(فعين الرِّضَا عَن كل عيب كليلة ... وَلَكِن عين السخط تبدي المساويا)
فَالله عز وَجل يرضى عَن الْمنصف فِي سَوَاء السَّبِيل ويوفق المتعسف حَتَّى يرجع عَن الأباطيل ويمتع بِهَذَا الْكتاب الْمُسلمين من الْعَالمين العاملين فَإِنِّي جعلته ذخيرة ليَوْم الدّين وأخلصت فِيهِ بِالْيَقِينِ وَالله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ وَهُوَ على كل شَيْء قدير وبالإجابة لدعانا جدير وَبِه الْإِعَانَة فِي التَّحْقِيق وَبِيَدِهِ أزمة التَّوْفِيق أما إسنادي فِي هَذَا الْكتاب إِلَى الإِمَام البُخَارِيّ رَحمَه الله فَمن طَرِيقين عَن محدثين كبيرين (الأول) الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة مفتي الْأَنَام شيخ الْإِسْلَام حَافظ مصر وَالشَّام زين الدّين عبد الرَّحِيم بن أبي المحاسن حُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن الْعِرَاقِيّ الشَّافِعِي أسْكنهُ الله تَعَالَى بحابيح جنانه وكساءه جلابيب عَفوه وغفرانه توفّي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء الثَّامِنَة من شعْبَان من سنة سِتّ وَثَمَانمِائَة بِالْقَاهِرَةِ فَسَمعته عَلَيْهِ من أَوله إِلَى آخِره فِي مجَالِس مُتعَدِّدَة آخرهَا آخر شهر رَمَضَان الْمُعظم قدره من سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة بِجَامِع القلعة بِظَاهِر الْقَاهِرَة المعزية حماها الله عَن الْآفَات بِقِرَاءَة الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد بن مَنْصُور الأشموني الْحَنَفِيّ رَحمَه الله بِحَق سَمَاعه لجَمِيع الْكتاب من الشَّيْخَيْنِ أبي عَليّ عبد الرَّحِيم بن عبد الله بن يُوسُف الْأنْصَارِيّ وقاضي الْقُضَاة عَلَاء الدّين عَليّ بن عُثْمَان بن مصطفى بن التركماني مُجْتَمعين قَالَ الأول أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ بن يُوسُف الدِّمَشْقِي وَأَبُو عمر وَعُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن بن رَشِيق الربعِي وَأَبُو الطَّاهِر إِسْمَاعِيل بن عبد الْقوي بن أبي الْعِزّ بن عزوان سَمَاعا عَلَيْهِم خلا من بَاب الْمُسَافِر إِذا جد بِهِ السّير تعجل إِلَى أَهله فِي أَوَاخِر كتاب الْحَج إِلَى أول كتاب الصّيام وخلا من بَاب مَا يجوز من الشُّرُوط فِي الْمكَاتب إِلَى بَاب الشُّرُوط فِي الْجِهَاد وخلا من بَاب غَزْو الْمَرْأَة فِي الْبَحْر إِلَى دُعَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الْإِسْلَام فَأَجَازَهُ مِنْهُم قَالُوا أخبرنَا هبة الله بن عَليّ بن مَسْعُود البوصيري وَأَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن حَامِد الأرتاحي قَالَ البوصيري أَنا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن بَرَكَات السعيدي وَقَالَ الأرتاحي أخبرنَا عَليّ بن عمر الْفراء إجَازَة قَالَا أخبرتنا كَرِيمَة بنت أَحْمد المروزية قَالَت أخبرنَا أَبُو الْهَيْثَم مُحَمَّد بن مكي الْكشميهني وَقَالَ الثَّانِي أخبرنَا جمَاعَة مِنْهُم أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن هرون الْقَارِي قَالَ أَنا عبد الله الْحُسَيْن بن الْمُبَارك الزبيدِيّ قَالَ أخبرنَا أَبُو الْوَقْت
الجزء 1 · صفحة 5
عبد الأول بن عِيسَى السجْزِي قَالَ أخبرنَا عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن المظفر الدَّاودِيّ قَالَ أخبرنَا عبد الله بن أَحْمد بن حمويه قَالَ هُوَ والكشميهني أخبرنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يُوسُف بن مطر الْفربرِي قَالَ ثَنَا الإِمَام أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ رَحمَه الله (وَالثَّانِي) الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْمُحدث الْكَبِير تَقِيّ الدّين مُحَمَّد بن معِين الدّين مُحَمَّد بن زين الدّين عبد الرَّحْمَن بن حيدرة بن عَمْرو بن مُحَمَّد الدجوي الْمصْرِيّ الشَّافِعِي رَحمَه الله رَحْمَة وَاسِعَة فَسَمعته عَلَيْهِ من أَوله إِلَى آخِره فِي مجَالِس مُتعَدِّدَة آخرهَا آخر شهر رَمَضَان الْمُعظم قدره من سنة خمس وَثَمَانمِائَة بِالْقَاهِرَةِ بِقِرَاءَة الشَّيْخ الإِمَام القَاضِي شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد الشهير بِابْن التقي الْمَالِكِي بِحَق قِرَاءَته جَمِيع الْكتاب على الشَّيْخَيْنِ المسندين زين الدّين أبي الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن الشَّيْخ أبي الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن هرون الثَّعْلَبِيّ وَصَلَاح الدّين خَلِيل بن طرنطاي بن عبد الله الزيني العادلي بِسَمَاع الأول على وَالِده وعَلى أبي الْحسن عَليّ بن عبد الْغَنِيّ بن مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم بن تَيْمِية بِسَمَاع وَالِده من أبي عبد الله الْحُسَيْن بن الزبيدِيّ فِي الرَّابِعَة وبسماع ابْن تَيْمِية من أبي الْحسن عَليّ بن أبي بكر بن روزبة القلانسي بسماعهما من أبي الْوَقْت وبسماع الأول أَيْضا على أبي عبد الله مُحَمَّد بن مكي بن أبي الذّكر الصّقليّ بِسَمَاع ابْن أبي الذّكر من أبي الزبيدِيّ (ح) وبسماع وَالِده أَيْضا فِي الرَّابِعَة من الإِمَام الْحَافِظ أبي عَمْرو عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن بن صَلَاح قَالَ أَنا مَنْصُور بن عبد الْمُنعم الفراوي قَالَ أَنا الْمَشَايِخ الْأَرْبَعَة أَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْفَارِسِي وَأَبُو بكر وجيه بن طَاهِر الشحامي وَأَبُو مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب بن شاه الشاذياخي وَأَبُو عبد الله بن مُحَمَّد بن الْفضل الفراوي سَمَاعا وإجازة قَالَ الْفَارِسِي وَمُحَمّد بن الْفضل أَنا سعيد بن أبي سعيد الْعيار قَالَ أَنا أَبُو عَليّ بن مُحَمَّد بن عمر بن شبويه وَقَالَ الشحامي والشاذياخي وَمُحَمّد بن الْفضل الفراوي أَنا أَبُو سهل بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله الحفصي قَالَ أَنا أَبُو الْهَيْثَم مُحَمَّد بن مكي بن مُحَمَّد الْكشميهني بِسَمَاعِهِ وَسَمَاع ابْن شبويه من الْفربرِي ثَنَا الإِمَام البُخَارِيّ رَحمَه الله (ح) وبسماع الثَّانِي وَهُوَ خَلِيل الطرنطاي من أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن أبي طَالب نعْمَة بن حسن بن عَليّ بن بيات الصَّالِحِي ابْن الشّحْنَة الحجار وَأم مُحَمَّد وزيرة ابْنة عَمْرو بن أسعد بن المنجا قَالَ أَنا ابْن الزبيدِيّ قَالَ أَنا أَبُو الْوَقْت عبد الأول السجْزِي قَالَ أَنا جمال الْإِسْلَام أَبُو الْحسن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن المظفر الدَّاودِيّ قَالَ أَنا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أَحْمد بن حمويه قَالَ أَنا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يُوسُف بن مطر الْفربرِي قَالَ ثَنَا الإِمَام البُخَارِيّ رَحمَه الله تَعَالَى (فَوَائِد) الأولى سمى البُخَارِيّ كِتَابه بالجامع الْمسند الصَّحِيح الْمُخْتَصر من أُمُور رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وسننه وأيامه وَهُوَ أول كِتَابه وَأول كتاب صنف فِي الحَدِيث الصَّحِيح الْمُجَرّد وصنفه فِي سِتّ عشرَة سنة ببخارى قَالَه ابْن طَاهِر وَقيل بِمَكَّة قَالَه ابْن البجير سمعته يَقُول صنفت فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَمَا أدخلت فِيهِ حَدِيثا إِلَّا بَعْدَمَا استخرت الله تَعَالَى وَصليت رَكْعَتَيْنِ وتيقنت صِحَّته وَيجمع بِأَنَّهُ كَانَ يصنف فِيهِ بِمَكَّة وَالْمَدينَة وَالْبَصْرَة وبخارى فَإِنَّهُ مكث فِيهِ سِتّ عشرَة سنة كَمَا ذكرنَا وَفِي تَارِيخ نيسابور للْحَاكِم عَن أبي عَمْرو إِسْمَاعِيل ثَنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ يَقُول أَقمت بِالْبَصْرَةِ خمس سِنِين معي كتبي أصنف وأحج كل سنة وأرجع من مَكَّة إِلَى الْبَصْرَة قَالَ وَأَنا أَرْجُو أَن الله تَعَالَى يُبَارك للْمُسلمين فِي هَذِه المصنفات (الثَّانِيَة) اتّفق عُلَمَاء الشرق والغرب على أَنه لَيْسَ بعد كتاب الله تَعَالَى أصح من صحيحي البُخَارِيّ وَمُسلم فرجح الْبَعْض مِنْهُم المغاربة صَحِيح مُسلم على صَحِيح البُخَارِيّ وَالْجُمْهُور على تَرْجِيح البُخَارِيّ على مُسلم لِأَنَّهُ أَكثر فَوَائِد مِنْهُ وَقَالَ النَّسَائِيّ مَا فِي هَذِه الْكتب أَجود مِنْهُ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَمِمَّا يرجح بِهِ أَنه لَا بُد من ثُبُوت اللِّقَاء عِنْده وَخَالفهُ مُسلم وَاكْتفى بأمكانه وشرطهما أَن لَا يذكر إِلَّا مَا رَوَاهُ صَحَابِيّ مَشْهُور عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُ راويان ثقتان فَأكْثر ثمَّ يرويهِ عَنهُ تَابِعِيّ مَشْهُور بالرواية عَن الصَّحَابَة لَهُ أَيْضا راويان ثقتان فَأكْثر ثمَّ يرويهِ عَنهُ من أَتبَاع الأتباع الْحَافِظ المتقن الْمَشْهُور على ذَلِك الشَّرْط ثمَّ كَذَلِك
الجزء 1 · صفحة 6
(الثَّالِثَة) قد قَالَ الْحَاكِم الْأَحَادِيث المروية بِهَذِهِ الشريطة لم يبلغ عَددهَا عشرَة آلَاف حَدِيث وَقد خالفا شَرطهمَا فقد أخرجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيث عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَلَا يَصح إِلَّا فَردا كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَحَدِيث الْمسيب بن حزن وَالِد سعيد بن الْمسيب فِي وَفَاة أبي طَالب وَلم يرو عَنهُ غير ابْنه سعيد وَأخرج مُسلم حَدِيث حميد بن هِلَال عَن أبي رِفَاعَة الْعَدوي وَلم يرو عَنهُ غير حميد وَقَالَ ابْن الصّلاح وَأخرج البُخَارِيّ حَدِيث الْحسن الْبَصْرِيّ عَن عَمْرو بن ثَعْلَب إِنِّي لأعطي الرجل وَالَّذِي أدع أحب إِلَيّ لم يرو عَنهُ غير الْحسن قلت فقد روى عَنهُ أَيْضا الحكم بن الْأَعْرَج نَص عَلَيْهِ ابْن أبي حَاتِم وَأخرج أَيْضا حَدِيث قيس بن أبي حَازِم عَن مرداس الْأَسْلَمِيّ يذهب الصالحون الأول فَالْأول وَلم يرو عَنهُ غير قيس قلت فقد روى عَنهُ أَيْضا زِيَاد بن علاقَة كَمَا ذكره ابْن أبي حَاتِم وَأخرج مُسلم حَدِيث عبد الله بن الصَّامِت عَن رَافع بن عَمْرو الْغِفَارِيّ وَلم يرو عَنهُ غير عبد الله قلت فَفِي الغيلانيات من حَدِيث سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة ثَنَا ابْن حكم الْغِفَارِيّ حَدثنِي جدي عَن رَافع بن عَمْرو فَذكر حَدِيثا وَأخرج حَدِيث أبي بردة عَن الْأَغَر الْمُزنِيّ (إِنَّه ليغان على قلبِي) وَلم يرو عَنهُ غير أبي بردة قلت قد ذكر العسكري أَن ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا روى عَنهُ أَيْضا وروى عَنهُ مُعَاوِيَة بن قُرَّة أَيْضا وَفِي معرفَة الصَّحَابَة لِابْنِ قَانِع قَالَ ثَابت الْبنانِيّ عَن الْأَغَر أغر مزينة وَأغْرب من قَول الْحَاكِم قَول الميانشي فِي (إِيضَاح مَا لَا يسع الْمُحدث جَهله) شَرطهمَا فِي صَحِيحَيْهِمَا أَلا يدخلا فِيهِ إِلَّا مَا صَحَّ عِنْدهمَا وَذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اثْنَان من الصَّحَابَة فَصَاعِدا وَمَا نَقله عَن كل وَاحِد من الصَّحَابَة أَرْبَعَة من التَّابِعين فَأكْثر وَأَن يكون عَن كل وَاحِد من التَّابِعين أَكثر من أَرْبَعَة وَالظَّاهِر أَن شَرطهمَا اتِّصَال الْإِسْنَاد بِنَقْل الثِّقَة عَن الثِّقَة من مبتداه إِلَى منتهاه من غير شذوذ وَلَا عِلّة (الرَّابِعَة) جملَة مَا فِيهِ من الْأَحَادِيث المسندة سَبْعَة آلَاف ومائتان وَخَمْسَة وَسَبْعُونَ حَدِيثا بالأحاديث المكررة وبحذفها نَحْو أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث وَقَالَ أَبُو حَفْص عمر بن عبد الْمجِيد الميانشي الَّذِي اشْتَمَل عَلَيْهِ كتاب البُخَارِيّ من الْأَحَادِيث سَبْعَة آلَاف وسِتمِائَة ونيف قَالَ واشتمل كِتَابه وَكتاب مُسلم على ألف حَدِيث ومائتي حَدِيث من الْأَحْكَام فروت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا من جملَة الْكتاب مِائَتَيْنِ ونيفا وَسبعين حَدِيثا لم تخرج غير الْأَحْكَام مِنْهَا إِلَّا يَسِيرا قَالَ الْحَاكِم فَحمل عَنْهَا ربع الشَّرِيعَة وَمن الْغَرِيب مَا فِي كتاب الْجَهْر بالبسملة لِابْنِ سعد إِسْمَاعِيل ابْن أبي الْقَاسِم البوشنجي نقل عَن البُخَارِيّ أَنه صنف كتابا أورد فِيهِ مائَة ألف حَدِيث صَحِيح (الْخَامِسَة) فهرست أَبْوَاب الْكتاب ذكرهَا مفصلة الْحَافِظ أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن طَاهِر الْمَقْدِسِي بِإِسْنَادِهِ عَن الْحَمَوِيّ فَقَالَ عدد أَحَادِيث صَحِيح البُخَارِيّ رَحمَه الله بَدَأَ الْوَحْي سَبْعَة أَحَادِيث الْإِيمَان خَمْسُونَ الْعلم خَمْسَة وَسَبْعُونَ الْوضُوء مائَة وَتِسْعَة أَحَادِيث غسل الْجَنَابَة ثَلَاثَة وَأَرْبَعُونَ الْحيض سَبْعَة وَثَلَاثُونَ التَّيَمُّم خَمْسَة عشر فرض الصَّلَاة حديثان الصَّلَاة فِي الثِّيَاب تِسْعَة وَثَلَاثُونَ الْقبْلَة ثَلَاثَة عشر الْمَسَاجِد سِتَّة وَثَلَاثُونَ ستْرَة الْمصلى ثَلَاثُونَ مَوَاقِيت الصَّلَاة خَمْسَة وَسَبْعُونَ الْأَذَان ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ فضل صَلَاة الْجَمَاعَة وإقامتها أَرْبَعُونَ الْإِمَامَة أَرْبَعُونَ إِقَامَة الصُّفُوف ثَمَانِيَة عشر افْتِتَاح الصَّلَاة ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ الْقِرَاءَة ثَلَاثُونَ الرُّكُوع وَالسُّجُود وَالتَّشَهُّد اثْنَان وَخَمْسُونَ انْقِضَاء الصَّلَاة سَبْعَة عشر اجْتِنَاب أكل الثوم خَمْسَة أَحَادِيث صَلَاة النِّسَاء وَالصبيان خَمْسَة عشر الْجُمُعَة خَمْسَة وَسِتُّونَ صَلَاة الْخَوْف سِتَّة أَحَادِيث الْعِيد أَرْبَعُونَ الْوتر خَمْسَة عشر الاسْتِسْقَاء خَمْسَة وَثَلَاثُونَ الْكُسُوف خَمْسَة وَعِشْرُونَ سُجُود الْقُرْآن أَرْبَعَة عشر الْقصر سِتَّة وَثَلَاثُونَ الاستخارة ثَمَانِيَة التحريض على قيام اللَّيْل أحد وَأَرْبَعُونَ النَّوَافِل ثَمَانِيَة عشر الصَّلَاة بِمَسْجِد مَكَّة تِسْعَة الْعَمَل فِي الصَّلَاة سِتَّة وَعِشْرُونَ السَّهْو أَرْبَعَة عشر الْجَنَائِز مائَة وَأَرْبَعَة وَخَمْسُونَ الزَّكَاة مائَة وَثَلَاثَة عشر صَدَقَة الْفطر عشرَة الْحَج مِائَتَان وَأَرْبَعُونَ الْعمرَة اثْنَان وَثَلَاثُونَ الْإِحْصَار أَرْبَعُونَ جَزَاء الصَّيْد أَرْبَعُونَ الصَّوْم سِتَّة وَسِتُّونَ لَيْلَة الْقدر عشرَة قيام رَمَضَان سِتَّة الِاعْتِكَاف عشرُون الْبيُوع مائَة وَاحِد وَتسْعُونَ السّلم تِسْعَة عشر الشُّفْعَة ثَلَاثَة أَحَادِيث الْإِجَارَة أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ الْحِوَالَة ثَلَاثُونَ الْكفَالَة ثَمَانِيَة أَحَادِيث الْوكَالَة سَبْعَة عشر الْمُزَارعَة وَالشرب تِسْعَة وَعِشْرُونَ الاستقراض وَأَدَاء الدُّيُون خَمْسَة وَعِشْرُونَ الْأَشْخَاص ثَلَاثَة عشر الْمُلَازمَة حديثان اللّقطَة خَمْسَة عشر الْمَظَالِم وَالْغَصْب أحد وَأَرْبَعُونَ.
الجزء 1 · صفحة 7
الشّركَة اثْنَان وَسَبْعُونَ الرَّهْن تِسْعَة أَحَادِيث الْعتْق أحد وَعِشْرُونَ الْمكَاتب سِتَّة الْهِبَة تِسْعَة وَسِتُّونَ الشَّهَادَات ثَمَانِيَة وَخَمْسُونَ الصُّلْح اثْنَان وَعِشْرُونَ الشُّرُوط أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ الْوَصَايَا أحد وَأَرْبَعُونَ الْجِهَاد وَالسير مِائَتَان وَخَمْسَة وَخَمْسُونَ بَقِيَّة الْجِهَاد أَيْضا اثْنَان وَأَرْبَعُونَ فرض الْخمس ثَمَانِيَة وَخَمْسُونَ الْجِزْيَة وَالْمُوَادَعَة ثَلَاثَة وَسِتُّونَ بَدَأَ الْخلق مِائَتَان وحديثان الأنباء والمغازي أَرْبَعمِائَة وَثَمَانِية وَعِشْرُونَ جَزَاء الآخر بعد الْمَغَازِي مائَة وَثَمَانِية وَثَلَاثُونَ التَّفْسِير خَمْسمِائَة وَأَرْبَعُونَ فَضَائِل الْقُرْآن أحد وَثَمَانُونَ النِّكَاح وَالطَّلَاق مِائَتَان وَأَرْبَعَة وَأَرْبَعُونَ النَّفَقَات اثْنَان وَعِشْرُونَ الْأَطْعِمَة سَبْعُونَ الْعَقِيقَة أحد عشر الصَّيْد والذبائح وَغَيره تسعون الْأَضَاحِي ثَلَاثُونَ الْأَشْرِبَة خَمْسَة وَسِتُّونَ الطِّبّ تِسْعَة وَسَبْعُونَ اللبَاس مائَة وَعِشْرُونَ المرضى أحد وَأَرْبَعُونَ اللبَاس أَيْضا مائَة الْأَدَب مِائَتَان وَسِتَّة وَخَمْسُونَ الاسْتِئْذَان سَبْعَة وَسَبْعُونَ الدَّعْوَات سِتَّة وَسَبْعُونَ وَمن الدَّعْوَات ثَلَاثُونَ الرقَاق مائَة الْحَوْض سِتَّة عشر الْجنَّة وَالنَّار سَبْعَة وَخَمْسُونَ الْقدر ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ الْأَيْمَان وَالنّذر أحد وَثَلَاثُونَ كَفَّارَة الْيَمين خَمْسَة عشر الْفَرَائِض خمس وَأَرْبَعُونَ الْحُدُود ثَلَاثُونَ المحاربون اثْنَان وَخَمْسُونَ الدِّيات أَرْبَعَة وَخَمْسُونَ اسْتِتَابَة الْمُرْتَدين عشرُون الْإِكْرَاه ثَلَاثَة عشر ترك الْحِيَل ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ التَّعْبِير سِتُّونَ الْفِتَن ثَمَانُون الْأَحْكَام اثْنَان وَثَمَانُونَ الْأمان اثْنَان وَعِشْرُونَ إجَازَة خبر الْوَاحِد تِسْعَة عشر الِاعْتِصَام سِتَّة وَتسْعُونَ التَّوْحِيد وعظمة الرب سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَغير ذَلِك إِلَى آخر الْكتاب مائَة وَسَبْعُونَ (السَّادِسَة) جملَة من حدث عَنهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه خمس طَبَقَات (الأولى) لم يَقع حَدِيثهمْ إِلَّا كَمَا وَقع من طَرِيقه إِلَيْهِم مِنْهُم مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ حدث عَنهُ عَن حميد عَن أنس وَمِنْهُم مكي بن إِبْرَاهِيم وَأَبُو عَاصِم النَّبِيل حدث عَنْهُمَا عَن يزِيد بن أبي عبيد عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع وَمِنْهُم عبيد الله بن مُوسَى حدث عَنهُ عَن مَعْرُوف عَن أبي الطُّفَيْل عَن عَليّ وَحدث عَنهُ عَن هِشَام بن عُرْوَة وَإِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد وهما تابعيان وَمِنْهُم أَبُو نعيم حدث عَنهُ عَن الْأَعْمَش وَالْأَعْمَش تَابِعِيّ وَمِنْهُم عَليّ بن عَيَّاش حدث عَنهُ عَن حريز بن عُثْمَان عَن عبد الله بن بشر الصَّحَابِيّ هَؤُلَاءِ وأشباههم الطَّبَقَة الأولى وَكَأن البُخَارِيّ سمع مَالِكًا وَالثَّوْري وَشعْبَة وَغَيرهم فَإِنَّهُم حدثوا عَن هَؤُلَاءِ وطبقتهم (الثَّانِيَة) من مشايخه قوم حدثوا عَن أَئِمَّة حدثوا عَن التَّابِعين وهم شُيُوخه الَّذين روى عَنْهُم عَن ابْن جريج وَمَالك وَابْن أبي ذِئْب وَابْن عُيَيْنَة بالحجاز وَشُعَيْب وَالْأَوْزَاعِيّ وطبقتهما بِالشَّام وَالثَّوْري وَشعْبَة وَحَمَّاد وَأَبُو عوَانَة وهما بالعراق وَاللَّيْث وَيَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن بِمصْر وَفِي هَذِه الطَّبَقَة كَثْرَة (الثَّالِثَة) قوم حدثوا عَن قوم أدْرك زمانهم وَأمكنهُ لَقِيَهُمْ لكنه لم يسمع مِنْهُم كيزيد بن هَارُون وَعبد الرَّزَّاق (الرَّابِعَة) قوم فِي طبقته حدث عَنْهُم عَن مشايخه كَأبي حَاتِم مُحَمَّد بن إِدْرِيس الرَّازِيّ حدث عَنهُ فِي صَحِيحه وَلم ينْسبهُ عَن يحيى بن صَالح (الْخَامِسَة) قوم حدث عَنْهُم وهم أَصْغَر مِنْهُ فِي الْإِسْنَاد وَالسّن والوفاة والمعرفة مِنْهُم عبد الله بن حَمَّاد الآملي وحسين القباني وَغَيرهمَا وَلَا بُد من الْوُقُوف على هَذَا لِأَن من لَا معرفَة لَهُ يظنّ أَن البُخَارِيّ إِذا حدث عَن مكي عَن زيد بن أبي عبيد عَن سَلمَة ثمَّ حدث فِي مَوضِع آخر عَن بكر بن مُضر عَن عَمْرو بن الْحَارِث عَن بكير بن عبد الله بن الْأَشَج عَن يزِيد بن أبي عبيد الله عَن سَلمَة أَن الْإِسْنَاد الأول سقط مِنْهُ شَيْء وَإِنَّمَا يحدث فِي مَوضِع عَالِيا وَفِي مَوضِع نازلا فقد حدث فِي مَوَاضِع كَثِيرَة جدا عَن رجل عَن مَالك وَفِي مَوضِع عَن عبد الله بن مُحَمَّد المسندي عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي اسحق الْفَزارِيّ عَن مَالك وَحدث فِي مَوَاضِع عَن رجل عَن شُعْبَة وَحدث فِي مَوَاضِع عَن ثَلَاثَة عَن شُعْبَة مِنْهَا حَدِيثه عَن حَمَّاد بن حميد عَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه عَن شُعْبَة وَحدث فِي مَوَاضِع عَن رجل عَن الثَّوْريّ وَحدث فِي مَوَاضِع عَن ثَلَاثَة عَنهُ فَحدث عَن أَحْمد بن عمر عَن ابْن أبي النَّضر عَن عبيد الله الْأَشْجَعِيّ عَن الثَّوْريّ وأعجب من هَذَا كُله أَن عبد الله ابْن الْمُبَارك أَصْغَر من مَالك وسُفْيَان وَشعْبَة ومتأخر الْوَفَاة وَحدث البُخَارِيّ عَن جمَاعَة من أَصْحَابه عَنهُ وتأخرت وفاتهم ثمَّ حدث عَن سعيد بن مَرْوَان عَن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز عَن أبي رزمة عَن أبي صَالح سلمويه عَن عبد الله بن الْمُبَارك فقس على هَذَا أَمْثَاله وَقد حدث البُخَارِيّ عَن قوم خَارج الصَّحِيح وَحدث عَن رجل عَنْهُم فِي الصَّحِيح
الجزء 1 · صفحة 8
مِنْهُم أَحْمد بن منيع وَدَاوُد بن رشيد وَحدث عَن قوم فِي الصَّحِيح وَحدث عَن آخَرين عَنْهُم مِنْهُم أَبُو نعيم وَأَبُو عَاصِم والأنصاري وَأحمد بن صَالح وَأحمد بن حَنْبَل وَيحيى بن معِين فَإِذا رَأَيْت مثل هَذَا فأصله مَا ذكرنَا وَقد رُوِيَ عَن البُخَارِيّ لَا يكون الْمُحدث مُحدثا كَامِلا حَتَّى يكْتب عَمَّن هُوَ فَوْقه وَعَمن هُوَ مثله وَعَمن هُوَ دونه (السَّابِعَة) فِي الصَّحِيح جمَاعَة جرحهم بعض الْمُتَقَدِّمين وَهُوَ مَحْمُول على أَنه لم يثبت جرحهم بِشَرْطِهِ فَإِن الْجرْح لَا يثبت إِلَّا مُفَسرًا مُبين السَّبَب عِنْد الْجُمْهُور وَمثل ذَلِك ابْن الصّلاح بِعِكْرِمَةَ وَإِسْمَاعِيل بن أبي أويس وَعَاصِم بن عَليّ وَعَمْرو بن مَرْزُوق وَغَيرهم قَالَ وَاحْتج مُسلم بِسُوَيْدِ بن سعيد وَجَمَاعَة مِمَّن اشْتهر الطعْن فيهم قَالَ وَذَلِكَ دَال على أَنهم ذَهَبُوا إِلَى أَن الْجرْح لَا يقبل إِلَّا إِذا فسر سَببه قلت قد فسر الْجرْح فِي هَؤُلَاءِ أما عِكْرِمَة فَقَالَ ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم لنافع لَا تكذب عَليّ كَمَا كذب عِكْرِمَة على ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَكذبه مُجَاهِد وَابْن سِيرِين وَمَالك وَقَالَ أَحْمد يرى رَأْي الْخَوَارِج الصفرية وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ يرى رَأْي نجدة وَيُقَال كَانَ يرى السَّيْف وَالْجُمْهُور وثقوه وَاحْتَجُّوا بِهِ وَلَعَلَّه لم يكن دَاعِيَة وَأما إِسْمَاعِيل بن أبي أويس فَإِنَّهُ أقرّ على نَفسه بِالْوَضْعِ كَمَا حَكَاهُ النَّسَائِيّ عَن سَلمَة بن شُعَيْب عَنهُ وَقَالَ ابْن معِين لَا يُسَاوِي فلسين هُوَ وَأَبوهُ يسرقان الحَدِيث وَقَالَ النَّضر بن سَلمَة الْمروزِي فِيمَا حَكَاهُ الدولابي عَنهُ كَذَّاب كَانَ يحدث عَن مَالك بمسائل ابْن وهب وَأما عَاصِم بن عَليّ فَقَالَ ابْن معِين لَا شَيْء وَقَالَ غَيره كَذَّاب ابْن كَذَّاب وَأما أَحْمد فَصدقهُ وَصدق أَبَاهُ وَأما عَمْرو بن مَرْزُوق فنسبه أَبُو الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ إِلَى الْكَذِب وَأما أَبُو حَاتِم فَصدقهُ وَصدق أَبَاهُ فوثقه وَأما سُوَيْد بن سعيد فمعروف بالتلقين وَقَالَ ابْن معِين كَذَّاب سَاقِط وَقَالَ أَبُو دَاوُد سَمِعت يحيى يَقُول هُوَ حَلَال الدَّم وَقد طعن الدَّارَقُطْنِيّ فِي كِتَابه الْمُسَمّى بالاستدراكات والتتبع على البُخَارِيّ وَمُسلم فِي مِائَتي حَدِيث فيهمَا وَلأبي مَسْعُود الدِّمَشْقِي عَلَيْهِمَا اسْتِدْرَاك وَكَذَا لأبي عَليّ الغساني فِي تَقْيِيده (الثَّامِنَة) فِي الْفرق بَين الِاعْتِبَار والمتابعة وَالشَّاهِد وَقد أَكثر البُخَارِيّ من ذكر الْمُتَابَعَة فَإِذا روى حَمَّاد مثلا حَدِيثا عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَظرنَا هَل تَابعه ثِقَة فَرَوَاهُ عَن أَيُّوب فَإِن لم نجد ثِقَة غير أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين فَثِقَة غَيره عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة وَإِلَّا فصحابي غير أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فَأَي ذَلِك وجد علم أَن لَهُ أصلا يرجع إِلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا فَهَذَا النّظر هُوَ الِاعْتِبَار وَأما الْمُتَابَعَة فَأن يرويهِ عَن أَيُّوب غير حَمَّاد أَو عَن ابْن سِيرِين غير أَيُّوب أَو عَن أبي هُرَيْرَة غير ابْن سِيرِين أَو عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غير أبي هُرَيْرَة فَكل نوع من هَذِه يُسمى مُتَابعَة وَأما الشَّاهِد فَأن يرْوى حَدِيث آخر بِمَعْنَاهُ وَتسَمى الْمُتَابَعَة شَاهدا وَلَا ينعكس فَإِذا قَالُوا فِي مثل هَذَا تفرد بِهِ أَبُو هُرَيْرَة أَو ابْن سِيرِين أَو أَيُّوب أَو حَمَّاد كَانَ مشعرا بِانْتِفَاء وُجُوه المتابعات كلهَا فِيهِ وَيدخل فِي الْمُتَابَعَة والاستشهاد رِوَايَة بعض الضُّعَفَاء وَفِي الصَّحِيح جمَاعَة مِنْهُم ذكرُوا فِي المتابعات والشواهد وَلَا يصلح لذاك كل ضَعِيف وَلِهَذَا يَقُول الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره فلَان يعْتَبر بِهِ وَفُلَان لَا يعْتَبر بِهِ مِثَال المتابع وَالشَّاهِد حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ لَو أخذُوا إهابها فدبغوه فانتفعوا بِهِ وَرَوَاهُ ابْن جريج عَن عَمْرو وَعَن عَطاء بِدُونِ الدّباغ تَابع عَمْرو أُسَامَة بن زيد فَرَوَاهُ عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ أَلا نزعتم جلدهَا فدبغتموه فانتفعتم بِهِ وَشَاهد حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن وَعلة عَن ابْن عَبَّاس رَفعه أَيّمَا إهَاب دبغ فقد طهر فَالْبُخَارِي يَأْتِي بالمتابعة ظَاهرا كَقَوْلِه فِي مثل هَذَا تَابعه مَالك عَن أَيُّوب أَي تَابع مَالك حمادا فَرَوَاهُ عَن أَيُّوب كَرِوَايَة حَمَّاد فَالضَّمِير فِي تَابعه يعود إِلَى حَمَّاد وَتارَة يَقُول تَابعه مَالك وَلَا يزِيد فَيحْتَاج إِذن إِلَى معرفَة طَبَقَات الروَاة ومراتبهم (التَّاسِعَة) فِي ضبط الْأَسْمَاء المتكررة الْمُخْتَلفَة فِي الصَّحِيحَيْنِ (أبي) كُله بِضَم الْهمزَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف إِلَّا آبي اللَّحْم فَإِنَّهُ بِهَمْزَة ممدودة مَفْتُوحَة ثمَّ بَاء مَكْسُورَة ثمَّ يَاء مُخَفّفَة لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَأْكُلهُ وَقيل لَا يَأْكُل مَا ذبح للصنم (الْبَراء) كُله بتَخْفِيف الرَّاء إِلَّا أَبَا معشر الْبَراء وَأَبا الْعَالِيَة الْبَراء فبالتشديد وَكله مَمْدُود وَقيل أَن المخفف يجوز قصره حَكَاهُ النَّوَوِيّ والبراء هُوَ الَّذِي يبرى الْعود (يزِيد) كُله بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة وَالزَّاي إِلَّا ثَلَاثَة بريد بن عبد الله بن أبي
الجزء 1 · صفحة 9
بردة يروي غَالِبا عَن أبي بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وبالراء وَالثَّانِي مُحَمَّد بن عرْعرة بن البرند بموحدة وَرَاء مكسورتين وَقيل بفتحهما ثمَّ نون وَالثَّالِث عَليّ بن هَاشم بن الْبَرِيد بموحدة مَفْتُوحَة ثمَّ رَاء مَكْسُورَة ثمَّ مثناه تَحت (يسَار) كُله بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وَالسِّين الْمُهْملَة إِلَّا مُحَمَّد بن بشار شيخهما فبموحدة ثمَّ مُعْجمَة وَفِيهِمَا سيار ابْن سَلامَة وسيار بن أبي سيار بِمُهْملَة ثمَّ بمثناة (بشر) كُله بموحدة ثمَّ شين مُعْجمَة إِلَّا أَرْبَعَة فبالضم ثمَّ مُهْملَة عبد الله بن بسر الصَّحَابِيّ وَبسر بن سعيد وَبسر بن عبيد الله الْحَضْرَمِيّ وَبسر بن محجن وَقيل هَذَا بِالْمُعْجَمَةِ كَالْأولِ (بشير) كُله بِفَتْح الْمُوَحدَة وَكسر الْمُعْجَمَة إِلَّا اثْنَيْنِ فبالضم وَفتح الشين وهما بشير بن كَعْب وَبشير بن يسَار وَإِلَّا ثَالِثا فبضم الْمُثَنَّاة وَفتح الْمُهْملَة وَهُوَ يسير بن عَمْرو وَيُقَال أَسِير ورابعا فبضم النُّون وَفتح الْمُهْملَة قطن بن نسير (حَارِثَة) كُله بِالْحَاء الْمُهْملَة والمثلثة إِلَّا جَارِيَة ابْن قدامَة وَيزِيد بن جَارِيَة فبالجيم والمثناة وَلم يذكر غَيرهمَا ابْن الصّلاح وَذكر الجياني عَمْرو بن أبي سُفْيَان بن أسيد ابْن جَارِيَة الثَّقَفِيّ حَلِيف بني زهرَة قَالَ حَدِيثه مخرج فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالْأسود بن الْعَلَاء بن جَارِيَة حَدِيثه فِي مُسلم (جرير) كُله بِالْجِيم وَرَاء مكررة إِلَّا حريز بن عُثْمَان وَأَبا حريز بن عبد الله بن الْحُسَيْن الرَّاوِي عَن عِكْرِمَة فبالحاء وَالزَّاي آخرا ويقاربه حدير بِالْحَاء وَالدَّال وَالِد عمرَان ووالد زِيَاد وَزيد (حَازِم) كُله بِالْحَاء الْمُهْملَة إِلَّا أَبَا مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم فبالمعجمة كَذَا اقْتصر عَلَيْهِ ابْن الصّلاح وَتَبعهُ النَّوَوِيّ وأهملا بشير بن جازم الإِمَام الوَاسِطِيّ آخر رِجَاله وَمُحَمّد بن بشير الْعَبْدي كناه أَبَا حَازِم بِالْمُهْمَلَةِ قَالَ أَبُو عَليّ الجياني وَالْمَحْفُوظ أَنه بِالْمُعْجَمَةِ كَذَا كناه أَبُو أُسَامَة فِي رِوَايَته عَنهُ قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ (حبيب) كُله بِفَتْح الْمُهْملَة إِلَّا خبيب بن عدي وخبيب بن عبد الرَّحْمَن وخبيبا غير مَنْسُوب عَن حَفْص بن عَاصِم وخبيبا كنية ابْن الزبير فبضم الْمُعْجَمَة (حَيَّان) كُله بِالْفَتْح والمثناة إِلَّا حبَان بن منقذ وَالِد وَاسع بن حبَان وجد مُحَمَّد بن يحيى ابْن حبَان وجد حبَان بن وَاسع بن حبَان والأحبان بن هِلَال مَنْسُوبا وَغير مَنْسُوب عَن شُعْبَة ووهيب وَهَمَّام وَغَيرهم فبالموحدة وَفتح الْحَاء والأحبان بن العرقة وحبان بن عَطِيَّة وحبان بن مُوسَى مَنْسُوبا وَغير مَنْسُوب عَن عبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك فبكسر الْحَاء وبالموحدة وَذكر الجياني أَحْمد بن سِنَان بن أَسد بن حبَان روى لَهُ البُخَارِيّ فِي الْحَج وَمُسلم فِي الْفَضَائِل وَأَهْمَلَهُ ابْن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ (خرَاش) كُله بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة إِلَّا وَالِد ربعي فبالمهملة (حزَام) بالزاي فِي قُرَيْش وبالراء فِي الْأَنْصَار وَفِي الْمُخْتَلف والمؤتلف لِابْنِ حبيب فِي جذام حرَام بن جذام وَفِي تَمِيم بن مر حرَام بن كَعْب وَفِي خُزَاعَة حرَام بن حبشية ابْن كَعْب بن سلول بن كَعْب وَفِي عذرة حرَام ابْن حنبة وَأما حزَام بالزاي فجماعة فِي غير قُرَيْش مِنْهُم حزَام بن هِشَام الْخُزَاعِيّ وحزام بن ربيعَة الشَّاعِر وَعُرْوَة بن حزَام الشَّاعِر الْعَدوي (حُصَيْن) كُله بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ إِلَّا أَبَا حُصَيْن عُثْمَان بن عَاصِم فبالفتح وَكسر الصَّاد وَإِلَّا أَبَا ساسان حضين بن الْمُنْذر فبالضم وضاد مُعْجمَة (حَكِيم) كُله بِفَتْح الْحَاء وَكسر الْكَاف إِلَّا حَكِيم بن عبد الله ورزيق بن حَكِيم فبالضم وَفتح الْكَاف (رَبَاح) كُله بِالْمُوَحَّدَةِ إِلَّا زِيَاد بن ريَاح عَن أبي هُرَيْرَة فِي أَشْرَاط السَّاعَة فبالمثناة عِنْد الْأَكْثَرين وَقَالَ البُخَارِيّ بِالْوَجْهَيْنِ بِالْمُثَنَّاةِ وبالموحدة وَذكر أَبُو عَليّ الجياني مُحَمَّد بن أبي بكر بن عَوْف بن ريَاح الثَّقَفِيّ سمع أنسا وَعنهُ مَالك رويا لَهُ ورياح بن عُبَيْدَة من ولد عمر بن عبد الْوَهَّاب الريَاحي روى لَهُ مُسلم ورياح فِي نسب عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقيل بِالْمُوَحَّدَةِ (زبيد) بِضَم الزَّاي هُوَ ابْن الْحَرْث لَيْسَ فيهمَا غَيره وَأما زبيد بن الصَّلْت فَبعد الزَّاي يَاء آخر الْحُرُوف مكررة وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأ (الزبير) بِضَم الزَّاي إِلَّا عبد الرَّحْمَن بن الزبير الَّذِي تزوج امْرَأَة رِفَاعَة فبالفتح وَكسر الْبَاء (زِيَاد) كُله بِالْيَاءِ إِلَّا أَبَا الزِّنَاد فبالنون (سَالم) كُله بِالْألف ويقاربه سلم بن زرير بِفَتْح الزَّاي وَسلم بن قُتَيْبَة وَسلم بن أبي الذَّيَّال وَسلم بن عبد الرَّحْمَن بحذفها (سليم) كُله بِالضَّمِّ إِلَّا ابْن حبَان فبالفتح (شُرَيْح) كُله بِالْمُعْجَمَةِ والحاء الْمُهْملَة إِلَّا ابْن يُونُس وَابْن نعْمَان وَأحمد بن سُرَيج فبالمهملة وَالْجِيم (سَلمَة) بِفَتْح اللَّام إِلَّا عَمْرو بن سَلمَة أَمَام قومه وَبني سَلمَة الْقَبِيلَة من الْأَنْصَار فبكسرها وَفِي عبد الْخَالِق ابْن سَلمَة وَجْهَان (سُلَيْمَان) كُله بِالْيَاءِ إِلَّا سلمَان الْفَارِسِي وَابْن عَامر والأغر وَعبد الرَّحْمَن بن سَالم فبفتحها وَأبي حَازِم الْأَشْجَعِيّ وَأبي رَجَاء مولى ابْن قدامَة وكل مِنْهُم اسْمه بِغَيْر يَاء وَلَكِن ذكر بالكنية (سَلام) كُله بِالتَّشْدِيدِ إِلَّا عبد الرَّحْمَن بن سَلام الصَّحَابِيّ وَمُحَمّد بن سَلام شيخ البُخَارِيّ فبالتخفيف وشدد جمَاعَة شيخ البُخَارِيّ وَادّعى صَاحب الْمطَالع
الجزء 1 · صفحة 10
أَن الْأَكْثَر عَلَيْهِ وَأَخْطَأ نعم المشدد مُحَمَّد بن سَلام بن السكن البيكندي الصَّغِير وَهُوَ من أقرانه وَفِي غير الصَّحِيحَيْنِ جمَاعَة بِالتَّخْفِيفِ أَيْضا (شَيبَان) كُله بالشين الْمُعْجَمَة ثمَّ الْيَاء آخر الْحُرُوف ثمَّ الْبَاء الْمُوَحدَة ويقاربه سِنَان بن أبي سِنَان وَابْن ربيعَة وَأحمد بن سِنَان وَسنَان بن سَلمَة وَأَبُو سِنَان ضرار بن مرّة بِالْمُهْمَلَةِ وَالنُّون (عباد) كُله بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد إِلَّا قيس بن عباد فبالضم وَالتَّخْفِيف (عبَادَة) كُله بِالضَّمِّ إِلَّا مُحَمَّد بن عبَادَة شيخ البُخَارِيّ فبالفتح (عَبدة) كُله بِإِسْكَان الْبَاء إِلَّا عَامر بن عَبدة وبجالة بن عَبدة ففيهما الْفَتْح والإسكان وَالْفَتْح أشهر وَعَن بعض رُوَاة مُسلم عَامر بن عبد بِلَا هَاء وَلَا يَصح (عبيد) كُله بِضَم الْعين (عُبَيْدَة) كُله بِالضَّمِّ إِلَّا السَّلمَانِي وَابْن سُفْيَان وَابْن حميد وعامر بن عُبَيْدَة فبالفتح وَذكر الجياني عَامر بن عُبَيْدَة قَاضِي الْبَصْرَة ذكره البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَحْكَام (عقيل) كُله بِالْفَتْح إِلَّا عقيل بن خَالِد الْأَيْلِي وَيَأْتِي كثيرا عَن الزُّهْرِيّ غير مَنْسُوب وَإِلَّا يحيى بن عقيل وَبني عقيل للقبيلة فبالضم (عمَارَة) كُله بِضَم الْعين (وَاقد) كُله بِالْقَافِ (يسرة) بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالسِّين الْمُهْملَة وَهُوَ يسرة بن صَفْوَان شيخ البُخَارِيّ وَأما بسرة بنت صَفْوَان فَلَيْسَ ذكرهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ (الْأَنْسَاب) (الْأَيْلِي) كُله بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف نِسْبَة إِلَى أَيْلَة قَرْيَة من قرى مصر وَلَا يرد شَيبَان بن فروخ الأبلي بِضَم الْهمزَة وَالْمُوَحَّدَة شيخ مُسلم لِأَنَّهُ لم يَقع فِي صَحِيح مُسلم مَنْسُوبا وَهُوَ نِسْبَة إِلَى أبلة مَدِينَة قديمَة وَهِي مَدِينَة كور دجلة وَكَانَت المسلحة وَالْمَدينَة العامرة أَيَّام الْفرس قبل أَن تخط الْبَصْرَة (البصرى) كُله بِالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَفْتُوحَة والمكسورة نِسْبَة إِلَى الْبَصْرَة مُثَلّثَة الْبَاء إِلَّا مَالك بن أَوْس بن الْحدثَان النصري وَعبد الْوَاحِد النصري وسالما مولى النصريين فبالنون (الْبَزَّاز) بزايين معجمتين مُحَمَّد بن الصَّباح وَغَيره إِلَّا خلف بن هِشَام الْبَزَّار وَالْحسن بن الصَّباح فآخرهما رَاء مُهْملَة ذكرهمَا ابْن الصّلاح وأهمل يحيى بن مُحَمَّد بن السكن بن حبيب وَبشر بن ثَابت فآخرهما رَاء مُهْملَة أَيْضا فَالْأول حدث عَنهُ البُخَارِيّ فِي صَدَقَة الْفطر والدعوات وَالثَّانِي اسْتشْهد بِهِ فِي صَلَاة الْجُمُعَة (الثَّوْريّ) كُله بِالْمُثَلثَةِ إِلَّا أَبَا يعلى مُحَمَّد بن الصَّلْت التوزي بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْوَاو الْمَفْتُوحَة وبالزاي ذكره البُخَارِيّ فِي كتاب الرِّدَّة (الْجريرِي) بِضَم الْجِيم وَفتح الرَّاء إِلَّا يحيى بن بشر الحريري شيخهما على مَا ذكره ابْن الصّلاح وَلم يعلم لَهُ الْمزي إِلَّا عَلامَة مُسلم فَقَط فبالحاء الْمَفْتُوحَة وعد ابْن الصّلاح من الأول ثَلَاثَة ثمَّ قَالَ وَهَذَا مَا فيهم بِالْجِيم المضمومة وأهمل رَابِعا وَهُوَ عَبَّاس ابْن فَروح روى لَهُ مُسلم فِي الاسْتِسْقَاء وخامسا وَهُوَ أبان بن ثَعْلَب روى لَهُ مُسلم أَيْضا (الْحَارِثِيّ) كُله بِالْحَاء وبالمثلثة ويقاربه سعد الْجَارِي بِالْجِيم وَبعد الرَّاء يَاء مُشَدّدَة نِسْبَة إِلَى الْجَارِي مرقى السفن بساحل الْمَدِينَة (الْحزَامِي) كُله بِالْحَاء وَالزَّاي وَقَوله فِي صَحِيح مُسلم فِي حَدِيث أبي الْيُسْر كَانَ لي على فلَان الحرامى قيل بالزاي وبالراء وَقيل الجذامى بِالْجِيم والذال الْمُعْجَمَة (الحرامي) بالمهملتين فِي الصَّحِيحَيْنِ جمَاعَة مِنْهُم جَابر بن عبد الله (السّلمِيّ) فِي الْأَنْصَار بِفَتْح اللَّام وَحكى كسرهَا وَفِي بني سليم بضمهما وَفتح اللَّام (الْهَمدَانِي) كُله بِإِسْكَان الْمِيم وَالدَّال الْمُهْملَة قَالَ الجياني أَبُو أَحْمد بن المرار بن حمويه الهمذاني بِفَتْح الْمِيم والذال مُعْجمَة يُقَال أَن البُخَارِيّ حدث عَنهُ فِي الشُّرُوط (وَاعْلَم) أَن كل مَا فِي البُخَارِيّ أخبرنَا مُحَمَّد قَالَ أخبرنَا عبد الله فَهُوَ ابْن مقَاتل الْمروزِي عَن ابْن الْمُبَارك وَمَا كَانَ أخبرنَا مُحَمَّد عَن أهل الْعرَاق كَأبي مُعَاوِيَة وَعَبدَة وَيزِيد بن هَارُون والفزاري فَهُوَ ابْن سَلام البيكندي وَمَا كَانَ فِيهِ عبد الله غير مَنْسُوب فَهُوَ عبد الله بن مُحَمَّد الْجعْفِيّ المسندي مولى مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ وَمَا كَانَ أخبرنَا يحيى غير مَنْسُوب فَهُوَ ابْن مُوسَى الْبَلْخِي واسحق غير مَنْسُوب هُوَ ابْن رَاهَوَيْه فَافْهَم (الْعَاشِرَة) قد أَكثر البُخَارِيّ من أَحَادِيث وأقوال الصَّحَابَة وَغَيرهم بِغَيْر إِسْنَاد فَإِن كَانَ بِصِيغَة جزم كقال وروى وَنَحْوهمَا فَهُوَ حكم مِنْهُ بِصِحَّتِهِ وَمَا كَانَ بِصِيغَة التمريض كروى وَنَحْوه فَلَيْسَ فِيهِ حكم بِصِحَّتِهِ وَلَكِن لَيْسَ هُوَ واهيا إِذْ لَو كَانَ واهيا لما أدخلهُ فِي صَحِيحه (فَإِن قلت) قد قَالَ مَا أدخلت فِي الْجَامِع إِلَّا مَا صَحَّ يخدش فِيهِ ذكره مَا كَانَ بِصِيغَة التمريض قلت مَعْنَاهُ مَا ذكرت فِيهِ مُسْندًا إِلَّا مَا صَحَّ وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ لَا يعلق فِي كِتَابه إِلَّا مَا كَانَ فِي نَفسه صَحِيحا مُسْندًا لكنه لم يسْندهُ ليفرق بَين مَا كَانَ على شَرطه فِي أصل كِتَابه وَبَين مَا لَيْسَ كَذَلِك وَقَالَ الْحميدِي وَالدَّارَقُطْنِيّ وَجَمَاعَة من الْمُتَأَخِّرين أَن هَذَا إِنَّمَا يُسمى تَعْلِيقا إِذا كَانَ بِصِيغَة الْجَزْم تَشْبِيها بتعليق الْجِدَار لقطع الِاتِّصَال وَإِنَّمَا سمي تَعْلِيقا إِذا انْقَطع من
(قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْحَافِظ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الْمُغيرَة البُخَارِيّ رَحمَه الله تَعَالَى آمين بَاب كَيفَ كَانَ بَدْء الْوَحْي إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَول الله جلّ ذكره {إِنَّا أَوْحَينَا إِلَيْك كَمَا أَوْحَينَا إِلَى نوح والنبيين من بعده} )
. بَيَان حَال الِافْتِتَاح ذكرُوا أَن من الْوَاجِب على مُصَنف كتاب أَو مؤلف رِسَالَة ثَلَاثَة أَشْيَاء وَهِي الْبَسْمَلَة والحمدلة وَالصَّلَاة وَمن الطّرق الْجَائِزَة أَرْبَعَة أَشْيَاء وَهِي مدح الْفَنّ وَذكر الْبَاعِث وَتَسْمِيَة الْكتاب وَبَيَان كَيْفيَّة الْكتاب من التَّبْوِيب وَالتَّفْصِيل أما الْبَسْمَلَة والحمدلة فَلِأَن كتاب الله تَعَالَى مَفْتُوح بهما وَلقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كل أَمر ذِي بَال لَا يبْدَأ فِيهِ بِذكر الله وببسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَهُوَ أقطع رَوَاهُ الْحَافِظ عبد الْقَادِر فِي أربعينه وَقَوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كل كَلَام لَا يبْدَأ فِيهِ بِحَمْد الله فَهُوَ أَجْذم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَفِي رِوَايَة ابْن ماجة كل أَمر ذِي بَال لم يبْدَأ فِيهِ بِالْحَمْد أقطع وَرَوَاهُ ابْن حبَان وَأَبُو عوَانَة فِي صَحِيحَيْهِمَا وَقَالَ ابْن الصّلاح هَذَا حَدِيث حسن بل صَحِيح (قَوْله أقطع) أَي قَلِيل الْبركَة وَكَذَلِكَ أَجْذم من جذم بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة يجذم بِفَتْحِهَا وَيُقَال أقطع وأجذم من الْقطع والجذام أَو من الْقطعَة وَهِي الْعَطش والجذام فَيكون مَعْنَاهُمَا أَنه لَا خير فِيهِ كالمجذوم وَالنَّخْل الَّتِي لَا يُصِيبهَا المَاء. وَأما الصَّلَاة فَلِأَن ذكره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مقرون بِذكرِهِ تَعَالَى وَلَقَد قَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى {ورفعنا لَك ذكرك} مَعْنَاهُ ذكرت حَيْثُمَا ذكرت وَفِي رِسَالَة الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى عَن مُجَاهِد فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة قَالَ لَا أذكر إِلَّا ذكرت أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وروى ذَلِك مَرْفُوعا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى رب الْعَالمين قَالَه النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم (فَإِن قيل) من ذكر الصَّلَاة كَانَ من الْوَاجِب عَلَيْهِ أَن يذكر السَّلَام مَعهَا لقرنها فِي الْأَمر بِالتَّسْلِيمِ وَلِهَذَا كره أهل الْعلم ترك ذَلِك (قلت) يرد هَذَا وُرُود الصَّلَاة فِي آخر التَّشَهُّد مُفْردَة (فَإِن قيل) ورد تَقْدِيم السَّلَام فَلهَذَا قَالُوا هَذَا السَّلَام فَكيف نصلي (قلت) يُمكن أَن يُجَاب بِمَا روى النَّسَائِيّ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَقُول فِي آخر قنوته وَصلى الله على النَّبِي وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام رغم أنف رجل ذكرت عِنْده فَلم يصل عَليّ والبخيل الَّذِي ذكرت عِنْده فَلم يصل عَليّ وَيجوز أَن يَدعِي أَن المُرَاد من التَّسْلِيم الاستسلام والانقياد فقد ورد ذَلِك فِي سُورَة النِّسَاء ويعضد ذَلِك تَخْصِيصه بِالْمُؤْمِنِينَ حَيْثُ كَانُوا مكلفين بأحكامه عَلَيْهِ السَّلَام وَيجوز أَن يَدعِي أَن الْجُمْلَة
الجزء 1 · صفحة 12
الثَّانِيَة تَأْكِيد للأولى ثمَّ إِن البُخَارِيّ رَحمَه الله لم يَأْتِ من هَذِه الْأَشْيَاء إِلَّا بالبسملة فَقَط وَذكر بَعضهم أَنه بَدَأَ بالبسملة للتبرك لِأَنَّهَا أول آيَة فِي الْمُصحف أجمع على كتَابَتهَا الصَّحَابَة. قلت لَا نسلم أَنَّهَا أول آيَة فِي الْمُصحف وَإِنَّمَا هِيَ آيَة من الْقُرْآن أنزلت للفصل بَين السُّور وَهَذَا مَذْهَب الْمُحَقِّقين من الْحَنَفِيَّة وَهُوَ قَول ابْن الْمُبَارك وَدَاوُد وَأَتْبَاعه وَهُوَ الْمَنْصُوص عَن أَحْمد على أَن طَائِفَة قَالُوا أَنَّهَا لَيست من الْقُرْآن إِلَّا فِي سُورَة النَّمْل وَهُوَ قَول مَالك وَبَعض الْحَنَفِيَّة وَبَعض الْحَنَابِلَة وَعَن الْأَوْزَاعِيّ أَنه قَالَ مَا أنزل الله فِي الْقُرْآن بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم إِلَّا فِي سُورَة النَّمْل وَحدهَا وَلَيْسَت بِآيَة تَامَّة وَإِنَّمَا الْآيَة {إِنَّه من سُلَيْمَان وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم} وروى عَن الشَّافِعِي أَيْضا أَنَّهَا لَيست من أَوَائِل السُّور غير الْفَاتِحَة وَإِنَّمَا يستفتح بهَا فِي السُّور تبركا بهَا ثمَّ أَنهم اعتذروا عَن البُخَارِيّ بأعذار هِيَ بمعزل عَن الْقبُول (الأول) أَن الحَدِيث لَيْسَ على شَرطه فَإِن فِي سَنَده قُرَّة بن عبد الرَّحْمَن وَلَئِن سلمنَا صِحَّته على شَرطه فَالْمُرَاد بِالْحَمْد الذّكر لِأَنَّهُ قد روى بِذكر الله تَعَالَى بدل حمد الله وَأَيْضًا تعذر اسْتِعْمَاله لِأَن التَّحْمِيد إِن قدم على التَّسْمِيَة خُولِفَ فِيهِ الْعَادة وَإِن ذكر بعْدهَا لم يَقع بِهِ الْبدَاءَة قلت هَذَا كَلَام واه جدا لِأَن الحَدِيث صَحِيح صَححهُ ابْن حبَان وَأَبُو عوَانَة وَقد تَابع سعيد بن عبد الْعَزِيز قُرَّة كَمَا أخرجه النَّسَائِيّ وَلَئِن سلمنَا أَن الحَدِيث لَيْسَ على شَرطه فَلَا يلْزم من ذَلِك ترك الْعَمَل بِهِ مَعَ الْمُخَالفَة لسَائِر المصنفين وَلَو فَرضنَا ضعف الحَدِيث أَو قَطعنَا النّظر عَن وُرُوده فَلَا يلْزم من ذَلِك أَيْضا ترك التَّحْمِيد المتوج بِهِ كتاب الله تَعَالَى والمفتتح بِهِ فِي أَوَائِل السُّور عَن الْكتب والخطب والرسائل وَقَوْلهمْ فَالْمُرَاد بِالْحَمْد الذّكر لَيْسَ بِجَوَاب عَن تَركه لفظ الْحَمد لِأَن لَفْظَة الذّكر غير لَفْظَة الْحَمد وَلَيْسَ الْآتِي بِلَفْظَة الذّكر آتِيَا بِلَفْظَة الْحَمد الْمُخْتَص بِالذكر فِي افْتِتَاح كَلَام الله تَعَالَى وَالْمَقْصُود التَّبَرُّك بِاللَّفْظِ الَّذِي افْتتح بِهِ كَلَام الله تَعَالَى وَقَوْلهمْ أَيْضا تعذر اسْتِعْمَاله إِلَى آخِره كَلَام من لَيْسَ لَهُ ذوق من الإدراكات لِأَن الأولية أَمر نسبي فَكل كَلَام بعده كَلَام هُوَ أول بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا بعده فَحِينَئِذٍ من سمى ثمَّ حمدا يكون بادئا بِكُل وَاحِد من الْبَسْمَلَة والحمدلة أما الْبَسْمَلَة فَلِأَنَّهَا وَقعت فِي أول كَلَامه وَأما الحمدلة فَلِأَنَّهَا أول أَيْضا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا بعْدهَا من الْكَلَام أَلا ترى أَنهم تركُوا العاطف بَينهمَا لِئَلَّا يشْعر بالتبعية فيخل بالتسوية وَبِهَذَا أُجِيب عَن الِاعْتِرَاض بقَوْلهمْ بَين الْحَدِيثين تعَارض ظَاهر إِذْ الِابْتِدَاء بِأَحَدِهِمَا يفوت الِابْتِدَاء بِالْآخرِ (الثَّانِي) إِن الِافْتِتَاح بالتحميد مَحْمُول على ابتداآت الْخطب دون غَيرهمَا زجرا عَمَّا كَانَت الْجَاهِلِيَّة عَلَيْهِ من تَقْدِيم الشّعْر المنظوم وَالْكَلَام المنثور لما روى أَن أَعْرَابِيًا خطب فَترك التَّحْمِيد فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام كل أَمر الحَدِيث قلت فِيهِ نظر لِأَن الْعبْرَة بِعُمُوم اللَّفْظ لَا بِخُصُوص السَّبَب (الثَّالِث) أَن حَدِيث الِافْتِتَاح بالتحميد مَنْسُوخ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام لما صَالح قُريْشًا عَام الْحُدَيْبِيَة كتب بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا مَا صَالح عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُول الله سُهَيْل بن عمر. فلولا نسخ لما تَركه قلت هَذَا أبعد الْأَجْوِبَة لعدم الدَّلِيل على ذَلِك لم لَا يجوز أَن يكون التّرْك لبَيَان الْجَوَاز (الرَّابِع) أَن كتاب الله عز وَجل مفتتح بهَا وَكتب رَسُوله عَلَيْهِ السَّلَام مُبتَدأَة بهَا فَلذَلِك تأسى البُخَارِيّ بهَا قلت لَا يلْزم من ذَلِك ترك التَّحْمِيد وَلَا فِيهِ إِشَارَة إِلَى تَركه (الْخَامِس) إِن أول مَا نزل من الْقُرْآن اقْرَأ و {يَا أَيهَا المدثر} وَلَيْسَ فِي ابتدائهما حمدا لله فَلم يجز أَن يَأْمر الشَّارِع بِمَا كتاب الله على خِلَافه قلت هَذَا سَاقِط جدا لِأَن الِاعْتِبَار بِحَالَة التَّرْتِيب العثماني لَا بِحَالَة النُّزُول إِذْ لَو كَانَ الْأَمر بِالْعَكْسِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَن يتْرك التَّسْمِيَة أَيْضا (السَّادِس) إِنَّمَا تَركه لِأَنَّهُ رَاعى قَوْله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله} فَلم يقدم بَين يَدي الله وَلَا رَسُوله شَيْئا وابتدأ بِكَلَام رَسُوله عوضا عَن كَلَام نَفسه (قلت) الْآتِي بالتحميد لَيْسَ بِمقدم شَيْئا أَجْنَبِيّا بَين يَدي الله وَرَسُوله وَإِنَّمَا هُوَ ذكره بثنائه الْجَمِيل لأجل التَّعْظِيم على أَنه مقدم بالترجمة وبسوق السَّنَد وَهُوَ من كَلَام نَفسه فالعجب أَنه يكون بالتحميد الَّذِي هُوَ تَعْظِيم الله تَعَالَى مقدما وَلَا يكون بالْكلَام الْأَجْنَبِيّ وَقَوْلهمْ التَّرْجَمَة وَإِن تقدّمت لفظا فَهِيَ كالمتأخرة تَقْديرا لتقدم الدَّلِيل على مَدْلُوله وضعا وَفِي حكم التبع لَيْسَ بِشَيْء لِأَن التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير من أَحْكَام الظَّاهِر لَا التَّقْدِير فَهُوَ فِي الظَّاهِر مقدم وَإِن كَانَ فِي نِيَّة التَّأْخِير وَقَوْلهمْ لتقدم الدَّلِيل على مَدْلُوله لَا دخل لَهُ هَهُنَا فَافْهَم (السَّابِع) إِن الَّذِي اقْتَضَاهُ لفظ الْحَمد أَن يحمد لَا أَن يَكْتُبهُ وَالظَّاهِر أَنه حمد بِلِسَانِهِ قلت يلْزم على هَذَا عدم إِظْهَار التَّسْمِيَة مَعَ مَا فِيهِ من الْمُخَالفَة لسَائِر المصنفين وَالْأَحْسَن فِيهِ مَا سمعته من بعض أساتذتي
الجزء 1 · صفحة 13
الْكِبَار أَنه ذكر الْحَمد بعد التَّسْمِيَة كَمَا هُوَ دأب المصنفين فِي مسودته كَمَا ذكره فِي بَقِيَّة مصنفاته وَإِنَّمَا سقط ذَلِك من بعض المبيضين فاستمر على ذَلِك وَالله تَعَالَى أعلم (بَيَان التَّرْجَمَة) لما كَانَ كِتَابه مَقْصُورا على أَخْبَار النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَدره بِبَاب بَدَأَ الْوَحْي لِأَنَّهُ يذكر فِيهِ أول شَأْن الرسَالَة وَالْوَحي وَذكر الْآيَة تبركا ولمناسبتها لما ترْجم لَهُ لِأَن الْآيَة فِي أَن الْوَحْي سنة الله تَعَالَى فِي أنبيائه عَلَيْهِم السَّلَام وَقَالَ بَعضهم لَو قَالَ كَيفَ كَانَ الْوَحْي وبدؤه لَكَانَ أحسن لِأَنَّهُ تعرض لبَيَان كَيْفيَّة الْوَحْي لَا لبَيَان كَيْفيَّة بَدْء الْوَحْي وَكَانَ يَنْبَغِي أَن لَا يقدم عَلَيْهِ عقب التَّرْجَمَة غَيره ليَكُون أقرب إِلَى الْحسن وَكَذَا حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَجود النَّاس لَا يدل على بَدْء الْوَحْي وَلَا تعرض لَهُ غير أَنه لم يقْصد بِهَذِهِ التَّرْجَمَة تَحْسِين الْعبارَة وَإِنَّمَا مَقْصُوده فهم السَّامع والقارىء إِذا قَرَأَ الحَدِيث علم مَقْصُوده من التَّرْجَمَة فَلم يشْتَغل بهَا تعويلا مِنْهُ على فهم القارىء وَاعْترض بِأَنَّهُ لَيْسَ قَوْله لَكَانَ أحسن مُسلما لأَنا لَا نسلم أَنه لَيْسَ بَيَانا لكيفية بَدْء الْوَحْي إِذْ يعلم مِمَّا فِي الْبَاب أَن الْوَحْي كَانَ ابتداؤه على حَال الْمقَام ثمَّ فِي حَال الْخلْوَة بِغَار حراء على الْكَيْفِيَّة الْمَذْكُورَة من الغط وَنَحْوه ثمَّ مَا فر هُوَ مِنْهُ لَازم عَلَيْهِ على هَذَا التَّقْدِير أَيْضا إِذْ البدء عطف على الْوَحْي كَمَا قَرَّرَهُ فَيصح أَن يُقَال ذَلِك إيرادا عَلَيْهِ وَلَيْسَ قَوْله كَانَ يَنْبَغِي أَيْضا مُسلما إِذْ هُوَ بِمَنْزِلَة الْخطْبَة وَقصد التَّقَرُّب فالسلف كَانُوا يستحبون افْتِتَاح كَلَامهم بِحَدِيث النِّيَّة بَيَانا لإخلاصهم فِيهِ وَلَيْسَ وَكَذَا حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا مُسلما إِذْ فِيهِ بَيَان حَال رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد ابْتِدَاء نزُول الْوَحْي أَو عِنْد ظُهُور الْوَحْي وَالْمرَاد من حَال ابْتِدَاء الْوَحْي حَاله مَعَ كل مَا يتَعَلَّق بِشَأْنِهِ أَي تعلق كَانَ كَمَا فِي التَّعَلُّق الَّذِي للْحَدِيث الهرقلي وَهُوَ أَن هَذِه الْقِصَّة وَقعت فِي أَحْوَال الْبعْثَة ومباديها أَو المُرَاد بِالْبَابِ بجملته بَيَان كَيْفيَّة بَدْء الْوَحْي لَا من كل حَدِيث مِنْهُ فَلَو علم من مَجْمُوع مَا فِي الْبَاب كَيْفيَّة بَدْء الْوَحْي من كل حَدِيث شَيْء مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ لصحت التَّرْجَمَة (بَيَان اللُّغَة) لباب أَصله البوب قلبت الْوَاو ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا وَيجمع على أَبْوَاب وَقد قَالُوا أبوبة وَقَالَ الْقِتَال الْكلابِي واسْمه عبد الله بن الْمُجيب يرثي حَنْظَلَة بن عبد الله بن الطُّفَيْل.
وَأوحى ووحى لُغَتَانِ وَالْأولَى أفْصح وَبهَا ورد الْقُرْآن وَقد يُطلق وَيُرَاد بهَا اسْم الْمَفْعُول مِنْهُ أَي الموحى وَفِي اصْطِلَاح الشَّرِيعَة هُوَ كَلَام الله الْمنزل على نَبِي من أنبيائه وَالرَّسُول عرفه كثير مِنْهُم بِمن جمع إِلَى المعجزة الْكتاب الْمنزل عَلَيْهِ وَهَذَا تَعْرِيف غير صَحِيح لِأَنَّهُ يلْزم على هَذَا أَن يخرج جمَاعَة من الرُّسُل عَن كَونهم رسلًا كآدم ونوح وَسليمَان عَلَيْهِم السَّلَام فَإِنَّهُم رسل بِلَا خلاف وَلم ينزل عَلَيْهِم كتاب وَكَذَا قَالَ صَاحب الْبِدَايَة الرَّسُول هُوَ النَّبِي الَّذِي مَعَه كتاب كموسى عَلَيْهِ السَّلَام وَالنَّبِيّ هُوَ الَّذِي ينبىء عَن الله تَعَالَى وَإِن لم يكن مَعَه كتاب كيوشع عَلَيْهِ السَّلَام وَتَبعهُ على ذَلِك الشَّيْخ قوام الدّين وَالشَّيْخ أكمل الدّين فِي شرحيهما والتعريف الصَّحِيح أَن الرَّسُول من نزل عَلَيْهِ كتاب أَو أَتَى إِلَيْهِ ملك وَالنَّبِيّ من يوقفه الله تَعَالَى على الْأَحْكَام أَو يتبع رَسُولا آخر فَكل رَسُول نَبِي من غير عكس قَوْله وَقَول الله تَعَالَى القَوْل مَا ينْطق بِهِ اللِّسَان تَاما كَانَ أَو نَاقِصا وَيُطلق على الْكَلَام والكلم والكلمة وَيُطلق مجَازًا على الرَّأْي والاعتقاد كَقَوْلِك فلَان يَقُول بقول أبي حنيفَة رَضِي الله عَنهُ وَيذْهب إِلَى قَول مَالك وَيسْتَعْمل فِي غير النُّطْق قَالَ أَبُو النَّجْم
(قَالَت لَهُ الطير تقدم راشدا ... إِنَّك لَا ترجع إِلَّا حامدا)
وَمِنْه قَوْله عز وَجل {إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون} وَقَوله تَعَالَى {فَقَالَ لَهَا وللأرض ائتيا طَوْعًا أَو كرها قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين} قَوْله من بعده بعد نقيض قبل وهما اسمان يكونَانِ ظرفين إِذا أضيفا وأصلهما الْإِضَافَة فَمَتَى حذفت الْمُضَاف إِلَيْهِ لعلم الْمُخَاطب بنيتهما على الضَّم ليعلم أَنه مَبْنِيّ إِذا كَانَ الضَّم لَا يدخلهما إعرابا لِأَنَّهُمَا لَا يصلح وقوعهما موقع الْفَاعِل وَلَا موقع الْمُبْتَدَأ وَلَا الْخَبَر فَافْهَم (بَيَان الصّرْف) كَيفَ لَا يتَصَرَّف لِأَنَّهُ جامد والبدء مصدر من بدأت الشَّيْء كَمَا مر وَالْوَحي كَذَلِك من وحيت إِلَيْهِ وَحيا وَهَهُنَا اسْم فَافْهَم ومصدر أوحى إيحاء وَالرَّسُول صفة مشبهة يُقَال أرْسلت فلَانا فِي رِسَالَة فَهُوَ مُرْسل وَرَسُول وَهَذِه صِيغَة يَسْتَوِي فِيهَا الْوَاحِد وَالْجمع والمذكر والمؤنث مثل عَدو وصديق قَالَ عز وَجل {إِنَّا رَسُول رب الْعَالمين} وَلم يقل أَنا رسل لِأَن فعيلا وفعولا يَسْتَوِي فيهمَا هَذِه الْأَشْيَاء وَفِي الْعباب الرَّسُول الْمُرْسل وَالْجمع رسل ورسل ورسلاء
الجزء 1 · صفحة 15
وَهَذَا عَن الْفراء وَالْقَوْل مصدر تَقول قَالَ يَقُول قولا وقولة ومقالا ومقالة وَقَالا يُقَال أَكثر القال والقيل وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ {ذَلِك عِيسَى ابْن مَرْيَم قَول الْحق الَّذِي فِيهِ يمترون} وَيُقَال القال الِابْتِدَاء والقيل الْجَواب وأصل قلت قولت بِالْفَتْح وَلَا يجوز أَن يكون بِالضَّمِّ لِأَنَّهُ يتَعَدَّى وَرجل قَول وَقوم قَول وَرجل مقول ومقوال وقولة مثل تؤدة وتقولة عَن الْفراء وتقوالة عَن الْكسَائي أَي لَيْسَ كثير القَوْل وَالْمقول اللِّسَان وَالْمقول القيل بلغَة أهل الْيمن وَقُلْنَا بِهِ أَي قُلْنَاهُ (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله بَاب بِالرَّفْع خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي هَذَا بَاب وَيجوز فِيهِ التَّنْوِين بِالْقطعِ عَمَّا بعده وَتَركه للإضافة إِلَى مَا بعده وَقَالَ بعض الشُّرَّاح يجوز فِيهِ بَاب بِصُورَة الْوَقْف على سَبِيل التعداد فَلَا إِعْرَاب لَهُ حِينَئِذٍ وخدشه بَعضهم وَلم يبين وَجهه غير أَنه قَالَ وَلم تَجِيء بِهِ الرِّوَايَة قلت لَا مَحل للخدش فِيهِ لِأَن مثل هَذَا اسْتعْمل كثيرا فِي أثْنَاء الْكتب يُقَال عِنْد انْتِهَاء كَلَام بَاب أَو فصل بِالسُّكُونِ ثمَّ يشرع فِي كَلَام آخر وَحكمه حكم تعداد الْكَلِمَات وَلَا مَانع من جَوَازه غير أَنه لَا يسْتَحق الْإِعْرَاب لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إِلَّا بعد العقد والتركيب وَرَأَيْت كثيرا من الْفُضَلَاء الْمُحَقِّقين يَقُولُونَ فصل مهما فصل لَا ينون وَمهما وصل ينون لِأَن الْإِعْرَاب يكون بالتركيب وَقَوله لم تَجِيء بِهِ الرِّوَايَة لَا يصلح سندا للْمَنْع لِأَن التَّوَقُّف على الرِّوَايَة إِنَّمَا يكون فِي متن الْكتاب أَو السّنة وَأما فِي غَيرهمَا من التراكيب يتَصَرَّف مهما يكون بعد أَن لَا يكون خَارِجا عَن قَوَاعِد الْعَرَبيَّة وَوَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر عَن مشايخه الثَّلَاثَة هَكَذَا كَيفَ كَانَ بَدْء الْوَحْي إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الخ بِدُونِ لَفْظَة بَاب (فَإِن قلت) مَا يكون مَحل كَيفَ من الْإِعْرَاب على هَذَا الْوَجْه قلت يجوز أَن يكون حَالا كَمَا فِي قَوْلك كَيفَ جَاءَ زيد أَي على أَي حَالَة جَاءَ زيد وَالتَّقْدِير هَهُنَا على أَي حَالَة كَانَ ابْتِدَاء الْوَحْي إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَقَول بَعضهم هَهُنَا وَالْجُمْلَة فِي مَحل الرّفْع لَا وَجه لَهُ لِأَن الْجُمْلَة من حَيْثُ هِيَ لَا تسْتَحقّ من الْإِعْرَاب شَيْئا إِلَّا إِذا وَقعت فِي موقع الْمُفْرد وَهُوَ فِي مَوَاضِع مَعْدُودَة قد بيّنت فِي موضعهَا وَلَيْسَ هَهُنَا موقع يَقْتَضِي الرّفْع وَإِنَّمَا الَّذِي يَقْتَضِي هُوَ النصب على الحالية كَمَا ذكرنَا وَهُوَ من جملَة تِلْكَ الْمَوَاضِع فَافْهَم قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جملَة خبرية وَلكنهَا لما كَانَت دُعَاء صَارَت إنْشَاء لِأَن الْمَعْنى اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وَكَذَا الْكَلَام فِي سلم قَوْله وَقَول الله تَعَالَى يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ الرّفْع على الِابْتِدَاء وَخَبره قَوْله {إِنَّا أَوْحَينَا إِلَيْك} الخ والجر عطف على الْجُمْلَة الَّتِي أضيف إِلَيْهَا الْبَاب وَالتَّقْدِير بَاب كَيفَ كَانَ ابْتِدَاء الْوَحْي وَبَاب معنى قَول الله عز وَجل وَإِنَّمَا لم يقدر وَبَاب كَيفَ قَول الله لِأَن قَول الله تَعَالَى لَا يكيف وَقَالَ بعض الشُّرَّاح قَالَ النَّوَوِيّ فِي تلخيصه وَقَول الله مجرور ومرفوع مَعْطُوف على كَيفَ قلت وَجه الْعَطف فِي كَونه مجرورا ظَاهر وَأما الرّفْع كَيفَ يكون بالْعَطْف على كَيفَ وَلَيْسَ فِيهِ الرّفْع فَافْهَم. قَوْله {إِلَيْك} فِي مَحل النصب على المفعولية قَوْله {كَمَا أَوْحَينَا} كلمة مَا هَهُنَا مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير كوحينا ومحلها الْجَرّ بكاف التَّشْبِيه قَوْله {إِلَى نوح} بِالصرْفِ وَكَانَ الْقيَاس فِيهِ منع الصّرْف للعجمة والعلمية إِلَّا أَن الخفة فِيهَا قاومت أحد السببين فصرفت لذَلِك وَقوم يجرونَ نَحوه على الْقيَاس فَلَا يصرفونه لوُجُود السببين واللغة الفصيحة الَّتِي عَلَيْهَا التَّنْزِيل (بَيَان الْمعَانِي) اعْلَم أَن كَيفَ متضمنة معنى همزَة الِاسْتِفْهَام لِأَنَّهُ سُؤال عَن الْحَال وَهُوَ الِاسْتِفْهَام وَقد يكون للإنكار والتعجب كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {كَيفَ تكفرون بِاللَّه وكنتم أَمْوَاتًا} الْمَعْنى أتكفرون بِاللَّه وَمَعَكُمْ مَا يصرف عَن الْكفْر وَيَدْعُو إِلَى الْإِيمَان وَهُوَ الْإِنْكَار والتعجب وَنَظِيره قَوْلك أتطير بِغَيْر جنَاح وَكَيف تطير بِغَيْر جنَاح قَوْله {إِنَّا أَوْحَينَا} كلمة إِن للتحقيق والتأكيد وَقد علم أَن الْمُخَاطب إِذا كَانَ خَالِي الذِّهْن من الحكم بِأحد طرفِي الْخَبَر على الآخر نفيا وإثباتا والتردد فِيهِ اسْتغنى عَن ذكر مؤكدات الحكم وَإِن كَانَ متصورا لطرفيه مترددا فِيهِ طَالبا للْحكم حسن تقويته بمؤكد وَاحِد من أَن أَو اللَّام أَو غَيرهمَا كَقَوْلِك لزيد عَارِف أَو إِن زيدا عَارِف وَإِن كَانَ مُنْكرا للْحكم الَّذِي أَرَادَهُ الْمُتَكَلّم وَجب توكيده بِحَسب الْإِنْكَار فَكلما زَاد الْإِنْكَار اسْتوْجبَ زِيَادَة التَّأْكِيد فَتَقول لمن لَا يُبَالغ فِي إِنْكَار صدقك إِنِّي صَادِق وَلمن بَالغ فِيهِ إِنِّي لصَادِق وَلمن أوغل فِيهِ وَالله إِنِّي لصَادِق وَيُسمى الضَّرْب الأول ابتدائيا وَالثَّانِي طلبيا وَالثَّالِث إنكاريا وَيُسمى إِخْرَاج الْكَلَام على هَذِه الْوُجُوه إخراجا على مُقْتَضى الظَّاهِر وَكَثِيرًا مَا يخرج على خِلَافه لنكتة من النكات كَمَا عرف فِي مَوْضِعه والنكتة فِي تَأْكِيد قَوْله {أَوْحَينَا إِلَيْك} بقوله إِن لأجل الْكَلَام السَّابِق لِأَن الْآيَة جَوَاب لما تقدم من قَوْله تَعَالَى (يَسْأَلك
الجزء 1 · صفحة 16
أهل الْكتاب أَن تنزل عَلَيْهِم كتابا من السَّمَاء} الْآيَة فَأعْلم الله تَعَالَى أَن أمره كأمر النَّبِيين من قبله يُوحى إِلَيْهِ كَمَا يُوحى إِلَيْهِم وَقَالَ عبد القاهر فِي نَحْو قَوْله تَعَالَى {وَمَا أبرىء نَفسِي إِن النَّفس لأمارة بالسوء} . {وصل عَلَيْهِم إِن صَلَاتك سكن لَهُم} {التَّوْبَة وَيَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم إِن زَلْزَلَة السَّاعَة شَيْء عَظِيم} وَغير ذَلِك مِمَّا يشابه هَذِه أَن التَّأْكِيد فِي مثل هَذِه المقامات لتصحيح الْكَلَام السَّابِق والاحتجاج لَهُ وَبَيَان وَجه الْفَائِدَة فِيهِ ثمَّ النُّون فِي قَوْله {أَوْحَينَا} للتعظيم وَقد علم أَن نَا وضعت للْجَمَاعَة فَإِذا أطلقت على الْوَاحِد يكون للتعظيم فَافْهَم (بَيَان الْبَيَان) الْكَاف فِي قَوْله {كَمَا أَوْحَينَا} للتشبيه وَهِي الْكَاف الجارة والتشبيه هُوَ الدّلَالَة على مُشَاركَة أَمر لأمر فِي وصف من أَوْصَاف أَحدهمَا فِي نَفسه كالشجاعة فِي الْأسد والنور فِي الشَّمْس والمشبه هَهُنَا الْوَحْي إِلَى مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والمشبه بِهِ الْوَحْي إِلَى نوح والنبيين من بعده وَوجه التَّشْبِيه هُوَ كَونه وَحي رِسَالَة لَا وَحي إلهام لِأَن الْوَحْي يَنْقَسِم على وُجُوه وَالْمعْنَى أَوْحَينَا إِلَيْك وَحي رِسَالَة كَمَا أَوْحَينَا إِلَى الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام وَحي رِسَالَة لَا وَحي إلهام. (بَيَان التَّفْسِير) هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي سُورَة النِّسَاء وَسبب نزُول الْآيَة وَمَا قبلهَا أَن الْيَهُود قَالُوا للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن كنت نَبيا فأتنا بِكِتَاب جملَة من السَّمَاء كَمَا أَتَى بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَأنْزل الله تَعَالَى {يَسْأَلك أهل الْكتاب} الْآيَات فَأعْلم الله تَعَالَى أَنه نَبِي يُوحى إِلَيْهِ كَمَا يُوحى إِلَيْهِم وَأَن أمره كأمرهم (فَإِن قلت) لم خصص نوحًا عَلَيْهِ السَّلَام بِالذكر وَلم يذكر آدم عَلَيْهِ السَّلَام مَعَ أَنه أول الْأَنْبِيَاء الْمُرْسلين. قلت أجَاب عَنهُ بعض الشُّرَّاح بجوابين. الأول أَنه أول مشرع عِنْد بعض الْعلمَاء. وَالثَّانِي أَنه أول نَبِي عُوقِبَ قومه فخصصه بِهِ تهديدا لقوم مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِيهِمَا نظر. أما الأول فَلَا نسلم أَنه أول مشرع بل أول مشرع هُوَ آدم عَلَيْهِ السَّلَام فَإِنَّهُ أول نَبِي أرسل إِلَى بنيه وَشرع لَهُم الشَّرَائِع ثمَّ بعده قَامَ بأعباء الْأَمر شِيث عَلَيْهِ السَّلَام وَكَانَ نَبيا مُرْسلا وَبعده إِدْرِيس عَلَيْهِ السَّلَام بَعثه الله إِلَى ولد قابيل ثمَّ رَفعه الله إِلَى السَّمَاء. وَأما الثَّانِي فَلِأَن شِيث عَلَيْهِ السَّلَام هُوَ أول من عذب قومه بِالْقَتْلِ وَذكر الْفربرِي فِي تَارِيخه أَن شِيث عَلَيْهِ السَّلَام سَار إِلَى أَخِيه قابيل فقاتله بِوَصِيَّة أَبِيه لَهُ بذلك مُتَقَلِّدًا بِسيف أَبِيه وَهُوَ أول من تقلد بِالسَّيْفِ وَأخذ أَخَاهُ أَسِيرًا وسلسله وَلم يزل كَذَلِك إِلَى أَن قبض كَافِرًا وَالَّذِي يظْهر لي من الْجَواب الشافي عَن هَذَا أَن نوحًا عَلَيْهِ السَّلَام هُوَ الْأَب الثَّانِي وَجَمِيع أهل الأَرْض من أَوْلَاد نوح الثَّلَاثَة لقَوْله تَعَالَى {وَجَعَلنَا ذُريَّته هم البَاقِينَ} فَجَمِيع النَّاس من ولد سَام وَحَام وَيَافث وَذَلِكَ لِأَن كل من كَانَ على وَجه الأَرْض قد هَلَكُوا بالطوفان إِلَّا أَصْحَاب السَّفِينَة وَقَالَ قَتَادَة لم يكن فِيهَا إِلَّا نوح عَلَيْهِ السَّلَام وَامْرَأَته وَثَلَاثَة بنيه سَام وَحَام وَيَافث وَنِسَاؤُهُمْ فَجَمِيعهمْ ثَمَانِيَة وَقَالَ ابْن إِسْحَق كَانُوا عشرَة سوى نِسَائِهِم وَقَالَ مقَاتل كَانُوا اثْنَيْنِ وَسبعين نفسا وَعَن ابْن عَبَّاس كَانُوا ثَمَانِينَ إنْسَانا أحدهم جرهم وَالْمَقْصُود لما خَرجُوا من السَّفِينَة مَاتُوا كلهم مَا خلا نوحًا وبنيه الثَّلَاثَة وأزواجهم ثمَّ مَاتَ نوح عَلَيْهِ السَّلَام وَبَقِي بنوه الثَّلَاثَة فَجَمِيع الْخلق مِنْهُم وَكَانَ نوح عَلَيْهِ السَّلَام أول الْأَنْبِيَاء الْمُرْسلين بعد الطوفان وَسَائِر الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام بعده مَا خلا آدم وشيث وَإِدْرِيس فَلذَلِك خصّه الله تَعَالَى بِالذكر وَلِهَذَا عطف عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاء لكثرتهم بعده. (بَيَان تصدير الْبَاب بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَة) اعْلَم أَن عَادَة البُخَارِيّ رَحمَه الله تَعَالَى أَن يضم إِلَى الحَدِيث الَّذِي يذكرهُ مَا يُنَاسِبه من قُرْآن أَو تَفْسِير لَهُ أَو حَدِيث على غير شَرطه أَو أثر عَن بعض الصَّحَابَة أَو عَن بعض التَّابِعين بِحَسب مَا يَلِيق عِنْده ذَلِك الْمقَام. وَمن عَادَته فِي تراجم الْأَبْوَاب ذكر آيَات كَثِيرَة من الْقُرْآن وَرُبمَا اقْتصر فِي بعض الْأَبْوَاب عَلَيْهَا فَلَا يذكر مَعهَا شَيْئا أصلا وَأَرَادَ بِذكر هَذِه الْآيَة فِي أول هَذَا الْكتاب الْإِشَارَة إِلَى أَن الْوَحْي سنة الله تَعَالَى فِي أنبيائه عَلَيْهِم السَّلَام.
1 - حَدثنَا الْحميدِي عبد الله بن الزبير قَالَ حَدثنَا سُفْيَان قَالَ حَدثنَا يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ قَالَ أَخْبرنِي مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ أَنه سمع عَلْقَمَة بن وَقاص اللَّيْثِيّ يَقُول سَمِعت عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ على الْمِنْبَر قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امرىء مَا نوى فَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا يُصِيبهَا أَو إِلَى امْرَأَة
الجزء 1 · صفحة 17
ينْكِحهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ (بَيَان تعلق الحَدِيث بِالْآيَةِ) إِن الله تَعَالَى أوحى إِلَى نَبينَا وَإِلَى جَمِيع الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام إِن الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَالْحجّة لَهُ قَوْله تَعَالَى {وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدّين} وَقَوله تَعَالَى {شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك} الْآيَة. وَالْإِخْلَاص النِّيَّة. قَالَ أَبُو الْعَالِيَة وصاهم بالإخلاص فِي عِبَادَته وَقَالَ مُجَاهِد أوصيناك بِهِ والأنبياء دينا وَاحِدًا وَمعنى شرع لكم من الدّين دين نوح وَمُحَمّد وَمن بَينهمَا من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام ثمَّ فسر الشَّرْع الْمُشْتَرك بَينهم فَقَالَ {أَن أقِيمُوا الدّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ} . (بَيَان تعلق الحَدِيث بالترجمة) ذكر فِيهِ وُجُوه الأول أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خطب بِهَذَا الحَدِيث لما قدم الْمَدِينَة حِين وصل إِلَى دَار الْهِجْرَة وَذَلِكَ كَانَ بعد ظُهُوره وَنَصره واستعلائه فَالْأول مبدأ النُّبُوَّة والرسالة والاصطفاء وَهُوَ قَوْله بَاب بَدْء الْوَحْي. وَالثَّانِي بَدْء النَّصْر والظهور وَمِمَّا يُؤَيّدهُ أَن الْمُشْركين كَانُوا يُؤْذونَ الْمُؤمنِينَ بِمَكَّة فشكوا إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وسألوه أَن يغتالوا من أمكنهم مِنْهُم ويغدروا بِهِ فَنزلت {إِن الله يدافع عَن الَّذين آمنُوا إِن الله لَا يحب كل خوان كفور} فنهوا عَن ذَلِك وَأمرُوا بِالصبرِ إِلَى أَن هَاجر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَنزلت {أذن للَّذين يُقَاتلُون بِأَنَّهُم ظلمُوا} الْآيَة فأباح الله قِتَالهمْ فَكَانَ إِبَاحَة الْقِتَال مَعَ الْهِجْرَة الَّتِي هِيَ سَبَب النُّصْرَة وَالْغَلَبَة وَظُهُور الْإِسْلَام الثَّانِي أَنه لما كَانَ الحَدِيث مُشْتَمِلًا على الْهِجْرَة وَكَانَت مُقَدّمَة النُّبُوَّة فِي حَقه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هجرته إِلَى الله تَعَالَى ومناجاته فِي غَار حراء فَهجرَته إِلَيْهِ كَانَت ابْتِدَاء فَضله باصطفائه ونزول الْوَحْي عَلَيْهِ مَعَ التأييد الإلهي والتوفيق الرباني الثَّالِث أَنه إِنَّمَا أَتَى بِهِ على قصد الْخطْبَة والترجمة للْكتاب وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل التَّيْمِيّ لما كَانَ الْكتاب معقودا على أَخْبَار النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم طلب المُصَنّف تصديره بِأول شَأْن الرسَالَة وَهُوَ الْوَحْي وَلم ير أَن يقدم عَلَيْهِ شَيْئا لَا خطْبَة وَلَا غَيرهَا بل أورد حَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ بَدَلا من الْخطْبَة وَقَالَ بَعضهم ولهذه النُّكْتَة اخْتَار سِيَاق هَذِه الطَّرِيق لِأَنَّهَا تَضَمَّنت أَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ خطب بِهَذَا الحَدِيث على الْمِنْبَر فَلَمَّا صلح أَن يدْخل فِي خطْبَة المنابر كَانَ صَالحا أَن يدْخل فِي خطْبَة الدفاتر قلت هَذَا فِيهِ نظر لِأَن الْخطْبَة عبارَة عَن كَلَام مُشْتَمل على الْبَسْمَلَة والحمدلة وَالثنَاء على الله تَعَالَى بِمَا هُوَ أَهله وَالصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيكون فِي أول الْكَلَام والْحَدِيث غير مُشْتَمل على ذَلِك وَكَيف يقْصد بِهِ الْخطْبَة مَعَ أَنه فِي أَوسط الْكَلَام وَقَول الْقَائِل فَلَمَّا صلح أَن يدْخل فِي خطْبَة المنابر إِلَى آخِره غير سديد لِأَن خطْبَة المنابر غير خطْبَة الدفاتر فَكيف تقوم مقَامهَا وَذَلِكَ لِأَن خطْبَة المنابر تشْتَمل على مَا ذكرنَا مَعَ اشتمالها على الْوَصِيَّة بالتقوى والوعظ والتذكير وَنَحْو ذَلِك بِخِلَاف خطْبَة الدفاتر فَإِنَّهَا بِخِلَاف ذَلِك أما سمع هَذَا الْقَائِل لكل مَكَان مقَال غَايَة مَا فِي الْبَاب أَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ خطب للنَّاس وَذكر فِي خطبَته فِي جملَة مَا ذكر هَذَا الحَدِيث وَلم يقْتَصر على ذكر الحَدِيث وَحده وَلَئِن سلمنَا أَنه اقْتصر فِي خطبَته على هَذَا الحَدِيث وَلَكِن لَا نسلم أَن تكون خطبَته بِهِ دَلِيلا على صَلَاحه أَن تكون خطْبَة فِي أَوَائِل الْكتب لما ذكرنَا فَهَل يصلح أَن يقوم التَّشَهُّد مَوضِع الْقُنُوت أَو الْعَكْس وَنَحْو ذَلِك وَذكروا فِيهِ أوجها أُخْرَى كلهَا مدخولة (بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة الأول الْحميدِي هُوَ أَبُو بكر عبد الله بن الزبير بن عِيسَى بن عبد الله بن الزبير بن عبد الله بن حميد بن أُسَامَة بن زُهَيْر بن الْحَرْث بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي الْقرشِي الْأَسدي يجْتَمع مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قصي وَمَعَ خَدِيجَة بنت خويلد بن أَسد زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَسد بن عبد الْعُزَّى من رُؤَسَاء أَصْحَاب ابْن عُيَيْنَة توفّي بِمَكَّة سنة تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ وروى مُسلم فِي الْمُقدمَة عَن سَلمَة بن شبيب عَنهُ الثَّانِي سُفْيَان بن عُيَيْنَة ابْن أبي عمرَان مَيْمُون مولى مُحَمَّد بن مُزَاحم أخي الضَّحَّاك إِمَام جليل فِي الحَدِيث وَالْفِقْه وَالْفَتْوَى وَهُوَ أحد مَشَايِخ الشَّافِعِي ولد سنة سبع وَمِائَة وَتُوفِّي غرَّة رَجَب سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة الثَّالِث يحيى بن سعيد بن قيس بن عَمْرو بن سهل بن ثَعْلَبَة بن الْحَارِث بن زيد بن ثَعْلَبَة بن غنم بن مَالك بن النجار الْأنْصَارِيّ الْمدنِي تَابِعِيّ مَشْهُور من أَئِمَّة
الجزء 1 · صفحة 18
الْمُسلمين ولى قَضَاء الْمَدِينَة وأقدمه الْمَنْصُور الْعرَاق وولاه الْقَضَاء بالهاشمية وَتُوفِّي بهَا سنة ثَلَاث وَقيل أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة روى لَهُ الْجَمَاعَة الرَّابِع مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَرْث بن خَالِد بن صَخْر بن عَامر بن كَعْب بن سعد بن تَمِيم بن مرّة كَانَ كثير الحَدِيث توفّي سنة عشْرين وَمِائَة روى لَهُ الْجَمَاعَة الْخَامِس عَلْقَمَة بن وَقاص اللَّيْثِيّ يكنى بِأبي وَاقد ذكره أَبُو عَمْرو بن مَنْدَه فِي الصَّحَابَة وَذكره الْجُمْهُور فِي التَّابِعين توفّي بِالْمَدِينَةِ أَيَّام عبد الْملك بن مَرْوَان السَّادِس عمر بن الْخطاب بن نفَيْل بن عبد الْعُزَّى بن ريَاح بِكَسْر الرَّاء وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف بن عبد الله بن قرط بن رزاح بِفَتْح الرَّاء أَوله ثمَّ زَاي مَفْتُوحَة أَيْضا ابْن عدي أخي مرّة وهصيص ابْني كَعْب بن لؤَي الْعَدوي الْقرشِي يجْتَمع مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي كَعْب الْأَب الثَّامِن وَأمه حنتمة بِالْحَاء الْمُهْملَة بنت هَاشم بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر أخي عَامر وَعمْرَان ابْني مَخْزُوم بن يقظة بن مرّة بن كَعْب وَقَالَ أَبُو عمر وَالصَّحِيح أَنَّهَا بنت هَاشم وَقيل بنت هِشَام فَمن قَالَ بنت هِشَام فَهِيَ أُخْت أبي جهل وَمن قَالَ بنت هَاشم فَهِيَ ابْنة عَم أبي جهل (بَيَان ضبط الرِّجَال) الْحميدِي بِضَم الْحَاء وَفتح الْمِيم وسُفْيَان بِضَم السِّين على الْمَشْهُور وَحكى كسرهَا وَفتحهَا أَيْضا وَأَبوهُ عُيَيْنَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعدهَا يَاء أُخْرَى سَاكِنة ثمَّ نون مَفْتُوحَة وَفِي آخِره هَاء وَيُقَال بِكَسْر الْعين أَيْضا وعلقمة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة والوقاص بتَشْديد الْقَاف (بَيَان الْأَنْسَاب) الْحميدِي نِسْبَة إِلَى جده حميد الْمَذْكُور بِالضَّمِّ وَقَالَ السَّمْعَانِيّ نِسْبَة إِلَى حميد بطن من أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي وَقيل مَنْسُوب إِلَى الحميدات قَبيلَة وَقد يشْتَبه هَذَا بالحميدي الْمُتَأَخر صَاحب الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ وَهُوَ الْعَلامَة أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد بن يصل بِكَسْر الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالصَّاد الْمُهْملَة الْمَكْسُورَة ثمَّ لَام الأندلسي الإِمَام ذُو التصانيف فِي فنون سمع الْخَطِيب وطبقته وبالأندلس ابْن حزم وَغَيره وَعنهُ الْخَطِيب وَابْن مَاكُولَا وَخلق ثِقَة متقن مَاتَ بِبَغْدَاد سَابِع عشر ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة وَهُوَ يشْتَبه بالحميدي بِالْفَتْح وَكسر الْمِيم نِسْبَة لإسحاق بن تكينك الْحميدِي مولى الْأَمِير الحميد الساماني والأنصاري نِسْبَة إِلَى الْأَنْصَار واحدهم نصير كشريف وأشراف وَقيل نَاصِر كصاحب وَأَصْحَاب وَهُوَ وصف لَهُم بعد الْإِسْلَام وهم قبيلتان الْأَوْس والخزرج ابْنا حَارِثَة بِالْحَاء الْمُهْملَة ابْن ثَعْلَبَة بن مَازِن ابْن الأزد بن الْغَوْث بن نبت بن مَالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عَامر بن شالخ بن أرفخشد بن سَام بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام والتيمي نِسْبَة إِلَى عدَّة قبائل اسْمهَا تيم مِنْهَا تيم قُرَيْش مِنْهَا خلق كثير من الصَّحَابَة فَمن بعدهمْ مِنْهَا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور والليثي نِسْبَة إِلَى لَيْث بن بكر (بَيَان فَوَائِد تتَعَلَّق بِالرِّجَالِ) لَيْسَ فِي الصَّحَابَة من اسْمه عمر بن الْخطاب غَيره وَفِي الصَّحَابَة عمر ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ نفسا على خلاف فِي بَعضهم وَرُبمَا يلتبس بعمر وَبِزِيَادَة وَاو فِي آخِره وهم خلق فَوق الْمِائَتَيْنِ بِزِيَادَة أَرْبَعَة وَعشْرين على خلاف فِي بَعضهم وَفِي الروَاة عمر بن الْخطاب غير هَذَا الِاسْم سِتَّة الأول كُوفِي روى عَنهُ خَالِد بن عبد الله الوَاسِطِيّ الثَّانِي راسبي روى عَنهُ سُوَيْد أَبُو حَاتِم الثَّالِث إسكندري روى عَن ضمام بن إِسْمَاعِيل الرَّابِع عنبري روى عَن أَبِيه عَن يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ الْخَامِس سجستاني روى عَن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ السَّادِس سدوسي بَصرِي روى عَن مُعْتَمر بن سُلَيْمَان وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة من اسْمه عَلْقَمَة بن وَقاص غَيره وَجُمْلَة من اسْمه يحيى بن سعيد فِي الحَدِيث سِتَّة عشر وَفِي الصَّحِيح جمَاعَة يحيى بن سعيد بن أبان الْأمَوِي الْحَافِظ وَيحيى بن سعيد بن حَيَّان أَبُو التَّيْمِيّ الإِمَام وَيحيى بن سعيد بن الْعَاصِ الْأمَوِي تَابِعِيّ وَيحيى بن سعيد بن فروخ القطاني التَّيْمِيّ الْحَافِظ أحد الْأَعْلَام وَلَهُم يحيى بن سعيد الْعَطَّار برَاء فِي آخِره واه وَعبد الله بن الزبير فِي الْكتب السِّتَّة ثَلَاثَة أحدهم الْحميدِي الْمَذْكُور وَالثَّانِي حميدي الصَّحَابِيّ وَالثَّالِث الْبَصْرِيّ روى لَهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل وَفِي الصَّحَابَة أَيْضا عبد الله بن الزبير بن الْمطلب بن هَاشم وَلَيْسَ لَهما ثَالِث فِي الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم. (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن رجال إِسْنَاده مَا بَين مكي ومدني فالأولان مكيان وَالْبَاقُونَ مدنيون وَمِنْهَا رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ وهما يحيى وَمُحَمّد التَّيْمِيّ وَهَذَا كثير وَإِن شِئْت قلت فِيهِ ثَلَاثَة تابعيون بَعضهم عَن بعض بِزِيَادَة عَلْقَمَة على
الجزء 1 · صفحة 19
قَول الْجُمْهُور كَمَا قُلْنَا أَنه تَابِعِيّ لَا صَحَابِيّ وَمِنْهَا رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ على قَول من عده صحابيا وألطف من هَذَا أَنه يَقع رِوَايَة أَرْبَعَة من التَّابِعين بَعضهم عَن بعض وَرِوَايَة أَرْبَعَة من الصَّحَابَة بَعضهم عَن بعض وَقد أفرد الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ جزأ لرباعي الصَّحَابَة وخماسيهم وَمن الْغَرِيب الْعَزِيز رِوَايَة سِتَّة من التَّابِعين بَعضهم عَن بعض وَقد أفرده الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ بِجُزْء جمع اخْتِلَاف طرقه وَهُوَ حَدِيث مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن هِلَال بن يسَاف عَن الرّبيع بن خَيْثَم عَن عَمْرو بن مَيْمُون الأودي عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن امْرَأَة من الْأَنْصَار عَن أبي أَيُّوب عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَن {قل هُوَ الله أحد} تعدل ثلث الْقُرْآن وَقَالَ يَعْقُوب بن شيبَة وَهُوَ أطول إِسْنَاد روى قَالَ الْخَطِيب وَالْأَمر كَمَا قَالَ قَالَ وَقد روى هَذَا الحَدِيث أَيْضا من طَرِيق سَبْعَة من التَّابِعين ثمَّ سَاقه من حَدِيث أبي إِسْحَق الشَّيْبَانِيّ عَن عَمْرو بن مرّة عَن هِلَال عَن عَمْرو عَن الرّبيع عَن عبد الرَّحْمَن فَذكره وَمِنْهَا أَنه أَتَى فِيهِ بأنواع الرِّوَايَة فَأتى بحدثنا الْحميدِي ثمَّ بعن فِي قَوْله عَن سُفْيَان ثمَّ بِلَفْظ أَخْبرنِي مُحَمَّد ثمَّ بسمعت عمر رَضِي الله عَنهُ يَقُول فَكَأَنَّهُ يَقُول هَذِه الْأَلْفَاظ كلهَا تفِيد السماع والاتصال كَمَا سَيَأْتِي عَنهُ فِي بَاب الْعلم عَن الْحميدِي عَن ابْن عُيَيْنَة أَنه قَالَ حَدثنَا وَأخْبرنَا وأنبأنا وَسمعت وَاحِد وَالْجُمْهُور قَالُوا أَعلَى الدَّرَجَات لهَذِهِ الثَّلَاثَة سَمِعت ثمَّ حَدثنَا ثمَّ أخبرنَا. وَاعْلَم أَنه إِنَّمَا وَقع عَن سُفْيَان فِي رِوَايَة أبي ذَر وَفِي رِوَايَة غَيره حَدثنَا سُفْيَان وَعَن هَذَا اعْترض على البُخَارِيّ فِي قَوْله عَن سُفْيَان لِأَنَّهُ قَالَ جمَاعَة بِأَن الْإِسْنَاد المعنعن يصير الحَدِيث مُرْسلا وَأجِيب بِأَن مَا وَقع فِي البُخَارِيّ وَمُسلم من العنعنة فَمَحْمُول على السماع من وَجه آخر وَأما غير المدلس فعنعنته مَحْمُولَة على الِاتِّصَال عِنْد الْجُمْهُور مُطلقًا فِي الْكِتَابَيْنِ وَغَيرهمَا لَكِن بِشَرْط إِمْكَان اللِّقَاء وَزَاد البُخَارِيّ اشْتِرَاط ثُبُوت اللِّقَاء قلت وَفِي اشْتِرَاط ثُبُوت اللِّقَاء وَطول الصُّحْبَة ومعرفته بالرواية عَنهُ مَذَاهِب أَحدهَا لَا يشْتَرط شَيْء من ذَلِك وَنقل مُسلم فِي مُقَدّمَة صَحِيحه الْإِجْمَاع عَلَيْهِ وَالثَّانِي يشْتَرط ثُبُوت اللِّقَاء وَحده وَهُوَ قَول البُخَارِيّ والمحققين وَالثَّالِث يشْتَرط طول الصُّحْبَة وَالرَّابِع يشْتَرط مَعْرفَته بالرواية عَنهُ والْحميدِي مَشْهُور بِصُحْبَة ابْن عُيَيْنَة وَهُوَ أثبت النَّاس فِيهِ قَالَ أَبُو حَاتِم هُوَ رَئِيس أَصْحَابه ثِقَة إِمَام وَقَالَ ابْن سعد هُوَ صَاحبه وراويته وَالأَصَح أَن إِن كعن بِالشّرطِ الْمُتَقَدّم وَقَالَ أَحْمد وَجَمَاعَة يكون مُنْقَطِعًا حَتَّى يتَبَيَّن السماع وَمِنْهَا أَن البُخَارِيّ قد ذكر فِي هَذَا الحَدِيث الْأَلْفَاظ الْأَرْبَعَة وَهِي أَن وَسمعت وَعَن وَقَالَ فَذكرهَا هَهُنَا وَفِي الْهِجْرَة وَالنُّذُور وَترك الْحِيَل بِلَفْظ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي بَاب الْعتْق بِلَفْظ عَن وَفِي بَاب الْإِيمَان بِلَفْظ أَن وَفِي النِّكَاح بِلَفْظ قَالَ وَقد قَامَ الْإِجْمَاع على أَن الْإِسْنَاد الْمُتَّصِل بالصحابي لَا فرق فِيهِ بَين هَذِه الْأَلْفَاظ وَمِنْهَا أَن البُخَارِيّ رَحمَه الله ذكر فِي بعض رواياته لهَذَا الحَدِيث سَمِعت رَسُول الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي بَعْضهَا سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيتَعَلَّق بذلك مَسْأَلَة وَهِي هَل يجوز تَغْيِير قَالَ النَّبِي إِلَى قَالَ الرَّسُول أَو عَكسه فَقَالَ ابْن الصّلاح وَالظَّاهِر أَنه لَا يجوز وَإِن جَازَت الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى لاخْتِلَاف معنى الرسَالَة والنبوة وَسَهل فِي ذَلِك الإِمَام أَحْمد رَحمَه الله وَحَمَّاد بن سَلمَة والخطيب وَصَوَّبَهُ النَّوَوِيّ. قلت كَانَ يَنْبَغِي أَن يجوز التَّغْيِير مُطلقًا لعدم اخْتِلَاف الْمَعْنى هَهُنَا وَإِن كَانَت الرسَالَة أخص من النُّبُوَّة وَقد قُلْنَا أَن كل رَسُول نَبِي من غير عكس وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ وَمِنْهُم من لم يفرق بَينهمَا وَهُوَ غير صَحِيح وَمن الْغَرِيب مَا قَالَه الْحَلِيمِيّ فِي هَذَا الْبَاب أَن الْإِيمَان يحصل بقول الْكَافِر آمَنت بِمُحَمد النَّبِي دون مُحَمَّد الرَّسُول وَعلل بِأَن النَّبِي لَا يكون إِلَّا لله وَالرَّسُول قد يكون لغيره (بَيَان نوع الحَدِيث) هَذَا فَرد غَرِيب بِاعْتِبَار مَشْهُور بِاعْتِبَار آخر وَلَيْسَ بمتواتر خلافًا لما يَظُنّهُ بَعضهم فَإِن مَدَاره على يحيى بن سعيد وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين رَحمَه الله يُقَال هَذَا الحَدِيث مَعَ كَثْرَة طرقه من الْأَفْرَاد وَلَيْسَ بمتواتر لفقد شَرط التَّوَاتُر فَإِن الصَّحِيح أَنه لم يروه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سوى عمر وَلم يروه عَن عمر إِلَّا عَلْقَمَة وَلم يروه عَن عَلْقَمَة إِلَّا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم وَلم يروه عَن مُحَمَّد إِلَّا يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَمِنْه انْتَشَر فَهُوَ مَشْهُور بِالنِّسْبَةِ إِلَى آخِره غَرِيب بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَوله وَهُوَ مجمع على صِحَّته وَعظم موقعه وروينا عَن أبي الْفتُوح الطَّائِي بِسَنَد صَحِيح مُتَّصِل أَنه قَالَ رَوَاهُ عَن يحيى بن سعيد أَكثر من مِائَتي نفس وَقد اتَّفقُوا على أَنه لَا يَصح مُسْندًا إِلَّا من هَذِه الطَّرِيق الْمَذْكُورَة وَقَالَ الْخطابِيّ لَا أعلم خلافًا بَين أهل الْعلم أَن هَذَا الحَدِيث لَا يَصح مُسْندًا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا من حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ. قلت
الجزء 1 · صفحة 20
يُرِيد مَا ذكره الْحَافِظ أَبُو يعلى الْخَلِيل حَيْثُ قَالَ غلط فِيهِ عبد الْمجِيد بن عبد الْعَزِيز بن أبي رواد الْمَكِّيّ فِي الحَدِيث الَّذِي يرويهِ مَالك والخلق عَن يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة بن وَقاص عَن عمر رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ فِيهِ عبد الْمجِيد عَن مَالك عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ قَالَ وَرَوَاهُ عَنهُ نوح بن حبيب وَإِبْرَاهِيم بن عَتيق وَهُوَ غير مَحْفُوظ من حَدِيث زيد بن أسلم بِوَجْه من الْوُجُوه قَالَ فَهَذَا مِمَّا أَخطَأ فِيهِ الثِّقَة عَن الثِّقَة قَالُوا إِنَّمَا هُوَ حَدِيث آخر ألصق بِهِ هَذَا. قلت أحَال الْخطابِيّ الْغَلَط على نوح وأحال الْخَلِيل الْغَلَط على عبد الْمجِيد انْتهى قلت قد رَوَاهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غير عمر من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم وَإِن كَانَ الْبَزَّار قَالَ لَا نعلم روى هَذَا الحَدِيث إِلَّا عَن عمر عَن رَسُول الله عَلَيْهِ السَّلَام وَبِهَذَا الْإِسْنَاد وَكَذَا قَالَ ابْن السكونِي فِي كِتَابه الْمُسَمّى بالسنن الصِّحَاح المأثورة لم يروه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِإِسْنَاد غير عمر بن الْخطاب وَكَذَا الإِمَام أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عتاب حَيْثُ قَالَ لم يروه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غير عمر رَضِي الله عَنهُ وَقَالَ ابْن مَنْدَه رَوَاهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غير عمر سعد بن أبي وَقاص وَعلي بن أبي طَالب وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَعبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عمر وَأنس وَابْن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة وَأَبُو هُرَيْرَة وَعبادَة بن الصَّامِت وَعتبَة بن عبد الْأَسْلَمِيّ وهزال بن سُوَيْد وَعتبَة بن عَامر وَجَابِر بن عبد الله وَأَبُو ذَر وَعتبَة بن الْمُنْذر وَعقبَة بن مُسلم رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَأَيْضًا قد توبع عَلْقَمَة والتيمي وَيحيى بن سعيد على روايتهم قَالَ ابْن مَنْدَه هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ عَن عمر غير عَلْقَمَة ابْنه عبد الله وَجَابِر وَأَبُو جُحَيْفَة وَعبد الله بن عَامر بن ربيعَة وَذُو الكلاع وَعَطَاء بن يسَار وواصل ابْن عَمْرو الجذامي وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر وَرَوَاهُ عَن عَلْقَمَة غير التَّيْمِيّ سعيد بن الْمسيب وَنَافِع مولى بن عمر وتابع يحيى بن سعيد على رِوَايَته عَن التَّيْمِيّ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَلْقَمَة أَبُو الْحسن اللَّيْثِيّ وَدَاوُد بن أبي الْفُرَات وَمُحَمّد بن إِسْحَاق وحجاج بن أَرْطَاة وَعبد الله بن قيس الْأنْصَارِيّ وَلَا يدْخل هَذَا الحَدِيث فِي حد الشاذ وَقد اعْترض على بعض عُلَمَاء أهل الحَدِيث حَيْثُ قَالَ الشاذ مَا لَيْسَ لَهُ إِلَّا إِسْنَاد وَاحِد تفرد بِهِ ثِقَة أَو غَيره فأورد عَلَيْهِ الْإِجْمَاع على الْعَمَل بِهَذَا الحَدِيث وَشبهه وَأَنه فِي أَعلَى مَرَاتِب الصِّحَّة وأصل من أصُول الدّين مَعَ أَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ حَده بِكَلَام بديع فَإِنَّهُ قَالَ هُوَ وَأهل الْحجاز الشاذ هُوَ أَن يروي الثِّقَة مُخَالفا لرِوَايَة النَّاس لَا أَن يروي مَا لَا يروي النَّاس وَهَذَا الحَدِيث وَشبهه لَيْسَ فِيهِ مُخَالفَة بل لَهُ شَوَاهِد تصحح مَعْنَاهُ من الْكتاب وَالسّنة وَقَالَ الخليلي: إِن الَّذِي عَلَيْهِ الْحفاظ أَن الشاذ مَا لَيْسَ لَهُ إِلَّا إِسْنَاد وَاحِد يشذ بِهِ ثِقَة أَو غَيره فَمَا كَانَ عَن غير ثِقَة فمردود وَمَا كَانَ عَن ثِقَة توقف فِيهِ وَلَا يحْتَج بِهِ وَقَالَ الْحَاكِم أَنه مَا انْفَرد بِهِ ثِقَة وَلَيْسَ لَهُ أصل يُتَابع قلت مَا ذَكرُوهُ يشكل بِمَا ينْفَرد بِهِ الْعدْل الضَّابِط كَهَذا الحَدِيث فَإِنَّهُ لَا يَصح إِلَّا فَردا وَله متابع أَيْضا كَمَا سلف ثمَّ اعْلَم أَنه لَا يشك فِي صِحَة هَذَا الحَدِيث لِأَنَّهُ من حَدِيث الإِمَام يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ رَوَاهُ عَنهُ حفاظ الْإِسْلَام وأعلام الْأَئِمَّة مَالك بن أنس وَشعْبَة بن الْحجَّاج وَحَمَّاد بن زيد وَحَمَّاد بن سَلمَة وَالثَّوْري وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَاللَّيْث بن سعد وَيحيى بن سعيد الْقطَّان وَعبد الله بن الْمُبَارك وَعبد الْوَهَّاب وخلايق لَا يُحصونَ كَثْرَة وَقد ذكره البُخَارِيّ من حَدِيث سُفْيَان وَمَالك وَحَمَّاد بن زيد وَعبد الْوَهَّاب كَمَا سَيَأْتِي قَالَ أَبُو سعيد مُحَمَّد بن عَليّ الخشاب الْحَافِظ روى هَذَا الحَدِيث عَن يحيى بن سعيد نَحْو مأتين وَخمسين رجلا وَذكر ابْن مَنْدَه فِي مستخرجه فَوق الثلاثمائة وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ سَمِعت الْحَافِظ أَبَا مَسْعُود عبد الْجَلِيل بن أَحْمد يَقُول فِي المذاكرة قَالَ الإِمَام عبد الله الْأنْصَارِيّ كتبت هَذَا الحَدِيث عَن سَبْعمِائة رجل من أَصْحَاب يحيى بن سعيد وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ وَشَيخ الْإِسْلَام أَبُو إِسْمَاعِيل الْهَرَوِيّ أَنه رَوَاهُ عَن يحيى سبع مائَة رجل. فَإِن قيل قد ذكر فِي تَهْذِيب مُسْتَمر الأوهام لِابْنِ مَاكُولَا أَن يحيى بن سعيد لم يسمعهُ من التَّيْمِيّ وَذكر فِي مَوضِع آخر أَنه يُقَال لم يسمعهُ التَّيْمِيّ من عَلْقَمَة قلت رِوَايَة البُخَارِيّ عَن يحيى بن سعيد أَخْبرنِي مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ أَنه سمع عَلْقَمَة ترد هَذَا وَبِمَا ذكرنَا أَيْضا يرد مَا قَالَه ابْن جرير الطَّبَرِيّ فِي تَهْذِيب الْآثَار أَن هَذَا الحَدِيث قد يكون عِنْد بَعضهم مردودا لِأَنَّهُ حَدِيث فَرد
الجزء 1 · صفحة 21
(بَيَان تعدد الحَدِيث فِي الصَّحِيح) قد ذكره فِي سِتَّة مَوَاضِع أُخْرَى من صَحِيحه عَن سِتَّة شُيُوخ آخَرين أَيْضا الأول فِي الْإِيمَان فِي بَاب مَا جَاءَ إِن الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ عَن عبد الله بن مسلمة القعْنبِي ثَنَا مَالك عَن يحيى بن سعيد عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم عَن عَلْقَمَة عَن عمر رَضِي الله عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَلكُل امرىء مَا نوى فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله وَمن كَانَت هجرته لدُنْيَا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة يَتَزَوَّجهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ الثَّانِي فِي الْعتْق فِي بَاب الْخَطَأ وَالنِّسْيَان فِي الْعتَاقَة وَالطَّلَاق وَنَحْوه عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان الثَّوْريّ حَدثنَا يحيى بن سعيد عَن مُحَمَّد عَن عَلْقَمَة قَالَ سَمِعت عمر رَضِي الله عَنهُ يَقُول عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ ولامرىء مَا نوى فَمن كَانَت هجرته الحَدِيث بِمثل مَا قبله الثَّالِث فِي بَاب هِجْرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن مُسَدّد حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن يحيى عَن مُحَمَّد عَن عَلْقَمَة سَمِعت عمر رَضِي الله عَنهُ قَالَ سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ فَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة يَتَزَوَّجهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ وَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله الرَّابِع فِي النِّكَاح فِي بَاب من هَاجر أَو عمل خيرا لتزويج امْرَأَة فَلهُ مَا نوى عَن يحيى بن قزعة حَدثنَا مَالك عَن يحيى عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث عَن عَلْقَمَة عَن عمر رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْعَمَل بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لامرىء مَا نوى الحَدِيث بِلَفْظِهِ فِي الْإِيمَان إِلَّا أَنه قَالَ ينْكِحهَا بدل يَتَزَوَّجهَا الْخَامِس فِي الْإِيمَان وَالنُّذُور فِي بَاب النِّيَّة فِي الْإِيمَان عَن قُتَيْبَة بن سعيد حَدثنَا عبد الْوَهَّاب سَمِعت يحيى بن سعيد يَقُول أَخْبرنِي مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم أَنه سمع عَلْقَمَة بن وَقاص اللَّيْثِيّ يَقُول سَمِعت عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ يَقُول سَمِعت رَسُول الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لامرىء مَا نوى فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله وَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة يَتَزَوَّجهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ السَّادِس فِي بَاب ترك الْحِيَل عَن أبي النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن يحيى عَن مُحَمَّد عَن عَلْقَمَة قَالَ سَمِعت عمر يخْطب قَالَ سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول يأيها النَّاس إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لامرىء مَا نوى فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله وَمن هَاجر لدُنْيَا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة يَتَزَوَّجهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ (بَيَان من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه فِي آخر كتاب الْجِهَاد عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك بِلَفْظ إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لامرىء مَا نوى الحَدِيث مطولا وَأخرجه أَيْضا عَن مُحَمَّد بن رمح بن المُهَاجر عَن اللَّيْث وَعَن ابْن الرّبيع الْعَتكِي عَن حَمَّاد بن زيد وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر وَعَن ابْن نمير عَن حَفْص بن غياث وَيزِيد بن هَارُون وَعَن مُحَمَّد بن الْعَلَاء عَن ابْن الْمُبَارك وَعَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة كلهم عَن يحيى بن سعيد عَن مُحَمَّد عَن عَلْقَمَة عَن عمر وَفِي حَدِيث سُفْيَان سَمِعت عمر على الْمِنْبَر يخبر عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّلَاق عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان وَالتِّرْمِذِيّ فِي الْحُدُود عَن ابْن الْمثنى عَن الثَّقَفِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن يحيى بن حبيب عَن حَمَّاد بن زيد وَعَن سُلَيْمَان بن مَنْصُور عَن ابْن الْمُبَارك وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر وَعَن عَمْرو بن مَنْصُور عَن القعْنبِي وَعَن الْحَرْث عَن أبي الْقَاسِم جَمِيعًا عَن مَالك ذكره فِي أَرْبَعَة أَبْوَاب من سنَنه الْإِيمَان وَالطَّهَارَة وَالْعتاق وَالطَّلَاق وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي الزّهْد من سنَنه عَن أبي بكر عَن يزِيد بن هَارُون وَعَن ابْن رمح عَن اللَّيْث كل هَؤُلَاءِ عَن يحيى عَن مُحَمَّد عَن عَلْقَمَة عَن عمر بِهِ. وَرَوَاهُ أَيْضا أَحْمد فِي مُسْنده وَالدَّارَقُطْنِيّ وَابْن حبَان وَالْبَيْهَقِيّ وَلم يبْق من أَصْحَاب الْكتب الْمُعْتَمد عَلَيْهَا من لم يُخرجهُ سوى مَالك فَإِنَّهُ لم يُخرجهُ فِي موطئِهِ وَوهم ابْن دحْيَة الْحَافِظ فَقَالَ فِي إمْلَائِهِ على هَذَا الحَدِيث أخرجه مَالك فِي الْمُوَطَّأ وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَنهُ وَهَذَا عَجِيب مِنْهُ (بَيَان اخْتِلَاف لَفظه) قد حصل من الطّرق الْمَذْكُورَة أَرْبَعَة أَلْفَاظ إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ الْعَمَل بِالنِّيَّةِ وَادّعى النَّوَوِيّ فِي تلخيصه قلتهَا وَالرَّابِع إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَأوردهُ الْقُضَاعِي فِي الشهَاب بِلَفْظ خَامِس الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ بِحَذْف إِنَّمَا وَجمع الْأَعْمَال والنيات قلت هَذَا أَيْضا مَوْجُود فِي بعض نسخ البُخَارِيّ وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ لَا يَصح إسنادها وَأقرهُ النَّوَوِيّ على ذَلِك فِي تلخيصه وَغَيره وَهُوَ غَرِيب مِنْهُمَا وَهِي رِوَايَة صَحِيحَة
الجزء 1 · صفحة 22
أخرجهَا ابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن عَليّ بن مُحَمَّد العتابي ثَنَا عبد الله بن هَاشم الطوسي ثَنَا يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن مُحَمَّد عَن عَلْقَمَة عَن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ الحَدِيث وَأخرجه أَيْضا الْحَاكِم فِي كِتَابه الْأَرْبَعين فِي شعار أهل الحَدِيث عَن أبي بكر ابْن خُزَيْمَة ثَنَا القعْنبِي ثَنَا مَالك عَن يحيى بن سعيد بِهِ سَوَاء ثمَّ حكم بِصِحَّتِهِ وَأوردهُ ابْن الْجَارُود فِي الْمُنْتَقى بِلَفْظ سادس عَن ابْن الْمقري حَدثنَا سُفْيَان عَن يحيى بِهِ إِن الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَإِن لكل امرىء مَا نوى فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله وَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا الحَدِيث وَأوردهُ الرَّافِعِيّ فِي شَرحه الْكَبِير بِلَفْظ آخر غَرِيب وَهُوَ لَيْسَ للمرء من عمله إِلَّا مَا نَوَاه وَفِي الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أنس مَرْفُوعا لَا عمل لمن لَا نِيَّة لَهُ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ لَكِن فِي إِسْنَاده جَهَالَة (بَيَان اخْتِيَاره هَذَا فِي الْبِدَايَة) أَرَادَ بِهَذَا إخلاص الْقَصْد وَتَصْحِيح النِّيَّة وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَنه قصد بتأليفه الصَّحِيح وَجه الله تَعَالَى وَقد حصل لَهُ ذَلِك حَيْثُ أعْطى هَذَا الْكتاب من الْحَظ مَا لم يُعْط غَيره من كتب الْإِسْلَام وَقَبله أهل الْمشرق وَالْمغْرب وَقَالَ ابْن مهْدي الْحَافِظ من أَرَادَ أَن يصنف كتابا فليبدأ بِهَذَا الحَدِيث وَقَالَ لَو صنفت كتابا لبدأت فِي كل بَاب مِنْهُ بِهَذَا الحَدِيث وَقَالَ أَبُو بكر بن داسة سَمِعت أَبَا دَاوُد يَقُول كتبت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَمْسمِائَة ألف حَدِيث انتخبت مِنْهَا أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث وَثَمَانمِائَة حَدِيث فِي الْأَحْكَام فَأَما أَحَادِيث الزّهْد والفضائل فَلم أخرجهَا وَيَكْفِي الْإِنْسَان لدينِهِ من ذَلِك أَرْبَعَة أَحَادِيث الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ والحلال بَين وَالْحرَام بَين وَمن حسن إِسْلَام الْمَرْء تَركه مَا لَا يعنيه وَلَا يكون الْمُؤمن مُؤمنا حَتَّى يرضى لِأَخِيهِ مَا يرضى لنَفسِهِ وَقَالَ القَاضِي عِيَاض ذكر الْأَئِمَّة أَن هَذَا الحَدِيث ثلث الْإِسْلَام وَقيل ربعه وَقيل أصُول الدّين ثَلَاثَة أَحَادِيث وَقيل أَرْبَعَة. قَالَ الشَّافِعِي وَغَيره يدْخل فِيهِ سَبْعُونَ بَابا من الْفِقْه وَقَالَ النَّوَوِيّ لم يرد الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى انحصار أبوابه فِي هَذَا الْعدَد فَإِنَّهَا أَكثر من ذَلِك وَقد نظم طَاهِر بن مفوز الْأَحَادِيث الْأَرْبَعَة
(عُمْدَة الدّين عندنَا كَلِمَات ... أَربع من كَلَام خير الْبَريَّة)
فَإِن الجلى مؤنث الْأَجَل فخلعت عَنْهَا الوصفية وَجعلت اسْما للحادثة الْعَظِيمَة قلت من الدَّلِيل على جعلهَا بِمَنْزِلَة الِاسْم الْمَوْضُوع قلب الْوَاو يَاء لِأَنَّهُ لَا يجوز ذَلِك إِلَّا فِي الفعلى الِاسْم وَقَالَ التَّيْمِيّ الدُّنْيَا تَأْنِيث الْأَدْنَى لَا ينْصَرف مثل حُبْلَى لِاجْتِمَاع أَمريْن فِيهَا أَحدهمَا الوصفية وَالثَّانِي لُزُوم حرف التَّأْنِيث وَقَالَ الْكرْمَانِي لَيْسَ ذَلِك لِاجْتِمَاع أَمريْن فِيهَا إِذْ لَا وَصفِيَّة هَهُنَا بل امْتنَاع صرفه للُزُوم التَّأْنِيث للألف الْمَقْصُورَة وَهُوَ قَائِم مقَام العلتين فَهُوَ سَهْو مِنْهُ قلت لَيْسَ بسهو مِنْهُ لِأَن الدُّنْيَا فِي الأَصْل صفة لِأَن التَّقْدِير الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاع الْغرُور} وتركهم موصوفها واستعمالهم إِيَّاهَا نَحْو الِاسْم الْمَوْضُوع لَا يُنَافِي الوصفية الْأَصْلِيَّة ثمَّ فِي حَقِيقَتهَا قَولَانِ للمتكلمين أَحدهمَا مَا على الأَرْض مَعَ الْهَوَاء والجو وَالثَّانِي كل الْمَخْلُوقَات من الْجَوَاهِر والأعراض الْمَوْجُودَة قبل الدَّار الْآخِرَة قَالَ النَّوَوِيّ هُوَ الْأَظْهر قَوْله يُصِيبهَا من أصَاب يُصِيب إِصَابَة وَالْمرَاد بالإصابة الْحُصُول أَو الوجدان وَفِي الْعباب أَصَابَهُ أَي وجده وَيُقَال أصَاب فلَان الصَّوَاب فَأَخْطَأَ الْجَواب أَي قصد الصَّوَاب فأراده فَأَخْطَأَ مُرَاده وَقَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي فِي قَوْله تَعَالَى {تجْرِي بأَمْره رخاء حَيْثُ أصَاب} أَي حَيْثُ أَرَادَ وتجيء هَذِه الْمعَانِي كلهَا هَهُنَا قَوْله ينْكِحهَا أَي يَتَزَوَّجهَا كَمَا جَاءَ هَكَذَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَقد يسْتَعْمل بِمَعْنى الاقتران بالشَّيْء وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وزوجناهم بحور عين} أَي قرناهم قَالَه الْأَكْثَرُونَ وَقَالَ مُجَاهِد وَآخَرُونَ أنكحناهم وَهُوَ من بَاب ضرب يضْرب تَقول نكح ينْكح نكحا ونكاحا إِذا تزوج وَإِذا جَامع أَيْضا وَفِي الْعباب النكح وَالنِّكَاح الْوَطْء والنكح وَالنِّكَاح التَّزَوُّج وأنكحها زَوجهَا قَالَ والتركيب يدل على الْبضْع (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله يَقُول جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل محلهَا النصب على الْحَال من رَسُول الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْبَاء فِي قَوْله بِالنِّيَّاتِ للمصاحبة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {اهبط بِسَلام} {وَقد دخلُوا بالْكفْر} ومعلقها مَحْذُوف وَالتَّقْدِير إِنَّمَا الْأَعْمَال تحصل بِالنِّيَّاتِ أَو تُوجد بهَا وَلم يذكر سِيبَوَيْهٍ فِي معنى الْبَاء إِلَّا الإلصاق لِأَنَّهُ معنى لَا يفارقها فَلذَلِك اقْتصر عَلَيْهِ وَيجوز أَن تكون للاستعانة على مَا لَا يخفى وَقَول بعض الشَّارِحين الْبَاء تحْتَمل السَّبَبِيَّة بعيد جدا فَافْهَم قَوْله لكل امرىء بِكَسْر الرَّاء وَهِي لُغَة الْقُرْآن مُعرب من وَجْهَيْن فَإِذا كَانَ فِيهِ ألف الْوَصْل كَانَ فِيهِ ثَلَاث لُغَات. الأولى وَهِي لُغَة الْقُرْآن قَالَ الله تَعَالَى {إِن امْرُؤ هلك} {ويحول بَين الْمَرْء وَقَلبه} وَهُوَ إعرابها على كل
الجزء 1 · صفحة 25
حَال تَقول هَذَا امْرُؤ وَرَأَيْت امْرأ ومررت بامرىء مُعرب من مكانين. الثَّانِيَة فتح الرَّاء على كل حَال. الثَّالِثَة ضمهَا على كل حَال فَإِن حذفت ألف الْوَصْل قلت هَذَا مرء وَرَأَيْت مرأ ومررت بمرء وَجمعه من غير لَفظه رجال أَو قوم قَوْله مَا نوى أَي الَّذِي نَوَاه فكلمة مَا مَوْصُولَة وَنوى صلتها والعائد مَحْذُوف أَي نَوَاه فَإِن جعلت مَا مَصْدَرِيَّة لَا تحْتَاج إِلَى حذف إِذْ مَا المصدرية عِنْد سِيبَوَيْهٍ حرف والحروف لَا تعود عَلَيْهَا الضمائر وَالتَّقْدِير لكل امرىء نِيَّته قَوْله فَمن كَانَت هجرته الْفَاء هَهُنَا لعطف الْمفصل على الْمُجْمل لِأَن قَوْله فَمن كَانَت هجرته إِلَى آخِره تَفْصِيل لما سبق من قَوْله إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امرىء مَا نوى قَوْله إِلَى دنيا مُتَعَلق بِالْهِجْرَةِ إِن كَانَت لَفْظَة كَانَت تَامَّة أَو خبر لكَانَتْ إِن كَانَت نَاقِصَة قَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت لفظ كَانَت إِن كَانَ بَاقِيا فِي الْمُضِيّ فَلَا يعلم أَن الحكم بعد صُدُور هَذَا الْكَلَام من الرَّسُول أَيْضا كَذَلِك أم لَا وَإِن نقل بِسَبَب تضمين من لحرف الشَّرْط إِلَى معنى الِاسْتِقْبَال فبالعكس فَفِي الْجُمْلَة الحكم إِمَّا للماضي أَو للمستقبل قلت جَازَ أَن يُرَاد بِهِ أصل الْكَوْن أَي الْوُجُود مُطلقًا من غير تَقْيِيد بِزَمَان من الْأَزْمِنَة الثَّلَاثَة أَو يُقَاس أحد الزمانين على الآخر أَو يعلم من الْإِجْمَاع على أَن حكم الْمُكَلّفين على السوَاء أَنه لَا تعَارض انْتهى قلت فِي الْجَواب الأول نظر لَا يخفى لِأَن الْوُجُود من حَيْثُ هُوَ هُوَ لَا يَخْلُو عَن زمن من الْأَزْمِنَة الثَّلَاثَة قَوْله يُصِيبهَا جملَة فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة لدُنْيَا وَكَذَلِكَ قَوْله يَتَزَوَّجهَا قَوْله فَهجرَته الْفَاء فِيهِ هِيَ الْفَاء الرابطة للجواب لسبق الشَّرْط وَذَلِكَ لِأَن قَوْله هجرته خبر والمبدأ أَعنِي قَوْله فَمن كَانَت يتَضَمَّن الشَّرْط قَوْله إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ إِمَّا أَن يكون مُتَعَلقا بِالْهِجْرَةِ وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي هجرته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ غير صَحِيحَة أَو غير مَقْبُولَة وَإِمَّا أَن يكون خبر فَهجرَته وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الَّذِي هُوَ من كَانَت لَا يُقَال الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر بِحَسب الْمَفْهُوم متحدان فَمَا الْفَائِدَة فِي الْإِخْبَار لأَنا نقُول يَنْتَفِي الِاتِّحَاد هَهُنَا لِأَن الْجَزَاء مَحْذُوف وَهُوَ فَلَا ثَوَاب لَهُ عِنْد الله وَالْمَذْكُور مُسْتَلْزم لَهُ دَال عَلَيْهِ أَو التَّقْدِير فَهِيَ هِجْرَة قبيحة فَإِن قلت فَمَا الْفَائِدَة حِينَئِذٍ فِي الْإِتْيَان بالمبتدأ وَالْخَبَر بالاتحاد وَكَذَا فِي الشَّرْط وَالْجَزَاء قلت يعلم مِنْهُ التَّعْظِيم نَحْو أَنا أَنا وشعري شعري وَمن هَذَا الْقَبِيل فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَإِلَى رَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَإِلَى رَسُوله وَقد يقْصد بِهِ التحقير نَحْو قَوْله فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ وَقدر أَبُو الْفَتْح الْقشيرِي فَمن كَانَت هجرته نِيَّة وقصدا فَهجرَته حكما وَشرعا وَاسْتحْسن بَعضهم هَذَا التَّأْوِيل وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْء لِأَنَّهُ على هَذَا التَّقْدِير يفوت الْمَعْنى الْمشعر على التَّعْظِيم فِي جَانب والتحقير فِي جَانب وهما مقصودان فِي الحَدِيث. (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله إِنَّمَا للحصر وَهُوَ إِثْبَات الحكم للمذكور ونفيه عَمَّا عداهُ وَقَالَ أهل الْمعَانِي وَمن طرق الْقصر إِنَّمَا وَالْقصر تَخْصِيص أحد الْأَمريْنِ بِالْآخرِ وحصره فِيهِ وَإِنَّمَا يُفِيد إِنَّمَا معنى الْقصر لتَضَمّنه معنى مَا وَإِلَّا من وُجُوه ثَلَاثَة الأول قَول الْمُفَسّرين فِي قَوْله تَعَالَى {إِنَّمَا حرم عَلَيْكُم الْميتَة} بِالنّصب مَعْنَاهُ مَا حرم عَلَيْكُم إِلَّا الْميتَة وَهُوَ مُطَابق لقِرَاءَة الرّفْع لِأَنَّهَا تَقْتَضِي انحصار التَّحْرِيم على الْميتَة بِسَبَب أَن مَا فِي قِرَاءَة الرّفْع يكون مَوْصُولا صلته حرم عَلَيْكُم وَاقعا اسْما لِأَن أَي أَن الَّذِي حرمه عَلَيْكُم الْميتَة فَحذف الرَّاجِع إِلَى الْمَوْصُول فَيكون فِي معنى أَن الْمحرم عَلَيْكُم الْميتَة وَهُوَ يُفِيد الْحصْر كَمَا أَن المنطلق زيد وَزيد المنطلق كِلَاهُمَا يَقْتَضِي انحصار الانطلاق على زيد الثَّانِي قَول النُّحَاة أَن إِنَّمَا لإِثْبَات مَا يذكر بعده وَنفى مَا سواهُ الثَّالِث صِحَة انْفِصَال الضَّمِير مَعَه كصحته مَعَ مَا وَإِلَّا فَلَو لم يكن إِنَّمَا متضمنة لِمَعْنى مَا وَإِلَّا لم يَصح انْفِصَال الضَّمِير مَعَه وَلِهَذَا قَالَ الفرزدق أَنا الذائد الحامي الزمار وَإِنَّمَا يدافع عَن احسابهم أَنا أَو مثلي ففصل الضَّمِير وَهُوَ أَنا مَعَ إِنَّمَا حَيْثُ لم يقل وَإِنَّمَا أدافع كَمَا فصل عَمْرو بن معدي كرب مَعَ إِلَّا فِي قَوْله
(قد علمت سلمى وجاراتها ... مَا قطر الْفَارِس إِلَّا أَنا)
وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ هُوَ قَول الْمُحَقِّقين ثمَّ اخْتلفُوا فَقيل إفادته لَهُ بالمنطوق وَقيل بِالْمَفْهُومِ وَقَالَ بعض الْأُصُولِيِّينَ إِنَّمَا لَا تفِيد إِلَّا التَّأْكِيد وَنقل صَاحب الْمِفْتَاح عَن أبي عِيسَى الربعِي أَنه لما كَانَت كلمة أَن لتأكيد إِثْبَات الْمسند للمسند إِلَيْهِ ثمَّ اتَّصَلت بهَا مَا الْمُؤَكّدَة الَّتِي تزاد للتَّأْكِيد كَمَا فِي حَيْثُمَا لَا النافية على مَا يَظُنّهُ من لَا وقُوف لَهُ على علم النَّحْو ضاعفت تأكيدها فَنَاسَبَ أَن يضمن معنى الْقصر أَي معنى مَا وَإِلَّا لِأَن الْقصر لَيْسَ إِلَّا لتأكيد الحكم على تَأْكِيد أَلا تراك مَتى قلت لمخاطب يردد الْمَجِيء
الجزء 1 · صفحة 26
الْوَاقِع بَين زيد وَعَمْرو زيد جَاءَ لَا عَمْرو كَيفَ يكون قَوْلك زيد جَاءَ إِثْبَاتًا للمجيء لزيد صَرِيحًا وقولك لَا عَمْرو إِثْبَاتًا للمجيء لزيد ضمنا لِأَن الْفِعْل وَهُوَ الْمَجِيء وَاقع وَإِذا كَانَ كَذَلِك وَهُوَ مسلوب عَن عَمْرو فَيكون ثَابتا لزيد بِالضَّرُورَةِ قلت أَرَادَ بِمن لَا وقُوف لَهُ على علم النَّحْو الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ فَإِنَّهُ قَالَ أَن مَا فِي إِنَّمَا هِيَ النافية وَتَقْرِير مَا قَالَه هُوَ أَن أَن للإثبات وَمَا للنَّفْي وَالْأَصْل بقاؤهما على مَا كَانَا وَلَيْسَ أَن لإِثْبَات مَا عدا الْمَذْكُور وَمَا لنفي الْمَذْكُور وفَاقا فَتعين عَكسه ورد بِأَنَّهَا لَو كَانَت النافية لبطلت صدارتها مَعَ أَن لَهَا صدر الْكَلَام وَاجْتمعَ حرفا النَّفْي وَالْإِثْبَات بِلَا فاصل ولجاز نصب إِنَّمَا زيد قَائِما وَكَانَ معنى إِنَّمَا زيد قَائِم تحقق عدم قيام زيد لِأَن مَا يَلِي حرف النَّفْي منفي وَوجه الْكرْمَانِي قَول من يَقُول أَن مَا نَافِيَة بقوله وَلَيْسَ كِلَاهُمَا متوجهين إِلَى الْمَذْكُور وَلَا إِلَى غير الْمَذْكُور بل الْإِثْبَات مُتَوَجّه إِلَى الْمَذْكُور وَالنَّفْي إِلَى غير الْمَذْكُور إِذْ لَا قَائِل بِالْعَكْسِ اتِّفَاقًا. ثمَّ قَالَ وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا يجوز اجْتِمَاع مَا النفيية بِأَن المثبتة لاستلزام اجْتِمَاع المتصدرين على صدر وَاحِد وَلَا يلْزم من إِثْبَات النَّفْي لِأَن النَّفْي هُوَ مَدْخُول الْكَلِمَة المحققة فلفظة مَا هِيَ الْمُؤَكّدَة لَا النافية فتفيد الْحصْر لِأَنَّهُ يُفِيد التَّأْكِيد على التَّأْكِيد وَمعنى الْحصْر ذَلِك. ثمَّ أجَاب عَن هَذَا الِاعْتِرَاض بقوله المُرَاد بذلك التَّوْجِيه أَن إِنَّمَا كلمة مَوْضُوعَة للحصر وَذَلِكَ سر الْوَضع فِيهِ لِأَن الْكَلِمَتَيْنِ وَالْحَالة هَذِه باقيتان على أَصلهمَا مرادتان بوضعهما فَلَا يرد الِاعْتِرَاض وَأما تَوْجِيهه بِكَوْنِهِ تَأْكِيدًا على تَأْكِيد فَهُوَ من بَاب إِيهَام الْعَكْس إِذْ لما رأى أَن الْحصْر فِيهِ تَأْكِيد على تَأْكِيد ظن أَن كل مَا فِيهِ تَأْكِيد على تَأْكِيد حصر وَلَيْسَ كَذَلِك وَإِلَّا لَكَانَ وَالله أَن زيد الْقَائِم حصرا وَهُوَ بَاطِل. قلت الِاعْتِرَاض بَاقٍ على حَاله وَلم ينْدَفع بقوله أَن إِنَّمَا كلمة مَوْضُوعَة للحصر إِلَى آخِره على مَا لَا يخفى وَلَا نسلم أَنَّهَا مَوْضُوعَة للحصر ابْتِدَاء وَإِنَّمَا هِيَ تفِيد معنى الْحصْر من حَيْثُ تحقق الْأَوْجه الثَّلَاثَة الَّتِي ذَكرنَاهَا فِيهَا. وَقَوله ظن أَن كل مَا فِيهِ تَأْكِيد إِلَى آخِره غير سديد لِأَنَّهُ لم يكن ذَلِك أصلا لِأَنَّهُ لَا يلْزم من كَون الْحصْر تَأْكِيدًا على تَأْكِيد كَون كل مَا فِيهِ تَأْكِيد على تَأْكِيد حصرا حَتَّى يلْزم الْحصْر فِي نَحْو وَالله أَن زيد الْقَائِم فعلى قَول الْمُحَقِّقين كل حصر تَأْكِيد على تَأْكِيد وَلَيْسَ كل تَأْكِيد على تَأْكِيد حصرا فَافْهَم وَإِذا تقرر هَذَا فَاعْلَم أَن إِنَّمَا تَقْتَضِي الْحصْر الْمُطلق وَهُوَ الْأَغْلَب الْأَكْثَر وَتارَة تَقْتَضِي حصرا مَخْصُوصًا كَقَوْلِه تَعَالَى {إِنَّمَا أَنْت مُنْذر} وَقَوله {إِنَّمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا لعب وَلَهو} فَالْمُرَاد حصره فِي النذارة لمن لَا يُؤمن وَإِن كَانَ ظَاهره الْحصْر فِيهَا لِأَن لَهُ صِفَات غير ذَلِك وَالْمرَاد فِي الْآيَة الثَّانِيَة الْحصْر بِالنِّسْبَةِ إِلَى من آثرها أَو هُوَ من بَاب تَغْلِيب الْغَالِب على النَّادِر وَكَذَا قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا أَنا بشر أَرَادَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاطِّلَاع على بواطن الْخُصُوم وبالنسبة إِلَى جَوَاز النسْيَان عَلَيْهِ وَمثل ذَلِك يفهم بالقرائن والسياق (فَإِن قلت) مَا الْفرق بَين الحصرين قلت الأول أَعنِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ قصر الْمسند إِلَيْهِ على الْمسند وَالثَّانِي أَعنِي قَوْله وَإِنَّمَا لكل امرىء مَا نوى قصر الْمسند على الْمسند إِلَيْهِ إِذْ المُرَاد إِنَّمَا يعْمل كل امرىء مَا نوى إِذْ الْقصر بإنما لَا يكون إِلَّا فِي الْجُزْء الْأَخير وَفِي الْجُمْلَة الثَّانِيَة حصران الأول من إِنَّمَا وَالثَّانِي من تَقْدِيم الْخَبَر على الْمُبْتَدَأ قَوْله وَإِنَّمَا لكل امرىء مَا نوى تَأْكِيد للجملة الأولى وَحمله على التأسيس أولى لإفادته معنى لم يكن فِي الأول على مَا يَجِيء عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وكل اسْم مَوْضُوع لاستغراق إِفْرَاد الْمُنكر نَحْو {كل نفس ذائقة الْمَوْت} والمعرف الْمَجْمُوع نَحْو {وَكلهمْ آتيه} وإجزاء الْمُفْرد الْمُعَرّف نَحْو كل زيد حسن فَإِذا قلت أكلت كل رغيف لزيد كَانَت لعُمُوم الْإِفْرَاد فَإِن أضفت الرَّغِيف لزيد صَارَت لعُمُوم أَجزَاء فَرد وَاحِد وَالتَّحْقِيق إِن كلا إِذا أضيفت إِلَى النكرَة تَقْتَضِي عُمُوم الْإِفْرَاد وَإِذا أضيفت إِلَى الْمعرفَة تَقْتَضِي عُمُوم الاجزاء تَقول كل رمان مَأْكُول وَلَا تَقول كل الرُّمَّان مَأْكُول (بَيَان الْبَيَان) فِي قَوْله إِلَى دنيا يُصِيبهَا تَشْبِيه وَهُوَ الدّلَالَة على مُشَاركَة أَمر لأمر فِي معنى أَو فِي وصف من أَوْصَاف أَحدهمَا فِي نَفسه كالشجاعة فِي الْأسد والنور فِي الشَّمْس وأركانه أَرْبَعَة الْمُشبه والمشبه بِهِ وأداة التَّشْبِيه وَوَجهه وَقد ذكرنَا أَن المُرَاد بالإصابة الْحُصُول فالتقدير فَمن كَانَت هجرته إِلَى تَحْصِيل الدُّنْيَا فَهجرَته حَاصِلَة لأجل الدُّنْيَا غير مفيدة لَهُ فِي الْآخِرَة فَكَأَنَّهُ شبه تَحْصِيل الدُّنْيَا بِإِصَابَة الْغَرَض بِالسَّهْمِ بِجَامِع حُصُول الْمَقْصُود (بَيَان البديع) فِيهِ من أقسامه التَّقْسِيم بعد الْجمع وَالتَّفْصِيل بعد الْجُمْلَة وَهُوَ قَوْله فَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا إِلَى آخِره
الجزء 1 · صفحة 27
لَا سِيمَا فِي الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله وَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا إِلَى آخِره وَهَذِه الرِّوَايَة فِي غير رِوَايَة الْحميدِي على مَا بَينا وأثبتها الدَّاودِيّ فِي رِوَايَة الْحميدِي أَيْضا وَقَالَ بَعضهم غلط الدَّاودِيّ فِي إِثْبَاتهَا وَقَالَ الْكرْمَانِي وَوَقع فِي روايتنا وَجَمِيع نسخ أَصْحَابنَا مخروما قد ذهب شطره وَهُوَ قَوْله فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله وَلست أَدْرِي كَيفَ وَقع هَذَا الإغفال من أَي جِهَة من عرض من رُوَاته وَقد ذكره البُخَارِيّ فِي هَذَا الْكتاب فِي غير مَوضِع من غير طَرِيق الْحميدِي فجَاء بِهِ مُسْتَوْفِي مَذْكُورا بشطريه وَلَا شكّ فِي أَنه لم يَقع من جِهَة الْحميدِي فقد رَوَاهُ لنا الْأَثْبَات من طَريقَة تَاما غير نَاقص (الأسئلة والأجوبة) الأول مَا قيل مَا فَائِدَة قَوْله وَإِنَّمَا لكل امرىء مَا نوى بعد قَوْله إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَأجِيب عَنهُ من وُجُوه الأول مَا قَالَه النَّوَوِيّ أَن فَائِدَته اشْتِرَاط تعْيين الْمَنوِي فَإِذا كَانَ على الْإِنْسَان صَلَاة فَائِتَة لَا يَكْفِيهِ أَن يَنْوِي الصَّلَاة الْفَائِتَة بل يشْتَرط أَن يَنْوِي كَونهَا ظهرا أَو عصرا أَو غَيرهَا وَلَوْلَا اللَّفْظ الثَّانِي لاقتضى الأول صِحَة النِّيَّة بِلَا تعْيين وَفِيه نظر لِأَن الرجل إِذا فَاتَتْهُ صَلَاة وَاحِدَة فِي يَوْم معِين ثمَّ أَرَادَ أَن يقْضِي تِلْكَ الصَّلَاة بِعَينهَا فَإِنَّهُ لَا يلْزمه ذكر كَونهَا ظهرا أَو عصرا الثَّانِي مَا ذكره بعض الشَّارِحين من أَنه لمنع الِاسْتِنَابَة فِي النِّيَّة لِأَن الْجُمْلَة الأولى لَا تَقْتَضِي منع الِاسْتِنَابَة فِي النِّيَّة إِذْ لَو نوى وَاحِد عَن غَيره صدق عَلَيْهِ أَنه عمل بنية وَالْجُمْلَة الثَّانِيَة منعت ذَلِك انْتهى وينتقض هَذَا بمسائل. مِنْهَا نِيَّة الْوَلِيّ عَن الصَّبِي فِي الْحَج على مَذْهَب هَذَا الْقَائِل فَإِنَّهَا تصح. وَمِنْهَا حج الْإِنْسَان عَن غَيره فَإِنَّهُ يَصح بِلَا خلاف. وَمِنْهَا إِذا وكل فِي تَفْرِقَة الزَّكَاة وفوض إِلَيْهِ النِّيَّة وَنوى الْوَكِيل فَإِنَّهُ يجْزِيه كَمَا قَالَه الإِمَام وَالْغَزالِيّ وَالْحَاوِي الصَّغِير الثَّالِث مَا ذكره ابْن السَّمْعَانِيّ فِي أَمَالِيهِ أَن فِيهِ دلَالَة على أَن الْأَعْمَال الْخَارِجَة عَن الْعِبَادَة قد تفِيد الثَّوَاب إِذا نوى بهَا فاعلها الْقرْبَة كَالْأَكْلِ وَالشرب إِذا نوى بهما التقوية على الطَّاعَة وَالنَّوْم إِذا قصد بِهِ ترويح الْبدن لِلْعِبَادَةِ وَالْوَطْء إِذا أَرَادَ بِهِ التعفف عَن الْفَاحِشَة كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بضع أحدكُم صَدَقَة الحَدِيث الرَّابِع مَا ذكره بَعضهم أَن الْأَفْعَال الَّتِي ظَاهرهَا الْقرْبَة وموضوع فعلهَا لِلْعِبَادَةِ إِذا فعلهَا الْمُكَلف عَادَة لم يَتَرَتَّب الثَّوَاب على مُجَرّد الْفِعْل وَإِن كَانَ الْفِعْل صَحِيحا حَتَّى يقْصد بهَا الْعِبَادَة وَفِيه نظر لَا يخفى الْخَامِس تكون هَذِه الْجُمْلَة تَأْكِيدًا للجملة الأولى فَذكر الحكم بِالْأولَى وأكده بِالثَّانِيَةِ تَنْبِيها على شرف الْإِخْلَاص وتحذيرا من الرِّيَاء الْمَانِع من الْإِخْلَاص السُّؤَال الثَّانِي هُوَ أَنه لم يقل فِي الْجَزَاء فَهجرَته إِلَيْهِمَا وَإِن كَانَ أخصر بل أَتَى بِالظَّاهِرِ فَقَالَ فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله وَأجِيب بِأَن ذَلِك من آدابه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي تَعْظِيم اسْم الله عز وَجل أَن لَا يجمع مَعَ ضمير غَيره كَمَا قَالَ للخطيب بئس خطيب الْقَوْم أَنْت حِين قَالَ من يطع الله وَرَسُوله فقد رشد وَمن يعصهما فقد غوى وَبَين لَهُ وَجه الْإِنْكَار فَقَالَ لَهُ قل {وَمن يعْص الله وَرَسُوله} فَإِن قيل فقد جمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الضَّمِير وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا تشهد الحَدِيث وَفِيه وَمن يطع الله وَرَسُوله فقد رشد وَمن يعصهما فَإِنَّهُ لَا يضر إِلَّا نَفسه وَلَا يضر الله شَيْئا قلت إِنَّمَا كَانَ إِنْكَاره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْخَطِيب لِأَنَّهُ لم يكن عِنْده من الْمعرفَة بتعظيم الله عز وَجل مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام يُعلمهُ من عَظمته وجلاله وَلَا كَانَ لَهُ وقُوف على دقائق الْكَلَام فَلذَلِك مَنعه وَالله أعلم السُّؤَال الثَّالِث مَا فَائِدَة التَّنْصِيص على الْمَرْأَة مَعَ كَونهَا دَاخِلَة فِي مُسَمّى الدُّنْيَا وَأجِيب من وُجُوه الأول أَنه لَا يلْزم دُخُولهَا فِي هَذِه الصِّيغَة لِأَن لَفْظَة دنيا نكرَة وَهِي لَا تعم فِي الْأَثْبَات فَلَا تَقْتَضِي دُخُول الْمَرْأَة فِيهَا الثَّانِي أَنه للتّنْبِيه على زِيَادَة التحذير فَيكون من بَاب ذكر الْخَاص بعد الْعَام كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى} وَقَوله {من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال} الْآيَة. وَقَالَ بعض الشَّارِحين وَلَيْسَ مِنْهُ قَوْله تَعَالَى {ونخل ورمان} بعد ذكر الْفَاكِهَة وَإِن غلط فِيهِ بَعضهم لِأَن فَاكِهَة نكرَة فِي سِيَاق الْأَثْبَات فَلَا تعم لَكِن وَردت فِي معرض الامتنان قلت الْفَاكِهَة اسْم لما يتفكه بِهِ أَي يتنعم بِهِ زِيَادَة على الْمُعْتَاد وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود
الجزء 1 · صفحة 28
فِي النّخل وَالرُّمَّان فَحِينَئِذٍ يكون ذكرهمَا بعد ذكر الْفَاكِهَة من قبيل عطف الْخَاص على الْعَام فَعلمت أَن هَذَا الْقَائِل هُوَ الغالط إِن قلت أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ لم يَجْعَلهَا من الْفَاكِهَة حَتَّى لَو حلف لَا يَأْكُل فَاكِهَة فَأكل رطبا أَو رمانا أَو عنبا لم يَحْنَث قلت أَبُو حنيفَة لم يخرجهما من الْفَاكِهَة بِالْكُلِّيَّةِ بل إِنَّمَا قَالَ إِن هَذِه الْأَشْيَاء إِنَّمَا يتغذى بهَا أَو يتداوى بهَا فَأوجب قصورا فِي معنى التفكه للاستعمال فِي حَاجَة الْبَقَاء وَلِهَذَا كَانَ النَّاس يعدونها من التوابل أَو من الأقوات الثَّالِث مَا قَالَه ابْن بطال عَن ابْن سراج أَنه إِنَّمَا خص الْمَرْأَة بِالذكر من بَين سَائِر الْأَشْيَاء فِي هَذَا الحَدِيث لِأَن الْعَرَب كَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة لَا تزوج الْمولى الْعَرَبيَّة وَلَا يزوجون بناتهم إِلَّا من الْأَكفاء فِي النّسَب فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام سوى بَين الْمُسلمين فِي مناكحهم وَصَارَ كل وَاحِد من الْمُسلمين كُفؤًا لصَاحبه فَهَاجَرَ كثير من النَّاس إِلَى الْمَدِينَة ليتزوج بهَا حَتَّى سمى بَعضهم مهَاجر أم قيس الرَّابِع أَن هَذَا الحَدِيث ورد على سَبَب وَهُوَ أَنه لما أَمر بِالْهِجْرَةِ من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة تخلف جمَاعَة عَنْهَا فذمهم الله تَعَالَى بقوله {إِن الَّذين تَوَفَّاهُم الْمَلَائِكَة ظالمي أنفسهم قَالُوا فيمَ كُنْتُم} الْآيَة وَلم يُهَاجر جمَاعَة لفقد استطاعتهم فعذرهم واستثناهم بقوله {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ من الرِّجَال} الْآيَة وَهَاجَر المخلصون إِلَيْهِ فمدحهم فِي غير مَا مَوضِع من كِتَابه وَكَانَ فِي الْمُهَاجِرين جمَاعَة خَالَفت نيتهم نِيَّة المخلصين. مِنْهُم من كَانَت نِيَّته تزوج امْرَأَة كَانَت بِالْمَدِينَةِ من الْمُهَاجِرين يُقَال لَهَا أم قيس وَادّعى ابْن دحْيَة أَن اسْمهَا قيلة فَسمى مهَاجر أم قيس وَلَا يعرف اسْمه فَكَانَ قَصده بِالْهِجْرَةِ من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة نِيَّة التَّزَوُّج بهَا لَا لقصد فَضِيلَة الْهِجْرَة فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِك وَبَين مَرَاتِب الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ فَلهَذَا خص ذكر الْمَرْأَة دون سَائِر مَا ينوى بِهِ الْهِجْرَة من أَفْرَاد الْأَغْرَاض الدُّنْيَوِيَّة لأجل تبين السَّبَب لِأَنَّهَا كَانَت أعظم أَسبَاب فتْنَة الدُّنْيَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا تركت بعدِي فتْنَة أضرّ على الرِّجَال من النِّسَاء وَذكر الدُّنْيَا مَعهَا من بَاب زِيَادَة النَّص على السَّبَب كَمَا أَنه لما سُئِلَ عَن طهورية مَاء الْبَحْر زَاد حل ميتَته وَيحْتَمل أَن يكون هَاجر لمالها مَعَ نِكَاحهَا وَيحْتَمل أَنه هَاجر لنكاحها وَغَيره لتَحْصِيل دنيا من جِهَة مَا فَعرض بهَا السُّؤَال الرَّابِع مَا قيل لم ذمّ على طلب الدُّنْيَا وَهُوَ أَمر مُبَاح والمباح لَا ذمّ فِيهِ وَلَا مدح وَأجِيب بِأَنَّهُ إِنَّمَا ذمّ لكَونه لم يخرج فِي الظَّاهِر لطلب الدُّنْيَا وَإِنَّمَا خرج فِي صُورَة طَالب فَضِيلَة الْهِجْرَة فأبطن خلاف مَا أظهر السُّؤَال الْخَامِس مَا قيل أَنه أعَاد فِي الْجُمْلَة الأولى مَا بعد الْفَاء الْوَاقِعَة جَوَابا للشّرط مثل مَا وَقعت فِي صدر الْكَلَام وَلم يعد كَذَلِك فِي الْجُمْلَة الثَّانِيَة وَأجِيب بِأَن ذَلِك للإعراض عَن تَكْرِير ذكر الدُّنْيَا والغض مِنْهَا وَعدم الاحتفال بأمرها بِخِلَاف الأولى فَإِن التكرير فِيهَا ممدوح
(أعد ذكر نعْمَان لنا أَن ذكره ... هُوَ الْمسك مَا كررته يتضوع)
السُّؤَال السَّادِس مَا قيل أَن النيات جمع قلَّة كالأعمال وَهِي للعشرة فَمَا دونهَا لَكِن الْمَعْنى أَن كل عمل إِنَّمَا هُوَ بنية سَوَاء كَانَ قَلِيلا أَو كثيرا أُجِيب بِأَن الْفرق بالقلة وَالْكَثْرَة إِنَّمَا هُوَ فِي النكرات لَا فِي المعارف (بَيَان السَّبَب والمورد) اشْتهر بَينهم أَن سَبَب هَذَا الحَدِيث قصَّة مهَاجر أم قيس رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي المعجم الْكَبِير بِإِسْنَاد رِجَاله ثِقَات عَن أبي وَائِل عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ قَالَ كَانَ فِينَا رجل خطب امْرَأَة يُقَال لَهَا أم قيس فَأَبت أَن تتزوجه حَتَّى يُهَاجر فَهَاجَرَ فَتَزَوجهَا فَكُنَّا نُسَمِّيه مهَاجر أم قيس فَإِن قيل ذكر أَبُو عمر فِي الِاسْتِيعَاب فِي تَرْجَمَة أم سليم أَن أَبَا طَلْحَة الْأنْصَارِيّ خطبهَا مُشْركًا فَلَمَّا علم أَنه لَا سَبِيل لَهُ إِلَيْهَا إِلَّا بِالْإِسْلَامِ أسلم وَتَزَوجهَا وَحسن إِسْلَامه وَهَكَذَا روى النَّسَائِيّ من حَدِيث أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ تزوج أَبُو طَلْحَة أم سليم فَكَانَ صدَاق مَا بَينهمَا الْإِسْلَام إِذْ أسلمت أم سليم قبل أبي طَلْحَة فَخَطَبَهَا فَقَالَت إِنِّي قد أسلمت فَإِن أسلمت نكحتك فَأسلم فَكَانَ الْإِسْلَام صدَاق مَا بَينهمَا بوب عَلَيْهِ النَّسَائِيّ التَّزْوِيج على الْإِسْلَام. وروى النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيثه قَالَ خطب أَبُو طَلْحَة أم سليم فَقَالَت وَالله مَا مثلك يَا أَبَا طَلْحَة يرد وَلَكِنَّك رجل كَافِر وَأَنا امْرَأَة مسلمة وَلَا يحل لي أَن أتزوجك فَإِن تسلم فَذَاك مهري وَلَا أَسأَلك
الجزء 1 · صفحة 29
غَيره فَأسلم فَكَانَ ذَلِك مهرهَا قَالَ ثَابت فَمَا سَمِعت بِامْرَأَة قطّ كَانَت أكْرم مهْرا من أم سليم الْإِسْلَام فَدخل بهَا الحَدِيث وَأخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه من هَذَا الْوَجْه فَظَاهر هَذَا أَن إِسْلَامه كَانَ ليتزوج بهَا فَكيف الْجمع بَينه وَبَين حَدِيث الْهِجْرَة الْمَذْكُور مَعَ كَون الْإِسْلَام أشرف الْأَعْمَال وَأجِيب عَنهُ من وُجُوه الأول أَنه لَيْسَ فِي الحَدِيث أَنه أسلم ليتزوجها حَتَّى يكون مُعَارضا لحَدِيث الْهِجْرَة وَإِنَّمَا امْتنعت من تَزْوِيجه حَتَّى هداه الله لِلْإِسْلَامِ رَغْبَة فِي الْإِسْلَام لَا ليتزوجها وَكَانَ أَبُو طَلْحَة من أجلاء الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم فَلَا يظنّ بِهِ أَنه إِنَّمَا أسلم ليتزوج أم سليم الثَّانِي أَنه لَا يلْزم من الرَّغْبَة فِي نِكَاحهَا أَنه لَا يَصح مِنْهُ الْإِسْلَام رَغْبَة فِيهَا فَمَتَى كَانَ الدَّاعِي إِلَى الْإِسْلَام الرَّغْبَة فِي الدّين لم يضر مَعَه كَونه يعلم أَنه يحل لَهُ بذلك نِكَاح المسلمات الثَّالِث أَنه لَا يَصح هَذَا عَن أبي طَلْحَة فَالْحَدِيث وَإِن كَانَ صَحِيح الْإِسْنَاد وَلكنه مُعَلل بِكَوْن الْمَعْرُوف أَنه لم يكن حِينَئِذٍ نزل تَحْرِيم المسلمات على الْكفَّار وَإِنَّمَا نزل بَين الْحُدَيْبِيَة وَبَين الْفَتْح حِين نزل قَوْله تَعَالَى {لَا هن حل لَهُم وَلَا هم يحلونَ لَهُنَّ} كَمَا ثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَقَول أم سليم فِي هَذَا الحَدِيث وَلَا يحل لي أَن أتزوجك شَاذ مُخَالف للْحَدِيث الصَّحِيح وَمَا أجمع عَلَيْهِ أهل السّير فَافْهَم وَقد علمت سَبَب الحَدِيث ومورده وَهُوَ خَاص وَلَكِن الْعبْرَة بِعُمُوم اللَّفْظ فَيتَنَاوَل سَائِر أَقسَام الْهِجْرَة فَعَدهَا بَعضهم خَمْسَة الأولى إِلَى أَرض الْحَبَشَة الثَّانِيَة من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة. الثَّالِثَة هِجْرَة الْقَبَائِل إِلَى الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرَّابِعَة هِجْرَة من أسلم من أهل مَكَّة. الْخَامِسَة هِجْرَة مَا نهى الله عَنهُ واستدرك عَلَيْهِ بِثَلَاثَة أُخْرَى الأولى الْهِجْرَة الثَّانِيَة إِلَى أَرض الْحَبَشَة فَإِن الصَّحَابَة هَاجرُوا إِلَيْهَا مرَّتَيْنِ الثَّانِيَة هِجْرَة من كَانَ مُقيما بِبِلَاد الْكفْر وَلَا يقدر على إِظْهَار الدّين فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ أَن يُهَاجر إِلَى دَار الْإِسْلَام كَمَا صرح بِهِ بعض الْعلمَاء الثَّالِثَة الْهِجْرَة إِلَى الشَّام فِي آخر الزَّمَان عِنْد ظُهُور الْفِتَن كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبد الله بن عمر وَقَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول سَتَكُون هِجْرَة بعد هِجْرَة فخيار أهل الأَرْض ألزمهم مهَاجر إِبْرَاهِيم وَيبقى فِي الأَرْض شرار أَهلهَا الحَدِيث وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده فَجعله من حَدِيث عبد الله بن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا وَقَالَ صَاحب النِّهَايَة يُرِيد بِهِ الشَّام لِأَن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لما خرج من الْعرَاق مضى إِلَى الشَّام وَأقَام بِهِ (فَإِن قيل) قد تَعَارَضَت الْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب فروى البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة وَإِذا استنفرتم فانفروا وروى البُخَارِيّ عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا قَوْله لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح وَفِي رِوَايَة لَهُ لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح الْيَوْم أَو بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وروى البُخَارِيّ أَيْضا أَن عبيد بن عَمْرو سَأَلَ عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا عَن الْهِجْرَة فَقَالَت لَا هِجْرَة الْيَوْم كَانَ الْمُؤْمِنُونَ يفر أحدهم بِدِينِهِ إِلَى الله وَإِلَى رَسُوله مَخَافَة أَن يفتن عَلَيْهِ فَأَما الْيَوْم فقد أظهر الله الْإِسْلَام وَالْمُؤمن يعبد ربه حَيْثُ شَاءَ وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة وروى البُخَارِيّ وَمُسلم أَيْضا عَن مجاشع بن مَسْعُود قَالَ انْطَلَقت بِأبي معبد إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليبايعه على الْهِجْرَة قَالَ انْقَضتْ الْهِجْرَة لأَهْلهَا فَبَايعهُ على الْإِسْلَام وَالْجهَاد وَفِي رِوَايَة أَنه جَاءَ بأَخيه مجَالد وروى أَحْمد من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَرَافِع بن خديج وَزيد بن ثَابت رَضِي الله عَنْهُم لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة فَهَذِهِ الْأَحَادِيث دَالَّة على انْقِطَاع الْهِجْرَة وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث مُعَاوِيَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لَا تَنْقَطِع الْهِجْرَة حَتَّى تَنْقَطِع التَّوْبَة وَلَا تَنْقَطِع التَّوْبَة حَتَّى تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا وروى أَحْمد من حَدِيث ابْن السَّعْدِيّ مَرْفُوعا لَا تَنْقَطِع الْهِجْرَة مادام الْعَدو يُقَاتل وروى أَحْمد أَيْضا من حَدِيث جُنَادَة بن أبي أُميَّة مَرْفُوعا أَن الْهِجْرَة لَا تَنْقَطِع مَا كَانَ الْجِهَاد قلت وفْق الْخطابِيّ بَين هَذِه الْأَحَادِيث بِأَن الْهِجْرَة كَانَت فِي أول الْإِسْلَام فرضا ثمَّ صَارَت بعد فتح مَكَّة مَنْدُوبًا إِلَيْهَا غير مَفْرُوضَة قَالَ فالمنقطعة مِنْهَا هِيَ الْفَرْض والباقية مِنْهَا هِيَ النّدب على أَن حَدِيث مُعَاوِيَة فِيهِ مقَال وَقَالَ ابْن الْأَثِير الْهِجْرَة هجرتان إِحْدَاهمَا الَّتِي وعد الله عَلَيْهَا بِالْجنَّةِ كَانَ الرجل يَأْتِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ويدع أَهله وَمَاله لَا يرجع فِي شَيْء مِنْهُ فَلَمَّا فتحت مَكَّة انْقَطَعت هَذِه الْهِجْرَة وَالثَّانيَِة من هَاجر من الْأَعْرَاب وغزا مَعَ الْمُسلمين وَلم يفعل كَمَا فعل أَصْحَاب الْهِجْرَة وَهُوَ المُرَاد بقوله لَا تَنْقَطِع الْهِجْرَة حَتَّى تَنْقَطِع التَّوْبَة قلت وَفِي الحَدِيث الآخر مَا يدل على أَن المُرَاد بِالْهِجْرَةِ الْبَاقِيَة هِيَ هجر السَّيِّئَات وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث مُعَاوِيَة وَعبد
الجزء 1 · صفحة 30
الرَّحْمَن بن عَوْف وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ رَضِي الله عَنْهُم أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْهِجْرَة خصلتان إِحْدَاهمَا تهجر السَّيِّئَات وَالْأُخْرَى تهَاجر إِلَى الله وَإِلَى رَسُوله وَلَا تَنْقَطِع الْهِجْرَة مَا تقبلت التَّوْبَة وَلَا تزَال التَّوْبَة مَقْبُولَة حَتَّى تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا فَإِذا طلعت طبع الله على كل قلب بِمَا فِيهِ وَكفى النَّاس الْعَمَل وروى أَحْمد أَيْضا من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ جَاءَ رجل أَعْرَابِي فَقَالَ يَا رَسُول الله أَيْن الْهِجْرَة إِلَيْك حَيْثُ كنت أم إِلَى أَرض مَعْلُومَة أم لقوم خَاصَّة أم إِذا مت انْقَطَعت قَالَ فَسكت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَاعَة ثمَّ قَالَ أَيْن السَّائِل عَن الْهِجْرَة قَالَ هَا أَنا ذَا يَا رَسُول الله قَالَ إِذا أَقمت الصَّلَاة وآتيت الزَّكَاة فَأَنت مهَاجر وَإِن مت بالخضرمة قَالَ يَعْنِي أَرضًا بِالْيَمَامَةِ وَفِي رِوَايَة لَهُ الْهِجْرَة أَن تهجر الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة ثمَّ أَنْت مهَاجر وَإِن مت بالخضرمة (استنباط الْأَحْكَام) وَهُوَ على وُجُوه الأول احتجت الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة بِهِ فِي وجوب النِّيَّة فِي الْوضُوء وَالْغسْل فَقَالُوا التَّقْدِير فِيهِ صِحَة الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَالْألف وَاللَّام فِيهِ لاستغراق الْجِنْس فَيدْخل فِيهِ جَمِيع الْأَعْمَال من الصَّوْم وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْحج وَالْوُضُوء وَغير ذَلِك مِمَّا يطْلب فِيهِ النِّيَّة عملا بِالْعُمُومِ وَيدخل فِيهِ أَيْضا الطَّلَاق وَالْعتاق لِأَن النِّيَّة إِذا قارنت الْكِنَايَة كَانَت كَالصَّرِيحِ وَقَالَ النَّوَوِيّ تَقْدِيره إِنَّمَا الْأَعْمَال تحسب إِذا كَانَت بنية وَلَا تحسب إِذا كَانَت بِلَا نِيَّة وَفِيه دَلِيل على أَن الطَّهَارَة وَسَائِر الْعِبَادَات لَا تصح إِلَّا بنية. وَقَالَ الْخطابِيّ قَوْله إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ لم يرد بِهِ أَعْيَان الْأَعْمَال لِأَنَّهَا حَاصِلَة حسا وعيانا بِغَيْر نِيَّة وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَن صِحَة أَحْكَام الْأَعْمَال فِي حق الدّين إِنَّمَا تقع بِالنِّيَّةِ وَأَن النِّيَّة هِيَ الفاصلة بَين مَا يَصح وَمَا لَا يَصح وَكلمَة إِنَّمَا عاملة بركنيها إِيجَابا ونفيا فَهِيَ تثبت الشَّيْء وتنفي مَا عداهُ فدلالتها أَن الْعِبَادَة إِذا صحبتهَا النِّيَّة صحت وَإِذا لم تصحبها لم تصح وَمُقْتَضى حق الْعُمُوم فِيهَا يُوجب أَن لَا يَصح عمل من الْأَعْمَال الدِّينِيَّة أقوالها وأفعالها فَرضهَا ونفلها قليلها وكثيرها إِلَّا بنية وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ الحَدِيث مَتْرُوك الظَّاهِر لِأَن الذوات غير منتفية وَالْمرَاد بِهِ نفي أَحْكَامهَا كالصحة والفضيلة وَالْحمل على نفي الصِّحَّة أولى لِأَنَّهُ أشبه بِنَفْي الشَّيْء نَفسه وَلِأَن اللَّفْظ يدل بالتصريح على نفي الذَّات وبالتبع على نفي جَمِيع الصِّفَات فَلَمَّا منع الدَّلِيل دلَالَته على نفي الذَّات بَقِي دلَالَته على نفي جَمِيع الصِّفَات وَقَالَ الطَّيِّبِيّ كل من الْأَعْمَال والنيات جمع محلى بِاللَّامِ الاستغراقية فَأَما أَن يحملا على عرف اللُّغَة فَيكون الِاسْتِغْرَاق حَقِيقِيًّا أَو على عرف الشَّرْع وَحِينَئِذٍ إِمَّا أَن يُرَاد بِالْأَعْمَالِ الْوَاجِبَات والمندوبات والمباحات وبالنيات الْإِخْلَاص والرياء أَو أَن يُرَاد بِالْأَعْمَالِ الْوَاجِبَات وَمَا لَا يَصح إِلَّا بِالنِّيَّةِ كَالصَّلَاةِ لَا سَبِيل إِلَى اللّغَوِيّ لِأَنَّهُ مَا بعث إِلَّا لبَيَان الشَّرْع فَكيف يتَصَدَّى لما لَا جدوى لَهُ فِيهِ فَحِينَئِذٍ يحمل إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ على مَا اتّفق عَلَيْهِ أَصْحَابنَا أَي مَا الْأَعْمَال محسوبة لشَيْء من الْأَشْيَاء كالشروع فِيهَا والتلبس بهَا إِلَّا بِالنِّيَّاتِ وَمَا خلا عَنْهَا لم يعْتد بهَا فَإِن قيل لم خصصت مُتَعَلق الْخَبَر وَالظَّاهِر الْعُمُوم كمستقر أَو حَاصِل فَالْجَوَاب أَنه حِينَئِذٍ يكون بَيَانا للغة لَا إِثْبَاتًا لحكم الشَّرْع وَقد سبق بُطْلَانه وَيحمل إِنَّمَا لكل امرىء مَا نوى على مَا تثمره النيات من الْقبُول وَالرَّدّ وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب ففهم من الأول إِنَّمَا الْأَعْمَال لَا تكون محسوبة ومسقطة للْقَضَاء إِلَّا إِذا كَانَت مقرونة بِالنِّيَّاتِ وَمن الثَّانِي أَن النيات إِنَّمَا تكون مَقْبُولَة إِذا كَانَت مقرونة بالإخلاص انْتهى وَذهب أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَزفر وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَالْحسن بن حَيّ وَمَالك فِي رِوَايَة إِلَى أَن الْوضُوء لَا يحْتَاج إِلَى نِيَّة وَكَذَلِكَ الْغسْل وَزَاد الْأَوْزَاعِيّ وَالْحسن التَّيَمُّم وَقَالَ عَطاء وَمُجاهد لَا يحْتَاج صِيَام رَمَضَان إِلَى نِيَّة إِلَّا أَن يكون مُسَافِرًا أَو مَرِيضا وَقَالُوا التَّقْدِير فِيهِ كَمَال الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ أَو ثَوَابهَا أَو نَحْو ذَلِك لِأَنَّهُ الَّذِي يطرد فَإِن كثيرا من الْأَعْمَال يُوجد وَيعْتَبر شرعا بِدُونِهَا وَلِأَن إِضْمَار الثَّوَاب مُتَّفق عَلَيْهِ على إِرَادَته وَلِأَنَّهُ يلْزم من انْتِفَاء الصِّحَّة انْتِفَاء الثَّوَاب دون الْعَكْس فَكَانَ هَذَا أقل إضمارا فَهُوَ أولى وَلِأَن إِضْمَار الْجَوَاز وَالصِّحَّة يُؤَدِّي إِلَى نسخ الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد وَهُوَ مُمْتَنع لِأَن الْعَامِل فِي قَوْله بِالنِّيَّاتِ مُفْرد بِإِجْمَاع النُّحَاة فَلَا يجوز أَن يتَعَلَّق بِالْأَعْمَالِ لِأَنَّهَا رفع بِالِابْتِدَاءِ فَيبقى بِلَا خبر فَلَا يجوز فالتقدير إِمَّا مجزئة أَو صَحِيحَة أَو مثيبة فالمثيبة أولى بالتقدير لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن عِنْد عدم النِّيَّة لَا يبطل أصل الْعَمَل وعَلى إِضْمَار الصِّحَّة والإجزاء يبطل فَلَا يبطل بِالشَّكِّ وَالثَّانِي أَن قَوْله وَلكُل امرىء مَا نوى يدل على الثَّوَاب وَالْأَجْر لِأَن الَّذِي لَهُ إِنَّمَا هُوَ الثَّوَاب وَأما الْعَمَل فَعَلَيهِ وَقَالُوا فِي هَذَا كُله نظر من وُجُوه الأول أَنه لَا حَاجَة إِلَى إِضْمَار
الجزء 1 · صفحة 31
مَحْذُوف من الصِّحَّة أَو الْكَمَال أَو الثَّوَاب إِذْ الْإِضْمَار خلاف الأَصْل وَإِنَّمَا حَقِيقَته الْعَمَل الشَّرْعِيّ فَلَا يحْتَاج حِينَئِذٍ إِلَى إِضْمَار وَأَيْضًا فَلَا بُد من إِضْمَار يتَعَلَّق بِهِ الْجَار وَالْمَجْرُور فَلَا حَاجَة إِلَى إِضْمَار مُضَاف لِأَن تقليل الْإِضْمَار أولى فَيكون التَّقْدِير إِنَّمَا الْأَعْمَال وجودهَا بِالنِّيَّةِ وَيكون المُرَاد الْأَعْمَال الشَّرْعِيَّة قلت لَا نسلم نفي الِاحْتِيَاج إِلَى إِضْمَار مَحْذُوف لِأَن الحَدِيث مَتْرُوك الظَّاهِر بِالْإِجْمَاع والذوات لَا تَنْتفِي بِلَا خلاف فَحِينَئِذٍ يحْتَاج إِلَى إِضْمَار وَإِنَّمَا يكون الْإِضْمَار خلاف الأَصْل عِنْد عدم الِاحْتِيَاج فَإِذا كَانَ الدَّلِيل قَائِما على الْإِضْمَار يضمر إِمَّا الصِّحَّة وَإِمَّا الثَّوَاب على اخْتِلَاف الْقَوْلَيْنِ وَقَوْلهمْ فَيكون التَّقْدِير إِنَّمَا الْأَعْمَال وجودهَا بِالنِّيَّةِ مفض إِلَى بَيَان اللُّغَة لَا إِثْبَات الحكم الشَّرْعِيّ وَهُوَ بَاطِل الثَّانِي أَنه لَا يلْزم من تَقْدِير الصِّحَّة تَقْدِير مَا يَتَرَتَّب على نَفيهَا من نفي الثَّوَاب وَوُجُوب الْإِعَادَة وَغير ذَلِك فَلَا يحْتَاج إِلَى أَن يقدر إِنَّمَا صِحَة الْأَعْمَال وَالثَّوَاب وَسُقُوط الْقَضَاء مثلا بِالنِّيَّةِ بل الْمُقدر وَاحِد وَإِن ترَتّب على ذَلِك الْوَاحِد شَيْء آخر فَلَا يلْزم تَقْدِيره قلت دَعْوَى عدم الْمُلَازمَة الْمَذْكُورَة مَمْنُوعَة لِأَنَّهُ يلْزم من نفي الصِّحَّة نفي الثَّوَاب وَوُجُوب الْإِعَادَة كَمَا يلْزم الثَّوَاب عِنْد وجود الصِّحَّة يفهم ذَلِك بِالنّظرِ الثَّالِث أَن قَوْلهم أَن تَقْدِير الصِّحَّة يُؤَدِّي إِلَى نسخ الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يُرِيدُوا بِهِ أَن الْكتاب دَال على صِحَة الْعَمَل بِغَيْر نِيَّة لكَونهَا لم تذكر فِي الْكتاب فَهَذَا لَيْسَ بنسخ على أَن الْكتاب ذكرت فِيهِ نِيَّة الْعَمَل فِي قَوْله عز وَجل {وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدّين} فَهَذَا هُوَ الْقَصْد وَالنِّيَّة وَلَو سلم لَهُم أَن فِيهِ نسخ الْكتاب بِخَبَر الْوَاحِد فَلَا مَانع من ذَلِك عِنْد أَكثر أهل الْأُصُول قلت قَوْلهم فَهَذَا لَيْسَ بنسخ غير صَحِيح لِأَن هَذَا عين النّسخ. بَيَانه أَن آيَة الْوضُوء تخبر بِوُجُوب غسل الْأَعْضَاء الثَّلَاثَة وَمسح الرَّأْس وَلَيْسَ فِيهَا مَا يشْعر بِالنِّيَّةِ مُطلقًا فاشتراطها بِخَبَر الْوَاحِد يُؤَدِّي إِلَى رفع الْإِطْلَاق وتقييده وَهُوَ نسخ وَقَوْلهمْ على أَن الْكتاب ذكر فِيهِ نِيَّة الْعَمَل لَا يضرهم لِأَن المُرَاد من قَوْله {إِلَّا ليعبدوا الله} التَّوْحِيد وَالْمعْنَى إِلَّا ليوحدوا الله فَلَيْسَ فِيهَا دلَالَة على اشْتِرَاط النِّيَّة فِي الْوضُوء وَقَوْلهمْ وَلَو سلم لَهُم إِلَى آخِره غير مُسلم لَهُم لِأَن جَمَاهِير الْأُصُولِيِّينَ على عدم جَوَاز نسخ الْكتاب بالْخبر الْوَاحِد على أَن الْمَنْقُول الصَّحِيح عَن الشَّافِعِي عدم جَوَاز نسخ الْكتاب بِالسنةِ قولا وَاحِدًا وَهُوَ مَذْهَب أهل الحَدِيث أَيْضا وَله فِي نسخ السّنة بِالْكتاب قَولَانِ الْأَظْهر من مذْهبه أَنه لَا يجوز وَالْآخر أَنه يجوز وَهُوَ الأولى بِالْحَقِّ كَذَا ذكره السَّمْعَانِيّ من أَصْحَاب الشَّافِعِي فِي القواطع ثمَّ نقُول أَن الحَدِيث عَام مَخْصُوص فَإِن أَدَاء الدّين ورد الودائع وَالْأَذَان والتلاوة والأذكار وهداية الطَّرِيق وإماطة الْأَذَى عبادات كلهَا تصح بِلَا نِيَّة إِجْمَاعًا فتضعف دلَالَته حِينَئِذٍ وَيخْفى عدم اعْتِبَارهَا أَيْضا فِي الْوضُوء وَقد قَالَ بعض الشَّارِحين دَعْوَى الصِّحَّة فِي هَذِه الْأَشْيَاء بِلَا نِيَّة إِجْمَاعًا مَمْنُوعَة حَتَّى يثبت الْإِجْمَاع وَلنْ يقدر عَلَيْهِ ثمَّ نقُول النِّيَّة تلازم هَذِه الْأَعْمَال فَإِن مؤدي الدّين يقْصد بَرَاءَة الذِّمَّة وَذَلِكَ عبَادَة وَكَذَلِكَ الْوَدِيعَة وَأَخَوَاتهَا فَإِنَّهَا لَا يَنْفَكّ تعاطيهن عَن الْقَصْد وَذَلِكَ نِيَّة قلت هَذَا كُله صادر لَا عَن تعقل لِأَن أحدا من السّلف وَالْخلف لم يشْتَرط النِّيَّة فِي هَذِه الْأَعْمَال فَكيف لَا يكون إِجْمَاعًا وَقَوله النِّيَّة تلازم هَذِه الْأَعْمَال إِلَى آخِره لَا تعلق لَهُ فِيمَا نَحن فِيهِ فَإنَّا لَا ندعي عدم وجود النِّيَّة فِي هَذِه الْأَشْيَاء وَإِنَّمَا ندعي عدم اشْتِرَاطهَا ومؤدي الدّين مثلا إِذا قصد بَرَاءَة الذِّمَّة بَرِئت ذمَّته وَحصل لَهُ الثَّوَاب وَلَيْسَ لنا فِيهِ نزاع وَإِذا أدّى من غير قصد بَرَاءَة الذِّمَّة هَل يَقُول أحد أَن ذمَّته لم تَبرأ ثمَّ التَّحْقِيق فِي هَذَا الْمقَام هُوَ أَن هَذَا الْكَلَام لما دلّ عقلا على عدم إِرَادَة حَقِيقَته إِذْ قد يحصل الْعَمَل من غير نِيَّة بل المُرَاد بِالْأَعْمَالِ حكمهَا بِاعْتِبَار إِطْلَاق الشَّيْء على أَثَره وموجبه وَالْحكم نَوْعَانِ نوع يتَعَلَّق بِالآخِرَة وَهُوَ الثَّوَاب فِي الْأَعْمَال المفتقرة إِلَى النِّيَّة وَالْإِثْم فِي الْأَعْمَال الْمُحرمَة وَنَوع يتَعَلَّق بالدنيا وَهُوَ الْجَوَاز وَالْفساد وَالْكَرَاهَة والإساءة وَنَحْو ذَلِك والنوعان مُخْتَلِفَانِ بِدَلِيل أَن مبْنى الأول على صدق الْعَزِيمَة وخلوص النِّيَّة فَإِن وجد وجد الثَّوَاب وَإِلَّا فَلَا ومبنى الثَّانِي على وجود الْأَركان والشرائط الْمُعْتَبرَة فِي الشَّرْع حَتَّى لَو وجدت صَحَّ وَإِلَّا فَلَا سَوَاء اشْتَمَل على صدق الْعَزِيمَة أَولا وَإِذا صَار اللَّفْظ مجَازًا عَن النَّوْعَيْنِ الْمُخْتَلِفين كَانَ مُشْتَركا بَينهمَا بِحَسب الْوَضع النوعي فَلَا يجوز إرادتهما جَمِيعًا أما عندنَا فَلِأَن الْمُشْتَرك لَا عُمُوم لَهُ وَأما عِنْد الشَّافِعِي فَلِأَن الْمجَاز لَا عُمُوم لَهُ بل يجب حمله على أحد النَّوْعَيْنِ فَحَمله الشَّافِعِي على النَّوْع الثَّانِي بِنَاء على أَن الْمَقْصُود الأهم من بعثة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَيَان الْحل وَالْحُرْمَة وَالصِّحَّة وَالْفساد وَنَحْو ذَلِك فَهُوَ أقرب إِلَى الْفَهم فَيكون الْمَعْنى أَن صِحَة الْأَعْمَال لَا تكون إِلَّا بِالنِّيَّةِ فَلَا يجوز الْوضُوء بِدُونِهَا
الجزء 1 · صفحة 32
وَحمله أَبُو حنيفَة على النَّوْع الأول أَي ثَوَاب الْأَعْمَال لَا يكون إِلَّا بِالنِّيَّةِ وَذَلِكَ لوَجْهَيْنِ الأول أَن الثَّوَاب ثَابت اتِّفَاقًا إِذْ لَا ثَوَاب بِدُونِ النِّيَّة فَلَو أُرِيد الصِّحَّة أَيْضا يلْزم عُمُوم الْمُشْتَرك أَو الْمجَاز الثَّانِي أَنه لَو حمل على الثَّوَاب لَكَانَ بَاقِيا على عُمُومه إِذْ لَا ثَوَاب بِدُونِ النِّيَّة أصلا بِخِلَاف الصِّحَّة فَإِنَّهَا قد تكون بِدُونِ النِّيَّة كَالْبيع وَالنِّكَاح وفرعت الشَّافِعِيَّة على أصلهم مسَائِل مِنْهَا أَن بَعضهم أوجب النِّيَّة فِي غسل النَّجَاسَة لِأَنَّهُ عمل وَاجِب قَالَ الرَّافِعِيّ ويحكى عَن ابْن سُرَيج وَبِه قَالَ أَبُو سهل الصعلوكي فِيمَا حَكَاهُ صَاحب التَّتِمَّة وَحكى ابْن الصّلاح وَجها ثَالِثا أَنَّهَا تجب لإِزَالَة النَّجَاسَة الَّتِي على الْبدن دون الثَّوْب وَقد رد ذَلِك بحكاية الْإِجْمَاع فقد حكى الْمَاوَرْدِيّ فِي الْحَاوِي وَالْبَغوِيّ فِي التَّهْذِيب أَن النِّيَّة لَا تشْتَرط فِي إِزَالَة النَّجَاسَة قَالَ الرَّوْيَانِيّ لَا يَصح النَّقْل فِي الْبَحْر عِنْدِي عَنْهُمَا أَي عَن ابْن سُرَيج والصعلوكي وَإِنَّمَا لم يشترطوا النِّيَّة فِي إِزَالَة النَّجَاسَة لِأَنَّهَا من بَاب التروك فَصَارَ كَتَرْكِ الْمعاصِي. وَقَالَ بعض الأفاضل وَقد يعْتَرض على هَذَا التَّعْلِيل لِأَن الصَّوْم من بَاب التروك أَيْضا وَهَذَا لَا يبطل بالعزم على قطعه وَقد أَجمعُوا على وجوب النِّيَّة فِيهِ قلت التروك إِذا كَانَ الْمَقْصُود فِيهَا امْتِثَال أَمر الشَّارِع وَتَحْصِيل الثَّوَاب فَلَا بُد من النِّيَّة فِيهَا وَإِن كَانَت لإِسْقَاط الْعَذَاب فَلَا يحْتَاج إِلَيْهَا فالتارك للمعاصي مُحْتَاج فِيهَا لتَحْصِيل الثَّوَاب إِلَى النِّيَّة. قَوْله وَقد أَجمعُوا على وجوب النِّيَّة فِيهِ نظر لِأَن عَطاء ومجاهدا لَا يريان وجوب النِّيَّة فِيهِ إِذا كَانَ فِي رَمَضَان وَمِنْهَا اشْتِرَاط النِّيَّة فِي الْخطْبَة فِيهِ وَجْهَان للشَّافِعِيَّة كهما فِي الْأَذَان قَالَه الرَّوْيَانِيّ فِي الْبَحْر. وَفِي الرَّافِعِيّ فِي الْجُمُعَة أَن القَاضِي حُسَيْن حكى اشْتِرَاط نِيَّة الْخطْبَة وفرضيتها كَمَا فِي الصَّلَاة وَمِنْهَا أَنه إِذا نذر اعْتِكَاف مُدَّة متتابعة لزمَه. وَأَصَح الْوَجْهَيْنِ عِنْدهم أَنه لَا يجب التَّتَابُع بِلَا شَرط فعلي هَذَا لَو نوى التَّتَابُع بِقَلْبِه فَفِي لُزُومه وَجْهَان أصَحهمَا لَا كَمَا لَو نذر أصل الِاعْتِكَاف بِقَلْبِه كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ عَن صَحِيح الْبَغَوِيّ وَغَيره قَالَ الرَّوْيَانِيّ وَهُوَ ظَاهر نقل الْمُزنِيّ قَالَ وَالصَّحِيح عِنْدِي اللُّزُوم لِأَن النِّيَّة إِذا اقترنت بِاللَّفْظِ عملت كَمَا لَو قَالَ أَنْت طَالِق وَنوى ثَلَاثًا وَمِنْهَا إِذا أَخذ الْخَوَارِج الزَّكَاة اعْتد بهَا على الْأَصَح ثَالِثهَا إِن أخذت قهرا فَنعم وَإِلَّا فَلَا وَبِه قَالَ مَالك وَقَالَ ابْن بطال وَمِمَّا يجزىء بِغَيْر نِيَّة مَا قَالَه مَالك أَن الْخَوَارِج إِن أخذُوا الزَّكَاة من النَّاس بالقهر وَالْغَلَبَة أَجْزَأت عَمَّن أخذت مِنْهُ لِأَن أَبَا بكر وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم أخذُوا الزَّكَاة من أهل الرِّدَّة بالقهر وَالْغَلَبَة وَلَو لم يجزىء عَنْهُم مَا أخذت مِنْهُم وَقَالَ ابْن بطال وَاحْتج من خالفهم وَجعل حَدِيث النِّيَّة على الْعُمُوم أَن أَخذ الْخَوَارِج الزَّكَاة غَلَبَة لَا يَنْفَكّ الْمَأْخُوذ مِنْهُ أَنه عَن الزَّكَاة وَقد أجمع الْعلمَاء أَن أَخذ الإِمَام الظَّالِم لَهَا يُجزئهُ فالخارجي فِي معنى الظَّالِم لأَنهم من أهل الْقبْلَة وَشَهَادَة التَّوْحِيد وَأما أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ فَلم يقْتَصر على أَخذ الزَّكَاة من أهل الرِّدَّة بل قصد حربهم وغنيمة أَمْوَالهم وَسَبْيهمْ لكفرهم وَلَو قصد أَخذ الزَّكَاة فَقَط لرد عَلَيْهِم مَا فضل عَنْهَا من أَمْوَالهم وَمِنْهَا قَالَ الشَّافِعِي فِي الْبُوَيْطِيّ كَمَا نَقله الرَّوْيَانِيّ عَن القَاضِي أبي الطّيب عَنهُ قد قيل أَن من صرح بِالطَّلَاق وَالظِّهَار وَالْعِتْق وَلم يكن لَهُ نِيَّة فِي ذَلِك لم يلْزمه فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى طَلَاق وَلَا ظِهَار وَلَا عتق وَيلْزمهُ فِي الحكم وَمِنْهَا أَن لَو قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق يَظُنهَا أَجْنَبِيَّة طلقت زَوجته لمصادفة مَحَله. وَفِي عَكسه تردد لبَعض الْعلمَاء مأخذه إِلَى النِّيَّة وَإِلَى فَوَات الْمحل فَلَو قَالَ لرقيق أَنْت حر يَظُنّهُ أَجْنَبِيّا عتق وَفِي عَكسه التَّرَدُّد الْمَذْكُور وَمِنْهَا لَو وطىء امْرَأَة يَظُنهَا أَجْنَبِيَّة فَإِذا هِيَ مُبَاحَة لَهُ أَثم وَلَو اعتقدها زَوجته أَو أمته فَلَا إِثْم وَكَذَا لَو شرب مُبَاحا يَعْتَقِدهُ حَرَامًا أَثم وَبِالْعَكْسِ لَا يَأْثَم وَمثله مَا إِذا قتل من يَعْتَقِدهُ مَعْصُوما فَبَان لَهُ أَنه مُسْتَحقّ دَمه أَو أتلف مَا لَا يَظُنّهُ لغيره فَبَان ملكه وَمِنْهَا اشْتِرَاط النِّيَّة لسجود التِّلَاوَة لِأَنَّهُ عبَادَة وَهُوَ قَول الْجُمْهُور خلافًا لبَعْضهِم وَمِنْهَا استدلوا بِهِ على وجوب النِّيَّة على الْغَاسِل فِي غسل الْمَيِّت لِأَنَّهُ عبَادَة وَغسل وَاجِب وَهُوَ أحد الْوَجْهَيْنِ لأَصْحَاب الشَّافِعِي وَيدل عَلَيْهِ نَص الشَّافِعِي على وجوب غسل الغريق وَأَنه لَا يَكْفِي إِصَابَة المَاء لَهُ وَلَكِن أصح الْوَجْهَيْنِ كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ فِي الْمُحَرر أَنه لَا تجب النِّيَّة على الْغَاسِل وَمِنْهَا أَنه لَا يجب على الزَّوْج النِّيَّة إِذا غسل زَوجته الْمَجْنُونَة من حيض أَو نِفَاس أَو الذِّمِّيَّة إِذا امْتنعت فغسلها الزَّوْج وَهُوَ أصح الْوَجْهَيْنِ كَمَا صَححهُ النَّوَوِيّ فِي التَّحْقِيق فِي مَسْأَلَة الْمَجْنُونَة وَأما الذِّمِّيَّة المتمنعة فَقَالَ فِي شرح الْمُهَذّب الظَّاهِر أَنه على الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَجْنُونَة بل قد جزم ابْن الرّفْعَة فِي الْكِفَايَة فِي غسل الذِّمِّيَّة لزَوجهَا الْمُسلم أَن الْمُسلم هُوَ الَّذِي يَنْوِي وَلَكِن الَّذِي صَححهُ النَّوَوِيّ فِي التَّحْقِيق
الجزء 1 · صفحة 33
فِي الذِّمِّيَّة غير الممتنعة اشْتِرَاط النِّيَّة عَلَيْهَا نَفسهَا وَمِنْهَا أَنهم قَالُوا لما علم أَن مَحل النِّيَّة الْقلب فَإِذا اقْتصر عَلَيْهِ جَازَ إِلَّا فِي الصَّلَاة على وَجه شَاذ لَهُم لَا يعبأ بِهِ وَإِن اقْتصر على اللِّسَان لم يجز إِلَّا فِي الزَّكَاة على وَجه شَاذ أَيْضا وَإِن جمع بَينهمَا فَهُوَ آكِد واشترطوا الْمُقَارنَة فِي جَمِيع النيات الْمُعْتَبرَة إِلَّا الصَّوْم للْمَشَقَّة وَإِلَّا الزَّكَاة فَإِنَّهُ يجوز تَقْدِيمهَا قبل وَقت إعطائها قيل وَالْكَفَّارَات فَإِنَّهُ يجوز تَقْدِيمهَا قبل الْفِعْل والشروع ثمَّ هَل يشْتَرط استحضار النِّيَّة أول كل عمل وَإِن قل وتكرر فعله مُقَارنًا لأوله فِيهِ مَذَاهِب أَحدهَا نعم وَثَانِيها يشْتَرط ذَلِك فِي أَوله وَلَا يشْتَرط إِذا تكَرر بل يَكْفِيهِ أَن يَنْوِي أول كل عمل وَلَا يشْتَرط تكرارها فِيمَا بعد وَلَا مقارنتها وَلَا الِاتِّصَال. وَثَالِثهَا يشْتَرط الْمُقَارنَة دون الِاتِّصَال. وَرَابِعهَا يشْتَرط الِاتِّصَال وَهُوَ أخص من الْمُقَارنَة وَهَذِه الْمذَاهب رَاجِعَة إِلَى أَن النِّيَّة جُزْء من الْعِبَادَة أَو شَرط لصحتها وَالْجُمْهُور على الأول وَلَا وَجه للثَّانِي. وَإِذا أشرك فِي الْعِبَادَة غَيرهَا من أَمر دُنْيَوِيّ أَو رِيَاء فَاخْتَارَ الْغَزالِيّ اعْتِبَار الْبَاعِث على الْعَمَل فَإِن كَانَ الْقَصْد الدنيوي هُوَ الْأَغْلَب لم يكن لَهُ فِيهِ أجر وَإِن كَانَ الْقَصْد الديني هُوَ الْأَغْلَب كَانَ لَهُ الْأجر بِقَدرِهِ وَإِن تَسَاويا تساقطا وَاخْتَارَ الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام أَنه لَا أجر فِيهِ مُطلقًا سَوَاء تساوى القصدان أَو اخْتلفَا وَقَالَ المحاسبي إِذا كَانَ الْبَاعِث الديني أقوى بَطل عمله وَخَالف فِي ذَلِك الْجُمْهُور. وَقَالَ ابْن جرير الطَّبَرِيّ إِذا كَانَ ابْتِدَاء الْعَمَل لله لم يضرّهُ مَا عرض بعده فِي نَفسه من عجب. هَذَا قَول عَامَّة السّلف رَحِمهم الله الثَّانِي من الاستنباط احْتج بِهِ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد فِي أَن من أحرم بِالْحَجِّ فِي غير أشهر الْحَج أَنه لَا ينْعَقد عمْرَة لِأَنَّهُ لم ينوها فَإِنَّمَا لَهُ مَا نَوَاه وَهُوَ أحد أَقْوَال الشَّافِعِي إِلَّا أَن الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة قَالُوا ينْعَقد إِحْرَامه بِالْحَجِّ وَلكنه يكره وَلم يخْتَلف قَول الشَّافِعِي أَنه لَا ينْعَقد بِالْحَجِّ وَإِنَّمَا اخْتلف قَوْله هَل يتَحَلَّل بِأَفْعَال الْعمرَة وَهُوَ قَوْله الْمُتَقَدّم أَو ينْعَقد إِحْرَامه عمْرَة وَهُوَ نَصه فِي الْمُخْتَصر وَهُوَ الَّذِي صَححهُ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ فعلى القَوْل الأول لَا تسْقط عَنهُ عمْرَة الْإِسْلَام وعَلى القَوْل الَّذِي نَص عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصر تسْقط عَنهُ عمْرَة الْإِسْلَام الثَّالِث احْتج بِهِ مَالك فِي اكتفائه بنية وَاحِدَة فِي أول شهر رَمَضَان وَهُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد لِأَن كُله عبَادَة وَاحِدَة وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي رِوَايَة لَا بُد من النِّيَّة لكل يَوْم لِأَن صَوْم كل يَوْم عبَادَة مُسْتَقلَّة بذاتها فَلَا يَكْتَفِي بنية وَاحِدَة الرَّابِع احْتج بِهِ أَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَمَالك فِي أَن الصرورة يَصح حجه عَن غَيره وَلَا يَصح عَن نَفسه لِأَنَّهُ لم يُنَوّه عَن نَفسه وَإِنَّمَا لَهُ مَا نَوَاه وَذهب الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق وَالْأَوْزَاعِيّ إِلَى أَنه لَا ينْعَقد عَن غَيره وَيَقَع ذَلِك عَن نَفسه والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم (فَإِن قيل) روى أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سمع رجلا يَقُول لبيْك عَن شبْرمَة فَقَالَ أحججت قطّ قَالَ لَا قَالَ فَاجْعَلْ هَذِه عَن نَفسك ثمَّ حج عَن شبْرمَة وَهَذِه رِوَايَة ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد حج عَن نَفسك ثمَّ حج عَن شبْرمَة قلت قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ الصَّحِيح من الرِّوَايَة اجْعَلْهَا فِي نَفسك ثمَّ حج عَن شبْرمَة فَإِن قلت كَيفَ يَأْمُرهُ بذلك وَالْإِحْرَام وَقع عَن الأول قلت يحْتَمل أَنه كَانَ فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام حِين لم يكن الْإِحْرَام لَازِما على مَا رُوِيَ عَن بعض الصَّحَابَة أَنه تحلل فِي حجَّة الْوَدَاع عَن الْحَج بِأَفْعَال الْعمرَة فَكَانَ يُمكنهُ فسخ الأول وَتَقْدِيم حج نَفسه وَقد اسْتدلَّ بَعضهم لأبي حنيفَة وَمن مَعَه بِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ ثمَّ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجلا يُلَبِّي عَن أَبِيه فَقَالَ أَيهَا الملبي عَن أَبِيه احجج عَن نَفسك ثمَّ قَالَ هَذَا ضَعِيف فِيهِ الْحسن بن عمَارَة وَهُوَ مَتْرُوك قلت مَا اسْتدلَّ أَبُو حنيفَة إِلَّا بِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم أَن امْرَأَة من خثعم قَالَت يَا رَسُول الله إِن أبي أَدْرَكته فَرِيضَة الْحَج وَإنَّهُ شيخ كَبِير لَا يسْتَمْسك على الرَّاحِلَة أفأحج عَنهُ قَالَ نعم حجي عَن أَبِيك وَفِي لفظ أخرجه أَحْمد لَو كَانَ على أَبِيك دين فقضيته عَنهُ كَانَ يجْزِيه قَالَت نعم قَالَ فحجي عَن أَبِيك وَلم يستفسر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَل حججْت أم لَا الْخَامِس قَالَت الشَّافِعِيَّة فِيهِ حجَّة على أبي حنيفَة حَيْثُ ذهب إِلَى أَن الْمُقِيم إِذا نوى فِي رَمَضَان صَوْم قَضَاء أَو كَفَّارَة أَو تطوع وَقع عَن رَمَضَان قَالُوا أَنه وَقع عَن غير رَمَضَان إِذْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا مَا نَوَاه وَلم ينْو صَوْم
الجزء 1 · صفحة 34
رَمَضَان وتعينه شرعا لَا يُغني عَن نِيَّة الْمُكَلف لأَدَاء مَا كلف بِهِ وَذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد أَنه لَا بُد من تعْيين رَمَضَان لظَاهِر الحَدِيث قلت هَذَا نوى عبَادَة الصَّوْم فَحصل لَهُ ذَلِك وَالْفَرْض فِيهِ مُتَعَيّن فيصاب بِأَصْل النِّيَّة كالمتوحد فِي الدَّار يصاب باسم جنسه وَقَوْلهمْ لَا بُد من تعْيين رَمَضَان لظَاهِر الحَدِيث غير صَحِيح لِأَن ظَاهر حَدِيث الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ لَا يدل على تعْيين رَمَضَان وَإِنَّمَا يدل على وجوب مُطلق النِّيَّة فِي الْعِبَادَات وَقد وجد مُطلق النِّيَّة كَمَا قُلْنَا السَّادِس احتجت بِهِ بعض الشَّافِعِيَّة على أبي حنيفَة فِي ذَهَابه إِلَى أَن الْكَافِر إِذا أجنب أَو أحدث فاغتسل أَو تَوَضَّأ ثمَّ أسلم أَنه لَا تجب إِعَادَة الْغسْل وَالْوُضُوء عَلَيْهِ وَقَالُوا هُوَ وَجه لبَعض أَصْحَاب الشَّافِعِي وَخَالف الْجُمْهُور فِي ذَلِك فَقَالُوا تجب إِعَادَة الْغسْل وَالْوُضُوء عَلَيْهِ لِأَن الْكَافِر لَيْسَ من أهل الْعِبَادَة وَبَعْضهمْ يعلله بِأَنَّهُ لَيْسَ من أهل النِّيَّة. قلت هَذَا مَبْنِيّ على اشْتِرَاط النِّيَّة فِي الْوضُوء عِنْدهم وَعدم اشْتِرَاطهَا عِنْده وَلما ثَبت ذَلِك عِنْده بالبراهين لم يبْق للاحتجاج بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور عَلَيْهِ وَجه السَّابِع احْتَجُّوا بِهِ على الْأَوْزَاعِيّ فِي ذَهَابه إِلَى أَن الْمُتَيَمم لَا تجب لَهُ النِّيَّة أَيْضا كالمتوضأ. قلت لَهُ أَن يَقُول التَّيَمُّم عبارَة عَن الْقَصْد وَهُوَ النِّيَّة وَقد رد عَلَيْهِ بَعضهم بقوله ورد عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاع على أَن الْجنب لَو سقط فِي المَاء غافلا عَن كَونه جنبا أَنه لَا ترْتَفع جنابته قطعا فلولا وجوب النِّيَّة لما توقف صِحَة غسله عَلَيْهَا قلت دَعْوَى الْإِجْمَاع مَرْدُودَة لِأَن الْحَنَفِيَّة قَالُوا بِرَفْع الْجَنَابَة فِي هَذِه الصُّورَة الثَّامِن احْتج بِهِ طَائِفَة من الشَّافِعِيَّة فِي اشْتِرَاط النِّيَّة لسَائِر أَرْكَان الْحَج من الطّواف وَالسَّعْي وَالْوُقُوف وَالْحلق وَهَذَا مَرْدُود لِأَن نِيَّة الْإِحْرَام شَامِلَة لهَذِهِ الْأَركان فَلَا تحْتَاج إِلَى نِيَّة أُخْرَى كأركان الصَّلَاة التَّاسِع احْتج بِهِ الْخطابِيّ على أَن الْمُطلق إِذا طلق بِصَرِيح لفظ الطَّلَاق وَنوى عددا من أعداد الطَّلَاق كمن قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق وَنوى ثَلَاثًا كَانَ مَا نَوَاه من الْعدَد وَاحِدَة أَو اثْنَيْنِ أَو ثَلَاثًا وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق وَأَبُو عبيد وَعند أبي حنيفَة وسُفْيَان الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَاحِدَة قلت استدلوا بقوله تَعَالَى {وبعولتهن أَحَق بردهن} أثبت لَهُ حق الرَّد فَلَا تتَحَقَّق الْحُرْمَة الغليظة وَلَا يَصح الِاحْتِجَاج بِالْحَدِيثِ بِأَنَّهُ نوى مَا لَا يحْتَملهُ لَفظه فَلم يتَنَاوَلهُ الحَدِيث فَلَا تصح نِيَّته كَمَا لَو قَالَ زوري أَبَاك الْعَاشِر احتجت بِهِ بعض الشَّافِعِيَّة على الْحَنَفِيَّة فِي قَوْلهم فِي الْكِنَايَة فِي الطَّلَاق كَقَوْلِه أَنْت بَائِن أَنه إِن نوى ثِنْتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَة بَائِنَة وَإِن نوى الطَّلَاق وَلم ينْو عددا فَهِيَ وَاحِدَة بَائِنَة أَيْضا قَالُوا الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم وَذهب الشَّافِعِي وَالْجُمْهُور إِلَى أَنه إِن نوى ثِنْتَيْنِ فَهِيَ كَذَلِك وَإِن لم ينْو عددا فَهِيَ وَاحِدَة رَجْعِيَّة قلت هَذَا الْكَلَام لَا يحْتَمل الْعدَد لِأَنَّهُ يتركب من الْأَفْرَاد وَهَذَا فَرد وَبَين الْعدَد والفرد مُنَافَاة فَإِذا نوى الْعدَد فقد نوى مَا لَا يحْتَملهُ كَلَامه فَلَا يَصح فَلَا يتَنَاوَلهُ الحَدِيث فَإِذا لَا يصير حجَّة عَلَيْهِم الْحَادِي عشر فِيهِ رد على المرجئة فِي قَوْلهم الْإِيمَان إِقْرَار بِاللِّسَانِ دون الِاعْتِقَاد بِالْقَلْبِ الثَّانِي عشر احْتج بِهِ بَعضهم على أَنه لَا يُؤَاخذ بِهِ النَّاسِي والمخطىء فِي الطَّلَاق وَالْعتاق وَنَحْوهمَا لِأَنَّهُ لَا نِيَّة لَهما قلت يُؤَاخذ المخطىء فَيصح طَلَاقه حَتَّى لَو قَالَ اسْقِنِي مثلا فَجرى على لِسَانه أَنْت طَالِق وَقع الطَّلَاق لِأَن الْقَصْد أَمر بَاطِن لَا يُوقف عَلَيْهِ فَلَا يتَعَلَّق الحكم لوُجُود حَقِيقَته بل يتَعَلَّق بِالسَّبَبِ الظَّاهِر الدَّال وَهُوَ أَهْلِيَّة الْقَصْد بِالْعقلِ وَالْبُلُوغ. فَإِن قيل يَنْبَغِي على هَذَا أَن يَقع طَلَاق النَّائِم قلت الْمَانِع هُوَ الحَدِيث أَيْضا فالنوم يُنَافِي أصل الْعَمَل بِالْعقلِ لِأَن النّوم مَانع عَن اسْتِعْمَال نور الْعقل فَكَانَت أَهْلِيَّة الْقَصْد مَعْدُومَة بِيَقِين فَافْهَم الثَّالِث عشر فِيهِ حجَّة على بعض الْمَالِكِيَّة من أَنهم لَا يدينون من سبق لِسَانه إِلَى كلمة الْكفْر إِذا ادّعى ذَلِك وَخَالفهُم الْجُمْهُور وَيدل لذَلِك مَا رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من قصَّة الرجل الَّذِي ضلت رَاحِلَته ثمَّ وجدهَا فَقَالَ من شدَّة الْفَرح اللَّهُمَّ أَنْت عَبدِي وَأَنا رَبك قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَخطَأ من شدَّة الْفَرح الرَّابِع عشر فِيهِ أَنه لَا تصح الْعِبَادَة من الْمَجْنُون لِأَنَّهُ لَيْسَ من أهل النِّيَّة كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم وَالْحج وَنَحْوهَا وَلَا عقوده كَالْبيع وَالْهِبَة وَالنِّكَاح وَكَذَلِكَ لَا يَصح مِنْهُ الطَّلَاق وَالظِّهَار وَاللّعان وَالْإِيلَاء وَلَا يجب عَلَيْهِ الْقود وَلَا الْحُدُود الْخَامِس عشر فِيهِ حجَّة لأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق فِي عدم وجوب الْقود فِي شبه الْعمد لِأَنَّهُ لم ينْو قَتله إِلَّا أَنهم اخْتلفُوا فِي الدِّيَة فَجَعلهَا الشَّافِعِي وَمُحَمّد بن الْحسن أَثلَاثًا وَجعلهَا الْبَاقُونَ أَربَاعًا وَجعلهَا أَبُو ثَوْر أَخْمَاسًا وَأنكر مَالك شبه الْعمد وَقَالَ لَيْسَ فِي كتاب الله إِلَّا الْخَطَأ والعمد فَأَما شبه الْعمد فَلَا نعرفه وَاسْتدلَّ هَؤُلَاءِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبد الله بن عمر مَرْفُوعا إِلَّا أَن دِيَة الْخَطَأ شبه الْعمد مَا كَانَ بِالسَّوْطِ
الجزء 1 · صفحة 35
والعصا مائَة من الْإِبِل الحَدِيث السَّادِس عشر فِي قَول عَلْقَمَة سَمِعت عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ على الْمِنْبَر يَقُول رد لقَوْل من يَقُول أَن الْوَاحِد إِذا ادّعى شَيْئا كَانَ فِي مجْلِس جمَاعَة لَا يُمكن أَن ينْفَرد بِعِلْمِهِ دون أهل الْمجْلس وَلَا يقبل حَتَّى يُتَابِعه عَلَيْهِ غَيره لما قَالَه بعض الْمَالِكِيَّة مستدلين بِقصَّة ذِي الْيَدَيْنِ السَّابِع عشر فِيهِ أَنه لَا بَأْس للخطيب أَن يُورد أَحَادِيث فِي أثْنَاء خطبَته وَقد فعل بذلك الْخُلَفَاء الراشدون رَضِي الله عَنْهُم الثَّامِن عشر اخْتلفُوا فِي قَوْله الْأَعْمَال فَقَالَ بَعضهم هِيَ مُخْتَصَّة بالجوارح وأخرجوا الْأَقْوَال وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنه يتَنَاوَل فعل الْجَوَارِح والقلوب والأقوال وَقَالَ بعض الشَّارِحين الْأَعْمَال ثَلَاثَة بدني وقلبي ومركب مِنْهُمَا فَالْأول كل عمل لَا يشْتَرط فِيهِ النِّيَّة كرد الْمَغْصُوب والعواري والودائع والنفقات وَالثَّانِي كالاعتقادات وَالْحب فِي الله والبغض فِيهِ وَمَا أشبه ذَلِك وَالثَّالِث كَالْوضُوءِ وَالصَّلَاة وَالْحج وكل عبَادَة بدنية يشْتَرط فِيهَا النِّيَّة قولا كَانَت أَو فعلا. فَإِن قيل النِّيَّة أَيْضا عمل لِأَنَّهُ من أَعمال الْقلب فَإِن احْتَاجَ كل عمل إِلَى نِيَّة فالنية أَيْضا تحْتَاج إِلَى نِيَّة وهلم جرا قلت المُرَاد بِالْعَمَلِ عمل الْجَوَارِح فِي نَحْو الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَذَلِكَ خَارج عَنهُ بِقَرِينَة الْعقل دفعا للتسلسل فَإِن قلت فَمَا قَوْلك فِي إِيجَاب معرفَة الله تَعَالَى للغافل عَنهُ أُجِيب عَنهُ بِأَنَّهُ لَا دخل لَهُ فِي الْبَحْث لِأَن المُرَاد تَكْلِيف الغافل عَن تصور التَّكْلِيف لَا عَن التَّصْدِيق بالتكليف وَلِهَذَا كَانَ الْكفَّار مكلفين لأَنهم تصوروا التَّكْلِيف لما قيل لَهُم أَنكُمْ مكلفون وَإِن كَانُوا غافلين عَن التَّصْدِيق وَقَالَ بَعضهم معرفَة الله تَعَالَى لَو توقفت على النِّيَّة مَعَ أَن النِّيَّة قصد الْمَنوِي بِالْقَلْبِ لزم أَن يكون عَارِفًا بِاللَّه قبل مَعْرفَته وَهُوَ محَال (فَائِدَة) قَالَ التَّيْمِيّ النِّيَّة أبلغ من الْعَمَل وَلِهَذَا الْمَعْنى تقبل النِّيَّة بِغَيْر الْعَمَل فَإِذا نوى حَسَنَة فَإِنَّهُ يجزى عَلَيْهَا وَلَو عمل حَسَنَة بِغَيْر نِيَّة لم يجز بهَا فَإِن قيل فقد رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ من هم بحسنة وَلم يعملها كتبت لَهُ وَاحِدَة وَمن عَملهَا كتبت لَهُ عشرا وَرُوِيَ أَيْضا أَنه قَالَ نِيَّة الْمُؤمن خير من عمله فالنية فِي الحَدِيث الأول دون الْعَمَل وَفِي الثَّانِي فَوق الْعَمَل وَخير مِنْهُ قُلْنَا أما الحَدِيث الأول فَلِأَن الْهَام بِالْحَسَنَة إِذا لم يعملها خَالف الْعَامِل لِأَن الْهَام لم يعْمل وَالْعَامِل لم يعْمل حَتَّى هم ثمَّ عمل وَأما الثَّانِي فَلِأَن تخليد الله العَبْد فِي الْجنَّة لَيْسَ لعمله وَإِنَّمَا هُوَ لنيته لِأَنَّهُ لَو كَانَ لعمله لَكَانَ خلوده فِيهَا بِقدر مُدَّة عمله أَو أضعافه إِلَّا أَنه جازاه بنيته لِأَنَّهُ كَانَ نَاوِيا أَن يُطِيع الله تَعَالَى أبدا لَو بَقِي أبدا فَلَمَّا اخترمته منيته دون نِيَّته جزاه الله عَلَيْهَا وَكَذَا الْكَافِر لِأَنَّهُ لَو كَانَ يجازى بِعَمَلِهِ لم يسْتَحق التخليد فِي النَّار إِلَّا بِقدر مُدَّة كفره غير أَنه نوى أَن يُقيم على كفره أبدا لَو بَقِي فجزاه على نِيَّته وَقَالَ الْكرْمَانِي أَقُول يحْتَمل أَن يُقَال أَن المُرَاد مِنْهُ أَن النِّيَّة خير من عمل بِلَا نِيَّة إِذْ لَو كَانَ المُرَاد خير من عمل مَعَ النِّيَّة يلْزم أَن يكون الشَّيْء خيرا من نَفسه مَعَ غَيره أَو المُرَاد أَن الْجَزَاء الَّذِي هُوَ للنِّيَّة خير من الْجَزَاء الَّذِي هُوَ للْعَمَل لِاسْتِحَالَة دُخُول الرِّيَاء فِيهَا أَو أَن النِّيَّة خير من جملَة الْخيرَات الْوَاقِعَة بِعَمَلِهِ لِأَن النِّيَّة فعل الْقلب وَفعل الْأَشْرَف أشرف أَو أَن الْمَقْصُود من الطَّاعَات تنوير الْقلب وتنوير الْقلب بهَا أَكثر لِأَنَّهَا صفته أَو أَن نِيَّة الْمُؤمن خير من عمل الْكَافِر لما قيل ورد ذَلِك حِين نوى مُسلم بِنَاء قنطرة فَسبق كَافِر إِلَيْهِ فَإِن قلت هَذَا حكمه فِي الْحَسَنَة فَمَا حكمه فِي السَّيئَة قلت الْمَشْهُور أَنه لَا يُعَاقب عَلَيْهَا بِمُجَرَّد النِّيَّة وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهَا بقوله تَعَالَى {لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت} فَإِن اللَّام للخير فجَاء فِيهَا بِالْكَسْبِ الَّذِي لَا يحْتَاج إِلَى تصرف بِخِلَاف على فَإِنَّهَا لما كَانَت للشر جَاءَ فِيهَا بالاكتساب الَّذِي لَا بُد فِيهِ من التَّصَرُّف والمعالجة وَلَكِن الْحق أَن السَّيئَة أَيْضا يُعَاقب عَلَيْهَا بِمُجَرَّد النِّيَّة لَكِن على النِّيَّة لَا على الْفِعْل حَتَّى لَو عزم أحد على ترك صَلَاة بعد عشْرين سنة يَأْثَم فِي الْحَال لِأَن الْعَزْم من أَحْكَام الْإِيمَان ويعاقب على الْعَزْم لَا على ترك الصَّلَاة فَالْفرق بَين الْحَسَنَة والسيئة أَن بنية الْحَسَنَة يُثَاب الناوي على الْحَسَنَة وبنية السَّيئَة لَا يُعَاقب عَلَيْهَا بل على نِيَّتهَا فَإِن قلت من جَاءَ بنية الْحَسَنَة فقد جَاءَ بِالْحَسَنَة وَمن جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا فَيلْزم أَن من جَاءَ بنية الْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا فَلَا يبْقى فرق بَين نِيَّة الْحَسَنَة وَنَفس الْحَسَنَة قلت لَا نسلم أَن من جَاءَ بنية الْحَسَنَة فقد جَاءَ بِالْحَسَنَة بل يُثَاب على الْحَسَنَة فَظهر الْفرق انْتهى. وَقد دلّ مَا رَوَاهُ أَبُو يعلى فِي مُسْنده عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ يَقُول الله تَعَالَى للحفظة يَوْم الْقِيَامَة اكتبوا لعبدي كَذَا وَكَذَا من الْأجر فَيَقُولُونَ رَبنَا لم نَحْفَظ ذَلِك عَنهُ وَلَا هُوَ فِي صحفنا فَيَقُول إِنَّه نَوَاه على كَون النِّيَّة خيرا من الْعَمَل
الجزء 1 · صفحة 36
2 - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ أخبرنَا مَالك عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله عَنْهَا أَن الْحَرْث بن هِشَام رَضِي الله عَنهُ سَأَلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ يَا رَسُول الله كَيفَ يَأْتِيك الْوَحْي فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَحْيَانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وَهُوَ أشده عَليّ فَيفْصم عني وَقد وعيت عَنهُ مَا قَالَ وَأَحْيَانا يتَمَثَّل لي الْملك رجلا فيكلمني فأعي مَا يَقُول قَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا وَلَقَد رَأَيْته ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي فِي الْيَوْم الشَّديد الْبرد فَيفْصم عَنهُ وَإِن جَبينه ليتفصد عرقا) لما كَانَ الْبَاب معقودا لبَيَان الْوَحْي وكيفيته شرع بِذكر الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِيهِ غير أَنه قدم حَدِيث الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ تَنْبِيها على أَنه قصد من تصنيف هَذَا الْجَامِع التَّقَرُّب إِلَى الله تَعَالَى فَإِن الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مُشْتَمل على الْهِجْرَة وَكَانَت مُقَدّمَة النُّبُوَّة فِي حَقه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هجرته إِلَى الله تَعَالَى وَإِلَى الْخلْوَة بمناجاته فِي غَار حراء فَهجرَته إِلَيْهِ كَانَت ابْتِدَاء فَضله عَلَيْهِ باصطفائه ونزول الْوَحْي عَلَيْهِ مَعَ التأييد الإلهي والتوفيق الرباني (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة الأول عبد الله بن يُوسُف الْمصْرِيّ التنيسِي وَهُوَ من أجل من روى الْمُوَطَّأ عَن مَالك رَحمَه الله تَعَالَى سمع الْأَعْلَام مَالِكًا وَاللَّيْث بن سعد وَنَحْوهمَا وَعنهُ الْأَعْلَام يحيى بن معِين والذهلي وَغَيرهمَا وَأكْثر عَنهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَقَالَ كَانَ أثبت الشاميين. وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ عَن رجل عَنهُ وَلم يخرج لَهُ مُسلم مَاتَ بِمصْر سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَقَالَ البُخَارِيّ لَقيته بِمصْر سنة سبع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَمِنْه سمع البُخَارِيّ الْمُوَطَّأ عَن مَالك وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة عبد الله بن يُوسُف سواهُ ونسبته إِلَى تنيس بِكَسْر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَالنُّون الْمَكْسُورَة الْمُشَدّدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة بَلْدَة بِمصْر سَاحل الْبَحْر وَالْيَوْم خراب سميت بتنيس بن حام بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام وَأَصله من دمشق ثمَّ نزل بتنيس. وَفِي يُوسُف سِتَّة أوجه ضم السِّين وَفتحهَا وَكسرهَا مَعَ الْهمزَة وَتركهَا وَهُوَ اسْم عبراني وَقيل عَرَبِيّ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ وَلَيْسَ بِصَحِيح لِأَنَّهُ لَو كَانَ عَرَبيا لانصرف لخلوه عَن سَبَب آخر سوى التَّعْرِيف فَإِن قلت فَمَا تَقول فِيمَن قَرَأَ يُوسُف بِكَسْر السِّين أَو يُوسُف بِفَتْحِهَا هَل يجوز على قِرَاءَته أَن يُقَال هُوَ عَرَبِيّ لِأَنَّهُ على وزن الْمُضَارع الْمَبْنِيّ للْفَاعِل أَو الْمَفْعُول من آسَف وَإِنَّمَا منع الصّرْف للتعريف وَوزن الْفِعْل قلت لَا لِأَن الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة قَامَت بِالشَّهَادَةِ على أَن الْكَلِمَة أَعْجَمِيَّة فَلَا تكون تَارَة عَرَبِيَّة وَتارَة أَعْجَمِيَّة وَنَحْو يُوسُف يُونُس رويت فِيهِ هَذِه اللُّغَات الثَّلَاث وَلَا يُقَال هُوَ عَرَبِيّ لِأَنَّهُ فِي لغتين مِنْهَا بِوَزْن الْمُضَارع من آنس وأونس ثمَّ الَّذين ذَهَبُوا إِلَى أَنه عَرَبِيّ قَالُوا اشتقاقه من الأسف وَهُوَ الْحزن والأسيف وَهُوَ العَبْد وَقد اجْتمعَا فِي يُوسُف النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فَلذَلِك سمي يُوسُف وَهَذَا فِيهِ نظر لِأَن يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام لما سَمَّاهُ يُوسُف لم يُلَاحظ فِيهِ هَذَا الْمَعْنى بل الصَّحِيح على مَا قُلْنَا أَنه عبراني وَمَعْنَاهُ جميل الْوَجْه فِي لغتهم الثَّانِي من الرِّجَال الإِمَام مَالك رَحمَه الله تَعَالَى إِمَام دَار الْهِجْرَة وَهُوَ مَالك بن أنس بن مَالك بن أبي عَامر بن عَمْرو بن الْحَارِث بن غيمان بن خثيل بن عَمْرو بن الْحَارِث وَهُوَ ذُو أصبح الأصبحي الْحِمْيَرِي أَبُو عبد الله الْمدنِي وعدادهم فِي بني تَمِيم بن مرّة من قُرَيْش حلفاء عُثْمَان بن عبيد الله التَّيْمِيّ أخي طَلْحَة بن عبيد الله وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الدولقي أَخذ مَالك عَن تِسْعمائَة شيخ مِنْهُم ثَلَاثمِائَة من التَّابِعين وسِتمِائَة من تابعيهم مِمَّن اخْتَارَهُ وارتضى دينه وفهمه وقيامه بِحَق الرِّوَايَة وشروطها وسكنت النَّفس إِلَيْهِ وَترك الرِّوَايَة عَن أهل دين وَصَلَاح لَا يعْرفُونَ الرِّوَايَة وَمن الْأَعْلَام الَّذين روى عَنْهُم إِبْرَاهِيم بن أبي عبلة الْمَقْدِسِي وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ وثور بن زيد الديلمي وجعفر بن مُحَمَّد الصَّادِق وَحميد الطَّوِيل وَرَبِيعَة ابْن أبي عبد الرَّحْمَن وَزيد بن أسلم وَسَعِيد المَقْبُري وَأَبُو الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق وَالزهْرِيّ وَنَافِع مولى ابْن عمر وَهِشَام بن عُرْوَة وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَأَبُو الزبير الْمَكِّيّ وَعَائِشَة
الجزء 1 · صفحة 37
بنت سعد بن أبي وَقاص وَقَالَ أَصْحَابنَا فِي طَبَقَات الْفُقَهَاء وَفِي مَنَاقِب أبي حنيفَة أَن مَالك بن أنس كَانَ يسْأَل أَبَا حنيفَة رَضِي الله عَنهُ وَيَأْخُذ بقوله وَبَعْضهمْ ذكر أَنه كَانَ رُبمَا سمع مِنْهُ متنكرا وَذكروا أَيْضا أَن أَبَا حنيفَة سمع مِنْهُ أَيْضا وَمن الْأَعْلَام الَّذين رووا عَنهُ سُفْيَان الثَّوْريّ وَمَات قبله وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَشعْبَة بن الْحجَّاج وَمَات قبله وَأَبُو عَاصِم النَّبِيل وَعبد الله بن الْمُبَارك وَعبد الرَّحْمَن الْأَوْزَاعِيّ وَهُوَ أكبر مِنْهُ وَعبد الله بن مسلمة القعْنبِي وَعبد الله بن جريج وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن وقتيبة بن سعيد وَاللَّيْث بن سعد وَهُوَ من أقرانه وَمُحَمّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَهُوَ من شُيُوخه وَقيل لَا يَصح وَهُوَ الْأَصَح وروى عَنهُ الإِمَام الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وَهُوَ أحد مشايخه روى عَنهُ وَأخذ عَنهُ الْعلم وَأما الَّذين رووا عَنهُ الْمُوَطَّأ وَالَّذين رووا عَنهُ مسَائِل الْآي فَأكْثر من أَن يحصوا قد بلغ فيهم أَبُو الْحسن عَليّ بن عمر الدَّارَقُطْنِيّ فِي كتاب جمعه فِي ذَلِك نَحْو ألف رجل وَأخذ الْقِرَاءَة عرضا عَن نَافِع بن أبي نعيم وَقَالَ البُخَارِيّ أصح الْأَسَانِيد مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا وَقَالَ ابْن معِين كل من روى عَنهُ مَالك ثِقَة إِلَّا أَبَا أُميَّة وَقَالَ غير وَاحِد هُوَ أثبت أَصْحَاب نَافِع وَالزهْرِيّ وَعَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ إِذا جَاءَك الحَدِيث عَن مَالك فَشد بِهِ يَديك وَإِذا جَاءَ الْأَثر فمالك النَّجْم وَعنهُ مَالك بن أنس معلمي وَعنهُ أَخذنَا الْعلم وَعنهُ قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن الشَّيْبَانِيّ أَقمت عِنْد مَالك بن أنس ثَلَاث سِنِين وكسرا وَكَانَ يَقُول أَنه سمع مِنْهُ لفظا أَكثر من سَبْعمِائة حَدِيث وَكَانَ إِذا حَدثهمْ عَن مَالك امْتَلَأَ منزله وَكثر النَّاس عَلَيْهِ حَتَّى يضيق بهم الْموضع وَإِذا حَدثهمْ عَن غير مَالك من شُيُوخ الْكُوفِيّين لم يجئه إِلَّا الْيَسِير. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ وَكَانَ مَالك شعرًا شَدِيد الْبيَاض ربعَة من الرِّجَال كَبِير الرَّأْس أصلع وَكَانَ لَا يخضب وَكَانَ يلبس الثِّيَاب العدنية الْجِيَاد وَيكرهُ خلق الثِّيَاب ويعيبه وَيَرَاهُ من الْمثلَة وَهُوَ أَيْضا من الْعلمَاء الَّذين ابتلوا فِي دين الله. قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ ضرب مَالك بن أنس سبعين سَوْطًا لأجل فَتْوَى لم توَافق غَرَض السُّلْطَان وَيُقَال سعى بِهِ إِلَى جَعْفَر بن سُلَيْمَان بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس وَهُوَ ابْن عَم أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَقَالُوا لَهُ إِنَّه لَا يرى إِيمَان بيعتكم هَذِه لشَيْء فَغَضب جَعْفَر ودعا بِهِ وجرده وضربه بالسياط ومدت يَده حَتَّى انخلع كتفه وارتكب مِنْهُ أمرا عَظِيما توفّي لَيْلَة أَربع عشرَة من صفر وَقيل من ربيع الأول سنة تسع وَسبعين وَمِائَة وَصلى عَلَيْهِ عبد الله بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس أَمِير الْمَدِينَة يَوْمئِذٍ وَدفن بِالبَقِيعِ وزرنا قَبره غير مرّة نسْأَل الله تَعَالَى العودة ومولده فِي ربيع الأول سنة أَربع وَتِسْعين وفيهَا ولد اللَّيْث بن سعد أَيْضا وَكَانَ حمل بِهِ فِي الْبَطن ثَلَاث سِنِين وَلَيْسَ فِي الروَاة مَالك بن أنس غير هَذَا الإِمَام وَغير مَالك بن أنس الْكُوفِي روى عَنهُ حَدِيث وَاحِد عَن هانىء بن حرَام وَقيل حرَام وَوهم بَعضهم فَأدْخل حَدِيثه فِي حَدِيث الإِمَام نبه عَلَيْهِ الْخَطِيب فِي كِتَابه الْمُتَّفق والمفترق وَهُوَ أحد الْمذَاهب السِّتَّة المبتدعة وَالثَّانِي الإِمَام أَبُو حنيفَة مَاتَ بِبَغْدَاد سنة خمسين وَمِائَة عَن سبعين سنة وَالثَّالِث الشَّافِعِي مَاتَ بِمصْر سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ عَن أَربع وَخمسين سنة وَالرَّابِع أَحْمد بن حَنْبَل مَاتَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ عَن ثَمَانِينَ سنة بِبَغْدَاد وَالْخَامِس سُفْيَان الثَّوْريّ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَة عَن أَربع وَسِتِّينَ سنة وَالسَّادِس دَاوُد بن عَليّ الْأَصْبَهَانِيّ مَاتَ سنة تسعين وَمِائَتَيْنِ عَن ثَمَان وَثَمَانِينَ سنة بِبَغْدَاد وَهُوَ إِمَام الظَّاهِرِيَّة وَقد جمع الإِمَام أَبُو الْفضل يحيى بن سَلامَة الخصكفي الْخَطِيب الشَّافِعِي الْقُرَّاء السَّبْعَة فِي بَيت وائمة الْمذَاهب فِي بَيت فَقَالَ
(جمعت لَك الْقُرَّاء لما أردتهم ... بِبَيْت ترَاهُ للأئمة جَامعا)
(أَبُو عَمْرو عبد الله حَمْزَة عَاصِم ... عَليّ وَلَا تنس الْمَدِينِيّ نَافِعًا)
(مُحَمَّد والنعمان مَالك أَحْمد ... وسُفْيَان وَاذْكُر بعد دَاوُد تَابعا)
الثَّالِث هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام الْقرشِي الْأَسدي أَبُو الْمُنْذر وَقيل أَبُو عبد الله أحد الْأَعْلَام تَابِعِيّ مدنِي رأى ابْن عمر وَمسح بِرَأْسِهِ ودعا لَهُ وجابرا وَغَيرهمَا ولد مقتل الْحُسَيْن رَضِي الله عَنهُ سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمَات بِبَغْدَاد سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة روى لَهُ الْجَمَاعَة وَلم نَعْرِف أحدا شَاركهُ فِي اسْمه مَعَ اسْم أَبِيه الرَّابِع أَبُو عبد الله
الجزء 1 · صفحة 38
عُرْوَة وَالِد هِشَام الْمَذْكُور الْمدنِي التَّابِعِيّ الْجَلِيل الْمجمع على جلالته وإمامته وَكَثْرَة علمه وبراعته وَهُوَ أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة وهم هُوَ وَسَعِيد بن الْمسيب وَعبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود وَالقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق وَسليمَان بن يسَار وخارجة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالرَّاء ثمَّ الْجِيم بن زيد بن ثَابت وَفِي السَّابِع ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن. الثَّانِي سَالم بن عبد الله بن عمر. الثَّالِث أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام وعَلى القَوْل الْأَخير جمعهم الشَّاعِر
(أَلا إِن من لَا يَقْتَدِي بأئمة ... فقسمته ضيزى من الْحق خَارِجَة)
(فخذهم عبيد الله عُرْوَة قَاسم ... سعيد أَبُو بكر سُلَيْمَان خَارِجَة)
وَأم عُرْوَة أَسمَاء بنت الصّديق وَقد جمع الشّرف من وُجُوه فَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صهره وَأَبُو بكر جده وَالزُّبَيْر وَالِده وَأَسْمَاء أمه وَعَائِشَة خَالَته ولد سنة عشْرين وَمَات سنة أَربع وَتِسْعين وَقيل سنة ثَلَاث وَقيل تسع. روى لَهُ الْجَمَاعَة وَلَيْسَ فِي السِّتَّة عُرْوَة بن الزبير سواهُ وَلَا فِي الصَّحَابَة أَيْضا الْخَامِس أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة بنت أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنْهُمَا تكنى بِأم عبد الله كناها رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِابْن أُخْتهَا عبد الله بن الزبير وَقيل بسقط لَهَا وَلَيْسَ بِصَحِيح وَعَائِشَة مَأْخُوذَة من الْعَيْش وَحكى عيشة لُغَة فصيحة وَأمّهَا أم رُومَان بِفَتْح الرَّاء وَضمّهَا زَيْنَب بنت عَامر وَهِي أم عبد الرَّحْمَن أخي عَائِشَة أَيْضا مَاتَت سنة سِتّ فِي قَول الْوَاقِدِيّ وَالزُّبَيْر وَهُوَ الْأَصَح تزَوجهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَكَّة قبل الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ وَقيل بِثَلَاث وَقيل بِسنة وَنصف أَو نَحْوهَا فِي شَوَّال وَهِي بنت سِتّ سِنِين وَقيل سبع وَبنى بهَا فِي شَوَّال أَيْضا بعد وقْعَة بدر فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة أَقَامَت فِي صحبته ثَمَانِيَة أَعْوَام وَخَمْسَة أشهر وَتُوفِّي عَنْهَا وَهِي بنت ثَمَانِي عشرَة وَعَاشَتْ خمْسا وَسِتِّينَ سنة وَكَانَت من أكبر فُقَهَاء الصَّحَابَة وَأحد السِّتَّة الَّذين هم أَكثر الصَّحَابَة رِوَايَة رُوِيَ لَهَا ألفا حَدِيث وَمِائَتَا حَدِيث وَعشرَة أَحَادِيث اتّفق البُخَارِيّ وَمُسلم على مائَة وَأَرْبَعَة وَسبعين حَدِيثا وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بأَرْبعَة وَخمسين وَمُسلم بِثمَانِيَة وَخمسين رَوَت عَن خلق من الصَّحَابَة وروى عَنْهَا جماعات من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ قريب من الْمِائَتَيْنِ مَاتَت بعد الْخمسين إِمَّا سنة خمس أَو سِتّ أَو سبع أَو ثَمَان فِي رَمَضَان وَقيل فِي شَوَّال وَأمرت أَن تدفن لَيْلًا بعد الْوتر بِالبَقِيعِ وَصلى عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَهل هِيَ أفضل من خَدِيجَة بنت خويلد فِيهِ خلاف فَقَالَ بَعضهم عَائِشَة أفضل وَقَالَ آخَرُونَ خَدِيجَة أفضل وَبِه قَالَ القَاضِي وَالْمُتوَلِّيّ وَقطع ابْن الْعَرَبِيّ الْمَالِكِي وَآخَرُونَ وَهُوَ الْأَصَح وَكَذَلِكَ الْخلاف مَوْجُود هَل هِيَ أفضل أم فَاطِمَة وَالأَصَح أَنَّهَا أفضل من فَاطِمَة وَسمعت بعض أساتذتي الْكِبَار أَن فَاطِمَة أفضل فِي الدُّنْيَا وَعَائِشَة أفضل فِي الْآخِرَة وَالله أعلم وَجُمْلَة من فِي الصَّحَابَة اسْمه عَائِشَة عشرَة عَائِشَة هَذِه وَبنت سعد وَبنت حز وَبنت الْحَارِث القريشية وَبنت أبي سُفْيَان الأشهلية وَبنت عبد الرَّحْمَن بن عتِيك زَوْجَة ابْن رِفَاعَة وَبنت عُمَيْر الْأَنْصَارِيَّة وَبنت مُعَاوِيَة بن الْمُغيرَة أم عبد الْملك بن مَرْوَان وَبنت قدامَة بن مَظْعُون وَعَائِشَة من الأوهام وَإِنَّمَا هِيَ بنت عجرد وَسمعت ابْن عَبَّاس وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ من اسْمه عَائِشَة من الصَّحَابَة سوى الصديقة وَفِيهِمَا عَائِشَة بنت طَلْحَة بن عبيد الله عَن خَالَتهَا عَائِشَة أصدقهَا مُصعب ألف ألف وَكَانَت بديعة جدا وَفِي البُخَارِيّ عَائِشَة بنت سعد بن أبي وَقاص تروي عَن أَبِيهَا وَفِي ابْن مَاجَه عَائِشَة بنت مَسْعُود بن العجماء العدوية عَن أَبِيهَا وعنها ابْن أَخِيهَا مُحَمَّد بن طَلْحَة وَلَيْسَ فِي مَجْمُوع الْكتب السِّتَّة غير ذَلِك وَثمّ عَائِشَة بنت سعد أُخْرَى بصرية تروي عَن الْحسن (فَإِن قلت) مَا أصل قَوْلهم فِي عَائِشَة وَغَيرهَا من أَزوَاج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أم الْمُؤمنِينَ قلت أَخَذُوهُ من قَوْله تَعَالَى {وأزواجه أمهاتهم} وَقَرَأَ مُجَاهِد وَهُوَ أَب لَهُم وَقيل أَنَّهَا قِرَاءَة أبي بن كَعْب وَهن أُمَّهَات فِي وجوب احترامهن وَبرهن وَتَحْرِيم نِكَاحهنَّ لَا فِي جَوَاز الْخلْوَة والمسافرة وَتَحْرِيم نِكَاح بناتهن وَكَذَا النّظر فِي الْأَصَح وَبِه جزم الرَّافِعِيّ وَمُقَابِله حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ وَهل يُقَال لأخوتهن أخوال الْمُسلمين ولأخواتهن خالات الْمُؤمنِينَ ولبناتهن أَخَوَات الْمُؤمنِينَ فِيهِ خلاف عِنْد الْعلمَاء وَالأَصَح الْمَنْع لعدم التَّوْقِيف وَوجه مُقَابِله أَنه مُقْتَضى ثُبُوت الأمومة وَهُوَ ظَاهر النَّص لكنه مؤول قَالُوا وَلَا يُقَال آباؤهن وأمهاتهن أجداد الْمُؤمنِينَ وجداتهم وَهل يُقَال فِيهِنَّ أُمَّهَات الْمُؤْمِنَات فِيهِ خلاف وَالأَصَح أَنه لَا يُقَال بِنَاء على الْأَصَح أَنَّهُنَّ لَا يدخلن فِي خطاب الرِّجَال وَعَن عَائِشَة رَضِي
الجزء 1 · صفحة 39
الله عَنْهَا أَنَّهَا قَالَت أَنا أم رجالكم لَا أم النِّسَاء وَهل يُقَال للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبُو الْمُؤمنِينَ فِيهِ وَجْهَان وَالأَصَح الْجَوَاز وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي أَيْضا أَي فِي الْحُرْمَة وَمعنى قَوْله تَعَالَى {مَا كَانَ مُحَمَّد أَبَا أحد من رجالكم} لصلبه وَعَن الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق أَنه لَا يُقَال أَبونَا وَإِنَّمَا يُقَال هُوَ كأبينا لما رُوِيَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ إِنَّمَا أَنا لكم كالوالد السَّادِس الْحَارِث بن هِشَام بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عَمْرو بن مَخْزُوم أَخُو أبي جهل لِأَبَوَيْهِ وَابْن عَم خَالِد بن الْوَلِيد شهد بَدْرًا كَافِرًا فَانْهَزَمَ وَأسلم يَوْم الْفَتْح وَحسن إِسْلَامه وَأَعْطَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم حنين مائَة من الْإِبِل قتل باليرموك سنة خمس عشرَة وَكَانَ شريفا فِي قومه وَله اثْنَان وَثَلَاثُونَ ولدا مِنْهُم أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة على قَول وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة الْحَارِث بن هِشَام إِلَّا هَذَا وَإِلَّا الْحَارِث بن هِشَام الْجُهَنِيّ روى عَنهُ المصريون ذكره ابْن عبد الْبر وَقَالَ بعض الشَّارِحين هَذَا الحَدِيث أدخلهُ الْحفاظ فِي مُسْند عَائِشَة دون الْحَارِث وَلَيْسَ لِلْحَارِثِ هَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ رِوَايَة وَإِنَّمَا لَهُ رِوَايَة فِي سنَن ابْن مَاجَه فَقَط وعده ابْن الْجَوْزِيّ فِيمَن روى من الصَّحَابَة حديثين مُرَاده فِي غير الصَّحِيحَيْنِ وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة فِي الصَّحِيحَيْنِ من اسْمه الْحَارِث غير الْحَارِث بن ربعي أبي قَتَادَة على أحد الْأَقْوَال فِي اسْمه والْحَارث بن عَوْف أبي وَاقد اللَّيْثِيّ وهما بكنيتهما أشهر وَأما خَارج الصَّحِيحَيْنِ فجماعات كَثِيرُونَ فَوق الْمِائَة وَالْخمسين قلت أَدخل الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده الْحَارِث بن هِشَام فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَن عَامر بن صَالح عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة عَن الْحَارِث بن هِشَام قَالَ سَأَلت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الحَدِيث وَاعْلَم أَن الْحَارِث قد يكْتب بِلَا ألف تَخْفِيفًا وَهِشَام بِكَسْر الْهَاء وبالشين الْمُعْجَمَة (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن رِجَاله كلهم مدنيون خلا شيخ البُخَارِيّ. وَمِنْهَا أَن فِيهِ تابعيا عَن تَابِعِيّ. وَمِنْهَا أَن قَوْلهَا سَأَلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن تكون عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا حَضرته وَالْآخر أَن يكون الْحَارِث أخْبرهَا بذلك فعلى الأول ظَاهر الِاتِّصَال وعَلى الثَّانِي مُرْسل صَحَابِيّ وَهُوَ فِي حكم الْمسند. وَمِنْهَا أَن فِي الأول حَدثنَا عبد الله وَفِي الثَّانِي أخبرنَا مَالك والبواقي بِلَفْظَة عَن الْمُسَمَّاة بالعنعنة قَالَ القَاضِي عِيَاض لَا خلاف أَنه يجوز فِي السماع من لفظ الشَّيْخ أَن يَقُول السَّامع فِيهِ حَدثنَا وَأخْبرنَا وأنبأنا وسمعته يَقُول وَقَالَ لنا فلَان وَذكر فلَان وَإِلَيْهِ مَال الطَّحَاوِيّ وَصحح هَذَا الْمَذْهَب ابْن الْحَاجِب وَنقل هُوَ وَغَيره عَن الْحَاكِم أَنه مَذْهَب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَهُوَ مَذْهَب جمَاعَة من الْمُحدثين مِنْهُم الزُّهْرِيّ وَمَالك وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَيحيى الْقطَّان وَقيل أَنه قَول مُعظم الْحِجَازِيِّينَ والكوفيين وَقَالَ آخَرُونَ بِالْمَنْعِ فِي الْقِرَاءَة على الشَّيْخ إِلَّا مُقَيّدا مثل حَدثنَا فلَان قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأخْبرنَا قِرَاءَة عَلَيْهِ وَهُوَ مَذْهَب ابْن الْمُبَارك وَأحمد بن حَنْبَل وَيحيى بن يحيى التَّمِيمِي وَالْمَشْهُور عَن النَّسَائِيّ وَصَححهُ الْآمِدِيّ وَالْغَزالِيّ وَهُوَ مَذْهَب الْمُتَكَلِّمين وَقَالَ آخَرُونَ بِالْمَنْعِ فِي حَدثنَا وَالْجَوَاز فِي أخبرنَا وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأَصْحَابه وَمُسلم بن الْحجَّاج وَجُمْهُور أهل الْمشرق وَنقل عَن أَكثر الْمُحدثين مِنْهُم ابْن جريج وَالْأَوْزَاعِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن وهب وَقيل أَنه أول من أحدث هَذَا الْفرق بِمصْر وَصَارَ هُوَ الشَّائِع الْغَالِب على أهل الحَدِيث وَالْأَحْسَن أَن يُقَال فِيهِ أَنه اصْطِلَاح مِنْهُم أَرَادوا التَّمْيِيز بَين النَّوْعَيْنِ وخصصوا قِرَاءَة الشَّيْخ بحدثنا لقُوَّة إشعاره بالنطق والمشافهة وَاخْتلف فِي المعنعن فَقَالَ بَعضهم هُوَ مُرْسل وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الجماهير أَنه مُتَّصِل إِذا أمكن لِقَاء الرَّاوِي الْمَرْوِيّ عَنهُ وَقَالَ النَّوَوِيّ ادّعى مُسلم إِجْمَاع الْعلمَاء على أَن المعنعن وَهُوَ الَّذِي فِيهِ فلَان عَن فلَان: مَحْمُول على الِاتِّصَال وَالسَّمَاع إِذا أمكن لِقَاء من أضيفت العنعنة إِلَيْهِم بَعضهم بَعْضًا يَعْنِي مَعَ براءتهم من التَّدْلِيس وَنقل أَي مُسلم عَن بعض أهل عصره أَنه قَالَ لَا يحمل على الِاتِّصَال حَتَّى يثبت أَنَّهُمَا التقيا فِي عمرهما مرّة فَأكْثر وَلَا يَكْفِي إِمْكَان تلاقيهما وَقَالَ هَذَا قَول سَاقِط وَاحْتج عَلَيْهِ بِأَن المعنعن مَحْمُول على الِاتِّصَال إِذا ثَبت التلاقي مَعَ احْتِمَال الْإِرْسَال وَكَذَا إِذا أمكن التلاقي قَالَ النَّوَوِيّ وَالَّذِي رده هُوَ الْمُخْتَار الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّة هَذَا الْفَنّ البُخَارِيّ وَغَيره وَقد زَاد جمَاعَة عَلَيْهِ فَاشْترط الْقَابِسِيّ أَن يكون قد أدْركهُ إدراكا بَينا وَأَبُو المظفر السَّمْعَانِيّ طول الصُّحْبَة بَينهمَا (بَيَان تعدد الحَدِيث وَمن أخرجه غَيره) قد رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا فِي بده الْخلق عَن فَرْوَة عَن عَليّ بن مسْهر عَن
الجزء 1 · صفحة 40
همام. وَرَوَاهُ مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن ابْن عُيَيْنَة عَن أبي كريب عَن أبي أُسَامَة وَعَن ابْن نمير عَن أبي بشر عَنهُ (بَيَان اللُّغَات) قَوْله الْوَحْي قد فسرناه فِيمَا مضى ولنذكر هَهُنَا أقسامه وصوره أما أقسامه فِي حق الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام فعلى ثَلَاثَة أضْرب أَحدهَا سَماع الْكَلَام الْقَدِيم كسماع مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام بِنَصّ الْقُرْآن وَنَبِينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِصَحِيح الْآثَار الثَّانِي وَحي رِسَالَة بِوَاسِطَة الْملك الثَّالِث وَحي تلق بِالْقَلْبِ كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن روح الْقُدس نفث فِي روعي أَي فِي نَفسِي وَقيل كَانَ هَذَا حَال دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام وَالْوَحي إِلَى غير الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام بِمَعْنى الإلهام كالوحي إِلَى النَّحْل وَأما صوره على مَا ذكره السُّهيْلي فسبعة الأولى الْمَنَام كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث الثَّانِيَة أَن يَأْتِيهِ الْوَحْي مثل صلصلة الجرس كَمَا جَاءَ فِيهِ أَيْضا الثَّالِثَة أَن ينفث فِي روعه الْكَلَام كَمَا مر فِي الحَدِيث الْمَذْكُور آنِفا وَقَالَ مُجَاهِد وَغَيره فِي قَوْله تَعَالَى {أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا} وَهُوَ أَن ينفث فِي روعه بِالْوَحْي الرَّابِعَة أَن يتَمَثَّل لَهُ الْملك رجلا كَمَا فِي هَذَا الحَدِيث وَقد كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَة دحْيَة قلت اخْتِصَاص تمثله بِصُورَة دحْيَة دون غَيره من الصَّحَابَة لكَونه أحسن أهل زَمَانه صُورَة وَلِهَذَا كَانَ يمشي متلثما خوفًا أَن يفتتن بِهِ النِّسَاء الْخَامِسَة أَن يتَرَاءَى لَهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فِي صورته الَّتِي خلقهَا الله تَعَالَى لَهُ بستمائة جنَاح ينتشر مِنْهَا اللُّؤْلُؤ والياقوت السَّادِسَة أَن يكلمهُ الله تَعَالَى من وَرَاء حجاب إِمَّا فِي الْيَقَظَة كليلة الْإِسْرَاء أَو فِي النّوم كَمَا جَاءَ فِي التِّرْمِذِيّ مَرْفُوعا أَتَانِي رَبِّي فِي أحسن صُورَة فَقَالَ فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى الحَدِيث وَحَدِيث عَائِشَة الْآتِي ذكره فَجَاءَهُ الْملك فَقَالَ اقْرَأ ظَاهره أَن ذَلِك كَانَ يقظة وَفِي السِّيرَة. فَأَتَانِي وَأَنا نَائِم وَيُمكن الْجمع بِأَنَّهُ جَاءَ أَولا مناما تَوْطِئَة وتيسيرا عَلَيْهِ وترفقا بِهِ. وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا مكث صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَكَّة خمس عشرَة سنة يسمع الصَّوْت وَيرى الضَّوْء سبع سِنِين وَلَا يرى شَيْئا وثماني سِنِين يُوحى إِلَيْهِ السَّابِعَة وَحي إسْرَافيل عَلَيْهِ السَّلَام كَمَا جَاءَ عَن الشّعبِيّ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وكل بِهِ إسْرَافيل عَلَيْهِ السَّلَام فَكَانَ يتَرَاءَى لَهُ ثَلَاث سِنِين ويأتيه بِالْكَلِمَةِ من الْوَحْي وَالشَّيْء ثمَّ وكل بِهِ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَفِي مُسْند أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح عَن الشّعبِيّ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نزلت عَلَيْهِ النُّبُوَّة وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ سنة فقرن بنبوته إسْرَافيل عَلَيْهِ السَّلَام ثَلَاث سِنِين فَكَانَ يُعلمهُ الْكَلِمَة وَالشَّيْء وَلم ينزل الْقُرْآن فَلَمَّا مَضَت ثَلَاث سِنِين قرن بنبوته جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَنزل الْقُرْآن على لِسَانه عشْرين سنة عشرا بِمَكَّة وَعشرا بِالْمَدِينَةِ فَمَاتَ وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة وَأنكر الْوَاقِدِيّ وَغَيره كَونه وكل بِهِ غير جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَقَالَ أَحْمد بن مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ أَكثر مَا كَانَ فِي الشَّرِيعَة مِمَّا أوحى إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على لِسَان جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام قَوْله أَحْيَانًا جمع حِين وَهُوَ الْوَقْت يَقع على الْقَلِيل وَالْكثير قَالَ الله تَعَالَى {هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِين من الدَّهْر} أَي مُدَّة من الدَّهْر قَالَ الْجَوْهَرِي الْحِين الْوَقْت والحين الْمدَّة وَفُلَان يفعل كَذَا أَحْيَانًا وَفِي الْأَحَايِين. وَالْحَاصِل أَن الْحِين يُطلق على لَحْظَة من الزَّمَان فَمَا فَوْقه وَعند الْفُقَهَاء الْحِين وَالزَّمَان يَقع على سِتَّة أشهر حَتَّى لَو حلف لَا يكلمهُ حينا أَو زَمَانا أَو الْحِين أَو الزَّمَان فَهُوَ على سِتَّة أشهر قَالُوا لِأَن الْحِين قد يُرَاد بِهِ الزَّمَان الْقَلِيل وَقد يُرَاد بِهِ أَرْبَعُونَ سنة قَالَ الله تَعَالَى {هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِين من الدَّهْر} أَي أَرْبَعُونَ سنة وَقد يُرَاد بِهِ سِتَّة أشهر قَالَ الله تَعَالَى {تؤتي أكلهَا كل حِين} قلت هَذَا إِذا لم ينْو شَيْئا أما إِذا نوى شَيْئا فَهُوَ على مَا نَوَاه لِأَنَّهُ حَقِيقَة كَلَامه قَوْله مثل صلصلة الجرس الصلصلة بِفَتْح الصادين الْمُهْمَلَتَيْنِ الصَّوْت المتدارك الَّذِي لَا يفهم أول وهلة. وَيُقَال هِيَ صَوت كل شَيْء مصوت كصلصلة السلسلة وَفِي الْعباب صلصلة اللجام صَوته إِذا ضوعف. وَقَالَ الْخطابِيّ يُرِيد أَنه صَوت متدارك يسمعهُ وَلَا يشْتَبه أول مَا يقرع سَمعه حَتَّى يفهمهُ من بعد وَقَالَ أَبُو عَليّ الهجري فِي أَمَالِيهِ الصلصلة للحديد والنحاس والصفر ويابس الطين وَمَا أشبه ذَلِك صَوته. وَفِي الْمُحكم صل يصل صليلا وصلصل وتصلصل صلصلة وتصلصلا صَوت فَإِن توهمت تَرْجِيع صَوت قلت صلصل وتصلصل. وَقَالَ القَاضِي الصلصلة صَوت الْحَدِيد فِيمَا لَهُ طنين وَقيل معنى الحَدِيث هُوَ قُوَّة صَوت حفيف أَجْنِحَة الْمَلَائِكَة لتشغله عَن غير
الجزء 1 · صفحة 41
ذَلِك وَيُؤَيِّدهُ الرِّوَايَة الْأُخْرَى كَأَنَّهُ سلسلة على صَفْوَان أَي حفيف الأجنحة والجرس بِفَتْح الرَّاء هُوَ الجلجل الَّذِي يعلق فِي رَأس الدَّوَابّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي الجرس شبه ناقوس صَغِير أَو صطل فِي دَاخله قِطْعَة نُحَاس مُعَلّق منكوسا على الْبَعِير فَإِذا تحرّك تحركت النحاسة فأصابت الصطل فَتحصل صلصلة والعامة تَقول جرص بالصَّاد وَلَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب كلمة اجْتمع فِيهَا الصَّاد وَالْجِيم إِلَّا الصمج وَهُوَ الْقنْدِيل وَأما الجص فمعرب قَالَ ابْن دُرَيْد اشتقاقه من الجرس أَي الصَّوْت والحس وَقَالَ ابْن سَيّده الجرس والجرس والجرس الْأَخِيرَة عَن كرَاع الْحَرَكَة وَالصَّوْت من كل ذِي صَوت وَقيل الجرس بِالْفَتْح إِذا أفرد فَإِذا قَالُوا مَا سَمِعت لَهُ حسا وَلَا جرسا كسروا فاتبعوا اللَّفْظ بِاللَّفْظِ قَالَ الصغاني قَالَ ابْن السّكيت الجرس والجرس الصَّوْت وَلم يفرق وَقَالَ اللَّيْث الجرس مصدر الصَّوْت المجروس والجرس بِالْكَسْرِ الصَّوْت نَفسه وجرس الْحَرْف نَغمَة الصَّوْت والحروف الثَّلَاثَة لَا جروس لَهَا أَعنِي الْوَاو وَالْيَاء وَالْألف اللينة وَسَائِر الْحُرُوف مجروسة قَوْله فَيفْصم فِيهِ ثَلَاث رِوَايَات الأولى وَهِي أفصحها بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَإِسْكَان الْفَاء وَكسر الصَّاد وَقَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ يقطع ويتجلى مَا يَغْشَانِي مِنْهُ قَالَ وأصل الفصم الْقطع وَمِنْه {لَا انفصام لَهَا} وَقيل أَنه الصدع بِلَا إبانة وبالقاف قطع بإبانة فَمَعْنَى الحَدِيث أَن الْملك فَارقه ليعود الثَّانِيَة بِضَم أَوله وَفتح ثالثه وَهِي رِوَايَة أبي ذَر الْهَرَوِيّ قلت هُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمُضَارع الثلاثي فَافْهَم الثَّالِثَة بِضَم أَوله وَكسر الثَّالِثَة من أفصم الْمَطَر إِذا أقلع وَهِي لُغَة قَليلَة قلت هَذَا من الثلاثي الْمَزِيد فِيهِ وَمِنْه أفصمت عَنهُ الْحمى قَوْله وَقد وعيت بِفَتْح الْعين أَي فهمت وجمعت وحفظت قَالَ صَاحب الْأَفْعَال وعيت الْعلم حفظته ووعيت الْأذن سَمِعت وأوعيت الْمَتَاع جمعته فِي الْوِعَاء وَقَالَ ابْن القطاع وأوعيت الْعلم مثل وعيته وَقَوله تَعَالَى {وَالله أعلم بِمَا يوعون} أَي بِمَا يضمرون فِي قُلُوبهم من التَّكْذِيب وَقَالَ الزّجاج بِمَا يحملون فِي قُلُوبهم فَهَذَا من أوعيت الْمَتَاع قَوْله يتَمَثَّل أَي يتَصَوَّر مُشْتَقّ من الْمِثَال وَهُوَ أَن يتَكَلَّف أَن يكون مِثَالا لشَيْء آخر وشبيها لَهُ قَوْله الْملك جسم علوي لطيف يتشكل بِأَيّ شكل شَاءَ وَهُوَ قَول أَكثر الْمُسلمين وَقَالَت الفلاسفة الْمَلَائِكَة جَوَاهِر قَائِمَة بأنفسها لَيست بمتحيزة الْبَتَّةَ فَمنهمْ من هِيَ مستغرقة فِي معرفَة الله تَعَالَى فهم الْمَلَائِكَة المقربون وَمِنْهُم مدبرات هَذَا الْعَالم إِن كَانَت خيرات فهم الْمَلَائِكَة الأرضية وَإِن كَانَت شريرة فهم الشَّيَاطِين قَوْله رجلا قَالَ فِي الْعباب الرجل خلاف الْمَرْأَة وَالْجمع رجال ورجالات مثل جمال وجمالات وَقَالَ الْكسَائي جمعُوا رجلا رجلة مثل عنبة وأراجل قَالَ أَبُو ذُؤَيْب الْهُذلِيّ
(أهم بنيه صيفهم وشتاؤهم ... وَقَالُوا تعد واغز وسط الأراجل)
يَقُول أهمتهم نَفَقَة صيفهم وشتائهم وَقَالُوا لأبيهم تعد أَي انْصَرف عَنَّا وتصغير الرجل رجيل ورويجل أَيْضا على غير قِيَاس كَأَنَّهُ تَصْغِير راجل وَمِنْه قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَفْلح الرويجل إِن صدق فَإِن قلت هَل يُطلق على الْمُؤَنَّث من هَذِه الْمَادَّة قلت نعم قيل الْمَرْأَة رجلة أنْشد أَبُو عَليّ وَغَيره
(خرقوا جيب فَتَاتهمْ ... لم يراعوا حُرْمَة الرجلة)
وَفِي شرح الْإِيضَاح اسْتشْهد بِهِ أَبُو عَليّ على قَوْله الرجلة مؤنث الرجل وَقَول الْفُقَهَاء الرجل كل ذكر من بني آدم جَاوز حد الْبلُوغ منقوض بِهِ وبإطلاق الرجل على الصَّغِير أَيْضا فِي قَوْله تَعَالَى {وَإِن كَانَ رجل يُورث كَلَالَة} قَوْله وَإِن جَبينه الجبين طرف الْجَبْهَة وللإنسان جبينان يكتنفان الْجَبْهَة وَيُقَال الجبين غير الْجَبْهَة وَهُوَ فَوق الصدغ وهما جبينان عَن يَمِين الْجَبْهَة وشمالها قَوْله ليتفصد بِالْفَاءِ وَالصَّاد الْمُهْملَة أَي يسيل من التفصد وَهُوَ السيلان وَمِنْه الفصد وَهُوَ قطع الْعرق لإسالة الدَّم قَوْله عرقا بِفَتْح الرَّاء وَهُوَ الرُّطُوبَة الَّتِي تترشح من مسام الْبدن (بَيَان الصّرْف) قَوْله أشده عَليّ الأشد أفعل التَّفْضِيل من شدّ يشد قَوْله فَيفْصم من فَصم يفصم فصما من بَاب ضرب يضْرب وَلما كَانَت الْفَاء من الْحُرُوف الرخوة قَالَت الاشتقاقيون الفصم هُوَ الْقطع بِلَا إبانة وَالْقَاف لما كَانَت من الْحُرُوف الشَّدِيدَة والقلقلة الَّتِي فِيهَا ضغط وَشدَّة قَالُوا القصم بِالْقَافِ هُوَ الْقطع بإبانة واعتبروا فِي المعنين الْمُنَاسبَة قَوْله الْملك أَصله ملأك تركت الْهمزَة لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال واشتقاقه من الألوكة وَهِي الرسَالَة يُقَال ألكني إِلَيْهِ أَي أَرْسلنِي وَمِنْه سمى الْملك لِأَنَّهُ رَسُول من الله تَعَالَى وَجمعه مَلَائِكَة قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ الْمَلَائِكَة جمع ملأك على وزن الأَصْل كالشمائل جمع
الجزء 1 · صفحة 42
شمأل وإلحاق التَّاء لتأنيث الْجمع قلت إِنَّمَا قَالَ كَذَلِك حَتَّى لَا يظنّ أَنه جمع ملك لِأَن وَزنه فعل وَهُوَ لَا يجمع على فعائل وَلَكِن أَصله ملأك وَلما أُرِيد جمعه رد إِلَى أَصله كَمَا أَن الشَّمَائِل وَهِي الرِّيَاح جمع شمأل بِالْهَمْز فِي الأَصْل لَا جمع شمال لِأَن فعالا لَا يجمع على فعائل وَفِي الْعباب الألوك والألوكة والمالكة وَالْمَالِك الرسَالَة وَإِنَّمَا سميت الرسَالَة الألوكة لِأَنَّهَا تولك فِي الْفَم من قَول الْعَرَب الْفرس يألك اللجام ألكا أَي يعلكه علكا وَقَالَ ابْن عباد قد يكون الألوك الرَّسُول وَقَالَ الصغاني والتركيب يدل على تحمل الرسَالَة قَوْله وعيت من وعاه إِذا حفظه يعيه وعيا فَهُوَ واع وَذَاكَ موعى وَأذن وَاعِيَة (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله رَسُول الله مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول سَأَلَ وَقَوله الْوَحْي بِالرَّفْع فَاعل يَأْتِيك قَوْله أَحْيَانًا نصب على الظّرْف وَالْعَامِل فِيهِ قَوْله يأتيني مُؤَخرا قَوْله مثل بِالنّصب قَالَ الْكرْمَانِي هُوَ حَال أَي يأتيني مشابها صَوته صلصلة الجرس قلت وَيجوز أَن يكون صفة لمصدر مَحْذُوف أَي يأتيني إتيانا مثل صلصلة الجرس وَيجوز فِيهِ الرّفْع من حَيْثُ الْعَرَبيَّة لَا من حَيْثُ الرِّوَايَة وَالتَّقْدِير هُوَ مثل صلصلة الجرس قَوْله وَهُوَ أشده الْوَاو فِيهِ للْحَال قَوْله فَيفْصم عطف على قَوْله يأتيني وَالْفَاء من جملَة حُرُوف الْعَطف كَمَا علم فِي موضعهَا وَلَكِن تفِيد ثَلَاثَة أُمُور التَّرْتِيب إِمَّا معنوي كَمَا فِي قَامَ زيد فعمرو وَإِمَّا ذكري وَهُوَ عطف مفصل على مُجمل نَحْو {فأزلهما الشَّيْطَان عَنْهَا فأخرجهما مِمَّا كَانَا فِيهِ} والتعقيب وَهُوَ فِي كل شَيْء بِحَسبِهِ والسببية وَذَلِكَ غَالب فِي العاطفة جملَة أَو صفة نَحْو {فوكزه مُوسَى فَقضى عَلَيْهِ} و {لآكلون من شجر من زقوم فمالؤن مِنْهَا الْبُطُون فشاربون عَلَيْهِ من الْحَمِيم} قَوْله وَقد وعيت الْوَاو للْحَال وَقد علم أَن الْمَاضِي إِذا وَقع حَالا يجوز فِيهِ الْوَاو وَتَركه وَلكنه لَا بُد من قد إِمَّا ظَاهِرَة أَو مقدرَة وَهَهُنَا جَاءَ بِالْوَاو وبقد ظَاهِرَة والمقدرة بِلَا وَاو نَحْو قَوْله تَعَالَى {أَو جاؤكم حصرت صُدُورهمْ} وَالتَّقْدِير قد حصرت قَوْله مَا قَالَ جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا مفعول لقَوْله وَقد وعيت وَكلمَة مَا مَوْصُولَة وَقَوله قَالَ جملَة صلتها والعائد مَحْذُوف تَقْدِيره مَا قَالَه وَاعْلَم أَن الْجُمْلَة لَا حَظّ لَهَا من الْإِعْرَاب إِلَّا إِذا وَقعت موقع الْمُفْرد وَذَلِكَ بِحكم الاستقراء فِي سِتَّة مَوَاضِع خبر الْمُبْتَدَأ وَخبر بَاب إِن وَخبر بَاب كَانَ وَالْمَفْعُول الثَّانِي من بَاب حسبت وَصفَة النكرَة وَالْحَال قَوْله وَأَحْيَانا عطف على أَحْيَانًا الأولى قَوْله الْملك بِالرَّفْع فَاعل لقَوْله يتَمَثَّل قَوْله لي اللَّام فِيهِ للتَّعْلِيل أَي لأجلي وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى عِنْد أَي يتَمَثَّل عِنْدِي الْملك رجلا كَمَا فِي قَوْلك كتبت لخمس خلون قَوْله رجلا نصب على أَنه تَمْيِيز قَالَه أَكثر الشُّرَّاح وَفِيه نظر لِأَن التَّمْيِيز مَا يرفع الْإِبْهَام المستقر عَن ذَات مَذْكُورَة أَو مقدرَة فَالْأول نَحْو عِنْدِي رَطْل زيتا وَالثَّانِي نَحْو طَابَ زيد نفسا قَالُوا وَالْفرق بَينهمَا أَن زيتا رفع الْإِبْهَام عَن رَطْل ونفسا لم يرفع إبهاما لَا عَن طَابَ وَلَا عَن زيد إِذْ لَا إِبْهَام فيهمَا بل رفع إِبْهَام مَا حصل من نسبته إِلَيْهِ وَهَهُنَا لَا يجوز أَن يكون من الْقسم الأول وَهُوَ ظَاهر وَلَا من الثَّانِي لِأَن قَوْله يتَمَثَّل لَيْسَ فِيهِ إِبْهَام وَلَا فِي قَوْله الْملك وَلَا فِي نِسْبَة التمثل إِلَى الْملك فَإِذن قَوْلهم هَذَا نصب على التَّمْيِيز غير صَحِيح بل الصَّوَاب أَن يُقَال أَنه مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض وَأَن الْمَعْنى يتَصَوَّر لي الْملك تصور رجل فَلَمَّا حذف الْمُضَاف الْمَنْصُوب بالمصدرية أقيم الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه وَأَشَارَ الْكرْمَانِي إِلَى جَوَاز انتصابه بالمفعولية إِن ضمن تمثل معنى اتخذ أَي اتخذ الْملك رجلا مِثَالا وَهَذَا أَيْضا بعيد من جِهَة الْمَعْنى على مَا لَا يخفى وَإِلَى انتصابه بالحالية ثمَّ قَالَ فَإِن قلت الْحَال لَا بُد أَن يكون دَالا على الْهَيْئَة وَالرجل لَيْسَ بهيئة قلت مَعْنَاهُ على هَيْئَة رجل انْتهى. قلت الْأَحْوَال الَّتِي تقع من غير المشتقات لَا تؤول بِمثل هَذَا التَّأْوِيل وَإِنَّمَا تؤول من لَفظهَا كَمَا فِي قَوْلك هَذَا بسرا أطيب مِنْهُ رطبا وَالتَّقْدِير متبسرا ومترطبا وَأَيْضًا قَالُوا الِاسْم الدَّال على الِاسْتِمْرَار لَا يَقع حَالا وَإِن كَانَ مشتقا نَحْو أسود وأحمر لِأَنَّهُ وصف ثَابت فَمن عرف زيدا عرف أَنه أسود وَأَيْضًا الْحَال فِي الْمَعْنى خبر عَن صَاحبه فَيلْزم أَن يصدق عَلَيْهِ وَالرجل لَا يصدق على الْملك قَوْله فيكلمني الْفَاء فِيهِ وَفِي قَوْله فأعي للْعَطْف المشير إِلَى التعقيب قَوْله مَا يَقُول جملَة فِي مَحل النصب على أَنه مفعول لقَوْله فأعي والعائد إِلَى الْمَوْصُول مَحْذُوف تَقْدِيره مَا يَقُوله قَوْله قَالَت عَائِشَة يحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكون مَعْطُوفًا على الْإِسْنَاد الأول بِدُونِ حرف الْعَطف كَمَا هُوَ مَذْهَب بعض النُّحَاة صرح بِهِ ابْن مَالك فَحِينَئِذٍ يكون حَدِيث عَائِشَة مُسْندًا وَالْآخر أَن يكون كلَاما بِرَأْسِهِ غير مشارك للْأولِ فعلى هَذَا يكون هَذَا من تعليقات البُخَارِيّ قد ذكره تَأْكِيدًا بِأَمْر الشدَّة وتأييدا
الجزء 1 · صفحة 43
لَهُ على مَا هُوَ عَادَته فِي تراجم الْأَبْوَاب حَيْثُ يذكر مَا وَقع لَهُ من قُرْآن أَو سنة مساعدا لَهَا وَنفى بَعضهم أَن يكون هَذَا من التَّعَالِيق وَلم يقم عَلَيْهِ دَلِيلا فنفيه منفي إِذْ الأَصْل فِي الْعَطف أَن يكون بالأداة وَمَا نَص عَلَيْهِ ابْن مَالك غير مَشْهُور بِخِلَاف مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور قَوْله وَلَقَد رَأَيْت الْوَاو للقسم وَاللَّام للتَّأْكِيد وَقد للتحقيق وَرَأَيْت بِمَعْنى أَبْصرت فَلذَلِك اكْتفى بمفعول وَاحِد قَوْله ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي جملَة وَقعت حَالا وَقد علم أَن الْمُضَارع إِذا كَانَ مثبتا وَوَقع حَالا لَا يسوغ فِيهِ الْوَاو وَإِن كَانَ منفيا جَازَ فِيهِ الْأَمر أَن قَوْله الشَّديد صفة جرت على غير من هِيَ لَهُ لِأَنَّهُ صفة الْبرد لَا الْيَوْم قَوْله فَيفْصم عطف على قَوْله ينزل قَوْله عرقا نصب على التَّمْيِيز (بَيَان الْمعَانِي) قَوْله كَيفَ يَأْتِيك الْوَحْي فِيهِ مجَاز عَقْلِي وَهُوَ إِسْنَاد الْإِتْيَان إِلَى الْوَحْي كَمَا فِي أنبت الرّبيع البقل لِأَن الإنبات لله تَعَالَى لَا للربيع وَهُوَ إِسْنَاد الْفِعْل أَو مَعْنَاهُ إِلَى ملابس لَهُ غير مَا هُوَ لَهُ عِنْد الْمُتَكَلّم فِي الظَّاهِر وَيُسمى هَذَا الْقسم أَيْضا مجَازًا فِي الْإِسْنَاد وَأَصله كَيفَ يَأْتِيك حَامِل الْوَحْي فأسند إِلَى الْوَحْي للملابسة الَّتِي بَين الْحَامِل والمحمول وَفِيه من المؤكدات وَاو الْقسم أكدت بِهِ عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا مَا قَالَه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من قَوْله وَهُوَ أشده عَليّ وَلَام التَّأْكِيد وَقد الَّتِي وَضعهَا للتحقيق فِي مثل هَذَا الْموضع كَمَا فِي نَحْو قَوْله تَعَالَى {قد أَفْلح من زكاها} وَذَلِكَ لِأَن مرادها الْإِشَارَة إِلَى كَثْرَة معاناته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم التَّعَب وَالْكرب عِنْد نزُول الْوَحْي وَذَلِكَ لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا ورد عَلَيْهِ الْوَحْي يجد لَهُ مشقة ويغشاه الكرب لثقل مَا يلقى عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى {إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلا} وَلذَلِك كَانَ يَعْتَرِيه مثل حَال المحموم كَمَا رُوِيَ أَنه كَانَ يَأْخُذهُ عِنْد الْوَحْي الرحضاء أَي البهر والعرق من الشدَّة وَأكْثر مَا يُسمى بِهِ عرق الْحمى وَلذَلِك كَانَ جَبينه يتفصد عرقا كَمَا يفصد وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك ليبلو صبره وَيحسن تأديبه فيرتاض لاحْتِمَال مَا كلفه من أعباء النُّبُوَّة وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي حَدِيث يعلى بن أُميَّة فَأدْخل رَأسه فَإِذا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم محمر الْوَجْه وَهُوَ يغط ثمَّ سرى عَنهُ وَمِنْه فِي حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت رَضِي الله عَنهُ قَالَ كَانَ نَبِي الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أنزل عَلَيْهِ كرب لذَلِك وَتَربد وَجهه وَفِي حَدِيث الْإِفْك قَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا فَأَخذه مَا كَانَ يَأْخُذهُ من البرحاء عِنْد الْوَحْي حَتَّى أَنه لينحدر مِنْهُ مثل الجمان من الْعرق فِي الْيَوْم الشاتي من ثقل القَوْل الَّذِي أنزل عَلَيْهِ قلت الرحضاء بِضَم الرَّاء وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وبالضاد الْمُعْجَمَة الممدودة الْعرق فِي أثر الْحمى والبهر بِالضَّمِّ تتَابع النَّفس وبالفتح الْمصدر قَوْله يغط من الغطيط وَهُوَ صَوت يُخرجهُ النَّائِم مَعَ نَفسه قَوْله تَرَبد بتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة أَي تغير لَونه قَوْله البرحاء بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة الممدودة وَهُوَ شدَّة الكرب وَشدَّة الْحمى أَيْضا قَوْله مثل الجمان بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْمِيم جمع جمانة وَهِي حَبَّة تعْمل من فضَّة كالدرة (بَيَان الْبَيَان) فِيهِ اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ وَهُوَ أَن يكون الْوَحْي مشبها بِرَجُل مثلا ويضاف إِلَى الْمُشبه الْإِتْيَان الَّذِي هُوَ من خَواص الْمُشبه بِهِ والاستعارة بِالْكِنَايَةِ أَن يكون الْمَذْكُور من طرفِي التَّشْبِيه هُوَ الْمُشبه وَيُرَاد بِهِ الْمُشبه بِهِ هَذَا الَّذِي مَال إِلَيْهِ السكاكي وَإِن نظر فِيهِ الْقزْوِينِي وَفِيه تَشْبِيه الجبين بالعرق المفصود مُبَالغَة فِي كَثْرَة الْعرق وَلذَلِك وَقع عرقا تمييزا لِأَنَّهُ توضيح بعد إِبْهَام وتفصيل بعد إِجْمَال وَكَذَلِكَ يدل على الْمُبَالغَة بَاب التفعل لِأَن أَصله وضع للْمُبَالَغَة وَالتَّشْدِيد وَمَعْنَاهُ أَن الْفَاعِل يتعانى ذَلِك الْفِعْل ليحصل بمعاناته كتشجع إِذْ مَعْنَاهُ اسْتعْمل الشجَاعَة وكلف نَفسه إِيَّاهَا ليحصلها (الأسئلة والأجوبة) الأول مَا قيل أَن السُّؤَال عَن كَيْفيَّة إتْيَان الْوَحْي وَالْجَوَاب على النَّوْع الثَّانِي من كَيْفيَّة الْحَامِل للوحي وَأجِيب بِأَنا لَا نسلم أَن السُّؤَال عَن كَيْفيَّة إتْيَان الْوَحْي بل عَن كَيْفيَّة حامله وَلَئِن سلمنَا فبيان كَيْفيَّة الْحَامِل مشْعر بكيفية الْوَحْي حَيْثُ قَالَ فيكلمني أَي تَارَة يكون كالصلصلة وَتارَة يكون كلَاما صَرِيحًا ظَاهر الْفَهم وَالدّلَالَة قلت بل نسلم أَن السُّؤَال عَن كَيْفيَّة إتْيَان الْوَحْي لِأَن بِلَفْظَة كَيفَ يسْأَل عَن حَال الشَّيْء فَإِذا قلت كَيفَ زيد مَعْنَاهُ أصحيح أم سقيم وَالْجَوَاب أَيْضا مُطَابق لِأَنَّهُ قَالَ أَحْيَانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس غَايَة مَا فِي الْبَاب أَن الْجَواب عَن السُّؤَال مَعَ زِيَادَة لِأَن السَّائِل سَأَلَ عَن كَيْفيَّة إتْيَان الْوَحْي وَبَينه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقوله يأتيني مثل صلصلة الجرس مَعَ بَيَان حَامِل الْوَحْي أَيْضا بقوله وَأَحْيَانا يتَمَثَّل لي الْملك رجلا فيكلمني وَإِنَّمَا زَاد على الْجَواب لِأَنَّهُ رُبمَا فهم من السَّائِل أَنه يعود يسْأَل عَن كَيْفيَّة حَامِل الْوَحْي أَيْضا فَأَجَابَهُ
الجزء 1 · صفحة 44
عَن ذَلِك قبل أَن يحوجه إِلَى السُّؤَال فَافْهَم الثَّانِي مَا قيل لم قَالَ فِي الأول وعيت مَا قَالَ بِلَفْظ الْمَاضِي وَفِي الثَّانِي فأعي مَا يَقُول بِلَفْظ الْمُضَارع وَأجِيب بِأَن الوعي فِي الأول حصل قبل الفصم وَلَا يتَصَوَّر بعده وَفِي الثَّانِي الوعي حَال المكالمة وَلَا يتَصَوَّر قبلهَا أَو لِأَنَّهُ كَانَ الوعي فِي الأول عِنْد غَلَبَة التَّلَبُّس بِالصِّفَاتِ الملكية فَإِذا عَاد إِلَى حَالَته الجبلية كَانَ حَافِظًا فَأخْبر عَن الْمَاضِي بِخِلَاف الثَّانِي فَإِنَّهُ على حَالَته الْمَعْهُودَة أَو يُقَال لَفْظَة قد تقرب الْمَاضِي إِلَى الْحَال وأعي فعل مضارع للْحَال فَهَذَا لما كَانَ صَرِيحًا يحفظه فِي الْحَال وَذَلِكَ. يقرب من أَن يحفظه إِذْ يحْتَاج فِيهِ إِلَى استثبات الثَّالِث مَا قيل أَن أَبَا دَاوُد قد روى من حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ كُنَّا نسْمع عِنْده مثل دوِي النَّحْل وَهَهُنَا يَقُول مثل صلصلة الجرس وَبَينهمَا تفَاوت وَأجِيب بِأَن ذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّحَابَة وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. الرَّابِع مَا قيل كَيفَ مثل بصلصلة الجرس وَقد كره صحبته فِي السّفر لِأَنَّهُ مزمار الشَّيْطَان كَمَا أخرجه أَبُو دَاوُد وَصَححهُ ابْن حبَان وَقيل كرهه لِأَنَّهُ يدل على أَصْحَابه بِصَوْتِهِ وَكَانَ يحب أَن لَا يعلم الْعَدو بِهِ حَتَّى يَأْتِيهم فَجْأَة حَكَاهُ ابْن الْأَثِير قلت يحْتَمل أَن تكون الْكَرَاهَة بعد إخْبَاره عَن كَيْفيَّة الْوَحْي. الْخَامِس مَا قيل ذكر فِي هَذَا الحَدِيث حالتين من أَحْوَال الْوَحْي وهما مثل صلصلة الجرس وتمثل الْملك رجلا وَلم يذكر الرُّؤْيَا فِي النّوم مَعَ إِعْلَامه لنا أَن رُؤْيَاهُ حق. أُجِيب من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن الرُّؤْيَا الصَّالِحَة قد يشركهُ فِيهَا غَيره بِخِلَاف الْأَوَّلين وَالْآخر لَعَلَّه علم أَن قصد السَّائِل بسؤاله مَا خص بِهِ وَلَا يعرف إِلَّا من جِهَته وَقَالَ بَعضهم كَانَ عِنْد السُّؤَال نزُول الْوَحْي على هذَيْن الْوَجْهَيْنِ إِذْ الْوَحْي على سَبِيل الرُّؤْيَا إِنَّمَا كَانَ فِي أول الْبعْثَة لِأَن أول مَا بدىء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْوَحْي الرُّؤْيَا ثمَّ حبب إِلَيْهِ الْخَلَاء كَمَا رُوِيَ فِي الحَدِيث وَقيل ذَلِك فِي سِتَّة أشهر فَقَط وَقَالَ آخَرُونَ كَانَت الْمَوْجُودَة من الرُّؤْيَا بعد إرْسَال الْملك منغمرة فِي الْوَحْي فَلم تحسب وَيُقَال كَانَ السُّؤَال عَن كَيْفيَّة الْوَحْي فِي حَال الْيَقَظَة السَّادِس مَا قيل مَا وَجه الْحصْر فِي الْقسمَيْنِ الْمَذْكُورين أُجِيب بِأَن سنة الله لما جرت من أَنه لَا بُد من مُنَاسبَة بَين الْقَائِل وَالسَّامِع حَتَّى يَصح بَينهمَا التحاور والتعليم والتعلم فَتلك الْمُنَاسبَة إِمَّا باتصاف السَّامع بِوَصْف الْقَائِل بِغَلَبَة الروحانية عَلَيْهِ وَهُوَ النَّوْع الأول أَو باتصاف الْقَائِل بِوَصْف السَّامع وَهُوَ النَّوْع الثَّانِي. السَّابِع مَا قيل مَا الْحِكْمَة فِي ضربه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْجَواب بِالْمثلِ الْمَذْكُور أُجِيب بِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ معتنيا بالبلاغة مكاشفا بالعلوم الغيبية وَكَانَ يوفر على الْأمة حصتهم بِقدر الاستعداد فَإِذا أُرِيد أَن ينبئهم بِمَا لَا عهد لَهُم بِهِ من تِلْكَ الْعُلُوم صاغ لَهَا أَمْثِلَة من عَالم الشَّهَادَة ليعرفوا بِمَا شاهدوه مَا لم يشاهدوه فَلَمَّا سَأَلَهُ الصَّحَابِيّ عَن كَيْفيَّة الْوَحْي وَكَانَ ذَلِك من الْمسَائِل الغويصة ضرب لَهَا فِي الشَّاهِد مثلا بالصوت المتدارك الَّذِي يسمع وَلَا يفهم مِنْهُ شَيْء تَنْبِيها على أَن إتيانها يرد على الْقلب فِي لبسة الْجلَال فَيَأْخُذ هَيْبَة الْخطاب حِين وُرُودهَا بِمَجَامِع الْقُلُوب ويلاقي من ثقل القَوْل مَا لَا علم لَهُ بالْقَوْل مَعَ وجود ذَلِك فَإِذا كشف عَنهُ وجد القَوْل الْمنزل بَينا فَيلقى فِي الروع وَاقعا موقع المسموع وَهَذَا معنى قَوْله فَيفْصم عني وَهَذَا الضَّرْب من الْوَحْي شَبيه بِمَا يُوحى إِلَى الْمَلَائِكَة على مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِذا قضى الله فِي السَّمَاء أمرا ضربت الْمَلَائِكَة بأجنحتها خضعانا لقَوْله كَأَنَّهَا سلسلة على الْحجر) فَإِذا فزع عَن قُلُوبهم قَالُوا مَاذَا قَالَ ربكُم قَالُوا الْحق وَهُوَ الْعلي الْكَبِير) . هَذَا. وَقد تبين لنا من هَذَا الحَدِيث أَن الْوَحْي كَانَ يَأْتِيهِ على صفتين أولاهما أَشد من الْأُخْرَى وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يرد فيهمَا من الطباع البشرية إِلَى الأوضاع الملكية فيوحى إِلَيْهِ كَمَا يُوحى إِلَى الْمَلَائِكَة وَالْأُخْرَى يرد فِيهَا الْملك إِلَى شكل الْبشر وشاكلته وَكَانَت هَذِه أيسر الثَّامِن مَا قيل من المُرَاد من الْملك فِي قَوْله يتَمَثَّل لي الْملك رجلا أُجِيب بِأَنَّهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام لِأَن اللَّام فِيهِ للْعهد وَلقَائِل أَن يَقُول لم لَا يجوز أَن يكون المُرَاد بِهِ إسْرَافيل عَلَيْهِ السَّلَام لِأَنَّهُ قرن بنبوته ثَلَاث سِنِين كَمَا ذكرنَا فَإِن عورض بِأَن إسْرَافيل لم ينزل الْقُرْآن قطّ وَإِنَّمَا كَانَ ينزل بِالْكَلِمَةِ من الْوَحْي أُجِيب بِأَنَّهُ لم يذكر هَهُنَا شَيْء من نزُول الْقُرْآن وَإِنَّمَا الْملك الَّذِي نزل بِالْقُرْآنِ هُوَ الْمَذْكُور فِي الحَدِيث الْآتِي حَيْثُ قَالَ فَجَاءَهُ الْملك فَقَالَ لَهُ اقْرَأ الحَدِيث وَلَقَد حضرت يَوْمًا مجْلِس حَدِيث بِالْقَاهِرَةِ وَكَانَ فِيهِ جمَاعَة من الْفُضَلَاء لَا سِيمَا من المنتسبين إِلَى معرفَة علم الحَدِيث فَقَرَأَ القارىء من أول البُخَارِيّ حَتَّى وصل إِلَى قَوْله فَجَاءَهُ الْملك فَقَالَ لَهُ اقْرَأ فسألتهم عَن الْملك من هُوَ فَقَالُوا جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَقلت مَا الدَّلِيل على ذَلِك من النَّقْل فتحيروا ثمَّ تصدى وَاحِد مِنْهُم فَقَالَ لَا نعلم ملكا نزل عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة
الجزء 1 · صفحة 45
وَالسَّلَام غير جِبْرِيل قلت قد نزل عَلَيْهِ إسْرَافيل عَلَيْهِ السَّلَام ثَلَاث سِنِين كَمَا رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده كَمَا ذَكرْنَاهُ فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ قَالَ الله عز وَجل {نزل بِهِ الرّوح الْأمين} أَي بِالْقُرْآنِ وَالروح الْأمين هُوَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام. قلت قد سمي بِالروحِ غير جِبْرِيل قَالَ الله تَعَالَى {يَوْم يقوم الرّوح وَالْمَلَائِكَة صفا} وَعَن ابْن عَبَّاس هُوَ ملك من أعظم الْمَلَائِكَة خلقا فأفحم عِنْد ذَلِك فَقلت جِبْرِيل قد تميز عَنهُ بِصفة الْأَمَانَة لِأَن الله تَعَالَى سَمَّاهُ أَمينا وسمى ذَلِك الْملك روحا فَقَط على أَنه قد روى عَن الشّعبِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَالضَّحَّاك أَن المُرَاد بِالروحِ فِي قَوْله تَعَالَى {يَوْم يقوم الرّوح} هُوَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ من أَيْن علمنَا أَن المُرَاد من الرّوح الْأمين هُوَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام قلت بتفسير الْمُفَسّرين من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتفسيرهم مَحْمُول على السماع لِأَن الْعقل لَا مجَال فِيهِ على أَن من جملَة أَسبَاب الْعلم الْخَبَر الْمُتَوَاتر وَقد تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار من لدن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى يَوْمنَا هَذَا أَن الَّذِي نزل بِالْقُرْآنِ على نَبينَا عَلَيْهِ السَّلَام هُوَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام من غير نَكِير مُنكر وَلَا رد راد حَتَّى عرف بِذكر أهل الْكتاب من الْيَهُود وَالنَّصَارَى. وَرُوِيَ أَن عبد الله بن صوريا من أَحْبَار فدك حَاج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَسَأَلَهُ عَمَّن يهْبط عَلَيْهِ بِالْوَحْي فَقَالَ جِبْرِيل فَقَالَ ذَاك عدونا وَلَو كَانَ غَيره لآمَنَّا بك وَقد عَادَانَا مرَارًا وأشدها أَنه أنزل على نَبينَا أَن بَيت الْمُقَدّس سيخربه بخْتنصر فَبَعَثنَا من يقْتله فَلَقِيَهُ بِبَابِل غُلَاما مِسْكينا فَدفع عَنهُ جِبْرِيل وَقَالَ إِن كَانَ ربكُم أمره بِهَلَاكِكُمْ فَإِنَّهُ لَا يسلطكم عَلَيْهِ وَإِن لم يكن إِيَّاه فعلى أَي حق تَقْتُلُونَهُ فَنزل قَوْله تَعَالَى {قل من كَانَ عدوا لجبريل} الْآيَة وَرُوِيَ أَنه كَانَ لعمر رَضِي الله عَنهُ أَرض بِأَعْلَى الْمَدِينَة وَكَانَ مَمَره على مدارس الْيَهُود فَكَانَ يجلس إِلَيْهِم وَيسمع كَلَامهم فَقَالُوا يَا عمر قد أَحْبَبْنَاك وَإِنَّا لَنَطْمَع فِيك فَقَالَ وَالله لَا أُجِيبكُم لِحُبِّكُمْ وَلَا أَسأَلكُم لِأَنِّي شَاك فِي ديني وَإِنَّمَا أَدخل عَلَيْكُم لِأَزْدَادَ بَصِيرَة فِي أَمر مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأرى إثارة فِي كتابكُمْ ثمَّ سَأَلَهُمْ عَن جِبْرِيل فَقَالُوا ذَلِك عدونا يطلع مُحَمَّدًا على أَسْرَارنَا وَهُوَ صَاحب كل خسف وَعَذَاب وَيُؤَيّد مَا ذكرنَا مَا رُوِيَ مَرْفُوعا إِذا أَرَادَ الله أَن يوحي بِالْأَمر تكلم بِالْوَحْي أخذت السَّمَاء مِنْهُ رَجْفَة أَو قَالَ رعدة شَدِيدَة خوفًا من الله تَعَالَى فَإِذا سمع ذَلِك أهل السَّمَوَات صعقوا وخروا لله سجدا فَيكون أول مَا يرفع رَأسه جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فيكلمه من وحيه بِمَا أَرَادَ ثمَّ يمر جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام على الْمَلَائِكَة كلما مر على سَمَاء سَأَلَهُ ملائكتها مَاذَا قَالَ رَبنَا يَا جِبْرِيل {قَالَ الْحق وَهُوَ الْعلي الْكَبِير} فَيَقُولُونَ كلهم مثل مَا قَالَ جِبْرِيل فينتهي جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام حَيْثُ أمره الله تَعَالَى. التَّاسِع مَا قيل كَيفَ كَانَ سَماع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْملك الْوَحْي من الله تَعَالَى أُجِيب بِأَن الْغَزالِيّ رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ وَسَمَاع النَّبِي وَالْملك عَلَيْهِمَا السَّلَام الْوَحْي من الله تَعَالَى بِغَيْر وَاسِطَة يَسْتَحِيل أَن يكون بِحرف أَو صَوت لَكِن يكون بِخلق الله تَعَالَى للسامع علما ضَرُورِيًّا بِثَلَاثَة أُمُور بالمتكلم وَبِأَن مَا سَمعه كَلَامه وبمراده من كَلَامه وَالْقُدْرَة الأزلية لَا تقصر عَن اضطرار النَّبِي وَالْملك إِلَى الْعلم بذلك وكما أَن كَلَامه تَعَالَى لَيْسَ من جنس كَلَام الْبشر فسماعه الَّذِي يخلقه لعَبْدِهِ لَيْسَ من جنس سَماع الْأَصْوَات وَلذَلِك عسر علينا فهم كَيْفيَّة سَماع مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لكَلَامه تَعَالَى الَّذِي لَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت كَمَا يعسر على الأكمه كَيْفيَّة إِدْرَاك الْبَصَر للألوان أما سَمَاعه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَيحْتَمل أَن يكون بِحرف وَصَوت دَال على معنى كَلَام الله تَعَالَى فالمسموع الْأَصْوَات الْحَادِثَة وَهِي فعل الْملك دون نفس الْكَلَام وَلَا يكون هَذَا سَمَاعا لكَلَام الله تَعَالَى من غير وَاسِطَة وَإِن كَانَ يُطلق عَلَيْهِ أَنه سَماع كَلَام الله تَعَالَى وَسَمَاع الْأمة من الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كسماع الرَّسُول من الْملك وَطَرِيق الْفَهم فِيهِ تَقْدِيم الْمعرفَة بِوَضْع اللُّغَة الَّتِي تقع بهَا المخاطبة وَحكي الْقَرَافِيّ خلافًا للْعُلَمَاء فِي ابْتِدَاء الْوَحْي هَل كَانَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام ينْقل لَهُ ملك عَن الله عز وَجل أَو يخلق لَهُ علم ضَرُورِيّ بِأَن الله تَعَالَى طلب مِنْهُ أَن يَأْتِي مُحَمَّدًا أَو غَيره من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام بِسُورَة كَذَا أَو خلق لَهُ علما ضَرُورِيًّا بِأَن يَأْتِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ فينقل مِنْهُ كَذَا. الْعَاشِر مَا قيل مَا حَقِيقَة تمثل جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَهُ رجلا أُجِيب بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن الله تَعَالَى أفنى الزَّائِد من خلقه ثمَّ أَعَادَهُ عَلَيْهِ وَيحْتَمل أَن يُزِيلهُ عَنهُ ثمَّ يُعِيدهُ إِلَيْهِ بعد التَّبْلِيغ نبه على ذَلِك إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَأما التَّدَاخُل فَلَا يَصح على مَذْهَب أهل الْحق. الْحَادِي عشر مَا قيل إِذا لَقِي جِبْرِيل النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي صُورَة دحْيَة فَأَيْنَ تكون روحه فَإِن كَانَ فِي الْجَسَد الَّذِي لَهُ سِتّمائَة جنَاح فَالَّذِي أَتَى لَا روح جِبْرِيل وَلَا جسده وَإِن كَانَ فِي هَذَا
الجزء 1 · صفحة 46
الَّذِي هُوَ فِي صُورَة دحْيَة فَهَل يَمُوت الْجَسَد الْعَظِيم أم يبْقى خَالِيا من الرّوح المنتقلة عَنهُ إِلَى الْجَسَد الْمُشبه بجسد دحْيَة. أُجِيب بِأَنَّهُ لَا يبعد أَن لَا يكون انتقالها مُوجب مَوته فَيبقى الْجَسَد حَيا لَا ينقص من مُفَارقَته شَيْء وَيكون انْتِقَال روحه إِلَى الْجَسَد الثَّانِي كانتقال أَرْوَاح الشُّهَدَاء إِلَى أَجْوَاف طير خضر وَمَوْت الأجساد بمفارقة الْأَرْوَاح لَيْسَ بِوَاجِب عقلا بل بعادة أجراها الله تَعَالَى فِي بني آدم فَلَا يلْزم فِي غَيرهم. الثَّانِي عشر مَا قيل مَا الْحِكْمَة فِي الشدَّة الْمَذْكُورَة. أُجِيب لِأَن يحسن حفظه أَو يكون لابتلاء صبره أَو للخوف من التَّقْصِير. وَقَالَ الْخطابِيّ هِيَ شدَّة الامتحان ليبلو صبره وَيحسن تأديبه فيرتاض لاحْتِمَال مَا كلف من أعباء النُّبُوَّة أَو ذَلِك لما يستشعره من الْخَوْف لوُقُوع تَقْصِير فِيمَا أَمر بِهِ من حسن ضَبطه أَو اعْتِرَاض خلل دونه وَقد أنزل عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِمَا ترتاع لَهُ النُّفُوس ويعظم بِهِ وَجل الْقُلُوب فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَو تَقول علينا بعض الْأَقَاوِيل لأخذنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثمَّ لقطعنا مِنْهُ الوتين} . الثَّالِث عشر مَا قيل مَا وَجه سُؤال الصَّحَابَة عَنهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَن كَيْفيَّة الْوَحْي أُجِيب بِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ لطلب الطُّمَأْنِينَة فَلَا يقْدَح ذَلِك فيهم وَكَانُوا يسألونه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَن الْأُمُور الَّتِي لَا تدْرك بالحس فيخبرهم بهَا وَلَا يُنكر ذَلِك عَلَيْهِم. (استنباط الْأَحْكَام وَهُوَ على وُجُوه. الأول فِيهِ إِثْبَات الْمَلَائِكَة ردا على من أنكرهم من الْمَلَاحِدَة والفلاسفة. الثَّانِي فِيهِ أَن الصَّحَابَة كَانُوا يسألونه عَن كثير من الْمعَانِي وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَام يجمعهُمْ وَيُعلمهُم وَكَانَت طَائِفَة تسْأَل وَأُخْرَى تحفظ وَتُؤَدِّي وتبلغ حَتَّى أكمل الله تَعَالَى دينه. الثَّالِث فِيهِ دلَالَة على أَن الْملك لَهُ قدرَة على التشكل بِمَا شَاءَ من الصُّور.
3 - (حَدثنَا يحيى بن بكير قَالَ حَدثنَا اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ أَنَّهَا قَالَت أول مَا بدىء بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّالِحَة فِي النّوم فَكَانَ لَا يرى رُؤْيا إِلَّا جَاءَت مثل فلق الصُّبْح ثمَّ حبب إِلَيْهِ الْخَلَاء وَكَانَ يَخْلُو بِغَار حراء فَيَتَحَنَّث فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّد اللَّيَالِي ذوت الْعدَد قبل أَن ينْزع إِلَى أَهله ويتزود لذَلِك ثمَّ يرجع إِلَى خَدِيجَة فيتزود لمثلهَا حَتَّى جَاءَهُ الْحق وَهُوَ فِي غَار حراء فَجَاءَهُ الْملك فَقَالَ اقْرَأ قَالَ مَا أَنا بقاريء قَالَ فأخذني فغطني حَتَّى بلغ مني الْجهد ثمَّ أَرْسلنِي فَقَالَ اقْرَأ قلت مَا أَنا بقارىء فأخذني فغطني الثَّانِيَة حَتَّى بلغ مني الْجهد ثمَّ أَرْسلنِي فَقَالَ اقْرَأ فَقلت مَا أَنا بقارىء فأخذني فغطني الثَّالِثَة ثمَّ أَرْسلنِي فَقَالَ اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الْإِنْسَان من علق اقْرَأ وَرَبك الأكرم فَرجع بهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يرجف فُؤَاده فَدخل على خَدِيجَة بنت خويلد رَضِي الله عَنْهَا فَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فزملوه حَتَّى ذهب عَنهُ الروع فَقَالَ لِخَدِيجَة وأخبرها الْخَبَر لقد خشيت على نَفسِي فَقَالَت خَدِيجَة كلا وَالله مَا يخزيك الله أبدا إِنَّك لتصل الرَّحِم وَتحمل الْكل وتكسب الْمَعْدُوم وتقري الضَّيْف وَتعين على نَوَائِب الْحق فَانْطَلَقت بِهِ خَدِيجَة حَتَّى أَتَت بِهِ ورقة بن نَوْفَل بن أَسد بن عبد الْعُزَّى ابْن عَم خَدِيجَة وَكَانَ امْرأ تنصر فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ يكْتب الْكتاب العبراني فَيكْتب من الْإِنْجِيل بالعبرانية مَا شَاءَ الله أَن يكْتب وَكَانَ شَيخا كَبِيرا قد عمي فَقَالَت لَهُ خَدِيجَة يَا ابْن عَم اسْمَع من ابْن أَخِيك فَقَالَ لَهُ ورقة يَا ابْن أخي مَاذَا ترى فَأخْبرهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خبر مَا رأى فَقَالَ لَهُ ورقة هَذَا الناموس الَّذِي نزل الله على مُوسَى يَا لَيْتَني فِيهَا جذعا لَيْتَني أكون حَيا إِذْ يخْرجك قَوْمك فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
الجزء 1 · صفحة 47
أَو مخرجي هم قَالَ نعم لم يَأْتِ رجل قطّ بِمثل مَا جِئْت بِهِ إِلَّا عودي وَإِن يدركني يَوْمك أنصرك نصرا مؤزرا ثمَّ لم ينشب ورقة أَن توفّي وفتر الْوَحْي قَالَ ابْن شهَاب وَأَخْبرنِي أَبُو سَلمَة ابْن عبد الرَّحْمَن أَن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ قَالَ وَهُوَ يحدث عَن فَتْرَة الْوَحْي فَقَالَ فِي حَدِيثه بَينا أَنا أَمْشِي إِذْ سَمِعت صَوتا من السَّمَاء فَرفعت بَصرِي فَإِذا الْملك الَّذِي جَاءَنِي بحراء جَالس على كرْسِي بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فَرُعِبْت مِنْهُ فَرَجَعت فَقلت زَمِّلُونِي فَأنْزل الله تَعَالَى يَا أَيهَا المدثر قُم فَأَنْذر إِلَى قَوْله وَالرجز فاهجر فحمي الْوَحْي وتتابع تَابعه عبد الله بن يُوسُف وَأَبُو صَالح وَتَابعه هِلَال بن رداد عَن الزُّهْرِيّ وَقَالَ يُونُس وَمعمر بوادره) هَذَا الحَدِيث من مَرَاسِيل الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم فَإِن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا لم تدْرك هَذِه الْقَضِيَّة فَتكون سَمعتهَا من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو من صَحَابِيّ وَقَالَ ابْن الصّلاح وَغَيره مَا رَوَاهُ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا وَغَيره من أَحْدَاث الصَّحَابَة مِمَّا لم يحضروه وَلم يدركوه فَهُوَ فِي حكم الْمَوْصُول الْمسند لِأَن روايتهم عَن الصَّحَابَة وجهالة الصَّحَابِيّ غير قادحة وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَق الإسفرايني لَا يحْتَج بِهِ إِلَّا أَن يَقُول أَنه لَا يرْوى إِلَّا عَن صَحَابِيّ. قَالَ النَّوَوِيّ وَالصَّوَاب الأول وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَالْجُمْهُور. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ الظَّاهِر أَنَّهَا سَمِعت من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لقولها قَالَ فأخذني فغطني فَيكون قَوْلهَا أول مَا بدىء بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِكَايَة مَا تلفظ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَقَوْلِه تَعَالَى {قل للَّذين كفرُوا ستغلبون} بِالتَّاءِ وَالْيَاء قلت لم لَا يجوز أَن يكون هَذَا بطرِيق الْحِكَايَة عَن غَيره عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَلَا يكون سماعهَا مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وعَلى كل تَقْدِير فَالْحَدِيث فِي حكم الْمُتَّصِل الْمسند. (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة الأول أَبُو زَكَرِيَّا يحيى بن عبد الله بن بكير بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة الْقرشِي المَخْزُومِي الْمصْرِيّ نسبه البُخَارِيّ إِلَى جده يدلسه ولد سنة أَربع وَقيل خمس وَخمسين وَمِائَة وَتُوفِّي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ من كبار حفاظ المصريين وَأثبت النَّاس فِي اللَّيْث بن سعد روى البُخَارِيّ عَنهُ فِي مَوَاضِع وروى عَن مُحَمَّد بن عبد الله هُوَ الذهلي عَنهُ فِي مَوَاضِع قَالَه أَبُو نصر الكلاباذي وَقَالَ الْمَقْدِسِي تَارَة يَقُول حَدثنَا مُحَمَّد وَلَا يزِيد عَلَيْهِ وَتارَة مُحَمَّد بن عبد الله وَإِنَّمَا هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن خَالِد بن فَارس بن ذُؤَيْب الذهلي وَتارَة ينْسبهُ إِلَى جده فَيَقُول مُحَمَّد بن عبد الله وَتارَة مُحَمَّد بن خَالِد بن فَارس وَلم يقل فِي مَوضِع حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى وروى مُسلم حَدثنَا عَن أبي زرْعَة عَن يحيى وروى ابْن ماجة عَن رجل عَنهُ قَالَ أَبُو حَاتِم كَانَ يفهم هَذَا الشَّأْن وَلَا يحْتَج بِهِ يكْتب حَدِيثه وَقَالَ النَّسَائِيّ لَيْسَ بِثِقَة وَوَثَّقَهُ غَيرهمَا وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ عِنْدِي مَا بِهِ بَأْس وَأخرج لَهُ مُسلم عَن اللَّيْث وَعَن يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن وَلم يخرج لَهُ عَن مَالك شَيْئا وَلَعَلَّه وَالله أعلم لقَوْل الْبَاجِيّ وَقد تكلم أهل الحَدِيث فِي سَمَاعه الْمُوَطَّأ عَن مَالك مَعَ أَن جمَاعَة قَالُوا هُوَ أحد من روى الْمُوَطَّأ عَن مَالك. الثَّانِي اللَّيْث بن سعد بن عبد الرَّحْمَن أَبُو الْحَارِث الفهمي مَوْلَاهُم الْمصْرِيّ عَالم أهل مصر من تَابِعِيّ التَّابِعين مولى عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن مُسَافر الفهمي وَقيل مولى خَالِد بن ثَابت وَفهم من قيس غيلَان ولد بقلقشندة على نَحْو أَربع فراسخ من الْقَاهِرَة سنة ثَلَاث أَو أَربع وَتِسْعين وَمَات فِي شعْبَان سنة خمس وَسبعين وَمِائَة وقبره فِي قرافة مصر يزار وَكَانَ إِمَامًا كَبِيرا مجمعا على جلالته وثقته وَكَرمه وَكَانَ على مَذْهَب الإِمَام أبي حنيفَة قَالَه القَاضِي ابْن خلكان وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة من اسْمه اللَّيْث بن سعد سواهُ نعم فِي الروَاة ثَلَاثَة غَيره أحدهم مصري وكنيته أَبُو الْحَرْث أَيْضا وَهُوَ ابْن أخي سعيد بن الحكم. وَالثَّانِي يرْوى عَن ابْن وهب ذكرهمَا ابْن يُونُس فِي تَارِيخ مصر. وَالثَّالِث تنيسي حدث عَن بكر بن سهل الثَّالِث أَبُو خَالِد عقيل بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْقَاف ابْن خَالِد بن عقيل بِفَتْح الْعين الأيلى بِالْمُثَنَّاةِ تَحت الْقرشِي الْأمَوِي مولى عُثْمَان بن عَفَّان الْحَافِظ مَاتَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة وَقيل سنة أَربع بِمصْر فَجْأَة وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة من اسْمه عقيل بِضَم الْعين غَيره الرَّابِع هُوَ الإِمَام أَبُو بكر مُحَمَّد بن مُسلم بن عبيد الله بن شهَاب بن عبد الله بن الْحَرْث
الجزء 1 · صفحة 48
ابْن زهرَة بن كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي الزُّهْرِيّ الْمدنِي سكن الشَّام وَهُوَ تَابِعِيّ صَغِير سمع أنسا وَرَبِيعَة بن عباد وخلقا من الصَّحَابَة وَرَأى ابْن عمر وروى عَنهُ وَيُقَال سمع مِنْهُ حديثين وَعنهُ جماعات من كبار التَّابِعين مِنْهُم عَطاء وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَمن صغارهم وَمن الأتباع أَيْضا مَاتَ بِالشَّام وَأوصى بِأَن يدْفن على الطَّرِيق بقرية يُقَال لَهَا شغب وبدا فِي رَمَضَان سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَة وَهُوَ ابْن اثْنَيْنِ وَسبعين سنة قلت شغب بِفَتْح الشين وَسُكُون الْغَيْن المعجمتين وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة وبدا بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة الْخَامِس عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام السَّادِس عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ وَقد مر ذكرهمَا (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَن هَذَا الْإِسْنَاد على شَرط السِّتَّة إِلَّا يحيى فعلى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم وَمِنْهَا أَن رِجَاله مَا بَين مصري ومدني وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ وهما الزُّهْرِيّ وَعُرْوَة (بَيَان تعدد الحَدِيث وَمن أخرجه غَيره) هَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير وَالتَّعْبِير عَن عبد الله بن مُحَمَّد عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر وَفِي التَّفْسِير عَن سعيد بن مَرْوَان عَن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن أبي رزمة عَن أبي صَالح سلمويه عَن ابْن الْمُبَارك عَن يُونُس وَفِي الْإِيمَان عَن أبي رَافع عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن عبد الْملك عَن أَبِيه عَن جده عَن عقيل وَعَن أبي الطَّاهِر عَن أبي وهب عَن يُونُس كلهم عَن الزُّهْرِيّ وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير (بَيَان اللُّغَات) قَوْله أول مَا بدىء بِهِ قد ذكر بَعضهم أول الشَّيْء فِي بَاب أول وَبَعْضهمْ فِي بَاب وأل وَذكره الصغاني فِي هَذَا الْبَاب وَقَالَ الأول نقيض الآخر وَأَصله أوأل على وزن أفعل مَهْمُوز الْوسط قلبت الْهمزَة واوا وأدغمت الْوَاو فِي الْوَاو وَيدل على هَذَا قَوْلهم هَذَا أول مِنْك وَالْجمع الْأَوَائِل والأوالىء على الْقلب وَقَالَ قوم أَصله وول على وزن فوعل فقلبت الْوَاو الأولى همزَة وَإِنَّمَا لم يجمع على أواول لاستثقالهم اجْتِمَاع واوين بَينهمَا ألف الْجمع وَهُوَ إِذا جعلته صفة لم تصرفه تَقول لَقيته عَاما أول وَإِذا لم تَجْعَلهُ صفة صرفته تَقول لَقيته عَاما أَولا قَالَ ابْن السّكيت وَلَا تقل عَام الأول وَقَالَ أَبُو زيد يُقَال لَقيته عَام الأول وَيَوْم الأول بجر آخِره وَهُوَ كَقَوْلِك أتيت مَسْجِد الْجَامِع وَقَالَ الْأَزْهَرِي هَذَا من بَاب إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَعته قَوْله بدىء بِهِ من بدأت بالشَّيْء بَدَأَ ابتدأت بِهِ وبدأت الشَّيْء فعلته ابْتِدَاء وَبَدَأَ الله الْخلق وأبدأهم بِمَعْنى قَوْله من الْوَحْي قد مر تَفْسِير الْوَحْي مُسْتَوْفِي قَوْله الرُّؤْيَا على وزن فعلى كحبلى يُقَال رأى رُؤْيا بِلَا تَنْوِين وَجَمعهَا روى بِالتَّنْوِينِ على وزن دعى قَوْله فلق الصُّبْح بِفَتْح الْفَاء وَاللَّام وَهُوَ ضِيَاء الصُّبْح وَكَذَلِكَ فرق الصُّبْح بِفَتْح الْفَاء وَالرَّاء وَإِنَّمَا يُقَال هَذَا فِي الشَّيْء الْبَين الْوَاضِح وَيُقَال الْفرق أبين من فلق الصُّبْح قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فالق الإصباح} ضوء الشَّمْس وضوء الْقَمَر بِاللَّيْلِ حَكَاهُ البُخَارِيّ فِي كتاب التَّعْبِير وَيُقَال الفلق مصدر كالانفلاق وَفِي الْمطَالع قَالَ الْخَلِيل الفلق الصُّبْح قلت فعلى هَذَا تكون الْإِضَافَة فِيهِ للتخصيص وَالْبَيَان وَيُقَال الفلق الصُّبْح لكنه لما كَانَ مُسْتَعْملا فِي هَذَا الْمَعْنى وَفِي غَيره أضيف إِلَيْهِ إِضَافَة الْعَام إِلَى الْخَاص كَقَوْلِهِم عين الشَّيْء وَنَفسه. وَفِي الْعباب يُقَال هُوَ أبين من فلق الصُّبْح وَمن فرق الصُّبْح وَمِنْه حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أول مَا بدىء بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرُّؤْيَا الصَّالِحَة وَكَانَ لَا يرى رُؤْيا إِلَّا جَاءَت مثل فلق الصُّبْح أَي مبينَة مثل مجىء الصُّبْح قَالَ الْكرْمَانِي وَالصَّحِيح أَنه بِمَعْنى المفلوق وَهُوَ اسْم للصبح فأضيف أَحدهمَا إِلَى الآخر لاخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ وَقد جَاءَ الفلق مُنْفَردا عَن الصُّبْح قَالَ تَعَالَى {قل أعوذ بِرَبّ الفلق} قلت تنصيصه على الصَّحِيح غير صَحِيح بل الصَّحِيح أَنه إِمَّا اسْم للصبح وجوزت الْإِضَافَة فِيهِ لاخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ وَإِمَّا مصدر بِمَعْنى الانفلاق وَهُوَ الانشقاق من فلقت الشَّيْء أفلقه بِالْكَسْرِ فلقا إِذا شققته وَأما الفلق فِي الْآيَة فقد اخْتلف الْأَقْوَال فِيهِ. قَوْله الْخَلَاء بِالْمدِّ وَهُوَ الْخلْوَة يُقَال خلا الشَّيْء يَخْلُو خلوا وخلوت بِهِ خلْوَة وخلاء وَالْمُنَاسِب هَهُنَا أَن يُفَسر الْخَلَاء بِمَعْنى الاختلاء أَو بالخلاء الَّذِي هُوَ الْمَكَان الَّذِي لَا شَيْء بِهِ على مَا لَا يخفى على من لَهُ ذوق من الْمعَانِي الدقيقة. قَوْله بِغَار حراء الْغَار بالغين الْمُعْجَمَة فسره جَمِيع شرَّاح البُخَارِيّ بِأَنَّهُ النقب فِي الْجَبَل وَهُوَ قريب من معنى الْكَهْف قلت الْغَار هُوَ الْكَهْف وَفِي الْعباب الْغَار كالكهف فِي الْجَبَل وَيجمع على غيران ويصغر على غوير فتصغيره يدل على أَنه واوي فَلذَلِك ذكره فِي الْعباب فِي فصل غور وحراء بِكَسْر الْحَاء وَتَخْفِيف الرَّاء بِالْمدِّ وَهُوَ مَصْرُوف على الصَّحِيح وَمِنْهُم من منع صرفه وَيذكر على الصَّحِيح أَيْضا وَمِنْهُم من أنثه وَمِنْهُم من قصره أَيْضا فَهَذِهِ سِتّ لُغَات قَالَ القَاضِي
الجزء 1 · صفحة 49
عِيَاض يمد وَيقصر وَيذكر وَيُؤَنث وَيصرف وَلَا يصرف والتذكير أَكثر فَمن ذكره صرفه وَمن أنثه لم يصرفهُ يَعْنِي على إِرَادَة الْبقْعَة أَو الْجِهَة الَّتِي فِيهَا الْجَبَل وَضَبطه الْأصيلِيّ بِفَتْح الْحَاء وَالْقصر وَهُوَ غَرِيب وَقَالَ الْخطابِيّ الْعَوام يخطؤن فِي حراء فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع يفتحون الْحَاء وَهِي مَكْسُورَة ويكسرون الرَّاء وَهِي مَفْتُوحَة ويقصرون الْألف وَهِي ممدودة وَقَالَ التَّيْمِيّ الْعَامَّة لحنت فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع فتح الْحَاء وَقصر الْألف وَترك صرفه وَهُوَ مَصْرُوف فِي الِاخْتِيَار لِأَنَّهُ اسْم جبل وَقَالَ الْكرْمَانِي إِذا جَمعنَا بَين كلاميهما يلْزم اللّحن فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَهُوَ من الغرائب إِذْ بِعَدَد كل حرف لحن. وَلقَائِل أَن يَقُول كسر الرَّاء لَيْسَ بلحن لِأَنَّهُ بطرِيق الإمالة وَهُوَ جبل بَينه وَبَين مَكَّة نَحْو ثَلَاثَة أَمْيَال عَن يسارك إِذا سرت إِلَى منى لَهُ قلَّة مشرفة إِلَى الْكَعْبَة منحنية وَذكر الْكَلْبِيّ أَن حراء وثبير سميا باسمي ابْني عَم عَاد الأولى. قلت ثبير بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا الْيَاء آخر الْحُرُوف وَهُوَ جبل يرى من منى والمزدلفة قَوْله فَيَتَحَنَّث بِالْحَاء الْمُهْملَة ثمَّ النُّون ثمَّ الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَقد فسره فِي الحَدِيث بِأَنَّهُ التَّعَبُّد وَقَالَ الصغاني التحنث إِلْقَاء الْحِنْث يُقَال تَحنث أَي تنحى عَن الْحِنْث وتأثم أَي تنحى عَن الْإِثْم وتحرج أَي تنحى عَن الْحَرج وتحنث اعتزل الْأَصْنَام مثل تحنف. وَفِي الْمطَالع يَتَحَنَّث مَعْنَاهُ يطْرَح الْإِثْم عَن نَفسه بِفعل مَا يُخرجهُ عَنهُ من الْبر وَمِنْه قَول حَكِيم أَشْيَاء كنت أتحنث وَفِي رِوَايَة كنت أتبرر بهَا أَي أطلب الْبر بهَا وأطرح الْإِثْم وَقَول عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وَلَا أتحنث إِلَى نذري أَي أكتسب الْحِنْث وَهُوَ الذَّنب وَهَذَا عكس مَا تقدم. وَقَالَ الْخطابِيّ وَنَظِيره فِي الْكَلَام التحوب والتأثم أَي ألْقى الْحُوب وَالْإِثْم عَن نَفسه قَالُوا وَلَيْسَ فِي كَلَامهم تفعل فِي هَذَا الْمَعْنى غير هَذِه وَقَالَ الْكرْمَانِي هَذِه شَهَادَة نفي كَيفَ وَقد ثَبت فِي الْكتب الصرفية أَن بَاب تفعل يَجِيء للتجنب كثيرا نَحْو تحرج وتخون أَي اجْتنب الْحَرج والخيانة وَغير ذَلِك. قلت جَاءَت مِنْهُ أَلْفَاظ نَحْو تَحنث وتأثم وتحرج وتحوب وتهجد وتنجس وتقذر وتحنف وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ فلَان يتهجد إِذا كَانَ يخرج من الهجود وتنجس إِذا فعل فعلا يخرج بِهِ عَن النَّجَاسَة وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي الْمُنْتَهى تَحنث تعبد مثل تحنف وَفُلَان يَتَحَنَّث من كَذَا بِمَعْنى يتأثم فِيهِ وَهُوَ أحد مَا جَاءَ تفعل إِذا تجنب وَألقى عَن نَفسه. وَقَالَ السُّهيْلي التحنث التبرر تفعل من الْبر وَتفعل يَقْتَضِي الدُّخُول فِي الشَّيْء وَهُوَ الْأَكْثَر فِيهَا مثل تفقه وَتعبد وتنسك وَقد جَاءَت أَلْفَاظ يسيرَة تُعْطِي الْخُرُوج عَن الشَّيْء وإطراحه كالتأثم والتحرج والتحنث بالثاء الْمُثَلَّثَة لِأَنَّهُ من الْحِنْث والحنث الْحمل الثقيل وَكَذَلِكَ التقذر إِنَّمَا هُوَ تبَاعد عَن القذر وَأما التحنف بِالْفَاءِ فَهُوَ من بَاب التَّعَبُّد وَقَالَ الْمَازرِيّ يَتَحَنَّث يفعل فعلا يخرج بِهِ من الْحِنْث والحنث الذَّنب وَقَالَ التَّيْمِيّ هَذَا من المشكلات وَلَا يَهْتَدِي لَهُ سوى الحذاق وَسُئِلَ ابْن الْأَعرَابِي عَن قَوْله يَتَحَنَّث فَقَالَ لَا أعرفهُ وَسَأَلت أَبَا عَمْرو الشَّيْبَانِيّ فَقَالَ لَا أعرف يَتَحَنَّث إِنَّمَا هُوَ يتحنف من الحنيفية دين إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام قلت قد وَقع فِي سيرة ابْن هِشَام يتحنف بِالْفَاءِ قَوْله قبل أَن ينْزع إِلَى أَهله بِكَسْر الزَّاي أَي قبل أَن يرجع وَقد رَوَاهُ مُسلم كَذَلِك يُقَال نزع إِلَى أَهله إِذا حن إِلَيْهِم فَرجع إِلَيْهِم يُقَال هَل نزعك غَيره أَي هَل جَاءَ بك وجذبك إِلَى السّفر غَيره أَي غير الْحَج وناقة نَازع إِذا حنت إِلَى أوطانها ومرعاها وَهُوَ من نزع ينْزع بِالْفَتْح فِي الْمَاضِي وَالْكَسْر فِي الْمُسْتَقْبل وَقَالَ صَاحب الْأَفْعَال وَالْأَصْل فِي فعل يفعل إِذا كَانَ صَحِيحا وَكَانَت عينه أَو لامه حرف حلق أَن يكون مضارعه مَفْتُوحًا إِلَّا أفعالا يسيرَة جَاءَت بِالْفَتْح وَالضَّم مثل جنح يجنح ودبغ يدبغ وَإِلَّا مَا جَاءَ من قَوْلهم نزع ينْزع بِالْفَتْح وَالْكَسْر وهنأ يهنىء وَقَالَ غَيره هنأني الطَّعَام يهنأني ويهنأني بِالْفَتْح وَالْكَسْر قلت قَاعِدَة عِنْد الصرفيين أَن كل مَادَّة تكون من فعل يفعل بِالْفَتْح فيهمَا يلْزم أَن يكون فِيهَا حرف من حُرُوف الْحلق وكل مَادَّة من الْمَاضِي والمضارع فيهمَا حرف من حُرُوف الْحلق لَا يلْزم أَن يكون من بَاب فعل يفعل بِالْفَتْح فيهمَا فَافْهَم. والأهل فِي اللُّغَة الْعِيَال وَفِي الْعباب آل الرجل أَهله وَعِيَاله وَآله أَيْضا أَتْبَاعه وَقَالَ أنس رَضِي الله عَنهُ سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من آل مُحَمَّد قَالَ كل تَقِيّ وَالْفرق بَين الْآل والأهل أَن الْآل يسْتَعْمل فِي الْأَشْرَاف بِخِلَاف الْأَهْل فَإِنَّهُ أَعم وَأما قَوْله تَعَالَى {كدأب آل فِرْعَوْن} فلتصوره بِصُورَة الْأَشْرَاف وَقَالَ ابْن عَرَفَة أَرَادَ من آل فِرْعَوْن من آل إِلَيْهِ بدين أَو مَذْهَب أَو نسب وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب} قَوْله ويتزود من التزود وَهُوَ اتِّخَاذ الزَّاد والزاد هُوَ الطَّعَام الَّذِي يستصحبه الْمُسَافِر يُقَال زودته فتزود قَوْله فغطني بالغين الْمُعْجَمَة والطاء الْمُهْملَة أَي
الجزء 1 · صفحة 50
ضغطني وعصرني يُقَال غطني وغشيني وضغطني وعصرني وغمزني وخنقني كُله بِمَعْنى قَالَ الْخطابِيّ وَمِنْه الغط فِي المَاء وغطيط النَّائِم ترديد النَّفس إِذا لم يجد مساغا عِنْد انضمام الشفتين والغت حبس النَّفس مرّة وإمساك الْيَد أَو الثَّوْب على الْفَم وَالْأنف والغط الخنق وتغييب الرَّأْس فِي المَاء قَالَ الْخطابِيّ والغط فِي الحَدِيث الخنق قَوْله الْجهد بِضَم الْجِيم وَفتحهَا وَمَعْنَاهُ الْغَايَة وَالْمَشَقَّة وَفِي الْمُحكم الْجهد والجهد الطَّاقَة وَقيل الْجهد الْمَشَقَّة والجهد الطَّاقَة وَفِي الموعب الْجهد مَا جهد الْإِنْسَان من مرض أَو من مشاق والجهد بلوغك غَايَة الْأَمر الَّذِي لَا تألو عَن الْجهد فِيهِ وجهدته بلغت مشقته وأجهدته على أَن يفعل كَذَا وَقَالَ ابْن دُرَيْد جهدته حَملته على أَن يبلغ مجهوده وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي جهد فِي الْعَمَل وأجهد وَقَالَ أَبُو عَمْرو أجهد فِي حَاجَتي وَجهد وَقَالَ الْأَصْمَعِي جهدت لَك نَفسِي وأجهدت نَفسِي قَوْله ثمَّ أَرْسلنِي أَي أطلقني من الْإِرْسَال قَوْله علق بتحريك اللَّام وَهُوَ الدَّم الغليظ والقطعة مِنْهُ علقَة قَوْله يرجف فُؤَاده أَي يخْفق ويضطرب والرجفان شدَّة الْحَرَكَة وَالِاضْطِرَاب وَفِي الْمُحكم رجف الشَّيْء يرجف رجفا ورجوفا ورجفانا ورجيفا وأرجف خَفق واضطرب اضطرابا شَدِيدا والفؤاد هُوَ الْقلب وَقيل أَنه عين الْقلب وَقيل بَاطِن الْقلب وَقيل غشاء الْقلب وَسمي الْقلب قلبا لتقلبه وَقَالَ اللَّيْث الْقلب مُضْغَة من الْفُؤَاد معلقَة بالنياط وَسمي قلبا لتقلبه قَوْله زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي هَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَات بالتكرار وَهُوَ من التزميل وَهُوَ التلفيف والتزمل الاشتمال والتلفف وَمِنْه التدثر وَيُقَال لكل مَا يلقى على الثَّوْب الَّذِي يَلِي الْجَسَد دثار وأصل المزمل والمدثر المتزمل والمتدثر أدغمت التَّاء فِيمَا بعْدهَا قَوْله الروع بِفَتْح الرَّاء وَهُوَ الْفَزع وَفِي الْمُحكم الروع والرواع والتروع الْفَزع وَقَالَ الْهَرَوِيّ هُوَ بِالضَّمِّ مَوضِع الْفَزع من الْقلب قَوْله كلا مَعْنَاهُ النَّفْي والردع عَن ذَلِك الْكَلَام وَالْمرَاد هَهُنَا التَّنْزِيه عَنهُ وَهُوَ أحد مَعَانِيهَا وَقد يكون بِمَعْنى حَقًا أَو بِمَعْنى إِلَّا الَّتِي للتّنْبِيه يستفتح بهَا الْكَلَام وَقد جَاءَت فِي الْقُرْآن على أَقسَام جمعهَا ابْن الْأَنْبَارِي فِي بَاب من كتاب الْوَقْف والابتداء لَهُ وَهِي مركبة عِنْد ثَعْلَب من كَاف التَّشْبِيه وَلَا النافية قَالَ وَإِنَّمَا شددت لامها لتقوية الْمَعْنى ولدفع توهم بَقَاء معنى الْكَلِمَتَيْنِ وَعند غَيره هِيَ بسيطة وَعند سِيبَوَيْهٍ والخليل والمبرد والزجاج وَأكْثر الْبَصرِيين حرف مَعْنَاهُ الردع والزجر لَا معنى لَهَا عِنْدهم إِلَّا ذَلِك حَتَّى يجيزون أبدا الْوَقْف عَلَيْهَا والابتداء بِمَا بعْدهَا وَحَتَّى قَالَ جمَاعَة مِنْهُم مَتى سَمِعت كلا فِي سُورَة فاحكم بِأَنَّهَا مَكِّيَّة لِأَن فِيهَا معنى التهديد والوعيد وَأكْثر مَا نزل ذَلِك بِمَكَّة لِأَن أَكثر العتو كَانَ بهَا قَالُوا وَقد تكون حرف جَوَاب بِمَنْزِلَة أَي وَنعم وحملوا عَلَيْهِ {كلا وَالْقَمَر} فَقَالُوا مَعْنَاهُ أَي وَالْقَمَر قَوْله مَا يخزيك الله بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالخاء الْمُعْجَمَة من الخزي وَهُوَ الفضيحة والهوان وأصل الخزي على مَا ذكره ابْن سَيّده الْوُقُوع فِي بلية وشهوة بذلة وأخزى الله فلَانا أبعده قَالَه فِي الْجَامِع وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق معمر عَن الزُّهْرِيّ يحزنك بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالنون من الْحزن وَيجوز على هَذَا فتح الْيَاء وَضمّهَا يُقَال حزنه وأحزنه لُغَتَانِ فصيحتان قرىء بهما فِي السَّبع وَقَالَ اليزيدي أحزنه لُغَة تَمِيم وحزنه لُغَة قُرَيْش قَالَ تَعَالَى {لَا يحزنهم الْفَزع الْأَكْبَر} من حزن وَقَالَ {ليحزنني أَن تذْهبُوا بِهِ} من أَحْزَن على قِرَاءَة من قَرَأَ بِضَم الْيَاء والحزن خلاف السرُور يُقَال حزن بِالْكَسْرِ يحزن حزنا إِذا اغتم وحزنه غَيره وأحزنه مثل شكله وأشكله وَحكى عَن أبي عَمْرو أَنه قَالَ إِذا جَاءَ الْحزن فِي مَوضِع نصب فتحت الْحَاء وَإِذا جَاءَ فِي مَوضِع رفع وجر ضممت وقرىء {وابيضت عَيناهُ من الْحزن} وَقَالَ {تفيض من الدمع حزنا} قَالَ الْخطابِيّ وَأكْثر النَّاس لَا يفرقون بَين الْهم والحزن وهما على اخْتِلَافهمَا يتقاربان فِي الْمَعْنى إِلَّا أَن الْحزن إِنَّمَا يكون على أَمر قد وَقع والهم إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يتَوَقَّع وَلَا يكون بعد قَوْله لتصل الرَّحِم قَالَ الْقَزاز وصل رَحمَه صلَة وَأَصله وصلَة فحذفت الْوَاو كَمَا قَالُوا زنة من وزن وأصل صل هُوَ أَمر من وصل أوصل حذفت الْوَاو تبعا لفعله فاستغنى عَن الْهمزَة فحذفت فَصَارَ صل على وزن عل وَمعنى لتصل الرَّحِم تحسن إِلَى قراباتك على حسب حَال الْوَاصِل والموصول إِلَيْهِ فَتَارَة تكون بِالْمَالِ وَتارَة تكون بِالْخدمَةِ وَتارَة بالزيارة وَالسَّلَام وَغير ذَلِك وَالرحم الْقَرَابَة وَكَذَلِكَ الرَّحِم بِكَسْر الرَّاء قَوْله وَتحمل الْكل بِفَتْح الْكَاف وَتَشْديد اللَّام وَأَصله الثّقل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وَهُوَ كل على مَوْلَاهُ} وَأَصله من الكلال وَهُوَ الإعياء أَي ترفع الثّقل أَرَادَ تعين الضَّعِيف الْمُنْقَطع وَيدخل فِي حمل الْكل الْإِنْفَاق
(وَجِبْرِيل يَأْتِيهِ وميكال مَعَهُمَا ... من الله وَحي يشْرَح الصَّدْر منزل)
(الثَّالِثَة) أَنه قد عرفت أَن خَدِيجَة هِيَ الَّتِي انْطَلَقت بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى ورقة وَقد جَاءَ فِي السِّيرَة من حَدِيث عَمْرو بن شُرَحْبِيل أَن الصّديق رَضِي الله عَنهُ دخل على خَدِيجَة وَلَيْسَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْدهَا ثمَّ ذكرت خَدِيجَة لَهُ مَا رَآهُ فَقَالَت يَا عَتيق اذْهَبْ مَعَ مُحَمَّد إِلَى ورقة فَلَمَّا دخل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَخذ أَبُو بكر بِيَدِهِ فَقَالَ انْطلق بِنَا إِلَى ورقة فَقَالَ وَمن أخْبرك فَقَالَ خَدِيجَة فَانْطَلقَا إِلَيْهِ فقصا عَلَيْهِ فَقَالَ إِذا خلوت وحدي سَمِعت نِدَاء خَلْفي يَا مُحَمَّد يَا مُحَمَّد فأنطلق هَارِبا فِي الأَرْض فَقَالَ لَهُ لَا تفعل إِذْ أَتَاك فَاثْبتْ حَتَّى تسمع مَا يَقُول ثمَّ ائْتِنِي فَأَخْبرنِي فَلَمَّا خلا ناداه يَا مُحَمَّد قل {بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين} حَتَّى بلغ {وَلَا الضَّالّين} قل لَا إِلَه إِلَّا الله فَأتى ورقة فَذكر ذَلِك لَهُ فَقَالَ لَهُ ورقة أبشر ثمَّ أبشر فَأَنا أشهد بأنك الَّذِي بشر بِهِ عِيسَى ابْن مَرْيَم وَإنَّك على مثل ناموس مُوسَى وَإنَّك نَبِي مُرْسل وَإنَّك ستؤمر بِالْجِهَادِ بعد يَوْمك هَذَا وَلَئِن أدركني ذَاك لأجاهدن مَعَك فَلَمَّا توفّي ورقة قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لقد رَأَيْت القس فِي الْجنَّة وَعَلِيهِ ثِيَاب الْحَرِير لِأَنَّهُ آمن بِي وصدقني يَعْنِي ورقة وَفِي سير سُلَيْمَان بن طرحان التَّيْمِيّ أَنَّهَا ركبت إِلَى بحيرا بِالشَّام فَسَأَلته عَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ لَهَا قدوس يَا سيدة قُرَيْش أَنى لَك بِهَذَا الِاسْم فَقَالَت بعلي وَابْن عمي أَخْبرنِي أَنه يَأْتِيهِ فَقَالَ مَا علم بِهِ إِلَّا نَبِي فَإِنَّهُ السفير بَين الله وَبَين أنبيائه وَأَن الشَّيْطَان لَا يجترىء أَن يتَمَثَّل بِهِ وَلَا أَن يتسمى باسمه. وَفِي الْأَوَائِل لأبي هِلَال من حَدِيث سُوَيْد بن سعيد حَدثنَا الْوَلِيد بن مُحَمَّد عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة أَن خَدِيجَة رَضِي الله عَنْهَا خرجت إِلَى الراهب ورقة وعداس فَقَالَ ورقة أخْشَى أَن يكون أحد شبه بِجِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَرَجَعت وَقد نزل {ن والقلم وَمَا يسطرون} فَلَمَّا قَرَأَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا على ورقة قَالَ أشهد أَن هَذَا كَلَام الله تَعَالَى. فَإِن قلت مَا التَّوْفِيق بَين هَذِه الْأَخْبَار قلت بِأَن تكون خَدِيجَة قد ذهبت بِهِ مرّة وأرسلته مَعَ الصّديق أُخْرَى وسافرت إِلَى بحيرا أَو غَيره مرّة أُخْرَى وَهَذَا من شدَّة اعتنائها بِسَيِّد الْمُرْسلين صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (قَالَ ابْن شهَاب وَأَخْبرنِي أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن أَن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ وَهُوَ يحدث عَن فَتْرَة الْوَحْي فَقَالَ فِي حَدِيثه بَينا أَنا أَمْشِي إِذْ سَمِعت صَوتا من السَّمَاء فَرفعت بَصرِي فَإِذا الْملك الَّذِي جَاءَنِي بحراء جَالس على كرْسِي بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فَرُعِبْت مِنْهُ فَرَجَعت فَقلت زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَأنْزل الله تَعَالَى {يَا أَيهَا المدثر قُم فَأَنْذر وَرَبك فَكبر وثيابك فطهر وَالرجز فاهجر} فحمى الْوَحْي وتتابع)
الجزء 1 · صفحة 65
ابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَقد مر. وَأَبُو سَلمَة بِفتْحَتَيْنِ اسْمه عبد الله أَو إِسْمَعِيل أَو اسْمه كنيته ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ الْقرشِي الزُّهْرِيّ الْمدنِي التَّابِعِيّ الإِمَام الْجَلِيل الْمُتَّفق على إِمَامَته وجلالته وثقته وَهُوَ أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة على أحد الْأَقْوَال سمع جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَعنهُ خلائق من التَّابِعين مِنْهُم الشّعبِيّ فَمن بعدهمْ وَتزَوج أَبوهُ تماضر بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْمُعْجَمَة بنت الْأصْبع بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْمُهْملَة وَفِي آخِره عين غير مُعْجمَة وَهِي الْكَلْبِيَّة من أهل دومة الجندل وَلم تَلد لعبد الرَّحْمَن غير أبي سَلمَة توفّي بِالْمَدِينَةِ سنة أَربع وَتِسْعين وَهُوَ ابْن اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة فِي خلَافَة الْوَلِيد وَجَابِر بن عبد الله بن عَمْرو بن حرَام بِالْمُهْمَلَةِ وَالرَّاء ابْن عَمْرو بن سَواد بتَخْفِيف الْوَاو ابْن سَلمَة بِكَسْر اللَّام ابْن سعد بن عَليّ بن أَسد بن ساردة ابْن تُرِيدُ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق ابْن جشم بِضَم الْجِيم وَفتح الشين الْمُعْجَمَة ابْن الْخَزْرَج الْأنْصَارِيّ السّلمِيّ بِفَتْح السِّين وَاللَّام وَحكي فِي لُغَة كسرهَا الْمدنِي أَبُو عبد الله أَو عبد الرَّحْمَن أَو أَبُو مُحَمَّد أحد السِّتَّة المكثرين رُوِيَ لَهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ألف حَدِيث وَخَمْسمِائة حَدِيث وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا أخرجَا لَهُ مِائَتي حَدِيث وَعشرَة أَحَادِيث اتفقَا مِنْهَا على ثَمَانِيَة وَخمسين وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِسِتَّة وَعشْرين وَمُسلم بِمِائَة وَسِتَّة وَعشْرين وَأمه نسيبة بنت عقبَة بن عدي مَاتَ بعد أَن عمي سنة ثَمَان أَو ثَلَاث أَو أَربع أَو تسع وَسبعين وَقيل سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَكَانَ عمره أَرْبعا وَتِسْعين سنة وَصلى عَلَيْهِ أبان بن عُثْمَان وَالِي الْمَدِينَة وَهُوَ آخر الصَّحَابَة موتا بِالْمَدِينَةِ وَجَابِر بن عبد الله فِي الصَّحَابَة ثَلَاثَة. جَابر بن عبد الله هَذَا. وَجَابِر بن عبد الله بن ربَاب بن النُّعْمَان بن سِنَان. وَجَابِر بن عبد الله الرَّاسِبِي نزيل الْبَصْرَة وَأما جَابر فِي الصَّحَابَة فَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ نَفرا وَجَابِر بن عبد الله فِي غير الصَّحَابَة خَمْسَة الأول سلمي يروي عَن أَبِيه عَن كَعْب الْأَحْبَار. الثَّانِي محاربي عَنهُ الْأَوْزَاعِيّ. الثَّالِث غطفاني يروي عَن عبد الله بن الْحسن الْعلوِي. الرَّابِع مصري عَنهُ يُونُس بن عبد الْأَعْلَى. الْخَامِس يروي عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَكَانَ كذابا وَجَابِر يشْتَبه بجاثر بالثاء الْمُثَلَّثَة مَوضِع الْبَاء الْمُوَحدَة وبخاتر بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ثمَّ ألف ثمَّ تَاء مثناة من فَوق ثمَّ رَاء فَالْأول أَبُو الْقَبِيلَة الَّتِي بعث الله مِنْهَا صَالحا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَهُوَ ثَمُود بن جاثر بن أرم بن سَام بن نوح عَلَيْهِ السَّلَام وَأَخُوهُ جديس بن جاثر. وَالثَّانِي معن لَهُ أَخْبَار وحكايات مَشْهُورَة (حكم الحَدِيث) قَالَ الْكرْمَانِي مثل هَذَا أَي مَا لم يذكر من أول الْإِسْنَاد وَاحِدًا أَو أَكثر يُسمى تَعْلِيقا وَلَا يذكرهُ البُخَارِيّ إِلَّا إِذا كَانَ مُسْندًا عِنْده إِمَّا بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدّم كَأَنَّهُ قَالَ حَدثنَا يحيى بن بكير حَدثنَا اللَّيْث عَن عقيل أَنه قَالَ قَالَ ابْن شهَاب أَو بِإِسْنَاد آخر وَقد ترك الْإِسْنَاد هَهُنَا لغَرَض من الْأَغْرَاض الْمُتَعَلّقَة بِالتَّعْلِيقِ لكَون الحَدِيث مَعْرُوفا من جِهَة الثِّقَات أَو لكَونه مَذْكُورا فِي مَوضِع آخر أَو نَحوه قَالَ بَعضهم وَأَخْطَأ من زعم أَن هَذَا مُعَلّق قلت يعرض بذلك للكرماني وَلَا معنى للتعريض لِأَن الحَدِيث صورته فِي الظَّاهِر من التَّعْلِيق وَإِن كَانَ مُسْندًا عِنْده فِي مَوضِع آخر فَإِنَّهُ أخرجه أَيْضا فِي الْأَدَب وَفِي التَّفْسِير أتم من هَذَا وأوله عَن يحيى بن أبي كثير قَالَ سَأَلت أَبَا سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أول مَا نزل من الْقُرْآن قَالَ {يَا أَيهَا المدثر} قلت يَقُولُونَ {اقْرَأ باسم رَبك} الَّذِي خلق فَقَالَ أَبُو سَلمَة سَأَلت جَابر بن عبد الله رَضِي الله عَنْهُمَا عَن ذَلِك قلت لَهُ مثل الَّذِي قلت فَقَالَ جَابر لَا أحَدثك إِلَّا مَا حَدثنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ جَاوَرت بحراء شهرا فَلَمَّا قضيت جواري ثمَّ ذكر نَحوه وَقَالَ فِي التَّفْسِير. حَدثنَا يحيى بن بكير حَدثنَا اللَّيْث عَن عقيل عَن ابْن شهَاب (ح) وحَدثني عبد الله بن مُحَمَّد حَدثنَا عبد الرَّزَّاق أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ أَخْبرنِي فَذكره وَأخرجه مُسلم بألفاظه (وَمن لطائف إِسْنَاده) أَن كلهم مدنيون. وَفِيه تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ. فَإِن قلت لم قَالَ قَالَ ابْن شهَاب وَلم يقل وروى أَو وَعَن ابْن شهَاب وَنَحْو ذَلِك. قلت قَالُوا إِذا كَانَ الحَدِيث ضَعِيفا لَا يُقَال فِيهِ قَالَ لِأَنَّهُ من صِيغ الْجَزْم بل يُقَال حكى أَو قيل أَو يُقَال بِصِيغَة التمريض وَقد اعتنى البُخَارِيّ بِهَذَا الْفرق فِي صَحِيحه كَمَا سترى وَذَلِكَ من غَايَة إتقانه فَإِن قيل مَا كَانَ مُرَاده من إِخْرَاجه بِهَذِهِ الصُّورَة مَعَ أَنه أخرجه مُسْندًا فِي صَحِيحه فِي مَوضِع آخر. قلت لَعَلَّه وَضعه على هَذِه الصُّورَة قبل أَن وقف عَلَيْهِ مُسْندًا فَلَمَّا وقف عَلَيْهِ مُسْندًا ذكره وَترك الأول على حَاله لعدم خلوه عَن فَائِدَة
الجزء 1 · صفحة 66
(بَيَان اللُّغَات) قَوْله عَن فَتْرَة الْوَحْي وَهُوَ احتباسه وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوْفِي قَوْله على كرْسِي هُوَ بِضَم الْكَاف وَكسرهَا وَالضَّم أفْصح وَجمعه كراسي بتَشْديد الْيَاء وتخفيفها قَالَ ابْن السّكيت كل مَا كَانَ من هَذَا النَّحْو مفرده مشدد كعارية وسرية جَازَ فِي جمعه التَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ فِي تَفْسِيره أصل الْكُرْسِيّ الْعلم وَمِنْه قيل لصحيفة يكون فِيهَا علم كراسة وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ الْكُرْسِيّ مَا يجلس عَلَيْهِ وَلَا يفضل عَن مقْعد الْقَاعِد وَفِي الْعباب الْكُرْسِيّ من قَوْلهم كرس الرجل بِالْكَسْرِ إِذا ازْدحم علمه على قلبه فَإِن قلت مَا هَذِه الْيَاء فِيهِ قلت لَيست يَاء النِّسْبَة وَإِنَّمَا هُوَ مَوْضُوع على هَذِه الصِّيغَة فَإِذا أُرِيد النِّسْبَة إِلَيْهِ تحذف الْيَاء مِنْهُ وَيُؤْتى بياء النِّسْبَة فَيُقَال كرْسِي أَيْضا فَافْهَم قَوْله فَرُعِبْت مِنْهُ بِضَم الرَّاء وَكسر الْعين على مَا لم يسم فَاعله وَرِوَايَة الْأصيلِيّ بِفَتْح الرَّاء وبضم الْعين وهما صَحِيحَانِ حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِي وَغَيره قَالَ يَعْقُوب رعب ورعب وَاقْتصر النَّوَوِيّ فِي شَرحه الَّذِي لم يكمله على الأول وَقَالَ بَعضهم الرِّوَايَة بِضَم الْعين واللغة بِفَتْحِهَا حَكَاهُ السفاقسي والرعب الْخَوْف يُقَال رعبته فَهُوَ مرعوب إِذا أفزعته وَلَا يُقَال أرعبته تَقول رعب الرجل على وزن فعل كضرب بِمَعْنى خَوفه هَذَا إِذا عديته فَإِن ضممت الْعين قلت رعبت مِنْهُ وَإِن بنيته على مَا لم يسم فَاعله ضممت الرَّاء فَقلت رعبت مِنْهُ وَفِي البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير وَمُسلم هُنَا فجئثت مِنْهُ بِضَم الْجِيم وَكسر الْهمزَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة من جئث الرجل أَي أفزع فَهُوَ مجؤث أَي مذعور ومادته جِيم ثمَّ همزَة ثمَّ ثاء مُثَلّثَة قَالَ القَاضِي كَذَا هُوَ للكافة فِي الصَّحِيحَيْنِ وروى فجثثت بِضَم الْجِيم وَكسر الثَّاء الْمُثَلَّثَة الأولى وَسُكُون الثَّانِيَة وَهُوَ بِمَعْنى الأول ومادته جِيم ثمَّ ثاآن مثلثتان وَفِي بعض الرِّوَايَات حَتَّى هويت إِلَى الأَرْض أَي سَقَطت أخرجهَا مُسلم وَهُوَ بِفَتْح الْوَاو وَفِي بَعْضهَا فَأَخَذَتْنِي رَجْفَة وَهِي كَثْرَة الِاضْطِرَاب قَوْله زَمِّلُونِي فِي أَكثر الْأُصُول زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي مرَّتَيْنِ وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة مرّة وَاحِدَة وللبخاري فِي التَّفْسِير وَلمُسلم أَيْضا دَثرُونِي وَهُوَ هُوَ كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَوْله {يَا أَيهَا المدثر} أَصله المتدثر وَكَذَلِكَ المزمل أَصله المتزمل والمدثر والمزمل والمتلفف والمشتمل بِمَعْنى وَسَماهُ الله تَعَالَى بذلك إيناسا لَهُ وتلطفا. ثمَّ الْجُمْهُور على أَن مَعْنَاهُ المتدثر بثيابه وَحكى الْمَاوَرْدِيّ عَن عِكْرِمَة أَن مَعْنَاهُ المتدثر بِالنُّبُوَّةِ وأعبائها قَوْله {قُم فَأَنْذر} أَي حذر الْعَذَاب من لم يُؤمن بِاللَّه وَفِيه دلَالَة على أَنه أَمر بالإنذار عقيب نزُول الْوَحْي للإتيان بِالْفَاءِ التعقيبية فَإِن قلت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرسل بشيرا وَنَذِيرا فَكيف أَمر بالإنذار دون الْبشَارَة قلت الْبشَارَة إِنَّمَا تكون لمن دخل فِي الْإِسْلَام وَلم يكن إِذْ ذَاك من دخل فِيهِ قَوْله {وَرَبك فَكبر} أَي عظمه ونزهه عَمَّا لَا يَلِيق بِهِ وَقيل أَرَادَ بِهِ تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح للصَّلَاة وَفِيه نظر قَوْله {وثيابك فطهر} أَي من النَّجَاسَات على مَذْهَب الْفُقَهَاء وَقيل أَي فقصر وَقيل المُرَاد بالثياب النَّفس أَي طهرهَا من كل نقص أَي اجْتنب النقائص قَوْله {وَالرجز} بِكَسْر الرَّاء فِي قِرَاءَة الْأَكْثَر وَقَرَأَ حَفْص عَن عَاصِم بضَمهَا وَهِي الْأَوْثَان فِي قَول الْأَكْثَرين. وَفِي مُسلم التَّصْرِيح بِهِ وَفِي التَّفْسِير عَن أبي سَلمَة التَّصْرِيح بِهِ وَقيل الشّرك وَقيل الذَّنب وَقيل الظُّلم. وأصل الرجز فِي اللُّغَة الْعَذَاب وَيُسمى عبَادَة الْأَوْثَان وَغَيرهَا من أَنْوَاع الْكفْر رجزا لِأَنَّهُ سَبَب الْعَذَاب قَوْله فحمي بِفَتْح الْحَاء وَكسر الْمِيم مَعْنَاهُ كثر نُزُوله من قَوْلهم حميت النَّار وَالشَّمْس أَي كثرت حَرَارَتهَا وَمِنْه قَوْلهم حمي الْوَطِيس والوطيس التَّنور استعير للحرب قَوْله وتتابع تفَاعل من التَّتَابُع قَالَت الشُّرَّاح كلهم ومعناهما وَاحِد فأكد أَحدهمَا بِالْآخرِ. قلت لَيْسَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا فَإِن معنى حمي النَّهَار اشْتَدَّ حره وَمعنى تتَابع تَوَاتر وَأَرَادَ بحمي الْوَحْي اشتداده وهجومه وَبِقَوْلِهِ تتَابع تواتره وَعدم انْقِطَاعه وَإِنَّمَا لم يكتف بحمي وَحده لِأَنَّهُ لَا يسْتَلْزم الِاسْتِمْرَار والدوام والتواتر فَلذَلِك زَاد قَوْله وتتابع فَافْهَم فَإِنَّهُ من الْأَسْرَار الربانية والأفكار الرحمانية وَيُؤَيّد مَا ذكرنَا رِوَايَة الْكشميهني وتواتر مَوضِع وتتابع والتواتر مَجِيء الشَّيْء يَتْلُو بعضه بَعْضًا من غير خلل وَلَقَد أبعد من قَالَ وتتابع توكيد معنوي لِأَن التَّأْكِيد الْمَعْنَوِيّ لَهُ أَلْفَاظ مَخْصُوصَة كَمَا عرف فِي مَوْضِعه. فَإِن قَالَ مَا أردْت بِهِ التَّأْكِيد الاصطلاحي يُقَال لَهُ هَذَا إِنَّمَا يكون بَين لفظين مَعْنَاهُمَا وَاحِد وَقد بَينا الْمُغَايرَة بَين حمي وتتابع وَالرُّجُوع إِلَى الْحق من جملَة الدّين (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله قَالَ ابْن شهَاب فعل وفاعل قَوْله وَأَخْبرنِي مَعْطُوف على مَحْذُوف هُوَ مقول القَوْل تَقْدِيره قَالَ ابْن شهَاب أَخْبرنِي عُرْوَة بِكَذَا وَأَخْبرنِي أَبُو سَلمَة بِكَذَا فلأجل قَصده بَيَان الْإِخْبَار عَن عُرْوَة بن الزبير
الجزء 1 · صفحة 67
وَعَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن أَتَى بواو الْعَطف وَإِلَّا فمقول القَوْل لَا يكون بِالْوَاو وَنَحْوه فَافْهَم قَوْله أَن جَابر بن عبد الله بِفَتْح أَن لِأَنَّهَا فِي مَحل النصب على المفعولية قَوْله وَهُوَ يحدث جملَة اسمية وَقعت حَالا أَي قَالَ فِي حَالَة التحديث عَن احتباس الْوَحْي عَن النُّزُول أَو قَالَ جَابر فِي حَالَة التحديث أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله بَينا أَصله بَين بِلَا ألف فأشبعت الفتحة فَصَارَت ألفا وَيُزَاد عَلَيْهَا مَا فَيصير بَيْنَمَا ومعناهما وَاحِد وَهُوَ من الظروف الزمانية اللَّازِمَة للإضافة إِلَى الْجُمْلَة الإسمية وَالْعَامِل فِيهِ الْجَواب إِذا كَانَ مُجَردا من كلمة المفاجأة وَإِلَّا فَمَعْنَى المفاجأة المتضمنة هِيَ إِيَّاهَا وَيحْتَاج إِلَى جَوَاب يتم بِهِ الْمَعْنى وَقيل اقْتضى جَوَابا لِأَنَّهَا ظرف يتَضَمَّن المجازاة والأفصح فِي جَوَابه إِذْ وَإِذا خلافًا للأصمعي وَالْمعْنَى أَن فِي أثْنَاء أَوْقَات الْمَشْي فاجأني السماع قَوْله إِذْ سَمِعت جَوَاب بَينا على مَا ذكرنَا قَوْله فَإِذا الْملك كلمة إِذا هَهُنَا للمفاجأة وَهِي تخْتَص بالجمل الإسمية وَلَا تحْتَاج إِلَى الْجَواب وَلَا يَقع فِي الِابْتِدَاء وَمَعْنَاهَا الْحَال لَا الِاسْتِقْبَال نَحْو خرجت فَإِذا الْأسد بِالْبَابِ وَهِي حرف عِنْد الْأَخْفَش وَاخْتَارَهُ ابْن مَالك وظرف مَكَان عِنْد الْمبرد وَاخْتَارَهُ ابْن عُصْفُور وظرف زمَان عِنْد الزّجاج وَاخْتَارَهُ الزَّمَخْشَرِيّ. فَإِن قلت مَا الْفَاء فِي فَإِذا قلت زَائِدَة لَازِمَة عِنْد الْفَارِسِي والمازني وَجَمَاعَة وعاطفة عِنْد أبي الْفَتْح وللسببية الْمَحْضَة عِنْد أبي إِسْحَاق قَوْله جَالس بِالرَّفْع كَذَا فِي البُخَارِيّ وَفِي مُسلم جَالِسا بِالنّصب قَالَ النَّوَوِيّ كَذَا هُوَ فِي الْأُصُول وَجَاء فِي رِوَايَة فَإِذا الْملك الَّذِي جَاءَنِي بحراء وَاقِف بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَفِي طَرِيق آخر على عرش بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَلمُسلم فَإِذا هُوَ على الْعَرْش فِي الْهَوَاء وَفِي رِوَايَة على كرْسِي وَهُوَ تَفْسِير الْعَرْش الْمَذْكُور. قَالَ أهل اللُّغَة الْعَرْش السرير فَإِن قلت وَجه الرّفْع ظَاهر لِأَنَّهُ خبر عَن الْملك الَّذِي هُوَ مُبْتَدأ وَقَوله الَّذِي جَاءَنِي بحراء صفته فَمَا وَجه النصب قلت على الْجُمْلَة الحالية من الْملك فَإِن قلت إِذا نصب جَالِسا على الْحَال فَمَاذَا يكون خبر الْمُبْتَدَأ وَقد قلت أَن إِذا المفاجأة تخْتَص بالاسمية قلت حِينَئِذٍ يكون الْخَبَر محذوفا مُقَدرا وَيكون التَّقْدِير فَإِذا الْملك الَّذِي جَاءَنِي بحراء شاهدته حَال كَونه جَالِسا على كرْسِي أَو نَحْو ذَلِك قَوْله بَين السَّمَاء وَالْأَرْض ظرف وَلكنه فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهُ صفة لكرسي وَالْفَاء فِي فَرُعِبْت تصلح للسَّبَبِيَّة وَكَذَا فِي فَرَجَعت لِأَن رُؤْيَة الْملك على هَذِه الْحَالة سَبَب لرعبه ورعبه سَبَب لرجوعه وَالْفَاء فِي فَقلت وَفِي فَأنْزل الله على أَصْلهَا للتعقيب قَوْله وَرَبك مَنْصُوب بقوله {فَكبر وثيابك} بقوله {فطهر وَالرجز} بقوله {فاهجر} فَإِن قلت مَا الْفَا آتٍ فِي الْآيَة قلت الْفَاء فِي {فَأَنْذر} تعقيبية وَبَقِيَّة الفاآت كالفاء فِي قَوْله تَعَالَى {بل الله فاعبد} فَقيل جَوَاب لَا مَا مقدرَة وَقيل زَائِدَة وَإِلَيْهِ مَال الْفَارِسِي وَعند الْأَكْثَرين عاطفة وَالْأَصْل تنبه فاعبد الله ثمَّ حذف تنبه وَقدم الْمَنْصُوب على الْفَاء إصلاحا للفظ لِئَلَّا تقع الْفَاء صَدرا قَوْله فحمي الْفَاء فِيهِ عاطفة وَالتَّقْدِير فَبعد إِنْزَال الله هَذِه الْآيَة حمي الْوَحْي (استنباط الْفَوَائِد) مِنْهَا الدّلَالَة على وجود الْمَلَائِكَة ردا على زنادقة الفلاسفة وَمِنْهَا إِظْهَار قدرَة الله تَعَالَى إِذْ جعل الْهَوَاء للْمَلَائكَة يتصرفون فِيهِ كَيفَ شاؤا كَمَا جعل الأَرْض لبني آدم يتصرفون فِيهَا كَيفَ شاؤا فَهُوَ ممسكهما بقدرته وَمِنْهَا أَنه عبر بقوله فحمي تتميما للتمثيل الَّذِي مثلت بِهِ عَائِشَة أَولا وَهُوَ كَونهَا جعلت الرُّؤْيَا كَمثل فلق الصُّبْح فَإِن الضَّوْء لَا يشْتَد إِلَّا مَعَ قُوَّة الْحر وَالْحق ذَلِك بتتابع لِئَلَّا يَقع التَّمْثِيل بالشمس من كل الْجِهَات لِأَن الشَّمْس يلْحقهَا الأفول والكسوف وَنَحْوهمَا وشمس الشَّرِيعَة بَاقِيَة على حَالهَا لَا يلْحقهَا نقص (وَتَابعه عبد الله بن يُوسُف وَأَبُو صَالح وَتَابعه هِلَال بن رداد عَن الزُّهْرِيّ وَقَالَ يُونُس وَمعمر بوادره) تَابعه فعل ومفعول وَعبد الله فَاعله وَالضَّمِير يرجع إِلَى يحيى بن بكير شيخ البُخَارِيّ الْمَذْكُور فِي أول الحَدِيث الْمَذْكُور آنِفا وَقَوله وَأَبُو صَالح عطف على عبد الله بن يُوسُف وَهُوَ أَيْضا تَابع يحيى بن بكير وَالْحَاصِل أَن عبد الله بن يُوسُف وَأَبا صَالحا تَابعا يحيى بن بكير فِي الرِّوَايَة عَن اللَّيْث بن سعد فَرَوَاهُ عَن اللَّيْث ثَلَاثَة يحيى بن بكير وَعبد الله بن يُوسُف وَأَبُو صَالح. أما مُتَابعَة عبد الله بن يُوسُف ليحيى بن بكير فِي رِوَايَته عَن اللَّيْث بن سعد فأخرجها البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير وَالْأَدب وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ وَالتِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن عبد الله بن حميد عَن عبد الرازق بِهِ وَقَالَ حسن صَحِيح وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير أَيْضا عَن مَحْمُود بن خَالِد عَن عمر بن عبد الْوَاحِد عَن الْأَوْزَاعِيّ بِهِ وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن اللَّيْث عَن ابْن شهَاب بِهِ وَأما رِوَايَة أبي صَالح عَن اللَّيْث بِهَذَا الحَدِيث
الجزء 1 · صفحة 68
فأخرجها يَعْقُوب بن سُفْيَان فِي تَارِيخه عَنهُ مَقْرُونا بِيَحْيَى بن بكير قَوْله وَتَابعه هِلَال بن رداد أَي تَابع عقيل بن خَالِد هِلَال بن رداد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ فَإِن قلت كَيفَ أُعِيد الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي وَتَابعه إِلَى عقيل وَرُبمَا يتَوَهَّم أَنه عَائِد إِلَى أبي صَالح أَو إِلَى عبد الله بن يُوسُف لِكَوْنِهِمَا قريبين مِنْهُ قلت قَوْله عِنْد الزُّهْرِيّ هُوَ الَّذِي عين عود الضَّمِير إِلَى عقيل وَدفع التَّوَهُّم الْمَذْكُور لِأَن الَّذِي روى عَن الزُّهْرِيّ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور هُوَ عقيل وَالْحَاصِل أَن هِلَال بن رداد روى الحَدِيث الْمَذْكُور عَن الزُّهْرِيّ كَمَا رَوَاهُ عقيل بن خَالِد عَنهُ وَحَدِيثه فِي الزهريات للذهلي وَهَذَا أول مَوضِع جَاءَ فِيهِ ذكر الْمُتَابَعَة وَالْفرق بَين المتابعتين أَن الْمُتَابَعَة الأولى أقوى لِأَنَّهَا مُتَابعَة تَامَّة والمتابعة الثَّانِيَة أدنى من الأولى لِأَنَّهَا مُتَابعَة نَاقِصَة فَإِذا كَانَ أحد الراويين رَفِيقًا للْآخر من أول الْإِسْنَاد إِلَى آخِره تسمى بالمتابعة التَّامَّة وَإِذا كَانَ رَفِيقًا لَهُ لَا من الأول يُسمى بالمتابعة النَّاقِصَة. ثمَّ النوعان رُبمَا يُسمى المتابع عَلَيْهِ فيهمَا وَرُبمَا لَا يُسمى فَفِي الْمُتَابَعَة الأولى لم يسم المتابع عَلَيْهِ وَهُوَ اللَّيْث وَفِي الثَّانِيَة يُسمى المتابع عَلَيْهِ وَهُوَ الزُّهْرِيّ فقد وَقع فِي هَذَا الحَدِيث الْمُتَابَعَة التَّامَّة والمتابعة النَّاقِصَة وَلم يسم المتابع عَلَيْهِ فِي الأولى وَسَماهُ فِي الثَّانِيَة على مَا لَا يخفى وَقَالَ النَّوَوِيّ وَمِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ المعتني بِصَحِيح البُخَارِيّ (فَائِدَة) ننبه عَلَيْهَا وَهِي أَنه تَارَة يَقُول تَابعه مَالك عَن أَيُّوب وَتارَة يَقُول تَابعه مَالك وَلَا يزِيد فَإِذا قَالَ مَالك عَن أَيُّوب فَهَذَا ظَاهر وَأما إِذا اقْتصر على تَابعه مَالك فَلَا يعرف لمن الْمُتَابَعَة إِلَّا من يعرف طَبَقَات الروَاة ومراتبهم وَقَالَ الْكرْمَانِي فعلى هَذَا لَا يعلم أَن عبد الله يروي عَن اللَّيْث أَو عَن غَيره. قلت الطَّرِيقَة فِي هَذَا أَن تنظر طبقَة المتابع بِكَسْر الْبَاء فتجعله مُتَابعًا لمن هُوَ فِي طبقته بِحَيْثُ يكون صَالحا لذَلِك أَلا ترى كَيفَ لم يسم البُخَارِيّ المتابع عَلَيْهِ فِي الْمُتَابَعَة الأولى وَسَماهُ فِي الثَّانِيَة فَافْهَم قَوْله وَقَالَ يُونُس وَمعمر بوادره مُرَاده أَن أَصْحَاب الزُّهْرِيّ اخْتلفُوا فِي هَذِه اللَّفْظَة فروى عقيل عَن الزُّهْرِيّ فِي الحَدِيث يرجف فُؤَاده كَمَا مضى وَتَابعه على هَذِه اللَّفْظَة هِلَال بن رداد وَخَالفهُ يُونُس وَمعمر فروى عَن الزُّهْرِيّ يرجف فُؤَاده (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة الأول عبد الله بن يُوسُف التنيسِي شيخ البُخَارِيّ وَقد ذكر الثَّانِي أَبُو صَالح قَالَ أَكثر الشُّرَّاح هُوَ عبد الْغفار بن دَاوُد بن مهْرَان بن زِيَاد بن دَاوُد بن ربيعَة بن سُلَيْمَان بن عُمَيْر الْبكْرِيّ الْحَرَّانِي ولد بأفريقية سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة وَخرج بِهِ أَبوهُ وَهُوَ طِفْل إِلَى الْبَصْرَة وَكَانَت أمه من أَهلهَا فَنَشَأَ بهَا وتفقه وَسمع الحَدِيث من حَمَّاد بن سَلمَة ثمَّ رَجَعَ إِلَى مصر مَعَ أَبِيه وَسمع من اللَّيْث بن سعد وَابْن لَهِيعَة وَغَيرهمَا وَسمع بِالشَّام إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش وبالجزيرة مُوسَى بن أعين واستوطن مصر وَحدث بهَا وَكَانَ يكره أَن يُقَال لَهُ الْحَرَّانِي وَإِنَّمَا قيل لَهُ الْحَرَّانِي لِأَن أَخَوَيْهِ عبد الله وَعبد الرَّحْمَن ولدا بهَا وَلم يَزَالَا بهَا وحزان مَدِينَة بالجزيرة من ديار بكر وَالْيَوْم خراب سميت بحران بن آزر أخي إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام روى عَنهُ يحيى بن معِين وَالْبُخَارِيّ وروى أَبُو دَاوُد عَن رجل عَنهُ وَخرج لَهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَمَات بِمصْر سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَقَالَ بَعضهم هَذَا وهم وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو صَالح عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث الْمصْرِيّ وَلم يتَبَيَّن لي وَجهه فِي التَّرْجِيح لِأَن البُخَارِيّ روى عَن كليهمَا الثَّالِث هِلَال بن رداد برَاء ثمَّ دالين مهملتين الأولى مِنْهُمَا مُشَدّدَة وَهُوَ طائي حمصي أخرج البُخَارِيّ هُنَا مُتَابعَة لعقيل وَلَيْسَ لَهُ ذكر فِي البُخَارِيّ إِلَّا فِي هَذَا الْموضع وَلم يخرج لَهُ بَاقِي الْكتب السِّتَّة روى عَن الزُّهْرِيّ وَعنهُ ابْنه أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد قَالَ الذهلي كَانَ كَاتبا لهشام وَلم يذكرهُ البُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَلَا ابْن أبي حَاتِم فِي كِتَابه وَإِنَّمَا ذكر ابْن أبي حَاتِم ثمَّ وَلَده مُحَمَّدًا إِذْ لَيْسَ لَهُ ذكر فِي الْكتب السِّتَّة قَالَ ابْن أبي حَاتِم هِلَال بن رداد مَجْهُول وَلم يذكرهُ الكلاباذي فِي رجال الصَّحِيح رَأْسا الرَّابِع مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَقد مر ذكره الْخَامِس يُونُس بن يزِيد بن مشكان بن أبي النجاد بِكَسْر النُّون الْأَيْلِي بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف الْقرشِي مولى مُعَاوِيَة ابْن أبي سُفْيَان سمع خلقا من التَّابِعين مِنْهُم الْقَاسِم وَعِكْرِمَة وَسَالم وَنَافِع وَالزهْرِيّ وَغَيرهم وَعنهُ الْأَعْلَام جرير بن حَازِم وَهُوَ تَابِعِيّ فَهَذَا من رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَخلق مَاتَ سنة تسع وَخمسين وَمِائَة بِمصْر روى لَهُ الْجَمَاعَة وَفِي يُونُس سِتَّة أوجه ضم النُّون وَكسرهَا وَفتحهَا مَعَ الْهمزَة وَتركهَا وَالضَّم بِلَا همزَة أفْصح السَّادِس أَبُو عُرْوَة معمر بن أبي عَمْرو بن رَاشد الْأَزْدِيّ الْحَرَّانِي مَوْلَاهُم عَالم الْيمن شهد جَنَازَة
الجزء 1 · صفحة 69
الْحسن الْبَصْرِيّ وَسمع خلقا من التَّابِعين مِنْهُم عَمْرو بن دِينَار وَأَيوب وَقَتَادَة وَعنهُ جمَاعَة من التَّابِعين مِنْهُم عَمْرو بن دِينَار وَأَبُو إِسْحَاق السبيعِي وَأَيوب وَيحيى بن أبي كثير وَهَذَا من رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر قَالَ عبد الرَّزَّاق سَمِعت مِنْهُ عشرَة آلَاف حَدِيث مَاتَ بِالْيمن سنة أَربع أَو ثَلَاث أَو اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَة عَن ثَمَان وَخمسين سنة وَله أَوْهَام كَثِيرَة احتملت لَهُ قَالَ أَبُو حَاتِم صَالح الحَدِيث وَمَا حدث بِهِ بِالْبَصْرَةِ فَفِيهِ أغاليط وَضَعفه يحيى بن معِين فِي رِوَايَة عَن ثَابت وَمعمر بِفَتْح الميمين وَسُكُون الْعين وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ معمر بن رَاشد غير هَذَا بل لَيْسَ فيهمَا من اسْمه معمر غَيره نعم فِي صَحِيح البُخَارِيّ معمر بن يحيى بن سَام الضَّبِّيّ وَقيل إِنَّه بتَشْديد الْمِيم روى لَهُ البُخَارِيّ حَدِيثا وَاحِدًا فِي الْغسْل وَفِي الصَّحَابَة معمر ثَلَاثَة عشر وَفِي الروَاة معمر فِي الْكتب الْأَرْبَعَة سِتَّة وفيهَا معمر بِالتَّشْدِيدِ بخلف خَمْسَة وَفِي غَيرهَا خلق معمر بن بكار شيخ لمطين فِي حَدِيثه وهم وَمعمر بن أبي سرح مَجْهُول وَمعمر بن الْحسن الْهُذلِيّ مَجْهُول وَحَدِيثه مُنكر وَمعمر بن زَائِدَة لَا يُتَابع على حَدِيثه وَمعمر بن زيد مَجْهُول وَمعمر بن أبي سرح مَجْهُول وَمعمر بن عبد الله عَن شُعْبَة لَا يُتَابع على حَدِيثه وَالله أعلم (فَائِدَة) أَبُو صَالح فِي الروَاة فِي مَجْمُوع الْكتب السِّتَّة أَرْبَعَة عشر. أَبُو صَالح عبد الْغفار. أَبُو صَالح عبد الله بن صَالح وَقد ذكرناهما. أَبُو صَالح الْأَشْعَرِيّ الشَّامي. أَبُو صَالح الْأَشْعَرِيّ أَيْضا. وَيُقَال الْأنْصَارِيّ. أَبُو صَالح الْحَارِثِيّ. أَبُو صَالح الْحَنَفِيّ اسْمه عبد الرَّحْمَن بن قيس وَيُقَال أَنه ماهان أَبُو صَالح الحوري لَا يعرف اسْمه أَبُو صَالح السمان اسْمه ذكْوَان. أَبُو صَالح الْغِفَارِيّ سعيد بن عبد الرَّحْمَن. أَبُو صَالح الْمَكِّيّ مُحَمَّد بن زنبور روى عَن عِيسَى بن يُونُس. أَبُو صَالح مولى طَلْحَة بن عبد الله الْقرشِي التَّيْمِيّ. أَبُو صَالح مولى عُثْمَان بن عَفَّان أَبُو صَالح مولى ضباعة اسْمه مينا. أَبُو صَالح مولى أم هانىء اسْمه باذان. وَكلهمْ تابعيون خلا ابْن زنبور وَكَاتب اللَّيْث. وَبَعْضهمْ عد الْأَخير صحابيا وَله حَدِيث رَوَاهُ الْحسن بن سُفْيَان فِي مُسْنده وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة على تَقْدِير صِحَّته من يكنى بِهَذِهِ الكنية غَيره وَأما فِي غير الْكتب السِّتَّة فَإِنَّهُم جمَاعَة فَوق الْعشْرَة بَينهم الرامَهُرْمُزِي فِي فاصله قَوْله بوادره بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة جمع بادرة وَهِي اللحمة الَّتِي بَين الْمنْكب والعنق تضطرب عِنْد فزع الْإِنْسَان. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة تكون من الْإِنْسَان وَغَيره وَقَالَ الْأَصْمَعِي الفريصة اللحمة الَّتِي بَين الْجنب والكتف الَّتِي لَا تزَال ترْعد من الدَّابَّة وَجَمعهَا فرائص وَقَالَ ابْن سَيّده فِي الْمُخَصّص البادرتان من الْإِنْسَان لحمتان فَوق الرغثاوين وأسفل التندوة وَقيل هما جانبا الكركرة وَقيل هما عرقان يكتنفانها قَالَ والبادرة من الْإِنْسَان وَغَيره وَقَالَ الهجري فِي أَمَالِيهِ لَيست للشاة بادرة ومكانها مردغة للشاة وهما الأرتبان تَحت صليفي الْعُنُق لَا عظم فيهمَا وَادّعى الدَّاودِيّ أَن البوادر والفؤاد وَاحِد. قلت الرغثاوان بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة بعْدهَا ثاء مُثَلّثَة قَالَ اللَّيْث الرغثاوان مضيفتان بَين التندوة والمنكب بجانبي الصَّدْر وَقَالَ شهر الرغثاء مَا بَين الْإِبِط إِلَى أَسْفَل الثدي مِمَّا يَلِي الْإِبِط وَكَذَلِكَ قَالَه ابْن الْأَعرَابِي قَوْله مردغة بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الدَّال الْمُهْملَة والغين الْمُعْجَمَة وَهِي وَاحِدَة المرادغ قَالَ أَبُو عمر وَهِي مَا بَين الْعُنُق إِلَى الترقوة قَوْله صليفي الْعُنُق بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَكسر اللَّام وبالفاء قَالَ أَبُو زيد الصليفان رَأْسا الْفَقْرَة الَّتِي تلِي الرَّأْس من شقيهما
4 - (حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَعِيل قَالَ حَدثنَا أَبُو عوَانَة قَالَ حَدثنَا مُوسَى بن أبي عَائِشَة قَالَ حَدثنَا سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى {لَا تحرّك بِهِ لسَانك لتعجل بِهِ} قَالَ كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعالج من التَّنْزِيل شدَّة وَكَانَ مِمَّا يُحَرك شَفَتَيْه فَقَالَ ابْن عَبَّاس فَأَنا أحركهما لكم كَمَا كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يحركهما وَقَالَ سعيد أَنا أحركهما كَمَا رَأَيْت ابْن عَبَّاس يحركهما فحرك شَفَتَيْه فَأنْزل الله تَعَالَى {لَا تحرّك بِهِ لسَانك لتعجل بِهِ إِن علينا جمعه وقرآنه} قَالَ جمعه لَهُ فِي صدرك وتقرأه {فَإِذا قرأناه فَاتبع قرآنه} قَالَ فاستمع لَهُ
الجزء 1 · صفحة 70
وأنصت {ثمَّ إِن علينا بَيَانه} ثمَّ إِن علينا أَن تقراه فَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد ذَلِك إِذا أَتَاهُ جِبْرِيل اسْتمع فَإِذا انْطلق جِبْرِيل قَرَأَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا قراه الْمُنَاسبَة بَين الْحَدِيثين ظَاهِرَة لِأَن الْمَذْكُور فِيمَا مضى هُوَ ذَات بعض الْقُرْآن وَهَهُنَا التَّعَرُّض إِلَى بَيَان كَيْفيَّة التَّلْقِين والتلقن وَقدم ذَلِك لِأَن الصِّفَات تَابِعَة للذوات (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة الأول أَبُو سَلمَة مُوسَى بن إِسْمَاعِيل الْمنْقري بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الْقَاف نِسْبَة إِلَى منقر ابْن عبيد بن مقاعس الْبَصْرِيّ الْحَافِظ الْكَبِير المكثر الثبت الثِّقَة التَّبُوذَكِي بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ وَاو سَاكِنة ثمَّ ذال مُعْجمَة مَفْتُوحَة نِسْبَة إِلَى تبوذك نسب إِلَيْهِ لِأَنَّهُ نزل دَار قوم من أهل تبوذك قَالَه ابْن أبي خَيْثَمَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم لِأَنَّهُ اشْترى دَارا بتبوذك وَقَالَ السَّمْعَانِيّ نِسْبَة إِلَى بيع السماد بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَهُوَ السرجين يوضع فِي الأَرْض ليجود نَبَاته وَقَالَ ابْن نَاصِر نِسْبَة إِلَى بيع مَا فِي بطُون الدَّجَاج من الكبد وَالْقلب والقانصة توفّي فِي رَجَب سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ بِالْبَصْرَةِ روى عَنهُ يحيى بن معِين وَالْبُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهم من الْأَعْلَام وروى لَهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ عَن رجل عَنهُ وَالَّذِي رَوَاهُ مُسلم حَدِيث وَاحِد حَدِيث أم زرع رَوَاهُ عَن الْحسن الْحلْوانِي عَنهُ قَالَ الدَّاودِيّ كتبنَا عَنهُ خَمْسَة وَثَلَاثِينَ ألف حَدِيث الثَّانِي أَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالنُّون واسْمه الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي بِضَم الْكَاف وَيُقَال الْكِنْدِيّ الوَاسِطِيّ مولى يزِيد بن عَطاء الْبَزَّار الوَاسِطِيّ وَقيل مولى عَطاء بن عبد الله الوَاسِطِيّ كَانَ من سبي جرجان رأى الْحسن وَابْن سِيرِين وَسمع من مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر حَدِيثا وَاحِدًا وَسمع خلقا بعدهمْ من التَّابِعين وأتباعهم وروى عَنهُ الْأَعْلَام مِنْهُم شُعْبَة ووكيع وَابْن مهْدي قَالَ عَفَّان كَانَ صَحِيح الْكتاب ثبتا وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم كتبه صَحِيحَة وَإِذا حدث من حفظه غلط كثيرا وَهُوَ صَدُوق مَاتَ سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَة وَقيل سنة خمس وَسبعين الثَّالِث مُوسَى بن أبي عَائِشَة أَبُو الْحسن الْكُوفِي الْهَمدَانِي بِالْمِيم الساكنة وَالدَّال الْمُهْملَة مولى آل جعدة بِفَتْح الْجِيم ابْن أبي هُبَيْرَة بِضَم الْهَاء روى عَن كثير من التَّابِعين وَعنهُ الْأَعْلَام الثَّوْريّ وَغَيره وَوَثَّقَهُ السُّفْيانَانِ وَيحيى وَالْبُخَارِيّ وَابْن حبَان وَأَبُو عَائِشَة لَا يعرف اسْمه الرَّابِع سعيد بن جُبَير بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن هِشَام الْكُوفِي الْأَسدي الْوَالِبِي بِكَسْر اللَّام وبالباء الْمُوَحدَة مَنْسُوب إِلَى بني والبة بِالْوَلَاءِ ووالبة هُوَ ابْن الْحَرْث بن ثَعْلَبَة بن دودان بدالين مهملتين وَضم الأولى ابْن أَسد بن خُزَيْمَة إِمَام مجمع عَلَيْهِ بالجلالة والعلو فِي الْعلم والعظم فِي الْعِبَادَة قَتله الْحجَّاج صبرا فِي شعْبَان سنة خمس وَتِسْعين وَلم يَعش الْحجَّاج بعده إِلَّا أَيَّامًا وَلم يقتل أحدا بعده سمع خلقا من الصَّحَابَة مِنْهُم العبادلة غير عبد الله بن عَمْرو وَعنهُ خلق من التَّابِعين مِنْهُم الزُّهْرِيّ وَكَانَ يُقَال لَهُ جهبذ الْعلمَاء الْخَامِس عبد الله بن عَبَّاس بن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف أَبُو الْعَبَّاس الْهَاشِمِي ابْن عَم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأمه أم الْفضل لبَابَة الْكُبْرَى بنت الْحَرْث أُخْت مَيْمُونَة أم الْمُؤمنِينَ كَانَ يُقَال لَهُ الحبر وَالْبَحْر لِكَثْرَة علمه وترجمان الْقُرْآن وَهُوَ وَاحِد الْخُلَفَاء وَأحد العبادلة الْأَرْبَعَة وهم عبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن عمر وَعبد الله بن الزبير وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَقَول الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح بدل ابْن الْعَاصِ ابْن مَسْعُود مَرْدُود عَلَيْهِ لِأَنَّهُ منابذ لما قَالَ أَعْلَام الْمُحدثين كَالْإِمَامِ أَحْمد وَغَيره وَقَالَ أَحْمد سِتَّة من الصَّحَابَة أَكْثرُوا الرِّوَايَة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَابْن عَمْرو وَعَائِشَة وَجَابِر بن عبد الله وَأنس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وَأَبُو هُرَيْرَة أَكْثَرهم حَدِيثا روى ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ألف حَدِيث وسِتمِائَة وَسِتِّينَ حَدِيثا اتفقَا مِنْهَا على خَمْسَة وَتِسْعين حَدِيثا وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِمِائَة وَعشْرين وَمُسلم بِتِسْعَة وَأَرْبَعين ولد بِالشعبِ قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين وَتُوفِّي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن ثَلَاث عشرَة سنة وَقَالَ أَحْمد خمس عشرَة سنة وَالْأول هُوَ الْمَشْهُور مَاتَ بِالطَّائِف سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَهُوَ ابْن إِحْدَى وَسبعين سنة على الصَّحِيح فِي أَيَّام ابْن الزبير وَصلى عَلَيْهِ مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَقد عمي فِي آخر عمره رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَنه كُله على شَرط السِّتَّة وَمِنْهَا أَن رُوَاته مَا بَين مكي وكوفي وبصري ووسطي وَمِنْهَا
الجزء 1 · صفحة 71
أَنهم كلهم من الْأَفْرَاد لَا أعلم من شاركهم فِي اسمهم مَعَ اسْم أَبِيهِم وَمِنْهَا أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ وهما مُوسَى بن أبي عَائِشَة عَن سعيد بن جُبَير (بَيَان تعدد الحَدِيث وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن مُوسَى بن إِسْمَعِيل وَأبي عوَانَة وَفِي التَّفْسِير وفضائل الْقُرْآن عَن قُتَيْبَة عَن جرير كلهم عَن مُوسَى بن أبي عَائِشَة عَن سعيد بن جُبَير وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وقتيبة وَغَيرهمَا عَن جرير وَعَن قُتَيْبَة عَن أبي عوَانَة كِلَاهُمَا عَن مُوسَى بن أبي عَائِشَة بِهِ وَلمُسلم فَإِذا ذهب قَرَأَهُ كَمَا وعد الله وللبخاري فِي التَّفْسِير وَوصف سُفْيَان يُرِيد أَن يحفظه وَفِي أُخْرَى يخْشَى أَن ينفلت مِنْهُ وَلمُسلم فِي الصَّلَاة لتعجل بِهِ أَخذه {إِن علينا جمعه وقرآنه} إِن علينا أَن نجمعه فِي صدرك وقرآنه فتقرأه فَإِذا أقرأناه فَاتبع قرآنه قَالَ أَنزَلْنَاهُ فاستمع لَهُ إِن علينا أَن نبينه بلسانك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مُوسَى عَن سعيد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا نزل عَلَيْهِ الْقُرْآن يُحَرك بِهِ لِسَانه يُرِيد أَن يحفظه فَأنْزل الله تَعَالَى {لَا تحرّك بِهِ لسَانك لتعجل بِهِ} قَالَ فَكَانَ يُحَرك بِهِ شَفَتَيْه وحرك سُفْيَان شَفَتَيْه ثمَّ قَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (بَيَان اللُّغَات) قَوْله يعالج أَي يحاول من تَنْزِيل الْقُرْآن عَلَيْهِ شدَّة وَمِنْه مَا جَاءَ فِي حَدِيث آخر ولى حره وعلاجه أَي عمله وتعبه وَمِنْه قَوْله من كَسبه وعلاجه أَي من محاولته وملاطفته فِي اكتسابه وَمِنْه معالجة الْمَرِيض وَهِي ملاطفته بالدواء حَتَّى يقبل عَلَيْهِ والمعالجة الملاطفة فِي المراودة بالْقَوْل وَالْفِعْل وَيُقَال محاولة الشَّيْء بِمَشَقَّة قَوْله فَأنْزل الله تَعَالَى لَا تحرّك بِهِ أَي بِالْقُرْآنِ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ رَحمَه الله وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا لقن الْوَحْي نَازع جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام الْقِرَاءَة وَلم يصير إِلَى أَن يُتمهَا مسارعة إِلَى الْحِفْظ وخوفا من أَن يتفلت مِنْهُ فَأمر بِأَن يستنصت لَهُ ملقيا إِلَيْهِ بِقَلْبِه وسَمعه حَتَّى يقْضِي إِلَيْهِ وحيه ثمَّ يعقبه بالدراسة إِلَى أَن يرسخ فِيهِ وَالْمعْنَى {لَا تحرّك بِهِ لسَانك} بِقِرَاءَة الْوَحْي مادام جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام يقرؤ لتعجل بِهِ لتأْخذ بِهِ على عجلة وَلِئَلَّا يتفلت مِنْهُ ثمَّ علل النَّهْي عَن العجلة بقوله {إِن علينا جمعه} فِي صدرك وَإِثْبَات قِرَاءَته فِي لسَانك قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ {فَإِذا قرأناه} جعل قِرَاءَة جِبْرِيل قِرَاءَته وَالْقُرْآن الْقِرَاءَة {فَاتبع قرآنه} فَكُن معقبا لَهُ فِيهِ وَلَا تراسله وطأ من نَفسك أَنه لَا يبْقى غير مَحْفُوظ فَنحْن فِي ضَمَان تحفيظه {ثمَّ إِن علينا بَيَانه} إِذا أشكل عَلَيْك شَيْء من مَعَانِيه كَأَنَّهُ كَانَ يعجل فِي الْحِفْظ وَالسُّؤَال عَن الْمَعْنى جَمِيعًا كَمَا ترى بعض الحراص على الْعلم وَنَحْوه {وَلَا تعجل بِالْقُرْآنِ من قبل أَن يقْضى إِلَيْك وحيه} قَوْله قَالَ أَي ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير جمعه أَي جمع الله لَك فِي صدرك وَقَالَ فِي تَفْسِير وقرآنه أَي تَقْرَأهُ يَعْنِي المُرَاد بِالْقُرْآنِ الْقِرَاءَة لَا الْكتاب الْمنزل على مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للإعجاز بِسُورَة مِنْهُ أَي أَنه مصدر لَا علم للْكتاب قَوْله فاستمع هُوَ تَفْسِير فَاتبع يَعْنِي قراءتك لَا تكون مَعَ قِرَاءَته بل تَابِعَة لَهَا مُتَأَخِّرَة عَنْهَا فَتكون أَنْت فِي حَال قِرَاءَته ساكتا وَالْفرق بَين السماع وَالِاسْتِمَاع أَنه لَا بُد فِي بَاب الافتعال من التَّصَرُّف وَالسَّعْي فِي ذَلِك الْفِعْل وَلِهَذَا ورد فِي الْقُرْآن {لَهَا مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت} بِلَفْظ الِاكْتِسَاب فِي الشَّرّ لِأَنَّهُ لَا بُد فِيهِ من السَّعْي بِخِلَاف الْخَيْر فالمستمع هُوَ المصغي القاصد للسماع وَقَالَ الْكرْمَانِي عقيب هَذَا الْكَلَام وَقَالَ الْفُقَهَاء تسن سَجْدَة التِّلَاوَة للمستمع لَا للسامع قلت هَذَا لَا يمشي على مَذْهَب الْحَنَفِيَّة فَإِن قصد السماع لَيْسَ بِشَرْط فِي وجوب السَّجْدَة مَعَ أَن هَذَا يُخَالف مَا جَاءَ فِي الحَدِيث (السَّجْدَة على من تَلَاهَا وعَلى من سَمعهَا) قَوْله وانصت همزته همزَة الْقطع قَالَ تَعَالَى {فَاسْتَمعُوا لَهُ وأنصتوا} وَفِيه لُغَتَانِ أنصت بِكَسْر الْهمزَة وَفتحهَا فَالْأولى من نصت ينصت نصتا وَالثَّانيَِة من أنصت ينصت إنصاتا إِذا سكت واستمع للْحَدِيث يُقَال انصتوه وانصتوا لَهُ وأنصت فلَان فلَانا إِذا أسكته وانتصت سكت وَذكر الْأَزْهَرِي فِي نصت وأنصت وانتصت الْكل بِمَعْنى وَاحِد قَوْله {ثمَّ إِن علينا بَيَانه} فسره بقوله ثمَّ إِن علينا أَن تقْرَأ وَفِي مُسلم أَن تبينه بلسانك وَقيل بحفظك إِيَّاه وَقيل بَيَان مَا وَقع فِيهِ من حَلَال وَحرَام حَكَاهُ القَاضِي قَوْله جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام هُوَ ملك الْوَحْي إِلَى الرُّسُل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام الْمُوكل بإنزال الْعَذَاب والزلازل والدمادم وَمَعْنَاهُ عبد الله بالسُّرْيَانيَّة لِأَن جبر عبد بالسُّرْيَانيَّة وأيل اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى وروى عبد بن حميد فِي تَفْسِيره عَن عِكْرِمَة أَن اسْم جِبْرِيل عبد الله وَاسم مِيكَائِيل عبيد الله وَقَالَ السُّهيْلي جِبْرِيل سرياني وَمَعْنَاهُ عبد الرَّحْمَن أَو عبد الْعَزِيز كَمَا جَاءَ عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا وموقوفا وَالْمَوْقُوف أصح وَذَهَبت
الجزء 1 · صفحة 72
طَائِفَة إِلَى أَن الْإِضَافَة فِي هَذِه الْأَسْمَاء مَقْلُوبَة فأيل هُوَ العَبْد وأوله اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى والجبر عِنْد الْعَجم هُوَ إصْلَاح مَا فسد وَهِي توَافق مَعْنَاهُ من جِهَة الْعَرَبيَّة فَإِن فِي الْوَحْي إصْلَاح مَا فسد وجبر مَا وَهِي من الدّين وَلم يكن هَذَا الِاسْم مَعْرُوفا بِمَكَّة وَلَا بِأَرْض الْعَرَب وَلِهَذَا أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما ذكره لِخَدِيجَة رَضِي الله عَنْهَا انْطَلَقت لتسأل من عِنْده علم من الْكتاب كعداس ونسطور الراهب فَقَالَا قدوس قدوس وَمن أَيْن هَذَا الِاسْم بِهَذِهِ الْبِلَاد وَرَأَيْت فِي أثْنَاء مطالعتي فِي الْكتب أَن اسْم جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عبد الْجَلِيل وكنيته أَبُو الْفتُوح وَاسم مِيكَائِيل عبد الرَّزَّاق وكنيته أَبُو الْغَنَائِم وَاسم إسْرَافيل عبد الْخَالِق وكنيته أَبُو المنافخ وَاسم عزرائيل عبد الْجَبَّار وكنيته أَبُو يحيى وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ قرىء جبرئيل فعليل وجبرئل بِحَذْف الْيَاء وَجِبْرِيل بِحَذْف الْهمزَة وَجِبْرِيل بِوَزْن قنديل وجبرال بلام مُشَدّدَة وجبرائيل بِوَزْن جبراعيل وجبرايل بِوَزْن جبراعل وَمنع الصّرْف فِيهِ للتعريف والعجمة قلت هَذِه سبع لُغَات وَذكر فِيهِ ابْن الْأَنْبَارِي تسع لُغَات مِنْهَا سَبْعَة هَذِه وَالثَّامِنَة جبرين بِفَتْح الْجِيم وبالنون بدل اللَّام والتاسعة جبرين بِكَسْر الْجِيم وبالنون أَيْضا وَقَرَأَ ابْن كثير جِبْرِيل بِفَتْح الْجِيم وَكسر الرَّاء من غير همز وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَأَبُو بكر عَن عَاصِم بِفَتْح الْجِيم وَالرَّاء مهموزا وَالْبَاقُونَ بِكَسْر الْجِيم وَالرَّاء غير مَهْمُوز (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله يعالج فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ خبر كَانَ قَوْله شدَّة بِالنّصب مفعول يعالج. وَقَالَ الْكرْمَانِي يجوز أَن يكون مَفْعُولا مُطلقًا لَهُ أَي يعالج معالجة شَدِيدَة. قلت فعلى هَذَا يحْتَاج إِلَى شَيْئَيْنِ أَحدهمَا تَقْدِير الْمَفْعُول بِهِ ليعالج وَالثَّانِي تَأْوِيل الشدَّة بالشديدة وَتَقْدِير الْمَوْصُوف لَهَا فَافْهَم قَوْله وَكَانَ مِمَّا يُحَرك شَفَتَيْه اخْتلفُوا فِي معنى هَذَا الْكَلَام وَتَقْدِيره فَقَالَ القَاضِي مَعْنَاهُ كثيرا مَا كَانَ يفعل ذَلِك قَالَ وَقيل مَعْنَاهُ هَذَا من شَأْنه ودأبه فَجعل مَا كِنَايَة عَن ذَلِك وَمثله قَوْله فِي كتاب الرُّؤْيَا كَانَ مِمَّا يَقُول لأَصْحَابه من رأى مِنْكُم رُؤْيا أَي هَذَا من شَأْنه وأدغم النُّون فِي مِيم مَا وَقَالَ بَعضهم مَعْنَاهُ رُبمَا لِأَن من إِذا وَقع بعْدهَا مَا كَانَت بِمَعْنى رُبمَا قَالَه الشِّيرَازِيّ وَابْن خروف وَابْن طَاهِر والأعلم وأخرجوا عَلَيْهِ قَول سِيبَوَيْهٍ وَأعلم أَنهم مِمَّا يحذفون كَذَا وأنشدوا قَول الشَّاعِر
(وَإِنَّا لمما نضرب الْكَبْش ضَرْبَة ... على رَأسه نلقى اللِّسَان من الْفَم)
وَقَالَ الْكرْمَانِي أَي كَانَ العلاج ناشئا من تَحْرِيك الشفتين أَي مبدأ العلاج مِنْهُ أَو بِمَعْنى من إِذْ قد تجىء للعقلاء أَيْضا أَي وَكَانَ مِمَّن يُحَرك شَفَتَيْه وَقَالَ بَعضهم فِيهِ نظر لِأَن الشدَّة حَاصِلَة لَهُ قبل التحريك قلت فِي نظره نظر لِأَن الشدَّة وَإِن كَانَت حَاصِلَة لَهُ قبل التحريك وَلكنهَا مَا ظَهرت إِلَّا بتحريك الشفتين لِأَن هَذَا أَمر مبطن وَلم يقف عَلَيْهِ الرَّاوِي إِلَّا بِالتَّحْرِيكِ ثمَّ استصوب مَا نقل من هَؤُلَاءِ من الْمَعْنى الْمَذْكُور وَمَعَ هَذَا فِيهِ خدش لِأَن من فِي الْبَيْت وَفِي كَلَام سِيبَوَيْهٍ ابتدائية وَمَا فيهمَا مَصْدَرِيَّة وَأَنَّهُمْ جعلُوا كَأَنَّهُمْ خلقُوا من الضَّرْب والحذف مثل {خلق الْإِنْسَان من عجل} ثمَّ الضَّمِير فِي كَانَ على قَوْلهم يرجع إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى تَأْوِيل الْكرْمَانِي يرجع إِلَى العلاج الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله يعالج والأصوب أَن يكون الضَّمِير للرسول وَيجوز هُنَا تَأْوِيلَانِ آخرَانِ أَحدهمَا أَن تكون كلمة من للتَّعْلِيل وَمَا مَصْدَرِيَّة وَفِيه حذف وَالتَّقْدِير وَكَانَ يعالج أَيْضا من أجل تَحْرِيك شَفَتَيْه وَلسَانه كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى للْبُخَارِيّ فِي التَّفْسِير من طَرِيق جرير عَن مُوسَى ابْن أبي عَائِشَة لَفْظَة كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا نزل جِبْرِيل بِالْوَحْي فَكَانَ مِمَّا يُحَرك بِهِ لِسَانه وشفتيه وتحريك اللِّسَان مَعَ الشفتين مَعَ طول الْقِرَاءَة لَا يَخْلُو عَن معالجة الشدَّة وَالْآخر أَن يكون كَانَ بِمَعْنى وجد بِمَعْنى ظهر وَفِيه ضمير يرجع إِلَى العلاج وَالتَّقْدِير وَظهر علاجه الشدَّة من تَحْرِيك شَفَتَيْه قَوْله فَأنْزل الله عطف على قَوْله كَانَ يعالج قَوْله قَالَ أَي ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي تَفْسِير جمعه أَي جمع الله لَك فِي صدرك وَقَالَ فِي تَفْسِير وقرآنه أَي تَقْرَأهُ يَعْنِي المُرَاد من الْقُرْآن الْقِرَاءَة كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب وَفِي أَكثر الرِّوَايَات جمعه لَك صدرك وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة والحموي (جمعه لَك فِي صدرك) قَالَ القَاضِي رَوَاهُ الْأصيلِيّ بِسُكُون الْمِيم مَعَ ضم الْعين وَرفع الرَّاء من صدرك وَلأبي ذَر جمعه لَك فِي صدرك وَعند النَّسَفِيّ جمعه لَك صدرك فَإِن قلت إِذا رفع الصَّدْر بِالْجمعِ مَا وَجهه قلت يكون مجَاز الملابسة الظَّرْفِيَّة إِذْ الصَّدْر ظرف الْجمع فَيكون مثل أنبت الرّبيع البقل فالتقدير جمع الله فِي صدرك
فَإِن قلت مَا فَائِدَة الِاعْتِرَاض. قلت زِيَادَة الْبَيَان بِالْوَصْفِ على القَوْل فَإِن قلت كَيفَ قَالَ فِي الأول كَانَ يحركهما وَفِي الثَّانِي بِلَفْظ رَأَيْت قلت الْعبارَة الأولى أَعم من أَنه رأى بِنَفسِهِ تَحْرِيك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أم سمع أَنه حركهما كَذَا قَالَ الْكرْمَانِي وَلَا حَاجَة إِلَى ذَلِك لِأَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا لم ير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي تِلْكَ الْحَالة لِأَن سُورَة الْقِيَامَة مَكِّيَّة بِاتِّفَاق وَلم يكن ابْن عَبَّاس إِذْ ذَاك ولد لِأَنَّهُ ولد قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين وَالظَّاهِر أَن نزُول هَذِه الْآيَات كَانَ فِي أول الْأَمر وَلَكِن يجوز أَن يكون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخبرهُ بذلك بعد أَو أخبرهُ بعض الصَّحَابَة أَنه شَاهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَأما سعيد بن جُبَير فَرَأى ذَلِك من ابْن عَبَّاس بِلَا خلاف وَمثل هَذَا الحَدِيث يُسمى بالمسلسل بتحريك الشّفة لَكِن لم يتَّصل بسلسلة وَقل فِي المسلسل الصَّحِيح وَقَالَ الْكرْمَانِي فَإِن قلت الْقُرْآن يدل على تَحْرِيك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِسَانه لَا شَفَتَيْه فَلَا تطابق بَين الْوَارِد والمورود فِيهِ. قلت التطابق حَاصِل لِأَن التحريكين متلازمان غَالِبا أَو لِأَنَّهُ كَانَ يُحَرك الْفَم الْمُشْتَمل على اللِّسَان والشفتين فَيصدق كل مِنْهُمَا وَتَبعهُ بعض الشُّرَّاح على هَذَا وَهَذَا تكلّف وتعسف بل إِنَّمَا هُوَ من بَاب الِاكْتِفَاء وَالتَّقْدِير فِي التَّفْسِير من طَرِيق جرير فَكَانَ مِمَّا يُحَرك شَفَتَيْه وَلسَانه كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {سرابيل تقيكم الْحر} أَي وَالْبرد وَيدل عَلَيْهِ رِوَايَة البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير من طَرِيق جرير فَكَانَ مِمَّا يُحَرك لِسَانه وشفتيه والملازمة بَين التحريكين مَمْنُوعَة على مَا لَا يخفى. وتحريك الْفَم مستبعد بل مُسْتَحِيل لِأَن الْفَم اسْم لما يشْتَمل عَلَيْهِ الشفتان وَعند الْإِطْلَاق لَا يشْتَمل على الشفتين وَلَا على اللِّسَان لَا لُغَة وَلَا عرفا فَافْهَم قَوْله كَمَا كَانَ قَرَأَ وَفِي بعض النّسخ كَمَا كَانَ قَرَأَهُ بضمير الْمَفْعُول أَي كَمَا كَانَ قَرَأَ الْقُرْآن وَفِي بَعْضهَا كَمَا قَرَأَ بِدُونِ لَفْظَة كَانَ (الأسئلة والأجوبة) مِنْهَا مَا قيل مَا كَانَ سَبَب معالجة الشدَّة وَأجِيب بِأَنَّهُ مَا كَانَ يلاقيه من الكد الْعَظِيم وَمن هَيْبَة الْوَحْي الْكَرِيم قَالَ تَعَالَى {إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلا} وَمِنْهَا مَا قيل مَا كَانَ سَبَب تَحْرِيك لِسَانه وشفتيه. وَأجِيب بِأَنَّهُ كَانَ يفعل ذَلِك لِئَلَّا ينسى وَقَالَ تَعَالَى {سنقرؤك فَلَا تنسى الْأَعْلَى} وَقَالَ الشّعبِيّ إِنَّمَا كَانَ ذَلِك من حبه لَهُ وحلاوته فِي لِسَانه فَنهى عَن ذَلِك حَتَّى يجْتَمع لِأَن بعضه مُرْتَبِط بِبَعْضِه وَمِنْهَا مَا قيل مَا فَائِدَة المسلسل من الْأَحَادِيث وَأجِيب بِأَن فَائِدَته اشتماله على زِيَادَة الضَّبْط واتصال السماع وَعدم التَّدْلِيس وَمثله حَدِيث المصافحة وَنَحْوهَا (استنباط الْأَحْكَام) مِنْهُ الِاسْتِحْبَاب للمعلم أَن يمثل للمتعلم بِالْفِعْلِ ويريه الصُّورَة بِفِعْلِهِ إِذا كَانَ فِيهِ زِيَادَة بَيَان على الْوَصْف بالْقَوْل وَمِنْه أَن أحدا لَا يحفظ الْقُرْآن إِلَّا بعون الله تَعَالَى وَمِنْه وفضله قَالَ تَعَالَى {وَلَقَد يسرنَا الْقُرْآن للذّكر فَهَل من مُذَكّر الْقَمَر و 22} وَمِنْه فِيهِ دلَالَة على جَوَاز تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْخطاب كَمَا هُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَذَلِكَ لِأَن ثمَّ تدل على التَّرَاخِي كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي قلت تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة مُمْتَنع عِنْد الْكل إِلَّا عِنْد من جوز تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وَأما تَأْخِيره عَن وَقت الْخطاب إِلَى وَقت الْحَاجة فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى جَوَازه وَاخْتَارَهُ ابْن الْحَاجِب وَقَالَ الصَّيْرَفِي والحنابلة مُمْتَنع وَقَالَ الْكَرْخِي بالتفصيل وَهُوَ أَن تَأْخِيره عَن وَقت الْخطاب مُمْتَنع فِي غير الْمُجْمل كبيان التَّخْصِيص وَالتَّقْيِيد والنسخ إِلَى غير ذَلِك وَجَائِز فِي الْمُجْمل كالمشترك. وَقَالَ الجبائي تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْخطاب مُمْتَنع فِي غير النّسخ وَجَائِز فِي النّسخ
5 - (حَدثنَا عَبْدَانِ قَالَ أخبرنَا عبد الله قَالَ أخبرنَا يُونُس عَن الزُّهْرِيّ ح وَحدثنَا بشر بن مُحَمَّد قَالَ أخبرنَا عبد الله قَالَ أخبرنَا يُونُس وَمعمر عَن الزُّهْرِيّ نَحوه قَالَ أَخْبرنِي عبيد الله بن عبد الله عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَجود النَّاس وَكَانَ أَجود
الجزء 1 · صفحة 74
مَا يكون فِي رَمَضَان حِين يلقاه جِبْرِيل وَكَانَ يلقاه فِي كل لَيْلَة من رَمَضَان فيدارسه الْقُرْآن فلرسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَجود بِالْخَيرِ من الرّيح الْمُرْسلَة) وَجه مُنَاسبَة إِيرَاد هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب هُوَ أَن فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن ابْتِدَاء نزُول الْقُرْآن كَانَ فِي رَمَضَان فَكَانَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام يتعاهده فِي كل سنة فيعارضه بِمَا نزل عَلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ الْعَام الَّذِي توفّي فِيهِ عَارضه بِهِ مرَّتَيْنِ كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح عَن فَاطِمَة رَضِي الله عَنْهَا وَعَن زَوجهَا وَصلى الله على أَبِيهَا وَكَانَ هَذَا من أَحْكَام الْوَحْي وَالْبَاب فِي الْوَحْي (بَيَان رِجَاله) وهم ثَمَانِيَة تقدم مِنْهُم. ابْن عَبَّاس. وَالزهْرِيّ. وَمعمر. وَيُونُس. فَبَقيت أَرْبَعَة الأول عَبْدَانِ بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وبالدال الْمُهْملَة وَهُوَ لقب عبد الله بن عُثْمَان بن جبلة بن أبي رواد مَيْمُون وَقيل أَيمن الْعَتكِي بِالْعينِ الْمُهْملَة الْمَفْتُوحَة وبالتاء الْمُثَنَّاة من فَوق أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمروزِي مولى الْمُهلب بِفَتْح اللَّام الْمُشَدّدَة ابْن أبي صفرَة بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة سمع مَالِكًا وَحَمَّاد بن زيد وَغَيرهمَا من الْأَعْلَام روى عَنهُ الذهلي وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهمَا وروى مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ مَاتَ سنة إِحْدَى أَو اثْنَيْنِ وَعشْرين أَو عشْرين وَمِائَتَيْنِ عَن سِتّ وَسبعين سنة وعبدان لقب جمَاعَة أكبرهم هَذَا وعبدان أَيْضا ابْن بنت عبد الْعَزِيز بن أبي رواد وَقَالَ ابْن طَاهِر إِنَّمَا قيل لَهُ ذَلِك لِأَن كنيته أَبُو عبد الرَّحْمَن واسْمه عبد الله فَاجْتمع من اسْمه وكنيته عَبْدَانِ. وَقَالَ بعض الشَّارِحين وَهَذَا لَا يَصح بل ذَاك من تَغْيِير الْعَامَّة للأسامي وكسرهم لَهَا فِي زمن صغر الْمُسَمّى أَو نَحْو ذَلِك كَمَا قَالُوا فِي عَليّ عَلان وَفِي أَحْمد بن يُوسُف السّلمِيّ وَغَيره حمدَان وَفِي وهب بن بَقِيَّة الوَاسِطِيّ وهبان. قلت الَّذِي قَالَه ابْن طَاهِر هُوَ الْأَوْجه لِأَن عَبْدَانِ تَثْنِيَة عبد وَلما كَانَ أول اسْمه عبد وَأول كنيته عبد قيل عَبْدَانِ الثَّانِي عبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك بن وَاضح الْحَنْظَلِي التَّمِيمِي مَوْلَاهُم الْمروزِي الإِمَام الْمُتَّفق على جلالته وإمامته وورعه وسخائه وعبادته الثِّقَة الْحجَّة الثبت وَهُوَ من تَابِعِيّ التَّابِعين وَكَانَ أَبوهُ تركيا مَمْلُوكا لرجل من هَمدَان وَأمه خوارزمية ولد سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَة وَمَات فِي رَمَضَان سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ بهيت فِي الْعرَاق منصرفا من الْغَزْو. وهيت بِكَسْر الْهَاء وَفِي آخِره تَاء مثناة من فَوق مَدِينَة على شاطىء الْفُرَات سميت بذلك لِأَنَّهَا فِي هوة وَعبد الله بن الْمُبَارك هَذَا من أَفْرَاد الْكتب السِّتَّة لَيْسَ فِيهَا من يُسمى بِهَذَا الِاسْم نعم فِي الروَاة غَيره خَمْسَة أحدهم بغدادي حدث عَن همام الثَّانِي خراساني وَلَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ الثَّالِث شيخ روى عَنهُ الْأَثْرَم الرَّابِع جوهري روى عَن أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ الْخَامِس بزار. روى عَنهُ سهل البُخَارِيّ الثَّالِث بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة والشين الْمُعْجَمَة الساكنة ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد الْمروزِي السّخْتِيَانِيّ روى عَنهُ البُخَارِيّ مُنْفَردا بِهِ عَن بَاقِي الْكتب السِّتَّة هُنَا وَفِي التَّوْحِيد وَفِي الصَّلَاة وَغَيرهَا ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته وَقَالَ كَانَ مرجئا مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ الرَّابِع عبيد الله بِلَفْظ التصغير فِي عبد بن عبد الله بن عتبَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ابْن مَسْعُود بن غافل بالغين الْمُعْجَمَة ابْن حبيب بن شمخ بن فار بِالْفَاءِ وَتَخْفِيف الرَّاء بن مَخْزُوم ابْن طاهلة بن كَاهِل بِكَسْر الْهَاء بن الْحَرْث بن تَمِيم بن سعد بن هُذَيْل بن مدركة بن الياس بن مُضر الْهُذلِيّ الْمدنِي الإِمَام الْجَلِيل التَّابِعِيّ أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة سمع خلقا من الصَّحَابَة مِنْهُم ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَأَبُو هُرَيْرَة وَعنهُ جمع من التَّابِعين وَهُوَ معلم عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَكَانَ قد ذهب بَصَره توفّي سنة تسع أَو ثَمَان أَو خمس أَو أَربع وَتِسْعين (بَيَان تعدد الحَدِيث وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ فِي خَمْسَة مَوَاضِع هُنَا كَمَا ترى. وَفِي صفة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن عَبْدَانِ أَيْضا عَن ابْن الْمُبَارك عَن يُونُس وَفِي الصَّوْم عَن مُوسَى بن إِبْرَاهِيم وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن يحيى بن قزعة عَن إِبْرَاهِيم وَفِي بَدَأَ الْخلق عَن ابْن مقَاتل عَن عبد الله عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن أَرْبَعَة عَن مَنْصُور بن أبي مُزَاحم وَأبي عمرَان مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن إِبْرَاهِيم وَعَن أبي كريب عَن ابْن الْمُبَارك عَن يُونُس وَعَن عبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر ثَلَاثَتهمْ عَن الزُّهْرِيّ بِهِ (بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا أَنه اجْتمع فِيهِ عدَّة مراوزة ابْن الْمُبَارك وراوياه وَمِنْهَا أَن البُخَارِيّ حدث الحَدِيث
الجزء 1 · صفحة 75
هَذَا عَن الشَّيْخَيْنِ عَبْدَانِ وَبشر كليهمَا عَن عبد الله بن الْمُبَارك وَالشَّيْخ الأول ذكر لعبد الله شَيخا وَاحِدًا وَهُوَ يُونُس وَالثَّانِي ذكر لَهُ الشَّيْخَيْنِ يُونُس ومعمرا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله وَمعمر نَحوه أَي نَحْو حَدِيث يُونُس نَحوه بِاللَّفْظِ وَعَن معمر بِالْمَعْنَى وَلأَجل هَذَا زَاد فِيهِ لفظ نَحوه وَمِنْهَا زِيَادَة الْوَاو فِي قَوْله وَحدثنَا بشر وَهَذَا يُسمى وَاو التَّحْوِيل من إِسْنَاد إِلَى آخر ويعبر عَنْهَا غَالِبا بِصُورَة (ح) مُهْملَة مُفْردَة وَهَكَذَا وَقع فِي بعض النّسخ وَقَالَ النَّوَوِيّ وَهَذِه الْحَاء كَثِيرَة فِي صَحِيح مُسلم قَليلَة فِي صَحِيح البُخَارِيّ انْتهى وعادتهم أَنه إِذا كَانَ للْحَدِيث إسنادان أَو أَكثر كتبُوا عِنْد الِانْتِقَال من إِسْنَاد إِلَى إِسْنَاد ذَلِك مُسَمّى (ح) أَي حرف الْحَاء فَقيل أَنَّهَا مَأْخُوذَة من التَّحَوُّل لتحوله من إِسْنَاد إِلَى إِسْنَاد وَأَنه يَقُول القارىء إِذا انْتهى إِلَيْهَا حاء مَقْصُورَة وَيسْتَمر فِي قِرَاءَة مَا بعده وَفَائِدَته أَن لَا يركب الْإِسْنَاد الثَّانِي مَعَ الْإِسْنَاد الأول فيجعلا إِسْنَادًا وَاحِدًا وَقيل أَنَّهَا من حَال بَين الشَّيْئَيْنِ إِذا حجز لكَونهَا حَالَة بَين الإسنادين وَأَنه لَا يلفظ عِنْد الِانْتِهَاء إِلَيْهَا بِشَيْء وَقيل أَنَّهَا رمز إِلَى قَوْله الحَدِيث فَأهل الْمغرب يَقُولُونَ إِذا وصلوا إِلَيْهَا الحَدِيث وَقد كتب جمَاعَة من الْحفاظ موضعهَا (صَحَّ) فيشعر بِأَنَّهَا رمز صَحَّ لِئَلَّا يتَوَهَّم أَنه سقط متن الْإِسْنَاد الأول (بَيَان اللُّغَات) قَوْله أَجود النَّاس هُوَ أفعل التَّفْضِيل من الْجُود وَهُوَ الْعَطاء أَي أعْطى مَا يَنْبَغِي لمن يَنْبَغِي وَمَعْنَاهُ هُوَ أسخى النَّاس لما كَانَت نَفسه أشرف النُّفُوس ومزاجه أعدل الأمزجة لَا بُد أَن يكون فعله أحسن الْأَفْعَال وشكله أَمْلَح الأشكال وخلقه أحسن الْأَخْلَاق فَلَا شكّ بِكَوْنِهِ أَجود وَكَيف لَا وَهُوَ مستغن عَن الفانيات بالباقيات الصَّالِحَات قَوْله فِي رَمَضَان أَي شهر رَمَضَان قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ الرمضان مصدر رمض إِذا احْتَرَقَ من الرمضاء فأضيف إِلَيْهِ الشَّهْر وَجعل علما وَمنع من الصّرْف للتعريف وَالْألف وَالنُّون وسموه بذلك لارتماضهم فِيهِ من حر الْجُوع ومقاساة شدته قَوْله فيدارسه من المدارسة من بَاب المفاعلة من الدَّرْس وَهُوَ الْقِرَاءَة على سرعَة وقدرة عَلَيْهِ من درست الْكتاب أدرسه وأدرسه وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَة {وَبِمَا كُنْتُم تدرسون} مِثَال تجلسون درسا ودراسة قَالَ الله تَعَالَى {ودرسوا مَا فِيهِ} وأدرس الْكتاب قَرَأَهُ مثل درسه وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَة {وَبِمَا كُنْتُم تدرسون} من الإدراس ودرس الْكتب تدريسا شدد للْمُبَالَغَة وَمِنْه مدرس الْمدرسَة والمدارسة المقارأة وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو (وليقولوا دارست) أَي قَرَأت على الْيَهُود وقرأوا عَلَيْك وَهَهُنَا لما كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَجِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام يتناوبان فِي قِرَاءَة الْقُرْآن كَمَا هُوَ عَادَة الْقُرَّاء بِأَن يقْرَأ مثلا هَذَا عشرا وَالْآخر عشرا أَتَى بِلَفْظَة المدارسة أَو أَنَّهُمَا كَانَا يتشاركان فِي الْقِرَاءَة أَي يقرآن مَعًا وَقد علم أَن بَاب المفاعلة لمشاركة اثْنَيْنِ نَحْو ضاربت زيدا وخاصمت عمرا قَوْله الرّيح الْمُرْسلَة بِفَتْح السِّين أَي المبعوثة لنفع النَّاس هَذَا إِذا جعلنَا اللَّام فِي الرّيح للْجِنْس وَأَن جعلناها للْعهد يكون الْمَعْنى من الرّيح الْمُرْسلَة للرحمة قَالَ تَعَالَى {وَهُوَ الَّذِي يُرْسل الرِّيَاح بشرا بَين يَدي رَحمته} وَقَالَ تَعَالَى {والمرسلات عرفا} أَي الرِّيَاح المرسلات للمعروف على أحد التفاسير (بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله أَجود النَّاس كَلَام إضافي مَنْصُوب لِأَنَّهُ خبر كَانَ قَوْله وَكَانَ أَجود مَا يكون يجوز فِي أَجود الرّفْع وَالنّصب أما الرّفْع فَهُوَ أَكثر الرِّوَايَات وَوَجهه أَن يكون اسْم كَانَ وَخَبره مَحْذُوف حذفا وَاجِبا لِأَنَّهُ نَحْو قَوْلك أَخطب مَا يكون الْأَمِير قَائِما وَلَفْظَة مَا مَصْدَرِيَّة أَي أَجود أكوان الرَّسُول. وَقَوله فِي رَمَضَان فِي مَحل النصب على الْحَال وَاقع موقع الْخَبَر الَّذِي هُوَ حَاصِل أَو وَاقع. وَقَوله حِين يلقاه حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي حَاصِل الْمُقدر فَهُوَ حَال عَن حَال وَمثلهمَا يُسمى بالحالين المتداخلتين وَالتَّقْدِير كَانَ أَجود أكوانه حَاصِلا فِي رَمَضَان حَال الملاقاة وَوجه آخر أَن يكون فِي كَانَ ضمير الشان وأجود مَا يكون أَيْضا كَلَام إضافي مُبْتَدأ وَخَبره فِي رَمَضَان وَالتَّقْدِير كَانَ الشَّأْن أَجود أكوان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي رَمَضَان أَي حَاصِل فِي رَمَضَان عِنْد الملاقاة وَوجه آخر أَن يكون الْوَقْت فِيهِ مُقَدرا كَمَا فِي مقدم الْحَاج وَالتَّقْدِير كَانَ أَجود أَوْقَات كَونه وَقت كَونه فِي رَمَضَان وَإسْنَاد الْجُود إِلَى أوقاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على سَبِيل الْمُبَالغَة كأسناد الصَّوْم إِلَى النَّهَار فِي نَحْو نَهَاره صَائِم وَأما النصب فَهُوَ رِوَايَة الْأصيلِيّ وَوَجهه أَن يكون خبر كَانَ وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يلْزم من ذَلِك أَن يكون خَبَرهَا هُوَ اسْمهَا. وَأجَاب بَعضهم عَن ذَلِك بِأَن يَجْعَل اسْم
الجزء 1 · صفحة 76
كَانَ ضمير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأجود خَبَرهَا وَالتَّقْدِير وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُدَّة كَونه فِي رَمَضَان أَجود مِنْهُ فِي غَيره. قلت هَذَا لَا يَصح لِأَن كَانَ إِذا كَانَ فِيهِ ضمير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يَصح أَن يكون أَجود خَبرا لَكَانَ لِأَنَّهُ مُضَاف إِلَى الْكَوْن وَلَا يخبر بِكَوْن عَمَّا لَيْسَ بِكَوْن فَيجب أَن يَجْعَل مُبْتَدأ وَخَبره فِي رَمَضَان وَالْجُمْلَة خبر كَانَ وَإِن استتر فِيهِ ضمير الشَّأْن فَظَاهر فَافْهَم. وَقَالَ النَّوَوِيّ الرّفْع أشهر وَيجوز فِيهِ النصب. قلت من جملَة مؤكدات الرّفْع وُرُوده بِدُونِ كَانَ فِي صَحِيح البُخَارِيّ فِي بَاب الصَّوْم قَوْله وَكَانَ يلقاه قَالَ الْكرْمَانِي يحْتَمل كَون الضَّمِير الْمَرْفُوع لجبريل عَلَيْهِ السَّلَام والمنصوب للرسول وَبِالْعَكْسِ قلت الرَّاجِح أَن يكون الضَّمِير الْمَرْفُوع لجبريل عَلَيْهِ السَّلَام بِقَرِينَة قَوْله حِين يلقاه جِبْرِيل قَوْله فيدارسه عطف على قَوْله يلقاه. وَقَوله الْقُرْآن بِالنّصب لِأَنَّهُ الْمَفْعُول الثَّانِي للمدارسة إِذْ الْفِعْل الْمُتَعَدِّي إِذا نقل إِلَى بَاب المفاعلة يصير مُتَعَدِّيا إِلَى اثْنَيْنِ نَحْو جاذبته الثَّوْب قَوْله فلرسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله أَجود وَاللَّام فِيهِ مَفْتُوحَة لِأَنَّهُ لَام الِابْتِدَاء زيد على الْمُبْتَدَأ للتَّأْكِيد (الأسئلة والأجوبة) مِنْهَا مَا قيل أَن هَهُنَا أَربع جمل فَمَا الْجِهَة الجامعة بَينهَا وَأجِيب بِأَن الْمُنَاسبَة بَين الْجمل الثَّلَاث وَهِي قَوْله كَانَ أَجود النَّاس. وَكَانَ أَجود مَا يكون فِي رَمَضَان. وفلرسول الله. الخ ظَاهِرَة لِأَنَّهُ أَشَارَ بِالْجُمْلَةِ الأولى إِلَى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَجود النَّاس مُطلقًا وَأَشَارَ بِالثَّانِيَةِ إِلَى أَن جوده فِي رَمَضَان يفضل على جوده فِي سَائِر أوقاته وَأَشَارَ بالثالثة إِلَى أَن جوده فِي عُمُوم النَّفْع والإسراع فِيهِ كَالرِّيحِ الْمُرْسلَة وَشبه عُمُومه وَسُرْعَة وُصُوله إِلَى النَّاس بِالرِّيحِ المنتشرة وشتان مَا بَين الْأَمريْنِ فَإِن أَحدهمَا يحيي الْقلب بعد مَوته وَالْآخر يحيي الأَرْض بعد مَوتهَا وَأما الْمُنَاسبَة بَين الْجُمْلَة الرَّابِعَة وَهِي قَوْله وَكَانَ يلقاه فِي كل لَيْلَة من رَمَضَان فيدارسه الْقُرْآن وَبَين الْجُمْلَة الْبَاقِيَة فَهِيَ أَن جوده الَّذِي فِي رَمَضَان الَّذِي فضل على جوده فِي غَيره إِنَّمَا كَانَ بأمرين أَحدهمَا بِكَوْنِهِ فِي رَمَضَان وَالْآخر بملاقاته جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ومدارسته مَعَه الْقُرْآن وَلما كَانَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي صدد بَيَان أَقسَام جوده على سَبِيل تَفْضِيل بعضه على بعض أَشَارَ فِيهِ إِلَى بَيَان السَّبَب الْمُوجب لَا على جوده وَهُوَ كَونه فِي رَمَضَان وملاقاته جِبْرِيل فَإِن قلت مَا وَجه كَون هذَيْن الْأَمريْنِ سَببا مُوجبا لأعلى جوده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قلت أما رَمَضَان فَإِنَّهُ شهر عَظِيم وَفِيه الصَّوْم وَفِيه لَيْلَة الْقدر وَهُوَ من أشرف الْعِبَادَات فَلذَلِك قَالَ الصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ فَلَا جرم يتضاعف ثَوَاب الصَّدَقَة وَالْخَيْر فِيهِ وَكَذَلِكَ الْعِبَادَات وَعَن هَذَا قَالَ الزُّهْرِيّ تَسْبِيحَة فِي رَمَضَان خير من سبعين فِي غَيره وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث إِنَّه يعْتق فِيهِ كل لَيْلَة ألف ألف عَتيق من النَّار. وَأما ملاقاة جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَإِن فِيهَا زِيَادَة ترقيه فِي المقامات وَزِيَادَة اطِّلَاعه على عُلُوم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَلَا سِيمَا عِنْد مدارسته الْقُرْآن مَعَه مَعَ نُزُوله إِلَيْهِ فِي كل لَيْلَة وَلم ينزل إِلَى غَيره من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام مَا نزل إِلَيْهِ فَهَذَا كُله من الْفَيْض الإلهي الَّذِي فتح لي فِي هَذَا الْمقَام الَّذِي لم يفتح لغيري من الشُّرَّاح فَللَّه الْحَمد والْمنَّة وَمِنْهَا مَا قيل مَا الْحِكْمَة فِي مدارسته الْقُرْآن فِي رَمَضَان. وَأجِيب بِأَنَّهَا كَانَت لتجديد الْعَهْد وَالْيَقِين وَقَالَ الْكرْمَانِي وَفَائِدَة درس جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام تَعْلِيم الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بتجويد لَفظه وَتَصْحِيح إِخْرَاج الْحُرُوف من مخارجها وليكون سنة فِي هَذِه الْأمة كتجويد التلامذة على الشُّيُوخ قراءتهم وَأما تَخْصِيصه رَمَضَان فلكونه موسم الْخيرَات لِأَن نعم الله تَعَالَى على عباده فِيهِ زَائِدَة على غَيره وَقيل الْحِكْمَة فِي المدارسة أَن الله تَعَالَى ضمن لنَبيه أَن لَا ينساه فأقره بهَا وَخص بذلك رَمَضَان لِأَن الله تَعَالَى أنزل الْقُرْآن فِيهِ إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا جملَة من اللَّوْح الْمَحْفُوظ ثمَّ نزل بعد ذَلِك على حسب الْأَسْبَاب فِي عشْرين سنة. وَقيل نزلت صحف إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام أول لَيْلَة مِنْهُ. والتوراة لست وَالْإِنْجِيل لثلاث عشرَة وَالْقُرْآن لأَرْبَع وَعشْرين وَمِنْهَا مَا قيل الْمَفْهُوم مِنْهُ أَن جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ ينزل على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي كل لَيْلَة من رَمَضَان وَهَذَا يُعَارضهُ مَا رُوِيَ فِي صَحِيح مُسلم فِي كل سنة فِي رَمَضَان حَتَّى يَنْسَلِخ. وَأجِيب بِأَن الْمَحْفُوظ فِي مُسلم أَيْضا مثل مَا فِي البُخَارِيّ وَلَئِن سلمنَا صِحَة الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة فَلَا تعَارض لِأَن مَعْنَاهُ بِمَعْنى الأول لِأَن قَوْله حَتَّى يَنْسَلِخ بِمَعْنى كل لَيْلَة (بَيَان استنباط الْفَوَائِد) مِنْهَا الْحَث على الْجُود والأفضال فِي كل الْأَوْقَات وَالزِّيَادَة مِنْهَا فِي رَمَضَان وَعند الِاجْتِمَاع
الجزء 1 · صفحة 77
بالصالحين وَمِنْهَا زِيَارَة الصلحاء وَأهل الْفضل ومجالستهم وتكرير زيارتهم ومواصلتها إِذا كَانَ المزور لَا يكره ذَلِك وَمِنْهَا اسْتِحْبَاب استكثار الْقِرَاءَة فِي رَمَضَان وَمِنْهَا اسْتِحْبَاب مدارسة الْقُرْآن وَغَيره من الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَمِنْهَا أَنه لَا بَأْس بِأَن يُقَال رَمَضَان من غير ذكر شهر على الصَّحِيح على مَا يَأْتِي الْكَلَام فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَمِنْهَا أَن الْقِرَاءَة أفضل من التَّسْبِيح وَسَائِر الْأَذْكَار إِذْ لَو كَانَ الذّكر أفضل أَو مُسَاوِيا لفعلاه دَائِما أَو فِي أَوْقَات مَعَ تكَرر اجْتِمَاعهمَا. فَإِن قلت الْمَقْصُود تجويد الْحِفْظ. قلت أَن الْحِفْظ كَانَ حَاصِلا وَالزِّيَادَة فِيهِ تحصل بِبَعْض هَذِه الْمجَالِس
6 - (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع قَالَ أخبرنَا شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ قَالَ أَخْبرنِي عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود أَن عبد الله بن عَبَّاس أخبرهُ أَن أَبَا سُفْيَان بن حَرْب أخبرهُ أَن هِرقل أرسل إِلَيْهِ فِي ركب من قُرَيْش وَكَانُوا تجارًا بالشأم فِي الْمدَّة الَّتِي كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ماد فِيهَا أَبَا سُفْيَان وكفار قُرَيْش فَأتوهُ وهم بإيلياء فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسه وَحَوله عُظَمَاء الرّوم ثمَّ دعاهم ودعا بترجمانه فَقَالَ أَيّكُم أقرب نسبا بِهَذَا الرجل الَّذِي يزْعم أَنه نَبِي فَقَالَ أَبُو سُفْيَان فَقلت أَنا أقربهم نسبا فَقَالَ أدنوه مني وقربوا أَصْحَابه فاجعلوهم عِنْد ظَهره ثمَّ قَالَ لِترْجُمَانِهِ قل لَهُم إِنِّي سَائل هَذَا عَن هَذَا الرجل فَإِن كَذبَنِي فَكَذبُوهُ فوَاللَّه لَوْلَا الْحيَاء من أَن يأثروا عَليّ كذبا لكذبت عَنهُ ثمَّ كَانَ أول مَا سَأَلَني عَنهُ أَن قَالَ كَيفَ نسبه فِيكُم قلت هُوَ فِينَا ذُو نسب قَالَ فَهَل قَالَ هَذَا القَوْل مِنْكُم أحد قطّ قبله قلت لَا قَالَ فَهَل كَانَ من آبَائِهِ من ملك قلت لَا قَالَ فأشراف النَّاس يتبعونه أم ضُعَفَاؤُهُمْ فَقلت بل ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ أيزيدون أم ينقصُونَ قلت بل يزِيدُونَ قَالَ فَهَل يرْتَد أحد مِنْهُم سخطَة لدينِهِ بعد أَن يدْخل فِيهِ قلت لَا قَالَ فَهَل كُنْتُم تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قبل أَن يَقُول مَا قَالَ قلت لَا قَالَ فَهَل يغدر قلت لَا وَنحن مِنْهُ فِي مُدَّة لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعل فِيهَا قَالَ وَلم تمكني كلمة أَدخل فِيهَا شَيْئا غير هَذِه الْكَلِمَة قَالَ فَهَل قاتلتموه قلت نعم قَالَ فَكيف كَانَ قتالكم إِيَّاه قلت الْحَرْب بَيْننَا وَبَينه سِجَال ينَال منا وننال مِنْهُ قَالَ مَاذَا يَأْمُركُمْ قلت يَقُول اعبدوا الله وَحده وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا واتركوا مَا يَقُول آباؤكم ويأمرنا بِالصَّلَاةِ والصدق والعفاف والصلة فَقَالَ للترجمان قل لَهُ سَأَلتك عَن نسبه فَذكرت أَنه فِيكُم ذُو نسب فَكَذَلِك الرُّسُل تبْعَث فِي نسب قَومهَا وَسَأَلْتُك هَل قَالَ أحد مِنْكُم هَذَا القَوْل فَذكرت أَن لَا فَقلت لَو كَانَ أحد قَالَ هَذَا القَوْل قبله لَقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله وَسَأَلْتُك هَل كَانَ من آبَائِهِ من ملك فَذكرت أَن لَا قلت فَلَو كَانَ من آبَائِهِ من ملك قلت رجل يطْلب ملك أَبِيه وَسَأَلْتُك هَل كُنْتُم تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قبل أَن يَقُول مَا قَالَ فَذكرت أَن لَا فقد أعرف أَنه لم يكن ليذر الْكَذِب على النَّاس ويكذب على الله وَسَأَلْتُك أَشْرَاف النَّاس اتَّبعُوهُ أم ضُعَفَاؤُهُمْ فَذكرت أَن ضعفاءهم اتَّبعُوهُ وهم أَتبَاع الرُّسُل وَسَأَلْتُك أيزيدون أم ينقصُونَ فَذكرت أَنهم يزِيدُونَ وَكَذَلِكَ أَمر الْإِيمَان حَتَّى يتم وَسَأَلْتُك أيرتد أحد سخطَة لدينِهِ بعد أَن يدْخل فِيهِ
الجزء 1 · صفحة 78
فَذكرت أَن لَا وَكَذَلِكَ الْإِيمَان حِين تخالط بشاشته الْقُلُوب وَسَأَلْتُك هَل يغدر فَذكرت أَن لَا وَكَذَلِكَ الرُّسُل لَا تغدر وَسَأَلْتُك بِمَا يَأْمُركُمْ فَذكرت أَنه يَأْمُركُمْ أَن تعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وينهاكم عَن عبَادَة الْأَوْثَان ويأمركم بِالصَّلَاةِ والصدق والعفاف فَإِن كَانَ مَا تَقول حَقًا فسيملك مَوضِع قدمي هَاتين وَقد كنت أعلم أَنه خَارج لم أكن أَظن أَنه مِنْكُم فَلَو أَنِّي أعلم أَنِّي أخْلص إِلَيْهِ لتجشمت لقاءه وَلَو كنت عِنْده لغسلت عَن قَدَمَيْهِ ثمَّ دَعَا بِكِتَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي بعث بِهِ دحْيَة إِلَى عَظِيم بصرى فَدفعهُ إِلَى هِرقل فقرأه فَإِذا فِيهِ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من مُحَمَّد عبد الله وَرَسُوله إِلَى هِرقل عَظِيم الرّوم سَلام على من اتبع الْهدى أما بعد فَإِنِّي أَدْعُوك بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرَّتَيْنِ فَإِن توليت فَإِن عَلَيْك إِثْم الأريسيين {وَيَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم أَن لَا نعْبد إِلَّا الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا وَلَا يتَّخذ بَعْضنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله فَإِن توَلّوا فقولو اشْهَدُوا بِأَنا مُسلمُونَ} . قَالَ أَبُو سُفْيَان فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ وَفرغ من قِرَاءَة الْكتاب كثر عِنْده الصخب وَارْتَفَعت الْأَصْوَات وأخرجنا فَقلت لِأَصْحَابِي حِين اخرجنا لقد أَمر أَمر ابْن أبي كَبْشَة إِنَّه يخافه ملك بني الْأَصْفَر فَمَا زلت موقنا أَنه سَيظْهر حَتَّى أَدخل الله عَليّ الْإِسْلَام وَكَانَ ابْن الناظور صَاحب إيلياء وهرقل سقفا على نَصَارَى الشأم يحدث أَن هِرقل حِين قدم إيلياء أصبح يَوْمًا خَبِيث النَّفس فَقَالَ بعض بطارقته قد استنكرنا هيئتك قَالَ ابْن الناظور وَكَانَ هِرقل حزاء ينظر فِي النُّجُوم فَقَالَ لَهُم حِين سَأَلُوهُ إِنِّي رَأَيْت اللَّيْلَة حِين نظرت فِي النُّجُوم ملك الْخِتَان قد ظهر فَمن يختتن من هَذِه الْأمة قَالُوا لَيْسَ يختتن إِلَّا الْيَهُود فَلَا يهمنك شَأْنهمْ واكتب إِلَى مَدَائِن ملكك فيقتلوا من فيهم من الْيَهُود فَبَيْنَمَا هم على أَمرهم أُتِي هِرقل بِرَجُل أرسل بِهِ ملك غَسَّان يخبر عَن خبر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا استخبره هِرقل قَالَ اذْهَبُوا فانظروا أمختتن هُوَ أم لَا فنظروا إِلَيْهِ فحدثوه أَنه مختتن وَسَأَلَهُ عَن الْعَرَب فَقَالَ هم يختتنون فَقَالَ هِرقل هَذَا ملك هَذِه الْأمة قد ظهر ثمَّ كتب هِرقل إِلَى صَاحب لَهُ برومية وَكَانَ نَظِيره فِي الْعلم وَسَار هِرقل إِلَى حمص فَلم يرم حمص حَتَّى أَتَاهُ كتاب من صَاحبه يُوَافق رَأْي هِرقل على خُرُوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَنه نَبِي فَأذن هِرقل لعظماء الرّوم فِي دسكرة لَهُ بحمص ثمَّ أَمر بأبوابها فغلقت ثمَّ اطلع فَقَالَ يَا معشر الرّوم هَل لكم فِي الْفَلاح والرشد وَأَن يثبت ملككم فتبايعوا هَذَا النَّبِي فحاصوا حَيْصَة حمر الْوَحْش إِلَى الْأَبْوَاب فوجدوها قد غلقت فَلَمَّا رأى هِرقل نفرتهم وأيس من الْإِيمَان قَالَ ردوهم عَليّ وَقَالَ إِنِّي قلت مَقَالَتي آنِفا أختبر بهَا شدتكم على دينكُمْ فقد رَأَيْت فسجدوا لَهُ وَرَضوا عَنهُ فَكَانَ ذَلِك آخر شَأْن هِرقل
الجزء 1 · صفحة 79
وَجه مُنَاسبَة ذكر هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب هُوَ أَنه مُشْتَمل على ذكر جمل من أَوْصَاف من يُوحى إِلَيْهِم وَالْبَاب فِي كَيْفيَّة بَدْء الْوَحْي وَأَيْضًا فَإِن قصَّة هِرقل متضمنة كَيْفيَّة حَال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ابْتِدَاء الْأَمر وَأَيْضًا فَإِن الْآيَة الْمَكْتُوبَة إِلَى هِرقل وَالْآيَة الَّتِي صدر بهَا الْبَاب مشتملتان على أَن الله تَعَالَى أوحى إِلَى الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام بِإِقَامَة الدّين وإعلان كلمة التَّوْحِيد يظْهر ذَلِك بِالتَّأَمُّلِ (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة وَقد ذكر الزُّهْرِيّ وَعبيد الله بن عبد الله وَابْن عَبَّاس وَبقيت ثَلَاثَة الأول أَبُو الْيَمَان بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف الْمِيم واسْمه الحكم بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْكَاف ابْن نَافِع بالنُّون وَالْفَاء الْحِمصِي البهراني مولى امْرَأَة من بهراء بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالمد يُقَال لَهَا أم سَلمَة روى عَن خلق مِنْهُم إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش وَعنهُ خلائق مِنْهُم أَحْمد وَيحيى بن معِين وَأَبُو حَاتِم والذهلي ولد سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَتُوفِّي سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة من اسْمه الحكم بن نَافِع غير هَذَا وَفِي الروَاة الحكم بن نَافِع آخر روى عَنهُ الطَّبَرَانِيّ وَهُوَ قَاضِي القلزم وَالثَّانِي شُعَيْب بن أبي حَمْزَة بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي دِينَار الْقرشِي الْأمَوِي مَوْلَاهُم أَبُو بشر الْحِمصِي سمع خلقا من التَّابِعين مِنْهُم الزُّهْرِيّ وَعنهُ خلق وَهُوَ ثِقَة حَافظ متقن مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَقيل ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَة وَقد جَاوز السّبْعين وَهَذَا الِاسْم مَعَ أَبِيه من أَفْرَاد الْكتب السِّتَّة لَيْسَ فِيهَا سواهُ وَالثَّالِث أَبُو سُفْيَان واسْمه صَخْر بِالْمُهْمَلَةِ ثمَّ بِالْمُعْجَمَةِ ابْن حَرْب بِالْمُهْمَلَةِ وَالرَّاء وبالباء الْمُوَحدَة ابْن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف بن قصي الْقرشِي الْأمَوِي الْمَكِّيّ ويكنى بِأبي حَنْظَلَة أَيْضا ولد قبل الْفِيل بِعشر وَأسلم لَيْلَة الْفَتْح وَشهد الطَّائِف وحنينا وَأَعْطَاهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من غَنَائِم حنين مائَة من الْإِبِل وَأَرْبَعين أُوقِيَّة وفقئت عينه الْوَاحِدَة يَوْم الطَّائِف وَالْأُخْرَى يَوْم اليرموك تَحت راية ابْنه يزِيد فَنزل بِالْمَدِينَةِ وَمَات بهَا سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَقيل سنة أَربع وَهُوَ ابْن ثَمَان وَثَمَانِينَ سنة وَصلى عَلَيْهِ عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ وَهُوَ وَالِد مُعَاوِيَة وَأُخْته صَفِيَّة بنت حزن بن بحير بن الْهدم بن رويبة بن عبد الله بن هِلَال بن عَامر بن صعصعة وَهِي عمَّة مَيْمُونَة بنت الْحَارِث أم الْمُؤمنِينَ روى عَنهُ ابْن عَبَّاس وَابْنه مُعَاوِيَة وَأَبُو سُفْيَان فِي الصَّحَابَة جمَاعَة لَكِن أَبُو سُفْيَان ابْن حَرْب من الْأَفْرَاد (بَيَان الْأَسْمَاء الْوَاقِعَة فِيهِ) مِنْهُم هِرقل بِكَسْر الْهَاء وَفتح الرَّاء على الْمَشْهُور وَحكى جمَاعَة إسكان الرَّاء وَكسر الْقَاف كخندف مِنْهُم الْجَوْهَرِي وَلم يذكر الْقَزاز غَيره وَكَذَا صَاحب المرغب وَلما أنْشد صَاحب الْمُحكم بَيت لبيد بن ربيعَة
(غلب اللَّيَالِي خلف آل محرق ... وكما فعلن بتبع وبهرقل)