الجزء 1 · صفحة 29
مُقَدّمَة الْمُؤلف
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَبِه نستعين وَعَلِيهِ نتوكل
الْهم أرنا الْحق حَقًا واهدنا لإتباعه وأرنا الْبَاطِل بَاطِلا ووفقنا لاجتنابه
الْحَمد لله لذاته وَجَمِيل صِفَاته وَالشُّكْر لَهُ على آلائه ونعمائه وعطائه وهباته وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على عَبده وَرَسُوله الْمَبْعُوث بِالدّينِ المتين وَالْكتاب الْمُبين سيدنَا ومولانا وَنَبِينَا مُحَمَّد الرَّسُول الْأمين وعَلى آله وَأَصْحَابه الهداة المهتدين
أما بعد فَهَذِهِ تعليقة موسومة بالْقَوْل السديد فِي بعض
الجزء 1 · صفحة 30
مسَائِل الِاجْتِهَاد والتقليد
الجزء 1 · صفحة 31
أذكر فِيهَا مَا حضرني من بعض مسَائِل الِاجْتِهَاد والتقليد واقتداء الْمُقَلّد بِإِمَام يرى خلاف قَول مقلده بِفَتْح اللَّام إِمَّا اجْتِهَادًا أَو تقليدا وَمَا يتَعَلَّق بذلك ويتذيل عَلَيْهِ غير متصد للتتبع فِي ذَلِك بل قيدت مَا سنح للخاطر الفاتر فِي الْوَقْت الْحَاضِر من غير تقيد بمراجعة فِي ذَلِك وَهِي نبذة يسيرَة ونزر يسير من سئ كثير فَأَقُول وَبِاللَّهِ الْإِعَانَة
الْكَلَام فِي هَذِه الْمسَائِل على فُصُول
الجزء 1 · صفحة 32
الْفَصْل الأول
إعلم أَنه لم يُكَلف الله تَعَالَى أحدا من عباده بِأَن يكون حنفيا أَو مالكيا أَو شافعيا أَو حنبليا بل أوجب عَلَيْهِم الْإِيمَان بِمَا
الجزء 1 · صفحة 37
بعث بِهِ مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْعَمَل بِشَرِيعَتِهِ غير أَن الْعَمَل بهَا مُتَوَقف على الْوُقُوف عَلَيْهَا وَالْوُقُوف عَلَيْهَا لَهُ طرق فَمَا كَانَ مِنْهَا مِمَّا يشْتَرك بِهِ الْعَوام وَأهل النّظر كَالْعلمِ بفريضة الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج وَالْوُضُوء اجمالا وكالعلم بِحرْمَة الزِّنَا وَالْخمر واللواطة وَقتل النَّفس وَغير ذَلِك مِمَّا علم من الدّين
الجزء 1 · صفحة 38
بِالضَّرُورَةِ فَذَلِك لَا يتَوَقَّف فِيهِ على إتباع مُجْتَهد وَمذهب معِين بل كل مُسلم عَلَيْهِ اعْتِقَاد ذَلِك
فَمن كَانَ فِي الْعَصْر الأول فَلَا يخفي وضوح ذَلِك فِي حَقه وَمن كَانَ فِي الْأَعْصَار الْمُتَأَخر فلوصول ذَلِك إِلَى علمه ضَرُورَة من الْإِجْمَاع والتواتر وَسَمَاع الْآيَات وَالسّنَن أَي الْأَحَادِيث الشَّرِيفَة المستفيضة المصرحة بذلك فِي حق من وصلت إِلَيْهِ
وَأما مَالا يتَوَصَّل إِلَيْهِ إِلَّا بِضَرْب من النّظر وَالِاسْتِدْلَال فَمن كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ بتوفر آلاته وَجب عَلَيْهِ فعله كالأئمة الْمُجْتَهدين رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَمن لم يكن لَهُ قدرَة عَلَيْهِ وَجب عَلَيْهِ اتِّبَاع من أرشده إِلَى مَا كلف بِهِ
الجزء 1 · صفحة 39
مِمَّن هُوَ من أهل النّظر وَالِاجْتِهَاد وَالْعَدَالَة وَسقط عَن الْعَاجِز تَكْلِيفه بالبحث وَالنَّظَر لعَجزه بقوله تبَارك وَتَعَالَى {لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا} وَقَوله عز من قَائِل {فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ} وَهِي الأَصْل فِي اعْتِمَاد التَّقْلِيد كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُحَقق الْكَمَال ابْن الْهمام فِي التَّحْرِير
الجزء 1 · صفحة 41
فصل
إِذا علمت ذَلِك فَاعْلَم أَن أَبَا حنيفَة ومالكا وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل رَحْمَة الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ كل كَانَ من أهل الذّكر الَّذين وَجب سُؤَالهمْ لمن لم يصل إِلَى دَرَجَة النّظر وَالِاسْتِدْلَال فَإِذا عمل أحد منالمقلدين فِي طَهَارَته وَصلَاته اَوْ شَيْء مِمَّا جرى بِهِ التَّكْلِيف بقول وَاحِد مِنْهُم مُقَلدًا لَهُ فِيهِ أَو صَادف قَوْله وَلَو لم يعلم بِهِ حِين الْعَمَل فقلده فِيهِ بعد انقضائه على
الجزء 1 · صفحة 42
مَا ظهر لي فِي الْمَسْأَلَة كَمَا يدل عَلَيْهِ مَا اسْتشْهد بِهِ فِي المسالة بعد هَذَا فقد أدّى مَا عَلَيْهِ وَلَيْسَ لأحد مِمَّن هُوَ فِي دَرَجَته التَّقْلِيد لَهُ قلت بل وَلَا للمجتهد الْإِنْكَار عَلَيْهِ كَمَا صرح بِهِ (فِي غير كتاب) عندنَا من تصانيف الصَّدْر الشَّهِيد حسام الدّين وَغَيره من
الجزء 1 · صفحة 43
كتب الْمَذْهَب الْمُعْتَبرَة كالتجنيس والمزيد لشيخ الْإِسْلَام برهَان الدّين صَاحب الْهِدَايَة كَمَا نقلته بخطي عَنْهَا فِي مظانه
الجزء 1 · صفحة 44
إِذا ثَبت ذَلِك فَلَيْسَ لحنفي أَو مالكي أَو شَافِعِيّ من المقلدين أَن يمْتَنع من الِاقْتِدَاء بِالْإِمَامِ الْمُخَالف لمذهبه و (لَيْسَ لَهُ أَن يحْتَج) بِأَنِّي لما قلدت الشَّافِعِي أَو أَبَا حنيفَة مثلا فقد وَجب على الحكم بِبُطْلَان مَا خَالف اجْتِهَاده لأننا نقُول إِنَّمَا أُبِيح التَّقْلِيد بِقدر الضَّرُورَة وَذَلِكَ ينْدَفع بتقليدك لَهُ فِي عَمَلك وكيفيته فَقَط (وَإِن شِئْت قل فِي كَيْفيَّة إِيقَاع مَا كلفت بِهِ فَقَط) وَأما الحكم بِبُطْلَان مخالفه فَلَيْسَ ذَلِك إِلَيْك بل للْكَلَام مجَال فِي تسويغ ذَلِك للمجتهد الَّذِي قلدته
الجزء 1 · صفحة 45
وَأما أَنْت وَمن هُوَ فِي مرتبتك من المقلدين فَقَوْل كل مُجْتَهد عِنْده على حد سَوَاء إِذْ لَيْسَ التَّرْجِيح بِالدَّلِيلِ من
الجزء 1 · صفحة 46
وظائفك ولكنت فِي درجتهم وَوَجَب عَلَيْك الِاجْتِهَاد وارتفع التَّقْلِيد وَلَكِن لابد للْعَمَل فِي تَصْحِيحه من مُسْتَند فَأَنت استندت إِلَى إمامك وَنعم الإِمَام وَهَذَا الآخر اسْتندَ إِلَى إِمَام فِي فعله مثل إمامك أَو أَعلَى مِنْهُ فَلَا يمكنك الحكم على عمله بِالْبُطْلَانِ الْبَتَّةَ فلست حِينَئِذٍ فِي تخلفك عَن الِاقْتِدَاء بِهِ إِلَّا عَاملا بمحض التعصب وَقد نَص عُلَمَاؤُنَا وَغَيرهم من أَصْحَاب الْمذَاهب على حُرْمَة التعصب وتصويب الصلابة فِي الْمَذْهَب وَمعنى الصلابة أَي الثَّبَات على مَا ظهر للمجتهد من الدَّلِيل وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا للمجتهد نَفسه أَو لمن هُوَ من أهل النّظر مِمَّن أَخذ بقوله
الجزء 1 · صفحة 47
والتعصب هُوَ الْميل مَعَ الْهوى لأجل نصْرَة الْمَذْهَب ومعاملة
الجزء 1 · صفحة 48
الإِمَام الآخر ومقلديه بِمَا يحط عَنْهُم وَقد نَص فِي جَوَاهِر
الجزء 1 · صفحة 49
الفتاوي وَغَيرهَا من كتب أَصْحَابنَا أَن الإِمَام الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى لم يكن لَهُ تعصب على أَئِمَّتنَا رَحِمهم الله تَعَالَى
وَقد كَانَ الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم يَقْتَدِي بَعضهم بِبَعْض وَكَذَا التابعون لَهُم وَفِيهِمْ المجتهدون وَلم ينْقل عَن أحد من السّلف رَحِمهم الله تَعَالَى أَنه كَانَ لَا يرى الِاقْتِدَاء بِمن يُخَالف قَوْله فِي بعض الْمسَائِل وَلَو فِي خُصُوص الطَّهَارَة وَالصَّلَاة بل كَانَ يَقْتَدِي بَعضهم بِبَعْض وَرُبمَا اعْتقد بَعضهم ولَايَة بعض حَتَّى أَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ بعث يطْلب قَمِيص الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل من بَغْدَاد
الجزء 1 · صفحة 50
يستشفي بِهِ فِي مُدَّة مَرضه بِغسْلِهِ وَشرب مَائه كَمَا رَأَيْته مثبتا فِي مَنَاقِب أَحْمد رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم يُعَامل بَعضهم بَعْضًا كَمَا يعلم ذَلِك من سيرهم وأحوالهم
وَلَا يلْتَفت إِلَى مَا قد تمسك بِهِ من لَا معرفَة عِنْده بِأَن الِاخْتِلَاف بَينهم لم يكن بَينهم بِهَذِهِ الصّفة الَّتِي عَلَيْهَا الْمذَاهب الْآن لأَنا قد قَررنَا أَن ذَلِك لَا يمْنَع لِأَن الْكل كَانُوا فِي طلب الْحق على
الجزء 1 · صفحة 51
حد متساو واجتهاد كل وَاحِد مِنْهُم يحْتَمل الْخَطَأ كَغَيْرِهِ بعد تَسْلِيم بلوغهم دَرَجَة الِاجْتِهَاد وَإِن تفاوتوا فِيهِ
فَإِن قلت قد نقل الإِمَام حَافظ الدّين النَّسَفِيّ صَاحب
الجزء 1 · صفحة 52
الْكَنْز وَالْكَافِي فِي مصفاة عَن الْمَشَايِخ الْمُتَقَدِّمين إِنَّا إِذا
الجزء 1 · صفحة 53
سئلنا عَمَّا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ فِي الْفُرُوع نجيب بَان مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ صَوَاب يحْتَمل الْخَطَأ وَمَا ذهب إِلَيْهِ الْغَيْر خطا يحْتَمل الصَّوَاب انْتهى بِمَعْنَاهُ وَإِن لم يكن بِلَفْظِهِ وَهَذَا يُوجب امْتنَاع الْمُقَلّد من اتِّبَاع امام يرى مُخَالفَة قَول امامه لكَونه خطأ وَمَا قلد فِيهِ صَوَاب عِنْده
قُلْنَا المُرَاد من هَذَا تَخْصِيص أَن مَا ذهب إِلَيْهِ أَئِمَّتنَا هُوَ صَوَاب عِنْدهم مَعَ احْتِمَال الْخَطَأ إِذْ كل مُجْتَهد قد يُصِيب وَقد يُخطئ فِي نفس الْأَمر وَأما بِالنّظرِ إِلَيْنَا فَهُوَ مُصِيب فِي اجْتِهَاده وَهُوَ
الجزء 1 · صفحة 54
معنى مَا رُوِيَ أَن كل مُجْتَهد مُصِيب فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَن الْحق يَتَعَدَّد
وَيَنْبَغِي أَن يكون قد أَرَادَ الْكَلَام أَن للمجتهد الحكم ظنا لَا قَطْعِيا بِأَن اجْتِهَاد غَيره خطأ اما نفس الْمُجْتَهد الْمُخَالف فَهُوَ مُصِيب فِي الْعَمَل بِاجْتِهَاد نَفسه لَا مُخطئ فِي ذَلِك وَإِن كَانَ مَحْكُومًا بخطأ إجتهاده عِنْد غَيره لِأَنَّهُ مَأْمُور بإجتهاد نَفسه كَمَا لَا يخفي
قَالَ الإِمَام فَخر الْإِسْلَام عَليّ بن مُحَمَّد الْبَزْدَوِيّ فِي شرح
الجزء 1 · صفحة 55
الْجَامِع الصَّغِير فِي مسئلة التَّحَرِّي بالقبلة فِي اللَّيْلَة الْمظْلمَة
الجزء 1 · صفحة 56
وَهَذَا نَص من أَصْحَابنَا على انهم لم يَقُولُوا كل مُجْتَهد مُصِيب خلافًا للمعتزلة فَإِن من نسب ذَلِك إِلَيْهِم فقد تَقول عَلَيْهِم هَذَا لفظ فَخر الْإِسْلَام رَحْمَة الله عَلَيْهِ
قلت وَقد ذهب بَعضهم إِلَى أَن الْحق يَتَعَدَّد فِي الْمَسْأَلَة
الجزء 1 · صفحة 57
وَهُوَ مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاد كل مُجْتَهد فِيهَا فقد جعل الله تبَارك وَتَعَالَى حكم الْمَسْأَلَة مَا أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاد كل مُجْتَهد وَلَكِن لَا نقُول بِهِ بل مَعْنَاهُ أَنه مُصِيب فِي اجْتِهَاده ثمَّ الْعَمَل بِهِ وَالْحق عِنْد الله وَاحِد وَلَكِن لما ظهر لَهُم بِالدَّلِيلِ حكم من الْأَحْكَام وَجب عَلَيْهِم اتِّبَاع الدَّلِيل وَمن ضَرُورَة وجوب الِاتِّبَاع التصويب وَإِلَّا فالشرع لَا يَأْمر بِاتِّبَاع الْخَطَأ ثمَّ من ضَرُورَة تصويب قَوْلهم تخطئة قَول مخالفهم مَعَ احْتِمَال الْإِصَابَة من مخالفهم لِأَن الْمُجْتَهد لم يحصل لَهُ إِلَّا الظَّن لَا الْقطع بذلك وَلِهَذَا لَو حكم بِشَيْء من القطعيات فِي العقائد يجْزم بالإصابة وتخطئة الْمُخَالف كَمَا ذكره النَّسَفِيّ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة فِي الْمُصَفّى أَيْضا
فَالْحَاصِل أَن المُرَاد من أَئِمَّتنَا وَمن أَخذ بقَوْلهمْ من أهل النّظر
الجزء 1 · صفحة 58
كمشايخ الْمَذْهَب الْكِبَار الْمُتَقَدِّمين كالشيخ أبي الْحسن الْكَرْخِي وَالْإِمَام أبي جَعْفَر الطَّحَاوِيّ والمتأخرين
الجزء 1 · صفحة 59
مثل شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي وتلميذه السَّرخسِيّ وفخر الْإِسْلَام الْبَزْدَوِيّ وامثالهم من النظار فِي الْقرن الْخَامِس وَالْإِمَام قَاضِي
الجزء 1 · صفحة 60
خَان وخسرويه صَاحب الْهِدَايَة وأضرابهما من أهل
الجزء 1 · صفحة 61
الانظار ذَوي الْقدر الخطير فِي الْقرن السَّادِس لَو سئلوا لَكَانَ جوابهم مَا ذكره ويرشد إِلَى ذَلِك تَعْبِيره بقوله (لَو سئلنا) وَقَوله (عَمَّا ذَهَبْنَا) إِلَى آخِره وَلم يقل لَو سُئِلَ الْمُقَلّد فَهَذَا الْجَواب مُقَدّر من جَانب الْأَئِمَّة أنفسهم فِيمَا ذَهَبُوا
الجزء 1 · صفحة 62
// إِلَيْهِ وَلَيْسَ المُرَاد أَن يُكَلف كل مقلد أَن يعْتَقد ذَلِك فِيمَا قلد فِيهِ إِذْ ذَلِك تَقْلِيد فِيمَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَهُوَ مَمْنُوع كَمَا أفدتك من قبل أَن التَّقْلِيد إِنَّمَا يسوغ بِقدر الضَّرُورَة وَهُوَ مُحْتَاج إِلَى الْعَمَل فَلَا بُد من التَّقْلِيد فِي كَيْفيَّة حُصُوله وَأما اعْتِقَاد صِحَة مَا قلد فِيهِ وَلَا يدْرِي بطلَان كل مَا عداهُ فَلَيْسَ مُكَلّفا
فَإِن قلت بل هُوَ مُكَلّف وَإِلَّا لزم إِذا التَّكْلِيف مَعَ اعْتِقَاد عدم صِحَّتهَا
قلت لَا يلْزم ذَلِك إِلَّا لَو اعْتقد عدم صِحَة مَا قلد فِيهِ وَنحن لَا نقُول بِهِ بل هُوَ على الصَّوَاب ظَاهر حَيْثُ فعل مَا عَلَيْهِ وَهُوَ الْأَخْذ بقول مُجْتَهد وَأما تخطئة من أَخذ بِخِلَاف قَول
الجزء 1 · صفحة 63
مقلده فَمَا هُوَ مُكَلّف بهَا وَإِذا تقرر هَذَا فَلَا يسوغ لحنفي أَو شَافِعِيّ وجد فِي الْمَسْجِد إِمَامًا على خلاف مذْهبه بعد أَن كَانَ من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة ترك الِاقْتِدَاء بِهِ نظرا إِلَى عدم صِحَة صلَاته على مُقْتَضى مَذْهَب إِمَامه
الجزء 1 · صفحة 65
فصل
يُؤَيّد مَا ذكرته مَا نَقله التقى الشمني فِي شرح الْمُخْتَصر
الجزء 1 · صفحة 66
وَالشَّيْخ عُثْمَان الزَّيْلَعِيّ وَصَاحب الْبَحْر الرَّائِق وَغَيرهم عَن الإِمَام الْجَلِيل أبي بكر الرَّازِيّ رَحمَه الله من صِحَة الِاقْتِدَاء بِإِمَام
الجزء 1 · صفحة 67
رعف وَلم يتَوَضَّأ وَهَذَا يشْعر بالاكتفاء باعتقاد الإِمَام نَفسه فِي
الجزء 1 · صفحة 68
صِحَة صلَاته وَلَا عِبْرَة حِينَئِذٍ بفسادها فِي اعْتِقَاد المقتدى كَمَا
الجزء 1 · صفحة 69
اشار إِلَيْهِ النَّسَفِيّ أَيْضا وَهَذَا القَوْل هُوَ الْمَقْصُود رِوَايَته وَإِن اعْتمد خِلَافه رِوَايَة عندنَا وَهُوَ الَّذِي أميل إِلَيْهِ وَعَلِيهِ يتمشى مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ فِي هَذِه الوريقات
أبل أَزِيد وَأَقُول وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ النّظر فِيمَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ لَا يَنْبَغِي تَخْصِيص عقيدة الإِمَام بِالِاعْتِبَارِ فِي الصِّحَّة بل نقُول يَكْفِي حُصُول الصِّحَّة على قَول مُجْتَهد سَوَاء فِي ذَلِك مُطَابقَة عقيدة الإِمَام وَالْمَأْمُوم أَو غير مُطَابقَة كَمثل شَافِعِيّ مس فرجه وَصلى
الجزء 1 · صفحة 71
نَاسِيا إِمَامًا واقتدى الْحَنَفِيّ بالشافعي ثمَّ نسي وَدخل فِي الصَّلَاة والحنفي كَانَ عَالما بمسه وَهُوَ ذَاكِرًا لَهُ فَنَقُول لَهُ أَن يَقْتَدِي بِهِ
الجزء 1 · صفحة 72
لِأَنَّهُ فِي حَالَته بعد الْمس وَهُوَ متوضئ فِي اعْتِقَاد الْحَنَفِيّ المقتدى فَيَكْفِي ذَلِك
وَقد قَالَ الْمُحَقق فِي فتح الْقَدِير فِي مثل هَذِه الصُّورَة أَن الْأَكْثَر على الصِّحَّة خلافًا للهندواني وَغَيره فَفِي هَذِه الصُّورَة قد اعْتبرنَا إعتقاد الْحَنَفِيّ المقتدى واكتفينا بِصِحَّتِهَا فِي عقيدته وصححنا الِاقْتِدَاء كَمَا أَنه فِي مَسْأَلَة اقْتِدَاء الْحَنَفِيّ بِالْإِمَامِ الَّذِي رعف
الجزء 1 · صفحة 73
وَلم يتَوَضَّأ اكتفينا بِصِحَّتِهَا فِي عقيدة الإِمَام الراعف وصححنا الِاقْتِدَاء بِهِ وَهُوَ الَّذِي نقلوه عَن الإِمَام الرَّازِيّ
وَقد ذكر الشَّيْخ الإِمَام الْمُحَقق كَمَال الدّين بن الْهمام فِي شَرحه على الْهِدَايَة عَن شَيْخه الإِمَام سراج الدّين الشهير بقارئ الْهِدَايَة أَنه كَانَ يعْتَقد قَول أبي بكر الرَّازِيّ وَأَنه أنكر مرّة أَن
الجزء 1 · صفحة 74
يكون فَسَاد الصَّلَاة بذلك مرويا عَن الْمُتَقَدِّمين انْتهى
وَرَأَيْت فِي رِسَالَة لبَعض الْفُضَلَاء أَن بعض الْفُضَلَاء كَانُوا يرجحون قَول أبي بكر الرَّازِيّ بِنَاء على قُوَّة دَلِيله ووضوح بَيَانه وَهُوَ أَن شَرط صِحَة صَلَاة الْمَأْمُوم صِحَة الإِمَام فِي نَفسهَا كل مُكَلّف إِنَّمَا تصح فِي نَفسهَا إِمَامًا ومأموما بِاعْتِبَار رَأْيه ومذهبه لَا على مَذْهَب الْغَيْر إِذْ كل مُجْتَهد مُطَاع فِي حكمه ومجزي عَن عمله الَّذِي رَآهُ ومثاب عَلَيْهِ وَإِن لم يصب الْحق فالحنفي لَا يجْزم بِفساد صَلَاة مُجْتَهد خرج مِنْهُ الدَّم وَهُوَ يرى انه غير نَاقض وان قطع بفسادها من حَنَفِيّ إبتلى بِهِ على رَأْيه
الجزء 1 · صفحة 75
قَوْله لَا يجْزم وَقَوله وَإِن قطع لَا يخفي إِنَّه لَا جزم وَلَا قطع فِي الظنيات فَالصَّوَاب أَن يُقَال لَا يحكم أَو لَا يَقُول بفسادها وَكَذَا أَن يَقُول وَأَن حكم أَو وَأَن قَالَ بفسادها بدل قَوْله وَإِن قطع قَالَ جَامعهَا وَإِن قطع بفسادها من حَنَفِيّ ابتلى بِهِ بِنَاء على رَأْيه ومذهبه إِلَى آخر مَا ذكر مِمَّا تركت ذكره قصد الِاقْتِصَار على مَا هُوَ الْمَقْصُود مِنْهُ
وَكَذَلِكَ أَيْضا أجَاب عَنهُ الشمني فِي شرخ الْمُخْتَصر وَغَيره من المصنفين فِي مَسْأَلَة صِحَة اقْتِدَاء مقلد أبي حنيفَة فِي الْوتر بِمن يرى عدم وُجُوبه بِأَنَّهُ لَا يجب عَلَيْهِ إعتقاد الْوُجُوب يدل أَيْضا على مَا
الجزء 1 · صفحة 76
أرشدتك إِلَيْهِ من أَن التَّقْلِيد إِنَّمَا هُوَ بِقدر الْحَاجة واعتقاد الْوُجُوب فِي عمل لم يجتمعوا على وُجُوبه لَا يجب بل رُبمَا لَا يسوغ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبا فَلذَلِك نقُول الْمُقَلّد مُحْتَاج إِلَى إِيقَاع مَا كلف بِهِ
الجزء 1 · صفحة 77
بطريقته لَا غير فَتنبه فقد نقل صَاحب الْبَحْر الرَّائِق وَهُوَ خَاتِمَة الْمُتَأَخِّرين مَوْلَانَا الْعَلامَة ابْن نجيم رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْبَحْر الرَّائِق شرح كنز الدقائق عَن شرح منية الْمصلى إِنَّه صرح بعض مَشَايِخنَا بِأَنَّهُ لَا يَنْوِي فِي الْوتر أَنه
الجزء 1 · صفحة 78
وَاجِب للِاخْتِلَاف فِي وُجُوبه وَنقل هُوَ أَيْضا عَن الْمُحِيط والبدائع أَنه يَنْوِي صَلَاة الْوتر والعيد فَقَط انْتهى وَهَذَا نَص فِيمَا أَشرت إِلَيْهِ
الجزء 1 · صفحة 79
فصل
قد استفاض عِنْد فضلاء الْعَصْر منع التلفيق فِي التَّقْلِيد
الجزء 1 · صفحة 84
وَذَلِكَ بِأَن يعْمل مثلا فِي بعض أَعمال الطَّهَارَة وَالصَّلَاة أَو أحداهما بِمذهب إِمَام وَفِي بعض الْعِبَادَات بِمذهب إِمَام آخر لم أجد على امْتنَاع ذَلِك برهانا بل قد أَشَارَ إِلَى عدم مَنعه الْمُحَقق فِي التَّحْرِير
الجزء 1 · صفحة 85
وَأَنه لم يرد مَا يمْنَع وَنقل منع التلفيق عَن بعض الْمُتَأَخِّرين قَالَ شَارِح تحريره الْعَلامَة ابْن أَمِير حَاج الْقَائِل بِالْمَنْعِ
الجزء 1 · صفحة 86
الْعَلامَة الْقَرَافِيّ رَحمَه الله تَعَالَى
قلت والقرافي رجل من فضلاء الْأُصُولِيِّينَ من الْمَالِكِيَّة وَلَا علينا أَن نَأْخُذ بقوله خُصُوصا وَقد وجدت عَن بعض أَئِمَّتنَا
الجزء 1 · صفحة 87
مَا يدل على جَوَازه بل على وُقُوعه وَهُوَ مَا نقل فِي الْبَزَّازِيَّة أَن من عُلَمَاء خوارزم من أَصْحَابنَا من اخْتَار عدم فَسَاد الصَّلَاة بالْخَطَأ فِي الْقِرَاءَة فِيهَا أخذا بِمذهب الإِمَام الشَّافِعِي رَحمَه الله فَقيل لَهُ مذْهبه فِي غير الْفَاتِحَة فَقَالَ اخْتَرْت من
الجزء 1 · صفحة 88
مذْهبه الْإِطْلَاق وَتركت الْقَيْد لما تقرر فِي كَلَام مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى إِن الْمُجْتَهد يتبع الدَّلِيل لَا الْقَائِل حَتَّى صَحَّ الْقَضَاء بِصِحَّة النِّكَاح بِعِبَارَة النِّسَاء على الْغَائِب انْتهى نَقله عَنْهَا الْعَلامَة خَاتِمَة الْمُتَأَخِّرين ابْن نجيم فِي بعض رسائله فِي الْوَقْف فَأنْظر كَيفَ لفق أخذا بمذهبه بَان الْفَاتِحَة لَيست بِرُكْن فَلَا يضر نُقْصَان بَعْضهَا فِيمَا اخطأ فِيهِ أعنى خطأ فَاحِشا كمن قَالَ إياك نعبا وَإِيَّاك نستعين
الجزء 1 · صفحة 89
فسبقه اللِّسَان خطا فَإِن الْفَاتِحَة نقصت كلمة نعْبد فَلم تجز صلَاته على مَذْهَب الإِمَام الشَّافِعِي رَحمَه الله مَا لم يعد قِرَاءَة نعْبد فَإِذا أَعَادَهَا صحت صلَاته وَلم تفْسد عِنْده بِهَذَا الْخَطَأ لِأَن عِنْده الْكَلَام الْخَطَأ لَا يفْسد إِذا كَانَ قَلِيلا وَعِنْدنَا هُوَ مُفسد فَإِذا أَعَادَهَا على الصِّحَّة لَا يُفِيد لِأَن الصَّلَاة قد فَسدتْ
الجزء 1 · صفحة 90
هَذَا وَقد قَالَ بِعَدَمِ الْفساد عندنَا بعض الْمَشَايِخ إِن أَعَادَهَا على الصِّحَّة كَمَا نَقله الزَّاهدِيّ
الجزء 1 · صفحة 91
وَلَكِن ظَاهر مَا فِي الْبَزَّازِيَّة عَن بعض عُلَمَاء خوارزم أَنه لَا تفْسد وَلَو لم يعد على الصِّحَّة وَإِن أَخذه بِمذهب الشَّافِعِي فِي عدم الْفساد بالْخَطَأ وَهُوَ عين التلفيق
فَإِن قلت إِن ذَلِك الْبَعْض من عُلَمَاء خوارزم لَعَلَّه إِنَّمَا قَالَ بذلك اجْتِهَاد بِدَلِيل قَوْله إِن الْمُجْتَهد يتبع الدَّلِيل لَا الْقَائِل قلت يمْنَع من ذَلِك قَوْله اخذا (بِمذهب) الشافعى فَإِن الْمُتَبَادر من ذَلِك انه قَلّدهُ فِي ذَلِك وَمعنى قَوْله حِينَئِذٍ لما تقرر من كَلَام مُحَمَّد إِلَى آخِره يَعْنِي أَن الْمُجْتَهد كَمَا يتبع مَا دلّ عَلَيْهِ الدَّلِيل بِاجْتِهَاد لَا بإتباع من قَالَ بِمثل مَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَاده فَكَذَلِك الْمُقَلّد إِنَّمَا يلْزمه خُصُوص مَا قلد فِيهِ لَا اتِّبَاع ذَلِك الْمُجْتَهد الَّذِي قَلّدهُ
الجزء 1 · صفحة 92
فِي جَمِيع مَا قَالَ بِهِ وخصوص مَا قلت فِيهِ إِنَّمَا هُوَ عدم الْفساد بالْخَطَأ فِي الْقِرَاءَة مُطلقًا سَوَاء كَانَ ذَلِك فِي الْفَاتِحَة أَو غَيرهَا وَذَلِكَ هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى ورضى عَنهُ وَعَن سَائِر الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين وَفَسَاد الصَّلَاة بِوُقُوع الْخَطَأ فِي الْفَاتِحَة عِنْده لَيْسَ لخُصُوص كَونه فِي الْفَاتِحَة بل لفَوَات بعض الْفَاتِحَة عِنْده فِي الصَّلَاة وَلِهَذَا لَو أَتَى بِمَا أَخطَأ فِيهِ مِنْهَا على الصِّحَّة فَإِنَّهُ لَا يَقُول بِفساد صلَاته حِينَئِذٍ والخوارزمي لم يقلده فِي ركنيه الْفَاتِحَة بل قَلّدهُ فِي عدم الْفساد بالْخَطَأ فِي الْقِرَاءَة أَعنِي الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول
الجزء 1 · صفحة 93
بِإِطْلَاقِهِ وَقَول الْقَائِل لَهُ مذْهبه فِي غير الْفَاتِحَة غير صَحِيح كَمَا تقدم بَيَانه وَكَذَلِكَ قَول الْخَوَارِزْمِيّ لَهُ وَتَركه الْقَيْد وَاقع فِي غير مَحَله لِأَنَّهُ لم يُقَيِّدهُ الشَّافِعِي بِغَيْر الْفَاتِحَة بل خرج ذَلِك من الْخَوَارِزْمِيّ للمشاكلة فِي الْجَواب لمن نسب إِلَيْهِ الْقَيْد أَي إِلَى الشَّافِعِي وَذَلِكَ إِمَّا جهل من ذَلِك الْقَائِل بِمذهب الشَّافِعِي أَو توسع فِي الْعبارَة وتسامح لِأَنَّهُ لما كَانَ الشَّافِعِي يَقُول بِالْفَسَادِ بِوُقُوع الْخَطَأ فِي الْفَاتِحَة إِذا لم يعد على الصِّحَّة فَكَأَن غير الْفَاتِحَة صَار كالقيد لإِطْلَاق الْجَوَاز وَلَيْسَ قيدا حَقِيقَة كَمَا بَينته فِي أول الْكَلَام فَافْهَم
وَالْحَاصِل أَنه لم يثبت من كل وَجه كَون الْخَوَارِزْمِيّ الَّذِي قَالَ بذلك الِاجْتِهَاد وَلَو فَرضنَا ثُبُوت ذَلِك فَمَا ضرنا ذَلِك فِيمَا
الجزء 1 · صفحة 94
قصدنا إِلَيْهِ من جَوَاز التلفيق فَكَمَا أَنه لَو حصل التلفيق بِالِاجْتِهَادِ حكمنَا بِالصِّحَّةِ فَكَذَلِك إِذا حصل التلفيق بالتقليد حكمنَا بِالصِّحَّةِ لِأَن الِاجْتِهَاد أصل فِي الْعَمَل والتقليد فرع التَّكْلِيف فِي الأَصْل إِنَّمَا هُوَ بِالِاجْتِهَادِ عِنْد عدم النَّص فَإِن عجز عَن ذَلِك الِاجْتِهَاد نزل إِلَى التَّقْلِيد فَفِي كل مَوضِع قُلْنَا بِالصِّحَّةِ مَعَ الِاجْتِهَاد نقُول بهَا مَعَ التَّقْلِيد عِنْد الْعَجز عَنهُ من غير زِيَادَة أَمر آخر ومازاد على ذَلِك فَهُوَ قَول مخترع لَا يقوم بِهِ دَلِيل مرضِي وَلَا تنهض بِهِ حجه
دَلِيل منع التلفيق وتوجيهه من قبل الشَّيْخ
وَمَا يزعمه من منع التلفيق من أَن كلا من الْمُجْتَهدين اللَّذين قلدها مثلا يَقُول بِبُطْلَان صلَاته الملفقة مثلا لَو سُئِلَ عَنْهَا
الجزء 1 · صفحة 95
بِانْفِرَادِهِ فمغالطة مدفوعة بِمَا لَا يسع هَذَا الْمحل بَيَانه
وإجمال ذَلِك أَنه إِنَّمَا يَقُول لَهُ إِنَّهَا بَاطِلَة إِن كنت أخذت فِي ذَلِك الْأَمر الَّذِي حكمت أَنا بِبُطْلَانِهِ من أَجله بمذهبي وَأما إِن كنت قلدت فِيهِ غَيْرِي فَلَا أحكم ببطلانها حِينَئِذٍ فِي حَقك إِذْ كنت متمسكا بقول مُجْتَهد وَكَذَلِكَ يَقُول لَهُ الآخر وَالْآخر وَالْآخر فَبَطل إِطْلَاق قَوْلهم يمْنَع التلفيق بِأَن كلا من الْمُجْتَهدين حَاكم بِبُطْلَان صلَاته مثلا بل يُقيد الحكم مِنْهُ ببطلانها بِمَا إِذا كَانَ متمسكا فِيهَا بمذهبه فِيمَا يرى ذَلِك الْمُجْتَهد بُطْلَانهَا بِسَبَب فعله أَو تَركه لَا أَن قلد غَيره فِيهِ فَافْهَم مَا فِيهِ فتندفع تِلْكَ المغالطة الَّتِي
الجزء 1 · صفحة 96
حكم من حكم بِمَنْع التلفيق بِسَبَبِهَا فَإِن أَبيت وَقلت لَا بل الْمُجْتَهد يُطلق القَوْل ببطلانها على رَأْيه فَنَقُول لَا يَلِيق هَذَا الْإِبْطَال بِمَا إِذا قلد مُجْتَهدا غَيره فِي ذَلِك الْأَمر الَّذِي أبطلها بِسَبَبِهِ زياده كَمَا لَا يَلِيق إِبْطَاله بِنَقْض قَول ذَلِك الْمُجْتَهد الْمُصَحح لَهَا مَعَ وجود ذَلِك الْأَمر الَّذِي أبطلها بِسَبَبِهِ ذَلِك الْمُجْتَهد الآخر فَسلمت لَهُ صلَاته أَي الْمُقَلّد لَهَا كل أَمر من أمورها مُجْتَهدا يرى صِحَة ذَلِك فَصَارَ حكم الْمُجْتَهد الْمُبْطل مصروفا
الجزء 1 · صفحة 97
عَنهُ بتقليد من يرى الصِّحَّة بذلك الْأَمر وَبِذَلِك ينْصَرف عَنهُ حكم كل الْمُجْتَهدين ببطلانها
مِثَال توضيحي لما سبق
بَيَان قَول الْمَانِع فِيمَا إِذا قلد الْمُكَلف أَبَا حنيفَة رَضِي الله عَنهُ فِي ان الْمس غير نَاقض مثلا وقلد الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى فِي اكْتِفَاء بمسح بعض شَعرَات من الرَّأْس لَا تبلغ الرّبع أَو مِقْدَار ثَلَاثَة أَصَابِع بِاعْتِبَار الرِّوَايَة الْأُخْرَى فِي مَذْهَب أبي حنيفَة رَحْمَة الله عَلَيْهِ فِي الْمِقْدَار الْمَفْرُوض فِي
الجزء 1 · صفحة 98
مسح الرَّأْس فَإِن الْمَانِع يَقُول أَن أَبَا حنيفَة وَالشَّافِعِيّ حكما بِبُطْلَان
الجزء 1 · صفحة 99
صلَاته فَأَبُو حنيفَة لفقد مسح زياده الْمِقْدَار الْمَفْرُوض عِنْده وَالشَّافِعِيّ لوُجُود الْمس فَهِيَ غير جَائِزَة عِنْدهمَا
رد الْمُؤلف على المانعين
أَقُول وَجَوَابه مَا بَيناهُ بِأَن هَذِه مغالطة وَإِطْلَاق فِي مَحل تَقْيِيد بل الحكم ببطلانها عِنْد كل مِنْهُمَا مُقَيّد بِمَا إِذا كَانَ آخِذا فِي
الجزء 1 · صفحة 100
ذَلِك الْأَمر الَّذِي حكم من حكم ببطلانها بِسَبَبِهِ بِمذهب الْمُبْطل كَمَا تقدم بَيَانه قَرِيبا فَافْهَم وَالله أعلم بِالصَّوَابِ
اللَّهُمَّ لَو ذهب مُجْتَهد إِلَى أَن الْمَفْرُوض من الرَّأْس فِي الْمسْح مِقْدَار مَا قَالَ بِهِ الشَّافِعِي وَإِلَى أَن الْمس غير نَاقض وَإِلَى أَن الدَّلْك والموالاة فِي الْوضُوء لَا يلزمان
الجزء 1 · صفحة 101
أفلم يسوغ الْمَانِع لَهُ حِينَئِذٍ إجتهاده فَكَذَلِك عَلَيْهِ أَن يسوغ
الجزء 1 · صفحة 102
للمقلد تقيده فِي كل وَاحِد من الْمَذْكُورَات لمجتهد قَالَ بذلك كَمَا لَا يخفى فَإِن تأبى متأب عَن تلقي هَذَا الْبَيَان بِالْقبُولِ بعد صِحَّته ووضوحه فاقرعه بِمَا تقدم قَرِيبا من عدم لُحُوق الْإِبْطَال من الْمُجْتَهد بالمقلد لغيره فِيمَا أبْطلهُ بِسَبَبِهِ وَإِن صَادف حكمه عَنهُ بذلك
ثمَّ نرْجِع ونقول وَكَذَلِكَ مَسْأَلَة النِّكَاح فَإِنَّهُ لَا يَصح بِعِبَارَة النِّسَاء عِنْد الشَّافِعِي وَيصِح عِنْده الحكم على الْغَائِب وَعِنْدنَا الحكم بِالْعَكْسِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فَإِذا حكم
الجزء 1 · صفحة 104
بِصِحَّتِهِ بعد وُقُوعه بِعِبَارَة النِّسَاء على الْغَائِب فقد لفق وَمَعَ هَذَا فقد حكمُوا بِصِحَّة هَذَا الحكم الملفق من المذهبين وَكَذَلِكَ مَسْأَلَة الإِمَام أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى لما صلى بِالنَّاسِ الْجُمُعَة فَأخْبر بِوُجُود فَأْرَة فِي مَاء الْحمام الَّذِي كَانَ اغْتسل مِنْهُ للْجُمُعَة فَقَالَ نَأْخُذ بقول إِخْوَاننَا من أهل الْمَدِينَة إِذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ لم يحمل خبثا
الجزء 1 · صفحة 106
قَالَ فِي الْمُحِيط البرهاني والفتاوي الظَّهِيرِيَّة وَغَيرهمَا من كتاب النِّكَاح مستشهدا بهَا فِي مَسْأَلَة من مسَائِل النِّكَاح سَيَأْتِي ذكرهَا للحنفي أَن يعْمل فيهاب غير مذْهبه
أَقُول فَهَذَا أَبُو يُوسُف رَحمَه الله إِمَام الْمَذْهَب وكبيره الْمُجْتَهد الْكَامِل قد قلد عِنْد الضَّرُورَة وَلم يكن ذَلِك مذهبا لَهُ بل مذْهبه تنجس المَاء الْقَلِيل وَإِن لم يتَغَيَّر بِوُقُوع مَا
الجزء 1 · صفحة 107
يُنجسهُ فِيهِ وَلَا شكّ أَن الظَّاهِر أَنه فعل الطَّهَارَة وَصلى الصَّلَاة على مُقْتَضى مذْهبه وَإِنَّمَا قلد فِي خُصُوص المَاء فقد حصل التلفيق مِنْهُ وَهُوَ أوفى حجَّة لنا وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَيْضا أَنه يُقَلّد إِذا احْتَاجَ إِذْ هُوَ الظَّاهِر من فعله هُنَا وَإِن كَانَ نقل فِي جَوَاهِر الفتاوي عَن الْحَاوِي من كتبنَا إِن أَبَا يُوسُف رَحمَه الله بَقِي على هَذَا الْمَذْهَب سِتَّة اشهر ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْمَسْأَلَة فَإِنَّهُ يحْتَمل أَنه ظهر لَهُ بِالدَّلِيلِ بعد التَّقْلِيد صِحَة مَا ذهب إِلَيْهِ غَيره مِمَّن قَلّدهُ فِي
الجزء 1 · صفحة 108
الْمَسْأَلَة خُصُوصا وَلَفظ نقل الْمُحِيط والظهيرية وَلم يكن ذَلِك مذهبا لَهُ بل يدل على وُقُوعه تقليدا
وَهَذِه الْمَسْأَلَة وَهِي هَل للمجتهد أَن يُقَلّد مُجْتَهدا فِي مَسْأَلَة فِيهَا خلاف الْمَشْهُور أَنه لَيْسَ لَهُ ذَلِك وَرُوِيَ عَن الإِمَام مُحَمَّد رَحمَه الله جَوَاز تَقْلِيد الْعَالم للأعلم والفقيه للأفقه وَفرع أبي
الجزء 1 · صفحة 109
يُوسُف هَذَا يُوَافقهُ ثمَّ رَأَيْت فِي أصُول الإِمَام شمس الْأَئِمَّة أبي بكر ابْن مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبي سهل السَّرخسِيّ رَحِمهم الله تَعَالَى
الجزء 1 · صفحة 110
وَهُوَ صَاحب الْمَبْسُوط مَا نَصه على أصل أبي حينفة رَحمَه الله تَعَالَى إِذا كَانَ عِنْد مُجْتَهد أَن من يُخَالِفهُ فِي الرَّأْي أعلم بطرِيق الِاجْتِهَاد وَإنَّهُ مقدم عَلَيْهِ فِي الْعلم فَإِنَّهُ يدع رَأْيه لرأي من عرف زِيَادَة قُوَّة فِي اجْتِهَاده إِلَى أَن قَالَ وعَلى قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى لَا يدع الْمُجْتَهد فِي زَمَاننَا رَأْيه لرأي من هُوَ مقدم عَلَيْهِ فِي الِاجْتِهَاد من أهل عصره إِلَى آخر مَا ذكره فَأفَاد عَن مُحَمَّد خلاف مَا رَأَيْته عَنهُ فَلَعَلَّ أَن لَهُ فِي الْمَسْأَلَة رِوَايَتَيْنِ وَنقل صَاحب الفتاوي الصيرفية عَن فَوَائِد تجنيس الْمُلْتَقط اشْترى
الجزء 1 · صفحة 111
الإِمَام الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى الباقلاء من مُنَادِي السكَك فَأكل وأكلوا بعد مَا حلق وعَلى ثَوْبه شعر كثير فَقيل لَهُ فِي
الجزء 1 · صفحة 112
ذَلِك فَقَالَ حِين ابتلينا انحططنا إِلَى مَذْهَب أهل الْعرَاق وَهُوَ يفهم بِظَاهِرِهِ انه قلد فِي ذَلِك
الجزء 1 · صفحة 113
فقد تلخص من الْمَنْقُول عَن الْأَئِمَّة أَن التلفيق جَائِز وَهُوَ الصَّحِيح كَمَا صرح بِهِ فِي مَذْهَب الشَّافِعِيَّة أَن التلفيق عِنْدهم أَيْضا جَائِز ثمَّ بعد مُدَّة من استنباطي جَوَاز التلفيق من مَسْأَلَتي أبي يُوسُف وَبَعض عُلَمَاء خوارزم وَمَسْأَلَة صِحَة الحكم على الْغَائِب بِصِحَّة النِّكَاح بعد وُقُوعه كَمَا سبق فِي الْمَسْأَلَة الَّتِي ذكروها واستئناسي بمقالة الْمُحَقق فِي التَّحْرِير وَمَا على الْإِنْسَان أَن يخْتَار الأسهل فِي الْعَمَل
الجزء 1 · صفحة 114
ثمَّ وجدت شيخ الْإِسْلَام خَاتِمَة الْأَئِمَّة الْمُتَأَخِّرين مَوْلَانَا الْعَلامَة زين الدّين ابْن نجيم صرح فِي رِسَالَة ألفها فِي بيع الْوَقْف على وَجه الِاسْتِبْدَال بِأَن مَا وَقع فِي آخر التَّحْرِير من منع التلفيق فَإِنَّمَا عزاهُ إِلَى بعض الْمُتَأَخِّرين وَلَيْسَ هَذَا الْمَذْهَب انْتهى فحمدت الله تبَارك وَتَعَالَى على مُوَافقَة مَا ادعيته لما نَص عَلَيْهِ مَوْلَانَا الْعَلامَة ابْن نجيم
الجزء 1 · صفحة 115
فصل
وَكَذَلِكَ مسالة التَّحْرِير أَيْضا وَهِي الَّتِي عبر عَنْهَا بَعضهم بقوله لَا تَقْلِيد بعد الْعَمَل فِيهَا نظر وَهُوَ أَن هَذِه الْعبارَة لَهَا مَعْنيانِ
أَحدهمَا انه إِذا عمل عملا وصادف الصِّحَّة على مَذْهَب إِمَام وَلم يكن عَالما بذلك وَالْحَال انه على مُقْتَضى مذْهبه بَطل ذَلِك الْعَمَل فَهَل لَهُ أَن يَقُول أخذت بِمذهب من يرى صِحَة ذَلِك أم لَا فعلى مَا أذكر لَيْسَ لَهُ ذَلِك على تَقْدِير تَفْسِير الْعبارَة بِهَذَا الْمَعْنى
الجزء 1 · صفحة 116
أَقُول وَفرع أبي يُوسُف الْمَنْقُول فِي مسالة الْفَأْرَة يردهُ إِذْ هُوَ عين التَّقْلِيد بعد انْتِهَاء الْعَمَل وَهُوَ الَّذِي أذهب إِلَيْهِ وَأَقُول بِهِ بل قد اخْتَار عَالم قطر الْيمن فِي زَمَانه الإِمَام الْعَلامَة الْفَقِيه عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد الشَّافِعِي فِي فَتَاوِيهِ إِن الْعَاميّ إِذا وَافق فعله مَذْهَب إِمَام من الْأمة الَّذين يجوز تقليدهم صَحَّ وَإِن لم يقلده توسعة على الْعباد وَاخْتِلَاف الْأمة رَحْمَة وَقَالَ الْمُحَقق ابْن حجر لَا يكون صَحِيحا إِلَّا إِن قلد ذَلِك الْقَائِل
الجزء 1 · صفحة 117
بِالصِّحَّةِ لِأَن تَقْلِيده لإِمَام من الْأَئِمَّة الْمَذْكُورين الْتزم مُتَابَعَته فِي الْأَحْكَام كلهَا فَلَا يُجزئ فِي خلاف ذَلِك إِلَّا بتقليد صَحِيح
وَقد ذكر بعض أَوْلِيَاء الله تَعَالَى الصَّالِحين انه كشف لَهُ أَن الله لَا يعذب من عمل فِي الْمَسْأَلَة بقول إِمَام مُجْتَهد من الَّذين يجوز تقليدهم وهم الْآن الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة الْمُدَوَّنَة مذاهبهم والمحررة أصُول وفروع مسائلهم أما المجتهدون السَّابِقُونَ فَلَا للْجَهْل بضوابط الْأَحْكَام عِنْدهم لفقد التدوين لتطاول السنين كَذَا رَأَيْت مَا حكيته فِي بعض المجاميع
الجزء 1 · صفحة 118
قلت وَفِي تَخْصِيص الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة كَلَام لَا يسع فِي هَذَا الْمحل بَيَانه
الجزء 1 · صفحة 119
ثمَّ رَأَيْت فِي الْبَحْر الرَّائِق شرح الْكَنْز للعلامة ابْن نجيم فِي بَاب قَضَاء الْفَوَائِت عِنْد قَوْله وَيسْقط بِضيق الْوَقْت وَالنِّسْيَان مَا نَصه وَإِن كَانَ عاميا لَيْسَ لَهُ مَذْهَب معِين فمذهبه فَتْوَى مفتيه كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فَإِن أفتاه حَنَفِيّ أعَاد الْعَصْر وَالْمغْرب وَإِن أفتاه شَافِعِيّ فَلَا يعيدهما وَلَا عِبْرَة بِرَأْيهِ وَإِن لم يستفت أحدا وصادف الصِّحَّة على مَذْهَب مُجْتَهد أَجزَأَهُ وَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ انْتهى وَهَذَا مُوَافق لما اخْتَارَهُ عَالم قطر الْيمن فِي زَمَانه وفقيهه الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد الشَّافِعِي
الجزء 1 · صفحة 120
رَحمَه الله تَعَالَى
وَالْمعْنَى الثَّانِي
إِنَّه لَيْسَ للْإنْسَان إِذا عمل فِي مَسْأَلَة بِمذهب أَن يعْمل بِخِلَافِهِ فِيهَا ثَانِيًا وَهَذَا أَيْضا مَدْفُوع من وُجُوه الأول أَنه لم يقم عَلَيْهِ دَلِيل إِلَّا لُزُوم صُورَة التلاعب وَذَلِكَ لَا يلْزم إِلَّا لَو قصد بِهِ ذَلِك (اَوْ ادلت عَلَيْهِ قَرَائِن احوال اَوْ) مُكَلّف ضَاقَ بِهِ الْحَال فالتجأ إِلَى الْأَخْذ فِي وَاقعَة كَانَ عمل فِيهَا مرّة بقول إِمَام فَوَقَعت لَهُ مرّة ثَانِيَة فَأَرَادَ الْأَخْذ فِيهَا فِي الْمرة الثَّانِيَة بقول إِمَام آخر لدفع ضَرُورَة ألجأته إِلَى ذَلِك وَالْغَرَض صَحِيح فَلَا ينْسب إِلَى التلاعب
وَقد صَحَّ وَثَبت عَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ أَنه رَجَعَ
الجزء 1 · صفحة 121
عَن قَوْله فِي مَسْأَلَة كَانَ حكم فِيهَا بِحكم ثمَّ تَكَرَّرت فتبدل نظره فِيهَا فَحكم بِخِلَافِهِ وَقَالَ تِلْكَ على مَا قضينا وَهَذِه على مَا نقضي