُمْ أَجْمَعُونَ قَالَ فَذكرت دَعْوَة أخي سُلَيْمَان {رب اغْفِر لي وهب لي ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي} قَالَ فرددته خاسئا هَذِه رِوَايَة أبي بكر بن أبي شيبَة عَن شَبابَة بن سوار وَفِي رِوَايَة الإِمَام احْمَد عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر فَرده الله تَعَالَى خاسئا وَفِي رِوَايَة النَّضر ابْن شُمَيْل أَن عفريتا من الْجِنّ جعل يخيل على البارحة ليقطع عَليّ الصَّلَاة فَرده الله خاسئا وَكلهمْ رَوَاهُ عَن شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن زِيَاد عَن أبي هُرَيْرَة
قلت وَسَتَأْتِي الْأَحَادِيث فِي تعرض الْجِنّ وَالشَّيَاطِين للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بَابه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقد وَفد الْجِنّ مرّة أُخْرَى على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِغَيْر مَكَّة وَالْمَدينَة وَذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو نعيم فَقَالَ حَدثنَا سُلَيْمَان حَدثنَا عبد الله بن كثير بن جَعْفَر بن كثير الْأنْصَارِيّ ثمَّ الزرقي حَدثنَا كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف عَن أَبِيه عَن جده عَن بِلَال ابْن الْحَارِث قَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بعض أَسْفَاره فَخرج لِحَاجَتِهِ وَكَانَ إِذا خرج لِحَاجَتِهِ يبعد فَأَتَيْته بأداوة من مَاء فَانْطَلق فَسمِعت عِنْده خُصُومَة رجال ولغطا لم أسمع مثلهَا فجَاء فَقَالَ بِلَال فَقلت بِلَال قَالَ أَمَعَك مَاء قلت نعم قَالَ أصبت وَأَخذه منى فَتَوَضَّأ فَقلت
الجزء 1 · صفحة 83
يَا رَسُول الله سَمِعت عنْدك خُصُومَة رجال ولغطا مَا سَمِعت أحد من ألسنتهم قَالَ اخْتصم عِنْدِي الْجِنّ الْمُسلمُونَ وَالْجِنّ الْمُشْركُونَ سَأَلُونِي أَن أسكنهم فأسكنت الْمُسلمين الجلس واسكنت الْمُشْركين الْغَوْر
قلت قد تقدم هَذَا الحَدِيث فِي الْبَاب الثَّامِن فِي بَيَان مسَاكِن الْجِنّ وَذكرنَا طرقه هُنَاكَ وَقد ورد مَا يدل على أَنا ابْن مَسْعُود حضر لَيْلَة اخرى بِمَكَّة غير لَيْلَة الْحجُون فَقَالَ أَبُو نعيم حَدثنَا سُلَيْمَان بن أَحْمد حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْحَضْرَمِيّ حَدثنَا عَليّ بن الْحُسَيْن بن أبي بردة البَجلِيّ حَدثنَا يحيى بن يعلى الْأَسْلَمِيّ عَن حَرْب بن صبيح حَدثنَا سعيد بن مُسلم عَن ابي مرّة الصَّنْعَانِيّ عَن ابي عبد الله الجدلي عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ استتبعني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَة الْجِنّ فَانْطَلَقت مَعَه حَتَّى بلغنَا أَعلَى مَكَّة فَخط على خطة وَقَالَ لَا تَبْرَح ثمَّ انصاع فِي الْجبَال فَرَأَيْت الرِّجَال يتحدرون عَلَيْهِ من رُؤُوس الْجبَال حَتَّى حالوا بيني وَبَينه فاخترطت السَّيْف وَقلت لَأَضرِبَن حَتَّى استنقذ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ ذكرت قَوْله لَا تَبْرَح حَتَّى آتِيك قَالَ فَلم أزل كَذَلِك حَتَّى أَضَاء الْفجْر فجَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنا قَائِم فَقَالَ مَا زلت على حالك قَالَ لَو مكثت شهرا مَا بَرحت حَتَّى تَأتِينِي ثمَّ أخْبرته بِمَا أردْت أَن أصنع فَقَالَ لَو خرجت مَا التقيت أَنا وَأَنت إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ شَبكَ أَصَابِعه فِي أصابعي وَقَالَ إِنِّي وعدت أَن تؤمن بِي الْجِنّ وَالْإِنْس فَأَما الْإِنْس فقد آمَنت بِي وَأما الْجِنّ فقد رَأَيْت وَمَا أَظن أَجلي إِلَّا قد اقْترب قلت يَا رَسُول الله أَلا تسْتَخْلف أَبَا بكر فَأَعْرض عني فَرَأَيْت أَنه لم يُوَافقهُ قلت يَا رَسُول الله أَلا تسْتَخْلف عمر فاعرض عني فَرَأَيْت أَنه لم يُوَافقهُ قلت يَا رَسُول الله أَلا تسْتَخْلف عليا قَالَ ذَاك وَالَّذِي لَا إِلَه غَيره لَو بايعتموه وأطعمتموه أدخلكم الْجنَّة أكتعين
الجزء 1 · صفحة 84
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ حَدثنَا ابو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَأَبُو نصر بن قَتَادَة قَالَا أَنا مُحَمَّد بن يحيى بن مَنْصُور القَاضِي حَدثنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد ابْن إِبْرَاهِيم البوشنجي حَدثنَا روح بن صَلَاح حَدثنَا مُوسَى بن عَليّ بن رَبَاح عَن أَبِيه عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ استتبعني رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ إِن نَفرا من الْجِنّ خسمة عشر بني إخْوَة وَبني عَم يأتويني اللَّيْلَة فاقرأ عَلَيْهِم الْقُرْآن فَانْطَلَقت مَعَه إِلَى الْمَكَان الَّذِي أَرَادَ فَخط لي خطا واجلسني فَقَالَ لَا تخرج من هَذَا فَبت فِيهِ حَتَّى أَتَانِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ السحر فِي يَده عظم حَائِل وروثة وحممة فَقَالَ إِذا ذهبت إِلَى الْخَلَاء فَلَا تستنج بِشَيْء من هَؤُلَاءِ قَالَ فَلَمَّا أَصبَحت قلت لأعلمن علم حَيْثُ كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فَذَهَبت فَرَأَيْت مَوضِع مبرك سِتِّينَ بَعِيرًا أه
وروى الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن مَسْعُود أَنه أبْصر زظا فِي بعض الطَّرِيق فَقَالَ مَا رَأَيْت شبههم إِلَّا الْجِنّ لَيْلَة الْجِنّ وَكَانُوا مستنفرين يتبع بَعضهم بَعْضًا وَقَالَ عَبَّاس الدوري حَدثنَا عُثْمَان بن عمر عَن مُسْتَمر بن الريان عَن أبي الجوزاء عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ انْطَلَقت مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَة الْجِنّ حَتَّى أَتَى الْحجُون فَخط على خطا ثمَّ تقدم إِلَيْهِم فازدحموا عَلَيْهِ فَقَالَ سيد لَهُم يُقَال لَهُ وردان إِنِّي أَنا أرحلهم عَنْك فَقَالَ إِنِّي لن يجيرني من الله أحد وروى الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ عَن أبي الْمليح الْهُذلِيّ أَنه كتب إِلَى أبي عُبَيْدَة أَن عبد الله بن مَسْعُود يسْأَله أَيْن قَرَأَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْجِنّ فَكتب إِلَيْهِ أَنه قَرَأَ عَلَيْهِم بشعب يُقَال لَهُ الْحجُون فَظَاهر هَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكرنَاهَا يدل على أَن وفادة الْجِنّ كَانَت سِتّ مَرَّات
الجزء 1 · صفحة 85
الأولى قيل فها اغتيل أَو استطير وَالْتمس
الثَّانِيَة كَانَت بالحجون
الثَّالِثَة كَانَت باعلى مَكَّة وانصاع فِي الْجبَال
الرَّابِعَة كَانَت ببقيع الفرقد وَفِي هَؤُلَاءِ اللَّيَالِي الثَّلَاث حضر ابْن مَسْعُود وَخط عَلَيْهِ
الْخَامِسَة كَانَت خَارج الْمَدِينَة حضرها ابْن الزبير بن الْعَوام
السَّادِسَة كَانَت فِي بعض أَسْفَاره حضرها بِلَال بن الْحَارِث وَالله أعلم
وَقَالَ هِشَام بن عمار الدِّمَشْقِي حَدثنَا الْوَلِيد بن مُسلم عَن زُهَيْر بن مُحَمَّد الْعَنْبَري عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر بن عبد الله قَالَ قَرَأَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُورَة الرَّحْمَن حَتَّى خَتمهَا ثمَّ قَالَ مَا لي أَرَاكُم سكُوتًا الْجِنّ كَانُوا أحسن مِنْكُم ردا مَا قَرَأت عَلَيْهِم هَذِه الْآيَة من مرّة {فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ} إِلَّا قَالُوا وَلَا بِشَيْء من آلَائِكَ رَبنَا نكذب فلك الْحَمد وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من وَجه آخر عَن جَابر وَالله اعْلَم
الجزء 1 · صفحة 86
الْبَاب الْعشْرُونَ فِي فرق الْجِنّ ونحلهم
وَقد أخبرنَا الله تَعَالَى عَن الْجِنّ أَنهم قَالُوا {وَأَنا منا الصالحون وَمنا دون ذَلِك كُنَّا طرائق قددا} أَي مَذَاهِب شَتَّى مُسلمُونَ وكفار وَأهل سنة وَأهل بِدعَة وَقَالُوا {وَأَنا منا الْمُسلمُونَ وَمنا القاسطون فَمن أسلم فَأُولَئِك تحروا رشدا وَأما القاسطون فَكَانُوا لِجَهَنَّم حطبا} والقاسط الجائر يُقَال قسط إِذا جَار وأقسط إِذا عدل وَقد اسْتعْمل قسط بمعى عدل وَهُوَ قَلِيل وَقد قدمنَا أَن جن نَصِيبين كَانُوا يهودا وَلذَلِك قَالَ انْزِلْ من بعد مُوسَى وَقدمنَا أَيْضا قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَدِيث حَاطِب بن أبي بلتعة ذَاك عَمْرو بن الجومانة قَتله مُحصن بن جوشن النَّصْرَانِي وَقَالَ الإِمَام احْمَد فِي كتاب النَّاسِخ والمنسوخ حَدثنَا مطلب بن زِيَاد عَن السّديّ قَالَ فِي الْجِنّ قدرية ومرجئة وشيعة وَقَالَ حَدثنَا يُونُس فِي تَفْسِير شَيبَان عَن قَتَادَة قَوْله {كُنَّا طرائق قددا} قَالَ كَانَ الْقَوْم على أهواء شَتَّى حَدثنَا عبد الْوَهَّاب فِي تَفْسِير سعيد عَن قَتَادَة {وَأَنا منا الصالحون وَمنا دون ذَلِك كُنَّا طرائق قددا} قَالَ كَانَ الْقَوْم على أهواء شَتَّى وَالله أعلم
الجزء 1 · صفحة 87
الْبَاب الْحَادِي وَالْعشْرُونَ فِي تعبد الْجِنّ مَعَ الْإِنْس جمَاعَة وفرادى
قَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا حَدثنِي مُحَمَّد بن الْحُسَيْن حَدثنَا عبد الرَّحْمَن ابْن عمر والباهلي سَمِعت السّري بن اسماعيل يذكر عَن يزِيد الرقاشِي أَن صَفْوَان بن مُحرز الْمَازِني كَانَ إِذا قَامَ إِلَى تَهَجُّده من اللَّيْل قَامَ مَعَه سكان دَاره من الْجِنّ فصلوا بِصَلَاتِهِ وَاسْتَمعُوا لقرَاءَته
قَالَ السّري فَقلت ليزِيد وأنى علم قَالَه كَانَ إِذا قَامَ سمع لَهُم ضجة فاستوحش لذَلِك فَنُوديَ لَا تفزع يَا عبد الله فَإنَّا نَحن إخوانك نقوم بقيامك للتهجد فنصلي بصلاتك قَالَ فَكَأَنَّهُ أنس بعد ذَلِك إِلَى حركتهم
حَدثنِي الْحُسَيْن بن عَليّ الْعجلِيّ حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن الْأَجْلَح عَن أبي الزبير قَالَ بَينا عبد الله بن صَفْوَان قَرِيبا من الْبَيْت إِذْ أَقبلت حَيَّة من بَاب الْعرَاق حَتَّى طافت بِالْبَيْتِ سبعا ثمَّ أَتَت الْحجر فاستلمته فَنظر إِلَيْهَا عبد الله بن صَفْوَان فَقَالَ أَيهَا الجان قد قضيت عمرتك وَإِنَّا نَخَاف عَلَيْك بعض صبياننا فانصرفي فَخرجت رَاجِعَة من حَيْثُ جَاءَت
وروى سُفْيَان الثورى عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ خرج رجل من خَيْبَر فَتَبِعَهُ رجلَانِ وَأخر يتلوهما يَقُول ارجا حَتَّى أدركهما فردهما ثمَّ لحق الرجل فَقَالَ إِن هذَيْن شيطانان وشيطانان وإنى لم إزل بهما حَتَّى رددتهما عَنْك فَإِذا اتيت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فاقرئه السَّلَام وَأخْبرهُ أَنا فِي جمع صَدَقَاتنَا وَلَو كَانَت تصلح لَهُ لبعثنا بهَا إِلَيْهِ فَلَمَّا قدم الرجل الْمَدِينَة أَتَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأخْبرهُ قَالَ فَنهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد ذَلِك عَن الْخلْوَة وَالله أعلم
الجزء 1 · صفحة 88
الْبَاب الثانى وَالْعشْرُونَ فى ثَوَاب الْجِنّ على أَعْمَالهم
اخْتلف الْعلمَاء فى الْجِنّ هَل لَهُم ثَوَاب على قَوْلَيْنِ فَقيل لَا ثَوَاب لَهُم إِلَّا النجَاة من النَّار ثمَّ يَقُول لَهُم كونُوا تُرَابا مثل الْبَهَائِم وَهُوَ قَول أبي حنيفَة حَكَاهُ ابْن حزم وَغَيره عَنهُ قَالَ ابْن ابي الدُّنْيَا حَدثنَا دَاوُد ابْن عمر والضبي حَدثنَا عفيف بن سَالم عَن سُفْيَان الثورى عَن لَيْث ابْن أبي سليم قَالَ ثَوَاب الْجِنّ أَن يجاروا من النَّار ثمَّ يُقَال لَهُم كونُوا تُرَابا
قَالَ أَبُو حَفْص بن شاهين فى كتاب الْعَجَائِب والغرائب حَدثنَا ابو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ حَدثنَا أَبُو الرّبيع الزهْرَانِي عَن يَعْقُوب الْعَمى عَن جَعْفَر ابْن ابي الْمُغيرَة عَن أبي الزِّنَاد قَالَ إِذا دخل أهل الْجنَّة الْجنَّة وَأهل النَّار النَّار قَالَ الله تَعَالَى لمؤمني الْجِنّ وَسَائِر الْأُمَم كونُوا تُرَابا فَحِينَئِذٍ يَقُول الْكَافِر {يَا لَيْتَني كنت تُرَابا} وَالْقَوْل الثَّانِي إِنَّهُم يثابون على الطَّاعَة ويعاقبون على الْمعْصِيَة وَهُوَ قَول ابْن أبي ليلى وَمَالك وَذكر ذَلِك مذهبا للأوزاعي وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَنقل على الشَّافِعِي وَأحمد بن حَنْبَل فَقَالَ نعم لَهُ ثَوَاب وَعَلَيْهِم عِقَاب وَهُوَ قَول اصحابهما وَأَصْحَاب مَالك وَسُئِلَ ابْن عَبَّاس هَل لَهُم ثَوَاب وَعَلَيْهِم عِقَاب فَقَالَ نعم لَهُم ثَوَاب وَعَلَيْهِم عِقَاب
وَقَالَ ابْن شاهين فِي غرائب السّنَن حَدثنَا عبد الله بن سُلَيْمَان حَدثنَا مُحَمَّد بن صَدَقَة الجيلاني حَدثنَا أبي حَدثنَا أَبُو حَيَاة وَهُوَ شُرَيْح
الجزء 1 · صفحة 89
ابْن يزِيد بن أَرْطَأَة بن الْمُنْذر قَالَ سَأَلت ضَمرَة بن حبيب بن صُهَيْب الزبيدِيّ هَل للجن ثَوَاب فَقَالَ نعم قَالَ أَرْطَأَة ثمَّ نزع ضَمرَة بِهَذَا الْآيَة {لم يطمثهن إنس قبلهم وَلَا جَان} وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي تَفْسِيره حَدثنَا أبي حَدثنَا عِيسَى بن زِيَاد ان يحيى بن الضريس قَالَ سَمِعت يَعْقُوب قَالَ قَالَ ابْن أبي ليلى لَهُم ثَوَاب يَعْنِي للجن فَوَجَدنَا تَصْدِيق قَوْله فِي كتاب الله تَعَالَى {وَلكُل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا} وَقَالَ ابْن الصّلاح فِي بعض تعاليقه حكى عَن ابْن عبد الحكم صَاحبه مُحَمَّد بن رَمَضَان الزيات الْمَالِكِي أَنه سُئِلَ عَن الْجِنّ هَل لَهُم جَزَاء فِي الْآخِرَة على أَعْمَالهم فَقَالَ نعم وَالْقُرْآن يدل على ذَلِك قَالَ الله تَعَالَى {وَلكُل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا} وَقَالَ أَبُو الشَّيْخ حَدثنَا ابو الْوَلِيد حَدثنَا هَيْثَم عَن حَرْمَلَة قَالَ سُئِلَ ابْن وهب وانا اسْمَع هَل للجن ثَوَاب وعقاب قَالَ ابْن وهب قَالَ الله تَعَالَى {حق عَلَيْهِم القَوْل فِي أُمَم قد خلت من قبلهم من الْجِنّ وَالْإِنْس} إِلَى قَوْله {مِمَّا عمِلُوا} قَالَ مُحَمَّد بن رشد أَبُو الْوَلِيد القَاضِي فِي كتاب الجامعة للْبَيَان والتحصيل قَالَ اصبع وَسمعت ابْن الْقَاسِم يَقُول للجن الثَّوَاب وَالْعِقَاب وتلا قَول الله تَعَالَى {وَأَنا منا الْمُسلمُونَ وَمنا القاسطون فَمن أسلم فَأُولَئِك تحروا رشدا وَأما القاسطون فَكَانُوا لِجَهَنَّم حطبا}
قَالَ ابْن رشد اسْتِدْلَال ابْن الْقَاسِم على مَا ذكر من أَن للجن الثَّوَاب وَالْعِقَاب بِمَا تلاه من قَول الله تَعَالَى اسْتِدْلَال صَحِيح بَين لَا إِشْكَال فِيهِ بل هُوَ نَص على ذَلِك والقاسطون فِي هَذِه الْآيَة الحائدون عَن الْهدى الْمُشْركُونَ بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى {وَأَنا منا الْمُسلمُونَ} فَفِي الْجِنّ مُسلمُونَ ويهود ونصارى ومجوس وَعَبدَة أوثان قَالَ بعض أهل التَّفْسِير فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى {وَأَنا منا الصالحون} قَالَ يُرِيد الْمُؤمنِينَ وَمنا دون ذَلِك قَالَ يُرِيد غير
الجزء 1 · صفحة 90
الْمُؤمنِينَ وَقَوله تَعَالَى {كُنَّا طرائق قددا} أَي مُخْتَلفُونَ فِي الْكفْر يهود ونصارى ومجوس وَعَبدَة أوثان
وَقَالَ أَبُو الشَّيْخ حَدثنَا جَعْفَر بن أَحْمد بن فَارس حَدثنَا حميد حَدثنَا جرير عَن الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان عَن مغيث بن سمي قَالَ مَا خلق الله تَعَالَى من شَيْء إِلَّا وَهُوَ يسمع زفير جَهَنَّم غدْوَة وَعَشِيَّة إِلَّا الثقلَيْن الَّذين عَلَيْهِم الْحساب وَالْعِقَاب وَالله أعلم
الجزء 1 · صفحة 91
الْبَاب الثَّالِث وَالْعشْرُونَ فِي دُخُول كفار الْجِنّ النَّار
اتّفق الْعلمَاء على أَن كَافِر الْجِنّ معذب فِي الْآخِرَة كَمَا ذكر الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْعَزِيز كَقَوْلِه تَعَالَى {فَالنَّار مثوى لَهُم} وَقَوله تَعَالَى {وَأما القاسطون فَكَانُوا لِجَهَنَّم حطبا} وَالله أعلم
الجزء 1 · صفحة 92
الْبَاب الرَّابِع وَالْعشْرُونَ فِي دُخُول مؤمنيهم الْجنَّة
اخْتلف الْعلمَاء فِي مؤمني الْجِنّ هَل يدْخلُونَ الْجنَّة على أَرْبَعَة أَقْوَال
احدها أَنهم يدْخلُونَ الْجنَّة وَعَلِيهِ جُمْهُور الْعلمَاء وَحَكَاهُ ابْن حزم فِي الْملَل عَن أبن أبي ليلى وَأبي يُوسُف وَجُمْهُور النَّاس قَالَ وَبِه نقُول ثمَّ اخْتلف الْقَائِلُونَ بِهَذَا القَوْل إِذا دخلُوا الْجنَّة هَل يَأْكُلُون فِيهَا وَيَشْرَبُونَ وَسَاقه مُنْذر بن سعد فِي تَفْسِيره فَقَالَ حَدثنَا عَليّ بن الْحسن حَدثنَا عبد الله ابْن الْوَلِيد الْعَدنِي عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك فَذكره
وَقَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا حَدثنَا أَحْمد بن بجير حَدثنَا عبد الله بن ضرار ابْن عمر وَحدثنَا أبي عَن مُجَاهِد أَنه سُئِلَ عَن الْجِنّ الْمُؤمنِينَ أيدخلون الْجنَّة قَالَ يدْخلُونَهَا وَلَكِن لَا يَأْكُلُون وَلَا يشربون يُلْهمُون من التَّسْبِيح وَالتَّقْدِيس مَا يجده أهل الْجنَّة من لَذَّة الطَّعَام وَالشرَاب وَذهب الْحَارِث المحاسبي إِلَى أَن الْجِنّ الَّذين يدْخلُونَ الْجنَّة يَوْم الْقِيَامَة نراهم فِيهَا وَلَا يروننا عكس مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا
القَوْل الثَّانِي أَنهم لَا يدْخلُونَهَا بل يكونُونَ فِي ربضها يراهم الْإِنْس من حَيْثُ لَا يرونهم وَهَذَا القَوْل مأثور عَن مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد حَكَاهُ ابْن تَيْمِية فِي جَوَاب ابْن مرى وَهُوَ خلاف مَا حَكَاهُ ابْن حزم عَن أبي يُوسُف
وَقَالَ أَبُو الشَّيْخ حَدثنَا الْوَلِيد بن الْحسن بن أَحْمد بن اللَّيْث حَدثنَا اسماعيل بن مهرام حَدثنَا الْمطلب بن زِيَاد أَظُنهُ قَالَ عَن لَيْث بن أبي سليم قَالَ مسلمو الْجِنّ لَا يدْخلُونَ الْجنَّة وَلَا النَّار وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى أخرج أباهم من الْجنَّة فَلَا يُعِيدهُ وَلَا يُعِيد بنيه
الجزء 1 · صفحة 93
القَوْل الثَّالِث أَنهم على الْأَعْرَاف وَفِيه حَدِيث مُسْند سَيَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى
القَوْل الرَّابِع الْوَقْف وَاحْتج أهل القَوْل الأول بِوُجُوه
أَحدهَا العمومات كَقَوْلِه تَعَالَى {وأزلفت الْجنَّة لِلْمُتقين غير بعيد} وَقَوله تَعَالَى {وجنة عرضهَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض أعدت لِلْمُتقين} وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله خَالِصا دخل الْجنَّة فَكَمَا أَنهم يخاطبون بعمومات الْوَعيد بِالْإِجْمَاع فَكَذَلِك يكونُونَ مخاطبين بعمومات الْوَعْد بطرِيق الأولى وَمن أظهر حجَّة فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى {وَلمن خَافَ مقَام ربه جنتان فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ} إِلَى آخر السُّورَة
وَالْخطاب للجن وَالْإِنْس فامتن عَلَيْهِم سُبْحَانَهُ بجزاء الْجنَّة ووصفها لَهُم وشوقهم إِلَيْهَا فَدلَّ ذَلِك على أَنهم ينالون مَا امتن عَلَيْهِم بِهِ إِذا آمنُوا وَقد جَاءَ فِي حَدِيث أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لأَصْحَابه لما تَلا علهيم هَذِه السُّورَة الْجِنّ كَانُوا أحسن ردا وجوابا مِنْكُم مَا تَلَوت عَلَيْهِم من آيَة إِلَّا قَالُوا وَلَا بِشَيْء من آلَائِكَ رَبنَا نكذب رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ
الْوَجْه الثَّانِي مَا اسْتدلَّ بِهِ ابْن حزم من قَوْله {أعدت لِلْمُتقين} وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى حاكيا عَنْهُم ومصدقا لمن قَالَ ذَلِك مِنْهُم {وَأَنا لما سمعنَا الْهدى آمنا بِهِ} وَقَوله تَعَالَى {قل أُوحِي إِلَيّ أَنه اسْتمع نفر من الْجِنّ} وَقَوله تَعَالَى {إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ هم خير الْبَريَّة جزاؤهم عِنْد رَبهم جنَّات عدن تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار} إِلَى آخر السُّورَة
الجزء 1 · صفحة 94
قَالَ صفة تعم الْجِنّ وَالْإِنْس عُمُوما لَا يجوز الْبَتَّةَ أَن يخص مِنْهَا أحد النَّوْعَيْنِ وَمن الْمحَال الْمُمْتَنع أَن يكون الله تَعَالَى يخبرنا بِخَبَر عَام وَهُوَ لَا يُرِيد إِلَّا بعض مَا أخبرنَا بِهِ ثمَّ لَا يبين ذَلِك وَهُوَ ضد الْبَيَان الَّذِي ضمنه الله تَعَالَى لنا فَكيف وَقد نَص على أَنهم من جملَة الْمُؤمنِينَ الَّذين يدْخلُونَ الْجنَّة وَلَا بُد
الْوَجْه الثَّالِث روى مُنْذر وَابْن أبي حَاتِم فِي تفسيريهما عَن مُبشر ابْن اسماعيل قَالَ تَذَاكرنَا عِنْد ضَمرَة بن حبيب أَيَدْخُلُ الْجِنّ الْجنَّة قَالَ نعم وتصديق ذَلِك فِي كتاب الله تَعَالَى {لم يطمثهن إنس قبلهم وَلَا جَان} للجنيات وَالْإِنْس للإنسيات
قَالَ الْجُمْهُور فَدلَّ على تَأتي الطمث من الْجِنّ لِأَن طمث الْحور الْعين إِنَّمَا يكون فِي الْجنَّة
الْوَجْه الرَّابِع قَالَ أَبُو الشَّيْخ حَدثنَا اسحاق بن أَحْمد حَدثنَا عبد الله بن عمرَان حَدثنَا مُعَاوِيَة حَدثنَا عبد الْوَاحِد بن عبيد عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس قَالَ الْخلق أَرْبَعَة فخلق فِي الْجنَّة كلهم وَخلق فِي النَّار كلهم وخلقان فِي الْجنَّة وَالنَّار فَأَما الَّذِي فِي الْجنَّة كلهم فالملائكة وَأما الَّذِي فِي النَّار كلهم فالشياطين وَأما الَّذين فِي الْجنَّة وَالنَّار فالإنس وَالْجِنّ لَهُم الثَّوَاب وَعَلَيْهِم الْعقَاب
الْوَجْه الْخَامِس إِن الْعقل يقوى ذَلِك وَإِن لم يُوجِبهُ وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى قد أوعد من كفر مِنْهُم وَعصى النَّار فَكيف لَا يدْخل من أطَاع مِنْهُم الْجنَّة وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الحكم الْعدْل الْحَلِيم الْكَرِيم فَإِن قيل قد أوعد الله تَعَالَى من قَالَ من الْمَلَائِكَة إِنَّه إِلَه من دونه وَمَعَ هَذَا لَيْسُوا فِي الْجنَّة فَالْجَوَاب من وُجُوه
أَحدهَا أَن المُرَاد بذلك إِبْلِيس لَعنه الله قَالَ ابْن جريج فِي قَوْله تَعَالَى {وَمن يقل مِنْهُم إِنِّي إِلَه من دونه} فَلم يقلهُ إِلَّا إِبْلِيس لَعنه الله دَعَا إِلَى عبَادَة نَفسه فَنزلت هَذِه الْآيَة فِيهِ يَعْنِي إِبْلِيس لَعنه الله وَقَالَ قَتَادَة هِيَ خَاصَّة بعدو الله إِبْلِيس لَعنه الله لما قَالَ مَا قَالَ لَعنه الله وَحَوله
الجزء 1 · صفحة 95
شَيْطَانا رجيما قَالَ {فَذَلِك نجزيه جَهَنَّم كَذَلِك نجزي الظَّالِمين} حكى ذَلِك عَنْهُمَا الطَّبَرِيّ
الْوَجْه الثَّانِي أَن ذَلِك وَإِن سلمنَا إِرَادَة الْعُمُوم مِنْهُ فَهَذَا لَا يَقع من الْمَلَائِكَة عَلَيْهِم السَّلَام بل هُوَ شَرط وَالشّرط لَا يلْزم وُقُوعه وَهُوَ نَظِير قَوْله تَعَالَى {لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك} وَالْجِنّ يُوجد مِنْهُم الْكَافِر وَيدخل النَّار
الْوَجْه الثَّالِث أَن الْمَلَائِكَة وَإِن كَانُوا لَا يجازون بِالْجنَّةِ إِلَّا أَنهم يجازون بنعيم يناسبهم على أصح قولى الْعلمَاء وَاحْتج أهل القَوْل الثَّانِي بقوله تَعَالَى حِكَايَة عَن الْجِنّ أَنهم قَالُوا لقومهم {يَا قَومنَا أجِيبُوا دَاعِي الله وآمنوا بِهِ يغْفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عَذَاب أَلِيم} قَالُوا فَلم يذكر دُخُول الْجنَّة فَدلَّ على أَنهم لَا يدْخلُونَهَا لِأَن الْمقَام مقَام تبجح وَالْجَوَاب عَن هَذَا من وُجُوه
أَحدهَا أَنه لَا يلْزم من سكوتهم أَو عدم علمهمْ بِدُخُول الْجنَّة نقيه
الْوَجْه الثَّانِي إِن الله أخبر أَنهم ولوا إِلَى قَومهمْ منذرين فالمقام مقَام إنذار لَا مقَام بِشَارَة
الْوَجْه الثَّالِث أَن هَذِه الْعبارَة لَا تَقْتَضِي نفي دُخُول الْجنَّة بِدَلِيل مَا أخبر الله تَعَالَى عَن الرُّسُل الْمُتَقَدّمَة أَنهم كَانُوا ينذرون قَومهمْ الْعَذَاب وَلَا يذكرُونَ لَهُم دُخُول الْجنَّة كَمَا أخبر عَن نوح عَلَيْهِ السَّلَام فِي قَوْله تَعَالَى {إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم أَلِيم} وَهود عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام {عَذَاب يَوْم عَظِيم} وَشُعَيْب عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام {عَذَاب يَوْم عَظِيم} وَكَذَلِكَ غَيرهم وَقد أجمع الْمُسلمُونَ على أَن مؤمنهم يدْخل الْجنَّة
الْوَجْه الرَّابِع إِن ذَلِك يسْتَلْزم دُخُول الْجنَّة لِأَن من غفر ذَنبه وأجير من عَذَاب الله تَعَالَى وَهُوَ مُكَلّف بشرائع الرُّسُل فَإِنَّهُ يدْخل الْجنَّة وَقد ورد فِي القَوْل الثَّالِث حَدِيث سَاقه الْحَافِظ أَبُو سعيد عَن مُحَمَّد
الجزء 1 · صفحة 96
ابْن عبد الرَّحْمَن الكنجرودي فِي أَمَالِيهِ فَقَالَ حَدثنَا أَبُو الْفضل نصر بن مُحَمَّد الْعَطَّار نَا أَحْمد بن الْحُسَيْن بن الْأَزْهَر بِمصْر حَدثنَا يُوسُف بن يزِيد القراطيسي حَدثنَا الْوَلِيد بن مُوسَى حَدثنَا مُنَبّه عَن عُثْمَان عَن عُرْوَة بن رُوَيْم عَن الْحسن عَن أنس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِن مؤمني الْجِنّ لَهُم ثَوَاب وَعَلَيْهِم عِقَاب فسألنا عَن ثوابهم وَعَن مؤمنيهم فَقَالَ على الْأَعْرَاف وَلَيْسوا فِي الْجنَّة فَقَالُوا مَا الاعراف قَالَ حَائِط الْجنَّة تجْرِي مِنْهُ الْأَنْهَار وتنبت فِيهِ الاشجار وَالثِّمَار قَالَ شَيخنَا الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ تغمده الله تَعَالَى برحمته هَذَا مُنكر جدا وَالله تَعَالَى أعلم