الجزء 1 · صفحة 105
[مقدمة الكتاب]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ش: ابتدأ الكتاب بالبسملة أولا، ثم ثنى بالحمدلة اقتداء بالكتاب العزيز المستفتح هكذا، وعملا بقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله وبسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع.» رواه الحافظ عبد القادر الرهاوي في أربعينه: وفي رواية أبي داود والنسائي: «كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم» وفي رواية ابن ماجه: «كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع» ورواه أبو عوانة وابن حبان في صحيحيهما.
وقال ابن الصلاح: ورجاله رجال الصحيح سوى مرة بن عبد الرحمن فإنه ممن تفرد به مسلم بالتخريج له. قال: وهو حديث حسن، بل صحيح.
ومعنى: " أقطع ": قليل البركة، وكذلك: " أجذم " بالجيم من جذم بكسر الذال المعجمة يجذم بفتحها.
فإن قلت: إن بين النصين تعارضا ظاهرا، والابتداء بأحدهما مفوت الابتداء بالآخر.
قلت: يمكن الجمع بأن يقدم أحدهما على الآخر، فيقع الابتداء بالمقدم حقيقة وبالآخر بالإضافة إلى ما سواه، فعمل بالكتاب الوارد بتقديم التسمية والإجماع المنعقد عليه، فلذلك ترك العاطف لئلا يشعر بالتبعية فيخل بالتسوية.
فإن قلت: في قولك: " اقتداء بالكتاب العزيز المستفتح هكذا " نظر من وجهين: أحدهما:
الجزء 1 · صفحة 106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQأنه إنما يتجه الابتداء بالحمد لو لم يكتب في الأول البسملة، وكيف لا، وحال المسلم ينافي قصدا ترك البسملة؟. والآخر: أن الكتاب العزيز لم يستفتح بالحمدلة؛ لأن الترتيب فيه إما بالنظر إلى النزول على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو بالنظر إلى الترتيب العثماني، فإن كان الأول فلا ثم أنه لم يستفتح بالحمد بل بسورة العلق والمدثر على الاختلاف، وإن كان الثاني فهو استفتح بالبسملة قطعا.
قلت: المراد من القول: " اقتداء بالكتاب العزيز المستفتح هكذا " بالنظر إلى ما تقرر عليه استفتاح الكتاب، فكان مطابقا لترتيبه في الابتداء بالبسملة والثني بالحمدلة.
" والباء " في بسم الله للاستعانة، وهي الداخلة عل آلة الفعل، نحو: كتبت بالقلم، ونجرت بالقدوم؛ لأن الفعل لا يتأتى على الوجه الأكمل إلا بها، لأن المؤمن لما اعتقد أن فعله لا يصير معتدا به حسب الشرع، ولا موافقا في السنة حتى يذكر الله وإلا لكان فعلا كأي فعل، لذلك جعل متقولا بسم لله كما يفعل الكاتب بالقلم، ويجوز أن يتعلق باقرأ تعلق الدهن بالإنبات في قَوْله تَعَالَى: {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} [المؤمنون: 20] على معنى نتبرك باسم الله وأقرأ. وكذلك قول الداعي للعرس: بالرفاء والبنين. وهذا الوجه أقرب وأحسن. وعرفت أن الفعل الذي تعلق به الباء على الاسم محذوف، حذف لدلالة الحال عليه، والمعنى: بسم الله أقرأ، أقرأ: أتلو لأن الذي يتلوه مقروء، كما أن المسافر إذا حل أو ارتحل قال: بسم الله والبركات، كأن المعنى: بسم الله أحل وبسم الله أرتحل متبركا به. وكل فاعل يبدأ فيه باسم الله كان مضمرا بما جعل التسمية مبتدأ له.
واعلم أن الظرف أعني " باسم " في الوجه الأول على الإلغاء، وفي الوجه الثاني على الاستقرار ومحله منصوب على الحال، والعامل هو الفعل المحذوف، وإذا قدرنا: ابتدائي بسم الله كان محلها الرفع، والباء على هذا متعلقة بالخبر المحذوف هو نائب عنه كأنه قيل: ابتدائي ثابت أو مستقر بسم الله ونحو ذلك.
فإن قلت: لم لا يتعلق بابتدائي؟.
قلت: لا يجوز ذلك؛ لأنه مصدر، فلو تعلقت به لدخلت في صفاته، وبقي المبتدأ بلا خبر، وذلك أن المصدر إذا كان بمعنى: " أن فعل " و " أن يفعل " احتاج إلى صلة. ونقل بعضهم عن البصريين أن تقديره: أول ما ابتدأته به بسم الله، ولا يجوز أن يتعلق الباء في هذا الوجه بأبدأ؛ لأنه في صلة ما، وما تعلق بالموصول لا يجوز أن يكون خبرا، فتكون الباء متعلقة بمحذوف وهو خبره. وعن الكسائي أن الباء زائدة؛ لأن الباء لا تعلق بشيء، وموضع " الله " وقع تقديره وأول ما أبدأ به: اسم الله. وزيادة الباء في خبر المبتدأ عزيزة جدا لا تكاد توجد إلا ما حكي عن الأخفش: الباء في قَوْله تَعَالَى: {جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} [يونس: 27] م: (يونس: آية 27) ، والتقدير: مثلها، بدليل
الجزء 1 · صفحة 107
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQقَوْله تَعَالَى في موضع آخر: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] (الشورى: آية 40) ، والصواب أن الباء هاهنا متعلقة بمحذوف، والتقدير: سيئة " جزاء سيئة واقع بمثلها. ويجوز أن يتعلق بجزاء والخبر محذوف التقدير: وجزاء..... " بمثلها واقع أو حاصل، وما نقل عنه ضعيف عند المحققين.
واعلم أن الأولى أن يقدر المحذوف متأخرا قصدا إلى اختصاص الابتداء بسم الله؛ وذلك لأن العرب كانوا يبدءون بأسماء آلهتهم، فيقولون: بسم اللات، بسم العزى. وذلك أولى للموحد، كما في قَوْله تَعَالَى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] حيث صرح بتقديم الاسم إرادة الاختصاص. وهذا بخلاف: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] (العلق: آية 1) ، فإن هناك تقديم الفعل أوقع؛ لأنها أول سورة نزلت، فكان الأمر بالقراءة أهم.
وللباء أحد عشر معنى:
الإلصاق: نحو: مررت بزيد. أي التصق مروري بمكان يقرب منه زيد. وقد يقال: إن هذه الباء مكملة بالفعل، ومنه: حلفت بالله، ويقال: معنى الإلصاق لا يفارقها في كل الأحوال.
والتعدية: وتسمى باء الفعل أيضا: نحو: ذهب بزيد.
والاستعانة: وقد مر.
والسبب نحو: {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ} [البقرة: 54] م: (البقرة: آية 54) ، {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} [العنكبوت: 40] م: (العنكبوت: آية 40) .
والمصاحبة: نحو: {اهْبِطْ بِسَلَامٍ} [هود: 48] (سورة هود: آية 48) أي: معه.
والظرفية: نحو: {نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ} [القمر: 34] (سورة القمر: آية 34) .
والبدل: كقول الحماسي:
لي بهم قوما إذا ركبوا
والمقابلة: وهي الداخلة على الأعراض: كاشتريته بألف.
والمجاورة: ك " عن "، فقيل: تختص بالسؤال نحو: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 59] (الفرقان: آية 59) . وقيل: لا تختص به.
والاستعلاء: نحو: {مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ} [آل عمران: 75] (آل عمران: آية 75) .
والتبعيض: أثبته الأصمعي والفارسي وابن مالك، قيل: والكوفيون جعلوا منه: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} [الإنسان: 6] (الإنسان: آية 6) ، ومنه: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] (سورة المائدة: آية 6) .
والقسم: وهي أصل أحرفه.
الجزء 1 · صفحة 108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQوالغاية: نحو: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي} [يوسف: 100] (سورة يوسف: آية 100) ، أي إلي.
والتوكيد: وهي الزائدة، فتكون في الفاعل: {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [النساء: 79] (النساء: آية 79) ، وتكون في المفعول نحو: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] (البقرة: آية 195) ، وتكون في المبتدأ، نحو: " بحسبك درهم "، و " خرجت فإذا بزيد " ونحو ذلك.
وقد قيل: إن الباء في {وَكَفَى بِاللَّهِ} [النساء: 79] ليست لغوا، ويجوز أن يكون الفعل مقدرا بعد كفى، ويكون {بِاللَّهِ} [النساء: 79] صفة له قائمة مقامه، ويجوز أن يكون الفاعل مضمر العين المنصوب بعده، أعنى: شهيدا. كما تقول: نعم رجلا زيدا، أو زيد رجلا، قال هذا القائل: ولو كانت الباء زائدة هناك لكان القياس أن يلحق الفعل عليها علامة التأنيث في قَوْله تَعَالَى: {كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: 14] (الإسراء: آية 14) ؛ لأنه للنفس، وهو ما يغلب عليه التأنيث.
وقال بعضهم: إن الباء تكون للتجريد، نحو: " لقيت بزيد بحرا ". وإنما سمي تجريدا؛ لأنك إذا قلت: زيدا بحرا، كأنك لقيت زيدا وهو جواد فجردته.
فإن قلت: الحرف مبني، وحق البناء السكون.
قلت: لا ينافي الابتداء بها.
فإن قلت: حق الحرف الواحد الفتح لخفته، نحو واو العطف وفائه، وسين الاستقبال، وغيرها.
قلت: لأنهم شبهوا حركتها بحركة معمولها فكسروها.
فإن قلت: الكاف حرف، وهي مع ذلك مفتوحة.
قلت: الكاف يدل على معنيين: معنى الاسم، ومعنى الحرف، فبالأولى أن يحرك بأخف الحركات.
وحكي عن أبي علي بن عيسى أن الباء إنما حركته ليتوصل إلى النطق بها، ولو فتحت أو ضمت لجاز أيضا، وبعض العرب يفتح هذه الباء، وهي لغة قليلة.
ولفظ الاسم أحد الأسماء لعشرة التي بنوا أوائلها على السكون، فإذا نطقوا بها مبتدئين زادوا همزة؛ لئلا يقع الابتداء بالسكن. وهو من الأسماء المحذوفة الأعجاز، كيد ودم.
وأصله: يسمو، واشتقاقه من السمو عند البصريين. قال الكوفيون: من وسم يسم، وقال
الجزء 1 · صفحة 109
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQالبصريون: لو كان كذلك لقالوا في تصغيره: وسيم، وفي جمعه: أوسام، فلما قالوا: سمي وأسماء دل على أن أصله: سمو. ويقال: اسم وسم بالكسر فيهما، واسم وسم بالضم فيهما.
وقال المبرد: سمعت العرب تقول: اسمه، وسمه، وباسمه، وسماه.
وإنما سقطت همزة " اسم " في " الله "؛ لأنها همزة وصل، كما في: ابن وابنة، ونحوهما وسقطت في الخط أيضا لكثرة الاستعمال.
ولفظة: " الله " اسم علم على الباري جل جلاله. والمختار أنه ليس بمشتق، وهو قول الخليل وسيبويه وأكثر الأصوليين والفقهاء. وذلك لأنه لو كان مشتقا لكان معناه معنى كليا لا يمنع نفس تصور مفهومه من وقوع الشركة، وحينئذ لا يكون قولنا: " إلا الله " موجبا للتوحيد المحض. وحيث أجمع الفقهاء على أن هذا موحد محض علمنا أنه اسم علم موضوع لتلك الذات المعينة، وليست من الألفاظ المشتقة كما ذهب إليه سيبويه وآخرون، ثم اختلفوا في اشتقاقه: فقيل: من أله يأله بفتح العين فيهما إلاهة بالكسر أي عبادة.
والإله على وزن فعال بمعنى مفعول، أي مألوه أي معبود. ثم لما كان اسما لعظيم ليس كمثله شيء أرادوا تفخيمه بالتعريف الذي هو " أل "؛ لأنهم أفردوه لهذا الاسم دون غيره، فقالوا: الإله، واستثقلوا الهمزة في كلمة يكثر استعمالهم فيها فحذفوها ثم ادغموا اللام في اللام، فصار " الله " كما نزل به القرآن.
وقيل: من أله يأله بالكسر في الماضي والفتح في الحاضر ألها بفتح الفاء والعين أي سكنا، إنما سمي الله إلها لسكون الخلق إليه في جميع حوائجهم.
وقيل: من أله: أي تحير، إنما سمي به لتحير الخلق في عظمته.
وقيل: من تأله: أي تضرع يتأله تألها، إنما سمي به لتضرع الخلق إليه.
وقيل: من لاه يلوه: أي احتجب عن إدراك الأبصار، وإحاطة الأفكار. قال الشاعر:
لاه ربي عن الخلائق طرا ... خالق الخلق لا يُرى ويرانا
فإن قلت: لم قرن لفظة الاسم بلفظة الله دون سائر أسمائه؟.
قلت: لأنه اسم الذات المستجمع لجميع الصفات العلى والأسماء الحسنى، فلذلك جعل إمام سائر الأسماء، وخصت به كلمة الإخلاص، ووقعت به الشهادة فصار شعائر الإيمان. وهو اسم ممنوع لم يسم به أحد، وقد قبض الله عنه الألسن، فلم يدع به شيء سواه. وقد كان يتعاطاه المشركون اسما لبعض أصنامهم فصرفه به الله إلى اللات صيانة لحق هذا الاسم وذبا عنه، وكذلك
الجزء 1 · صفحة 110
الحمد لله
ـــــــــــــــــــــــــــــQالجواب في " الحمد لله " فافهم.
الرحمن: فعلان من رحم، كغضبان من غضب.
والرحيم: فعيل منه. وفي " رحمان " من المبالغة ما ليس في الرحيم، فلذلك قالوا: رحمان الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا. والزيادة في البناء زيادة في المعنى. واتصاف الله تعالى بالرحمة، ومعناها العطف والحنو، مجاز عن إنعامه على عباده. وذكر الرحيم بعد الرحمن من قبيل التعميم والرديف، وذلك لأنه لما قال: الرحمن، تناول جلائل النعم، ودقائقها، ثم أردفه بالرحيم ليتناول ما دق منها وما لطف، وهما مجروران بالوصفية، وهما من الصفات المادحة بمجرد الثناء والتعظيم.
وقد اختلف في صرف رحمن ومنعه، فمن شرط في المنع انتفاء فعلانه منعه، ومن شرط وجود فعلى صرفه على ما عرفت في موضعه.
م: (الحمد لله) ش: الحمد لله هو الثناء على الجميل الاختياري نعمة كانت أو غيرها، باللسان وحده. يقال: " حمدته على إنعامه وعلى شجاعته. والشكر هو الثناء على النعمة وحدها باللسان وغيره من الجوارح، قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا
فبينهما عموم. والمدح هو الثناء على الجميل اختياريا أولا باللسان وحده، فيقال: حمدت الله وشكرته، ولا يقال: مدحت، فهو أعم من وجه. وقيل: الحمد: هو الثناء باللسان على قصد التعظيم سواء تعلق بالنعمة أو بغيرها. والشكر: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم لكونه منعما سواء كان باللسان أو بالجنان أو بالأركان.
فمورد الحمد لا يكون إلا باللسان، ومتعلقه يكون النعمة أو غيرها، ومتعلق الشكر لا يكون إلا النعمة ومورده يكون اللسان وغيره، فالحمد أعم من الشكر باعتبار المتعلق، وأخص باعتبار المورد، والشكر بالعكس.
وقال الزمخشري: الحمد والمدح أخوان، فالحمد على النعمة وغيرها، والشكر على نعمة خاصة بالقلب واللسان والجوارح، والحمد باللسان وحده، وهو إحدى شعب الشكر والحمد نقيضه الذم، والشكر نقيضه الكفران.
قلت: معنى قوله: أخوان: أي مشتركان في المعنى الأصلي، وهو الثناء لاشتراكهما في الحروف الأصول، غير أن كلا منهما يدل على معنى يختص هو به على حسب الاختلاف في
الجزء 1 · صفحة 111
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQاللفظ، وذلك من وجوه:
الأول: أن المدح قد يحصل للحي وغيره، فإن من رأى لؤلؤة في غايتها يمدحها ولا يحمدها، فبينت أن المدح أعم من الحمد.
الثاني: أن الحمد يكون قبل الإحسان وبعده، والمدح لا يكون إلا بعده.
والثالث: أن المدح قد يكون منهيا عنه، قال - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «احثوا التراب في وجوه المداحين» ، والحمد مطلق.
والرابع: المدح عبارة عن القول الدال على كونه مختصا بنوع من أنواع الفضائل. والحمد هو القول الدال على كونه مختصا بفضيلة معينة، وهي فضيلة الإنعام والإحسان.
ثم اعلم أن معنى الحمد والشكر الحقيقي في العرف أن الحمد ليس عبارة عن قول القائل: الحمد لله، بل هو فعل يشعر عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعما مطلقا، بمعنى أعم من أن يكون منعما للحامد أو لغيره. وذلك أن الفعل إما فعل القلب، أعني الاعتقاد باتصافه بصفات الكمال، أو فعل اللسان، أعني ذكر ما يدل عليه من القرائن والأمارات التي تدل على أن المحمود يتصف بالصفات الكاملة، أو فعل الجوارح، وهو الإتيان بأفعال دالة على اتصافه بصفات الكمال والجمال، وأن الشكر ليس قول القائل: الشكر لله، بل صرفه جميع ما أنعم الله عليه من السمع والبصر وغيرهما إلى ما خلق وأعطاه لأجله، كصرفه النظر إلى مطالعة مصنوعاته يتوصل منها إلى المصدر صانعها، والسمع إلى تلقي ما ينبئ عن مرضاته والاجتناب عن منهياته.
ثم اعلم أن الألف واللام موضوعة إما للعهد الخارجي أو الذهني، وإما لاستغراق الجنس، وإما لتعريف الطبيعة. لكن العهد هو الأصل، ثم الاستغراق، ثم تعريف الطبيعة؛ لأن اللفظ الذي يدخل عليه اللام دال على الماهية بدون اللام. فحمل اللام على الفائدة الجديدة أولى من حمله على تعريف الطبيعة، والفائدة الجديدة هذه إما تعريف العهد أو استغراق الجنس وتعريف العهد أولى من الاستغراق؛ لأنه إنما ذكر بعض أفراد الجنس خارجا وذهنا، فحمل اللام على ذلك البعض المذكور أولى من حمله على جميع الأفراد؛ لأن البعض متيقن، والكل محتمل. وبين هذا اختلفوا إذا دخلت على المفرد أو الجمع: فقالت عامة أهل الأصول والعربية: تفيد الاستغراق فيهما جميعا إلا إذا كان معهودا.
الجزء 1 · صفحة 112
الذي
ـــــــــــــــــــــــــــــQوعن أبي علي الفارسي أنه لمطلق الجنس فيهما، لا للاستغراق، وهذا أحد قولي أبي هاشم المعتزلي، وقوله الآخر: أنه في المفرد لمطلق الجنس، وفي الجمع لمطلق الجمع لا للاستغراق إلا بدليل آخر. فإذا كان كذلك فقيل: الألف واللام في الحمد للجنس، أي حقيقة الحمد كما في " أرسلها العراك " ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل واحد من أن الحمد ما هو، والعراك ما هو من بين أجناس الأفعال.
وقيل: لاستغراق الجنس. أي: الحمد كله لله تعالى. وقالت المعتزلة: للعهد؛ لأنهم يرون أن خلق أفعال العباد مضاف إليهم، فيكون تقديره: المحامد التي تتعلق بالأعيان دون الأعراض لله تعالى.
والأصح أن هذه مسألة ابتدائية للخلاف في معنى الكلام لا بنائه، على الخلاف في خلق الأفعال، فإنهم قالوا: الحمد ما يعرفه كل واحد منهم بحسب الإثم. واللام عندهم المطلق الجنس.
فإن قلت: فعلى هذا قول من يقول: إن اللام لاستغراق الجنس يكون جميع المحامد التي تتعلق بالأعيان والأعراض لله تعالى، فيكون الله تعالى هو المستحق لجميع المحامد لا غير، فكيف يصح قولهم: حمدت فلانا على شجاعته.
قلت: هو في الحقيقة، راجع إلى الله تعالى؛ لأن حمد المخلوق على صفة أو فعل حمد للخالق في الحقيقة. ثم الحمد مرفوع بالابتداء، وخبره قوله: " لله "، وأصله النصب؛ لأن أصله: نحمد الحمد لله، فلما حذف " نحمد " عدل عن النصب إلى الرفع، ليدل على ثبات المعنى؛ لأنه حينئذ يصير الكلام جملة إسمية، وهي راسخة القدم بخلاف الفعلية الدالة على التجدد والحدوث، وأيضا في الفعلية يكون الحمد مقيدا بقائله وليس الأمر كذلك، بل الله محمود قبل حمد الحامدين وقبل شكر الشاكرين، سواء حمده عبيده أو لم يحمدوه، فهو محمود من الأزل إلى الأبد بحمده القديم وكلامه القديم.
م: (الذي) ش: هو صفة، اسم موصول مع صلته في محل الخبر؛ لأنه صفة الله تعالى.
واختلفوا فيما يعمل في الصفة: فذهب جماعة، منهم سيبويه والمزاني وابن كيسان والزجاج، إلى أن العامل فيها هو العامل في الموصوف. وذهب الأخفش إلى أن العامل في الصفة كونها صفة، وأن الوصف يجري على ما قبله وليس معه لفظ عمل فيه، وإنما يعمل فيه كونه وصفا، فذلك هو الذي يرفعه وينصبه ويجره، كما أن المبتدأ اسم رفعه الابتداء، والابتداء معنى عمل فيه ليس لفظا، فكذلك هذا.
الجزء 1 · صفحة 113
أعلى معالم العلم وأعلامه
ـــــــــــــــــــــــــــــQفإن قلت: لم بني الذي على السكون؟
قلت: لأنه يشبه الحرف من حيث إنه لا يستقل بنفسه.
فإن قلت: لم أعرب في حال التثنية؟
قلت: بالتثنية يزول الشبه، إذ لا مثنى في الحروف فيعود إلى أصل استحقاقه في الإعراب. ومنهم من يشدد ياءه ويخفضونه أيضا من غير وجه، لاستطالتهم إياه مع صلته، فقالوا: " الذر " بحذف الياء، ثم " الذ " بحذف الحركة، ثم حذفوه رأسا واجتروا عنه باللام، وذلك في نحو: الضارب إياه زيدا، واسم الفاعل هاهنا في معنى الفعل ومعناه الذي ضرب إياه.
م: (أعلى) ش: مأخوذ من الإعلاء، وثلاثيه: علا يعلو. يقول: علا في المكان يعلو علوا، وعلي بالكسر، في الشرف، يعلى علاء بالفتح، ويقال أيضا: علا بالفتح علاء.
م: (معالم العلم) ش: كلام إضافي، مفعول أعلى. والجملة صلة الموصول. وهو جمع معلم بفتح الميم وهو موضع العلم، والمعنى رفع مواضع درك العلوم، وأراد بها أصول الشرع، لكونها مدرك العلم الشرعي، وقيل: أراد بها العلماء على معنى أنهم مواضع أخذ العلوم. وأما إعلاء الله إياهم فظاهر، قال الله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] (المجادلة: الآية 11) ، حيث خصهم بالذكر ثانيا بعد دخولهم في قوله: {الَّذِينَ آمَنُوا} [المجادلة: 11] إظهارا لزيادة درجاتهم عنده.
م: (وأعلامه) ش: عطف على المعالم، وهو جمع علم بفتحتين وهو الجبل، وأراد به العلماء تشبيها لهم بالجبال، لكونها أوتاد الأرض. وجه الاستعارة أن الجبال تمنع الأرض من التحرك والتمايل، فكذلك العلماء بين ظهراني الأمة، بل ينزلون منهم منزلتها، لكونهم يمنعون عن الميل إلى الزيغ والعناد، ويعني قيام أمورهم وانتظام أقوالهم على منهاج العدل في الشرع يكون منهم، ويقال: المراد من الأعلام: إثبات الأحكام الشرعية وشروطها. فعلى هذا يكون جمع علم، يعني ما يعلم به الشيء، وإعلاء الله إياها ظاهر حيث جعلها في حق العباد، وشرفها على غيرها. ومن جملة محاسن هذا التركيب أنه مشتمل على ما يلحق الجناس، وهو شيئان:
أحدهما: أن يجمع اللفظين الاشتقاق، نحو قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ} [الروم: 43] (الروم: الآية 43) فإن أقم والقيم يرجعان في الاشتقاق إلى القيام.
والثاني: أن يجمعهما ما يشبه الاشتقاق وليس به، نحو قَوْله تَعَالَى: {قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ} [الشعراء: 168] (الشعراء: الآية 168) فإن " قال " و " القالين " يشبه أن يكونا راجعين في الاشتقاق إلى أصل واحد، وليس كذلك.
الجزء 1 · صفحة 114
وأظهر شعائر الشرع وأحكامه
ـــــــــــــــــــــــــــــQفقوله أعلى مع غيره من قبيل الثاني، والثلاثة الأخر من قبيل الأول، فإن المعالم والمعلم والأعلام كلها ترجع إلى أصل واحد. والعلم في اللغة بمعنى المعرفة نقيض الجهل، من علمت الشيء أعلمه علما: عرفته. وفي الاصطلاح ما ذكره الشيخ أبو منصور الماتريدي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: العلم في اللغة صفة يتجلى بها المذكور لمن قامت به هي. ويقال: العلم إدراك النفس بمعنى الشيء، إذ كل من وجد له إدراك المعنى وجد له العلم من حيث إنه وجد له من ذلك الإدراك، وكل من عدم له ذلك الإدراك عدم له العلم من هذه الحيثية.
قلت: حاصل هذا أنه ليس للعلم ماهية سوى إدراك النفس لمعنى الشيء. وقد قالت طائفة، منهم الغزالي والدارمي، بعدم جواز تعريفه؛ لأن غير العلم يعرف به، فلو عرف بغيره يلزم الدور. ويمنع ذلك بأن جهة توقف غير العلم عليه من حيث إنه إدراك له، وتوقفه على غيره لا من جهة أن ذلك الغير إدراك له، بل من جهة أنه صفة مميزة له عما سواه.
م: (وأظهر) ش: عطف على " أعلى " من الإظهار، وهو من ظهر الشيء ظهورا بالفتح بينا.
م: (شعائر الشرع وأحكامه) ش: الشعائر مفعول أظهر. وهو جمع شعارة، وقال الأصمعي: جمع شعيرة، وإليه مال السراج، والأولى هو الأول؛ لأن الشعيرة واحدة الشعير الذي هو من الحبوب؛ والشعيرة أيضا: البدنة تهدى. والشعارة كل ما جعل علما لطاعة الله تعالى. قال الجوهري: الشعائر: أفعال الحج، وكل ما جعل علما لطاعة الله عز وجل. ويقال: المراد بها: ما كان أداؤه على سبيل الاشتهار، كأداء الصلاة بالجماعة، وصلاة الجمعية والعيدين، والأذان، وغير ذلك مما كان فيه اشتهار.
وقوله: " الشرع " يحتمل معاني:
أحدهما: أن يكون بمعنى المشروع فيتناول الأسباب والأحكام الشرعية.
والثاني: أن يكون بمعنى الشارع، ويكون من قبيل إقامة المظهر موضع المضمر.
الثالث: أن يكون بمعنى الشريعة، يقال: شرع محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كما يقال: " شريعة ".
فإن قلت: ما هذه الإضافة في " شعائر الشرع "؟.
قلت: البيان، من قولهم: خاتم فضة، وثوب خز.
فإن قلت: كيف يكون من هذا القبيل؛ لأن الثوب هو عين الخز، والخاتم هو عين الفضة، وليست الشعائر هي عين الشرع؟.
قلت: الشرع بمعنى المشروع، والشعائر على التفسير الذي ذكرنا، من عين المشروع.
الجزء 1 · صفحة 115
وبعث رسلا وأنبياء
ـــــــــــــــــــــــــــــQفإن قلت: أليست هذه الإضافة إضافة الشيء إلى نفسه.
قلت: لا؛ لتغاير اللفظين، ولأن " الشعائر " قبل الإضافة يحتمل أن يكون الشعائر غير المشروع، كالثوب والخاتم قبل الإضافة، فبالإضافة نقطع الاحتمال. وفيه من صفة البديع السجع، وهو: تواطؤ الفاصلتين في النثر على حرف واحد، وهما الكلمتان اللتان هما عجز القرينتين، والفاصلة في النثر كالقافية في النظم.
فإن قلت: أي سجع هو من الأقسام؟
قلت: سجع متواز وهو: أن لا تختلف الفاصلتان في الوزن، ولكن لا يكون جميع ما في القرينة ولا أكثره بمثل ما يقابله من الأخرى نحو: {فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ} [الغاشية: 13] {وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ} [الغاشية: 14] (الغاشية: الآية 13، 14) لاختلاف سرر وأكواب في الوزن والقافية.
م: (وبعث) ش: جملة حال من الفعل والفاعل، وهو الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى " الله "، وهو عطف على قوله: " وأظهر ". يقال: بعث يبعث بعثا، وبعثه يعني أرسله فانبعث وبعث الناقة: أي ساقها. وبعثه من منامه أي أهبه. وبعث الموتى: نشرهم ليوم القيامة. وانبعث في البيران: أي يشرع.
م: (رسلا) ش: مفعول بعث، وهو جمع رسول من أرسلت فلانا في رسالته، وهو مرسل ورسول. فالمرسل اسم مفعول، والرسول صفة مشبهة. وقد يجيء الرسول بمعنى الرسالة.
قال الأشعر الجعفي:
ألا أبلغ أبا عمر رسولا ... بأني عن فتاحتكم غني
أي رسالة. وصيغة فعول يستوي فيها الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث مثل عدو وصديق، قال الله تعلى: {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 16] (سورة الشعراء: الآية 16) ولم يقل رسلا؛ لأن فعولا وفعيلا تستوي فيها هذه الأشياء.
م: (وأنبياء) ش: عطف على رسلا، وهو جمع نبي: فعيل بمعنى فاعل من النبأ، وهو الخبر. إلا أن أهل مكة - يشرفها الله تعالى - يهمزون هذه الحروف، ولا يهمزون في غيرها، وكذلك في أنبياء. وينبغي أن يقال: أنبئاء بالهمزتين، لكن الهمزة لما أبدلت وألزمت الإبدال جمع على ما هو الأصل؛ لأنه حرف علة، كعيد وأعياد. ويجمع النبي أيضا على نبآء بضم النون، قال العباس بن مرداس السلمي:
يا خاتم النبآء إنك مرسل ... بالخير, كل هدى السبيل هداكا
الجزء 1 · صفحة 116
- صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -
ـــــــــــــــــــــــــــــQثم الفرق بين الرسول والنبي: أن الرسول: من بعث لتبليغ الوحي ومعه كتاب، والنبي: من بعث لتبليغ الوحي مطلقا، سواء كان بكتاب أو بلا كتاب، كيوشع - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فكان النبي أعم من الرسول: كذا قال الشيخ قوام الدين الأترازي في " شرحه "، وهو قد تبع في ذلك صاحب " النهاية " حيث قال: الرسول: هو النبي الذي معه كتاب، كموسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، والنبي: هو الذي ينبئ عن الله وإن لم يكن معه كتاب كيوشع - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، ومن هنا قال النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» ، ولم يقل: " كرسل بني إسرائيل "، وتعبهما الشيخ أكمل الدين - رَحِمَهُ اللَّهُ - وفرق بينهما هكذا.
ثم قال: وهو الظاهر. كل هذا لا يخلو عن مناقشة، وذلك لأنه يلزم على تفسيرهم أن يخرج جماعة من الرسل عن كونهم رسلا، كآدم ونوح وسليمان، ونحوهم - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -، فإنهم رسل بلا خلاف، ولم ينزل عليهم كتاب كما نزل على موسى.
والصحيح هنا أن الرسول من نزل عليه الكتاب، أو أتى إليه ملك، والنبي من يوقفه الله تعالى على الأحكام، أو تبع رسولا آخر، ولهذا قال - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» ، والعجب من الشيخ أكمل الدين مع ادعائه التحقيق في مصنفاته كيف رضي بالتفسير المذكور، ثم قال: وهو الظاهر؟! ومع هذا فهو ليس بظاهر على ما لا يخفى.
م: (- صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -) ش: هذه الجملة إخبار في الصورة، ولكنها إنشائية في المعنى؛ لأن المعنى: الله صل عليهم صلواتك. وهو جمع صلاة، وهي في اللغة: الدعاء.
قال الأعشى:
تغايلها الرياح في دنها ... وصل على دنها وارسم
وهو اسم وضع موضع المصدر، يقال: صليت صلاة، ولا يقال: تصلية. ومعناها من الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن المؤمنين: الدعاء. ومعناها الشرعي في حق النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اللهم عظمه في الدنيا بإعلاء كلمته، وإحياء شريعته، وفي الآخرة برفع درجته، وتشفيعه في أمته، هكذا سمعت من الأساتذة الكبار. وأما في حق غيره من الأنبياء فمعناها ما ذكرنا، من الله: الرحمة، إلى آخره.
قوله: " أجمعين ": جمع " أجمع "، وهو من ألفاظ التوكيد المعنوي وهي: النفس، والعين،
الجزء 1 · صفحة 117
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQوكلاهما، وكلتاهما، وكل، وأجمع، وأكتع، وأبتع، وأبصع. ولا يؤكد بكل وأجمع إلا شيء ذو أجزاء يصح افتراقها حسا، نحو: زيد وعمر وبكر وغيرهم، أو حكما، نحو: اشتريت العبد كله أجمع، فإن العبد، وإن لم يكن له أجزاء يصح افتراقها حسا لكن له أجزاء يصح افتراقها حكما؛ لأنه يجوز أن يكون المشترى منه ربعه، أو ثلثه، أو نصفه، أو ثلثيه.
واعترض على المصنف - رَحِمَهُ اللَّهُ - بأنه ترك ذكر محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، مع كونه الأصل المحتاج إلى ذكره؛ لأنهم ذكروا أنه مما لا بد منه في أوائل المصنفات. الابتداء بالبسملة، ثم بالحمدلة، ثم بالصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بصريح اسمه، والمصنف خالف المصنفين أصحاب التصانيف والرسائل.
وأجاب عنه الشيخ أكمل الدين بأن المراد بالرسل والأنبياء محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لكن جمعه تعظيما له وإجلالا لقدره. قال الشيخ قوام الدين: كان ينبغي أن يصلي على محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قصدا بذكر اسمه وصفاته؛ لأن الله تعالى قد رفع ذكره، قال تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4] (سورة الشرح: آية 4) والغالب أنه سها، ولكل جواد كبوة، ولكل عالم هفوة.
قلت: كل منهما أبعد. أما الأول فلأن لفظة " أجمعين " ترد عليه؛ لأنه أكده بها، فالتأكيد يقطع احتمال المجاز، وإطلاق الجمع وإرادة الواحد مجاز. ونصره بعضهم بأن قوله: " أجمعين " باعتبار صورة اللفظ، ورد عليه بأن أجمعين لفظ معنوي ينافي أن يخص قوله: " رسلا وأنبياء " بطائفة معينة منهم.
وأما الثاني: فإنه نسبه إلى السهو، وهو ليس بجواب، بل الجواب هاهنا بوجهين:
أحدهما: أن المصنف - رَحِمَهُ اللَّهُ - قصد من ذلك المبالغة، والبلاغة في ذلك لما فيه من ذكره - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مرتين؛ لأنه دخل أولا في قوله " رسلا "؛ لأنه من جملة المرسلين بل سيدهم وأشرفهم، وأفضلهم ثم دخل ثانيا في قوله: " وأنبياء "؛ لأن كل مرسل نبي فيكون ذكره مرتين، وإن كان ضمنا، أبلغ من ذكره مرة واحدة صريحا، والتضمين أبلغ من التصريح؛ لأن الاعتماد في الصريح على اللفظ، والدلالة منه، وفي التضمين على الفعل، والدلالة من جهة، وبين الدليلين والدلالتين فرق كبير.
والثاني: ما سنح في خاطري من الأنوار الإلهية في الجواب القاطع الذي ليس وراءه شيء، وهو أن المصنف إنما لم يصرح باسم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الصلاة عليه بل أضمره ليكون ذلك من باب الإضمار والإبهام، وهو طريق من طرق البلاغة؛ لأن فيه إشارة إلى علو شأنه، وارتفاع قدره، وتفخيم فضله على ما لا يخفى على أحد، لما فيه من الشهادة على أنه المشهور الذي لا يشتبه، والمبين الذي لا يلتبس، كما أضمره الله تعالى في قوله: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [البقرة: 253]
الجزء 1 · صفحة 118
إلى سبل الحق هادين
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (البقرة: الآية 253) ، حيث صرح أولا بما على موسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بقوله: {مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ} [البقرة: 253] (البقرة: الآية 253) ولا شك في اشتهار موسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بالكلام، ثم صرح باسم عيسى بقوله تعالى: {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ} [البقرة: 253] (البقرة: الآية 253) ، وذكر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينهم بطريق الإبهام والإضمار بقوله: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: 253] (البقرة: الآية 253) إشارة إلى ما ذكرنا. وعليه قول الحطيئة لجرير: من أشعر الناس؟ فقال: زهير والنابغة، ثم قال: لو شئت لذكرت الثالث. أراد به نفسه، ولو قال: لذكرت نفسي، أو قال: زهير والنابغة وأنا لم يقع كلامه مؤذنا بتعظيمه بل كان فيه نوع نقص على ما لا يخفى.
م: (إلى سبل الحق) ش: تعلق بقوله " هادين "، وإنما أخره لإقامة السجع. والسبل بضمتين جمع سبيل، وهو الطريق، يذكر ويؤنث، قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} [يوسف: 108] (يوسف: الآية 108) فأنث، وقال: {وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا} [الأعراف: 146] (الأعراف: الآية 146) فذكر، ويصح في الجمع تسكين الباء أيضا، والحق خلاف الباطل.
قلت: الحق مستعمل في معان:
أحدها: النزول، يقال: حق يحق، إذا نزل.
والثاني: الوجوب، يقال: حق عليه: إذا وجب.
والثالث: الصدق والصواب، يقال: قوله حق: أي صدق وصواب.
" ومعناه في الاصطلاح: الحق ما غلب حجة وأظهر التمويه في غيره "
م: (هادين) ش: نصب على أنه صفة لقوله: " رسلا وأنبياء " ويقال: نصب على الحال من رسلا وليس بصحيح؛ لأن الحال من النكرة لا يصح إلا بتقديم ذي الحال على الحال. وقد علم أن حق الحال أن يكون نكرة، وحق ذي الحال أن يكون معرفة، للفرق بينهما وبين الصفة والموصوف، فقيل: لأن الحال هو الخبر في الحقيقة، والخبر حقه التنكير.
قلت: هما يتفقان في هذا، ولكنهما يفترقان من وجوه، الأول: أن الحال ما يحتمل الأوصاف فيميز بأحد الأوصاف، والتمييز ما يحتمل الأجناس فيميز بأحد الأجناس. الثاني: أن الحال لا ينقسم إلى ما يقع عن المفرد والجملة والتمييز إلى ذلك، ففي الجملة نحو: طاب زيد نفسا، فالإبهام في النسبة، وعن المعرف نحو: عندي دامور خلافا الإبهام في دامور. والثالث: أن " نفسا " ليس هو " زيد " في المثال المذكور، وإنما هي شيء منه، وراكبا في قولك: جاءني زيد راكبا هو زيد كله. والرابع: التقدير في المثال المذكور، وإنما هي شيء منه، وراكبا في قولك: وطابت نفسه فالفعل للنفس وليس لزيد، وفي جاءني زيد راكبا الفعل لزيد وراكبا تبع له.
الجزء 1 · صفحة 119
وأخلفهم علماء إلى سننهم بينهم داعين
ـــــــــــــــــــــــــــــQوقوله: " هادين ": من الهداية، وهي الدلالة الموصلة إلى البغية. وأصله أن يتعدى باللام أو بإلى، كقوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] (الإسراء: الآية 9) ، {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] (الشورى: الآية 52) ، فجار مجرى، وقَوْله تَعَالَى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا} [الأعراف: 155] (الأعراف: الآية 155) ، وقال الجوهري: يقال: هداه الله للذين هدى. وقَوْله تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} [السجدة: 26] (السجدة: الآية 26) . قال أبو عمرو بن العلاء: أو لم يبين لهم. وهديت الطريق، والبيت هداية: أي عرفته، هذه لغة أهل الحجاز، وغيرهم يقول: هديته إلى الطريق وإلى الدار، حكاها الأخفش، وهدى واهتدى بمعنى.
وقال الكاكي في شرحه: هداه إلى الطريق: إذا أعلمه أن الطريق في ناحية كذا، وهداه إلى الطريق: إذا ذهب به إلى رأس الطريق: أي أذهبه إلى المقصد، وذلك لا يتحقق إلا من الله تعالى، وهداه إلى الطريق: أعلمه أن الطريق في ناحية كذا، وهي وظيفة الرسول - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وهداه إلى الطريق: ذهب به وأوصله إلى رأس الطريق. واعترض عليه الشيخ قوام الدين - رَحِمَهُ اللَّهُ - بأن هذا الفرق غير صحيح، لعدمه في سائر قوانين اللغة.
قلت: هذا اعتراض صادر من غير تأمل، وذلك لأن الفرق المذكور إنما هو لسبب الاستعمال، والفارق ما ادعى أن ذلك بحسب اللغة وإن ادعى ذلك فلا يمنع؛ لأن الذي ذكره هو حاصل المعنى اللغوي.
م: (وأخلفهم علماء) ش: عطف على قوله: " وبعث رسلا "، وهي جملة من الفعل والفاعل، وهو الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى الله تعالى. و " أخلف " مفعولان: أحدهما: الضمير، أعني: هم، والآخر هو قوله " علماء ". والمعنى: جعل العلماء خلفاء الأنبياء - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - وورثتهم.
وقال الشيخ قوام الدين الأترازي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وأخلفهم علماء: من قولهم: خلفت الثوب: أصلحته وجعلت موضع الخلفان خلفانا، وهذا التفسير غير مرضي بل التفسير الصحيح ما ذكرناه؛ لأن مراده بيان أن العلماء خلفاء عن الأنبياء في بيان الشرائع، فحينئذ لا يفسر قوله: وأخلفهم إلا من قولهم: أخلف زيد عمرا: إذا جعله خليفة؛ لا من الثوب: إذا أصلحته. يقال: خلف فلان فلانا: إذا كان خليفة وخلفه في قومه خلافة، ومنه قَوْله تَعَالَى: {وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي} [الأعراف: 142] (الأعراف: آية 142) . وأخلفه غيره: إذا جعله خليفة له، وكذلك استخلفه.
م: (إلى سننهم بينهم داعين) ش: الجار والمجرور متعلق ب " داعين ". والسنن بفتح السين
الجزء 1 · صفحة 120
يسلكون
ـــــــــــــــــــــــــــــQوالنون: مفرد بمعنى الطريقة. يقال: استقام فلان على سنن واحد. ويقال: امض على سنتك أي على وجهك، وتنح عن سنن الجبل: أي عن وجهه. وقوله: " سننهم " بضم السين وفتح النون جمع سنة وهي الطريقة المسلوكة المرضية. وقال الجوهري: السنة: السيرة.
قال الهذلي يخاطب أبا ذؤيب:
فلا تجزعن من سنة أنت سيرتها ... وأول راض سنة من يسرها
وبين السنن والسنن تجنيس محرف، وهو من جملة محاسن الكلام. وقال الشيخ قوام الدين: فلو قال بضم السين في الموضعين ليكون تجنيسا تاما لكان أحسن، إلا أن الرواية بالمفتوح خاصة؛ لأن المضموم في معناه قليل الاستعمال.
قلت: الذي ذكره أولى وأبلغ؛ لأن اختلاف الحركات تحصل زيادة رونق في الكلام، وأنواع التجنيس كلها من محاسن الكلام ولم يرجح منها شيء على غيره. والتجنيس التام: أن يتفق اللفظان في أنواع الحروف وهيئاتها نحو الحركات والسكنات، وفي ترتيبها مع تقديم بعض الحروف على بعض وتأخيره عنه. وإن اختلفا في هيئة الحروف فقط سمي التجنيس محرفا.
قوله: " داعين " جمع داع: من دعوت فلانا: إذا صحبته واستدعيته. ويستعمل باللام وعلى وإلى، نحو: دعوت الله له، ودعوته عليه، ودعوته إلى الطعام، وهو من هذا القبيل، وقوله: " داعين وهادين " من الصفات المادحة.
فإن قلت: أليس يجوز أن يكون من الصفات الكاشفة؟
قلت: لا؛ لأنه في الصفات الكاشفة يكون الموصوف فيه نوع غموض فيكون الوصف حينئذ كاشفا لذلك الغموض، بخلاف الصفة المادحة، وهذه الصفة ليس في موصوفها ذلك على مالا يخفى، كما في " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وبينهما تجنيس متواتر.
م: (يسلكون) ش: تحتمل أمورا ثلاثة:
الأول: أن تكون صفة لهم.
الثاني: أن تكون حالا عنهم.
فإن قلت: النكرة لا يقع عنها الحال.
قلت: النكرة الموصوفة كالمعرفة يقع عنها الحال متأخرة، وهاهنا قد اتصف العلماء بقوله: داعين.
الجزء 1 · صفحة 121
فيما لم يؤثر عنهم مسلك الاجتهاد
ـــــــــــــــــــــــــــــQالثالث: أن تكون بيانا، كأن قائلا يقول: كيف دعوتهم إلى سنن سننهم؟ فقال: يسلكون.
م: (فيما لم يؤثر عنهم) ش: فإن قلت: ما موضع هذه الجملة في الأحوال الثلاثة؟.
قلت: أما الأول فالنصب؛ لأن الموصوف منصوب على المفعولية، وأما في الثاني فالنصب على الحالية، وأما في الثالث فلا محل لها من الإعراب، اللهم إلا إذا قدرنا مبتدأ محذوفا نحو: هم يسلكون، فحينئذ يكون موضع " يسلكون " من الإعراب رفعا على الخبرية، وقد علم أن الجملة لا تكتسب شيئا من الإعراب إلا إذا وقعت موقع المفرد، فحينئذ إعرابه محلا.
ويسلكون: من سلك الشيء في الشيء فانسلك، أي أدخله فيه فدخل، ومصدره: سلك بفتح اللام. وأما السلك بكسر السين وسكون اللام فهو الخيط. والمعنى هاهنا: يدخلون فيما لم يؤثر عنهم أي عن الأنبياء - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ -، وهو على صيغة المجهول أي فيما لم يرو عنهم. وأصله من أثرت الحديث أثرته أثرا: إذا ذكرته عن غيرك، ومنه: " حديث مأثور ": أي مسند ينقله خلف عن سلف. قال الأعشى:
إن الذي فيه تماريتما ... بين للسامع والآثر
والأصل فيه الهمزة، وقد تلين للتخفيف.
وكلمة " ما ": موصولة، و " لم يؤثر " صلتها.
م: (مسلك الاجتهاد) ش: كلام إضافي منصوب على المفعولية: أي: طريق الاجتهاد. وهو اسم مكان من سلك. والاجتهاد: بذل الوسع والمجهود. وكذلك الجاهد، وأصله من الجهد وهو الطاقة، وكذلك بضم الجيم. ويقال: الجهد بالضم: المشقة. والاجتهاد، عند الفقهاء: استفراغ الفقيه وسعه لتحصيل الظن بحكم شرعي.
وقيل الاجتهاد: بذل المجهود لنيل المقصود، وفيه إشارة إلى أنهم لا يخرجون عن المأثور عن الأنبياء - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - ويتبعونهم فيه، ولا يعدلون إلى الاجتهاد إلا فيما لم يرد عنهم، فحينئذ يأخذون في ذلك طريق الاجتهاد، وهو أيضا في نفس الأمر علم بالأثر كما في «قضية معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: لما بعثني النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى اليمن قال: " كيف تقضي إن عرض قضاء؟ "، قال: قلت: أقضي بما في كتاب الله عز وجل، قال: " فإن لم يكن في كتاب الله؟ "، قال: قلت: بما قضى به رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: فإن لم يكن قضى به الرسول؟ "، قال: قلت: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب صدري وقال: " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله» أخرجه البيهقي
الجزء 1 · صفحة 122
مسترشدين منه في ذلك، وهو ولي الرشاد وخص أوائل المستنبطين بالتوفيق
ـــــــــــــــــــــــــــــQوغيره.
م: (مسترشدين منه في ذلك) ش: نصب على الحال من الضمير الذي في " يسلكون ": أي حال كونهم طالبين الرشد منه، أي من الله - عز وجل -، وذلك إشارة إلى قوله: " بما لم يؤثر عنهم ". والرشد: خلاف الغي، يقال: رشد بالفتح يرشد بالضم رشدا بضم الراء وسكون الشين، ورشد بالكسر رشدا بالضم يرشد بالفتح رشدا بفتحتين لغة فيه. والإرشاد إفعال منه، يقال أرشده إرشادا إذا دله على الخير.
م: (وهو ولي الرشاد) ش: أي: الله تعالى هو المرشد والإرشاد بيده، وهو وليه. والولي: بمعنى الصاحب، وأصله: ولي على وزن فعيل، من ولي الرجل الأمر يليه ولاية: إذا تقلده. والولي: القرب والدنو. وهذه الجملة الاسمية في محل النصب على الحال، وقد علم أنها إذا وقعت حالا لا بد فيها من الواو إلا ما ندر، نحو: كلمته فيه إلى في.
م: (وخص أوائل المستنبطين بالتوفيق) ش: خص جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى " الله " عطف على قوله: " أعلى معالم العلم " من خصه بالشيء خصوصا وخصوصية، وخصصه واختصه بكذا، أي خصه به.
فالأوائل جمع " أول "، وهو نقيض الآخر، وأصله: أوأل على وزن أفعل مهموز الأوسط، قلبت الهمزة واوا وأدغمت الواو في الواو. وقال بعضهم: أصله: ووأل على وزن فوعل، قلبت الواو الأولى همزة، وإنما لم يجمع على واول لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع.
قول: (المستنبطين) : من الاستنباط وهو الاستخراج، وأصله من نبط الماء ينبط وينبط نبوطا. وانبط العقار: بلغ الماء. وعند الأصوليين: الاستنباط: استخراج الوصف فيه. وقال الشيخ قوام الدين وغيره: المراد من " أوائل المستنبطين ": هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وصاحباه أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، ومحمد بن الحسن الأنصاري الشيباني - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، فإنهم الذين مهدوا قواعد المسائل حتى قيل: إن ما وضعه أصحابنا من المسائل الفقهية هو ألف ألف ومائة ألف وسبعون ونيف مسألة.
وقال الخطيب موفق بن أحمد المكي في مناقب أبي حنيفة عن مالك بن أنس - رضي الله
الجزء 1 · صفحة 123
حتى وضعوا مسائل من كل جلي ودقيق. غير أن الحوادث متعاقبة الوقوع
ـــــــــــــــــــــــــــــQعنه - وقد قيل له: كم قال أبو حنيفة في الإسلام؟ قال: ستين ألفا، يعني مسائله.
ثم قال الخطيب: ذكر الثقة أن أبا حنيفة قال في السنة ثلاثة وثمانين ألفا وثمانية وثلاثين أصلا في العبادات، وخمسة وأربعين أصلا في المعاملات. وقال غيره: إن أبا حنيفة وضع ثلاثمائة أصل، كل أصل يخرج منه عشرة من الفروع. وذهب قوام الدين وغيره من قوله: " أوائل المستنبطين " إلى أن المراد منه أبو حنيفة وصاحباه؛ نظرا إلى أن هذا الكتاب في بيان مذهب أبي حنيفة، فلذلك خصصه به، ولكن لا يلزم من ذلك التخصيص بل الظاهر منه فقهاء الصحابة والتابعين أو سائر المجتهدين من الفقهاء المتقدمين؛ لعموم الكلام.
قوله: " بالتوفيق ": يتعلق بقوله " خص "، وهو حسن عناية الله لعبده. وقال بعض أهل الكلام: التوفيق: خلق الله قدرة الطاعة، والخذلان: خلق قدرة المعصية.
م: (حتى وضعوا مسائل من كل جلي ودقيق) ش: حتى: للغاية بمعنى إلى، والمسائل: جمع مسألة، وهو موضع السؤال، كذا قال بعضهم، وليس كذلك، بل المسألة مصدر، قال الصاغاني: بمسألة الشيء ومسألة من الشيء: سؤالا ومسألة.
قوله: " من كل جلي " كلمة " من " للبيان، وموضعها النصب على الوصفية، تقديره مسائل جلية ودقيقة. والجلي: الظاهر، وهو نقيض الخفي، وأراد به المسائل القياسية لظهور إدراكها. وقال صاحب " النهاية ": نظيرها إذا وقعت البعرة في البئر، فيه قياس واستحسان. فالقياس: أن تفسد الماء لوقوع النجاسة في الماء القليل، هذا دليل ظاهر دركه. والاستحسان: أن لا يفسد؛ لأن آبار الفلوات ليس لها رؤوس حاجزة، والمواشي تبعر حولها، وتلقيها الريح فيها، فجعل القليل عند الضرورة عفوا، ولا ضرورة في الكثير، وهذا دليل خفي دركه.
قلت: تخصيص الجلي بالمسائل القياسية فيه نظر؛ لأنه قد تكون مسألة قياسية في غاية الدقة، ومسألة استحسانية في غاية الجلاء والظهور.
قوله: " ودقيقة ": من دق الشيء يدق دقة: أي صار دقيقا، وهو خلاف الظاهر. والدقاق بالضم والدق بالكسر مثل الدقيق.
م: (غير أن الحوادث متعاقبة الوقوع) ش: هذا استثناء من قوله " حتى وضعوا " ويضاف إلى قوله " غير ". وهو اسم ملازم للإضافة في المعنى، ويجوز أن يكون صفة للنكرة، نحو قَوْله تَعَالَى: {نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} [فاطر: 37] (فاطر: الآية 37) ، أو لمعرفة قريبة منها، نحو: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] (الفاتحة: الآية 7) .
الجزء 1 · صفحة 124
والنوازل يضيق عنها نطاق الموضوع
ـــــــــــــــــــــــــــــQوالثاني: أن يكون استثناء يعرب بإعراب الاسم الثاني إلا في ذلك الكلام، تقول: جاءني القوم غير زيد بالنصب، وما جاءني من رجل غير زيد، بالنصب والرفع، وهو هاهنا من هذا القبيل.
(والحوادث) جمع حادثة، وأراد بها المسائل الواقعة بين الناس.
وقوله: (متعاقبة الوقوع) : كلام إضافي مرفوع؛ لأنه خبر أن.
واعلم أن هذا الاستثناء جواب عن سؤال مقدر، تقديره أن يقال: إذا كان أوائل المستنبطين وضعوا مسائل من كل جلي ودقيق، فأي حاجة تدعو إلى الاستنباط والتصنيف بعدهم؟ فأجاب بقوله: " غير أن الحوادث " إلى آخره، تقديره أنه قال: نعم، وإن كان الأمر كذلك لكن الحوادث متعاقبة: أي يقع شيء منها عقيب شيء، فلا تنقطع. والنوازل تنزل ساعة فساعة، فلا يستوعب جمعها نطاق مصنوعات الأوائل؛ فاحتيج إلى وضع آخر على حسب حادثة تحدث ونازلة تنزل. فحاصل الكلام هذا إشارة إلى وجه شروعه في تصنيف هذا الكتاب، والكلام مع أنه قد جرى منه وعد في مبدأ البداية فلا يجوز خلفه في الديانة.
م: (والنوازل يضيق عنها نطاق الموضوع)
ش: " النوازل ": بالنصب، عطف على قوله " أن الحوادث "، تقديره: وأن النوازل، وهو جمع نازلة، وهي الأمور الواقعة بين الناس.
قوله: " يضيق ": فعل، وقوله: " نطاق الموضوع " كلام إضافي فاعله. والنطاق بكسر النون هو المنطقة. وقول الجوهري: النطاق: شقة تلبسها المرأة وتشد وسطها، ثم ترسل الأعلى على الأسفل إلى الركبة، والأسفل يجر على الأرض، وليس لها حجزة ولا نيفق ولا ساقان، والجمع نطق.
وكان يقال لأسماء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - ذات النطاقين. وأراد بالموضوع ما وضعه الأوائل من التي يستنبطها. والألف واللام فيه بدل من المضاف إليه، تقديره: نطاق موضوع الأوائل من المستنبطين.
وبين قوله " الوقوع " و " الموضوع " سجع مطرف، وفي قوله: " نطاق الموضوع " استعارة تخييلية؛ لأن الموضوع لا نطاق له وإنما استعير النطاق للأجوبة المنقولة عن السلف في الفتاوى.
وفي قوله: " يضيق عنها " استعارة مرشحة، وأراد بضيق النطاق عدم كفاية موضوعهم لجميع الحوادث.
الجزء 1 · صفحة 125
واقتناص الشوارد بالاقتباس من الموارد، والاعتبار بالأمثال من صفة الرجال،
ـــــــــــــــــــــــــــــQم: (واقتناص الشوارد بالاقتباس من الموارد) ش: هذه جملة مستقلة بذاتها، وليس لها موقع من الإعراب، لعدم وقوعها موقع المفرد، وتعلقها بما قبلها كأنها جواب عن سؤال نشأ عن الكلام المتقدم، تقديره أن يقال: لما كانت الحوادث كثر وقوعها، والنوازل تضيق عنها موضوعات الأوائل فكيف قنص ما كان شاردا منها إذا لم يوقف عليه من عين النصوص؟
فأجاب بقوله: " واقتناص الشوارد بالاقتباس من الموارد "، يعني: اكتساب النوازل من الحوادث التي تعثر دركها، ويحتاج فيها إلى الاستنباط بالقياس، والأخذ من موارد النصوص، يعني: بالإطلاع على الأوصاف المؤثرة، وفيه إشارة أيضا إلى أنه قادر على الاستنباط فيما لم يرد عن السلف، ولم يؤثر عنهم مطلقا على مناط الحكيم.
" الاقتناص ": من اقتنص: إذا اصطاد وكذلك قنص ومصدره قنص بالسكون. وأما القنص بتحريك النون، فهو الصيد، والشوارد: جمع شاردة، من شرد البعير يشرد شرودا وشرادا فهو شارد وشرود، والجمع شرد مثل خدم وخادم. والاقتباس: من اقتبست منه نارا: أي أخذت منه قبسا، وهو شعلة من نار، وكذلك المقباس، يقال: قبست منه نارا اقتبس قبسا فاقتبس [أي] : أعطاني منه قبسا. (والموارد) : من ورد فلان ورودا: حضر. وأراد بها موارد النصوص من الكتاب والسنة.
وهذا التركيب يشتمل على أنواع من محاسن البديع:
الأول: فيه استعارة تخييلية، واستعارة ترشيحية. التخييلة في قوله: " الشوارد "، حيث شبه الحوادث بالوحش الشارد على التخييل. والترشيحية في قوله: " اقتناص "، حيث أورد صفة ملائمة للمستعار منه وهو الاقتناص على سبيل الترشيح.
الثاني: فيه جناس لاحق ين قوله: " الشوارد " و " الموارد " نحو قَوْله تَعَالَى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} [الهمزة: 1] (الهمزة: الآية 1) ، وقوله: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ} [النساء: 83] (النساء: الآية 83) ، وقوله تعلى: {ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ} [غافر: 75] (غافر: الآية 75) ، كل هذا جناس لاحق.
الثالث: فيه سجع ترصيع، نحو قول الحريري: فهو يقطع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه.
م: (والاعتبار بالأمثال من صفة الرجال) ش: الاعتبار مبتدأ، وخبره: من صفة الرجال، والجملة معطوفة على ما قبلها، وهي جواب عن سؤال ينشأ من الجملة المتقدمة، تقديره أن يقال: إذا كان اقتناص الشوارد، والنوادر من الأحكام لا يكون إلا بالاقتباس من موارد النصوص يكون
الجزء 1 · صفحة 126
وبالوقوف على المآخذ يعض عليها بالنواجذ.
ـــــــــــــــــــــــــــــQذلك أمرا عظيما؛ لا يقدر على ذلك إلا السلف المشهورون بالاستنباط وإدراك المعاني الخفية، فأجاب عنه بقوله: " والاعتبار بالأمثال من صفة الرجال "، يعني إظهار الأحكام بالأقسام بالقياس من صفة الرجال الكاملين، والسلف كانوا رجالا كاملين، ونحن أيضا رجال يسوغ لنا الاعتبار بالأمثال، كما ساغ لهم ذلك. وهذا كقول أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في حق التابعين: هم رجال نزاحمهم كما يزاحموننا. وهذا في الحقيقة اعتذار عن شروعه في التصنيف. " والاعتبار ": مصدر من اعتبرت الشيء: إذا رددته إلى نظيره.
" والأمثال ": جمع مثل بكسر الميم، كالأشباه جمع شبه، وأراد به المقيس عليه. وفيه من المحاسن اشتماله على سجع مطرف، وهو ما يختلف فيه الفاصلتان، نحو قَوْله تَعَالَى: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} [نوح: 13] {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} [نوح: 14] (نوح: الآية 13، 14) ، وإن لم يختلف فهو سجع ترصيع.
م: (وبالوقوف على المآخذ يعض عليها بالنواجذ) ش: وبالوقوف عطف على قوله بالأمثال، والتقدير: قياس الأحكام على نظائرها من صفة الرجال الكاملين، " وبالوقوف على مآخذ الأحكام من ": وقفت الدابة تقف وقوفا، ووقفانا به. تعدى ولا يتعدى.
وقوله: " يعض عليها ": جملة فعلية وقعت حالا من المآخذ. وقد عرفت أن الجملة الفعلية إذا وقعت حالا وكان فعلها مضارعا مثبتا لا يحتاج إلى الواو، بل يجوز نحو: جاء الأمير تقاد الجبائب بين يديه. وأشار بهذا التركيب إلى صعوبة الوقوف على مآخذ الأحكام، وأنه من صفة الرجال الكاملين لا من صفة كل رجل واحد. وقال الشيخ قوام الدين: قوله: " بالوقوف " إلى آخره: جواب عن سؤال مقدار، بأن يقال: نعم، إن موضوعات المتقدمين لا تكفي جميع الحوادث، لوقوعها متجددة. وهذا المعنى يقتضي التصنيف والاستنباط، ولكن هل فيك تلك الصلاحية حتى اجترأت على التصنيف؟ فأجاب عنه وقال: نعم؛ لأن السلف لم يقع صنيعهم على ما عليه من الحسن والإحكام إلا باعتبار وقوفهم على مادة الأحكام، فنحن نشاركهم في هذا المعنى.
قلت: هذا كلام بعيد جدا لا يعضد من التركيب، ولا يوافق مراد المصنف على ما [لا] يخفى على الفطن. والظاهر أن المراد من هذا الكلام والذي قبله أنه أراد بهذا هضم نفسه عنه رتبة التصنيف؛ لأن ذلك بالاعتبار بالأمثال، وبالوقوف على مآخذ الأحكام، ولكن لما جرى الوعد منه في مبدأ " بداية المبتدي " بشرح يرسم بكفاية المنتهى، على ما صرح به في المتن شرع فيه لأجل وفائه بوعده، وإن كان لا يرى نفسه من رجال هذا الميدان. وأشار بهذا إلى أن مآخذ الأحكام والوقوف عليها لا يحصل إلا بمعاناة الشدة في ذلك، وهو معنى قوله: " يعض عليها "، أي على
الجزء 1 · صفحة 127
وقد جرى علي الوعد في مبدأ " بداية المبتدي " أن أشرحها، بتوفيق الله تعالى، شرحا أرسمه ب " كفاية المنتهى "
ـــــــــــــــــــــــــــــQالمآخذ " بالنواجذ ". والعض بالنواجذ كناية عن الإحكام والإتقان بعد نصب عريض، والشخص إذا أراد شدة الأخذ يعض بالنواجذ، وهي بالذال المعجمة، جمع ناجذ، وهو آخر الأضراس، وللإنسان أربعة نواجذ، في أقصى الأسنان بعد الأرحاء، ويسمى: ضرس الحلم؛ لأنه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل. ويقال: ضحك حتى بدت نواجذه: إذا استغرب فيه. وفيه من السجع المطرف، وقد بيناه فيما مضى.
م: (وقد جرى علي الوعد في مبدأ " بداية المبتدي " أن أشرحها بتوفيق الله - تعالى - شرحا أرسمه بكفاية المنتهي) ش: أصل جرى من الجريان، يقال: جرى الماء وغيره جريا وجريانا، وأجريته أنا: ولما ضمن جرى هاهنا معنى ورد عدي ب " على "، وهو فعل ماض وفاعله " الوعد ". وكلمة " قد " فيه للتحقيق، والمبتدأ بفتح الميم موضع البدء، والبداية، بكسر الباء، مصدر بدأ، يقال بدأت بالشيء بدءا: ابتدأت به، وبدأت الشيء: فعلته. والمبتدئ: فاعل من الابتداء. قوله: " أن أشرحها ": أي: بأن أشرحها، وهو متعلق بالوعد. و " وأن ": مصدرية. والتقدير: وقد جرى علي الوعد للأصحاب بأن أشرح " بداية المبتدي ". الباء في " بتوفيق الله " يتعلق بأشرحها، ومحلها النصب على الحال، تقديره: متلبسا بتوفيق الله - تعالى -: وهو تيسيره علي ذلك.
قوله: " أشرحها شرحا " نصب على المصدرية.
قوله: " أرسمه ": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، في محل النصب على أنها صفة " شرحا ": من رسم الشيء: إذا علم عليه. ورسم عليه: إذا كتب. والمعنى هاهنا: أسميه. فإن قلت: الواو في " وقد جرى " ما هي؟
قلت: يجوز أن تكون عاطفة عطف جملة، ويجوز أن تكون حالية.
فإن قلت: كيف وجه ذلك في الموضعين؟
قلت: أما في الأول، فتكون فيه إشارة إلى هضم نفسه، وإلى أنه غير أهل للتصنيف؛ لأن الاعتبار بالأمثال والوقوف على المآخذ من صفة الرجال الكاملين، وهو ليس منهم، ولكن لما جرى عليه الوعد في مبدأ " بداية المبتدي " شرع فيه حال كون الوعد يسوغ بعض المساغ، لئلا يكون ممن إذا وعد أخلف، فيدخل تحت الوعيد.
وأما في الثاني: ففيه إشارة إلى أن فيه صلاحية للتصنيف، وأنه من أهله، وأنه حصل له الوقوف على المأخذ بالإتقان، كما حصل لهم، فحينئذ جاز له الاعتبار. والحال أنه قد جرى عليه
الجزء 1 · صفحة 128
فشرعت فيه والوعد يسوغ بعض المساغ،
ـــــــــــــــــــــــــــــQالوعد، وهو مما يسوغ بعض المساغ، يعني منفرد عن صلاحية الوعد للإتيان بالموعود فكيف مع الصلاحية؟.
واعترض الشيخ قوام الدين في هذا المقام، فقال: قال بعض الشارحين فيه بيان أن المصنف لم تتأهل نفسه للشرح. ثم قال: يعني أن المانع، وهو عدم الصلاحية، متحقق إلا أن الوعد يحرض عليه، ولولاه لامتنع. ثم قال: قوله هذا الكلام صادر لا عن تفكر وتبصر؛ لأن سياق كلام المصنف في قوله: " غير أن الحوادث " ينفر عن ذلك أو يأباه، إلى ما نادى بأعلى صوته في قوله: " والاعتبار بالأمثال من صفة الرجال " مثبت للصلاحية مدعيا كماله، فإذا حققت ما بينته قبيل هذا عرفت مزل قدم الشارح.
قلت: أراد بهذا الحط على صاحب " النهاية وتاج الشريعة "، وكلامه هو صادر عنه غير منكر؛ لأن قوله: " غير أن الحوادث " كيف ينفر عن ذلك؟ وأي دليل من أنواع الدلالات يدل على ذلك؟ لأنه الذي يقتضيه فحوى التركيب ومعنى التركيب الوجهان اللذان ذكرناهما، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر في الوجه الذي ذهب إليه صاحب " النهاية وتاج الشريعة " لدلالة السياق عليه، فافهم.
م: (فشرعت فيه) ش: أي في الشرح المسمى ب " كفاية المنتهي ". والفاء للسببية، وذلك لأن وعده كان سببا لشروعه فيه.
م: (والوعد يسوغ بعض المساغ) ش: يسوغ، أي يجوز. يقال: ساغ له ما فعل: أي جاز له. وأنا سوغت له، أي: جوزته. والمساغ بفتح الميم، مصدر ميمي بمعنى المسوغ أي التجويز. والجملة وقعت حالا من التاء في " شرعت ".
فإن قلت: الجملة الحالية تحتاج إلى ضمير يرجع إلى ذي الحال.
قلت: يجوز خلاء الجملة الحالية عن الضمير إذا أجريت مجرى الظرف لابتعاد الشبه بينهما حينئذ، ونحو قولك: أتيتك والجيش قادم، والمعنى: أتيتك هذا الوقت. والظرف لا يفتقر إلى ضمير عائد منه إلى ما تقدمه، فكذا ما أجري مجراه. وكذلك حكم الجملة الواقعة خبرا عن ضمير الشأن على ما تقرر في موضعه.
قوله: " بعض المساغ ": كلام إضافي منصوب بقوله: " يسوغ ". وقال الشيخ قوام الدين: و " بعض المساغ " منصوب على أنه مفعول مطلق، مثل قوله تعلى: {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا} [نوح: 17] (نوح: الآية 17) ، فقرن بالفعل غير مصدره كما في الآية.
الجزء 1 · صفحة 129
وحين أكاد أتكئ عنه اتكاء الفراغ
ـــــــــــــــــــــــــــــQقلت: ليس الأمر كذلك من وجهين:
الأول: أنه يلزم، على ما ذكره، أن تكون لفظة " بعض " في حكم المطروح، وليس كذلك. بل هو مقصود بالذكر؛ لأنه أشار به إلى أن الوعد بالتبرع ليس موجبا؛ لأنه يجوز حينا. والمصنف أشار إلى ذكر ذلك بقوله: وتحقيقه إن موعدي بعض الجائزات والممكنات، فمن الجوائز وقوع بعض الممكنات وإن لم يقع موعدي؛ لأنه بعض الممكنات لا كلها، فلأجلها شرعت في الشرح رجاء أن يكون موعدي من ذلك البعض الواقع. فإذا كان كذلك كيف يكون انتصاب " بعض المساغ " على أنه مفعول مطلق؟ بل هو منصوب على أنه مفعول به. ومع هذا يلزم على تقدير هذا أن يقرأ يسوغ بالتخفيف دون التشديد.
الوجه الثاني: أن تمثيله بالآية غير صحيح؛ لأن نباتا واقع مفعولا لقوله أنبتكم على معنى " إنباتا " وليس وقع لفظ المساغ، هاهنا، مفعولا لقوله: " يسوغ "، وإنما المفعول هاهنا لفظة " بعض " على ما ذكرنا، والمفعول هاهنا مفعول به، والذي في الآية مفعول مطلق فكيف تتحقق المماثلة بينهما؟!.
م: (وحين أكاد أتكئ عنه اتكاء الفراغ) ش: بين هذا الكلام وبين ما قبله من السجع المطرف، ولهذا قدم لفظة " عنه "؛ لأجل السجع، وإلا فحقه أن يقال: أتكئ اتكاء الفراغ عنه.
قوله: " أكاد ": من أفعال المقاربة، يقال، كاد يفعل كذا يكاد كودا ومكايدة أي قارب ولم يفعل. ول " كاد " اسم وخبر، إلا أن خبره يجب أن يكون فعلا مضارعا متأولا باسم الفاعل، نحو: كاد زيد يخرج، الأصل: كاد زيد خارجا. ويستعمل بغير " أن "، وربما يستعمل استعمال عسى في إثبات " أن " بعدها. قال الشاعر:
قد كاد من طول البلى أن يمحصا
وقد يستعمل عسى بغير " أن " كما في كاد. قال الشاعر:
عسى الهم الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
قوله: " أتكئ عنه ": أي عن الشرح. يقال: اتكأ عن الشيء فهو متكئ، والموضع متكأ. وقال صاحب " النهاية ": عدى الاتكاء ب " عن "، وإن كان هو يعدى ب " على "، لتضمين معنى الفراغ، كما في قَوْله تَعَالَى: {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} [البقرة: 260] (سورة البقرة: آية 260) على تضمين معنى الإمالة، وتبعه على ذلك صاحب " الدراية ". وقال الشيخ قوام الدين: فيه نظر؛ لأنه حينئذ يكون معناه: أفرغ عنه فراغ الفراغ، وهو كما ترى فاسد من العبارة. وصح عندي أنه من باب التقديم والتأخير، أي: اتكاء الفراغ عنه أي عن الشرح وهو " الكفاية ". وتبعه على ذلك الشيخ أكمل
الجزء 1 · صفحة 130
تبينت فيه نبذا من الإطناب، وخشيت أن يهجر لأجله الكتاب فصرفت العنان والعناية
ـــــــــــــــــــــــــــــQالدين. ويمكن أن يقال: التضمين صحيح، والفراغ يكون بمعنى الفارغ، لما يقال: رجل عدل بمعنى عادل، للمبالغة، فلا يلزم ما ذكر من المحذور.
م: (تبينت فيه نبذا من الإطناب وخشيت أن يهجر لأجله الكتاب) ش: أي: علمت فيه، هكذا فسره الشراح. وأصل معناه. الظهور. يقال: بان الشيء بيانا: اتضح فهو بين، وكذلك أبان الشيء فهو مبين. وأبنته أنا أي: أوضحته، واستبان الشيء: ظهر. وتبينته أنا، بتقدير هذا الثلاثة ولا تتعدى. والتبيين: الإيضاح والوضوح. وفي المثل: قد بين كذا أي: تبين.
قوله: " فيه ": أي في الشرح المذكور.
قوله: " نبذا ": بفتح النون، وسكون الباء الموحدة، وفي آخره ذال معجمة، أي: شيئا يسيرا. ويقال: أصاب الأرض نبذا من مطر، أي: شيئا يسيرا.
والإطناب: من أطنب في الكلام: إذا بالغ فيه. وفي الاصطلاح: الإطناب: أداء المقصود بأكثر من العبارة المتعارف بها.
قوله: " أن يهجر ": أي: يترك، قال الجوهري: هجر، أي: ترك.
قوله: " لأجله ": أي لأجل الإطناب.
وقوله: " تبينت " عامل في قوله " حين ". وقوله " أتكئ ": جملة خبر " كاد ". وقوله: " اتكاء الفراغ ": كلام إضافي منصوب على المصدرية.
قوله: " نبذا " مفعول تبينت، وقوله: " أن يهجر " في محل نصب على المفعولية، و " أن " مصدرية. و " خشيت أن يهجر لأجله الكتاب " أي: يترك لأجل الإطناب.
م: (فصرفت العنان والعناية) ش: الفاء للسببية. و " صرفت " من الصرف، وهو الرد. يقال: صرف الله عنك الأذى، أي: رده. والمعنى هاهنا وجهت. " والعنان " بالكسر مفعول " صرفت "، وهو في الأصل، عنان الفرس، ولكن أراد به هاهنا عنان خاطره.
" والعناية ": اسم من عنى يعني، من باب ضرب يضرب. يقال: عنيت بالقول كذا، أي: أردت.
ويقال عني عناء وتعنى عنيا، ومعناه: دعني، وعنا يعنو عنوا وعنيا، معناه: خضع. والمعنى هاهنا: عناية القلب. ويقال: أراد بالعنان: الظاهر، وبالعناية: الباطن، ويقال " أراد بالعنان العلم، وبالعناية القلب.
الجزء 1 · صفحة 131
إلى شرح آخر موسوم ب " الهداية "، أجمع فيه بتوفيق الله تعالى بين عيون الرواية، ومتون الدراية، تاركا للزوائد في كل باب، معرضا عن هذا النوع من الإسهاب، مع ما أنه يشتمل على أصول ينسحب عليها فصول
ـــــــــــــــــــــــــــــQم: (إلى شرح آخر موسوم ب " الهداية ") ش: إلى متعلق بقوله " صرفت ". و " آخر ": على وزن أفعل غير منصرف، للصفة ووزن الفعل. " موسوم ": أي يسمى. وهذا بالجر صفة الشرح.
و" موسوم " من وسم يسم وسما وسمة. وسمته: إذا أثرت فيه بشيء. والهداية في الأصل مصدر، لكن جعلت هاهنا عملا للكتاب.
م: (أجمع فيه) ش: أي في شرح آخر، الذي سماه " الهداية "، وهو جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير المستتر فيه، ومحلها النصب على الحال من الضمير الذي في " صرفت "، وهو من الأحوال المقدرة.
م: (بتوفيق الله تعالى) ش: أي تيسيره وعونه.
م: (بين عيون الرواية ومتون الدراية) ش: العامل في " بين " أجمع. والعيون " جمع عين الشيء، أي: خياره، وأراد به ما ينقل عن العلماء من المسائل المجازة. " والرواية ": مصدر: روى. " والمتون ": جمع متن الشيء، أي: قوته. ومنه سمي الظهر متنا؛ لأن بالظهر قوة البدن وقوامه. يقال: متن الشيء متنا، وبالضم متانة فهو متين: إذا صلب، " والدارية ": مصدر درى، وأراد ما يستنبط من العلوم. والحاصل أن عيون الرواية التي اختارها العلماء، ومتون الدراية المعاني المؤثرة والنكات اللطيفة.
م: (تاركا للزوائد في كل باب، معرضا عن هذا النوع من الإسهاب) ش: " تاركا ": حال من الضمير الذي في " أجمع "، وكذلك " معرضا ": حال، إما من المتداخلة أو من المترادفة، والمراد من " الزوائد " الفروع الأخر التي ذكرها غيره معرضا. وأشار بقوله: " عن هذا النوع من الإسهاب " إلى ما وقع في " كفاية المنتهي " من الإسهاب أي: الإكثار في الكلام.
يقال: أسهب الرجل: إذا أكثر من الكلام، فهو مسهب بفتح الهاء، ولا يقال بكسرها وهو نادر وخارج عن القانون. وأسهب الفرس: اتسع في الجري والسبق. وبين " الباب " و " الإسهاب " جناس أيضا كما بين الرواية والدراية.
م: (مع ما أنه يشتمل على أصول ينسحب عليها فصول) ش: كلمة " مع " للمصاحبة. " وما " مصدرية.
فإن قلت: " مع " اسم أو حرف؟.
الجزء 1 · صفحة 132
وأسال الله أن يوفقني لإتمامها، ويختم لي بالسعادة بعد اختتامها حتى إن من سمت همته إلى مزيد الوقوف يرغب في الأطول والأكبر،
ـــــــــــــــــــــــــــــQقلت: اسم، بدليل دخول التنوين عليها في قولك " معا "، وتسكين عينها لغة تميم، وربيعة، بلا ضرورة خلافا لسيبويه، وتستعمل مضافة، وتكون ظرفا، ولها حينئذ ثلاثة معان:
أحدهما: موضع الاجتماع، ولهذا يكنى بها عن الذوات، نحو: {وَاللَّهُ مَعَكُمْ} [محمد: 35] (سورة محمد: الآية 24) .
والثانية: مرادفة عند.
والثالثة: زمانية، نحو: جئتك مع العصر.
وهاهنا على المعنى الأول، والتقدير: مع شمول الذي أجمعه على أصول تنسحب عليها فصول من الفروع.
وشمل، بفتح الميم، من شملهم الأمر: إذا عمهم، " والأصول ": جمع أصل، وهو ما يبنى عليه غيره.
وينسحب: من سحبت ذيلي فانسحب، أي: جررته فانجر. " والفصول ": جمع فصل، وهو في اللغة: القطع، يقال: فصلت بين الشيئين: إذا فرقت بينهما. وأراد بالفصل هاهنا، الحاجز بين الحكمين في الفروع التي يوردها في كتابه. وبين الأصول والفصول جناس.
م: (وأسأل الله أن يوفقني لإتمامها، ويختم لي بالسعادة بعد اختتامها) ش: أسأل، جملة دعائية ولا محل لها من الإعراب. و " أن يوفقني ": في محل النصب على المفعولية. و " أن " مصدرية، والتقدير: أسأل الله التوفيق، وقد مر تفسيره من [قبل] .
قوله: " ويختم " عطف على " يوفقني ". و " بعد ": نصب على الظرفية، والعامل فيه قوله: " يختم " وفيه من السجع والتزيين للكلام.
م: (حتى إن من سمت همته إلى مزيد الوقوف يرغب في الأطول والأكبر) ش: حتى للغاية في الأصل، ولكن هاهنا فيها معنى التعليل، وليست للجر بدليل " إن " بعدها بالكسر، ولو كانت للجر لفتحت همزة " إن "؛ لأن القاعدة أن حرف الجر إذا دخلت على إن فتحت همزتها، نحو: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ} [الحج: 6] (الحج: الآية 6) .
فإن قلت: هذا يرتبط بماذا؟
قلت: بقوله: " فصرفت العنان والعناية "، ويجوز أن يرتبط بقوله: " تاركا للزوائد، في كل باب معرضا عن هذا النوع من الإسهاب "، وذكر هاهنا شيئين: تركه للزوائد، وإعراضه عن
الجزء 1 · صفحة 133
ومن أعجله الوقت عنه يقتصر على الأقصر والأصغر، وللناس فيما يعشقون مذاهب، والفن خير كله.
ـــــــــــــــــــــــــــــQالتطويل، وذكر في مقابلتهما شيئين: الرغبة في الأطول والأكبر، والاقتصار على الأقصر والأصغر. وأشار إلى [أن] من كانت همته عالية يرغب في الفصل الأول، ومن كانت همته قاصرة يقتصر على الفصل الثاني.
قوله: " سمت ": أي: علت، من السمو وهو العلو. (والهمة) ، بكسر الهاء: ما يهم فيه الرجل بقلبه وقالبه. وجاء الفتح في الهاء.
قوله: " مزيد الوقوف ": أي زيادة الوقوف على الأقسام العسيرة من الفروع.
قوله: " يرغب ": من رغب في الشيء: إذا أراده، رغبة ورغبا بالتحريك، وارتغب فيه مثله. ورغب عن الشيء: إذا لم يرده. ومحل " يرغب " الرفع؛ لأنه خبر لقوله " من سمت " والأطول يقابله الأقصر، والأكبر يقابله الأصغر، والأشياء تتبين بضدها.
م: (ومن أعجله الوقت عنه يقتصر على الأقصر والأصغر) ش: أعجله بمعنى عجله أي: استحثه عن أن يريد الوقوف. وفيه من محاسن الكلام اشتماله على الطباق، ويسمى المطابقة: وهي الجمع بين المتضادين، يعني معنيين متقابلين في الجملة، فإن ذكر الأطول وذكر ما يقابله وهو الأقصر، وذكر الأكبر وذكر ما يقابله وهو الأصغر من هذا الباب. وفيه من المحاسن اشتماله على الجمع. وفيه أيضا إسناد مجازي، وهو إسناد أعجل إلى الوقت، وهو مجاز عقلي، كما في قوله: " قيام الليل وصيام النهار ". وأشار بهذا الكلام إلى أن طلاب العلم على قسمين: أحدهما: من همته عالية لا يقنع بالقليل منه، والآخر: من همته قاصرة يقنع باليسير منه. ويجوز أن تكون هذه القسمة من جهة سعة الوقت وضيقه على ما [لا] يخفى.
ومن مذهبي حب الديار لأهلها. م: (وللناس فيما يعشقون مذاهب والفن خير كله) ش: هذا شطر بيت وقبله: " ومن عادتي حب الديار لأهلها " وهو من قصيدة بائية من الطويل قالها أبو فراس واسمه همام، وقيل هميم بالتصغير ابن غالب التميمي، وفرزدق لقبه لقب به؛ لأنه كان جهم الوجه، والفرزدق في الأصل قطع العجين واحدتها فرزدقة، وقيل لقب به لفظه وقصره شبه القنينة التي يشير بها النساء وهي الفرزدقة، والأول أصح؛ لأنه أصابه جدري في وجهه ثم برأ منه فتبين وجهه جهما متقطبا، توفي بالبصرة سنة عشر ومائة، وأشار بهذا البيت إلى أن الناس لهم أهواء مختلفة، ولهم فيما يميلون إليه مذاهب وطرق مختلفة في كل فن من الفنون، ولهذا أشار إليه بعد ذلك بقوله: " والفن كله خير " أراد به إن كل فن من أي فن كان الذي يميل إليه الشخص هو خير عنده في زعمه، وإن كان غير خير عند غيره؛ لأنا ذكرنا أن الناس لهم أهواء مختلفة وهي
الجزء 1 · صفحة 134
ثم سألني بعض إخواني أن أملي عليهم المجموع الثاني
ـــــــــــــــــــــــــــــQفنون كلها خير بالنسبة إلى ما في زعم أصحابها، ألا ترى كيف قال الفرزدق ومن عادتي حب الديار لأهلها حيث جعل حب الديار لأجل أصحابها ملة وعادة، وذلك خير بالنسبة إلى ما في زعمه، وإن كان ذلك غير خير عند غيره، وقالت الشراح هاهنا: إنه لما قال من سمت همته إلى مزيد الوقوف إلى آخره، حرض بعد ذلك بقوله: والفن خير كله، فكأنه قال علم الفقه كله خير، فإن شئت فارغب في الأطول والأكبر كشفا وتأصيلا، وإن شئت فارغب في الأقصر والأصغر حفظا وتحصيلا، أو معناه حسن العلم فارغب في ذا أو في ذاك، أو معناه حسن العلم فارغب في أي نوع شئت.
قلت: الذي دعاهم إلى هذا كونهم جعلوا قوله: " والفن خير كله " مرتبطا بقوله: " من سمت همته إلى آخره " والذي يظهر لي أنه مرتبط بشطر البيت الذي ذكره فكأنه يحرض بذلك إلى تحصيل فن من الفنون؛ لأن الفنون كلها خير، ولكن القرينة الحالية والمقالية دلت على أن مراده تحريضه وترغيبه في فن مخصوص متن وهو علم الفقه؛ لأنه بصدد بيانه فافهم، ثم الفن واحد الفنون، وهي الأنواع وإلا فالأساليب وهي أجناس الكلام، وطرقه وقوله " خير " بفتح الخاء وسكون الياء يقال: رجل خير وخير وكذلك امرأة خيرة وخيرة، وهذا لا يراد به أفعل فإن أريد به أفعل التفضيل يقال: فلان خير الناس وفلانة خير الناس وهؤلاء خير الناس فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث قوله " كله " من ألفاظ التوكيد المعنوية فلا يؤكد به إلا المعرفة وقال الأخفش والكوفيون يؤكد به النكرة أيضا إذا كانت محدودة ويجب إضافتها إلى اسم مضمر راجع إلى المؤكد نحو قَوْله تَعَالَى: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30] (الحجر: الآية 30) فإذا أضيفت إلى المعرفة كانت لعموم الأفراد، وإذا أضيفت إلى النكرة كانت لعموم الأجزاء، فعلى هذا إذا قلت كل زمان مأكول يصح؛ لأن المعنى كل فرد من أفراد الزمان مأكول، وهذا لا يصح كما ترى، وعن هذا قالت النحاة: كل اسم موضوع لاستغراق أفراد النكرة نحو: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185] (سورة آل عمران: آية 185) ، والمعرف كالمجموع نحو " كنتم " آية وأجزاء المفرد المعرف نحو كل زيد حسن، فإذا قلت: أكلت كل الرغيف لزيد كانت لعموم الأفراد فإذا أضيف الرغيف إلى زيد صارت لعموم أجزاء فرد واحد، وقوله: " الفن " مبتدأ، وخبره قوله " خير "، وقوله " كله " تأكيد للفن والمعنى كل فرد من أفراد الفن خير والألف واللام فيه إما للجنس فالمعنى أي فن كان من الفنون، وإما للعهد فالمعنى فن الفقه أي علم الفقه كله خير.
م: (ثم سألني بعض إخواني أن أملي عليهم المجموع الثاني) ش: " بعض إخواني " كلام إضافي مرفوع؛ لأنه فاعل سألني، وهو جمع أخ وأراد به الأخ في الدين، وإنما قال: " بعض إخواني "؛ لأنه لا يمكن السؤال من إخوانه كلهم؛ لأن المؤمنين شرقا وغربا إخوانه في الدين، قال الله
الجزء 1 · صفحة 135
فافتتحته مستعينا بالله تعالى في تحرير ما أقاوله متضرعا إليه في التيسير لما أحاوله
ـــــــــــــــــــــــــــــQتعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] (الحجرات: الآية 10) . قوله: " أن أملي عليهم " من الإملاء يقال أمليت الكتاب وأملي وأمليت لغتان جيدتان جاء بهما القرآن، وكلمة " أن " مصدرية تقديره سألني بعض إخواني إملاء المجموع الثاني عليهم، والمراد " الهداية " فكأنه بعد صرف العناية إليه لم يشرع فيه حتى سأله بعض إخوانه الإملاء عليهم، وروي أنه بقي في تصنيفه ثلاث عشرة سنة، فكأنه كان يملي عليهم في أثناء تلك المدة، وكان يصوم في تلك المدة ولا يفطر أصلا، وكان لا يطلع على صومه أحدا حتى إن خادمه كان يأتي إليه بطعام وكان يقول له ضع واذهب أنت فإذا مضى كان يطعمه أحدا من الطلبة وغيرهم، فببركة هذا الزهد صار كتابه مقبولا بين العامة والخاصة وبلغ حيث ما بلغ الإسلام.
م: (فافتتحته مستعينا بالله في تحرير ما أقاوله) ش: الفاء فيه تصلح أن تكون للسببية، ومستعينا حال من الضمير المرفوع في افتتحته قوله: " في تحرير ما أقاوله " أي في تخليص ما أقاوله وتقويمه، والمقاولة القول من الجانبين، يقال: قاول يقاول كدارس يدارس، وأشار بهذا إلى زيادة مقاساة في القول؛ لأنها من باب المفاعلة.
م: (متضرعا إليه في التيسير لما أحاوله) ش: إليه أي إلى الله تعالى، و " متضرعا " حال مثل " مستعينا " ويجوز أن تكون في الأحوال المتداخلة و " التضرع " طلب الحاجة على وجه المسكنة، يقال: ضرع الرجل ضراعة أي خضع وذلك وأضرعه غيره، وتضرع إلى الله ابتهل، قوله: لما أحاوله: من المحاولة، يقال: حاولت الشيء إذا أراد به، المحاولة طلب الشيء بحيلة ومنه الحديث: " اللهم بك أحاول "، أي بنصرك، وتوفيقك أدفع عني كيد العدو وأطلب الوثوب إليهم. وفيه من محاسن الكلام حسن الأسجاع المذكورة ومنها الازدواج بين " أقاوله " و " أحاوله " ومنها المبالغة في البيان بالتفصيل بعد الإجمال، ليكون إشارة إلى عملين فالعملان خير من عمل واحد، وذلك في قوله: " في التيسير لما أحاوله " حيث لم يقل في تيسير ما أحاوله بالإضافة فيه إشارة إلى ما ذكرنا وقصدا للمبالغة بخلاف قوله: " في تحرير ما أقاوله " حيث ذكره بالإضافة؛ لأن المبالغة حاصلة من صيغة المقاولة.
فإن قلت: فكذلك المبالغة حاصلة في صيغة المحاولة.
قلت: لا نسلم ذلك؛ لأن المفاعلة فيه ليست على بابها كما في قَوْله تَعَالَى: {وَسَارِعُوا} [آل عمران: 133]
الجزء 1 · صفحة 136
إنه الميسر لكل عسير وهو على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ـــــــــــــــــــــــــــــQ (سورة آل عمران: آية 133) بمعنى أسرعوا، وسافر الرجل بمعنى سفر.
م: (إنه المسير لكل عسير وهو على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير) ش: أي إن الله عز وجل هو الميسر لكل أمر صعب. قوله " قدير " وقوله " جدير " خبر مبتدأ محذوف تقديره " وهو بالإجابة جدير ": أي لائق، يقال فلان جدير بكذا أي خليق، وأنت جدير أن تفعل كذا والجمع جدر أو جديرون وفيه حسن التعليل، وهو قوله: " إنه الميسر " لأنه وقع موقع التعليل، يعني إنما فتحت إملاء " الهداية " مستعينا بالله لأنه الميسر لكل عسير.
الجزء 1 · صفحة 137
كتاب الطهارات
ـــــــــــــــــــــــــــــQ [كتاب الطهارات] [تعريف الوضوء]
م: (كتاب الطهارات) ش: الكتاب والكتابة في اللغة جمع الحروف من الكتب، وهو الجمع، تقول: كتبت البلغة إذا جمعت بين شفريها بحلقة، أو سير من كتب يكتب من باب نصر ينصر، ويكتب من باب ضرب يضرب وكتبا كتابة، وكتبت القرية إذا أحرزتها فهي كتيب، والكتيبة بالضم الحرزة، والكتيبة الجيش، وكتبت الخيل إذا اجتمعت، والكتابة تصوير اللفظ بحروف هجائية؛ لأن فيها جمع الحروف والكلمات، والكتاب العرض، والحكم، والقدر، قال النابغة الجعدي:
يا بنت عمي كتاب الله أخرجني ... عنكم وهلا متعن الله ما فعلا
ويقال: أراد بالكتاب هاهنا المكتوب مجازا، كالحساب بمعنى المحسوب، ويقال في تعريف الكتاب: الكتاب طائفة من المسائل الفقهية اعتبرت مستقلة، اشتملت أنواعا أو لم تشتمل، فقوله: " طائفة " كالجنس، وقوله " من المسائل الفقهية " اخرج به غيرها، وقوله: " اعتبرت مستقلة " أي مع قطع النظر عن تبعيتها للغير أو تبعية غيرها إياها، ليدخل فيه هذا الكتاب، فإنه تابع للصلاة ويدخل كتاب الصلاة فإنه مستتبع للطهارة، وقد اعتبرا مستقلين. أما كتاب الطهارة فلكونه المفتاح، وأما كتاب الصلاة فلكونه المقصود الأصلي، فظهر من هذا أن اعتبار الاستقلال قد يكون لانقطاعه عن غيره ذاتا، كانقطاع كتاب " اللقطة " عن كتاب " الآبق "، وكتاب " المفقود " وانقطاعها عن كتاب الصلاة والزكاة، وقد يكون لمعنى يؤثر ذلك كانقطاع الصرف عن " البيوع "، و " الرضاع " عن " النكاح " و " الطهارة " عن " الصلاة " كما ذكرنا.
وقوله: " اشتملت أنواعا أو لم تشتمل " لدفع قول من يقول: الكتاب جنس يدخل تحته أنواع من الجملة، وكل نوع يسمى بالباب والباب اسم لنوع مشتمل على أشخاص تسمى فصولا فإن الكتاب قد يكون كذلك، وقد لا يكون، فإن من الكتب ما لم يذكر فيه لا باب ولا فصل، " ككتاب اللقطة واللقيط " و " الآبق " وغيرهما على ما سيأتي إن شاء الله تعالى، فلو لم يذكر ذلك ربما توهم ذلك، فذكره دفعا لذلك.
الطهارة: في اللغة النظافة، وفي الاصطلاح: عبارة عن صفة تحصل لمزيل الحدث والجنب عما تعلق به الصلاة سواء كان طبعا أو شرعا.
فإن قلت:، ذكر أو في الحدود لا يجوز. قلت: أو هاهنا ليست بمانعة الجمع، فلا يضر الحد، وإنما قال: عما تعلق به الصلاة ليتناول المكان فإن طهارته شرط على ما سيأتي.
قال صاحب " الدراية ": الطهارة لغة النظافة، وشرعا نظافة الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس.
الجزء 1 · صفحة 138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQقلت: هذا تعريف غير صحيح؛ لأن الطهارة أعم من الوضوء والتعريف المذكور لا يطلق إلا على الوضوء.
1 -
والوضوء نوع من أنواع الطهارة. وهي على وزن فعول بضم الفاء من الوضاءة وهي الحسن.
قال الجوهري: الوضاءة الحسن والنظافة، تقول منه: وضاء الرجل، أي صار وضيئا، وتوضأت للصلاة، ولا تقول توضيت، وبعضهم يقول ذلك.
والوضوء بالفتح: الماء الذي يتوضأ به.
والوضوء أيضا مصدر من توضأت للصلاة، مثل الولوع والقبول. وقال اليزيدي: الوضوء: بالضم المصدر، وحكي عن أبي عمرو بن العلاء القبول بالفتح مصدر لم يسمع غيره، وذكر الأخفش في قَوْله تَعَالَى: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6] (التحريم: الآية 6) فقال: الوقود بالفتح هو الحطب، والوقود بالضم الإيقاد وهو الفعل، قال: ومثل ذلك الوضوء وهو الماء، والوضوء وهو الفعل، ثم قال: وزعموا أنهما لغتان بمعنى واحد، تقول الوقود والوقود ويجوز أن يعني بهما الحطب ويجوز أن يعني بهما الفعل، وقال غيره: القبول والولوع مفتوحان وهما مصدران شاذان وما سواهما من المصادر فمبني على الضم، وفي اصطلاح الشريعة هو غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس، ويقال: هو عبارة عن غسل أعضاء مخصوصة، ومسح عضو مخصوص.
فإن قلت: لم اختار لفظ الجمع في الطهارات دون المفرد، كما ذكره غيره.
قلت: للتصريح بإرادة أنواع الطهارة؛ لأنه لو ذكرها بلفظ الإفراد لكان فهم الأنواع على سبيل الاحتمال لا القطع؛ لأن الجنس واقع على الأدنى مع احتمال الكل.
فإن قلت: إذا دخلت الألف واللام على الجمع تبطل الجمعية وتكون للجنس أيضا فأي فائدة في جمعها حينئذ.
قلت: هذا فيه خلاف على ما تقرر في موضعه فيجوز أن يكون المصنف أراد به مطلق الجمع كما هو مذهب البعض في اللام إذا دخلت في الجمع.
فإن قلت: الطهارة مصدر فلا يثنى ولا يجمع.
قلت: إذا أريد به النوع يجوز أن يجمع.
فإن قلت: فلم لم يجمع الصلاة والزكاة ونحوهما.
الجزء 1 · صفحة 139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQقلت: هذا لا يتمشى فيهما، أما الصلاة فلأنها متحدة أنواعها؛ لأنها عبارة عن الأركان المعهودة، وأما الزكاة فإنها عبارة عن إيتاء الربع من العشر وهو واحد، بخلاف الطهارة، فإن أنواعها مختلفة كما يرى من اختلاف طهارة الحدث، والجنب، والطهارة بالتيمم، ولا ترد علينا صلاة الجنازة؛ لأنها ليست بصلاة حقيقة لأنها دعاء، ولهذا جازت ركوبا قياسا استحسانا، ويجوز بالتيمم عند وجود الماء حتى إن الشعبي لم يشترط فيها الطهارة أصلا.
وقوله: " كتاب الطهارة " كلام إضافي مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هذا كتاب الطهارة، ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر أي كتاب الطهارة هذا، ويجوز أن ينصب الكتاب على تقدير هات كتاب الطهارات، أو خذه، أو نحو ذلك.
فإن قلت: ما هذه الإضافة؟
قلت: إضافة معنوية بمعنى في، أي: هذا كتاب في الطهارات أي في بيانها؛ لأن الكتاب ليس في نفس الطهارة، ويجوز أن تكون بمعنى اللام للاختصاص وإنما قدم العبادات على غيرها من المعاملات والزواجر لكونها أهم؛ لأن العبادة هي التي تحقق معنى العبودية وما خلق الثقلان إلا لهذا، قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] (الذاريات: الآية 56) .
فإن قلت: لم قدم الصلاة على غيرها من العبادة؟
قلت: لأنها ثانية الإيمان في الكتاب والسنة، ولأنها عماد الدين، والبيت لا يقوم إلا على الأعمدة.
فإن قلت: الأصل في العبادات الإيمان، فكان ينبغي أن يقدم.
قلت: هو متعلق بعلم الكلام، وهو علم مستقل بذاته فذكره هنالك أولى، وتقديم الطهارة على الصلاة؛ لأنها شرط الصلاة، وشرط الشيء يسبقه وجملته تعقبه، والشرط ما يتوقف على وجوده الشيء، ولا يكون منه فبالضرورة يكون مقدما على المشروط، فقدم عليه أيضا وضعا ليوافق الوضع الطبع، وتقديمها على سائر الشروط كاستقبال القبلة وستر العورة ونحوهما لأنها لا تسقط بالأعذار بخلاف غيرها، ولأن الله تعالى استقصى في بيانها ما لم يستقص في غيرها فكان التقديم بها أهم، وإنما قدم بيان الوضوء الذي هو طهارة صغرى على الغسل الذي هو طهارة كبرى، إما اقتداء بالكتاب العزيز، فإنه ذكر على هذا الترتيب، وإما باعتبار شدة الاحتياج إلى علم الوضوء باعتبار كثرة دورانه.
1 -
فإن قلت: ما سبب الوضوء؟ قلت: عند الظاهرية القيام إلى الصلاة لظاهر النص؛ لأنه يقتضي وجوب الطهارة بعد القيام إلى الصلاة؛ لأنه جعل القيام إليها شرطا لفعل الطهارة، وحكم الجزاء
الجزء 1 · صفحة 140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQأن يتأخر عن الشرط، ألا ترى أن من قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، إنما يقع الطلاق بعد الدخول، وهذا لا خلاف فيه بين أهل اللغة؛ لأنه مقتضى اللفظ، وحقيقته فعلى هذا كل من قام إلى الصلاة فعليه أن يتوضأ.
قلت: هذا باطل «لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يتوضأ لكل صلاة فلما كان يوم الفتح صلى خمس صلوات بوضوء واحد، فقال له عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: رأيتك اليوم تفعل شيئا لم تكن تفعله، فقلا - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " عمدا فعلت، كيلا تحرجوا» والحديث أخرجه مسلم من طريق مسلم بن يزيد عن أبيه «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه، فقال له عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه، فقال: " عمدا صنعته يا عمر» رواه الترمذي أيضا، ولفظه: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتوضأ لكل صلاة، فلما كان عام الفتح صلى الصلوات الخمس كلها بوضوء واحد.» الحديث، وأخرجه الطحاوي نحو رواية مسلم، فدل هذا على أن القيام إلى الصلاة غير موجب للطهارة إذ لم يجدد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طهارة لكل صلاة، فثبت بذلك أن في الآية مقدرا يتعلق به في إيجاب الوضوء وهو: إذا قمتم إلى الصلاة من مضاجعكم، وروى الطحاوي في " معاني الآثار " وأبو بكر الرازي في " الأحكام "، والطبراني في " الكبير " من طريق جابر بن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم «عن عبد الله بن علقمة عن أبيه قال: كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أجنب أو أهرق الماء إنما نكلمه فلا يكلمنا ونسلم عليه فلا يرد علينا.. حتى نزل قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: 6] (المائدة: الآية 6) » ، فدل هذا الحديث على أن الآية نزلت في إيجاب الوضوء من الحدث عند القيام إلى الصلاة، وأن التقدير في الآية في إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون.
فإن قلت: حديث جابر الجعفي غير ثابت، فلا يتم به الاستدلال.
قلت: لا نسلم ذلك؛ لأن سفيان يقول: كان جابر ورعا في الحديث، ما رأيت في الحديث أورع منه، وعن شعبة: هو صدوق في الحديث، وقال: هذا الحديث مطلقا للدوران وجودا
الجزء 1 · صفحة 141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQوعدما، وهو أيضا باطل؛ لأنا نعلم أن الدوران دليل الغلبة ولئن سلمنا لكن لا نسلم أن الدوران وجودا موجود؛ لأنه قد يوجد الحديث ولا يجب الوضوء ما لم تجب الصلاة بالبلوغ ودخول الوقت، وعندنا هو الصلاة بدليل الإضافة إليها وهي أمارة السببية لكن شرطه الحدث؛ لأنه تعالى ذكر التيمم معلقا بالحدث والنص في البدل نص في الأصل؛ لأنه لا يفارقه بشرط وسببه هكذا ذكره الشيخ حافظ الدين النسفي - رَحِمَهُ اللَّهُ - واعترض عليه الشيخ قوام الدين، وقال: لا نسلم أن البدل لا يفارق الأصل بشرطه وسببه وقد فارقه في النية وهي شرط في التيمم دون الوضوء.
قلت: هو عين النية؛ لأن التيمم في اللغة عبارة عن القصد، قال الشاعر:
وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يسلني
أي: إذا قصدت والقصد هو عين النية، فإذا كان كذلك كيف يطلق على النية أنها شرط التيمم والحال أن شرط الشيء خارج عن ذاته فإذا سقط الاعتراض المذكور.
فإن قلت: قد صرح بذكر الحدث في الغسل والتيمم دون الوضوء فعلم بذلك أن الحدث هو سبب الوضوء.
قلت: السبب الصلاة، وشرطه الحدث، لما ذكرنا، ولقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ} [المائدة: 6] ، أي من مضاجعكم وهو كناية عن النوم، وهو الحدث، وأما التصريح بذكر الحدث في الغسل والتيمم دون الوضوء فليعلم أن الوضوء يكون سنة وفرضا والحدث شرط في الفرض دون السنة؛ لأن الوضوء على الوضوء نور على نور، والغسل على الغسل، والتيمم على التيمم ليس كذلك، وهو المشهور فيهما عند الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
قال المتولي من الشافعية: في موجب الوضوء: ثلاثة أوجه:
أحدها: الحدث، فلولاه لا يجب.
الثاني: القيام إلى الصلاة؛ لأنه لا يتعين عليه قبله.
الثالث: وهو الصحيح عند المتولي وغيره أنه يجب بهما ثم الحدث يحل جميع البدن في وجه كالجنابة حتى منع من مس المصحف بظهره وبطنه والاكتفاء بغسل الأعضاء الأربعة تخفيف، وفي وجه يختص بالأربعة وعدم جواز المس لعدم طهارة جميع البدن بالنجاسة الحقيقية وفي الأصح اختلاف عندهم، فقال الشافعي: العموم، وقال النووي وغيره: الاختصاص ورجحه
الجزء 1 · صفحة 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQالنووي.
فإن قلت: ما الحكمة في تخصيص الأعضاء الأربعة في الوضوء قلت لأن الله تعالى لما نهى آدم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في الجنة عن قربان تلك الشجرة وتناولها صارت هذه الأعضاء الأربعة مذنبة فمن الرجلين المشي ومن اليدين فإن قلت: كان ينبغي أن تجب المضمضة أيضا؛ لأن الفم حصل منه ما حصل.
قلت: آدم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ما كان ممنوعا من الأكل، وإنما كان ممنوعا من القربان إليها بقوله: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [البقرة: 35] (البقرة: الآية 35) ولم يحصل من الفم القربان بخلاف الأعضاء المذكورة، وقيل فعل الفم كان بعد حصول ما حصل من آدم، فلم يكن له ذنب، وقيل: إنما لم يجب غسل الفم لأن مطهر الأبدان قد طهره، وهو قول: " لا إله إلا الله محمد رسول الله "، وطهارة جميع الأعضاء بالفم واللسان، ألا ترى أن الكافر إذا لم يقل ذلك يسمى نجسا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28] (سورة التوبة: الآية 28) .
فإن قلت: ما الحكم في تخصيص الأعضاء الثلاثة بالغسل والرأس بالمسح قلت الرأس لم يحصل منه شيء في قضية القربان فلم يبين له الغسل ولذا اختص بالمسح باليد المقترفة إليه وذلك كما ذكرنا أنه وضع يده على رأسه لما أصابه من الغم، وقيل: إنما اختصت هذه الأعضاء الأربعة أما الوجه فلأنه أحسن الأعضاء، وأما اليدان فلأن سائر الحيوانات ليست لها أيد باطشة، ولا آخذة، بل أخذها الأشياء بفهمها حتى لا تميز بين الخبيث والطيب، وأما الرجلان فلأن الله تعالى خلق ابن آم خلقة مستوية وخلق سائر الحيوانات خلقة منكوسة فأمر بغسل هذه الأعضاء شكرا لما صنع، وأما الرأس فقد رفع عنه السيف والجزية بدين الإسلام، فاكتفى بالمسح شكرا على ذلك، وقيل: لما كانت الصلاة مناجاة ومحل القرب أمرهم بتطهير هذه الأعضاء الذميمة وقيل: إنما أمر بغسل هذه الأعضاء الثلاثة لما ارتكبوا بها من الحرام؛ لأن مباشرة العبد لا تكون إلا بهذه الأعضاء، وأما الرأس فلأنه مجمع الحواس فكذلك خص أيضا بالتطهير واكتفي فيه بالمسح لأن الغسل ربما يضره، وقيل إن العبد إذا شرع في الخدمة يجب أن يجدد نظافته وأيسرها تنقية الأعضاء التي تنكشف كثيرا لتحصل بها نظافة القلب إذ تنظيف الظاهر يوجب
الجزء 1 · صفحة 143
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] .
ـــــــــــــــــــــــــــــQتنظيف الباطن.
م: (قال الله تعالى) : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] ش: (المائدة: الآية 6) الآية الكريمة، مقول القول، وافتتح الكتاب بالآية المذكورة لكونها أصلا في استنباط مسائل هذا الباب، أو لأجل التبرك في افتتاح الكتاب، وإن كان حق الدليل أن يؤخر عن المدلول؛ لأن الأصل في الدعوى تقديم المدعي، وهي مفتتحة بالنداء الذي هو نوع الطلب؛ لأنه طلب إقبال المخاطب بحرف نائب مناب أدعو إما بحرف نداء للبعيد حقيقة أو حكما، وقد ينادى بها القريب توكيدا، وقيل: هي مشتركة بين البعيد والقريب، وقيل بينهما وبين المتوسط، وهي أكثر حروف النداء استعمالا ولهذا لا يقدر عند الحذف سواها نحو: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} [يوسف: 29] (يوسف: الآية 29) ، ولا ينادى اسم الله والاسم المستغاث وأيتها وأيها ولا المندوب إلا بها أو بهيا، وقوله من قال أن " يا " مشتركة بين القريب والبعيد هو الأصح؛ لأن أصحاب اللغة ذكروا أن " يا " حرف ينادى به القريب والبعيد.
فإن قلت: ما تقول في قول الداعي يا الله، قال الله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] (ق: الآية 6) .
قلت: هذا استقصار منه لنفسه، واستبعاد عن مظان القبول لعلمه. و " أي " اسم لخمسة معان:
الأول للشرط نحو {أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110] (الإسراء: الآية 110) . الثاني: الاستفهام. نحو: {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا} [التوبة: 124] (التوبة: الآية 124) .
الثالث: يكون موصولا نحو: {لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ} [مريم: 69] (مريم: الآية 69) والتقدير لننزعن الذي هو أشد، نص عليه سيبويه.
الرابع: يكون صفة للنكرة، نحو: زيد رجل: أي رجل: أي كامل في صفة الرجال، وجاء للمعرفة نحو مررت بعبد الله أي رجل.
الخامس: يكون صلة لما فيه (ال) نحو يا أيها الرجل ومنه قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: 6] (المائدة: الآية 6) ، وزعم الأخفش أن أيا هذه هي الموصولة حذف صدر صلتها وهو العائد، والمعنى: يا من هو الرجل، وكذلك التقدير هاهنا على قوله: يا من هم الذين إذا قمتم إلى الصلاة. وها تستعمل على ثلاثة أوجه:
الأول: أن يكون اسم الفعل نحو خذ تقول للمذكر " ها " بالفتح و " ها " للمؤنث بالكسر وها
الجزء 1 · صفحة 144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQوهان وهاؤم قال الله تعالى: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} [الحاقة: 19] (الحاقة: الآية 19) .
الثاني: أن يكون ضميرا للمؤنث نحو ضربها وغلامها.
الثالث: أن تكون للتنبيه فتدخل على أربعة:
الأول: الإشارة نحو لهذا.
الثاني: ضمير رفع المخبر عنه باسم إشارة نحو أنتم أولاء.
الثالث: اسم الله تعالى في القسم عند حذف الحرف نحو ها الله بقطع الهمزة ووصلها وكلاهما مع إثبات ألفها وحذفها.
الرابع: نعت " أي " في النداء نحو يا أيها الرجل، وهي في هذا واجبة للتنبيه على أنه المقصود بالنداء ومنه قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [النساء: 43] ، والذين اسم موصول موضوع لجمع الذي؛ لأن الذين عام لذي العلم وغيره، والذي يختص بذي العلم، ولا يكون الجمع أخص من مفرده، فمن هذا قول قوام الدين في شرحه: إن الذين جمع الذي صادر من غير تحقيق، والذي لا يخلو إما أن يكون صفة لأي، أو يكون موصوفها محذوفا، تقديره: يا أيها الناس الذين آمنوا، ويا أيها القوم الذين آمنوا، ونحو ذلك؛ لأن الموصولات وضعت وصلة إلى المعارف بالجمل و " أي " ليس بمعرفة فلا يكون الذي صفة له.
فإن قلت: كيف يكون الذي صفة " لأي " وصفة " أي " هو المفرد من الناس أو القوم؟ قلت: المجموع كلمة هو صفة " أي " لا المقدر وحده، ولا الموصول وحده، فعن هذا سقط اعتراض الشيخ قوام الدين - رَحِمَهُ اللَّهُ - على الشيخ حافظ الدين النسفي في قوله: " الذين آمنوا صفه لأي " لأنه ليس كذلك لأن صفة أي هو المقدر من القوم، أو الناس ثم " آمنوا " صفة لتلك الصفة المقدرة " لأي " بواسطة " الذين، " قوله " آمنوا " فعل ماض لجمع المذكر الغائبين من أمن يؤمن إيمانا، وهي جملة من الفعل والفاعل وضعت صلة للموصول ولا محل لها من الإعراب؛ لأنها لم تقع موقع المفرد، وهي فعل الشرط.
وقوله: {فَاغْسِلُوا} [المائدة: 6] جواب الشرط فلذلك دخلت الفاء، ثم اعلم أن القياس في قوله: آمَنُوا أن يقال آمنتم لأن من حق المنادى بكونه مخاطبا أن يعبر عنه فيقال: يا إياك، يا أنت، إذ مقتضى الحال في المخاطب أن يعبر عنه بضميره، لكن لما كان النداء لطلب الإقبال ليخاطب بعده بالمقصود المنادى إذا ذهل عن كونه مخاطبا نزل منزلة الغائب فعبر عنه بالضمير الذي هو الغائب ليكون أقصى لحق البيان ولما جاء الاختلاف بقوله: آمنوا وآمنتم ذهب بعضهم إلى أن هذا من قبيل الالتفات؛ لأن آمنوا للغائب وآمنتم مخاطب، وممن قال ذلك الشيخ حافظ الدين
الجزء 1 · صفحة 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQالنسفي في " المستصفى شرح المنافع "، وشنع عليه الشيخ قوام الدين في شرحه، ونسبه في ذلك إلى الغلط، وقال: ليس الأمر كذلك؛ لأن الالتفات لا يكون إلا فيما إذا كان حق الكلام بالغيبة وذكر بالخطاب أو بالعكس ولم يقع الكلام في الآية إلا في الموضع الذي اقتضاه.
قلت: على تقدير كلام النسفي صحيح، والحط عليه مردود يفهم ذلك من التقرير الذي سبق، بل الصحيح أن منع الالتفات هاهنا مبنى على أن " آمَنُوا " صلة " الذين " والموصولات غيب، والضمير الذي يكون راجعا من الصلة إلى الموصول لا يكون إلا غائبا ويكن الجملة كلها أعني قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [النساء: 43] في حكم الخطاب لأنه منادى فوجب أن يكون ما بعده خطابا، فكان قولهم: قمتم بالخطاب واقعا في محله، مخرجا على مقتضى ظاهره، فلا يكون من الالتفات؛ لأنه انتقال من صيغة إلى صيغة أخرى سواء كان الضمير بعضها إلى بعض، أو من غيرها. وذهب بعضهم بناء على ما ذكر من أن قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [النساء: 43] في حكم الخطاب إلا أن الغائبين إنما يدخلون تحت الخطاب بالدلالة أو بالإجماع، وقال بعضهم: إنما قال: آمَنُوا دون آمنتم ليدخل تحته كل من آمن إلى يوم القيامة، ولو قال: آمنتم لاختص لمن كانوا في عصر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
ثم اعلم أن تقييد الفعل بحرف الشرط في أكثر الكتب يكون لاعتبارات شتى لا يعرف ذلك إلا بمعرفة أدوات الشرط التي هي إن، وأما، وإذا، وإذما، وإذ، ومتى، وكيفما، وأين، وأينما، وحيث، وحيثما، ومن، وما، ومهما، وأي، ولو، وصاحب " العناية " لا يتكلم إلا في " إذا " أو " إذا " و " لو " لكثرة دورانها مع تعلق اعتبارات لفظية بهما، أما " إن " و " إذا " فللشرط في الاستقبال يعني: لتعليق الفعل في الزمان المستقبل، لكن أصل " إن " عدم الجزم بوقوع الشرط: يعني: عدم جزم القائل بوقوع شرطها، ولا وقوعه، بل بتجويز كل منهما لكونه غير متحقق الوقوع كما في " إن طلعت الشمس " وإلا لا وقوع كما في " إن طار إنسان " ونحو " إن يكرمني أكرمك: إذا لم يعلم القائل أنه يكرمه أم لا، وأصل " إذا " الجزم. أي جزم القائل بوقوع الشرط تحقيقا وخطابا كقولك إذا جاء يحيى فإن مجيئه ليس قطعيا تحقيقا كطلوع الشمس، بل تقديرا باعتبار خطابي أو ظني وهو أن المحب يزور الحبيب. فإذا تمهد هذا فنقول ذكرها في الآية الكريمة " بإذا " دون " إن " وذكر في آية الغسل بإن دون إذا، وذلك أنه لما كان القيام إلى الصلاة من الأمور الملازمة والأشياء الغالبة بالنسبة إلى حال المؤمن ذكرها " بإذا " التي تدخل على أمر كائن أو منتظر لا محالة بخلاف الجنابة فإنها بالنسبة إلى القيام إلى الصلاة قليلة جدا، وهي من الأشياء المترددة الوجود والأمور العارضة، فلذلك خصت " بإن ".
فإن قلت: ما تقول في قوله: إن مات فلان؟
الجزء 1 · صفحة 146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQقلت: هذه لجهالة وقت الموت لا في وقوعه فلا يقدح ذلك، واعلم أن هاهنا إرادة الفعل بالفعل؛ لأن معنى قوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: 6] إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون فاغسلوا كما في قَوْله تَعَالَى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [النحل: 98] (النحل: الآية 98) التقدير: فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، قال الزمخشري - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فإن قلت: لم جاز أن يعبر عن إرادة الفعل بالفعل. قلت: لأن الفعل يوجد بقدرة الفاعل عليه وإرادته له، وهي قصده إليه وخلوص داعيته فكما عبر عن القدرة على الفعل بالفعل في قولهم الإنسان لا يطير، والأعمى لا يبصر أي لا يقدر على الطيران والإبصار، وذلك لأن الفعل مسبب عن القدرة والإرادة فأقيم المسبب مقام السبب للملاءمة بينهما ولإيجاز الكلام.
فإن قلت: ما الحكمة في إضمار الحذف؟
قلت: كراهية أن يفتتح آية الطهارة بذكر الحدث، كما في قَوْله تَعَالَى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] (سورة البقرة: الآية 2) حيث لم يقل هدى للضالين الصائرين للتقوى بعد الضلال كراهية أن يفتح أول الزهراوين بذكر الضلالة.
1 -
قوله: {إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: 6] الصلاة على وزن فعلة من صلى كالزكاة من زكى واشتقاقها من الصلى، وهو العظم الذي عليه الإليتان؛ لأن المصلي يحرك صلويه في الركوع والسجود، وقيل للتاله من خيل السباق المصلي لأن رأسه يلي صلو التالي، ويقال للصلاة الدعاء ومنه قول الأعشى في وصف الخمر:
وقابلها الريح في دنها ... وصلي على دنها وارسم
أي: دعا لها بالسلامة والبركة.
وأما في الشرع: فهي عبارة عن الأفعال المعهودة والأركان المعلومة.
فإن قلت: كيف يكون المعنى في الوجهين؟
قلت: على الوجه الأول: تكون لفظة الصلاة من الأسماء المعتبرة شرعا، وعلى الوجه الثاني: تكون من الأسماء المنقولة شرعا لوجود المعنى اللغوي مع زيادتها شرعا، وفي الفعل المعنى اللغوي مراعى، وفي التغيير يكون باقيا، ولكنه زيد عليها شيء آخر وكلمة " إلى " تأتي لثمانية معان:
الأول: إنه للغاية الزمانية، نحو: {أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] (البقرة: الآية 187) ، والمكانية نحو: {مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [الإسراء: 1] (الإسراء: الآية 1) .
الجزء 1 · صفحة 147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQالثاني: البعد، نحو: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آل عمران: 52] (آل عمران: الآية 52) .
الثالث: التبيين، وهي المبينة لفاعلية مجرورها بعدما يقعد حبا أو بغضا من فعل تعجب أو اسم التفضيل {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ} [يوسف: 33] (يوسف: الآية 33) .
الرابع: بمعنى اللام، نحو: {إِلَى إِلَهِكَ} [طه: 97] (طه: الآية 97) .
الخامس: بمعنى في نحو: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [النساء: 87] (النساء: الآية 97) .
السادس: الابتداء كقوله:
تقول وقد عاليت بالكور فوقها ... فلا يلوي إلى ابن أحمر
السابع: بمعنى عند، نحو: انتهى إلي من الرحيق السلسبيل: أي عندي.
الثامن: التوكيد، وهي الزائدة، أثبت ذلك الفراء مستدلا بقراءة بعضهم: {أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} [إبراهيم: 37] (إبراهيم: الآية 37) بالفتح.
وقوله: {إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: 6] يتناول سائر الصلوات من الفروض والنوافل؛ لأن الصلاة اسم الجنس، فاقتضى أن يكون من شروط الصلاة الطهارة، أي صلاة كانت، واستدلت بظاهر الآية طائفة أن الوضوء لا يجوز إلا بعد دخول الصلاة، وكذلك التيمم، وهو فاسد؛ لأنه لم يقيد في النص دخول وقت الصلاة، ويؤيد ما ذكرناه ما رواه النسائي وغيره من حديث أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة وراح في الساعة الأولى، فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» ، فهذا نص جلي على جواز الوضوء للصلاة قبل دخول الوقت بها؛ لأن الإمام يوم الجمعة لا بد ضرورة من أن يخرج قبل الوقت أو بعده وأي الأمرين كان يظهر هذا الربح من أول النهار كان قبل وقت الجمعة بلا شك.
[حكم الطهارة] 1
قوله: {فَاغْسِلُوا} [المائدة: 6] يقتضي إيجاب الغسل وهو اسم لإمرار الماء على الموضع إذا لم يكن هناك نجاسة، فإن كانت فغسلها إزالتها بإمرار الماء أو ما يقوم مقامه، وليس عليه ذلك الموضع بيده، وإنما عليه إمرار الماء حتى يجري على الموضع، وقال أبو بكر الرازي - رَحِمَهُ اللَّهُ - وقد اختلفت في ذلك على ثلاثة أوجه، فقال مالك بن أنس: عليه إمرار الماء ودلك الموضع به وإلا لم
الجزء 1 · صفحة 148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQيكن غاسلا، وقال أصحابنا وعامة الفقهاء: عليه إجراء الماء عليه وليس عليه دلكه به. روى هشام عن أبي يوسف أنه إن مسح الموضع بالماء كما يمسح بالدلك أجزأه، وفي " التحفة " الغسل: تسييل الماء على الموضع، والمسح: إمراره عليه، فقد فسر المسح بما فسر الرازي الغسل به، وفي " البدائع ": لو استعمل الماء من غير إسالته كالتدهين به لا يجوز في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف أنه يجوز وعلى هذا لو توضأ بالثلج، ولم يقطر منه شيء لا يجوز، ولو قطر قطرتان أو ثلاث جاز لوجود الإسالة، وفي " الذخيرة ": تأويل ما روي عن أبي يوسف إن سال من العضو قطرة أو قطرتان، ولم يتدارك وفي " الأحكام " لابن بريدة صفة الغسل في الأعضاء المغسولة أن يبل العضو بالماء بلة، وقال أبو يوسف: إذا مسح الأعضاء كمسح الدهن يجوز، وقال بعض التابعين: ما عهدناهم يلطمون وجهوهم بالماء، وجماعة العلماء على خلاف ما قاله أبو يوسف؛ لأن تلك الهيئة التي قال بها لا تسميه العرب غسلا البتة.
قوله: {وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] جمع وجه، وحكى الفراء في الوجوه، وهي الأوجه، وقال ابن السكينة: ويفعلون ذلك كثيرا في الواو، إذا انضمت، والوجه في اللغة مأخوذ من المواجهة وهي المقابلة، وحده في الطول من مبتدأ سطح الجبهة إلى منتهى اللحيين وهما عظما الحنك ويسميان التكثرة وعليهما منابت الأسنان السفلى، ومن الأذن إلى الأذن، وقال أبو بكر الرازي والأقطع: حده من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن إلى شحمة الأذن، حكى ذلك أبو الحسن الكرخي عن أبي سعيد البردعي.
وقال الرازي: ولا يعلم خلافا بين الفقهاء في هذا المعنى، ولذلك يقتضي ظاهر الاسم إذا كان إنما يسمى وجها لظهوره، ولأنه يواجهه الشيء، ويقابل به، وهذا الذي ذكرنا من تحديده هو الذي يواجهه الإنسان ويقابله من غيره فإن قيل: فينبغي أن تكون الأذنان من الوجه لهذا المعنى، قيل له: لا يجب ذلك؛ لأن الأذنين يستران بالعمامة والقلنسوة والإزار ونحوها، وفي " البدائع " لم يذكر الوجه في ظاهر الرواية وذكر في غير رواية الوصول كما ذكره في الكتاب، وقال: هذا حديث صحيح مستخرج داخل العينين والأنف والفم وأصول شعر الحاجبين واللحية والشارب وونيم الذباب ودم البراغيث بخروجه من الوجه، وقال أبو عبيد الله البلخي: لا يسقط، وبه قال الشافعي في الجديد والمزني وأبو ثور وإسحاق بن راهويه مطلقا، وحكى الرافعي قولا، وقال في " المبسوط " العين غير داخل في غسل الوجه، كما في إيصال الماء إليها حرج؛ لأنه شحم لا يقبل الماء، ومن تكلف من الصحابة فيه كف بصره في آخر عمره كابن عباس وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
وفي كتاب " العناية " للسروجي عن أحمد بن إبراهيم أن من غمض عينيه في غسل الوجه
الجزء 1 · صفحة 149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQغمضا شديدا لا يجزئه الوضوء، وقيل: من رمدت عينه فرمضت الماء واجتمع رمضها تكلف إيصال الماء إلى الآماق، كذا في " المنتخبة " وفي " المغني " الوجه من منابت شعر الرأس إلى ما اتحد من اللحيين والذقن إلى أصول الأذنين ولا يعتبر كل واحد بنفسه بل لو كان أصلع ينزع شعره عن مقدم رأسه إلى منابت الشعر في الغالب، والانتزاع الذي ينزل شعره إلى الوجه يجب عليه غسل الشعر الذي ينزل من حد الغالب، وفي " الأحكام " لابن بريدة: للوجه حد طولا وعرضا فحده طولا من منابت الشعر المعتاد إلى الذقن، وقولنا: المعتاد احتراز من الأعمى، والأقرع، واختلفت المذاهب في حده عرضا على أربعة أقوال: فقيل: من الأذن إلى الأذن، وقيل: من العذار إلى العذار، في حق الملتحي، ومن الأذن إلى الأذن في حق الأمرد، والقول الرابع: إن غسل البياض الذي بين الصدغ والأذن سنة، انتهى.
واللحية يحمل أن يكون من الوجه؛ لأنها مواجهة المقابل، ولا تغطي في الأكثر كسائر الوجه فيقتضي ذلك وجوب غسلها، ويحتمل أن لا تكون من الوجه؛ لأن الوجه ما واجهك من بشرته دون الشعر النابت عليه هذا ما كانت البشرة ظاهرة دونه، فلذلك اختلفوا في غسل اللحية وتخليلها ومسحها على ما نذكره إن شاء الله تعالى، وما ذكرنا من حد الوجه يدل على أن المضمضة والاستنشاق غير واجبين لمن قال بهما بالآية إذ ليس داخل الأنف والفم منه إذ هما غير مواجهين لمن قابلهما، فمن قال بإيجابهما فقد زاد على الكتاب، وهو غير جائز.
وقوله: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] يقتضي جواز الصلاة بوجود الغسل سواء قارنته النية أو لم تقارنه، وذلك لأن الغسل اسم شرعي مفهوم المعنى في اللغة وهي إمرار الماء على الموضع، وليس عبارة عن النية، فمن شرط فيه النية فقد زاد على النص، وسيجيء مزيد الكلام فيه في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] أي واغسلوا أيديكم، والأمر يدل على فرضية غسل اليدين، والأيدي جمع يد وأصلها يدي على وزن فعل بسكون العين، ويدل على هذا الجمع ويجمع على يد أيضا، وأصلة يدوي على وزن فلوس، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون وأبدلت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء، وقد جمعت الأيدي في الشعر على أياد، قال جند بن المثنى:
كأنه بالفحيمان الأبخل ... قطن شجاع بأياد غزل
وهو جمع الجمع مثل أكوع، وأكاوع، ولغة بعض العرب أيد بحذف الياء من الأصل مع الألف واللام، كما يقلون في المهتدي المهتد، وبعضهم يقولك يدي مثل رحى ويثني على هذه
الجزء 1 · صفحة 150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQاللغة يديان مثل رحيان، ويقال في التنبه: يدوي كما يقال رحوي، ثم اليد اسم يقع على هذا العضو، وهي من طرف الأصابع إلى المنكب، والدليل على ذلك «أن عمارا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تيمم إلى المنكب وقال: " تيممنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى المناكب» ، وكان ذلك بعموم قَوْله تَعَالَى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6] ، ولم ينكر عليه من جهة اللغة بل هو كان من أهل اللغة فكان عنده أن الاسم للعضو إلى المنكب فثبت بذلك أن الاسم يتناول إلى المنكب، فإذا كان الإطلاق يقتضي ذلك، ثم ذكر التحديد فجعل المرفق غاية؛ لأن ذكرها لإسقاط ما ورائها، وسيجيء الكلام فيه في موضعه إن شاء الله تعالى.
ثم اعلم أنه يجب غسل ما كان مركبا على اليدين من الأصابع الزائدة والكف الزائدة على التفسير الذي ذكرنا وإن خلق على العضد غسل ما يحاذي محل الفرض لا ما فوقه، وفي " المغني ": وإن خلق له إصبع زائدة أو يد زائدة في محل الفرض وجب عليه غسلها مع الأصلية، وإن كانت في غير محل الفرض كالعضد والمنكب لم يجب غسلها سواء كانت طويلة أو قصيرة، هذا قول ابن حامد وابن عقيل، وقال القاضي: إن كان بعضها يحاذي محل الفرض غسل ما يحاذيه منها، والأول أصح.
واختلف أصحاب الشافعي في ذلك كما ذكرنا. وإن تعلقت جلدة في غير محل الفرض حتى تدلت في محل الفرض وجب غسلها لأن أصلها في محل الفرض، فأشبهت الإصبع الزائدة، وإن تعلقت في محل الفرض غسلها قصيرة كانت أو طويلة بلا خلاف، وإن تعلقت في أحد المحلين يجب غسل ما يحاذي محل الفرض من ظاهرها وباطنها وغسل ما يجب من محل الفرض، وفي " الحلية ": لو خلق له يدان على المنكبين إحداهما ناقصة فالكاملة هي الأصلية، والناقصة خلقت زائدة، فإن حاذى منها محل الفرض وجب غسله عندنا والشافعي، ومن أصحابه من قال لا يجب غسلها بحال، وفي " الغاية " ومن شلت يده اليسرى، ولم يجد من يصب عليه الماء والماء جار لا يستنجي بيمينه وإن وجد ذلك يستنجي بيمينه، وإن شلت يداه مسح يديه بالأرض ووجهه بالحائط ولا يدع الصلاة.
الجزء 1 · صفحة 151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQوروى الحسن عن أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن مقطوع اليدين من المرفقين والرجلين من الكعبين يوضئ وجهه ويمسح أطراف المرفقين والكعبين بالماء ولا يجزئه غير ذلك، وهو قول أبي يوسف.
وفي " الدراية ": لو قطعت يده من المرفق لا فرض عليه.
وفي " المغني ": وإن قطعت من دون المرفق غسل ما بقي من محل الفرض، وإن قطعت من المرفق غسل العظم الذي هو طرف العضد، وإن كان من فوق المرفقين سقط الغسل لعدم محله، وإن كان أقطع اليدين فوجد من يوضؤه متبرعا لزمه ذلك لأنه قادر عليه، وإن لم يجد من يوضؤه إلا بأجر يقدر عليه لزمه أيضا كما يلزمه شراء الماء، وقال ابن عقيل: يحتمل أن لا يلزمه كما لو عجز عن القيام لم يلزمه استئجار من يعتمد عليه وإن عجز عن الأجر أو لم يقدر على من يأجر صلى على حسب حاله كعادم الماء والتراب، وإن وجد من ييممه ولم يوجد من يوضؤه لزمه التيمم وهذا مذهب الشافعي ولم أعلم فيه خلافا، وفي " مبسوط بكر " قال الإسكاف: يجب إيصال الماء إلى ما تحت العجين والطين في الأظفار دون الدرن لتولده منه، وقال الصفاء: يجب إيصال الماء إلى تحته إن طال الظفر، وإلا فلا.
وفي " النوازل ": يجب في حق المصري لا القروي؛ لأن في أظفار المصري رسومة تمنع إيصال الماء إلى ما تحته، وفي أظفار القروي طين لا تمنع ولو كان خلاب أو خبز ممصوغ جاف يمنع وصول الماء لم يجزه. وفي ونيم الذباب والبرغوث: جاز وفي " الجامع الأصغر ": إذا كان واسع الأظفار وفيها طين أو عجين أو المرأة تصنع التخي جاز، وإنما جاز في القروي والمدني إذ لا يستطاع الامتناع منه إلا بحرج، قال الدبوسي: وهذا صحيح وعليه الفتوى، وفي " فتاوى ما وراء النهر ": لو بقي من موضع الغسل قدر رأس إبرة أو لصق بأصل ظفره طين يابس لم يجزه، ولو تلطخ يده بحمرة أو حناء جاز.
وفي " المغني ": إذا كان تحت أظفاره وسخ يمنع وصول الماء إلى ما تحته فقال ابن عقيل: لا تصح طهارته حتى يزيله، ويحتمل أن لا يلزمه ذلك لأن هذا يسير عادة، وفي " الأحكام " لابن بزيزة: إذا طالت الأظفار فقد اختلف العلماء: هل يجب غسلها لأنها من اليدين حسا وإطلاقا وحكما، ومن العلماء من يوجب غسل الزائد على المعتاد، ولم يوجب بعض العلماء غسل الأظفار إذا طالت.
وفي " المجتبى ": لا يجب نزع الخاتم، وتحريكه في موضعه، إذا كان واسعا، وفي الضيق اختلاف المشايخ. وروى الحسن عن أبي حنيفة: اشتراط النزع والتحريك.
الجزء 1 · صفحة 152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQفإن قلت: روى الدارقطني «أن النبي كان إذا توضأ حرك خاتمه» .
قلت: في سنده معمر بن محمد بن عبد الله هو وأبوه ضعيفان، وفي " الأحكام " لابن بزيزة تحريك الخاتم في الوضوء والغسل اختلف العلماء فيه، فقيل: يحركه في الوضوء والغسل، والتيمم، وقيل لا يحركه مطلقا، وقيل: إن كان ضيقا حركه، وإن كان واسعا لا يحركه، وقيل: يحركه في الوضوء والغسل ويزيله.
قوله: {إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] يدل على أن المرفق غاية، وهل تدخل الغاية تحت المغيا أم لا؟ فيه خلاف نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى، وهو جمع مرفق بكسر الميم وفتح الفاء، وعلى العكس، وهو مجتمع طرف الساعد والعضد. قلت: الأول على وزن اسم الآلة، كالمخلب، والثاني على وزن اسم المكان، فيجوز فيه فتح الميم والفاء على أن تكون مصدرا، أو اسم مكان على الأصل.
1 -
قوله: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] هذا يدل على فرضية مسح الرأس وسيجيء ذكر الخلاف فيه إن شاء الله تعالى.
{وَامْسَحُوا} [المائدة: 6] أمر من مسح يمسح مسحا من باب فتح يفتح، قال الجوهري: مسح برأسه، ويمسح بالأرض، ومسح الأرض مساحة أي ذرعها، ومسح المرأة أي: جامعها، ومسحه بالسيف أي قطعه، ومسحت الإبل نوامها أي: سارت، ومسح الرجل بالكسر مسحا في الأصح وهو الذي يصيب إحدى ربليه إلى الأخرى، قلت: الربلة بفتح الراء وسكون الباء الموحدة وبفتحها أيضا هو باطن الفخذ، وقال الأصمعي: الفتح أفصح والجمع ربلات، والمسح في الشرع الإصابة، وقد يجيء بمعنى الغسل على ما نذكره إن شاء الله تعالى، والرؤوس جمع رأس، وهو جمع كثرة، وجمع القلة أرؤس.
{وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] (المائدة: الآية 6) فيه ثلاث قراءات: الرفع: قرأ به الحسن البصري، تقديره وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة إلى الكعبين وقرأ به نافع، وروى عنه الوليد بن مسلم، وهي قراءة الأعمش أيضا. والنصب قرأ به على، وابن عباس، وابن مسعود، وإبراهيم، والضحاك، وابن عامر. والكسائي، والخفض: عن عاصم، وعلي بن حمزة.
الجزء 1 · صفحة 153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQوقال الأزهري وهي قراءة الأعمش وحفص عن أبي بكر ومحمد بن إدريس الشافعي، والجر قرأ به ابن عباس في رواية عكرمة وحمزة وابن كثير، وقال الحافظ أبو بكر بن المغربي: وقرأ يونس، وعلقمة، وأبو جعفر بالخفض، والمشهور قراءة الجر، والنصب وبينهما تعارض فالحكم في تعارض القراءتين كالحكم في تعارض الآيتين، وهو أنه إن أمكن العمل بهما يعمل مطلقا، وإن لم يمكن.. يعمل بهما بالقدر الممكن، وهاهنا لا يمكن الجمع بين الغسل والمسح في عضو واحد في حالة واحدة؛ لأنه لم يقل به أحد من السلف، ولأنه يؤدي إلى تكرار المسح؛ لأن الغسل يتضمن المسح، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار، ولا يحتمله، فيعمل في حالتين، فيحمل قراءة النصب على ما إذا كانت الرجلان باديتين ويحمل على قراءة الجر على ما إذا كانتا مستورتين بالخفين توفيقا بين القراءتين وعملا بهما بالقدر الممكن، وقد يقال إن قراءة من قرأ {وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] بالخفض معارضة لمن نصبها فلا حاجة إذن لوجود المعارضة فإن قيل: نحن نحمل قراءة الجر على أنها منصوبة المحل فإذا حملناه على ذلك لم يكن بينهما تعارض بل يكون معناهما النصب، وإن اختلف اللفظ فيهما، ومتى أمكن الجمع لم يجز الحمل على التعارض، والاختلاف، والدليل على جواز العطف على المحل قَوْله تَعَالَى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} [النساء: 1] (النساء: الآية 1) وقال الشاعر:
ألا حي عثمان عمرو بن عامر ... إذا ما تلاقينا اليوم أو غدا
فنصب " غدا " على المحل، ويجاب بأن العطف على المحل خلاف السنة وإجماع الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أما السنة: فحديث عمرو بن عيينة الذي أخرجه مسلم، وفيه: «ثم يغسل قدميه إلى الكعبين» ، الحديث.
وأما الإجماع فهو ما روى عاصم عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: بينما يوم والحسن يقرأ على علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وجلس قاعدا إلى علي يحازيه فسمع قارئا يقرأ: وأرجلكم، ففتح عليه الحسن بالخفض، فقال علي وزجره: إنما هو فاغسلوا وجوهكم واغسلوا أرجلكم في القرآن تقديم للتعظيم وتأخيره. وكذلك عن عروة ومجاهد، والحسن، ومحمد بن الحسن، وعبد الرحمن بن الأعرج، والضحاك، وعبد الرحمن بن عمرو بن غيلان، زاد البيهقي، وعطاء، ويعقوب الحضرمي، وإبراهيم بن زيد التميمي، وأبي بكر بن عباس. وذكر ابن الحاجب في " أماليه " أنه نصب على الاستئناف وقيل: المراد بالمسح في حق الرجل: الغسل، ولكن أطلق عليه لفظ المسح للمشاكلة كقوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] (سورة الشورى: الآية 40) ، وقيل: إنما ذكر بلفظ المسح لأن الأرجل من بين سائر الأعضاء مظنة إسراف الماء بالصب فعطف على الممسوح
الجزء 1 · صفحة 154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQوإن كانت مغسولة للتنبيه على وجود الاقتصار في الصب لا التمسح، وجيء بالغاية فقيل إلى الكعبين إماطة لظن ظان يحسبها أنها ممسوحة إذ المسح لم تعرف له غاية.
ثم اعلم أن النصب له وجهان: أحدهما أن يكون معطوفا على {وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] فيشاركها في حكمها وهو الغسل، وإنما أخر عن المسح بعد المغسولين لوجوب تأخير غسلهما عن مسح الرأس عند قدوم الاستجابة عند آخرين، والوجه الثاني: أن يكون عامله مقدرا، وهو {فَاغْسِلُوا} [المائدة: 6] لا بالعطف على {وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] كما تقول: أكلت الخبز واللبن أي: وشربت، وإن لم يتقدم الشرب بذكر، وهاهنا تقدم للغسل ذكر فكان أولى بالإضمار، ومنه قوله: علفتها تبنا وماء باردا أي سقيتها، وقال: ورأيت زوجك في الوغا مقلدا سيفا ورمحا، أي وحاملا رمحا، وقال: تشوبت البان وتمرا أقط أي وأكل تمرا أقط، ويجاب عن الجر بأجوبة:
الأول: أنها جرت على أنها مجاورة رؤوسكم وإن كانت منصوبة كقوله تعالى: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [هود: 26] (سورة هود: الآية 26) ، على جر أليم، وإن كان صفة للعذاب، وكقولهم: هذا جحر ضب خرب بجر " خرب "، وإن كان مرفوعا. فإن قلت: جحرا ضب خربين وجحرة ضباب خربة لم يجزه الخليل في التثنية وأجازه في الجمع واشترط أن يكون الآخر مثل الأول وأجازه سيبويه في الكل.
الجواب الثاني: أنها عطف على الرؤوس؛ لأنها تغسل بصب الماء عليها فكانت مظنة لإسراف الماء المنفي عنه لا التمسح، ولكن لينبه على وجوب الاقتصار في صب الماء عليها، فجيء بالغاية ليعلم أن حكمها مخالف لحكم المعطوف عليه؛ لأنه لا غاية في الممسوح، قاله صاحب " الكشاف ".
والجواب الثالث: أنه محمول على مسألة لبس الخف، والنصب على الغسل عند [......] ، روى همام بن الحارث «أن جرير بن عبد الله بال ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل له: أنت تفعل هذا، قال: وما يمنعني وقد رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفعله» وكان يعجبهم حديث جرير - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لأن إسلامه كان بعد نزول المائدة، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقال ابن العربي: اتفق الناس على صحة حديث جرير، وهذا نص يروي ما ذكروه، فإن قيل: روى محمد بن عمر الواقدي أن جريرا أسلم في سنة عشر في شهر رمضان وأن المائدة نزلت في شهر ذي الحجة يوم عرفة قيل: هذا لا يثبت لأن الواقدي ضعيف رمي بالكذب، وإنما
الجزء 1 · صفحة 155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQنزلت يوم عرفة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] (المائدة: الآية 3) .
الجواب الرابع: أن المسح يستعمل بمعنى الغسل الخفيف، يقال: مسح على أطرافه، إذا توضأ، قاله أبو زيد، وابن قتيبة، وأبو علي الفارسي، وفيه نظر. وما ذكر عن ابن عباس قال محمد بن جرير: إسناده ضعيف، والصحيح الثابت عنه أنه كان يقرأ: {وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] بالنصب، ويقول عطف على المفعول، هكذا رواه الحفاظ عنه منهم القاسم بن سلام، والبيهقي، وغيرهما، «وثبت في صحيح البخاري عنه أنه توضأ وغسل رجليه وقال: هكذا رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
» وأما قَوْله تَعَالَى: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} [سبأ: 10] (سبأ: الآية 10) بالنصب على المحل فممنوع لأنه مفعول معه، ولو سلم العطف على المحل فإنما يجوز مثل ذلك عند عدم اللبس، نقل ذلك عن سيبويه وهاهنا لبس فلا يجوز، وأما البيت فغير مسلم فإنه ذكر في العقد أن سيبويه غلط فيه، وإنما قاله الشاعر بالخفض والقصيدة كلها مجرورة فكان مضطرا إلى أن ينصب هذا البيت ويحتال بحيلة ضعيفة قال:
مغاري أننا بشر فانجح ... فلسنا بالجذيل ولا الجديد
أكلتم أرضنا وجعلوا تمرنا ... فهل من قائم أو من حصيد
أتطمع في الخلود إذا هلكنا ... وليس لنا ولا لك من خلود
وقيل: هما قصيدتان مجرورة ومنصوبة وفيه بعد. فإن قلت: إن القراءتين النصب والجر نقلهما الأئمة تلقيا عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولا يختلف أهل اللغة أن كل واحدة من القراءتين محتملة للمسح لعطفهما على الرأس ومحتملة للغسل لعطفهما على المغسول. قلت: لا يخلو القول من أحد معان ثلاثة: إما أن يقال: إن المراد هما جميعا مجموعان، فيكون عليه أن يمسح أو يغسل أو يكون أحدهما على وجه التخيير يفعل المتوضئ أيهما شاء ويكون ما يفعله هو المفروض، أو يكون المراد أحدهما بعينه لا على وجه التخيير، فلا سبيل إلى الأول لاتفاق الجميع على خلافه، وكذا لا سبيل إلى الثاني، إذ ليس في الآية ذكر التخيير ولا دلالة عليه، فتعين الوجه الثالث، ثم يحتاج في ذلك إلى طلب الدليل على المراد منهما، فالدليل على أن المراد الغسل دون المسح اتفاق الجميع على أنه إذا غسل فقد أدى فرضه، وأتى بالمراد، وأنه غير ملوم على ترك المسح، فتبين أن المراد الغسل، وأيضا فهو صار في حكم المجمل المقتصر إلى البيان فيما ورد فيه من البيان عن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من فعل أو قول، علمنا أنه مراد الله تعالى، وقد ورد البيان عنه بالغسل قولا وفعلا:
الجزء 1 · صفحة 156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQأما فعلا فهو ما ثبت بالنقل المستفيض والنصوص المتواترة أنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - غسل رجليه في الوضوء ولم تختلف الأمة فيه، وأما قولا: فما رواه جابر، وأبو هريرة، وعائشة، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، أما حديث جابر بن عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ما أخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه "، وقال: حدثنا أبو الأحوص عن إسحاق عن سعيد بن أبي كريب عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «ويل للعراقيب من النار» وأخرجه الطحاوي ولفظه: «رأى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قدم رجل لمعة لم يغسلها، فقال: " ويل للعراقيب من النار.» وأخرجه ابن ماجه من طريق ابن أبي شيبة.
وأما حديث أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فما أخرجه البخاري، وقال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة «حدثنا محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة وكان يمر بنا والناس يتوضؤون من المطهرة فقال: أسبغوا الوضوء فإن أبا القاسم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " ويل للأعقاب من النار» أخرجه مسلم أيضا.
وأما حديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أخرجه مسلم من طريق سالم مولى شداد قال: دخلت على عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم توفي سعد بن أبي وقاص فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فقالت: يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «ويل للأعقاب من النار» وأخرجه الطحاوي أيضا.
وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أبو داود، وقال: حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى بن معين قال: حدثنا منصور عن هلال بن بشار عن أبي يحيى عن عبد الله بن عمرو «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى قوما وأعقابهم تلوح، فقال: " ويل للأعقاب من النار، وأسبغوا الوضوء» وهذا إسناده صحيح، ورجاله ثقات، وأبو يحيى اسمه مصدع مولى عبد الله بن عمرو، وروى له الجماعة سوى البخاري، والحديث أخرجه النسائي وابن ماجه أيضا.
الجزء 1 · صفحة 157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQوأما حديث عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي فأخرجه أحمد في " مسنده "، وقال: حدثنا هارون قال: حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني حيوة بن شريح أخبرني عروة بن مسلم عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي وهو من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «ويل للأعقاب من النار، وبطون الأقدام من النار» وإسناده حسن، وقد أخرجه الطحاوي، والطبراني أيضا. فقوله: " ويل للأعقاب من النار " وعيد لا يجوز أن يخلف إلا بترك الفروض، وهذا يوجب استيعاب الرجل بالغسل،
وفي " العناية ": وأما وظيفة الرجلين ففيها أربعة مذاهب.
الأول: هو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل السنة والجماعة أن وظيفتهما الغسل، ولا يعتد بخلاف من خالف ذلك.
الثاني: هو مذهب الإمامية من الشيعة أن الفرض مسحهما.
الثالث: وهو مذهب الحسن البصري، ومحمد بن جرير الطبري، وأبي علي الجبائي: أنه مخير بين المسح والغسل.
الرابع: مذهب أهل الظاهر وهو رواية عن الحسن أن الواجب الجمع بينهما، وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - هما غسلان، ومسحان، وعنه ما أمر الله بالمسح للناس إلا بالغسل، وروي أن الحجاج خطب بالأهواز فذكر الوضوء فقال: " اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم فإنه ليس شيء من ابن آدم أقرب من جنبه من قدميه فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما "، فسمع ذلك أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فقال: صدق الله، وكذب الحجاج، قال الله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] ، وكان عكرمة يمسح رجليه، ويقول: ليس في الرجلين غسل، وإنما هو مسح، وقال الشعبي: نزل جبريل - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بالمسح، وقال قتادة: فرض الله غسلين ومسحين، ولأن قراءة الجر محله في المسح؛ لأن المعطوف يشارك المعطوف عليه في الكلمة؛ لأن العامل الأول ينصب عليهما إنصابة واحدة بواسطة الواو عند سيبويه، وعند البصريين يقدر الثاني جنس الأول، والنص يحتمل العطف على الأول على بعد، فإن أبا علي قال: قد أجاز قوم النصب عطفا على {وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] وإنما يجوز وأشبهه في الكلام المعتبر، وفي ضرورة الشعر، وما يجوز على مثله هجنة العي وظلمة للبس وتقديره أعط زيدا
الجزء 1 · صفحة 158
..
....
....
....
..
ـــــــــــــــــــــــــــــQوعمرا جوائزها، ومر ببكر وخالد فأي بيان الكلام في هذا، وأي لبس أقوى من هذا ذكره المرسي حاكيا عنه في " ري الظمآن "، ويحتمل العطف على محل {بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] كقوله تعالى: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} [سبأ: 10] (سبأ: الآية 10) بالنصب عطفا على المحل؛ لأنه مفعول به، وقد ذكرنا الجواب عن هذا عن قريب.
وورد في الأحاديث المستفيضة في صفة وضوء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه غسل رجليه، وهو حديث عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - المتفق على صحته وحديث علي، وابن عباس، وأبي هريرة، وعبد الله ابن زيد، والربيع بنت معوذ بن عفراء، وعمرو بن عنبسة، وثبت أنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رأى جماعة يتوضؤون وبقيت أعقابهم تلوح لم يمسها الماء فقال، «ويل للأعقاب من النار» ، ولم يثبت عنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه مسح رجليه بغير خف في حضر ولا سفر، أما تفسير " الكعب " فسيأتي عن قريب إن شاء الله تعالى، ويستفاد من الآية الكريمة فوائد:
الأولى: يدل على أن الغسل مرة واحدة، إذ ليس فيها ذكر العدد فلا يوجب تكرار الفعل، فمن غسل مرة فقد أدى الفرض، وقد وردت الآثار بالمرة والمرتين والثلاث على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
الثانية: إن الأمر في هذه الآية لا يدل على وجوب الترتيب، ولا على الموالاة لإطلاق النص على ذلك على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
الثالثة: تدل على أن التسمية على الوضوء ليست بفرض؛ لأنه أباح الصلاة بغسل هذه الأعضاء ومسح الرأس من غير شرط التسمية على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى.
الرابعة: تدل على أن الاستنجاء ليس بفرض، وأن الصلاة جائزة بتركه إذا لم يتعد الموضع، بيان ذلك أن معنى قوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: 6] (المائدة: الآية 6) : إذا قمتم وأنتم محدثون كما ذكرنا، وقال في أثناء الآية: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] (النساء: الآية 43) فحققت هذه الآية الدلالة من وجهين على ما قلنا:
أحدهما: إيجابه على المحدث غسل هذه الأعضاء، وإباحة الصلاة به، وموجب الصلاة الاستنجاء فرض ما منع من الآية، وذلك يوجب المسح وهو غير جائز، والوجه الأخر: من دلالة الآية: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [المائدة: 6] إلى آخرها، فأوجب التيمم على من جاء من الغائط، وذلك كناية عن قضاء الحاجة فأباح صلاته بالتيمم من غير استنجاء فدل على ذلك على أنه غير فرض.
الخامسة: استدل بعض الناس بقوله: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] في قراءة الجر على جواز المسح على الخفين والمعنى: وامسحوا بأرجلكم في حال استعمال الخف، وإنما ترك ذكر الخف
الجزء 1 · صفحة 159
الآية
ففرض الطهارة غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس كذلك بهذا النص
ـــــــــــــــــــــــــــــQكيلا يوهم جواز المسح على الخف بدون اللبس.
م: (الآية) ش: يجوز فيه الأوجه الثلاثة: الرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر، أي الآية مقروءة بما فيها، ويجوز أن يكون مرفوعا على تقدير تقرأ الآية بتمامها، والنصب على أنه مفعول والتقدير: اقرأ الآية ونحو ذلك، والجر على تقدير: إلى آخر الآية، وهذا أضعف الوجوه؛ لأن فيه حذف الحرف، وحذف المضاف من غير ضرورة.
[فرائض الطهارة]
م: (ففرض الطهارة غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس كذلك بهذا النص) ش: ففرض الطهارة كلام إضافي مبتدأ، وغسل الأعضاء الثلاثة كذلك خبره، ومسح الرأس خبره، كذلك عطف عليه، وفي القضية الجملية لا بد من رابط قد يحذف، والتقدير هو غسل الأعضاء، والفاء فيه إما: للتعقيب، أو للتفسير، أو السببية، فالأول ذهب إليه الشيخ قوام الدين، والشيخ أكمل الدين، وقال الأكمل: لأنها دخلت على الحكم بعد ذكر الدليل، وقال القوام: لأنها تدخل على الحكم لما أنه يعقب العلة كما في قولك: اضرب فأوجع وأطعم فأشبع، والثاني ذهب إليه صاحب " النهاية " وصاحب " الدراية "، فقال الأول: لما كان في الآية المتلوة ذكر المسح والغسل فسرهما تتميما للمرام ولإبانة الكلام، وقال الثاني: إن الأمر في الآية يحتمل الوجوب والندب ففسره بالوجوب كما فسره في آية التيمم بقوله: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ} [المائدة: 6] لأن التيمم مجمل.
والثالث: ذهب إليه بعضهم وهو أن يكون الكلام الواقع بعد الفاء نتيجة للكلام الواقع قبله، ولم يذكر أكثر أهل اللغة ألفاظ النتيجة والظاهر أنه اصطلاح. و (الفرض) هاهنا بمعنى المفروض كضرب الأمير بمعنى مضروبه، ونسج فلان بمعنى منسوجه، والإضافة فيه بمعنى أي المفروض في الطهارة هو غسل الأعضاء الثلاثة، وهذا من قبيل قَوْله تَعَالَى: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [سبأ: 33] (سبأ: الآية 34) أي مكر في الليل، وقد أنكر بعضهم هذه الإضافة وهو غير صحيح، ولكن الأكثر أن تكون الإضافة بمعنى " اللام "، أو بمعنى " من " كقولك غلام زيد وخاتم فضة، أي غلام لزيد، وخاتم من فضة.
وقال صاحب " النهاية ": الإضافة هاهنا للبيان لأن الفروض قد تكون من الطهارة، ومن غيرها، وتبعه على ذلك الشيخ الأكمل، قلت: الكلام في " الطهارة " ولا يذهب الوهم هناك إلى أن الفروض قد تكون من غير " الطهارة " حتى يقال: إن الإضافة هاهنا للبيان، وعلى قولهما تكون الإضافة بمعنى " من " نحو خاتم فضة، ويكون المعنى المفروض من الطهارة من غسل الأعضاء الثلاثة، وأراد بالطهارة الوضوء من قبيل ذكر الكل وإرادة الجزء، أو من قبيل ذكر العام وإرادة الخاص، ولو قال: فرض الطهارة لكان أولى وأحسن؛ لأن العدول عن الحقيقة بلا داع لا يحسن، والفرض في اللغة يأتي لمعان كثيرة، بمعنى القطع، يقال فرض الخياط الثوب أي قطعه،
الجزء 1 · صفحة 160
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQوفرضت القرآن قطعت بالقراءة منه جزءا، قال الجوهري: الفرض الجزء في الشيء، يقال: فرضت الثريد والسواك وفرض القوس، هو الجزء الذي فيه الوتر، والمعنى التقدير، قال الله تعالى: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة: 237] (سورة البقرة: الآية 237) أي قدرتم، وبمعنى التفصيل قال الله تعالى: " سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا " (النور: الآية 1) ، أي فصلناها، وبمعنى البيان قال الله تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2] (التحريم: الآية 2) أي بين الله لكم كفارة أيمانكم، ولمعنى الحد قال الله تعالى: {لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء: 118] (النساء: الآية 118) أي محدودا ومنه المفرض بكسر الميم، وهو الحدة التي يحد بها، وبمعنى التحرير كما في قوله: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} [النور: 1] بالتشديد بمعنى حررناها لكم، كذا فسره بعضهم، وقال الجوهري: التفريض التحرير بمعنى التعظيم وبمعنى العطية، يقال: ما أصبت منه فرضا ولا فريضا أي عطية.
وقال الجوهري: الفرض العطية الدنيوية، وفرضت للرجل وأفرضت إذا أعطيته، وقد فرضت له في الديوان، وبمعنى التكبير يقال: فرضت البقرة تفرض فروضا أي كبرت وطعنت في السن، ومنه قَوْله تَعَالَى: {لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ} [البقرة: 68] (البقرة: الآية 68) ولمعنى العظمة [......] فارضة إذا كانت عظيمة، وقال الجوهري: الفارض الضخم في كل شيء، والفارض بمعنى الرئيس، قال: ضخم العين أنشده أبو عبيدة:
أفرضت له بمثل لمع البر ... قلت بالكف فرضا حقيقا
وفي اصطلاح الشرع: ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه كالكتاب والسنة المتواترة إذا لم يلحقهما خصوص وكالإجماع إذا لم ينتقل بطريق الآحاد، وكالقياس المنصوص عليه، والمعاني اللغوية تجري في المعنى الشرعي؛ لأنه الذي فرضه الله على عباده ومقطوع ومقدور ومفصل ومبين ومحدود ومحرر وغير ذلك من المعاني المذكورة.
فإن قلت: كيف قال الأعضاء الثلاثة والأعضاء التي يجب غسلها في الوضوء خمسة.
قلت: الأشياء الكثيرة إذا دخلت تحت خطاب واحد تجعل كالشيء الواحد، فجعلت اليدان كيد واحدة، وكذا الرجلان كرجل واحدة، وإن كانت أربعة في الحقيقة.
فإن قلت: فعلى هذا ينبغي أن يجوز أن تغسل البلة من يد إلى أخرى ومن رجل إلى رجل أخرى في الوضوء، كما يجوز ذلك في الغسل.
قلت: القياس بالفارق باطل، وذلك لأن البدن شيء واحد حقيقة، فكان في الغسل في حكم شيء واحد بخلاف اليدين والرجلين في الوضوء لأنهما مختلفان، وإنما عدت شيئا واحدا حكما لا حقيقة لدخولها تحت خطاب واحد، كما ذكرنا قوله بهذا النص إشارة إلى ما تلاه من قوله
الجزء 1 · صفحة 161
والغسل هو الإسالة والمسح هو الإصابة، وحد الوجه من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن وإلى شحمتي الأذن؛
ـــــــــــــــــــــــــــــQتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: 6] الآية (المائدة: الآية 5) .
فإن قلت: الباء تتعلق بماذا؟
قلت: يجوز أن تتعلق بقوله: " ففرض الطهارة " والمعنى يثبت فرض الطهارة، وهي الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس بهذا النص، ويجوز أن تتعلق بمسح الرأس أي يثبت مسح الرأس بهذا النص، وذلك لئلا يتوهم أن فرضية المسح بالحديث والنص من نصفت الشيء رفعته، ونصفت الدابة استخرجت ثمنها أو سيرتها بالتكليف سيرا فوق سيرها المعتاد، وهو من أقسام اللفظ باعتبار ظهور المعنى، فهذا الاعتبار ينحصر في أربعة أقسام: الظاهر، والنص، والمفسر، والمحكم. والاعتبار في الظاهر لظهور المراد منه سواء كان مسوقا له، أولا، وفي النص كونه مسوقا للمراد سواء احتمل النسخ أو لا، وفي لمحكم عدم احتمال شيء من ذلك.
[صفة غسل الأعضاء في الوضوء]
م: (والغسل هو الإسالة) ش: هو بفتح الغين مصدر من غسلت الشيء غسلا، وبضم الغين الاسم، وبكسر الغين ما يغسل به الرأس من خطمي وغيره، وتفسيره بالإسالة تفسير لغوي ومعناه الشرعي: إسالة الماء على العضو، والتقاطر ليس بشرط، وفي " المبسوط " عن أبي حنيفة: لو سال الماء على الأعضاء بلا تقاطر يجزيه؛ لأن الإسالة تحصل به، وإن لم يتقاطر، وقال: يصلح الغسل إلا إذا سال الماء إلى حد التقاطر لأنه قبيل التقاطر متردد بين الإصابة والإسالة فلا يحصل اليقين بالغسل.
م: (والمسح هو الإصابة) ش: أما إلى الموضع الذي يمسحه، وقد مر الكلام فيه مستوفى.
فإن قلت: ما كان الداعي إلى تفسير الغسل، والمسح هاهنا؟
قلت: لما كان في الآية ذكرهما فسرهما تتميما للبيان، وقيل في تفسير المسح: دفع لما يذهب إليه الشافعي من تكرار مسح الرأس بمياه مختلفة، وفيه ثبوت المسح، والشارع أوجب المسح، وفي تفسير الغسل دفع لما روي عن أبي يوسف في الليل في المغسولات سقط الفرض.
1 -
م: (وحد الوجه من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن وإلى شحمتي الأذن) ش: هذا تفسير الوجه من حيث الشرع وإلا فالوجه في اللغة: هو العضو المعين من بني آدم وغيرهم، وقصاص الشعر حيث ينتهي بينه من مقدمه ومؤخره والقاف مثلثة والضم أعلاها والذقن بفتح الذال المعجمة والقاف، وهو مجتمع لحيته وشحمة الأذن معلق القرط وقد بسطنا الكلام عند قَوْله تَعَالَى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] .
الجزء 1 · صفحة 162
لأن المواجهة تقع بهذه الجملة وهو مشتق منها،
والمرفقان والكعبان يدخلان في الغسل عندنا خلافا لزفر - رَحِمَهُ اللَّهُ - وهو يقول إن الغاية لا تدخل تحت المغيا كالليل في الصوم.
ـــــــــــــــــــــــــــــQم (لأن المواجهة تقع بهذه الجملة) ش: أي المقابلة تقع بهذه الجملة، وأشار إلى ما ذكر من حد الوجه طولا وعرضا.
م: (وهو مشتق منها) ش: أي الوجه مشتق من المواجهة. فإن قلت: الوجه ثلاثي، والمواجهة مزيد الثلاثي، والثلاثي لا يكون مشتقا من المزيد. قلت: هذا الشرط في الاشتقاق الصغير وأما في الكبير والأكبر فلا يشترط ذلك بل مجرد التناسب بين اللفظ والمعنى كاف، بخلاف الصغير يشترط فيه التناسب في الحروف والترتيب والمناسبة في اللفظ والمعنى والتغاير في الصفة نحو: ضرب، فإنه مشتق من الضرب ونصر من النصر فلا يقال: الذئب مشتق من السرحان، ولا ذهب أحد النقدين من ذهب الماضي من الذهاب، وأما الاشتقاق الكبير فيجوز فيه أن يكون الثلاثي مشتقا من المزيد فقد ذكر الزمخشري في " الفائق " أن الدبر وهو النحل وهو مشتق من التدبير، والجن من الاجتنان وهو الاستتار، وذكر في " الكشاف " أن التيم مشتق من التيمم، وهذا لأن غرضهم من هذا الاشتقاق بيان حقيقة معنى تلك الكلمة، فجاز أن يكون المزيد أشهر وأقرب إلى الضم من الثلاثي لكثرة استعماله كما في الدبر مع التدبير، وأما الاشتقاق الأكبر فيكفي فيه وجود المناسبة في المخرج في الحروف نحو نعق من النهق، وقد شنع الشيخ قوام الدين هاهنا على الشيخ حافظ الدين النسفي بغير تأمل ثم تصدى للجواب، وهو في الحقيقة تحصيل ما قاله الشيخ حافظ الدين، ويعلم ذلك عند التأمل.
[حد المرفق والكعب في الوضوء]
م: (والمرفقان والكعبان يدخلان في الغسل) ش: قد مر تفسير المرفق وسيأتي تفسير الكعب.
م: (عندنا) ش: أي عند أصحابنا الثلاثة: وهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - وبه قال الشافعي، وأحمد، ومالك في رواية.
م: (خلافا لزفر - رَحِمَهُ اللَّهُ -) ش: فعنده لا يدخل المرفقان والكعبان في الغسل، وبه قال مالك في رواية.
م: (وهو يقول إن الغاية لا تدخل تحت المغيا) ش: أي زفر يقول فيما ذهب إليه أن الغاية أي الحد " لا تدخل تحت المغيا " أي في المحدود.
م: (كالليل في الصوم) ش: أي كما لا يدخل الليل في الصوم في قَوْله تَعَالَى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] (البقرة: الآية 187) بخلاف قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] (البقرة: الآية 222) حيث دخلت في الآية الغاية في المغيا لأنها إنما لم تدخل إذا كانت عينا أو وقتا، وهاهنا الغاية لا عين ولا وقت بل فعل، والفعل لا يوجد بنفسه ما لم يفعل فلا بد من وجود الفعل الذي هو غاية للنهي
الجزء 1 · صفحة 163
ولنا أن هذه الغاية لإسقاط ما وراءها، إذا لولاها لاستوعبت الوظيفة الكل وفي باب الصوم لمد الحكم إليها، إذ الاسم يطلق على الإمساك ساعة،
ـــــــــــــــــــــــــــــQلانتهاء النهي فبقي الفعل داخلا في النهي ضرورة، وذكر غير المصنف كزفر تعارض الاشتباه وهو أن من الغايات ما يدخل كقوله: " قرأت القرآن من أوله إلى آخره " ومنها ما لا يدخل كما في قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280] (البقرة: الآية 280) ، وقوله: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] ، وهذه الغاية تشبه كلا منهما فلا تدخل بالشك.
م: (ولنا أن هذه الغاية لإسقاط ما وراءها إذ لولاها) ش: يعني لولا ذكر الغاية.
م: (لاستوعبت الوظيفة الكل) ش: أي لاشتملت وظيفة الغسل كل اليد، وكل الرجل، بيان ذلك أن الغاية على نوعين: غاية إسقاط، وغاية إثبات، يعلم ذلك بصدر الكلام فإن كان صدر الكلام يثبت الحكم في الغاية وما وراءها قبل ذكر الغاية فذكرها لإسقاط ما وراءها وإلا فلا تدخل الحكم إلى تلك الغاية، والغاية في صورة النزاع من قبيل الإسقاط، وفي المقيس من قبيل الإثبات فلا يصح القياس.
م: (وفي باب الصوم لمد الحكم إليها) ش: هذا جواب عن قول زفر " كالليل في الصوم "، قوله إليها: أي إلى الغاية.
م: (إذ الاسم يطلق على الإمساك ساعة) ش: أي: اسم الصوم يطلق على الإمساك أدنى ساعة حقيقة وشرعا حتى لو حلف لا يصوم يحنث بالصوم ساعة، وكذا قوله: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ} [البقرة: 187] (البقرة: الآية 187) اقتضى صومه ساعة، ومتى كان ما قبل ذكر الغاية يتناول زيادة على الغاية تدخل الغاية في الحكم، ويكون المراد بها خروج ما وراء الغاية مع بقاء الغاية والحد داخل في الحكم، واسم " اليد " يتناول من رؤوس الأصابع إلى الإبط واسم " الرجل " يتناول إلى أعلى الفخذ، فكان ذكر الغاية لإخراج ما وراءها وإسقاط من الإيجاب فبقيت الغاية، وما قبلها داخلة تحت الإيجاب وأوردا على هذا مسألة، وهو أنه لو حلف لا يكلم فلانا إلى رمضان يدخل رمضان في اليمين مع أنه لولا الغاية لكانت اليمين متأبدة ولم يكن ذكر الغاية مسقطا لما وراءها فاليد هاهنا كأيدي في اليمين.
قال خواهر زاده: لا وجه لتخريج هذا النقض إلا بالمشي على رواية الحسن عن أبي يوسف.
وقال رضي الدين النيسابوري: هذه الغاية لمد اليمين لا للإسقاط لأن قوله: لا أكلم للحال فكان من الحال إلى الأبد. قلنا: هذا ممنوع فإن المضارع مشترك بين الحال والاستقبال، والاستقبال يعم في النفي حتى لو حلف لا يكلم موالي فلان يتناول الأعلى والأسفل، ذكره في " الوصايا " و " الهداية " وغيرها، وعلى هذا قال أبو حنيفة: لو شرط الخيار في البيع والشراء إلى غد فله الخيار
الجزء 1 · صفحة 164
والكعب هو العظم الناتئ
ـــــــــــــــــــــــــــــQفي الغد كله لأنه لو اقتصر على قوله: إني بالخيار يتناول الأبد فيكون ذكر الغد لإسقاط ما وراءه إنما وجهه ظاهر وآيته في اليمين في العرف ومبنى الأيمان عليه حتى لو حلف لا يكلمه إلى عشرة أيام يدخل اليوم العاشر، ولو قال إن تزوجت إلى خمس سنين دخلت السنة الخامسة في اليمين، وكذا لو استأجر دارا إلى خمس سنين دخلت الخامسة فيها، وقيل: إن " إلى " بمعنى " مع "، قاله ثعلب وغيره من أهل اللغة، واحتجوا بقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2] (النساء: الآية 2) وكقولهم الذود إلى الذود إبل وقد ضعف فإنه يجب غسل العضد لاشتمال اليد عليه، وعلى المرفوع أنا نمنع أن يكون فيهما استشهد به بمعنى " مع "؛ لأن معنى الآية ولا تأكلوها مضمومة إلى أموالكم أو ولا تضموها إلى أموالكم آكلين لها وكذا الذود مضمومة إلى الذود إبل.
وقيل: إن التحديد يدخل تحت المحدود إذا كان التحديد شاملا للحد والمحدود، وقال سيبويه والمبرد وغيرهما: ما بعد إلى إن كان من نوع ما قبلها دخل فيه، واليد عند العرب من رؤوس الأصابع إلى المنكب، ولهذا لو قال: بعتك هذه الأشجار من هذه إلى هذه دخل الحد ويكون المراد بالغاية إخراج ما وراء الحد فكان المراد بذلك المرافق والكعبين وإخراج ما وراءها وقيل إن " إلى " تفيد الغاية ودخولها في الحكم وخروجها منه يدور مع الدليل فقوله تعالى: {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280] (البقرة: الآية 280) مما لم يدخل فيه لأن الاعتبار علة الإنظار فيزول بزوال علته، وكذلك الليل في الصوم لو دخل لوجب الوصال، ومما فيه دليل الدخول قولك: حفظت القرآن من أوله إلى آخره وقطعت يد فلان من الخنصر إلى السبابة فالحد يدخل في المحدود فإذا كان الدخول وعدم الدخول يقف على دليل فقد وجد دليل الدخول هاهنا بوجوه ثلاثة:
الأول: حديث «أبي هريرة " أنه توضأ فغسل يديه حتى أشرع في العضدين وغسل رجليه حتى أشرع في الساقين، ثم قال: هكذا رأيته - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يتوضأ.» رواه مسلم، ولم ينقل تركها، فكان قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بيانا أنه ما يدخل قوله أشرع المعروف شرع في كذا أي دخل وروي حتى أسبغ في العضد وحتى أسبغ في الساق.
الوجه الثاني: أن المرفق من عظمي الساعد والعضد وجانب الساعد دون العضد وقد تعذر التمييز بينهما للتداخل فوجب غسل المرفقين؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الوجه الثالث: أنه قد وجبت الصلاة في ذمته والطهارة شرط لسقوطها فلا تسقط بالشك.
م: (والكعب هو العظم الناتئ) ش: أي الناتئ في مفصل القدم والناتئ بالهمزة في آخره، ومعناه المرتفع عند ملتقى الساق والقدم، وأنكر الأصمعي قول من قال: إنه في ظهر القدم نقل عن الجوهري، وقال الزجاج: الكعبان العظمان الناتئان في آخر الساق مع القدم وكل مفصل
الجزء 1 · صفحة 165
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQللعظام فهو كعب إلا أن هذين الكعبين ظاهران عن يمنى القدم ويسرته، فلذلك لم يحتج أن يقال الكعبان اللذان من صفتهما كذا وكذا، وفي " المختصر " في كل رجل كعبان وهما طرفا عظمي الساق، وملتقى القدمين.
قال ابن جني: وقول أبي كثير وإذا انتبه من المنام رأيته عن ثوب كعب الساق، ليس بمزيل يدل على أن الكعبين هما الناتئان في أسفل كل ساق من جنبها، وليس الشاخص في ظهر القدم، وفي " الترهيب للأزهري عن ثعلب: الكعبان الشجان الناتئان، قال: وهو قول أبي عمرو بن العلاء والأصمعي، وفي كتاب " المنتهى "، و " جامع القرآن " الكعب: الناتئ عند ملتقى الساق، والقدم، ولكل رجل كعبان والجمع كعوب وكعاب. وقالت الإمامية وكل من ذهب إلى المسح: إنه عظم مستدير مثل كعب الغنم والبقر موضوع تحت عظم الساق حتى يكون مفصل الساق والقدم عند معقد الشراك.
وقال فخر الدين الخطيب: اختار الأصمعي قول الإمامية في الكعب وقال الطرفان الناتئان يسميان النجمين، وهو خلاف ما نقله عنه الجوهري ورجحه الجمهور، ولو كان الكعب ما ذكروه لكان في كل رجل كعب واحد فكان ينبغي أن يقول إلى الكعاب؛ لأن الأصل إنما يوجد من خلق الإنسان مفردا فتثنيته بلفظ الجمع كقوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] (التحريم: الآية 4) وتقول: رأيت الزيدين أنفسهما، ومتى كان مثنى فتثنيته بلفظ التثنية فلما لم يقل إلى الكعبات علم أنه المراد بالكعب ما أوردناه، وأيضا أنه شيء خفي لا يعرفه إلا المشرحون، وما ذكرناه معلوم لكل أحد ومناط التكليف على الظهور دون الخفاء، وأيضا «حديث عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثم اليسرى كذلك أخرجه مسلم،» فدل على أن في كل رجل كعبين، «وحديث النعمان بن بشير في تسوية الصفوف " فقد رأيت الرجل يلصق كعبه بكعب صاحبه ومنكبه بمنكبه» رواه أبو داود والبيهقي بأسانيد جيدة، والبخاري في صحيحه تعليقا، ولا يتحقق إلصاق الكعب فيما ذكره. وحديث طارق بن عبد الله أخرجه إسحاق بن راهويه في " مسنده "، وقال: حدثنا الفضل بن موسى عن زيد بن زياد بن أبي الجعد عن جامع بن شداد «عن طارق بن عبد الله المحاربي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سوق ذي المجاز وعليه جبة حمراء وهو يقول: " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " ورجل يتبعه يرميه بالحجارة وقد أدمى عرقوبه وكعبه وهو يقول: أيها الناس لا تطيعوه فإنه كذاب، فقلت: من هذا؟، فقالوا ابن عبد المطلب. قلت: فمن هذا الذي يتبعه بالحجارة، قالوا: هذا عبد العزى أبو لهب،» وهذا يدل على أن
الجزء 1 · صفحة 166
هو الصحيح ومنه الكاعب.
قال: والمفروض في المسح مقدار الناصية وهو ربع الرأس
ـــــــــــــــــــــــــــــQالكعب هو العظم النابت في جانب القدم لأن الرمية إذا كانت من وراء الماشي لا تصيب ظهر القدم.
م: (هو الصحيح) ش: احترز به عما روي عن هشام بن عبد الله الرازي أنه في ظهر القدم عند معقد الشراك، قالوا: إن ذلك سهو من هشام في نقله عن محمد بن الحسن - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لأن محمدا قال في مسألة المحرم إذا لم يجد النعلين حتى يقطع خفيه أسفل الكعبين، وأشار محمد بيده إلى موضع القطع فنقله هشام إلى باب الطهارة، وقال ابن حجر في شرح البخاري: قال أبو حنيفة الكعب هو العظم الشاخص في ظهر القدم، قال: وأهل اللغة لا يعرفون ما قال. قلت: هذا جهل منه لمذهب أبي حنيفة فإن ما ذكر ليس قولا له ولا نقله عنه أحد من أصحابه فكيف يقول قال أبو حنيفة كذا وكذا وهذا جرأة على الأئمة منه.
م: (ومنه الكاعب) ش: أي ومن الكعب اشتقاق الكاعب وهي الجارية التي يبدو ثديها للنهود، وكذلك الكعاب بفتحتين بمعنى الكاعب، وقد كعبت تكعب بالضم كعوبا وكعب بالتشديد مثله، وأشار بذلك إلى تأييد قوله: الكعب والكعب هو الناتئ؛ لأن وجوه الاشتقاق يدل على ذلك، ولذا يقال للنواشر في أطراف الأنابيب كعوب، ومنه الكعبة لارتفاعها على سائر البيوت ويقال لربعها. فرع لو قطعت رجليه وبقي بعض الكعب يجب غسل البقية وموضع القطع وكذا في المرفق.
[المقدار المفروض في مسح الرأس في الوضوء]
م: (والمفروض في المسح مقدار الناصية) ش: أي المقدار على جهة الفريضة في مسح الرأس قدر الناصية، الألف واللام فيه للعهد يعني ذلك المسح الذي يثبت بالنص لا بخبر الواحد عندنا وأراد به الفرض اللغوي لا الشرعي فإن الآية مجملة والفرض لا يثبت بخبر الواحد، ويجوز أن يراد به الفرض الشرعي على الرواية التي هي أنه مقدر بثلاثة أصابع؛ لأن دخول الآلة تحت النص بطريق الاقتضاء يكون ثابتا بمقتضى النص لا بخبر الواحد.
فإن قلت: لو دخلت الآلة تحت النص كان ينبغي أن لا يتأدى المسح بدون الآلة وهي أكثر اليد وقد يتأدى بإصابة المطر بلا استعمال اليد، وقد نص في " المبسوط " " والخلاصة " وغيرهما بذلك.، قلت: ثبوت الآلة بطريق الضرورة لا بطريق القصد فإن من أمر بالصعود على السطح دخل بنصب السلم تحت الأمر ضرورة لا قصدا حتى لو حصل الصعود من غير مضيه سقط اعتباره لكونه غير مقصود.
م: (وهو ربع الرأس) ش: أي مقدار الناصية ربع الرأس وليست الناصية ربع الرأس على الحقيقة؛ لأن هذا لا يحتاج إلى تكسر ومساحة حتى يتبين أنها ربع الرأس على الحقيقة وإنما هي مقدار الناصية، قال ابن فارس: الناصية قصاص الشعر، ثم فسر القصاص بأنه نهاية منبت الشعر
الجزء 1 · صفحة 167
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQمن مقدم الرأس، فهذا أعم من أن يكون ربع الرأس على الحقيقة، أو باعتبار أنه أحد الأركان الأربعة وهي: القفا والناصية والقودان، والقفا يقاله له: القذال أيضا بفتح القاف والذال المعجمة. وقال الجوهري: القذال جمع مؤخر الرأس وهو معقد العذار من الفرس خلف الناصية، ويقال: القذالان ما اكتنفا ما بين القفا من يمين وشمال، ويجمع أقذلة وقذل، والقودان فتح القاف وسكون الواو تثنية قود، وقال الجوهري: قود الرأس جانبه. ثم اعلم أن للفقهاء في هذه المسائل ثلاثة عشر قولا: ستة عن المالكية حكاها ابن العربي والقرطبي.
قال ابن مسلمة صاحب مالك: يجزئه مسح ثلثيه، وقال أشهب، وأبو الفرج: يجزئه الثلث، وروى الرقي عن أشهب يجزئه مقدم رأسه، وهو قول الأوزاعي والليث وظاهر مذهب مالك الاستيعاب وعنهم: يجزئه أدنى ما يطلق عليه اسم المسح، والسادس: مسح كلها، ويعفى عن ترك شيء يسير منه يعزى إلى الطرطوسي، وللشافعية قولان: صرح أكثرهم بأن مسح شعرة واحدة يجزئه، وقالوا: يتصور ذلك بأن يكون رأسه مطليا بالحناء بحيث لم يبق ظاهرا إلا شعرة واحدة فأمر يده عليها وهذا ضعيف جدا، فإن الشرع لا يرد بالصورة النادرة التي يكلف في تصورها.
وقال ابن القاضي: الواجب ثلاث شعرات وهذا أخف من الأول ويحصل أضعاف ذلك بغسل الوجه وهو يجزئ عن المسح في الصحيح، والنية عند كل عضو ليست بشرط بلا خلاف عندهم، ودليل الترتيب ضعيف، وعندنا في المفروض منه ثلاث روايات في ظاهر الروايات ثلاثة أصابع ذكره في " المحيط " و " المفيد " وهو راوية هشام عن أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وفي رواية الكرخي والطحاوي مقدار الناصية وذكر في اختلاف زفر عن أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ - وأبي يوسف أنهما قالا: لا يجزئه إلا أن يمسح مقدار ثلث رأسه أو ربعه. وروى ابن يحيى بن أكثم عن محمد أنه اعتم ربع الرأس، وقال أبو بكر: عندنا أعني فيه روايتان الربع والثلاث أصابع، وبعض المشايخ صحح رواية ثلاث أصابع احتياطا، وفي " جوامع الفقه " عن الحسن يجب مسح أكثر الرأس. وعن أحمد: مسح جميعه وعنه يجزئ مسح بعضه، والمرأة يجزئها مسح مقدم رأسها في ظاهر قوله، وفي " المغني ": لا خلاف بين الآية في وجوب مسح الرأس، وقد نص الله سبحانه وتعالى عليه بقوله: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] واختلف في قدر الواجب، فروي عن أحمد وجوب مسح الجميع في حق كل أحد، وهو ظاهر كلام الخرقي، ومذهب مالك، والرواية الثانية: يجزئ مسح بعضه، قال أبو الحارث: قلت لأحمد: فإن مسح برأسه وترك بعضه، قال: يجزئه ثم قال: ومن يمكنه أن يأتي على الرأس كله، ونقل عن سلمة بن الأكوع أنه كان يمسح مقدام رأسه، وابن عمر مسح اليافوخ.
الجزء 1 · صفحة 168
لما روى المغيرة بن شعبة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتى سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على ناصيته وخفيه»
ـــــــــــــــــــــــــــــQوممن قال يمسح البعض الحسن، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي إلا أن الظاهر عن أحمد في حق الرجل وجوب الاستيعاب وفي حق المرأة يجزئها مقدم الرأس. قال الخلال: العمل في مذهب أبي عبد الله أنها إن مسحت مقدم رأسها أجزأها وقال مهنا: قال أحمد أرجو أن تكون المرأة في مسح الرأس أسهل. واعلم أن قول المصنف و " المفروض في مسح الرأس مقدار الناصية " إشارة إلى أن الناصية لا تتعين حتى لو مسح القذال أو أحد القودين جاز ولا يجزئ مسح الأذنين عنه؛ لأن كون الأذنين من الرأس احتمالا لثبوته بخبر الواحد فأشبه التوجه إلى الحطيم هكذا ذكره وفيه نظر؛ لأن الحطيم من المسجد الحرام قطعا وقد أمرنا بالتولية بوجوهنا شطر المسجد الحرام بقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ} [البقرة: 149] الآية (البقرة: الآية 149) لكن قد أريد به الكعبة بالإجماع، وهو من باب ذكر الكل وإرادة الجزء.
م: (لما روى المغيرة بن شعبة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتى سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على ناصيته وخفيه» ش: الكلام فيه على أربعة أنواع: الأول المغيرة بضم الميم وكسرها ابن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن صعقب بعين مهملة وبالمثاة من فوق وباء موحدة ابن مالك بن كعب بن عمرو ابن سعد بن عمرو بن قيس بن منبه وهو ثقيف بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة ابن قيس غيلان بن نصر بن نزار يكنى أبا علي ويقال: أبا عبيد الله ويقال أبا محمد أسلم عام الخندق.
وروى عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مائة وستة وثلاثين حديثا اتفقا على تسعة وللبخاري حديث ومسلم حديثان، روى عنه جماعة منهم عروة بن الزبير وأبو إدريس الخولاني والشعبي، وروى عنه بنو عروة وحمزة وعقار بنو المغيرة ومولاه، ومات بالمدينة سنة خمسين وقيل سنة إحدى وخمسين روى له الجماعة.
الجزء 1 · صفحة 169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQالثاني: أن هذا الحديث مركب من حديثين رواهما المغيرة بن شعبة، جعلهما المصنف حديثا واحدا، وقد تبع في ذلك أبا الحسن القدوري - رَحِمَهُ اللَّهُ - وقال الشيخ أكمل الدين قيل هذا حديث واحد، وقيل حديثان، جمع القدوري بينهما. قلت: هذا عجز ظاهر منه حيث صرح بقوله: قيل: هذا حديث واحد، وهذا القول غير صحيح، والقول الثاني هو الصحيح، ومع هذا لم يبين كيف روى الحديثان، ولا التفت إليه والعجب منه ومن نظرائه الذين تصدوا لتأليف الشروح على مثل " الهداية " كيف قصروا فيما يتعلق بالأحاديث التي يستدل بها في هذا الكتاب، وهل مبنى هذا العلم إلا عليها وليس بناؤها على شفا جرف هار، فنحن بين ذلك بعون الله وتوفيقه.
أما الحديث الأول الذي فيه ذكر السباطة والبول، فأخرجه ابن ماجه في سننه حدثنا إسحاق ابن منصور حدثنا أبو داود حدثنا سعيد عن عاصم عن أبي وائل عن المغيرة بن شعبة «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتى سباطة قوم فبال قائما، قال شعبة قال عاصم يومئذ» .
ورواه البخاري ومسلم عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتى سباطة قوم فبال قائما ثم دعا بماء فجئته به ثم توضأ. وزاد مسلم " ومسح على خفيه» ووهم الشيخ علاء الدين التركماني في هذا الحديث بعد أن حكاه بلفظ البخاري وزيادة مسلم أخرجاه وليس كذلك بل انفرد مسلم فيه بالمسح على الخفين وصرح بذلك عبد الحق بالجمع بين الصحيحين، وقال: لم يذكر البخاري فيه المسح على الخفين، ووهم المنذري أيضا فعزاه إلى المتفق وتبع في ذلك ابن الجوزي فوهم وتعقبه ابن عبد الهادي لما ذكرنا من تصريح عبد الحق.
وأما الحديث الثاني ففيه ذكر المسح على الناصية والخفين فأخرجه مسلم عن عروة بن المغيرة عن أبيه المغيرة بن شعبة «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - توضأ ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين» .
رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه مطولا ومختصرا وأخرجه الطحاوي من حديث الربيع ابن سليمان المؤذن قال: حدثنا يحيى بن حبان حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عن عمرو بن وهب الثقفي عن المغيرة بن شعبة «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - توضأ وعليه عمامة فمسح على عمامته ومسح بناصيته» .
الجزء 1 · صفحة 170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQوأخرجه الدارقطني حدثنا أبو بكر النيسابوري حدثنا الشافعي إلى آخره نحو رواية الطحاوي وأخرجه البيهقي من هذا الطريق في كتاب " المعرفة " وأخرجه الطبراني حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي حدثنا محمد بن بكار حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن محمد بن سيرين عن عمرو بن وهب الثقفي عن المغيرة بن شعبة قال: «مسح رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ناصيته وعمامته ومسح على خفيه وأنا أشاهد ذلك» وأخرجه أحمد أيضا في مسنده مطولا. ووهم الشيخ علاء الدين أيضا في هذا الحديث حيث جعل الحديث الذي ذكره المصنف مركبا من حديث المغيرة الذي فيه المسح على الناصية وعلى الخفين ومن حديث حذيفة الذي فيه ذكر السباطة والبول، وليس كذلك بل هو مركب من حديث المغيرة كما ذكرناه واضحا.
النوع الثالث: أن السباطة بضم السين الكناسة وهي المكنوسة من التراب وغيره، وأريد به المكان الذي تلقى فيه الكناسة بطريق إطلاق اسم الحال على المحل ثم الإضافة فيه قيل للاختصاص، وقيل: للملك؛ لأنها كانت مواتا مباحة، وقيل: لا موات في المدينة، وقيل: كانت للناس عامة وأضيفت إليهم لقربها منهم، وتباح عموما لكل مائل، وقيل: خاصا برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنهم كانوا يكرهون ذلك من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو يحمل على الإذن في ذلك.
النوع الرابع: أن هذا الحديث صحيح لا نزاع فيه لأحد وهو حجة لمن يقول بأن الفرض في مسح الرأس مقدار الناصية فإن قلت: الحديث يقتضي بيان عين الناصية، والمدعى ربع غير معين، وهو مقدار الناصية، فلا يوافق الدليل المذكور.
قلت: الحديث يحتمل تعيين بيان المجمل وبيان المقدار وخبر الواحد يصح بيانا لمجمل الكتاب والإجمال في المقدار دون المحل؛ لأنه الرأس وهو معلوم فلو كان المراد منه العين يلزم نسخ الكتاب بخبر الواحد. فإن قلت: لا نسلم أن الإجمال في المقدار لأن المراد منه مطلق البعض بدليل الباء في المحل والمطلق لا يحتاج إلى البيان قلت: المراد بعض مقدار لا مطلق المقدار بوجوه:
الأول: أن المسح يطلق على أدنى ما يطلق عليه الاسم وهو مقدار شعرة غير ممكن إلا بزيادة غير معلوم.
الثاني: أن الله تعالى أفراد المسح بالذكر ولو كان المراد بالمسح مسح مطلق البعض وهو حاصل في ضمن الغسل لم يكن للإفراد بالذكر فائدة.
الجزء 1 · صفحة 171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQالثالث: أن المفروض في سائر الأعضاء غسل مقدر فكذا في هذه الوظيفة فكان مجملا في حق المقدار فيكون فعله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بيانا.
الرابع: أن المذكور في الأحاديث المذكورة الإتيان إلى سباطة قوم والبول فيها قائما والتوضؤ والمسح على الناصية والخفين والعمامة مقدم عن قريب.
فإن قلت: قد روى الأربعة أنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إذا أراد حاجة أبعد فكيف بال في السباطة التي تقرب الدور. قلت لعله كان مشغولا بأمور المسلمين والنظر في مصالحه وطال عليه المجلس حتى خرقه البول فلم يمكنه التباعد ولو أبعد لكان تضرر وارتداد السباطة لدمسها وكان حذيفة يقربه بيده من الناس مع أنهم كانوا يؤثرون ذلك ولا يكرهون بل يضرجون به ومن كان هذا حاله جاز البول في أرضه والأكل من طعامه والاستهداد من مجرته، ولهذا ذكر علماؤنا من دخل بستان غيره يباح له الأكل من الفاكهة كالهبة إذا كان بينه وبين صاحب البستان انبساط ومحبة، وأما البول قائما فأخرجه البخاري ومسلم من حديث الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أتى سباطة قوم فبال قائما الحديث.» فيه وجوه: الأول لما كان به وجع الصلب إذ ذاك. والثاني ما رواه البيهقي برواية ضعيفة " أنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «بال قائما لعلة بمأبضه» والمأبضة بهمزة ساكنة بعد الميم ثم باء موحدة وهو باطن الركبة، والثالث: أنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لم يجد مكانا للقعود فاضطر إلى القيام لكون الطرف الذي يليه من السباطة كان غالبا مرتفعا، والرابع: ما ذكره القاضي وهو كون البول قائما حالة يؤمن فيها خروج الحدث من السبيل الآخر في الغالب بخلاف حالة القعود، وكذلك قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " البول قائما حض للدبر "، والخامس: أنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فعله بيانا للجواز في هذه المرة وكان عادته المستمرة للبول قاعدا يدل عليه حديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: «من حدثكم أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يبول قائما فلا تصدقوه ما كان يبول إلا قاعدا» رواه أحمد والنسائي والترمذي بإسناد جيد.
وقد روي في النهي عن البول قائما أحاديث ثابتة ولكن حديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - هذا ثابت ولهذا قال العلماء يكره البول قائما إلا لعذر وهي كراهة تنزيه لا تحريم وقال ابن المنذر:
الجزء 1 · صفحة 172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQاختلف في البول قائما فثبت عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وزيد بن ثابت وابن عمر وسهل بن سعد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنهم بالوا قياما وذلك عن أنس وعلي وأبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وفعل ذلك ابن سيرين وعروة بن الزبير. وكرهه ابن مسعود والشعبي وإبراهيم وابن سعد وكان إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائما.
وقال ابن المنذر: فيه قول ثالث أنه إذا كان يتطاير إليه من البول شيء فهو مكروه وإن كان لا يتطاير فلا بأس، وهو قول مالك، وقال ابن المنذر: البول جالسا أحب إلي وقائما مباح وكل ذلك ثابت عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقال الطحاوي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لا بأس بالبول قائما، وأما تعريضه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فيجيء بيانه إن شاء الله تعالى.
1 -
وأما المسح على العمامة فقد اختلف فيه أهل العلم: فذهب إلى جوازه جماعة من السلف، وقال به من فقهاء الأمصار الأوزاعي، وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور وداود وقال أحمد وجاء ذلك عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من خمسة أوجه، وشرط في جواز المسح على العمامة أن يقيم الماسح عليه بعد كمال الطهارة كما يفعله من يريد المسح على الخفين، وروي عن طاووس أنه قال: يمسح على العمامة التي تجعل تحت الذقن وإلى المسح على العمامة أكثر الفقهاء، وتأولوا الخبر في المسح على العمامة على معنى أنه كان يقتصر على مسح بعض الرأس فلا يجب كله مقدمه ومؤخره ولا ينزع عمامته عن رأسه ولا ينقضها، وجعلوا خبر المغيرة بن شعبة كالمفسر له وهو أنه وصف وضوءه ثم قال: ومسح بناصيته وعلى عمامته فوصل مسح الناصية بالعمامة وإنما وقع أداء الواجب من مسح الرأس بمسح الناصية إذ هي جزء من الرأس وصارت العمامة تبعا له كما وري أنه مسح أسفل الخف وأعلاه ثم كان مسح الواجب في ذلك مسح أعلاه وصار مسح أسفله كالتبع له. وأما الحديث الذي رواه أحمد في مسنده ورواه عنه أبو داود عن ثوبان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «بعث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سرية فأصابهم البرد فلما قدموا على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين.» فتأويله أنه يجوز أن يكون من قبيل ذكر الحال وإرادة المحل وذكر عاصب وأراد ما يحويه العصائب مجازا أو العصائب العمائم، سميت بذلك؛ لأن الرأس تعصب بها وكلما عصبت به رأسك من عمامة أو منديل أو خرقة فهو عصابة والتساخين الخفاف وقيل واحدهما تسخن أو تسخان.
وذكر حمزة الأصبهاني أن الثخان فارسي معرب تسخان، وأما الحديث الذي رواه أبو داود
الجزء 1 · صفحة 173
والكتاب مجمل فالتحق بيانا به
ـــــــــــــــــــــــــــــQحدثنا عبد الله بن معاذ قال: حدثنا شعبة عن أبي بكر يعني ابن حفص بن عمر بن سعد سمع أبا عبيد الله عن أبيه عبد الرحمن السلمي أنه شهد «عبد الرحمن بن عوف سأل بلالا عن وضوء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: كان يخرج فيقضي حاجته فآتيه بالماء فيتوضأ فيمسح على عمامته وموقيه» .
فالجواب عنه أن المراد به مسح ما تحته من قبيل إطلاق اسم الحال على المحل، وأوله بعض أصحابنا أن بلالا كان بعيدا عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فمسح النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم يضع العمامة من رأسه فظن بلال أنه مسح على العمامة، وفي " الغاية " وبذكر المسح على العمامة تأويلان:
أحدهما: أن المسح عليها لم يكن عن قصد بل تبع بمسح البعض كما نشاهد ذلك إذا مسح على البعض وعلى الرأس عمامة.
الثاني: أنه يحتمل أن يكون به زكام فمسح على عمامته تكميلا للسنة بعد مسح الواجب منه يدل على ذلك اقتصاره على مقدم رأسه. وذكر المسح على عمامته في حديث رواه أبو داود عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - توضأ وعليه عمامة قطرية فأدخل يده تحت العمامة ومسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة» والقطرية بكسر القاف وسكون الطاء المهملة وكسر الراء ثياب حمر بها أعلام ينسب إلى قطر موضع بين عمان وسي البحر بكسر السين وسكون الياء آخر الحروف وهو ساحله، وقال الأزهري وقع في بعض الأحاديث الاقتصار على ذكر العمامة والخمار وفي بعضها على عمامته وخفيه أخرجه البخاري، وفي حديث المغيرة معهم الناصية، قال الخطابي والبيهقي في الجواب ما تحصيله أن المحتمل يحمل على الحكم وإنما حذف الراوي الناصية في بعضها لأن بعضها معلوم مقدمة فحذفه؛ لأن الله تعالى فرض مسح الرأس والعمامة ليست من الرأس فلا يترك اليقين بالمحتمل وقياسها على الخف بعيد؛ لأنه يشق نزعه.
م: (والكتاب مجمل فالتحق بيانا به) ش: هذا جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال حديث المغيرة من أخبار الآحاد فلا يزاد به الكتاب، وتقرير الجواب أن هذا ليس من باب الزيادة على الكتاب بل الكتاب مجمل " فالتحق الخبر بيانا به " أي بالكتاب إذ التقدير التحق فعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيانا به، والمجمل ما ازدحمت فيه المعاني وأشبه المراد به اشتباها لا يدرك نفس العبارة بل الرجوع في الاستفسار ثم الطلب ثم التأمل.
فإن قلت: نسلم أن الكتاب مجمل؛ لأن المجمل ما لا يمكن العمل به، الإتيان من المجمل والعمل بهذا النص ممكن بحمله على الأقل لتيقنه، قلت لا نسلم أن العمل به قبل التبيان في
الجزء 1 · صفحة 174
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQالمجمل وإلا قد يكون أقل من شعرة والمسح عليها لا يكون إلا بزيادة عليها وما لا يمكن الفرض إلا به فهو فرض والزيادة غير معلومة فتحقق الإجمال في المقدار.
فإن قلت: سلمنا أنه مجمل والخبر بيانا له ولكن الدليل أخص من المدلول فإن المدلول مقدار الناصية وهو ربع الرأس والدليل يدل على تعيين الناصية ومثله لا يفيد المطلوب.
قلت: البيان لما فيه الإجمال فكانت الناصية بيانا للمقدار لا للمجمل المسمى وهو الناصية والإجمال في المجمل فكان من باب ذكر الخاص وإرادة العام وهو مجاز شائع فكانا متساويين في العموم.
فإن قلت: لا نسلم أن مقدار الناصية فرض؛ لأن الفرض الخاص ما يثبت بدليل قطعي وخبر الواحد لا يفيد القطع ولئن سلمناه ولكن لازمه وهو تكفير الجاحد منتف فينفي الملزوم، قلت: الأصل في هذين خبر الواحد إذا لحق بيانا للمجمل كان الحكم بعده مضافا إلى المجمل دون البيان والمجمل من الكتاب والكتاب دليل قطعي ولا نسلم انتفاء اللازم؛ لأن الجاحد من لا يكون مؤولا وموجب الأقل أو الجمع متأول معتمد شبهة تقوية وقوة الشبهة تمنع التكفير من الجانبين ألا ترى أن أهل البدع لا يكفرون بما منعوا ما دل عليه الدليل القطعي في نظر أهل السنة لتأويلهم وقال السغناقي: فإن قيل الفرض هو الذي يوجب العلم اعتقادا باعتبار أنه ثابت بدليل مقطوع فيه فلهذا يكفر جاحده وكفر الجاحد غير ثابت هذا في حق أي في حق المقدار فكيف يكون فرضا؟
قلنا: إن لم يكن ثابتا في حق المقدار لكن الثلاثة أعني الوجوب والعلم وكون الدليل مقطوعا به وكفر الجاحد كلها ثابتة في حق أهل المسح فمسمى المقدار باسم أصل المسح إطلاقا للاسم المتضمن على المتضمن؛ لأن المقدار تفسير هذا المسح والمفسر متأول التفسير وإلا لا يكون تفسيرا له، ونقول الفرض على نوعين قطعي وهو ما ذكر، وظني وهو الفرض على زعم المجتهد كإيجاب الطهارة بالفصد والحجامة عند أصحابنا، فإنهم يقولون تعترض عليه الطهارة عند إرادة الصلاة، أو تقول يطلق اسم الفرض على الوجوب كما يطلق اسم الوجوب على الفرض في قوله الزكاة واجبة والحج واجب لاكتفائهما في معنى اللزوم على البدل وقال صاحب " الاختيار ": الإجمال في النص من حيث إنه يحتمل إرادة الجمع كما قال مالك ويحتمل إرادة الربع كما قلنا.
ويحتمل إرادة الأقل كما قال الشافعي وهذا ضعيف؛ لأن في احتمال إرادة الجميع تكون الباء في {بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] زائدة وهو بمنزلة المجاز لا يعارض الأصيل كما ذكرنا في الأصول والعمل هاهنا ممكن بأي بعض كان فلا يكون النص بهذين الاحتمالين مجملا، وقال أبو بكر الرازي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " الأحكام " قَوْله تَعَالَى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] يقتضي مسح بعضه
الجزء 1 · صفحة 175
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQوذلك أنه معلوم أن هذه الأدوات موضوعة لإفادة المعاني، وإن كانت قد يجوز دخولها في بعض المواضع صلة فتكون ملغاة ويكون وجودها وعدمها سواء ولكن لما أمكن استعمالها هاهنا على وجه الفائدة لم يجزئ إلغاؤها، فلذلك قلنا إنها للتبعيض، والدليل على ذلك أنك قلت مسحت يدك بالحائط كان المفعول مسحها ببعضه دون جميعه، ولو قلت: مسحت الحائط كان المفعول مسح جميعه دون بعضه فوضح الفرق بين إدخالها وإسقاطها في العرف واللغة فإذا كان كذلك تحمل الباء في الآية على التبعيض مستوفية لحقها وإن كانت في الأصل للإلصاق إذ لا منافاة بينهما؛ لأنها تكون مستعملة للإلصاق في تفسير المفروض.
والدليل على أنها للتبعيض ما روى عمر بن علي بن مقدم عن إسماعيل بن حماد عن أبيه حماد عن إبراهيم في قَوْله تَعَالَى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] قال إذا مسح لبعض الرأس أجزأه فإذا قال وامسحو رؤوسكم كان الفرض مسح الرأس كله فأخبر أن الباء للتبعيض وقد كان من أهل اللغة مقبول القول فيها ويدل على أنه قد أريد بها التبعيض في الآية اتفاق الجميع على جواز ترك القليل من الرأس في المسح والاقتصار على البعض وهذا هو اشتمال اللفظ فحينئذ احتاج إلى دلالة في إثبات المقدار الذي حده.
فإن قيل: إذا كانت للتبعيض لما جاز أن يقال مسحت برأسي كله كما يقال مسحت ببعض رأسي كله، قيل له قدمنا أن حقيقتها إذا أطلقت للتبعيض مع احتمال كونها ملغاة فإذا قال مسحت برأسي كله علمنا أنه أراد أن تكون الباء ملغاة نحو قَوْله تَعَالَى {مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59] (الأعراف: الآية 59، 65، 73) ونحو ذلك.
فإن قلت: قال ابن جني وابن برهان من زعم أن الباء للتبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه. قلت: أثبت الأصمعي، والفارسي، والقتبي، وابن مالك التبعيض، وقيل: هو مذهب الكوفيين وجعلوا منه {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} [الإنسان: 6] (الإنسان: الآية 6) . وقول الشاعر:
شربنا بماء البحر ثم ترفعنا
وقال بعضهم الباء في الآية للاستعانة وإن في الآية حذفا وقلبا فإن " مسح " يتعدى إلى المزال عنه بنفسه وإلى المزيل بالباء فالأصل امسحوا رؤوسكم بالماء والتحقيق في هذا الموضع أن الباء للإلصاق بأن دخلت في الآلة المسح نحو مسحت الحائط بيدي يتعدى إلى المحل تقديره ألصقوا برؤوسكم فإذا لم يتناول كل المحل يقع الإجمال في قدر المفروض منه ويكون الحديث بينا لذلك كما قدرناه.
فإن قلت: أليس أن في حكم التيمم حكم المسح بقوله: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [النساء: 43] (سورة النساء: الآية 43) ثم الاستيعاب شرط فيه. قلت: أما على رواية الحسن عن أبي حنيفة لا يشترط فيه الاستيعاب لهذا المعنى وأما على ظاهر الرواية فعرفناه بإشارة الكتاب وهو أن الله تعالى
الجزء 1 · صفحة 176
وهو حجة على الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في التقدير بثلاث شعرات وعلى مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - في اشتراط الاستيعاب،
ـــــــــــــــــــــــــــــQأقام التيمم في هذين العضوين مقام الغسل عند تعذره والاستيعاب في الغسل فرض وكذا فيما أقيم مقامه أو بالسنة المشهورة وهو «قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعمار - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ما يكفيك ضربة للوجه وضربة للذارعين» .
م: (وهو) ش: أي الحديث المذكور م: (حجة على الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -) ش: بيان كونه حجة على الشافعي أنه لما التحق بالكتاب على وجه البيان له صار الكتاب ردا له لذلك فصار حجة عليه.
م: (في التقدير بثلاث شعرات) ش: من شعر الرأس وهذا الذي نسبه إلى الشافعي وجه شاذ في مذهبه مذكور في " الروضة " والواجب في مسح الرأس ما يطلق عليه الاسم ولو بعض شعرة أو قدره في البشرة وفي وجه شاذ يشترط ثلاث شعرات، وشرط الشعر الممسوح أن لا يخرج حد الرأس لو سدل سبطا كان أو جعدا انتهى. م: (وعلى مالك) ش: أي هو حجة أيضا على مالك بن أنس، (في اشتراط الاستيعاب) ش: أي في اشتراط استيعاب الرأس بالمسح، واعلم أن الذي ذهب إليه الشافعي في مسح الرأس لم يوجد له نص في الأحاديث التي رويت في صفة وضوء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بخلاف ما ذهب إليه مالك وأصحابنا.
أما ما ذهب إليه مالك فهو حديث عبد الله بن زيد بن عاصم رواه مالك، عن عمرو بن يحيى المازني «عن عبد الله قال شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فدعا بتور من ماء فتوضأ لهم وضوء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأكفأ على يده من التور فغسل يديه ثلاثا، ثم أدخل يده في التور فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثا بثلاث غرفات، ثم أدخل يده في التور فغسل وجهه ثلاثا ويديه إلى المرفقين مرة، ثم أدخل يده في التور فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، ثم غسل رجليه. أخرجه الجماعة كلهم من حديث مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وأما ما ذهب إليه أصحابنا فهو حديث المغيرة فيما مضى» .
فإن قلت: كان ينبغي أن يكون الفرض مسح جميع الرأس بمقتضى حديث عبد الله بن زيد كما ذهب إليه مالك قلت: لما روي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الاقتصار على الناصية دل على أن ما فوق ذلك مسنون ونحن نقول به فقد استعملنا الخبرين وجعلنا المفروض مقدار الناصية إذ لم يرو عنه أنه مسح أقل منها وجعلنا ما زاد عليها مسنونا ولو كان المفروض أقل من قدر الناصية كما ذهب إليه
الجزء 1 · صفحة 177
وفي بعض الروايات قدره بعض أصحابنا بثلاث أصابع اليد؛ لأنها أكثر ما هو الأصل في آلة المسح قال:
ـــــــــــــــــــــــــــــQالشافعي لاقتصر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حال مسحه على مقدار المفروض كما اقتصر على الناصية في بعض الأحوال.
م: (وفي بعض الروايات قدره أصحابنا بثلاث أصابع) ش: هذه رواية عن محمد ذكرها عنه في " نوادره " أنه إذا وضع ثلاث أصابع ولم يمدها جاز في قول محمد في الرأس والخف جميعا، ولم يجز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف حتى يمدها بقدر ما يصيب البلة ربع رأسه وهما اعتبرا الممسوح عليه ومحمد اعتبر الممسوح به وهو عشرة أصابع وربعها إصبعان ونصف، إلا أن الإصبع الواحد لا يجري جعل المفروض قدر ثلاثة أصابع وقال الشيخ قوام الدين في تفسير قوله " وفي بعض الروايات " إلى آخره وهو ظاهر الرواية؛ لأنه المذكور في الأصل فكان ينبغي على هذا أن يقول وعلى ظاهر الرواية لأن لفظة " بعض الروايات " مستعمل في غير ظاهر الرواية وقال الشيخ أكمل الدين: قيل: هي ظاهر الرواية لكونها المذكورة في الأصل فكان ينبغي أن يقول على ظاهر الرواية، قلت: ظاهر الرواية هو أن المفروض في مسح الرأس هو مقدار الناصية، والرواية التي فيها التقدير بثلاث أصابع هي رواية " النوادر " وهي غير ظاهر الرواية حتى يرد ما ذكره.
فرع: إذا وضع ثلاث أصابع ولم يمدها جاز عند محمد كما ذكرنا ولو أعاد إصبعا واحدة إلى الماء ثلاث مرات جاز. وكذا لو مسح بإصبع واحدة بجوانبها الأربعة؛ لأن ظاهرها وباطنها يقومان مقام إصبعين وجانبها مقام إصبع واحدة وقال السرخسي: الأصح عندي أنه لا يجوز، وفي " البدائع " ولو مسح بثلاث أصابع منصوبة غير موضوعة ولا ممدودة لم يجز؛ لأنه لم يأت بالمفروض ولو مدها حتى أبلغ المفروض لم يجز عندنا خلافا لزفر، وفي " المحيط " إن كان الماء يتقاطر جاز كأنه أخذ ماء جديدا أو بلة وكذا لو مسح بالإبهام والسبابة وبينهما مفتوح يجوز كذا في " المجتبى " وفيه أيضا مسح شعر رأسه وفي " شرح الوجيز " المسح على بشرة الرأس يجوز ولا يضر كونها تحت الشعر، وقال بعض أصحابنا لا يجوز لانتقال الفرض إلى الشعور، ولو غسله بدل المسح قيل لا يجوز؛ لأنه مأمور بالمسح، والأصح أنه يجوز؛ لأن الغسل مسح وزيادة، ثم هل يكره غسل بدل المسح قيل يكره؛ لأنه سرف كالغسلة الرابعة والأظهر أنه لا يكره. ولو بدأ رأسه ولم يمد اليد فيه قولان أصحهما أنه يجوز، وقال القفال: لا يجوز، ولو قطرت على رأسه قطرة لم يجزه فإن جرت كفي، وفي " مغني الحنابلة " إذا وصل إلى بشرة الرأس ولم يمسح على الشعر لم يجزه، وإن رد هذا النازل وعقده على رأسه لم يجزه المسح عليه، ولو نزل عن منبته ولم ينزل عن محل الفرض فمسح عليه أجزأه، ولو خضب رأسه بما يستره أو طينه لم يجزه المسح على الخضاب والطين نص عليه أحمد في الخضاب، وإن غسل رأسه بدل مسحه فعلى وجهين: أحدهما لا يجزئه
الجزء 1 · صفحة 178
وسنن الطهارة غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء
ـــــــــــــــــــــــــــــQوالثاني يجزئ، ولو حصل على رأسه ماء المطر أو صب عليه إنسان ثم مسح يقصد بذلك الطهارة أجزأه وإن جعل الماء على رأسه من غير قصد أجزأه أيضا، وإن مسح رأسه بخرقة مبلولة أو خشبة أجزأه على أحد الوجهين. وإن وضع على رأسه خرقة مبلولة فانبل رأسه بها أو وضع خرقة ثم بلها حتى انبل شعره لم يجزئه ولو حلق رأسه أو لحيته لا يعيد المسح إجماعا وكذا إن قلم الظفر وكنسط الخف، وعند بعض الشافعية يجب إعادة المسح بعد حلق الشعر، وقال السروجي: ولو حلق رأسه بعد الوضوء أو جز شاربه أو قلم ظفره أو شرط خفه لا إعادة عليه، وقال ابن جرير: عليه الوضوء، وقال إبراهيم: عليه إمرار الماء على ذلك الموضع، ومسح العنق قيل سنة وقيل مستحب، ومسح الحلقوم بدعة، ولو مسحت المرأة على خمارها ووصل الماء إلى رأسها يجوز ما لم يتلون الماء ولو كانت الذؤابة مسدولة فوق رأسه كما يفعله النساء فمسح على رأسها الذؤابة لم يجز عند العامة وبعضهم جوزه إذا لم يرسل، وفي " هداية الناطفي " لو مسحت على الخضاب أو الوقاية لم يجز وإن وصل إلى الشعر، وقيل هذا قبل غسل الخضاب، وقيل هذا إذا خرج الماء من كونه ماء مطلقا، وفي " النظم " قال عامة العلماء: إن وصل إلى الشعر يجوز وإلا فلا مسح رأسه ببلل يبقى في كفه لم يجز.
[سنن الطهارة]
[غسل الكفين قبل إدخالهما الإناء]
م: (وسنن الطهارة غسل الكفين قبل إدخالهما الإناء) ش: لما فرغ من بيان فرائض الوضوء شرع في بيان سننه وتقديم الفرائض لكونها أقوى، والإضافة فيه للبيان إما بمعنى في أو اللام، والمراد من الطهارة الوضوء، وإنما ذكر الفرض بلفظ الواحد. والسنة بلفظ الجمع؛ لأن الفرض في الأصل يتناول القليل والكثير ويستغني عن الجمع بخلاف السنة فإنها اسم ولها أفراد فجمعها لتعم أفرادها، وهي بضم السين جمع سنة، وهي في اللغة: الطريقة مطلقا، وكذلك السنن بفتحتين، يقال: استقام فلان على سنن واحد ويقال امض على سنتك أي على وجهك وتنح عن سنن الجبل أي عن وجهه وعن سنن الطريق وسننه وسنته ثلاث لغات وهي: فتحة السين مع فتح النون وضمة السين وفتحة النون وضمهما معا، والسنة السيرة أيضا يقال: سنة العمرين أي سيرتهما، والسنة أيضا ضرب من التمر بالمدينة، وفي الشريعة: ما واظب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عليه ولم يتركه إلا مرة أو مرتين كذا في " المحيط "، وذكر في " المفيد " و " المزيد ": السنة ما واظب عليه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم يتركه إلا لعذر والأدب ما فعله مرة ومرتين ثم تركه.
قلت: مراده أدب شأنه دائما، وفي " المنافع " قال خواهر زاده: وحد السنة ما فعله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - على سبيل المواظبة ويؤمر بإتيانها ويلام على تركها، وفي " البداية " السنة ما يؤجر على إتيانها ويلام على تركها وهي تتناول القولية والفعلية، وقال الأترازي: السنة ما في فعله ثواب وفي تركه عتاب لا عقاب ثم قال وإنما قلت: في تركه عتاب احترازا عن النقل وإنما. قلت: لا عقاب احترازا عن الواجب والفرض، هذا التعريف أبدعه خاطري في هذا المقام، وقال الأكمل: السنة
الجزء 1 · صفحة 179
إذا استيقظ المتوضئ من نومه لقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده»
ـــــــــــــــــــــــــــــQهي الطريقة المسلوكة في الدين وحكمها أن يثاب في الفعل ويستحق الملامة في الترك، وكل من التعريفين ناقص لا يخلو عن نظر، أما تعريف الأترازي الذي ادعى أنه من إبداع خاطره فليس بشيء، من الأول: أن في قوله: إن في فعله ثواب.. يشتمل الفرض والنفل أيضا، وقوله: في تركه عقاب.. لا يخرج الفرض؛ لأن العتاب نوع من العقاب ولئن سلمنا أن العتاب غير العقاب حينئذ يخرج السنن المؤكدة التي هي في قوة الواجب فإن في تركها عذابا أيضا، الثاني: أن تعريفه هذا يدخل في سنة غير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإن سيرة العمرين لا شك في فعلها ثواب وفي تركها عقاب؛ لأنا أمرنا بالاقتداء بهما لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اقتدوا باللذين من بعدي» فإذا كان الاقتداء بهما مأمورا به يكون واجبا وتارك الواجب يستحق العقاب والعتاب، وأما تعريف الأكمل فإنه غير مانع لتناوله سنة غير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ما لا يخفى.
وأحسن التعريفات تعريف خواهر زاده - رَحِمَهُ اللَّهُ - ثم كيفية غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء على أن يأخذ الإناء إن كان صغيرا ويصب علي يمينه فيغسلها ثلاثا، وإن كان كبيرا لا يمكنه رفعه يأخذ منه الماء بإناء صغير إن كان معه فيصبه على يمينه فيغسلها ثلاثا ثم يدخل اليمنى، والسنة تقديم غسل اليدين إلى الرسغ أما نفس الغسل ففرض حتى قال محمد في " الأصل ": ثم يغسل ذراعيه فلا يجب غسلهما ثانيا، وقال تاج الشريعة: قوله وسنن الطهارة غسل اليدين أي تقديم غسل اليدين لا نفس الغسل فإنه فرض.
م: (إذا استيقظ المتوضئ من نومه) ش: شرط ذلك عند استيقاظ المتوضئ من نومه نقل ذلك شمس الأئمة الكردري أنه شرط حتى إنه إذا لم يستيقظ لا يسن غسلهما، وقيل: هو شرط اتفاقي، خص المصنف غسلهما بالمستيقظ تبركا بلفظ الحديث والسنة تشمل المستيقظ وغيره وعليه الأكثرون وسيجيء مزيد الكلام في الحديث الذي يذكره المصنف. وقوله: المتوضئ يحتمل أمرين أحدهما أن يريد به من قام على وضوء فإذا سن ذلك في حقه فغيره أولى، والآخر أن يريد به من يريد الوضوء ففي الأول الكلام حقيقة وفي الثاني مجاز فافهم.
م: (لقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده» ش: هذا الحديث صحيح أخرجه الجماعة بألفاظ مختلفة كلهم عن أبي هريرة، فالبخاري عن عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة
الجزء 1 · صفحة 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم يستنثر ومن استجمر فليوتر وإذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء في وضوئه فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» وأبو الزناد بكسر الزاي المعجمة وتخفيف النون اسمه عبد الله بن ذكوان المقري المدني من رجال الستة، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز المدني من رجال [الستة] ، ومسلم عن نصر بن علي الجهضمي وحامد بن عمر البكراوي قالا: حدثنا بشر بن المفضل عن خالد عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات فإنه لا يدري أين باتت يده» وأبو داود عن مسدد قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي رزين وأبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا قام أحدكم من الليل فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات فإنه لا يدري أين باتت يده» ، وأبو معاوية اسمه محمد بن خازم بالمعجمتين من رجال الستة والأعمش اسمه سليمان بن مهران ثقة كبير وأبو رزين بفتح الراء وكسر الزاي اسمه مسعود بن مالك الأسدي أسد خزيمة من رجال مسلم والأربعة وأبو صالح اسمه زكوان الزيات ويقال النعمان من رجال الستة.
والترمذي عن الوليد الدمشقي قال: حدثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا استيقظ أحدكم من الليل فلا يدخل يده في الإناء حتى يفرغ عليها مرتين أو ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده» ، وأبو الوليد اسمه الأوزاعي اسمه عبد الرحمن بن عمر إمام كبير مشهور ونسبته إلى أوزاع وهي من قبائل [......] وقيل الأوزاع من همدان وقيل الأوزاع قرية بدمشق والزهري محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب ونسبته إلى زهرة بن كلاب بن كعب بن لؤي بن غالب وأبو سلمة اسمه عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف ويقال اسمه وكنيته.
والنسائي عن قتيبة بن سعيد قال: حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمسن يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثا فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» ، وابن ماجه عن عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا الأوزاعي حدثنا الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أنهما حدثاه أن أبا هريرة كان يقول: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا استيقظ أحدكم من الليل فلا يدخل يده في الإناء حتى يفرغ عليها مرتين أو ثلاثا فإنه لا يدري أحدكم أين باتت يده» .
الجزء 1 · صفحة 181
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQوأخرجه الطحاوي في " معاني الآثار " قال: حدثنا سليمان بن شعيب قال: حدثنا بشر بن بكير قال: حدثنا الأوزاعي وحدثنا سعيد بن نصر قال: حدثنا الفريابي قال: حدثنا الأوزاعي قال: حدثنا ابن شهاب قال: حدثنا سعيد بن المسيب أن أبا هريرة كان يقول: «إذا قام أحدكم من الليل فلا يدخل يده في الإناء حتى يفرغ عليها مرة أو مرتين أو ثلاثا فإنه لا يدرى أين باتت يد أحدكم» . والفريابي بكسر الفاء وسكون الراء وبالياء آخر الحروف وبعد الألف باء موحدة مكسورة بعدها ياء النسبة نسبة إلى فارياب بليدة بنواحي بلخ ويقال الفريابي أيضا على الأصل وهو فيريابي بزيادة ياء بعد الفاء وهو محمد بن يوسف شيخ البخاري وغيره.
وهذا الحديث روي عن جابر وابن عمر، وأما حديث جابر فرواه الدارقطني من حديث أبي الزبير عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا قام أحدكم من الليل فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها فإنه لا يدري أين باتت يده ولا على ما وضعها» إسناده حسن.
وأما حديث ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. فرواه الدارقطني من حديث ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات فإنه لا يدري أين باتت يده منه وأين طاف بيده» ، فقال له رجل: " أرأيت إن كان حوضا "، فحصبه ابن عمر، وقال: أخبرك عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وتقول: " أرأيت إن كان حوضا ". إسناده حسن. ورواه ابن ماجه وابن خزيمة ولفظ المصنف في هذا الحديث لا يوافق الروايات المذكورة على النسق كما تراه، بل قوله إذا استيقظ أحدكم من منامه يوافق ما في رواية البخاري والدارقطني، قوله «فلا يغمسن يده» بنون التوكيد المشددة لم يقع في رواية هؤلاء إلا أنه وقع في رواية البزار فإنه رواه من حديث هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعا «إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في طهوره حتى يفرغ علها» الحديث.
والذي وقع في رواية مسلم وهو قوله «فلا يغمسن» على صورة النهي وكذا في رواية النسائي، وقوله حتى يغسلها ثلاث مرات، وكذا وقع في رواية مسلم وأبي داود، وقع في رواية النسائي «حتى يغسلها ثلاثا» مثل لفظ المصنف وفي رواية الترمذي مرتين أو ثلاثا، وكذا في رواية أبي داود والترمذي، وفي رواية البخاري «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» وكذا في رواية مسلم وأبي داود والترمذي وفي رواية البخاري «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» وكذا في رواية
الجزء 1 · صفحة 182
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQالنسائي وفي رواية ابن ماجه «فإن أحدكم لا يدري فيم باتت يده» وكذا في رواية الطحاوي وفي جميع الروايات عدم التعرض إلى العدد إلا في رواية البخاري «فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في وضوئه» .
وفي رواية مسلم: «فلا يغمسن يده في الإناء» وفي رواية النسائي: «فلا يغمسن يده في وضوئه.» وفي رواية أبي داود مثل رواية مسلم، وفي رواية الترمذي " حتى يفرغ عليها " من أفرغت الإناء إفراغا إذا قلبت ما فيه، وكذا أفرغته تفريغا، والمعنى حتى يصب على يديه مرتين أو ثلاثا، وفي " سنن البيهقي الكبير " " حتى يصب عليها صبة أو صبتين "، وفي جامع عبد الله بن وهب المصري صاحب مالك: «حتى يغسل يده أو يفرغ فيها فإنه لا يدري حيث باتت يده» وفي " علل ابن أبي حاتم الرازي ": " فليغرف على يديه ثلاث غرفات "، وفي لفظ: " فليغرف بيمينه من إنائه "، وعند ابن عدي من رواية الحسن عن أبي هريرة مرفوعا: «فإن غمس يده في الإناء قبل أن يغسلها فليرق ذلك الماء.»
قلت: أنكر ابن عدي على معلى بن الفضل الذي روى هذا الحديث عن الربيع بن صبيح عن الحسن عن أبي هريرة زيادة: " فليرق ذلك الماء ". والحديث منقطع عند الأكثرين بعدم صحة الحسن عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثم الكلام فيه على أنواع:
الأول: استدل به أصحابنا على الغسل لليدين قبل الشروع في الوضوء سنة. بيان ذلك أن أول الحديث يقتضي وجوب الغسل للنهي عن إدخال اليد في الإناء قبل الغسل وآخره يقتضي استحباب الغسل للتعليل بقوله: «فإنه لا يدري أين باتت يده» يعني في مكان طاهر من بدنه أو نجس، فلما انتفى الوجوب لما في التعليل المنصوص تثبت فثبتت السنة؛ لأنها دون الوجوب.
فإن قلت: كان ينبغي أن لا يبين في التعليل هذه السنة؛ لأنهم كانوا يتوضئون من الأتوار فلذلك أمرهم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وأما في هذا الزمان فقد تغير ذلك.
قلت: السنة لما وقعت سنة في الابتداء بقيت ودامت وإن لم يبق ذلك المعنى؛ لأن الأحكام إنما يحتاج إلى أسبابها حقيقة في ابتداء وجودها لا في بقائها؛ لأن الأسباب تبقى حكما، وإن لم يبق ذلك المعنى للشارع ولاية الإيجاد والإعلام فجعلت الأسباب الشرعية بمنزلة الجواهر في بقائها
الجزء 1 · صفحة 183
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQحكما، وهذا كالرمل في الطواف ونحوه.
وفي " الأحكام " لابن بزيزة: واختلف الفقهاء في غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء فذهب قوم إلى أن ذلك من سنن الوضوء. وقيل إنه مستحب، وبه صدر ابن الخلاب في شرحه، وقيل: بإيجاب ذلك مطلقا، وهو مذهب داود وأصحابه، وقيل: بإيجابه في نوم الليل دون نوم النهار، وبه قال أحمد، وقال: هل يغسلان مجتمعين أو متفرقين ففيه قولان مبنيان على اختلاف لفظ الحديث الوارد في ذلك، ففي بعض الطرق يغسل يديه مرتين مرتين، وذلك يقتضي الإفراد، وفي بعض طرقه يغسل يديه مرتين، وذلك يقتضي الجمع.
وقال السروجي: اختلف الفقهاء في غسل اليدين قبل الوضوء، فقيل: إنه سنة بإطلاق، وهو المشهور، وهكذا ذكر في " المحيط " و " المبسوط "، ويدل عليه أنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لم يتوضأ قط إلا غسل يديه، وحديث عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - متفق عليه. ومثله في " التحفة " و " الحواشي " و " المنافع "، وفيه تقديم غسلهما إلى الرسغين سنة تنوب عن الفريضة، كالفاتحة تنوب عن الواجب وفرض القراءة.
وقيل: إنه مستحب للتأكيد في طهارة يده مروي عن مالك، وقوله: إنه واجب على المنتبه من النوم بالليل دون النهار، قاله أحمد لحديث الترمذي وابن ماجه بقوله من الليل، ونحن نقول إن قيد الليل باعتبار الغالب وإلا فالحكم ليس مخصوصا بالقيام من الليل بل المعتبر الشك في نجاسة اليد، فمن شك في نجاستها كره له إدخالها في الإناء قبل غسلهما سواء قام من نوم الليل أو من نوم النهار أو شك في نجاستها في غير نوم، وهذا مذهب الجمهور. وعن أحمد: إن قام من الليل كره كراهة تحريم، وإن قام من نوم النهار كره كراهة تنزيه ووافقه داود الظاهري اعتمادا على لفظ الحديث.
النوع الثاني: إن هذا النهي نهي تنزيه لا تحريم حتى لو غمس يده لم يفسد الماء ولم يأثم الغاسل وعن الحسن البصري وإسحاق بن راهويه ومحمد بن جرير الطبري - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - أنه ينجس إن قام من نوم الليل.
النوع الثالث: إن قوله في الإناء محمول على ما إذا كانت الآنية صغيرة كالكوز أو كبيرة كالجب ومعه آنية صغيرة أما إذا كانت كبيرة، وليست معه آنية صغيرة فالنهي محمول على الإدخال على سبيل المبالغة وتمام الكلام قد مر.
النوع الرابع: يستفاد منه أن الماء القليل تؤثر فيه النجاسة كالقلتين بوقوع النجاسة فيه وإن لم تغيره وإلا لا يكون فائدة.
الجزء 1 · صفحة 184
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــQالنوع الخامس: يستفاد منه استحباب غسل النجاسات ثلاثا؛ لأنه إذا أمر به في المتوهمة ففي المتحققة أولى، ولم يزد شيء فوق الثلاث إلا في ولوغ الكلب كما سيجيء إن شاء الله تعالى.
النوع السادس: إن النجاسة المتوهمة يستحب فيها الغسل ولا يؤثر فيها الرش؛ لأنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قال: حتى يغسلها ولم يقل حتى يرشها عليها.
النوع السابع: فيه استحباب الأخذ بالاحتياط في أبواب العبادات.
النوع الثامن: استدل به أصحابنا على أن الإناء يغسل من ولوغ الكلب ثلاث مرات، وذلك أن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أمر القائم من الليل بإفراغ الماء على يديه مرتين أو ثلاثا وذلك أنهم كانوا يتغوطون ويتبولون ولا يستنجون بالماء وربما كانت أيديهم تصيب الموضع النجس فنجس، فإذا كانت الطهارة تحصل بهذا العدد من البول أو الغائط وهما أغلظ النجاسات كان أولى وأحرى أن يحصل بما دونهما من النجاسات.
النوع التاسع: أن الماء ينجس بورود النجاسات عليه وهذا بالإجماع وأما ورود الماء على النجاسة فكذلك عندنا خلافا للشافعي، وقال الشيخ محيي الدين النووي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: في هذا الحديث الفرق بين ورود الماء على النجاسة وورودها عليه وأنها إذا وردت عليه تنجسه وإذا ورد عليها أزالها، وتقريره أنه قد نهى عن إدخال اليدين في الإناء لاحتمال النجاسة، وذلك يقتضي أن ورود النجاسة على الماء مؤثر فيه وأمر بغسلها بإفراغ الماء عليها للتطهير، وذلك يقتضي أن ملاقاتها الماء على هذا الوجه غير مفسد بمجرد الملاقاة للضرورة ولكن لا نسلم أنه يبقى طاهرا بعد إزالة النجاسة. وقال النووي أيضا: وفيه دلالة أن الماء القليل إذا وردت عليه نجاسة تنجسه.
وإن قلت: ما لم [......] لأن الذي يتعلق باليد ولا يرى قليل جدا، وإن كانت عادتهم استعمال الأواني الصغيرة التي تقرب من القلتين بل لا تقاربه. وقال القشيري: وفيه نظر عندي؛ لأن مقتضى الحديث أن ورود النجاسة على الماء يؤثر فيه ومطلق التأثير أعم من التأثير بالنجس ولا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت الأخص العين فإذا سلم الخصم أن الماء القليل بوقوع النجاسة قد يكون مكروها فقد ثبت مطلق التأثير ولا يلزم ثبوت خصوص التأثير بالتنجس.
النوع العاشر: فيه استعمال الكنايات في المواضع التي فيها استحياء ولهذا قال - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فإنه لا يدري أين باتت يده» ولم يقل فلعل يده وقعت على دبره أو ذكره أو نجاسة ونحو ذلك، وإن كان هذا معنى قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وهذا إذا علم أن السامع يفهم بالكناية المقصود فإن لم يكن كذلك فلا بد من التصريح لينفي اللبس والوقوع في خلاف المطلوب وعلى هذا يحمل ما جاء من ذلك مصرحا به.