الجزء 1 · صفحة 217
{فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول}
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله الْعَادِل فِي حكمه القَاضِي بَين عباده بِعَمَلِهِ أَحْمَده على مَا حكم وَقضى واشكره على مَا أبرم وأمضى وَأشْهد أَن لَا اله إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ الَّذِي من توكل عَلَيْهِ كَفاهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الَّذِي اخْتَارَهُ على جَمِيع خلقه واصطفاه صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَأَصْحَابه الثِّقَات النقاه صَلَاة ينَال بهَا قَائِلهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة جَمِيع مَا يتمناه
وَبعد فَلَمَّا ابْتليت بالقضا وَجرى الحكم وَمضى أَحْبَبْت أَن أجمع مُخْتَصرا فِي الْأَحْكَام منتخبا من كتب سَادَاتنَا الْعلمَاء الْأَعْلَام ذَاكِرًا فِيهِ مَا يكثر وُقُوعه بَين الْأَنَام على وَجه الإتقان والإحكام ليَكُون عونا للحكام على فصل القضايا وَالْأَحْكَام
ورتبته على ثَلَاثِينَ فصلا الْفَصْل الأول فِي آدَاب الْقَضَاء وَمَا يتَعَلَّق بِهِ الْفَصْل الثَّانِي فِي أَنْوَاع الدَّعَاوَى والبينات الْفَصْل الثَّالِث فِي الشَّهَادَات الْفَصْل الرَّابِع فِي الْوكَالَة وَالْكَفَالَة وَالْحوالَة الْفَصْل الْخَامِس فِي الصُّلْح الْفَصْل السَّادِس فِي الْإِقْرَار الْفَصْل السَّابِع فِي الْوَدِيعَة الْفَصْل الثَّامِن فِي الْعَارِية الْفَصْل التَّاسِع فِي أَنْوَاع الضمانات الْفَصْل الْعَاشِر فِي الْوَقْف الْفَصْل الْحَادِي عشر فِي الْغَصْب وَالشُّفْعَة وَالْقِسْمَة الْفَصْل الثَّانِي عشر فِي الإكراء وَالْحجر الْفَصْل الثَّالِث عشر فِي النِّكَاح الْفَصْل الرَّابِع عشر فِي الطَّلَاق الْفَصْل الْخَامِس عشر فِي الْعتاق الْفَصْل السَّادِس عشر فِي الْأَيْمَان الْفَصْل السَّابِع عشر فِي الْبيُوع الْفَصْل الثَّامِن عشر فِي الْإِجَارَات الْفَصْل التَّاسِع عشر فِي الْهِبَة الْفَصْل الْعشْرُونَ فِي الرَّهْن الْفَصْل الْحَادِي وَالْعشْرُونَ فِي الْكَرَاهِيَة الْفَصْل الثَّانِي وَالْعشْرُونَ فِي الصَّيْد والذبائح وَالْأُضْحِيَّة الْفَصْل الثَّالِث وَالْعشْرُونَ فِي الْجِنَايَات والديات وَالْحُدُود الْفَصْل الرَّابِع وَالْعشْرُونَ فِي الشّرْب والمزارعة وَالْمُسَاقَاة الْفَصْل الْخَامِس وَالْعشْرُونَ فِي الْحِيطَان وَمَا يتَعَلَّق بهَا الْفَصْل السَّادِس وَالْعشْرُونَ فِي السّير
الجزء 1 · صفحة 218
الْفَصْل السَّابِع وَالْعشْرُونَ فِيمَا يكون إسلاما من الْكَافِر ومالا يكون وَمَا يكون كفرا من الْمُسلم ومالا يكون الْفَصْل الثَّامِن وَالْعشْرُونَ فِي الْوَصَايَا الْفَصْل التَّاسِع وَالْعشْرُونَ فِي الْفَرَائِض الْفَصْل الثَّلَاثُونَ فِي مسَائِل شَتَّى وَهُوَ الختام
وَقد شرعت فِيهِ مستعينا بالحي الَّذِي لَا ينَام وَهُوَ الْمُوفق بمنه وَكَرمه للإتمام
الْفَصْل الأول فِي آدَاب الْقَضَاء وَمَا يتَعَلَّق بِهِ
أَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْقَضَاء فِي اللُّغَة عبارَة عَن اللُّزُوم وَلِهَذَا سمي القَاضِي لِأَنَّهُ يلْزم النَّاس وَفِي الشَّرْع يُرَاد بِالْقضَاءِ فصل الْخُصُومَات وَقطع المنازعات وَيجوز تَقْلِيد الْقَضَاء من السُّلْطَان الْعَادِل والجائر أما الْعَادِل فَلِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعث معَاذًا إِلَى الْيمن قَاضِيا وَولى عُثْمَان بن اسيد على مَكَّة أَمِيرا وَأما الجائر فَلِأَن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم تقلدوا الْأَعْمَال من مُعَاوِيَة بعد أَن أظهر الْخلاف مَعَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ وَكَانَ الْحق مَعَ عَليّ وَإِنَّمَا يجوز التَّقْلِيد من السُّلْطَان الجائر إِذا كَانَ يُمكنهُ من الْقَضَاء بِحَق وَأما إِذا كَانَ لَا يُمكنهُ فَلَا وَإِنَّمَا يتقلد الْقَضَاء من يكون عدلا فِي نَفسه عَالما بِالْكتاب وَالسّنة وَالِاجْتِهَاد وَشَرطه أَن يكون عَالما من الْكتاب وَالسّنة مَا يتَعَلَّق بِهِ الْأَحْكَام لَا المواعظ وَقيل إِنَّه إِذا كَانَ صَوَابه أَكثر من خطئه حل لَهُ الِاجْتِهَاد وَكَون القَاضِي مُجْتَهدا لَيْسَ بِشَرْط وَيَقْضِي بِمَا سَمعه أَو بفتوى غَيره وَأجْمع الْفُقَهَاء أَن الْمُفْتِي يجب أَن يكون من أهل الِاجْتِهَاد وَقَالَ الإِمَام أَبُو حنيفَة رَحمَه الله لَا يحل لأحد أَن يُفْتِي بقولنَا حَتَّى يعلم من أَيْن قُلْنَا وَفِي الْمُلْتَقط إِذا كَانَ صَوَابه أَكثر من خطئه حل لَهُ الْإِفْتَاء وَإِن لم يكن مُجْتَهدا لَا يحل لَهُ الْفَتْوَى إِلَّا بطرِيق الْحِكَايَة فيحكي مَا يحفظه من أَقْوَال الْفُقَهَاء والمفتي بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ أفتى بقول الإِمَام رَحمَه الله أَو بقول صَاحِبيهِ رحمهمَا الله تَعَالَى وَعَن ابْن الْمُبَارك رَحمَه الله تَعَالَى يَأْخُذ بقول الإِمَام لَا غير وَإِن كَانَ مَعَه أحد صَاحِبيهِ أَخذ بقولهمَا لَا محَالة كَذَا ذكره الْبَزَّاز فِي جَامعه
ثمَّ اخْتلفُوا فِي الدُّخُول فِي الْقَضَاء مِنْهُم من قَالَ يجوز الدُّخُول فِيهِ مُخْتَارًا وَمِنْهُم من قَالَ لَا يجوز الدُّخُول فِيهِ إِلَّا مكْرها أَلا ترى أَن الإِمَام الْأَعْظَم رَحمَه الله تَعَالَى دعى إِلَى الْقَضَاء ثَلَاث مَرَّات فَأبى حَتَّى أَنه ضرب فِي كل مرّة ثَلَاثِينَ سَوْطًا وَمُحَمّد رَحمَه الله تَعَالَى امْتنع فقيد وَحبس فاضطر فتقلد
وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من جعل على الْقَضَاء فَكَأَنَّمَا ذبح بِغَيْر سكين إِنَّمَا شبه بِهَذَا لِأَن السكين تعْمل فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن أما الْقَتْل بِغَيْر سكين فَهُوَ الْقَتْل بطرِيق الخنق وَالْغَم وَأَنه يُؤثر فِي الْبَاطِن دون الظَّاهِر وَالْقَضَاء كَذَلِك لَا يُؤثر فِي الظَّاهِر لِأَن ظَاهره جاه وحشمة لَكِن يُؤثر فِي الْبَاطِن فَإِنَّهُ سَبَب الْهَلَاك فَشبه بِهِ لهَذَا كَذَا فِي الملحقات
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من طلب الْولَايَة وكل إِلَيْهَا وَمن لم يطْلبهَا فَإِن الله تَعَالَى يُرْسل إِلَيْهِ ملكَيْنِ فيسد دانه وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام الْقَضَاء ثَلَاثَة قاضيان فِي النَّار وقاض فِي الْجنَّة الحَدِيث وَمعنى ذَلِك كُله التحذير عَن طلب الْقَضَاء وَالدُّخُول فِيهِ إِلَّا أَنه قد دخل فِي الْقَضَاء قوم صَالِحُونَ واجتنبه قوم صَالِحُونَ هَذَا كُله إِذا كَانَ فِي الْبَلدة قوم يصلحون للْقَضَاء أما إِذا لم يكن من يصلح للْقَضَاء فَإِنَّهُ يدْخل وَإِذا كَانَ فِي الْبَلدة قوم يصلحون فَإِذا امْتنع وَاحِد مِنْهُم لَا يَأْثَم وَإِذا لم يكن وَامْتنع يَأْثَم وَلَو كَانَ فِي الْبَلدة
الجزء 1 · صفحة 219
قوم يصلحون فامتنعوا جَمِيعًا وَكَانَ السُّلْطَان لَا يسمع الْخُصُومَات بِنَفسِهِ يأثمون لِأَنَّهُ تَضْييع لأحكام الله تَعَالَى
وَفِي التَّنْبِيه وَعند الشَّافِعِي رَحمَه الله إِذا كَانَ القَاضِي فَقِيرا أَو قَصده اسْتِعْمَال الْأَحْكَام لحركة يجوز لَهُ أَن يطْلب الْقَضَاء
قَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله لَا يتْرك القَاضِي على الْقَضَاء الا سنة وَاحِدَة لِأَنَّهُ مَتى اشْتغل بذلك نسي الْعلم فَيَقَع الْخلَل فِي الحكم فَيجوز للسُّلْطَان أَن يعْزل القَاضِي بريبة وَبِغير رِيبَة وَيَقُول السُّلْطَان للْقَاضِي مَا عزلتك للْفَسَاد فِيك وَلَكِن أخْشَى عَلَيْك أَن تنسى الْعلم فادرس الْعلم ثمَّ عد الينا حَتَّى نقدلك ثَانِيًا
وَلَا يسلم على القَاضِي فِي مجْلِس قَضَائِهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا جلس لفصل الْخُصُومَات لَا لرد السَّلَام وَأما الْأُمَنَاء الَّذين هم فِي مَجْلِسه هَل يسلم عَلَيْهِم الصَّحِيح أَنه إِن سلمُوا على النَّاس يسلم عَلَيْهِم
وَيكرهُ للْقَاضِي أَن يُفْتِي فِيهِ فِي مجْلِس للْقَضَاء وَفِي غَيره اخْتلف الْمَشَايِخ قيل يكره لِأَن الْخُصُوم يدْخلُونَ عَلَيْهِ بالحيل الْبَاطِلَة وَهَذَا يَشْمَل الْمجْلس وَغَيره وَقيل يُفْتِي فِي الْعِبَادَات وَلَا يُفْتِي فِي الْمُعَامَلَات كَذَا فِي الْمُحِيط
وَفِي المحلقات وَإِذا اخْتصم إِلَى القَاضِي اخوة أَو بَنو أعمام يَنْبَغِي لَهُ أَن يدافعهم قَلِيلا وَلَا يعجل بِالْقضَاءِ بَينهم لَعَلَّهُم يصطلحون لِأَن الْقَضَاء إِن وَقع بِحَق فَرُبمَا يَقع سَببا للعداوة بَينهم كَذَا ذكر هُنَا وَهَذَا لَا يخْتَص بالأقارب بل يَنْبَغِي أَن يفعل ذَلِك أَيْضا إِذا وَقعت الْخُصُومَة بَين الْأَجَانِب لِأَن مر الْقَضَاء يُورث الضغينة فيحترز عَنهُ مَا أمكن انْتهى
قَالَ جلال الدّين أَبُو المحامد حَامِد بن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى فِي كتاب السجلات يجوز للْقَاضِي أَخذ الْأُجْرَة على كتبه السجلات والمحاضر وَغَيرهَا من الوثائق بِمِقْدَار أُجْرَة الْمثل وَذَلِكَ لِأَن القَاضِي إِنَّمَا يجب عَلَيْهِ الْقَضَاء وإيصال الْحق إِلَى مُسْتَحقّه فَحسب أما الْكِتَابَة فَزِيَادَة عمل يعمله للمقضى لَهُ وعَلى هَذَا قَالُوا لَا بَأْس للمفتي أَن يَأْخُذ شَيْئا على كِتَابَة جَوَاب الْفَتْوَى وَذَلِكَ لِأَن الْوَاجِب على الْمُفْتى الْجَواب بِاللِّسَانِ دون الْكِتَابَة بالبنان وَمَعَ هَذَا الْكَفّ عَن ذَلِك أولى احْتِرَازًا من القيل والقال وصيانة لماء الْوَجْه عَن الابتذال
مَسْأَلَة لَا يصير الرجل أَهلا للْفَتْوَى مَا لم يكن صَوَابه أَكثر من خطئه وَذَلِكَ لِأَن صَوَابه مَتى كثر غلب والمغلوب فِي مُقَابلَة الْغَالِب سَاقِط كَذَا فِي الملتقطات
وَذكر فِي الْبُسْتَان قَالَ الْفَقِيه كَانَ بَعضهم يكره الْفَتْوَى لما روى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ أجرأكم على النَّار أجرؤكم على الْفَتْوَى وَلَا يَنْبَغِي أَن يكون الْمُفْتِي جبارا فظا غليظا بل يكون متواضعا
مَسْأَلَة أجر الْمثل فِي أَخذ الْأُجْرَة على كِتَابَة المحاضر والسجلات والوثائق فِي كل ألف دِرْهَم خَمْسَة دَرَاهِم إِلَى الْعشْرَة وَالصَّحِيح أَنه يرجع فِي الْأُجْرَة إِلَى مِقْدَار طول الْكِتَابَة وقصرها وصعوبتها وسهولتها وَأما أَخذ القَاضِي الْأُجْرَة على الْأَنْكِحَة الَّتِي يُبَاشِرهَا مثل نِكَاح الصغار والأرامل اللَّاتِي لَا ولي لَهُنَّ لَا يحل لَهُ أَخذ شَيْء على ذَلِك كَذَا فِي كتاب السجلات
وَفِي الغنية وَيَنْبَغِي أَن ينصب انسانا حَتَّى يقْعد النَّاس بَين يَدي القَاضِي ويقيمهم وَيقْعد الشُّهُود ويقيمهم ويزجر من أَسَاءَ الْأَدَب وَيُسمى صَاحب الْمجْلس والجلواز أَيْضا وَأَنه يَأْخُذ من الْمُدَّعِي شَيْئا لِأَنَّهُ يعْمل لَهُ بإقعاد الشُّهُود على التَّرْتِيب وَغَيره لَكِن لَا يَأْخُذ أَكثر من دِرْهَمَيْنِ وللوكلاء أَن يَأْخُذُوا مِمَّن يعْملُونَ لَهُ من المدعين وَالْمُدَّعى عَلَيْهِم وَلَكِن لَا يَأْخُذُوا لكل مجْلِس أَكثر من دِرْهَمَيْنِ والرجالة يَأْخُذُونَ أُجُورهم مِمَّن يعْملُونَ لَهُ وهم المدعون لكِنهمْ يَأْخُذُونَ فِي الْمصر نصف دِرْهَم إِلَى دِرْهَم وَإِذا خَرجُوا إِلَى الرساتيق
الجزء 1 · صفحة 220
لَا يَأْخُذُونَ لكل فَرسَخ أَكثر من ثَلَاثَة دَرَاهِم أَو أَرْبَعَة هَكَذَا وَضعه الْعلمَاء الأتقياء الْكِبَار وَهِي أجور أمثالهم وَأُجْرَة الْكَاتِب على من يكْتب لَهُ الْكَاتِب وَأُجْرَة البواب على القَاضِي وَإِذا بعث أَمينا للتعجيل فالجعل على الْمُدَّعِي كالصحيفة قَالَ مت مُؤنَة الرجالة على الْمُدَّعِي فِي الِابْتِدَاء فَإِذا امْتنع فعل الْمُدَّعِي عَلَيْهِ وَكَأن هَذَا اسْتِحْسَان مَال إِلَيْهِ للزجر فَإِن الْقيَاس أَن يكون على الْمُدَّعِي فِي الْحَالين المزكى يَأْخُذ الْأُجْرَة من الْمُدَّعِي وَكَذَا الْمَبْعُوث للتعديل قضى فِي ولَايَته ثمَّ اشْهَدْ على قَضَائِهِ فِي غير ولَايَته لَا يَصح الْإِشْهَاد انْتهى كَلَام الغنية
روى أَن دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام لما أَمر بفصل الْقَضَاء نزلت السلسلة من السَّمَاء فَإِذا تقدم إِلَيْهِ الخصمان فالمحق مِنْهُمَا تنزل السلسلة لَهُ والمبطل مِنْهُمَا تتقلص عَنهُ السلسلة فَرفعت وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَنه احتال بعض النَّاس وَذَلِكَ أَن رجلا أودع عِنْد رجل دَنَانِير ثمَّ جحد الْمُودع الدَّنَانِير وَكَانَ شَيخنَا مَعَه الْعَصَا فاختصما إِلَى دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام فاحتال الْمُودع وفقر الْعَصَا وَجعل الدَّنَانِير فِيهَا فَلَمَّا اخْتَصمَا قَامَ الْمُدَّعِي فَقَالَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ للْمُدَّعِي خُذ عصاي حَتَّى أنال السلسلة فَأَخذهَا فَكَانَ محقا فِي الْإِنْكَار فتحير دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام فَأخْبرهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام بذلك فَقطع دَاوُد الْعَصَا فَأمر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَن يقْضِي بِبَيِّنَة الْمُدَّعِي وَيَمِين الْمُدَّعِي عَلَيْهِ
وَذكر فِي الْوَاقِعَات أَن القَاضِي إِذا ارْتَدَّ وَالْعِيَاذ بِاللَّه أَو فسق ثمَّ صلح فَهُوَ على حَاله إِلَّا أَن مَا قضى بِهِ فِي حَال الارتداد وَالْفِسْق بَاطِل وبنفس الْفسق لَا يَنْعَزِل وَلَو حكم بالرشوة كَانَ قَضَاؤُهُ بَاطِلا
وَفِي فُصُول الْعِمَاد القَاضِي إِذا أَخذ الرِّشْوَة ثمَّ بعث إِلَى شَافِعِيّ الْمَذْهَب أَو إِلَى رجل آخر ليسمع الْخُصُومَة بَين اثْنَيْنِ وَيحكم بَينهمَا لَا ينفذ قَضَاء الثَّانِي وَلَا حكمه لِأَن القَاضِي الأول عمل فِي هَذَا لنَفسِهِ حِين أَخذ الرِّشْوَة وَالْفَاسِق إِذا قلد الْقَضَاء يصير قَاضِيا وَمَا قضى بِهِ نفذ قَضَاؤُهُ إِلَّا أَن لقاض آخر أَن يُبطلهُ إِذا كَانَ من رَأْيه خلاف ذَلِك وَمَتى أبْطلهُ لَيْسَ لقاض آخر أَن ينفذهُ وَهَذَا قَول عُلَمَائِنَا
قَاضِي كرخ وقاضي سرخس التقيا فَقَالَ أَحدهمَا للْآخر إِن فلَانا أقرّ لفُلَان بِكَذَا لَا يجوز للْآخر أَن يقْضِي مَا لم يبْعَث إِلَيْهِ الرقعة يُرِيد بِهِ كتاب القَاضِي وَإِذا علم بِحَق الْإِنْسَان قبل تَقْلِيده الْقَضَاء فَإِنَّهُ لَا يقْضِي بِهِ عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله خلافًا لَهما وَأما إِذا علم بعد تَقْلِيده الْقَضَاء فِي الْمصر الَّذِي هُوَ قَاض فِيهِ أَو فِي مجْلِس الْقَضَاء فَإِنَّهُ يقْضِي فِي حُقُوق الْعباد وَلَا يقْضِي فِيمَا هُوَ خَالص حق الله تَعَالَى إِلَّا فِي السَّكْرَان إِذا وجد بِهِ أَمَارَات السكر فَإِنَّهُ يعزره لِأَن ذَلِك تَعْزِير لَيْسَ بِحَدّ وَأما إِذا علم فِي غير مجْلِس الْقَضَاء فَهُوَ على الْخلاف الَّذِي ذكرته فِي الْوَجْه الأول
وَحكى عَن أبي بكر الْأَعْمَش أَن القَاضِي يَنْعَزِل بِالْفِسْقِ الْأَمِير لَا يَنْعَزِل لِأَن مبْنى الْقَضَاء على الْعدْل والإمارة على الْقَهْر وَالْغَلَبَة انْتهى
رجل جَاءَ إِلَى القَاضِي وَقَالَ إِن لي على فلَان حَقًا فَإِذا كَانَ الْمَطْلُوب خَارج الْمصر وَكَانَ بِحَيْثُ لَو ابتكر من أَهله أمكنه أَن يحضر مجْلِس الْحَاكِم ويبيت فِي منزله فَإِنَّهُ يعديه اسْتِحْسَانًا فَإِنَّهُ كَمَا عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام أعدى ذَلِك الْأَعرَابِي فِي قَضِيَّة أبي جهل وَقَامَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِنَفسِهِ وَفِي الْقيَاس لَا يعديه حَتَّى يُقيم بَيِّنَة بِالْحَقِّ فِي جِهَته وَهَذِه الْبَيِّنَة لَيست للْحكم بل لكشف الْحَال فَإِذا حضر أعَاد الْبَيِّنَة وَقيل يحلف أَنه محق فِي الدَّعْوَى كَذَا فِي الْمُحِيط
وَفِي الرَّوْضَة يجوز للْقَاضِي قبُول صلَة وَإِلَى بَلَده وإخوانه إِذا لم يكن ذَلِك لأجل الْقَضَاء
الجزء 1 · صفحة 221
رجل جَاءَ بخصمه إِلَى القَاضِي فَقَالَ أحضر غَدا شهودي بذلك فَخذ كَفِيلا مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يفعل ذَلِك فِي قَول أبي حنيفَة وَزفر رحمهمَا الله
وَفِي أدب القَاضِي للخصاف لَا يمشي القَاضِي فِي السُّوق وَحده ويتخذ أعوانا بَين يَدَيْهِ وَلَا يَنْبَغِي للْقَاضِي أَن يَبِيع وَيَشْتَرِي فِي غير مجْلِس الْقَضَاء مَا دَامَ قَاضِيا بل يولي غَيره مِمَّن يَثِق بِهِ ويروى عَن مُحَمَّد رَحمَه الله أَنه يَبِيع وَيَشْتَرِي فِي غير مجْلِس الْقَضَاء وَلَو كَانَت على الْخصم بَيِّنَة واختفى فَإِنَّهُ لَا يقْضى عَلَيْهِ كَذَا فِي واقعات عمر وَفِي البزازي وَلم يجوزوا الهجوم على بَيته ووسع فِي ذَلِك بعض أَصْحَابنَا وَفعل ذَلِك وَقت قَضَائِهِ وَصورته قَالَ الْخصم إِنَّه توارى وَطلب الهجوم بعث أمينين مَعَهُمَا أعوانه وَنسَاء فَيقوم الأعوان من جَانب السِّكَّة والسطح وَتدْخل النِّسَاء حرمه ثمَّ أعوان القَاضِي فيفتشون الغرف وَتَحْت السرير وَعَامة أَصْحَابنَا لم يجوزوا الهجوم اه
وَلَو قضى القَاضِي بقول مرجوع عَنهُ جَازَ قَضَاؤُهُ وَكَذَا لَو قضى بقول يُخَالف قَول عُلَمَائِنَا وَهُوَ من أهل الرَّأْي وَالِاجْتِهَاد وَلَو قضى بِشَاهِد وَيَمِين ثمَّ رفع إِلَى حَاكم لَا يرَاهُ جَازَ لَهُ إِبْطَاله فَإِن رفع قبل إِبْطَاله إِلَى حَاكم يرى جَوَازه فنفذه لَيْسَ لحَاكم آخر لَا يرَاهُ جَائِزا إِبْطَاله وعَلى هَذَا الِاعْتِبَار جَمِيع الْأَحْكَام الْمُخْتَلفَة وَإِن حكم بِخِلَاف مذْهبه وَلم يعلم بِهِ جَازَ فِي قَول أبي حنيفَة وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد لَا يجوز وَإِن كَانَ هَذَا غَلطا مِنْهُ
وَفِي شرح أدب القَاضِي للخصاف قَاض قضى بِإِبْطَال حق رجل فِي دَار وَذَلِكَ أَنه أَقَامَ سِنِين لَا يبطل حَقه فَأبْطل القَاضِي حَقه من أجل ذَلِك ثمَّ رفع إِلَى قَاض آخر فَإِنَّهُ يبطل قَضَاء القَاضِي بذلك وَيجْعَل الرجل على حَقه فِي الدَّار لِأَن بعض الْعلمَاء وَإِن قَالَ من لَهُ دَعْوَى فِي دَار فِي يَد رجل فَلم يُطَالب ثَلَاث سِنِين وَهُوَ فِي الْمصر فقد بَطل حَقه لَكِن هَذَا القَوْل قَول مَجْهُول مهجور مُخَالف لقَوْل جُمْهُور من الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء فَكَانَ خلافًا لَا اخْتِلَافا وَالْقَضَاء فِي مَوضِع الْخلاف لَا ينفذ فَإِذا رفع إِلَى قَاض آخر كَانَ لَهُ أَن يُبطلهُ وَالْفرق بَين الْخلاف وَالِاخْتِلَاف أَن الِاخْتِلَاف مَا كَانَ طريقهم وَاحِدًا وَالْمَقْصُود مُخْتَلف وَالْخلاف مَا كَانَ طريقهم مُخْتَلفا
وَقعت لرجل مَسْأَلَة ثمَّ حكم الْحَاكِم بِغَيْر مَا أفتوا بِهِ فَإِنَّهُ يتْرك فَتْوَى الْفُقَهَاء إِلَى مَا يرَاهُ الْحَاكِم إِذا كَانَت الْمَسْأَلَة خلافية لِأَن الْفَتْوَى لَا تنفذ وَالْحكم ينفذ كَذَا فِي تَكْمِلَة التكملة
وَذكر فِي الْمُحِيط إِذا زنى رجل بِأم امْرَأَته وَلم يدْخل بهَا فَرَأى القَاضِي أَن لَا يحرمها عَلَيْهِ فأقرها مَعَه وَقضى بذلك نفذ قَضَاؤُهُ لِأَنَّهُ قَضَاء فِي مَحل مُجْتَهد فِيهِ ثمَّ نَفاذ هَذَا الْقَضَاء فِي حق الْمَحْكُوم عَلَيْهِ مُتَّفق عَلَيْهِ وَفِي حق المقضى لَهُ إِن كَانَ عَالما فَكَذَلِك عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله وَعند أبي يُوسُف رَحمَه الله إِن كَانَ الْمَحْكُوم لَهُ يعْتَقد الْحُرْمَة وَقضى القَاضِي بِالْحلِّ لَا يتْرك رَأْي نَفسه بِإِبَاحَة القَاضِي كَذَا فِي الْعِمَادِيّ
نوع فِيمَا يكون حكما من القَاضِي وَمَا لَا يكون إِذا قَالَ القَاضِي ثَبت عِنْدِي أَن لهَذَا على هَذَا كَذَا هَل يكون ذَلِك حكما مِنْهُ قَالَ بَعضهم يكون حكما وَكَانَ شمس الْأَئِمَّة مَحْمُود الأوزجندي يَقُول لَا بُد أَن يَقُول حكمت أَو قضيت أَو أنفذت عَلَيْك الْقَضَاء وَهَكَذَا ذكر الناطفي رَحمَه الله تَعَالَى فِي واقعاته وَالصَّحِيح أَن قَوْله حكمت أَو قضيت لَيْسَ بِشَرْط وَأَن قَوْله ثَبت عِنْدِي كَذَا يَكْفِي وَكَذَا إِذا قَالَ ظهر عِنْدِي أَو صَحَّ عِنْدِي أَو علمت فَهَذَا كُله حكم وَكَذَا قَوْله أشهد عَلَيْهِ يكون حكما مِنْهُ
قَالَ شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي قَول القَاضِي ثَبت عِنْدِي يكون حكما وَبِه نَأْخُذ لَكِن الأولى أَن يبين أَن
الجزء 1 · صفحة 222
الثُّبُوت بِالْبَيِّنَةِ أَو بِالْإِقْرَارِ لِأَن حكم القَاضِي بِالْبَيِّنَةِ يُخَالف الحكم بِالْإِقْرَارِ وَفِي الْعدة إِذا قَالَ القَاضِي للْمُدَّعِي عَلَيْهِ لَا أرى لَك حَقًا فِي هَذَا الْمُدَّعِي لَا يكون هَذَا حكما مِنْهُ وَكَذَا لَو قَالَ بعد الشَّهَادَة وَطلب الحكم سلم الْمَحْدُود إِلَى الْمُدَّعِي لَا يكون هَذَا حكما مِنْهُ وَقيل انه يكون حكما مِنْهُ لِأَن أمره إِلْزَام وَحكم
إِذا كَانَ فِي الْمصر قاضيان كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي محلّة على حِدة فَوَقَعت خُصُومَة بَين رجلَيْنِ أَحدهمَا فِي محلّة وَالْآخر فِي محلّة أُخْرَى وَالْمُدَّعِي يُرِيد أَن يخاصمه إِلَى قَاضِي محلته وَالْآخر يأباه قَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله الْعبْرَة للْمُدَّعِي وَقَالَ مُحَمَّد لَا بل الْعبْرَة للْمُدَّعِي عَلَيْهِ وَعَلِيهِ الْفَتْوَى وَكَذَا لَو كَانَ أَحدهمَا من أهل الْعَسْكَر وَالْآخر من أهل الْبَلَد فَإِن أَرَادَ العسكري أَن يخاصمه إِلَى قَاضِي الْعَسْكَر فَهُوَ على هَذَا وَلَا ولَايَة لقَاضِي الْعَسْكَر على غير الجندي وَمن كَانَ محترفا فِي سوق الْعَسْكَر فَهُوَ جندي أَيْضا
وَفِي جَامع الْفَتَاوَى عَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى قُضَاة أَمِير الْمُؤمنِينَ إِذا خَرجُوا مَعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ لَهُم أَن يحكموا فِي أَي بَلْدَة نزل فِيهَا الْخَلِيفَة لأَنهم لَيْسُوا قُضَاة أَرض إِنَّمَا هم قُضَاة الْخَلِيفَة وَإِن خَرجُوا بِدُونِ الْخَلِيفَة لَيْسَ لَهُم الْقَضَاء
وَذكر الْعَلامَة الشَّيْخ قَاسم بن قطلوا بغى الجمالي فِي مُؤَلفه مَا نَصه اعْلَم أَنه قد اخْتلف الْعَمَل فِي التَّنْفِيذ فتنفيذهم الْآن هُوَ أَن يشْهد شُهُود الْحَاكِم عِنْد قَاض آخر بِمَا نسب إِلَى الْحَاكِم فِي أسجاله وَهَذَا يُسمى فِي الْحَقِيقَة إِثْبَاتًا وَلَيْسَ فِيهِ حكم وَلَا مَا يساعد على الحكم فَلَا اثر لَهُ فِي الْقَضَاء الْمُخْتَلف فِيهِ كالقضاء على الْغَائِب وَنَحْوه لخلوه عَن الدَّعْوَى من الْخصم على الْخصم وَالْحكم وَلِهَذَا قَالَ فِي كتاب الْأَحْكَام تنفيذات الْأَحْكَام الصادرة عَن الْحُكَّام فِيمَا تقدم الحكم فِيهِ من غير المنفذ بِأَن يَقُول ثَبت عِنْدِي أَنه ثَبت عِنْد فلَان لحَاكم من الْحُكَّام كَذَا وَكَذَا وَهَذَا لَيْسَ حكما من المنفذ الْبَتَّةَ وَكَذَلِكَ فَيجب إِذا قَالَ ثَبت عِنْدِي أَن فلَانا حكم بِكَذَا وَهَذَا لَيْسَ حكما من هَذَا الْمُثبت بل لَو اعْتقد أَن ذَلِك الحكم على خلاف الْإِجْمَاع صَحَّ أم يَقُول ثَبت عِنْدِي أَنه ثَبت عِنْد فلَان كَذَا وَكَذَا لِأَن التَّصَرُّف الْفَاسِد وَالْحرَام قد يثبت عِنْد الْحَاكِم ليرتب عَلَيْهِ تَأْدِيب ذَلِك الْحَاكِم أَو نَحوه
وَبِالْجُمْلَةِ لَيْسَ فِي التَّنْفِيذ حكم الْبَتَّةَ وَلَا يعْتَبر بِكَثْرَة الْإِثْبَات عِنْد الْحُكَّام فَهُوَ حكم وَاحِد وَهُوَ الأول إِلَّا أَن يَقُول الثَّانِي حكمت بِمَا حكم بِهِ الأول اه
قلت وَلَا يَتَأَتَّى لَهُ أَن يَقُول حكمت بِمَا حكم بِهِ الأول إِلَّا بعد أَن يجْرِي بَين يَدَيْهِ خُصُومَة صَحِيحَة من خصم على خصم
القَاضِي إِذا نصب وَصِيّا فِي تَرِكَة أَيْتَام وهم فِي ولَايَته والتركة لَيست فِي ولَايَته أَو كَانَت التَّرِكَة فِي ولَايَته والأيتام لم يَكُونُوا فِي ولَايَته أَو كَانَ بعض التَّرِكَة فِي ولَايَته وَالْبَعْض الآخر لم يكن فِي ولَايَته قَالَ شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي يَصح النصب على كل حَال وَيعْتَبر التظالم والاستعداء وَيصير الْوَصِيّ وَصِيّا فِي جَمِيع التَّرِكَة أَيْنَمَا كَانَت التَّرِكَة وَكَانَ ركن الْإِسْلَام على السغدي يَقُول مَا كَانَ من التَّرِكَة فِي ولَايَته يصير وَصِيّا فِيهِ ومالا يكون فَلَا وَقيل يشْتَرط لصِحَّة النصب كَون الْيَتِيم فِي ولَايَته وَلَا يشْتَرط كَون التَّرِكَة فِي ولَايَته
وَلَو نصب القَاضِي مُتَوَلِّيًا فِي وقف وَلم يكن الْوَقْف وَالْمَوْقُوف عَلَيْهِ فِي ولَايَته قَالَ شمس الْأَئِمَّة إِذا وَقعت الْمُطَالبَة فِي مجْلِس صَحَّ النصب وَقَالَ ركن الْإِسْلَام لَا يَصح وَإِن كَانَ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ فِي ولَايَته وَلم تكن ضَيْعَة الْوَقْف فِي ولَايَته فَإِن كَانَت لطلبة الْعلم أَو رِبَاطًا أَو مَسْجِدا فِي مصره وَلم تكن ضَيْعَة الْوَقْف
الجزء 1 · صفحة 223
فِي ولَايَته قَالَ شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي رَحمَه الله تَعَالَى يعْتَبر التظالم والاستعداء وَقَالَ ركن الْإِسْلَام إِذا كَانَ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ حَاضرا يجوز
وَذكر فِي مَجْمُوع النَّوَازِل قَاضِي سَمَرْقَنْد نصب قيمًا فِي مَحْدُود وقف ببخارى وَالْمُدَّعِي عَلَيْهِ بسمرقند صحت الدَّعْوَى والسجل
وروى عَن بعض الْمَشَايِخ القَاضِي إِذا نصب وَصِيّا فِي تَرِكَة لَيست فِي ولَايَته لَا يجوز وَهُوَ فَتْوَى صَاحب الْفُصُول وفتوى مَشَايِخ مرو وَقَالَ الإِمَام شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي يجوز وَالْعبْرَة للخصومة وَذكر رشيد الدّين فِي فَتَاوَاهُ الْيَتِيم إِذا كَانَ من بُخَارى لَا يجوز نصب الْوَصِيّ من قَاضِي سَمَرْقَنْد وَلَو كَانَ الْمَوْقُوف عَلَيْهِ بسمرقند وَالْمُتوَلِّيّ وَالْمُدَّعِي عَلَيْهِ ببخارى صَحَّ حكم قَاضِي بُخَارى بِأَنَّهُ وقف على فلَان وَيكون الْمُتَوَلِي قَائِما مقَام الْمَوْقُوف عَلَيْهِ وَيكْتب إِلَى قَاضِي سَمَرْقَنْد ليسلم إِلَى الْمُتَوَلِي اه
وَفِي الْوَلْوَالجيّ وَيقبل كتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي فِي كل حق يسْقط بِشُبْهَة لِأَن كِتَابه كالخطاب فِي مجْلِس قَضَائِهِ بِخِلَاف رِسَالَة القَاضِي إِلَى القَاضِي فِي الْحُقُوق فَإِنَّهَا لَا تقبل لِأَن الرَّسُول ينْقل خطاب الْمُرْسل وَالنَّقْل اقْتصر على هَذَا الْموضع والمرسل فِي هَذَا الْموضع لَيْسَ بقاض وَقَول القَاضِي فِي غير مَوضِع قَضَائِهِ كَقَوْل وَاحِد من الرّعية
وَفِي المنبع وَإِذا مَاتَ الْكَاتِب أَو عزل أَو خرج عَن أَهْلِيَّة الْقَضَاء بِأَن ارْتَدَّ أَو عمى أَو جن أَو فسق هَل يعْمل القَاضِي الْمَكْتُوب إِلَيْهِ بكتابه ينظر إِن كَانَ ذَلِك عرض لِلْكَاتِبِ قبل الْوُصُول إِلَى الْمَكْتُوب إِلَيْهِ أَو بعد الْوُصُول وَقبل الْقِرَاءَة لم يقْض بِهِ الثَّانِي عِنْدهمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُف فِي الأمالي يقْضِي بِهِ وَلَو وصل إِلَيْهِ ثمَّ عرضت لَهُ هَذِه الْأَشْيَاء يقْضِي بِهِ بِالْإِجْمَاع وَكَذَا لَو مَاتَ الْمَكْتُوب إِلَيْهِ أَو عزل قبل وُصُول الْكتاب إِلَيْهِ ثمَّ وصل إِلَى القَاضِي الَّذِي ولى مَكَانَهُ لم يعْمل بِهِ لِأَنَّهُ لم يكْتب إِلَيْهِ الا إِذا كتب إِلَى فلَان قَاضِي بلد كَذَا أَو إِلَى كل من يصل إِلَيْهِ من قُضَاة الْمُسلمين فَإِنَّهُ يجوز أَن يقْضِي بِهِ من قَامَ مقَام الْمَكْتُوب إِلَيْهِ لِأَن الْكَاتِب إِذا عرف الأول صحت كِتَابَة القَاضِي إِلَيْهِ وَلَو كتب ابْتِدَاء من فلَان قَاضِي بلد كَذَا إِلَى كل من يصل إِلَيْهِ من قُضَاة الْمُسلمين لَا يجوز عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يجوز تسهيلا لِلْأَمْرِ على النَّاس
نوع فِي الْعَزْل تَعْلِيق عزل القَاضِي بِالشّرطِ جَائِز وَقَالَ ظهير الدّين المرغيناني وَنحن لَا نفتي بِصِحَّة تَعْلِيق الْعَزْل بِالشّرطِ
أَرْبَعَة خِصَال إِذا حلت بِالْقَاضِي صَار معزولا ذهَاب الْبَصَر وَذَهَاب السّمع وَذَهَاب الْعقل وَالرِّدَّة وَإِذا عزل السُّلْطَان القَاضِي لَا يَنْعَزِل مَا لم يصر الْخَبَر إِلَيْهِ كَالْوَكِيلِ حَتَّى لَو قضى بقضايا قبل وُصُول الْخَبَر إِلَيْهِ تنفذ وَعَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى إِنَّه لَا يَنْعَزِل وَإِن علم بعزله مَا لم يُقَلّد غَيره مَكَانَهُ وَيقدم صِيَانة لحقوق النَّاس ونعتبره بِإِمَام الْجُمُعَة إِذا عزل وَهَذَا إِذا حصل الْعَزْل مُطلقًا أما إِذا حصل مُعَلّقا بِشَرْط وُصُول الْكتاب إِلَيْهِ لَا يَنْعَزِل مَا لم يصل إِلَيْهِ الْكتاب علم بِالْعَزْلِ قبل وُصُول الْكتاب إِلَيْهِ أَو لم يعلم وَرِوَايَة أبي يُوسُف تتأتى هُنَا أَيْضا
موت السُّلْطَان لَا يُوجب عزل القَاضِي حَتَّى لَو مَاتَ الْخَلِيفَة وَله أُمَرَاء وقضاة فهم على حَالهم وَلَيْسَ هَذَا كَالْوكَالَةِ وَكَذَا موت القَاضِي لَا يُوجب عزل النَّائِب وَلَو عزل السُّلْطَان القَاضِي يَنْعَزِل نَائِبه بِخِلَاف
الجزء 1 · صفحة 224
مَا إِذا مَاتَ القَاضِي حَيْثُ لَا يَنْعَزِل نَائِبه هَكَذَا قيل وَيَنْبَغِي أَن لَا يَنْعَزِل النَّائِب بعزله القَاضِي لِأَنَّهُ نَائِب السُّلْطَان أَو نَائِب الْعَامَّة أَلا ترى أَنه لَا يَنْعَزِل بِمَوْت القَاضِي وَعَلِيهِ كثير من مَشَايِخنَا وَإِذا عزل السُّلْطَان نَائِب القَاضِي لَا يَنْعَزِل القَاضِي
القَاضِي إِذا قَالَ عزلت نَفسِي أَو أخرجت نَفسِي عَن الْقَضَاء وَسمع السُّلْطَان يَنْعَزِل كَمَا فِي الْوَكِيل أما بِدُونِ سَماع السُّلْطَان فَلَا وَقيل لَا يَنْعَزِل القَاضِي بعزله نَفسه أصلا لِأَنَّهُ نَائِب عَن الْعَامَّة وَحقّ الْعَامَّة مُتَعَلق بِقَضَائِهِ فَلَا يملك عزل نَفسه كَذَا فِي الْفُصُول
وَفِي جَامع الفتاوي كَانَ الْفَقِيه أَبُو جَعْفَر يَقُول كَانَ الْفَقِيه أَبُو بكر الاسكاف يَقُول تَوْلِيَة الْحُكَّام الْقُضَاة فِي دِيَارنَا غير صَحِيح لِأَن الْمولى لَا يواجههم بالتقليد
وَفِي شرح الْوِقَايَة وَصَحَّ قَضَاء الْمَرْأَة فِي غير حد وقود اعْتِبَارا بشهادتها قلت الْجِهَة الجامعة بَينهمَا كَون كل وَاحِد مِنْهُمَا تَنْفِيذ القَوْل على الْغَيْر
السُّلْطَان إِذا حكم بَين اثْنَيْنِ لَا ينفذ وَقيل ينفذ وَعَلِيهِ الْفَتْوَى
بَاعَ الْمُدبر وَأم الْوَلَد ثمَّ ارتفعا إِلَى القَاضِي فَأجَاز بيعهمَا ثمَّ ارتفعا إِلَى قَاض آخر يمْضِي الْقَضَاء إِلَّا فِي أم الْوَلَد لِأَنَّهُ روى أَن عليا رَضِي الله عَنهُ رَجَعَ عَنهُ
نوع فِي الْحَبْس يحبس بدانق وَفِي كل دين مَا خلا دين الْوَالِدين أَو الأجداد أَو الْجدَّات لوَلَده وَيحبس الْمُسلم بدين الذِّمِّيّ والمستأمن وَعَكسه وَإِذا حبس الْكَفِيل يحبس الْمَكْفُول عَنهُ مَعَه وَإِذا لوزم يلازمه لَو كَانَت الْكفَالَة بأَمْره وَإِلَّا لَا وَلَا يَأْخُذ المَال قبل الْأَدَاء
دلّت الْمَسْأَلَة على جَوَاب الْوَقْعَة وَهُوَ أَن الْمَكْفُول لَهُ يتَمَكَّن من حبس الْأَصِيل وَالْكَفِيل وكفيل الْكَفِيل وَإِن كَثُرُوا وَإِذا خَافَ فراره قَيده وَلَا يخرج لجمعة وَلَا عيد وَلَا جَنَازَة وَلَا عِيَادَة مَرِيض وَيحبس فِي مَوضِع وَحش وَلَا يفرش لَهُ فرَاش وَلَا وطاء وَلَا يدْخل عَلَيْهِ من يسْتَأْنس بِهِ وَفِي الْأَقْضِيَة وَلَا يمْنَع من دُخُول الْجِيرَان عَلَيْهِ وَأَهله لاحتياجه إِلَى الشورى فِي الْقَضَاء وَلَا يمكنون من الْمكْث عِنْده طَويلا وَعَن مُحَمَّد أَنه يخرج فِي موت وَالِده وَولده لَا فِي غَيرهمَا إِذا لم يكن من يقوم عَلَيْهِمَا وَإِلَّا لَا
وَذكر القَاضِي أَن الْكَفِيل يخرج لجنازة الْوَالِدين والأجداد والجدات وَالْأَوْلَاد وَفِي غَيرهم لَا وَعَلِيهِ الْفَتْوَى وَقَالَ أَبُو بكر الاسكاف إِذا جن لَا يخرج وَلَو مرض فِي الْحَبْس واضناه وَلم يجد من يقوم عَلَيْهِ أخرجه كَذَا عَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى وَهَذَا إِذا غلب عَلَيْهِ الْهَلَاك وَعَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى أَنه لَا يُخرجهُ والهلاك فِي الْحَبْس وَغَيره سَوَاء وَالْفَتْوَى على رِوَايَة مُحَمَّد وَإِنَّمَا يُطلقهُ إِذا أطلقهُ بكفيل وَإِن لم يجد كَفِيلا لَا يُطلقهُ وحضرة الْخصم بعد التكفيل للإطلاق لَيْسَ بِشَرْط وَلَا يخرج إِلَى الْحمام
وَعَن الإِمَام رَحمَه الله تَعَالَى أَنه يمْنَع عَن الْوَطْء بِخِلَاف الْأكل لِأَنَّهُ ضَرُورِيّ وَالظَّاهِر عدم الْمَنْع لَكِن تدخل عَلَيْهِ زَوجته أَو أمته حَتَّى يَطَأهَا فِي مَوضِع خَال قَالَ وَيمْنَع من الْكسْب فِي الْأَصَح وَإِن خَافَ أَن يفر من الْحَبْس حول إِلَى سجن اللُّصُوص وَإِذا حبس الْمَحْبُوس فِي السجْن مُتَعَنتًا لَا يُوفى المَال قَالَ الإِمَام الأرسابيدي يطين عَلَيْهِ الْبَاب وَيتْرك لَهُ ثقبة يلقى لَهُ مِنْهَا المَاء وَالْخبْز وَقَالَ القَاضِي الرَّأْي فِيهِ إِلَى القَاضِي وَيتْرك لَهُ دست من الثِّيَاب وَيُبَاع الْبَاقِي وَإِن كَانَت لَهُ ثِيَاب حَسَنَة بَاعهَا القَاضِي وَاشْترى لَهُ الْكِفَايَة وَصرف
الجزء 1 · صفحة 225
الْفضل إِلَى الدّين وَيُبَاع مَالا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْحَال حَتَّى اللبد فِي الصَّيف والنطع فِي الشتَاء وَلَو كَانَ لَهُ كانون من حَدِيد يُبَاع ويشترى لَهُ من الطين وَعَن شُرَيْح رَحمَه الله تَعَالَى أَنه بَاعَ الْعِمَامَة
وَلَو أفلس المُشْتَرِي إِن كَانَ قبل الْقَبْض يَبِيع القَاضِي الْمَبِيع للثّمن وَعند الامام رَحمَه الله تَعَالَى لَا يَبِيع الْعقار وَلَا الْعرُوض وَقَالَ عِصَام لَا يَبِيع الْعقار إِجْمَاعًا وَالْخلاف فِي الْمَنْقُول وَقيل يَبِيع الْعقار عِنْدهمَا وَهُوَ الْأَصَح
وَفِي شرح الْقَدُورِيّ فِي المَال الْحَاضِر وَفِي الْغَائِب لَا يَبِيع الْعقار وَلَا الْعرُوض وَإِن ظفر بِالدَّنَانِيرِ وَله عَلَيْهِ دَرَاهِم فَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَفِي شرح الطَّحَاوِيّ أَنه لَا يَأْخُذ وَفِي الصُّغْرَى أَنه يَأْخُذ قَالَ الْمَدْيُون أبيع عرضي وأوفي ديني أَجله القَاضِي ثَلَاثَة أَيَّام وَلَا يحْبسهُ وَلَو كَانَ لَهُ عقار يحْبسهُ ليَبِيعهُ وَيَقْضِي الدّين وَلَو كَانَ بِثمن قَلِيل وَإِذا وجد الْمَدْيُون من يقْرضهُ ليقضي بِهِ دينه فَلم يفعل فَهُوَ ظَالِم وَإِن أَرَادَ الدَّائِن إِطْلَاقه بِلَا حُضُور القَاضِي لَهُ ذَلِك فَإِن كَانَ أَمر الْمَدْيُون ظَاهرا عِنْد النَّاس فَالْقَاضِي يقبل بَيِّنَة الْإِعْسَار ويخليه قبل الْمدَّة الَّتِي نذكرها وَإِن كَانَ أمره مُشكلا هَل تقبل الْبَيِّنَة قبل الْحَبْس فِيهِ رِوَايَتَانِ اخْتَار الإِمَام الفضلى الْقبُول وَعَامة الْمَشَايِخ عدم الْقبُول
وَاخْتلفت الرِّوَايَات فِي تِلْكَ الْمدَّة الَّتِي يسْأَل القَاضِي عَنْهَا بعد الْحَبْس فقدردها الفضلى فِي كتاب الْكفَالَة بشهرين أَو ثَلَاثَة وَفِي رِوَايَة الْحسن بأَرْبعَة وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ بِنصْف الْحول وَالصَّحِيح تفويضه إِلَى رَأْي القَاضِي لِأَنَّهُ للضجر والتسارع إِلَى قَضَاء الدّين وأحوال النَّاس فِي ذَلِك مُتَفَاوِتَة وَلَا يشْتَرك فِي بَيِّنَة الْإِعْسَار حَضْرَة الْمُدَّعِي فَإِن برهن الْمَطْلُوب على الْإِعْسَار والطالب على الْيَسَار فَبَيِّنَة الطَّالِب أولى كبينة الْإِبْرَاء مَعَ بَيِّنَة الْإِقْرَار انْتهى وَلَا يشْتَرط بَيَان مَا بِهِ يثبت الْيَسَار
وَذكر القَاضِي يسْأَل القَاضِي عَن الْمَحْبُوس بعد مُدَّة فَإِن أخبر بالإعسار أَخذ مِنْهُ كَفِيلا وخلاه إِن كَانَ صَاحب الدّين غَائِبا وَلَو كَانَ لمَيت على رجل دين وَله وَرَثَة صغَار وكبار لَا يُطلقهُ من الْحَبْس قبل الاستيثاق بكفيل الصغار وَقَالَ الْخصاف رَحمَه الله تَعَالَى يثبت الإفلاس بقول الشُّهُود هُوَ فقر لَا نعلم لَهُ مَالا وَلَا عرضا وَلَا مَا يخرج بِهِ عَن الْفقر وَعَن الصفار يشْهدُونَ أَنه مُفلس معدم لَا نعلم لَهُ مَالا سوى كسوته واختبرناه سرا وعلنا فَإِن لم يخبر أحد عَن حَاله لَكِن ادّعى الْمَدْيُون الْإِعْسَار والدائن الْيَسَار قَالَ فِي التَّجْرِيد لَا يصدق فِي كل دين لَهُ بدل كَثمن أَو قرض أَو حصل بِعقد أَو الْتِزَام كصداق أَو كَفَالَة وَفِي جَامع الصَّدْر رَحمَه الله لَا يصدق فِي الْمهْر الْمُعَجل وَيصدق فِي الْمُؤَجل وَعَلِيهِ الْفَتْوَى وَفِي الأَصْل لَا يصدق فِي الصَدَاق بِلَا فصل بَين مؤجله ومعجله وَفِي الْأَقْضِيَة وَكَذَا لَا يصدق فِي نفقات الْأَقَارِب والزوجات وارش الْجِنَايَات
رب الدّين إِذا ادّعى أَن لَهُ مَالا بعد مَا برهن على الافلاس يحلف عِنْد الامام رَحمَه الله قَالَ الامام الْحلْوانِي لَو طلب الْمَحْبُوس يَمِين الطَّالِب أَنه لَا يعرف أَنه معدم يحلفهُ فَإِن نكل أطلقهُ وَإِن حلف أَبَد حَبسه
وَيجوز الْجُلُوس فِي الْمَسْجِد لغير الصَّلَاة لملازمة الْغَرِيم وَقَالَ القَاضِي الْمَذْهَب عندنَا أَنه لَا يلازمه فِي الْمَسْجِد لِأَنَّهُ بني لذكر الله تَعَالَى وَبِه يُفْتى
قَالَ هِشَام سَأَلت مُحَمَّدًا رَحمَه الله عَمَّن أخرج من السجْن عَن تفليس قَالَ يلازمه لِأَنَّهُ لَا علم لنا بِحَالهِ لَعَلَّه أخْفى مَاله فتخرجه الْمُلَازمَة ذكر الْمُلَازمَة واراد بِهِ الْحَبْس بِدَلِيل التفاريع قَالَ قلت لَهُ فَإِن كَانَت
الجزء 1 · صفحة 226
الْمُلَازمَة أضرّ بالعيال لكَونه مِمَّن يتكسب بالسعي فِي الطرقات قَالَ آمُر رب الدّين أَن يُوكل غُلَاما لَهُ يكون مَعَه وَلَا أمْنَعهُ عَن طلب مَا يقوته وَعِيَاله يَوْمه وَإِن شَاءَ تَركه أَيَّامًا ثمَّ لَازمه على قدر ذَلِك قَالَ قلت لَهُ إِن كَانَ عَاملا يعْمل بِيَدِهِ قَالَ إِن كَانَ عملا يقدر أَن يعمله حَيْثُ يلازمه لَازمه وَإِن كَانَ عملا لَا يقدر مَعَه على الطّلب خرج وَطلب وَإِن كَانَ فِي ملازمته ذهَاب قوته وَعِيَاله أكلفه أَن يُقيم كَفِيلا بِنَفسِهِ ثمَّ نخلي سَبيله
إِذا قَالَ الْمُدَّعِي لي بَيِّنَة وَطلب يَمِين خَصمه لَا يستحلفه القَاضِي لِأَنَّهُ يُرِيد أَن يُقيم عَلَيْهِ الْبَيِّنَة بعد الْحلف ويفضحه بذلك وَقد أمرنَا بالستر وَقَالا لَهُ أَن يحلفهُ قَالَ الامام الْحلْوانِي رَحمَه الله تَعَالَى إِن شَاءَ القَاضِي مَال إِلَى قَوْله وَإِن شَاءَ مَال إِلَى قَوْلهمَا كَمَا قَالُوا فِي التَّوْكِيل بِلَا رضَا الْخصم يَأْخُذ بِأَيّ الْقَوْلَيْنِ شَاءَ
نقد الْمَحْبُوس الدّين والدائن غَائِب إِن شَاءَ القَاضِي أَخذ الدّين وَوَضعه عِنْد عدل وَأطْلقهُ وَإِن شَاءَ أطلقهُ بكفيل ثِقَة بِنَفسِهِ وبالمال وَفِي النَّوَازِل وَكَذَا لَو برهن الْمَحْبُوس على الإفلاس وَرب الدّين غَائِب
وَاسْتحْسن بعض الْمُتَأَخِّرين أَن تحبس الْمَرْأَة إِذا حبس الزَّوْج وَكَانَ قَاضِي عَنْبَسَة يحبسها مَعَه صِيَانة لَهَا عَن الْفُجُور
قَالَ الْمقْضِي عَلَيْهِ للْقَاضِي أخذت الرِّشْوَة من غريمي وقضيت عَليّ عزره
وَمن أَخذ من السُّلْطَان مَالا حَرَامًا فَحق الْخُصُومَة فِي الْآخِرَة لصَاحب الْحق مَعَ السُّلْطَان وَمَعَ الْقَابِض إِن لم يخلطه السُّلْطَان وَبعد الْخَلْط عِنْد الامام رَحمَه الله تَعَالَى يكون مَعَ السُّلْطَان لَا غَيره
إِذا أَرَادَ أَن يذهب مَعَ خَصمه إِلَى السُّلْطَان لَا إِلَى القَاضِي يجوز لَهُ ذَلِك شرعا وَلَا يُفْتى بِهِ لكنه إِن عجز عَن الإستيفاء عِنْد القَاضِي ذهب إِلَى السُّلْطَان
القَاضِي إِذا قَاس مَسْأَلَة على مَسْأَلَة وَحكم ثمَّ ظَهرت رِوَايَة بِخِلَافِهِ فالخصومة للْمُدَّعِي عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة مَعَ القَاضِي وَالْمُدَّعِي أما مَعَ الْمُدَّعِي فَلِأَنَّهُ آثم بِأخذ المَال وَأما مَعَ القَاضِي فَلِأَنَّهُ آثم بِالِاجْتِهَادِ لِأَن أحدا لَيْسَ من أهل الِاجْتِهَاد فِي زَمَاننَا وَبَعض أذكياء خوارزم قَاس الْمُفْتِي على القَاضِي فأوردت عَلَيْهِ أَن القَاضِي صَاحب مُبَاشرَة الحكم والمفتي سَبَب للْحكم فَكيف يُؤَاخذ السَّبَب مَعَ الْمُبَاشر فَانْقَطع وَكَانَ لَهُ أَن يَقُول القَاضِي فِي زَمَاننَا ملْجأ إِلَى الحكم بعد الْفَتْوَى لِأَنَّهُ لَو ترك يلام لِأَنَّهُ غير عَالم حَتَّى يقْضى بِعِلْمِهِ كَذَا فِي البزازي
الْفَصْل الثَّانِي فِي أَنْوَاع الدَّعَاوَى والبينات
الْمُدَّعِي من لَا يجْبر على الْخُصُومَة إِذا تَركهَا وَالْمُدَّعِي عَلَيْهِ من يجْبر على الْخُصُومَة أَي على الْجَواب وَقَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله فِي الأَصْل الْمُدَّعِي عَلَيْهِ هُوَ الْمُنكر وَإِنَّمَا اقْتصر عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذا عرف الْمُدَّعِي عَلَيْهِ عرف الْمُدَّعِي
وَلَو كَانَت الدَّعْوَى غير صَحِيحَة فَادّعى الْمُدَّعِي عَلَيْهِ الدّفع هَل يسمع وَهل يُمكن إِثْبَات دَفعه من غير تَصْحِيح الدَّعْوَى اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ وَفِي كتاب الرُّجُوع عَن الشَّهَادَات مَا يدل على أَن الْمُدَّعِي للدَّفْع يُطَالب بتصحيح الدَّعْوَى كَذَا فِي المنبع
وَفِي الْمُحِيط القَاضِي مُخَيّر إِن شَاءَ سَأَلَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ جَوَابه وَإِن شَاءَ نظر إِلَيْهِ وَإِذا سَأَلَهُ وَجب عَلَيْهِ الْجَواب وَإِذا وَجب عَلَيْهِ الْجَواب فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يقْرَأ وينكر أَو يسكت فَإِن أقرّ قضى القَاضِي على الْمُدَّعِي
الجزء 1 · صفحة 227
عَلَيْهِ بِمُوجب إِقْرَاره لظُهُور صدق دَعْوَاهُ بِالْإِقْرَارِ وَإِن أنكر سَأَلَ القَاضِي من الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة المظهرة لصدق دَعْوَاهُ فَقَالَ أَلَك بَيِّنَة لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام حِين اخْتصم الْحَضْرَمِيّ والكندي بَين يَدَيْهِ للْمُدَّعِي أَلَك بَيِّنَة فَقَالَ لَا فَقَالَ لَك يَمِينه فَإِن أحضرها قضى عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ فَإِذا آتِي الْمُدَّعِي بِشَاهِد فقد ترجح جَانب جِهَة الصدْق بِهِ لَكِن عَارضه شَهَادَة الأَصْل فَإِن الذمم خلقت فِي الأَصْل بَريَّة وَعَن الْحُقُوق عرية فَلَا بُد من شَاهد آخر ليَكُون شغلها بِحجَّة قَوِيَّة اه
وَفِي المنبع قَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى إِذا قَالَ الْمُدَّعِي لَيْسَ لي بَيِّنَة على هَذَا الْحق ثمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَة على ذَلِك لم تقبل لِأَنَّهُ أكذب بَينته
وَفِي الْبَدَائِع وَإِن قَالَ الْمُدَّعِي لَا بَيِّنَة لي ثمَّ جَاءَ بِالْبَيِّنَةِ هَل تقبل روى الْحسن عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله أَنَّهَا تقبل وروى عَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى أَنَّهَا لَا تقبل
وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّة وَإِذا قَالَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ عِنْد سُؤال القَاضِي إِيَّاه عَن الدّفع لَا دفع لي ثمَّ جَاءَ بِالدفع فقد قيل يجب أَن تكون الْمَسْأَلَة على الْخلاف بَين أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى بِنَاء على هَذِه الْمَسْأَلَة وَلَا يحفظ عَن أبي يُوسُف رِوَايَة فِي هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ وَكَذَلِكَ لَو قَالَ الْمُدَّعِي كل بَيِّنَة آتى بهَا فهم شُهُود زور وَكَذَلِكَ لَو قَالَ كل شَهَادَة يشْهد لي بهَا فَلَا وَفُلَان على فلَان بِهَذَا الْحق فَلَا حق لي فِيهَا ثمَّ ادّعى بعد ذَلِك شَهَادَتهمَا عَلَيْهِ وَجَاء بهما يَشْهَدَانِ عَلَيْهِ فَهُوَ على هَذَا الْخلاف وَدفع الدَّعْوَى كَمَا هُوَ الصَّحِيح فَكَذَلِك دفع الدّفع وَكَذَلِكَ دفع دفع الدّفع فَصَاعِدا هُوَ الْمُخْتَار
وَفِي الْوَلْوَالجيّ رجل ادّعى على رجل شَيْئا من الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم وَالْعرُوض والضياع وَأنكر الْمُدَّعِي عَلَيْهِ كُله وَأَرَادَ تَحْلِيفه فَالْقَاضِي يجمع الْكل ويحلفه يَمِينا وَاحِدًا وَفِي المنبع هَذَا إِذا حلف فَإِن نكل عَن الْيَمين وَلم يحلف يقْضِي القَاضِي بِالنّكُولِ فِي أول مرّة وَهُوَ الْمَذْهَب حَتَّى لَو قضى بِالنّكُولِ مرّة نفذ قَضَاؤُهُ فِي الصَّحِيح إِلَّا أَن الْخصاف قَالَ يَنْبَغِي للْقَاضِي أَن يَقُول لَهُ إِنِّي أعرض عَلَيْك الْيَمين ثَلَاث مَرَّات فَإِن حَلَفت وَإِلَّا قضيت عَلَيْك وَفِي الْكَافِي وَفِي التَّقْدِير بِالثلَاثِ فِي عرض الْيَمين لَازم فِي الْمَرْوِيّ عَن أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَبِه قَالَ احْمَد وَلَكِن الْجُمْهُور على أَن الْعرض ثَلَاثًا بطرِيق الِاحْتِيَاط وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ
وَذكر فِي الْمُحِيط وَلَو قَالَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بعد مَا نكل عَن الْيَمين ثَلَاث مَرَّات أَنا أَحْلف يحلفهُ قبل الْقَضَاء بِالنّكُولِ وَبعد الْقَضَاء لَا يحلفهُ وَعند الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى فعل لَا يقْضِي بِالنّكُولِ وَلَكِن ترد الْيَمين على الْمُدَّعِي وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَأحمد رحمهمَا الله تَعَالَى وَفِي الْمُحِيط وَيجوز رد الْيَمين على الْمُدَّعِي على وَجه الصُّلْح وَذكر فِي الْجَامِع الصَّغِير أَن الصُّلْح عَن الْيَمين جَائِز حَتَّى لَا يكون لَهُ أَن يستحلفه على ذَلِك أبدا فَلَمَّا جَازَ الصُّلْح جَازَ أَيْضا رد الْيَمين إِلَى الْمُدَّعِي على وَجه الصُّلْح
وَفِي الذَّخِيرَة رجل لَهُ على آخر ألف دِرْهَم مُؤَجّلَة فَطلب رب الدّين من الْمَدْيُون كَفِيلا فَالْقَاضِي لَا يجْبرهُ على إِعْطَاء الْكَفِيل وَفِي ظَاهر الرِّوَايَة عَن أَصْحَابنَا رَحِمهم الله إِن لَهُ أَن يُطَالِبهُ بِإِعْطَاء الْكَفِيل وَإِن كَانَ الدّين مُؤَجّلا وَلَو طلب المُشْتَرِي من البَائِع كَفِيلا بالدرك لَو ظهر لَهُ ذَلِك فِي الدّين الْمُؤَجل أولى
وَفِي الْمُنْتَقى قَالَ رب الدّين مديوني يُرِيد السّفر لَهُ التكفيل وَإِن كَانَ الدّين مُؤَجّلا
وَفِي البزازي قَالَت زَوجي يُرِيد أَن يغيب فَخذ بِالنَّفَقَةِ كَفِيلا لَا يجبيها الْحَاكِم إِلَى ذَلِك لِأَنَّهَا لم تجب
الجزء 1 · صفحة 228
بعد عَلَيْهِ وَاسْتحْسن الامام الثَّانِي رَحمَه الله تَعَالَى أَخذ الْكَفِيل رفقا بهَا وَعَلِيهِ الْفَتْوَى وَيجْعَل كَأَنَّهُ كفل بِمَا ذاب لَهَا عَلَيْهِ
وَفِي الْمُحِيط لَو أفتى بقول الإِمَام الثَّانِي رَحمَه الله تَعَالَى فِي سَائِر الدُّيُون بِأخذ الْكَفِيل كَانَ حسنا رفقا بِالنَّاسِ
عين فِي يَد رجل ادّعى آخر أَنَّهَا ملكه اشْتَرَاهَا من فلَان الْغَائِب وَصدقه ذُو الْيَد على ذَلِك فَالْقَاضِي لَا يَأْمر ذَا الْيَد بِالتَّسْلِيمِ إِلَى الْمُدَّعِي حَتَّى لَا يكون قَضَاء على الْغَائِب بِالشِّرَاءِ بِإِقْرَارِهِ كَذَا فِي الْعِمَادِيّ وَفِيه ايضا إِذا ادّعى على رجل أَنه كفل عَن فلَان بِمَا يذوب لَهُ عَلَيْهِ فَأقر الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بِالْكَفَالَةِ وَأنكر الْحق فَأَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة أَنه ذاب لَهُ على فلَان كَذَا فَإِنَّهُ يقْضِي لَهُ بهَا فِي حق الْكَفِيل الْحَاضِر وَفِي حق الْغَائِب جَمِيعًا حَتَّى لَو حضر الْغَائِب وَأنكر لَا يلْتَفت إِلَى إِنْكَاره
قَالَ رجل لامْرَأَة رجل غَائِب إِن زَوجك وكلني أَن أحملك إِلَيْهِ فَقَالَت إِنَّه قد طَلقنِي ثَلَاثًا وأقامت الْبَيِّنَة على ذَلِك يقْضِي بقصر يَد الْوَكِيل عَنْهَا وَلَا يقْضِي بِالطَّلَاق على الْغَائِب حَتَّى لَو حضر الْغَائِب وَأنكر الطَّلَاق تحْتَاج الْمَرْأَة إِلَى إِقَامَة الْبَيِّنَة
قَالَ لامْرَأَته إِن طلق فلَان امْرَأَته فَأَنت طَالِق ثمَّ ان امْرَأَة الْحَالِف ادَّعَت أَن فلَانا طلق امْرَأَته وَفُلَان غَائِب وَزوج المدعية حَاضر وأقامت الْبَيِّنَة لَا تقبل وَلَا يحكم بِوُقُوع الطَّلَاق عَلَيْهَا لِأَن بينتها على طَلَاق فلَان الْغَائِب لَا تصح لِأَن فِي ذَلِك ابْتِدَاء الْقَضَاء على الْغَائِب وَقد أفتى بعض الْمُتَأَخِّرين بِقبُول هَذِه الْبَيِّنَة وبوقوع الطَّلَاق إِلَّا أَن الأول اصح
الانسان إِذا أَقَامَ بَيِّنَة على شَرط حَقه بِإِثْبَات فعل على الْغَائِب فَإِن لم يكن فِيهِ إبِْطَال حق الْغَائِب تقبل هَذِه الْبَيِّنَة وينتصب الْحَاضِر خصما عَن الْغَائِب وَإِن كَانَ فِيهِ إبِْطَال حق الْغَائِب من طَلَاق أَو عتاق أَو بيع أَو مَا أشبه ذَلِك أفتى بعض الْمُتَأَخِّرين أَنه يقبل وَيَقْضِي على الْحَاضِر وَالْغَائِب جَمِيعًا وَبِه أَخذ شمس الْأَئِمَّة الأوزجندي
لَو طلب رب الدّين الْكَفِيل بِالدّينِ فَقَالَ الْكَفِيل الْمَدْيُون أَدَّاهُ والمديون غَائِب فَأَقَامَ الْكَفِيل بَيِّنَة على أَدَاء الدّين تقبل وينتصب الْكَفِيل خصما عَن الْمَدْيُون لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ دفع رب المَال إِلَّا بِهَذَا فينتصب خصما عَنهُ
وَفِي الْمُحِيط وَسَائِر الْفَتَاوَى إِذا ادّعى انسان على آخر وَالْقَاضِي يعلم أَنه مسخر لَا شَيْء عَلَيْهِ لَا يجوز وَلَو حكم عَلَيْهِ لَا يجوز أَيْضا وَتَفْسِير المسخر أَن ينصب القَاضِي وَكيلا عَن الْغَائِب ليسمع الْخُصُومَة عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ لَو أحضر رجل غَيره عِنْد القَاضِي ليسمع الْخُصُومَة عَلَيْهِ وَالْقَاضِي يعلم أَن الْمحْضر لَيْسَ بخصم فَإِنَّهُ لَا يسمع الْخُصُومَة عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يجوز نصب الْوَكِيل عَن خصم اختفى فِي بَيته وَلم يحضر مجْلِس الحكم بعد مَا بعث القَاضِي أمناءه إِلَى دَاره وَنُودِيَ على بَاب دَاره
وَذكر فِي شَهَادَات الْجَامِع رجل غَابَ فجَاء رجل فَادّعى على رجل ذكر أَنه غَرِيم الْغَائِب وَأَن الْغَائِب وَكله بِطَلَب كل حق لَهُ على غُرَمَائه بِالْكُوفَةِ وبالخصومة فِيهِ وَالْمُدَّعِي عَلَيْهِ يُنكر وكَالَته فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَة على وكَالَته وَقضى القَاضِي عَلَيْهِ بِالْوكَالَةِ قَالَ صَاحب الْفُصُول هَذِه الْمَسْأَلَة دَلِيل على جَوَاز الحكم على المسخر وَفِي أدب القَاضِي أَن الحكم على المسخر يجوز وَقيل يَنْبَغِي أَن تكون هَذِه الْمَسْأَلَة على رِوَايَتَيْنِ
وَإِذا قضى على وَكيل الْغَائِب أَو على وَصِيّ الْمَيِّت يقْضِي على الْغَائِب وعَلى الْمَيِّت وَلَا يقْضِي على الْوَكِيل
الجزء 1 · صفحة 229
وَالْوَصِيّ وَيكْتب فِي السّجل أَنه قضى على الْغَائِب وعَلى الْمَيِّت بِحَضْرَة وَكيله وبحضرة وَصِيّه لِأَن هَذَا فِي الأَصْل قَضَاء على الْغَائِب وَفِي الْقَضَاء على الْغَائِب رِوَايَتَانِ عَن اصحابنا وَكَانَ ظهير الدّين المرغيناني يُفْتِي فِي الْقَضَاء على الْغَائِب بِعَدَمِ النَّفاذ
وَفِي الْوَاقِعَات إِذا قضى بِالْبَيِّنَةِ وَغَابَ الْمقْضِي عَلَيْهِ وَله مَال عِنْد النَّاس لَا يدْفع إِلَى الْمقْضِي لَهُ حَتَّى يحضر الْغَائِب وَكَذَا ذكر فِي أَجنَاس الناطفي وَزَاد إِلَّا فِي نَفَقَة الْمَرْأَة وَالْأَوْلَاد الصغار والوالدين
وَلَو أَن رجلا جَاءَ إِلَى القَاضِي وَقَالَ إِن هَذِه الدَّابَّة وَدِيعَة عِنْدِي وَقد غَابَ الْمَالِك وَلم يتْرك النَّفَقَة فمرني بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا لأرجع بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ أَو قَالَ التقطت هَذِه الدَّابَّة أَو رددت هَذَا الْآبِق من مسيرَة سفر وَالْمَالِك غَائِب فَطلب مِنْهُ أَن يقْضِي بِالنَّفَقَةِ حَتَّى يرجع على الْمَالِك فَإِن القَاضِي يسْأَل مِنْهُ الْبَيِّنَة فَإِن أَقَامَهَا قضى بِالْبَيِّنَةِ على الْغَائِب فَإِذا حضر يرجع عَلَيْهِ
وَفِي العمادى وَإِذ قَالَ الْغَرِيم للطَّالِب إِن لم أقضك مَالك الْيَوْم فامرأته كَذَا فتوارى الطَّالِب وخشي الْمَطْلُوب أَن لَا يظْهر الْيَوْم فَيحنث هُوَ فِي يَمِينه فَأخْبر القَاضِي الْقِصَّة فنصب عَن الْغَائِب وَكيلا وَأمر الْوَكِيل بِقَبض المَال من الْمَطْلُوب حَتَّى يبر فَقبض المَال وَحكم بِهِ حَاكم آخر فَإِن أَبَا يُوسُف قَالَ لَا يجوز كَذَا ذكره فِي آخر الْأَقْضِيَة وَهَذَا قَوْلهم وَإِن خص قَول أبي يُوسُف بِالذكر
وَذكر الناطفي أَن القَاضِي ينصب وَكيلا عَن الْغَائِب وَيقبض مَاله وَلَا يَحْنَث الْمَطْلُوب قَالَ الناطفي وَعَلِيهِ الْفَتْوَى
وَذكر رشيد الدّين فِي فَتَاوِيهِ ادّعى عينا فِي يَد رجل واراد إِحْضَاره لمجلس القَاضِي فَأنْكر الْمُدَّعِي عَلَيْهِ أَن يكون فِي يَده فجَاء الْمُدَّعِي بِشَاهِدين شَهدا أَن هَذَا الْعين كَانَ فِي يَد الْمُدَّعِي عَلَيْهِ قبل هَذَا التَّارِيخ بِسنة هَل تسمع وَهل يجْبر الْمُدَّعِي عَلَيْهِ على إِحْضَاره بِهَذِهِ الْبَيِّنَة أم لَا كَانَت وَاقعَة الْفَتْوَى يَنْبَغِي أَن تقبل لِأَنَّهُ أثبت يَده فِي الزَّمَان الْمَاضِي وَلم يثبت خُرُوجه من يَده وَقد وَقع الشَّك فِي زَوَال تِلْكَ الْيَد فَتثبت الْيَد مالم يُوجد المزيل
قَالَ شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي وَمن المنقولات مَالا يُمكن إِحْضَاره عِنْد القَاضِي كالصبرة من الطَّعَام والقطيع من الْغنم وَالْقَاضِي فِيهِ بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ حضر ذَلِك الْموضع لَو تيَسّر لَهُ ذَلِك وَإِن كَانَ لَا يتهيأ لَهُ الْحُضُور وَكَانَ مَأْذُونا بالاستخلاف يبْعَث خَلِيفَته إِلَى ذَلِك الْموضع وَهُوَ نَظِير مَا إِذا كَانَ القَاضِي يجلس فِي دَاره وَوَقعت الدَّعْوَى فِي جمل لَا يَسعهُ بَاب دَاره فَإِنَّهُ يخرج إِلَى بَاب دَاره أَو يَأْمر نَائِبه حَتَّى يخرج ليشير إِلَيْهِ الشُّهُود بِحَضْرَتِهِ
وَفِي الْقَدُورِيّ إِذا كَانَ الْمُدَّعِي بِهِ شَيْئا يتَعَذَّر نَقله كالرحى فالحاكم فِيهِ بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ حضر وَإِن شَاءَ بعث أَمينا
قَالَ فَخر الاسلام على الْبَزْدَوِيّ وَإِذا كَانَت الْقيمَة مُخْتَلفَة فَيَنْبَغِي للْقَاضِي أَن يُكَلف الْمُدَّعِي بِبَيَان الْقيمَة فَإِن كلفه وَلم يبين تسمع دَعْوَاهُ
وَفِي الْمَبْسُوط رجل ترك الدَّعْوَى ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سنة وَلم يكن لَهُ مَانع من دَعْوَى شَرْعِيَّة ثمَّ ادّعى بعد ذَلِك لَا تسمع دَعْوَاهُ لِأَن تَركه مَعَ التَّمَكُّن دَلِيل على عدم الْحق ظَاهرا
وَذكر فِي الْمُحِيط رجل لَهُ على آخر فلوس أَو طَعَام فَاشْترى مَا عَلَيْهِ بِدَرَاهِم أَو دَنَانِير وتفرقا قبل نقد الثّمن كَانَ العقد بَاطِلا
الجزء 1 · صفحة 230
قَالَ الْعِمَادِيّ وَهَذَا فصل يجب حفظه وَالنَّاس عَنهُ غافلون فَإِن الْعَادة فِيمَا بَين النَّاس أَن من كَانَ لَهُ على آخر حِنْطَة أَو شعير أَو مَا أشبه ذَلِك فصاحبها يَأْخُذ مِمَّن هِيَ عَلَيْهِ عِنْد غلاء السّعر خطا بِالذَّهَب أَو الْفضة بِثمن ذَلِك ويسمونه فِيهَا بَينهم تَقْوِيم الْحِنْطَة فَإِنَّهُ فَاسد لِكَوْنِهِمَا افْتَرقَا عَن دين بدين
وَفِي الذَّخِيرَة رجل ادّعى دَارا أَو عقارا آخر أَو مَنْقُولًا فِي يَد رجل ملكا مُطلقًا واقام الْبَيِّنَة على الْملك الْمُطلق يقْضِي بِبَيِّنَة الْخَارِج عِنْد عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة رَحِمهم الله تَعَالَى وَهَذَا إِذا لم يذكرَا تَارِيخا وَأما إِذا ذكرَاهُ إِن كَانَ سَوَاء فَكَذَلِك يقْضِي للْخَارِج وَإِن كَانَ تَارِيخ أَحدهمَا أسبق يقْضِي لأسبقهما تَارِيخا
وَلَو ادّعى حمارا وَقَالَ فِي دَعْوَاهُ هَذَا الْحمار غَابَ عني مُنْذُ شهر فَقَالَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ إِنِّي أقيم الْبَيِّنَة أَن هَذَا الْحمار ملكي وَفِي يَدي مُنْذُ سنة أَو مَا أشبه ذَلِك يقْضِي للْمُدَّعِي وَلَا يلْتَفت إِلَى بَيِّنَة الْمُدَّعِي عَلَيْهِ لِأَن مَا ذكره الْمُدَّعِي من التَّارِيخ تَارِيخ غيبَة الْحمار عَن يَده لَا تَارِيخ ملكه فَكَانَ دَعْوَاهُ فِي الْملك مُطلقًا خَالِيا عَن التَّارِيخ وَصَاحب الْيَد ذكر التَّارِيخ إِلَّا أَن التَّارِيخ حَالَة الِانْفِرَاد لَا يعْتَبر عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ دَعْوَى صَاحب الْيَد دَعْوَى مُطلق الْملك كدعوى الْخَارِج فَيَقْضِي بِبَيِّنَة الْخَارِج اه
وَفِي الْعِمَادِيّ الْخَارِج وَذُو الْيَد إِذا ادّعَيَا الشِّرَاء من وَاحِد وَأَقَامَا بَيِّنَة وَلم يؤرخا يقْضى لذِي الْيَد فَإِن أرخ الْخَارِج لَا يعْمل بِهِ لِأَن التَّارِيخ فِي حَقه خبر وَالْقَبْض فِي حق ذِي الْيَد معاين وَأَنه دَلِيل على سبق عقده والمعاينة أقوى من الْخَبَر إِلَّا إِذا أرخا وتاريخ الْخَارِج أسبق فَحِينَئِذٍ يقْضى للْخَارِج
وَفِي شرح أدب القَاضِي للحسام الشَّهِيد وَإِن ادّعى أَن اباه مَاتَ وَهُوَ وَارثه وَلَا وَارِث لَهُ غَيره وَادّعى دَارا فِي يَد رجل أَنَّهَا كَانَت لِأَبِيهِ مَاتَ وَتركهَا مِيرَاثا لَهُ وَالَّذِي فِي يَده الدَّار يُنكر ذَلِك فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَة أَن الدَّار كَانَت لِأَبِيهِ مَاتَ وَتركهَا مِيرَاثا لَهُ وَأَنَّهُمْ لَا يعلمُونَ لِأَبِيهِ وَارِثا غَيره فَإِن الْحَاكِم يحكم لَهُ بِالدَّار لِأَنَّهُ أثبت سَبَب الْملك لنَفسِهِ بِالْحجَّةِ فَيَقْضِي لَهُ بِهِ
قَالَ وَلَو أَن رجلا مَاتَ وَله وَرَثَة فَحَضَرَ وَاحِد مِنْهُم وَادّعى وَفَاة أَبِيه وَادّعى دَارا فِي يَد رجل أَنَّهَا كَانَت لِأَبِيهِ مَاتَ وَتركهَا مِيرَاث لَهُ ولسائر وَرَثَة أَبِيه وهم فلَان وَفُلَان وَالَّذِي فِي يَده الدَّار يجْحَد هَذَا كُله فَأَقَامَ الابْن شَاهِدين على وَفَاة أَبِيه وعدة ورثته وَأَن هَذِه الدَّار لِأَبِيهِ مَاتَ وَتركهَا مِيرَاثا لَهُم وَلم يحضر مِنْهُم وَارِث غَيره فَإِن القَاضِي يقبل ذَلِك وَيحكم بِالدَّار لِأَبِيهِ وَيدْفَع إِلَى هَذَا الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَة حِصَّته مِنْهَا لِأَن الْوَاحِد من الْوَرَثَة ينْتَصب خصما فِيمَا يثبت للْمَيت وعَلى الْمَيِّت وَأما حصص البَاقِينَ فَإِنَّهَا تتْرك فِي يَده فَكلما حضر وَاحِد مِنْهُم أَخذ حِصَّته مِنْهَا وَلَا يُكَلف إِعَادَة الْبَيِّنَة على أَنَّهَا كَانَت لِأَبِيهِ وَهَذَا قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَقَالَ أَبُو ويوسف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى يدْفع إِلَى الْمُدَّعِي حِصَّته مِنْهَا وينتزع الْبَاقِي من يَد الْمُدَّعِي عَلَيْهِ وَيجْعَل على يَد رجل عدل حَتَّى يحضر من بَقِي من الْوَرَثَة وَأَجْمعُوا على أَن الْمُدَّعِي عَلَيْهِ لَو كَانَ مقرا دفع إِلَى الْوَارِث الْحَاضِر نصِيبه وَالْبَاقِي يتْرك فِي يَد ذِي الْيَد
إِذا حضر رجل وَادّعى دَارا فِي يَد رجل أَنَّهَا لِأَبِيهِ مَاتَ وَتركهَا مِيرَاثا لَهُ وَأقَام على ذَلِك بَيِّنَة وَلم يشْهدُوا على عدد الْوَرَثَة وَلم يعرفوهم وَلَكِن قَالُوا تَركهَا مِيرَاثا لوَرثَته فَإِنَّهُ لَا تقبل هَذِه الشَّهَادَة وَلَا يدْفع إِلَيْهِ شَيْء حَتَّى يُقيم بَيِّنَة على عدد الْوَرَثَة لأَنهم لما لم يشْهدُوا على عدد الْوَرَثَة لَا يصير نصيب هَذَا الْوَاحِد مَعْلُوما وَالْقَضَاء بِغَيْر الْمَعْلُوم مُتَعَذر
وَهَا هُنَا ثَلَاث فُصُول الأول هَذَا وَالثَّانِي لَو شهد الشُّهُود أَنه ابْنه ووارثه وَلَا نعلم لَهُ وَارِثا غَيره
الجزء 1 · صفحة 231
فَإِن القَاضِي يقْضِي بِجَمِيعِ التَّرِكَة لَهُ من غير تلوم الثَّالِث إِذا شهدُوا أَنه ابْن فلَان مَالك هَذِه الدَّار وَلم يشْهدُوا على عدد الْوَرَثَة وَلم يَقُولُوا فِي شَهَادَتهم لَا نَعْرِف لَهُ وَارِثا غَيره فان القَاضِي يتلوم فِي ذَلِك زَمَانا على قدر مَا يرى فَإِن حضر وَارِث غَيره قسم الدَّار بَينهم وَإِن لم يحضر دفع الدَّار إِلَيْهِ وَهل يَأْخُذ مِنْهُ كَفِيلا بِمَا دفع إِلَيْهِ قَالَ أَبُو حنيفَة لَا يَأْخُذ مِنْهُ كَفِيلا وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد يَأْخُذ مِنْهُ كَفِيلا بِهِ ثمَّ قَالَ إِنَّمَا يدْفع إِلَى الْوَارِث الَّذِي حضر جَمِيع المَال بعد التَّلَوُّم إِذا كَانَ هَذَا الْوَارِث مِمَّن لَا يحجب بِغَيْرِهِ كَالْأَبِ وَالِابْن أما إِذا كَانَ مِمَّن يحجب بِغَيْرِهِ كالجد وَالْأَخ وَالْعم فَإِنَّهُ لَا يدْفع إِلَيْهِ المَال وَأما إِذا كَانَ مِمَّن لَا يحجب بِغَيْرِهِ وَلَكِن يخْتَلف نصِيبه كالزوج وَالزَّوْجَة فَإِنَّهُ يدْفع إِلَيْهِ أقل النَّصِيبَيْنِ
وَقَالَ مُحَمَّد أوفر النَّصِيبَيْنِ النّصْف للزَّوْج وَالرّبع للْمَرْأَة وَقَالَ أَبُو يُوسُف أقل النَّصِيبَيْنِ وَقَول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى مصطرب فِي بَعْضهَا مثل قَول مُحَمَّد فِيمَا إِذا كَانَ الْمَيِّت امْرَأَة وَالْمُدَّعِي زوجا وَفِي بَعْضهَا مثل قَول أبي يُوسُف ثمَّ إِذا ثَبت عِنْد أبي يُوسُف أَنه يدْفع لَهُ اقل النَّصِيبَيْنِ فقد اخْتلفت الرِّوَايَات عَنهُ فِي ذَلِك أما إِذا كَانَ الْمَيِّت زوجا وَالْمُدَّعِي امْرَأَة فَفِيهِ رِوَايَتَانِ فِي ظَاهر الرِّوَايَة عَنهُ يدْفع إِلَيْهَا ربع الثّمن لِأَنَّهُ قد يكون للزَّوْج أَربع نسْوَة فَيكون نصِيبهَا ربع الثّمن وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَن أبي يُوسُف أَنه يُعْطي لَهَا ربع الْمِيرَاث كَمَا ذكر عَن مُحَمَّد وَأما إِذا كَانَ الْمَيِّت امْرَأَة وَالْمُدَّعِي زوجا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ أَيْضا فِي ظَاهر الرِّوَايَة عَنهُ يدْفع إِلَيْهِ الرّبع انْتهى
المساومة وَمَا يشبهها كالإيداع والاستعارة والاستئجار والاستيهاد إِقْرَار بِأَنَّهُ لذِي الْيَد ومانع من الدَّعْوَى لنَفس الْمسَاوِي وَلغيره
طلب نِكَاح الْأمة مَانع من دَعْوَى تَملكهَا وَطلب نِكَاح الْحرَّة مَانع من دَعْوَى نِكَاحهَا
وَفِي الْقنية بخ أحضر ابْن الْمَيِّت فَادّعى أَن اباك أَخذ مني كَذَا دِينَارا واشار إِلَى الابْن وَلم يذكر اسْم الْأَب وَنسبه أَو شهد الشُّهُود بِنَحْوِ مَا ذكر لَا يَصح وَيشْتَرط ذكر اسْمه وَنسبه وَفِيه أَيْضا قع قَالَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ للْمُدَّعِي لَا أعرفك فَلَمَّا ثَبت الْحق بِالْبَيِّنَةِ ادّعى الايصال لَا يسمع وَلَو ادّعى إِقْرَار الْمُدَّعِي الْوُصُول أَو الايصال يسمع
نوع فِي كَيْفيَّة الْيَمين والاستحلاف وَيحلف الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بِاللَّه تَعَالَى لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِالطَّوَاغِيتِ فَمن كَانَ مِنْكُم حَالفا فليحلف بِاللَّه أَو ليذر
وَفِي الْمَبْسُوط الْحر والمملوك وَالرجل وَالْمَرْأَة وَالْفَاسِق والصالح وَالْكَافِر وَالْمُسلم فِي الْيَمين سَوَاء وتغلظ الْيَمين بِذكر أَوْصَاف الله تَعَالَى بِأَن يَقُول لَهُ القَاضِي قل وَالله الَّذِي لَا اله الا هُوَ عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم الطَّالِب الْغَالِب الْمدْرك المهلك الَّذِي يعلم من السِّرّ مَا يعلم من الْعَلَانِيَة مَا لفُلَان هَذَا عَلَيْك وَلَا قبلك هَذَا المَال الَّذِي ادَّعَاهُ وَهُوَ كَذَا وَكَذَا وَلَا شَيْء مِنْهُ وَالِاخْتِيَار فِي صفة التَّغْلِيظ إِلَى القَاضِي يزِيد مَا شَاءَ من أَسمَاء الله تَعَالَى وَصِفَاته وَينْقص مَا شَاءَ وَلَكِن يحْتَاط فِيهَا عَن الْوَاو العاطفة لِئَلَّا يتَكَرَّر عَلَيْهِ الْيَمين إِذْ الْمُسْتَحق يَمِين وَاحِدَة حَتَّى لَو قَالَ وَالله والرحمن الرَّحِيم تصير أيمانا
ثمَّ اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ مِنْهُم من يَقُول القَاضِي بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ غلظ وَإِن شَاءَ لم يغلظ فِي كل مدعي بِهِ
الجزء 1 · صفحة 232
وعَلى كل مدعي عَلَيْهِ وَمِنْهُم من يَقُول يعْتَبر حَال الْمُدَّعِي عَلَيْهِ إِن عرف بالصلاح اكْتفى بِذكر اسْم الله تَعَالَى وَإِن عرف بِغَيْر ذَلِك الْوَصْف غلط فِي الْيَمين وَمِنْهُم من يَقُول يعْتَبر حَال الْمُدَّعِي بِهِ إِن كَانَ مَالا عَظِيما يغلظ فِي الْيَمين وَإِن كَانَ حَقِيرًا اكْتفى بِذكر اسْم الله تَعَالَى وَلَا يحلف بِالطَّلَاق وَلَا بالعتاق لِأَن الْيَمين بهما يَمِين بِغَيْر الله تَعَالَى وَالْيَمِين بِغَيْر الله تَعَالَى لَا يجوز وَقيل فِي زَمَاننَا إِذا ألح الْخصم سَاغَ للْقَاضِي أَن يحلف بِالطَّلَاق وَالْعتاق لقلَّة مبالاة النَّاس بِالْيَمِينِ بِاللَّه تَعَالَى وَكثر الِامْتِنَاع عَن الْحلف بِالطَّلَاق وَالْعتاق كَذَا فِي الْهِدَايَة وَغَيرهَا
وَفِي الْخُلَاصَة وَلَو حلفه القَاضِي بِالطَّلَاق فنكل وَقضى بِالْمَالِ لَا ينفذ قَضَاؤُهُ وَلَا تغلظ الْيَمين بِزَمَان وَلَا مَكَان عندنَا وَيحلف الْيَهُودِيّ بِاللَّه الَّذِي أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى وَالنَّصْرَانِيّ بِاللَّه الَّذِي أنزل الْإِنْجِيل على عِيسَى والمجوسي بِاللَّه الَّذِي خلق النَّار وَعَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى أَنه لَا يحلف أحد إِلَّا بِاللَّه خَالِصا وَلَا يحلف الوثني الا بِاللَّه
فَإِن قيل مَا الْفرق بَين يَمِين الْمَجُوسِيّ والوثني حَيْثُ يجوز تَغْلِيظ الْيَمين فِي حق الْمَجُوسِيّ بِذكر النَّار وَلم يجز فِي حق الوثني بِذكر الصَّنَم فَقَوْل بِاللَّه الْعَظِيم الَّذِي خلق الصَّنَم قلت إِنَّا أمرنَا بإهانة الصَّنَم والوثن لأَنهم اتَّخَذُوهَا إِلَهًا فَأمرنَا بإهانتهما بِخِلَاف النَّار لأَنهم لم يتخذوها الها فَمَا أمرنَا باهانتها فَتَأمل كَذَا فِي المنبع
وَسُئِلَ الشَّيْخ عبد الْوَاحِد الشَّيْبَانِيّ رَحمَه الله تَعَالَى عَن الْمَرْأَة إِذا كَانَت تعلم بِالنِّكَاحِ وَلَا تَجِد بَيِّنَة تقيمها لإِثْبَات النِّكَاح وَالزَّوْج يُنكر مَاذَا يصنع القَاضِي حَتَّى لَا تبقي هَذِه الْمَرْأَة معلقَة أَبَد الدَّهْر قَالَ يستحلفه القَاضِي وَيَقُول إِن كَانَت هَذِه الْمَرْأَة لَك فَهِيَ طَالِق حَتَّى يَقع الطَّلَاق بِالْيَمِينِ إِن كَانَت امْرَأَته لتخلص مِنْهُ وَتحل للأزواج
وَفِي المنبع هَل يحلف على الْحَاصِل أَو على السَّبَب فَعِنْدَ أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله يحلف على الْحَاصِل وَعند أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يحلف على السَّبَب وَقَالَ فَخر الْإِسْلَام يُفَوض إِلَى رَأْي القَاضِي
وَذكر فِي النَّوَازِل أَنه يحلف الصَّبِي الْمَأْذُون وَيَقْضِي بِنُكُولِهِ وَعَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى أَنه لَو حلف وَهُوَ صبي ثمَّ أدْرك لَا يَمِين عَلَيْهِ وَأَنه دَلِيل على أَن يَمِينه مُعْتَبرَة وَذكر فِي إِقْرَار الدَّعَاوَى والبينات أَن الصَّبِي التَّاجِر وَالْعَبْد التَّاجِر يسْتَحْلف وَيَقْضِي عَلَيْهِ بِالنّكُولِ
وَيجوز الافتداء عَن الْيَمين بِالدَّرَاهِمِ وَكَذَا يجوز الصُّلْح عَن الْيَمين على الدَّرَاهِم حَتَّى لَا يكون للْمُدَّعِي أَن يحلف الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بعد ذَلِك لِأَن الافتداء عَن الْيَمين صلح على الْإِنْكَار وَبعد الصُّلْح على الْإِنْكَار لَا تسمع دَعْوَى الْمُدَّعِي فِيمَا وَقع الصُّلْح عَنهُ
ادّعى على آخر مَالا فَأنْكر وَأَرَادَ الْمُدَّعِي استحلافه فَقَالَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ إِن الْمُدَّعِي قد حلفني على هَذِه الدَّعْوَى عِنْد قَاضِي بلد كَذَا وَأنكر الْمُدَّعِي ذَلِك فاقام الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بَيِّنَة على ذَلِك تقبل وَإِن لم يكن لَهُ بَيِّنَة وَأَرَادَ تَحْلِيف الْمُدَّعِي لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ يَدعِي إِيفَاء حَقه فِي الْيَمين وَلَو ادّعى الْمُدَّعِي عَلَيْهِ أَنه أبرأني عَن هَذِه الدَّعْوَى وَقَالَ القَاضِي حلفه إِنَّه لم يكن أبرأني عَن هَذَا لَا يحلفهُ القَاضِي لِأَن الْمُدَّعِي بِالدَّعْوَى اسْتحق الْجَواب على الْمُدَّعِي عَلَيْهِ وَالْجَوَاب إِمَّا بِالْإِقْرَارِ أَو بالإنكار وَقَوله أبرأني عَن هَذِه الدَّعْوَى لَيْسَ بِإِقْرَار وَلَا إِنْكَار فَلَا يكون مسموعا من الْمُدَّعِي عَلَيْهِ وَيُقَال لَهُ أجب خصمك ثمَّ ادْع عَلَيْهِ مَا شِئْت وَهَذَا بِخِلَاف مَا لَو قَالَ أبرأني عَن هَذِه الْألف فَإِنَّهُ يحلف لِأَن دَعْوَى الْبَرَاءَة عَن المَال إِقْرَار بِوُجُوب المَال وَالْإِقْرَار جَوَاب وَدَعوى الْإِبْرَاء مسْقط فيترتب عَلَيْهِ الِاسْتِحْلَاف
الجزء 1 · صفحة 233
وَمن الْمَشَايِخ من قَالَ الصَّحِيح أَنه يحلف الْمُدَّعِي على هَذِه الدَّعْوَى وَهِي دَعْوَى الْبَرَاءَة عَن الدَّعْوَى كَمَا يحلف الْمُدَّعِي على دَعْوَى التَّحْلِيف وَإِلَيْهِ مَال شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي وَعَلِيهِ أَكثر قُضَاة زَمَاننَا
وَفِي الغنية ادّعى الْمَدْيُون الايصال فَأنْكر الْمُدَّعِي وَلَا بَيِّنَة لَهُ فَطلب يَمِينه فَقَالَ الْمُدَّعِي اجْعَل حَقي فِي الْخَتْم ثمَّ استحلفني فَلهُ ذَلِك فِي زَمَاننَا اه
إِذا أقرّ الْوَاهِب أَن الْمَوْهُوب لَهُ قبض الْمَوْهُوب فِي الْمجْلس أَو بعده بأَمْره ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك إِنَّه لم يقبض وَكنت أَقرَرت بِهِ كَاذِبًا وَسَأَلَ القَاضِي أَن يحلف الْمَوْهُوب لَهُ بِاللَّه لقد قَبضه عَن هَذِه الْهِبَة الَّتِي يَدعِي بهَا فعندهما لَا يحلفهُ لِأَن التَّحْلِيف إِنَّمَا يَتَرَتَّب على دَعْوَى صَحِيحَة وَالدَّعْوَى لم تصح هَا هُنَا لمَكَان التَّنَاقُض وعَلى قَول أبي يُوسُف يحلفهُ بِاللَّه لقد قَبضته بِحكم الْهِبَة الَّتِي تدعيها وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا اشْترى شَيْئا وَأقر المُشْتَرِي بِقَبض المُشْتَرِي ثمَّ ادّعى أَنه لم يقبضهُ وَطلب من القَاضِي أَن يحلف البَائِع بِاللَّه لقد سلمته إِلَى المُشْتَرِي بِحكم هَذَا الشِّرَاء الَّذِي يَدعِيهِ وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا اشْترى شَيْئا واقر البَائِع يقبض الثّمن ثمَّ ادّعى أَنه لم يقبضهُ وَأَرَادَ تَحْلِيف المُشْتَرِي وَرب الدّين إِذا أقرّ بِقَبض الدّين وَأشْهد عَلَيْهِ ثمَّ أنكر الْقَبْض يحلف الْمَدْيُون وَالْمقر على نَفسه بدين لرجل ثمَّ أنكر الدّين وَقَالَ لَا شَيْء لَهُ عَليّ وَإِنَّمَا أَقرَرت لَهُ بذلك كَاذِبًا وَطلب يَمِين الْمقر لَهُ الْكل على هَذَا الْخلاف أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول الْمُعْتَاد فِيمَا بَين النَّاس أَن البَائِع يقر بِقَبض الثّمن والمشترى يقبض الْمُشْتَرى للإشهاد وَإِن لم يكن قبض ثمنه حَقِيقَة وَكَذَلِكَ الْمُعْتَاد فِيمَا بَين النَّاس أَن الْمُسْتَقْرض يكْتب أَولا خطّ الْإِقْرَار وَيشْهد عَلَيْهِ قبل قبض المَال فَلَو كَانَ التَّنَاقُض مَانِعا من صِحَة الدَّعْوَى والاستحلاف لبطلت حُقُوق النَّاس
قَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى أَرْبَعَة أَشْيَاء يسْتَحْلف القَاضِي الْخصم فِيهَا قبل أَن يطْلب الْمُدَّعِي ذَلِك
أَحدهَا الشَّفِيع إِذا طلب من القَاضِي أَن يقْضِي لَهُ بِالشُّفْعَة يحلفهُ بِاللَّه لقد طلبت الشُّفْعَة حِين علمت بِالشِّرَاءِ وَإِن لم يطْلب المُشْتَرِي ذَلِك وَهُوَ قَول ابْن أبي ليلى وَعند أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى لَا يستحلفه القَاضِي الثَّانِي الْبكر إِذا بلغت واختارت الْفرْقَة وَطلبت التَّفْرِيق من القَاضِي يستحلفها بِاللَّه لقد اخْتَرْت الْفرْقَة حِين بلغت وَإِن لم يَدعه الزَّوْج وَالثَّالِث المُشْتَرِي إِذا أَرَادَ الرَّد بِالْعَيْبِ يحلفهُ القَاضِي إِنَّه لم يرض بِالْعَيْبِ وَلَا عرضته على البيع مُنْذُ رايته وَالرَّابِع الْمَرْأَة إِذا سَأَلت من القَاضِي أَن يفْرض لَهَا النَّفَقَة فِي مَال الزَّوْج الْغَائِب يحلفها بِاللَّه مَا أَعْطَاك نَفَقَتك حِين خرج وَيجب أَن تكون مَسْأَلَة النَّفَقَة فِي قَوْلهم جَمِيعًا
ادّعى الشُّفْعَة بالجوار فَقَالَ القَاضِي للْمُدَّعِي عَلَيْهِ مَاذَا تَقول فِيمَا ادّعى فَقَالَ هَذِه الدَّار لَا بنى هَذَا الطِّفْل صَحَّ إِقْرَاره لِابْنِهِ لِأَن الدَّار فِي يَده وَالْيَد دَلِيل الْملك فَكَانَ إِقْرَار على نَفسه فَيصح فَإِن قَالَ الشَّفِيع للْقَاضِي حلفه بِاللَّه مَا أَنا شفيعها فَإِنَّهُ لَا يحلفهُ لِأَن إِقْرَار الْأَب بِالشُّفْعَة على ابْنه لَا يَصح فَلَا يُفِيد الِاسْتِحْلَاف وَهَذَا من جملَة الْحِيَل والمخارج فِي الْخُصُومَات وَإِن أَرَادَ الشَّفِيع أَن يُقيم الْبَيِّنَة على الشِّرَاء كَانَ الْأَب خصما وَتسمع الْبَيِّنَة عَلَيْهِ لِأَن الْأَب قَائِم مقَام الابْن وَلَو كَانَ الابْن كَبِيرا لَكَانَ خصما فَكَذَا هَذَا
وَفِي الْمُحِيط الشَّهَادَة الْقَائِمَة على عتق العَبْد لَا تقبل بِدُونِ الدَّعْوَى عِنْد أبي حنيفَة خلافًا لَهما وَتقبل الْبَيِّنَة على عتق الْأمة وَطَلَاق الْمَرْأَة حسبَة من غير الدَّعْوَى وَلَا يحلف على عتق العَبْد حسبَة بِدُونِ الدَّعْوَى بالِاتِّفَاقِ وَهل يحلف على عتق الْأمة وَطَلَاق الْمَرْأَة بِدُونِ الدَّعْوَى أَشَارَ مُحَمَّد فِي آخر كتاب التَّحَرِّي أَنه يحلف وَهَكَذَا ذكر فِي شرح الْقَدُورِيّ وَذكر شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ أَنه لَا يحلف فَتَأمل عِنْد الْفَتْوَى
الجزء 1 · صفحة 234
وَذكر فِي الْخُلَاصَة عبد فِي يَد رجل أَقَامَ الْبَيِّنَة أَنه حر وَقَالَ ذُو الْيَد إِنَّه عبد فلَان أودعنيه أَو آجرنيه فَبَيِّنَة ذِي الْيَد أولى بِخِلَاف مَا إِذا أَقَامَ العَبْد الْبَيِّنَة على مَوْلَاهُ أَنه حر الأَصْل واقام مَوْلَاهُ الْبَيِّنَة أَنه عَبده فَبَيِّنَة العَبْد أولى لِأَن الْمولى يصلح خصما لإِثْبَات بَيِّنَة العَبْد بِالْحُرِّيَّةِ أما هَاهُنَا فالمودع لَيْسَ بخصم لَكِن يُحَال بَين العَبْد وَبَين ذِي الْيَد وَلَو قَالَ العَبْد أعتقني فلَان وَذُو الْيَد لم يقم الْبَيِّنَة على الْإِيدَاع وَالْإِجَارَة لَا يُحَال بَينه وَبَين العَبْد لِأَنَّهُ أقرّ بِالرّقِّ ثمَّ ادّعى الْعتْق وَلَو أَن رجلا قدم بَلْدَة وَمَعَهُ رجال وَنسَاء وصبيان يخدمونه وهم فِي يَده وَادّعى أَنهم أرقاؤه وَادعوا أَنهم أَحْرَار كَانُوا أحرارا مالم يقرُّوا لَهُ بِالْملكِ بِكَلَام أَو بِبيع أَو تقوم لَهُ بَيِّنَة وَإِن كَانُوا من أهل الْهِنْد أَو السَّنَد أَو التّرْك أَو الرّوم
وَفِي الْجَامِع الصَّغِير غُلَام هُوَ فِي يَد رجل قَالَ أَنا حر وَقَالَ الَّذِي فِي يَده هُوَ عبد إِن كَانَ لَا يعبر عَن نَفسه فَالْقَوْل قَول ذِي الْيَد وَهُوَ كالمتاع وَإِن كَانَ بَالغا أَو صَغِيرا يعبر عَن نَفسه فَالْقَوْل قَول الْغُلَام وَلَو أَقَامَا الْبَيِّنَة هَذَا على الرّقّ وَهَذَا على الْحُرِّيَّة فَبَيِّنَة الْغُلَام أولى وَيجوز أَن يكون القَوْل قَوْله وَالْبَيِّنَة بَينته كَالْمُودعِ إِذا قَالَ رددت الْوَدِيعَة كَانَ القَوْل قَوْله وَلَو أَقَامَا الْبَيِّنَة فَالْبَيِّنَة بَينته
وَفِي الْوَلْوَالجيّ وَلَو بَاعَ رجل رجلا وَقَبضه المُشْتَرِي وَهُوَ سَاكِت فَهُوَ إِقْرَار بِأَنَّهُ عَبده لِأَنَّهُ إِنْفَاذ لتصرف يخْتَص بِهِ المماليك تَصرفا يُوجب حَقًا فِي الْمحل وَهُوَ ملك الرَّقَبَة وَالْيَد والانقياد لمثل هَذَا التَّصَرُّف يكون إِقْرَارا بِالرّقِّ وَالْملك وَلَو عرض عبد أَو أمة على رجل وَهُوَ سَاكِت أَو هِيَ ساكتة وَلم يبع ثمَّ قَالَا نَحن حران صدقا عَلَيْهِ اه
وَفِي أدب القَاضِي رجل قَالَ لآخر إِن فلَانا الْمَيِّت أوصى اليك وجعلك قيمًا فِي مَاله وَأنكر الْوَصِيّ فَلَا يَمِين عَلَيْهِ وَكَذَا لَو قَالَ إِن فلَانا وكلك بِطَلَب حُقُوقه ولي على موكلك مَال وَأنكر الْوَكِيل الْوكَالَة لَا يَمِين عَلَيْهِ وَإِذا ادّعى المُشْتَرِي إِيفَاء الثّمن وَالْبَائِع يُنكر يحلف البَائِع وَكَذَا الْمُسْتَقْرض إِذا ادّعى إِيفَاء الْقَرْض وَأنكر الْمقْرض يحلف الْمقْرض وَلَو ادّعى الْمضَارب أَو الشَّرِيك دفع المَال وَأنكر رب المَال أَو الشَّرِيك الْقَبْض يحلف الْمضَارب أَو الشَّرِيك الَّذِي كَانَ المَال فِي يَده لِأَن المَال فِي أَيْدِيهِمَا أَمَانَة وَالْقَوْل قَول الْأمين مَعَ الْيَمين وَإِذا ادّعى المُشْتَرِي إِيفَاء الثّمن وَأنكر البَائِع فَالْقَاضِي إِنَّمَا يحلفهُ إِذا طلب المُشْتَرِي يَمِينه وَلَو حلفه القَاضِي من غير طلبه ثمَّ أَرَادَ المُشْتَرِي تَحْلِيفه ثَانِيًا لَهُ ذَلِك ثمَّ إِذا حلف البَائِع أَنه لم يسْتَوْف الثّمن وَقَالَ المُشْتَرِي أَنا أجيء بِالْبَيِّنَةِ على الْإِيفَاء فَالْقَاضِي لَا يجْبر المُشْتَرِي على أَدَاء المَال بل يمهله ثَلَاثَة أَيَّام بِشَرْط أَن يَدعِي حُضُور الشُّهُود وَأما إِذا قَالَ شهودي غيب يقْضِي عَلَيْهِ بِالْمَالِ وَلَا يمهله كَذَا فِي الْعِمَادِيّ
وَفِي الغنية أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة فَقَالَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ إِن لي دفعا شَرْعِيًّا للْقَاضِي أَن يقْضِي عَلَيْهِ إِذا قَامَت الْبَيِّنَة العادلة وَلَا يلْتَفت إِلَى مثل هَذِه الْمقَالة وَقَالَ أَبُو حَامِد رَحمَه الله تَعَالَى يكلفه أَن يَأْتِي بِالدفع فَإِن أَبْطَأَ كَانَ لَهُ أَن يقْضِي ويبقي لَهُ حق الدّفع
أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة وَطلب القَاضِي من الْمُدَّعِي عَلَيْهِ دفعا فعجز عَنهُ يقْضِي القَاضِي يَعْنِي لَا يُؤَخر قَالَ أَبُو حَامِد رَحمَه الله تَعَالَى يقْضِي وَالْقَاضِي ظَالِم فِي تَأْخِيره للْحكم وَقَالَ الْكَرَابِيسِي تَأْخِير الْقَضَاء بعد ثُبُوت الْحق ظلم
أَتَى بِدفع صَحِيح وَقضى القَاضِي بِبُطْلَان دَعْوَى الْمُدَّعِي ثمَّ أعَاد الدَّعْوَى عِنْد قَاض آخر لَا يحْتَاج الْمُدَّعِي عَلَيْهِ إِلَى إِعَادَة الدّفع عِنْده وَلَا ينْقض الحكم بِهِ إِذا ثَبت ذَلِك بِالْبَيِّنَةِ اه كَلَام الغنية
الجزء 1 · صفحة 235
الْمَدْيُون إِذا حلف أَن لَا دين عَلَيْهِ ثمَّ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَة على الدّين فَعِنْدَ مُحَمَّد لَا يظْهر كذبه فِي الْحلف لِأَن الْبَيِّنَة حجَّة من حَيْثُ الظَّاهِر فَلَا يظْهر كذبه فِي يَمِينه وَعند أَبى يُوسُف يظْهر كذبه فِي يَمِينه
وَلَا يَمِين فِي الْحُدُود سَوَاء كَانَ حدا هُوَ خَالص حق الله تَعَالَى نَحْو حد الزِّنَى وَشرب الْخمر وحد السّرقَة أَو كَانَ دائرا بَين حق الله تَعَالَى وَحقّ العَبْد نَحْو حد الْقَذْف حَتَّى إِن من ادّعى على آخر أَنه قذفه وَأنكر الْقَاذِف لَا يَمِين عَلَيْهِ فِيهِ وَأما فِي السّرقَة فَإِن السَّارِق يسْتَحْلف لأجل المَال إِذا أَرَادَ الْمَالِك أَخذ المَال دون الْقطع وَيُقَال لَهُ حِينَئِذٍ دع ذكر السّرقَة إِذا وادع تنَاول مَالك فَيكون لَك عَلَيْهِ الْيَمين وَفِي الْقصاص فِي النَّفس والأطراف يسْتَحْلف إِلَّا أَن فِي الطّرف يقْضِي بِالْقطعِ عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَعِنْدَهُمَا يقْضِي بِالْمَالِ وَفِي النَّفس لَا يقْضِي بِالنّكُولِ عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَلَكِن يحبس حَتَّى يقر أَو يحلف وَعِنْدَهُمَا يقْضِي بِالدِّيَةِ
ادّعى على آخر أَنه قَالَ لَهُ يَا مُنَافِق أَو يَا كَافِر أَو يَا زنديق أَو ادّعى أَنه ضربه أَو لطمه أَو مَا أشبه ذَلِك من الْأُمُور الَّتِي توجب التَّعْزِير واراد تَحْلِيفه فَالْقَاضِي يحلفهُ لِأَن التَّعْزِير مَحْض حق العَبْد وَلِهَذَا ملك العَبْد إِسْقَاطه بِالْعَفو والصغر لَا يمْنَع وُجُوبه كَذَا فِي الْعِمَادِيّ
وَفِي فَتَاوَى قاضيخان لَو وَجب يَمِين على الْأَخْرَس فَإِنَّهُ يحلف وَصُورَة تَحْلِيفه أَن يَقُول لَهُ القَاضِي عَلَيْك عهد الله وميثاقه إِن كَانَ كَذَا وَكَذَا فَأَوْمأ بِرَأْسِهِ بنعم يصير حَالفا وَلَا يَقُول لَهُ بِاللَّه إِن كَانَ كَذَا وَكَذَا لِأَنَّهُ لَو أَشَارَ بِرَأْسِهِ بنعم فِي هَذَا الْوَجْه يصير مقرا بِاللَّه وَلَا يكون حَالفا
رجل ادّعى أَنه وَكيل الْغَائِب بِقَبض الدّين أَو الْعين إِن برهن على الْوكَالَة وَالْمَال قبلت وَإِن أقرّ بِالْوكَالَةِ وَأنكر المَال لَا يصير خصما وَلَا تقبل الْبَيِّنَة على المَال لِأَنَّهُ لم يثبت كَونه خصما بِإِقْرَار الْمَطْلُوب لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحجَّة فِي حق الطَّالِب وَإِن أقرّ بِالْمَالِ وَأنكر الْوكَالَة لَا يسْتَحْلف على الْوكَالَة لِأَن التَّحْلِيف يَتَرَتَّب على دَعْوَى صَحِيحَة وَلم تُوجد لعدم ثُبُوت الْوكَالَة
وَذكر الْخصاف أَنه يحلف على الْوكَالَة وَالْأول أصح وَفِي الْمُنْتَقى الْمَطْلُوب إِذا كَانَ مَرِيضا أَو امْرَأَة يبْعَث من يستحلفهما وَقَالَ الإِمَام رَحمَه الله تَعَالَى لَا يبْعَث
من عَلَيْهِ الدّين الْمُؤَجل قدمه الدَّائِن إِلَى القَاضِي قبل الْحل وحلفه مَاله قبلك الْيَوْم شَيْء وجهله القَاضِي إِن كَانَ الْحَالِف لَا يَنْوِي إِتْلَاف حَقه لَا بَأْس بِهِ وَلَكِن لَيْسَ للْقَاضِي أَن يقبله مِنْهُ بل يحلفهُ بِاللَّه مَاله قبلك شَيْء قَالَ الْفَقِيه فِيهِ دَلِيل على أَن قَوْله لَيْسَ قبله الْيَوْم شَيْء إِقْرَار وَلَا يلْتَفت إِلَى قَول بعض الْحُكَّام إِنَّه إِقْرَار بِالدّينِ الْمُؤَجل فَيجب عَلَيْهِ المَال
وَذكر الناطفي أَن من عَلَيْهِ دين مُؤَجل لَو أقرّ بِهِ وَادّعى الْأَجَل لَا يصدقهُ القَاضِي فحيلته أَن يَقُول القَاضِي سلة إِحَالَة أم مُؤَجّلَة إِن ادّعى الْحَالة يحلف بِاللَّه مَا عَلَيْهِ هَذِه الْألف الَّتِي يدعيها وَإِن حلف بِغَيْر هَذَا الطَّرِيق حنث
وَفِي الْمُحِيط للْمَرْأَة إِثْبَات الْمهْر الْمُؤَجل وَإِن لم يكن لَهَا ولَايَة الْمُطَالبَة وَكَذَا الدّين الْمُؤَجل
رجل أَخذ دَرَاهِمه مِمَّن هِيَ عَلَيْهِ ونقدها النَّاقِد ثمَّ وجد بَعْضهَا زُيُوفًا لَا ضَمَان على النَّاقِد وَترد إِلَى الدَّافِع وَيسْتَرد غَيرهَا وَإِن أنكر الدَّافِع أَن يكون ذَا مدفوعه فَالْقَوْل قَول الْقَابِض لِأَنَّهُ يُنكر أَخذ غَيرهَا وَهَذَا إِذا لم يقر بِاسْتِيفَاء حَقه أَو الْجِيَاد فَإِن كَانَ أقرّ لَا يرجع إِن أنكر الدَّافِع أَن يكون ذَا هُوَ
الجزء 1 · صفحة 236
فِي الْقنية رجل طلب دينه من الْمَدْيُون فَأعْطَاهُ ألف من الْحِنْطَة وَلم يبعها مِنْهُ وَلم يقل إِنَّهَا من جِهَة الدّين فَهُوَ بيع بِالدّينِ وَإِن كَانَت قيمتهَا أقل من الدّين فَإِن كَانَ السّعر بَينهمَا مَعْلُوما يكون بيعا بِقدر قِيمَته من الدّين وَإِلَّا فَلَا بيع بَينهمَا
وَفِي الْعِمَادِيّ وَلَو كَانَ لرجل على آخر دَنَانِير فَقَالَ أَنا أُعْطِيك بهَا دَرَاهِم فساوم بِالدَّرَاهِمِ وَلم يَقع بيع ثمَّ فَارقه عَن قبض وَلم يسْتَأْنف بيعا فَهَذَا جَائِز البياعة وبنحوه عَن مُحَمَّد رَحمَه الله قَالَ وَقد وَقعت وَاقعَة الْفَتْوَى فِي زَمَاننَا قلت وَصورتهَا بِالْفَارِسِيَّةِ لَكِن عربها بعض الْفُضَلَاء الْمجمع على خَيره وَدينه وَهُوَ رب الدّين إِذا توَافق مَعَ الْمَدْيُون على أَن يُعْطِيهِ من الذّرة بِمِقْدَار مَاله عِنْده من الدَّرَاهِم وَقد كَانَ ذَلِك الْقدر فِي ملكه والذرة فِي ذَلِك الْوَقْت كل مائَة من بِدِينَار إِلَّا أَن رب الدّين لم يقبض الذّرة فِي ذَلِك الْمجْلس ثمَّ بعد ايام جَاءَ وَقبض ذَلِك الْقدر من الْغلَّة وَقد تغير السّعر أينعقد البيع بَينهمَا فعلى قِيَاس مَا ذكر فِي مداينات الذَّخِيرَة يَنْبَغِي أَن ينْعَقد البيع بَينهمَا بِالْإِقْرَارِ السَّابِق وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم
وَفِي فَتَاوَى الديناري رجل لَهُ عِنْد رجل حِنْطَة دينا فجَاء رب الدّين وَأخذ مِنْهُ قماشا من الخام بِحِسَاب الْحِنْطَة وَذَلِكَ الْيَوْم سعر الْحِنْطَة كل مائَة من بِدِينَار ثمَّ لما حَاسبه كَانَ السّعر يَوْم الْحساب كل خمسين مِنْهَا بِدِينَار فَإِن حصل بَينهمَا مواضعة بِأَن عين القماش الخام بِمِقْدَار من الْحِنْطَة يعْتَبر ذَلِك التَّعْيِين وَإِن لم يحصل بَينهمَا مواضعة يعْتَبر وَقت الْحساب لَا وَقت الخرج وَاعْتبر بعض الْمَشَايِخ وَقت الخرج مستدلا بِأَنَّهُ لَو استخرج رجل من سمان حبوبا وَأَعْطَاهُ أغلب ثمنهَا يعْتَبر وَقت الخرج قَالَ الديناري وَالْمُعْتَبر عندنَا وَقت الْحساب
ادّعى الْمَدْيُون أَن الدَّائِن كتب على قرطاس بِخَطِّهِ إِن الدّين الَّذِي لي على فلَان بن فلَان أَبرَأته عَنهُ صَحَّ وَسقط الدّين لِأَن الْكِتَابَة المرسومة المعنونة كالمنطوق بِهِ وَإِن لم يكن كَذَلِك لَا يَصح الْإِبْرَاء وَلَا دَعْوَى الْإِبْرَاء وَلَا فرق بَين أَن تكون الْكِتَابَة بِطَلَب الدَّائِن وَبِغير طلبه وَلَو قَالَ تركت الدّين الَّذِي لي عَلَيْك لَا يكون إِبْرَاء وَيحمل على ترك الطّلب فِي الْحَال
وَذكر فِي الخزانة الْأَكْمَل محالا على فَتَاوَى صاعد رجل كتب على نَفسه بِمَال مَعْلُوم وخطه مَعْلُوم بَين التُّجَّار وَأهل الْبَلَد ثمَّ مَاتَ فجَاء غَرِيمه يطْلب المَال من الْوَرَثَة وَعرض خطّ الْمَيِّت بِحَيْثُ عرف النَّاس خطه حكم بذلك فِي تركته وَقد جرت الْعَادة بَين النَّاس بِمثلِهِ حجَّة
وَفِي جَامع الْفَتَاوَى وَلَو قَالَ تركت حَقي من الْمِيرَاث أَو بَرِئت مِنْهُ أَو من حصتي لَا يَصح وَهُوَ على حَقه لِأَن الْإِرْث جبري لَا يَصح تَركه
قَالَ الْمُدَّعِي للْمُدَّعِي عَلَيْهِ بعد الْخُصُومَة وهبت وَتركت لَا يكون إِبْرَاء مَا لم يقل مِنْك بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ أبرئني مِمَّا لَك عَليّ أَو هَب لي فَقَالَ وهبت أَو تركت أَو أبرأت لِخُرُوجِهِ مخرج الْجَواب قَالَ من كَانَ لي عَلَيْهِ شَيْء فَهُوَ فِي حل قَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى هُوَ على دَعْوَاهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى هُوَ على دَعْوَاهُ فِي الْعين الْقَائِمَة لَا فِي الدّين
أَبرَأَهُ عَن الدَّعَاوَى ثمَّ ادّعى عَلَيْهِ بِالْوكَالَةِ أَو الْوِصَايَة عَن غَيره صَحَّ وَفِي الْعِمَادِيّ رجل ادّعى على آخر مَالا فَأنْكر فَقَالَ الْمُدَّعِي إِنَّه كتب لي بذلك خطأ فَأنْكر الْمُدَّعِي عَلَيْهِ أَن يكون خطه فَأمره القَاضِي أَن يكْتب على بَيَاض فَكتب وَكَانَ بَين الخطين مشابهة ظَاهِرَة دَالَّة على أَنَّهُمَا بِخَط كَاتب وَاحِد لَا يقْضِي عَلَيْهِ بِالْمَالِ الْمُدَّعِي بِهِ لِأَن هَذَا لَا يكون أَعلَى حَالا مِمَّا لَو كَانَ هَذَا خطي وَأَنا كتبته
الجزء 1 · صفحة 237
وَلَكِن لَيْسَ على هَذَا المَال فهنالك القَوْل قَوْله وَلَا شَيْء عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ السَّيِّد الامام نَاصِر الدّين وَذكر مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى فِي كتاب الطَّلَاق وَلَو كتب الطَّلَاق على الرَّسْم فِي مثله ثمَّ قَالَ لم أنو بِهِ الطَّلَاق لَا يصدق فَكَذَا الاقرار
وَفِي فَتَاوَى الْوَلْوَالجيّ رجل ادّعى على رجل دَارا أَو عبدا ثمَّ قَالَ الْمُدَّعِي للْمُدَّعِي عَلَيْهِ أَبْرَأتك عَن هَذِه الدَّار وَعَن خصومتي فِي هَذِه الدَّار أَو فِي دعواي فِي هَذِه الدَّار فَهَذَا كُله بَاطِل حَتَّى لَو ادّعى بعد ذَلِك تسمع وَلَو أَقَامَ الْبَيِّنَة تقبل بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ بَرِئت لَا تقبل بَينته بعد ذَلِك وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ أَنا بَرِيء من هَذَا العَبْد أَو خرجت عَنهُ فَلَيْسَ لَهُ أَن يَدعِي بعد ذَلِك لِأَن قَوْله أَبْرَأتك عَن خصومتي فِي هَذِه الدَّار خطاب للْوَاحِد فَلهُ أَن يُخَاصم غَيره فِي ذَلِك بِخِلَاف قَوْله بَرِئت لِأَنَّهُ أضَاف الْبَرَاءَة إِلَى نَفسه مُطلقًا فَيكون هُوَ بَرِيئًا
نوع فِي الِاخْتِلَاف إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ فِي قدر الثّمن أَو الْمَبِيع بِأَن ادّعى المُشْتَرِي ثمنا وَادّعى البَائِع أَكثر مِنْهُ أَو اعْترف البَائِع بِقدر من الْمَبِيع وَادّعى المُشْتَرِي وَأكْثر مِنْهُ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون لأَحَدهمَا بَيِّنَة أَو لَهما بَيِّنَة أَولا بَيِّنَة لَهما وَلَا لأَحَدهمَا فَإِن كَانَ لأَحَدهمَا بَيِّنَة قضى لمن قَامَت بِبَيِّنَتِهِ لِأَنَّهُ نور دَعْوَاهُ بِالْحجَّةِ وَإِن أَقَامَا الْبَيِّنَة فَالْبَيِّنَة المثبتة للزِّيَادَة أولى لِأَن الْبَينَات شرعت للإثبات وَإِن لم يكن لَهما وَلَا لأَحَدهمَا بَيِّنَة قيل للْمُشْتَرِي إِمَّا أَن ترْضى بِالثّمن الَّذِي ادَّعَاهُ البَائِع وَإِلَّا فسخنا البيع وَقيل للْبَائِع إِمَّا أَن تسلم مَال ادَّعَاهُ المُشْتَرِي من الْمَبِيع وَإِلَّا فسخنا البيع لِأَن الْغَرَض قطع الْخُصُومَة وَقد أمكن ذَلِك بِرِضا أَحدهمَا بِمَا يَدعِيهِ الآخر فَإِن لم يرضيا اسْتحْلف القَاضِي كل وَاحِد مِنْهُمَا على دَعْوَى الآخر وَيبدأ بِيَمِين المُشْتَرِي فِي الصَّحِيح ثمَّ إِذا حلف أَحدهمَا يسْتَحْلف الآخر فَإِن نكل أَحدهمَا ثبتَتْ الدَّعْوَى الآخر لِأَن النّكُول بذل أَو إِقْرَار ثمَّ إِذا تحَالفا هَل يَنْفَسِخ البيع بِنَفس التَّحَالُف أَو بِفَسْخ القَاضِي فقد اخْتلفُوا فِيهِ قَالَ بَعضهم يَنْفَسِخ البيع بِنَفس التَّحَالُف وَقَالَ بَعضهم لَا يَنْفَسِخ إِلَّا بِفَسْخ القَاضِي عِنْد طلبهما أَو طلب أَحدهمَا وَهُوَ الصَّحِيح هَذَا الْكَلَام فِيمَا إِذا اخْتلفَا فِي الْمَبِيع وَحده أوفى الثّمن وَحده وَأما إِذا اخْتلفَا فِي الْمَبِيع وَالثمن جَمِيعًا بِأَن قَالَ البَائِع بِعْت هَذَا العَبْد بألفي دِرْهَم وَقَالَ المُشْتَرِي بل اشْتريت هَذَا العَبْد بِأَلف دِرْهَم فَإِن لم يكن لَهما وَلَا لأَحَدهمَا بَيِّنَة تحَالفا وتفاسخا البيع على مَا بَيناهُ وَإِن كَانَ لأَحَدهمَا بَيِّنَة فَمن قَامَت بَينته أولى لما بَيناهُ وَإِن أَقَامَ كل وَاحِد مِنْهُمَا بَيِّنَة على مَا يَدعِيهِ فَبَيِّنَة البَائِع أولى فِي الثّمن لِأَنَّهَا أَكثر اثباتا وَبَيِّنَة المُشْتَرِي أولى فِي الْمَبِيع لِأَنَّهَا أَكثر إِثْبَاتًا وَإِن اخْتلفَا فِي الْأَجَل أَو فِي شَرط الْخِيَار أَو اسْتِيفَاء بعض الثّمن كَانَ القَوْل للْمُنكر مَعَ يَمِينه
وَفِي الْمَبْسُوط فرق بَين هَذَا وَبَين الْأَجَل فِي السّلم فَإِن هُنَاكَ القَوْل من يَدعِي الْأَجَل من قبل أَن هُنَاكَ الْأَجَل من شَرط صِحَة العقد على مَا يَجِيء فِي بَابه اه كَذَا ذكر فِي المنبع
إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ فِي قدر الثّمن بعد قبض الْمَبِيع وهلاكه لَا تحالف فِيهِ عِنْد أبي حنيفَة وابي يُوسُف رحمهمَا الله تَعَالَى بل القَوْل فِيهِ للْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينه وَقَالَ مُحَمَّد وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله يَتَحَالَفَانِ وَيفْسخ البيع على قيمَة الْهَالِك وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا خرج الْمَبِيع عَن ملكه أَو تغير وَصَارَ بِحَال لَا يقدر على رده بِالْعَيْبِ
إِذا اشْترى عَبْدَيْنِ صَفْقَة وَاحِدَة وقبضهما ثمَّ مَاتَ أَحدهمَا وَاخْتلفَا فِي مِقْدَار الثّمن فَقَالَ المُشْتَرِي اشتريتهما بِأَلف دلاهم وَقَالَ البَائِع اشتريتهما بألفي دِرْهَم قَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لَا يَتَحَالَفَانِ إِلَّا أَن يرضى البَائِع أَن يتْرك حِصَّة الْهَالِك فَحِينَئِذٍ يَتَحَالَفَانِ وَإِذا لم يرض البَائِع بترك حِصَّة الْهَالِك لَا يَتَحَالَفَانِ وَيكون القَوْل قَول
الجزء 1 · صفحة 238
المُشْتَرِي مَعَ يَمِينه وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يَتَحَالَفَانِ فِي الْحَيّ وَيفْسخ العقد فِي الْحَيّ وَالْقَوْل للْمُشْتَرِي فِي حِصَّة الْهَالِك من الثّمن مَعَ يمنيه وَقَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى يَتَحَالَفَانِ عَلَيْهِمَا وَيرد الْحَيّ وَقِيمَة الْهَالِك
وَفِي المنبع إِذا وَقع الِاخْتِلَاف فِي مَتَاع لبيت فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون الِاخْتِلَاف بَين الزَّوْجَيْنِ فِي حَال حياتهما وَإِمَّا أَن يكون بَين ورثتهما بعد وفاتهما وَإِمَّا أَن يكون فِي حَال حَيَاة أَحدهمَا وَمَوْت الآخر فَإِن كَانَ الِاخْتِلَاف فِي حَال حياتهما فإمَّا أَن يكون فِي حَال قيام النِّكَاح وَإِمَّا أَن يكون بعد زَوَاله بِالطَّلَاق فَإِن كَانَ فِي حَال قيام النِّكَاح فَمَا يصلح للرجل كالعمامة والقلنسوة وَالسِّلَاح وَغير ذَلِك فَالْقَوْل فِيهِ قَول الزَّوْج مَعَ يَمِينه لِأَن الظَّاهِر شَاهد لَهُ وَمَا يصلح للنِّسَاء كالخمار والملحفة والمغزل وَنَحْوهَا فَالْقَوْل فِيهِ للْمَرْأَة مَعَ الْيَمين لِأَن الظَّاهِر شَاهد لَهَا
قَالَ الامام التُّمُرْتَاشِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَمَا يصلح للنِّسَاء فَالْقَوْل فِيهِ وللمرأة مَعَ الْيَمين إِلَّا إِذا كَانَ الرجل صائغا وَله أساور وخواتيم النِّسَاء وحلى وخلخال وأمثال ذَلِك فَحِينَئِذٍ لَا يكون مثل هَذِه الْأَشْيَاء للْمَرْأَة وَكَذَلِكَ إِذا كَانَت الْمَرْأَة تبيع ثِيَاب الرِّجَال كالعمامة والقوس والدرع والمنطقة انْتهى وَمَا يصلح لَهما كالآنية وَالذَّهَب وَالْفِضَّة والمنزل وَالْعَقار والمواشي وَغَيرهَا فَالْقَوْل فِيهِ قَول الزَّوْج وَهَذَا عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى القَوْل قَول الزَّوْج فِي غير الْمُشكل كَمَا قَالَا وَأما فِي الْمُشكل فَالْقَوْل قَول الْمَرْأَة إِلَى قدر جهاز مثلهَا وَفِي الْبَاقِي القَوْل قَول الزَّوْج وَقَالَ زفر رَحمَه الله تَعَالَى الْمُشكل بَينهمَا نِصْفَانِ وَفِي قَول آخر وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله تَعَالَى الْمَتَاع كُله بَينهمَا نِصْفَانِ وَقَالَ ابْن أبي لَيْلَة القَوْل قَول الزَّوْج فِي الْكل وَلها ثِيَاب بدنهَا وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى إِن كَانَ الْبَيْت بَيت الْمَرْأَة فالمتاع كُله لَهَا إِلَّا مَا على الزَّوْج من ثِيَاب بدنه وَإِن كَانَ الْبَيْت بَيت الزَّوْج فالمتاع لَهُ لِأَن يَد صَاحب الْبَيْت على مَا فِي الْبَيْت أقوى وَأظْهر من يَد غَيره وَهَذَا كُله إِذا اخْتلفَا فِي حَال قيام النِّكَاح وَأما إِذا اخْتلفَا بعد طَلاقهَا ثَلَاثًا أَو بَائِنا فَالْقَوْل قَول الزَّوْج لِأَنَّهَا صَارَت أَجْنَبِيَّة بِالطَّلَاق فَزَالَتْ يَدهَا هَذَا إِذا اخْتلف الزَّوْجَانِ قبل الطَّلَاق أَو بعده أما إِذا مَاتَا فَاخْتلف ورثتهما فَالْقَوْل قَول وَرَثَة الزَّوْج فِي قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى وَعند أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى القَوْل قَول وَرَثَة الْمَرْأَة إِلَى قدر جهاز مثلهَا وَفِي الْبَاقِي القَوْل قَول وَرَثَة الزَّوْج لِأَن الْوَارِث يقوم مقَام الْمُورث فصارا كالمورثين اخْتلفَا بأنفسهما وهما حَيَّان فِي حَال قيام النِّكَاح وَلَو كَانَ كَذَلِك كَانَ على هَذَا الْخلاف فَكَذَلِك بعد مَوْتهمَا وَإِن مَاتَ أَحدهمَا فَاخْتلف الْحَيّ مِنْهُمَا وورثة الْمَيِّت فَإِن كَانَ الْمَيِّت هُوَ الْمَرْأَة فَالْقَوْل قَول الزَّوْج عِنْد ابي حنيفَة وَمُحَمّد لِأَنَّهَا لَو كَانَت حَيَّة لَكَانَ القَوْل قَول الزَّوْج فَبعد مَوتهَا أولى وَعند ابي يُوسُف القَوْل قَول وَرَثَة الْمَرْأَة إِلَى قدر جهاز مثلهَا كَمَا هُوَ أَصله وَإِن كَانَ الْمَيِّت هُوَ الزَّوْج فَالْقَوْل قَوْلهَا عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْمُشكل وَعند أبي يُوسُف فِي قدر جهاز مثلهَا وَعند مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى القَوْل قَول وَرَثَة الزَّوْج وَهَذَا كُله إِذا كَانَ الزَّوْجَانِ حُرَّيْنِ أَو مملوكين أَو مكاتبين أما إِذا كَانَ أَحدهمَا حرا وَالْآخر مَمْلُوكا أَو مكَاتبا فاختلفا فِي حياتهما فَعِنْدَ أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى القَوْل قَول الْحر وَعِنْدَهُمَا إِن كَانَ الْمَمْلُوك مَحْجُورا فَكَذَلِك وَإِن كَانَ الْمَمْلُوك مَأْذُونا أَو مكَاتبا فَالْجَوَاب فِيهِ وَفِيمَا إِذا كَانَا حُرَّيْنِ سَوَاء وَقد تقدم جَوَاب الحرين بتفاصيلهما
وَفِي الْمُحِيط رجل زوج ابْنَته فجهزها بجهاز فَمَاتَتْ الْبِنْت وَزعم أَبوهَا أَن الجهاز الْمَدْفُوع إِلَيْهَا كَانَ مَاله وَأَنه لم يملكهُ مِنْهَا وانما أَعَارَهُ لَهَا وَلم يَهبهُ لَهَا فَالْقَوْل قَول الزَّوْج وعَلى الْأَب الْبَيِّنَة لِأَن الظَّاهِر شَاهد للزَّوْج
الجزء 1 · صفحة 239
وَلِأَن الانسان إِذا جهز بنته يدْفع إِلَيْهَا بطرِيق التَّمْلِيك ظَاهرا وَصَارَ كمن دفع ثوبا إِلَى قصار ليقصره وَلم يذكر أجرا حمل على الاجارة بِشَهَادَة الظَّاهِر فَكَذَا هَذَا
وَالْبَيِّنَة الصَّحِيحَة أَن تشهد عِنْد التَّسْلِيم إِلَى الْمَرْأَة أَنه إِنَّمَا سلم إِلَيْهَا هَذِه الْأَعْيَان بطرِيق الْعَارِية أَو يكْتب نُسْخَة وَيشْهد الْأَب على إِقْرَارهَا أَن جَمِيع مَا فِي هَذِه النُّسْخَة مِنْك عَارِية بيَدي لَكِن هَذَا للْقَضَاء لَا للِاحْتِيَاط لجَوَاز أَنه اشْترى لَهَا بعض هَذِه الْأَشْيَاء فِي حَالَة الصغر فَبِهَذَا الْإِقْرَار لَا يصير للْأَب فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى فالاحتياط أَن يَشْتَرِي مِنْهَا مَا فِي هَذِه النُّسْخَة بِثمن مَعْلُوم ثمَّ الْبِنْت تبرئه عَن الثّمن انْتهى
وَفِي الْعِمَادِيّ إِن كَانَ لرجل على انسان دينان من جنس وَاحِد فَأدى الْمَدْيُون شَيْئا من المَال فَالْقَوْل قَول الدَّافِع أَنه دفع بِأَيّ جِهَة فَيسْقط ذَلِك الدّين عَن ذمَّته وَلَو كَانَا من جِنْسَيْنِ بِأَن كَانَ أَحدهمَا من الذَّهَب وَالْآخر من الْفضة أَو أَحدهمَا من الْحِنْطَة وَالْآخر من الشّعير فَأدى الْفضة وَقَالَ أدّيت عوضا عَن الذَّهَب لَا يكون عوضا عَن الذَّهَب لِأَن الْمُعَاوضَة لَا تتمّ الا بالطرفين
دلال بَاعَ شَيْئا ثمَّ ان المُشْتَرِي دفع عشرَة دَرَاهِم إِلَى الدَّلال وَقَالَ دفعت من الثّمن وَقَالَ الدَّلال دفعت دلالتي فَالْقَوْل قَول الدَّافِع مَعَ يَمِينه لِأَنَّهُ المملك
رجل عَلَيْهِ ألف دِرْهَم من كَفَالَة وَألف دِرْهَم من ثمن مَبِيع فجَاء بِأَلف وَقَالَ أؤدي هَذِه من الْكفَالَة وَقَالَ الطَّالِب لَا آخذها إِلَّا من جَمِيع مَالِي عَلَيْك لَهُ ذَلِك وَحصل الْقَبْض عَن الْمَالَيْنِ وَيرجع بِمَا بَقِي على الْمَكْفُول عَنهُ وَإِن قبض وَلم يقل شَيْئا فللمطلوب أَن يَجعله من أَي الْمَالَيْنِ شَاءَ
خياط يخيط ثوبا فِي دَار انسان اخْتلفَا فِي الثَّوْب فَالْقَوْل قَول صَاحب الدَّار وَلِأَن الثَّوْب وَإِن كَانَ فِي يَد الْخياط صُورَة فَهُوَ فِي يَد صَاحب الدَّار معنى
حمال خرج من دَار رجل وعَلى عَاتِقه مَتَاع فَإِن كَانَ الْحمال يعرف بِبيع ذَلِك وَحمله فَهُوَ لَهُ وَكَانَ الظَّاهِر شَاهدا لَهُ وَإِن كَانَ لَا يعرف فَهُوَ لصَاحب الدَّار لِأَن الظَّاهِر شَاهد لَهُ وَكَذَلِكَ حمال عَلَيْهِ كارة وَهُوَ فِي دَار بزاز وَاخْتلفَا فِي تِلْكَ الكارة فَإِن كَانَت الدَّار مِمَّا يحمل فِيهَا فَالْقَوْل قَول الْحمال وَإِن كَانَت مِمَّا لَا يحمل فِيهَا فَالْقَوْل قَول صَاحب الدَّار
رجلَانِ اصطادا طائرا فِي دَار رجل وَاخْتلفَا فِيهِ فَإِن اتفقَا على اصل الْإِبَاحَة وَلم يستول عَلَيْهِ قطّ فَهُوَ للصائد سَوَاء اصطاده من الْهَوَاء أَو من الشّجر أَو من الْحَائِط لِأَنَّهُ الْآخِذ دون صَاحب الدَّار إِذْ الصَّيْد لَا يعْتَبر بِكَوْنِهِ مأخوذا على حَائِطه أَو شَجَره وَقد قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الصَّيْد لمن أَخذه وَإِن اخْتلفَا فَقَالَ صَاحب الدَّار اصطدته قبلك أَو ورثته وَأنكر الصَّائِد فَإِنَّهُ ينظر إِن أَخذه من الْهَوَاء فَهُوَ لَهُ لِأَنَّهُ الْآخِذ إِذْ لَا يدْخلهُ على الْهَوَاء وَإِن أَخذ من جِدَاره أَو من شَجَره فَهُوَ لصَاحب الدَّار لِأَن الْجِدَار وَالشَّجر فِي يَده وَكَذَلِكَ إِذا اخْتلفَا فِي أَخذه من الْهَوَاء أَو من الْجِدَار فَالْقَوْل قَول صَاحب الدَّار لِأَن الأَصْل أَن مَا فِي دَار الانسان يكون فِي يَده هَكَذَا روى عَن أبي يُوسُف مَسْأَلَة الصَّيْد على هَذِه التفاصيل وَالله أعلم
الجزء 1 · صفحة 240
الْفَصْل الثَّالِث فِي الشَّهَادَات
يفترض على الشَّاهِد أَدَاء الشَّهَادَة عِنْد الْحَاكِم إِذا طلب مِنْهُ الْمُدَّعِي الْأَدَاء وَلَا يَسعهُ كتمانها لقَوْله تَعَالَى {وَلَا تكتموا الشَّهَادَة وَمن يكتمها فَإِنَّهُ آثم قلبه} وَهُوَ صَرِيح فِي ذَلِك
وَفِي الْمُحِيط رجل طلب مِنْهُ أَن يكْتب شَهَادَته أَو يشْهد على عقد هَل لَهُ أَن يمْتَنع ينظر إِن كَانَ الطَّالِب يجد غَيره فللشاهد هَذَا أَن يمْتَنع وَإِلَّا فَلَا يَسعهُ ذَلِك
وَفِي نَوَادِر هِشَام عَن مُحَمَّد رجل لَهُ شُهُود كَثِيرَة فَدَعَا بَعضهم ليقيم الشَّهَادَة وَهُوَ يجد غَيره مِمَّن تقبل شَهَادَته وَلَكِن هَذَا الشَّاهِد مِمَّن تقبل شَهَادَته أسْرع لَا يَسعهُ الِامْتِنَاع عَن الْأَدَاء لما قُلْنَا
وَفِي الْمُجْتَبى فِي تَفْسِير الفضلى وَتحمل الشَّهَادَة فرض على الْكِفَايَة وَإِلَّا لضاعت الْحُقُوق وَبَطلَت المواثيق وعَلى هَذَا الْكَاتِب إِذا ندب لذَلِك إِلَّا أَنه يجوز لِلْكَاتِبِ أَخذ الْأُجْرَة دون الشَّاهِد
وَفِي النّصاب الْإِشْهَاد فِي الْمُبَايعَة والمداينة فرض على الْعباد لِأَنَّهُ يتْلف المَال لولاه إِلَّا إِذا كَانَ قَلِيلا أَو تلفهَا لَا يخَاف عَلَيْهِ نَحْو دِرْهَم لحقارته
وَذكر فِي الذَّخِيرَة سُئِلَ نصر عَن الشَّاهِد إِذا دعِي إِلَى أَدَاء الشَّهَادَة وَهُوَ فِي الرستاق إِن كَانَ بِحَال لَو حضر إِلَى مجْلِس الحكم وَشهد يُمكنهُ الرُّجُوع إِلَى أَهله فِي يَوْمه يجب عَلَيْهِ الْحُضُور لِأَنَّهُ لَا ضَرَر عَلَيْهِ فِي الْحُضُور وَإِن كَانَ لَا يُمكنهُ الرُّجُوع إِلَى أَهله فِي يَوْمه لَا يجب عَلَيْهِ الْحُضُور وَإِن كَانَ الشَّاهِد شَيخا كَبِيرا لَا يقدر على الْمَشْي بالأقدام وَلَيْسَ عِنْده مَا يركبه يُكَلف الْمَشْهُود لَهُ بِدَابَّة يركبهَا ويحضر مَعَه مجْلِس الحكم فَلَا بَأْس بِهِ قَالَ وَهَذَا من إكرام الشُّهُود
وَعَن أبي سُلَيْمَان الْجِرْجَانِيّ رَحمَه الله تَعَالَى رجل أخرج شُهُودًا إِلَى ضَيْعَة قد اشْتَرَاهَا واستأجر دَوَاب لَهُم فَرَكبُوا وذهبوا لم تقبل شَهَادَتهم وَفِيه نظر لِأَن الْعَادة جرت أَن من أخرج شَاهدا إِلَى الرستاق يُعْطِيهِ دَابَّة خُصُوصا إِذا لم يكن للشَّاهِد دَابَّة
وَفِي شرح شيخ الاسلام رَحمَه الله تَعَالَى إِن فِي حُقُوق الْعباد إِذا طلب الْمُدَّعِي الشَّاهِد ليشهد لَهُ فَتَأَخر من غير عذر ظَاهر ثمَّ ادى لَا تقبل شَهَادَته وَكَذَلِكَ إِذا طلب أجرا على الْأَدَاء لَا تقبل كَذَا فِي المنبع
وَفِي البزازي شَهدا على امْرَأَة لَا يعرفانها فَإِنَّهَا لَا تجوز حَتَّى تشهد جمَاعَة أَنَّهَا فُلَانَة وَعند أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يجوز إِذا شهد عَدْلَانِ أَنَّهَا فُلَانَة وَلَا يشْتَرط رُؤْيَة وَجههَا وَشَرطهَا فِي الْجَامِع الصَّغِير حَتَّى تشهد على مَعْلُوم لِأَن الشَّهَادَة على الْمَجْهُول بَاطِلَة وَقَالَ الإِمَام خُوَاهَر زَاده رَحمَه الله على أَنه لَا يشْتَرط رُؤْيَة شخصها أَيْضا وَغَيره على أَنه يشْتَرط رُؤْيَة شخصها وَفِي الْمُنْتَقى تحمل الشَّهَادَة على امْرَأَة ثمَّ مَاتَت فَشهد عِنْده عَدْلَانِ على أَنَّهَا فُلَانَة لَهُ أَن يشْهد عَلَيْهَا
وَذكر الْخصاف رَحمَه الله تَعَالَى رجل فِي بَيت وَحده دخل عَلَيْهِ رجل وَرَآهُ ثمَّ خرج وَجلسَ على الْبَاب وَلَيْسَ للبيت مَسْلَك غَيره فَسمع إِقْرَاره من الْبَاب بِلَا رُؤْيَة وَجهه حل لَهُ أَن يشْهد بِمَا أقرّ
الجزء 1 · صفحة 241
وَفِي الْعُيُون رجل أخْفى قوما لرجل ثمَّ سَأَلَهُ عَن شَيْء فَأقر وهم يسمعُونَ كَلَامه ويرونه وَهُوَ لَا يراهم جَازَت شَهَادَتهم وَإِن لم يروه وسمعوا كَلَامه لَا يحل لَهُم الشَّهَادَة
وَلَا تجوز الشَّهَادَة بِالسَّمَاعِ إِلَّا فِي أَربع مَوَاطِن النّسَب وَالنِّكَاح وَالْقَضَاء وَالْمَوْت وَفِي الْوَقْف الصَّحِيح أَنَّهَا تقبل بِالتَّسَامُعِ على أَصله لَا على شَرَائِطه وَلَو شهد الشُّهُود على الْوَقْف من غير دَعْوَى تقبل لِأَن الْوَقْف حِكْمَة التَّصَدُّق بالغلة وَهُوَ حق الله تَعَالَى وَفِي حُقُوق الله تَعَالَى لَا تشْتَرط الدَّعْوَى كَذَا فِي المنبع
وَفِي الصُّغْرَى الشَّهَادَة فِيمَا يقبل بِالتَّسَامُعِ على طَرِيقين بالشهرة الْحَقِيقِيَّة وَهُوَ أَن يسمع من قوم لَا يتَوَهَّم اتِّفَاقهم على الْكَذِب وَلَا يشْتَرط فِيهِ الْعَدَالَة وَلَفظ الشَّهَادَة الْحكمِيَّة وَهُوَ أَن يشْهد عِنْده رجلَانِ أَو رجل وَامْرَأَتَانِ عَدْلَانِ بِلَفْظ الشَّهَادَة
وَلَا تجوز الشَّهَادَة بالشهرة فِي الْوَلَاء عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى وَعند أبي يُوسُف رَحمَه الله تجوز وَلَا تجوز فِي الْعتْق وَالطَّلَاق إِجْمَاعًا قَالَ الْحلْوانِي رَحمَه الله تَعَالَى هَذَا قَوْلهمَا وَعند أبي يُوسُف رَحمَه الله أَنه يجوز كَمَا فِي الْوَلَاء
وَفِي الْمُنْتَقى الْأَصَح أَنه يشْهد فِي الْمهْر بِالتَّسَامُعِ
رأى خطه وَلم يتَذَكَّر الْوَاقِعَة أَو رأى كِتَابَة الشَّهَادَة وَلم يتَذَكَّر المَال لَا يَسعهُ أَن يشْهد وَعند مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى يَسعهُ أَن يشْهد وَذكر الْخصاف رَحمَه الله تَعَالَى أَن الشَّرْط عِنْد الإِمَام رَحمَه الله تَعَالَى أَن يتَذَكَّر الْحَادِثَة والتاريخ ومبلغ المَال وَصفته حَتَّى لَو لم يتَذَكَّر شَيْئا مِنْهَا وتيقن أَنه خطه وخاتمه لَا يشْهد وَإِن شهد فَهُوَ شَاهد زور وَعَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى أَنه إِن قطع أَنه خطه يشْهد بِشَرْط أَن يكون مستودعا لم يتَنَاوَلهُ الْأَيْدِي وَلم يكن فِي يَد صَاحب الصَّك من الْوَقْت الَّذِي كتب فِيهِ اسْمه وَإِلَّا لَا يشْهد وَإِذا شهد عِنْد القَاضِي يقبله لَكِن يسْأَله عَنهُ أَنه يشْهد عَن علم أَو عَن الْخط فَإِن شهد عَن علم قبله وَإِن شهد عَن الْخط لَا قَالَ الْحلْوانِي رَحمَه الله تَعَالَى يُفْتى بقول مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى
إِذا عرف خطه والخط فِي حرز وَنسي الشَّهَادَة عِنْدهَا لَهُ أَن يشْهد قَالَ الْفَقِيه وَبِه نَأْخُذ وَيَنْبَغِي للشَّاهِد إِذا شهد وَكتب أَن يُعلمهُ حَتَّى يكون بِحَالَة يعرفهُ بعده وَلَا يُمكن تَغْيِيره
رجل كتب كتاب وَصيته وَقَالَ للْقَوْم اشْهَدُوا عَليّ بِمَا فِي الْكتاب لَا يجوز لَهُم أَن يشْهدُوا حَتَّى يقرأه عَلَيْهِم أَو يرونه يكْتب وهم يقرءُون مَا فِيهِ وَكَذَا الْوَصِيَّة المختومة وَهِي أَن الْمَرِيض إِذا كتب كتاب وَصيته وختمه وَقَالَ للشُّهُود هَذِه وصيتي وختمي فَاشْهَدُوا عَليّ بِمَا فِي هَذَا الْكتاب لَا يجوز لَهُم أَن يشْهدُوا بِمَا فِيهِ حَتَّى يعلمُوا مَا فِي الْكتاب بِأَن قرءوها أَو قُرِئت عَلَيْهِم وَكَذَا لَو شهدُوا على صك وَلم يقرءوه وَلم يعلمُوا مَا فِيهِ
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَان وَلَو كتب رِسَالَة عِنْد أُمِّيين لَا يقرآن وَلَا يكتبان وأمسكا الْكَاتِب عِنْدهمَا أَو شَهدا بِمَا لَا يجوز عِنْدهمَا وَعند ابي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يجوز كَذَا فِي الْخُلَاصَة
رجل كتب صك وَصيته وَقَالَ لقوم اشْهَدُوا عَليّ بِمَا فِيهِ وَلم يقرأه عَلَيْهِم قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمهم الله تَعَالَى لَا تجوز الشَّهَادَة عَلَيْهِ وَقيل تجوز وَالْأول أصح
الجزء 1 · صفحة 242
وَفِي المنبع وَأَجْمعُوا فِي الصَّك أَن الْإِشْهَاد لَا يَصح إِلَّا بإعلام الْكَاتِب مَا فِي الْكتاب فاحفظ هَذِه الْمَسْأَلَة فَإِن النَّاس اعتادوا خلاف ذَلِك فَإِنَّهُ يشْهدُونَ بِمَا فِي الصَّك من غير قِرَاءَة الْحُرُوف وَغير ذَلِك
القَاضِي إِذا أشهد جمَاعَة على السّجل وَلم يعلمُوا مَا فِيهِ وَلم يُخْبِرهُمْ القَاضِي بذلك لَا يجوز عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى وَهُوَ أحد الرِّوَايَتَيْنِ عَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى
سمع اقرار رجل بِحَق وَسعه أَن يشْهد عَلَيْهِ وَإِن لم يعاين السَّبَب وَإِن لم يقل لَهُ اشْهَدْ عَليّ بِمَا أَقرَرت
توَسط بَين رجلَيْنِ فَقَالَا لَهُ لَا تشهد علينا بِمَا تسمع منا فَسمع إقرارهما أَو إِقْرَار أَحدهمَا لرجل بِشَيْء أَو قَالَ أَحدهمَا للْآخر بَقِي لَك عَليّ كَذَا لَهُ أَن يشْهد كَمَا سمع
وَفِي الْمُحِيط شَهدا على امْرَأَة سمياها ونسباها وَكَانَت حَاضِرَة فَقَالَ القَاضِي أتعرفانها فَقَالَا لَا لَا تقبل شَهَادَتهمَا وَلَو قَالَا تحملنا هَذَا على الْمُسَمَّاة بفلانة بنت فلَان الْفُلَانِيَّة وَلَكِن لَا نَدْرِي أَنَّهَا هِيَ أم لَا صحت الشَّهَادَة وكلف الْمُدَّعِي أَن يَأْتِي بِآخَرين يَشْهَدَانِ أَنَّهَا فُلَانَة بنت فلَان اه
وَفِي الْعِمَادِيّ وَلَو جَاءَ الْمُدَّعِي بِشَاهِدين فَشهد أَحدهمَا وَفسّر الشَّهَادَة على وَجههَا ثمَّ قَالَ الآخر أشهد بِمثل شَهَادَة صَاحِبي تقبل قلت وَفِيه تَفْصِيل وَهُوَ إِن كَانَ الشَّاهِد فصيحا يُمكنهُ بَيَان الشَّهَادَة على وَجههَا لَا يقبل مِنْهُ الْإِجْمَال وَإِن كَانَ أعجميا غير فصيح يقبل مِنْهُ الْإِجْمَال إِذا كَانَ بِحَال لَوْلَا حشمة مجْلِس الْقَضَاء يُمكنهُ أَن يعبر الشَّهَادَة بِلِسَانِهِ أما إِذا كَانَ بِحَال لَا يُمكنهُ أَن يعبر بِلِسَانِهِ أصلا فَإِنَّهُ لَا يقبل أَيْضا
وَقَالَ الشَّيْخ الامام شمس الْأَئِمَّة ابو بكر مُحَمَّد بن أبي سهل رَحمَه الله الْمُخْتَار أَن يَجْعَل الْجَواب على التَّفْصِيل إِن أحس القَاضِي بخيانة من الشُّهُود بِشَهَادَة الزُّور يُكَلف كل شَاهد أَن يُفَسر شَهَادَته وَإِن لم يحس بِشَيْء من الْخِيَانَة لَا يُكَلف وَيحكم فِي ذَلِك بِرَأْيهِ
وَذكر الشَّيْخ ظهير الدّين المرغيناني فِي شُرُوطه أَنه إِذا جرى بَين اثْنَيْنِ بيع أَو إِجَارَة أَو عقد آخر وأشهدا على ذَلِك جمَاعَة هَل يشْتَرط كِتَابَة معرفَة الشُّهُود الْمُتَبَايعين بوجههما وأسمائهما وأنسابهما كَانَ هِلَال وَأَبُو زيد لَا يكتبان ذَلِك وَغَيرهمَا من أَصْحَابنَا يَكْتُبُونَ أخذا بِالِاحْتِيَاطِ
وَقَالَ ظهير الدّين رَحمَه الله تَعَالَى وَعِنْدِي أَن الْمُتَبَايعين إِذا كَانَا معروفين عِنْد النَّاس مشهورين لَا حَاجَة إِلَى كِتَابَة معرفَة الشُّهُود للمتبايعين وَإِن كَانَا غير مشهورين فَلَا بُد مِنْهُ لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى أَدَاء الشَّهَادَة عَلَيْهِ بِمحضر مِنْهُ فَلَا بُد من مَعْرفَته بِوَجْهِهِ ليمكنهم أَدَاء الشَّهَادَة عَلَيْهِ وَعند غيبته أَو مَوته يحْتَاج إِلَى الشَّهَادَة باسمه وَنسبه فَلَا بُد من معرفتهم اسْمه وَنسبه وَلَا يجوز الِاعْتِمَاد على إِخْبَار الْمُتَبَايعين باسمهما ونسبهما فَعَسَى أَن يسميا وينتسب العاقدان باسم غَيرهمَا وَنسبه يُرِيد أَن يزورا على الشُّهُود حَتَّى يخرجَا الْمَبِيع من يَد مَالِكه فَلَو اعتمدوا على قَوْلهمَا نفذ تزويرهما وَبَطل أَمْلَاك النَّاس وَهَذَا فصل كثير من النَّاس عَنهُ غافلون فَإِنَّهُم يسمعُونَ لفظ الشِّرَاء وَالْبيع وَالْإِقْرَار والتقابض من رجلَيْنِ لَا يعرفونهما ثمَّ إِذا اسْتشْهدُوا من بعد موت صَاحب الْمَبِيع يشْهدُونَ على ذَلِك الِاسْم وَالنّسب وَلم يكن لَهُم علم بذلك فَيجب أَن يحْتَرز على مثل ذَلِك غَايَة الِاحْتِرَاز صِيَانة لنَفسِهِ عَن المجازفة ولأموال النَّاس عَن الضّيَاع
قَالَ وَطَرِيق علم الشُّهُود بِالنّسَبِ أَن يشْهد عِنْدهم جمَاعَة لَا يتَصَوَّر تواطؤهم على الْكَذِب عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَعِنْدَهُمَا شَهَادَة رجلَيْنِ كَاف كَمَا فِي سَائِر الْحُقُوق قَالَ وَإِذا لحقه الْحَرج فِي إِحْضَار الْجَمَاعَة
الجزء 1 · صفحة 243
الَّتِي شَرط أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى فَيَنْبَغِي أَن يشْهد عَدْلَانِ على شَهَادَتهمَا عُدُولًا آخَرين على النّسَب حَتَّى إِذا احتاجوا إِلَى أَدَاء الشَّهَادَة شهدُوا على شَهَادَتهمَا على النّسَب وعَلى مَا فِي الْكتاب بِمَا شهدُوا عَلَيْهِ
نوع فِيمَن تقبل شَهَادَته وَمن لَا تقبل لَا تقبل شَهَادَة سِتَّة عشر العَبْد الْمُدبر الْمكَاتب أم الْوَلَد المجلود فِي الْقَذْف الشَّرِيك فِي شركته المفاوض الَّذِي يجر لنَفسِهِ نفعا بِشَهَادَتِهِ الَّتِي تقوم على النَّفْي شَهَادَة التهاتر شَهَادَة أهل الْكفْر على الْمُسلمين شَهَادَة الْمولى مأذونه ومكاتبه شَهَادَة الْأَعْمَى وَالْخُنْثَى الْمُشكل لَا تقبل شَهَادَته مَعَ رجل أَو امْرَأَة وَلَو كَانَ مَعَ رجل وَامْرَأَة تقبل وَمَتى ردَّتْ الْعلَّة ثمَّ زَالَت لَا تقبل إِلَّا فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع عبد ردَّتْ شَهَادَته ثمَّ عتق وَكَافِر أسلم وأعمى أبْصر وَصبي ردَّتْ شَهَادَته ثمَّ بلغ فَأَعَادُوا الْأَدَاء تقبل
وَفِي خُلَاصَة النَّوَازِل لأبي اللَّيْث لَا تقبل شَهَادَة معلم الصّبيان لِأَن عقله نَاقص لكَونه بِالنَّهَارِ مَعَ الغلمان وبالليل مَعَ النسوان وَيَوْم الْجُمُعَة فِي الطاحون
وَعَن عَلْقَمَة أَنه قَالَ عقل ثَمَانِينَ معلما كعقل امْرَأَة وَاحِدَة وَالصَّحِيح أَنه إِن كَانَ عدلا تقبل شَهَادَته وَحَدِيث عَلْقَمَة وابي اللَّيْث فِي معلم بِعَيْنِه
وَفِي الْمَنْع لَا تقبل شَهَادَة الْآبَاء والأمهات والأجداد والجدات للْوَلَد وَولد الْوَلَد وَإِن سفل وَلَا شَهَادَة الْأَوْلَاد وَأَوْلَاد الْأَوْلَاد للآباء والأمهات والأجداد والجدات
شَهَادَة الرجل لولد الِابْنَة لَا تقبل لِأَنَّهُ لَو قضى لَهُ لَا يجوز وَكَذَلِكَ لَا تقبل شَهَادَة الرجل على قَضَاء أَبِيه بِأَن يشْهد أَن أَبَاهُ قضى لفُلَان على فلَان بِكَذَا وَتجوز شَهَادَته على شَهَادَة أَبِيه رَوَاهُ الْحسن عَن أبي مَالك عَن أبي يُوسُف عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى
وروى أَيْضا عَن أبي حنيفَة أَنه لَا تجوز شَهَادَة الابْن على قَضَاء أَبِيه وَإِن كَانَ الْأَب قَاضِيا يَوْم الشَّهَادَة وَعَن مُحَمَّد أَنه تجوز شَهَادَة الابْن على قَضَاء أَبِيه مُطلقًا اه
وَلَا تجوز شَهَادَة أحد الزَّوْجَيْنِ للْآخر وَلَا شَهَادَة الْأَجِير لمن اسْتَأْجرهُ وَالْمرَاد بِهِ الْأَجِير الْخَاص الَّذِي يعد ضَرَر أستاذه ضَرَرا لنَفسِهِ ونفعه نفعا لنَفسِهِ وَهُوَ معنى قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا شَهَادَة للقانع بِأَهْل الْبَيْت وَفِي الْمغرب قيل أَرَادَ بِهِ من يكون مَعَ الْقَوْم كالخادم وَالتَّابِع والأجير وَنَحْوه وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة السَّائِل يطْلب معاشه انْتهى
وَفِي شرح منظومة ابْن وهبان شَهَادَة الْعَدو على عدوه هَل تقبل أَو لَا تقبل وَالصَّحِيح أَنَّهَا تقبل سَوَاء كَانَت الْعَدَاوَة دينية أَو دنيوية فَإِنَّهَا لَا تقدح فِي الْعَدَالَة وَقيل الْعَدَاوَة الدُّنْيَوِيَّة تُؤثر فِي الْعَدَالَة وتقدح فِيهَا فَلَا تقبل شَهَادَة الْعَدو على عدوه إِذا كَانَت الْعَدَاوَة دنيوية
وَمِثَال الْعَدَاوَة الدُّنْيَوِيَّة أَن يشْهد الْمَقْذُوف على الْقَاذِف والمقطوع عَلَيْهِ الطَّرِيق على الْقَاطِع والمقتول وليه على الْقَاتِل والمجروح على الْجَارِح وَالزَّوْج يشْهد على امْرَأَته بالزنى فَإِن هَؤُلَاءِ تقبل شَهَادَتهم فِي قَول أَكثر أهل الْعلم كربيعة وَالثَّوْري وَإِسْحَاق وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَهُوَ الْمُصَرّح بِهِ فِي غَالب كتب أَصْحَابنَا وَالْمَشْهُور على أَلْسِنَة فقهائنا
وَمِثَال الْعَدَاوَة الدِّينِيَّة الْمُسلم يشْهد على الْكَافِر والمحق من أهل السّنة يشْهد على المبتدع فَإِن شَهَادَة هَؤُلَاءِ غير مَرْدُودَة وَلَا قادحة فِي الْعَدَالَة
الجزء 1 · صفحة 244
وَذكر صَاحب المغنى من الْحَنَابِلَة عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى إِن الْعَدَاوَة لَا تمنع الشَّهَادَة مُطلقًا وَذكر صَاحب الْقنية من أَصْحَابنَا فِي بَاب من تقبل شَهَادَته وَمن لَا تقبل مَا يُؤَيّد ذَلِك
تَنْبِيه قد يتَوَهَّم بعض المتفقهة وَالشُّهُود أَن كل من خَاصم شخصا فِي حق أَو ادّعى عَلَيْهِ حَقًا أَنه يصير عدوه فَيشْهد بَينهمَا بالعداوة وَلَيْسَ كَذَلِك بل الْعَدَاوَة تثبت بِنَحْوِ مَا ذكرت نعم لَو خَاصم الشَّخْص آخر فِي حق لَا تقبل شَهَادَته عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْحق كَالْوَكِيلِ لَا تقبل شَهَادَته فِيمَا هُوَ وَكيل فِيهِ وَالْوَصِيّ لَا تقبل شَهَادَته فِيمَا هُوَ وَصِيّ فِيهِ وَالشَّرِيك لَا تقبل شَهَادَته فِيمَا هُوَ شريك فِيهِ وَنَحْو ذَلِك لَا أَنه إِذا تخاصم اثْنَان فِي حق لَا تقبل شَهَادَة أَحدهمَا على الآخر لما بَينهمَا من الْمُخَاصمَة
فرع إِذا قُلْنَا إِنَّه لَا تجوز شَهَادَة الْعَدو على عدوه إِذا كَانَت الْعَدَاوَة دنيوية هَل الحكم فِي القَاضِي كَذَلِك حَتَّى لَا يجوز قَضَاء القَاضِي على من بَينه وَبَينه عَدَاوَة دنيوية لم اقف على هَذَا الْفَرْع فِي كتب أَصْحَابنَا وَيَنْبَغِي أَن يكون الْجَواب فِيهِ على التَّفْصِيل إِن كَانَ قَضَاؤُهُ عَلَيْهِ بِعِلْمِهِ فَيَنْبَغِي أَن لَا ينفذ وَإِن كَانَ بِشَهَادَة الْعُدُول وبمحضر من النَّاس فِي مجْلِس الحكم بِطَلَب خصم شَرْعِي ودعواه فَيَنْبَغِي أَن يجوز وَرَأَيْت فِي الرَّافِعِيّ من كتب الشَّافِعِيَّة عَن القَاضِي الْمَاوَرْدِيّ أَنه يجوز قَضَاء الْعَدو على عدوه بِخِلَاف شَهَادَة الْعَدو على عدوه وَفرق بَينهمَا بِأَن قَالَ لِأَن أَسبَاب الحكم ظَاهِرَة واسباب الشَّهَادَة خافية اه مَا نقلته من شرح الْمَنْظُومَة
وَفِي الْوِقَايَة وَلَا تقبل شَهَادَة مخنث يفعل الرَّدِيء ونائحة ومغنية ومدمن الشّرْب على اللَّهْو وَمن يلْعَب بالطيور أَو الطنبور أَو يُغني للنَّاس أَو يرتكب مَا يحد بِهِ أَو يدْخل الْحمام بِلَا إِزَار أَو يَأْكُل الرِّبَا أَو يقامر بالنرد أَو الشطرنج أَو تفوته الصَّلَاة بهما أَو يَبُول على الطَّرِيق أَو يَأْكُل فِيهِ أَو يظْهر سبّ السّلف
وَفِي الذَّخِيرَة وَلم يرد بالنائحة الَّتِي تنوح فِي مصيبتها وَإِنَّمَا اراد الَّتِي تنوح فِي مُصِيبَة غَيرهَا اتَّخذت ذَلِك مكسبة
وَفِي الْبَدَائِع وَأما من يضْرب شَيْئا من الملاهي فَإِنَّهُ ينظر إِن لم يكن مستبشعا كالقصب والدف وَنَحْوهمَا لَا بَأْس بِهِ وَلَا تسْقط عَدَالَته وَإِن كَانَ مستبشعا كالعود وَنَحْوه سَقَطت عَدَالَته لِأَنَّهُ لَا يحل بِوَجْه من الْوُجُوه قَوْله وَمد من الشّرْب المُرَاد بِهِ الادمان فِي النِّيَّة يَعْنِي يشرب وَمن نِيَّته أَن يشرب بعد ذَلِك إِذا وجده
وَأما اللاعب بالطيور فَإِنَّهُ ينظر إِلَى العورات فِي السَّطْح وَغَيره وَذَا فسق هَذَا إِذا كَانَ يطيرها أما إِذا كَانَ يمسك الْحمام فِي بَيته ويستأنس بهَا وَلَا يطيرها فَهُوَ عدل لِأَن اقتناء الْحمام فِي الْبيُوت مُبَاح أَلا ترى أَن النَّاس يتخذون بروج الْحمام وَلم يمْنَع من ذَلِك أحد وَبِهَذَا تبين أَنه إِذا اتخذ الْحمام لحمل الْكتب كَمَا فِي الديار المصرية والشامية لَا يكون حَرَامًا لوُقُوع الْحَاجة إِلَيْهَا وَأما من ارْتكب كَبِيرَة فَإِنَّهُ ترد شَهَادَته
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي مَاهِيَّة الْكَبِيرَة وَالصَّغِيرَة قَالَ بَعضهم مَا فِيهِ حد فِي كتاب الله تَعَالَى فَهُوَ كَبِيرَة وَمَا لَا حد فِيهِ فَهُوَ صَغِيرَة قيل وَهَذَا لَيْسَ بسديد فَإِن شرب الْخمر وَأكل الرِّبَا من الْكَبَائِر وَلَا حد فيهمَا فِي كتاب الله تَعَالَى وَقَالَ بَعضهم مَا أوجب الْحَد فَهُوَ كَبِيرَة وَمَا لَا حد فَهُوَ صَغِيرَة وَهَذَا أَيْضا يبطل بِأَكْل الرِّبَا وَغَيره لِأَنَّهُ لَا حد فِيهِ مَعَ أَنَّهَا كَبِيرَة وَقَالَ بَعضهم مَا كَانَ حَرَامًا لعَينه فَهُوَ كَبِيرَة وَقيل هِيَ السَّبع الَّتِي ذكرهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث الْمَعْرُوف سبع من الْكَبَائِر لَا كَفَّارَة فِيهِنَّ الاشراك بِاللَّه والفرار من الزَّحْف وعقوق الْوَالِدين وَقتل النَّفس بِغَيْر حق وبهت الْمُؤمن والزنى وَشرب
الجزء 1 · صفحة 245
الْخمر وَهَذَا قَول أهل الْحجاز واهل الحَدِيث وَزَاد بَعضهم على هَذِه السَّبع أكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم بِغَيْر حق وَأَصَح مَا يُقَال فِيهِ مَا هُوَ الْمَنْقُول عَن شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي رَحمَه الله تَعَالَى أَنه قَالَ مَا كَانَ شنيعا بَين الْمُسلمين وَفِيه هتك حُرْمَة اسْم الله تَعَالَى وَالدّين فَهُوَ حرَام من جملَة الْكَبَائِر يُوجب سُقُوط الْعَدَالَة
وَفِي الْمُحِيط وَحكى أَبُو بكر الرَّازِيّ عَن أبي حسن الْكَرْخِي رحمهمَا الله تَعَالَى أَن من مَشى فِي السُّوق بسراويل وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيره لَا تقبل شَهَادَته لِأَنَّهُ تَارِك للمروءة وَكَذَلِكَ لَا تقبل شَهَادَة من يَأْكُل فِي السُّوق بَين يَدي النَّاس وَكَذَا من يمد رجلَيْهِ عِنْد النَّاس أَو يكْشف رَأسه فِي مَوضِع لاعادة فِيهِ وَمن يجن سَاعَة ويفيق سَاعَة فَشهد فِي حَالَة الصحو تقبل شَهَادَته لِأَن ذَلِك بِمَنْزِلَة الْإِغْمَاء وَالْإِغْمَاء لَا يمْنَع قبُول الشَّهَادَة وَقدره بعض مَشَايِخنَا بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ حَتَّى لَو جن يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ ثمَّ أَفَاق فشهادته جَائِزَة فِي حَال الصحو اه
وَفِي الْقنية لَا تقبل شَهَادَة رب الدّين لمديونه إِذا كَانَ مُفلسًا وَقَالَ شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي ووالد صَاحب الْمُحِيط تقبل شَهَادَة رب الدّين لمديونه وَإِن كَانَ مُفلسًا
وَفِي شرح الْجَامِع للعتابي رب الدّين إِذا شهد لمديونه بعد مَوته بِمَال لَا تقبل شَهَادَته لتَعلق حَقه بِالتَّرِكَةِ وَكَذَا الْوَصِيّ لَهُ بِأَلف مُرْسلَة أَو بِشَيْء بِعَيْنِه لَا تقبل لِأَنَّهُ يزْدَاد بِهِ مَحل وَصيته أَو سَلامَة عينه
وَقَالَ شمس الْأَئِمَّة الأوزجندي رَحمَه الله تَعَالَى رجل شهد قبل أَن يستشهد تسمع شَهَادَته بعد ذَلِك
وَلَا تقبل شَهَادَة العواني الَّذِي يَأْخُذ بِغَيْر حق لِأَنَّهُ يكون ظلما فَيكون فسقا
وَلَو شهد الساكنان بِأَجْر أَو بِغَيْر أجر لرب الدَّار جَازَ عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَقَالا لَا تجوز فَإِن شهد المرتهنان للْمُدَّعِي على الرَّاهِن تقبل وَلَو شهد الراهنان لَا تقبل حَتَّى يفتك الرَّهْن
عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ لَا تقبل شَهَادَة الأقلف وَلَا تقبل صلَاته وَلَا تُؤْكَل ذَبِيحَته وَتقبل شَهَادَة الزَّوْج لصهره وَشَهَادَة الصّديق لصديقه وَلَا تقبل شَهَادَة من يَبِيع الأكفان إِذا ترصد لذَلِك لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يتَمَنَّى الْمَوْت والطاعون وَكَذَلِكَ لَا تقبل شَهَادَة النخاس والدلال لِأَنَّهُمَا يكذبان وَلَا يباليان
شهد أَحدهمَا أَنه طَلقهَا بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْآخر بِالْفَارِسِيَّةِ لَا تقبل بِخِلَاف الْإِقْرَار
وَفِي الْخُلَاصَة وَلَا تقبل شَهَادَة الخطابية لأَنهم يشْهدُونَ لبَعْضهِم بَعْضًا بالزور وَيَقُولُونَ إِن عليا هُوَ الاله الْأَكْبَر وجعفر الصَّادِق هُوَ الاله الْأَصْغَر تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا لَا اله الا الله وَحده لَا شريك لَهُ
وَفِي الْمُحِيط شهد الشُّهُود بِحَق لرجل ثمَّ حلفوا لَا تقبل شَهَادَتهم للتُّهمَةِ وَلَو بَاعَ عينا ثمَّ شهد بهَا للْمُدَّعِي لَا تقبل وَتقبل شَهَادَة الْأَخ لِأَخِيهِ وَعَمه لِأَن الْأَمْلَاك وَالْمَنَافِع بَينهمَا متباينة كَذَا فِي الْهِدَايَة وَلَا تقبل شَهَادَة الْأَشْرَاف بالعراق لتعصبهم وَقَالَ بعض الْعلمَاء لَا تجوز شَهَادَة الْقَرَوِي وَتجوز شَهَادَة أهل الْأَمْصَار
وَفِي الْعِمَادِيّ وَلَو شهد أَنه وقف على فُقَرَاء جِيرَانه وهما من جِيرَانه الْفُقَرَاء جَازَت شَهَادَتهمَا لِأَن الْجوَار لَيْسَ بِأَمْر لَازم وَكَذَا لَو شَهدا أَنه وَقفه على فُقَرَاء مَسْجده وهما من فُقَرَاء مَسْجده جَازَت شَهَادَتهمَا وَكَذَا لَو شهد أهل الْمدرسَة بوقف الْمدرسَة تقبل شَهَادَتهم لَكِن الْمَشَايِخ رَحِمهم الله تَعَالَى فصلوا الْجَواب فيهمَا فَقَالُوا فِي شَهَادَة أهل الْمدرسَة إِن كَانُوا يَأْخُذُونَ الْوَظَائِف من ذَلِك الْوَقْف لَا تقبل شَهَادَتهم وَإِن كَانُوا لَا يَأْخُذُونَ تقبل وَقيل فِي هَذِه الْمسَائِل كلهَا تقبل وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن كَون الْفَقِيه فِي الْمدرسَة لَيْسَ بِلَازِم بل ينْتَقل
رجل قَالَ لآخر اكْتُبْ شهادتي فِي هَذَا الصَّك فَكتب الْمَأْمُور شهد بذلك لَا يكون إِقْرَارا من الْآمِر بِأَن هَذَا ملك البَائِع
الجزء 1 · صفحة 246
وَذكر فِي أدب القَاضِي الْخصاف أَسبَاب الْجرْح كَثِيرَة مِنْهَا ركُوب بَحر الْهِنْد لانه مخاطر بِنَفسِهِ وَدينه وَمَاله وَمِنْهَا التِّجَارَة فِي قرى فَارس فَإِنَّهُم يُطْعِمُونَهُمْ الرِّبَا وهم يعلمُونَ
قَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى القَاضِي يقبل شَهَادَته ابنيه وَلَو شَهدا أَن أباهما قضى للْمُدَّعِي على الْمُدَّعِي عَلَيْهِ لَا تقبل وَلَا تقبل شَهَادَة الْأَخْرَس لعَجزه عَن الْأَدَاء وَتقبل شَهَادَة الْخصي إِذا كَانَ عدلا
وَأما ولد الزِّنَى فَاخْتلف الْعلمَاء فِي قبُول شَهَادَته قَالَ بَعضهم لَا تقبل مُطلقًا وَقَالَ بَعضهم تقبل فِي كل شَيْء إِلَّا فِي الزِّنَى وَهُوَ قَول مَالك وَقَالَ بَعضهم تقبل مُطلقًا إِذا كَانَ عدلا وَبِه أَخذ عُلَمَاؤُنَا رَحِمهم الله تَعَالَى
شَهَادَة الرئيس والجابي فِي السِّكَّة الَّذِي يَأْخُذ الدَّرَاهِم والصراف الَّذِي يجمع عِنْده الدَّرَاهِم ويأخذها طَوْعًا لَا تقبل
شَهَادَة أهل الذِّمَّة بَعضهم على بعض مَقْبُولَة سَوَاء اتّفقت مللهم كاليهودي مَعَ الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ مَعَ النَّصْرَانِي والمجوسي مَعَ الْمَجُوسِيّ أَو اخْتلف إِلَّا أَن يَكُونَا من أهل دارين مُخْتَلفين بِأَن يشْهد رومي على هندي أَو هندي على رومي وَتقبل شَهَادَة الذِّمِّيّ على الْمُسْتَأْمن وَلَا تقبل شَهَادَة الْمُسْتَأْمن على الذِّمِّيّ لِأَن الذِّمِّيّ أَعلَى حَالا مِنْهُ لكَونه من أهل دَارنَا حَتَّى لَا يُمكن من الرُّجُوع إِلَى دَار الْحَرْب بِخِلَاف الْمُسْتَأْمن وَتقبل شَهَادَة المستأمنين بَعضهم على بعض إِذا كَانُوا من أهل دَار وَاحِدَة فَإِن كَانُوا من أهل دارين كالرومي والتركي لَا تقبل لِأَن الْولَايَة فِيمَا بَينهم تخْتَلف باخْتلَاف المنعتين وَلِهَذَا لَا يجْرِي بَينهمَا التَّوَارُث بِخِلَاف دَار الاسلام فَإِنَّهَا دَار أَحْكَام فباختلاف المنعة لَا تخْتَلف الدَّار وَهَذَا بِخِلَاف أهل الذِّمَّة فَإِنَّهُم صَارُوا من أهل دَارنَا فَتقبل شَهَادَة بَعضهم على بعض وَإِن كَانُوا من منعات مُخْتَلفَة كَذَا فِي المنبع
وَفِي البزازي ويكتفى بِشَهَادَة امْرَأَة وَاحِدَة حرَّة مسلمة عَاقِلَة بَالِغَة فِيمَا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال كالولادة وَالْعَيْب الَّذِي لَا ينظر إِلَيْهِ الرِّجَال وَلَا يشْتَرط لفظ الشَّهَادَة عِنْد مَشَايِخ الْعرَاق وَعند مَشَايِخنَا يشْتَرط وَعَلِيهِ اعْتمد الْقَدُورِيّ وَعَلِيهِ الْفَتْوَى والمثبت أحفظ وَالأَصَح أَنه تقبل شَهَادَة رجل وَاحِد فِيهِ أَيْضا وَيحمل على وُقُوع النّظر لَا عَن قصد أَو عَن قصد لتحمل الشَّهَادَة كَمَا فِي الزِّنَى وعَلى استهلال الصَّبِي فِي حق الْإِرْث لَا تقبل الا شَهَادَة رجلَيْنِ أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ وَعِنْدَهُمَا تقبل شَهَادَة حرَّة مسلمة وعَلى حَرَكَة الْوَلَد بعد الْولادَة على هَذَا الْخلاف وَالشَّهَادَة على الْعَذْرَاء أَو الرتقاء على هَذَا الْخلاف أَيْضا
جَاءَت الْمَنْكُوحَة بِولد وَقَالَت لبعلها الْوَلَد مِنْك فَأنْكر وِلَادَتهَا لَا يقبل قَوْلهَا بِلَا شَهَادَة الْقَابِلَة وبشهادتها يثبت النّسَب والثنتان أحوط وَإِن كَانَ يصدقها فبمجرد قَوْلهَا يثبت النّسَب
شهد الابنان على أَبِيهِمَا بِطَلَاق أمهما إِن جحدت الطَّلَاق تقبل شَهَادَتهمَا وَإِن ادَّعَت الطَّلَاق لَا تقبل وَفِيه إِشْكَال فَإِن الطَّلَاق حق الله تَعَالَى وَيَسْتَوِي فِيهِ وجود الدَّعْوَى وَعدمهَا فَلَو انعدمت الدَّعْوَى تقبل فَكَذَا إِذا وجدت قُلْنَا نعم هُوَ حَقه تَعَالَى كَمَا ذكرت لَكِن يسلم لَهَا بضعهَا حَتَّى تملك الِاعْتِيَاض فَتعْتَبر الدَّعْوَى إِذا وجدت وَلَا تعْتَبر الْفَائِدَة إِذا عدمت الدَّعْوَى اه
وَفِي العتابي الْوَكِيل بِقَبض الدّين تجوز شَهَادَته بِالدّينِ
نوع فِي الِاخْتِلَاف فِي الشَّهَادَة الشَّهَادَة إِذا وَافَقت الدَّعْوَى كَانَت مَقْبُولَة وَإِن خالفتها لم تقبل
الجزء 1 · صفحة 247
وَفِي الْبَدَائِع الشَّرَائِط الَّتِي ترجع إِلَى نفس الشَّهَادَة أَنْوَاع مِنْهَا لفظ الشَّهَادَة فَلَا تقبل بغَيْرهَا من الْأَلْفَاظ كلفظة الْإِخْبَار والإعلام وَغَيرهمَا وَمِنْهَا موافقتها للدعوى فالشهادة المنفردة عَن الدَّعْوَى فِيمَا يشْتَرط فِيهِ الدَّعْوَى غير مَقْبُولَة وَبَيَان ذَلِك فِي مسَائِل إِذا ادّعى ملكا بِسَبَب ثمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَة على ملك مُطلق لَا تقبل وبمثله لَو ادّعى ملكا مُطلقًا ثمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَة على الْملك بِسَبَب تقبل وَوجه الْفرق بَينهمَا ظَاهر فَتَأمل
وَفِي المنبع الْمُوَافقَة كَمَا تشْتَرط بَين الشَّهَادَة وَالدَّعْوَى فَكَذَلِك تشْتَرط بَين شَهَادَة الشَّاهِدين فِيمَا يشْتَرط فِيهِ الْعدَد حَتَّى لَو وَقع الِاخْتِلَاف بَين شَهَادَتهمَا لم تقبل شَهَادَتهمَا وَهَذَا لِأَن اخْتِلَافهمَا اخْتِلَاف بَين الدَّعْوَى وَالشَّهَادَة
وَفِي الْكَافِي وَلَو ادّعى الْغَرِيم الْإِيفَاء فَشهد أحد الشَّاهِدين على إِقْرَار الطَّالِب بِالِاسْتِيفَاءِ وَالْآخر انه أَبرَأَهُ أَو حلله أَو وهبه أَو تصدق عَلَيْهِ بِهِ لم تقبل لاختلافهما لفظا وَمعنى إِلَّا إِذا قَالَ شَاهد الْبَرَاءَة إِنَّه أقرّ أَنه بَرِيء إِلَيْهِ بالإيفاء وَلَو ادّعى الْإِبْرَاء فَشهد أَحدهمَا أَنه أَبرَأَهُ وَالْآخر أَنه وهبه أَو تصدق بِهِ عَلَيْهِ تقبل لِأَنَّهُمَا يستعملان فِي الْبَرَاءَة وَلَو ادّعى الْهِبَة فَشهد أَحدهمَا بِالْهبةِ وَالْآخر بِالْإِبْرَاءِ تقبل وَلَو شهد الآخر بِالصَّدَقَةِ لَا تقبل لِأَن الصَّدَقَة إِخْرَاج المَال إِلَى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَالْهِبَة إِلَى العَبْد
وَإِذا اخْتلف الشَّاهِدَانِ فِي الزَّمَان أَو الْمَكَان فِي البيع وَالشِّرَاء وَالطَّلَاق وَالْعتاق وَالْوكَالَة وَالْوَصِيَّة وَالرَّهْن وَالدّين وَالْقَرْض والبراءة وَالْكَفَالَة وَالْحوالَة وَالْقَذْف تقبل وَإِذا اخْتلفَا فِي الْجِنَايَة وَالْغَضَب وَالْقَتْل وَالنِّكَاح لَا تقبل
وَفِي الذَّخِيرَة لَو شهد أَحدهمَا بِالْقَتْلِ وَالْآخر بِالْإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ لَا تقبل لِأَن الْقَتْل فعل وَالْإِقْرَار قَول وَالْفِعْل غير القَوْل فَاخْتلف الْمَشْهُود بِهِ وَكَذَا لَو شَهدا بِالْقَتْلِ وَاخْتلفَا فِي الزَّمَان أَو فِي الْمَكَان لِأَن الْفِعْل الثَّانِي غير الْفِعْل الأول وَكَذَا إِذا اخْتلفَا فِي الْآلَة الَّتِي كَانَ بهَا الْقَتْل لَا تقبل وَلَو شَهدا بالْقَوْل وَاخْتلفَا فِي الزَّمَان أَو فِي الْمَكَان لَا يقْدَح فِي الشَّهَادَة وَلَو شَهدا بِالْفِعْلِ وَاخْتلفَا فِي الزَّمَان أَو فِي الْمَكَان لَا تقبل وَلَو شَهدا بِالْفِعْلِ وَالْقَوْل وَاخْتلفَا فِي الزَّمَان أَو فِي الْمَكَان بِأَن شَهدا بِالرَّهْنِ وَالْقَبْض وَاخْتلفَا فِي الزَّمَان أَو فِي الْمَكَان جَازَت الشَّهَادَة
وَفِي الْقنية أمة اقامت بَيِّنَة أَن مَوْلَاهَا دبرهَا فِي مرض مَوته وَهُوَ عَاقل وأقامت الْوَرَثَة بَيِّنَة أَنه كَانَ مخلوط الْعقل فَبَيِّنَة الْأمة أولى وَكَذَا إِذا خَالع امْرَأَته ثمَّ أَقَامَ الزَّوْج بَيِّنَة أَنه كَانَ مَجْنُونا وَقت الْخلْع وأقامت بَيِّنَة أَنه كَانَ عَاقِلا حِينَئِذٍ أَو كَانَ مَجْنُونا وَقت الْخُصُومَة فاقام وليه بَيِّنَة أَنه كَانَ مَجْنُونا وَالْمَرْأَة على أَنه كَانَ عَاقِلا فَبَيِّنَة الْمَرْأَة أولى فِي الْفَصْلَيْنِ
بَاعَ ضَيْعَة وَلَده فَأَقَامَ المُشْتَرِي بَيِّنَة أَنه بَاعهَا فِي صغره بِثمن الْمثل وَالِابْن اقام بَيِّنَة أَنه بَاعهَا فِي حَال بُلُوغه فَبَيِّنَة المُشْتَرِي أولى وَقَالَ برهَان الدّين صَاحب الْمُحِيط بَيِّنَة الابْن أولى وَلَو اقام البَائِع بَيِّنَة أَنِّي بعتها فِي حَال صغرى وَأقَام المُشْتَرِي بَيِّنَة أَنَّك بعتها بعد الْبلُوغ فَبَيِّنَة المُشْتَرِي أولى لِأَنَّهُ يثبت الْعَارِض
ادّعى الزَّوْج بعد وفاتها أَنَّهَا كَانَت أَبرَأته من الصَدَاق حَال صِحَّتهَا واقام بَيِّنَة واقامت الْوَرَثَة بَيِّنَة أَنَّهَا أَبرَأته فِي مرض مَوتهَا فَبَيِّنَة الصِّحَّة أولى وَقيل بَيِّنَة الْوَرَثَة أولى
وَفِي تَتِمَّة الصُّغْرَى وَالْمُحِيط لَو أقرّ لوَارث ثمَّ مَاتَ فَقَالَ الْمقر لَهُ أقرّ فِي الصِّحَّة وَقَالَ الْوَرَثَة فِي مَرضه فَالْقَوْل قَول الْوَرَثَة وَالْبَيِّنَة بَيِّنَة الْمقر لَهُ وَإِن لم يقم بَيِّنَة وَأَرَادَ استحلافهم لَهُ ذَلِك
ادّعى على رجل أَنه أكرهني بالتخويف بِحَبْس الْوَالِي وَالضَّرْب على أَن يسْتَأْجر مِنْهُ حانوتا واقام بَيِّنَة
الجزء 1 · صفحة 248
وَأقَام الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بَيِّنَة بِأَنَّهُ كَانَ طَائِعا فَبَيِّنَة الطواعية أولى وَلَو قضى القَاضِي بِبَيِّنَة الْإِكْرَاه ينفذ قَضَاؤُهُ إِن عرف الْخلاف وَقضى بِنَاء على الْفَتْوَى
أَقَامَ المُشْتَرِي بَيِّنَة أَنه بَاعهَا مِنْهُ هَذَا الشَّيْء بيعا صَحِيحا واقام البَائِع بَيِّنَة أَنه بَاعه مكْرها فَبَيِّنَة الصِّحَّة أولى وَقَالَ أَبُو حَامِد رَحمَه الله تَعَالَى بَيِّنَة الْإِكْرَاه أولى
وَفِي الْمُحِيط ادّعى أَحدهمَا البيع أَو الصُّلْح عَن طوع وَادّعى الآخر عَن كره فَبَيِّنَة مدعي الكره أولى وَكَذَا لَو ادّعى الْإِقْرَار عَن طوع وَالْآخر عَن كره فَبَيِّنَة مدعي الكره أولى اه
الشَّهَادَة على الشَّهَادَة جَائِزَة فِي الأقارير والحقوق وأقضية الْقُضَاة وكتبهم وكل شَيْء إِلَّا فِي الْحُدُود وَالْقصاص
وَذكر الناطفي فِي واقعاته أَن الشَّهَادَة على الشَّهَادَة فِي الْوَقْف لَا تجوز وَالصَّحِيح أَنَّهَا تجوز لما فِيهِ من إحْيَاء الْحُقُوق وَلَا تجوز على شَهَادَة رجل أقَال من شَهَادَة رجلَيْنِ أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ وَأما كَيْفيَّة الْإِشْهَاد من الأَصْل أَن يَقُول شَاهد الأَصْل لشاهد الْفَرْع أشهد أَن لزيد على عَمْرو كَذَا فاشهد أَنْت على شهادتي بذلك أَو يَقُول أشهد أَنى أشهد أَن فلَان بن فلَان أقرّ عندى بِكَذَا أَو يَقُول أشهد أَنى سَمِعت فلَانا يقر لفُلَان بِكَذَا فاشهد أَنْت على شهادتي وَإِنَّمَا شَرط الْإِشْهَاد حَتَّى لَا يَصح تحمل الْفَرْع بِنَفس السماع بِدُونِ الاشهاد
وَفِي الْمُحِيط والتحمل لَا يَصح الا بِالْأَمر وَلِهَذَا لَو نهى الْأُصُول وَالْفُرُوع عَن الشَّهَادَة وَبعد الْأَمر عمل بِالنَّهْي
وَفِي التَّتِمَّة إِذا حكى الرجل شَهَادَة نَفسه عِنْد غَيره فِي حَادِثَة لرجل على رجل وَقَالَ لذَلِك الْغَيْر اشْهَدْ أَو قَالَ فاشهد وَلم يقل على شهادتي لم تجز وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى تجوز لِأَن مَعْنَاهُ فاشهد على شهادتي
وَلَا تقبل شَهَادَة شُهُود الْفَرْع إِلَّا أَن يَمُوت شُهُود الأَصْل أَو يمرضوا مَرضا لَا يَسْتَطِيعُونَ حُضُور مجْلِس القَاضِي أَو يغيبوا مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام ولياليها فَصَاعِدا
وَعَن أبي يُوسُف أَنه لم يَجْعَل السّفر شرطا وَلكنه قَالَ إِن كَانَ غَائِبا عَن الْمصر فِي مَسَافَة لَو غَدا إِلَى القَاضِي لأَدَاء الشَّهَادَة لم يسْتَطع أَن يبيت بأَهْله صَحَّ الاشهاد لِأَن إحْيَاء الْحُقُوق وَاجِب مَا أمكن
وَذكر القَاضِي إِمَام الدّين على السغدي وشمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ أَن عِنْد أبي يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى يَنْبَغِي أَن يجوز الاشهاد من غير عذر وَعند أبي حنيفَة رَحمَه الله لَا يجوز بِنَاء على أَن التَّوْكِيل من غير رضَا الْخصم لَا يجوز عِنْده إِلَّا بِعُذْر السّفر أَو الْمَرَض وَعِنْدَهُمَا يجوز إِلَّا أَن هَذَا غير ظَاهر فَلَا يُفْتى بِهِ
وَفِي آخر شَهَادَات الْمُنْتَقى قَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى أقبل الشَّهَادَة على الشَّهَادَة والمشهود على شَهَادَته فِي الْمصر من غير مرض بِهِ وَلَا عِلّة
إِذا شهد الرّجلَانِ عِنْد القَاضِي على شَهَادَة رجل وصححا الشَّهَادَة فَإِن كَانَ القَاضِي يعرف الْأُصُول وَالْفُرُوع بِالْعَدَالَةِ قضى بِشَهَادَتِهِم وَإِن عرف الْأُصُول بِالْعَدَالَةِ وَلم يعرف الْفُرُوع يسْأَل عَن الْفُرُوع وَإِن عرف الْفُرُوع بِالْعَدَالَةِ وَلم يعرف الْأُصُول بِالْعَدَالَةِ ذكر الْخصاف رَحمَه الله تَعَالَى أَن القَاضِي يسْأَل الْفُرُوع عَن الْأُصُول وَلَا يقْضِي قبل السُّؤَال فَإِن عدلوا أصولهم تثبت عَدَالَة الْأُصُول بِشَهَادَتِهِم فِي ظَاهر الرِّوَايَة
الجزء 1 · صفحة 249
وَهُوَ الصَّحِيح وَعند مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى لَا تثبت عَدَالَة الْأُصُول بتعديل الْفُرُوع للتُّهمَةِ لِأَن فِي تعديلهم مَنْفَعَة لَهُم حَيْثُ ينفذ قَوْلهم بعدالة الْأُصُول
إِذا أنكر الْأُصُول شَهَادَتهم لم تقبل شَهَادَة الْفُرُوع لِأَن التحميل شَرط صِحَة شَهَادَة الْفُرُوع وَقد فَاتَ هَذَا الشَّرْط للتعارض بَين الْخَبَرَيْنِ فَيفوت الْمَشْرُوط وَهُوَ صِحَة الشَّهَادَة اه
نوع فِي الرُّجُوع عَن الشَّهَادَة لَا يَصح الرُّجُوع إِلَّا فِي مجْلِس الْقَضَاء حَتَّى لَو رَجَعَ عِنْد غير القَاضِي لَا يَصح وَلَو ادّعى الْمَشْهُود عَلَيْهِ رجوعهما وَأَرَادَ يمينهما لَا يحلفان وَكَذَا لَا تقبل بَينته على الرُّجُوع لِأَنَّهُ ادّعى رُجُوعا بَاطِلا
وَفِي التَّتِمَّة وَلَو ادّعى الرُّجُوع عِنْد القَاضِي وَلم يدع الْقَضَاء بِالرُّجُوعِ وبالضمان لَا يَصح لِأَن الرُّجُوع عِنْد القَاضِي إِنَّمَا يَصح إِذا اتَّصل بِهِ الْقَضَاء أما إِذا ادّعى الرُّجُوع عِنْد القَاضِي وَالْقَضَاء بذلك صَحَّ وَتقبل الْبَيِّنَة على ذَلِك وَلَو شهد عِنْد قَاض وَرجع عِنْد قَاض آخر يَصح وَيجب الضَّمَان عَلَيْهِ لَكِن إِذا قضى القَاضِي عَلَيْهِ وَمن الْمَشَايِخ من استبعد توقف صِحَة الرُّجُوع على الْقَضَاء بِالرُّجُوعِ أَو بِالضَّمَانِ وَإِذا أقرّ الشَّاهِدَانِ عِنْد القَاضِي أَنَّهُمَا رجعا فِي غير مجْلِس القَاضِي يَصح وَيجْعَل الْإِقْرَار بِمَنْزِلَة الْإِنْشَاء وَإِذا رَجَعَ الشَّاهِدَانِ عَن شَهَادَتهمَا قبل الحكم بهَا سَقَطت شَهَادَتهمَا عَن الْإِلْزَام على القَاضِي بالحكم لظُهُور التَّنَاقُض بَين كَلَامهمَا فَإِن رجعا بعد الحكم لم يفْسخ وضمنا مَا اتلفاه بِشَهَادَتِهِمَا وَإِن رَجَعَ أَحدهمَا ضمن نصفا وَالْعبْرَة للْبَاقِي لَا للراجع
دقيقة فِي ايجاب الضَّمَان على الشَّاهِدين الشَّاهِدَانِ مَتى مَا ذكرا شَيْئا هُوَ لَازم للْقَضَاء ثمَّ ظهر بِخِلَافِهِ ضمنا وَمَتى مَا ذكرا شَيْئا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْقَضَاء ثمَّ تبين بِخِلَاف مَا قَالَا لَا يضمنَانِ شَيْئا حَتَّى أَن مولى الْمُوَالَاة إِذا مَاتَ فَادّعى رجل مِيرَاثه بِسَبَب الْوَلَاء فَشهد شَاهِدَانِ أَن هَذَا الرجل مولى هَذَا الَّذِي أسلم وَالَاهُ وعاقده وَأَنه وَارثه وَلَا نعلم لَهُ وَارِثا غَيره فَقضى لَهُ القَاضِي بميراثه فاستهلكه وَهُوَ مُعسر ثمَّ إِن رجلا آخر أَقَامَ الْبَيِّنَة أَنه كَانَ نقض وَلَاء الأول ووالى هَذَا الثَّانِي وَأَنه توفى وَهَذَا الثَّانِي مَوْلَاهُ ووارثه لَا وَارِث لَهُ غَيره فَالْقَاضِي يقْضِي بِالْمِيرَاثِ للثَّانِي وَيكون الثَّانِي بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ ضمن الشَّاهِدين الْأَوَّلين وَإِن شَاءَ ضمن الْمَشْهُود لَهُ الأول لِأَنَّهُ ظهر كذب الشَّاهِدين الْأَوَّلين فِيمَا للْحكم بِهِ تعلق
وَبَيَان ذَلِك فِي مَسْأَلَة الْوَلَاء أَن قَوْلهمَا هُوَ وَارثه لَا وَارِث لَهُ غَيره أَمر لَا بُد مِنْهُ للْقَضَاء لَهُ بِالْمِيرَاثِ فَإِنَّهُم إِذا شهدُوا بِأَصْل الْوَلَاء وَلم يَقُولُوا إِنَّه وَارثه فَالْقَاضِي لَا يقْضِي لَهُ بِالْمِيرَاثِ وَإِنَّمَا أَخذ الأول الْمِيرَاث بقول الشَّاهِدين الْأَوَّلين إِنَّه مَوْلَاهُ ووارثه الْيَوْم وَقد ظهر كذبهما فضمنا بِخِلَاف مَسْأَلَة الشَّهَادَة فِي النِّكَاح فَإِنَّهُمَا إِذا شَهدا أَنه مَاتَ وَهِي امْرَأَته لَا يضمنَانِ لِأَن قَوْلهمَا مَاتَ وَهِي امْرَأَته زِيَادَة غير مُحْتَاج إِلَيْهَا فَإِنَّهُمَا لَو قَالَا كَانَت امْرَأَته فَإِن القَاضِي يقْضِي لَهَا بِالْمِيرَاثِ فَصَارَ وجود هَذِه الزِّيَادَة والعدم بِمَنْزِلَة وَاحِدَة فَلَو انعدمت هَذِه الزِّيَادَة لَكَانَ لَا يجب عَلَيْهِمَا شَيْء لِأَنَّهُمَا شَهدا بِنِكَاح كَانَ وَلم يظْهر كذبهما فِي ذَلِك
وَلَو شهد أَن لفُلَان على هَذَا الرجل ألف دِرْهَم فَقضى القَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا وَأمر الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بِدفع المَال وَهُوَ الْألف إِلَى الْمُدَّعِي ثمَّ اقام الْمُدَّعِي عَلَيْهِ الْبَيِّنَة على الْبَرَاءَة فَإِن الشَّاهِدين يضمنَانِ وَالْمُدَّعِي عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ فِي تضمين الْمُدَّعِي أَو الشَّاهِدين لِأَنَّهُمَا حققا عَلَيْهِ ايجاب المَال فِي الْحَال فَإِذا أَقَامَ الْبَيِّنَة على الْبَرَاءَة فقد ظهر كذبهما فصارا خائنين فغرما بِخِلَاف الْفَصْل الأول لِأَنَّهُ ثمَّة لم يحققا المَال فِي الْحَال وَإِنَّمَا أخبر عَن شَيْء مَاض فَلم يظْهر كذبهما وأوضح مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى هَذِه الْمَسْأَلَة بِمَسْأَلَة الطَّلَاق فَإِن الْمُدَّعِي عَلَيْهِ إِذا أنكر
الجزء 1 · صفحة 250
المَال وَحلف ثمَّ شَهدا على إِقْرَاره بذلك لم يَحْنَث لما أَنه لم يحققا عَلَيْهِ الايجاب وَلَو حققا فِي الْحَال حنث فاتضح الْفرق كَذَا فِي الْعِمَادِيّ
الْفَصْل الرَّابِع فِي الْوكَالَة وَالْكَفَالَة وَالْحوالَة
شَرط صِحَة الْوكَالَة أَن يكون الْمُوكل مِمَّن يملك التَّصَرُّف لِأَن الْوَكِيل يَسْتَفِيد ولَايَة التَّصَرُّف من الْمُوكل وَيقدر عَلَيْهِ من قبله وَمن لَا يقدر على شَيْء كَيفَ يقدر غَيره عَلَيْهِ
وَفِي الذَّخِيرَة هَذَا شَرط على قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى وَأما على قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى فَلَا يشْتَرط أَن يكون الْمُوكل قَادِرًا على التَّصَرُّف بل الْوَكِيل يتَصَرَّف بأهلية نَفسه وَلِهَذَا جَازَ عِنْده تَوْكِيل الْمُسلم الذِّمِّيّ بشرَاء الْخمر وَالْخِنْزِير وتوكيل الْمحرم الْحَلَال بيبع الصَّيْد وَقيل المُرَاد بمالكية الْمُوكل للتَّصَرُّف وَقدرته عَلَيْهِ بِالنّظرِ إِلَى اصل التَّصَرُّف وَإِن امْتنع بِعَارِض وَبيع الْخمر يجوز للْمُسلمِ فِي الأَصْل وَإِنَّمَا امْتنع لعَارض النَّهْي
وَفِي النتف الْوكَالَة على أَرْبَعَة أوجه أَحدهَا وكَالَة رجل لرجل آخر وَالثَّانِي وكَالَة رجلَيْنِ لرجل وَاحِد وَالثَّالِث وكَالَة رجل لِرجلَيْنِ وَالرَّابِع وكَالَة رجلَيْنِ لِرجلَيْنِ أَو أَكثر وَكلهَا جَائِزَة وَيجوز أَن يُوكل كل أحد إِلَّا ثَلَاثَة أَصْنَاف العَبْد الْمَحْجُور وَالصَّبِيّ الْمَحْجُور وَالْمَعْتُوه الَّذِي لَا يعقل
رجل قَالَ لآخر أَنْت وَكيلِي فِي كل شَيْء يصير وَكيلا فِي الْبياعَات والمواضعات والهبات وَالْعتاق لِأَن اللَّفْظ عَام وروى عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى أَنه يكون وَكيلا فِي المواضعات دون الهبات وَالْعتاق كَذَا ذكره فِي واقعات الناطفي
وَفِي ادب القَاضِي للخصاف وَلَو قَالَ فلَان وَكيلِي فِي كل شَيْء فَهَذَا تَوْكِيل فِي الْحِفْظ لَا غير اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاس أَن لَا يصير وَكيلا وَلَو قَالَ فلَان وَكيلِي فِي كل شَيْء جَائِز أمره فَهَذَا وَكيل فِي الْحِفْظ وَالْبيع وَالشِّرَاء وَالْهِبَة وَالصَّدَََقَة والتقاضي لديونه وحقوقه وَغير ذَلِك لِأَنَّهُ فوض التَّصَرُّف إِلَيْهِ عَاما فَصَارَ بِمَنْزِلَة مَا لَو قَالَ مَا صنعت من شَيْء فَهُوَ جَائِز فَيملك جَمِيع أَنْوَاع التَّصَرُّفَات وَلَو طلق امْرَأَته يجوز قَالَ الصَّدْر الشَّهِيد رَحمَه الله تَعَالَى بِهِ يُفْتى حَتَّى يتَبَيَّن خِلَافه
وَذكر الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث فِي النَّوَازِل أَن من قَالَ لآخر وَكلتك فِي جَمِيع أموري فَقَالَ الْوَكِيل طلقت امْرَأَتك أَو وقفت أَرْضك لَا يجوز لِأَنَّهُ يُرَاد بِهَذِهِ اللَّفْظَة التَّصَرُّف على سَبِيل الْمُبَادلَة وَهُوَ اخْتِيَار الْفَقِيه أبي اللَّيْث وَمَا ذَكرْنَاهُ قبل هُوَ اخْتِيَار الصَّدْر الشَّهِيد انْتهى
وَفِي المنبع لَا خلاف أَن التَّوْكِيل بِالْخُصُومَةِ فِي إِثْبَات الدّين وَالْعين جَائِز وَإِنَّمَا الْخلاف فِي أَنه هَل يشْتَرط لصِحَّته رضَا الْخصم قَالَ ابو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لَا يَصح التَّوْكِيل الا بِرِضا الْخصم إِلَّا أَن يكون الْمُوكل مَرِيضا أَو غَائِبا مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام أَو تكون الْمَرْأَة الموكلة مخدرة لم تخالط الرِّجَال بكرا كَانَت أَو ثَيِّبًا قَالَ فَخر الاسلام البزودي المخدرة هِيَ الَّتِي لَا يَرَاهَا أحد غير الْمحرم من الرِّجَال أما الَّتِي جليت على المنصة فيراها الْأَجَانِب لَا تكون مخدرة وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ يلْزم التَّوْكِيل بِغَيْر رضَا الْخصم لِأَنَّهَا لَو حضرت
الجزء 1 · صفحة 251
لَا تنطق بِحَقِّهَا لغَلَبَة الْحيَاء عَلَيْهَا فَيلْزم توكيلها وَعَلِيهِ الْفَتْوَى وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى يَصح التَّوْكِيل بِغَيْر رضَا الْخصم وَبِه قَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى وَالصَّحِيح أَن الْخلاف فِي اللُّزُوم لَا فِي الصِّحَّة فَعنده الْوكَالَة من غير رضَا الْخصم صَحِيحَة غير لَازِمَة حَتَّى ترد الْوكَالَة برد الْخصم وَلَا يلْزمه الْحُضُور وَلَا الْجَواب بخصومة التَّوْكِيل وَعِنْدَهُمَا صَحِيحَة لَازِمَة وَلَا ترد برده وَيلْزمهُ الْحُضُور وَالْجَوَاب بخصومة الْوَكِيل وبقولهما أَخذ أَبُو اللَّيْث وَأَبُو الْقَاسِم الصفار وَبَعض الْمُتَأَخِّرين اخْتَار أَن القَاضِي إِذا علم من خَصمه التعنت من إباء التَّوْكِيل يقبل التَّوْكِيل وَإِن علم من الْمُوكل الْقَصْد إِلَى إِضْرَار صَاحبه بالحيل من الْوَكِيل لَا يقبل التَّوْكِيل إِلَّا بِرِضا صَاحبه وَإِلَيْهِ مَال الامام السَّرخسِيّ والأوزجندي رحمهمَا الله
وَفِي البزازي وكل أحد الْخَصْمَيْنِ من وكلاء المحكمة وَكيلا فَقَالَ الآخر لَيْسَ لي مَال اسْتَأْجر بِهِ من وكلاء المحكمة من يقاومه وَأَنا عَاجز عَن فَلَا أرْضى بالوكيل بل يتَكَلَّم بِنَفسِهِ معي فالراي فِيهِ إِلَى الْحَاكِم وَأَصله أَن التَّوْكِيل بِلَا رضَا خَصمه من الصَّحِيح الْمُقِيم طَالبا كَانَ أَو مَطْلُوبا وضيعا أَو شريفا إِذا لم يكن الْمُوكل حَاضرا فِي مجْلِس الحكم لَا يَصح عِنْد الامام رَحمَه الله تَعَالَى أَي لَا يجْبر خَصمه على قبُول الْوكَالَة وَعِنْدَهُمَا وَالشَّافِعِيّ رَحِمهم الله تَعَالَى يَصح أَن يجير على قبُوله لما مر
وَفِي أدب القَاضِي لَا خلاف فِي صِحَّته بِلَا رضَا خَصمه لَكِن لَا يسْقط حق الْخصم فِي مُطَالبَته بالحضور مجْلِس الحكم وَالْجَوَاب لنَفسِهِ الا بِرِضا الْخصم أَو مرض الْمُوكل أَو مخدرة وَكَونه مَحْبُوسًا من الْأَعْذَار وَيلْزمهُ تَوْكِيله فعلى هَذَا لَو كَانَ الشَّاهِد مَحْبُوسًا لَهُ أَن يشْهد على شَهَادَته
وَقَالَ البزازي إِن كَانَ فِي سجن القَاضِي لَا يكون عذرا لِأَنَّهُ يُخرجهُ حَتَّى يشْهد ثمَّ يُعِيدهُ وعَلى هَذَا يُمكن أَن يُقَال فِي الدَّعْوَى أَيْضا كَذَلِك بِأَن يُجيب عَن الدَّعْوَى ثمَّ يُعَاد اه وَفِي الْوَلْوَالجيّ رجل من الْأَشْرَاف وَقعت لَهُ خُصُومَة مَعَ رجل هُوَ دونه فَأَرَادَ أَن يُوكل وَكيلا وَلَا يحضر بِنَفسِهِ هَذِه الْمَسْأَلَة اخْتلف الْعلمَاء فِيهَا قَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث رَحمَه الله تَعَالَى نَحن نرى أَن تقبل الْوكَالَة والشريف وَغير الشريف فِيهِ سَوَاء
وَفِي المنبع قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى التَّوْكِيل بِالْخُصُومَةِ تَوْكِيل بِالْإِقْرَارِ فِي مجْلِس الحكم حَتَّى لَو أقرّ على مُوكله فِي غير مجْلِس الحكم لَا يَصح إِقْرَاره وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى آخر التَّوْكِيل بِالْخُصُومَةِ تَوْكِيل بِالْإِقْرَارِ فِي مجْلِس الحكم وَفِي غير مجْلِس الحكم فَإِن الْمُوكل أَقَامَ الْوَكِيل مقَام نَفسه مُطلقًا فَيَقْضِي أَن يملك مَا كَانَ الْمُوكل مَالِكًا وَالْمُوكل مَالك الْإِقْرَار بِنَفسِهِ فِي مجْلِس القَاضِي وَفِي غير مجْلِس القَاضِي فَكَذَا الْوَكِيل
وَلأبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله أَن جَوَاب الْخُصُومَة مُخْتَصّ بِمَجْلِس الحكم حَتَّى لَا يسْتَحق على الْمَطْلُوب الْجَواب إِلَّا فِي مجْلِس الحكم وَالتَّوْكِيل بِجَوَاب الْخصم يتَقَيَّد فِي مجْلِس الحكم ضَرُورَة فَصَارَ تَقْدِير الْمَسْأَلَة وَكلتك لتجيب خصمي فِي مجْلِس الحكم وَلَو قَالَ هَكَذَا لَا يَصح إِقْرَار الْوَكِيل عَلَيْهِ فِي غير مجْلِس الحكم
أقرّ بِالدّينِ وَأنكر الْوكَالَة فَطلب زاعم الْوكَالَة تَحْلِيفه على عدم علمه بِكَوْنِهِ وَكيلا فالإمام رَحمَه الله قَالَ لَا يحلفهُ وَقَالَ صَاحِبَاه يحلفهُ
وَذكر فِي الْعِمَادِيّ محالا على الذَّخِيرَة فِي فصل إِثْبَات الْوكَالَة أَن فِي تَحْلِيف الْوَكِيل للْمُدَّعِي عَلَيْهِ اخْتِلَاف الْمَشَايِخ رَحِمهم الله تَعَالَى قَالَ بَعضهم هَذَا جَوَاب الْكل إِلَّا أَن الْخصاف خص قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد
الجزء 1 · صفحة 252
بِالذكر لِأَنَّهُ لم يحفظ قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لَا لِأَن قَوْله بِخِلَاف قَوْلهمَا وَإِلَى هَذَا مَال شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي رَحمَه الله تَعَالَى
وَمن ادّعى أَنه وَكيل الْغَائِب فِي قبض دينه فَصدقهُ الْغَرِيم أَمر بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ أقرّ على نَفسه فَإِن حضر الْغَائِب وَصدقه فَذَاك وَإِلَّا دفع الْغَرِيم الدّين إِلَيْهِ ثَانِيًا وَرجع بِهِ على الْوَكِيل إِن كَانَ بَاقِيا فِي يَده لِأَن غَرَضه من الدّفع بَرَاءَة ذمَّته مِنْهُ وَلم يحصل وَإِن ضَاعَ من يَده لم يرجع عَلَيْهِ لِأَن بتصديقه اعْترف أَنه محق بِالْقَبْضِ إِلَّا أَن يكون ضمنه عِنْد الدّفع لِأَن الْمَأْخُوذ ثَانِيًا مَضْمُون عَلَيْهِ فِي زعمهما وَهَذِه كَفَالَة أضيفت إِلَى حَالَة الْقَبْض فَتَصِح بِمَنْزِلَة الْكفَالَة بِمَا ذاب لَك على فلَان وَلَو كَانَ الْغَرِيم لم يصدقهُ على الْوكَالَة وَدفعه إِلَيْهِ على ادعائه فَإِن رَجَعَ صَاحب المَال على الْغَرِيم رَجَعَ الْغَرِيم على الْوَكِيل وَإِن ضَاعَ من يَده لِأَنَّهُ لم يصدقهُ فِي الْوكَالَة وَإِنَّمَا دفع إِلَيْهِ على رَجَاء الْإِجَازَة فَإِذا انْقَطع رجاؤه رَجَعَ عَلَيْهِ وَكَذَا لَو دفع إِلَيْهِ على تَكْذِيبه إِيَّاه فِي الْوكَالَة وَهَذَا ظَاهر فِي الْوُجُوه كلهَا وَلَيْسَ لَهُ أَن يسْتَردّ الْمَدْفُوع حَتَّى يحضر الْغَائِب لِأَن الْمُؤَدِّي صَار حَقًا للْغَائِب
وَفِي فَتَاوَى رشيد الدّين رجل قَالَ لمديونه ادْفَعْ مَا لفُلَان عَلَيْك إِلَيّ لأقبض لَعَلَّه يُجِيز فَدفع ذكر فِي الزِّيَادَات لَيْسَ لَهُ أَن يسْتَردّهُ مِنْهُ لِأَنَّهُ تعلق بِهِ حق رب الدّين لِأَن الْقَابِض قبض لأَجله لَعَلَّه يُجِيز وَذكر فِي الْمُنْتَقى أَن لَهُ أَن يسْتَردّ مِنْهُ وَكَذَلِكَ الْمَدْيُون إِذا دفع قدر الدّين إِلَى رجل ليدفع إِلَى رب دينه ثمَّ أَرَادَ أَن يسْتَردّهُ سنه لَهُ ذَلِك
وروى ابْن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد أَن الْوَكِيل يقبض الْعين إِذا صدقه صَاحب الْيَد يجْبر بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ كَالدّين
وَذكر فِي وكَالَة غَرِيب الرِّوَايَة رجل فِي يَده مَتَاع فَقَالَ هَذَا لفُلَان وَهَذَا وَكيل بِالْقَبْضِ يجْبر على الدّفع فِي الْعين وَالدّين عِنْد أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى
وَفِي شرح الطَّحَاوِيّ وَلَو ادّعى الْوكَالَة بِقَبض الْوَدِيعَة وَصدقه لَا يجْبر على التَّسْلِيم وَلَو كذبه أَو سكت لَا يجْبر أَيْضا وَلَو سلم لَا يتَمَكَّن من اسْتِرْدَاده فَإِن حضر الْمَالِك وَكذبه فِي الْوكَالَة فَفِي وَجه وَاحِد لَا يرجع الْمُودع على الْوَكِيل وَهُوَ مَا إِذا صدقه وَلم يشْتَرط عَلَيْهِ الضَّمَان وَفِي سَائِر الْوُجُوه يرجع عَلَيْهِ بِعَيْنِه إِن كَانَ قَائِما وبقيمته إِن كَانَ هَالكا
وَمن ادّعى أَنه وصّى فلَان الْمَيِّت وَطلب الدّين وَصدقه الْغَرِيم فَإِنَّهُ لَا يُؤمر بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ بِخِلَاف الْوَكِيل فَإِن للْقَاضِي ولَايَة نصب الْوَصِيّ وَلَا يملك نصب الْوَكِيل
وَلَو وكلت رجلا يُزَوّجهَا من فلَان يَوْم الْجُمُعَة فَزَوجهَا مِنْهُ يَوْم الْخَمِيس لَا يجوز لَان التَّفْوِيض تنَاول زَمَانا مَخْصُوصًا
وَفِي الصُّغْرَى لَو قَالَ بِعْ عَبدِي الْيَوْم أَو طلق امْرَأَتي الْيَوْم فَفعل ذَلِك فِي غَد جَازَ وَيكون وَكيلا فِي الْيَوْم وَمَا بعده وَلَا يكون وَكيلا فِيمَا قبل ذَلِك
رجل وكل رجلا بِقَبض دين على رجل فَقَبضهُ فَهُوَ وَدِيعَة عِنْد الْوَكِيل إِن سَافر بِهِ لم يضمن وَإِن استودعه غَيره ضمن وَإِن خَلفه فِي أَهله لم يضمن فَإِن وَضعه عِنْد امْرَأَته أَو خادمه أَو بعض عِيَاله لم يضمن وَالْوَكِيل بِالْبيعِ إِذا سَافر بِمَا أَمر بِبيعِهِ يضمن
وَفِي مختلفات القَاضِي أبي عَاصِم العامري وَلَو وَكله بِقَبض وديعته فَقَالَ الَّذِي كَانَت فِي يَده قد دفعتها
الجزء 1 · صفحة 253
إِلَى الْمُوكل أَو إِلَى وَكيله فَالْقَوْل قَوْله وَهُوَ مُصدق فِي بَرَاءَة نَفسه وَلَو وَكله بِقَبض وَدِيعَة أَو عَارِية فَمَاتَ الْمُوكل فقد خرج الْوَكِيل من الْوكَالَة فَإِن قَالَ الْوَكِيل قد كنت قبضتها فِي حَيَاته ودفعتها إِلَى الْمُوكل لم يصدق على ذَلِك الا بِبَيِّنَة
رجل وكل رجلا بِقَبض كل حق لَهُ على النَّاس وَعِنْدهم وَمَعَهُمْ وَتَحْت أَيْديهم وبقبض مَا يحدث لَهُ من الْمُقَاسَمَة بَين شركائه وبحبس من يرى حَبسه وبالتخلية عَنهُ إِذا رأى ذَلِك وَكتب لَهُ بذلك كتابا وَكتب لَهُ فِي آخِره أَنه يُخَاصم ويخاصم ثمَّ إِن قوما يدعونَ قبل الْمُوكل مَالا وَالْمُوكل غَائِب فَأقر الْوَكِيل عَنهُ عِنْد القَاضِي أَنه وَكيله وَأنكر المَال فأحضر الْخُصُوم شهودهم على الْمُوكل لَا يكون لَهُم أَن يحبسوا الْوَكِيل لِأَن الْحَبْس جَزَاء الظُّلم وَلم يظْهر إِذْ لَيْسَ فِي هَذِه الشَّهَادَة أَمر بأَدَاء المَال وَلَا ضَمَان الْوَكِيل عَن مُوكله فَإِذا لم يجب على الْوَكِيل أَدَاء المَال من مَال الْمُوكل بِأَمْر الْمُوكل وَلَا بِالضَّمَانِ عَن مُوكله لَا يكون الْوَكِيل ظَالِما بامتناعه عَن أَدَاء المَال فَلَا يحبس فَهَذِهِ الْمَسْأَلَة تدل على أَن الْمَأْمُور بِقَضَاء الدّين من مَال الْآمِر يجْبر على قَضَاء الدّين
إِذا شهدُوا على وكَالَة رجل فِي شَيْء وَالْوَكِيل يجْحَد الْوكَالَة فَإِن كَانَ الْوَكِيل الطَّالِب وَالْمَطْلُوب يَدعِي الْوكَالَة وَالْوَكِيل يجْحَد تقبل هَذِه الشَّهَادَة وَهل يجْبر على الْخُصُومَة مَعَ الطَّالِب إِن شهد الشُّهُود أَن الْمَطْلُوب وَكله بِالْخُصُومَةِ مَعَ الطَّالِب وَقبل الْوكَالَة وَإِن لم يشْهدُوا على الْقبُول لَا يجْبر
وَكله بِطَلَب كل حق لَهُ وبالخصومة وَالْقَبْض لَيْسَ لَهُ أَن يطْلب شُفْعَة لِأَن الشُّفْعَة شِرَاء وَالْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ لَا يملك الشِّرَاء وَله أَن يقبض شُفْعَة قضى لمُوكلِه بهَا
وَفِي البزازي رجل قَالَ لآخر وَكلتك بِطَلَب كل حق لي قبل فلَان يُقيد بِمَا عَلَيْهِ يَوْم التَّوْكِيل وَلَا يدْخل الْحَادِث بعد التَّوْكِيل وَفِي التَّوْكِيل بِطَلَب كل حق لَهُ على النَّاس أَو بِكُل حق لَهُ بخوارزم يدْخل الْقَائِم لَا الْحَادِث وَذكر شيخ الْإِسْلَام أَنه إِذا وَكله بِقَبض كل حق لَهُ على فلَان يدْخل الْقَائِم والحادث فيتأمل عِنْد الْفَتْوَى
وَفِي الْمُنْتَقى وَكله بِقَبض كل دين لَهُ يدْخل الْحَادِث أَيْضا
وَعَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى وَكله بِطَلَب كل عقار لَهُ بخوارزم فَقدم الَّذِي فِي يَده الْعقار بخوارزم إِلَى بُخَارى لَهُ ذَلِك
وَفِي الدّين إِذا وَكله بِطَلَب كل دين لَهُ على من بخوارزم فَقدم خوارزمي إِلَى بُخَارى وادعاه لَا يَصح وَلَو قَالَ فِي كل دين لي فِي بُخَارى فَقدم الْمُسْتَقْرض مِنْهُ فِي خوارزم إِلَى بُخَارى تصح دَعْوَاهُ
وَكله بِطَلَب كل حق لَهُ وبالخصومة وَالْقَبْض فغصب مِنْهُ انسان شَيْئا بعد الْوكَالَة لَهُ طلبه
وَعَن الامام رَحمَه الله تَعَالَى لَو قَالَ لآخر أَنْت وَكيلِي فِي قبض مَالِي على النَّاس لَا يَقع على الْحَادِث وَلَو وَكله بِكُل حق لَهُ وبالخصومة فِي كل حق لَهُ وَلم يعين المخاصم بِهِ والمخاصم فِيهِ جَازَ اه
إِذا وَقعت الْمُنَازعَة بَين الْوَكِيل بالاستقراض وَبَين مُوكله فَالْقَوْل قَول الْمُوكل لِأَن الْوَكِيل يُرِيد أَن يغرمه مَا قَبضه من الْقَرْض وَلَيْسَ للْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ أَن يهب وَلَا يُصَالح لِأَنَّهُمَا ليسَا من الْخُصُومَة فِي شَيْء فَلم يدخلا تَحت التَّوْكِيل
وَفِي الْوَلْوَالجيّ وَلَو أَن رجلا قَالَ لرجل أقرضت فلَانا ألف دِرْهَم وَقد وَكلتك بقبضها مِنْهُ وقبضت وَقَالَ الْمُسْتَقْرض قد دفعتها إِلَى الْوَكِيل وَأنكر الْوَكِيل فَالْقَوْل قَول الْمُوكل وَعَن أبي يُوسُف القَوْل قَول
الجزء 1 · صفحة 254
الْوَكِيل لِأَنَّهُ أقرّ أَنه أَمِين وَالْقَوْل قَول الْأمين وَلَا يسْتَحْلف الْوَكِيل نَائِبه بِاللَّه مَا يعلم أَن رب الدّين قد استوفى الدّين لِأَن النِّيَابَة لَا تجْرِي فِي الْأَيْمَان بِخِلَاف الْوَارِث حَيْثُ يحلف على الْعلم لِأَن الْحق يثبت للْوَارِث فَكَانَ الْحلف بطرِيق الاصالة دون النِّيَابَة
وَفِي المنبع الْوَكِيل بِالْبيعِ مُطلقًا يملك البيع بِمَا قل من الْأَثْمَان أَو كثر عِنْد ابي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَهَذَا إِذا لم يكن الثّمن مُسَمّى أما إِذا كَانَ الثّمن مُسَمّى بِأَن قَالَ بِعْ هَذَا العَبْد بِأَلف فَبَاعَهُ بِأَلف إِلَّا درهما لَا يجوز وَقَالا لَا يجوز أَن يَبِيعهُ إِلَّا بِنُقْصَان يتَغَابَن النَّاس فِي مثله وَهُوَ رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَيملك البيع بالعروض أَيْضا كَمَا يملك البيع بالأثمان كالدراهم وَالدَّنَانِير وَهَذَا عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَقَالا لَا يملك إِلَّا البيع بالأثمان
الْوَكِيل بإيجار الأَرْض وَكيل بإيجارها بِأَيّ عرض كَانَ سَوَاء آجرها بكيلي أَو وزني بِعَيْنِه أَو بِغَيْر عينه أَو بِالْعرضِ قَلِيلا كَانَ أَو كثيرا عملا بِإِطْلَاق الْوكَالَة عِنْده كَالْوَكِيلِ بِالْبيعِ وَعِنْدَهُمَا لَا يجوز إِلَّا بِالدَّرَاهِمِ أَو بِالدَّنَانِيرِ أَو بِبَعْض مَا يخرج من الأَرْض يَعْنِي بِهِ الْمُزَارعَة حملا للإطلاق على الْمُتَعَارف وَعِنْدَهُمَا تجوز الْمُزَارعَة وَعِنْده لَا تجوز لِأَنَّهَا فَاسِدَة
الْوَكِيل بِالْبيعِ الْمُطلق يملك البيع بِالنَّسِيئَةِ عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ رَحمَه الله تَعَالَى
وَفِي البزازي عَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى أَن الْوَكِيل إِنَّمَا يملك البيع بِالنَّسِيئَةِ إِذا كَانَت الْوكَالَة للتِّجَارَة أما إِذا كَانَت للْحَاجة كَالْمَرْأَةِ تُعْطِي غزلها للْبيع لم يملك نَسِيئَة وَبِه يُفْتى وللوكيل بِالْبيعِ أَن يَبِيع بِالنَّسِيئَةِ وَيَأْخُذ رهنا وكفيلا أما الْإِقَالَة والحط وَالْإِبْرَاء والتجوز بِدُونِ حَقه يجوز عِنْدهمَا وَيضمن خلافًا لأبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى وَالْوَكِيل بِالشِّرَاءِ لَا يملك الْإِقَالَة بِخِلَاف الْوَكِيل بِالْبيعِ وَالسّلم فَإِذا بَاعَ ثمَّ أقَال لزم الثّمن وَكَذَا الْأَخ وَالْوَصِيّ وَالْمُتوَلِّيّ كَالْأَبِ
وَفِي التَّتِمَّة والحقائق ثمَّ على قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى يجوز البيع بِالنَّسِيئَةِ طَالَتْ الْمدَّة أَو قصرت وَعند صَاحِبيهِ لَا يجوز إِلَّا بِأَجل مُتَعَارَف فِي تِلْكَ السّلْعَة وَلَو وَكله بِالْبيعِ نَسِيئَة فَبَاعَهُ بِالنَّقْدِ جَازَ
إِذا قَالَ الْمُوكل بِعْ هَذَا العَبْد فِي السُّوق فَبَاعَهُ فِي دَاره لم ينفذ البيع عِنْد زفر لِأَنَّهُ مُخَالف وَعند الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة ينفذ لِأَن هَذَا التَّقْيِيد غير مُقَيّد فَيلْغُو فَبَقيَ الْأَمر بِمُطلق البيع وَقد وجد فَينفذ
نوع فِي الْعَزْل الْمُوكل إِذا عزل وَكيله وَهُوَ حَاضر انْعَزل وَكَذَا لَو كَانَ غَائِبا فَكتب إِلَيْهِ كتاب الْعَزْل فَبَلغهُ الْكتاب وَعلم مَا فِيهِ انْعَزل حَتَّى لَو عَزله الْمُوكل وَلم يعلم الْوَكِيل بعزله فَهُوَ على وكَالَته وتصرفه جَائِز فِي جَمِيع الْأَحْكَام حَتَّى يبلغهُ الْعَزْل
الْوَكِيل لَو عزل نَفْيه بِدُونِ علم الْمُوكل لَا يَصح خلافًا للشَّافِعِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَفِي الذَّخِيرَة وَتبطل الْوكَالَة بِمَوْت الْمُوكل وجنونه مطبقا وارتداده ولحاقه بدار الْحَرْب
وَقد اخْتلف أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى فِي حد الْجُنُون المطبق فَقَالَ أَبُو يُوسُف حَده شهر لِأَنَّهُ يسْقط بِهِ الصَّوْم وَعنهُ أَكثر من يَوْم وَلَيْلَة لِأَنَّهُ يسْقط بِهِ الصَّلَوَات الْخمس وَعند مُحَمَّد حَده حول كَامِل وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن استمراره حولا مَعَ اخْتِلَاف فصوله آيَة استحكامه لِأَنَّهُ يسْقط بِهِ جَمِيع الْعِبَادَات كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم وَالزَّكَاة أما مَا دون الْحول فَلَا يمْنَع وجوب الزَّكَاة فَلَا يكون فِي معنى الْمَوْت
الجزء 1 · صفحة 255
وَلَو وَكله بِقَبض الدّين ثمَّ إِن رب الدّين وهبه من الْغَرِيم وَالْوَكِيل لم يعلم بذلك فَقَبضهُ مِنْهُ وَهلك فِي يَده فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ وللدافع أَن يَأْخُذ بِهِ الْمُوكل
وَلَو مَاتَ العَبْد الْمَأْمُور بِبيعِهِ أَو الْمُوكل وَلم يعلم بِهِ الْوَكِيل فَبَاعَ وَقبض الثّمن وَهلك فِي يَده ضمن وَلم يرجع بِهِ على الْآمِر وَلَا فِي تركته إِن كَانَ هُوَ الْمَيِّت قَالَ صَاحب الْفُصُول وَالْفرق فِي الايضاح فَلْينْظر ثمَّة
وَفِي الْوَلْوَالجيّ تَعْلِيق الْوكَالَة بِالشّرطِ يجوز فَإِنَّهُ نَص فِي الزِّيَادَات فِي بَاب الْخلْع امْرَأَة قَالَت لزَوجهَا إِذا جَاءَ غَد فطلقني بِأَلف دِرْهَم جَازَ وَلَو نهت الزَّوْج عَن ذَلِك قبل مَجِيء الْغَد جَازَ نهيها حَتَّى لَو طلق الزَّوْج بعد ذَلِك وَقع بِغَيْر جعل لِأَنَّهُ عمل بنهيها فِي إِبْطَاله ولَايَة إِلْزَام المَال عَلَيْهَا لَا فِي الْحجر عَن الطَّلَاق فَدلَّ أَنه صَحَّ تَعْلِيق التَّوْكِيل بِالشّرطِ انْتهى
نوع فِي الْكفَالَة الْكفَالَة فِي الشَّرِيعَة ضم الذِّمَّة فِي الْمُطَالبَة دون الْيَدَيْنِ وَقيل ضم الذِّمَّة إِلَى الذِّمَّة فِي الدّين فَيصير الدّين الْوَاحِد فِي حكم دينين أَو تصير الذمتان فِي حكم ذمَّة وَاحِدَة لِأَن الْكَفِيل مطَالب كالأصيل والمطالبة بإيفاء الدّين بِلَا دين محَال لِأَن الْمُطَالبَة فرع الدّين فَلَا يتَصَوَّر الْفَرْع بِدُونِ الاصل فَلَزِمَ من توجه الْمُطَالبَة إِلَى الْكَفِيل ثُبُوت الدّين فِي ذمَّته فَلَزِمَ تعدد الدّين ضَرُورَة وَلِهَذَا لَو وهب الدّين من الْكَفِيل صَحَّ وَلِهَذَا يرجع الْكَفِيل على الْأَصِيل فَلَو لم يكن الدّين ثَابتا على ذمَّة الْكَفِيل لما صَحَّ هِبته لِأَن هبة الدّين من غير من عَلَيْهِ الدّين لَا تصح وَلَا تصح الْكفَالَة إِلَّا مِمَّن يملك التَّبَرُّع لِأَن الْكفَالَة عقد تبرع فَتَصِح مِمَّن يملك التَّبَرُّع وَلَا تصح مِمَّن لَا يملكهُ فَلَا تَنْعَقِد كَفَالَة الْمَجْنُون وَالصَّبِيّ وَلَا تجوز كَفَالَة الْمكَاتب عَن الْأَجْنَبِيّ لِأَن الْمكَاتب عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم على لِسَان صَاحب الشَّرْع الشريف صلوَات الله تَعَالَى وَسَلَامه عَلَيْهِ وَسَوَاء أذن لَهُ الْمولى أَو لم يَأْذَن لِأَن إِذن الْمولى لم يَصح فِي حَقه وَصَحَّ فِي حق الْقِنّ حَتَّى يُطَالب بِهِ بعد الْعتْق وَلَو كفل الْمكَاتب أَو الْمَأْذُون عَن الْمولى جَازَ لِأَنَّهُمَا يملكَانِ التَّبَرُّع عَلَيْهِ كَذَا فِي المنبع
وَفِي الْوَلْوَالجيّ رجل قَالَ لآخر أَنا ضَامِن بِمَعْرِِفَة فلَان فَلَيْسَ هَذَا بكفالة وروى عَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى فِي غير رِوَايَة الأَصْل أَنه قَالَ هَذَا على مُعَاملَة النَّاس وَلَو قَالَ الْكَفِيل قد ضمنت بِهِ أَو قَالَ هُوَ عَليّ أَو الي فقد لَزِمته الْكفَالَة لِأَن هَذِه الْأَلْفَاظ عبارَة عَن الْكفَالَة وَلَو قَالَ كتبتها لَك عِنْدِي أَو قَالَ أثبتها لَك عندى فَهَذَا لَيْسَ بِضَمَان بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ كتبهَا لَك على أَو أثبتها لَك على لِأَن كلمة عندى لاتنبىء عَن الِالْتِزَام بِخِلَاف كلمة عَليّ تذكر للالتزام
وَفِي الْمِنْهَاج للعقيلي وَتجوز الْكفَالَة بِأَن يَقُول أَنا كَفِيل بِمَا لَك عَلَيْهِ أَو ضَامِن أَو زعيم أَو قبيل أَو مَالك عَلَيْهِ فَهُوَ عَليّ أَو عِنْدِي أَو قبلي فَهَذَا كُله ضَمَان صَحِيح
وَيجوز تَعْلِيق الْكفَالَة بِشَرْط بِأَن يَقُول مَا بَايَعت فلَانا فعلي أَو مَا يذوب لَك على فلَان فَهُوَ عَليّ انْتهى وَلَو قَالَ أَنا بِهِ زعيم أَو قبيل أَو ضمين لَزِمته الْكفَالَة لما قُلْنَا لِأَن الزعيم وَالْكَفِيل سَوَاء قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الزعيم غَارِم وَكَذَا الْقَبِيل والضمين وَلَو قَالَ أَنا ضَامِن لَك حَتَّى أدلك لَا يكون كَفِيلا كَمَا لَو قَالَ أَنا ضَامِن بمعرفته
قيل مَكْتُوب على بَاب بلد الرّوم الْكفَالَة أَولهَا ملامة وأوسطها ندامة وَآخِرهَا غَرَامَة وَمن لم يصدق فليجرب ليعرف الْبلَاء من السَّلامَة
الجزء 1 · صفحة 256
ثمَّ هِيَ تصح فِي الْأَعْيَان الْمَضْمُونَة وبالنفس عندنَا فَإِن كفل بِنَفسِهِ إِلَى شهر ثمَّ دفع إِلَيْهِ قبل شهر برىء وَفِي شرح الشافي يجب تَسْلِيمه بعد الشَّهْر كَمَا لَو بَاعَ بِثمن مُؤَجل
كفل ثَلَاثَة أَيَّام لَا يبرأ بمضيها وَالثَّلَاثَة لتأخير الْمُطَالبَة قَالَ أَبُو جَعْفَر وَعَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى كفل إِلَى عشرَة أَيَّام فَهُوَ عَلَيْهِ أبدا حَتَّى يبرأ وَقَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى كفل بِنَفسِهِ إِلَى شهر على أَنه بَرِيء إِذا مضى الشَّهْر فَهُوَ لَا يضمن شَيْئا قَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث الْفَتْوَى على أَنه لَا يصير كَفِيلا وَفِي الْوَاقِعَات الْفَتْوَى على أَنه يصير كَفِيلا
وَإِذا مَاتَ الْكَفِيل بِالدّينِ الْمُؤَجل حل الدّين فِي مَاله ثمَّ لوَارِثه الرُّجُوع على الْأَصِيل إِلَى أَجله وَكَذَلِكَ لَو مَاتَ الْأَصِيل إِلَى أَجله وَكَذَلِكَ لَو مَاتَ الْأَصِيل وَالْكَفِيل حَتَّى يحل الدّين فِي تَرِكَة الْأَصِيل وَيكون على الْكَفِيل إِلَى أَجله وَإِن مَاتَ رب الدّين بَقِي الدّين عَلَيْهِمَا إِلَى أَجله
رجل كفل بِنَفس رجل وَهُوَ مَحْبُوس فَلم يقدر أَن يأتى بِهِ الْكَفِيل لَا يُطَالب الْكَفِيل بِهِ لِأَنَّهُ كفل مَالا يقدر على تَسْلِيمه فَلَا يَصح وَلَو كفله وَهُوَ مُطلق ثمَّ حبس الْكَفِيل يُطَالب الْكَفِيل بِهِ حَتَّى يَأْتِي بِهِ لِأَنَّهُ حَال مَا كفل بِهِ كَانَ قَادِرًا على إِتْيَانه وَلَو كفل بِنَفس أَو مَال والطالب غَائِب لَا يجوز عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى إِلَّا أَن الْمَرِيض إِذا قَالَ لوَارِثه اضمن عني دين فلَان وَهُوَ غَائِب فَإِنَّهُ يجوز وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله يجوز ذَلِك كُله لِأَن الْكفَالَة تصرف على نَفسه خَاصَّة فَيتم بِهِ كالإبراء
رجل كفل عَن رجل على أَنه إِن لم يُسلمهُ إِلَيْهِ يَوْم كَذَا فَالْمَال عَلَيْهِ صَحَّ هَذَا الشَّرْط فَإِن توارى الْمَكْفُول لَهُ يرفع الْكَفِيل الْأَمر إِلَى القَاضِي لينصب وَكيلا عَن الطَّالِب ويسلمه إِلَيْهِ فَيبرأ وَكَذَلِكَ فِيمَن بَاعَ شَيْئا على أَن المُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فتوارى البَائِع فَإِن المُشْتَرِي يرفع الْأَمر إِلَى الْحَاكِم فينصب عَنهُ وَكيلا فيسلمه إِلَيْهِ قَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث هَذَا القَوْل بِخِلَاف قَول اصحابنا فِي الرِّوَايَات الظَّاهِرَة إِنَّمَا هُوَ فِي بعض الرِّوَايَات عَن أبي يُوسُف رَحمَه الله وَلَو فعل القَاضِي هَكَذَا إِذا علم أَن الْخصم متعنت بذلك فَهُوَ حسن
وَلَو كفل رجل بِنَفس رجل لرجل على أَنه إِن لم يواف بِهِ إِلَى كَذَا وَلم يواف بِهِ فَعَلَيهِ المَال الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ جَازَ وَلَو قَالَ إِن لم أوفك بِهِ غَدا فعلى ألف دِرْهَم وَلم يقل الَّتِي لَك عَلَيْهِ والطالب يَدعِي ألف دِرْهَم وَقَالَ الْكَفِيل لَيْسَ للطَّالِب عَلَيْهِ الف دِرْهَم وَلَهُم كَانَ إِقْرَار مني بِأَلف دِرْهَم مُعَلّقا بِالشّرطِ وَلم يكن كَفَالَة بِالْمَالِ وَقَالَ الطَّالِب لي عَلَيْهِ ألف دِرْهَم وَهُوَ الْآن علق الْكفَالَة بذلك المَال لعدم الموافاة لزمَه المَال فِي قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله تَعَالَى وَقَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى لَا يلْزمه شَيْء
وَإِن ادّعى رجل على رجل مَالا فَقَالَ لَهُ الْمَطْلُوب إِن لم آتِك غَدا فَهُوَ عَليّ لم يلْزمه ذَلِك وَإِن لم يَأْته لِأَن تَعْلِيق الْإِقْرَار بِالشّرطِ بَاطِل وَلَو قَالَ ذَلِك كفيله لزم الْكَفِيل مَا ثَبت عَلَيْهِ بِبَيِّنَة أَو إِقْرَار مِنْهُ لِأَن هَذَا تَعْلِيق الْكفَالَة بِالشّرطِ وَتَعْلِيق الْكفَالَة بِشَرْط عدم الموافاة إِذا اتَّحد الطَّالِب وَالْمَطْلُوب جَائِز وَلَو قَالَ إِن لم أوافك غَدا فَمَا تَدعِي بِهِ عَلَيْهِ فَهُوَ عَليّ لم يلْزم الْمَطْلُوب إِلَّا بِبَيِّنَة أَو إِقْرَار الْمَطْلُوب لِأَن إِقْرَار الْكَفِيل فِي حق الْمَطْلُوب لَيْسَ بِحجَّة وَيلْزم الْكَفِيل مَا ادّعى عَلَيْهِ إِن لم يَأْتِ بِهِ لِأَن الْكَفِيل لما علق الْكفَالَة الثَّابِتَة بِعَدَمِ الموافاة كَانَ هَذَا إِقْرَارا مِنْهُ وَلَيْسَ للْكَفِيل أَن يُطَالب الْمَدْيُون قبل الْأَدَاء وَإِن كَانَت الْكفَالَة بِالْأَمر وَمَعَ ذَلِك لَو أَدَّاهُ الْكَفِيل لَهُ أَن يسْتَردّ مَا لم يؤده الْمَكْفُول عَنهُ إِلَى الدَّائِن وَلَو وهب رب الدّين لأَحَدهمَا فَهَذَا وَأَدَاء المَال سَوَاء وَكَذَا لَو مَاتَ الطَّالِب فورثه أَحدهمَا
الجزء 1 · صفحة 257
إِبْرَاء الاصيل يُبرئ الْكَفِيل لَا عَكسه لَو أخر عَن الْأَصِيل فَهُوَ تَأْخِير عَن الْكَفِيل لَا عَكسه وَإِن أَبْرَأ الْأَصِيل ورد الْإِبْرَاء صَحَّ رده فِي حق نَفسه وَيُطَالب بِهِ وَهل يَصح فِي حق الْكَفِيل اخْتلفُوا فِيهِ كَذَا فِي البزازي
وَفِي الْوَلْوَالجيّ صَحَّ الرَّد من الْأَصِيل فِي حق نَفسه وَفِي حق الْكَفِيل جَمِيعًا حَتَّى تعود الْكفَالَة انْتهى
وَالْكَفَالَة إِلَى الْحَصاد جَائِزَة ويتناول أول الْحَصاد وَلَو قَالَ إِلَى أَن تمطر السَّمَاء أَو تهب الرّيح لَا يجوز
كفل عَن انسان بِمَال عَلَيْهِ إِلَى سنة يجب على الْكَفِيل مُؤَجّلا وَإِن كَانَ على الْأَصِيل حَالا وَإِن مَاتَ الْكَفِيل يُؤْخَذ من تركته حَالا وَلَا يرجع وَرَثَة الْكَفِيل على الْمَكْفُول عَنهُ قبل الْوَقْت الَّذِي وقته
وَعَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى فِيمَن قَالَ أَنا كفلت بِهِ على أَنِّي مَتى طولبت بِهِ أَو كلما طولبت بِهِ فلي أجل شهر صحت الْكفَالَة وَله أجل شهر من وَقت الْمُطَالبَة الأولى فَإِذا تمّ الشَّهْر من الْمُطَالبَة لزم التَّسْلِيم وَلَا يكون للمطالبة الثَّانِيَة تَأْجِيل
رجل قَالَ لغريمه إِذا جَاءَ غَد فَأَنت بَرِيء من هَذَا المَال لَا يبرأ وَإِن كَانَ أصل المَال عَلَيْهِ من كَفَالَة يبرأ وَكَذَا إِذا قَالَ إِن قدم فلَان فَأَنت بَرِيء مِنْهَا وَكَذَا لَو شَرط الْكفَالَة على هَذَا فَهُوَ جَائِز
رجل لَهُ على آخر ألف دِرْهَم بهَا كَفِيل عَنهُ فَصَالح الْكَفِيل الطَّالِب على مائَة على أَنه يبرا الْأَصِيل من الْألف وَالْكَفَالَة بأَمْره رَجَعَ الْكَفِيل على الْأَصِيل بِالْمِائَةِ لَا بِالْألف وَلَو صَالح على مائَة على أَن يهب الْكَفِيل الْبَاقِي رَجَعَ بِالْألف
الطَّالِب إِذا أبرا الْكَفِيل فالكفيل لَا يرجع على الْأَصِيل
وَذكر فِي الْعِمَادِيّ من لَهُ دين على آخر وَبِه كَفِيل فَاشْترى الطَّالِب من الْغَرِيم عقارا بيعا جَائِزا وتقاصا الثّمن أَو وَقعت الْمُقَاصَّة بِاعْتِبَار المجانسة هَل يبرأ الْكَفِيل أجَاب صَاحب الْهِدَايَة أَنه يبرأ قيل لَهُ وَلَو تفاسخا قَالَ لَا تعود الْكفَالَة
وَفِي الْوَلْوَالجيّ رجل كفل بِنَفس رجل وَلم يقدر على تَسْلِيمه فَقَالَ لَهُ الطَّالِب ادْفَعْ الي مَالِي الْمَكْفُول عَنهُ حَتَّى تَبرأ من الْكفَالَة فَإِن أَرَادَ أَن يُؤَدِّيه على وَجه يكون لَهُ حق الرُّجُوع على الْمَطْلُوب فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِك أَن يدْفع الدّين إِلَى الطَّالِب ويهب الطَّالِب مَاله على الْمَطْلُوب إِلَيْهِ ويوكله بِقَبْضِهِ فَيكون لَهُ حق الْمُطَالبَة فَإِذا قَبضه يكون لَهُ حق الرُّجُوع لِأَنَّهُ لَو دفع المَال إِلَيْهِ بِغَيْر هَذِه الْحِيلَة يكون مُتَطَوعا وَلَو أدّى بِشَرْط أَن لَا يرجع عَلَيْهِ لَا يجوز
وَفِي البزازي رجلَانِ فِي سفينة مَعَهُمَا مَتَاع وثقلت السَّفِينَة فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه ألق متاعك على أَن يكون متاعي بيني وَبَيْنك أنصافا قَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى هَذَا فَاسد وَضمن لمَالِك الْمَتَاع نصف قيمَة مَتَاعه
رجل قضى دين غَيره بِغَيْر أمره جَازَ فَلَو انْتقض بِوَجْه من الْوُجُوه يعود إِلَى ملك قَاضِي الدّين لِأَنَّهُ مُتَطَوّع وَلَو قضى بأَمْره يعود إِلَى ملك من عَلَيْهِ الدّين وَعَلِيهِ للْقَاضِي مثلهَا
وَفِي الْقنية رجل طلب دينه من الْمَدْيُون فَأعْطَاهُ مِقْدَارًا معينا من الْحِنْطَة وَلم يبعها مِنْهُ وَلم يقل إِنَّهَا من جِهَة الدّين فَهُوَ بيع بِالَّذِي يرَاهُ إِن كَانَت قيمتهَا أقل من الدّين فَإِن كَانَ السّعر بَينهمَا مَعْلُوما يكون بيعا بِقدر قِيمَته من الدّين وَإِلَّا فَلَا بيع بَينهمَا اه
الجزء 1 · صفحة 258
كَفَالَة الْمَرِيض تصح من الثُّلُث وَلَا تجوز بِمَا لَا يُمكن اسْتِيفَاؤهُ نَحْو الْحُدُود وَالْقصاص إِذا كفل عَن المُشْتَرِي بِالثّمن جَازَ وَإِن كفل بِالْمَبِيعِ عَن البَائِع لَا يَصح
وَذكر فِي شرح أدب الْقَضَاء للحسام الشهيدي وَإِن ادّعى الطَّالِب على الْمَطْلُوب حدا فِي قذف أَو دَمًا فِيهِ قصاص أَو جِرَاحَة فِيهَا قصاص فَقَالَ لي بَيِّنَة حَاضِرَة وَطلب كَفِيلا من الْمَطْلُوب فَإِنَّهُ يجْبر الْمَطْلُوب على إِعْطَاء الْكَفِيل ثَلَاثَة أَيَّام حَتَّى يحضر شهودهة عِنْد أبي يُوسُف وَهُوَ قَول مُحَمَّد وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لَا يجْبر لَكِن إِن أعْطى كَفِيلا جَازَ وَأَجْمعُوا أَن فِي الْحُدُود الْخَالِصَة لله تَعَالَى كَحَد الزِّنَا وَشرب الْخمر وَالسكر من النَّبِيذ إِذا قدمه إِلَى القَاضِي فَقَالَ الَّذِي قدمه لي بَيِّنَة حَاضِرَة وَطلب مِنْهُ كَفِيلا لَا يجْبر على إِعْطَاء الْكَفِيل وَإِن ادّعى سَرقَة لَا يجْبر على إِعْطَاء الْكَفِيل فِي حق الْقطع لِأَنَّهُ خَالص حق الله تَعَالَى لَكِن يجْبر على إِعْطَاء الْكَفِيل ثَلَاثَة أَيَّام بِالْمَالِ الْمَسْرُوق إِذا ادّعى الْمَسْرُوق مِنْهُ قبله المَال الَّذِي سَرقه
وكل شَيْء يجب فِيهِ التَّعْزِير الْحر يقذف العَبْد أَو مثل الْحر يشْتم الْحر شتيمة يجب فِيهَا التَّعْزِير فَيَقُول الطَّالِب لي بَيِّنَة حَاضِرَة فَخذ لي مِنْهُ كَفِيلا فَإِنَّهُ يجْبر على إِعْطَاء الْكَفِيل ثَلَاثَة ايام لِأَن التَّعْزِير حق العَبْد يسْقط بعفوه ويستحلف فِيهِ أَنه يثبت بِشَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال فَيجْبر الْمَطْلُوب على إِعْطَاء الْكَفِيل فِيهِ كالاموال
الْكفَالَة بالعهدة بَاطِلَة وبالخلاص أَيْضا عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَقَالا تصح بالخلاص وبالدرك تجوز بالِاتِّفَاقِ
رجل قَالَ لمن يلازم غَرِيمه خله فَأَنا أوافيك إِذا بدا لَك لم يكن كَفِيلا بِالنَّفسِ وَلَو قَالَ خله على أَن أوافيك فَفِي الْقيَاس كَذَلِك وَفِي الِاسْتِحْسَان يكون كَفِيلا بِالنَّفسِ
وَعَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ للطَّالِب ضمنت لَك مَا على فلَان إِنَّمَا أقبضهُ مِنْهُ وأدفعه اليك لَيْسَ هَذَا بكفالة وَمَعْنَاهُ أَن يتقاضاه لَهُ ويدفعه إِلَيْهِ إِذا قَبضه مِنْهُ على هَذَا مَعَاني كَلَام النَّاس
إِن لم يواف بِهِ غَدا فَعَلَيهِ مَا عَلَيْهِ فَمَاتَ الْمَكْفُول عَنهُ لزمَه المَال لمضي الْغَد وَإِن مَاتَ الْكَفِيل قبل الْأَجَل إِن سلمه ورثته قبل الْأَجَل أَو الْمَكْفُول سلم نَفسه عَن جِهَة الْكَفِيل قبل مُضِيّ الْأَجَل بَرِيء وَقَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث رَحمَه الله تَعَالَى إِنَّمَا يَصح تَسْلِيمه عَن الْكَفِيل إِذا كَانَت الْكفَالَة بِأَمْر الْمَكْفُول لَهُ وَإِلَّا فَلَا
كفل بِنَفسِهِ على أَنه مَتى طَالبه سلمه إِلَيْهِ فَإِن لم يُسلمهُ فَعَلَيهِ مَا عَلَيْهِ وَمَات الْمَطْلُوب وطالبه بِالتَّسْلِيمِ وَعجز لَا يلْزمه المَال لِأَن الْمُطَالبَة بِالتَّسْلِيمِ بعد الْمَوْت لَا تصح فَإِذا لم تصح الْمُطَالبَة لم يتَحَقَّق الْعَجز الْمُوجب للُزُوم المَال فَلَا يجب إِلَيْهِ أُشير فِي البزازي
كفل بِنَفسِهِ على أَن الْمَكْفُول عَنهُ إِذا غَابَ فَالْمَال عَلَيْهِ فَغَاب الْمَكْفُول عَنهُ ثمَّ رَجَعَ وَسلمهُ إِلَى الدَّائِن لَا يبرأ لِأَن المَال بحلول الْمَشْرُوط لزم فَلَا يبرأ إِلَّا بِالْأَدَاءِ أَو الْإِبْرَاء وَكَذَا إِذا قَالَ الْكَفِيل إِذا غَابَ عَنْك وَلم أوافك بِهِ فَأَنا ضَامِن المَال الَّذِي عَلَيْهِ أما إِذا قَالَ إِن غَابَ فَلم أوافك بِهِ فَأَنا ضَامِن بِمَا عَلَيْهِ فَإِن هَذَا على أَن يوافي بِهِ بعد الْغَيْبَة
وَعَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ إِن لم يدْفع لَك مديونك مَالك أَو لم تقبضه فَهُوَ عَليّ ثمَّ إِن الطَّالِب تقاضى الْمَطْلُوب فَقَالَ الْمَدْيُون لَا أدفعه أَولا أقضيه وَجب على الْكَفِيل السَّاعَة
الجزء 1 · صفحة 259
وَعنهُ أَيْضا إِن لم يعطك الْمَدْيُون دينك فَأَنا ضَامِن إِنَّمَا يتَحَقَّق الشَّرْط إِذا تقاضاه وَلم يُعْطه وَكَذَا إِذا مَاتَ الْمَطْلُوب بِلَا أَدَاء
وَفِي الفتاوي إِن تقاضيت وَلم يعطك فَأَنا ضَامِن وَمَات قبل أَن يتقاضاه وَيُعْطِيه بَطل الضَّمَان وَلَو قَالَ بعد التقاضي أَنا أُعْطِيك فَإِن أعطَاهُ مَكَانَهُ أَو ذهب بِهِ إِلَى السُّوق أَو منزله وَأَعْطَاهُ جَازَ فَإِن طَال ذَلِك وَلم يُعْطه من يَوْمه لزم الْكَفِيل
أقرّ بِمُوجب بِالْكَفَالَةِ بِالنَّفسِ أَو ثَبت بِالْبَيِّنَةِ عِنْد الْحَاكِم قَالَ الْخصاف لَا يحْبسهُ فيهمَا أول مرّة وَفِي ظَاهر الرِّوَايَة كَذَلِك فِي الْإِقْرَار أما فِي الْبَيِّنَة يحْبسهُ وَلَو كَانَ أول مرّة
غَابَ الْمَكْفُول إِن علم مَكَانَهُ أَو لَهُ خرجَة مفهومة فِي كل حِين إِلَى مَكَان أمْهل الْحَاكِم الْكَفِيل إِلَى أَن يذهب إِلَيْهِ وَيَأْتِي بِهِ إِذا أَرَادَ الْكَفِيل الذّهاب وَإِن أَبى حَبسه حَتَّى يَجِيء بِهِ وَإِن لم يعلم مَكَانَهُ واتفقا عَلَيْهِ لَا يحْبسهُ وَيجْعَل ذَلِك كموته
وَفِي الخزانة يجْبرهُ الْحَاكِم على تَسْلِيم الْمَكْفُول بِهِ إِلَى الطَّالِب وَيُعْطى الْكَفِيل وَلَا يجْبرهُ على عَطاء الْكَفِيل فَإِن قَالَ لَا علم لي بمَكَان الْمَكْفُول بِهِ إِن صدقه الْمَكْفُول لَهُ سَقَطت الْمُطَالبَة وَلَا يحبس حَتَّى يظْهر عَجزه وَلَا يحلفهُ
كفل على أَنه بِالْخِيَارِ إِلَى عشرَة ايام أَو أَكثر صَحَّ ذكره البزازي
وَفِي الْقنية الْكَفِيل بِأَمْر الْأَصِيل أدّى المَال إِلَى الدَّائِن بعد مَا أدّى الْأَصِيل وَلم يعلم بِهِ لَا يرجع على الْأَصِيل
إِذا غَابَ الْمَكْفُول عَنهُ فللدائن أَن يلازم الْكَفِيل حَتَّى يحضرهُ وَالْحِيلَة فِي فِي دَفعه أَن يَدعِي الْكَفِيل عَلَيْهِ ان خصمك غَابَ غيبَة لَا يدْرِي مَكَانَهُ فَبين لي مَوْضِعه فَإِن اقام بَيِّنَة على ذَلِك تنْدَفع عَنهُ الْخُصُومَة
وَفِي المنبع لَو قَالَ أَنا ضَامِن لَك على أَن أدلك عَلَيْهِ أَو أوقفك عَلَيْهِ لَا يكون ذَلِك كَفَالَة وَفِي المنتفى يكون كَفِيلا وعَلى هَذَا مُعَاملَة النَّاس
وَفِيه أَيْضا إِذا مَاتَ الرجل وَعَلِيهِ دُيُون وَلم يتْرك شَيْئا فتكفل عَنهُ رجل للْغُرَمَاء لم تصح الْكفَالَة عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَسَوَاء كَانَ ذَلِك الرجل الَّذِي تكفل للْغُرَمَاء ابْنه أَو أَجْنَبِيّا لم تصح عِنْده وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى تصح وَيلْزمهُ جَمِيع مَا تكفل بِهِ وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى وَلَو تبرع بِهِ إِنْسَان يَصح بِالْإِجْمَاع وَكَذَلِكَ لَو كَانَ بِهِ كَفِيل يبْقى كَذَلِك بِالْإِجْمَاع اه
نوع فِي التَّسْلِيم سلمه إِلَى الطَّالِب بَرِيء قبل الطَّالِب أَولا كمن وضع الدّين بَين يَدَيْهِ يبرأ قبل أَولا
شَرط الموافاة فِي الْمَسْجِد فوفاه فِي السُّوق أَو فِي مجْلِس الحكم فَدفعهُ فِي السُّوق يبرأ عِنْد الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة أبي حنيفَة وصاحبيه رَحِمهم الله أَجْمَعِينَ
قَالَ السَّرخسِيّ كَانَ هَذَا فِي ذَلِك الزَّمَان أما فِي زَمَاننَا لَو شَرط الْمجْلس وَسلم فِي السُّوق لَا يبرأ لغَلَبَة الْفساد إِذْ لَا يعان على الْإِحْضَار إِلَى بَاب الْحَاكِم وَإِلَيْهِ ذهب الامام زفر رَحمَه الله وَعَلِيهِ الْفَتْوَى
وَفِي التَّجْرِيد شَرط تَسْلِيمه فِي مجْلِس الحكم إِن سلمه فِي الْمصر فِي مَكَان يقدر على المحاكمة بِهِ بَرِيء
الجزء 1 · صفحة 260
وَإِن كَانَ فِي بَريَّة لَا يبرأ وَإِن شَرط أَن يُسلمهُ فِي مصر كَذَا فسلمه فِي مصر آخر بَرِيء عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَعند مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى لَا يبرأ وَلَو سلمه فِي السوَاد أَو فِي مَوضِع لَا قَاضِي فِيهِ ثمَّة لَا يبرأ فِي قَوْلهم
شَرط تَسْلِيمه عِنْد الْأَمِير مسلمه عِنْد القَاضِي أَو عزل ذَلِك الْأَمِير فسلمه عِنْد أَمِير قَامَ مَكَانَهُ جَازَ وَلَو سلمه إِلَيْهِ رَسُول الْكَفِيل أَو وَكيله أَو الْكَفِيل نَفسه عَن كَفَالَة الْمَطْلُوب جَازَ
ضمن نفس رجل وَحبس فِي السجْن فَسلم لَا يبرا وَلَو ضمن وَهُوَ مَحْبُوس فسلمه فِيهِ يبرأ وَلَو أطلق ثمَّ حبس ثَانِيًا فَدفعهُ إِلَيْهِ فِيهِ إِن كَانَ الْحَبْس الثَّانِي من أُمُور التِّجَارَة وَنَحْوهَا صَحَّ الدّفع وَإِن كَانَ من أُمُور السُّلْطَان وَنَحْوهَا لَا
حبس الطَّالِب الْمَطْلُوب ثمَّ طَالب الْكَفِيل بِهِ فَدفعهُ وَهُوَ فِي حَبسه قَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى يبرأ وَلَو قَالَ الْمَطْلُوب دفعت اليك نَفسِي عَن كَفَالَة فلَان وَهُوَ فِي حَبسه جَازَ وبرىء
الْكفَالَة بِالنَّفسِ تورث بِأَن مَاتَ الْمَكْفُول عَنهُ نَفسه وَلم يقل عَن كَفَالَة فلَان لَا يبرأة الْكَفِيل
وَعَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى حبس الْمَكْفُول بِالنَّفسِ بدين عَلَيْهِ ثمَّ إِن الطَّالِب خَاصم الْكَفِيل فِي طلبه فَأخْرجهُ القَاضِي لأَجله من الْحَبْس فَقَالَ الْكَفِيل دَفعته إِلَيْهِ لكفالتي وَرَسُول القَاضِي مَعَه وَهُوَ مُمْتَنع عَنهُ برَسُول القَاضِي لَا يبرأ وَلَو قَالَ قُدَّام القَاضِي وَهُوَ يُخَاصم دَفعته اليك يبرأ وَلَو كَانَ الْمَطْلُوب مَحْبُوسًا عِنْد غير القَاضِي الَّذِي تخاصما عِنْده يجْبر الْكَفِيل على تخليصه وإحضاره الْجُمْلَة من البزازي
نوع فِي بَيَان أَحْكَام الْحِوَالَة صِحَة الْحِوَالَة تعتمد على قبُول الْمُحْتَال لَهُ والمحتال عَلَيْهِ وَلَا تصح الْحِوَالَة فِي غيبَة الْمُحْتَال لَهُ فِي قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى كَمَا فِي الْكفَالَة إِلَّا أَن يقبل رجل الْحِوَالَة عَن الْغَائِب وَلَا يشْتَرط حَضْرَة الْمُحْتَال عَلَيْهِ لصِحَّة الْحِوَالَة حَتَّى لَو أَحَالهُ على رجل غَائِب ثمَّ علم الْغَائِب بهَا فَقبل صحت الْحِوَالَة وَكَذَا لَا يشْتَرط حَضْرَة الْمُحِيل حَتَّى لَو قَالَ رجل لصَاحب الدّين لَك على فلَان ألف دِرْهَم فاحتل بهَا على فرضى الطَّالِب بذلك وَأَجَازَ صحت الْحِوَالَة وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوع بعد ذَلِك وَلَو قَالَ رجل للمديون إِن لفُلَان ابْن فلَان عَلَيْك ألف دِرْهَم فأحل بهَا عَليّ فَقَالَ الْمَدْيُون أحلّت ثمَّ بلغ الطَّالِب فَأجَاز لَا يجوز فِي قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى
وَاخْتلف الْمَشَايِخ فِي أَن الْحِوَالَة نقل الدّين من ذمَّة إِلَى ذمَّة أَو نقل الْمُطَالبَة فَعِنْدَ الْبَعْض نقل الدّين وَعند الْبَعْض نقل الْمُطَالبَة وَالِاخْتِلَاف بَين أبي يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى فَعِنْدَ أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى نقل الدّين وَعند مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى نقل الْمُطَالبَة وَثَمَرَة الْخلاف تظهر فِيمَا إِذا أَبْرَأ الْمُحْتَال لَهُ الْمُحِيل عَن دين الْحِوَالَة فَعِنْدَ أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى لَا يَصح لِأَنَّهُ انْتقل الدّين عَنهُ إِلَى الْمُحْتَال عَلَيْهِ وَعند مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى يَصح
وَفِي التَّجْرِيد إِذا أَحَالهُ وَقبل الْحِوَالَة برىء الْمُحِيل عِنْد الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وكل دين جَازَت الْكفَالَة بِهِ فالحوالة بِهِ جَائِزَة كَذَا فِي الْخُلَاصَة
قَالَ الطَّالِب مَاتَ الْمُحْتَال عَلَيْهِ بِلَا تَرِكَة وَقَالَ الْمُحِيل مَاتَ عَن تَرِكَة فَالْقَوْل للطَّالِب مَعَ حلفه
الْمُحِيل والمحتال يملكَانِ النَّقْض وبالنقض يبرأ الْمُحْتَال عَلَيْهِ
قَالَ الْمُحِيل مَاتَ الْمُحْتَال عَلَيْهِ بعد أَدَاء الدّين اليك فَقَالَ الْمُحْتَال لَا بل قيله وتوى حَقي فلي الرُّجُوع بِهِ عَلَيْك فَالْقَوْل للمحتال لتمسكه بِالْأَصْلِ وَلَو قضى الْمُحْتَال عَلَيْهِ الْمحَال لَهُ المَال بِأَمْر الْمُحِيل رَجَعَ على الْمُحِيل فَإِن قَالَ
الجزء 1 · صفحة 261
الْمُحِيل كَانَ لي عَلَيْك لم يصدق وَلم يكن قبُول الْحِوَالَة إِقْرَارا مِنْهُ بِشَيْء لِأَن الْأَدَاء حصل بأَمْره وَذَا مُثبت حق الرُّجُوع فَلَو بَطل إِنَّمَا يبطل بِكَوْن الدّين عَلَيْهِ ووالحوالة قد تكون على غير الْمَدْيُون كَمَا تكون على الْمَدْيُون فَلَا يبطل حق الرُّجُوع بِالشَّكِّ فَلَو قَالَ الْمُحِيل للمحتال كنت وَكيلِي فِي قبض الدّين من الْمُحْتَال عَلَيْهِ وَقَالَ الْمُحْتَال أحلتني عَلَيْهِ بدين لي عَلَيْك فَالْقَوْل قَول الْمُحِيل مَعَ يَمِينه إِلَّا أَن يَقُول الْمُحِيل اضمن هَذَا المَال عني انْتهى كَذَا فِي الْوَلْوَالجيّ
وَفِي شرح الْوِقَايَة وَتكره السفتجة وَهِي أَن يدْفع إِلَى تَاجر مَالا بطرِيق الْإِقْرَاض ليدفعه إِلَى صديق لَهُ فِي بلد آخر لسُقُوط خطر الطَّرِيق
وَإِنَّمَا سمي الْإِقْرَاض الْمَذْكُور بِهَذَا الِاسْم تَشْبِيها لَهُ بِوَضْع الدَّرَاهِم فِي السفاتج فِي الْأَشْيَاء المجوفة كَمَا تجْعَل الْعَصَا مجوفة ويخبأ فِيهَا المَال وَإِنَّمَا شبه بِهِ لِأَن كلا مِنْهُمَا احتال لسُقُوط خطر الطَّرِيق أَو لِأَن أَصْلهَا أَن الانسان إِذا أَرَادَ السّفر وَله نقد واراد إرْسَاله إِلَى صديقه فَوَضعه فِي سفتجة ثمَّ مَعَ ذَلِك خَافَ خطر الطَّرِيق فأقرض مَا فِي السفتجة إنْسَانا آخر فَأطلق السفتجة على إقراض مَا فِي السفتجة ثمَّ شاع فِي الْإِقْرَاض لسُقُوط خطر الطَّرِيق انْتهى كَلَام صدر الشَّرِيعَة
وَفِي المنبع وَيكرهُ قرض يُسْتَفَاد بِهِ من أَمن الطَّرِيق صورته رجل دفع إِلَى تَاجر عشرَة دَرَاهِم قرضا ليدفعه إِلَى صديقه ليستفيد بِهِ سُقُوط خطر الطَّرِيق وَهُوَ معنى قَوْله وَتكره السفاتج وَهِي جمع سفتجة بِضَم السِّين وَفتح التَّاء وَإِنَّمَا يكره ذَلِك لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كل قرض جر نفعا فَهُوَ رَبًّا وَإِنَّمَا قَالَ وَيكرهُ قرض الخ لِأَنَّهُ إِنَّمَا دَفعه على سَبِيل الْقَرْض إِلَيْهِ فجر نفعا وَهُوَ أَمن الطَّرِيق فَإِنَّهُ حرَام وَالله أعلم
الْفَصْل الْخَامِس
فِي الصُّلْح
الصُّلْح على ثَلَاثَة أضْرب صلح مَعَ إِقْرَار وَصلح مَعَ إِنْكَار وَصلح مَعَ سكُوت وَهُوَ أَن يقر الْمُدَّعِي عَلَيْهِ وَلَا يُنكر بل يسكت
وَوجه الانحصار أَن الْمُدَّعِي عَلَيْهِ عِنْد دَعْوَى إِمَّا الْمُدَّعِي أَن يُجيب لدعواه أَو لَا يُجيب فَإِن أجَاب فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون الْجَواب بِالْإِقْرَارِ أَو بالإنكار فَهُوَ الضَّرْب الأول وَالثَّانِي فَإِن لم يجب أصلا فَهُوَ السُّكُوت وكل ذَلِك جَائِز عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله لَا يجوز الصُّلْح مَعَ الْإِنْكَار وَالسُّكُوت
وَصلح الْفُضُولِيّ جَائِز بِأَن يَقُول الْفُضُولِيّ أقرّ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ سرا عِنْدِي بأنك على حق فِي دعواك فصالحني على كَذَا وَضَمنَهُ صَحَّ
وَطَرِيق الضَّمَان أَن يَقُول الْفُضُولِيّ صَالح من دعواك على كَذَا على أَنِّي ضَامِن أَو على مَالِي أَو صالحني من دعواك على فلَان على كَذَا وأضاف العقد إِلَى نَفسه أَو مَاله صَحَّ وطولب الْفُضُولِيّ بِالْبَدَلِ ثمَّ يرجع على الْمصَالح عَلَيْهِ إِن كَانَ الصُّلْح بأَمْره كَذَا ذكره فِي البزازي
وَفِي الْوَلْوَالجيّ وَلَا يجوز صلح الدّين بِالدّينِ إِلَّا أَن يكون من جنسه وَهُوَ أَن يكون عَلَيْهِ عشرَة دَرَاهِم
الجزء 1 · صفحة 262
إِلَى شهر فَصَالحه على خَمْسَة إِلَى شَهْرَيْن فَيجوز أما الأول فَلِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن الكالئ بالكاليء وَأما الثَّانِي فَلِأَن ذَلِك لَيْسَ بصلح لِأَن الْمصَالح عَلَيْهِ عين حَقه الَّذِي كَانَ قبل الصُّلْح لكنه تبرع بشيئين بحط الْبَعْض وبالزيادة فِي الْأَجَل وَلَو صَالح من دينه على عبد يجوز وَلم يَبِعْهُ مُرَابحَة لِأَن مبْنى الصُّلْح على التَّجَوُّز بِدُونِ الْحق فَصَارَ بِالصُّلْحِ كَأَنَّهُ أَبرَأَهُ عَن بعض الدّين وَاشْترى العَبْد بِالْبَاقِي
وَلَو كَانَ لَهُ على رجل ألف دِرْهَم فَصَالحه مِنْهَا على خَمْسمِائَة دِرْهَم جَازَ وَإِن فَارقه قبل أَن يُعْطِيهِ إِيَّاه لِأَن هَذَا الصُّلْح إِبْرَاء عَن النّصْف لِأَن الصُّلْح إِبْرَاء وَطلب لإيفاء النّصْف لِأَن الصُّلْح يجوز بِدُونِ الْحق والتجوز بِدُونِ الْحق إِبْرَاء للْبَعْض وَاسْتِيفَاء للْبَعْض وَذَلِكَ جَائِز وَلَو صَالحه من دينه على بعضه عَاجلا أَو آجلا كَانَ جَائِزا لِأَنَّهُ تبرع باسقاط الْبَعْض واسقاط الْمُطَالبَة عَمَّا بقى فِي يَده وَلَو صَالحه بِجِنْس آخر لَا يجوز لِأَنَّهُ مصارفة الدَّرَاهِم بِالدَّنَانِيرِ آجلا فَلَا يجوز
رجل لَهُ على رجل ألف دِرْهَم دينا فَأنْكر الْمَطْلُوب ذَلِك فَصَالحه الطَّالِب على مائَة دِرْهَم فَقَالَ لَهُ صالحتك على مائَة دِرْهَم من الْألف الَّتِي عَلَيْك وابرأتك عَن الْبَقِيَّة أَو لم يقل فَذَلِك جَائِز وَيبرأ الْمَطْلُوب فِي الظَّاهِر وَلَا يبرأ فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى لِأَنَّهُ مُضْطَر فِي هَذَا الصُّلْح معنى وَالرِّضَا شَرط جَوَاز الصُّلْح
وَفِي الْقنية ادّعى عَلَيْهِ مَالا فَأنكرهُ وَحلف ثمَّ ادَّعَاهُ الْمُدعى عِنْد قَاض آخر فَأنكرهُ فصولح يَصح وَفِي الْأَسْرَار أَنه لَا يَصح وَكَذَا فِي نكت الشِّيرَازِيّ وَقيل يَصح وروى مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى أَنه يَصح
قَالَ وَرَأَيْت بِخَط عَلَاء الْأَئِمَّة الحمامي ادّعى على آخر حق التَّعْزِير أَو حد الْقَذْف وَأنكر الآخر وتوجهت عَلَيْهِ الْيَمين فَافْتدى يَمِينه بِمَال قَالَ الْحلْوانِي فِيهِ اخْتِلَاف الْمَشَايِخ قيل يحل أَخذ ذَلِك وَقيل لَا يحل وَلَو ادّعى حق الشّرْب وَالْمَسْأَلَة بِحَالِهَا فَالْأَصَحّ أَنه يجوز أَخذ المَال وَيجوز الافتداء
رجل لَهُ على آخر ألف دِرْهَم إِلَى سنة فَصَالحه على أَن يُعْطي بهَا كَفِيلا ويؤرخها إِلَى سنة أُخْرَى يجوز وَكَذَا لَو كَانَ بهَا كَفِيل فَأعْطَاهُ كَفِيلا آخر وابرأ الْكَفِيل الأول واخرها سنة يجوز وَلَو صَالحه على أَن يعجل لَهُ نصف المَال على أَن يُؤَخر عَنهُ مَا بقى إِلَى سنة أُخْرَى مثل حُلُوله ثمَّ اسْتحق لم يرجع عَلَيْهِ حَتَّى يحل الْأَجَل وَكَذَا لَو وجدهَا زُيُوفًا أَو ستوقة وَإِن صَالحه على عبد فَوجدَ فِيهِ عَيْبا فَرده إِن عَاد إِلَيْهِ بِالْفَسْخِ يعود الْأَجَل وَإِن عَاد بالإقالة فَالْمَال حَال وَكَذَا لَو كَانَ بِالْمَالِ كَفِيل أَو رهن فِي يَد الْمُرْتَهن فالرهن وَالْكَفِيل على حَاله وَلَو جعل دينه حَالا فَهُوَ حَال وَلَيْسَ بصلح لِأَن الْأَجَل حق الْمَطْلُوب وَقد ابطله وَكَذَا لَو قَالَ أبطلت الْأَجَل أَو تركته أَو جعلته حَالا أما لَو قَالَ برأت من الْأَجَل بِالضَّمِّ لم يبطل أما إِذا قَالَ أَبْرَأتك أَو برأت بِالْفَتْح بَطل الْأَجَل وَلَو قَالَ لَا حَاجَة لي فِي الْأَجَل لَا يبطل الْأَجَل
وَفِي الْخُلَاصَة رجل ادّعى على آخر ألف دِرْهَم فَأنْكر ثمَّ صَالحه على أَن يَبِيعهُ بهَا عبدا جَازَ وَهَذَا إِقْرَار مِنْهُ بِالدّينِ بِخِلَاف قَوْله صالحتك على هَذَا العَبْد فَإِنَّهُ لَا يكون إِقْرَارا مِنْهُ بِالدّينِ
وَفِي الأَصْل إِذا كَانَ لرجل على آخر ألف دِرْهَم فَقَالَ لَهُ أبراتك عَن خَمْسمِائَة أَو حططت عَنْك خَمْسمِائَة على أَن تُعْطِينِي الْبَاقِي وَلم يُوَقت وقتا فَأعْطَاهُ الْبَاقِي فِي هَذَا الْيَوْم أَو لم يُعْطه بَرِيء مِنْهُ عَن خَمْسمِائَة
وَفِي الْجَامِع الصَّغِير جعل الْمَسْأَلَة على ثَلَاثَة أوجه إِن قَالَ أد الي غَدا خَمْسمِائَة على أَنَّك بَرِيء من الْبَاقِي أَو على أَنَّك إِن لم تعطني خَمْسمِائَة فالألف عَلَيْك على حَالهَا فَالْأَمْر كَمَا قَالَ وَلَو قَالَ أد الي خَمْسمِائَة غَدا على
الجزء 1 · صفحة 263
أَنَّك بَرِيء من الْفضل فَإِن أعطَاهُ بَرِيء مُطلقًا وَإِن لم يُعْطه فَعِنْدَ أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى لَا يبرأ وَعند ابي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يبرأ وَلَو قَالَ أَبْرَأتك عَن خَمْسمِائَة على أَن تُعْطِينِي غَدا خَمْسمِائَة حصل الابراء مُطلقًا أَدَّاهُ الْخَمْسمِائَةِ غَدا أَو لم يؤد وَلَو قَالَ إِن أدّيت الي خَمْسمِائَة فَأَنت بَرِيء أَو مَتى أدّيت الي أَو إِن أدّيت أَو إِذا أدّيت لَا يبرأ لِأَن تَعْلِيق الْبَرَاءَة بِالشّرطِ بَاطِل
صولح من دَعْوَى الدّين على دَرَاهِم وافتراقا قبل قبض بدل الصُّلْح يجوز لِأَنَّهُ إِن كَانَ عَن إِقْرَار فَافْتَرقَا عَن يَمِين بدين بزعمهما وَإِن كَانَ عَن إِنْكَار فَفِي زعم الْمُدَّعِي كَذَلِك وَفِي زعم الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بذل المَال لإِسْقَاط الْيَمين وَقبض الْبَدَل ينْعَقد الْإِسْقَاط لَا يشْتَرط كَمَا فِي الْخلْع وَالْعِتْق على مَال وَإِن وَقع عَن دَرَاهِم فِي الذِّمَّة على دَنَانِير أَو عَكسه فَيشْتَرط قبض الْبَدَل فِي الْمجْلس لِأَنَّهُ صرف وَإِن وَقع عَن دَنَانِير فِي الذِّمَّة على دَنَانِير أقل لَا يشْتَرط قَبضه فِيهِ لِأَنَّهُ إِسْقَاط بعض الْحق وَأخذ الْبَاقِي وَيجوز الِاعْتِيَاض عَن الْأَجَل بَين الْمكَاتب وَالْمولى حَتَّى لَو قَالَ لمَوْلَاهُ زِدْنِي فِي الْأَجَل حَتَّى أزيدك فِي الْبَدَل أَو قَالَ احطط عني من بدل الْكِتَابَة كَذَا حَتَّى أترك حَقي فِي الْأَجَل وَأعجل لَك الْبَدَل صَحَّ وَلَا يجوز الِاعْتِيَاض عَن الْأَجَل بَين الحرين وَلَا يجوز بيع الدِّرْهَم بِالدِّرْهَمَيْنِ بَين الْمولى وَالْمكَاتب
الصُّلْح عَن الشُّفْعَة بَاطِل وَتبطل الشُّفْعَة بِهِ ولقيم الْوَقْف أَن يُصَالح سَارِق الْقطن من أَرض الْوَقْف إِن كَانَ مقرا وَإِن كَانَ إِنَّمَا يُعْطِيهِ لأجل مَخَافَة هتك السّتْر وَنَحْو ذَلِك لم يجز
وَفِي الْعِمَادِيّ ادّعى على رجل مَحْدُود أَنه وقف على كَذَا فَأنْكر فَصَالحه الْمُدَّعِي عَلَيْهِ على مَال لَا يَصح الصُّلْح لِأَن الصُّلْح بِمَنْزِلَة البيع وَلَيْسَ للمتولى ولَايَة البيع والاستبدال وَلَو دفع الْمُتَوَلِي شَيْئا إِلَى الْمُدَّعِي عَلَيْهِ وَأخذ الدَّار لأجل الْوَقْف يجوز إِن لم يكن لَهُ بَيِّنَة على إِثْبَات الْوَقْف وَالْمَوْقُوف عَلَيْهِ لَو فعل ذَلِك لَا يجوز لِأَنَّهُ لَيْسَ بخصم والفضولي لَو فعل ذَلِك يجوز لِأَن الْمَوْقُوف عَلَيْهِ فعل ذَلِك ليَأْخُذ الدَّار أما الْفُضُولِيّ لَو فعل ذَلِك من مَال نَفسه لاستخلاص الْوَقْف يدْفع المَال وَلَا يَأْخُذ الدَّار وَلَو اشْترى دَارا فاتخذها مَسْجِدا ثمَّ ادّعى رجل فِيهَا دَعْوَى فَصَالحه الَّذِي بنى الْمَسْجِد أَو رجل من بَين أظهرهم لِلْمَسْجِدِ فَهُوَ جَائِز
الْكَفِيل بِالنَّفسِ إِذا صَالح على مَال لاسقاط الْكفَالَة لَا يَصح أَخذ المَال وَهل تسْقط الْكفَالَة فِيهِ رِوَايَتَانِ وَلَو كَانَ كَفِيلا بِالنَّفسِ وَالْمَال فَصَالح بِشَرْط الْبَرَاءَة من الْكفَالَة بِالنَّفسِ بَرِيء
رجل ادّعى دَارا فَصَالحه على بَيت مِنْهَا أَو على قِطْعَة مِنْهَا لم يجز لَا عِنْد الْإِنْكَار وَلَا عِنْد الْإِقْرَار لِأَن مَا قبض عين حَقه وَهُوَ على دَعْوَاهُ فِي الْبَاقِي وَالْوَجْه فِيهِ أحد أَمريْن إِمَّا أَن يزِيد درهما فِي بدل الصُّلْح فَيصير ذَلِك عوضا عَن حَقه فِيمَا بَقِي أَو يلْحق بِهِ ذكر الْبَرَاءَة عَن دَعْوَى الْبَاقِي وَإِن صَالحه على دَار أُخْرَى أَو على شَيْء آخر لَا تقبل دَعْوَاهُ بعد ذَلِك وَلَو كَانَت دَعْوَاهُ فِي الدّين فَصَالحه على بعض الدّين أَو على غَيره بطلت دَعْوَاهُ بِخِلَاف الْعين
صَالح عَن دين على عين ثمَّ هَلَكت قبل التَّسْلِيم فَإِنَّهُ يعود الدّين وَلَو صَالحه من الدّين على شَيْء ثمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَة بِالدّينِ لم يكن لَهُ فسخ الصُّلْح
وَصِيّ ادّعى على رجل ألفا للْيَتِيم وَلَا بَيِّنَة لَهُ فَصَالح بِخَمْسِمِائَة عَن الْألف عَن الْإِنْكَار ثمَّ وجد بَيِّنَة عادلة فَلهُ أَن يقيمها على الالف وَكَذَا إِذا وجد الصَّبِي بَيِّنَة بعد الْبلُوغ كَذَا فِي الْقنية
وَفِي البزازي رجل ادّعى دينا أَو عينا على آخر وتصالحا على بدل وكتبا وَثِيقَة الصُّلْح وذكرا فِيهَا تصالحا عَن هَذِه الدَّعْوَى على كَذَا وَلم يبْق لهَذَا الْمُدَّعِي على هَذَا الْمُدَّعِي عَلَيْهِ دَعْوَى وَلَا خُصُومَة بِوَجْه من الْوُجُوه
الجزء 1 · صفحة 264
ثمَّ جَاءَ الْمُدَّعِي يَدعِي عَلَيْهِ بعد الصُّلْح دَعْوَى أُخْرَى بِأَن كَانَ الْمُدَّعِي مثلا امْرَأَة ادَّعَت دَارا وَجرى الْحَال كَمَا ذكرنَا ثمَّ جَاءَت تطلب من الْمُدَّعِي عَلَيْهِ دين الْمهْر لَا تسمع لِأَن الْبَرَاءَة عَن الدَّعْوَى ذكرت مُطلقًا وَلَا مَانع من أَن يَدعِي وَاحِدًا ويصالح عَنهُ وَعَن جَمِيع الدَّعَاوَى
وَاخْتَارَ شيخ الاسلام رَحمَه الله تَعَالَى أَن الصُّلْح بعد الانكار عَن دَعْوَى فَاسِدَة لَا يَصح لِأَن الْمُدَّعِي زَعمه يَأْخُذهُ بَدَلا عَمَّا ادَّعَاهُ فَلَا بُد من صِحَة الدَّعْوَى
وَفِي نظم الْفِقْه أَخذ سَارِقا فِي دَار غَيره فَأَرَادَ دَفعه إِلَى صَاحب المَال فَدفع لَهُ السَّارِق مَالا على أَن يكف عَنهُ يبطل وَيرد المبذول إِلَى السَّارِق لِأَن الْحق لَيْسَ لَهُ وَلَو كَانَ الصُّلْح مَعَ صَاحب السّرقَة بَرِيء من الْخُصُومَة بِأخذ المَال
رجل اتهمَ بِسَرِقَة وَحبس فَصَالح ثمَّ زعم أَن الصُّلْح كَانَ خوفًا على نَفسه إِن كَانَ فِي حبس الْوَالِي تصح الدَّعْوَى لِأَن الْغَالِب على أَنه حبس ظلما وَإِن كَانَ فِي حبس القَاضِي لَا تصح لِأَن الْغَالِب على أَنه حبس بِحَق
الصُّلْح الْفَاسِد كَالْبيع الْفَاسِد يتَمَكَّن كل مِنْهُمَا من الْفَسْخ
ادّعى عَلَيْهِ ألفا فَأنْكر وَأَعْطَاهُ نصفهَا وَلم يقل شَيْئا ثمَّ أَرَادَ الْمُدَّعِي يَعْنِي الدَّافِع اسْتِرْدَاده لَهُ ذَلِك وَإِن كَانَ مَكَان النَّقْد عرض لَا يملك الِاسْتِرْدَاد
فَالْحَاصِل أَن كل مَا كَانَ للْمُدَّعِي فِيهِ حق الْأَخْذ لَا يتَمَكَّن من اسْتِرْدَاد الْمُدَّعِي مالم يذكر لفظ الصُّلْح أَو تدل عَلَيْهِ الْقَرِينَة لِأَن فِي زعم الْمُدَّعِي أَنه أَخذ حَقه فَكيف يكون صلحا ومالا يتَمَكَّن الْمُدَّعِي من أَخذه كالعرض يكون صلحا بالتعاطي
رجل ادّعى على آخر ألفا فَأنْكر فصولح على شَيْء ثمَّ برهن الْمُدَّعِي عَلَيْهِ على الْإِيفَاء أَو الْإِبْرَاء لَا يقبل وَإِن ادّعى عَلَيْهِ ألفا فَادّعى الْقَضَاء أَو الْإِبْرَاء وصولح ثمَّ برهن على أَحدهمَا تقبل وَيرد بدل الصُّلْح لِأَن الصُّلْح فدَاء الْيَمين وَالْيَمِين فِي الأولى كَانَت على الْمُدَّعِي عَلَيْهِ فَفَدَاهُ بِالْمَالِ وَفِي الثَّانِيَة على الْمُدَّعِي فَلَا يتَصَوَّر أَن يكون الْفِدَاء عَنْهَا فَإِذا برهن على الْقَضَاء أَو الْإِبْرَاء يرد بدله
رجلَانِ بَينهمَا أَخذ وَعَطَاء وتبرع وقرض وَشركَة تَصَادقا على ذَلِك وَلم يعرفا الْمِقْدَار فتصالحا على مائَة إِلَى أجل جَازَ لِأَن لفظ الصُّلْح دَلِيل على أَن الْحق أَكثر وَقد تبرع بالتأجيل فِيمَا بقى كمن لَهُ على آخر دَرَاهِم لَا يعرفان مقدارها صَالح على مائَة
رجلَانِ لَهما على رجل دين فَأَرَادَ أَحدهمَا أَن يَأْخُذ نصِيبه على وَجه لَا يكون للشَّرِيك فِيهَا نصيب فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِك أَن يَبِيع من الْمَطْلُوب كفا من زبيب بِمِائَة دِرْهَم ويسلمه إِلَيْهِ ثمَّ يُبرئهُ عَن نصِيبه من الدّين ويطالبه بِثمن الزَّبِيب فَحِينَئِذٍ لَا يكون لشَرِيكه فِيهِ نصيب لِأَنَّهُ لَا شركَة فِي هَذَا الدّين وَإِن مبْنى الصُّلْح على التَّجَوُّز بِدُونِ الْحق فَصَارَ كَأَن الْمصَالح أَبرَأَهُ عَن بعض نصِيبه وَاسْتوْفى الْبَعْض وَلَا يجوز تَعْلِيق الصُّلْح بِالشّرطِ وَلَا اضافته إِلَى وَقت بِأَن قَالَ إِذا جَاءَ غَد فقد صالحتك على كَذَا أَو صالحتك غَدا على كَذَا لِأَن تَعْلِيق التمليكات بِالشّرطِ وإضافتها إِلَى الْوَقْت بَاطِل وَلِأَن الصُّلْح فِي الْأَعْيَان مُلْحق بِالْبيعِ فَكَمَا لَا يجوز تَعْلِيق البيع بِالشّرطِ وَلَا اضافته إِلَى الْوَقْت فَكَذَلِك الصُّلْح
وَيجوز الصُّلْح عَن دَعْوَى نِكَاح وَهُوَ على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يَدعِي رجل على امْرَأَة نِكَاحا وَهِي تجحد فصالحته على مَال حَتَّى يتْرك الدَّعْوَى جَازَ وَكَانَ فِي معنى الْخلْع لِأَن الصُّلْح يجب اعْتِبَاره بأقرب الْعُقُود
الجزء 1 · صفحة 265
إِلَيْهِ احتيالا لصِحَّته وَأخذ المَال على ترك الْبضْع خلع فَصَارَ بدل المَال مِنْهَا فِي حق الْمُدَّعِي فِي معنى الْخلْع بِنَاء على زَعمه وَالْخلْع بِلَفْظ الْبَرَاءَة صَحِيح وَفِي حَقّهَا لدفع الشغب وَالْخُصُومَة وتخليص النَّفس عَن الْوَطْء الْحَرَام وَفِي الْهِدَايَة قَالُوا لَا يحل لَهُ أَخذ المَال فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى إِذا كَانَ مُبْطلًا فِي دَعْوَاهُ وَقَالَ صَاحب المنبع هَذَا لَيْسَ بمختص بِهَذَا الْمقَام بل هُوَ عَام فِي جَمِيع أَنْوَاع الصُّلْح بِدَلِيل مَا ذكر فِي كتاب الْإِقْرَار أَن من أقرّ لغيره بِمَال وَالْمقر لَهُ يعلم أَنه كَاذِب فِي إِقْرَاره فَإِنَّهُ لَا يحل لَهُ ذَلِك فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى إِلَّا أَن يُسلمهُ بِطيب نَفسه فَيكون تَمْلِيكًا على طَرِيق الْهِبَة وَالثَّانِي أَن تَدعِي امْرَأَة نِكَاحا على رجل فصالحها على مَال لَا يجوز لِأَنَّهُ رشوة مَحْضَة من غير خُصُومَة ويلزمها ردهَا كَذَا فِي المنبع
وَفِي الْوَلْوَالجيّ الْخَلِيفَة إِذا جعل غَيره ولي عَهده بعد مَوته ثمَّ مَاتَ يجب على النَّاس أَن يعلمُوا بِهِ وَيصير الثَّانِي خَليفَة كَمَا فعل أَبُو بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَإِنَّهُ فوض الْأَمر فِي حَيَاته إِلَى عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَكَذَا للْمُوصي أَن يُوصي إِلَى غَيره بعد مَوته اه
الْفَصْل السَّادِس فِي الْإِقْرَار
الْإِقْرَار هُوَ إِخْبَار بِحَق لآخر عَلَيْهِ وَحكمه ظُهُور الْمقر بِهِ لَا إثْبَاته ابْتِدَاء فَيصح الْإِقْرَار بِالْخمرِ للْمُسلمِ حَتَّى يُؤمر بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ وَلَا يَصح الْإِقْرَار بِالطَّلَاق وَالْعتاق مكْرها وَلَو كَانَ انشاء يَصح مَعَ الاكراه لِأَن طَلَاق الْمُكْره وإعتاقه واقعان عندنَا وَاسْتدلَّ بعض على كَونه اخبارا بمسائل مِنْهَا إِذا أقرّ بِنصْف دَاره مشَاعا صَحَّ وَلَو كَانَ تَمْلِيكًا لم يَصح وَمِنْهَا إِذا أقرَّت بِالزَّوْجِيَّةِ صَحَّ وَلَو كَانَ تَمْلِيكًا لم يَصح الا بِمحضر من الشُّهُود وَمِنْهَا إِذا أقرّ الْمَرِيض بدين مُسْتَغْرق جَمِيع مَاله صَحَّ وَلَو كَانَ تَمْلِيكًا لم يَصح وَمِنْهَا إِذا أقرّ العَبْد الْمَأْذُون لرجل بِعَين فِي يَده صَحَّ وَلَو كَانَ تَمْلِيكًا لم يَصح وَاسْتدلَّ بعض على كَونه تَمْلِيكًا بمسائل مِنْهَا إِذا أقرّ لرجل فَرد إِقْرَاره ثمَّ قبل لَا يَصح وَلَو كَانَ إِخْبَارًا لصَحَّ وَمِنْهَا إِذا أقرّ الْمَرِيض لوَارِثه بدين لم يَصح وَلَو كَانَ إِخْبَارًا لصَحَّ وَمِنْهَا أَن الْملك الثَّابِت بِسَبَب الْإِقْرَار لَا يظْهر فِي حق الزَّوَائِد المستهلكة حَتَّى لَا يملك الْمقر لَهُ مطالبتها وَلَو كَانَ إِخْبَارًا لكَانَتْ مَضْمُونَة عَلَيْهِ
وَفِي الذَّخِيرَة وَالْمُحِيط ادّعى عينا فِي يَد انسان أَنَّهَا لَهُ ثمَّ إِن صَاحب الْيَد أقرّ لَهُ بِهِ تصح هَذِه الدَّعْوَى عِنْد الْبَعْض وَعند عَامَّة الْمَشَايِخ لَا يَصح لِأَن نفس الْإِقْرَار لَا يصلح سَببا للاستحقاق فَإِن الاقرار كَاذِبًا لَا يثبت الِاسْتِحْقَاق للْمقر لَهُ وَعند من يَقُول يَصح لَو نكل فالفتوى على أَنه لَا يحلف على الْإِقْرَار وَإِنَّمَا يحلف على المَال
قَالَ صَاحب الْفُصُول قَامَت على قَول من يَقُول من الْمَشَايِخ إِنَّه تمْلِيك فِي الْحَال يَنْبَغِي أَن تصح دَعْوَى المَال بِسَبَب الْإِقْرَار وعَلى قَول من يَقُول إِنَّه إِخْبَار لَا تصح وَأَجْمعُوا على أَنه لَو قَالَ هَذَا الْعين ملكي وَهَكَذَا أقرّ بِهِ صَاحب الْيَد تصح هَذِه الدَّعْوَى لِأَنَّهُ لم يَجْعَل الْإِقْرَار سَبَب الْوُجُوب الْجُمْلَة من شرح الْوِقَايَة لِابْنِ فرشته
وَفِي المنبع وَلَا يَصح إِقْرَار الصَّبِي إِلَّا إِذا كَانَ مَأْذُونا بِالتِّجَارَة فَإِن إِقْرَاره جَائِز بدين لرجل أَو وَدِيعَة أَو عَارِية أَو مُضَارَبَة أَو غصب لِأَنَّهُ الْتحق بِسَبَب الاذن بالبالغ لدلَالَة الاذن على عقله وَلَا يَصح إِقْرَاره بِالْمهْرِ وَالْجِنَايَة وَالْكَفَالَة لِأَنَّهَا غير دَاخِلَة تَحت الاذن إِذْ التِّجَارَة مُبَادلَة المَال بِالْمَالِ وَالنِّكَاح مُبَادلَة مَا لَيْسَ بِمَال وَالْكَفَالَة تبرع من وَجه فَلم تكن تِجَارَة مُطلقَة وَكَذَلِكَ الْمَجْنُون لَا يَصح إِقْرَاره وَكَذَلِكَ العَبْد الْمَحْجُور
الجزء 1 · صفحة 266
لَا يَصح إِقْرَاره بِالْمَالِ وَإِن كَانَ يَصح بالحدود وَالْقصاص لِأَن ذمَّته ضعفت برقه فانضمت إِلَيْهَا مَالِيَّة الرَّقَبَة وَالْكَسْب وَهِي ملك الْمولى فَلَا يَصح إِقْرَاره عَلَيْهِ بِخِلَاف العَبْد الْمَأْذُون فَإِن إِقْرَاره بالديون وَبِمَا فِي يَده صَحِيح لِأَن الْمولى رضى بِإِسْقَاط حَقه بالتسليط عَلَيْهِ والنائم والمغمى عَلَيْهِ كَالْمَجْنُونِ وَإِقْرَار السَّكْرَان جَائِز بالحقوق كلهَا الا بالحدود الْخَالِصَة وَالرِّدَّة وتنفذ سَائِر التَّصَرُّفَات من السَّكْرَان كَمَا تنفذ من الصاحي وَسَيَجِيءُ تَمَامه فِي فصل الطَّلَاق إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وكما يَصح الْإِقْرَار بالمعلوم يَصح بِالْمَجْهُولِ بِخِلَاف الْجَهَالَة فِي الْمقر لَهُ فَإِنَّهُ يمْنَع صِحَة الاقرار بِلَا خلاف
وَفِي الذَّخِيرَة جَهَالَة الْمقر لَهُ إِنَّمَا تمنع صِحَة الْإِقْرَار إِذا كَانَت متفاحشة بِأَن قَالَ هَذَا العَبْد لوَاحِد من النَّاس أما إِذا لم تكن متفاحشة لَا تمنع بِأَن قَالَ هَذَا العَبْد لأحد هذَيْن الرجلَيْن
وَقَالَ شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ رَحمَه الله تَعَالَى الْجَهَالَة تمنع أَيْضا فِي هَذِه الصُّورَة لِأَنَّهُ أقرّ للْمَجْهُول وَأَنه لَا يُفِيد لِأَن فَائِدَته الْجَبْر على الْبَيَان وَهَا هُنَا لَا يجْبر على الْبَيَان وَالأَصَح أَنه يَصح لِأَنَّهُ يُفِيد وَفَائِدَته وُصُول الْحق إِلَى الْمُسْتَحق وَطَرِيق الْوُصُول ثَابت لِأَنَّهُمَا لَو اتفقَا على أَخذه فَلَهُمَا حق الْأَخْذ فَالْحَاصِل أَن الْإِقْرَار للْمَجْهُول لَا يَصح إِذا كَانَت الْجَهَالَة متفاحشة وَإِذا لم تكن متفاحشة يجوز وَالْإِقْرَار بِمَجْهُول يَصح مُطلقًا مَعْلُوما كَانَ أَو مَجْهُولا وَأما الْإِبْرَاء عَن الْحُقُوق المجهولة يَصح بعوض وبدونه
وَفِي المنبع الْإِبْرَاء عَن الْأَعْيَان لَا يَصح ثمَّ قَالَ وَفِي الْبَدَائِع لَو ابرأه عَن ضَمَان الْعين وَهِي قَائِمَة فِي يَده صَحَّ الابراء وَسقط عَنهُ الضَّمَان عِنْد أَصْحَابنَا الثَّلَاثَة وَقَالَ زفر لَا يَصح لِأَن الْإِبْرَاء إِسْقَاط وَإِسْقَاط الْأَعْيَان لَا يعقل فالتحق بِالْعدمِ وَبقيت الْعين مَضْمُونَة كَمَا كَانَت وَإِذا هَلَكت ضمن
رجل فِي يَده دَار ادَّعَاهَا آخر فَقَالَ اشْتَرَيْتهَا مِنْك الْقيَاس أَن يُؤمر بِالدفع إِلَى الْمُدَّعِي إِلَى أَن يبرهن على الشِّرَاء مِنْهُ وَفِي الِاسْتِحْسَان يُمْهل ثَلَاثَة ايام بعد التكفيل عَلَيْهِ فَإِن برهن وَإِلَّا سلم إِلَى الْمُدَّعِي وعَلى الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان إِذا ادّعى الْمَدْيُون الْإِيفَاء وجحده الْمُدَّعِي فَلَا بُد من برهَان الْمُدَّعِي عَلَيْهِ
وَكَانَ الامام ظهير الدّين يُفْتِي فِيهَا بِالْقِيَاسِ
أقرّ أَنه اقْتضى من فلَان ألفا كَانَت لَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ فلَان لم يكن لَك عَليّ شَيْء يضمن الْمقر بعد مَا يحلف الْمقر لَهُ على أَنه لم يكن لَهُ عَلَيْهِ شَيْء
قَوْله عِنْد دَعْوَى المَال عَلَيْهِ مَا قبضت مِنْك بِغَيْر حق لَا يكون إِقْرَارا وَلَو قَالَ دَفعته إِلَى أَخِيك بِأَمْرك إِقْرَار بِالْقَبْضِ فَلَا يبرأ بِلَا إِثْبَات الْأَمر بالإيصال والاتصال وَلَو قَالَ بِأَيّ سَبَب دَفعته الي قَالُوا يكون إِقْرَارا وَفِيه نظر
قدمه قبل حُلُول الْأَجَل إِلَى الْحَاكِم وَطَلَبه بِهِ فَلهُ أَن يحلف مَا عَليّ الْيَوْم شَيْء وَهَذَا الْحلف لَا يكون إِقْرَارا بِالْمَالِ الْمُدَّعِي بِهِ ويسعه أَن يحلف بِهَذَا الْوَجْه إِن لم يقْصد بِهِ ذهَاب حَقه
قَالَ الْفَقِيه لَا يلْتَفت إِلَى قَول من جعله إِقْرَارا بِوُجُوب المَال الْمُؤَجل وَكَذَلِكَ الْكَلَام إِذا حلف الزَّوْج عِنْد إِنْكَاره دَعْوَى زَوجته الصَدَاق فَإِن المهور فِي زَمَاننَا مُؤَجّلَة بِالْعَادَةِ قلت وَهَذَا دَلِيل على أَن الزَّوْجَة لَيْسَ لَهَا مُطَالبَة زَوجهَا بِالْمهْرِ الْمُؤخر بعد قبضهَا الْمُعَجل ودخوله بهَا الا بعد الْفِرَاق بِمَوْت أَو طَلَاق لِأَن
الجزء 1 · صفحة 267
الْمُؤخر مُؤَجل عرفا لما مر وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم وَلَا بُد من نقل صَرِيح يعْتَمد عَلَيْهِ فِي ذَلِك فيا أَيهَا الطَّالِب لَا تجزم بِشَيْء فِي هَذِه الْمَسْأَلَة الا بعد النَّقْل الصَّرِيح والتأمل الصَّحِيح
ادّعى عَلَيْهِ مَالا فَقَالَ قَبضته لكنه ملكي يُؤمر بِالرَّدِّ عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي أَن يكون على الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان الَّذِي ذَكرْنَاهُ
رجل قَالَ لآخر اقْضِ الْألف الَّتِي لي عَلَيْك أَو غلَّة عَبدِي فَقَالَ نعم أَو قَالَ غَدا أعطيكها أَو اقعد فاقبضها أَو وَزنهَا لَا على وَجه السخرية أَو قَالَ خُذْهَا أَو أرسل غَدا من يقبضهَا أَو يتزنها أَو لَا أزنها لَك الْيَوْم أَو لَا تأخذها مني الْيَوْم أَو حَتَّى يدْخل عَليّ مَالِي أَو يقدم على غلامي أَو قَالَ لم تحل أَو قَالَ صالحني عَنْهَا أَو قَالَ لَا أقضيكها أَو لَا أعطيكها أَو قَالَ أحل غرماءك عَليّ أَو بَعضهم أَو من شِئْت مِنْهُم أَو يحتال بهَا عَليّ أَو قَضَاهَا فلَان عني أَو أبرأتينها أَو أحللتنيها أَو وهبتنيها أَو تَصَدَّقت بهَا عَليّ أَو قَالَ مَالك عَليّ الا مائَة أَو سوى مائَة أَو غير مائَة أَو قَالَ اشْهَدُوا أَن لَهُ عَليّ ألف دِرْهَم فَإِنَّهُ إِقْرَار فِي ذَلِك كُله وَلَو ادّعى عَلَيْهِ ألفا فَقَالَ لَا أعطكيها أَو قَالَ مَا لفُلَان عَليّ شَيْء فَلَا تخبره أَن لَهُ عَليّ ألفا لَا يكون اقرارا وَلَو لم يبْدَأ بِالنَّفْيِ لَكِن قَالَ لَا تخبر فلَانا أَن لَهُ عَليّ ألف دِرْهَم أَو لَا تعلمه يكون اقرارا وَمن اصحابنا من قَالَ الصَّحِيح أَنه فِي الاخبار لَا يكون اقرارا وَلَو قَالَ لَا تشهدوا أَن لفُلَان عَليّ ألفا لَا يكون اقرارا وَذكر مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى أَن قَوْله لَا تخبره إِقْرَار وَلَا تشهد لَا يكون اقرارا
وَفِي البزازي أَشَارَ إِلَى أَن قَوْله لَا تخبره لَا يكون اقرارا وَقَوله أخبرهُ يكون إِقْرَارا قَالَ الْكَرْخِي الصَّحِيح هَذَا وَالله أعلم وَمَا ذكر أَن قَوْله لَا تخبره إِقْرَار خطأ قَالَ مَشَايِخ بُخَارى هُوَ الصَّوَاب وَقَالَ فِي الْقنية وَهُوَ الصَّحِيح
رجل قَالَ وجدت فِي كتابي أَن لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم أَو بخطي أَو كتبت بيَدي أَن لَهُ عَليّ ألفا فَهَذَا كُله بَاطِل وَإِذا قَالَ البَائِع وجدت بخطي أَن لفُلَان عَليّ كَذَا لزمَه ذَلِك
قَالَ السَّرخسِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَكَذَا خطّ الصراف والسمسار فعلى هَذَا لَو قَالَ للصكاك اكْتُبْ خطا عَليّ لفُلَان بِأَلف دِرْهَم أَو اكْتُبْ خطا بِبيع هَذِه الدَّار بِأَلف دِرْهَم من فلَان أَو اكْتُبْ لامرأتي صك الطَّلَاق كَانَ إِقْرَارا بِالْمَالِ وَالْبيع وَالطَّلَاق وَحل لِلْكَاتِبِ أَن يشْهد بِمَا سمع سَوَاء كتب أَو لَا
قَالَ لآخر لي عَلَيْك ألف فَقَالَ الآخر ولي عَلَيْك مثلهَا أَو قَالَ طلقت امْرَأَتك فَقَالَ وَأَنت طلقت امْرَأَتك أوقال أعتقت عَبدك فَقَالَ وَأَنت أعتقت عَبدك لَا يكون إِقْرَارا فِي ظَاهر الرِّوَايَة وروى ابْن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى إِنَّه إِقْرَار وَبِه يُفْتى وَلَو جعلت زَوجهَا فِي حل يبرأ عَن الْمهْر كَمَا لَو أَبْرَأ غَرِيمه من الدّين الا إِذا كَانَ هُنَاكَ مَا يَخُصُّهُ
رجل قَالَ أبرأت جَمِيع غرمائي لَا يَصح إِلَّا إِذا نَص على قوم مخصوصين قَالَ الْفَقِيه وَعِنْدِي أَنه يَصح
الْإِقْرَار وَالْإِبْرَاء لَا يحتاجان إِلَى الْقبُول ويرتدان بِالرَّدِّ لَو قَالَ لفُلَان عَليّ ألف قرض أَو عِنْدِي ألف وَدِيعَة الا أَنِّي لم أَقبض لم يصدق وَلَو قَالَ أقرضتني أَو أودعتني أَو أَعْطَيْتنِي لكني لم أقبضهُ إِن وصل صدق اسْتِحْسَانًا وَإِلَّا لَا
غصبت مِنْهُ هَذَا العَبْد أمس إِن شَاءَ الله تَعَالَى لَا يلْزم
عَليّ ألف إِن شَاءَ فلَان فشاء فلَان لَا يلْزم
الجزء 1 · صفحة 268
جَمِيع مَا فِي يَدي أَو يعرف بِي أَو ينْسب الي لفُلَان يكون إِقْرَارا
وَلَو قَالَ جَمِيع مَالِي أَو مَا أملكهُ لفُلَان فَهُوَ هبة لَا يملك بِلَا تَسْلِيم وَقبُول انْتهى كَلَام البزازي
وَفِي الْقنية اسْتَأْجر مِنْهُ دَارا فَهُوَ إِقْرَار لَهُ بِالْملكِ وَلَو أقرّ أَنه كَانَ يدْفع غلَّة هَذِه الدَّار إِلَى فلَان لم يكن إِقْرَارا بِالدَّار لَهُ وَلَو قَالَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ لَا أقرّ وَلَا أنكر فَهُوَ على صُورَة الْإِنْكَار وَقيل إِقْرَار لقَوْله لَا أنكر وَعند أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى يحبس وَلَا يحلف لِأَنَّهُ لم يظْهر مِنْهُ الْإِنْكَار وَعِنْدَهُمَا هُوَ مُنكر حَيْثُ قَالَ لَا أقرّ
قَالَ الآخر لي عَلَيْك كَذَا فادفعه الي فَقَالَ استهزاء نعم أَحْسَنت فَهُوَ إِقْرَار ويؤاخذ بِهِ
ادّعى عَلَيْهِ مَالا مَعْلُوما فَقَالَ مستهزئا بِهِ الْأَمر أَمرك أتفكر الْيَوْم فَهُوَ إِقْرَار بالمدعي
إِذا مَاتَ الْمَدْيُون قبل تَمام الْأَجَل فطالب الدَّائِن ابْنه فَقَالَ اصبر حَتَّى يحل الاجل فَهُوَ إِقْرَار
قَول النَّاس فِي الْعَادة جَمِيع مَا فِي يَدي حق وَملك لفُلَان فَهُوَ فِي عرفنَا مَحْمُول على وَجه الْكَرَامَة وانه حسن
ادّعى على امْرَأَة نِكَاحا فأنكرت التَّزْوِيج ثمَّ طالبته بِالْمهْرِ فَهُوَ إِقْرَار بِهِ وَقَالَ مجد الْأَئِمَّة التركماني الْإِقْرَار بِالْمهْرِ لَا يكون إِقْرَارا بِالنِّكَاحِ وَالْإِقْرَار بِالْوَلَدِ من الْحرَّة إِقْرَار بِالنِّكَاحِ
طلب رب الدّين الْكَفِيل بِالْمَالِ فَقَالَ لَهُ لم لَا تطالب الْأَصِيل فَقَالَ لَا شغل لي مَعَه لَا يكون إِقْرَارا بِالْإِبْرَاءِ لِأَنَّهُ مُحْتَمل
وَذكر فِي الْوَلْوَالجيّ رجل أقرّ لامْرَأَته فِي مَرضه بِمهْر ألف دِرْهَم وَقد تزَوجهَا على ذَلِك ثمَّ اقامت الْوَرَثَة الْبَيِّنَة بعد الْمَوْت على أَن الْمَرْأَة وهبت مهرهَا لزَوجهَا فِي حَيَاة الزَّوْج هبة صَحِيحَة لَا تقبل هَذِه الشَّهَادَة وَالْمهْر لَازم بِإِقْرَارِهِ لِأَنَّهُ لما أقرّ فِي مَرضه وَتلك الْحَالة حَالَة تدارك مَا سبق فَهَذَا دَلِيل على أَن الْإِقْرَار لَازم فيؤاخذ بذلك
رجل يمرض يَوْمًا وَيصِح يَوْمًا ويمرض يَوْمَيْنِ وَيصِح يَوْمًا أقرّ لِابْنِهِ بدين فِي ذَلِك الْمَرَض فَإِن صَحَّ بعد ذَلِك جَازَ مَا صنع لِأَن ذَلِك لَيْسَ بِمَرَض الْمَوْت فَإِن فعل ذَلِك فِي مرض ثمَّ لم يَصح بعد ذَلِك وَصَارَ صَاحب فرَاش حَتَّى اتَّصل بِالْمَوْتِ فَإِقْرَاره غير جَائِز لِأَن هَذَا إِقْرَار الْمَرِيض فِي مرض مَوته لبَعض ورثته فَيكون بَاطِلا لمَكَان التُّهْمَة وَلقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا وَصِيَّة لوَارث اه
رجل قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم فِي علمي لم يلْزمه شَيْء فِي قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ فِيمَا علمت لم يلْزمه شَيْء عِنْدهمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يلْزمه ذَلِك
وَفِي البزازي قَالَ لَهُ عَليّ دَرَاهِم أَو دريهمات فَثَلَاثَة لَو قَالَ دَرَاهِم كَثِيرَة فعلى قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى عشرَة وعَلى قَوْلهمَا مِائَتَا دِرْهَم ودنانير كَثِيرَة عِنْده عشرَة وَعِنْدَهُمَا عشرُون
قَالَ مَال عَظِيم عِنْدهمَا نِصَاب الزَّكَاة مِائَتَان وَلم يذكر مَا عِنْده قيل ينظر إِلَى حَال الْمقر فَرب رجل يستعظم الْمِائَتَيْنِ وَرب آخر لَا يستعظم الْعشْرَة آلَاف
قَالَ كَذَا دِينَارا يُقَال إِن كَذَا تسْتَعْمل فِي الْعدَد وَأَقل الْعدَد اثْنَان عَليّ مَال فدرهم عَليّ مَال لَا قَلِيل وَلَا كثير مِائَتَان عَليّ دَرَاهِم أضعافا مضاعفة أَو مضاعفة أضعافا ثَمَانِيَة عشر عِنْدهمَا عَليّ دَرَاهِم مضاعفة سِتَّة أَكثر الدَّرَاهِم عشرَة عِنْده مِائَتَان عِنْدهمَا شَيْء من الدَّرَاهِم أَو من الدَّنَانِير ثَلَاثَة أَمْوَال عِظَام سِتّمائَة مَا بَين عشرَة إِلَى دِرْهَم أَو مَا بَين دِرْهَم إِلَى عشرَة تِسْعَة عِنْده وَمَا بَين عشرَة إِلَى عشْرين تِسْعَة عشر عِنْده
الجزء 1 · صفحة 269
وَعِنْدَهُمَا عشرَة فِي الأولى وَعِشْرُونَ فِي الثَّانِي مَا بَين دِرْهَم إِلَى دِرْهَم دِرْهَم عِنْد ابي حنيفَة وابي يُوسُف رحمهمَا الله تَعَالَى
رجل قَالَ مَا فِي يَدي من قَلِيل وَكثير من عبيد وَغَيره أَو مَا فِي حانوتي لفُلَان صَحَّ لِأَنَّهُ عَام لَا مَجْهُول
وَإِن تنَازعا فِي شَيْء أَنه كَانَ وَقت الْإِقْرَار فِي يَده أَو حانوته فَقَالَ الْمقر لَا بل حدث بعده القَوْل للْمقر
رجل قَالَ هَذَا الْبَيْت وَمَا أغلق عَلَيْهِ بَابه لامرأتي وَفِيه مَتَاع فلهَا الْبَيْت وَالْمَتَاع بِخِلَاف مَا لَو كَانَ مَكَان الْإِقْرَار بيع فَإِن الْمَتَاع لَا يدْخل فِيهِ لِأَنَّهُ يصير كَأَنَّهُ بَاعَ الْبَيْت بحقوقه
وَفِي الْمُنْتَقى لي عَلَيْك ألف فَقَالَ أخر عني دعواك شهرا أَو أخر الَّذِي ادعيت بِهِ لَا يكون إِقْرَارا وَكَذَا لَو قَالَ أخر دعواك حَتَّى يقدم مَالِي فأعطيكها وَلَو قَالَ بلَى فأعطيكها يكون إِقْرَارا عِنْد مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى
لي عَلَيْك مِائَتَان فَقَالَ قضيت مائَة بعد مائَة فَلَا حق لَك على لَا يكون إِقْرَارا وَكَذَا لَو قَالَ قضيت خمسين لَا يكون إِقْرَارا لي عَلَيْك ألف فَقَالَ حسبتها لَك أَو قضيتك أَو أحلتك بهَا أَو هبتها أَو أبرأتنى أَو أحللتنى قَالَ الناطفى كُله إِقْرَار
رجل قَالَ لآخر أقرضتك الْفَا فَقَالَ مَا استقرضت من أحد سواك لَا يكون إِقْرَارا وَلَو قَالَ استقرضت مِنْك يكون إِقْرَارا
وَذكر السَّرخسِيّ أَن قَوْله مَا استقرضت من أحد سواك إِذا كَانَ مجيبا لَهُ لِأَن مَعْنَاهُ استقرضت مِنْك لَا من غَيْرك وَلَو صرح بقوله استقرضت مِنْك لَا يكون إِقْرَارا ثمَّ قَالَ هَذَا من أعجب الْمسَائِل فَإِن إِقْرَاره بِفعل الْغَيْر أَعنِي قَوْله أقرضتني إِقْرَار وبفعل نَفسه أَعنِي قَوْله استقرضت مِنْك ابْتِدَاء لَا يكون إِقْرَارا
وَفِي بعض الْفَتَاوَى استقرضت مِنْك فَلم تقرضني صَحَّ إِذا وصل وَإِلَّا لَا
وَذكر شيخ الاسلام أَن تَعْلِيق الْإِقْرَار بِالشّرطِ بَاطِل
وَقَوله إِذا جَاءَ رَأس الشَّهْر أَو إِذا جَاءَ الْأَضْحَى أَو إِذا أفطر النَّاس أَو إِذا مت لَيْسَ بتعليق بل تَأْجِيل إِلَى هَذِه الْأَوْقَات لصلوحه للتأجيل فَإِن الدّين بِالْمَوْتِ يحل وَلَا يصدق فِي دَعْوَى التَّأْجِيل بِخِلَاف قَوْله إِذا قدم فلَان إِلَّا إِذا ادّعى كَفَالَة معلقَة بقدوم فلَان
الْإِشَارَة تقوم مقَام الْعبارَة وَإِن قدر على الْكِتَابَة
كتب كتابا فِيهِ إِقْرَار بَين يَدي الشُّهُود فَهَذَا على اقسام الأول أَن يكْتب وَلَا يَقُول شَيْئا فَإِنَّهُ لَا يكون إِقْرَارا فَلَا تحل الشَّهَادَة بِأَنَّهُ إِقْرَار قَالَ القَاضِي النَّسَفِيّ رَحمَه الله تَعَالَى إِن كتب مصدرا مرسوما وَعلم الشَّاهِد حل لَهُ الشَّهَادَة على إِقْرَاره كَمَا لَو أقرّ كَذَلِك وَإِن لم يقل اشْهَدْ عَليّ بِهِ فعلى هَذَا إِذا كتب للْغَائِب على وَجه الرسَالَة أما بعد فعلي لَك كَذَا يكون إِقْرَارا لِأَن الْكِتَابَة من الْغَائِب كالخطاب من الْحَاضِر فَيكون متكلما وَعَامة الْمَشَايِخ على خِلَافه لِأَن الْكِتَابَة قد تكون للتجربة وَفِي حق الْأَخْرَس يشْتَرط أَن يكون معنونا مصدرا وَإِن لم يكن إِلَى الْغَائِب الثَّانِي كتب وَقَرَأَ عِنْد الشُّهُود لَهُم أَن يشْهدُوا وَإِن لم يقل اشْهَدُوا عَليّ الثَّالِث أَن يقرأه عَلَيْهِ عِنْدهم غَيره فَيَقُول الْكَاتِب هَذَا اشْهَدُوا عَليّ بِهِ الرَّابِع أَن يكْتب عِنْدهم وَيَقُول اشْهَدُوا عَليّ بِمَا فِيهِ إِن عمِلُوا بِمَا فِيهِ كَانَ إِقْرَار وَإِلَّا فَلَا
الجزء 1 · صفحة 270
قَالَ أَعْطِنِي الْألف الَّتِي لي عَلَيْك فَقَالَ اصبر أَو سَوف تأخذها لَا يكون إِقْرَارا
قَالَ مَال نَفِيس أَو كريم أَو حظير لَا رِوَايَة فِيهِ وَكَانَ الْجِرْجَانِيّ رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول مِائَتَان أُلُوف دَرَاهِم ثَلَاثَة آلَاف أُلُوف كَثِيرَة عشرَة آلَاف أَشْيَاء كَثِيرَة أَرْبَعُونَ إبل كَثِيرَة خَمْسَة وَعِشْرُونَ
قَالَ لَهُ أَعطيتك مِقْدَار كَذَا فَقَالَ بِأَيّ سَبَب أَعْطَيْتنِي يكون إِقْرَارا بِالدفع إِلَيْهِ لِأَنَّهُ صرح بِالدفع إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ عَن السَّبَب
قَالَ لي عَلَيْك كَذَا فَقَالَ صدقت يلْزمه إِذا لم يقلهُ على وَجه الِاسْتِهْزَاء وَيعرف ذَلِك بالنغمة
إِذا أقرّ أَنه قبض مِنْهُ كَذَا قَالَ شيخ الاسلام لَا يلْزمه مالم يقل قَبضته بِغَيْر حق قبضا يُوجب الرَّد وَالْأَشْبَه أَنه يلْزم الرَّد لِأَن الْقَبْض الْمُطلق سَبَب يُوجب الرَّد وَالضَّمان كالأخذ فَإِنَّهُ نَص فِي الأَصْل أَنه إِذا قَالَ أخذت مِنْك ألفا وَدِيعَة وَقَالَ الْمقر لَهُ وَالْمقر ضَامِن مَعَ أَن الْمقر نَص على الْأَخْذ وَدِيعَة فَهَذَا أولى
طلب الصُّلْح وَالْإِبْرَاء عَن الدَّعْوَى لَا يكون إِقْرَارا وَطلب الصُّلْح وَالْإِبْرَاء عَن المَال يكون إِقْرَارا
ادّعى الْإِقْرَار فِي الصغر وَأنْكرهُ الْمقر لَهُ فَالْقَوْل للْمقر لاستناده إِلَى حَالَة معهودة مُنَافِيَة للضَّمَان
أَخَذته مِنْك عَارِية وَقَالَ لَا بل بيعا فَالْقَوْل للآخذ لإنكاره البيع وَكَذَا لَو قَالَ أخذت الدَّرَاهِم مِنْك وَدِيعَة وَقَالَ لَا بل قرضا وَكَذَا الثَّوْب لَو قَالَ أَخَذته مِنْك عَارِية وَقَالَ بل أَخَذته بيعا فَلَا يكون إِقْرَارا وَهَذَا إِذا لم يلْبسهُ فَإِن كَانَ لبسه وَهلك ضمن
صب دهنا لإِنْسَان عِنْد الشُّهُود فَادّعى مَالِكه ضَمَانه فَقَالَ كَانَ نجسا لوُقُوع فَأْرَة فِيهِ فَالْقَوْل للصاب لإنكاره الضَّمَان وَالشُّهُود يشْهدُونَ على الصب لَا على عدم النَّجَاسَة
وَفِي المنبع إِذا قَالَ الْمقر فِي إِقْرَاره لَهُ عَليّ أَو قبلي ألف دِرْهَم فقد أقرّ بِالدّينِ وَلَو قَالَ عِنْدِي أَو معي أَو فِي بَيْتِي أَو فِي صندوقي أَو فِي كيسي فَهُوَ إِقْرَار بالأمانة فِي يَده لِأَن هَذِه الْمَوَاضِع إِنَّمَا تكون محلا للعين لَا للدّين إِذْ مَحَله الذِّمَّة
رجل أقرّ لآخر بِأَلف دِرْهَم مُؤَجّلَة إِلَى شهر وَقَالَ الْمقر لَهُ بل هِيَ حَالَة فَالْقَوْل قَول الْمقر لَهُ عندنَا وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد رحمهمَا الله تَعَالَى لزمَه مُؤَجّلا
إِذا أقرّ بِمِائَة على نَفسه لرجل واشهد شَاهِدين ثمَّ أقرّ فِي مَوضِع آخر لذَلِك الرجل بِمِائَة أَو أقل أَو أَكثر أَو اشْهَدْ شَاهِدين فَعِنْدَ أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى هما مالان إِذا ادّعى الطَّالِب الْمَالَيْنِ وَعِنْدَهُمَا مَال وَاحِد إِلَّا إِذا تَفَاوتا فَيلْزمهُ الْأَكْثَر
وَمحل الْخلاف فِي الْإِقْرَار الْمُجَرّد عَن السَّبَب وَعَن الصَّك إِذْ فِي الْمُقَيد بِالسَّبَبِ المتحد بِأَن قَالَ فِي الكرتين ثمن هَذِه الْجَارِيَة المَال وَاحِد مُتحد على كال حَال وَفِي الْمُقَيد بِالسَّبَبِ الْمُخْتَلف بِأَن قَالَ ثمن هَذِه الْجَارِيَة فِي الكرة الأولى وَثمن هَذَا العَبْد فِي الكرة الْأُخْرَى المَال مُخْتَلف على كل حَال
وَكَذَا إِذا كَانَ الْإِقْرَار مُطلقًا عَن السَّبَب لَكِن مَعَ الصَّك فَإِن كَانَ بِهِ صك وَاحِد فَالْمَال وَاحِد سَوَاء كَانَ الْإِقْرَار وَالْإِشْهَاد فِي موطن وَاحِد أَو موطنين وَإِن كَانَ صكان فمالان فِي الْوَجْهَيْنِ وَكَذَا إِذا أقرّ بِمِائَة مُطلقًا وَكتب فِي صك ثمَّ أقرّ وَكتب فِي صك فهما مالان
إِذا قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم بل الْفَا دِرْهَم يلْزمه ألفا دِرْهَم عِنْد عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة وَقَالَ زفر يلْزمه
الجزء 1 · صفحة 271
ثَلَاثَة آلَاف لِأَنَّهُ أقرّ بِأَلف ثمَّ رَجَعَ وَأقر بِأَلفَيْنِ فصح الْإِقْرَار وَلم يَصح الرُّجُوع كَمَا فِي قَوْله أَنْت طَالِق وَاحِدَة لَا بل ثِنْتَيْنِ
رجل قَالَ غصبنا من فلَان ألف دِرْهَم ثمَّ قَالَ وَكُنَّا عشرَة أنفس وَالْمقر لَهُ يعدعي أَنه هُوَ الْغَاصِب مِنْهُ الْألف وَحده لزمَه الْألف كَامِلا وَقَالَ زفر لَا يلْزمه إِلَّا عشر الْألف وعَلى هَذَا الْخلاف مَا لَو قَالَ أقرضنا أَو أودعنا أَو أعارنا
رجل ادّعى على الْمَيِّت دينا لَا يزِيد على تركته وَله ابْنَانِ فَصدقهُ أَحدهمَا وَكذبه الآخر فعندنا يُؤْخَذ جَمِيع الدّين مِمَّا فِي يَد الْمُصدق إِن كَانَ وافيا بِالدّينِ وَقَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى على الْمُصدق نصف الدّين لِأَنَّهُ أبعد عَن الضَّرَر وَلنَا أَنه أقرّ بِالدّينِ وَهُوَ مقدم على الْمِيرَاث فَمَا لم يقْض جَمِيع الدّين لَا تصير التَّرِكَة فارغة عَن الدّين فَلَا يكون لَهُ مِنْهَا شَيْء بِالْإِرْثِ
وَفِي الْحَقَائِق قَالَ الْحلْوانِي قَالَ مَشَايِخنَا رَحِمهم الله تَعَالَى فِيمَا روينَا فِي ظَاهر رِوَايَة أَصْحَابنَا يحْتَاج إِلَى زِيَادَة شَيْء لم يشْتَرط فِي الْكتب وَهُوَ أَن يقْضِي عَلَيْهِ القَاضِي بِإِقْرَارِهِ وبمجرد الْإِقْرَار لَا يحل الدّين فِي نصِيبه ثمَّ قَالَ صَاحب الْحَقَائِق تحفظ هَذِه الزِّيَادَة انْتهى
نوع فِي الِاسْتِثْنَاء وَمَا فِي مَعْنَاهُ الِاسْتِثْنَاء فِي الأَصْل نَوْعَانِ أَحدهمَا أَن يكون الْمُسْتَثْنى من جنس الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَالثَّانِي أَن يكون من خلاف جنسه فَالْأول على ثَلَاثَة أوجه اسْتثِْنَاء الْقَلِيل من الْكثير واستثناء الْكثير من الْقَلِيل واستثناء الْكل من الْكل أما اسْتثِْنَاء الْقَلِيل من الْكثير فَإِنَّهُ جَائِز بِلَا خلاف لِأَن الِاسْتِثْنَاء تكلم بِالْبَاقِي بعد الثنيا فَإِذا قَالَ لفُلَان عَليّ عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة يلْزمه سَبْعَة كَأَنَّهُ قَالَ لفُلَان عَليّ سَبْعَة لِأَن للسبعة اسْمَيْنِ أَحدهمَا سَبْعَة وَالْآخر عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة
وَفِي الذَّخِيرَة محالا على الْمُنْتَقى قَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لَو قَالَ لفُلَان عَليّ مائَة دِرْهَم الا قَلِيلا فَعَلَيهِ أحد وَخَمْسُونَ درهما وَكَذَا فِي نَظَائِره نَحْو قَوْله إِلَّا شَيْئا لِأَن اسْتثِْنَاء الشَّيْء اسْتثِْنَاء الْأَقَل عرفا فأوجبنا النّصْف وَزِيَادَة دِرْهَم فقد اسْتثْنى الْأَقَل
وَعَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى لَو قَالَ عَليّ عشرَة إِلَّا بَعْضهَا فَعَلَيهِ أَكثر من النّصْف وَلَو قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم إِلَّا مائَة أَو خمسين قَالَ أَبُو سُلَيْمَان عَلَيْهِ تِسْعمائَة وَخَمْسُونَ لِأَنَّهُ ذكر كلمة الشَّك فِي الِاسْتِثْنَاء فَيثبت أقلهما فَكَذَا فِي هَذَا وَفِي رِوَايَة أبي حَفْص يلْزمه تِسْعمائَة لِأَن الشَّك فِي الِاسْتِثْنَاء يُوجب الشَّك فِي الْإِقْرَار فَكَأَنَّهُ قَالَ عَليّ تِسْعمائَة أَو تِسْعمائَة وَخَمْسُونَ فَيثبت الْأَقَل قَالُوا وَالْأول أصح لِأَن الشَّك حصل فِي الِاسْتِثْنَاء ظَاهرا
وَأما اسْتثِْنَاء الْكثير من الْقَلِيل بِأَن قَالَ لفُلَان عَليّ تِسْعَة إِلَّا عشرَة فَجَائِز فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَيلْزمهُ دِرْهَم إِلَّا مَا روى عَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى أَنه لَا يَصح وَعَلِيهِ الْعشْرَة الْحَد وَهُوَ مَذْهَب الْفراء لِأَن الْعَرَب لم تَتَكَلَّم بِهِ وَالصَّحِيح ظَاهر الرِّوَايَة
وَأما اسْتثِْنَاء الْكل من الْكل فَبَاطِل بِأَن يَقُول لفُلَان عَليّ عشرَة إِلَّا عشرَة أَنْت طَالِق ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا فَيلْزم عشرَة وَيَقَع ثَلَاث لِأَنَّهُ لَا يُمكن فِيهِ معنى الِاسْتِثْنَاء لِأَنَّهُ تكلم بِالْبَاقِي بعد الثنيا فَمَا لم يبْق شَيْء بعد الِاسْتِثْنَاء لم يُمكن جعله متكلما بِمَا بقى فَلم يَصح فَبَقيَ كَلَامه الأول بَاقِيا على حَاله كَمَا كَانَ
الجزء 1 · صفحة 272
وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّة لَو قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم اسْتغْفر الله الا مائَة دِرْهَم كَانَ الِاسْتِثْنَاء بَاطِلا وَلَو قَالَ لفُلَان عَليّ مائَة دِرْهَم يَا فلَان الا عشرَة كَانَ الِاسْتِثْنَاء جَائِزا
إِذا قَالَ لزيد عَليّ عشرَة الا تِسْعَة الا ثَمَانِيَة الا سَبْعَة الا سِتَّة الا خَمْسَة الا أَرْبَعَة الا ثَلَاثَة الا اثْنَيْنِ إِلَّا وَاحِدَة يلْزمه خَمْسَة فَالْأَفْضَل فِيهِ أَن يصرف كل اسْتثِْنَاء إِلَى مَا يَلِيهِ لكَونه أقرب الْمَذْكُور إِلَيْهِ فَيبْدَأ من الِاسْتِثْنَاء الْأَخير فيستثنى الْبَاقِي مِمَّا يَلِيهِ ثمَّ ينظر إِلَى الثَّانِي هَكَذَا إِلَى الِاسْتِثْنَاء الأول ثمَّ ينظر الْبَاقِي من الِاسْتِثْنَاء الأول فَيَسْتَثْنِي ذَلِك من الْجُمْلَة الملفوظة فَمَا بقى مِنْهَا فَهُوَ الْقدر الْمقر بِهِ
فَالْحَاصِل أَن الاستثناءات إِذا تعدّدت لَا تَخْلُو من أَن تكون متعاطفة أَو لَا تكون متعاطفة فَإِن كَانَت متعاطفة يعود الْكل إِلَى الْجُمْلَة الْمَذْكُورَة فِي صدر الْكَلَام وَإِن لم تكن متعاطفة فَإِن استغرق الِاسْتِثْنَاء الثَّانِي الأول فَيَعُود الْكل إِلَى الْجُمْلَة الْمَذْكُورَة فِي صدر الْكَلَام ايضا وَإِن لم يسْتَغْرق فَيَعُود الآخر إِلَى مَا يَلِيهِ وهلم جرا
وَفِيه طَرِيق آخر وَهُوَ أَن يُؤْخَذ الْمُثبت فِي الْيَمين والمنفي فِي الْيَسَار ثمَّ بعد الْجمع وفراغ الْإِقْرَار يسْقط المنفيات من المثبتات فَمَا بَقِي يكون مقرا بِهِ كَمَا فِي مثالك لفُلَان عَليّ عشرَة الا تِسْعَة الا ثَمَانِيَة إِلَى آخِره فالمثبتات عشرَة وَثَمَانِية وَسِتَّة وَأَرْبَعَة وَاثْنَانِ فالمجموع ثَلَاثُونَ والمنفيات تِسْعَة وَسَبْعَة وَخَمْسَة وَثَلَاثَة وَوَاحِد فالمجموع خَمْسَة وَعِشْرُونَ فَإِذا أسقطت المنفيات من المثبتات يبْقى خَمْسَة وَهُوَ الْجَواب
قَالَ صَاحب المنبع ثمَّ إِنِّي تحيرت فِي ضبط إِعْرَاب هَذِه المستثنيات هَل تكون كلهَا وَاجِبَة النصب أَو مَا وَجب نَصبه هُوَ المنفيات لَا المثبتات فعرضت ذَلِك على فحول النُّحَاة فتحيروا وَمَا جسر أحدهم مِنْهُم على الرِّوَايَة غير أَن شَيخنَا قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين السُّبْكِيّ الشَّافِعِي رَحمَه الله قد روى أَن وَالِده رَحمَه الله تَعَالَى كَانَ يلقنه هَذِه الْمَسْأَلَة بَعْضهَا مَنْصُوبًا وَبَعضهَا غير مَنْصُوب اه
رجل قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم إِن شَاءَ الله تَعَالَى بَطل إِقْرَاره لِأَنَّهُ علقه بِشَرْط وَإِنَّمَا يَصح التَّعْلِيق فِي الإنشاءات لَا الإخبارات وَالْإِقْرَار إِخْبَار فَلَا يحْتَمل التَّعْلِيق بِالشّرطِ
وَلَو قَالَ اشْهَدُوا عَليّ أَن لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم إِن مت فَهِيَ عَلَيْهِ عَاشَ أَو مَاتَ لِأَن هَذَا لَيْسَ باستثناء وَلَا مخاطرة فَإِن مَوته كَائِن لَا محَالة ثمَّ اخْتلف أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى فِي أَن التَّعْلِيق بِمَشِيئَة الله تَعَالَى إبِْطَال أَو تَعْلِيق فَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعْلِيق وَقَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى إبِْطَال فعلى هَذَا قَوْله إِن شَاءَ الله تَعَالَى إِن كَانَ إبطالا لإِقْرَاره فقد بَطل وَلَا يجب شَيْء وَإِن كَانَ تَعْلِيقا فالإقرار لَا يحْتَمل التَّعْلِيق لما بَينا وَلِأَنَّهُ شَرط لَا يُوقف عَلَيْهِ واثر الشَّرْط فِي إعدام الحكم قبل وجوده وَهَذَا لَا يعلم وجوده فَيكون إعداما لَهُ من الأَصْل بِخِلَاف قَوْله لفُلَان عَليّ مائَة دِرْهَم إِذا مت أَو إِذا جَاءَ راس الشَّهْر أَو الْفطر لِأَنَّهُ أجل بَيَان الْمدَّة فَيكون تأجيلا لَا تَعْلِيقا أَلا ترى أَنه لَو كذبه فِي التَّأْجِيل يصير المَال حَالا
نوع فِي الْإِقْرَار فِي الْمَرَض صَحِيح أقرّ بدين ثمَّ مرض فَأقر بدين يقدم دين الصِّحَّة على دين الْمَرَض عندنَا حَتَّى لَو مَاتَ من ذَلِك الْمَرَض يقْضِي دين غَرِيم الصِّحَّة أَولا فَإِن فضل شَيْء يقْضِي بِهِ دين غَرِيم الْمَرَض وَعند الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى تقسم تركته على دين الصِّحَّة وَالْمَرَض بِالنِّسْبَةِ
وَفِي الْبَدَائِع إِقْرَار الْمَرِيض فِي الأَصْل نَوْعَانِ إِقْرَاره بِالدّينِ لغيره وَإِقْرَاره بِاسْتِيفَاء الدّين من غَيره
أما إِقْرَاره بِالدّينِ فعلى وَجْهَيْن لأَجْنَبِيّ وَقد بَيناهُ أَو لوَارث بِالْعينِ أَو بِالدّينِ فَلَا يَصح إِلَّا بِتَصْدِيق البَاقِينَ
الجزء 1 · صفحة 273
عندنَا وَعند الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى يَصح فِي أحد قوليه وَأما إِقْرَاره بِاسْتِيفَاء دين الصِّحَّة أَو دين الْمَرَض فَإِن أقرّ بِاسْتِيفَاء دين وَجب لَهُ فِي حَال الصِّحَّة يَصح وَيصدق فِي إِقْرَاره حَتَّى يبرأ الْغَرِيم عَن الدّين أَي دين كَانَ وَإِن أقرّ الْمَرِيض بِاسْتِيفَاء دين وَجب لَهُ فِي حَال الْمَرَض فَإِن وَجب لَهُ بَدَلا عَمَّا هُوَ مَال لم يَصح إِقْرَاره وَلَا يصدق فِي حق غُرَمَاء الصِّحَّة وَيجْعَل ذَلِك تَبَرعا مِنْهُ بِالدّينِ لِأَنَّهُ لما مرض فقد تعلق حق الْغُرَمَاء بِالْبَدَلِ وَكَذَا لَو أتلف رجل على الْمَرِيض شَيْئا فِي مَرضه فَأقر الْمَرِيض بِقَبض الْقيمَة مِنْهُ لم يصدق على ذَلِك إِذا كَانَ عَلَيْهِ دين الصِّحَّة لما ذكرنَا وَإِن وَجب لَهُ بَدَلا عَمَّا لَيْسَ بِمَال يَصح إِقْرَاره لِأَن بِالْمرضِ لَا يتَعَلَّق حق غُرَمَاء الصِّحَّة بِالْبَدَلِ لِأَنَّهُ لَا يحْتَمل التَّعْلِيق لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَال فَلَا يتَعَلَّق بالمبدل وَأما إِقْرَار الْمَرِيض بِالْإِبْرَاءِ بِأَن أقرّ أَنه كَانَ أَبْرَأ فلَانا من الدّين الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فِي صِحَّته لَا يجوز لِأَنَّهُ أقرّ بِقَبض الدّين وَأَنه لَا يملك إنْشَاء الْإِبْرَاء للْحَال فَلَا يملك الْإِقْرَار بِهِ بِخِلَاف الْإِقْرَار بِاسْتِيفَاء الدّين لِأَنَّهُ أقرّ بِقَبض الدّين وَأَنه يملك إنْشَاء الْقَبْض فَيملك الْإِخْبَار عَنهُ بِالْقَبْضِ انْتهى كَلَام الْبَدَائِع
مَرِيض أقرّ بِمَال لأجنبية ثمَّ تزَوجهَا بعد الْإِقْرَار لم يبطل الْإِقْرَار عندنَا وَقَالَ زفر رَحمَه الله تَعَالَى يبطل لِأَنَّهُ طَرَأَ على الْإِقْرَار مَا ابطله
مَرِيض مرض مرض الْمَوْت أقرّ بِأَلف دِرْهَم بِعَينهَا أَنَّهَا لقطَة عِنْده وَلَا مَال لَهُ غَيرهَا فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن تصدقه الْوَرَثَة أَو تكذبه فَإِن صدقته الْوَرَثَة تصدقوا بهَا اتِّفَاقًا وَإِن كذبوه فَهُوَ مَحل الْخلاف فَعِنْدَ أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يتصدقون بثلثها بعد مَوته وَالْبَاقِي مِيرَاث لَهُم وَقَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى إِذا كذبوه فِي ذَلِك كَانَت كلهَا مِيرَاثا لَهُم
وَفِي حيل الْخصاف امْرَأَة قَالَت فِي الْمَرَض لم يكن لي على زَوجي مهر أَو قَالَ فِي الْمَرَض لم يكن لي على فلَان شَيْء يبرأ عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ وَفِي الذَّخِيرَة قَوْلهَا فِي الْمَرَض لَا مهر لي عَلَيْهِ أَو لَا شَيْء لي عَلَيْهِ أَو لم يكن لي عَلَيْهِ مهر قيل لَا يَصح وَقيل يَصح وَالصَّحِيح أَنه لَا يَصح
وَفِي الْقنية لَو قَالَ الْمَجْرُوح لم يجرحني فلَان ثمَّ مَاتَ لَيْسَ لوَرَثَة الْمَجْرُوح أَن يدعوا على الْجَارِح بِهَذَا السَّبَب قَالَ برهَان الدّين صَاحب الْمُحِيط وَهَذِه الْمَسْأَلَة على التَّفْصِيل إِن كَانَ الْجرْح مَعْرُوفا عِنْد القَاضِي أَو النَّاس لم يقبل إِقْرَار الْمَرِيض
مَرِيض قَالَ فِي حَال مَرضه لَيْسَ لي فِي الدُّنْيَا شَيْء ثمَّ مَاتَ فلبعض الْوَرَثَة أَن يحلفوا زَوْجَة الْمُتَوفَّى وَابْنَته على أَنَّهُمَا لَا يعلمَانِ شَيْئا من تَرِكَة الْمُتَوفَّى انْتهى
الْفَصْل السَّابِع فِي الْوَدِيعَة
الْوَدِيعَة أَمَانَة تركت للْحِفْظ فَلَا يضمنهَا الْمُودع إِن هَلَكت بِلَا تعد مِنْهُ فيحفظها بِنَفسِهِ وبمن فِي عِيَاله كزوجته ووالده ووالدته وَعَبده وَأمته وأجيره الْخَاص الَّذِي اسْتَأْجرهُ مشاهرة أَو مسانهة وَكسوته وَطَعَامه على الْمُسْتَأْجر وَيجوز للْمُودع أَن يُسَافر بالوديعة قربت الْمسَافَة أَو بَعدت وَإِن كَانَت الْوَدِيعَة مِمَّا لَهُ حمل وَمؤنَة وَهَذَا عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى حَتَّى لَو هَلَكت لم تضمن عِنْده
وَفِي الجلالية يجوز لَهُ السّفر وَإِن كَانَ لَهَا حمل وَمؤنَة عِنْده إِلَّا فِي مَوضِع وَاحِد وَهُوَ أَن تكون
الجزء 1 · صفحة 274
الْوَدِيعَة طَعَاما كثيرا فَإِنَّهُ يضمن إِذا سَافر بِهِ لجَوَاز أَن تستغرقه الْمُؤْنَة فَيكون فِي معنى الْإِتْلَاف وَقَالا لَيْسَ لَهُ ذَلِك إِذا كَانَ لَهُ حمل وَمؤنَة غير أَن عِنْد مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى هَذَا إِذا بَعدت الْمسَافَة أما إِذا قربت فَلهُ ذَلِك وَقَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى لَيْسَ لَهُ أَن يُسَافر بهَا مُطلقًا وَالْخلاف فِيمَا إِذا كَانَ الطَّرِيق آمنا بِأَن لَا يَقْصِدهُ أحد غَالِبا وَلَو قَصده يُمكنهُ دَفعه بِنَفسِهِ وبرفقة السّفر وَلم يَنْهَهُ الْمُودع عَن المسافرة بهَا وَأما إِذا لم يكن الطَّرِيق آمنا أَو كَانَ الطَّرِيق آمنا لَكِن نَهَاهُ عَن السّفر بهَا فبالسفر يضمن بِلَا خلاف
وَفِي البزازي وَله أَن يحفظها كَمَا يحفظ مَال نَفسه فِي دَاره وحانوته وَفِي النَّوَازِل قَالَ لَا تضعها فِي حانوتك فوضعها فَضَاعَت إِن كَانَ الْحَانُوت أحرز من الدَّار أَو لم يجد مَكَانا آخر لَا يضمن وَإِلَّا ضمن وَلَو كَانَت مِمَّا يمسك فِي الْبيُوت فَقَالَ لَا تدفعها إِلَى زَوجتك فَدفع لَا يضمن وَقيل لَو نَهَاهُ عَن الدّفع لبَعض عِيَاله فَدفع إِن لم يجد بدا مِنْهُ لَا يضمن وَإِلَّا ضمن
وضع كيس الْوَدِيعَة فِي صندوقه وَله فِيهِ كيس فانشق واختلطا لَا يضمن واشتركا والهلاك والبقاء على قدر ماليهما وَلَو خلطهما أَجْنَبِي أَو بعض من فِي عِيَاله لَا يضمن الْمُودع وَيضمن الخالط صَغِيرا كَانَ أَو كَبِيرا وَلَا يضمن أَبوهُ لأَجله
دفن مَال الْوَدِيعَة فِي أَرض إِن علمه بعلامة لَا يضمن وَإِلَّا ضمن وَفِي الْمَفَازَة يضمن بِكُل حَال وَفِي الْكَرم لَو كَانَ حصينا لَهُ بَاب مغلق لَا يضمن وَإِن وَضعه بِلَا دفن فِي مَوضِع لَا يدْخل أحد فِيهِ بِلَا اسْتِئْذَان لَا يضمن
توجه السراق فدفنها فِي الْجَبانَة خوفًا وفر ثمَّ جَاءَ وَلم يجدهَا إِن أمكنه أَن يَجْعَل عَلامَة وَلم يَجْعَل ضمن وَإِلَّا فَإِن جَاءَ على فَور الْإِمْكَان لَا يضمن وَإِلَّا ضمن
جعل دَرَاهِم الْوَدِيعَة فِي الْخُف الْأَيْمن فَضَاعَت يضمن وَإِن كَانَت فِي الْأَيْسَر فَضَاعَت لَا يضمن لِأَنَّهَا إِن كَانَت فِي الْيُمْنَى كَانَت على شرف السُّقُوط عِنْد الرّكُوب وَقيل يضمن فيهمَا
ربط دَرَاهِم الْوَدِيعَة بِطرف الْكمّ أَو الْعِمَامَة وضاعت لَا يضمن وَإِن وَضعهَا فِي دَاخل الْكمّ يتَأَمَّل عِنْد الْفَتْوَى
وَفِي العمادى لَو شدّ دَرَاهِم الْوَدِيعَة فِي منديل ثمَّ وَضعهَا فِي كمه فَسَقَطت لَا ضَمَان عَلَيْهِ وَكَذَا إِذا جعلهَا فِي جيبه وَحضر فِي مجْلِس الْفسق فسرقت مِنْهُ لَا يضمن وَعَن بعض الْأَئِمَّة لَو وضع دَرَاهِم الْوَدِيعَة فِي كمه وَهَلَكت يضمن وَلَو وَضعهَا فِي كيسه أَو شدها على التكة فَضَاعَت يَنْبَغِي أَن لَا يضمن
الْمُودع إِذا مَاتَ فَقَالَ ورثته قد رد الْوَدِيعَة مورثنا فِي حَيَاته لم يقبل قَوْلهم وَالضَّمان وَاجِب فِي مَال الْمَيِّت لِأَنَّهُ مَاتَ مجهلا فَإِن أَقَامَ الْوَرَثَة الْبَيِّنَة على إِقْرَار الْمَيِّت أَنه قَالَ فِي حَيَاته رددت الْوَدِيعَة تقبل لِأَن الثَّابِت بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ مُعَاينَة
الدَّابَّة الْوَدِيعَة إِذا أَصَابَهَا شَيْء فَأمر الْمُودع انسانا أَن يعالجها فعطبت من ذَلِك فَصَاحب الدَّابَّة بِالْخِيَارِ يضمن أَيهمَا شَاءَ فَإِن ضمن الْمُسْتَوْدع لم يرجع هُوَ على الَّذِي عالجها لِأَنَّهُ تبين أَنه عالج دَابَّته بأَمْره وَإِن ضمن الَّذِي عالجها هَل يرجع على الْمُسْتَوْدع إِن علم أَنَّهَا دَابَّة الْمُسْتَوْدع مِنْهُ أَو لم يعلم لَكِن لم يعلم أَنَّهَا لغيره يرجع لِأَن الْأَمر قد صَحَّ فِي الْوَجْه الأول فانتقل الْفِعْل إِلَيْهِ وَفِي الْوَجْه الثَّانِي كَذَلِك لِأَن الْيَد دَلِيل الْملك على الْمَنْقُول فصح الْأَمر أَيْضا
الجزء 1 · صفحة 275
القَاضِي إِذا قبض أَمْوَال الْيَتَامَى وَمَات وَلم يبين أَن وَضعهَا فِي بَيته وَلَا يدْرِي لمن المَال ضمن لِأَنَّهُ هُوَ الْمُودع وَقد مَاتَ مجهلا وَإِن دفع إِلَى قوم وَلَا يدْرِي لمن دفع لَهُ لَا يضمن لِأَن الْمُودع غَيره وَهُوَ لم يمت مجهلا
الْمُودع إِذا قَالَ لرب الْوَدِيعَة قد رددت بعض الْوَدِيعَة وَمَات فَالْقَوْل قَول رب الْوَدِيعَة فِيمَا أَخذ مَعَ يَمِينه إِلَى الْوَدِيعَة صَارَت دينا ظَاهرا إِلَّا بِقدر مَا رد إِلَى رب الْوَدِيعَة وَإِن كَانَ الْآخِذ رب الْوَدِيعَة فَيكون القَوْل قَوْله فِي مِقْدَار الْمَأْخُوذ وَلَو أَن قَاضِيا أودع مَالا ليتيم أَو تَاجر فَجحد ذَلِك الْمُودع أَو مَاتَ وتوى ذَلِك المَال لم يكن على القَاضِي فِي ذَلِك شَيْء لِأَن القَاضِي أَمِين فِيمَا صنع والأمين لَا ضَمَان عَلَيْهِ كَذَا فِي الْوَلْوَالجيّ
رجل لَهُ على آخر دين فَأرْسل الدَّائِن إِلَى مدينه رجلا ليقبضه فَقَالَ الْمَدِين دفعت الدّين إِلَى الرَّسُول وَصدقه الرَّسُول وَقَالَ دَفعته إِلَى الدَّائِن وَأنْكرهُ الدَّائِن فَالْقَوْل قَول الرَّسُول مَعَ يَمِينه
دفع إِلَى دلال ثوبا للْبيع فَقَالَ ضَاعَ الثَّوْب مني وَلَا أَدْرِي كَيفَ ضَاعَ لَا يضمن وَلَو قَالَ لَا أَدْرِي فِي أَي حَانُوت وَضعته يضمن انْتهى وَسَيَجِيءُ تَمام مسَائِل هَذَا الْفَصْل فِي فصل أَنْوَاع الضمانات ان شَاءَ الله تَعَالَى
الْفَصْل الثَّامِن
فِي الْعَارِية
الْعَارِية بِالتَّشْدِيدِ كَأَنَّهَا منسوبة إِلَى الْعَار لِأَن طلبَهَا عَار وعيب وَهِي أَمَانَة كَالْوَدِيعَةِ إِلَّا أَن الْعَارِية امانة فِيهَا تمْلِيك الْمَنْفَعَة وَلِهَذَا تَنْعَقِد بِلَفْظ التَّمْلِيك بِأَن يَقُول ملكت مَنْفَعَة دَاري هَذِه شهرا أَو جعلت لَك سُكْنى دَاري هَذِه شهرا وللمعير أَن يفْسخ العقد فِي كل سَاعَة لكَونهَا عقدا جَائِزا غير لَازم
وَفِي الْبَدَائِع للعارية شَرَائِط مِنْهَا الْقَبْض من الْمُسْتَعِير مِمَّا يُمكن الِانْتِفَاع بِهِ بِدُونِ استهلاكه وَمِنْهَا الْعقل فَلَا تصح الاعارة من الْمَجْنُون وَالصَّبِيّ الَّذِي لَا يعقل وَأما الْبلُوغ فَلَيْسَ بِشَرْط عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ رَحمَه الله تَعَالَى حَتَّى تصح عندنَا إِعَارَة الصَّبِي الْمَأْذُون وَكَذَا الْحُرِّيَّة فَلَيْسَتْ بِشَرْط فيملكها العَبْد الْمَأْذُون لِأَنَّهَا من تَوَابِع التِّجَارَة فَيملك تملك التِّجَارَة وَلَا تضمن بِلَا تعد إِن هَلَكت سَوَاء هَلَكت بِاسْتِعْمَالِهِ أَولا وَبِه قَالَ مَالك رَحمَه الله تَعَالَى وَعند الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى إِن هَلَكت من الِاسْتِعْمَال الْمُعْتَاد لم يضمن وَإِن هَلَكت لَا فِي حَال الِاسْتِعْمَال يضمن
وَفِي الْمُحِيط وَلَو شَرط الضَّمَان فِي الْعَارِية قيل لَا تصح الْعَارِية
وَذكر ابْن رستم فِي نوادره رجل قَالَ لآخر أعرني ثَوْبك فَإِن ضَاعَ فَأَنا ضَامِن لَا يضمن وَالشّرط لَغْو وَكَذَا لَو رهن فَقَالَ الْمُرْتَهن آخذه رهنا على أَنه إِن ضَاعَ ضَاعَ بِغَيْر شَيْء جَازَ الرَّهْن وَالشّرط بَاطِل وَإِن ضَاعَ ضَاعَ بِالْمَالِ وَيجوز للْمُسْتَعِير أَن يعير مَا استعاره عندنَا إِذا كَانَ مِمَّا لَا يخْتَلف باخْتلَاف الْمُسْتَعْمل وَقَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى لَيْسَ لَهُ أَن يعير وَفِي البزازي الْعَارِية لَا تؤاجر وَلَا ترهن وَهل تودع قَالَ مَشَايِخ الْعرَاق نعم لِأَنَّهَا دون الْإِعَارَة وَبِه أَخذ الْفَقِيه وَاخْتَارَهُ الصَّدْر وَقيل لَا لِأَنَّهُ لَو أرسلها على يَد أَجْنَبِي ضمن والوديعة لَا تودع وَلَا تعار وَلَا تؤاجر وَلَا ترهن فَإِن فعل شَيْئا مِنْهَا ضمن وَالْمُسْتَأْجر يعار ويودع ويؤاخر ويرهن وَلَيْسَ للْمُرْتَهن أَن يتَصَرَّف بِشَيْء يبطل الرَّهْن
برهن الْمُسْتَعِير على ردهَا والمعير على هلاكها عِنْده بِالتَّعَدِّي فَبَيِّنَة الْمُعير أولى
الجزء 1 · صفحة 276
اسْتعَار دَابَّة من انسان فأعارها فَنَامَ الْمُسْتَعِير فِي الْمَفَازَة ومقودها فِي يَده فَقطع السَّارِق المقود وَذهب بهَا لَا يضمن وَإِن جلب المقود من يَده وَلم يشْعر بِهِ وَذهب بهَا يضمن قَالَ الصَّدْر هَذَا إِذا نَام مُضْطَجعا وَإِن نَام جَالِسا لَا يضمن فِي الْوَجْهَيْنِ
ربط الْحمار الْمُسْتَعَار إِلَى شَجَرَة فَوَقع الْحَبل فِي عُنُقه وانخنق لَا يضمن لِأَن الرَّبْط مُعْتَاد لَا التَّخْلِيَة بالحبل وَلَو اسْتعَار دَابَّة وسلك بهَا فِي غير طَرِيق الجادة وَهَلَكت يضمن اه كَلَام البزازي وَسَنذكر تَمَامه عقيب الْفَصْل الَّذِي يَلِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الْفَصْل التَّاسِع فِي أَنْوَاع الضمانات الْوَاجِبَة وكيفيتها وَفِي تضمين الْأمين
ذكر فِي الصُّغْرَى إِذا أَمر إنْسَانا يَأْخُذ مَال الْغَيْر فَالضَّمَان على الْآخِذ لِأَن الْآمِر لم يَصح أمره وَفِي كل مَوضِع لَا يَصح الْأَمر لَا يجب الضَّمَان على الْآمِر
وَالسُّلْطَان لَو أَمر رجلا بِأخذ مَال الْغَيْر هَل يجب الضَّمَان على الْمَأْمُور ذكر فِي أول دَعْوَى الْوَجِيز رجل ادّعى على رجل أَنه أَمر فلَانا فَأخذ مِنْهُ كَذَا من المَال فَإِن كَانَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ الْأَمر سُلْطَانا فالدعوى عَلَيْهِ مسموعة وَإِن كَانَ غير سُلْطَان فَلَا لِأَن أَمر السُّلْطَان إِكْرَاه على مَا يَجِيء فِي فصل الْإِكْرَاه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
رجل أَمر عبد غَيره بالإباق أَو قَالَ لَهُ اقْتُل نَفسك فَفعل تجب قيمَة العَبْد وَلَو قَالَ اتلف مَال مَوْلَاك فأتلف لَا يضمن الْآمِر
من اسْتعْمل عبد الْغَيْر كَانَ بِمَنْزِلَة قَبضه حَتَّى لَو هلك من ذَلِك الْعَمَل يضمن وَكَذَا لَو أودع رجلا عبدا فَبَعثه الْمُودع فِي حَاجته صَار غَاصبا
عبد بَين اثْنَيْنِ استخدمه أَحدهمَا فِي غيبَة صَاحبه فَمَاتَ فِي خدمته لَا يضمن وَفِي الدَّابَّة يضمن وَفِي نَوَادِر هِشَام أَنه يضمن فِي العَبْد أَيْضا
وَذكر فِي بعض أصُول الْفِقْه أَن الترصف فِي الْجَارِيَة الْمُشْتَركَة لَا يُوجب الضَّمَان كالاستخدام وَإِن كَانَ لَا يحل لَهُ وَطْؤُهَا
إِذا قَالَ لعبد الْغَيْر ارتق الشَّجَرَة وانثر ثَمَرَة المشمش لتأكله أَنْت فَسقط لَا ضَمَان على الْآمِر وَلَو قَالَ لتأكله أَنْت وَأَنا أفتى القَاضِي الامام فَخر الدّين رَحمَه الله تَعَالَى أَنه يَنْبَغِي أَن يضمن قِيمَته كُله لِأَنَّهُ اسْتعْمل كُله فِي منفعَته
غُلَام حمل كوز مَاء لينقل إِلَى بَيت مَوْلَاهُ باذنه فَدفع إِلَيْهِ رجل آخر كوزه ليحمل لَهُ مَاء من الْحَوْض بِغَيْر اذن مَوْلَاهُ فَهَلَك العَبْد فِي الطَّرِيق قَالَ صَاحب الْمُحِيط مرّة يضمن نصف قِيمَته ثمَّ قَالَ فِي الْمرة الآخرى يضمن كل قيمَة العَبْد لِأَن فعله صَار نَاسِخا لفعل الْمولى
غُلَام جَاءَ إِلَى فصاد وَقَالَ افصدني ففصده فصدا مُعْتَادا فَمَاتَ من ذَلِك السَّبَب قَالَ يضمن قيمَة العَبْد عَاقِلَة الفصاد وَكَذَلِكَ الصَّبِي تجب دِيَته على عَاقِلَة الفصاد
رجل كَانَ يكسر حطبا فجَاء غُلَام انسان وَقَالَ أَعْطِنِي الْقدوم حَتَّى أكسر أَنا فَأبى أَن يُعْطِيهِ فألح عَلَيْهِ
الجزء 1 · صفحة 277
فِي ذَلِك وَأخذ مِنْهُ الْقدوم وَكسر بعض الْحَطب ثمَّ قَالَ ائْتِ بآخر حَتَّى أكسره فَأبى فَأتى الْغُلَام بحطب وكسره فَضرب بعض المكسور من الْحَطب على عينه وَذَهَبت عينه لَا يكون على صَاحب الْحَطب شَيْء لِأَنَّهُ لم يَأْمر الْغُلَام بِكَسْر الْحَطب وَلم يَسْتَعْمِلهُ فِي شَيْء وَإِنَّمَا فعله العَبْد بِاخْتِيَار نَفْيه فَلَا يكون الرجل ضَامِنا لشَيْء
وَفِي التَّجْرِيد إِذا استخدم عبد رجل بِغَيْر اذنه أَو دَابَّة سَاقهَا أَو حمل عَلَيْهَا شَيْئا أَو ركبهَا بِغَيْر اذنه فَهُوَ ضَامِن إِن عطبت فِي تِلْكَ الْخدمَة أَو فِي غَيرهَا
وَفِي الذَّخِيرَة ركب دَابَّة غَيره فَتلفت ضمن سَاقهَا أَو لم يسقها فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَفِي رِوَايَة الْحسن يضمن إِذا سَاقهَا
وَفِي النَّوَازِل غصب عبدا ثمَّ رده وَقد عورت عينه عِنْده يضمن الْأَرْش ثمَّ بَاعه مَوْلَاهُ فانجلى الْبيَاض فِي يَد المُشْتَرِي رَجَعَ الْغَاصِب بِمَا دفع من أرش الْعين على البَائِع
وَفِي فَتَاوَى الفضلى لَو غصب من صبي شَيْئا ثمَّ رده عَلَيْهِ إِن كَانَ الصَّبِي من أهل الْحِفْظ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا وَلَو غصب من عبد مَحْجُور شَيْئا ثمَّ رده عَلَيْهِ بَرِيء من ضَمَانه
وَفِي فَوَائِد الْفَقِيه أبي جَعْفَر من وضع سكينا فِي يَد صبي فَقتل بهَا نَفسه لَا يضمن وَلَو عثر بهَا حَتَّى مَاتَ يضمن
صبي قَائِم على سطح أَو حَائِط صَاح فِيهِ رجل فَفَزعَ الصَّبِي فَوَقع وَمَات يغرم الصائح دِيَته وَتلك على عَاقِلَته وَكَذَلِكَ لَو كَانَ على الطَّرِيق فمرت بِهِ دَابَّة فصاح فِيهَا رجل فوطئته الدَّابَّة فَمَاتَ يضمن الصائح دِيَته وهى على عَاقِلَته
وَلَو بعث غُلَاما صَغِيرا بِغَيْر اذن أَهله إِلَى حَاجَة فارتقى فَوق بَيت مَعَ الصّبيان فَوَقع وَمَات يضمن
وَفِي النَّوَازِل قَالَ أَبُو بكر رَحمَه الله تَعَالَى لَو رمى صبي سَهْما فَأصَاب امْرَأَة لَا ضَمَان على وَالِده وَإِنَّمَا يجب فِي مَاله وَإِن لم يكن لَهُ مَال فنظرة إِلَى ميسرَة قَالَ وَإِنَّمَا وَجب فِي مَاله لِأَنَّهُ لَا يرى للعجم عَاقِلَة وَهُوَ يَقُول الْعَاقِلَة للْعَرَب لأَنهم يتناصرون
وَفِي الْعُيُون وَلَو أَدخل صَبيا أَو مغمى عَلَيْهِ أَو نَائِما فِي دَاره فَسقط الْبَيْت قَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى يضمن فِي الصَّبِي والمغمى عَلَيْهِ وَلَا يضمن فِي النَّائِم
سَكرَان ذَاهِب الْعقل وَقع ثَوْبه فِي الطَّرِيق فَأخذ الثَّوْب رجل ليحفظه فَهَلَك فِي يَده لم يضمن وَلَو كَانَ الثَّوْب تَحت رَأسه وَالْمَسْأَلَة بِحَالِهَا يضمن وَلَو كَانَت الدَّرَاهِم فِي كمه فَرَفعهَا وَالْمَسْأَلَة بِحَالِهَا يضمن أَيْضا
وَذكر فِي الْعدة لَو أخرج خَاتم رجل من إصبعه وَهُوَ نَائِم ثمَّ أَعَادَهُ فِي أُصْبُعه فِي ذَلِك لنوم برىء وَفِي نوم آخر لَا يبرأ وَإِن اسْتَيْقَظَ ثمَّ نَام فَأَعَادَهُ لَا يبرأ
غصب شَيْئا من الصاحي ثمَّ رده عَلَيْهِ وَهُوَ سَكرَان يبرأ وَهُوَ كالصاحي بِخِلَاف مالو آخذ مِنْهُ وَهُوَ يقظان ثمَّ رده عَلَيْهِ وَهُوَ نَائِم فَإِنَّهُ لَا يبرأ
إِذا تعلق بِرَجُل وخاصمه فَسقط من الْمُتَعَلّق بِهِ شَيْء يضمن الْمُتَعَلّق
الجزء 1 · صفحة 278
وَمن هدم بَيت نَفسه فانهدم من ذَلِك منزل جَاره لَا يضمن لِأَنَّهُ غير مُتَعَدٍّ فِيهِ
وَفِي الْعُيُون لَو ضرب رجلا فَسقط الْمَضْرُوب مغشيا عَلَيْهِ وَسقط مِنْهُ شَيْء وتوى قَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى يضمن الضَّارِب المَال الَّذِي مَعَ الْمَضْرُوب لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَهْلك وَكَذَا يضمن ثِيَابه الَّتِي عَلَيْهِ لَو تلفت وَيَأْتِي فِي فصل الْغَصْب مَا يُخَالف هَذَا فَلْينْظر ثمَّة
وَفِي فَتَاوَى رشيد الدّين رجل فر من الظَّالِم فَأَخذه إِنْسَان حَتَّى أدْركهُ الظَّالِم فَأَخذه وخسره أَو طلب ظَالِم رجلا ليقْبض مِنْهُ جباية فدله رجل عَلَيْهِ فَأخذ مِنْهُ مَالا فَفِي قِيَاس قَول مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى يضمن الْآخِذ لَهُ وَالدَّال عَلَيْهِ لِأَنَّهُ تسبب لأخذ مَاله وَالْفَتْوَى على قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى أَنه لَا يضمن وَكَذَا لَو تخاصم رجلَانِ فَضرب أَحدهمَا الآخر فَذهب الْمَظْلُوم إِلَى الْوَالِي فخسره لَا يضمن الْمَظْلُوم لِأَنَّهُ طلب الْغَوْث
وَفِي فَوَائِد ظهير الدّين المرغيناني وَلَو قَالَ لغيره اسلك هَذَا الطَّرِيق فَإِنَّهُ آمن فسلكه وَأَخذه اللُّصُوص لَا يضمن وَلَو قَالَ إِن كَانَ مخوفا وَأخذ مَالك فَأَنا ضَامِن وَبَاقِي الْمَسْأَلَة بِحَالِهَا ضمن وَصَارَ الأَصْل أَن الْمَغْرُور إِنَّمَا يرجع على الْغَار إِذا حصل الْغرُور فِي ضمن عقد الْمُعَارضَة أَو ضمن الْغَار صفة السَّلامَة للمغرور نصا
وَلَو قَالَ الطَّحَّان لصَاحب الْحِنْطَة اجْعَل الْحِنْطَة فِي الدَّلْو فَجَعلهَا فِي الدَّلْو فَذَهَبت من ثقب كَانَ بِهِ إِلَى المَاء والطحان كَانَ عَالما بِهِ يضمن لِأَنَّهُ صَار غارا فِي ضمن العقد بِخِلَاف الْمَسْأَلَة الأولى لِأَن ثمَّة مَا ضمن السَّلامَة بِحكم العقد وَهَا هُنَا العقد يَقْتَضِي السَّلامَة فَيصير مغرورا فَيضمن
وَفِي فَتَاوَى ظهير الدّين سَأَلَ هِشَام مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى فِيمَن فتح بَاب قفص حَتَّى خرج مِنْهُ الطَّائِر أَو فتح الزق وَالسمن جامد فذاب وَخرج مِنْهُ السّمن قَالَ يضمن وَلَو حل قيد عبد فأبق العَبْد لَا يضمن لِأَن العَبْد لَهُ عَزِيمَة فَإِن كَانَ العَبْد ذَاهِب الْعقل يضمن وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لَا يضمن فِي هَذَا كُله وَلَو شقّ زق دهن سَائل حَتَّى سَالَ يضمن وَكَذَا لَو قطع حَبل الْقنْدِيل يضمن
وَفِي مختلفات الْمَشَايِخ قَالَ أَبُو حنيفَة وابو يُوسُف رحمهمَا الله تَعَالَى إِذا فتح بَاب قفص أَو اصطبل حَتَّى طَار الطَّائِر أَو خرج الْحمار أَو حل قيد عبد فهرب فَإِنَّهُ لَا يضمن وقفُوا أَو لم يقفوا وَقَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى يضمن وَقَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى إِن وقف سَاعَة ثمَّ ذهب لَا يضمن وَإِن ذهب من سَاعَته يضمن
وَلَو فتح بَاب دَار فَسرق آخر مِنْهَا مَتَاعا لَا يضمن الفاتح سَوَاء سرق عقيب الْفَتْح أَو بعده وَكَذَا إِذا حل رِبَاط دَابَّة فسرقها إِنْسَان أَو فتح بَاب قفص فَأخذ الطَّائِر انسان آخر لَا ضَمَان على الَّذِي حل وَفتح
وَالْمُودع إِذا فتح بَاب القفص أَو حل قيد العَبْد أَو فتح بَاب الاصطبل حَتَّى ذهب يضمن بالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ الْتزم الْحِفْظ أَلا ترى أَنه إِذا دلّ الْغَاصِب أَو السَّارِق على الْوَدِيعَة ضمن وَغَيره لَا يضمن وَلَو نفر رجل طير انسان لَا يضمن وَلَو قصد تنفيره يضمن وَلَو دنا مِنْهُ وَقصد تنفيره يضمن وَلَو دنا مِنْهُ وَلم يقْصد تنفيره لَا يضمن
وَفِي فَتَاوَى السَّمرقَنْدِي وَلَو نقب حَائِط انسان بِغَيْر اذنه ثمَّ غَابَ الناقب فَدخل انسان من ذَلِك النقب وسرق شَيْئا لَا ضَمَان على الناقب لِأَنَّهُ متسبب وَالسَّارِق مبَاشر وَكَانَ أَبُو نصر الدبوسي رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول يضمن الناقب لَكِن الْفَتْوَى بِعَدَمِ الضَّمَان
إِذا قمط الرجل رجلا وألقاه فِي الْبَحْر وَتَركه حَتَّى مَاتَ فَإِن غرق من سَاعَته يضمن دِيَته وَإِن سبح سَاعَة ثمَّ غرق لم يكن عَلَيْهِ شَيْء
الجزء 1 · صفحة 279
وَفِي شرح الطحاوى وَلَو القى حَيَّة أَو عقربا على قَارِعَة الطَّرِيق فلدغ رجلا فَالضَّمَان على الَّذِي ألْقى إِلَّا إِذا تحول من ذَلِك الْموضع إِلَى مَوضِع آخر فَحِينَئِذٍ ترْتَفع جِنَايَته وَلَو دخل رجل دَار قوم فعقره كلبهم فَلَا ضَمَان عَلَيْهِم لِأَنَّهُ لم يُوجد الإغراء والإشلاء مِنْهُم
وَفِي التَّجْنِيس رجل لَهُ كلب عقور كلما مر عَلَيْهِ مار يعضه فعض انسانا هَل يجب عَلَيْهِ الضَّمَان إِن تقدمُوا إِلَى صَاحب الْكَلْب وعرفوه بذلك قبل العض يضمن وَإِن لم يتقدموا إِلَيْهِ قبل العض لَا يضمن بِمَنْزِلَة الْحَائِط المائل قَالَ قَاضِي خَان رَحمَه الله تَعَالَى وَيَنْبَغِي أَن لَا يضمن إِذا لم يكن من صَاحبه أشلاء وَلَو أغرى كَلْبا حَتَّى عقر رجلا لَا ضَمَان على المغرى عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى كَمَا إِذا أرسل طائرا فَأصَاب فِي فوره ذَلِك لَا يضمن بِالْإِجْمَاع
رجل أَخذ هرة وَأَلْقَاهَا إِلَى حمامة انسان أَو دجَاجَة فَأكلت الْهِرَّة الْحَمَامَة قَالَ إِن أَخَذتهَا الْهِرَّة برميه وإلقائه إِلَيْهَا يضمن وَإِن أَخَذتهَا بعد الرَّمْي وَالْإِلْقَاء لَا يضمن قيل لَهُ وَلَو أشلى كَلْبه على انسان وأغراه عَلَيْهِ فعقره ايضمن المشلى قَالَ نعم لِأَنَّهُ بالإغراء لكلبه صَار آلَة لعقره كَأَنَّهُ ضربه بِحَدّ سَيْفه
وَفِي شرح الطَّحَاوِيّ من أرسل بَهِيمَة فاصابت فِي فورها شَيْئا ضمن وَكَذَلِكَ إِذا أرسلها وَلم يكن لَهَا قَائِد وَلَا سائق وَلَا زاجر فاصابت شَيْئا فِي ذَلِك الطَّرِيق فَإِنَّهُ يضمن وَلَو عطفت عَن ذَلِك الطَّرِيق وَكَانَ لَهَا طَرِيق آخر فأصابت شَيْئا فَإِنَّهُ لَا يضمن وَلَو عطفت وَلم يكن لَهَا طَرِيق غَيره فَذَلِك مَضْمُون على الْمُرْسل
وَفِي الْمُلْتَقط وَلَا يجب الضَّمَان على صَاحب الْمَاشِيَة إِذا أتلفت شَيْئا لَيْلًا أَو نَهَارا إِذا لم يكن لَهَا سائق أَو قَائِد
وَفِي الْعدة وَلَو أوقف الدَّابَّة فِي سوق الدَّوَابّ لَا ضَمَان على صَاحبهَا إِن أتلفت شَيْئا وَإِن أوقفها على بَاب السُّلْطَان يضمن مَا أَصَابَت وَكَذَا لَو أوقفها على بَاب الْمَسْجِد الْأَعْظَم أَو مَسْجِد آخر إِلَّا إِذا جعل الامام للْمُسلمين موضعا يوقفون دوابهم فِيهِ فَلَا يضمن
وَفِي الْعُيُون غنم دخلت بستانا فأفسدته وصاحبها مَعهَا يَسُوقهَا ضمن مَا أفسدته وَإِذا لم يسقها لَا ضَمَان عَلَيْهِ وَكَذَا الثور وَالْحمار وَمن وجد فِي زرعه أَو كرمه دَابَّة وَقد افسدت الزَّرْع فحبسها فَهَلَكت يضمن وَإِن أخرجهَا الْمُخْتَار أَنه إِن أخرجهَا وساقها فَهَلَكت يضمن وَإِن أخرجهَا وَلم يسقها لَا يضمن وَكَذَا لَو أخرج دَابَّة الْغَيْر من زرع الْغَيْر
وَفِي التَّجْنِيس وَلَو سَاقهَا إِلَى مَكَان يَأْمَن مِنْهَا على زرعه لَا يضمن كَأَنَّهُ أخرجهَا عَن زرعه قَالَ أَبُو نصر وَقَالَ أَكثر مَشَايِخنَا إِنَّه يضمن وَعَلِيهِ الْفَتْوَى
رجل بعث بقرته إِلَى بقار على يَد رجل فجَاء الرجل إِلَى البقار بهَا وَقَالَ إِن فلَانا بعث بقرته هَذِه اليك فَقَالَ البقار اذْهَبْ هَا إِلَى مَالِكهَا فَإِنِّي لَا أقبلها فَذهب بهَا فَهَلَكت فالبقار ضَامِن لِأَنَّهُ إِذا جَاءَ بهَا إِلَى البقار فقد انْتهى الْأَمر فَيصير البقار أَمينا وَلَيْسَ للْمُودع أَن يودع وَلَو نخس دَابَّة انسان فَأَلْقَت الرَّاكِب فَمَاتَ ان كَانَ باذن الرَّاكِب لَا يضمن الناخس وَإِن كَانَ بِغَيْر اذنه يضمن كَمَال الدِّيَة وَإِن ضربت الناخس فَمَاتَ فدمه هدر وَإِن أَصَابَت رجلا آخر بالذنب أَو بِالرجلِ أَو كَيْفَمَا أَصَابَته إِن نخسها بِإِذن الرَّاكِب فَالضَّمَان عَلَيْهِمَا وَإِلَّا فَعَلَيهِ
وَفِي خُلَاصَة الْمُفْتِي وَمِمَّا يجرب بِهِ الْفَقِيه إِذا سُئِلَ عَن أَخذ حمَار غَيره بِغَيْر اذنه وَاسْتَعْملهُ ورده إِلَى الْموضع
الجزء 1 · صفحة 280
الَّذِي أَخذ مِنْهُ وَكَانَ مَعَه جحش فَأَكله الذِّئْب هَل يضمن وَإِنَّمَا اسْتعْمل الأتان خَاصَّة جَوَابه إِن لم يتَعَرَّض للجحش بِشَيْء إِلَّا أَنه سَاق الْأُم فانساق الجحش مَعهَا ذَاهِبًا وجائيا لم يضمن وَإِن كَانَ حِين سَاق الأتان سَاق الجحش مَعهَا أَيْضا ضمن
وَفِي فَتَاوَى ظهير الدّين رَحمَه الله تَعَالَى لَو وضع ثوبا فِي دَار رجل فَرَمَاهُ صَاحب الدَّار فأفسده ضمن وَلَو أَدخل دَابَّته فِي دَار غَيره فأخرجها صَاحب الدَّار إِن تلفت لَا يضمن لِأَن الدَّابَّة فِي الدَّار تضرها فَلهُ أَن يدْفع الضَّرَر بِالْإِخْرَاجِ وَأما الثَّوْب فِي الدَّار فَلَا يَضرهَا فَكَانَ إِخْرَاجه إتلافا وَلَو وجد دَابَّة فِي مربط فأخرجها فَهَلَكت يضمن وَفِي الْجَامِع الصَّغِير غصب مربطا وَشد فِيهِ دَابَّته فأخرجها مَالك المربط وَهَلَكت صَار ضَامِنا
وَفِي فَوَائِد ابي الْحسن الرستغني غصب عجلا فاستهلكه ويبس لبن أمه يضمن الْغَاصِب قيمَة الْعجل ونقصان الْأُم وَإِن لم يفعل الْغَاصِب فِي الْأُم فعلا لمَكَان التَّسَبُّب
وَفِي فَتَاوَى ظهير الدّين وَلَو أرسل دَابَّته فِي مرتع مُبَاح فجَاء آخر فَأرْسل إِلَيْهِ دَابَّته فعضت الثَّانِيَة الأولى إِن عضتها على الْفَوْر ضمن وَإِلَّا فَلَا وَإِن كَانَ ذَلِك فِي مربط لأَحَدهمَا لَا ضَمَان على صَاحب المربط
وَذكر فِي الْعُيُون قَالَ ابو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى إِذا اسْتهْلك رجل حمَار غَيره أَو بغله بِقطع يَده أَو بذَبْحه إِن شَاءَ صَاحبه ضمنه وَسلمهُ إِلَيْهِ وَإِن شَاءَ حَبسه وَلَا يضمن شَيْئا وَعَلِيهِ الْفَتْوَى وَلَو ضرب رجل الدَّابَّة حَتَّى صَارَت عرجاء فَهُوَ كالقطع وَمن ذبح شَاة غَيره فمالكها بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ ضمنه قيمتهَا وَسلمهَا إِلَيْهِ وَإِن شَاءَ أَخذهَا وَضَمنَهُ النُّقْصَان وَكَذَا الْجَزُور وَكَذَا إِذا قطع يَدهَا
وَفِي الْهِدَايَة وَلَو كَانَت الدَّابَّة غير مأكولة اللَّحْم فَقطع الْغَاصِب طرفها فللمالك أَن يضمنهُ جَمِيع قيمتهَا لوُجُود الِاسْتِهْلَاك من كل وَجه بِخِلَاف قطع طرف العَبْد الْمَمْلُوك حَيْثُ يَأْخُذهُ مَعَ أرش الْمَقْطُوع لِأَن الْآدَمِيّ يبقي مُنْتَفعا بعد قطع الطّرف وَلَو ذبح حمَار غَيره فَلَيْسَ لَهُ أَن يضمنهُ النُّقْصَان وَلكنه يضمنهُ جَمِيع الْقيمَة عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وعَلى قَول مُحَمَّد رَحمَه الله لَهُ أَن يمسِكهُ وَيضمن النُّقْصَان وَإِن شَاءَ ضمنه كل الْقيمَة وَلَا يمسك الْمَذْبُوح
ذبح شَاة انسان بِحَيْثُ لَا يرجي حَيَاتهَا لَا يضمن اسْتِحْسَانًا الْأَجْنَبِيّ والراعي فِي ذَلِك سَوَاء وَفِي الْفرس والبغل يُفْتى بِالضَّمَانِ فِي الْأَجْنَبِيّ والراعي والبقار لَو ذبح الْبَقَرَة أَو الْحمار وَكَانَ لَا يُرْجَى حياتهما لَا يضمن وَإِذا ذبح شَاة لَا يُرْجَى حَيَاتهَا يضمن قيمتهَا يَوْم الذّبْح
رجل مر بِشَاة الْغَيْر وَقد أشرفت على الْهَلَاك فذبحها يكون ضَامِنا وَذكر فِي النَّوَازِل أَنه لَا يضمن اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُ مَأْذُون فِيهِ دلَالَة
وَفِي الْمُحِيط وَلَو ذبح شَاة وعلقها لأجل السلخ فسلخها انسان ضمن لِأَن النَّاس يتفاوتون فِي السلخ دون الذّبْح وَلَو ألْقى قشور الرُّمَّان أَو الْبِطِّيخ على قَارِعَة الطَّرِيق فزلقت بهَا دَابَّة انسان فَتلفت يضمن لِأَنَّهُ غير مَأْذُون فِي هَذَا الْفِعْل وَمن فعل فعلا هُوَ غير مَأْذُون فِيهِ فَمَا تولد مِنْهُ يكون مَضْمُونا عَلَيْهِ
مر رجل فِي طَرِيق الْمُسلمين فَتعلق ثَوْبه بقفل حَانُوت رجل فتخرق قَالَ ابو الْقَاسِم الصفار رَحمَه الله تَعَالَى إِن كَانَ القفل فِي ملكه لَا يضمن وَإِن كَانَ فِي غير ملكه يضمن
الجزء 1 · صفحة 281
وَهَاهُنَا زِيَادَة لَا بُد مِنْهَا وَهِي أَنه إِذا تعلق ثَوْبه بذلك فجر ثَوْبه فتخرق بجره لَا يضمن صَاحب القفل لِأَنَّهُ إِذا جر الثَّوْب فَهُوَ الَّذِي خرقه
رجل جلس على ثوب انسان وَهُوَ لَا يعلم حَتَّى قَامَ صَاحبه فانشق ثَوْبه من جُلُوسه ضمن النُّقْصَان
وَلَو عض رجل يَد آخر فَأخْرج يَده من فَم العاض فَكسر اسنان العاض وَسقط من لحم يَد المعضوض شَيْء وجرح يَده لَا يجب مُوجب السن لِأَنَّهُ مُضْطَر فِي نزع الْيَد وَيجب على العاض أرش الْيَد لِأَنَّهُ جَان
وَفِي فَوَائِد صدر الاسلام طَاهِر بن مَحْمُود رَحمَه الله تَعَالَى الحائك إِذا عمل لانسان ثوبا فَأَرَادَ مَالِكه أَخذه مِنْهُ فأبي الحائك أَن يَدْفَعهُ حَتَّى يَأْخُذ الْأُجْرَة فَمد صَاحب الثَّوْب الثَّوْب فتخرق من مد صَاحبه لَا يضمن الحائك شَيْئا وَإِن تخرق من مدهما ضمن الحائك نصف قيمَة النُّقْصَان وَلَو أَخذ يَد رجل فَمد ذَلِك الرجل يَده فشلت إِن أَخذ يَده لأجل التَّحِيَّة لَا يجب الضَّمَان وَإِن أَخذهَا لأجل العض تجب دِيَة الْيَد على الْآخِذ لِأَنَّهُ مُضْطَر فِي مد يَده
رجل تشبث بِثَوْب آخر فَجَذَبَهُ المتشبث من يَد صَاحبه حَتَّى تخرق يضمن جَمِيع الْقيمَة فَإِن جذبه صَاحبه من يَد المتشبث ضمن المتشبث نصف الْقيمَة
وَفِي الْمَبْسُوط غصب ثوب إِنْسَان ولبسه ثمَّ جَاءَ صَاحب الثَّوْب فَمد ثَوْبه وَالْغَاصِب لَا يعلم أَنه صَاحب الثَّوْب فتخرق الثَّوْب لَا ضَمَان على الْغَاصِب لِأَنَّهُ تخرق من مده وَلَو قَالَ صَاحب الثَّوْب رد عَليّ ثوبي فَمَنعه فَمد مدا لَا يمد مثله من شدته فتخرق الثَّوْب لَا ضَمَان على الْغَاصِب أَيْضا وَلَو مده كَمَا يمد النَّاس عَادَة فتخرق مِنْهُ ضمن الْغَاصِب نصف الْقيمَة لِأَنَّهُ من جنايتهما لِأَن إِمْسَاكه وَمنعه ثوب غَيره جِنَايَة
وَفِي فَتَاوَى النَّسَفِيّ رَحمَه الله تَعَالَى سُئِلَ عَمَّن أوقد نَارا فِي ملك غَيره فتعدت إِلَى كدس حِنْطَة أَو شَيْء آخر من الْأَمْوَال فَأَحْرَقتهُ هَل يضمن قَالَ لَا وَلَو أحرقت شَيْئا فِي الْمَكَان الَّذِي أوقد فِيهِ ضمن قلت وَفرق أَصْحَابنَا رَحِمهم الله تَعَالَى بَين المَاء وَالنَّار قَالُوا لَو أوقد النَّار فِي أَرض نَفسه فتعدت إِلَى أَرض غَيره فأحرقت شَيْئا لَا يضمن وَلَو سَالَ المَاء إِلَى أَرض نَفسه فَسَالَ إِلَى أَرض غَيره وأتلف شَيْئا ضمن لِأَن من طبع النَّار الخمود والتعدي إِنَّمَا يكون بِفعل الرّيح وَنَحْوه فَلم يضف إِلَى فعل الموقد فَلم يضمن وَمن طبع المَاء السيلان فالائتلاف يُضَاف إِلَى فعله
وَسُئِلَ صَاحب الْمُحِيط عَن مزارع أوقد نَارا فِي الأَرْض المملكة فِي يَوْم ريح فَاحْتَرَقَ الْحَشِيش وسرت النَّار إِلَى الأكداس فاحترقت هَل يضمن الموقد أجَاب رَحمَه الله تَعَالَى إِن كَانَت الرّيح وَقت الإيقاد ريحًا يذهب مثلهَا بِمثل تِلْكَ النَّار إِلَى تِلْكَ الأكداس يضمن وَالله تَعَالَى أعلم
وَفِي فَتَاوَى ظهير الدّين رجل أوقد فِي تنوره نَارا وَألقى فِيهِ من الْحَطب مَالا يحْتَملهُ التَّنور فَاحْتَرَقَ بَيته وتعدت إِلَى دَار جَاره فأحرقتها يضمن صَاحب التَّنور وَلَو مر بِنَار فِي ملكه أَو فِي ملك غَيره فَوَقَعت شرارة مِنْهَا على ثوب انسان فَاحْتَرَقَ قَالَ مُحَمَّد بن الْفضل رَحمَه الله تَعَالَى يضمن وَهَكَذَا ذكر فِي النَّوَادِر عَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى
وَقَالَ بعض الْعلمَاء إِن من مر بالنَّار فِي مَوضِع لَهُ حق الْمُرُور فِيهِ فَوَقَعت مِنْهُ شرارة فِي ملك انسان
الجزء 1 · صفحة 282
أَو ألقتها الرّيح لَا يضمن فَإِن لم يكن لَهُ حق الْمُرُور فِي ذَلِك الْموضع فَالْجَوَاب على التَّفْصِيل إِن وَقعت مِنْهُ شرارة يضمن وَإِن هَب بِهِ الرّيح لَا يضمن وَهَذَا أظهر وَعَلِيهِ الْفَتْوَى
حداد ضرب حَدِيدَة على حَدِيدَة أُخْرَى محماة فطارت شرارة من ضربه فَوَقَعت على ثوب انسان فَاحْتَرَقَ ثَوْبه ضمن الْحداد وَذكر الناطفي رَحمَه الله تَعَالَى إِذا جلس الْحداد فِي دكانه وَاتخذ فِي حانوته كورا يعْمل بِهِ والحانوت إِلَى جَانب طَرِيق الْعَامَّة فَأخْرج حَدِيدَة من كوره وضربها بِمِطْرَقَةٍ فتطاير شِرَارهَا فقتلت رجلا أَو فقأت عين انسان أَو أحرقت شَيْئا أَو قتلت دَابَّة كَانَ ضَمَان مَا تلف بذلك من المَال على الْحداد ودية الْقَتْل وَالْعين تكون على عَاقِلَته وَلَو لم يدق الْحداد وَلَكِن احتملت الرّيح بعض النَّار من كوره أَو الْحَدِيد المحماة فأخرجتها إِلَى طَرِيق الْعَامَّة فقتلت انسانا أَو أحرقت ثوب انسان أَو قتلت دَابَّة كَانَ هدرا
وَفِي فَتَاوَى رشيد الدّين رَحمَه الله تَعَالَى وَلَو رش المَاء فِي الطَّرِيق فَسَقَطت بِهِ دَابَّة أَو انسان ذكر فِي الْكتاب أَنه يضمن مُطلقًا قلت وَهَذَا الْجَواب فِي الدَّابَّة يجْرِي على إِطْلَاقه أما فِي الْآدَمِيّ فَإِنَّهُ إِذا رش كل الطَّرِيق بِحَيْثُ لَا يجد طَرِيقا يمر فِيهِ فَإِنَّهُ يضمن الراش وَإِلَّا فَلَا وَمِمَّا يُؤَيّد مَا قُلْنَاهُ مَا ذكره أَبُو الْحسن الرستغنى فِي فَوَائده أَنه لَو لم يَتَعَدَّ فِي الرش ورش كَمَا يرش النَّاس عَادَة لدفع الْغُبَار لَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَن ذَلِك لَيْسَ بِجِنَايَة وَإِن تعدى بالرش ضمن
وَفِي الْمُحِيط من حفر بِئْرا وسد رَأسهَا فَفتح آخر رَأسهَا فَإِنَّهُ ينظر إِن كَانَ الأول كبسها بِالتُّرَابِ أَو الطين بِمَا يكبس بِهِ مثله من أَجزَاء الأَرْض ثمَّ حفرهَا الثَّانِي فَالضَّمَان على الثَّانِي وَإِن كَانَ الأول كبسها بِمَا لَا يكبس بِهِ الْبِئْر عَادَة كالدقيق وَالْحِنْطَة وَنَحْوهمَا فَالضَّمَان على الأول
وَفِي فَتَاوَى ظهير الدّين من حفر بِئْرا فَغطّى رَأسهَا فَرفع آخر الغطاء فَتلف بهَا شَيْء ضمن الأول وَمن حفر فِي أَرض غَيره بِئْرا ضمن النُّقْصَان وَقَالَ بعض الْعلمَاء يُؤمر بالكبس وَلَا يضمن النُّقْصَان وَلَو هدم جِدَار غَيره لَا يجْبر على بنائِهِ وَالْمَالِك بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ ضمنه قيمَة الْحَائِط وَالنَّقْص للضامن وَإِن شَاءَ أَخذ النَّقْص وَقِيمَة النُّقْصَان
وَفِي فَتَاوَى قاضيخان من حفر بِئْرا فِي فنَاء مَسْجِد أَو هدم حَائِط الْمَسْجِد فَإِنَّهُ يُؤمر بالتسوية وَلَا يقْضى بِالنُّقْصَانِ وَكَذَا من حفر بِئْرا فِي فنَاء قوم يُؤمر بالتسوية
الْغَاصِب إِذا حفر بِئْرا فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة ورضى بِهِ الْمَالِك فَأَرَادَ الْغَاصِب طمها لَيْسَ لَهُ ذَلِك عندنَا وَقَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى لَهُ ذَلِك سَوَاء ينْتَفع بهَا أَو لم ينْتَفع
وَفِي بعض الْفَتَاوَى رجل نزح مَاء بِئْر انسان حَتَّى صَارَت يابسة لَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَن صَاحب الْبِئْر غير مَالك للْمَاء وَلَو صب مَاء انسان من الْجب يُقَال لَهُ املأه لِأَنَّهُ ملكه وَالْمَاء من ذَوَات الْأَمْثَال
وَفِي فتاوي ظهير الدّين قطع أَشجَار كرم انسان يضمن الْقيمَة لِأَنَّهُ أتلف غير المثلى وَطَرِيق معرفَة ذَلِك أَن يقوم الْكَرم مَعَ الْأَشْجَار النابتة وَيقوم مَقْطُوع الْأَشْجَار ففضل مَا بَينهمَا قيمَة الْأَشْجَار وَبعد ذَلِك صَاحب الْكَرم بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ دفع الْأَشْجَار المقطوعة إِلَى الْقَاطِع وَضَمنَهُ تِلْكَ الْقيمَة وَإِن شَاءَ أمسك الْأَشْجَار وَدفع من تِلْكَ الْقيمَة قيمَة الْأَشْجَار المقطوعة وَيضمنهُ الْبَاقِي
الجزء 1 · صفحة 283
وَذكر الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث رَحمَه الله تَعَالَى مَسْأَلَة قطع الْأَشْجَار هَكَذَا ثمَّ قَالَ وَإِن كَانَت قيمَة الْأَشْجَار مَقْطُوعَة وَغير مَقْطُوعَة سَوَاء فَلَا شَيْء عَلَيْهِ
وَفِي فَتَاوَى قاضيخان رجل أتلف على رجل أحد مصراعي بَاب أَو أحد زَوجي خف أَو مكعب كَانَ للْمَالِك أَن يسلم إِلَيْهِ المصراع الآخر أَو الزَّوْج الآخر وَيضمنهُ قيمتهمَا
وَفِي الايضاح الْمَغْصُوب إِذا كَانَ قَائِما فِي يَد الْغَاصِب فالمغصوب مِنْهُ يَأْخُذهُ مثلِيا كَانَ الْمَغْصُوب أَو غير مثلى فِي الْوُجُوه كلهَا إِلَّا إِذا كَانَت قِيمَته فِي بَلْدَة الْخُصُومَة أقل من قِيمَته فِي بَلْدَة الْغَصْب فَحِينَئِذٍ يثبت للْمَغْصُوب مِنْهُ خيارات ثَلَاثَة إِن شَاءَ انْتظر وَإِن شَاءَ رَضِي بِهِ وَإِن شَاءَ أَخذ قيمَة الْمَغْصُوب فِي بلد الْغَصْب يَوْم الْخُصُومَة وَفِي المثلى الْجَواب على التَّفْصِيل إِن تَسَاوَت الْقيمَة فِي البلدتين يُطَالِبهُ برد الْمثل وَإِن كَانَت الْقيمَة فِي بَلْدَة الْخُصُومَة أَكثر فللمالك خيارات ثَلَاثَة رضى بِالْمثلِ وَإِن شَاءَ طَالبه بِقِيمَتِه فِي بَلْدَة الْغَصْب يَوْم الْخُصُومَة وَإِن شَاءَ انْتظر وَإِن كَانَ قِيمَته فِي بَلْدَة الْغَصْب أقل فالغاصب بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ أعطَاهُ الْمثل وَإِن شَاءَ أعطَاهُ الْقيمَة فِي بَلْدَة الْغَصْب أَو فِي مَكَان الْغَصْب يَوْم الْخُصُومَة إِلَّا إِذا رَضِي الْمَالِك بِالتَّأْخِيرِ فَيكون لَهُ ذَلِك فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يذكر فِي دَعْوَى غصب الْمكيل وَالْمَوْزُون سوى الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير مَكَان الْغَصْب حَتَّى يعلم أَنه هَل لَهُ ولَايَة الْمُطَالبَة أَولا وَهَكَذَا ذكر فِي الذَّخِيرَة
لَو ادّعى أَنه غصب مِنْهُ كَذَا قفيز حِنْطَة وَبَين الشَّرَائِط لَا بُد وَأَن يذكر مَكَان الْغَصْب وَذكر فِي عُمْدَة الْمُفْتِينَ إِذا ادّعى الْوَدِيعَة لَا بُد من ذكر مَوضِع الْإِيدَاع أَنه فِي أَي مصر سَوَاء كَانَ لَهُ حمل وَمؤنَة أَو لم يكن وَذكر فِي مَوضِع آخر أَنه إِذا لم يكن لَهُ حمل وَمؤنَة لَا يشْتَرط بَيَان مَوضِع الْغَصْب وَذكر فِي الْعدة من غصب مَنْقُولًا فَعَلَيهِ مثله وَإِن كَانَ مثلِيا وَإِن كَانَ من ذَوَات الْقيم فَعَلَيهِ قِيمَته يَوْم الْغَصْب
وَفِي فَتَاوَى ظهير الدّين غصب شَاة فَسَمنت فِي يَده ثمَّ ذَبحهَا ضمن قيمتهَا يَوْم الْغَصْب لَا يَوْم الذّبْح
غَاصِب الْغَاصِب إِذا رد على الْغَاصِب الأول يبرأ عَن الضَّمَان وَلَو هلك الْمَغْصُوب فِي يَد غَاصِب الْغَاصِب فَأدى الْقيمَة إِلَى الْغَاصِب الأول يبرأ أَيْضا حَتَّى لَا يكون للْمَالِك بعده أَن يضمن الثَّانِي لقِيَام الْقيمَة مقَام الْعين وَهَذَا إِذا كَانَ قبض الأول مَعْرُوفا بِقَضَاء القَاضِي أَو بِغَيْر قَضَائِهِ وَإِنَّمَا يصير مَعْرُوفا بِإِقَامَة الْبَيِّنَة أَو بِتَصْدِيق الْمَالِك فَأَما إِذا أقرّ الْغَاصِب بذلك فَإِنَّهُ لَا يصدق فِي حق الْمَالِك وَيصدق فِي حق نَفسه وَالْمَالِك بِالْخِيَارِ فِي تضمين أَيهمَا شَاءَ
وَذكر رشيد الدّين رَحمَه الله تَعَالَى فِي فَتَاوِيهِ لَو بَاعَ غَاصِب الْغَاصِب وَأخذ الثّمن لَا يكون للْغَاصِب الأول أَن يَأْخُذ الثّمن مِنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالك وَلَيْسَ بنائب عَنهُ وَلَا يكون لَهُ إجَازَة البيع وللمغصوب مِنْهُ الْخِيَار فِي تضمين الْغَاصِب أَو غَاصِب الْغَاصِب
رجل غصب عبدا فغصبه مِنْهُ آخر فَمَاتَ عِنْده فالمولى بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ ضمن الأول وَيتبع الأول الآخر وَإِن شَاءَ أَبْرَأ الأول وَاتبع الثَّانِي بِالْقيمَةِ وَلَا شَيْء لَهُ على الأول
وَفِي النَّوَازِل رجل هشم إبريق فضَّة لإِنْسَان ثمَّ جَاءَ آخر وهشمه هشما زَاد فِي نقصانه بَرِيء الأول من الضَّمَان وَضمن الثَّانِي مثله
الجزء 1 · صفحة 284
وَفِي الْمُحِيط الْمَالِك إِذا أجر الْمَغْصُوب من الْغَاصِب يبرأ من الضَّمَان بِنَفس العقد كَمَا لَو بَاعه مِنْهُ وَلَو أَعَارَهُ مِنْهُ لَا يبرأ حَتَّى لَو هلك قبل الِاسْتِعْمَال يكون مَضْمُونا على الْغَاصِب
إِذا قَالَ الْمَالِك للْغَاصِب أودعتك الْمَغْصُوب ثمَّ هلك فِي يَده يضمنهُ لِأَنَّهُ لم يُوجد الْإِبْرَاء عَن الضَّمَان نصا وَالْأَمر بِالْحِفْظِ وَعقد الْوَدِيعَة لَا ينافيان ضَمَان الْغَصْب كَمَا إِذا خَالف الْمُودع يضمن وَإِن كَانَ العقد قَائِما وتوكيل الْمَالِك الْغَاصِب بِبيع الْمَغْصُوب لَا يُبرئهُ من ضَمَانه وَإِن بَاعه مالم يُسلمهُ وَكَذَلِكَ لَو بَاعَ الْمَالِك الْمَغْصُوب لَا يخرج عَن ضَمَان الْغَاصِب مالم يُسلمهُ إِلَى المُشْتَرِي
وَفِي التَّجْنِيس إِذا وضع الْمَغْصُوب بَين يَدي الْمَالِك يبرأ وَإِن لم يُوجد مِنْهُ حَقِيقَة الْقَبْض وَكَذَا الْمُودع بِخِلَاف مَا إِذا اسْتهْلك الْمَغْصُوب أَو الْوَدِيعَة ثمَّ جَاءَ بِالْقيمَةِ ووضعها بَين يَدي الْمَالِك فَإِنَّهُ لَا يبرأ مَا لم يُوجد حَقِيقَة الْقَبْض
وَفِي النَّوَازِل جَارِيَة جَاءَت إِلَى نخاس بِغَيْر اذن مَوْلَاهَا طالبة للْبيع ثمَّ ذهبت وَلَا يدْرِي أَيْن ذهبت وَقَالَ النخاس رَددتهَا عَلَيْك فَالْقَوْل قَوْله وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَن الْجَارِيَة هِيَ الَّتِي أَتَت إِلَيْهِ فَكَانَت أَمَانَة عِنْده وَتَفْسِير ذَلِك أَن النخاس لم يَأْخُذ الْجَارِيَة حَتَّى يصير غَاصبا وَمعنى الرَّد أَن يأمرها بالذهاب إِلَى الْمنزل
نوع فِي ضَمَان أحد الشَّرِيكَيْنِ بِسَبَب الْعين الْمُشْتَركَة ذكر القَاضِي ظهير الدّين رَحمَه الله تَعَالَى فِي فَتَاوَاهُ وَلَو اسْتعْمل عبدا مُشْتَركا بَينه وَبَين غَيره بِغَيْر اذن شَرِيكه يصير غَاصبا نصِيبه
وَفِي أَجنَاس الناطفي رَحمَه الله تَعَالَى فِي اسْتِعْمَال العَبْد الْمُشْتَرك بِغَيْر اذن شَرِيكه رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَة هِشَام عَن مُحَمَّد يصير غَاصبا وَفِي رِوَايَة ابْن رستم عَنهُ لَا يصير غَاصبا وَفِي الدَّابَّة الْمُشْتَركَة يصير غَاصبا على الرِّوَايَتَيْنِ
وَفِي الْعِمَادِيّ قَالَ سُئِلَ جدي رَحمَه الله تَعَالَى عَن الْمَوَاشِي الْمُشْتَركَة بَين اثْنَيْنِ وَغَابَ أحد الشَّرِيكَيْنِ فَدفع الشَّرِيك الْحَاضِر نصِيبه وَنصِيب الآخر إِلَى الرَّاعِي فَهَلَكت هَل يضمن نصيب صَاحبه أجَاب بِأَنَّهُ يضمن لِأَنَّهُ مُودع يُمكنهُ أَن يحفظها بيد أجيره فَلَا يصير مودعا غَيره
رجلَانِ بَينهمَا دَار غَابَ أَحدهمَا فللحاضر أَن يسكن الدَّار كلهَا وَكَذَا الْخَادِم بِخِلَاف الدَّابَّة
وَفِي الذَّخِيرَة بَيت أَو حَانُوت بَين شَرِيكَيْنِ سكنه أَحدهمَا لَا تجب عَلَيْهِ الْأُجْرَة وَإِن كَانَ معدا للِاسْتِغْلَال لِأَنَّهُ سكن بِتَأْوِيل الْملك
وَفِي الْقنية رجل لَهُ سفينة فاشترك مَعَ أَرْبَعَة على أَن يعملوا فِي سفينته وآلاتها وَالْخمس لصَاحب السَّفِينَة وَالْبَاقِي بَينهم بِالسَّوِيَّةِ فَهِيَ فَاسِدَة وَالْحَاصِل لصَاحب السَّفِينَة وَعَلِيهِ أجر مثلهم لَهُم
وَعَن عين الْأَئِمَّة الْكَرَابِيسِي رجل أقْرض لصَاحبه مائَة دِرْهَم وَدفعهَا إِلَيْهِ ثمَّ أخرج مائَة أُخْرَى وخلط الْمِائَتَيْنِ وَقَالَ للمستقرض خذهما واتجر بهما على الشّركَة فَهَذَا مختل لِأَنَّهُمَا لم يبينا الرِّبْح فَلَيْسَ بشركة
وَفِي أَجنَاس الناطفي وَالرَّوْضَة قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن رَحمَه الله تَعَالَى إِذا كَانَ دود القز من وَاحِد وورق التوت مِنْهُ أَيْضا وَالْعَمَل من آخر على أَن القز بَينهمَا نِصْفَيْنِ أَو اقل أَو أَكثر لم يجز وَكَذَا لَو كَانَ الْعَمَل مِنْهُمَا وَإِنَّمَا يجوز أَن لَو كَانَ الْبيض مِنْهُمَا وَالْعَمَل عَلَيْهِمَا وَإِن لم يعْمل صَاحب الأوراق لَا يضرّهُ
الجزء 1 · صفحة 285
زرع أَرضًا مُشْتَركَة بَينه وَبَين غَيره هَل للشَّرِيك أَن يُطَالِبهُ بِالربعِ أَو بِالثُّلثِ بِحِصَّة نَفسه من الأَرْض كَمَا هُوَ عرف ذَلِك الْموضع أُجِيب بِأَنَّهُ لَا يملك ذَلِك وَلَكِن يغرمه نُقْصَان نصِيبه من الأَرْض إِن دخل فِيهَا النُّقْصَان
الْمكيل أَو الْمَوْزُون إِذا كَانَ بَين حَاضر وغائب أَو بَين صبي وَبَالغ فَأخذ الْحَاضِر أَو الْبَالِغ نصِيبه فَإِنَّمَا تنفذ قسمته من غير خصم إِذا سلم نصيب الْغَائِب وَالصَّبِيّ حَتَّى لَو هلك مَا بَقِي قبل أَن يصل إِلَى الْغَائِب أَو إِلَى الصَّبِي كَانَ الْهَلَاك عَلَيْهِمَا
ضَمَان الْمَأْمُور والدلال وَمَا يتَّصل بذلك رجل دفع إِلَى آخر غُلَاما مُقَيّدا بالسلسلة وَقَالَ اذْهَبْ بِهِ إِلَى بَيْتك مَعَ هَذِه السلسلة فهذب بِهِ بِدُونِ السلسلة فأبق العَبْد لَا يضمن لِأَنَّهُ أمره بشيئين وَقد أَتَى بِأَحَدِهِمَا وَلَو بعث انسانا إِلَى مَاشِيَة غَيره فَأخذ الْمَبْعُوث دَابَّة الْبَاعِث وركبها فَهَلَكت إِن كَانَ بَين الْآمِر والمبعوث انبساط فِي مثل ذَلِك فَلَا ضَمَان وَإِلَّا فَهُوَ ضَامِن
رجل أعْطى رجلا قوسا فمده فانكسر إِن أمره بِالْمدِّ لَا يضمن لِأَنَّهُ فعله بأَمْره وَإِن لم يَأْمُرهُ بذلك ضمن لِأَنَّهُ فعله بِغَيْر أمره
وَفِي واقعات الناطفي رجل قَالَ لآخر بِعْت مِنْك دمي بفلس أَو بِأَلف فَقبله الآخر وَقَتله فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ الْقصاص وَلَو قَالَ اقتلني فَقتله لَا قصاص عَلَيْهِ وَتجب الدِّيَة فِي مَاله لِأَنَّهُ إِطْلَاق فَأفَاد شُبْهَة
وروى عَن الْحسن عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى أَنه لَا شَيْء عَلَيْهِ
وَقَالَ ركن الاسلام أَبُو الْفضل الْكرْمَانِي رَحمَه الله تَعَالَى لَا تجب الدِّيَة فِي اصح الرِّوَايَتَيْنِ عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى بِخِلَاف مَا لَو قَالَ اقْطَعْ يَدي أَو رجْلي أَو اقْتُل عَبدِي فَفعل لَا شَيْء عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاع لِأَن الْأَطْرَاف لَا يسْلك بهَا مَسْلَك الْأَمْوَال فصح الْأَمر
قَالَ الْعِمَادِيّ وَقد وَقعت ببخارى وَاقعَة وَهِي رجل قَالَ لآخر إرم السهْم الي حَتَّى آخذه فَرمى إِلَيْهِ بأَمْره فَأصَاب عينه فَذَهَبت قَالَ الامام فَخر الدّين قاضيخان رَحمَه الله تَعَالَى لَا يضمن وَهَكَذَا أفتى بعض الْمَشَايِخ وقاسوا ذَلِك على مَسْأَلَة الْقطع بِأَن قَالَ اقْطَعْ يَدي أَو رجْلي وَقد مرت
وَفِي التَّجْرِيد رجل دفع إِلَى دلال ثوبا ليَبِيعهُ فَدفعهُ الدَّلال إِلَى رجل على سوم الشِّرَاء بِإِذن الدَّافِع ثمَّ نَسيَه لَا يضمن لِأَنَّهُ إِذا أذن صَاحب الثَّوْب بِالدفع للسوم لم يكن الدّفع تَعَديا
وَفِي فَتَاوَى النَّسَفِيّ رجل دفع ثوبا إِلَى دلال ليَبِيعهُ فعرضه الدَّلال على صَاحب دكان وَتَركه عِنْده فهرب صَاحب الدّكان وَذهب بِهِ لَا ضَمَان على الدَّلال وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن هَذَا أَمر لَا بُد مِنْهُ فِي البيع
وَفِي فَتَاوَى قاضيخان الدَّلال إِذا دفع الثَّوْب إِلَى من استلمه لينْظر فِيهِ ثمَّ يَشْتَرِيهِ فَأَخذه الرجل وَذهب وَلم يظفر بِهِ الدَّلال قَالُوا لَا يضمن الدَّلال لِأَنَّهُ مَأْذُون فِي هَذَا الدّفع ثمَّ قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى وَعِنْدِي أَنه إِنَّمَا لم يضمن إِذا دفع الثَّوْب إِلَيْهِ وَلم يُفَارِقهُ أما إِذا فَارقه ضمن كَمَا لَو أودعهُ الدَّلال عِنْد صَاحب الدّكان فهرب بالمتاع يضمن الدَّلال وَلَيْسَ للْمُودع أَن يودع
وَفِي فَتَاوَى ظهير الدّين الْوَكِيل بِالْبيعِ إِذا دفع الْمَبِيع إِلَى رجل ليعرضه على من أحب فهرب ذَلِك
الجزء 1 · صفحة 286
الرجل بِالْمَبِيعِ أَو هلك فِي يَده أجَاب نجم الدّين رَحمَه الله تَعَالَى أَنه لَا يضمن الْوَكِيل وَالصَّحِيح أَنه يضمن وَقَالَ بعض الْمَشَايِخ إِن كَانَ الَّذِي دفع إِلَيْهِ ثِقَة أَمينا لَا يضمن
الْوَكِيل بِالْبيعِ إِذا قَالَ بِعته من رجل لَا أعرفهُ وسلمته وَلم أقدر عَلَيْهِ أفتى ظهير الدّين رَحمَه الله تَعَالَى أَنه يضمن الْوَكِيل
قَالَ وَمَسْأَلَة القمقمة بِخِلَاف هَذَا الْجَواب وَهِي إِذا دفع قمقمة إِلَى آخر وَقَالَ لَهُ ادفعها إِلَى من يصلحها وَلَا يعلم إِلَى من دفع إِلَيْهِ لَا ضَمَان عَلَيْهِ كَمَا لَو وضع الْوَدِيعَة فِي دَاره ونسيها وَقد هَلَكت لَا ضَمَان عَلَيْهِ
وَفِي الْعدة رجل غَابَ وَأمره تِلْمِيذه أَن يَبِيع السّلْعَة وَيسلم ثمنهَا إِلَى فلَان فَبَاعَ التلميذ السّلْعَة وَأمْسك الثّمن حَتَّى هلك لَا يضمن لِأَن الْوَكِيل لَا يلْزمه إتْمَام مَا تبرع بِهِ
نوع فِي بَيَان مَا يصدق فِيهِ الْمُودع وَمَا لَا يصدق إِذا ادّعى الْمُودع أَنه دفع الْوَدِيعَة إِلَى أَجْنَبِي للضَّرُورَة كوقوع الْحَرِيق وَنَحْوه لَا يصدق الا بِبَيِّنَة عِنْد ابي حنيفَة وابي يُوسُف رحمهمَا الله تَعَالَى وَذكر فِي الْعدة إِن علم أَنه وَقع الْحَرِيق فِي بَيته قبل وَإِلَّا فَلَا
وَذكر القَاضِي ابو الْيُسْر رَحمَه الله تَعَالَى إِذا قَالَ الْمُودع أودعتها عِنْد أَجْنَبِي ثمَّ ردهَا عَليّ فَهَلَكت عِنْدِي وَالْمُودع يكذبهُ فِي ذَلِك فَالْقَوْل قَول الْمُودع وَيضمن الْمُودع لِأَنَّهُ أقرّ بِوُجُوب الضَّمَان عَلَيْهِ ثمَّ ادّعى الْإِبْرَاء فَلَا يصدق الا بِبَيِّنَة يقيمها على مَا ادّعى وَحِينَئِذٍ لَا يضمن لِأَنَّهُ اثْبتْ بِالْبَيِّنَةِ ارْتِفَاع سَبَب وجوب الضَّمَان وَكَذَلِكَ لَو قَالَ بعثتها اليك على يَد أَجْنَبِي وَالْمُودع يُنكر ذَلِك فَالْقَوْل قَول الْمُودع وَكَذَلِكَ إِذا دَفعهَا إِلَى رَسُول الْمُودع فَأنْكر الْمُودع الرسَالَة ضمن الْمُودع وَالْقَوْل قَول الْمُودع وَلم يرجع الْمُودع على الرَّسُول إِن صدقه أَنه رَسُول الْمُودع وَلم يضمن لَهُ ضَمَان الدَّرك إِلَّا أَن يكون الْمَدْفُوع قَائِما فَيرجع وَلَو قَالَ رَددتهَا اليك على يَدي أَو على يَد من فِي عيالي وَكذبه الْمُودع فَالْقَوْل قَول الْمُودع مَعَ يَمِينه لِأَن حَاصله الِاخْتِلَاف فِي وجوب الضَّمَان وَهُوَ يُنكر فَيكون القَوْل قَوْله وَلَو أقرّ الْمُودع أَنه استعملها ثمَّ ردهَا إِلَى مَكَانهَا فَهَلَكت لَا يصدق فِي الرَّد الا بِبَيِّنَة لِأَنَّهُ أقرّ بِوُجُوب الضَّمَان ثمَّ ادّعى الْبَرَاءَة فَلَا يصدق الا بِبَيِّنَة فَالْحَاصِل أَن الْمُودع إِذا خَالف فِي الْوَدِيعَة ثمَّ عَاد إِلَى الْوِفَاق إِنَّمَا يبرأ عَن الضَّمَان إِذا صدقه الْمَالِك فِي الْعود وَإِن كذبه لَا يبرأ إِلَّا أَن يُقيم الْبَيِّنَة على الْعود إِلَى الْوِفَاق
وَفِي الْمُنْتَقى إِذا قَالَ الْمُودع ضَاعَت الْوَدِيعَة مُنْذُ عشرَة أَيَّام واقام الْمُودع بَيِّنَة أَنَّهَا كَانَت عِنْده مُنْذُ يَوْمَيْنِ فَقَالَ الْمُودع وَجدتهَا فَضَاعَت يقبل هَذَا مِنْهُ وَلَا يضمن وَلَو قَالَ أَولا لَيست عِنْدِي ثمَّ قَالَ وَجدتهَا فَضَاعَت يضمن
الْعقار هَل يضمن بالجحود أَو لَا وَذكر شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ إِذا جحد الْوَدِيعَة فِي الْعقار لَا يضمن عِنْد ابي حنيفَة وابي يُوسُف رحمهمَا الله تَعَالَى وَمن الْمَشَايِخ من قَالَ الْعقار يضمن بالجحود بِلَا خلاف وَقَالَ شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي فِي ضَمَان الْعقار بالجحود عِنْد ابي حنيفَة رَحمَه الله رِوَايَتَانِ
نوع فِي ضَمَان الْمُسْتَعِير ذكر فِي الذَّخِيرَة رجل اسْتعَار دَابَّة أَو اسْتَأْجرهَا ليشيع جَنَازَة فركبها
الجزء 1 · صفحة 287
ثمَّ نزل وَدفعهَا إِلَى إِنْسَان ليُصَلِّي صَلَاة الْجِنَازَة فسرقت لَا ضَمَان على الْمُسْتَعِير وَلَا على الْمُسْتَأْجر فَصَارَ الْحِفْظ فِي هَذَا الْوَقْت مُسْتَثْنى
وَفِي فَتَاوَى ظهير الدّين لَو كَانَ يُصَلِّي فِي الصَّحرَاء وَنزل عَن الدَّابَّة وأمسكها فانفلتت مِنْهُ لَا ضَمَان عَلَيْهِ قلت وَهَذِه الْمَسْأَلَة دَلِيل على أَن الْمُعْتَبر أَن لَا يغيبها عَن بَصَره
وَذكر فِي فَتَاوَى الفضلى عَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى فِيمَا اسْتعَار دَابَّة فَحَضَرت الصَّلَاة فَدَفعهَا إِلَى غَيره ليمسكها فَضَاعَت قَالَ إِن كَانَ شَرط فِي الْعَارِية ركُوب نَفسه فَهُوَ ضَامِن وَإِلَّا فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ وَلَو سلم الدَّابَّة إِلَى رجل ليسلمها إِلَى مَالِكهَا فَضَاعَت ضمن وَقَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث رَحمَه الله تَعَالَى هَذَا إِذا كَانَ شَرط أَن يحمل أَو يركب بِنَفسِهِ أما إِذا أطلق وَلم يبين فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَن الْعَارِية تودع
وَفِي الْعدة لَو اسْتعَار فرسا حَامِلا ليرْكبَهَا إِلَى مَوضِع كَذَا فركبها وَأَرْدَفَ مَعَه آخر فَأسْقطت جَنِينا فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ فِي الْجَنِين وَلَكِن إِذا نقصت الْأُم بِسَبَب ذَلِك فَعَلَيهِ نصف النُّقْصَان لِأَن النُّقْصَان حصل بركوبه وركوب غَيره وركوبه مَأْذُون فِيهِ فَلم يَصح سَببا للضَّمَان وركوب غَيره لَيْسَ بمأذون فِيهِ فأوجبنا عَلَيْهِ نصف الضَّمَان لهَذَا وَهَذَا إِذا كَانَ الْفرس بِحَال يُمكن أَن يركبه اثْنَان فَأَما إِذا كَانَ لَا يُمكن فَهُوَ اتلاف فَيضمن الْمُسْتَعِير جَمِيع النُّقْصَان وَلَو اسْتعَار دَابَّة وَفِي بَطنهَا ولد فزلقت من غير صنعه وأسقطت الْوَلَد لَا يضمن الْمُسْتَعِير وَلَو نخعها باللجام أَو فَقَأَ عينهَا يضمن
وَفِي خُلَاصَة الْمُفْتِي رجل اسْتعَار دَابَّة فَقَالَ مَالِكهَا أعطكيها غَدا ثمَّ جَاءَ الْمُسْتَعِير فِي الْغَد وَأَخذهَا بِغَيْر اذن مَالِكهَا واستعملها وردهَا فَمَاتَتْ لَا يضمن
وَفِي الذَّخِيرَة الْمُسْتَعِير إِذا قضى حَاجته من الدَّابَّة ثمَّ ردهَا على يَد بعض من فِي عِيَاله فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ إِن عطبت هَذَا هُوَ الْعرف فِيمَا بَين النَّاس بِخِلَاف الْوَدِيعَة وَلَو ردهَا على يَد بعض عبد صَاحب الدَّابَّة وَهُوَ عبد يقوم عَلَيْهَا لَا يضمن وَكَذَلِكَ إِذا ردهَا على يَد عبد لَا تقوم عَلَيْهَا يبرأ أَيْضا فِي الصَّحِيح وَكَذَلِكَ لَو لم يجد صَاحب الدَّابَّة وَلَا خادمه فربطها على معلفها فِي دَار صَاحبهَا لَا يضمن
وَفِي الْوَدِيعَة إِذا ردهَا على يَد عبد صَاحب الْوَدِيعَة وضاعت من يَده يضمن الْمُودع سَوَاء كَانَ العَبْد مِمَّن يقوم عَلَيْهَا أَو لَا يقوم وَهُوَ الصَّحِيح
وَفِي الْعدة إِذا كَانَت الْعَارِية عقد جَوْهَر أَو شَيْئا نفيسا فَدفع ذَلِك إِلَى عبد الْمُعير أَو إِلَى أجيره يضمن وَالْمُسْتَأْجر فِي رد الْمُسْتَأْجر كالمستعير وَالْمُرْتَهن بِمَنْزِلَة الْمُودع
وَفِي فَتَاوَى ظهير الدّين امْرَأَة استعارت ملاءة ووضعتها دَاخل الْبَيْت وَالْبَاب مَفْتُوح فَصَعدت السَّطْح فَهَلَكت الملاءة قيل تضمن وَقيل لَا تضمن وَلَو استعارت سَرَاوِيل لتلبسه فلبسته وَهِي تمشي فزلقت رجلهَا فتخرق السَّرَاوِيل لَا ضَمَان عَلَيْهَا لِأَنَّهُ لَا صنع لَهَا فِيهِ
وَفِي فَتَاوَى الديناري إِذا نقصت الْعين المستعارة فِي حَالَة الِاسْتِعْمَال لَا يجب الضَّمَان بِسَبَب النُّقْصَان إِذا استعملها اسْتِعْمَالا معهودا
رجل دخل منزل انسان باذنه وَأخذ إِنَاء لينْظر إِلَيْهِ فَوَقع وانكسر لَا يضمن وَإِن أَخذه بِغَيْر اذنه بِخِلَاف مَا إِذا دخل فِي السُّوق الَّذِي يُبَاع فِيهِ الْإِنَاء فَأخذ إِنَاء بِغَيْر اذن مَالِكه فَسقط وانكسر يضمن
الجزء 1 · صفحة 288
رجل ساوم قدحا ليشتريه من صَاحبه فَقَالَ أَرِنِي قدحك هَذَا فَدفعهُ إِلَيْهِ لينْظر فِيهِ فَوَقع مِنْهُ على الأقداح فانكسر الْقدح وأقداح أخر لَا ضَمَان عَلَيْهِ فِي الْقدح الَّذِي ساومه وَيضمن الأقداح
وَفِي النَّوَازِل لَو اسْتعْمل قصاع الْحمام فَسَقَطت قَصْعَة من يَده وانكسرت أَو أَخذ كوز فقاع ليشْرب فَسقط أَو أَخذ قدحا فَوَقع من يَده لَا يضمن لِأَنَّهُ عَارِية
وَفِي تَجْرِيد أبي الْفضل رَحمَه الله تَعَالَى إِذا اخْتلف الْمُعير وَالْمُسْتَعِير فِي الْأَيَّام أَو فِي الْمَكَان أَو فِيمَا يحمل على الدَّابَّة الْعَارِية فَالْقَوْل قَول رب الدَّابَّة مَعَ يَمِينه
ضَمَان الْمُرْتَهن الْمُرْتَهن إِذا ركب الدَّابَّة الْمَرْهُونَة ليردها على الْمَالِك فَهَلَكت فِي الطَّرِيق لَا يضمن إِن سلمت من ركُوبه وَلَكِن لَا يصدق الا بِبَيِّنَة على سلامتها وَلَو رهن عبدا فأبق سقط الرَّهْن فَإِن وجده صَار رهنا وَيسْقط من الدّين بِحِسَاب ذَلِك إِن كَانَ أول إباق وَإِن كَانَ أبق قبل ذَلِك فَلَا ينقص من الدّين شَيْء وَسَيَأْتِي تَمَامه فِي فصل الرَّهْن إِن شَاءَ الله تَعَالَى
ضَمَان الْمُسْتَأْجر ذكر فِي شرح الطَّحَاوِيّ أَن فِي كل مَوضِع فِي الْإِعَارَة يضمن فِي الاجارة وَلَا يجب الْأجر وَفِي كل مَوضِع لَا يضمن فِي الاعارة لَا يضمن فِي الاجارة وَيجب الْأجر انْتهى
وَفِي الْعدة الْحمار الْمُسْتَأْجر إِذا عمي أَو عجز عَن الْمَشْي فَبَاعَهُ الْمُسْتَأْجر وَأخذ ثمنه وَهلك فِي الطَّرِيق إِن كَانَ فِي مَوضِع لَا يصل إِلَى الْحَاكِم حَتَّى يَأْمُرهُ بِبيعِهِ لَا ضَمَان عَلَيْهِ فِي الْحمار وَلَا فِي ثمنه وَإِن كَانَ فِي مَوضِع يقدر على ذَلِك أَو يَسْتَطِيع إِمْسَاكه أَو رده أعمى فَهُوَ ضَامِن لقيمته
رجل اسْتَأْجر حمارا فَحمل عَلَيْهِ وَله حمَار آخر حمل عَلَيْهِ أَيْضا فَلَمَّا سارا بعض الطَّرِيق سقط حِمَاره واشتغل بِهِ فَذهب الْحمار الْمُسْتَأْجر وَهلك هَل يضمن قيل إِن كَانَ بِحَالَة لَو اتبع الْحمار الْمُسْتَأْجر يهْلك حِمَاره أَو مَتَاعه لَا يضمن وَإِلَّا فَيضمن
وَفِي الذَّخِيرَة إِذا كَانَ الْمُسْتَأْجر اسْتَأْجر حِمَارَيْنِ فاشتغل بِحمْل أَحدهمَا فَضَاعَ الآخر إِن غَابَ عَن بَصَره فَهُوَ ضَامِن قلت فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يضمن فِي الْمَسْأَلَة الَّتِي مرت إِن غَابَ الْحمار عَن بَصَره ثمَّ هلك
رجل اسْتَأْجر حمارا ليذْهب بِهِ إِلَى مَوضِع مَعْلُوم فَأخْبر أَن فِي الطَّرِيق لصوصا فَلم يلْتَفت إِلَى ذَلِك فَأَخذه اللُّصُوص وذهبوا بالحمار إِن كَانَ النَّاس يسلكون ذَلِك الطَّرِيق مَعَ هَذَا الْخَبَر بدوابهم وَأَمْوَالهمْ فَلَا ضَمَان وَإِلَّا فَهُوَ ضَامِن
وَفِي فَتَاوَى قاضيخان اسْتَأْجر دَابَّة أَو عبدا فَإِن مُؤنَة الرَّد بعد الْفَرَاغ على صَاحب العَبْد وَالدَّابَّة وَكَذَا مُؤنَة رد الْمَرْهُون تكون على الرَّاهِن وَمؤنَة رد الْوَدِيعَة تكون على صَاحبهَا وَمؤنَة رد الْمُسْتَعَار تكون على الْمُسْتَعِير وَمؤنَة رد الْمَغْصُوب تكون على الْغَاصِب وَكَذَا مُؤنَة رد الْمَبِيع بيعا فَاسِدا بعد الْفَسْخ على الْقَابِض
اسْتَأْجر مكاريا أَو حمالا يحمل لَهُ طَعَاما فِي طَرِيق كَذَا فَأخذ طَرِيقا آخر يسلكه النَّاس فَهَلَك الْمَتَاع لَا يضمن قَالُوا هَذَا إِذا كَانَ الطريقان متقاربين أما إِذا كَانَ بَينهمَا تفَاوت فَاحش فِي الطول وَالْقصر والسهولة والصعوبة فَيضمن
وَذكر فِي الْعدة بقار لأهل قَرْيَة وَلَهُم مرعى ملتف بالاشجار لَا يُمكنهُ النّظر إِلَى كل بقرة فَضَاعَت بقرة
الجزء 1 · صفحة 289
لَا يضمن وَلَو مرت بقرة على قنطرة فَدخلت رجلهَا فِي ثقب القنطرة فَانْكَسَرت أَو دخلت فِي مَاء عميق والبقار لَا يعلم فَلم يسقها ضمن إِذا أمكنه سوقها
وَفِي الذَّخِيرَة أهل مَوضِع جرت الْعَادة بَينهم أَن البقار إِذا دخل السَّرْح فِي السكَك أرسل كل بقرة فِي سكَّة صَاحبهَا فَفعل الرَّاعِي كَذَلِك فَضَاعَت بقرة أَو شَاة قبل أَن تصل إِلَى صَاحبهَا لَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَن الْمَعْرُوف كالمشروط
ضَمَان الحارس رجل اُسْتُؤْجِرَ لحفظ خَان فَسرق من الخان شَيْء لَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يحفظ الْأَبْوَاب فَقَط أما الْأَمْوَال فَهِيَ فِي يَد أَرْبَابهَا فِي الْبيُوت
وروى عَن أَحْمد بن مُحَمَّد القَاضِي فِي حارس يحرس الحوانيت فِي السُّوق فَنقبَ حَانُوت وسرق مِنْهُ أَنه ضَامِن لِأَنَّهُ فِي معنى الْأَجِير الْمُشْتَرك لِأَن لكل وَاحِد حانوتا على حِدة فَصَارَ بِمَنْزِلَة من يرْعَى غنما لكل انسان شَاة وَنَحْو ذَلِك وَقَالَ الْفَقِيه أَبُو جَعْفَر والفقيه أَبُو بكر رحمهمَا الله تَعَالَى الحارس أجِير خَاص فَلَا يضمن إِذا نقب الْحَانُوت لِأَن الْأَمْوَال مَحْفُوظَة فِي الْبيُوت وَفِي يَد ملاكها وَهُوَ الصَّحِيح وَعَلِيهِ الْفَتْوَى وَاخْتَارَ الْفَقِيه أَبُو جَعْفَر أَنه يضمن مَا كَانَ خَارج السُّوق وَلَا يضمن مَا كَانَ دَاخل السُّوق
وَذكر فِي التَّجْرِيد الدَّلال والنخاس أجِير مُشْتَرك حَتَّى لَو ضَاعَ شَيْء من يدهما من غير صنعهما فَلَا ضَمَان عَلَيْهِمَا عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى
ضَمَان الْحمال وَلَو اسْتَأْجر حمالا يحمل لَهُ دن خل فعثر وانكسر يضمن لِأَنَّهُ تولد من عمله وَهَذَا إِذا انْكَسَرَ فِي وسط الطَّرِيق أما إِذا سقط من رَأسه أَو زلقت رجله بعد مَا انْتهى إِلَى الْمَكَان الْمَشْرُوط ثمَّ انْكَسَرَ الدن فَلهُ الْأجر وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَنَّهُ حِين انْتهى إِلَى الْمَكَان الْمَشْرُوط لم يبْق الْحمل مَضْمُونا عَلَيْهِ
وَفِي الْمُنْتَقى وَلَو اسْتَأْجر حمالا ليحمل لَهُ زقا من سمن فَحَمله صَاحبه والحمال ليضعاه على رَأس الْحمال فَوَقع وتخرق الزق لَا يضمن الْحمال لِأَنَّهُ لم يسلم إِلَيْهِ السّمن فَإِن السّمن فِي يَد صَاحبه بعد وَلَا ضَمَان على الْحمال بِدُونِ التَّسْلِيم
وَذكر فِي النَّوَازِل ابْن سَمَّاعَة رَحمَه الله تَعَالَى وَلَو حمله ثمَّ وَضعه فِي بعض الطَّرِيق ثمَّ أَرَادَ رَفعه فاستعان بِرَبّ الزق فرفعاه ليضعاه على رَأس الْحمال فَوَقع وتخرق فالحمال ضَامِن لِأَنَّهُ صَار فِي ضَمَانه حِين حمله وَلم يبرأ مِنْهُ بعد لِأَنَّهُ لم يُسلمهُ إِلَى صَاحبه
وَفِي الذَّخِيرَة إِذا سرق الْمَتَاع من رَأس الْحمال وَرب الْمَتَاع مَعَه لَا يضمن وَإِن لم يكن صَاحبه مَعَه لَا يضمن أَيْضا عِنْد ابي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى خلافًا لَهما وَإِذا انْقَطع حَبل الْحمال وَسقط الْحمل ضمن الْحمال بالِاتِّفَاقِ
ضَمَان المكاري ذكر فِي الذَّخِيرَة لَو عثرت الدَّابَّة الْمُسْتَأْجرَة من سوق المكاري فَسقط الْحمل وَفَسَد الْمَتَاع وَصَاحب الْمَتَاع رَاكب على الدَّابَّة لَا يضمن الْأَجِير بِخِلَاف مَا إِذا عثرت الدَّابَّة الْمُسْتَأْجرَة وَسقط الْمَتَاع وَهلك وَصَاحب الْمَتَاع يسير مَعَه خلف الدَّابَّة فَإِن الْأَجِير يضمن لِأَن الْهَلَاك حصل من جِنَايَة يَده وَمحل الْعَمَل مُسلم إِلَيْهِ
وَفِي فَتَاوَى أبي اللَّيْث رَحمَه الله تَعَالَى مكار حمل كرابيس إِنْسَان فَاسْتَقْبلهُ اللُّصُوص فَطرح الكرابيس
الجزء 1 · صفحة 290
وَذهب بالحمار قَالَ إِن كَانَ يعلم أَنه لَو لم يطْرَح الكرابيس اخذوا الكرابيس وَالْحمار جَمِيعًا فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يتْرك الْحِفْظ مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ
ضَمَان النساج وَفِي فَتَاوَى الفضلى رَحمَه الله تَعَالَى إِذا دفع إِلَى نساج غزلا لينسجه كرباسا فَدفعهُ النساج إِلَى آخر لينسجه كرباسا فَدفعهُ النساج إِلَى آخر لينسجه فَسرق من بَيت الآخر إِن كَانَ أجِير الأول فَلَا ضَمَان على وَاحِد مِنْهُمَا وَإِن لم يكن أجِير الأول وَكَانَ أَجْنَبِيّا ضمن بِلَا خلاف وَلَا يضمن الآخر عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَعِنْدَهُمَا رحمهمَا الله تَعَالَى يضمن وَهُوَ نَظِير الْمُودع إِذا دفع الْوَدِيعَة إِلَى أَجْنَبِي بِغَيْر اذن مَالِكهَا فعندهما صَاحب الْوَدِيعَة يضمن أَيهمَا شَاءَ وَعند أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى يضمن الأول وَلَيْسَ لَهُ أَن يضمن الثَّانِي
قَالَ صَاحب الذَّخِيرَة وعَلى قِيَاس مَا ذكره الْقَدُورِيّ أَن كل صانع اشْترط عَلَيْهِ الْعَمَل بِنَفسِهِ لَيْسَ لَهُ أَن يسْتَعْمل غَيره وَإِنَّمَا لَا يضمن إِذا كَانَ الآخر أجِير الأول فِيمَا إِذا كَانَ أطلق لَهُ الْعَمَل أما إِذا شَرط عَلَيْهِ النسج بِنَفسِهِ يضمن بِالدفع إِلَى الآخر وَإِن كَانَ أجيره
إِذا قَالَ صَاحب الثَّوْب للنساج اذْهَبْ بِالثَّوْبِ إِلَى مَنْزِلك حَتَّى إِذا رَجعْنَا من الْجُمُعَة سرت إِلَى منزلي فأوفى لَك أجرك فاختلس الثَّوْب من يَد الحائك فِي التَّوَجُّه قَالَ الْفَقِيه أَبُو بكر الْبَلْخِي رَحمَه الله تَعَالَى إِن كَانَ الحائك دفع الثَّوْب إِلَى صَاحبه أَو مكنه من الْأَخْذ ثمَّ دَفعه صَاحبه إِلَى الحائك ليوفي لَهُ الْأجر يكون الثَّوْب رهنا فَإِذا هلك هلك بِالْأَجْرِ وَإِن كَانَ صَاحب الثَّوْب دفع الثَّوْب إِلَيْهِ على وَجه الْوَدِيعَة لَا يضمن الحائك وَتَكون أجرته على صَاحب الثَّوْب وَلَو صنعه الحائك بِالْأَجْرِ قبل الدّفع اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ فَإِن اصطلحا على شَيْء كَانَ حسنا كَذَا فِي فَتَاوَى قاضيخان رَحمَه الله تَعَالَى
وَفِي الْعِمَادِيّ للحائك والقصار والصباغ وَلكُل صانع لعمله أثر فِي الْعين احتباس مَا استؤجروا على الْعَمَل فِيهِ حَتَّى يَأْخُذُوا الْأُجْرَة وَلَو هلك فِي يَده بعد الْحَبْس لَا يضمن عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَلَا أجر لَهُ بِهَلَاك الْمَعْقُود عَلَيْهِ قبل التَّسْلِيم
حائك عمل بِالْأَجْرِ فَتعلق الْآجر بِهِ ليأخذه وابى الحائك أَن يدْفع حَتَّى يَأْخُذ الْأُجْرَة فتخرق من مد صَاحبه لَا ضَمَان على الحائك وَإِن تخرق من مدهما فعلى الحائك نصف الضَّمَان
إِذا خَالف الحائك فِي النسج بِأَن أمره أَن ينسج لَهُ ثوبا سبعا فِي أَربع أَو سِتا فِي أَربع أَو أمره أَن ينسجه رَقِيقا فنسجه ثخينا أَو على الْعَكْس فَفِي الْفُصُول كلهَا صَاحب الْغَزل بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ ترك الثَّوْب على النساج وَضَمنَهُ غزلا مثل غزله وَإِن شَاءَ أَخذ الثَّوْب وَأَعْطَاهُ الاجر الْمُسَمّى لَا يُزَاد فِي الزِّيَادَة وَلَا ينقص فِي النُّقْصَان لِأَنَّهُ مُتَبَرّع فِي الزِّيَادَة وَفِي النُّقْصَان نُقْصَان الْعَمَل
وَذكر صَاحب الذَّخِيرَة هَذِه الْمَسْأَلَة هَكَذَا ثمَّ قَالَ اخْتلف الْمَشَايِخ هَل يُعْطِيهِ الْمُسَمّى أَو أجر الْمثل قَالَ بَعضهم يُعْطِيهِ أجر الْمثل على كل حَال لَا يُجَاوز بِهِ مَا سمى وَقَالَ بَعضهم يُعْطِيهِ مَا سمى إِذا أَخذ الثَّوْب ورضى بِالْعَيْبِ وَإِن أَخذ الثَّوْب وَلم يرض بِالْعَيْبِ يُعْطِيهِ أجر الْمثل على كل حَال لَا يُجَاوز بِهِ الْمُسَمّى
ضَمَان الْخياط رجل قَالَ للخياط انْظُر إِلَى هَذَا الثَّوْب فَإِن كفاني قَمِيصًا فاقطعه بدرهم وخطه فَقَالَ الْخياط نعم وقطعه ثمَّ قَالَ بعد مَا قطعه إِنَّه لَا يَكْفِيك ضمن الْخياط قيمَة الثَّوْب لِأَنَّهُ إِنَّمَا أذن لَهُ بِالْقطعِ بِشَرْط الْكِفَايَة وَلَو قَالَ للخياط انْظُر أيكفيني قَمِيصًا فَقَالَ الْخياط نعم يَكْفِيك فَقَالَ صَاحب
الجزء 1 · صفحة 291
الثَّوْب اقطعه فَقَطعه فَإِذا هُوَ لَا يَكْفِيهِ لَا يضمن الْخياط شَيْئا لِأَنَّهُ أذن بِالْقطعِ مُطلقًا وَإِن قَالَ الْخياط نعم فَقَالَ صَاحب الثَّوْب فاقطعه وَقَالَ اقطعه إِذن فَقَطعه كَانَ ضَامِنا إِذا كَانَ لَا يَكْفِيهِ لِأَنَّهُ علق ذَلِك الاذن بِالشّرطِ
وَفِي الذَّخِيرَة رجل دفع إِلَى خياط كرباسا ليخيط لَهُ قَمِيصًا فخاطه لَهُ قَمِيصًا فَاسِدا وَعلم صَاحب الثَّوْب بِالْفَسَادِ ولبسه لَيْسَ لَهُ أَن يضمنهُ لِأَن اللّبْس يكون رضَا بالإفساد قَالَ وَيعلم من هَذِه الْمَسْأَلَة كثير من الْمسَائِل
وَفِي الْمُنْتَقى إِذا دفع إِلَى خياط ثوبا وَقَالَ اقطعه حَتَّى يُصِيب الْقدَم أَو اجْعَل كمه خَمْسَة أشبار وَعرضه كَذَا فجَاء بِهِ نَاقِصا قَالَ إِذا كَانَ قدر أصْبع وَنَحْوه فَلَيْسَ بِشَيْء وَإِن كَانَ أَكثر مِنْهُ فَلهُ أَن يضمنهُ
ضَمَان الْقصار الْقصار إِذا لبس ثوب القصارة ثمَّ نَزعه فَضَاعَ بعده لَا يضمن وَفِي الْعُيُون وَلَو دفع إِلَى قصار ثوبا ليقصره لَهُ بدانق فَجعل الْقصار بدقه فاستعان بِرَبّ الثَّوْب على دقه فدقه فتخرق الثَّوْب قَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى إِذا لم يعلم من أَيهمَا تخرق فَالضَّمَان على الْقصار لِأَنَّهُ قي يَده وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يضمن الْقصار نصف الْقيمَة وروى ابْن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد رحمهمَا الله تَعَالَى أَنه يجب كل الضَّمَان على الْقصار حَتَّى يعلم أَنه تخرق من دق صَاحبه وعَلى قَول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى يَنْبَغِي أَن لَا يضمن الْقصار أصلا مالم يعلم أَنه تخرق من دقه بِنَاء على أَن يَد الْأَجِير الْمُشْتَرك يَد أَمَانَة عِنْده يَد ضَمَان عِنْدهمَا وَإِذا لم يتخرق الثَّوْب هَل يسْقط من الْأجر مِقْدَار مَا يَخُصُّهُ من عمل الْمَالِك ذكر فِي الْمُحِيط عَن شمس الْأَئِمَّة أَن الْأَجِير إِن اسْتَعَانَ بالمستأجر لم ينْقل فعل الْمُسْتَأْجر إِلَى الْأَجِير حَتَّى يسْتَوْجب الْأجر وَكَذَلِكَ لَو جَاءَ صَاحب الثَّوْب وخاط بعض الثَّوْب فِي يَد الْخياط أَو نسج بعض ثَوْبه فِي يَد النساج فَإِنَّهُ يسْقط من الأحر بِحِصَّتِهِ لِأَن الْإِعَانَة لَا تجْرِي فِي الاجارة بِخِلَاف الْمُضَاربَة فَإِن الْإِعَانَة تجْرِي فِيهَا
وَفِي الذَّخِيرَة لَو جفف الْقصار الثَّوْب فمرت بِهِ حمولة فتخرق لَا ضَمَان عَلَيْهِ عِنْد أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى لِأَن الْهَلَاك لم يكن من فعله وَعَمله وَعِنْدَهُمَا يضمن لِأَن هَذَا مِمَّا يُمكن الِاحْتِرَاز عَنهُ
تلميذ الْقصار أَو أجيره الْخَاص إِذا أوقد نَارا بِأَمْر الْأُسْتَاذ أَو السراج فَوَقَعت شرارة على ثوب القصارة فَلَا ضَمَان على الْأَجِير وَإِنَّمَا الضَّمَان على أستاذه وَإِن لم يكن من ثِيَاب القصارة ضمن الْأَجِير
وَعَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى إِذا أَدخل الْقصار سِرَاجًا فِي حانوته فَاحْتَرَقَ بِهِ ثوب غَيره بِغَيْر فعله ضمن لِأَن هَذَا مِمَّا يُمكن الِاحْتِرَاز عَنهُ فِي الْجُمْلَة وَإِنَّمَا لَا يضمن فِي الْحَرِيق الْغَالِب الَّذِي لَا يُمكن إطفاؤه وَهَذَا قَوْلهمَا فَأَما عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى فَلَا يضمن مَا هلك بِغَيْر صنعه
استفتيت أَئِمَّة بُخَارى عَن الْقصار إِذا شَرط عَلَيْهِ أَن يفرغ الْيَوْم من الْعَمَل فَلم يفرغ وَهلك فِي الْغَد هَل يضمن أم لَا أجابوا نعم يضمن وَلَو اخْتلفَا فِي الشَّرْط وَعَدَمه فَيَنْبَغِي أَن يكون القَوْل للقصار لِأَنَّهُ مُنكر للشّرط ثمَّ إِذا شَرط عَلَيْهِ أَن يفرغ الْيَوْم أَو نَحوه من الْعَمَل وَلم يفرغ فِيهِ وقصره بعد ايام هَل تجب الْأُجْرَة قَالَ صَاحب الْفُصُول كَانَت وَاقعَة الْفَتْوَى وَيَنْبَغِي أَن لَا تجب الْأُجْرَة لِأَنَّهُ لم يبْق عقد الاجارة بِدَلِيل وجوب الضَّمَان على تَقْدِير الْهَلَاك اه
ضَمَان الصّباغ رجل دفع إِلَى صباغ إبْريسَمًا ليصبغه بِكَذَا ثمَّ قَالَ للصباغ لَا تصبغ إبريسمي ورده
الجزء 1 · صفحة 292
عَليّ كَذَلِك فَلم يَدْفَعهُ ثمَّ هلك لم يضمن الصّباغ لِأَن الْإِجَارَة صحت الْمُسْتَأْجر لَا يتَمَكَّن من فسخ الاجارة بِغَيْر رضَا صَاحبه إِلَّا بِعُذْر فَيبقى حكم العقد بعد نهي الْمُسْتَأْجر وَمن حكم هَذَا العقد أَن تكون الْعين أَمَانَة فِي يَد الْأَجِير فَلَا يضمنهُ بِالْهَلَاكِ فِي يَده إِلَّا بالتقصير وَلم يُوجد
وَفِي فَتَاوَى قاضيخان أَمر رجلا ليصبغ ثَوْبه بالزعفران أَو بالبقم فصبغه بصبغ من جنس آخر كَانَ لرب الثَّوْب أَن يضمنهُ قيمَة ثَوْبه أَبيض وَيتْرك الثَّوْب عَلَيْهِ وَإِن شَاءَ أَخذ الثَّوْب وَأَعْطَاهُ مثل أجر عمله لَا يُجَاوز بِهِ مَا سمى وَإِذا اخْتلف الصّباغ وَرب الثَّوْب فَقَالَ رب الثَّوْب أَمرتك أَن تصبغه بعصفر وَقَالَ الصّباغ أَمرتنِي أَن أصبغه بزعفران فَالْقَوْل لرب الثَّوْب مَعَ يَمِينه اه
ضَمَان الغلاف والوراق فِي الذَّخِيرَة رجل دفع إِلَى رجل مُصحفا ليعْمَل فِيهِ وَدفع الغلاف مَعَه أَو دفع سَيْفا إِلَى صيقلي ليصقله وَدفع الغمد إِلَيْهِ أَيْضا فَسرق لَا يضمن الغلاف لِأَنَّهُ فِي الغلاف مُودع لَا أجِير وَالْمُودع لَا يضمن إِلَّا مَا جنت يَده وَفِي شرح الْقَدُورِيّ عَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى أَنه قَالَ يضمن الْمُصحف والغلاف وَالسيف والغمد لِأَن السَّيْف لَا يَسْتَغْنِي عَن الغمد والمصحف عَن الغلاف فصارا كشيء وَاحِد وَإِن أعطَاهُ الْمُصحف ليعْمَل لَهُ غلافا أَو سكينا ليعْمَل لَهَا نِصَابا فَضَاعَ الْمُصحف أَو السكين لم يضمن لِأَنَّهُ اسْتَأْجرهُ على ايقاع الْعَمَل فِي غَيرهمَا لَا فيهمَا وهما ليسَا يتبع فِي ذَلِك الْعين قَالَ الْعِمَادِيّ صَاحب الْفُصُول وَفِي فَوَائِد جدي رَحمَه الله تَعَالَى دفع مُصحفا إِلَى وراق ليجلده فسافر بِهِ وَأَخذه اللُّصُوص هَل يضمن أجَاب نعم
قَالَ عمي نظام الدّين رَحمَه الله تَعَالَى وَقد أجبْت أَنه لَا يضمن مُعْتَمدًا على ظَاهر الْفِقْه أَن الْمُودع إِذا سَافر بالوديعة لَا يضمن وَلَا يُقَال إِنَّه مُودع بِأَجْر فَيضمن لِأَنَّهُ لَيْسَ ثمَّة عقد حَتَّى يتَعَيَّن عَلَيْهِ مَكَان العقد للْحِفْظ وَفِي الْوَدِيعَة بِأَجْر إِنَّمَا يضمن لِأَنَّهُ تعين مَكَان العقد بِالْحِفْظِ وَهَاهُنَا مَا أمره بِالْحِفْظِ مَقْصُودا وَإِنَّمَا أمره بِالْحِفْظِ ضمنا فِي الِاسْتِئْجَار وَفِي الاجارة يعْتَبر مَكَان العقد فَكَذَا مَا فِي ضمنهَا
ضَمَان الفصاد فِي فَتَاوَى ظهير الدّين رَحمَه الله تَعَالَى لَيْسَ على الفصاد والبزاغ والحجام ضَمَان السَّرَايَة إِذا لم يقطعوا زِيَادَة على الْقدر الْمَعْهُود الْمَأْذُون فِيهِ فَإِن شَرط على هَؤُلَاءِ الْعَمَل السَّلِيم دون الساري لَا يَصح الشَّرْط لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وسعهم ذَلِك وَلَو شَرط على الفصاد الْعَمَل على أَن لَا يسرى يَصح لِأَنَّهُ فِي وَسعه
وَسُئِلَ صَاحب الْمُحِيط عَن رجل فصد نَائِما وَتَركه حَتَّى مَاتَ من سيلان الدَّم قَالَ يجب عَلَيْهِ الْقصاص
ضَمَان الحمامي فِي الذَّخِيرَة رجل دخل الْحمام وَقَالَ لصَاحب الْحمام احفظ الثِّيَاب فَلَمَّا خرج لم يجد ثِيَابه فَإِن قَالَ صَاحب الْحمام إِن غَيره رَفعهَا وَهُوَ يرَاهُ ويظن أَنه يرفع ثِيَاب نَفسه فَهُوَ ضَامِن لِأَنَّهُ ترك الْحِفْظ حَيْثُ لم يمْنَع القاصد وَهُوَ يرَاهُ وَإِن قَالَ إِنِّي رايت شخصا قد رفع ثِيَابك إِلَّا أَنِّي ظَنَنْت أَن الرافع أَنْت فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يصر تَارِكًا للْحِفْظ لما ظن أَن الرافع هُوَ وَإِن سرق وَهُوَ لَا يعلم بِهِ فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ إِن لم يذهب عَن ذَلِك الْموضع وَلم يضيع
رجل دخل حَماما وَقَالَ للحمامي أَيْن أَضَع ثِيَابِي فَأَشَارَ الحمامي إِلَى مَوضِع فَوضع ثمَّة وَدخل الْحمام ثمَّ خرج رجل وَرفع الثِّيَاب وَلم يمنعهُ الحمامي لما أَنه ظَنّه صَاحب الثِّيَاب ضمن الحمامي لِأَنَّهُ استحفظ وَقد قصر فِي الْحِفْظ وَهَذَا قَول أبي سَلمَة وَأبي نصر الدبوسي رحمهمَا الله تَعَالَى وَكَانَ أَبُو الْقَاسِم رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول لَا ضَمَان على الحمامي وَالْأول أصح
الجزء 1 · صفحة 293
رجل دخل بدابته خَانا وَقَالَ للخاني أَيْن أربطها فَقَالَ هُنَاكَ فربطها وَذهب فَلَمَّا رَجَعَ لم يجد دَابَّته فَقَالَ لَهُ صَاحب الخان إِن صَاحبك قد أخرج الدَّابَّة ليسقيها وَلم يكن لَهُ صَاحب ضمن الخاني لِأَن قَوْله أَيْن أربطها استحفاظ مِنْهُ لَهُ فَإِذا أَشَارَ لَهُ إِلَى مَوضِع الرَّبْط فقد أَجَابَهُ إِلَى الْحِفْظ فَصَارَ مودعا وَقد قصر فِي الْحِفْظ فَيضمن الْجُمْلَة منتخبة من الْعِمَادِيّ
الْفَصْل الْعَاشِر فِي الْوَقْف
قَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لَا يَزُول ملك الْوَاقِف عَن الْوَقْف إِلَّا أَن يحكم بِهِ الْحَاكِم أَو يعلقه بِمَوْتِهِ فَيَقُول إِذا مت فقد وقفت دَاري على كَذَا وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله يَزُول الْملك بِمُجَرَّد القَوْل وَقَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى لَا يَزُول حَتَّى يَجْعَل للْوَقْف وليا ويسلمه إِلَيْهِ كَذَا فِي الْهِدَايَة
وَفِي جَامع الْفَتَاوَى الْوَقْف عِنْد الامام رَحمَه الله تَعَالَى على ثَلَاثَة أوجه فِي وَجه لَا يلْزم وَهُوَ مَا إِذا وقف فِي صِحَّته وَذكر شَرَائِط الصِّحَّة وَفِي وَجه لَا يلْزم فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَهُوَ مَا إِذا وقف فِي مرض مَوته فَهُوَ كالوقف حَال الصِّحَّة وروى الطَّحَاوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى أَنه كالمضاف إِلَى مَا بعد مَوته وَالثَّالِث أَن يذكر شَرَائِط صِحَة الْوَقْف فِي حَيَاته ويجعله وَصِيَّة بعد مماته بِأَن يَقُول أوصيت بغلة دَاري هَذِه أَو أرضي هَذِه أَو يَقُول جعلت ملكي هَذَا وَقفا فتصدقوا بِهِ بعد وفاتي على كَذَا أَو يَقُول يُوقف ملكي هَذَا إِلَى كَذَا فَيجوز من الثُّلُث وَيلْزم وَعِنْدَهُمَا الْوَقْف جَائِز لَازم فِي صِحَّته ومرضه بِدُونِ هَذِه التكليفات
قَالَ صَاحب المنبع وَفِي التَّتِمَّة والعيون والحقائق الْفَتْوَى على قَوْلهمَا وَالنَّاس لم يَأْخُذُوا بقول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى فِي هَذَا للآثار الْمَشْهُورَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالصَّحَابَة وتعامل النَّاس وَكَانَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول أَولا بقول أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لكنه لما حج مَعَ هَارُون الرشيد وَرَأى أوقاف الصَّحَابَة بِالْمَدِينَةِ ونواحيها رَجَعَ وافتى بِلُزُوم الْوَقْف وَقَالَ بَلغنِي حَدِيث عمر وَهُوَ مَا روى ابْن عمر أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كَانَت لَهُ أَرض تدعى ثمغ فَقَالَ عمر يَا رَسُول الله إِنِّي اسْتَفَدْت مَالا وَهُوَ عِنْدِي نَفِيس أفأتصدق بِهِ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام تصدق بأصلها لَا يُبَاع وَلَا يُوهب وَلَا يُورث وَلَكِن توقف ثَمَرَته على الْمَسَاكِين قَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى فَلهَذَا رجعت فَلَو بلغ هَذَا أَبَا حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لرجع قلت ذكر البزازي فِي جَامعه أَنه لَا حجَّة لَهُم فِي ذَلِك على الامام رَحمَه الله تَعَالَى فَإِنَّهُ نفى اللُّزُوم لَا الصِّحَّة فِي الْمَذْهَب الصَّحِيح والوجود لَا يدل على اللُّزُوم وَلَئِن سلم أَنه لَا يَصح عِنْده فَعدم الصِّحَّة غير مُسْتَغْرق لأفراده بل يَصح الْمُضَاف والمحكوم بِجَوَازِهِ فَلم لَا يجوز أَن يكون الْوَقْف الْمَوْجُود من تِلْكَ الْأَفْرَاد صَحِيحا فَكيف يَصح الطعْن على سيد التَّابِعين بِأَنَّهُ لم يُشَاهد الْأَوْقَاف فِي الْحَرَمَيْنِ مَعَ أَنه حج خمْسا وَخمسين حجَّة وَلَقي فِيهَا الصَّحَابَة وَبِذَلِك حكمنَا بِأَنَّهُ من التَّابِعين الَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الدّين رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ فَأنى سَاغَ الطعْن بِعَدَمِ الْوُقُوف مَعَ ذَلِك العكوف انْتهى
وَلَو وقف فِي مرض مَوته قَالَ الطَّحَاوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى هُوَ بِمَنْزِلَة الْوَصِيَّة بعد الْمَوْت وَالصَّحِيح أَنه لَا يلْزم عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لِأَنَّهُ فِي الْمَرَض كَالْوَصِيَّةِ وَهِي لَا تجوز لوَارث دون وَارِث
الجزء 1 · صفحة 294
وَعِنْدَهُمَا يلْزم إِلَّا أَنه يعْتَبر من الثُّلُث وَالْوَقْف فِي الصِّحَّة ينفذ من جَمِيع المَال ووقف الْمَتَاع جَائِز عِنْد أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى وَقَالَ مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى لَا يجوز وَلَا يجوز وقف مَا ينْقل وَيجوز عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله تَعَالَى وَعَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى أَنه يجوز وقف مَا فِيهِ تعامل النَّاس من المنقولات كالفأس والمر والقدوم والمنشار والجنازة وثيابها والقدور والمراجل والمصاحف وَنَحْو ذَلِك وَعَن نصير بن يحيى رَحمَه الله تَعَالَى أَنه يجوز وقف الْكتب إِلْحَاقًا لَهَا بالمصحف وَهَذَا صَحِيح لِأَن كل وَاحِد يمسك للدّين تَعْلِيما وتعلما وَقِرَاءَة وَأكْثر فُقَهَاء الْأَمْصَار على قَول مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى
وَفِي البزازي وقف الْبناء بِدُونِ الأَرْض لم يجوزه هِلَال رَحمَه الله تَعَالَى وَهُوَ الصَّحِيح قَالَ وَعمل أَئِمَّة خوارزم على خِلَافه وقف الكردار بِدُونِ الأَرْض لَا يجوز كوقف الْبناء بِلَا أَرض والكردار فَارسي مُعرب وَهُوَ كالبناء وَالْأَشْجَار
وَإِذا كَانَ اصل الْقرْيَة وَقفا على جِهَة قَرْيَة فَبنى عَلَيْهَا رجل بِنَاء ووقف بناءها على جِهَة قَرْيَة أُخْرَى اخْتلفُوا فِيهِ فَأَما إِذا وقف الْبناء على جِهَة الْقرْيَة الَّتِي كَانَت الْبقْعَة وَقفا عَلَيْهَا فَيجوز بِالْإِجْمَاع وَيصير وَقفا تبعا للقرية هَذَا هُوَ الَّذِي اسْتَقر عَلَيْهِ فَتَاوَى أَئِمَّة خوارزم
غرس شَجَرَة ووقفها إِن غرسها فِي أَرض مَمْلُوكَة لَهُ يجوز وَقفهَا تبعا للْأَرْض وَإِن وَقفهَا بِدُونِ أَصْلهَا لَا يجوز وَإِن كَانَت فِي أَرض مَوْقُوفَة إِن وَقفهَا على تِلْكَ الْجِهَة جَازَ كَمَا فِي الْبناء وَإِن وَقفهَا على جِهَة أُخْرَى فعلى الْخلاف الْمَذْكُور فِي وقف الْبناء وَلَا يجوز وقف الْبناء فِي أَرض عَارِية أَو إِجَارَة اه
وَفِي الْبَدَائِع وَلَو وقف أشجارا قَائِمَة فَالْقِيَاس أَن لَا يجوز لِأَنَّهُ وقف الْمَنْقُول وَفِي الِاسْتِحْسَان يجوز لتعامل النَّاس بِهِ فِي ذَلِك وَمَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن
وَقَالَ الْعَلامَة الشَّيْخ شرف الدّين قَاسم رَحمَه الله تَعَالَى فعلى هَذَا إِذا جرى التَّعَامُل بوقف الْبناء يَنْبَغِي أَن يجوز وَلَكِن فِي أَرض نَفسه كَمَا تقدم أما على الأَرْض الْمُسْتَأْجرَة فَلَا يَصح لِأَنَّهُ لَا يملك استتباع مَا تَحت الْجدر فَيبقى العقد لِلْأَبَد واردا على التناهي فَلَا يَصح
وَفِي قنية الْمنية اسْتَأْجر أَرضًا وَقفا وغرس فِيهَا وَبنى ثمَّ مَضَت مُدَّة الاجارة فللمستأجر أَن يبقيها بِأَجْر الْمثل إِذا لم يكن فِي ذَلِك ضَرَر قيل لَهما فَلَو أَبى الْمَوْقُوف عَلَيْهِم الا الْقطع فَهَل لَهُم ذَلِك فَقَالَا لَا انْتهى
وَفِي الذَّخِيرَة ذكر الصَّدْر الشَّهِيد فِي واقعاته رجل مَاتَ وَترك ابْنَيْنِ فِي يَد أَحدهمَا ضَيْعَة يدعى أَنَّهَا وقف عَلَيْهِ من أَبِيه وَالِابْن الآخر يَقُول هِيَ وقف علينا كَانَ القَوْل قَوْله وَهِي وقف عَلَيْهِمَا هُوَ الْمُخْتَار لِأَنَّهُمَا تَصَادقا على أَنَّهَا كَانَت فِي يَد أَبِيهِمَا فَلَا ينْفَرد أَحدهمَا باستحقاقهما إِلَّا بِحجَّة اه
وَإِذا صَحَّ الْوَقْف لم يجز بَيْعه وَلَا تَمْلِيكه وَهل تجوز قسمته فَعِنْدَ أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يجوز بِنَاء على أَن الشُّيُوع فِي الْوَقْف غير مَانع من صِحَة الْوَقْف عِنْده فَتجوز الْقِسْمَة لِأَنَّهَا تَمْيِيز وإفراز ثمَّ إِن وقف نصِيبه من عقار مُشْتَرك بَينه وَبَين غَيره الْوَاقِف هُوَ الَّذِي يقاسم شَرِيكه لَا القَاضِي عِنْد من يَقُول بِجَوَاز الْقِسْمَة لِأَن الْولَايَة فِي الْوَقْف إِلَى الْوَاقِف فَإِن مَاتَ الْوَاقِف فلوصيه أَن يقاسم شَرِيكه ويفرز حِصَّة الْوَقْف لِأَنَّهُ قَائِم مقَامه وَإِن كَانَت الأَرْض كلهَا لَهُ فَوقف بَعْضهَا ثمَّ اراد الْقِسْمَة فوجهه أَن يَبِيع مَا بَقِي من رجل ثمَّ يقتسمان ثمَّ يَشْتَرِي مِنْهُ ذَلِك إِن شَاءَ لِأَن الْقِسْمَة إِنَّمَا تُجزئ بَين اثْنَيْنِ فَلَا يصلح الْوَاحِد مقاسما ومقاسما وَإِن لم يبع رفع الْأَمر إِلَى القَاضِي ليأمر إنْسَانا بِالْقِسْمَةِ مَعَه لتجري الْقِسْمَة بَين اثْنَيْنِ
الجزء 1 · صفحة 295
وَفِي الْمُحِيط وَالْكَافِي إِذا قضى القَاضِي بِجَوَاز وقف الْمشَاع وَنفذ قَضَاؤُهُ صَار مُتَّفقا عَلَيْهِ كَسَائِر المختلفات إِذا اتَّصل بِهِ قَضَاء القَاضِي وَلَا تجوز قسمته فَلَو طلب بَعضهم الْقِسْمَة قَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لَا يقسم ويتهايئون وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى يفرز وَأَجْمعُوا على أَن الْكل لَو كَانَ وَقفا على الأرباب فأرادوا الْقِسْمَة لَا يقسم لَهما إِن الْقِسْمَة تَمْيِيز وإفراز لَا بيع وتمليك فَيجوز وَلأبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى أَن الْقِسْمَة بيع معنى لاشتمالها على الْإِفْرَاز والمبادلة وجهة الْمُبَادلَة راجحة فِي غير الْمِثْلِيَّات والوجب على من يتَوَلَّى أَمر الْوَقْف أَن يبْدَأ من غلَّة الْوَقْف بعمارته شَرط ذَلِك الْوَاقِف أَو لم يشرط لِأَن الْمَقْصُود من الْوَقْف التَّصَدُّق بالغلة على وَجه التَّأْبِيد وَلَا يتأبد إِلَّا بالعمارة
وَمِمَّا توسع فِيهِ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى أَنه لَا يشْتَرط التَّأْبِيد حَتَّى لَو وقف على جِهَة يتَوَهَّم انقطاعها بِأَن وقف على أَوْلَاده وَأَوْلَاد أَوْلَاده وَلم يَجْعَل آخِره للْفُقَرَاء لَا يَصح الْوَقْف عِنْد مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى وَعند أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى لَا يشْتَرط ذَلِك وَإِذا انفرضوا يعود إِلَى ملكه أَو ملك ورثته وَالصَّحِيح أَن التَّأْبِيد شَرط على قَول الْكل وَلَكِن ذكر التَّأْبِيد لَيْسَ بِشَرْط عِنْد أبي يُوسُف حَتَّى إِذا مَاتَ أَوْلَاده وانقرضوا تصرف الْغلَّة حِينَئِذٍ إِلَى الْفُقَرَاء وَإِن لم يسمهم
وَإِذا بنى مَسْجِدا لم يزل ملكه عَنهُ حَتَّى يفرز عَن ملكه بطريقه الشَّرْعِيّ وَيَأْذَن للنَّاس بِالصَّلَاةِ فِيهِ فَإِذا صلى فِيهِ وَاحِد زَالَ عَن ملكه عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَعَن مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى أَنه يشْتَرط الصَّلَاة فِيهِ بِالْجَمَاعَة وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى يَزُول ملكه بقوله جعلته مَسْجِدا لِأَن التَّسْلِيم عِنْده لَيْسَ بِشَرْط وَإِذا جعل الْوَاقِف غلَّة الْوَقْف لنَفسِهِ أَو جعل الْولَايَة إِلَيْهِ جَازَ عِنْد أبي يُوسُف وَلَا يجوز على قِيَاس قَول مُحَمَّد وَهُوَ قَول هِلَال الرازى
وَفِي البزازي وقف على أُمَّهَات أَوْلَاده فَلَا شَيْء لمن يتَزَوَّج مِنْهُنَّ فَإِن طَلقهَا زَوجهَا فَلَا يعود حَقّهَا السَّاقِط إِلَّا إِذا كَانَ الْوَاقِف اسْتثْنى وَقَالَ من طلقت فلهَا أَيْضا قسط من الْوَقْف وَلَو وقف وَجعل الْبَعْض أَو الْكل لأمهات أَوْلَاده ومدبريه مَا داموا أَحيَاء فَإِذا مَاتُوا فَهُوَ للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين فقد قيل يجوز بالِاتِّفَاقِ وَقد قيل هُوَ على الْخلاف أَيْضا وَهُوَ الصَّحِيح كَذَا فِي الْهِدَايَة قلت وَقد وَقعت بِالْقَاهِرَةِ مَسْأَلَة سُئِلَ عَنْهَا جدي شيخ الاسلام محب الدّين بن الشّحْنَة متع الله تَعَالَى بحياته الْكَرِيمَة صورتهَا مَا تَقول السَّادة الْعلمَاء أَئِمَّة الدّين رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ فِي رجل وقف وَقفا وَشرط فِيهِ شُرُوطًا من جُمْلَتهَا أَن يصرف لأم وَلَده شكر باي من ريع الْوَقْف الْمَذْكُور فِي سنة تمْضِي مبلغ عشرَة آلَاف دِرْهَم مَا دمت عزبة فَهَل إِذا تزوجت تسْتَحقّ الْمبلغ الْمَذْكُور أم لَا وَإِذا قُلْتُمْ أيدكم الله تَعَالَى لَا تسْتَحقّ فَهَل إِذا مَاتَ عَنْهَا زَوجهَا أَو طَلقهَا واستمرت عزبة يعود الدَّوَام وتستحق الْمبلغ الْمَذْكُور أم لَا مَا الحكم فِي ذَلِك أجَاب جدي شيخ مَشَايِخ الاسلام المومي إِلَيْهِ بِدُونِ كِتَابَة بل بالْكلَام لَا تسْتَحقّ شكر باي الْمبلغ الْمَذْكُور لِأَن الدَّوَام قد انْقَطع بِالتَّزْوِيجِ فَلَا يعود وَأجَاب الشَّيْخ مُحي الدّين الكافيجي بِأَنَّهَا تسْتَحقّ الْمبلغ الْمَذْكُور وَيعود الدَّوَام كَمَا كَانَ بالفراق بِمَوْت أَو طَلَاق وَوَقع الْكَلَام فِي ذَلِك بَين يَدي السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر خشقدم بِحَضْرَة قَاضِي الْقُضَاة وَالْعُلَمَاء والأمراء وأركان الدولة الشَّرِيفَة وَأظْهر سَيِّدي الْجد عدَّة نقُول من كتب جمة ناطقة بِمَا أفتى بِهِ فَرجع الْحَاضِرُونَ إِلَى فَتْوَى سَيِّدي الْجد بَعضهم بِالْكِتَابَةِ وَالْبَاقُونَ بالإذعان فَللَّه الْحَمد وَبِه الْمُسْتَعَان
الجزء 1 · صفحة 296
وَمِنْهَا وَاقعَة الْفَتْوَى عَن وقف بكتمر الْحَاجِب وَشرط فِيهِ على أَن من مَاتَ مِنْهُم وَلم يتْرك ولدا وَلَا ولد ولدا انْتقل نصِيبه إِلَى اخوته وأخواته فَمَاتَ عبد الرَّحِيم عَن وَلَده عبد الرَّحْمَن فَأجَاب بعض الْمُفْتِينَ بِاسْتِحْقَاق عبد الرَّحْمَن نصيب أَبِيه عملا بِمَفْهُوم الْمُخَالفَة وَأجَاب الْعَلامَة الشَّيْخ قَاسم بِأَن هَذَا بَاطِل نقلا وعقلا أما نقلا فقد قَالَ الامام أَبُو بكر الْخصاف لَو قَالَ جعلت أرضي هَذِه صَدَقَة مَوْقُوفَة لله تَعَالَى أبدا على فلَان بن فلَان وَفُلَان بن فلَان وَمن بعدهمَا على الْمَسَاكِين فَمن مَاتَ مِنْهُمَا وَلم يتْرك ولدا كَانَ نصِيبه من ذَلِك للْبَاقِي مِنْهُمَا فَمَاتَ أَحدهمَا وَترك ولدا قَالَ يرجع نصِيبه إِلَى الْمَسَاكِين وَلَا يكون ذَلِك للْبَاقِي مِنْهُمَا من قبل أَن الْوَاقِف إِنَّمَا اشْترط أَن يرجع نصيب الَّذِي يَمُوت مِنْهُمَا إِلَى الْبَاقِي إِذا لم يتْرك الْمَيِّت وَارِثا وَهَذَا قد ترك وَارِثا وَهُوَ وَلَده قلت فَلم لَا تجْعَل نصيب الْمَيِّت مِنْهُمَا لوَلَده قَالَ من قبل أَن الْوَاقِف لم يَجْعَل ذَلِك لولد الْمَيِّت إِنَّمَا قَالَ من مَاتَ مِنْهُمَا وَلم يتْرك وَارِثا كَانَ ذَلِك للْبَاقِي فلهذه الْعلَّة لم يكن للْبَاقِي وَلَا لولد الْمَيِّت من ذَلِك شَيْء وَأما عقلا فَلِأَن الْمَفْهُوم لَيْسَ من الْمَدْلُول اللّغَوِيّ وَإِنَّمَا يكون بِاعْتِبَار التَّفَاوُت النَّفْسِيّ إِلَيْهِ وَهَذَا لَا يعلم من الْوَاقِف فَلَا يَصح الْعَمَل بِهِ
وَمِنْهَا وَاقعَة الْفَتْوَى فِي وَظِيفَة ابْن الْعَطَّار تقرر فِيهَا بعض الْقُضَاة بمرسوم من السُّلْطَان وَبَعض الطّلبَة بتقرير النَّاظر بِشَرْط الْوَاقِف فَأجَاب فِي ذَلِك بعض الْمُفْتِينَ بِأَن للْإِمَام النّظر الْعَام وَأجَاب الْعَلامَة الشَّيْخ قَاسم فِيهَا بِأَنَّهُ فِيمَا لَا نَاظر لَهُ يَخُصُّهُ فقد قَالَ فِي فَتَاوَى الثَّوْريّ لَا تدخل ولَايَة السُّلْطَان على ولَايَة الْمُتَوَلِي فِي الْوَقْف اه
وَفِي الملحقات رجل لَهُ ضَيْعَة تَسَاوِي عشْرين ألف دِرْهَم وَعَلِيهِ دُيُون ووقف الضَّيْعَة وَشرط صرف غلاتها إِلَى نَفسه قصدا مِنْهُ إِلَى المماطلة وَشهِدت الشُّهُود على إفلاسه جَازَ الْوَقْف وَالشَّهَادَة أما جَوَاز الْوَقْف فلمصادفته ملكه وَأما جَوَاز الشَّهَادَة فَلِأَنَّهَا صدق لِأَن بِالْوَقْفِ خرجت الضَّيْعَة عَن ملكه فَإِن فضل من قوته شَيْء من هَذِه الغلات فللغرماء أَن يَأْخُذُوا ذَلِك مِنْهُ لِأَن الغلات ملكه وَلَو وقف أَرضًا وفيهَا زرع لَا يدْخل الزَّرْع فِي الْوَقْف سَوَاء كَانَ لَهُ قيمَة أَو لم يكن لِأَن الزَّرْع لَا يدْخل تَحت البيع إِلَّا بِالشّرطِ فَكَذَا لَا يدْخل تَحت الْوَقْف إِلَّا بِالشّرطِ على مَا يَجِيء فِي فصل الْبيُوع إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَفِي المنبع إِذا خرب مَا حول الْمَسْجِد وَاسْتغْنى أهل الْمحلة عَن الصَّلَاة فِيهِ يبقي مَسْجِدا عِنْد أبي يُوسُف وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك وَلَا يعود إِلَى ملك بانيه إِن كَانَ حَيا وَلَا إِلَى ملك ورثته إِن كَانَ مَيتا وَعند مُحَمَّد يعود إِلَى ملك الْبَانِي لَو كَانَ حَيا وَإِلَى ملك ورثته لَو كَانَ مَيتا وَقَالَ احْمَد جَازَ نقضه وَصرف آلَته إِلَى مَسْجِد آخر وَعند أبي يُوسُف يتَحَوَّل إِلَى أقرب الْمَسَاجِد من ذَلِك الْمَسْجِد وَلَا يعود إِلَى ملك الْبَانِي
وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّة سُئِلَ الْحلْوانِي عَن أوقاف الْمَسْجِد إِذا تعطلت وَتعذر استغلالها هَل للمتولي أَن يَبِيعهَا وَيَشْتَرِي مَكَانهَا أُخْرَى قَالَ نعم قيل إِن لم تتعطل وَلَكِن يُوجد بِثمنِهَا مَا هُوَ خير مِنْهَا هَل لَهُ أَن يَبِيعهَا قَالَ لَا وَمن الْمَشَايِخ من لم يجوز بيع الْوَقْف تعطل أَو لم يتعطل وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك رحمهمَا الله تَعَالَى وَكَذَا لم يجوزوا الِاسْتِبْدَال بِمَا هُوَ خير مِنْهَا وَفِي السّير الْكَبِير قَالَ أَبُو يُوسُف يجوز الِاسْتِبْدَال بالأوقاف وَفِي الْمُنْتَقى قَالَ هِشَام سَمِعت مُحَمَّدًا يَقُول الْوَقْف إِذا صَار بِحَيْثُ لَا ينْتَفع بِهِ الْمَسَاكِين فللقاضي أَن يَبِيعهُ وَيَشْتَرِي بِثمنِهِ غَيره وَلَيْسَ ذَلِك الا للْقَاضِي وَذكر فِي المنبع عَن أبي يُوسُف أَنه يجوز استبدال الأَرْض الْمَوْقُوفَة إِذا تعطلت لِأَن الأَرْض قد تخرب فَلَا تغل إِلَّا بمؤنة تربو على قيمتهَا