الجزء 1 · صفحة 47
(الْقَاعِدَة الأولى (الْمَادَّة / 2))
(" الْأُمُور بمقاصدها ")
(أَولا _ الشَّرْح)
الْأُمُور جمع أَمر، وَهُوَ: لفظ عَام للأفعال والأقوال كلهَا، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {إِلَيْهِ يرجع الْأَمر كُله} ، {قل إِن الْأَمر كُله لله} ، {وَمَا أَمر فِرْعَوْن برشيد} ، أَي مَا هُوَ عَلَيْهِ من قَول أَو فعل. (ر: مُفْرَدَات الرَّاغِب) .
ثمَّ إِن الْكَلَام على تَقْدِير مُقْتَضى، أَي: أَحْكَام الْأُمُور بمقاصدها، لِأَن علم الْفِقْه إِنَّمَا يبْحَث عَن أَحْكَام الْأَشْيَاء لَا عَن ذواتها، وَلذَا فسرت الْمجلة الْقَاعِدَة بقولِهَا: " يَعْنِي أَن الحكم الَّذِي يَتَرَتَّب على أَمر يكون على مُقْتَضى مَا هُوَ الْمَقْصُود من ذَلِك الْأَمر ".
أصل هَذِه الْقَاعِدَة فِيمَا يظْهر قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ ".
(ثَانِيًا _ التطبيق)
إِن هَذِه الْقَاعِدَة تجْرِي فِي كثير من الْأَبْوَاب الْفِقْهِيَّة مثل: (1) الْمُعَاوَضَات والتمليكات الْمَالِيَّة. (2) وَالْإِبْرَاء. (3) وتجري فِي الوكالات. (4) وإحراز الْمُبَاحَات. (5) والضمانات والأمانات. (6) والعقوبات.
1 - أما الْمُعَاوَضَات والتمليكات الْمَالِيَّة: فكالبيع وَالشِّرَاء وَالْإِجَارَة وَالصُّلْح وَالْهِبَة، فَإِنَّهَا كلهَا عِنْد إِطْلَاقهَا _ أَي إِذا لم يقْتَرن بهَا مَا يقْصد بِهِ إخْرَاجهَا عَن إِفَادَة مَا وضعت لَهُ _ تفِيد حكمهَا، وَهُوَ الْأَثر الْمُتَرَتب عَلَيْهَا من التَّمْلِيك والتملك
الجزء 1 · صفحة 48
لَكِن إِذا اقْترن بهَا مَا يُخرجهَا عَن إِفَادَة هَذَا الحكم، وَذَلِكَ كإرادة النِّكَاح بهَا وكالهزل والاستهزاء والمواضعة والتلجئة، فَإِنَّهُ يسلبها إِفَادَة حكمهَا الْمَذْكُور، فَإِنَّهُ إِذا أُرِيد بهَا النِّكَاح كَانَت نِكَاحا.
وَلَكِن يشْتَرط فِي الْإِجَارَة وَالصُّلْح أَن تكون الْمَرْأَة بَدَلا ليَكُون نِكَاحا، فَلَو كَانَت فِي الْإِجَارَة معقوداً عَلَيْهَا لَا تكون نِكَاحا، وَفِي الصُّلْح لَو كَانَت مصالحاً عَنْهَا بِأَن ادّعى عَلَيْهَا النِّكَاح فأنكرت ثمَّ صالحت الْمُدَّعِي على مَال دَفعته لَهُ ليكف صَحَّ وَكَانَ خلعاً. (ر: الدُّرَر وحاشيته، من كتاب النِّكَاح وَمن كتاب الصُّلْح) .
وَكَذَلِكَ لَو بَاعَ إِنْسَان أَو شرى وَهُوَ هازل، فَإِنَّهُ لَا يَتَرَتَّب على عقده تمْلِيك وَلَا تملك.
2 - وَأما الْإِبْرَاء: فَكَمَا لَو قَالَ الطَّالِب للْكَفِيل، أَو قَالَ الْمحَال للمحتال عَلَيْهِ: بَرِئت من المَال الَّذِي كفلت بِهِ، أَو المَال الَّذِي أحلّت بِهِ عَلَيْك، أَو قَالَ: بَرِئت إِلَيّ مِنْهُ، وَكَانَ الطّلب أَو الْمحَال حَاضرا، فَإِنَّهُ يرجع إِلَيْهِ فِي الْبَيَان لما قَصده من هَذَا اللَّفْظ، فَإِن كَانَ قصد بَرَاءَة الْقَبْض والاستيفاء مِنْهُ كَانَ للْكَفِيل أَن يرجع على الْمَكْفُول عَنهُ لَو الْكفَالَة بِالْأَمر، وَكَانَ للمحال عَلَيْهِ أَن يرجع على الْمُحِيل لَو لم يكن للْمُحِيل دين عَلَيْهِ. وَإِن كَانَ قصد من ذَلِك بَرَاءَة الْإِسْقَاط فَلَا رُجُوع لوَاحِد مِنْهُمَا.
أما إِذا كَانَ الطَّالِب أَو الْمحَال غير حَاضر فَفِي (بَرِئت إِلَيّ) لَا نزاع فِي أَنه يحمل على بَرَاءَة الِاسْتِيفَاء، وَكَذَلِكَ فِي بَرِئت، عِنْد أبي يُوسُف فَإِنَّهُ جعله كَالْأولِ، وَهُوَ الْمُرَجح، (ر: تنوير الْأَبْصَار وَشَرحه الدّرّ الْمُخْتَار، كتاب الْكفَالَة، بحث كَفَالَة المَال) .
3 - وَأما الوكالات، فَمِنْهَا: مَا لَو وكل إِنْسَان غَيره بشرَاء فرس معِين أَو نَحوه فَاشْترى الْوَكِيل فرسا فَفِيهِ تَفْصِيل: إِن كَانَ نوى شِرَاءَهُ للْمُوكل أَو أضَاف العقد إِلَى دَرَاهِم الْمُوكل يَقع الشِّرَاء للْمُوكل، وَإِن نوى الشِّرَاء لنَفسِهِ أَو أضَاف العقد إِلَى دَرَاهِم نَفسه يَقع الشِّرَاء لنَفسِهِ. وَكَذَا لَو أضَاف العقد إِلَى
الجزء 1 · صفحة 49
دَرَاهِم مُطلقَة فَإِنَّهُ إِذا نوى بهَا دَرَاهِم الْمُوكل يَقع الشِّرَاء للْمُوكل وَإِن نوى بهَا دَرَاهِم نَفسه يَقع لنَفسِهِ، وَإِن تكاذبا فِي النِّيَّة يحكم النَّقْد فَيحكم بالفرس لمن وَقع نقد الثّمن من مَاله، لِأَن فِي النَّقْد من أحد الْمَالَيْنِ دلَالَة ظَاهِرَة على أَنه أُرِيد الشِّرَاء لصَاحبه (وَالْمَسْأَلَة مبسوطة فِي فصل الْوكَالَة بِالشِّرَاءِ من الْهِدَايَة) .
4 - وَأما الإحرازات، وَهِي: استملاك الْأَشْيَاء الْمُبَاحَة، فَإِن النِّيَّة وَالْقَصْد شَرط فِي إفادتها الْملك، فَلَو وضع إِنْسَان وعَاء فِي مَكَان فَاجْتمع فِيهِ مَاء الْمَطَر ينظر: فَإِن كَانَ وَضعه خصيصاً لجمع المَاء يكون مَا اجْتمع فِيهِ ملكه، وَإِن وَضعه بِغَيْر هَذَا الْقَصْد فَمَا اجْتمع فِيهِ لَا يكون ملكه، وَلغيره حينئذٍ أَن يَتَمَلَّكهُ بِالْأَخْذِ، لِأَن الحكم لَا يُضَاف إِلَى السَّبَب الصَّالح إِلَّا بِالْقَصْدِ. (ر: رد الْمُحْتَار، كتاب الْبيُوع، متفرقات، عِنْد قَول الْمَتْن: وَلَو فرخ طير أَو باض _ نقلا عَن الْبَحْر) .
وَكَذَلِكَ الصَّيْد، فَلَو وَقع الصَّيْد فِي شبكة إِنْسَان أَو حُفْرَة من أرضه ينظر: فَإِن كَانَ نشر الشبكة أَو حفر الحفرة لأجل الِاصْطِيَاد بهما فَإِن الصَّيْد ملكه وَلَيْسَ لأحد أَن يَأْخُذهُ، وَإِن كَانَ نشر الشبكة لتجفيفها مثلا أَو حفر الحفرة لَا لأجل الِاصْطِيَاد فَإِنَّهُ لَا يملكهُ، وَلغيره أَن يستملكه بِالْأَخْذِ. (ر: الْمجلة، مَادَّة / 1303) .
5 - وَأما الضمانات والأمانات فمسائلها كَثِيرَة: (أ) مِنْهَا اللّقطَة، فَإِن التقطها ملتقط بنية حفظهَا لمَالِكهَا كَانَت أَمَانَة لَا تضمن إِلَّا بِالتَّعَدِّي، وَإِن التقطها بنية أَخذهَا لنَفسِهِ كَانَ فِي حكم الْغَاصِب فَيضمن إِذا تلفت فِي يَده بِأَيّ صُورَة كَانَ تلفهَا، وَالْقَوْل للملتقط بِيَمِينِهِ فِي النِّيَّة لَو اخْتلفَا فِيهَا.
وَكَذَا لَو التقطها ثمَّ ردهَا لمكانها، فَإِن كَانَ التقطها للتعريف لم يضمن بردهَا لمكانها سَوَاء ردهَا قبل أَن يذهب بهَا أَو بعده وَسَوَاء خَافَ بإعادتها هلاكها أَولا، وَإِن كَانَ التقطها لنَفسِهِ لَا يبرأ بإعادتها لمكانها مَا لم يردهَا لمَالِكهَا. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، أَوَائِل كتاب اللّقطَة، نقلا عَن كَافِي الْحَاكِم وَعَن نور الْعين عَن الْخَانِية) .
الجزء 1 · صفحة 50
(ب) وَمِنْهَا الْوَدِيعَة، فَإِن الْمُودع إِذا استعملها ثمَّ تَركهَا بنية الْعود إِلَى اسْتِعْمَالهَا لَا يبرأ عَن ضَمَانهَا لِأَن تعديه باقٍ، وَإِن كَانَ تَركهَا بنية عدم الْعود إِلَى اسْتِعْمَالهَا يبرأ وَلَكِن لَا يصدق فِي ذَلِك إِلَّا بِبَيِّنَة، لِأَنَّهُ أقرّ بِمُوجب الضَّمَان ثمَّ ادّعى الْبَرَاءَة. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ، صفحة / 144) .
وَهَذَا إِذا كَانَ تعديه عَلَيْهَا بِغَيْر الحجز أَو الْمَنْع عَن الْمَالِك، فَإِن كَانَ بِأحد هذَيْن فَإِنَّهُ لَا يبرأ عَن الضَّمَان إِلَّا بِالرَّدِّ على الْمَالِك وَإِن أَزَال تعديه بالاعتراف بهَا. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ، بحث مَا يصدق فِيهِ الْمُودع، صفحة / 145) .
وَكَذَلِكَ كل أَمِين من قبل الْمَالِك إِذا تعدى ثمَّ أَزَال التَّعَدِّي بنيته أَنه لَا يعود إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يبرأ عَن الضَّمَان، فَلَو لم يكن مسلطاً من قبل الْمَالِك أصلا، كَمَا فِي مَسْأَلَة الْمُلْتَقط الْآتِيَة عَن جَامع الْفُصُولَيْنِ بحثا، أَو كَانَ مسلطاً فِي مُدَّة مُؤَقَّتَة وانتهت ثمَّ تعدى ثمَّ أَزَال تعديه وَعَاد إِلَى الْحِفْظ لَا يبرأ. قَالَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: لَو كَانَ مَأْمُورا بِحِفْظ شهر فَمضى شهر ثمَّ اسْتعْمل الْوَدِيعَة ثمَّ ترك الِاسْتِعْمَال وَعَاد إِلَى الْحِفْظ لَا يبرأ، إِذْ عَاد وَأمر الْحِفْظ غير قَائِم. (ر: الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ مِنْهُ، بحث ضَمَان الْمُودع بِالدفع، صفحة / 145) . (ج) وَمن قبيل فرع الْوَدِيعَة الْمَذْكُور مَا جَاءَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: وَكيل بِالْبيعِ لَو خَالف بِأَن اسْتَعْملهُ أَو دفع الثَّوْب إِلَى قصار لقصره حَتَّى صَار ضَامِنا، فَلَو عَاد إِلَى الْوِفَاق يبرأ كمودع، وَالْوكَالَة بَاقِيَة فِي بَيْعه. (ر: الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ مِنْهُ، بحث ضَمَان الْمَأْمُور والدلال، صفحة / 142 - 145 /، وَمثله فِي معِين الْحُكَّام، الْبَاب السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ، فصل التَّسَبُّب وَالدّلَالَة) .
واستثنوا من الْأُمَنَاء: (1) الْمُسْتَعِير لأجل الِانْتِفَاع، (2) وَالْمُسْتَأْجر، (3) وَمثلهمَا الْأَجِير، لَو خَالف ثمَّ عَاد إِلَى الْوِفَاق لَا يبرأ. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ، بحث إجَازَة الدَّوَابّ، صفحة / 164) . فَإِنَّهُمَا إِذا تَعَديا على الْعين المستعارة أَو الْمُسْتَأْجرَة ثمَّ تركا التَّعَدِّي بنية عدم الْعود إِلَيْهِ
الجزء 1 · صفحة 51
لَا يبرآن عَن الضَّمَان إِلَّا بِالرَّدِّ على الْمَالِك. (4) وَيُزَاد رَابِع لَهَا (ذكره صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ بحثا فِي الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ مِنْهُ حَيْثُ قَالَ _ بعد أَن رمز لفتاوى القَاضِي ظهير وللواقعات _) : أَخذ لقطَة ثمَّ ضَاعَت مِنْهُ فَوَجَدَهَا فِي يَد آخر فَلَا خُصُومَة بَينهمَا، بِخِلَاف الْوَدِيعَة، وَالْفرق بَينهمَا أَن للثَّانِي ولَايَة أَخذ اللّقطَة كَالْأولِ بِخِلَاف الْوَدِيعَة. ثمَّ قَالَ عقبه: " أَقُول: دلّ هَذَا على أَنه لَو تعدى ثمَّ أَزَال التَّعَدِّي ثمَّ هَلَكت يضمن، لِأَن يَده لَيست بيد مَالك لما مر من عدم الْخُصُومَة، فبتعديه ظهر أَنه غَاصِب فَلَا يبرأ إِلَّا بِمَا يبرأ بِهِ الْغَاصِب ".
وَلَكِن لم يظْهر لي مَا بَحثه من أَن الْمُلْتَقط يضمن إِذا هَلَكت بعد أَن تعدى ثمَّ أَزَال التَّعَدِّي، بل ظهر لي خِلَافه وَذَلِكَ أَن الِالْتِقَاط بِقصد الرَّد على الْمَالِك مَنْدُوب إِلَيْهِ عِنْد عدم الْخَوْف على اللّقطَة، وواجب عِنْد الْخَوْف عَلَيْهَا، وَمَا ذَلِك إِلَّا للْإِذْن بِهِ من الْمَالِك دلَالَة، وَالْإِذْن من الْمَالِك دلَالَة، كالإذن الصَّرِيح، يَنْفِي الضَّمَان كَمَا قَالُوا فِيمَا لَو ذبح الرَّاعِي الْبَعِير فِي المرعى بعد أَن مرض مَرضا لَا ترجى مَعَه حَيَاته فَإِنَّهُ لَا يضمن، لِأَن الْإِذْن من الْمَالِك يذبحه وَالْحَالة هَذِه حَاصِل عَادَة.
فَإِذا كَانَ الِالْتِقَاط للْمَالِك كَانَ الْإِذْن للملتقط بِوَضْع يَده حَاصِلا من الْمَالِك دلَالَة، وَلذَا كَانَ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ وواجباً شرعا، فَتكون يَده يدا مَأْذُونا فِيهَا، وَإِذا كَانَت مَأْذُونا فِيهَا فَهِيَ يَد نائبة عَن يَد الْمَالِك، فَإِذا تعدى ثمَّ أَزَال التَّعَدِّي لَا يبْقى غَاصبا بل تعود يَد النِّيَابَة عَن الْمَالِك فَإِذا هَلَكت بعد ذَلِك لَا يضمن.
وَمَا نَقله عَن فَتَاوَى القَاضِي ظهير الدّين والواقعات من نفس الْخُصُومَة بَين الْمُلْتَقط الأول وَالثَّانِي لَيْسَ مُعَللا بِأَن يَد الأول لَيست يَد الْمَالِك، كَمَا قَالَ، حَتَّى ينْتج الْمَطْلُوب، بل هُوَ مُعَلل كَمَا ترى بِأَن للثَّانِي ولَايَة الْأَخْذ كَالْأولِ إِذْ إِن أَخذ الثَّانِي، كأخذ الأول، مَأْذُون فِيهِ دلَالَة، فَتكون يَده يَد نِيَابَة كَذَلِك فَلَا يتَرَجَّح الأول عَلَيْهِ، على أَنه نقل فِي الدّرّ الْمُخْتَار فِي كتاب اللّقطَة، عَن السراج، أَن الصَّحِيح أَن الْمُلْتَقط الأول لَهُ أَن يُخَاصم الْمُلْتَقط الثَّانِي فِي اللّقطَة ويأخذها مِنْهُ
الجزء 1 · صفحة 52
وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَن ذَلِك عَام فِي كل أَمِين كَانَت يَده لَيست يَد استحفاظ من الْمَالِك، كوارث الْمُودع وَمن أَلْقَت الرّيح ثوبا فِي دَاره وَنَحْوهمَا.
أما لَو كَانَ الْمُسْتَعِير غير مستعير لينْتَفع بل ليرهن الْعين المعارة، وَهُوَ الْمُسَمّى بالمستعير للرَّهْن، فَإِن حكمه كَسَائِر الْأُمَنَاء، فَإِذا تعدى على الْعين المعارة وَهِي فِي يَده، أَي قبل أَن يرهنها أَو بَعْدَمَا افتكها، ثمَّ أَزَال التَّعَدِّي يبرأ عَن الضَّمَان.
وَالْفرق بَين الْمُسْتَعِير لعمل نَفسه وَالْمُسْتَأْجر وَبَين الْمُودع وَمن بِمَعْنَاهُ كالمستعير للرَّهْن، أَن الْمُسْتَعِير الْمَذْكُور أَو الْمُسْتَأْجر عَامل لنَفسِهِ فَكَانَت يَده على الْعين يَد نَفسه لَا يَد مَالِكهَا، فَبعد إِزَالَة التَّعَدِّي وَالْعود إِلَى الْوِفَاق تبقى يَده فَلَا يُمكن أَن يعْتَبر ردا على الْمَالِك لَا حَقِيقَة وَلَا حكما، بِخِلَاف الْمُودع وَمن بِمَعْنَاهُ فَإِن يَده على الْعين كيد مَالِكهَا فبالعود إِلَى الْوِفَاق تظهر يَد الْمَالِك فَيصير راداً عَلَيْهِ حكما فَيبرأ عَن الضَّمَان. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، كتاب الْوَدِيعَة، وَكتاب الرَّهْن بَاب التَّصَرُّف فِي الرَّهْن وَالْجِنَايَة عَلَيْهِ) .
تَنْبِيه: أطلق فِي بعض الْكتب ضَمَان الْمُسْتَعِير وَالْمُسْتَأْجر فِيمَا إِذا تَعَديا ثمَّ أزالا التَّعَدِّي، وَلم يفصل بَين مَا إِذا كَانَت انْتَهَت الْإِعَارَة وَالْإِجَارَة أَو لم تكن انْتَهَت، وَنقل فِي الْفَصْل الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ من نور الْعين عَن الْهِدَايَة تَرْجِيحه بعلامة الْأَصَح.
وَبَعْضهمْ فصل بَين مَا إِذا كَانَت انْتَهَت الْإِعَارَة وَالْإِجَارَة فَلَا يبرأ إِلَّا بِالرَّدِّ على الْمَالِك، وَبَين مَا إِذا كَانَت لم تَنْتَهِ فَيبرأ بِالْعودِ، وَنقل أَيْضا فِي نور الْعين عَن الْكَافِي تَرْجِيحه بعلامة الْأَصَح.
لكنه نقل فِي الْمحل الْمَذْكُور. قبل ذَلِك بأسطر، أَن القَوْل بضمانها مُطلقًا من غير تَفْصِيل عَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَكَذَلِكَ حكى فِي الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ من جَامع الْفُصُولَيْنِ، من بحث رد الْعَارِية وَمَا يتَعَلَّق بِهِ، أَن الْفَتْوَى على أَنه لَا يبرأ بِالْعودِ إِلَى الْوِفَاق.
6 - وَأما الْعُقُوبَات: فكالقصاص: فَإِنَّهُ يتَوَقَّف على أَن يقْصد الْقَاتِل
الجزء 1 · صفحة 53
الْقَتْل، لَكِن الْآلَة المفرقة للأجزاء تُقَام مقَام قصد الْقَتْل، لِأَن هَذَا الْقَصْد مِمَّا لَا يُوقف عَلَيْهِ، وَدَلِيل الشَّيْء فِي الْأُمُور الْبَاطِنَة يُقَام مقَامه، ويتوقف على أَن يقْصد قتل نفس الْمَقْتُول لَا غَيره. فَلَو لم يقْصد الْقَتْل أصلا، أَو قصد الْقَتْل وَلَكِن أَرَادَ غير الْمَقْتُول فَأصَاب الْمَقْتُول، فَإِنَّهُ لَا يقْتَصّ مِنْهُ فِي شَيْء من ذَلِك بل تجب الدِّيَة، سَوَاء كَانَ مَا قَصده مُبَاحا، كَمَا لَو أَرَادَ قتل صيد أَو إِنْسَان مُبَاح الدَّم فَأصَاب آخر مُحْتَرم الدَّم، أَو كَانَ مَا قَصده مَحْظُورًا، كَمَا لَو أَرَادَ قتل شخص مُحْتَرم الدَّم فَأصَاب آخر مثله.
(ثَالِثا: الْمُسْتَثْنى)
(تَنْبِيه)
: إِن هَذِه الْقَاعِدَة لَا تجْرِي بَين أَمريْن مباحين لَا تخْتَلف بِالْقَصْدِ صفتهما، كَمَا لَو وَقع الْخلاف فِي كَون البيع صدر هزلا أَو مواضعة مثلا، لِأَن اخْتِلَاف الْقَصْد بَين الْهزْل والمواضعة لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ ثَمَرَة، إِذْ كل مِنْهُمَا لَا يُفِيد تَمْلِيكًا وَلَا تملكاً.
بل تجْرِي بَين مباحين تخْتَلف صفتهما بِالْقَصْدِ، كَمَا لَو دَار الْأَمر بَين البيع المُرَاد حكمه وَبَين بيع الْمُوَاضَعَة وَنَحْوه كَمَا تقدم.
وتجري بَين مُبَاح ومحظور، كَمَا فِي فرع اللّقطَة الْمُتَقَدّم فَإِن التقاطها بنية حفظهَا لمَالِكهَا مُبَاح، وبنية أَخذهَا لنَفسِهِ مَحْظُور، كَمَا فِي مَسْأَلَة الْمُودع إِذا لبس ثوب الْوَدِيعَة ثمَّ نَزعه فَإِن عدم الْعود إِلَى لبسه مَطْلُوب وَالْعود إِلَيْهِ مَحْظُور.
وَبِذَلِك يَتَّضِح أَن مَا قَالَه بعض شرَّاح الْمجلة من أَن الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة لَا تجْرِي إِلَّا فِي الْمُبَاحَات غير ظَاهر.
الجزء 1 · صفحة 55
(الْقَاعِدَة الثَّانِيَة (الْمَادَّة / 3))
(" الْعبْرَة فِي الْعُقُود للمقاصد والمعاني، لَا للألفاظ والمباني ")
(أَولا _ الشَّرْح)
[" الْعبْرَة فِي الْعُقُود للمقاصد والمعاني لَا للألفاظ والمباني "] كَمَا فِي الْبَاب الموفي أَرْبَعِينَ من معِين الْحُكَّام، لَكِن بِلَفْظ فِي التَّصَرُّفَات بدل الْعُقُود، وَهُوَ أَعم من التَّعْبِير بِالْعُقُودِ، فَيشْمَل الدَّعَاوَى كَمَا سَيَأْتِي عَن أصُول الْكَرْخِي: " وَلذَا يجْرِي حكم الرَّهْن فِي بيع الْوَفَاء ".
هَذِه الْقَاعِدَة بِالنِّسْبَةِ للَّتِي قبلهَا كالجزئي من الْكُلِّي، فَتلك عَامَّة وَهَذِه خَاصَّة فتصلح أَن تكون فرعا مِنْهَا.
وَالْمرَاد بالمقاصد والمعاني: مَا يَشْمَل الْمَقَاصِد الَّتِي تعينها الْقَرَائِن اللفظية الَّتِي تُوجد فِي عقد فتكسبه حكم عقد آخر كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبا فِي انْعِقَاد الْكفَالَة بِلَفْظ الْحِوَالَة، وانعقاد الْحِوَالَة بِلَفْظ الْكفَالَة، إِذا اشْترط فِيهَا بَرَاءَة الْمَدْيُون عَن الْمُطَالبَة، أَو عدم بَرَاءَته.
وَمَا يَشْمَل الْمَقَاصِد الْعُرْفِيَّة المرادة للنَّاس فِي اصْطِلَاح تخاطبهم، فَإِنَّهَا مُعْتَبرَة فِي تعْيين جِهَة الْعُقُود، فقد صرح الْفُقَهَاء بِأَنَّهُ يحمل كَلَام كل إِنْسَان على لغته وعرفه وَإِن خَالَفت لُغَة الشَّرْع وعرفه: (ر: رد الْمُحْتَار، من الْوَقْف عِنْد الْكَلَام على قَوْلهم: وَشرط الْوَاقِف كنص الشَّارِع) .
وَمن هَذَا الْقسم مَا ذَكرُوهُ من انْعِقَاد بعض الْعُقُود بِأَلْفَاظ غير الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة لَهَا مِمَّا يُفِيد معنى تِلْكَ الْعُقُود فِي الْعرف، كانعقاد البيع وَالشِّرَاء بِلَفْظ
الجزء 1 · صفحة 56
الْأَخْذ والإعطاء. (ر: مَادَّة / 169 و 172 / من الْمجلة) ، وَكَذَا انْعِقَاد شِرَاء الثِّمَار على الْأَشْجَار بِلَفْظ " الضَّمَان " فِي عرفنَا الْحَاضِر.
(ثَانِيًا _ التطبيق)
1 - إِن جَرَيَان حكم الرَّهْن فِي بيع الْوَفَاء لَيْسَ فِي جَمِيع الْأَحْكَام بل فِي بَعْضهَا، وَبَيَان ذَلِك أَنه اخْتلف فِي بيع الْوَفَاء فَقيل هُوَ بيع صَحِيح، وَقيل بيع فَاسد، وَقيل هُوَ رهن. والمفتى بِهِ هُوَ القَوْل الْجَامِع، وَعَلِيهِ جرت الْمجلة فِي الْمَادَّة / 118 / وَهُوَ أَن بيع الْوَفَاء لَهُ شبه بِالْبيعِ الصَّحِيح، وَشبه بالفاسد، وَشبه بِالرَّهْنِ، وَله من كل شبه بعض أَحْكَام الْمُشبه بِهِ.
وَلَا مَانع من أَن يكون للْعقد الْوَاحِد أَكثر من حكم وَاحِد بِاعْتِبَار الْمَقْصُود مِنْهُ، كَالْهِبَةِ بِشَرْط الْعِوَض كَمَا سَيَأْتِي.
وكقرض القيمي، فَإِنَّهُ قرض من وَجه بِحَيْثُ يملكهُ الْمُسْتَقْرض بِالْقَبْضِ، وعارية من وَجه حَيْثُ إِنَّه يجب رد عينه على الْمقْرض كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكَلَام على هَذِه الْمَادَّة نقلا عَن رد الْمُحْتَار أول فصل الْقَرْض.
وكالمضاربة، فَإِن المَال عِنْد الْمضَارب أَمَانَة، فَإِذا تصرف فَهُوَ وَكيل، فَإِذا ربح فَهُوَ شريك، فَإِذا فَسدتْ فَهُوَ أجِير إِجَارَة فَاسِدَة، فَإِذا خَالف فَهُوَ غَاصِب. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّلَاثِينَ، صفحة / 61) .
وكالاستصناع، فَإِن لَهُ شبها بِالْبيعِ، وشبهاً بِالْإِجَارَة، فَإِنَّهُ إِذا وَقع على مَا جرى فِيهِ تعامل وَلم يُؤَجل أَو أجل دون أجل السّلم على وَجه الاستعجال كَانَ لَهُ شبهان، شبه بِالْبيعِ بِخِيَار للمتبايعين حَتَّى إِن لكل مِنْهُمَا فَسخه، وَشبه بِالْإِجَارَة حَتَّى إِنَّه يبطل بِمَوْت الصَّانِع.
وَثُبُوت الْخِيَار لَهما قبل الْعَمَل لَا خلاف فِيهِ عندنَا، وَأما بعد الْعَمَل فثبوته لَهما هُوَ الصَّحِيح فِي الْمَذْهَب، وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف لُزُومه بِلَا خِيَار لأحد الْمُتَعَاقدين. (ر: الْبَدَائِع، كتاب الاستصناع، والدر الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، أَوَاخِر بَاب السّلم) .
الجزء 1 · صفحة 57
وعَلى هَذَا فَمَا جرت عَلَيْهِ الْمجلة فِي الْمَادَّة / 392 / من أَن الاستصناع ينْعَقد لَازِما لَيْسَ مذهبا لأحد من أَئِمَّتنَا، وَمَا ذكرته فِي الْمقَالة الأولى من الْمُقدمَة من أَنَّهَا جرت فِيهَا على قَول أبي يُوسُف لَيْسَ بِصَحِيح، لما سَمِعت من أَنه لَا خلاف لأحد من أَئِمَّتنَا فِي ثُبُوت الْخِيَار لكل مِنْهُمَا قبل الْعَمَل، إِنَّمَا الْخلاف بعد الْعَمَل.
كَمَا إِنَّهَا جرت أَيْضا قبل ذَلِك فِي الْمَادَّة / 389 / على مَا ظَاهره بفيد صِحَة الاستصناع فِيمَا لَا تعامل فِيهِ، وَلم أره قولا لأحد فِي الْمَذْهَب، بل الْمَنْصُوص عَلَيْهِ فِي الْمُتُون أَنه لَا يَصح استصناعاً وَلَكِن إِذا استوفى شَرَائِط السّلم يكون سلما.
فَأَما شبه بيع الْوَفَاء بِالْبيعِ الصَّحِيح: (أ) فَمن جِهَة أَنه لَو كَانَ بِالدّينِ كَفِيل فشرى الطَّالِب بِهِ عقار الْمَدْيُون وَفَاء بطلت الْكفَالَة ثمَّ لَا تعود لَو تفاسخا بيع الْوَفَاء. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّامِن عشر، صفحة / 247) .
(ب) وَمن جِهَة أَن المُشْتَرِي لَهُ أَن ينْتَفع بِالْبيعِ وَفَاء وَيملك من زوائده مَا قَابل مُدَّة بَقَائِهِ فِي يَده بِحكم البيع، وَلَا يضمنهَا بإتلافها، حَتَّى لَو بَاعَ إِنْسَان بستاناً مثلا وَفَاء ثمَّ فسخ البيع بعد مُضِيّ بعض السّنة تقسم الْغلَّة بِالْحِصَّةِ على اثْنَي عشر شهرا، فَيَأْخُذ المُشْتَرِي حِصَّة مَا مضى سَوَاء كَانَت ظَهرت فِيهِ الْغلَّة أَو لَا، وَلَو لم يخرج الثَّمر أصلا فَلَيْسَ للْمُشْتَرِي أَن يَأْخُذ من البَائِع شَيْئا، وَلَو أدْركْت الْغلَّة وَأَخذهَا المُشْتَرِي فَلَيْسَ لَهُ نقض البيع وَطلب الثّمن حَتَّى تتمّ السّنة من وَقت البيع، إِلَّا إِذا أَرَادَ أَن يَأْخُذ من الْغلَّة نصيب مَا مضى وَيتْرك عَلَيْهِ نصيب مَا بَقِي فَلهُ ذَلِك. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّامِن عشر) .
(ج) وَمن جِهَة أَنه يجوز إِجَارَته للْبَائِع بعد الْقَبْض وَتلْزَمهُ الْأُجْرَة، أما لَو آجر قبل قَبضه فقد نقل فِي الْفَصْل الثَّامِن عشر من جَامع الْفُصُولَيْنِ، عَن شيخ الْإِسْلَام برهَان الدّين وَعَن فَوَائِد بعض الْمُتَأَخِّرين وَعَن أبي الْفضل الْكرْمَانِي، أَنه يجوز، وَنقل عَن مُحِيط الديناري أَن الْأَصَح عدم الْجَوَاز وَأَنه بِهِ يُفْتى، وأدلة كل من الْقَوْلَيْنِ مبسوطة هُنَاكَ.
غير أَن الْعرف جارٍ الْيَوْم على إِجَارَته من البَائِع قبل قَبضه، فَلَو أفتى مفتٍ
الجزء 1 · صفحة 58
بِالْجَوَازِ بِنَاء على القَوْل بِهِ كَانَ حسنا، لِأَن هَذَا القَوْل لَيْسَ بضعيف لِأَنَّهُ مُقَابل للأصح فَيكون صَحِيحا، على أَن الْعرف يصلح أَن يكون مُخَصّصا شرعا فِي مثل هَذَا، كَمَا يُسْتَفَاد مِمَّا سَيَأْتِي فِي كلامنا على الْمَادَّة / 36 /.
وَأما شبهه بِالْبيعِ الْفَاسِد: فَمن جِهَة أَن كلا من الْمُتَبَايعين يملك فَسخه واسترداد مَا دَفعه وَإِن لم يرض الآخر.
وَأما شبهه بِالرَّهْنِ: (أ) فَمن جِهَة أَنه لَيْسَ للْبَائِع وَلَا للْمُشْتَرِي بيع مَبِيع الْوَفَاء للْغَيْر إِلَّا بِإِذن الآخر.
(ب) وَأَن الْعقار الْمَبِيع بِالْوَفَاءِ لَا يُؤْخَذ بِالشُّفْعَة.
(ج) وَأَنه لَو بيع عقار بجانبه فَالشُّفْعَة فِيهِ للْمَالِك وَهُوَ البَائِع، لَا للْمُشْتَرِي. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّامِن عشر) .
(د) وَأَنه لَو مَاتَ البَائِع وَفَاء فَلَيْسَ لسَائِر الْغُرَمَاء التَّعَرُّض مَا لم يسْتَوْف المُشْتَرِي دينه.
(هـ) وَأَن الْمَبِيع وَفَاء إِذا هلك فِي يَد المُشْتَرِي من غير تعد مِنْهُ ضمنه ضَمَان الرَّهْن، فَإِن كَانَت قِيمَته مُسَاوِيَة للدّين سقط الدّين بمقابلته، وَإِن كَانَت نَاقِصَة عَن الدّين سقط من الدّين بِقدر قِيمَته واسترد المُشْتَرِي الْبَاقِي من البَائِع، وَإِن كَانَت قِيمَته زَائِدَة على الدّين سقط مِنْهَا مِقْدَار الدّين، وَمَا زَاد من قِيمَته عَن مِقْدَار الدّين يعْتَبر أَمَانَة فِي يَد المُشْتَرِي. فَإِن كَانَ هَلَاك الْمَبِيع بتعد من المُشْتَرِي كَانَ مَا زَاد من الْقيمَة مَضْمُونا عَلَيْهِ أَيْضا. (ر: الْموَاد / 118 و 396 و 397 و 399 و 403) .
وَلم أر حكم مَا لَو انْتقض بعض الْبناء أَو يبس بعض الْأَشْجَار فِي بيع الْوَفَاء، لمن يكون النَّقْض أَو الْحَطب، وَالظَّاهِر أَنَّهُمَا للْمَالِك، لِأَنَّهُ عين الْمَبِيع أَو وصف فِيهِ وَأَنه مَمْلُوك لَهُ بأجزائه وأوصافه وَلَيْسَ مَنْفَعَة من مَنَافِعه، وَيكون
الجزء 1 · صفحة 59
للْمُشْتَرِي حق حَبسه إِلَى اسْتِيفَاء الثّمن، لِأَنَّهُ شَبيه بِالرَّهْنِ من جِهَة حق الْحَبْس عِنْد المُشْتَرِي وَحقّ الِاسْتِرْدَاد للْبَائِع عِنْد أَدَاء الثّمن.
ويفترق بيع الْوَفَاء عَن الرَّهْن فِي أُمُور: (أ) مِنْهَا أَن بيع الْوَفَاء يَصح فِي الْمشَاع وَلَو كَانَ يحْتَمل الْقِسْمَة.
(ب) وَأَن البَائِع وَفَاء إِذا رد للْمُشْتَرِي نصف الثّمن الَّذِي قَبضه يَنْفَسِخ البيع فِي نصف الْمَبِيع فيتمكن حِينَئِذٍ من بيع النّصْف للْغَيْر بِلَا إجَازَة المُشْتَرِي. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، بيع الْوَفَاء) . وَوَضعه الْمَسْأَلَة فِي النّصْف غير احترازي كَمَا هُوَ ظَاهر.
(ج) وَأَن الْمَبِيع وَفَاء تصح إِجَارَته من البَائِع وَمن غَيره كَمَا تقدم، بِخِلَاف الرَّهْن فَإِن إِجَارَته من الرَّاهِن لَا تصح بل تكون إِعَارَة وللمرتهن اسْتِرْدَاده مِنْهُ وحبسه بِالدّينِ، وَأما إِجَارَته من غير الرَّاهِن فَإِذا بَاشَرَهَا أَحدهمَا من رَاهن أَو مُرْتَهن بِإِذن الآخر خرج بهَا عَن الرَّهْن ثمَّ لَا يعود إِلَّا بِعقد رهن جَدِيد: (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، بَاب التَّصَرُّف فِي الرَّهْن وَالْجِنَايَة عَلَيْهِ) . وَإِذ خرج عَن الرَّهْن لَا يكون بدل الْإِجَارَة رهنا بدله، لِأَن الْأُجْرَة بدل الْمَنْفَعَة لَا الْعين، بِخِلَاف مَا إِذا بَاعه أَحدهمَا من رَاهن أَو مُرْتَهن بِإِذن الآخر حَيْثُ يخرج من الرَّهْن وَيكون الثّمن رهنا بدله، لِأَنَّهُ بدل الْعين. (ر: الدُّرَر، والدر الْمُخْتَار، بَاب التَّصَرُّف فِي الرَّهْن وَالْجِنَايَة عَلَيْهِ) .
وَالْفرق بَين إِجَارَة الْمُرْتَهن الرَّهْن للرَّاهِن وَبَين إِجَارَة أَحدهمَا من أَجْنَبِي بِإِذن الآخر _ حَيْثُ تكون الْإِجَارَة فِي الأولى عَارِية أَو وَدِيعَة لَا يخرج بهَا عَن الرَّهْن، بل يستعيده مِنْهُ ويحبسه بِالدّينِ، وَفِي الثَّانِيَة يخرج عَن الرَّهْن ثمَّ لَا يعود إِلَّا بِعقد جَدِيد _ هُوَ أَن الْإِجَارَة من الْعُقُود اللَّازِمَة، والعقود إِنَّمَا ترَاد وتقصد لأحكامها، وَحكم الْإِجَارَة ملك الْمُسْتَأْجر للِانْتِفَاع بالمأجور وَاسْتِحْقَاق الْمَالِك للأجرة، وكل من الْحكمَيْنِ مُتَوَقف على نَزعه من يَد الْمُرْتَهن وتسليمه للْمُسْتَأْجر، إِذْ بِدُونِ ذَلِك لَا يتَمَكَّن من الِانْتِفَاع وَإِذا لم يتَمَكَّن من الِانْتِفَاع لَا تجب الْأُجْرَة عَلَيْهِ.
الجزء 1 · صفحة 60
فَحَيْثُ بَاشر الْمُرْتَهن هَذَا العقد إِلَى ثَالِث بِإِذن الْمَالِك، وَهُوَ الرَّاهِن، أَو أذن بِهِ للرَّاهِن فَفعله اسْتحق الْمُسْتَأْجر عَلَيْهِ نَزعه من يَده وَوضع يَده عَلَيْهِ بِحكم هَذَا العقد اللَّازِم، وَسقط حَقه فِي حَبسه بِالدّينِ، وَإِذا سقط لَا يعود إِلَّا بِعقد رهن جَدِيد، هَكَذَا ظهر لي فِي وَجه الْفرق، ثمَّ رَأَيْته بِهَذَا الْمَعْنى فِي مَبْسُوط السَّرخسِيّ. (ر: الْمَبْسُوط، كتاب الرَّهْن، بَاب رهن الْحَيَوَان، ج / 21 / صفحة / 108 وَغَيرهَا من الْبَاب الْمَذْكُور) .
بِخِلَاف إِجَارَته من الرَّاهِن، فَإِنَّهُم صَرَّحُوا ببطلانها، وَمَا ذَاك إِلَّا لكَون عين الرَّهْن ملكا لَهُ، وَالْإِنْسَان لَا يُمكن أَن يسْتَأْجر مَا هُوَ ملكه، وَإِذا بطلت كَانَ وجودهَا كَالْعدمِ فَلم يبْق إِلَّا مُجَرّد تَسْلِيم الْمُرْتَهن الرَّهْن للرَّاهِن بِوَجْه غير مُسْتَحقّ عَلَيْهِ وَلَا وَاجِب، وَهَذَا لَا يُوجب سُقُوط حَقه فِي حبس الرَّهْن فَلِذَا كَانَ لَهُ اسْتِرْدَاده مِنْهُ وإعادته إِلَى يَده بِحكم الرَّهْن. إِن هَذِه الْقَاعِدَة تجْرِي فِي كثير من الْعُقُود، غير (1) بيع الْوَفَاء، فتجري: (2، 3) بَين الْكفَالَة وَالْحوالَة، (4) وَبَين البيع وَالْهِبَة، (5) وَبَين الْهِبَة وَالْإِجَارَة، [ (6) وَبَين الْهِبَة وَالْإِقَالَة] ، (7) وَبَين الْهِبَة وَالْقِسْمَة، (8) وَبَين الْمُضَاربَة وَالْقَرْض والبضاعة، (9) وَبَين الصُّلْح وَغَيره من الْعُقُود، (10) وَبَين الْوِصَايَة وَالْوكَالَة، (11) وَبَين الْعَارِية وَالْقَرْض، (12) وَبَين الْعَارِية وَالْإِجَارَة، (13) وَبَين الْإِقَالَة وَالْبيع فِي حق غير الْمُتَبَايعين، (14) وَبَين الشُّفْعَة وَالْبيع، (15) وَبَين الْإِقْرَار وَالْبيع، وَكثير غَيرهَا.
2 - أما الْكفَالَة فَهِيَ ضم ذمَّة إِلَى ذمَّة فِي الْمُطَالبَة، فَإِذا اشْترط فِيهَا بَرَاءَة الْمَدْيُون عَن الْمُطَالبَة تعْتَبر حِوَالَة فَيشْتَرط حِينَئِذٍ فِيهَا مَا يشْتَرط فِي الْحِوَالَة، وَلَا يُطَالب الدَّائِن إِلَّا الْكَفِيل فَقَط، وَلَا يرجع على الْمَكْفُول عَنهُ إِلَّا إِذا توي المَال، أَي هلك، عِنْد الْكَفِيل، وَذَلِكَ بِأَن يجْحَد الْكفَالَة مَعَ عجز الدَّائِن عَن إِثْبَاتهَا وَيحلف عِنْد تَكْلِيف الْحَاكِم لَهُ الْيَمين، أَو يَمُوت الْكَفِيل مُفلسًا، أَو يفلسه الْحَاكِم فَحِينَئِذٍ يرجع الدَّائِن على الْمَدْيُون الْمَكْفُول.
3 - وَكَذَلِكَ الْحِوَالَة، وَهِي نقل الدّين من ذمَّة الْمُحِيل إِلَى ذمَّة الْمحَال
الجزء 1 · صفحة 61
عَلَيْهِ، فَإِنَّهَا إِذا اشْترط فِيهَا عدم بَرَاءَة الْمُحِيل عَن الْمُطَالبَة تعْتَبر كَفَالَة، فَيشْتَرط فِيهَا مَا يشْتَرط فِي الْكفَالَة، وَيُطَالب الْمحَال كلا من الْمُحِيل والمحال عَلَيْهِ. (ر: الْمَادَّة / 148 و 149 من الْمجلة) . وَكَذَا لَو ادّعى كَفَالَة وَأقَام شَاهِدين شهد أَحدهمَا بِالْكَفَالَةِ وَشهد الآخر بالحوالة تقبل وَتثبت الْكفَالَة، لِأَنَّهَا أقل، وَهَذَانِ اللفظان جعلا كلفظة وَاحِدَة. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، آخر الْفَصْل الْحَادِي عشر) .
4 - وَأما الْهِبَة فَإِنَّهَا إِذا شَرط فِيهَا تعويض الْوَاهِب تصح وَتعْتَبر هبة ابْتِدَاء وبيعاً انْتِهَاء، فبالنظر لكَونهَا هبة يشْتَرط لصحتها شُرُوط الْهِبَة، فَلَا تصح من الصَّغِير وَلَو كَانَ الْعِوَض كثيرا. (ر: تأسيس النّظر للدبوسي) ، وَكَذَا لَا تصح من وليه وَلَو بعوض مَا. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، كتاب الْهِبَة) ، وَيجب فِيهَا التَّقَابُض فِي الْعِوَضَيْنِ، وَلَا تصح فِي مشاعٍ يحْتَمل الْقِسْمَة وَلَا فِيمَا هُوَ مُتَّصِل بِغَيْرِهِ اتِّصَال الْأَجْزَاء أَو مَشْغُول بِغَيْرِهِ، كَمَا لَو وهب الزَّرْع دون الأَرْض أَو الأَرْض دون الزَّرْع أَو الثَّمر دون الشّجر أَو الشّجر دون الثَّمر، لِأَن ذَلِك فِي معنى الْمشَاع، إِلَى غير ذَلِك من شَرَائِط الْهِبَة.
وبالنظر لكَونهَا بيعا لَا يَصح الرُّجُوع فِيهَا، وَيجْرِي فِيهَا الرَّد بِالْعَيْبِ وَخيَار الرُّؤْيَة، وَتُؤْخَذ بِالشُّفْعَة. أما اشْتِرَاط كَون الْعِوَض مَعْلُوما فَفِيهِ خلاف، وَظَاهر مِثَال الْمَادَّة / 855 / من الْمجلة اشْتِرَاط علمه.
وَهَذَا التَّفْصِيل فِيمَا إِذا قَالَ الْوَاهِب: وَهبتك بِشَرْط أَن تعوض كَذَا، أما لَو قَالَ: وَهبتك بِكَذَا دَرَاهِم مثلا كَانَت بيعا ابْتِدَاء وانتهاءً. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، كتاب الْهِبَة) .
5 - وكما تكون هبة الْعين بِشَرْط الْعِوَض بيعا، على الْوَجْه المشروح، تكون هبة الْمَنْفَعَة بِشَرْط الْعِوَض إِجَارَة. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر لِابْنِ نجيم، كتاب الْبيُوع) .
6 - وَقد تعْتَبر الْهِبَة إِقَالَة، كَمَا لَو وهب المُشْتَرِي الْمَبِيع الْمَنْقُول من البَائِع قبل قَبضه مِنْهُ كَانَ إِقَالَة إِذا قبل البَائِع الْهِبَة، وَيسْتَرد المُشْتَرِي مِنْهُ حِينَئِذٍ الثّمن،
الجزء 1 · صفحة 62
لِأَن تصرف المُشْتَرِي فِي الْمَنْقُول قبل قَبضه من البَائِع لَا يجوز، فَلَا يُمكن تَصْحِيح الْهِبَة، بل تعْتَبر مجَازًا عَن الْإِقَالَة. (ر: تنوير الْأَبْصَار وَشَرحه الدّرّ الْمُخْتَار، كتاب الْبيُوع، أَوَائِل بَاب التَّصَرُّف فِي الْمَبِيع وَالثمن. وَمن بَاب الْإِقَالَة فِي رد الْمُحْتَار) . وكما لَو وهب رب السّلم الْمُسلم فِيهِ من الْمُسلم إِلَيْهِ وَقبل الْهِبَة كَانَت الْهِبَة إِقَالَة. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، من بَاب السّلم) لِأَن تصرف رب السّلم فِي الْمُسلم فِيهِ قبل قَبضه لَا يَصح فَكَانَ مجَازًا عَن الْإِقَالَة.
وكما تكون الْهِبَة فِي معنى البيع وَالشِّرَاء قد يكون الشِّرَاء هبة، فقد قَالَ فِي الدّرّ الْمُخْتَار (فِي الْفُرُوع آخر متفرقات الْبيُوع، عَن الْمُلْتَقط) : شرت لطفلها على أَن لَا ترجع عَلَيْهِ بِالثّمن جَازَ، وَهُوَ كَالْهِبَةِ اسْتِحْسَانًا، وَقَالَ فِي حَاشِيَته، نقلا عَن الْخَانِية: تكون الْأُم مشترية لنَفسهَا ثمَّ يصير هبة مِنْهَا لولدها الصَّغِير وصلَة، وَلَيْسَ لَهَا أَن تمنع المشري عَن وَلَدهَا الصَّغِير.
7 - وَأما جريانها بَين الْقِسْمَة وَالْهِبَة فَكَمَا لَو أَمر أَوْلَاده أَن يقتسموا أرضه الْفُلَانِيَّة بَينهم وَأَرَادَ بِهِ التَّمْلِيك، فاقتسموها وتراضوا على هَذِه الْقِسْمَة تثبت لَهُم الْملك، وَلَا حَاجَة أَن يَقُول لَهُم جملَة: ملكتكم هَذِه الْأَرَاضِي، وَلَا أَن يَقُول لكل وَاحِد مِنْهُم، مَلكتك هَذَا النَّصِيب المفرز. (ر: رد الْمُحْتَار، عَن التَّتارْخَانِيَّة، قبيل الرُّجُوع فِي الْهِبَة، موضحاً) ، وكما لَو اقتسم الْوَرَثَة التَّرِكَة ذُكُورا وإناثاً على السوية صَحَّ بطرِيق الْهِبَة لَا الْإِرْث. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّامِن وَالْعِشْرين، صفحة / 39) .
8 - وَأما الْمُضَاربَة، فَإِنَّهَا إِذا شَرط فِيهَا أَن يكون كل الرِّبْح للْمُضَارب تعْتَبر قرضا، فَإِذا تلف المَال فِي يَد الْمضَارب يكون مَضْمُونا عَلَيْهِ. وَإِذا شَرط فِيهَا أَن يكون كل الرِّبْح لرب المَال تعْتَبر بضَاعَة _ وَهِي: أَن يكون المَال وَربحه لوَاحِد وَالْعَمَل من الآخر _ وَيكون المَال حِينَئِذٍ فِي يَد الْقَابِض أَمَانَة. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر، كتاب الْبيُوع) .
9 - وَأما الصُّلْح فَإِنَّهُ يعْتَبر بأقرب الْعُقُود إِلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ إِمَّا أَن يكون الْمُدعى عَلَيْهِ مقرا للْمُدَّعِي بالمدعى بِهِ أَو مُنْكرا
الجزء 1 · صفحة 63
فَفِي حَالَة إِقْرَاره إِن وَقع الصُّلْح عَن مَال بِمَال يَدْفَعهُ الْمُدعى عَلَيْهِ يعْتَبر بيعا، فَيجْرِي فِي الْمُدعى بِهِ الرَّد بِالْعَيْبِ، وَيُؤْخَذ بِالشُّفْعَة إِن كَانَ عقارا. وَإِن وَقع عَن مَال بِمَنْفَعَة يعْتَبر إِجَارَة. وَإِن كَانَ الصُّلْح عَن دَعْوَى النِّكَاح يعْتَبر خلعاً فتجري فِيهِ أَحْكَام الْخلْع.
وَفِي حَالَة إِنْكَار الْمُدعى عَلَيْهِ إِذا تصالحا على بدل يَدْفَعهُ الْمُدَّعِي يكون ذَلِك فِي حَقه صلحا مَحْضا لقطع الْمُنَازعَة، فَلَا يُمكنهُ بعد عقد الصُّلْح أَن يرد الْمُدعى بِهِ، أَي الْمصَالح عَنهُ، بِالْعَيْبِ، وَلَا يُؤْخَذ بِالشُّفْعَة لَو كَانَ عقارا. أما فِي حق الْمُدعى عَلَيْهِ الْمُنكر، وَهُوَ الَّذِي قبض بدل الصُّلْح، فَإِن رَجَعَ عَن إِنْكَاره وَصدق الْمُدَّعِي أَو لم يرجع وَلَكِن برهن الْمُدَّعِي على دَعْوَاهُ كَانَ فِي حَقه أَيْضا بيعا فتترتب عَلَيْهِ أَحْكَام البيع من الرَّد بِخِيَار الرُّؤْيَة وَالْعَيْب وَالْأَخْذ بِالشُّفْعَة لَو كَانَ الْبَدَل عقارا. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّلَاثِينَ، صفحة / 67) . وَهَذَا لَا يظْهر إِلَّا فِيمَا إِذا كَانَ دَافع الْبَدَل هُوَ الْمُدعى عَلَيْهِ وَإِلَّا كَانَ صلحا مَحْضا كَمَا هُوَ ظَاهر. (ر: التَّنْبِيه الأول وَالثَّانِي الْآيَتَيْنِ فِي الْكَلَام على هَذِه الْقَاعِدَة) .
10 - وَأما الْوِصَايَة وَالْوكَالَة فَكَمَا لَو أوصى الْإِنْسَان غَيره بِبيع شَيْء من مَاله فَإِن ذَلِك يكون وكَالَة، وَلَو وَكله بتنفيذ وَصيته بعد مَوته يكون ذَلِك وصاية. (ر: الْفَتَاوَى الْبَزَّازِيَّة) .
11 - وَكَذَلِكَ الْعَارِية وَالْقَرْض، فَإِن إِعَارَة مَا يجوز قرضه، كالنقود والمثليات، تعْتَبر قرضا. (ر: الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة) . وَكَذَا قرض مَا لَا يجوز قرضه، كالقيمي، يعْتَبر عَارِية، لَكِن من جِهَة أَنه يجب رد عينه لَا من جَمِيع الْوُجُوه، لِأَنَّهُ فِي هَذِه الصُّورَة يملك بِالْقَبْضِ وَيكون مَضْمُونا كالقرض الْمَحْض. (ر: رد الْمُحْتَار، أول الْقَرْض) . 12 - وَأما جريانها بَين الْعَارِية وَالْإِجَارَة فَكَمَا لَو قَالَ رجل لآخر: أعرتك دَاري هَذِه مثلا شهرا بِكَذَا كَانَ إِجَارَة. (ر: تنوير الْأَبْصَار وَشَرحه، أَوَائِل كتاب الْإِجَارَة) .
13 - وَأما جريانها بَين الْإِقَالَة وَالْبيع فَكَمَا لَو بَاعَ الْمَوْهُوب لَهُ الْعين
الجزء 1 · صفحة 64
الْمَوْهُوبَة من آخر ثمَّ تقايل مَعَه البيع وعادت الْعين الْمَوْهُوبَة إِلَى يَده فَلَيْسَ للْوَاهِب الرُّجُوع فِي الْهِبَة، لِأَن تقايل الْمَوْهُوب لَهُ البيع مَعَ المُشْتَرِي مِنْهُ بِمَنْزِلَة بيع جَدِيد فَكَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ من مُشْتَرِيه. (ر: تنوير الْأَبْصَار وَشَرحه، من الْإِقَالَة) . وَهُنَاكَ فروع كَثِيرَة تُؤْخَذ من الْمحل الْمَذْكُور.
14 - وَأما جريانها بَين الشُّفْعَة وَالْبيع فَكَمَا سَيَأْتِي فِي التَّنْبِيه آخر الْقَاعِدَة / 71 / القائلة: " لَا عِبْرَة بِالظَّنِّ الْبَين خَطؤُهُ " فِي الْمَسْأَلَة الْخَارِجَة عَنْهَا.
15 - وَأما جريانها بَين الْإِقْرَار وَالْبيع فَلَمَّا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ، فِي الْفَصْل الموفي عشْرين: " الْإِقْرَار المقرون بِالْعِوَضِ تمْلِيك مُبْتَدأ، فَإِن من قَالَ لآخر: أقرّ لي بِهَذَا، لشَيْء فِي يَده، حَتَّى أُعْطِيك مائَة مثلا كَانَ بيعا، حَتَّى لَو قَالَ: إِلَى الْحَصاد لم يجز ". أَي يفْسد لتأجيل الثّمن إِلَى أجل مَجْهُول.
(تَنْبِيهَات)
التَّنْبِيه الأول: إِن ذكر لفظ الْعُقُود فِي هَذِه الْقَاعِدَة لَيْسَ لإِفَادَة أَن اعْتِبَار الْمَقَاصِد والمعاني لَا يجْرِي إِلَّا فِي الْعُقُود بل جَريا على الْغَالِب، وَإِلَّا فَإِن الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة تجْرِي فِي غير الْعُقُود، كالدعاوى.
قَالَ الإِمَام أَبُو الْحسن الْكَرْخِي فِي رِسَالَة الْأُصُول: " الأَصْل أَنه يعْتَبر فِي الدَّعَاوَى مَقْصُود الْخَصْمَيْنِ فِي الْمُنَازعَة دون الظَّاهِر ". وَقَالَ الإِمَام أَبُو حَفْص النَّسَفِيّ فِي شَرحه للرسالة: " من مسَائِل هَذَا الأَصْل: (أ) أَن الْمُودع إِذا طُولِبَ برد الْوَدِيعَة فَقَالَ: رَددتهَا عَلَيْك، فَقَالَ الْمُودع: لم تردها، فَالْقَوْل قَول قَابل الْوَدِيعَة مَعَ أَنه يَدعِي خلاف الظَّاهِر بقوله رددت، وَذَلِكَ لِأَن الْمَقْصُود هُوَ الضَّمَان وَهُوَ مُنكر لَهُ فَكَانَ القَوْل قَوْله ".
(ب) وَمثله مَا فِي الرسَالَة الْمَذْكُورَة أَيْضا، من أَن الْمُودع الْمَأْمُور بِدفع الْوَدِيعَة لفُلَان إِذا قَالَ: دفعتها لَهُ، وَقَالَ فلَان: مَا دَفعهَا إِلَيّ، فَالْقَوْل قَول الْمُودع فِي بَرَاءَة نَفسه لَا فِي إِيجَاب الضَّمَان على فلَان بِالْقَبْضِ.
الجزء 1 · صفحة 65
(ج) وَمِنْهَا مَا لَو ادّعى رجلَانِ نِكَاح امْرَأَة ميتَة وَأقَام كل مِنْهُمَا الْبَيِّنَة وَلم يؤرخا، أَو أرخا تَارِيخا متحداً، فَإِنَّهُ يقْضى بِالنِّكَاحِ بَينهمَا، وعَلى كل مِنْهُمَا نصف الْمهْر، ويرثان مِنْهَا مِيرَاث زوج وَاحِد. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، كتاب الدَّعْوَى، دَعْوَى الرجلَيْن) لَان الْمَقْصُود من دَعْوَى النِّكَاح بعد مَوتهَا الْإِرْث فَكَانَت الدَّعْوَى دَعْوَى مَال وَلَا مَانع من اشتراكهما فِي المَال.
أما لَو كَانَت حَيَّة وَأقَام كل مِنْهُمَا الْبَيِّنَة وَلَا مُرَجّح لإحدى الْبَيِّنَتَيْنِ بسبق تَارِيخ أَو دُخُوله بِالْمَرْأَةِ أَو غَيره من المرجحات الْمَذْكُورَة هُنَاكَ فَإِنَّهُ لَا يقْضى لأحد مِنْهُمَا، لِأَن الْمَقْصُود حِينَئِذٍ نفس النِّكَاح وَالشَّرِكَة فِيهِ لَا تكون. (ر: مَا سَيَأْتِي تَحت الْمَادَّة / 13 / من الْمجلة) .
(د) وَمِنْهَا مَا لَو ادّعى اثْنَان عينا، كل يَدعِي أَن كلهَا رهن عِنْده من فلَان بِدِينِهِ، وَفُلَان ميت، وبرهنا، فَإِنَّهُ يقْضى لكل مِنْهُمَا بِنِصْفِهَا رهنا عِنْده سَوَاء كَانَت فِي أَيْدِيهِمَا أَو يَد غَيرهمَا، لِأَن دعواهما الرَّهْن _ والراهن ميت _ يكون الْمَقْصُود مِنْهَا الِاسْتِيفَاء من ثمن الْعين بِالْبيعِ، والشائع يقبله، بِخِلَاف مَا إِن كَانَ الرَّاهِن حَيا فَإِن الْمَقْصُود حِينَئِذٍ حكم الرَّهْن، وَهُوَ حبس الْعين، والشائع لَا يقبله. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، والدرر، من بَاب مَا يَصح رَهنه وَمَا لَا يَصح) .
(هـ) وَمن مسَائِل الدَّعَاوَى أَيْضا فِي هَذَا الأَصْل: مَا لَو ادّعى الْمُتَوَلِي دفع الْغلَّة للمستحقين من ذُرِّيَّة الْوَاقِف، وهم يُنكرُونَ، فَالْقَوْل للمتولي مَعَ أَنه يَدي خلاف الظَّاهِر، لِأَنَّهُ يَدعِي بَرَاءَة ذمَّته وَالْأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة.
(و) وَمِنْهَا مَا سَيَأْتِي، فِي مستثنيات الْمَادَّة / 11 /، من انه لَو قَالَ الْوَكِيل بِالْبيعِ بعد علمه بِالْعَزْلِ، وَالْمَبِيع مستهلك، بِعْت وسلمت قبل الْعَزْل، وَقَالَ الْمُوكل: بعد الْعَزْل، فَالْقَوْل للْوَكِيل مَعَ أَنه يَدعِي خلاف الظَّاهِر بِإِضَافَة الْحَادِث إِلَى أبعد أوقاته، لِأَن الْمَقْصُود من الدَّعْوَى بعد هَلَاك الْعين تَضْمِينه، وَهُوَ يُنكر سَبَب الضَّمَان. وَكَذَلِكَ بَقِيَّة مستثنيات الْمَادَّة / 11 / الْمَذْكُورَة، فَإِنَّهَا من فروع هَذَا الأَصْل، لاعْتِبَار الْمَقْصُود من الدَّعْوَى فِيهَا.
الجزء 1 · صفحة 66
(التَّنْبِيه الثَّانِي)
: يذكرُونَ أَن الصُّلْح يعْتَبر بأقرب الْعُقُود إِلَيْهِ، كَمَا ذكرنَا فِي البند 9 من تطبيقات هَذِه الْقَاعِدَة، بِمَعْنى أَنه إِن كَانَ فِيهِ معنى البيع بِأَن وَقع عَن مَال بِمَال يعْتَبر بيعا، وَإِن كَانَ فِيهِ معنى الْإِجَارَة بِأَن وَقع عَن مَال بِمَنْفَعَة يعْتَبر إِجَارَة، وَهَكَذَا. وَأما إِذا لم يكن تطبيقه على عقد من الْعُقُود الْمَعْرُوفَة فَإِنَّهُ يبْقى صلحا مَحْضا لقطع الْمُنَازعَة.
وَلَكِن قد يَقع الصُّلْح على صُورَة تكون بِالنِّسْبَةِ إِلَى أحد المتصالحين فِي معني البيع مثلا، وبالنسبة إِلَى الآخر صلحا مَحْضا لِأَنَّهَا لَيست مُبَادلَة فِي زَعمه ودعواه، كَمَا لَو تصالحا، وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ مُنكر، على أَن يدْفع الْمُدَّعِي إِلَى الْمُدعى عَلَيْهِ مَالا معينا وَيَأْخُذ مِنْهُ الْعين الْمُدعى بهَا فَهَذَا فِي زعم الْمُدَّعِي صلح مَحْض وَلَيْسَ مُبَادلَة، لِأَنَّهُ اسْتردَّ عين مَاله الَّذِي يَدعِيهِ، وَفِي زعم الْمُدعى عَلَيْهِ الْمُنكر لدعوى الْمُدَّعِي هُوَ بيع.
فَفِي أَمْثَال هَذِه الْحَالة هَل يعْتَبر عقد الصُّلْح على حسب زعم الْمُدَّعِي، فَإِن كَانَ فِي زَعمه مُبَادلَة مَالِيَّة اعْتبر بيعا وَإِجَارَة وأجريت فِيهِ أَحْكَام البيع وَالْإِجَارَة، وَإِن كَانَ صلحا مَحْضا اعتبرناه صلحا؟ أَو هَل نعتبره على حسب زعم الْمُدعى عَلَيْهِ؟ أَو هَل نعتبر زعم كل وَاحِد على حِدة بِحَيْثُ لَو كَانَ الصُّلْح فِي زعم أحد المتصالحين مُعَاوضَة وَفِي زعم الآخر صلحا مَحْضا أَخذنَا كلا بِزَعْمِهِ واعتبرناه فِي حَقه على خلاف مَا نعتبره فِي حق رَفِيقه؟
هَذَا مَا توقفنا فِيهِ، وَلم نر للفقهاء تَصْرِيحًا شافياً فِيهِ. وَالَّذِي ظهر لنا بعد طول الْبَحْث، استنباطاً من بعض تصريحاتهم وانطبقت عَلَيْهِ الْفُرُوع المنقولة وتوجيهاتها: أَنه فِيمَا بَين المتصالحين أَنفسهمَا يعْتَبر عقد الصُّلْح على الصّفة الَّتِي يقتضيها زعم الْمُدَّعِي دون زعم الْمُدعى عَلَيْهِ، وَأما فِيمَا بَين كل وَاحِد مِنْهُمَا وثالث خَارج، كالشفيع، فيؤاخذ كل وَاحِد من المتصالحين بِزَعْمِهِ على حِدة، سَوَاء أَكَانَ فِي عقد الصُّلْح مُدعيًا أَو مدعى عَلَيْهِ.
يُوضح ذَلِك مَا جَاءَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ، فِي الْفَصْل السَّادِس عشر مِنْهُ
الجزء 1 · صفحة 67
نقلا عَن فَتَاوَى رشيد الدّين، مَا نَصه: " لَو صَالح عَن الدَّار المدعاة فَاسْتحقَّ الدَّار فالمدعى عَلَيْهِ يَأْخُذ من الْمُدَّعِي مَا دفع إِلَيْهِ، أما لَو كَانَ الْمُدعى عَلَيْهِ مقرا فَظَاهر، لِأَنَّهُ يصير مُشْتَريا فَيرجع إِذا اسْتحق، وَأما لَو كَانَ مُنْكرا فَيرجع أَيْضا، إِذْ الصُّلْح جَوَازه على زعم الْمُدَّعِي، وزعمه بِأَنَّهُ بَاعه، فَإِذا اسْتحق يرجع، وَأما لَو دفع الْمُدَّعِي شَيْئا إِلَى ذِي الْيَد وَأخذ الدَّار مِنْهُ فَاسْتحقَّ الدَّار لَا يرجع الدَّافِع بِمَا دفع، إِذْ الْمُدَّعِي يزْعم: إِنِّي آخذ حَقي وَإِنَّمَا أدفَع المَال لقطع خُصُومَة، فَلَا يصير الْمُدَّعِي مُشْتَريا فَلَا يرجع ". فقد اعْتبر زعم الْمُدَّعِي فَقَط فِيمَا بَينه وَبَين الْمُدعى عَلَيْهِ وأهمل زعم الْمُدعى عَلَيْهِ، مَعَ أَنه فِي صُورَة مَا إِذا كَانَ دَافع الْبَدَل هُوَ الْمُدَّعِي، وَكَانَ الْمُدعى عَلَيْهِ مُنْكرا، يكون الصُّلْح بيعا فِي زعم الْمُدعى عَلَيْهِ كَمَا هُوَ ظَاهر وَمَعَ ذَلِك لم يثبتوا للْمُدَّعِي حق الرُّجُوع عَلَيْهِ ومؤاخذته بِزَعْمِهِ.
وَجَاء فِي شرح النقاية للقهستاني، فِي كتاب الصُّلْح مِنْهُ، فِيمَا إِذا كَانَ الْمُدعى عَلَيْهِ غير مقرّ وَكَانَ هُوَ دَافع بدل الصُّلْح مَا لَفظه: " فَلَا شُفْعَة للشَّرِيك وَغَيره على الْمُدعى عَلَيْهِ فِي صلح عَن دَار، لِأَنَّهُ زاعم أَنه على أصل حَقه، وَلَا يلْزم زعم الْمُدَّعِي، لِأَن الْمَرْء لَا يُؤَاخذ إِلَّا بِزَعْمِهِ ". فقد اعْتبر هُنَا زعم الْمُدعى عَلَيْهِ فِيمَا بَينه وَبَين الْأَجْنَبِيّ الْخَارِج، وَهُوَ الشَّفِيع، فَلم يثبتوا لَهُ حق الشُّفْعَة، لِأَن هَذَا الصُّلْح فِي زعم الْمُدعى عَلَيْهِ لَيْسَ مُعَاوضَة مَالِيَّة، لِأَنَّهُ لما كَانَ مُنْكرا لدعوى الْمُدَّعِي لم بكن اعْتِبَاره بِدفع الْبَدَل مُشْتَريا، بل قَاطعا للنزاع ومستبقيا لملكه، وَلَو كَانَ زعم الْمُدَّعِي مُعْتَبرا، وَالْحَالة هَذِه، دون زعم الْمُدعى عَلَيْهِ لَوَجَبَتْ الشُّفْعَة للشَّفِيع على الْمُدعى عَلَيْهِ فِي الدَّار الْمصَالح عَنْهَا، لِأَن هَذَا الصُّلْح فِي زعم الْمُدَّعِي الْقَابِض للبدل بيع.
وَقد جَاءَت الْمَادَّة / 1550 / من الْمجلة على نَحْو مَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ، وَشرح النقاية للقهستاني، وَشرح التَّنْوِير، منطبقة على مَا ذكرنَا ومؤيدة لَهُ.
وَإِنَّمَا لم يعْتَبر فِيمَا بَين المتصالحين أَنفسهمَا زعم كل وَاحِد مِنْهُمَا لِأَن زعميهما متنافيان إِيجَابا وسلباً، فَمَا يَقْتَضِيهِ زعم أَحدهمَا يَنْفِيه زعم الآخر، فَوَجَبَ الِاقْتِصَار على أحد الزعيمين فِي مصير عقد الصُّلْح.
الجزء 1 · صفحة 68
وَإِنَّمَا كَانَ الْمُعْتَبر زَعمه هُوَ الْمُدَّعِي، دون الْمُدعى عَلَيْهِ، لِأَن الْمُدعى عَلَيْهِ مُنكر متمسك بِالْأَصْلِ، وَهُوَ عدم مَا يَدعِيهِ الْمُدَّعِي، وَالْمُنكر فِي غنى عَن بَيَان الْأَسْبَاب الشَّرْعِيَّة وَغير مُكَلّف بهَا لتأييده إِنْكَاره، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ منشئاً للخصومة وَإِذا ترك لم يتْرك بل فِي موقف الدّفع، وَالْإِنْكَار لَا يتَضَمَّن إِثْبَات حق لأحد وَلذَا يقوم السُّكُوت بِلَا عذر مقَامه ويغني عَن الإفصاح بِهِ، فَكَمَا أَن السُّكُوت لَا يثبت حَقًا لأحد فَكَذَا مَا قَامَ مقَامه، فَإِذا ادّعى بعد ذَلِك خلاف مَا يَقْتَضِيهِ إِنْكَاره لَا يعد متناقضاً شرعا، لِأَن التَّنَاقُض لَا يمْنَع سَماع الدَّعْوَى إِلَّا إِذا كَانَ أول الْكَلَامَيْنِ فِيهِ مثبتاً حَقًا لمُعين. (ر: رد الْمُحْتَار، أول بحث التَّنَاقُض من بَاب الِاسْتِحْقَاق) معنى هَذَا لَا يمْنَع الْمُدعى عَلَيْهِ أَن يَدعِي بعد الصُّلْح مَا يُخَالف مُقْتَضى إِنْكَاره السَّابِق.
بِخِلَاف الْمُدَّعِي فَإِنَّهُ هُوَ المنشئ للخصومة والآتي بِأول الْكَلَامَيْنِ، وَلذَا لَو ترك ترك، وَهُوَ فِي موقف التهجم على الْمُدعى عَلَيْهِ والانتزاع من يَده، والنزع لَا بُد فِيهِ من كَون مَا يزعمه من السَّبَب مطابقاً لوجه شَرْعِي يسْتَحق بِهِ النزع، كَمَا يَقُول أَبُو يُوسُف، رَحمَه الله تَعَالَى، فِي كتاب الْخراج: " لَا ينْزع شَيْء من يَد أحد إِلَّا بِحَق ثَابت مَعْرُوف ".
فَإِذا كَانَ الْمُدعى عَلَيْهِ مُنْكرا وَكَانَ دَافع الْبَدَل هُوَ الْمُدَّعِي لم يكن فِي معنى الْمُضْطَر، لِأَنَّهُ لَو ترك ترك، فَكَانَ ذَلِك العقد فِيمَا زَعمه صلحا مَحْضا لَيْسَ فِيهِ معنى الْمُعَاوضَة، لِأَنَّهُ بِدفع الْبَدَل قد استخلص فِي زَعمه ملكه، فَإِذا اسْتحق من يَده يقْتَصر الِاسْتِحْقَاق عَلَيْهِ وَلَا يُمكن اعْتِبَاره فِي حكم من تلقى الْملك من غَيره، كَمَا هُوَ صَرِيح من كَلَام رشيد الدّين الْمُتَقَدّم، أَلا ترى أَن المُشْتَرِي إِذا أنكر دَعْوَى الْمُسْتَحق الْملك وَادّعى أَن الْمُدعى ملكه وَلم يذكر تلقي الْملك من بَائِعه فَلَا يرجع عَلَيْهِ بِالثّمن. (ر: رد الْمُحْتَار، أَوَائِل الِاسْتِحْقَاق) فَهَذَا أولى.
وَإِذا كَانَ دَافع الْبَدَل هُوَ الْمُدعى عَلَيْهِ الْمُنكر كَانَ فِي معنى الْمُضْطَر، لِأَنَّهُ لَو ترك لم يتْرك، فَإِذا اسْتحق الْمُدعى من يَده لم يكن هُنَاكَ مَا يمْنَع من اعْتِبَاره فِي حكم من تلقى الْملك من غَيره فَلَا يمْتَنع رُجُوعه بِالْبَدَلِ، إِذا لم يُوجد مِنْهُ سوى إِنْكَار كَون الْمُدعى بِهِ ملك الْمُدَّعِي، وعَلى تَسْلِيم صدقه فِي إِنْكَاره هَذَا فَإِنَّهُ
الجزء 1 · صفحة 69
لَا يمْنَع من الرُّجُوع على البَائِع عِنْد الِاسْتِحْقَاق (ر: تنوير الْأَبْصَار، كتاب الدَّعْوَى، بَاب الِاسْتِحْقَاق) وَعدم ذكره فِي خُصُومَة الْمُسْتَحق تلقي الْملك من الْمُدَّعِي الأول الْقَابِض لبدل الصُّلْح لَا يمْنَع من اعْتِبَاره مقضياً عَلَيْهِ ورجوعه بِالْبَدَلِ عِنْد الِاسْتِحْقَاق، لِأَن هَذَا التلقي الْمُعْتَبر بيعا إِنَّمَا اعْتبر بيعا فِي ضمن عقد الصُّلْح، وَالشَّيْء إِذا ثَبت فِي ضمن غَيره لَا يجب أَن تتوفر شُرُوطه، بل يَكْتَفِي بتوفر شُرُوط المتضمن لَهُ فَقَط (ر: مَا جَاءَ من ذَلِك فِي الخاتمة الَّتِي كتبناها آخر الْمَادَّة / 52 / فَإِن فِيهَا مقنعا) .
ثمَّ لينْظر مَا لَو أنكر ملك الْمُدعى وَزعم أَن الْمَبِيع ملكه بِأَن قَالَ: لَيْسَ هُوَ ملكه بل هُوَ ملكي، وَيُمكن أَن يُقَال: لَا يمْنَع ذَلِك دَعْوَاهُ الرُّجُوع بِالْبَدَلِ، لِأَن دَعْوَاهُ الْملك أَمر زَائِد على الْجَواب الْكَافِي، وَهُوَ إِنْكَاره، وَلَا دخل لَهُ فِيهِ وَلَا تتَوَقَّف عَلَيْهِ صِحَّته، فَكَانَ وجودهَا كَالْعدمِ فَلَا يتَعَلَّق بهَا حكم، أَلا ترى أَنه لَو وجد فِي دَعْوَى الْمُدَّعِي أَو فِي شَهَادَة الشُّهُود زِيَادَة لَا تتَوَقَّف عَلَيْهَا صِحَة الدَّعْوَى أَو الشَّهَادَة، كَمَا لَو بَين الْمُدَّعِي ذرعاً من الثَّوْب الْمُدعى أَو لون الدَّابَّة أَو سنّهَا أَو كَونهَا مشقوقة الْأذن، ثمَّ ظهر أَن الْأَمر على خلاف مَا وصف، فقد حكى فِي الْفَصْل السَّادِس من جَامع الْفُصُولَيْنِ خلافًا فِي سَماع الدَّعْوَى وَقبُول الشَّهَادَة، وجنح إِلَى عدم سَماع الدَّعْوَى وَالشَّهَادَة (ر: مَا جَاءَ فِي التَّنْبِيه تَحت الْمَادَّة / 65 /) مَعَ أَنه ظهر فِي ذَلِك كذب الْمُدَّعِي وشهوده، فَمَا بالك بِمَا كَانَ زَائِدا فِي كَلَام الْمُدعى عَلَيْهِ؟ فَلِأَن لَا يتَعَلَّق بِهِ حكم بِلَا خلاف بِالْأولَى، خُصُوصا وَقد ارْتَفع زَعمه الْملك بتكذيب الْحَاكِم لَهُ فِيهِ بِالْقضَاءِ بِالْملكِ للْمُسْتَحقّ (ر: الْمَادَّة / 1654 / من الْمجلة) ، هَذَا مَا ظهر لفهمي وَالله أعلم.
هَذَا وَقد اسْتشْكل صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ مَا نَقله عَن رشيد الدّين من قَوْله الْمُتَقَدّم: " أما لَو دفع الْمُدَّعِي شَيْئا إِلَى ذِي الْيَد وَأخذ الدَّار مِنْهُ فَاسْتحقَّ
الجزء 1 · صفحة 70
الدَّار لَا يرجع الدَّافِع بِمَا دفع، إِذْ الْمُدَّعِي يزْعم: إِنِّي آخذ حَقي "، وَاسْتظْهر أَن يكون زعم الْمُدعى عَلَيْهِ مُعْتَبرا أَيْضا فَيكون للْمُدَّعِي حق الرُّجُوع عَلَيْهِ فِي هَذِه الصُّورَة.
وَمَا استظهر يُنَافِيهِ الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول: أما الْمَعْقُول: فَلِأَن مَوْضُوع كَلَام رشيد الدّين فِيمَا بَين أحد المتصالحين وَالْآخر، لَا فِيمَا بَينه وَبَين الْأَجْنَبِيّ، فَلَا يُمكن اعْتِبَار زعم كل من المتصالحين، لتنافيهما.
وَأما الْمَنْقُول: فَلِأَن مَا جَاءَ فِي فَتَاوَى رشيد الدّين مُوَافق لما جَاءَ فِي معتبرات كتب الْمَذْهَب، وَقد نقل صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ نَفسه، فِي الْفَصْل الْعشْرين، عَن الْهِدَايَة مَا ينطبق على مَا فِي فَتَاوَى رشيد الدّين، وَلَفظه: " ادّعى نِكَاحهَا، وَهِي تنكر فصالحته على مَال ليترك دَعْوَاهُ جَازَ خلعاً فِي جَانِبه، بِنَاء على زَعمه، وبذلاً لِلْمَالِ لدفع الْخُصُومَة فِي جَانبهَا. وَلَو ادَّعَت هِيَ عَلَيْهِ نِكَاحهَا فصالحها على مَال يَدْفَعهُ هُوَ إِلَيْهَا لم يجز ". فقد اعْتبر صَاحب الْهِدَايَة، فِيمَا بَين المتصالحين، زعم الْمُدَّعِي، فحين كَانَ الزَّوْج هُوَ الْمُدَّعِي وَكَانَ دَافع الْبَدَل هُوَ الزَّوْجَة صَحَّ الصُّلْح على أَنه خلع، وَحين كَانَت هِيَ المدعية وَكَانَ دَافع الْبَدَل هُوَ الزَّوْج لم يَصح الصُّلْح اعْتِبَارا لزعمها، لِأَنَّهَا لَيست صَاحِبَة حق النِّكَاح حَتَّى يجوز أَخذهَا الْبَدَل اعتياضاً عَنهُ فِي زعمها، فَإِن الْحل وَالْحُرْمَة فِي النِّكَاح عائدان للزَّوْج شرعا، وَلذَا لَو اعْترفت الزَّوْجَة بِطَلَاق، وَلَو ثَلَاثًا، أَو برضاع لَا يلْتَفت إِلَيْهَا (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، كتاب الرَّضَاع) وَلم ينظر فِي هَذِه الصُّورَة الْأَخِيرَة إِلَى زعم الزَّوْج الْمُقْتَضِي لتصحيح الصُّلْح، بِاعْتِبَار أَنه دفع الْبَدَل لقطع خُصُومَة المدعية وَرفع النزاع، وَذَلِكَ لِأَن الزَّوْج مدعى عَلَيْهِ وزعمه غير مُعْتَبر، وَهَذَا يشْهد بانطباق مَا فِي فَتَاوَى رشيد الدّين على مَا فِي كتب الْمَذْهَب، فَانْدفع بِهَذَا إِشْكَال صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ الْمُتَقَدّم.
وَقد أجَاب الرَّمْلِيّ، فِي حَاشِيَته على جَامع الْفُصُولَيْنِ، عَن استشكال صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ الْمُتَقَدّم بِجَوَاب منقوض غير صَحِيح، حَيْثُ ذكر أَن الْمُدَّعِي فِي تِلْكَ الصُّورَة إِذا دفع بدل الصُّلْح وَأخذ الدَّار لَا يكون هَذَا الصُّلْح فِي
الجزء 1 · صفحة 71
زَعمه مُبَادلَة، فَإِذا اسْتحقَّت الدَّار مِنْهُ لَا يسوغ لَهُ أَن يرجع بِمَا دَفعه، لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ الْمُطَالبَة بِمَا يُخَالف زَعمه.
وينقض هَذَا الْجَواب مَا ذكره رشيد الدّين، فِي صدر الْعبارَة، من أَنه لَو كَانَ الْمُدعى عَلَيْهِ مُنْكرا، وَكَانَ هُوَ دَافع الْبَدَل، ثمَّ اسْتحقَّت الدَّار من يَده يرجع على الْمُدَّعِي بِمَا دَفعه إِلَيْهِ، مَعَ أَن هَذَا الصُّلْح لَيْسَ مُبَادلَة فِي زَعمه، بل هُوَ مُبَادلَة فِي زعم الْمُدَّعِي فَقَط، فقد تمكن الْمُدعى عَلَيْهِ من الْمُطَالبَة بِمَا يُخَالف زَعمه. وَالْجَوَاب الْحَاكِم مَا قدمْنَاهُ، وبالمعقول وَالْمَنْقُول أيدناه، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم.
(التَّنْبِيه الثَّالِث)
قد يعْتَبر الْمَقْصد وَالْمعْنَى فِي بعض الْعُقُود، فَيحصل من اعتبارهما فِيهِ فَائِدَة من غير أَن يكْتَسب العقد صفة عقد آخر، كَمَا إِذا أعْطى الْغَاصِب الْمَغْصُوب مِنْهُ رهنا بِعَين الْمَغْصُوب، ثمَّ تلفت الْعين الْمَغْصُوبَة فِي يَد الْغَاصِب، فَإِن الرَّهْن يكون حينئذٍ ببدلها من مثل أَو قيمَة، وكما إِذا أعْطى الْمُسلم إِلَيْهِ لرب السّلم رهنا بِعَين الْمُسلم فِيهِ، ثمَّ انْفَسَخ عقد السّلم بِوَجْه مَا، فَإِن الرَّهْن يصير رهنا بِرَأْس المَال الَّذِي قَبضه الْمُسلم إِلَيْهِ (ر: الدُّرَر، وَغَيره، من بَاب مَا يَصح رَهنه وَمَا لَا يَصح) وَمَا ذَاك إِلَّا لِأَن الْمَقْصد من هَذَا الرَّهْن توثق الْمَغْصُوب مِنْهُ وَرب السّلم لِسَلَامَةِ حَقه وأمنه مِمَّا يلْحقهُ من الضَّرَر بِهَذَا الْغَصْب وَعقد السّلم.
(التَّنْبِيه الرَّابِع)
اخْتلف فِي جَوَاز بيع الْوَفَاء فِي الْمَنْقُول إِذا لم يكن الْمَنْقُول من تَوَابِع الْعقار. وَلم أجد فِي ذَلِك تَرْجِيحا، وَلم تتعرض الْمجلة لَهُ أَيْضا. وَمُقْتَضى مَا ذَكرُوهُ من أَن تَجْوِيز بيع الْوَفَاء بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّة الْمَعْرُوفَة إِنَّمَا كَانَ لضَرُورَة النَّاس وتعارفهم، أَنه إِذا لم يتعارف النَّاس إجراءه فِي المنقولات، التعارف الْمُعْتَبر، لَا يجوز كَمَا هُوَ الْوَاقِع فِي زَمَاننَا.
الجزء 1 · صفحة 72
وَاخْتلف أَيْضا فِي ملك المُشْتَرِي للِانْتِفَاع بِالْمَبِيعِ وَفَاء وَملكه لزوائده، فَقيل لَا يملك ذَلِك إِلَّا بِالشّرطِ، وَقيل يملكهُ بِلَا شَرط، وَنقل فِي رد الْمُحْتَار، فِي بيع الْوَفَاء قبيل الْكفَالَة، أَن هَذَا القَوْل، أَعنِي ملكه لذَلِك بِدُونِ شَرط، عَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَبَين أَن ملكه لذَلِك مَبْنِيّ أَيْضا على القَوْل الْجَامِع الَّذِي قدمنَا أَنه الْمُفْتى بِهِ وَأَن عَلَيْهِ الْمجلة.
غير أَن شرَّاح الْمجلة جروا، فِي شرح الْمَادَّة / 398 / مِنْهَا، على أَن المُشْتَرِي لَا يملك الِانْتِفَاع إِلَّا بِالشّرطِ، مَعَ أَن الْمَادَّة الْمَذْكُورَة لَا صَرَاحَة فِيهَا بِأَن المُشْتَرِي لَا يملك الِانْتِفَاع إِلَّا بِالشّرطِ، بل ذكرت أَنه إِذا شَرط فِي بيع الْوَفَاء أَن يكون قدر، من مَنَافِع الْمَبِيع للْمُشْتَرِي، كَأَن تكون غلَّة الْكَرم الْمَبِيع مثلا بَينهمَا مُنَاصَفَة، صَحَّ ذَلِك، وَهَذَا ظَاهر لَا كَلَام فِيهِ، وَأما الحكم عِنْد عدم الِاشْتِرَاط فَهُوَ مسكوت عَنهُ فِيهَا لم تتعرض لَهُ أصلا.
وَيرى النَّاظر فِي مَادَّة / 118 / مِنْهَا أَنَّهَا تفِيد ملك المُشْتَرِي للِانْتِفَاع بِلَا شَرط، حَيْثُ صرحت بِأَن بيع الْوَفَاء فِي حكم البيع الْجَائِز بِالنّظرِ إِلَى انْتِفَاع المُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ ... . إِلَخ، فَلَو كَانَ المُرَاد أَن الِانْتِفَاع إِنَّمَا يكون بِالشّرطِ لما صَحَّ، تشبيهه فِي هَذِه الْجِهَة بِالْبيعِ الْجَائِز اللَّازِم، بل كَانَ الصَّوَاب أَن يشبه فِي هَذِه الْجِهَة بِالرَّهْنِ، لِأَن الْمُرْتَهن يملك الِانْتِفَاع بِالرَّهْنِ بِالشّرطِ.
وَبِذَلِك يظْهر أَنه يجب حمل الْمَادَّة / 398 / على مَا يفهم من الْمَادَّة / 118 / فَيكون معنى تِلْكَ أَنه إِذا اشْترط فِي بيع الْوَفَاء أَن تكون غلَّة الْمَبِيع مُشْتَركَة بَين البَائِع وَالْمُشْتَرِي مُنَاصَفَة أَو مرابعة مثلا يَصح ذَلِك. أما عِنْد عدم هَذَا الِاشْتِرَاط فَتكون الْغلَّة كلهَا للْمُشْتَرِي.
على أَنه فِي زَمَاننَا الْيَوْم يجب الحكم بِملك المُشْتَرِي الِانْتِفَاع بِالْمَبِيعِ وَفَاء على كل حَال وَإِن لم يشْتَرط ذَلِك صَرِيحًا، لِأَن النَّاس متعارفة على ذَلِك، وَلَا يُمكن أَن يقدم أحد على الشِّرَاء وَفَاء إِلَّا وَيعلم هُوَ وَالْبَائِع، بِحكم الْعرف وَالْعَادَة، أَن المُشْتَرِي ينْتَفع بِالْمَبِيعِ بإجارته من البَائِع أَو من غَيره، وَيملك إنزاله وإغلاله، فَيكون حينئذٍ ملك المُشْتَرِي للِانْتِفَاع مَشْرُوطًا، لِأَن الْمَعْرُوف عرفا كالمشروط (ر:
الجزء 1 · صفحة 73
مَادَّة / 43 / من الْمجلة) فَلذَلِك جرينا فِي شرح هَذِه الْقَاعِدَة على ملك المُشْتَرِي للمنافع وللزوائد بِلَا شَرط. وَمَا يُوجد فِي بعض شُرُوح الْمجلة من النقول الَّتِي تفِيد خلاف مَا جرينا عَلَيْهِ فَهِيَ مفرعة على القَوْل بالاشتراط، وَهُوَ خلاف الْمُفْتى بِهِ كَمَا علمت.
(التَّنْبِيه الْخَامِس)
إِن اعْتِبَار الْمَقَاصِد والمعاني فِي الْعُقُود مُقَيّد بِمَا إِذا لم يُعَارضهُ مَانع شَرْعِي يمْنَع اعْتِبَار الْمَقْصد وَالْمعْنَى ويصرفه إِلَى جِهَة أُخْرَى، فَلَو عَارضه تعْتَبر تِلْكَ الْجِهَة وَإِن قصد غَيرهَا، لما ذكر فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ، فِي الْفَصْل الثَّلَاثِينَ مِنْهُ: " إِن المُشْتَرِي شِرَاء فَاسِدا لَو رد الْمَبِيع على بَائِعه انْفَسَخ البيع السَّابِق على أَي وَجه كَانَ رده، سَوَاء كَانَ بِبيع جَدِيد أَو بِهِبَة أَو صَدَقَة أَو عَارِية أَو وَدِيعَة، لِأَن فسخ البيع الْفَاسِد ورد الْمَبِيع وَاجِب شرعا، فعلى أَي وَجه رده يَقع عَن الْوَاجِب وَيبرأ عَن ضَمَانه "، فقد ألغى الْقَصْد فِي هَذِه التَّصَرُّفَات، وَاعْتبر تَسْلِيم الْمَبِيع للْبَائِع ردا بِحكم الْفَسْخ للْعقد الْفَاسِد السَّابِق.
وَمن هَذَا الْقَبِيل مَا ذكره فِي الدُّرَر وَغَيره، من بَاب الْمهْر، من أَنه لَو كَانَ الْمهْر دينا فِي ذمَّة الزَّوْج، كالدراهم وَالدَّنَانِير، فَوَهَبته الزَّوْجَة كُله أَو نصفه قبل أَن تقبضه مِنْهُ، أَو كَانَ الْمهْر عرضا معينا، فَوَهَبته مِنْهُ، وَلَو بعد قبضهَا لَهُ، ثمَّ طَلقهَا الزَّوْج قبل الدُّخُول فَإِنَّهُ لَا يرجع عَلَيْهَا بِشَيْء، وَيجْعَل مَا وصل إِلَيْهِ بِالْهبةِ واصلاً إِلَيْهِ بِحكم اسْتِحْقَاق نصف الْمهْر بِالطَّلَاق قبل الدُّخُول، وَغَايَة الْأَمر أَنه اخْتلف سَبَب وُصُوله إِلَيْهِ، وَلَا يبالى باخْتلَاف الْأَسْبَاب بعد سَلامَة الْمَقْصُود (انْتهى موضحاً) .
وَمِنْه مَا جَاءَ فِي رد الْمُحْتَار (من كتاب الْإِجَارَة ج / 5 / صفحة / 6 / عِنْد قَول الْمَتْن: وَاعْلَم أَن الْأجر لَا يلْزم بِالْعقدِ فَلَا يجب تَسْلِيمه بِهِ بل تَعْجِيله ... .) ، حَيْثُ قَالَ: " إِذا عجل الْأُجْرَة لَا يملك الِاسْتِرْدَاد، وَلَو كَانَت الْأُجْرَة عينا فأعارها أَو أودعها رب الدَّار فَهُوَ كالتعجيل ". (ر: مثله فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة، كتاب الْإِجَارَة، الْبَاب الثَّانِي مِنْهُ) .
الجزء 1 · صفحة 74
وأصل ذَلِك مَا ذكره الإِمَام الدبوسي، فِي كِتَابه تأسيس النّظر، حَيْثُ قَالَ: " الأَصْل عندنَا أَن كل فعل اسْتحق فعله على جِهَة بِعَينهَا فعلى أَي وَجه حصل كَانَ عَن الْوَجْه الْمُسْتَحق عَلَيْهِ، كرد الْوَدِيعَة وَالْمَغْصُوب ". ثمَّ فرع عَلَيْهِ فروعاً كَثِيرَة فانظرها فِيهِ.
لَكِن مَا كَانَ مُسْتَحقّا بِجِهَة إِذا وصل إِلَى الْمُسْتَحق بِجِهَة أُخْرَى فَإِنَّمَا يعْتَبر واصلاً عَن الْجِهَة الْمُسْتَحقَّة إِذا وصل إِلَيْهِ من جِهَة الْمُسْتَحق عَلَيْهِ، أما إِذا وصل إِلَيْهِ من جِهَة غَيره فَلَا، حَتَّى إِن المُشْتَرِي شِرَاء فَاسِدا إِذا وهب الْمَبِيع من غير بَائِعه أَو بَاعه فوهبه ذَلِك الرجل من البَائِع الأول وَسلمهُ إِلَيْهِ لَا يبرأ المُشْتَرِي عَن قِيمَته، وَكَذَلِكَ لَو كَانَ الْمهْر عينا فَوَهَبته الْمَرْأَة من غير زَوجهَا وَهُوَ وهبه من زَوجهَا ثمَّ طَلقهَا قبل الدُّخُول فلزوجها عَلَيْهَا نصف قيمَة الْعين (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّلَاثِينَ، صفحة / 52 / نقلا عَن الأَصْل للْإِمَام مُحَمَّد، رَحْمَة الله عَلَيْهِ) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وصل إِلَى الْمُسْتَحق، وَهُوَ البَائِع وَالزَّوْج، من غير جِهَة الْمُسْتَحق عَلَيْهِ، وَهُوَ المُشْتَرِي وَالْمَرْأَة.
وَنقل صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ قبل ذَلِك، عَن الزِّيَادَات للْإِمَام مُحَمَّد أَيْضا " أَنه لَو اشْترى عينا من غير ذِي الْيَد وَسلم الثّمن إِلَيْهِ ثمَّ خَاصم المُشْتَرِي ذَا الْيَد فَأَخذهَا مِنْهُ بِهِبَة أَو صَدَقَة أَو شِرَاء أَو وَدِيعَة أَو غصب أَو نَحوه فَلَيْسَ لَهُ على الثّمن سَبِيل، لزعمه أَن الثّمن مُسْتَحقّ بِجِهَة الشِّرَاء فَوَقع عَنْهَا، إِذْ الْمُسْتَحق بِجِهَة، وَهُوَ الْمَبِيع، يَقع عَن الْجِهَة الْمُسْتَحقَّة وَلَو أوقعه الْموقع بِجِهَة أُخْرَى ". والجهة الْأُخْرَى هِيَ جِهَة الْهِبَة وَمَا عطف عَلَيْهَا. ثمَّ قَالَ صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ عقبه: " أورد أَي مُحَمَّد، هَذِه الْمَسْأَلَة ليبين أَن المُشْتَرِي إِذا وصل إِلَى مُشْتَرِيه يعْتَبر وُصُوله بِجِهَة الشِّرَاء، وصل إِلَيْهِ من جِهَة البَائِع أَو من جِهَة غَيره، وَهَذَا بِخِلَاف مَا ذكر، أَي مُحَمَّد، فِي الأَصْل " - وسَاق عبارَة الأَصْل الْمَذْكُورَة أَعْلَاهُ - وَسكت عَمَّا ذكره من الْمُخَالفَة وَلم يجب عَنهُ وَلم يوفق بَين الْكَلَامَيْنِ، وَسكت عَنهُ محشيه الرَّمْلِيّ، وَكَذَلِكَ لم يتَعَرَّض لَهُ فِي نور الْعين.
مَعَ أَنه لَا تخَالف بَين كَلَامي الإِمَام مُحَمَّد، رَحْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَن الْمُسْتَحق، وَهُوَ الْمَبِيع فِي فرع الزِّيَادَات، لم يصل إِلَى الْمُسْتَحق، وَهُوَ المُشْتَرِي،
الجزء 1 · صفحة 75
من غير جِهَة الْمُسْتَحق عَلَيْهِ، وَهُوَ البَائِع، لِأَن إقدام المُشْتَرِي على الشِّرَاء من البَائِع اعْتِرَاف لَهُ بِالْملكِ (ر: رد الْمُحْتَار، كتاب الدَّعْوَى، بحث الِاسْتِحْقَاق، عِنْد قَول الْمَتْن: فَلَو بِإِقْرَار المُشْتَرِي فَلَا رُجُوع، نقلا عَن جَامع الْفُصُولَيْنِ نَفسه) فَتكون يَد ذِي الْيَد فِي زَعمه لَيست يَد ملك، وَإِذا لم تكن يَد ملك فَبِأَي كَيْفيَّة وصل إِلَيْهِ مِنْهَا يكون واصلاً إِلَيْهِ عَن الْمُسْتَحق عَلَيْهِ، وَهُوَ البَائِع، عين الْمَبِيع الْمُسْتَحق، وَمَا تِلْكَ الْعُقُود الَّتِي عَددهَا فِي الزِّيَادَات، من الْهِبَة وَمَا عطف عَلَيْهَا وَالْغَصْب، إِلَّا وَسَائِل غير مُرَاد للْمُشْتَرِي حقائقها وَلَا أَحْكَامهَا مستخلص بهَا عَن الْمُسْتَحق لَهُ، وإقدامه على الشِّرَاء ثَانِيًا من ذِي الْيَد وَإِن كَانَ يتَضَمَّن أَيْضا نَظِير مَا تضمنه إقدامه على الشِّرَاء الأول من الْإِقْرَار لَهُ بِالْملكِ فَإِنَّهُ لَا يبطل بِهِ إِقْرَاره الأول، إِذْ الْإِقْرَار لَا يبطل بِإِقْرَار يَأْتِي بعده مُخَالفا لَهُ، بل يصير بِالثَّانِي متناقضاً فَلَا يسمع مِنْهُ مَا لم يصر فِي الأول مُكَذبا شرعا (ر: مَا يَأْتِي فِي الْكَلَام على الْقَاعِدَة / 79 / القائلة لَا حجَّة مَعَ التَّنَاقُض) .
بِخِلَاف فرعي " الأَصْل " فَإِن الْمَبِيع فَاسِدا وَالْمهْر الْعين فيهمَا خرجا بِالْهبةِ عَن ملك المُشْتَرِي وَالزَّوْجَة ودخلا فِي ملك الْمَوْهُوب لَهُ، وبخروجهما عَن ملكهمَا انْقَطع حق البَائِع من اسْتِرْدَاد عين الْمَبِيع بِالْفَسْخِ، بِحكم الْفساد، وَحقّ الزَّوْج من اسْتِرْدَاد نصف عين الْمهْر، بِالطَّلَاق قبل الدُّخُول، وَتعلق حَقّهمَا بِالْقيمَةِ شرعا، كَمَا يعلم ذَلِك بمراجعة أَحْكَام البيع الْفَاسِد وَأَحْكَام الْمهْر بِكُل سهولة.
وَإِذا صَحَّ التَّمْلِيك والتملك بَين الْوَاهِب، وَهُوَ المُشْتَرِي وَالزَّوْجَة، وَبَين الْمَوْهُوب لَهُ، وَانْقطع حق الْمَالِك الْأَصْلِيّ عَن الْعين وَصَارَ الْمُسْتَحق لَهُ هُوَ الْقيمَة يكون بوصول الْعين إِلَيْهِ من الْمَوْهُوب لَهُ قد وصل إِلَيْهِ غير مَا يسْتَحقّهُ، وَهُوَ الْقيمَة، بِخِلَاف فرع الزِّيَادَات فَإِن الْوَاصِل فِيهِ إِلَى الْمُسْتَحق عين مَا يسْتَحقّهُ بِزَعْمِهِ فَلَا تخَالف بَين الْكَلَامَيْنِ.
وعَلى هَذَا فَقَوْل صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ: أورد مُحَمَّد هَذِه الْمَسْأَلَة ليبين أَن المُشْتَرِي إِذا وصل ... إِلَخ، لَيْسَ بِظَاهِر، لِأَن الْمَبِيع فِي فرع الزِّيَادَات لم يصل للْمُشْتَرِي من جِهَة غير البَائِع كَمَا بَينا، هَذَا مَا ظهر لي وَالله سُبْحَانَهُ أعلم.
الجزء 1 · صفحة 76
(ثَالِثا: الْمُسْتَثْنى)
يسْتَثْنى من هَذِه مسَائِل: مِنْهَا: أَن البيع بِلَا ثمن يبطل، وَلَا ينْعَقد هبة، وَلم أر فِيهِ خلافًا. وَكَذَا الْإِجَارَة بِلَا بدل لَا تَنْعَقِد عَارِية إِلَّا على قَول (ر: رد الْمُحْتَار، أَوَائِل الْإِجَارَة) .
وَوجه عدم الِانْعِقَاد فِي الفرعين ظَاهر، وَذَلِكَ أَنه دَار الْأَمر فيهمَا بَين عقد مَحْظُور، وَهُوَ البيع بِلَا ثمن وَالْإِجَارَة بِلَا بدل وَكِلَاهُمَا فَاسد وَهُوَ مَحْظُور، وَبَين عقد مُبَاح، وَهُوَ الْهِبَة وَالْعَارِية، فغلب الحاظر، بِخِلَاف بَقِيَّة مَا فرع على الْقَاعِدَة فَإِنَّهُ قد دَار الْأَمر فِي جَمِيعهَا بَين أَمريْن مباحين فَاعْتبر فيهمَا الْمَقْصد وَالْمعْنَى. هَذَا مَا ظهر لي وَالله سُبْحَانَهُ أعلم.
(خَاتِمَة)
هَذِه فروع مُتَعَلقَة بِبيع الْوَفَاء، مقتطفة من جَامع الْفُصُولَيْنِ، من الْفَصْل الثَّامِن عشر مِنْهُ، تذكر فِي هَذِه الْمَادَّة زِيَادَة للفائدة وَتجْعَل خَاتِمَة لَهَا.
(أ) لَا يدْخل الزَّرْع وَالثَّمَر وقوائم الْخلاف فِي بيع الْوَفَاء. وَلَو شَرط دُخُولهَا فِي البيع كَانَ البيع بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا نَافِذا باتاً، وَلها حِصَّة من الثّمن، حَتَّى لَو تفاسخا بيع الْوَفَاء بعد ذَلِك، وَكَانَ المُشْتَرِي قد أَخذ الزَّرْع وَالثَّمَر والقوائم، فَللْبَائِع أَن يقتطع على المُشْتَرِي من الثّمن الَّذِي قَبضه قدر قيمتهَا (كَمَا يُسْتَفَاد ذَلِك من أَوَاخِر صفحة / 240 / وأوائل صفحة / 241 / مِنْهُ) .
(ب) مَا كَانَ مَوْجُودا وَقت بيع الْوَفَاء، من الزَّرْع وَالثَّمَر والقوائم، لَا يجْبر المُشْتَرِي على الصّرْف مِنْهُ على الْعقار الْمَبِيع، لِأَنَّهُ دخل فِي ملكه بِحِصَّة من الثّمن، حَتَّى لَو صرف مِنْهُ بعد البيع، وَلَو صرف مِنْهُ على الْمَبِيع فَلهُ رَفعه عِنْد الْفَسْخ، وَإِنَّمَا يجْبر على الصّرْف على الْمَبِيع بِقدر مُتَعَارَف من غلَّة حدثت بعد البيع.
الجزء 1 · صفحة 77
(ج) بَاعَ كرماً بيعا بِالْوَفَاءِ، فَمضى بعض الْمدَّة وَخرج الثَّمر ثمَّ بَاعه من مُشْتَرِي الْوَفَاء بيعا باتاً وَلم يذكر الثَّمر، فالثمر للْبَائِع لَا للْمُشْتَرِي. وَالظَّاهِر أَن هَذَا مَبْنِيّ على القَوْل بِأَنَّهُ رهن من كل الْوُجُوه، فَتكون زوائده مَمْلُوكَة للْبَائِع، وَلَا تدخل فِي البيع بِدُونِ تنصيص عَلَيْهَا.
(د) لَو اشْتَرَاهُ وَفَاء ثمَّ أجره ثمَّ البَائِع بَاعه من آخر بيعا باتاً وَأَجَازَ مُشْتَرِي الْوَفَاء هَذَا البيع لَا تَنْفَسِخ الْإِجَارَة، لِأَنَّهُ لَيْسَ بمضطر فِي هَذِه الْإِجَازَة فَبَقيت الْإِجَارَة، وَحَيْثُ إِنَّهَا بقيت تكون أُجْرَة مَا بَقِي من الْمدَّة بعد الْإِجَازَة للمؤجر، وَهُوَ المُشْتَرِي وَفَاء. أما لَو كَانَ فسخ بيع الْوَفَاء من جِهَة البَائِع ينظر، فَإِن كَانَت مُدَّة الْإِجَارَة متعارفة لم تَنْفَسِخ، وَلَو كَانَت غير متعارفة، كَأَن آجره عشر سِنِين، لَا تبقى الْإِجَارَة، لِئَلَّا يتفاحش الضَّرَر، بِخِلَاف الْمدَّة المتعارفة لقلَّة الضَّرَر فِيهَا، وَلَو طَالب المُشْتَرِي البَائِع بِثمن الْوَفَاء وَقد كَانَ آجر الْمَبِيع فَللْبَائِع أَن يمْتَنع من أَدَاء الثّمن مَا لم تَنْفَسِخ الْإِجَارَة، وَمثل انفساخها انْتِهَاء مدَّتهَا.
(هـ) البيع بِالْوَفَاءِ يَنْفَسِخ بِالتَّخْلِيَةِ بَين المُشْتَرِي وَبَين ثمنه بِلَا قبض. (كل ذَلِك من صفحة / 241 /) .
(و) لَو بَاعَ عقار غَيره لنَفسِهِ (أَي لأجل نَفسه لَا أَنه بَاعه من نَفسه وَجعل نَفسه مُشْتَريا) بيعا بِالْوَفَاءِ ليصرف ثمنه إِلَى مصلحَة نَفسه، وَكَانَ ذَلِك بِأَمْر مَالِكه صَحَّ وَكَانَ كمستعير (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، صفحة / 242 / بِالْمَعْنَى) وَقَوله: وَكَانَ كمستعير، أَي مستعير الرَّهْن.
(ز) بَاعَ أرضه وَفَاء فزرعها المُشْتَرِي ثمَّ أدّى البَائِع مَال الْوَفَاء للْمُشْتَرِي حَتَّى انْفَسَخ البيع، وَالزَّرْع بقل، فَهَل يجْبر المُشْتَرِي على تَفْرِيغ الأَرْض أَو تتْرك فِي يَده بِأَجْر الْمثل؟ أجَاب بَعضهم بِأَنَّهُ لَو أدّى البَائِع ثمنه بِطَلَب المُشْتَرِي يجْبر المُشْتَرِي على تفريغها، لَا لَو أَدَّاهُ بِلَا طلبه، بل يتْرك فِي يَده بِأَجْر الْمثل. وَلَو قيل إِنَّه يتْرك فِي يَده بِأَجْر مثله فِي الْوَجْهَيْنِ فَلهُ وَجه (ر: صفحة / 244 / مِنْهُ) ثمَّ نقل بعده مَا يُؤَيّد أَنه يبْقى بِأَجْر الْمثل فِي الْوَجْهَيْنِ.
(ح) ادّعى أَنه شراه باتاً ثمَّ ادّعى أَنه شراه وَفَاء لَا تسمع دَعْوَاهُ الثَّانِيَة، لِأَنَّهُ لَا يُمكن توفيقه (ر: صفحة / 247) .
الجزء 1 · صفحة 78
(ط) بَاعه جَائِزا (أَي وَفَاء) ثمَّ احْتَاجَ إِلَى الْعِمَارَة فَفعل بِأَمْر القَاضِي على أَن يرجع فَلهُ الرُّجُوع (ر: نور الْعين، الْفَصْل الثَّامِن عشر) .
(ي) بَاعَ كرماً بيعا باتاً أَو وَفَاء فِي أَوَان ورد الثَّمر، قيل يدْخل الثَّمر تبعا، وَهُوَ الصَّوَاب، إِذْ الثَّمر لم يظْهر أَو ظهر وَلَكِن لَا قيمَة لَهُ فَصَارَ كحادث بعد البيع (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ، صفحة / 100) .
(ك) لَو قبض المُشْتَرِي الْمَبِيع بيعا جَائِزا (أَي بيع وَفَاء) بِحَضْرَة البَائِع قبل نقد الثّمن وَلم يَنْهَهُ لم يجز قَبضه قِيَاسا واستحساناً حَتَّى كَانَ لَهُ أَن يسْتَردّهُ (ر: بَدَائِع الصَّنَائِع، كتاب الْهِبَة، بحث الْقَبْض ج 6 / 124) .
(ل) لَو تواضعا على الْوَفَاء قبل البيع ثمَّ عقد بِلَا شَرط الْوَفَاء فَالْعقد جَائِز، وَلَا عِبْرَة بالمواضعة السَّابِقَة إِلَّا إِذا تَصَادقا أَنَّهُمَا تبَايعا على تِلْكَ الْمُوَاضَعَة (ر: معِين الْحُكَّام، الْبَاب الْأَرْبَعين) .
(م) الْكفَالَة بِمَال الْوَفَاء تصح مُضَافَة لَا فِي الْحَال، إِذْ المَال يجب على البَائِع بعد الْفَسْخ لَا فِي الْحَال (ر: الْمحل الْمَذْكُور قبلا) .
(ن) بَاعه جَائِزا (أَي بيعا بِالْوَفَاءِ) بوكالة ثمَّ مَاتَ مُوكله لَا يَنْعَزِل بِمَوْتِهِ الْوَكِيل (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّامِن عشر، صفحة / 243) . وَالظَّاهِر أَن معنى عدم انعزال الْوَكِيل بِمَوْت الْمُوكل فِي هَذِه الصُّورَة هُوَ بَقَاء الْحُقُوق مُتَعَلقَة بالوكيل، كَمَا فِي البيع البات، فَالْمُرَاد بِهِ دفع توهم أَن الْوَكِيل بِبيع الْوَفَاء يغاير الْوَكِيل بِالْبيعِ البات.
الجزء 1 · صفحة 79
(الْقَاعِدَة الثَّالِثَة " الْمَادَّة / 4 "
" الْيَقِين لَا يَزُول بِالشَّكِّ)
(أَولا: الشَّرْح)
الْيَقِين لُغَة: الْعلم الَّذِي لَا تردد مَعَه، وَهُوَ فِي أصل اللُّغَة: الِاسْتِقْرَار، يُقَال: يقن المَاء فِي الْحَوْض إِذا اسْتَقر. (ر: تعريفات السَّيِّد) . وَلَا يشْتَرط فِي تحقق الْيَقِين الِاعْتِرَاف والتصديق بل يتَصَوَّر مَعَ الْجُحُود، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وجحدوا بهَا واستيقنتها أنفسهم} .
وَالْيَقِين فِي اصْطِلَاح عُلَمَاء الْمَعْقُول هُوَ: الِاعْتِقَاد الْجَازِم المطابق للْوَاقِع الثَّابِت. فَخرج بالقيد الأول، أَعنِي الْجَازِم، الظَّن وَغَلَبَة الظَّن، لِأَنَّهُ لَا جزم فيهمَا، وَخرج بالقيد الثَّانِي مَا لَيْسَ مطابقاً للْوَاقِع وَهُوَ الْجَهْل وَإِن كَانَ صَاحبه جَازِمًا. وَخرج بالقيد الثَّالِث اعْتِقَاد الْمُقَلّد فِيمَا كَانَ صَوَابا، لِأَن اعْتِقَاده لما لم يكن عَن دَلِيل كَانَ عرضة للزوال. فَكل ذَلِك لَيْسَ من الْيَقِين فِي شَيْء.
لَكِن الْمُنَاسب هُنَا تَفْسِير الْيَقِين بِالْمَعْنَى الأول اللّغَوِيّ، لِأَن الْأَحْكَام الْفِقْهِيَّة إِنَّمَا تبنى على الظَّاهِر، فكثيراً مَا يكون الْأَمر فِي نظر الشَّرْع يَقِينا لَا يَزُول بِالشَّكِّ فِي حِين أَن الْعقل يُجِيز أَن يكون الْوَاقِع خِلَافه، وَذَلِكَ كالأمر الثَّابِت بِالْبَيِّنَةِ الشَّرْعِيَّة فَإِنَّهُ فِي نظر الشَّرْع يَقِين كَالثَّابِتِ بالعيان، مَعَ أَن شَهَادَة الشُّهُود لَا تخرج عَن كَونهَا خبر آحَاد يُجِيز الْعقل فِيهَا السَّهْو وَالْكذب، وَهَذَا الِاحْتِمَال الضَّعِيف لَا يخرج ذَلِك عَن كَونه يَقِينا لِأَنَّهُ لقُوَّة ضعفه قد طرح أَمَام قُوَّة مُقَابِله وَلم يبْق لَهُ اعْتِبَار فِي نظر النَّاظر. (ر: مَا سَيَأْتِي قَرِيبا) .
الجزء 1 · صفحة 80
وَالشَّكّ: التَّرَدُّد بَين النقيضين بِلَا تَرْجِيح لأَحَدهمَا على الآخر، فَإِن ترجح أَحدهمَا على الآخر بِدَلِيل وَوصل تَرْجِيحه إِلَى دَرَجَة الظُّهُور الَّذِي يَبْنِي عَلَيْهِ الْعَاقِل أُمُوره لَكِن لم يطْرَح الِاحْتِمَال الآخر فَهُوَ الظَّن. فَإِن طرح الِاحْتِمَال الآخر، بِمَعْنى أَنه لم يبْق لَهُ اعْتِبَار فِي النّظر لشدَّة ضعفه، فَهُوَ غَالب الظَّن، وَهُوَ مُعْتَبر شرعا بِمَنْزِلَة الْيَقِين فِي بِنَاء الْأَحْكَام عَلَيْهِ فِي أَكثر الْمسَائِل إِذا كَانَ مُسْتَندا إِلَى دَلِيل مُعْتَبر، وَذَلِكَ كَمَا إِذا رأى إِنْسَان عينا فِي يَد آخر يتَصَرَّف بهَا تَصرفا يغلب على ظن من يُشَاهِدهُ أَنَّهَا ملكه، وَكَانَ مثله يملك مثلهَا، وَلم يخبر الرَّائِي عَدْلَانِ بِأَنَّهَا ملك غَيره، فَإِنَّهُ يجوز لَهُ أَن يشْهد لذِي الْيَد بملكها.
(ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، آخر كتاب الشَّهَادَات) .
وَمن غير الْأَكْثَر بعض مسَائِل لَا تعْتَبر فِيهَا غَلَبَة الظَّن، بل لَا بُد فِيهَا من الْيَقِين: (أ) مِنْهَا: مَا لَو عقد الرجل على أُخْتَيْنِ بعقدين متعاقبين وَنسي الأول فَإِنَّهُ يفرق بَينه وَبَين الثِّنْتَيْنِ وَلَا يجوز تَرْجِيح أولية عقد أَحدهمَا على عقد الْأُخْرَى بِغَلَبَة الظَّن، بل لَا بُد من الْعلم، لِأَن التَّحَرِّي لَا يجْرِي فِي مسَائِل الْفروج. (ر: الدُّرَر، كتاب النِّكَاح، مُحرمَات النِّكَاح) .
(ب) وَمِنْهَا مَا لَو طلق وَاحِدَة مُعينَة من نِسَائِهِ ثمَّ نَسِيَهَا فَإِنَّهُ لَا يجوز لَهُ أَن يطَأ وَاحِدَة مِنْهُنَّ إِلَّا بعد الْعلم بالمطلقة، وَلَا يَكْفِي التَّحَرِّي وتغليب الظَّن وَلَا يسع الْحَاكِم أَن يخلي بَينه وَبَين نِسَائِهِ حَتَّى يتَبَيَّن، لِأَن التَّحَرِّي إِنَّمَا يجوز فِيمَا يُبَاح عِنْد الضَّرُورَة، والفروج لَا تحل للضَّرُورَة. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر، الْقَاعِدَة السَّابِقَة مِنْهُ) .
(ج) وَمِنْهَا الْحَبل، فَإِنَّهُم لم يعتبروا ظُهُور علاماته دَلِيلا جَازِمًا على وجود الْحمل وَلم يبنوا عَلَيْهِ الْأَحْكَام الجازمة وَإِن كَانَ يغلب على ظن كل من رأى الْمَرْأَة أَنَّهَا حَامِل. فَلَو أوصى إِنْسَان للْحَمْل بِشَيْء أَو وقف لَا تصح الْوَصِيَّة لَهُ أَو الْوَقْف عَلَيْهِ إِلَّا إِذا ولد لأَقل من سِتَّة أشهر من وَقت الْوَصِيَّة أَو الْوَقْف لكَي يتَيَقَّن بِوُجُودِهِ وقتهما. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر، الْقَاعِدَة الرَّابِعَة مِنْهُ) .
الجزء 1 · صفحة 81
وَمثل الْولادَة لأَقل من سِتَّة أشهر، فِيمَا يظْهر، مَا لَو مَاتَ أَبوهُ قبل الْوَصِيَّة لَهُ وَالْوَقْف فَإِنَّهُ تصح الْوَصِيَّة لَهُ وَالْوَقْف، فقد قَالَ فِي جَامع أَحْكَام الصغار، فِي كتاب الشُّفْعَة: " قَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى فِي " الأَصْل ": وَالْحمل فِي اسْتِحْقَاق الشُّفْعَة وَالصَّغِير وَالْكَبِير سَوَاء، فَإِن وضعت لأَقل من سِتَّة أشهر مُنْذُ وَقع الشِّرَاء فَلهُ الشُّفْعَة، وَإِن جَاءَت بِهِ لسِتَّة أشهر فَصَاعِدا مُنْذُ وَقع الشِّرَاء فَإِنَّهُ لَا شُفْعَة لَهُ إِلَّا أَن يكون أَبوهُ قد مَاتَ قبل البيع وَورث الْحمل فحينئذٍ يسْتَحق الشُّفْعَة، وَإِن جَاءَت بِهِ لسِتَّة أشهر فَصَاعِدا ".
نعم جعلُوا ظُهُور عَلَامَات الْحَبل أَمارَة رجحوا بهَا قَول الْمَرْأَة أَنَّهَا ولدت عِنْد إِنْكَار الزَّوْج للولادة ووقفوا بهَا الْمِيرَاث للْحَمْل. ولينظر فِيمَا إِذا علم وجود الْحمل قبل الْوَصِيَّة أَو الْوَقْف بِالْمُشَاهَدَةِ بِوَاسِطَة الأشعة المخترعة حَدِيثا الْمُسَمَّاة " أشعة رونتجن "، وَكَانَت الْمُشَاهدَة بطرِيق مَشْرُوع كالتداوي، ثمَّ وَلدته لأكْثر من سِتَّة أشهر من وَقت الْوَصِيَّة أَو الْوَقْف، فَهَل يعْتَبر ذَلِك مُوجبا لصِحَّة الْوَصِيَّة وَالْوَقْف للتيقن بِوُجُود الْحمل أَو لَا يعْتَبر؟ وَالظَّاهِر عدم اعْتِبَاره، فَلَا بُد من الْولادَة لأَقل من سِتَّة أشهر، لَا شكا فِيمَا أظهرته الأشعة، بل لِأَنَّهَا إِذا ولدت لأكْثر من سِتَّة أشهر لَا يتَيَقَّن حينئذٍ بِأَن الْمَوْلُود هُوَ الْحمل الَّذِي كَانَ شوهد بالأشعة، لجَوَاز أَن الْمشَاهد أسقط ثمَّ حصل بعده حمل جَدِيد.
أما إِذا كَانَت غَلَبَة الظَّن غير مستندة إِلَى دَلِيل فَلَا كَلَام فِي عدم اعْتِبَارهَا مُطلقًا، كَمَا لَو غلب على ظن الْغَاصِب حل الْعين الْمَغْصُوبَة لَهُ بِنَاء على احْتِمَال جعل الْمَالِك إِيَّاه فِي حل مِنْهَا، وكما لَو ظفر إِنْسَان بِمَال الْغَيْر فَأَخذه بِنَاء على احْتِمَال أَن مَالِكه أَبَاحَهُ لمن يَأْخُذهُ، فَإِنَّهُ يكون ضَامِنا وَلَا تعْتَبر غَلَبَة الظَّن هَذِه مهما قويت، لِأَنَّهَا غير مستندة إِلَى دَلِيل، لِأَنَّهُ من مُجَرّد التَّوَهُّم، وَلَا عِبْرَة بالتوهم. (ر: الْمَادَّة / 74 / من الْمجلة) .
إِن هَذِه الْقَاعِدَة من أُمَّهَات الْقَوَاعِد الَّتِي عَلَيْهَا مدَار الْأَحْكَام الْفِقْهِيَّة، وَقد قيل إِنَّهَا تدخل فِي جَمِيع أَبْوَاب الْفِقْه، والمسائل المخرجة عَلَيْهَا، من عبادات ومعاملات وَغَيرهَا، يبلغ ثَلَاثَة أَربَاع علم الْفِقْه.
الجزء 1 · صفحة 82
وَمَعْنَاهَا أَن مَا كَانَ ثَابتا متيقناً لَا يرْتَفع بِمُجَرَّد طروء الشَّك عَلَيْهِ، لِأَن الْأَمر اليقيني لَا يعقل أَن يُزِيلهُ مَا هُوَ أَضْعَف مِنْهُ بل مَا كَانَ مثله أَو أقوى.
هَذَا، وَلَا فرق بَين أَن يكون الْيَقِين السَّابِق: (1) مقتضياً للحظر، (2) أَو مقتضياً للْإِبَاحَة، فَإِن الْعُمْدَة عَلَيْهِ فِي كلتا الْحَالَتَيْنِ، وَلَا يلْتَفت إِلَى الشَّك فِي عرُوض الْمُبِيح على الأول، وعروض الحاظر على الثَّانِي.
فَمن الْقسم الأول: مَا لَو غَابَ إِنْسَان غيبَة مُنْقَطِعَة بِحَيْثُ لَا يعلم مَوته وَلَا حَيَاته، فَإِن الْمُعْتَبر الْيَقِين السَّابِق، وَهُوَ حَيَاته، إِلَى أَن يعلم مَوته بِالْبَيِّنَةِ أَو بِمَوْت جَمِيع أقرانه وَإِن كَانَ احْتِمَال مَوته قَائِما فِي كل لَحْظَة، فَلَا يجوز قبل ذَلِك قسْمَة مَاله بَين الْوَرَثَة، وَلَو كَانَ لَهُ وَدِيعَة عِنْد آخر فَيجب على الْمُسْتَوْدع حفظهَا، فَلَو أَعْطَاهَا للْوَرَثَة يكون ضَامِنا. (ر: الْمَادَّة / 785 / من الْمجلة) وَمن الْقسم الثَّانِي: الْفُرُوع الْآتِيَة الذّكر:.
(ثَانِيًا: التطبيق)
يتَفَرَّع على هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل: (أ) مِنْهَا: مَا إِذا كَانَ إِنْسَان يعلم أَن بكرا مديون لعَمْرو بِأَلف مثلا، فَإِنَّهُ يجوز لَهُ أَن يشْهد على بكر بِالْألف وَإِن خامره الشَّك فِي وفائها أَو فِي إِبْرَاء الدَّائِن لَهُ عَنْهَا، إِذْ لَا عِبْرَة للشَّكّ فِي جَانب الْيَقِين السَّابِق.
(ب) وَمِنْهَا: مَا إِذا كَانَ يعلم أَن الْعين الْفُلَانِيَّة كَانَت ملك بكر ثمَّ نازعه فِيهَا أحد، فَإِنَّهُ يجوز لَهُ أَن يشْهد لبكر بِأَن الْعين ملكه وَإِن كَانَ يحْتَمل أَنه بَاعهَا لمن ينازعه.
(ج) وَمِنْهَا: مَا لَو ادّعى زيد على عَمْرو ألفا مثلا فَأَقَامَ عَمْرو بَيِّنَة على الْأَدَاء أَو الْإِبْرَاء، فَأَقَامَ زيد أَيْضا بَيِّنَة على أَن لَهُ عَلَيْهِ ألفا، فَإِن بَيِّنَة زيد هَذِه لَا تقبل من غير أَن يبرهن أَن الْألف الْمَشْهُود عَلَيْهَا هِيَ غير تِلْكَ الْألف الَّتِي ادّعى عَمْرو أداءها أَو الْإِبْرَاء عَنْهَا، لِأَن فرَاغ ذمَّة عَمْرو بعد الْبَيِّنَة الَّتِي أَقَامَهَا أصبح يَقِينا، وَالْألف الَّتِي أَقَامَ زيد عَلَيْهَا الْبَيِّنَة مُطلقَة، فَيحْتَمل أَن تكون هِيَ
الجزء 1 · صفحة 83
المرادة أَو المبروء عَنْهَا، فَلَا تشغل ذمَّة عَمْرو بِمُجَرَّد الشَّك، بعد التيقن بفراغها. وَلِأَن الْمُوجب والمسقط إِذا اجْتمعَا يعْتَبر الْمسْقط مُتَأَخِّرًا. (ر: تَنْقِيح الْفَتَاوَى الحامدية، كتاب الدَّعْوَى) . إِذْ السُّقُوط بعد الْوُجُوب. (ر: الْفَتَاوَى الْعمادِيَّة، صفحة / 27 / من الطبعة الكستلية، وَمَا جَاءَ فِي هَذَا الْكَلَام على الْقَاعِدَة / 46 / من الْمجلة) .
(د) وَمِمَّا فرع عَلَيْهَا من هَذَا الْقَبِيل أَيْضا مَا فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: لَو أقرّ أَنه لَا حق لَهُ فِيمَا بيد فلَان، ثمَّ برهن على شَيْء فِي يَد فلَان أَنه غصبه مِنْهُ، لم يقبل حَتَّى يشْهد بغصبه بعد إِقْرَاره. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ، من بحث أَحْكَام الصّبيان، صفحة / 206) . لِأَن الْإِبْرَاء يعْمل فِيمَا قبله لَا فِيمَا بعده. وَلَا يعْمل فِيمَا بعده إِلَّا فِي مَسْأَلَة، وَهِي: مَا لَو شَرط البَائِع فِي البيع الْبَرَاءَة من كل عيب فِي الْمَبِيع دخل الْعَيْب الْقَدِيم والحادث بعد البيع قبل الْقَبْض. (ر: الدُّرَر وَغَيره، كتاب الْبيُوع، خِيَار الْعَيْب) .
(هـ) وَمِنْهَا: مَا لَو اشْترى أحد شَيْئا ثمَّ ادّعى أَن بِهِ عَيْبا وَأَرَادَ رده، وَاخْتلف التُّجَّار أهل الْخِبْرَة فَقَالَ بَعضهم هُوَ عيب وَقَالَ بَعضهم لَيْسَ بِعَيْب، فَلَيْسَ للْمُشْتَرِي الرَّد، لِأَن السَّلامَة هِيَ الأَصْل الْمُتَيَقن فَلَا يثبت الْعَيْب بِالشَّكِّ. (ر: رد الْمُحْتَار، أَوَائِل خِيَار الْعَيْب، نقلا عَن الْخَانِية) فَكَذَا لَو وجد الْعَيْب عِنْد البَائِع ثمَّ عِنْد المُشْتَرِي وَلَكِن اشْتبهَ فَلم يدر أَنه عين الأول أَو غَيره، فَإِنَّهُ لَا يرد. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الْخَامِس وَالْعِشْرين، صفحة / 346) .
(و) وَمِنْهَا: مَا لَو رد الْغَاصِب الْعين الْمَغْصُوبَة على من فِي عِيَال الْمَالِك، فَإِنَّهُ لَا يبرأ، لِأَن الرَّد على من فِي عِيَاله رد من وَجه دون وَجه، وَالضَّمان كَانَ وَاجِبا بِيَقِين فَلَا يبرأ بشك. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ، بحث مَا يصدق فِيهِ الْمُودع، صفحة / 150) .
(ز) وَمِنْهَا: مَا لَو طلق الرجل زَوجته، وَكَانَت ذَات لبن، وَتَزَوَّجت بآخر بعد عدتهَا فَحملت مِنْهُ وأرضعت طفْلا فِي مُدَّة الْحمل، فَإِن لَبنهَا لم يزل مُعْتَبرا من الزَّوْج الأول، فَتثبت بِهِ حُرْمَة الرَّضَاع بِالنِّسْبَةِ لَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ متيقناً أَن اللَّبن
الجزء 1 · صفحة 84
مِنْهُ، فَلَا نحكم بِأَنَّهُ من الثَّانِي بِمُجَرَّد الشَّك الْحَاصِل بِسَبَب حبلها من الزَّوْج الثَّانِي، فَإِذا ولدت يحكم حينئذٍ بِأَن اللَّبن بعد الْولادَة من الثَّانِي. (ر: الدّرّ وحاشيته رد الْمُحْتَار، كتاب الرَّضَاع) .
(تَنْبِيه:)
إِن الشَّك، وَإِن كَانَ لَا يقوى على رفع مَا ثَبت حُصُوله يَقِينا فِيمَا مضى، فَإِنَّهُ قد يمْنَع وجوده حُصُول مَا يُزِيلهُ بعد وجوده، يدل لذَلِك مَا جَاءَ فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ: برهن الْمُدعى عَلَيْهِ بعد الحكم، أَن الْمُدَّعِي أقرّ قبل الدَّعْوَى أَنه لَا حق لَهُ فِي الْعين الْمُدعى بهَا فَإِنَّهُ لَا يبطل الحكم، لجَوَاز التَّوْفِيق بِأَن يكون لَا حق لَهُ قبل الدَّعْوَى ثمَّ حدث لَهُ حق فَادّعى، فَلَا يبطل الحكم الْجَائِز: بشكٍ، وَلَو برهن على ذَلِك قبل الحكم تقبل وَلَا يحكم، إِذْ الشَّك يمْنَع الحكم وَلَا يرفعهُ. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، أَوَاخِر الْفَصْل الْعَاشِر، ج 1 / 165، برمز " مش " لمنهاج الشَّرِيعَة - بِبَعْض توضيح) . وَنقل عَن صَاحب التَّنْقِيح أَنه قَالَ عَقبهَا: لَكِن يَنْبَغِي أَن يكون هَذَا مَبْنِيا على القَوْل بِأَن إِمْكَان التَّوْفِيق كَاف.
وَلَكِن لم يظْهر لي صِحَة مَا ادَّعَاهُ من الْبناء الْمَذْكُور أصلا، وَالَّذِي حمله على القَوْل بِهَذَا قَول صَاحب جَامع الْفُصُولَيْنِ بِجَوَاز التَّوْفِيق بِأَن يكون ... الخ. فَإِنَّهُ اعْتَبرهُ بَيَانا لما هُوَ مُمكن من التَّوْفِيق، وَلَيْسَ بِظَاهِر بل هُوَ تَوْجِيه وتعليل لعدم بطلَان الحكم، بعد وُقُوعه مُسْتَوْفيا طَرِيقه الشَّرْعِيّ، بِهَذَا الدّفع الْمَشْكُوك فِي إِبْطَاله لَهُ، بِخِلَاف مَا قبل وُقُوعه فَإِنَّهُ دفع لَهُ عَن الْوُقُوع، وَالدَّفْع أسهل من الرّفْع. وَلَو كَانَ كَمَا قَالَ لما اخْتلف حكم الْإِتْيَان بِالدفع الْمَذْكُور قبل الحكم
الجزء 1 · صفحة 85
عَمَّا بعده. وَيُقَال كَمَا أَنه إِذا أُتِي بِهِ بعد الحكم لَا يبطل الحكم لِإِمْكَان التَّوْفِيق، كَذَلِك إِذا أُتِي بِهِ قبل الحكم لَا يمْنَع الحكم لِإِمْكَان التَّوْفِيق. وَالْوَاقِع خِلَافه، فَإِن الحكم كَمَا ترى مُخْتَلف. فَلْيتَأَمَّل.
هَذَا وَلَا تنَافِي بَين مَا نَقَلْنَاهُ آنِفا، عَن أَوَاخِر الْفَصْل الْعَاشِر من جَامع الْفُصُولَيْنِ، وَبَين مَا جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْخَانِية، من بحث تَكْذِيب الشُّهُود من كتاب الشَّهَادَات وَلَفظه: " فِي الْمُنْتَقى: رجل ادّعى فِي يَد رجل مَتَاعا أَو دَارا أَنَّهَا لَهُ، وَأقَام الْبَيِّنَة وَقضى القَاضِي لَهُ، فَلم يقبضهُ حَتَّى أَقَامَ الَّذِي فِي يَده الْبَيِّنَة أَن الْمُدَّعِي أقرّ عِنْد غير القَاضِي أَنه لَا حق لَهُ فِيهِ، قَالَ: إِن شهدُوا أَنه أقرّ بذلك قبل الْقَضَاء بَطل الْقَضَاء، وَإِن شهدُوا أَنه أقرّ بِهِ بعد الْقَضَاء لَا يبطل الْقَضَاء، لِأَن الثَّابِت بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ عيَانًا، وَلَو عاين القَاضِي إِقْرَاره بذلك كَانَ الحكم على هَذَا الْوَجْه " انْتهى، وَنَقله عَن الْفَتَاوَى الْخَانِية فِي رد الْمُحْتَار، أَوَائِل بَاب الِاخْتِلَاف فِي الشَّهَادَة.
وَبَيَان عدم التَّنَافِي أَن قَول الْفَتَاوَى الْخَانِية: " إِن شهدُوا أَنه أقرّ بذلك قبل الْقَضَاء " مَعْنَاهُ أَنه قَالَه قبل الْقَضَاء بعد الدَّعْوَى لم يبْق إِمْكَان لما ذكره فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ من جَوَاز التَّوْفِيق بِأَنَّهُ لم يكن لَهُ حق ثمَّ حدث حق فَادّعى فَيبْطل الْقَضَاء لَا محَالة، وَعدم بطلَان الْقَضَاء بِهِ فِيمَا إِذا شهدُوا أَنه قَالَه بعد الْقَضَاء إِنَّمَا هُوَ لكَون قَوْله: " لَا حق لي فِيهِ " يتَنَاوَل الْحَال فَقَط، وَلَيْسَ من ضَرُورَة انْتِفَاء الْحق فِي الْحَال انتفاؤه فِي الْمَاضِي، بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ بعد الْقَضَاء: " لم يكن لي فِيهِ حق " فَإِنَّهُ يبطل الْقَضَاء، لِأَنَّهُ يتَنَاوَل الْمَاضِي. (ر: الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة، كتاب الْقَضَاء، الْبَاب الْعَاشِر) .
(ثَالِثا _ الْمُسْتَثْنى)
يسْتَثْنى من الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة:
مَا لَو ادّعى المُشْتَرِي عَيْبا فِي الْمَبِيع مُوجبا لرده على البَائِع، بعد قَبضه الْمَبِيع، فَإِنَّهُ لَا يجْبر على دفع الثّمن للْبَائِع حَتَّى تَنْتَهِي الْخُصُومَة فِي الْعَيْب، فَإِن ثَبت قدم الْعَيْب عِنْد البَائِع يفْسخ القَاضِي البيع، فَإِن عجز المُشْتَرِي عَن الْإِثْبَات يجْبر على دفع الثّمن حينئذٍ. (ر: تنوير الْأَبْصَار وَغَيره، من خِيَار
الجزء 1 · صفحة 86
الْعَيْب) . فقد زَالَ الْيَقِين هَا هُنَا، وَهُوَ وجوب دفع الثّمن الْمُتَيَقن بِهِ للْحَال بِمُجَرَّد الشَّك، وَهُوَ قدم الْعَيْب الْمُحْتَمل الثُّبُوت وَعَدَمه
الجزء 1 · صفحة 87
(الْقَاعِدَة الرَّابِعَة (الْمَادَّة / 5))
(" الأَصْل بَقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ ")
(أَولا _ الشَّرْح)
" الأَصْل بَقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ، حَتَّى يقوم الدَّلِيل على خِلَافه " لِأَن الأَصْل إِذا اعْترض عَلَيْهِ دَلِيل خِلَافه بَطل. (ر: رد الْمُحْتَار، كتاب الدَّعْوَى، آخر دَعْوَى الرجلَيْن، نقلا عَن الزَّيْلَعِيّ) .
الأَصْل فِي اللُّغَة: أَسْفَل الشَّيْء، وَفِي الِاصْطِلَاح يُطلق على معَان كَثِيرَة، مِنْهَا أَنه يسْتَعْمل بِمَعْنى القانون وَالْقَاعِدَة المنطبقة على جزئياتها. (ر: كليات أبي الْبَقَاء) ، وَهُوَ المُرَاد هُنَا.
وَمعنى هَذِه الْقَاعِدَة أَنه إِذا جهل فِي وَقت الْخُصُومَة حَال الشَّيْء وَلَيْسَ هُنَاكَ دَلِيل يحكم بِمُقْتَضَاهُ، وَكَانَ لذَلِك الشَّيْء حَال سَابِقَة معهودة، فَإِن الأَصْل فِي ذَلِك أَن يحكم بِبَقَائِهِ واستمراره على تِلْكَ الْحَال الْمَعْهُودَة الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، حَتَّى يقوم الدَّلِيل على خلاف ذَلِك فيصار حِينَئِذٍ إِلَيْهِ.
وَذَلِكَ الدَّلِيل أحد أَرْبَعَة أَشْيَاء: الْبَيِّنَة، وَالْإِقْرَار، والنكول، والأمارة الظَّاهِرَة؛ على أَن النّكُول يرجع إِلَى مُجَرّد الْقَرِينَة الظَّاهِرَة: (ر: مَا سَيَأْتِي عَن معِين الْحُكَّام أثْنَاء الْكَلَام على الْقَاعِدَة الثَّامِنَة: " الأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة ") . فَأَما الْبَيِّنَة وَالْإِقْرَار والنكول فأمثلتها وَاضِحَة مَعْلُومَة، وَأما الأمارة الظَّاهِرَة فكتحكيم الْحَال الْآتِي قَرِيبا فِي الْكَلَام على النَّوْع الثَّانِي من نَوْعي الِاسْتِصْحَاب.
إِن هَذِه الْقَاعِدَة لَيست من الْقَوَاعِد الْكُلية الَّتِي لَيست دَاخِلَة تَحت غَيرهَا،
الجزء 1 · صفحة 88
بل هِيَ _ وَمَا بعْدهَا من الْقَوَاعِد الْآتِيَة حَتَّى الْمَادَّة / 13 / _ من فروع الْمَادَّة الرَّابِعَة الْمُتَقَدّمَة وَهِي " الْيَقِين لَا يَزُول بِالشَّكِّ " وداخلات تحتهَا.
(ثَانِيًا _ التطبيق)
يتَفَرَّع على هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل كَثِيرَة: (أ) مِنْهَا: مَا لَو ادَّعَت الزَّوْجَة على زَوجهَا عدم وُصُول النَّفَقَة الْمقدرَة إِلَيْهَا، وَادّعى الزَّوْج الإيصال، فَالْقَوْل قَوْلهَا بِيَمِينِهَا، لِأَن الأَصْل بَقَاؤُهَا بعد أَن كَانَت ثَابِتَة فِي ذمَّته حَتَّى يقوم على خِلَافه دَلِيل من بَينه أَو نُكُول.
وَمثله: كل مَدين، فَلَو ادّعى الْمُسْتَقْرض دفع الدّين إِلَى الْمقْرض، أَو ادّعى المُشْتَرِي دفع الثّمن إِلَى البَائِع، أَو ادّعى الْمُسْتَأْجر دفع بدل الْإِجَارَة إِلَى الْمُؤَجّر، وَأنكر الْمقْرض وَالْبَائِع والمؤجر الْقَبْض فَالْقَوْل قَوْلهم، لِأَن الأَصْل بَقَاء مبلغ الْقَرْض وَالثمن وَالْأُجْرَة بعد ثُبُوتهَا فِي الذِّمَّة.
(ب) وَمِنْهَا: مَا لَو اخْتلف البَائِع وَالْمُشْتَرِي فِي مُضِيّ مُدَّة خِيَار الشَّرْط، أَو فِي مُضِيّ مُدَّة أجل الثّمن، فَالْقَوْل لمنكر الْمُضِيّ، لِأَنَّهُمَا تَصَادقا على ثُبُوت الْخِيَار وَالْأَجَل ثمَّ ادّعى أَحدهمَا السُّقُوط، وَالْأَصْل بقاؤهما بعد الثُّبُوت. (ر: الدُّرَر وحاشيته، أَوَاخِر خِيَار الشَّرْط من كتاب الْبيُوع) .
(ج) وَمِنْهَا: مَا لَو بَاعَ إِنْسَان شَيْئَيْنِ صَفْقَة وَاحِدَة فَهَلَك أَحدهمَا عِنْد المُشْتَرِي وَجَاء بِالْآخرِ ليَرُدهُ بِعَيْب فِيهِ على البَائِع بِحِصَّتِهِ من الثّمن، فاختلفا فِي قيمَة الْهَالِك، فَالْقَوْل للْبَائِع. (ر: رد الْمُحْتَار، من البيع الْفَاسِد، عِنْد قَول المُصَنّف: وَفَسَد بيع زَيْت على أَن يزنه فِي ظرفه ويطرح عَن الظّرْف كَذَا رطلا) لِأَن الثّمن جَمِيعه ثَابت فِي ذمَّة المُشْتَرِي فَالْأَصْل بَقَاء الْقدر الْمُخْتَلف فِيهِ فِي ذمَّته حَتَّى يبرهن على دَعْوَاهُ.
(د) وَمِنْهَا: مَا لَو ادَّعَت امتداد الطُّهْر وَعدم انْقِضَاء الْعدة، صدقت بِيَمِينِهَا، وَلها نَفَقَة الْعدة، لِأَن الأَصْل بَقَاء الْعدة بعد وجودهَا
الجزء 1 · صفحة 89
يطلقون على هَذَا الأَصْل الْمَذْكُور، أَعنِي قَاعِدَة بَقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ، لَفْظَة (الِاسْتِصْحَاب) ، وَهُوَ عبارَة عَن الحكم على أَمر ثَابت فِي وقتٍ بِثُبُوتِهِ فِي وَقت آخر.
وَهُوَ نَوْعَانِ: الأول _ جعل الْأَمر الثَّابِت فِي الْمَاضِي مستصحباً للْحَال، وَمن هَذَا النَّوْع هَذِه الْقَاعِدَة وَمَا تفرع عَلَيْهَا.
الثَّانِي _ جعل الْأَمر الثَّابِت فِي الْحَال مستصحباً ومنسحباً للماضي، وَهُوَ الْمُسَمّى بالاستصحاب المعكوس، وبتحكيم الْحَال، وأمثلته كَثِيرَة: مِنْهَا: مَا لَو كَانَ للِابْن الْغَائِب مَال عِنْد أَبِيه، فأنفق الْأَب مِنْهُ على نَفسه، ثمَّ اخْتلفَا فَقَالَ الابْن للْأَب: إِنَّك أنفقت على نَفسك مِنْهُ وَأَنت مُوسر، وَقَالَ الْأَب: أنفقت وَأَنا مُعسر، وَلَا بَيِّنَة لأَحَدهمَا، فَإِنَّهُ يحكم الْحَال؛ فَلَو كَانَ حَال الْخُصُومَة مُعسرا فَالْقَوْل لَهُ، وَلَو مُوسِرًا فَالْقَوْل لِابْنِهِ، وَلَو برهن كل من الْأَب وَالِابْن على دعواهما تقدم بَيِّنَة الابْن. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار، أَوَاخِر النَّفَقَة) ، فقد جعل الْيَسَار أَو الْإِعْسَار الْقَائِم فِي الْحَاضِر منسجماً مَعَ الْمَاضِي. وَإِنَّمَا لم يَجْعَل القَوْل قَول مدعي الْإِعْسَار مُطلقًا على أَنه الصّفة الْأَصْلِيَّة فِي الْإِنْسَان، وَالْأَصْل اعْتِبَار بَقَائِهِ، لِأَن اعْتِبَار بَقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ إِنَّمَا هُوَ عِنْد قيام دَلِيل على خِلَافه. (ر: مَا أسلفناه فِي أول الْكَلَام على هَذِه الْقَاعِدَة) ، وَلما كَانَ قيام صفة الْيَسَار حِين الْخُصُومَة أَمارَة ظَاهِرَة فِي تأييد كَلَام مدعيه طرح ذَلِك الأَصْل لقِيَام الدَّلِيل على خِلَافه وَاعْتبر القَوْل لمُدعِي الْيَسَار.
الجزء 1 · صفحة 90
وَمِنْهَا: مَا لَو ادّعى الْمُسْتَأْجر سُقُوط الْأُجْرَة بزعم أَن الْمَأْجُور غصب مِنْهُ ففات الِانْتِفَاع بِهِ وَأنكر الْمُؤَجّر ذَلِك فَإِنَّهُ يحكم الْحَال وَينظر: إِن كَانَ الْمَأْجُور فِي يَد الْغَاصِب حِين الْخُصُومَة فَالْقَوْل للْمُسْتَأْجر، وَإِن لم يكن فِي يَد غَاصِب فَالْقَوْل للمؤجر. (ر: الذَّخِيرَة، من كتاب الْإِجَارَة، الْبَاب الثَّانِي وَالْعِشْرين) . وَالْحَالة الثَّانِيَة وَهِي عدم كَونه فِي يَد غَاصِب، تَشْمَل صُورَتَيْنِ، إِحْدَاهمَا: أَن يكون فِي يَد الْمُسْتَأْجر، وَالثَّانيَِة: أَن لَا يكون فِي يَد أحد.
وَمِنْهَا: مَا لَو بَاعَ الْأَب مَال طِفْله ثمَّ بلغ، فَادّعى _ بعد بُلُوغه _ على المُشْتَرِي أَن البيع كَانَ بِغَبن فَاحش وَالْمُشْتَرِي يُنكر ذَلِك، فَإِنَّهُ يحكم الْحَال لَو لم تكن الْمدَّة قدر مَا يتبدل بِهِ السّعر. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل السَّابِع وَالْعِشْرين، صفحة / 28) .
وَمِنْهَا: مَسْأَلَة اخْتِلَاف مؤجر الطاحون ومستأجرها فِي أصل انْقِطَاع مَائِهَا الْمَذْكُورَة فِي الْمَادَّة / 1776 / من الْمجلة. وَمَسْأَلَة الِاخْتِلَاف فِي حُدُوث طَرِيق المَاء الَّذِي يجْرِي إِلَى دَار إِنْسَان وَقدمه الْمَذْكُورَة فِي الْمَادَّة / 1777 / مِنْهَا.
وَقد اخْتلف فِي حجية الِاسْتِصْحَاب بنوعيه، وَالْمَشْهُور فِي الْمَذْهَب أَنه يصلح حجَّة للدَّفْع لَا للاستحقاق. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر، وجامع الْفُصُولَيْنِ، أَوَائِل الْفَصْل السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ مِنْهُ) .
وَذَلِكَ: كَمَا لَو تنَازع اثْنَان فِي جِدَار، وَكَانَ لأَحَدهمَا عَلَيْهِ جُذُوع وَللْآخر اتِّصَال تربيع، فذو التربيع أولى، إِذْ الِاسْتِعْمَال بالتربيع _ وَهُوَ تدَاخل أَطْرَاف اللبنات حِين بنائِهِ _ سَابق على الِاسْتِعْمَال بالجذوع، إِلَّا أَنه لَا ترفع جُذُوع الآخر لِأَن اتِّصَال التربيع من قبيل الظَّاهِر، وَالْملك الثَّابِت بِهِ ثَابت بِنَوْع ظَاهر، وَالظَّاهِر يصلح للدَّفْع لَا للاستحقاق.
بِخِلَاف مَا لَو برهن ذُو التربيع أَن الْحَائِط لَهُ، فَإِن جُذُوع الآخر ترفع، إِذْ الْبَيِّنَة حجَّة تصلح للدَّفْع والاستحقاق على الْغَيْر. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ، صفحة / 278، موضحاً) ثمَّ أعَاد الْمَسْأَلَة ثَانِيًا، فِي صفحة / 280 /، وَحكى الْإِجْمَاع على أَن جُذُوع الآخر ترفع لَو برهن
الجزء 1 · صفحة 91
وَلَا يخفى أَن مَا ذكره من أَن جُذُوع الآخر ترفع عِنْد الْإِثْبَات بِالْبَيِّنَةِ إِنَّمَا هُوَ إِذا لم يثبت قدم وَضعهَا، أما إِذا ثَبت أَنَّهَا مَوْضُوعَة من الْقَدِيم فَإِنَّهَا لَا ترفع، إِذا ظهر أَنَّهَا مَوْضُوعَة بِحَق، فَإِن الْقَدِيم يتْرك على قدمه. (ر: مَا سَيَأْتِي فِي الْقَاعِدَة التالية لهَذِهِ) .
وكما فِي مَسْأَلَة الْمَفْقُود _ وَهُوَ الْغَائِب غيبَة مُنْقَطِعَة بِحَيْثُ لَا يعرف مَوته أَو حَيَاته _ فَإِنَّهُ يعْتَبر حَيا فِي حق نَفسه، أَي فِي دفع اسْتِحْقَاق الْغَيْر مِنْهُ، إِلَى أَن يثبت مَوته حَقِيقَة بِالْبَيِّنَةِ أَو حكما بِأَن يقْضِي القَاضِي بِمَوْتِهِ بعد موت جَمِيع أقرانه، فَلَا يقسم، قبل ذَلِك، مَاله بَين ورثته وَلَا تفسخ إِجَارَته. وَلَو كَانَ لَهُ وَدِيعَة عِنْد أحد يجب على الْمُسْتَوْدع حفظهَا، وَلَيْسَ لأحد من وَارِث أَو قَاض أَن يَأْخُذهَا مِنْهُ إِذا كَانَ مَأْمُونا عَلَيْهَا. (ر: مَا تقدم فِي شرح الْمَادَّة الرَّابِعَة) .
وَيعْتَبر كالميت فِي جَانب الِاسْتِحْقَاق من غَيره، لِأَن اسْتِصْحَاب حَيَاته السَّابِقَة لَا يَكْفِي حجَّة للاستحقاق، فَلَا يَرث من غَيره بل يُوقف نصِيبه من الْمُورث، فَإِن ظهر حَيا أَخذه، وَإِن ثَبت مَوته حَقِيقَة أَو حكما أُعِيد النَّصِيب إِلَى وَرَثَة ذَلِك الْمُورث (ر: الدُّرَر وحاشيته، كتاب الْمَفْقُود) .
وكما لَو مَاتَ نَصْرَانِيّ مثلا فَجَاءَت امْرَأَته مسلمة وَقَالَت: أسلمت بعد مَوته فلي الْمِيرَاث، وَقَالَ الْوَرَثَة: أسلمت قبل مَوته فَلَا مِيرَاث لَك، فَالْقَوْل للْوَرَثَة لَا للْمَرْأَة، فَهُنَا كل من الطَّرفَيْنِ متمسك بِنَوْع من الِاسْتِصْحَاب، فالمرأة تُرِيدُ اسْتِحْقَاق الْإِرْث تمسكاً بالاستصحاب الْحَقِيقِيّ، وَهُوَ استمرارها إِلَى مَا بعد موت زَوجهَا على دينه الَّذِي كَانَت تدين بِهِ، والاستصحاب لَا يَكْفِي حجَّة للاستحقاق، وَالْوَرَثَة يدفعونها عَن اسْتِحْقَاق الْإِرْث تمسكاً بالاستصحاب المعكوس، وَهُوَ انسحاب مَانع الْإِرْث الْقَائِم بِالْمَرْأَةِ حِين الْخُصُومَة، أَعنِي إسْلَامهَا، إِلَى مَا قبل موت الزَّوْج، والاستصحاب يَكْفِي حجَّة للدَّفْع، فَكَانَ القَوْل لَهُم.
أما لَو مَاتَ الْمُسلم وَله امْرَأَة نَصْرَانِيَّة مثلا، فَجَاءَت بعد مَوته مسلمة وَقَالَت: أسلمت قبل مَوته فلي الْمِيرَاث، وَقَالَ الْوَرَثَة: أسلمت بعد مَوته، فَإِنَّهُ
الجزء 1 · صفحة 92
لَا يكون القَوْل قَوْلهَا حكما لَهَا بالاستصحاب المعكوس الْمُتَقَدّم، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا تُرِيدُ بِهِ اسْتِحْقَاق الْإِرْث، وَهُوَ لَا يصلح حجَّة للاستحقاق بل يكون القَوْل للْوَرَثَة أَيْضا حكما بالاستصحاب الْحَقِيقِيّ وَهُوَ بَقَاؤُهَا على دينهَا إِلَى مَا بعد الْمَوْت، لِأَن الْوَرَثَة يدفعونها بذلك عَن الِاسْتِحْقَاق (ر: الْأَشْبَاه والنظائر) وَيشْهد لَهُم ظَاهر الْحُدُوث أَيْضا حَيْثُ يضيفون إسْلَامهَا الْحَادِث لأَقْرَب أوقاته (ر: مَا سَيَأْتِي فِي مستثنيات الْمَادَّة / 11) .
هَذَا، وَإِنَّمَا كَانَ الِاسْتِصْحَاب غير حجَّة فِي الِاسْتِحْقَاق لِأَنَّهُ من قبيل الظَّاهِر، وَمُجَرَّد الظَّاهِر لَا ينتهض حجَّة فِي إِلْزَام الْغَيْر، وَلما كَانَ الِاسْتِحْقَاق على الْغَيْر إلزاماً لَهُ لم يكتف فِيهِ بِالظَّاهِرِ. قَالَ الإِمَام الْكَرْخِي فِي أُصُوله: " الأَصْل أَن الظَّاهِر يدْفع الِاسْتِحْقَاق وَلَا يُوجب الِاسْتِحْقَاق "، وَقَالَ الإِمَام النَّسَفِيّ فِي شرح ذَلِك: " من مسَائِل هَذَا الأَصْل أَن من كَانَ فِي يَده دَار فجَاء رجل يدعيها فَظَاهر يَده يدْفع اسْتِحْقَاق الْمُدعى، حَتَّى لَا يقْضى لَهُ إِلَّا بِالْبَيِّنَةِ. وَلَو بِيعَتْ دَار لجنب هَذِه الدَّار فَأَرَادَ أَخذ الدَّار الْمَبِيعَة بِالشُّفْعَة بِسَبَب الْجوَار لهَذِهِ الدَّار، فَأنْكر الْمُدعى عَلَيْهِ أَن تكون هَذِه الدَّار الَّتِي فِي يَده مَمْلُوكَة لَهُ، فَإِنَّهُ بِظَاهِر يَده لَا يسْتَحق الشُّفْعَة مَا لم يثبت أَن هَذِه الدَّار ملكه.
وَذكر ابْن نجيم فِي الْأَشْبَاه، نقلا عَن التَّحْرِير، أَن الْأَوْجه أَن الِاسْتِصْحَاب لَيْسَ بِحجَّة مُطلقًا لَا فِي الدّفع وَلَا فِي الِاسْتِحْقَاق، وَأَن مَا يدل بِظَاهِرِهِ من الْفُرُوع على أَنه حجَّة فِي الدّفع فَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَة احتجاجاً بالاستصحاب، بل باستمرار الْعَدَم الَّذِي هُوَ الأَصْل فِي الْأَشْيَاء.
هَكَذَا ذكرُوا، وَلم يظْهر لي، لِأَن اسْتِمْرَار الْعَدَم فِي الْمسَائِل العدمية هُوَ عين الِاسْتِصْحَاب الْمَذْكُور، وَلَا فرق بَينهمَا إِلَّا فِي التَّعْبِير. على أَن كثيرا من الْأُمُور الَّتِي حكمُوا فِيهَا بالاستصحاب لَيست من الْأُمُور العدمية حَتَّى يَصح أَن يُقَال فِيهَا إِن الِاحْتِجَاج بهَا من قبيل الِاحْتِجَاج باستمرار الْعَدَم الْأَصْلِيّ، بل هُوَ من الْأُمُور الوجودية الْعَارِضَة، كَمَا فِي مَسْأَلَة اخْتِلَاف الْأَب وَالِابْن فِي الْيَسَار والإعسار الْمُتَقَدّمَة، فقد حكم فِيهَا بيسار الْأَب الْمَاضِي لما كَانَ مُوسِرًا وَقت الْخُصُومَة، فَكيف يُمكن أَن يعْتَبر هَذَا حكما باستمرار الْعَدَم الْأَصْلِيّ؟ ... .
الجزء 1 · صفحة 93
(ثَالِثا _ الْمُسْتَثْنى)
خرج عَن هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل: مِنْهَا: مَا تقدم فِي الْمَادَّة / 3 / من أَن الْمُودع إِذا ادّعى رد الْوَدِيعَة أَو هلاكها، وَالْمَالِك يُنكر، فَالْقَوْل للْمُودع، مَعَ أَن الأَصْل بَقَاؤُهَا عِنْده، وَذَلِكَ لِأَن كل أَمِين ادّعى رد الْأَمَانَة إِلَى مستحقها فَالْقَوْل قَوْله بِيَمِينِهِ، لِأَن الأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة وَعدم التَّعَدِّي وَالتَّقْصِير.
وَمِنْهَا: مَا لَو ادَّعَت الْمَرْأَة مُضِيّ عدتهَا فِي مُدَّة تحْتَمل، صدقت بِيَمِينِهَا (ر: التَّنْوِير، بَاب الْعدة) مَعَ أَن الأَصْل بَقَاء الْعدة بعد وجودهَا، وَذَلِكَ لِأَن مُضِيّ الْعدة من الْأُمُور الَّتِي لَا تعلم إِلَّا مِنْهَا، فَإِذا لم يقبل قَوْلهَا فِي مضيها لَا يُمكن ثُبُوت مضيها أصلا، فَقبل قَوْلهَا فِي ذَلِك ضَرُورَة.
الجزء 1 · صفحة 94
((صفحة فارغة))
الجزء 1 · صفحة 95
(الْقَاعِدَة الْخَامِسَة (الْمَادَّة / 6))
(" الْقَدِيم يتْرك على قدمه ")
(أَولا _ الشَّرْح)
[" الْقَدِيم يتْرك على قدمه "] إِلَّا إِذا قَامَ الدَّلِيل على خِلَافه، كَمَا فِي الْمَادَّة / 1224 / من الْمجلة.
الْقَدِيم: هُوَ الَّذِي لَا يُوجد من يعرف أَوله. (ر: الْمَادَّة / 166 / من الْمجلة) .
وَمعنى هَذِه الْقَاعِدَة أَن الْمُتَنَازع فِيهِ إِذا كَانَ قَدِيما تراعى فِيهِ حَالَته الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا من الْقَدِيم، بِلَا زِيَادَة وَلَا نقص وَلَا تَغْيِير وَلَا تَحْويل.
وَإِنَّمَا لم يجز تَغْيِير الْقَدِيم عَن حَاله أَو رَفعه بِدُونِ إِذن صَاحبه لِأَنَّهُ لما كَانَ من الزَّمن الْقَدِيم على هَذِه الْحَالة الْمُشَاهدَة فَالْأَصْل بَقَاؤُهُ على مَا كَانَ عَلَيْهِ، ولغلبة الظَّن بِأَنَّهُ مَا وضع إِلَّا بِوَجْه شَرْعِي (ر: الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّة، فصل الْحِيطَان) .
فَلَو كَانَ لأحد جنَاح فِي دَاره مَمْدُود على أَرض الْغَيْر، أَو كَانَ لداره مسيل مَاء أَو أقذار فِي أَرض الْغَيْر، أَو كَانَ لَهُ ممر إِلَى دَاره مثلا فِي أَرض الْغَيْر، وَكَانَ ذَلِك الْجنَاح أَو المسيل أَو الْمَمَر قَدِيما لَا يعرف أحد من الْحَاضِرين مبدأ لحدوثه، فَأَرَادَ صَاحب الأَرْض أَن يمْنَع صَاحب الدَّار من مد الْجنَاح أَو التسييل أَو الْمُرُور فِي أرضه، أَو أَرَادَ أَن يحول المسيل أَو الْمَمَر ويغيره عَن حَاله الْقَدِيم فَلَيْسَ لَهُ ذَلِك إِلَّا بِإِذن صَاحبه (ر: الْموَاد / 1224 و 1225 و 1229 / من الْمجلة) .
الجزء 1 · صفحة 96
وَكَذَا لَيْسَ لصَاحب الْحق نَفسه أَن يحوله من جِهَة إِلَى جِهَة، أَو يصرف الْمَمَر مثلا إِلَى دَار أُخْرَى لَهُ، إِلَّا إِذا أذن لَهُ الآخر، وللآذن ولورثته من بعده الرُّجُوع عَن هَذَا الْإِذْن وتكليف صَاحب الْحق بإعادته إِلَى الْحَالة الأولى، وَوجه جَوَاز الرُّجُوع، كَمَا فِي الْخَانِية، أَن ذَلِك الْإِذْن من قبيل الْإِعَارَة، وَهِي غير لَازِمَة. بِخِلَاف مَا لَو بنى صَاحب الأَرْض بِنَاء فِي الْمَمَر بِإِذن صَاحب حق الْمُرُور فَإِنَّهُ يسْقط حق مروره وَلَا يكون لَهُ بعد ذَلِك حق الْمُخَاصمَة مَعَ صَاحب الأَرْض لاستعادته، لِأَن إِذْنه ذَلِك إِسْقَاط لحقه، إِلَّا إِذا كَانَ صَاحب الْحق مَالِكًا لرقبة الطَّرِيق فَلَا يمْنَع من الْمُخَاصمَة واستعادته بعد إِذْنه بِالْبِنَاءِ، لِأَن الْملك لَا يسْقط بالإسقاط، قَالَ فِي فصل الْأَنْهَار من الْفَتَاوَى الْخَانِية: " وَلَو قَالَ صَاحب المسيل: أبطلت حَقي فِي المسيل، فَإِن كَانَ لَهُ حق إِجْرَاء المَاء دون الرَّقَبَة بَطل حَقه، وَإِن كَانَ لَهُ رَقَبَة المسيل لَا يبطل ذَلِك بالإبطال ".
وَكَذَلِكَ لَو كَانَ نهر، بَين قوم، يَأْخُذ المَاء من النَّهر الْأَعْظَم، فَمنهمْ من لَهُ فِيهِ كوتان وَمِنْهُم من لَهُ ثَلَاث، فَقَالَ أَصْحَاب الكوى السُّفْلى لأَصْحَاب الْعليا: إِنَّكُم تأخذون من المَاء أَكثر من نصيبكم، لِأَن كَثْرَة المَاء وَرَفعه يكون فِي أَعلَى النَّهر فَيدْخل فِي كواكم شَيْء كثير، وَنحن لَا نرضى بِهَذَا، ونجعل لكم أَيَّامًا مَعْلُومَة ونسد فِي أيامكم كوانا وَلنَا أَيَّامًا مَعْلُومَة وَأَنْتُم تسدون فِيهَا كواكم، فَلَيْسَ لَهُم ذَلِك، بل يتْرك على حَاله كَمَا كَانَ. وَكَذَا لَو اخْتصم أهل النَّهر فَادّعى بَعضهم زِيَادَة لم يكن ذَلِك إِلَّا بِحجَّة. وَالْأَصْل فِي جنس هَذَا أَن مَا كَانَ قَدِيما يتْرك على حَاله وَلَا يُغير إِلَّا بِحجَّة (ر: الْفَتَاوَى الْخَانِية، فصل الْأَنْهَار) .
لَا يشْتَرط فِي اعْتِبَار التَّصَرُّف الْقَدِيم أَن يكون مَا يتَصَرَّف بِهِ قَائِما فِي يَد الْمُتَصَرف إِلَى حِين الْخُصُومَة، بل يَكْفِي أَن يثبت الْمُدَّعِي وجوده فِي يَده قبل الْخُصُومَة، وَأَن الْمُدعى عَلَيْهِ أحدث يَده عَلَيْهِ وَمنع الْمُدَّعِي مِنْهُ، فَإِنَّهُ يحكم بِهِ للْمُدَّعِي، لِأَن الْيَد الْحَادِثَة لَا عِبْرَة بهَا بل الْعبْرَة لليد الْحَقِيقِيَّة (ر: الْبَحْر الرَّائِق شرح كنز الدقائق، كتاب الدَّعْوَى، أَوَائِل دَعْوَى الرجلَيْن، ج 7 / 256) .
وَقد نصوا أَنه لَو كَانَ لرجل نهر يجْرِي فِي أَرض غَيره لسقي أراضيه، وَهُوَ فِي يَده يكريه ويغرس فِي حافتيه الْأَشْجَار مثلا، فَأَرَادَ صَاحب الأَرْض أَن
الجزء 1 · صفحة 97
لَا يجْرِي النَّهر فِي أرضه فَلَيْسَ لَهُ ذَلِك، بل يتْرك على حَاله، لِأَن من هُوَ فِي يَده يَسْتَعْمِلهُ بإجراء مَائه وَنَحْوه، فَعِنْدَ الِاخْتِلَاف القَوْل قَوْله، فَلَو لم يكن فِي يَده وَلم يكن جَارِيا وَقت الْخُصُومَة، فَإِن كَانَ يَدعِي رَقَبَة النَّهر فَعَلَيهِ أَن يثبت أَنه لَهُ، وَإِن كَانَ يَدعِي حق الإجراء فِي النَّهر فَعَلَيهِ أَن يثبت أَنه كَانَ يجْرِي من الْقَدِيم لسقي أراضيه، فَيحكم لَهُ حِينَئِذٍ بِملك رَقَبَة النَّهر فِي الصُّورَة الأولى، وبحق الإجراء فِي الثَّانِيَة.
وبمثل ذَلِك يحسم الِاخْتِلَاف إِذا وَقع فِي حق الْمُرُور، أَو حق التسييل فِي أَرض أَو على سطح، أَو فِي دَار، أَو فِي طَرِيق خَاص، أَو بَين علو وسفل (ر: الْهِدَايَة وشروحها والملتقى والتنوير، فصل الشّرْب، والمادة / 1177 / من الْمجلة) .
هَذَا، ثمَّ إِذا جهل حَال الْمُتَنَازع فِيهِ وَلم يعرف هَل هُوَ قديم أَو حَادث، فَالْأَصْل فِيهِ أَنه إِن كَانَ فِي طَرِيق خَاص يعْتَبر قَدِيما حَتَّى يقوم الدَّلِيل على خِلَافه، وَإِن كَانَ فِي طَرِيق الْعَامَّة يعْتَبر حَدِيثا، فللإمام أَن ينْقضه (ر: شرح الْمَادَّة / 224 / من مرْآة الْمجلة) .
وَالْمرَاد بِالطَّرِيقِ الْخَاص فِي قَوْلهم: " فَالْأَصْل فِيهِ أَنه إِن كَانَ فِي طَرِيق خَاص يعْتَبر قَدِيما " هُوَ مَا كَانَ مَمْلُوكا رَقَبَة لقوم وَلَيْسَ للعامة فِيهِ حق أصلا، كَمَا إِذا كَانَت أَرض مُشْتَركَة بَين قوم بنوا فِيهَا مسَاكِن وَجعلُوا بَينهم مِنْهَا طَرِيقا حَتَّى كَانَ مَمْلُوكا لَهُم على الْخُصُوص، فَأَما إِذا كَانَت السِّكَّة مختطة من الأَصْل فَحكمهَا حكم طَرِيق الْعَامَّة وَلَو غير نَافِذَة إِذْ هِيَ ملك الْعَامَّة، أَلا يرى أَن لَهُم أَن يدخلوها عِنْد الزحام. وَهَذَا التَّفْسِير يَأْتِي فِي جَمِيع الْأَحْكَام الَّتِي تذكر فِي غير النافذة (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ الْفَصْل الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ، صفحة / 263 / نقلا عَن خُوَاهَر زَاده) .
اخْتلف الْإِفْتَاء فِي اعْتِبَار التَّصَرُّف الْقَدِيم فِي الْحُقُوق، فَأفْتى المرحوم خير الدّين الرَّمْلِيّ، فِي سُؤال رفع إِلَيْهِ، بِمَا يُفِيد عدم اعْتِبَاره، وَأَنه لَا بُد من إِقَامَة الْبَيِّنَة على الْحق الْمُدعى بِهِ بِخُصُوصِهِ، وَتمسك بمسائل نصوا عَلَيْهَا، وَهِي أَن من
الجزء 1 · صفحة 98
ادّعى حق الْمُرُور أَو رَقَبَة الطَّرِيق، وَأقَام بَيِّنَة شهِدت لَهُ بِأَنَّهُ كَانَ يمر فِي هَذِه لَا يسْتَحق بذلك شَيْئا، وَأَن الشَّاهِد إِذا فسر للْقَاضِي أَنه يشْهد بِالْملكِ بِنَاء على مُعَاينَة الْيَد لَا تقبل شَهَادَته.
وَاسْتشْهدَ لَهُ المرحوم ابْن عابدين، فِي تَنْقِيح الْفَتَاوَى الحامدية، بِمَا نصوا عَلَيْهِ من أَن الْوَقْف إِذا كَانَ على الْقَرَابَة، وَادّعى رجل أَنه من الْقَرَابَة وَأقَام بَيِّنَة شهِدت أَن الْوَاقِف كَانَ يُعْطِيهِ كل سنة مَعَ الْقَرَابَة لَا يسْتَحق بِهَذِهِ الشَّهَادَة شَيْئا، وَكَذَا لَو شهدُوا بِإِعْطَاء القَاضِي لَهُ مَعَ الْقَرَابَة كل سنة لَا يكون إِعْطَاء القَاضِي حجَّة. انْتهى.
وكل هَذِه الْفُرُوع لَا تصلح للتمسك، لِأَن الدَّعْوَى وَالشَّهَادَة فِيهَا لَيست من قبيل دَعْوَى التَّصَرُّف الْقَدِيم الْمُفَسّر بِمَا تقدم، وَلَا من قبيل الشَّهَادَة بِهِ كَمَا هُوَ ظَاهر. كَيفَ وَكتب الْمَذْهَب والفتاوى ناطقة بِلُزُوم اعْتِبَاره، وَقد أفتى بِاعْتِبَارِهِ حَامِد أَفَنْدِي الْعِمَادِيّ، فِي محلات عديدة من فَتَاوِيهِ، وَوَافَقَهُ عَلَيْهَا نفس المرحوم ابْن عابدين، وَنقل عَن الشَّيْخ إِسْمَاعِيل الحائك أَنه أفتى بِاعْتِبَارِهِ أَيْضا، وكل ذَلِك بِنَاء على مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي كتب الْمَذْهَب من اعْتِبَاره. وصرحوا أَيْضا بِأَن اعْتِبَاره هُوَ الِاسْتِحْسَان، وَأَن عَلَيْهِ الْفَتْوَى.
لَو ادّعى أحد الْخَصْمَيْنِ الْحُدُوث، وَادّعى الآخر الْقدَم، فَالْقَوْل قَول من يَدعِي الْقدَم، وَالْبَيِّنَة بَيِّنَة من يَدعِي الْحُدُوث (ر: تَنْقِيح الْفَتَاوَى الحامدية، والمادة / 1768 / من الْمجلة) .
بَقِي هَا هُنَا شَيْء يكثر وُقُوعه، وَلم أر من تعرض لَهُ وَهُوَ مَا لَو ادّعى أَحدهمَا الْحُدُوث وَادّعى الآخر مُرُور الزَّمن، فَهَل يُكَلف مدعي الْحُدُوث الْبَيِّنَة أَو يُكَلف الْبَيِّنَة مدعي مُرُور الزَّمن؟ لقَائِل أَن يَقُول بِالْأولِ، وَأَنه إِذا ثَبت الْحُدُوث لَا تسمع دَعْوَى مُرُور الزَّمن، وَذَلِكَ لِأَن مدعي الْقدَم يَدعِي مُضِيّ مُدَّة على الْأَمر الْمُتَنَازع فِيهِ هِيَ أَضْعَاف مُدَّة مُرُور الزَّمن، لِأَن الْقَدِيم، كَمَا تقدم، مَا لَا يُوجد من يعرف أَوله، وَهَذَا لَا يكون غَالِبا إِلَّا بعد أَن يمْضِي عَلَيْهِ أَكثر من ثَمَانِينَ أَو تسعين سنة، وَقد
الجزء 1 · صفحة 99
تقدم، فِي الْكَلَام على الْقَاعِدَة الثَّانِيَة، أَن كَون الْعبْرَة للمعاني يجْرِي فِي الدَّعَاوَى والخصومات أَيْضا، فَكَأَنَّهُ بِدَعْوَى الْقدَم يَدعِي مُرُور الزَّمن مضاعفاً، وَلم يجْعَلُوا لَهُ، وَالْحَالة هَذِه، غير كَون القَوْل قَوْله فَقَط، وَلم يجْعَلُوا الْبَيِّنَة بَينته بل جعلُوا الْبَيِّنَة بَيِّنَة مدعي الْحُدُوث بِلَا اسْتثِْنَاء.
وَلَو قُلْنَا بِتَقْدِيم بَيِّنَة مُرُور الزَّمن لم يبْق من فَائِدَة لتدوين مَا بني على اعْتِبَار الْقدَم والحدوث من الْأَحْكَام، ولأصبح كثير من مواد الْمجلة الَّتِي تَدور عَلَيْهَا سدى ومعطلاً عَن الْعَمَل بِهِ، كهذه الْمَادَّة وَالَّتِي بعْدهَا، ومادة / 1224 و 1228 و 1229 و 1230 و 1232 /، وَلَيْسَ ادِّعَاء ذَلِك والإقدام عَلَيْهِ بِالْأَمر السهل! .
وَلقَائِل أَن يَقُول بِتَقْدِيم بَيِّنَة مدعي مُرُور الزَّمن وَذَلِكَ لِأَن مدعيه يَدعِي عدم صَلَاحِية الْحَاكِم لرؤية الدَّعْوَى عَلَيْهِ، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة يُنَازع الْحَاكِم فِي ذَلِك قبل الدُّخُول فِي الدَّعْوَى، فَإِذا ثَبت مُرُور الزَّمن تبين أَن الْحَاكِم لَيْسَ بحاكم فِي هَذِه الدَّعْوَى، بِخِلَاف مَا إِذا ادّعى الْقدَم دون مُرُور الزَّمن فَإِنَّهُ يكون حِينَئِذٍ قد اخْتَار جِهَة الدُّخُول فِي الدَّعْوَى، وَأجَاب خَصمه عَنْهَا، وَذَلِكَ مِنْهُ تَسْلِيم لصلاحية الْحَاكِم لسَمَاع الدَّعْوَى عَلَيْهِ، وَحَيْثُ كَانَ خَصمه يَدعِي الْحُدُوث فَالْبَيِّنَة بَينته، وَهَذَا بِلَا شكّ أوجه وأمتن. وَالله سُبْحَانَهُ أعلم.
الجزء 1 · صفحة 100
((صفحة فارغة))
الجزء 1 · صفحة 101
(الْقَاعِدَة السَّادِسَة (الْمَادَّة / 7))
(" الضَّرَر لَا يكون قَدِيما ")
(أَولا _ الشَّرْح)
الْمَعْنى أَن الضَّرَر قديمه كحديثه فِي الحكم، فَلَا يُرَاعى قدمه وَلَا يعْتَبر، بل يزَال. وَلَيْسَ المُرَاد أَنه لَا يتَصَوَّر تقادم عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يُوجد من يعرف أَوله.
إِن هَذِه الْقَاعِدَة بِمَنْزِلَة الْقَيْد للَّتِي قبلهَا، فَوضعت عَقبهَا لإِفَادَة أَن الْقَاعِدَة السَّابِقَة لَيست على إِطْلَاقهَا، بل هِيَ مُقَيّدَة بِأَن لَا يكون الْقَدِيم ضَرَرا، فَلَو كَانَ ضَرَرا فَإِنَّهُ يزَال وَلَا عِبْرَة بقدمه، على مَا سَيَأْتِي تَفْصِيله، كَمَا صرحت بِهِ الْمَادَّة بقولِهَا: أَي إِذا كَانَ الْقَدِيم ... الخ. وَذَلِكَ لِأَن الْقَدِيم إِنَّمَا اعْتبر لغَلَبَة الظَّن بِأَنَّهُ مَا وضع إِلَّا بِوَجْه شَرْعِي (ر: مَا قدمْنَاهُ فِي الْقَاعِدَة السَّابِقَة عَن الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّة) فَإِذا كَانَ مضراً يكون ضَرَره دَلِيلا على أَنه لم يوضع بِوَجْه شَرْعِي، إِذْ لَا وَجه شَرْعِيًّا يجوز الْإِضْرَار بِالْغَيْر (ر: الْمَادَّة / 19 / من الْمجلة) .
(ثَانِيًا: التطبيق وتتمة الشَّرْح)
ثمَّ إِن المُرَاد بِالضَّرَرِ الَّذِي يزَال وَلَا يُرَاعى قدمه مَا كَانَ ضَرَرا بَينا، أَي فَاحِشا.
وَبَيَان ذَلِك أَن الضَّرَر قِسْمَانِ: (1) عَام، (2) وخاص.
1 - أما الْعَام فَإِنَّهُ يزَال مُطلقًا بِلَا تَفْصِيل فِيهِ بَين الْفَاحِش وَغير الْفَاحِش، لِأَن كَونه عَاما يَكْفِي لاعتباره فَاحِشا، كَمَا لَو كَانَ لدار مسيل مَاء
الجزء 1 · صفحة 102
أَو أقذار فِي الطَّرِيق الْعَام يضر بالمارين، أَو غرفَة بارزة وطيئة تمنع النَّاس من الْمُرُور تحتهَا لتسفلها، فَإِن كل ذَلِك يزَال مهما كَانَ قَدِيما (ر: الْمَادَّة / 1214 و 1224 / من الْمجلة) .
2 - وَأما الْخَاص فَهُوَ نَوْعَانِ: فَاحش، وَغير فَاحش.
(أ) فالفاحش يزَال كَمَا يزَال الضَّرَر الْعَام، وَلَا عِبْرَة لقدمه، وَذَلِكَ كَمَا لَو كَانَ لرجل مسيل مَاء أَو أقذار يجْرِي فِي دَار آخر من الْقَدِيم، وَكَانَ يوهن بِنَاء الدَّار أَو ينجس مَاء بِئْرهَا، فَإِن لصَاحب الدَّار أَن يُكَلف ذَلِك الرجل بِإِزَالَة هَذَا الضَّرَر بِصُورَة تحفظ الْبناء من التوهين وَالْمَاء من التَّنْجِيس بِأَيّ وَجه كَانَ.
وَمثله مَا ذكره فِي الْفَتَاوَى الْخَانِية، فِي فصل الْأَنْهَار، بقوله: بالوعة قديمَة لرجل على شفة نهر يدْخل فِي سكَّة غير نَافِذَة، قَالَ أَبُو بكر الْبَلْخِي رَحمَه الله تَعَالَى: لَا عِبْرَة للقديم والْحَدِيث فِي هَذَانِ وَيُؤمر بِرَفْعِهِ فَإِن لم يرفعهُ يرفع الْأَمر إِلَى صَاحب الْحِسْبَة ليأمره بِالرَّفْع. انْتهى.
وَكَذَا لَو كَانَ داران قديمتان ولإحداهما مطل أَو شباك من الْقَدِيم على مقرّ النِّسَاء فِي الدَّار الْأُخْرَى، فَإِن صَاحب المطل أَو الشباك يجْبر على إِزَالَة هَذَا الضَّرَر، بِمَنْع النّظر بِوَجْه من الْوُجُوه، فَلَو كَانَت الدَّار الَّتِي فِيهَا المطل أَو الشباك هِيَ قديمَة فجَاء آخر فأحدث بجانبها دَارا بِحَيْثُ صَار المطل أَو الشباك مشرفاً على مقرّ النِّسَاء فِيهَا، فَإِن صَاحب الدَّار الحديثة هُوَ الَّذِي يُكَلف حِينَئِذٍ بِإِزَالَة هَذَا الضَّرَر عَن نَفسه لِأَنَّهُ هُوَ محدثه والمتعرض لَهُ (ر: الْمَادَّة / 1207 / من الْمجلة) .
(ب) وَأما الضَّرَر الْخَاص غير الْفَاحِش، كَمَا لَو كَانَ لدار رجلٍ حق إِلْقَاء القمامات والثلوج أَو حق التسييل فِي أَرض الْغَيْر أَو فِي طَرِيق خَاص، فَإِن كل ذَلِك فِيهِ نوع ضَرَر وَلكنه دون الضَّرَر السَّابِق الْفَاحِش. فَإِذا كَانَ من الْقَدِيم يعْتَبر قدمه ويراعى وَلَا يجوز تَغْيِيره أَو تبديله بِغَيْر رضَا صَاحب الْحق، كَمَا تقدم مفصلا فِي شرح الْقَاعِدَة السَّابِقَة، لِأَنَّهُ يُمكن حِينَئِذٍ أَن يكون مُسْتَحقّا بِوَجْه من الْوُجُوه الشَّرْعِيَّة.
الجزء 1 · صفحة 103
هَذَا وَلم أر من أفْصح عَن ضَابِط كلي يُمَيّز الضَّرَر الْفَاحِش من غير الْفَاحِش، وتطبق عَلَيْهِ الْفُرُوع الْمَذْكُورَة وأمثالها، وَإِنَّمَا بيّنت الْمجلة الضَّرَر الْفَاحِش فِي الْمَادَّة / 1199 / بِأَنَّهُ كل مَا يمْنَع الْحَوَائِج الْأَصْلِيَّة الْمَقْصُودَة من الْبناء كالسكنى، أَو يضر بِالْبِنَاءِ ويوهنه، لَكِن هَذَا كَمَا ترى غير مُفِيد فِي تَمْيِيز الْفَاحِش من غَيره الْفَائِدَة الْمَطْلُوبَة، لِأَن الْحَوَائِج الْأَصْلِيَّة كلمة مجملة تتنازع فِيهَا الأفهام وتتخالف فِي تحديدها، على أَن مَوْضُوع مَادَّة الْمجلة الْمَذْكُورَة فِي الضَّرَر الَّذِي يُرِيد الْإِنْسَان إحداثه مجدداً بِإِزَاءِ جَاره، لَا فِي تَقْسِيم الضَّرَر الْقَدِيم الَّذِي نتكلم الْآن فِيهِ، وَفرق بَينهمَا.
فَالَّذِي يظْهر من إجالة النّظر فِي الْفُرُوع الْمُتَقَدّمَة وتعاليلها وَالْوُجُوه الَّتِي بهَا اخْتلفت أَحْكَامهَا أَن يُقَال: الضَّابِط لذَلِك هُوَ: " أَن كل مَا يُمكن أَن يسْتَحق على الْغَيْر بِوَجْه من الْوُجُوه الشَّرْعِيَّة فَهُوَ لَيْسَ بِضَرَر فَاحش، فَتجب حِينَئِذٍ مُرَاعَاة قدمه إِذا كَانَ قَدِيما، وَمَا لَا يُمكن أَن يسْتَحق على الْغَيْر بِوَجْه شَرْعِي فَهُوَ ضَرَر فَاحش، وَيرْفَع مهما كَانَ قَدِيما ".
فَمثل توهين بِنَاء الْغَيْر، وتنجيس مَاء بئره، وَالنَّظَر إِلَى مقرّ نِسَائِهِ لَا يُمكن أَن يسْتَحقّهُ الْإِنْسَان على الْغَيْر بِوَجْه من الْوُجُوه.
وَمثل حق الْمُرُور أَو التسييل فِي أَرض الْغَيْر، وَحقّ وضع الْجذع على جِدَار الْغَيْر، وَمد الْجنَاح أَو الغرفة البارزين الواطئين فِي ملك الْغَيْر وَالطَّرِيق الْخَاص هُوَ مِمَّا يُمكن أَن يسْتَحقّهُ الْإِنْسَان على الْغَيْر بِوَجْه شَرْعِي، كَمَا لَو كَانَت الداران مشتركتين على الشُّيُوع بَين رجلَيْنِ فاقتسماها واختص كل وَاحِد بِوَاحِدَة على شَرط بَقَاء الْحُقُوق الْمَذْكُورَة، أَو أَن من كَانَتَا فِي ملكه بَاعَ إِحْدَاهمَا وَشرط حِين البيع إبْقَاء الْحُقُوق لَهُ فِي الدَّار الْمَبِيعَة، فَإِن تِلْكَ الْقِسْمَة وَذَلِكَ البيع وَالشّرط صَحِيحَانِ (ر: الْمَادَّة / 1166 / من الْمجلة، ورد الْمُحْتَار، كتاب الْبيُوع، بَاب الْحُقُوق _ نقلا عَن النَّوَازِل) .
وَيُؤَيّد هَذَا الضَّابِط مَا قدمْنَاهُ، فِي الْقَاعِدَة السَّابِقَة عَن الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّة، من أَن عِلّة وجوب إبْقَاء الْقَدِيم على قدمه هِيَ غَلَبَة الظَّن بِأَنَّهُ مَا وضع إِلَّا بِوَجْه
الجزء 1 · صفحة 104
شَرْعِي، فقد أشعر هَذَا التَّعْلِيل بِأَن الْقَدِيم الَّذِي يُرَاعى قدمه هُوَ الَّذِي يُمكن أَن يسْتَحق بِوَجْه شَرْعِي فَيتْرك وَلَا يلْتَفت إِلَى دَعْوَى الْجَار التضرر مِنْهُ، وَأَنه مَا لَا يُمكن أَن يسْتَحق بِوَجْه شَرْعِي يكون ضَرَرا فَاحِشا فيزال وَلَا عِبْرَة لقدمه للجزم بِأَنَّهُ لم يوضع بِحَق.
وَيُؤَيِّدهُ أَيْضا قَول الْمَادَّة / 1224 / من الْمجلة، فِي بَيَان عدم اعْتِبَار الضَّرَر الْقَدِيم، مَا لَفظه: " أما الْقَدِيم الْمُخَالف للشَّرْع فَلَا اعْتِبَار لَهُ، فَإِن الْمُخَالف للشَّرْع هُوَ الَّذِي لَا يُمكن أَن يسْتَحق بِوَجْه شَرْعِي، إِذْ لَو أمكن أَن يسْتَحق على الْغَيْر بِوَجْه شَرْعِي لَا يُمكن أَن يكون مُخَالفا للشَّرْع ".
الجزء 1 · صفحة 105
(الْقَاعِدَة السَّابِعَة (الْمَادَّة / 8))
(" الأَصْل بَرَاءَة الذمّة ")
(أَولا _ الشَّرْح)
" الأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة " لِأَن الذمم خلقت بريئة غير مَشْغُولَة بِحَق من الْحُقُوق. (ر: مَا ذكره الإِمَام النَّسَفِيّ فِي إِيضَاح قَوَاعِد الْكَرْخِي) .
الذِّمَّة لُغَة: الْعَهْد، وَاصْطِلَاحا: " وصف يصير الشَّخْص بِهِ أَهلا للْإِيجَاب لَهُ أَو عَلَيْهِ ". وَمِنْهُم من جعلهَا ذاتاً فعرفها بِأَنَّهَا: " نفس لَهَا عهد " فَإِن الْإِنْسَان يُولد وَله ذمَّة صَالِحَة للْوُجُوب لَهُ وَعَلِيهِ. (ر: تعريفات السَّيِّد) .
من الْمَعْلُوم أَنه عِنْد تنَازع الْخَصْمَيْنِ تتخالف مزاعمهما نفيا وإثباتاً، فَيحْتَاج فِي فصل الْخُصُومَة إِلَى مُرَجّح يرجح بِهِ، فِي مبدأ الْأَمر، زعم أَحدهمَا على زعم الآخر. ولدى تتبع الْمسَائِل وَالنَّظَر فِي وُجُوه التَّرْجِيح الأولية، وَفِي تَقْدِيم أحد المرجحات على الآخر إِذا تَعَارَضَت، بعد ذَلِك يظْهر أَن التَّرْجِيح، فِي مبدأ الْأَمر، يكون بِأحد شَيْئَيْنِ، هما: الأَصْل، وَالظَّاهِر.
أما الأَصْل _ وَقد تقدم تَفْسِيره فِي شرح الْمَادَّة الْخَامِسَة _ فأنواعه كَثِيرَة: - مِنْهَا: هَذِه الْقَاعِدَة، وَهِي بَرَاءَة الذِّمَّة.
- وَمِنْهَا: كَون الْيَقِين لَا يَزُول بِالشَّكِّ.
- وَكَذَا: الأَصْل بَقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ.
- وَكَون الأَصْل إِضَافَة الْحَادِث إِلَى أقرب أوقاته.
الجزء 1 · صفحة 106
- وَكَون الأَصْل فِيمَا جهل قدمه وحدوثه أَن يعْتَبر قَدِيما إِذا كَانَ فِي ملك خَاص، وحادثاً إِذا كَانَ فِي غَيره. (ر: مَا قدمْنَاهُ عَن جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ، فِي شرح الْمَادَّة السَّادِسَة) .
- وَكَون الأَصْل فِي الْكَلَام الْحَقِيقَة.
- وَالْأَصْل فِي الصِّفَات والأشياء الْعَارِضَة الْعَدَم، وَالصِّفَات الوجودية الْوُجُود.
- وككون الأَصْل فِي البيع أَن يكون باتاً قَطْعِيا.
- وَكَون الأَصْل فِي الْعُقُود _ غير الْمُزَارعَة بعد وجودهَا _ أَن تكون صَحِيحَة، فَلَو اخْتلف العاقدان فِي صِحَة البيع وفساده فَالْقَوْل لمُدعِي الصِّحَّة. أما الْمُزَارعَة فَالْقَوْل فِيهَا قبل الزِّرَاعَة لمُدعِي الْفساد، وَبعدهَا لرب الْبذر سَوَاء ادّعى صِحَة أَو فَسَادًا، وَالْبَيِّنَة لمُدعِي الصِّحَّة. (ر: نور الْعين تَرْتِيب جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل التَّاسِع وَالْعِشْرين) .
_ وككون الأَصْل فِي الْوكَالَة وَالْعَارِية الْخُصُوص، وَفِي الْمُضَاربَة وَالشَّرِكَة الْعُمُوم. (ر: مَا يَأْتِي تَحت الْمَادَّة / 77) .
- وككون الأَصْل فِيمَا لَا يعلم إِلَّا من جِهَة أحد الْخَصْمَيْنِ، أَو كَانَ أَحدهمَا أدرى من الآخر، أَن يقبل قَوْله فِيهِ بِيَمِينِهِ، وَلذَا قبلوا قَول الْمَرْأَة فِي انْقِضَاء عدتهَا _ والمدة تحْتَمل _ أَو عدم انْقِضَائِهَا بِيَمِينِهَا، لكَون ذَلِك لَا يعلم إِلَّا من جِهَتهَا، وقبلوا قَول المملك فِي بَيَان جِهَة التَّمْلِيك، والدافع فِي بَيَان جِهَة الدّفع، لِأَنَّهُمَا أدرى بهَا مِمَّن تلقى الْملك وَمن الْقَابِض، فَلَو ادّعى المملك
الجزء 1 · صفحة 107
الْقَرْض وَادّعى الآخر الْهِبَة مثلا فَالْقَوْل قَول المملك، وَكَذَا لَو كَانَ عَلَيْهِ دينان، وبأحدهما رهن أَو كَفِيل، فَدفع لَهُ مبلغا ثمَّ اخْتلفَا فَطلب الدَّافِع رد الرَّهْن إِلَيْهِ بزعم أَن مَا دَفعه عَن دين الرَّاهِن، أَو زعم بَرَاءَة الْكَفِيل وَأَن مَا دَفعه إِنَّمَا دَفعه عَن دين الْكفَالَة، وَزعم الدَّائِن أَنه عَن الدّين الآخر، فَالْقَوْل قَول الدَّافِع بِيَمِينِهِ، لِأَن المملك والدافع أدرى بِجِهَة التَّمْلِيك وَالدَّفْع.
- وككون الأَصْل هُوَ الْجد فِي البيع لَا الِاسْتِهْزَاء. (ر: جَامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الرَّابِع وَالْعِشْرين) . فَلَو اخْتلف المتعاقدان فيهمَا فَالْقَوْل لمُدعِي الْجد لِأَنَّهُ الأَصْل.
- وككون الأَصْل فِي مُطلق الشّركَة التنصيف، فَلَو أقرّ بِأَن هَذَا الشَّيْء مُشْتَرك بيني وَبَين فلَان، أَو هُوَ لي وَلفُلَان، أَو هُوَ بيني وَبَينه، فَهُوَ على المناصفة. (ر: رد الْمُحْتَار، كتاب الْإِقْرَار، إِقْرَار الْمَرِيض، صفحة / 465) ، فَيكون القَوْل قَول من يدعيها لِأَنَّهَا الأَصْل. وَمن يَدعِي خلَافهَا فَعَلَيهِ الْبُرْهَان، إِلَّا إِذا بَين الْمقر خلاف المناصفة مَوْصُولا بِإِقْرَارِهِ كَقَوْلِه: هُوَ مُشْتَرك بيني وَبَينه أَثلَاثًا ثُلُثَاهُ لي وَثلثه لَهُ مثلا صدق، كَمَا فِي الْمحل الْمَذْكُور، وَالظَّاهِر أَنه يصدق بِيَمِينِهِ.
إِلَى غير ذَلِك من الْأُصُول الَّتِي يعسر استقصاؤها.
وَلَا يخفى أَن هَذِه الْأُصُول يتداخل بَعْضهَا فِي بعض، لِأَن بَعْضهَا فرع عَن الآخر، كفرعية " بَقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ " عَن " الْيَقِين لَا يَزُول بِالشَّكِّ " وفرعية " بَرَاءَة الذِّمَّة " عَن " الأَصْل فِي الصِّفَات الْعَارِضَة الْعَدَم ".
فَأَي وَاحِد من المتنازعين يشْهد لَهُ أصل من هَذِه الْأُصُول يتَرَجَّح قَوْله حَتَّى يقوم دَلِيل على خِلَافه، لقَولهم: إِن القَوْل قَول من يشْهد لَهُ الأَصْل. وأمثلة كل من هَذِه الْأُصُول تعلم من كلامنا عَلَيْهَا فِيمَا تقدم من الْموَاد وَفِيمَا سَيَأْتِي.
وَأما الظَّاهِر _ وَهُوَ الْحَالة الْقَائِمَة الَّتِي تدل على أَمر من الْأُمُور _ فَهُوَ قِسْمَانِ: (1) الْقسم الأول: هُوَ مَا لم يصل فِي الظُّهُور إِلَى دَرَجَة الْيَقِين. (2) وَالْقسم الثَّانِي: هُوَ الَّذِي وصل فِيهِ إِلَى دَرَجَة الْيَقِين، وَهُوَ غير مُرَاد هُنَا فِي
الجزء 1 · صفحة 108
هَذَا التَّقْسِيم، لِأَن الْكَلَام الْآن فِي المرجحات الأولية غير اليقينية، وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ بعد سطور.
الْقسم الأول: الظَّاهِر، الَّذِي جَعَلْنَاهُ قسيم الأَصْل وَيَقَع بِهِ التَّرْجِيح فِي الِابْتِدَاء، وَتَحْته نَوْعَانِ: النَّوْع الأول _ هُوَ تحكيم الْحَال الَّذِي يتَوَصَّل بِهِ إِلَى الحكم بِوُجُود أَمر فِي الْمَاضِي، بِأَن يَجْعَل مَا فِي الْحَاضِر منسحباً على الْمَاضِي، وَهُوَ " الِاسْتِصْحَاب المعكوس " الْمُتَقَدّم فِي شرح الْمَادَّة الْخَامِسَة فَانْظُرْهُ.
وَالنَّوْع الثَّانِي _ هُوَ دلَالَة الْحَال الَّتِي لَيْسَ فِيهَا سحب مَا فِي الْحَاضِر على الْمَاضِي، بل يسْتَأْنس بهَا ويعتمد عَلَيْهَا فِي تَرْجِيح أحد الزعمين على الآخر. وَذَلِكَ: _ كوضع الْيَد فِيمَا لَو ادّعى شخصان ملك عين وَهِي فِي يَد أَحدهمَا، فَإِن القَوْل قَول ذِي الْيَد.
_ وكالحمولة على الْجِدَار، واتصال التربيع فِيهِ، فَإِنَّهُ يتَرَجَّح بِهِ زعم من يشْهد لَهُ أَحدهمَا من الْخَصْمَيْنِ على الآخر. (ر: معِين الْحُكَّام، الْبَاب التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ، وَمثله فِي كثير من الْكتب) .
- وكتأييد مهر الْمثل لقَوْل أحد الزَّوْجَيْنِ فِيمَا لَو اخْتلفَا فِي مِقْدَار الْمهْر الْمُسَمّى، فَادّعى الزَّوْج الْأَقَل وَادعت الزَّوْجَة الْأَكْثَر، فَإِن القَوْل لمن يشْهد لَهُ مهر الْمثل بِيَمِينِهِ، فَإِن كَانَ كَمَا قَالَ أَو أقل فَالْقَوْل قَوْله، وَإِن كَانَ كَمَا قَالَت أَو أَكثر فَالْقَوْل قَوْلهَا فِي الزِّيَادَة. (ر: الدُّرَر وَغَيره، كتاب النِّكَاح، بَاب الْمهْر) .
- وكتأييد نُقْصَان الثّمن الْمُسَمّى عَن ثمن الْمثل فِيمَا لَو تبَايعا عقارا وَلم ينصا على الْبَتَات، ثمَّ اخْتلفَا فَادّعى أَحدهمَا أَن البيع كَانَ باتاً وَالْآخر أَنه كَانَ وَفَاء، فَإِن القَوْل لمُدعِي الْبَتَات، لِأَنَّهُ الأَصْل فِي البيع، إِلَّا إِذا كَانَ الثّمن الْمُسَمّى نَاقِصا عَن ثمن الْمثل فَإِن القَوْل حِينَئِذٍ لمُدعِي الْوَفَاء، لِأَن الظَّاهِر شَاهد لَهُ.
الجزء 1 · صفحة 109
- وكتأييد قَرَائِن الْحَال فِيمَا إِذا كَانَ رجلَانِ فِي سفينة مشحونة بالدقيق، فَادّعى كل وَاحِد السَّفِينَة وَمَا فِيهَا، وَأَحَدهمَا يعرف بِبيع الدَّقِيق وَالْآخر يعرف بِأَنَّهُ ملاح، فَإِنَّهُ يحكم بالدقيق للَّذي يعرف بِبيعِهِ، وبالسفينة لمن يعرف بِأَنَّهُ ملاح، عملا بِالظَّاهِرِ من الْحَال. (ر: تنوير الْأَبْصَار وَشَرحه الدّرّ الْمُخْتَار، كتاب الدَّعْوَى، من آخر بَاب التَّحَالُف) .
- وككون أحد المتداعيين متضمناً سَعْيه فِي إِسْقَاط وَاجِب عَن ذمَّته، كَمَا لَو بعث الزَّوْج إِلَى زَوجته شَيْئا ثمَّ اخْتلفَا، فَقَالَت: أَرْسلتهُ هَدِيَّة، وَقَالَ: أَرْسلتهُ من الْمهْر، فَالْقَوْل قَول الزَّوْج بِيَمِينِهِ فِي غير المهيأ للْأَكْل، لِأَن الْهَدِيَّة تبرع وَالْمهْر وَاجِب فِي ذمَّته، فَالظَّاهِر أَنه يسْعَى فِي إِسْقَاط الْوَاجِب عَن ذمَّته. (ر: الدُّرَر وَغَيره، كتاب النِّكَاح، من بَاب الْمهْر) .
وَمُقْتَضى هَذَا التَّعْلِيل جَرَيَان الحكم الْمَذْكُور بَين كل دائن ومدين وَقع بَينهمَا نَظِير هَذَا الِاخْتِلَاف، يُؤَيّد ذَلِك أَن الْمَدْيُون إِذا كَانَ لَهُ كَفِيل وَقد كفله بأَمْره فَدفع لَهُ الدّين، فَإِن كَانَ دَفعه لَهُ على وَجه قَضَاء الدّين ثمَّ أَرَادَ اسْتِرْدَاده مِنْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِك، لِأَنَّهُ ملكه بِالدفع، وَإِن كَانَ دَفعه لَهُ على وَجه الرسَالَة ليدفعه إِلَى الطَّالِب ثمَّ أَرَادَ اسْتِرْدَاده مِنْهُ فَلهُ الِاسْتِرْدَاد، لِأَنَّهُ أَمَانَة فِي يَد الْكَفِيل، وَإِن أطلق الْمَدْيُون عِنْد الدّفع للْكَفِيل وَلم يبين أَنه على وَجه الْقَضَاء أَو الرسَالَة فَإِنَّهُ يَقع عَن الْقَضَاء فَلَا يملك اسْتِرْدَاده. (ر: رد الْمُحْتَار، كتاب الْكفَالَة، من بحث الْكفَالَة بِالْمَالِ، عِنْد قَول الْمَتْن " لَا يسْتَردّ أصيل مَا دَفعه إِلَى الْكَفِيل ... . نقلا عَن الشُّرُنْبُلَالِيَّة عَن الْقنية ونقلاً عَن غَيرهَا) ، فقد حمل عِنْد الْإِطْلَاق على جِهَة الْقَضَاء لما عَلَيْهِ من الدّين، لكَون الْقَضَاء فِيهِ تَفْرِيغ الذِّمَّة وَإِسْقَاط الْوَاجِب، والأليق بالمديون أَن يكون ساعياً وَرَاء ذَلِك، وَهَذَا كَمَا ترى مؤيد لما قُلْنَاهُ.
- وكظهور الثيوبة أَو الْبكارَة فِيمَا لَو تزوج الْعنين بكرا ثمَّ طلبت التَّفْرِيق بِدَعْوَى عدم وُصُوله إِلَيْهَا، وَادّعى هُوَ الْوُصُول، فأراها الْحَاكِم للنِّسَاء وقلن إِنَّهَا ثيب أَو بكر، فَإِن القَوْل لمن يشْهد لَهُ الْحَال من الثيوبة والبكارة. (ر: مَا سَيَأْتِي فِي شرح الْمَادَّة التَّاسِعَة) إِلَى غير ذَلِك من مسَائِل الظَّاهِر الْمَذْكُور.
الجزء 1 · صفحة 110
فَهَذِهِ مقتضيات التَّرْجِيح الأولية الَّتِي يتقوى بهَا زعم أحد المتنازعين على الآخر، وَالَّتِي يجمعها كلمتا: الأَصْل وَالظَّاهِر.
ثمَّ إِن هَذَا الأَصْل وَالظَّاهِر إِذا تَعَارضا مَعَ بعضهما تقدم جِهَة الظَّاهِر، لِأَنَّهُ أَمر عَارض على الأَصْل يدل على خِلَافه، وَقدمنَا، فِي أول الْكَلَام على الْمَادَّة الْخَامِسَة على رد الْمُحْتَار عَن الزَّيْلَعِيّ " أَن الأَصْل إِذا اعْترض عَلَيْهِ دَلِيل خِلَافه بَطل ". وَذَلِكَ: كالقضاء بِالنّكُولِ فَإِن اعْتِبَاره فِي الْأَحْكَام لَيْسَ إِلَّا رُجُوعا إِلَى مُجَرّد الْقَرِينَة الظَّاهِرَة، فَقدمت على أصل بَرَاءَة الذِّمَّة. (ر: معِين الْحُكَّام، الْبَاب الْحَادِي وَالْخمسين) .
وكما فِي مَسْأَلَة الْعنين إِذا ادّعى الْوُصُول إِلَى زَوجته الَّتِي تزَوجهَا بكرا وَأنْكرت الْوُصُول إِلَيْهَا، وَقَالَ النِّسَاء إِنَّهَا ثيب، فَإِن الْوُصُول إِلَيْهَا من الْأُمُور الْعَارِضَة فَالْأَصْل عَدمه، لَكِن لما عَارضه الظَّاهِر، وَهُوَ الثيوبة، قدم عَلَيْهِ فَكَانَ القَوْل للزَّوْج.
وكما فِي مَسْأَلَة اخْتِلَاف الزَّوْجَيْنِ فِي مِقْدَار الْمهْر الْمُسَمّى، الْمُتَقَدّمَة، إِذا كَانَ مهر الْمثل شَاهدا لقَوْل الزَّوْجَة، فَإِن الأَصْل، وَهُوَ عدم الزِّيَادَة الَّتِي تدعيها الْمَرْأَة، شَاهد للزَّوْج، وَلَكِن لما عَارضه الظَّاهِر، الَّذِي هُوَ شَهَادَة مهر الْمثل المؤيدة لدعوى الْمَرْأَة بِالزِّيَادَةِ، قدم عَلَيْهِ، فَكَانَ القَوْل قَوْلهَا.
وَكَذَلِكَ مَسْأَلَة اخْتِلَاف متبايعي الْعقار فِي كَون البيع باتاً أَو وَفَاء، الْمُتَقَدّمَة، فَإِنَّهُ قدم فِيهَا الظَّاهِر على الأَصْل حينما كَانَ الثّمن دون ثمن الْمثل.
وكما فِي مَسْأَلَة الِاسْتِصْحَاب المعكوس إِذا دلّ تحكيم الْحَال لمن يَدعِي وجود مَا أَصله الْعَدَم فَإِنَّهُ يقدم قَوْله. (ر: مَا تقدم فِي شرح الْمَادَّة الْخَامِسَة) .
وكما لَو أشهد المُشْتَرِي أَنه يَشْتَرِي هَذَا الشَّيْء لفُلَان، ثمَّ بعد أَن اشْتَرَاهُ ادّعى فلَان أَن شِرَاءَهُ كَانَ بأَمْره وَأَرَادَ أَخذه، وَأنكر المُشْتَرِي كَونه بأَمْره، فَالْقَوْل لفُلَان. (ر: رد الْمُحْتَار، مُلَخصا من أَوَائِل بَاب الْفُضُولِيّ، عَن قَول الشَّارِح: " قيد بِالْبيعِ لِأَنَّهُ لَو اشْترى لغيره نفذ عَلَيْهِ ") . فَإِن الأَصْل عدم الْأَمر من فلَان،
الجزء 1 · صفحة 111
وَلَكِن رجحت دَعْوَاهُ الْأَمر حَيْثُ أيدها الظَّاهِر، وَهُوَ إِشْهَاد المُشْتَرِي على أَنه يَشْتَرِي لَهُ.
وكدفع الْوَكِيل بشرَاء شَيْء غير معِين الثّمن من دَرَاهِم الْمُوكل، أَو إِضَافَة العقد إِلَيْهَا، فَإِن كلا مِنْهُمَا ظَاهر فِي نِيَّة الشِّرَاء للْمُوكل، فَإِذا تكاذبا فِي النِّيَّة يكون القَوْل قَول من يشْهد لَهُ هَذَا الظَّاهِر من بَائِع أَو مُشْتَر. (ر: مَا تقدم فِي الْكَلَام على الْقَاعِدَة الأولى، عَن الْهِدَايَة) .
وكما لَو اشْترى دَابَّة ثمَّ اطلع على عيب قديم فِيهَا فركبها وَجَاء ليردها، فَقَالَ البَائِع: ركبتها لحاجتك، وَقَالَ المُشْتَرِي: بل ركبتها لأردها، فَإِن القَوْل للْمُشْتَرِي. (ر: الدُّرَر وحاشيته، كتاب الْبيُوع، من خِيَار الْعَيْب قبيل قَول الْمَتْن: " اخْتلفَا بعد التَّقَابُض فِي عدد الْمَبِيع ") . وَذَلِكَ لِأَن الظَّاهِر من حَاله لما جَاءَ وابتدأ ردهَا رَاكِبًا أَن يكون ركُوبه لأجل الرَّد.
الْقسم الثَّانِي: وَأما وُجُوه التَّرْجِيح الثانوية فَهِيَ حجج الشَّرْع الثَّلَاثَة: " الْبَيِّنَة، وَالْإِقْرَار، والنكول عَن الْيَمين ". وَكَذَا الْقَرِينَة القاطعة الْمَذْكُورَة فِي الْمَادَّة / 1741 / من الْمجلة.
الجزء 1 · صفحة 112
فَهَذِهِ الْأَرْبَعَة إِذا تعَارض أَحدهَا مَعَ أحد المرجحات الأولية، الَّتِي هِيَ الأَصْل وَالظَّاهِر، يتَقَدَّم عَلَيْهَا وَيتْرك الأَصْل وَالظَّاهِر، لِأَن التَّرْجِيح بهما إِنَّمَا كَانَ استئناساً حَتَّى يقوم دَلِيل أقوى على خلافهما، فَإِذا قَامَ عَلَيْهِ أحد الْأَدِلَّة الْأَرْبَعَة القوية الَّتِي هِيَ فِي نظر الشَّرْع تعْتَبر بِمَنْزِلَة الْيَقِين، يتبع وَيحكم بِمُقْتَضَاهُ دون الأَصْل وَالظَّاهِر.
هَذَا ثمَّ الْبَيِّنَة إِنَّمَا تترجح على الْقسم الأول من قسمي الظَّاهِر الْمُتَقَدِّمين، أما الْقسم الثَّانِي _ الَّذِي ذكرنَا أَنه وصل فِي الظُّهُور إِلَى دَرَجَة الْيَقِين الْقطعِي _ فَإِنَّهُ يتَرَجَّح على الْبَيِّنَة، حَتَّى لَا تُقَام على خِلَافه.
بِدَلِيل مَا نصوا عَلَيْهِ من أَن الْوَصِيّ إِذا ادّعى أَنه أنْفق على الْيَتِيم أَو على عقاره مبلغا معينا، فَإِن كَانَ مبلغا لَا يكذبهُ فِيهِ الظَّاهِر فَالْقَوْل قَوْله بِيَمِينِهِ، وَإِن كَانَ مبلغا يكذبهُ فِيهِ الظَّاهِر فَإِنَّهُ لَا يقبل فِيهِ قَوْله، وَلَو أَرَادَ أَن يُقيم على ذَلِك بَيِّنَة لَا تقبل بَينته أَيْضا، (ذكره ابْن بلبان الْفَارِسِي فِي شرح تَلْخِيص الْجَامِع الْكَبِير للخلاطي، وَنَقله عَنهُ فِي تَنْقِيح الْفَتَاوَى الحامدية، أَوَائِل بَاب الْوَصِيّ) .
وبدليل مَا نصوا عَلَيْهِ، فِي بَاب دَعْوَى الرجلَيْن، من أَنه لَو ادّعى رجل دَابَّة فِي يَد آخر وَذكر أَنَّهَا ملكه ومنتوجه عِنْده وَأقَام بَيِّنَة شهِدت بذلك، وأرخت النِّتَاج بتاريخ تنافيه سنّ الدَّابَّة وَتكَذبه، ترد الشَّهَادَة وتترك الدَّابَّة فِي يَد من هِيَ فِي يَده. وَلَو تنَازع رجلَانِ الدَّابَّة الَّتِي فِي يَد ثَالِث، وكل مِنْهُمَا يَدعِي ملكه لَهَا ونتاجها عِنْده، وَأقَام كل مِنْهُمَا بَيِّنَة شهِدت لَهُ بِالْملكِ والنتاج، وأرخت الْبَيِّنَتَانِ النِّتَاج بتاريخين مُخْتَلفين، وَكَانَت سنّ الدَّابَّة توَافق جحد التاريخين دون الآخر، يحكم بالدابة لمن وَافَقت سنّهَا التَّارِيخ الَّذِي أحد بَينته. (ر: شرح الزَّيْلَعِيّ للكنز، وشروح الْهِدَايَة) . وَإِن رد الشَّهَادَة، حِين مُخَالفَة سنّ الدَّابَّة
الجزء 1 · صفحة 113
لما أرخته الْبَيِّنَة لدَلِيل على أَنه لَو بَين الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ تَارِيخا للنتاج وَظهر مُخَالفَة سنّ الدَّابَّة للتاريخ الَّذِي ذكره ترد دَعْوَاهُ من أَصْلهَا، وَلَا يُكَلف إِقَامَة الْبَيِّنَة. (ر: مَا سَيَأْتِي نَقله عَن الْفَتَاوَى الْبَزَّازِيَّة فِي الْمَادَّة الْخَامِسَة وَالسِّتِّينَ: " الْوَصْف فِي الْحَاضِر لَغْو ") .
وبدليل مَا نصوا عَلَيْهِ أَيْضا من أَنه لَو أقرّ إِنْسَان لمن كَانَ مَجْهُول النّسَب بِأَنَّهُ ابْنه، وَكَانَ لَا يُولد مثله لمثل الْمقر، فَإِن الْإِقْرَار يبطل، وَذَلِكَ يُفِيد أَن الْبَيِّنَة أَيْضا لَا تقبل عَلَيْهِ بِالْأولَى، لِأَن الْإِقْرَار قد بَطل، مَعَ أَنهم صَرَّحُوا أَن الْإِقْرَار أقوى من الْبَيِّنَة حَتَّى لَو أقرّ الْخصم بعد إِقَامَة الْبَيِّنَة فَقضى الْحَاكِم عَلَيْهِ يعْتَبر الْقَضَاء قَضَاء بِإِقْرَارِهِ لَا بِالْبَيِّنَةِ. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، كتاب الدَّعْوَى، بَاب الِاسْتِحْقَاق) إِلَّا فِي سبع مسَائِل يقْضى فِيهَا بِالْبَيِّنَةِ دون الْإِقْرَار مَذْكُورَة فِي رد الْمُحْتَار، آخر بَاب دَعْوَى النّسَب، سنذكر بَعْضهَا فِي الْكَلَام على الْمَادَّة التَّاسِعَة عشرَة.
فَظهر من ذَلِك أَن قَوْلهم: " إِن الْبَينَات تُقَام لإِثْبَات خلاف الظَّاهِر " إِنَّمَا يُرَاد بِهِ النَّوْع الأول الَّذِي يذكر بِإِزَاءِ قسيم الأَصْل، لَا النَّوْع الثَّانِي الَّذِي وصل فِي الظُّهُور إِلَى دَرَجَة يطْرَح مَعهَا احْتِمَال خِلَافه.
وَالْحَاصِل أَن تَرْجِيح زعم أحد المتخاصمين على زعم الآخر، فِي الِابْتِدَاء، يكون بِشَهَادَة الأَصْل وَالظَّاهِر حَتَّى يقوم دَلِيل من المرجحات الثانوية على خِلَافه، فَإِذا كَانَ الأَصْل شَاهدا لجِهَة وَالظَّاهِر لجِهَة يرجح زعم من يشْهد لَهُ الظَّاهِر. ثمَّ إِذا عَارض الأَصْل أَو الظَّاهِر شَيْء من المرجحات الثانوية يقدم عَلَيْهِمَا، وَهَذَا فِي النَّوْع الأول من الظَّاهِر، أما النَّوْع الثَّانِي فَإِنَّهُ لَا تُقَام بَيِّنَة على خِلَافه لِأَن احْتِمَال خِلَافه مَعْدُوم.
وَهَذَا الْبَيَان وَالتَّفْصِيل الَّذِي أَتَيْنَا بِهِ يقرب الْمسَائِل من الأذهان ويسهل معرفَة الْوُجُوه والعلل، وتطبيق الْفُرُوع على قواعدها بِصُورَة معقولة.
إِذا علمنَا ذَلِك ظهر أَن القَوْل الرَّاجِح هُوَ قَول من يتَمَسَّك بِبَرَاءَة ذمَّته لِأَنَّهُ يشْهد لَهُ الأَصْل، وَهُوَ عدم شغلها، حَتَّى يقوم دَلِيل على خِلَافه.
الجزء 1 · صفحة 114
(ثَانِيًا _ التطبيق)
يتَفَرَّع على هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل شَتَّى من أَبْوَاب متنوعة، كَالْبيع وَالْإِجَارَة وَالْعَارِية والوديعة والضمانات وَالْغَصْب وَالْقَرْض وَالْإِقْرَار وَغير ذَلِك.
فَمن ذَلِك: مَا لَو اخْتلف البَائِع وَالْمُشْتَرِي فِي مِقْدَار الثّمن بعد هَلَاك الْمَبِيع أَو خُرُوجه عَن ملكه مثلا، أَو اخْتلف الْمُؤَجّر وَالْمُسْتَأْجر فِي مِقْدَار بدل الْإِجَارَة بعد اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة، فَإِن القَوْل قَول المُشْتَرِي وَالْمُسْتَأْجر، وَالْبَيِّنَة على البَائِع والمؤجر لإِثْبَات الزِّيَادَة، أما لَو كَانَ اخْتِلَافهمَا قبل هَلَاك الْمَبِيع أَو خُرُوجه عَن ملكه مثلا فِي البيع، وَقبل اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة فِي الْإِجَارَة، وَلَا بَيِّنَة لأَحَدهمَا فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ. (ر: الْمَادَّة / 1778 و 1779 / من الْمجلة) .
وَمِنْهَا: مَا لَو ادّعى الْمُسْتَعِير رد الْعَارِية فَإِن القَوْل قَوْله، إِذْ الأَصْل بَرَاءَة ذمَّته. وَكَذَا لَو ادّعى الْوَدِيع رد الْوَدِيعَة. (ر: مَا تقدم فِي شرح الْمَادَّة الثَّالِثَة) .
وَمِنْهَا: مَا لَو أتلف إِنْسَان مَال آخر وَاخْتلفَا فِي مِقْدَاره، فَإِن القَوْل للمتلف بِيَمِينِهِ، لِأَنَّهُ يُنكر ثُبُوت الزِّيَادَة فِي ذمَّته، وَالْأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة، وَالْبَيِّنَة على صَاحب المَال لإِثْبَات الزِّيَادَة. وَكَذَا لَو غصب إِنْسَان شَيْئا وَهلك فِي يَده ثمَّ اخْتلف الْمَالِك وَالْغَاصِب فِي قيمَة الْمَغْصُوب فَالْقَوْل للْغَاصِب، وعَلى الْمَالِك إِثْبَات الزِّيَادَة. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر) . وَكَذَلِكَ لَو جَاءَ الْغَاصِب ليرد عين الْمَغْصُوب فَاخْتلف هُوَ وَالْمَالِك فِي مِقْدَاره، فَالْقَوْل للْغَاصِب.
وَمِنْهَا: مَا لَو أقْرض إِنْسَان آخر ثمَّ اخْتلف هُوَ والمستقرض فِي مبلغ الْقَرْض فَالْقَوْل للمستقرض.
وَمِنْهَا: مَا لَو أقرّ إِنْسَان لآخر بِمَجْهُول، بِأَن قَالَ: لفُلَان عَليّ شَيْء أَو حق، فَإِنَّهُ يَصح وَيلْزمهُ تَفْسِيره، أَي بَيَانه، وَيقبل مِنْهُ أَن يُبينهُ بِمَا لَهُ قيمَة، فَلَو بَينه وَادّعى الْمقر لَهُ أَكثر مِمَّا بَينه الْمقر فَإِن القَوْل للْمقر، وعَلى الْمُدَّعِي إِثْبَات الزِّيَادَة. أما لَو بَينه بِمَا لَا قيمه لَهُ فَلَا يقبل بَيَانه، لِأَنَّهُ بقوله: " لَهُ عَليّ " أخبر عَن الْوُجُوب فِي ذمَّته، وَمَا لَا قيمَة لَهُ لَا يجب فِي الذِّمَّة، فَيكون بَيَانه رُجُوعا عَن الْإِقْرَار، وَالرُّجُوع عَنهُ لَا يَصح. (ر: الدُّرَر، كتاب الْإِقْرَار) .
الجزء 1 · صفحة 115
وَمِنْهَا: مَسْأَلَة مَا لَو اخْتلف الْمُوكل مَعَ الْوَكِيل بِالْبيعِ، فِي بَيْعه قبل علمه بِالْعَزْلِ أَو بعده، الْآتِيَة فِي مستثنيات الْمَادَّة الْحَادِيَة عشرَة، إِلَى غير ذَلِك من الْفُرُوع.
الجزء 1 · صفحة 116
((صفحة فارغة))
الجزء 1 · صفحة 117
(الْقَاعِدَة الثَّامِنَة (الْمَادَّة / 9))
(" الأَصْل فِي الصِّفَات الْعَارِضَة الْعَدَم ")
(أَولا _ الشَّرْح)
" الأَصْل فِي الصِّفَات الْعَارِضَة الْعَدَم، كَمَا أَن الأَصْل فِي الصِّفَات الْأَصْلِيَّة الْوُجُود (ر: الْأَشْبَاه والنظائر) حَتَّى يقوم الدَّلِيل على خِلَافه ".
الصِّفَات بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوُجُود والعدم على قسمَيْنِ: الأول: هُوَ الصِّفَات الَّتِي يكون وجودهَا فِي الشَّيْء طارئاً وعارضاً بِمَعْنى أَن الشَّيْء بطبيعته يكون خَالِيا عَنْهَا غَالِبا، وَهَذِه تسمى الصِّفَات الْعَارِضَة، وَالْأَصْل فِيهَا الْعَدَم، وَمثل هَذِه الصِّفَات غَيرهَا من الْأُمُور الَّتِي تُوجد بعد الْعَدَم كَسَائِر الْعُقُود وَالْأَفْعَال، كَمَا سيتضح من الْأَمْثِلَة الْآتِيَة. وَهَذَا الْقسم وَمَا ألحق بِهِ من الْعُقُود وَالْأَفْعَال هُوَ مَوْضُوع هَذِه الْقَاعِدَة.
الثَّانِي: هُوَ الصِّفَات الَّتِي يكون وجودهَا فِي الشَّيْء مُقَارنًا لوُجُوده، فَهُوَ مُشْتَمل عَلَيْهَا بطبيعته غَالِبا، وَهَذِه تسمى الصِّفَات الْأَصْلِيَّة، وَالْأَصْل فِيهَا الْوُجُود، كبكارة الْجَارِيَة وسلامة الْمَبِيع من الْعُيُوب وَالصِّحَّة فِي الْعُقُود بعد انْعِقَادهَا. وَيلْحق بِالصِّفَاتِ الْأَصْلِيَّة الصِّفَات الْعَارِضَة الَّتِي ثَبت وجودهَا فِي وَقت مَا، فَإِن الأَصْل فِيهَا حينئذٍ الْبَقَاء بعد ثُبُوت وجودهَا (ر: مَا تقدم فِي شرح الْمَادَّة الْخَامِسَة، وَهُوَ أَيْضا معنى الْمَادَّة الْعَاشِرَة الْآتِيَة) .
فَلَو اخْتلف العاقدان فِي سَلامَة الْمَبِيع من الْعُيُوب وَعدم سَلَامَته، أَو فِي صِحَة البيع مثلا وفساده، فَالْقَوْل لمن يتَمَسَّك بسلامة الْمَبِيع وَصِحَّة العقد، لِأَنَّهُ
الجزء 1 · صفحة 118
يشْهد لَهُ الأَصْل، بِخِلَاف مَا لَو اخْتلف المتعاقدان فِي صِحَة البيع وبطلانه فَإِن القَوْل قَول من يتَمَسَّك بِالْبُطْلَانِ، لِأَن الْبَاطِل غير مُنْعَقد فَهُوَ يُنكر وجود العقد وَالْأَصْل عَدمه. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر، من قَاعِدَة الأَصْل الْعَدَم، وَمن كتاب الْبيُوع) .
(ثَانِيًا _ التطبيق)
يتَفَرَّع على هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل كَثِيرَة: مِنْهَا: مِثَال الْمَادَّة الْمَذْكُورَة، وَهُوَ مَا لَو اخْتلف الْمضَارب وَرب المَال فِي حُصُول الرِّبْح وَعَدَمه، فَالْقَوْل للْمُضَارب، وَالْبَيِّنَة على رب المَال لإِثْبَات الرِّبْح لِأَن الأَصْل عَدمه.
وَمِنْهَا: مَا لَو قَالَ الْوَصِيّ: لم أتجر فِي مَال الْيَتِيم، أَو اتجرت فَلم أربح أصلا، أَو مَا ربحت إِلَّا كَذَا، فَالْقَوْل قَوْله. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر وحاشيته، من قَاعِدَة الأَصْل الْعَدَم) .
وَمِنْهَا: مَا لَو أدخلت الْمَرْأَة حلمة ثديها فِي فَم الرَّضِيع وَلم يعلم هَل دخل اللَّبن فِي حلقه أَو لَا، فَإِن النِّكَاح لَا يحرم، لِأَن الأَصْل عدم الْمَانِع الَّذِي هُوَ دُخُول اللَّبن. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر، من الْمحل الْمَذْكُور) .
وَمِنْهَا: مَا لَو اخْتلف البَائِع وَالْمُشْتَرِي فِي قبض الْمَبِيع أَو الثّمن، أَو اخْتلف الْمُؤَجّر وَالْمُسْتَأْجر فِي قبض الْمَأْجُور أَو بدل الْإِجَارَة فَالْقَوْل لمنكر الْقَبْض فِي جَمِيع ذَلِك، لِأَن الأَصْل عَدمه. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر، وَغَيره) .
وَمِنْهَا: مَا لَو اخْتلف البَائِع وَالْمُشْتَرِي فِي شَرط الْخِيَار، فَالْقَوْل لمنكره.
الجزء 1 · صفحة 119
(ر: تنوير الْأَبْصَار وَشَرحه الدّرّ الْمُخْتَار، كتاب الْبيُوع، أَوَاخِر خِيَار الشَّرْط) لِأَنَّهُ صفة عارضة.
وَمِنْهَا: مَا لَو دفع إِنْسَان لآخر شَيْئا ثمَّ أَرَادَ اسْتِرْدَاده مُدعيًا أَنه دَفعه لَهُ عَارِية، وَقَالَ الْقَابِض: إِنَّك كنت بعتني إِيَّاه أَو وهبتني إِيَّاه، فَالْقَوْل للدافع فِي كَونه عَارِية. (ر: الْمَادَّة / 1763 / من الْمجلة) ، لِأَن الأَصْل عدم البيع وَالْهِبَة.
وَمِنْهَا: مَا لَو قَالَ رجل لامْرَأَته: إِن لم أدفَع لَك نَفَقَتك الْيَوْم فَأَنت طَالِق، ثمَّ مضى الْيَوْم، فاختلفا فَقَالَ: دفعتها لَك، وَقَالَت: لم تدفعها لي، فَالْقَوْل قَوْلهَا، وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِ وُقُوع الطَّلَاق. بِخِلَاف مَا لَو قَالَ لَهَا: إِن لم أَدخل الدَّار الْيَوْم مثلا فَأَنت طَالِق ثمَّ اخْتلفَا فَقَالَ دخلت وَقَالَت لم تدخل فَإِن القَوْل قَوْله، وَإِن كَانَ الأَصْل عدم الدُّخُول. وَذَلِكَ لِأَن الشَّرْط الْمُعَلق عَلَيْهِ إِذا كَانَ مِمَّا يَصح التَّنَازُع فِيهِ لذاته بِقطع النّظر عَن التَّعْلِيق، كوصول النَّفَقَة وَعَدَمه، فحينئذٍ ينظر إِلَى صُورَة التَّنَازُع، فَيكون القَوْل قَول منكره، وَهُوَ هُنَا الزَّوْجَة، لِأَن الأَصْل عدم وُصُول النَّفَقَة إِلَيْهَا. وَأما إِذا كَانَ الشَّرْط مِمَّا لَا يَصح التَّنَازُع فِيهِ لذاته، كدخول الدَّار وَعَدَمه، فَإِنَّهُ لَا ينظر فِيهِ إِلَى صُورَة التَّنَازُع، لِأَنَّهُ غير مُمكن، بل ينظر فِيهِ إِلَى الْمَقْصُود مِنْهُ، وَهُوَ وُقُوع الطَّلَاق أَو عَدمه، وَلما كَانَ مَقْصُود الزَّوْج بِدَعْوَاهُ الدُّخُول إِنْكَار وُقُوع الطَّلَاق كَانَ القَوْل قَوْله، لِأَن الأَصْل عدم الْوُقُوع. (ر: ذخيرة الْفَتْوَى، كتاب الْكفَالَة، الْبَاب السَّابِع فِي تَعْلِيق الْكفَالَة بِالشّرطِ) . إِلَى غير ذَلِك من الْفُرُوع الْكَثِيرَة.
هَذَا، وَلَكِن إِذا قَامَ دَلِيل على خلاف ذَلِك الأَصْل، بِأَن كَانَ الظَّاهِر مُعَارضا لَهُ، فَإِن الأَصْل يتْرك ويترجح جِهَة الظَّاهِر، كَمَا قَالُوا فِي زَوْجَة الْعنين من أَنَّهَا لَو ادَّعَت عَلَيْهِ عدم وُصُوله إِلَيْهَا وَادّعى هُوَ الْوُصُول، وَكَانَت بكرا حِين العقد، فَإِن الْحَاكِم يريها حِين الْخُصُومَة للنِّسَاء، فَإِن قُلْنَ إِنَّهَا بكر فَالْقَوْل قَوْلهَا وَإِن قُلْنَ إِنَّهَا ثيب فَالْقَوْل قَوْله فِي الْوُصُول إِلَيْهَا، مَعَ أَن الأَصْل عدم الْوُصُول، لِأَن ظُهُور ثيوبتها مؤيد لدعواه فَترك بِهِ الأَصْل.
الجزء 1 · صفحة 120
(ثَالِثا _ الْمُسْتَثْنى)
يسْتَثْنى من هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل: مِنْهَا: مَا لَو تصرف الزَّوْج فِي غلات زَوجته ثمَّ مَاتَت فَادّعى أَن تصرفه كَانَ بِإِذْنِهَا وَأنكر الْوَرَثَة، فَإِن القَوْل قَوْله بِيَمِينِهِ، مَعَ أَن الأَصْل عدم الْإِذْن. (ر: تنوير الْأَبْصَار وَشَرحه الدّرّ الْمُخْتَار، من كتاب الْغَصْب) .
وَمِنْهَا: مَا لَو أَرَادَ الْوَاهِب الرُّجُوع فِي هِبته، فَادّعى الْمَوْهُوب لَهُ هَلَاك الْمَوْهُوب، فَالْقَوْل قَوْله وَلَا يَمِين عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ حكى أمرا يملك استئنافه.
وَمِنْهَا: مَا لَو اخْتلف الزَّوْجَانِ فِي هبة الْمهْر فَقَالَت الزَّوْجَة: وهبته لَك بِشَرْط أَن لَا تُطَلِّقنِي، وَقَالَ الزَّوْج: بِغَيْر شَرط، فَالْقَوْل قَوْلهَا، مَعَ أَن الشَّرْط من الْعَوَارِض وَالْأَصْل عَدمه.
وَمِنْهَا: مَا لَو جَاءَ الْمضَارب بمبلغ وَقَالَ: هُوَ أصل وَربح، وَقَالَ رب المَال: كُله أصل، فَالْقَوْل قَول الْمضَارب، مَعَ أَن الأَصْل عدم الرِّبْح.
وَمِنْهَا: مَا لَو طلبت الْمَرْأَة نَفَقَة أَوْلَادهَا الصغار بعد أَن فَرضهَا القَاضِي لَهُم، فَادّعى الْأَب أَنه أنْفق عَلَيْهِم فَالْقَوْل قَوْله مَعَ الْيَمين، مَعَ أَن الأَصْل عدم الْإِنْفَاق.
(ر: الْأَشْبَاه والنظائر وحاشية الْحَمَوِيّ عَلَيْهِ، فِي قَاعِدَة الأَصْل الْعَدَم _ لكل هَذِه الْفُرُوع المستثناة) .
الجزء 1 · صفحة 121
(الْقَاعِدَة التَّاسِعَة (الْمَادَّة / 10))
(" مَا ثَبت بِزَمَان يحكم بِبَقَائِهِ مَا لم يقم الدَّلِيل على خِلَافه ")
(أَولا _ الشَّرْح)
" مَا ثَبت بِزَمَان يحكم بِبَقَائِهِ مَا لم يقم الدَّلِيل على خِلَافه " لِأَنَّهُ إِذا اعْترض على الأَصْل دَلِيل خِلَافه بَطل. (ر: مَا قدمْنَاهُ فِي شرح الْمَادَّة الْخَامِسَة) .
وَلذَلِك كَانَت الشَّهَادَة بِالْملكِ المنقضي، أَي الْمَاضِي، وَالْإِقْرَار بِهِ أَيْضا مقبولين، فَإِذا ثَبت فِي زمَان ملك شَيْء لأحد يحكم بِبَقَاء الْملك مَا لم يُوجد مَا يُزِيلهُ، سَوَاء كَانَ ثُبُوت الْملك الْمَاضِي بِالْبَيِّنَةِ أَو بِإِقْرَار الْمُدعى عَلَيْهِ.
هَذِه الْمَسْأَلَة على ثَلَاثَة أوجه: الأول _ أَن يَدعِي ملكا خَالِيا عَن الْإِسْنَاد إِلَى الْمَاضِي، بِأَن يَقُول: إِن الْعين الَّتِي بيد الْمُدعى عَلَيْهِ هِيَ ملكي (سَوَاء بَين سَببا للْملك أَو لَا) وَيشْهد الشُّهُود لَهُ بِالْملكِ فِي الْمَاضِي فيقولوا: إِنَّهَا كَانَت ملكه، أَي فِي صُورَة مَا إِذا أطلق الْمُدَّعِي الْملك، أَو يَقُولُوا: إِنَّهَا كَانَت ملكه بِالسَّبَبِ الَّذِي ادَّعَاهُ، أَي فِي صُورَة مَا إِذا بَين الْمُدَّعِي سَببا للْملك.
الثَّانِي _ أَن يَدعِي ملكا مَاضِيا فَيَقُول: إِنَّهَا كَانَت ملكي، وَيشْهد الشُّهُود بِالْملكِ الْمُطلق كَذَلِك، وَهُوَ عكس الأول.
الثَّالِث _ أَن يَدعِي ملكا مَاضِيا، وَيشْهد الشُّهُود بالماضي أَيْضا.
فَفِي الصُّورَة الأولى تصح الدَّعْوَى من الْمُدَّعِي وَتقبل من الشُّهُود، فَيحكم
الجزء 1 · صفحة 122
للْمُدَّعِي بِالْملكِ، لِأَنَّهُ لما ثَبت ملكه فِي الزَّمن الْمَاضِي فَالْأَصْل أَن يحكم بِبَقَائِهِ، حَيْثُ لم يقم دَلِيل على خِلَافه إِلَى أَن يُوجد مَا يُزِيلهُ، كَأَن يُقيم الْمُدعى عَلَيْهِ بَيِّنَة على الشِّرَاء مِنْهُ مثلا.
وَأما فِي الصُّورَتَيْنِ، الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة، فَإِن دَعْوَى الْمُدَّعِي غير صَحِيحَة، وَشَهَادَة الشُّهُود المترتبة عَلَيْهَا غير مَقْبُولَة أَيْضا، لِأَن إِسْنَاد الْمُدَّعِي ملكه إِلَى الْمَاضِي يدل على نفي الْملك فِي الْحَال، إِذْ لَا فَائِدَة للْمُدَّعِي فِي إِسْنَاده مَعَ قيام ملكه فِي الْحَال، بِخِلَاف الشَّاهِدين لَو أسْند ملكه إِلَى الْمَاضِي، لِأَن إسنادهما لَا يدل على النَّفْي فِي الْحَال لِأَنَّهُمَا قد لَا يعرفان بَقَاءَهُ إِلَّا بالاستصحاب. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، كتاب الشَّهَادَات، بَاب الِاخْتِلَاف فِي الشَّهَادَة، وجامع الْفُصُولَيْنِ، الْفَصْل الْحَادِي عشر) .
هَذَا، وَفِي الصُّورَة الأولى المقبولة لَو سَأَلَ القَاضِي الشَّاهِدين: هَل تعلمان ملكه للْحَال؟ لَا يجبران على الْجَواب، لَكِن لَو أجاباه بقولهمَا: لَا نعلم قيام الْملك للْحَال ترد شَهَادَتهمَا، لِأَنَّهُمَا لما صرحا بجهلهما قيام الْملك للْحَال لم يبْق إِمْكَان للْحَمْل على أَنَّهُمَا يعرفان بَقَاء الْملك بالاستصحاب فَلم تعد شَهَادَتهمَا صَالِحَة لِأَن يحكم بهَا فِي ذَلِك. (ر: الْمَادَّة / 1695 / من الْمجلة) .
وَمثل الشَّهَادَة بِملك الْعين، فِي جَمِيع الصُّور الْمُتَقَدّمَة، الشَّهَادَة بِالدّينِ، فَلَو ادّعى إِنْسَان دينا فِي ذمَّة حَيّ أَو ميت وَأقَام بَيِّنَة شهِدت لَهُ أَنه كَانَ لَهُ عَلَيْهِ هَذَا الْمبلغ الْمُدعى بِهِ تقبل الشَّهَادَة وَيحكم بِهِ. (ر: الْمَادَّة / 1694 / من الْمجلة) .
تَنْبِيه: إِن قبُول الْحَاكِم الْبَيِّنَة وإلزام الْخصم بِمَا قَامَت عَلَيْهِ فِي الصُّورَتَيْنِ _ أَعنِي فِيمَا إِذا شهِدت الشُّهُود أَن الْعين كَانَت ملك الْمُدَّعِي، أَو شهِدت انه كَانَ لَهُ عَلَيْهِ كَذَا _ إِنَّمَا هُوَ عمل بالاستصحاب، وَهُوَ عمل بِالظَّاهِرِ، وَالظَّاهِر يصلح حجَّة للدَّفْع لَا للاستحقاق، كَمَا تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْمَادَّة الْخَامِسَة: " الأَصْل بَقَاء مَا كَانَ "، وَالْحكم بِهَذِهِ الشَّهَادَة حكم بِالِاسْتِحْقَاقِ لَا بِالدفع فَيَنْبَغِي أَن لَا تقبل.
الجزء 1 · صفحة 123
لَكِن نقل فِي جَامع الْفُصُولَيْنِ، فِي أَوَائِل الْفَصْل الْحَادِي عشر، هَذَا الْإِشْكَال عَن صَاحب الْقنية وَأَنه أجَاب عَنهُ بِأَن فِي رد مثل هَذِه الْبَينَات حرجاً فَتقبل دفعا للْحَرج. انْتهى موضحاً.
وَقد نقل فِي معِين الْحُكَّام، فِي الْبَاب الثَّامِن عشر مِنْهُ فِي الْقَضَاء بِغَلَبَة الظَّن، عَن الْقَرَافِيّ الْمَالِكِي مَا لَفظه: " اعْلَم أَن قَول الْعلمَاء إِن الشَّهَادَة لَا تجوز إِلَّا بِالْعلمِ لَيْسَ على ظَاهره، فَإِن ظَاهره يَقْتَضِي أَنه لَا يجوز أَن يُؤَدِّي الشَّاهِد إِلَّا مَا هُوَ قَاطع بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل حَالَة الْأَدَاء دَائِما عِنْد الشَّاهِد الظَّن الضَّعِيف فِي كثير من الصُّور، بل المُرَاد بذلك أَن يكون أصل الْمدْرك علما فَقَط، فَلَو شهد بِقَبض الدّين جَازَ أَن يكون الَّذِي عَلَيْهِ الدّين قد دَفعه فَتجوز الشَّهَادَة عَلَيْهِ بالاستصحاب الَّذِي لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن الضَّعِيف، وَكَذَلِكَ الثّمن فِي البيع يشْهد بِهِ مَعَ احْتِمَال دَفعه، وَيشْهد فِي الْملك الْمَوْرُوث لوَارِثه مَعَ جَوَاز بَيْعه بعد أَن وَرثهُ، وَيشْهد بِالْإِجَارَة وَلُزُوم الْأُجْرَة مَعَ جَوَاز الْإِقَالَة بعد ذَلِك بِنَاء على الِاسْتِصْحَاب. والمحقق فِي هَذِه الصُّور كلهَا وَشبههَا إِنَّمَا هُوَ الظَّن الضَّعِيف، وَلَا يكَاد يُوجد مَا يبْقى فِيهِ الْعلم إِلَّا الْقَلِيل من الصُّور، مِنْهَا: النّسَب وَالْوَلَاء فَإِنَّهُ لَا يقبل النَّقْل فَيبقى الْعلم على حَاله، وَمِنْهَا: الْوَقْف إِذا حكم بِهِ حَاكم، أما إِذا لم يحكم بِهِ حَاكم فَإِن الشَّهَادَة إِنَّمَا فِيهَا الظَّن فَقَط، فَإِذا شهد بِأَن هَذِه الدَّار وقف احْتمل أَن يكون حَاكم حَنَفِيّ حكم بنقضه ". انْتهى.
وَهُوَ كَلَام وجيه جدا مؤيد لجواب صَاحب الْقنية.
(تَنْبِيه:)
الشَّهَادَة بِالْيَدِ المنقضية لَا تقبل، وعَلى الْملك المنقضي تقبل، فَلَو ادّعى أحد على آخر بِأَن الْعين الَّتِي فِي يَد الْمُدعى عَلَيْهِ كَانَت فِي يَد الْمُدَّعِي حَتَّى أَخذهَا ذَلِك مِنْهُ بِلَا حق فيطلب إِعَادَتهَا إِلَيْهِ، وَأقَام بَيِّنَة شهِدت بِأَنَّهَا كَانَت فِي يَده، لَا تقبل حَتَّى يشهدَا أَن الْمُدعى عَلَيْهِ أَخذهَا مِنْهُ بِلَا حق فَحِينَئِذٍ يقْضى بإعادتها إِلَيْهِ فَقَط، لَا بِالْملكِ، وَهَذَا يُسمى: قَضَاء ترك.
وَإِنَّمَا لم تقبل الشَّهَادَة بِالْيَدِ المنقضية كَمَا قبلت على الْملك المنقضي لِأَنَّهَا
الجزء 1 · صفحة 124
شَهَادَة بِمَجْهُول، وَالشَّهَادَة بِالْمَجْهُولِ لَا تقبل، وَذَلِكَ لِأَن أَنْوَاع وضع الْيَد كَثِيرَة، فقد تكون الْيَد يَد ملك أَو وَدِيعَة أَو إِجَارَة، وَيحْتَمل أَيْضا أَن الْعين كَانَت للْمُدَّعِي فاشتراها الْمُدعى عَلَيْهِ مِنْهُ، بِخِلَاف الْملك فَإِنَّهُ غير متنوع فَلذَلِك كَانَ الأَصْل أَن الشَّهَادَة بِالْملكِ المنقضي مَقْبُولَة لَا بِالْيَدِ المنقضية، حَتَّى لَو ثبتَتْ بِالْيَدِ المنقضية بِإِقْرَار الْخصم أَنَّهَا كَانَت فِي يَد الْمُدَّعِي أَو بِالْبَيِّنَةِ على الْإِقْرَار فَإِنَّهَا تعْتَبر وَيُؤمر الْمُدعى عَلَيْهِ بدفعها للْمُدَّعِي على الْوَجْه الْمُتَقَدّم، لِأَن الْإِقْرَار لَا تضره الْجَهَالَة. (ر: تنوير الْأَبْصَار وَشَرحه الدّرّ الْمُخْتَار، قبيل بَاب الشَّهَادَة على الشَّهَادَة، والمادة / 1579 / من الْمجلة) .
هَذَا كُله فِيمَا إِذا كَانَت الشَّهَادَة بِالْيَدِ المنقضية لشخص حَيّ، أما إِذا شَهدا بيد شخص ميت فَإِنَّهَا تقبل مُطلقًا وَإِن كَانَت غير منقضية، لِأَنَّهَا إِن كَانَت فِي الْوَاقِع يَد ملك فَالْأَمْر ظَاهر، وَإِن كَانَت يَد غير ملك فبموت من هِيَ فِي يَده مجهلاً، أَي من غير أَن يبين أَنَّهَا لَيست لَهُ، يملكهَا وَتَكون مَضْمُونَة لصَاحِبهَا فِي التَّرِكَة. (ر: الدّرّ الْمُخْتَار وحاشيته رد الْمُحْتَار، من الْمحل الْمَذْكُور) .
الجزء 1 · صفحة 125
(الْقَاعِدَة الْعَاشِرَة (الْمَادَّة / 11))
(" الأَصْل إِضَافَة الْحَادِث إِلَى أقرب أوقاته ")
(أَولا _ الشَّرْح)
يَعْنِي أَنه إِذا وَقع الِاخْتِلَاف فِي زمن حُدُوث أَمر فَحِينَئِذٍ ينْسب إِلَى أقرب الْأَوْقَات إِلَى الْحَال، مَا لم تثبت نسبته إِلَى زمن بعيد فَإِذا ثبتَتْ نسبته إِلَى الزَّمن الْبعيد يحكم بذلك، وَهَذَا إِذا كَانَ الْحُدُوث مُتَّفقا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا وَقع الِاخْتِلَاف فِي تَارِيخ حُدُوثه، كَمَا يفِيدهُ قَوْلهم فِي الْمَادَّة الْمَذْكُورَة: " يَعْنِي أَنه إِذا وَقع الِاخْتِلَاف فِي زمن حُدُوث أَمر "، أما إِذا كَانَ الْحُدُوث غير مُتَّفق عَلَيْهِ بِأَن كَانَ الِاخْتِلَاف فِي أصل حُدُوث الشَّيْء وَقدمه، كَمَا لَو كَانَ فِي ملك أحدٍ مسيل لآخر وَوَقع بَينهمَا اخْتِلَاف فِي الْحُدُوث والقدم، فَادّعى صَاحب الدَّار حُدُوثه وَطلب رَفعه وَادّعى صَاحب المسيل قدمه، فَإِن القَوْل لمُدعِي الْقدَم، وَالْبَيِّنَة لمُدعِي الْحُدُوث، حَتَّى إِذا أَقَامَ كل مِنْهُمَا بَينته رجحت بَيِّنَة مدعي الْحُدُوث وَهُوَ صَاحب الدَّار. (ر: الْمَادَّة / 1768 / من الْمجلة، ومرآة الْمجلة، نقلا عَن الْقنية) وَذَلِكَ لِأَن بَينته تثبت ولَايَة النَّقْض فَكَانَت أولى، أما مدعي الْقدَم فَهُوَ مُنكر متمسك بِالْأَصْلِ. (ر: تَنْقِيح الْفَتَاوَى الحامدية) .
ثمَّ إِن الْوَجْه فِي كَون الأَصْل إِضَافَة الْحَادِث إِلَى أقرب أوقاته هُوَ أَن الْخَصْمَيْنِ لما اتفقَا على حُدُوثه، وَادّعى أَحدهمَا حُدُوثه فِي وَقت وَادّعى الآخر حُدُوثه قبل ذَلِك الْوَقْت، فقد اتفقَا على أَنه كَانَ مَوْجُودا فِي الْوَقْت الْأَقْرَب، وَانْفَرَدَ أَحدهمَا بِدَعْوَى أَنه كَانَ مَوْجُودا قبل ذَلِك، وَالْآخر يُنكر دَعْوَاهُ، وَالْقَوْل للْمُنكر.
الجزء 1 · صفحة 126
إِن اعْتِبَار هَذِه الْقَاعِدَة مُقَيّد بِأَن لَا يُؤَدِّي إِلَى نقض مَا هُوَ ثَابت مُقَرر، فقد نقل عَليّ حيدر أَفَنْدِي فِي شَرحه عَن الْفَتَاوَى الْوَلوالجِيَّة، فِي كتاب الدَّعْوَى مَا نَصه: " الأَصْل فِي الْحَوَادِث أَن يحكم بحدوثها لأَقْرَب مَا ظهر إِذا لم يتَضَمَّن الحكم بحدوثها للْحَال نقض مَا هُوَ ثَابت، لِأَن الحكم بحدوثها لأَقْرَب مَا ظهر ثَابت باستصحاب الْحَال لَا بِدَلِيل أوجب الْحُدُوث للْحَال، وَالثَّابِت باستصحاب الْحَال لَا يصلح لنقض مَا هُوَ ثَابت " وَنَظِير هَذَا مَا نَقله فِي رد الْمُحْتَار من بَاب الْمهْر، عَن الرحمتي عَن قاضيخان، عِنْد قَول الْمَتْن " وَهَذَا إِذا لم تسلم نَفسهَا ": إِن الظَّاهِر لَا يصلح حجَّة لإبطال مَا كَانَ ثَابتا.
وستتضح فَائِدَة هَذَا الْقَيْد من مستثنيات هَذِه الْقَاعِدَة الَّتِي سنذكرها، لِأَن مُعظم تِلْكَ المستثنيات إِنَّمَا خرجت عَن هَذِه الْقَاعِدَة لِأَن تطبيقها عَلَيْهَا يسْتَلْزم نقض مَا هُوَ ثَابت متقرر. (ر: مَا سَيَأْتِي تَحت الْمَادَّة / 12 فِي التَّنْبِيه) .
(ثَانِيًا _ التطبيق)
يتَفَرَّع على هَذِه الْقَاعِدَة كثير من مسَائِل الطَّلَاق، وَالْمِيرَاث، وَالْإِقْرَار، وَالْهِبَة، وَالْبيع وفسخه، وَالْحجر، وَالْوكَالَة وَغَيرهَا.
(أ) فَمن ذَلِك: مَا إِذا طلق رجل زَوجته طَلَاقا بَائِنا ثمَّ مَاتَ قبل أَن تَنْقَضِي عدتهَا، فادعت الزَّوْجَة أَنه أَبَانهَا وَهُوَ فِي مَرضه فَصَارَ بذلك فَارًّا فترث هِيَ مِنْهُ، وَقَالَ الْوَرَثَة: إِنَّه أَبَانهَا وَهُوَ فِي صِحَّته فَلم يكن فَارًّا فَلَا تَرث، فَإِن القَوْل فِي ذَلِك قَول الزَّوْجَة، وَالْبَيِّنَة على الْوَرَثَة، لِأَن الزَّوْجَة تضيف الْحَادِث، وَهُوَ الطَّلَاق، إِلَى أقرب الْأَوْقَات من الْحَال وَهُوَ زمن الْمَرَض.
(ب) وَمِنْه مَا لَو مَاتَ رجل مُسلم وَله امْرَأَة نَصْرَانِيَّة فَجَاءَت امْرَأَته بعد مَوته مسلمة وَقَالَت: أسلمت قبل مَوته فَأَنا وارثة مِنْهُ، وَقَالَ الْوَرَثَة: إِنَّك أسلمت بعد مَوته فَلَا ترثين مِنْهُ لاخْتِلَاف دينيكما عِنْد مَوته، فَالْقَوْل للْوَرَثَة وَالْبَيِّنَة على الزَّوْجَة. (ر: مَا تقدم فِي بحث الِاسْتِصْحَاب من شرح الْمَادَّة الْخَامِسَة) .
(ج) وَمِنْه: مَا لَو أقرّ إِنْسَان لأحد ورثته بِعَين أَو دين ثمَّ مَاتَ فَاخْتلف
الجزء 1 · صفحة 127
الْمقر لَهُ مَعَ الْوَرَثَة فَقَالَ الْمقر لَهُ: أقرّ لي فِي صِحَّته فالإقرار نَافِذ، وَقَالَ الْوَرَثَة: أقرّ لَك فِي مَرضه فالإقرار غير نَافِذ، فَإِن القَوْل للْوَرَثَة وَالْبَيِّنَة على الْمقر لَهُ. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر وحاشية الْحَمَوِيّ _ لكل مَا سبق) .
وَكَذَا الحكم فِيمَا لَو وهب إِنْسَان شَيْئا لأحد ورثته ثمَّ مَاتَ فَاخْتلف الْمَوْهُوب لَهُ وَبَقِيَّة الْوَرَثَة على الْكَيْفِيَّة الْمَذْكُورَة (ر: الْمَادَّة / 1766 / من الْمجلة) .
(د) وَمِنْه: مَا لَو اشْترى إِنْسَان شَيْئا بِالْخِيَارِ ثمَّ بعد مُضِيّ مُدَّة الْخِيَار جَاءَ المُشْتَرِي ليَرُدهُ على البَائِع قَائِلا: إِنَّه فسخ قبل مُضِيّ مُدَّة الْخِيَار، وَقَالَ البَائِع: فسخت بعد مُضِيّ الْمدَّة فَلَا يَصح فسخك، فَإِن القَوْل قَول البَائِع، لإضافة الْفَسْخ إِلَى أقرب أوقاته من الْحَال (ر: دُرَر الْحُكَّام لعَلي حيدر أَفَنْدِي) .
(هـ) وَمِنْه مَا لَو بَاعَ الْأَب مَال ابْنه بِحكم الْولَايَة ثمَّ اخْتلف المُشْتَرِي وَالِابْن فَقَالَ المُشْتَرِي: كَانَ ذَلِك قبل بلوغك وَالْبيع نَافِذ، وَقَالَ الابْن: كَانَ بعد بلوغي فَالْبيع غير نَافِذ، فَإِن القَوْل للِابْن على الْأَصَح (ر: جَامع أَحْكَام الصغار، من الْحَضَانَة، وتنقيح الْفَتَاوَى الحامدية من الحامدية) .
وَكَذَا لَو قَالَ الْمَحْجُور: بِعْت وتصرفت بعد الْحجر عَليّ فتصرفي غير صَحِيح، وَقَالَ الْخصم: قبل الْحجر، فَالْقَوْل للمحجور وَالْبَيِّنَة على الْخصم. وَلَو أطلق من حجره فَاخْتلف مَعَ المُشْتَرِي فَقَالَ الْمَحْجُور: بِعْت مِنْك قبل فك الْحجر، وَقَالَ المُشْتَرِي: بعده، فَالْقَوْل للْمُشْتَرِي. (ر: الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة، من الْبَاب الثَّانِي من الْحجر نقلا عَن الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّة) .
(و) وَمِنْه: مَا لَو قَالَ الْوَكِيل بِالْبيعِ بعد عَزله: بِعْت وسلمت قبل الْعَزْل، وَقَالَ مُوكله: إِنَّك بِعْت وسلمت بعد الْعَزْل، وَكَانَ الْمَبِيع قَائِما غير مستهلك فَإِن القَوْل للْمُوكل الَّذِي يضيف الْحَادِث إِلَى أقرب أوقاته. وَأما إِذا كَانَ الْمَبِيع مُسْتَهْلكا فَإِن القَوْل للْوَكِيل. (ر: الْأَشْبَاه والنظائر) وَتَكون الْمَسْأَلَة حِينَئِذٍ من جملَة المستثنيات.
وَالْفرق بَين الْحَالَتَيْنِ أَنه فِي حَالَة هَلَاك الْمَبِيع يكون مَقْصُود الْمُوكل إِيجَاب