الجزء 1 · صفحة 7
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
كلية الدراسات العليا
قسم الفقه الحنفي وأصوله
السَّبْعِيَّات في الفقه على مذهب أبي حنيفة النّعمان
للشيخ أبي الطيّب حمدان بن حمدويه الطَّرَسوسيّ
"دراسة وتحقيق وتعليق"
" The Sevens in Jurisprudence According to the Doctrine of Abu Hanifa Al-Nu'man"
By Sheikh Abu Al-Tayyib Hamdan bin Hamduyeh Al-Tarassusi
"Study, Verification, and Commentary"
إعداد
تشاو جو يوان (محمد الصيني)
إشراف
الدكتور مؤيد حمدان محمود موسى
قدمت هذه الرسالة استكمالاً لمتطلبات درجة الماجستير في تخصص الفقه الحنفي وأصوله في جامعة العلوم الإسلامية العالمية
تاريخ المناقشة: عمّان 30\ 1\2025م
فهرس المحتويات
قرار لجنة المناقشة ............................................................................................ ب
الاهداء ........................................................................................................... ج
شكر وتقدير ...................................................................................................... د
فهرس المحتويات .............................................................................................. هـ
الملخص ........................................................................................................ ط
الملخص باللغة الإنجليزية .................................................................................... ك
المقدمة 1
القسم الأول: الدراسةعن المؤلف 14
المبحث الأول: اسم المؤلف ولقبه ونسبته ووفاته 14
المبحث الثاني: وظائف المجتهدين التي قام بها المؤلف 17
المبحث الثالث: درجة المؤلف في الاجتهاد 25
القسم الثاني: الدراسة عن الكتاب 28
المبحث الأول: منهج المؤلف في الكتاب 28
الجزء 1 · صفحة 8
المبحث الثاني: منهج المؤلف في الترجيح والتصحيح 30
المبحث الثالث: اختيارات المؤلف في الكتاب 34
المبحث الرابع: درجة الكتاب في الفقه 43
المبحث الخامس: مصادر المؤلف في الكتاب 47
المبحث السادس: توثيق الكتاب 47
القسم الثالث: النص المحقق 60
باب في فضل العلماء 61
[باب في الطَّهور] 90
كتاب الصَّلاة 152
باب الأَذان 152
باب فرائض الصَّلاة 162
باب الزَّكاة 270
باب الصَّوم 284
كتاب الحَجّ 292
كتاب الأيمان 299
كتاب البيوع 311
باب الرّبا 317
كتاب النّكاح 325
كتاب الطّلاق 349
باب في الذّبائح 386
باب في الفرائض 435
خاتمة 443
المصادر والمراجع 445
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله المنعم على عباده في البداية بالهداية، وفي النهاية بالوقاية والعناية، مبيّن الحق غاية البيان، مذلّل الباطل بالحجج والمعان، والصلاة والسلام على سيدنا المختار محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:
فقد قال رسول الله ?: «مَن يُرد اللَّهُ به خيرا يفقّهه في الدين» (¬1)، فخير العلوم هو الفقه في الدين وخير الأعمال هو التفقه فيه، ثم من حيث إن الفقه ينقسم إلى الفقه الأكبر والأصغر أي العقيدة والشريعة كان شطر هذا الخير من حظ الفقهاء.
ودراسة هذا العلم والتخصص فيه وخدمته من أعظم القربات إلى الله عز وجل، ثم إذا نظرنا في تاريخ الشريعة الإسلامية لن نجد مذهباً من المذاهب قدم للفقه الإسلامي إنجازات أكبر وأجل من مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه وأرضاه، وهذا أمر متفق عليه، وهم أول من قام بالتصنيف في هذا الباب وشق الطريق فيه.
¬
(¬1) كما في صحيح البخاري ج1، ص25، وصحيح مسلم ج2، ص718.
الجزء 1 · صفحة 9
ومن المعلوم أنه لولا كتب محمد بن الحسن رضي الله عنه لما انتشر الفقه الحنفي هذا الانتشار، وما حفظ بهذا الشكل المتين، وتتابع علماء المذهب من بعده في التصنيف والتأليف حتى وصل إلينا هذا العلم الواسع الدقيق الذي أخرج به الإسلامُ العالمَ من ظلمات الفوضى وعدم التنظيم إلى نور الشريعة الغراء حتى صار الفقه الحنفي منهجاً يسير عليه المسلمون في شتى بقاع الأرض على مراد الله جل شأنه.
وفي الفقه حياة الدين، ونظام المجتمع، فلولاه لما فهم المسلم حقيقة الإسلام، ولعاش جاهلا بأمور الدين، وهذه مصيبة من أعظم المصائب في حق المسلمين عامة، والعلماء خاصة، لذا سارع الفقهاء إلى التفقه في الدين، وخدموه غاية الخدمة، وكان من أجلّ الخدمات قدرا وأعمها فائدة تصنيف الكتب وتأليف الرسائل؛ كي يحفظ الدين من خلالها تعلما وتعليما.
لذا بذل العلماء والباحثون جهوداً كبيراً في إخراج هذا التراث الفقهي العظيم من المخطوطات إلى التصنيفات المطبوعة؛ كي يرى النور من جديد، ويستنير به خلق الله في تنظيم حياتهم ليعيشوا منهج الإسلام. بيد أن أكثر المخطوطات لم تخدم حق الخدمة ولم تحقق حق التحقيق، وذلك لتقدم الباحث غير المتخصص إلى ميادين هذا العمل الدقيق، فخرجت كثير من المطبوعات على وجه لا يرقى إلى المستوى المطلوب من بيان الواضح وترك شرح الغامض أو حشو ما لا علاقة بالفقه فيه إما قصدا أو جهلا.
الجزء 1 · صفحة 10
وكان من اقتراح شيخنا الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج - حفظه الله من كل حسد وحقد - عندما عرضت عليه عددا من المخطوطات أن أحقق كتاب: «السَّبعيّات في الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان» للإمام أبي الطيّب حمدان بن حمدويه الطرسوسي الحنفي - رحمة الله عليه -، فوجهت همتي إلى خدمته من حيث الدراسة والتحقيق والتعليق؛ لتطبيق المنهج العلمي الذي درسته على شيخنا منذ سنوات من خلال شرح وبيان عبارات الفقهاء واستخراج الكنوز والدرر المدفونة فيها، وتمييز القول المعتمد عن غيره، وغير ذلك.
وقد بيّن المؤلف في كتابه هذا أهم المسائل من أبواب الفقه المختلفة، كالطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والنكاح وغيرها، وهو كالمتن الصغير والمختصر، لكن نفعه غير منحصر.
سائلا الله عز وجل أن يتقبل هذا العمل مني، وأن يرزقني علما نافعا، وإخلاصا رفيعا في التعلم والعمل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
مشكلة الدراسة:
ما الدراسة السليمة لمخطوط "السبعيات في الفقه" من حيث التحقيق والتعليق؟
وهذا يشتمل على الأسئلة الآتية:
1 - ما النص الأصح والأكمل للمخطوط؟
2 - ما الدراسة السليمة للمخطوط من حيث التعليقات النافعة؟
3 - ما معتمد المذهب في المسائل التي ذكرت في المخطوط؟
أهمية الدراسة ومميزاتها:
يعتبر كتاب «السَّبعيّات في الفقه على مذهب أبي حنيفة النعمان» من الكتب المهمة لدى العلماء، وطلاب العلم في المذهب الحنفي، والذي تناقلوه جيلا بعد جيل، فتكمن أهمية التحقيق لهذا الكتاب في:
1 - حاجة المكتبة الإسلامية لمثل هذا الكتاب الفريد من نوعه في المذهب الحنفي، ببيانه وتوضيحه وعرضه بالشكل المناسب.
2 - حاجة طلاب العلم الشرعي للاطلاع على المسائل الفقهية المذكورة في الكتاب ومعرفة الراجح فيها.
3 - حاجة الباحثين لمعرفة قواعد المذهب الحنفي من حيث التأصيل وبناء المسائل والاستنباطات.
الجزء 1 · صفحة 11
4 - حاجة طلاب العلم للتحشية والتعليقات الخادمة للمخطوط، للاعتماد عليها وفك غوامضها.
أهداف الدراسة ومبرّراتها:
يهدف الباحث من خلال البحث إلى دراسة وتحقيق وتعليق على مخطوط: «السَّبْعِيّات في الفقه على مذهب أبي حنيفة النعمان» تحقيقا وتعليقا علميا، فيشتمل على النقاط الآتية:
1 - إثبات النص الأصح والأكمل للمخطوط، وإثبات فروقه وتصحيحه والإشارة إليه.
2 - بيان الدراسة السليمة للمخطوط من حيث التعليقات النافعة.
3 - بيان معتمد المذهب في المسائل التي ذكرت في المخطوط.
المنهجية المتبعة في التحقيق:
1 - المنهج الاستقرائي ويكون في:
أ- دراسة الشخصية وترجمتها.
ب- في التعليق والتحشية من كتب المذهب فيما يتعلق بالمسائل المطروحة والتأكد من نسبتها وصحتها.
2 - المنهج الوصفي والتحليلي: في دراسة الشخصية وترجمتها
3 - المنهج التاريخي (الاستردادي) في تحقيق المخطوط من تصحيح وضبط ومقابلة؛ تيسيرا لفهمه.
4 - المنهج الجدلي في مناقشة المؤلف في اختياراته واعتمادها.
منهجية العمل في التحقيق:
سيكون منهج عمل الباحث في التحقيق كالآتي:
1 - بيان النسخ التي اعتمدت للتحقيق ووصفها، وتحديد مكانها، وعدد الأوراق، وتاريخ كتابتها، وعدد أسطرها، وغيرها من الأمور التي لها شأن في توضيح المخطوط وتوثيق مصدره، بالإضافة إلى صورة الورقة الأولى والأخيرة لكل نسخة وإثباتها عند الوصف.
2 - توضيح المسائل الغامضة في المخطوطة ذات الخفاء، أو الألغاز لشدة اختصارها، لإزالة الإبهام عن العبارات، وشرحها وتوضيحها من الكتب الفقهية المعتبرة؛ وصولًا لأسهل عبارة، وتثبت بالحاشية مع مراجعها.
الجزء 1 · صفحة 12
3 - التعليق على جميع الآراء التي خالف فيها المؤلف معتمد المذهب، كأن يأتي بتخريج ضعيف في المذهب، أو يذكر رأيا مخالفا للمعتمد، فأعمل على التعليق والتنبيه على ذلك الرأي في الحاشية، مبينا ضعفه ورده وعدم اعتماده، مستعينا بالكتب الفقهية، ومدللا من عبارات الفقهاء وفق أصول قواعد الترجيح.
4 - إثبات النص الأصلح والأصح في الأعلى، وذكر الفروق الأخرى في الحاشية، فلا يتجاوز الباحث في مرحلة تمحيص المخطوط كلمة كلمة إلا بالاقتناع أنها هي الصحيحة؛ من خلال الترجيح بين النسخ واختيار الأصح، لا الاعتماد على النسخة الأم في التحقيق في الأعلى، وما سواه نثبته في الحاشية.
5 - مناقشة كل مسألة نص المخطوط عليها بعبارة الترجيح صحيحة، مثل: وهو الصحيح أو الأصح، أو المختار، أو وبه يفتى، لبيان الأقوال الأخرى في ذات المسألة، وعرض الأدلة، وبيان الراجح فيها وفق أصول الترجيح.
6 - بيان الروايات الضعيفة التي نقلها صاحب المخطوط دون التنبيه عليها، نتيجة اعتماده على كتاب غير معتمد، مع التعليق في الحاشية بما يثبت ضعفها وعدم اعتمادها.
7 - التنبيه على عبارات التساهل في الإطلاق في المخطوط، حيث تركيب العبارة من الجانب العلمي غير صحيح؛ لكنه ليس من قبيل الخطأ؛ ولكن من قبيل التساهل في العبارات.
8 - بيان المعنى الاصطلاحي للمفردات من مصادرها الأصلية عند الحنفية؛ للوصول إلى مراد الحنفية من هذا المصطلح، وعدم الاقتصار على معرفة المعنى في اللغة، وكذا عند المدارس الفقهية الأخرى عند الحاجة.
9 - ذكر مصطلحات المؤلف في المخطوط ضمن قائمة منفردة؛ لتكون مفتاحا للقارئ في فهم المخطوط.
10 - تخريج أسماء الكتب التي ذكرها المؤلف في المخطوط؛ لأنها مصادره، سواء كانت بالواسطة أو مباشرة بكتابة اسم الكتاب، ومؤلفه، وطباعته، ومكان المخطوط إن لم يكن مطبوعا ومحققا.
الجزء 1 · صفحة 13
11 - تخريج الأحاديث بذكر رواته من الصحابة، والكتب التي خرَّجته، وذكر الحكم من حيث الصِّحة والضَّعف من قبل كبار المُحَدِّثين، والإتيان له بالشواهد التي تقويه إن كان فيه ضعف، وتثبيت لفظ الحديث المذكور في كتب السنة إن ذكره الشارح بمعناه، واكتفيت بذكر الجزء والصفحة بدل الكتاب والباب خوف التطويل؛ لأنَّ غالبية الأحاديث غير مذكورة في الصحاح، فاحتاج إلى ذكر عدد كبير من كتب السنة الوارد فيها، فلو ذكرت الكتاب، والباب، لاستغرق تخريج كثير منها أكثر من صفحة.
منهجي في التوثيق كالآتي:
1 - القيام بترميز نسخ المخطوطات بحرف، مثلا: << أ >>، << ب >>، << ج >>، ويمكن أن يكون الرمز مشيرا إلى مصدر النسخة مثل: تركيا << ت >>
2 - توثيق كل الأقوال الواردة في المخطوط لأصحابها، ويستثنى من ذلك قول الإمام أبي حنيفة وصاحبيه الإمامين: أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وزفر بن هذيل، والحسن بن زياد؛ لأن كتب الفقه في المذهب وضعت من أقوالهم، فهي مظانها، إلا في حالة اضطراب الرأي في مسألة ما، فيتم التحري للتأكد من نسبة القول من أجل التصحيح.
3 - توثيق أقوال أئمة المذاهب: الإمام مالك بن أنس، أو الإمام الشافعي محمد بن إدريس، أو الإمام أحمد بن حنبل، فيتم توثيقه من الكتب المعتمدة لصاحب المذهب؛ للتأكد من نسبة القول وصحته وإنه معتمد مذهبه، وإن ظهر غير ذلك يتم التنبيه في الحاشية.
4 - توثيق النقل عن علماء التفسير أو الحديث أو اللغة من كتبهم، فإن كان مفقودا يوثق ممن نقل عنه؛ بشرط أن يكون متقدم على مؤلف المخطوط.
5 - وضع علامة التنصيص << >> لكل نص في المخطوط نقل بحروفه من كتاب آخر، أو مختصرا، والتنبيه على ذلك بالقول: إنه ملخص، فيجعل في نهاية النقل ويذكر في الحاشية: انتهى من كتاب كذا، أو انتهى ملخصا من كتاب كذا، وإن كان في نهاية النص في المخطوط لفظ انتهى، يكتب في الحاشية، من كتاب كذا.
الجزء 1 · صفحة 14
6 - إذا كان الاختلاف في كلمة واحدة نضع ((علامة الحاشية)) عليها دون وضعها بين معكوفتين هكذا: ((زيد))، وإن كان الاختلاف في كلمتين فأكثر وضعنا ((علامة الحاشية)) على معكوفتين هكذا: [].
7 - إذا سقطت كلمة أو كلمات من نسخة أو نسخ، يثبت في الحاشية ساقطة من ب، أو ساقطة من أ، ب، أو يمكن أن يعبر: زيادة في د.
8 - إذا كان الاختلاف في تركيب كلمة أو كلمات، أثبت الصحيح في الأعلى، وذكر الصور المرجوحة في الأسفل، وقال: (في: ج، د كذا)، فإذا كان الاختلاف على أكثر من صورتين أثبت الصور المرجوحة في الأسفل وقال: (في ج: كذا) وفي (د: كذا)
9 - توثيق الآيات في الأعلى ببيان اسم السورة ورقم الآية، بحيث تكون الآية بالرسم العثماني بين قوسين مزهرين، والتوثيق بين معكوفين مربعين [].
10 - تثبيت الفروق ما عدا الاختلاف في صيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وصيغ الترحم على العلماء والصحابة؛ لأنها في الدرجة الأولى من النساخ لا من المؤلف، بسبب التفاوت الكبير فيها بين ذكرها وحذفها. لذا سأقوم بتثبيت شكل الصلاة كالآتي (?)، وكذا اختلاف النسخ بصيغة الترحم والترضي على من يذكر من العلماء وعدمه بذكر شكل الترضي (- رضي الله عنه -) بدون الإشارة إلى ذلك.
منهجي في ترجمة شخصية المؤلف والشخصيات والأماكن:
1 - التأكد من اسمه، ونسبه، ولقبه، وكنيته، والتفريق بينه وبين الأسماء المشابهة له.
2 - التثبت من تاريخ مولده ووفاته، ونشأته، وعائلته، ورحلاته، والوظائف التي تقلدها، ومكانته العلمية، والثناء عليه، ودرجته في الاجتهاد في المذهب.
3 - تحقيق عنوان المخطوط، وصحة نسبة المؤَلف إليه، والسبب الداعي لتأليفه.
4 - معرفة شيوخه، وتلاميذه، والطبقات التي تتلمذ عليها، والطبقات التي علمها وأخذت عنه.
5 - بيان منهج المؤلف في المخطوط، وتسجيل الملاحظات وبيان صحتها ومواءمتها لقواعد المذهب.
الجزء 1 · صفحة 15
6 - ترجمة لجميع الأعلام التي تذكر في المخطوط، بذكر الاسم واللقب والوفاة والكتب التي ألفها كذكر ثلاث كتب على الأقل، ونسبتها إليه مع توثيق رقم الصفحة والكتاب الذي اقتبس منه، مع نبذة لا تتجاوز ثلاثة أسطر عن كل عالم من مصادر قديمة وحديثة.
7 - ترجمة الأماكن التي تذكر وقد توهم على القارئ، بالإضافة لترجمة المذاهب والفرق ببيان مذهبها، ومكانتها في الفقه أو الاعتقاد أو اللغة أو في فنها وصنعتها.
منهجي في التعامل مع النص:
1 - انتقاء نسخة المخطوط الأفضل والأكمل والأوضح من النسخ لتوضيح وتثبيت الفروق.
2 - تقسيم المخطوط لفقرات تتناسب مع المواضيع والمعاني.
3 - وضع علامات الترقيم والرسم الإملائي المناسب.
4 - شكل الكلمات التي تشكل على القارئ.
5 - الاعتناء بمواضع الهمزات، والشدّات المناسبة، وفق المدارس الإملائية والنحوية في مدارس اللغة العربية.
6 - توضيح بعض الكلمات التي تحتاج إلى توضيح لغوي من المعاجم؛ لكشف خفائها.
منهجي في إعادة التحقيق:
1 - مراجعة معظم مسائل الكتاب إلى ما عبّرت به عنها الكتب المعتمدة من العبارات المشهورة؛ لأنها أقوى وأضبط.
2 - الإتيان في الهامش بأمهات المسائل في بعض الأبواب التي لم يذكرها المؤلف إلا قليلا لتكميل الموضوع، مثلا: كتاب النكاح، وفيه مسائل أصلية مهمة غير مذكورة أصلا، فأحاول البحث عنها، وأضعها في الهامش، حتى لا يفوتنا أمهات الباب.
3 - بيان القول المعتمد في أكثر المسائل حسب اطلاعي عليه بألفاظ الترجيح مباشرة إذا كان الخلاف غير شديد.
4 - بعض المسائل التي اختلف العلماء الكبار فيه بحيث يعسر الفرق بين المعتمد وغيره اخترت فيها ما اعتمد عليه ابن عابدين في رد المحتار، وشيخنا الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج في منة الفتاح وغيره.
5 - ذكر المسائل المعاصرة أحيانا، لئلا يتهم بأن المذاهب تاريخية لا تناسب الحياة في عصرنا.
الجزء 1 · صفحة 16
6 - ذكر الأدلة المنقولة والمعقولة لكثير من المسائل تقوية للمذهب، كما فعل شيخنا الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج في مؤلفاته.
7 - بيان اختيارات المؤلف في الفقه من جهة مخالفته لمنهج الفقهاء، أو موافقته له.
8 - توضيح منهج المؤلف في الكتاب.
الدراسات السابقة:
قام بتحقيق هذا المخطوط الدكتور حمد الله سيدجان سيدي باسم «السباعيات في الفقه الحنفي»، الناشر: مكتبة تزار مصطفى الباز، بالسعودية 2019م، وأيضا مكتبة الإرشاد بإسطنبول،2019م. لكن لم يتيسر للباحث الحصول عليه.
النسخ الخطية المعتمدة للتحقيق:
اعتمدت في التحقيق على خمس نسخ من المخطوط:
النسخة الأولى: (أ):
نسخة مكتبة نور عثمانية بإستانبول، تحت رقم (1827)، وتتصف هذه النسخة بما يأتي:
1 - وضوح الخط
2 - عدد لوحاتها 38 لوحة من الحجم الصغير.
3 - عدد الأسطر في كل صفحة 19 سطراً.
4 - عدد الكلمات في السطر (23 - 25) تقريباً
5 - لون اللوحات أصفر.
النسخة الثانية: (ب):
نسخة مكتبة الأزهرية، الرقم (22570)، وتتصف هذه النسخة بما يأتي:
1 - اسم الناسخ: أحمد مصطفى.
2 - تاريخ النسخ: 1271هـ، القرن: 13هـ.
3 - عدد الأوراق: 46
4 - عدد الأسطر: 21
5 - عدد الكلمات في السطر: 16 - 18
6 - نوع الورق: أصفر.
النسخة الثالثة: (ج):
نسخة دار الكتب بالقاهرة، الرقم (564)، وتتصف هذه النسخة بما يأتي:
1 - اسم الناسخ: محمد عبد الله.
2 - تاريخ النسخ: 1116هـ، القرن: 12هـ.
3 - عدد الأوراق: 49
4 - عدد الأسطر: 21
5 - عدد الكلمات في السطر: 9 - 10
6 - نوع الورق: أصفر.
النسخة الرابعة: (د):
نسخة دار الكتب بالقاهرة، الرقم (21702)، وتتصف هذه النسخة بما يأتي:
1 - اسم الناسخ: أحمد بن عمر.
2 - تاريخ النسخ: 1272هـ، القرن: 13هـ.
3 - عدد الأوراق: 65
4 - عدد الأسطر: 17
5 - عدد الكلمات في السطر: 11 - 12
6 - نوع الورق: أصفر.
النسخة الخامسة (وهي ناقصة بعض الأبواب): (هـ):
الجزء 1 · صفحة 17
نسخة دار الكتب بالقاهرة، الرقم (723)، وتتصف هذه النسخة بما يأتي:
1 - اسم الناسخ: مجهول
2 - تاريخ النسخ: مجهول.
3 - عدد الأوراق: 20
4 - عدد الأسطر: 17
5 - عدد الكلمات في السطر: 10 - 12
6 - نوع الورق: أصفر.
ـ ولهذه المخطوطة المباركة نسخ خطية كثيرة متفرقة في بقاع شتى في أنحاء العالم كحال باقي تراث هذه الأمة، تحت أرقام الحفظ الآتية:
1 - مكتبة الوطنية في باريس برقم: 978/ 6.
2 - معهد التراث العربي في جامعة حلب، برقم مجموع أنطاكي: 143/ 1.
3 - متحف طوبقبوسراي في إستانبول برقم: 2/ 609.
4 - الخزانة الأحمدية بجامع الزيتونة في تونس برقم 2567.
5 - الخزانة الأحمدية بجامع الزيتونة في تونس برقم 2576.
6 - مكتبة أسعد أفندي في إستانبول، برقم: 3613.
7 - المكتبة الصادقية في جامع الزيتونة في تونس، برقم: 4/ 139.
المخطط التفصيلي للتحقيق:
مقدمة الرسالة.
القسم الأول: الدراسة عن المؤلف.
وفيه مباحث.
المبحث الأول: اسم المؤلف ولقبه ونسبته ووفاته.
المبحث الثاني: الوظائف التي قام بها المؤلف في الكتاب.
المبحث الثالث: درجة المؤلف في الاجتهاد.
القسم الثاني: الدراسة عن الكتاب.
وفيه مباحث.
المبحث الأول: منهج المؤلف في الكتاب.
المبحث الثاني: منهج المؤلف في الترجيح والتصحيح.
المبحث الثالث: اختيارات المؤلف في الكتاب.
وفيه أربعة مطالب.
المطلب الأول: اختيارات المؤلف المخالفة لظاهر الرواية.
المطلب الثاني: اختيارات المؤلف المخالفة للمعتمد.
المطلب الثالث: اختيارات المؤلف المخالفة لأصول التطبيق.
المطلب الرابع: الاختيارات في ترجيح آراء المذهب بتأييدها بالآثار على المذاهب الأخرى.
المبحث الرابع: درجة الكتاب في الفقه.
وفيه ثلاثة مطالب.
المطلب الأول: تقسيم طبقات كتب الفقه.
المطلب الثاني: عد الكتاب من طبقة الكتب المقبولة.
المطلب الثالث: كيفية الاستفادة منه.
المبحث الخامس: مصادر المؤلف في الكتاب.
المبحث السادس: توثيق الكتاب.
الجزء 1 · صفحة 18
وفيه مطلبان.
المطلب الأول: توثيق اسم الكتاب.
المطلب الثاني: توثيق نسبة الكتاب للمؤلف.
الباب الثاني: نص التحقيق.
الخاتمة.
التوصيات.
المصادر والمراجع.
القسم الأول:
الدراسة عن المؤلف
المبحث الأول:
اسم المؤلف ولقبه ونسبته ووفاته
إنّ كتب التراجم والطبقات والتاريخ لم تذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - إلا بكلمات يسيرة لم تف بحقه، ومع ذلك فقد بذلت قصارى جهدي لأصل إلى درجة تغطي المطلوب إن شاء الله تعالى:
1 - اسمه:
وهو حمدان بن حمدويه (¬1).
2 - لقبه:
الشيخ أبو الطيّب (¬2).
3 - نسبته:
* الطَّرَسُوسِيّ (¬3):
طَرَسُوس - بفتح أوله وثانيه، وسينين مهملتين بينهما واو ساكنة، بوزن قربوس - كلمة عجمية رومية، وطُولها ثمان وخمسون درجة ونصف، وعرضها ست وثلاثون درجة وربع، وهي في الإقليم الرابع، وقالوا: سميت بطرسوس بن الروم بن اليفز بن سام بن نوح - عليه السلام -، وقيل: إن مدينة طرسوس أحدثها سليمان كان خادما للرشيد في سنة نيف وتسعين ومائة (¬4).
وهي مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم، بينها وبين أذنة ستة فراسخ، يشقّها نهر البردان، وبها قبر المأمون (¬5).
¬
(¬1) كما في كشف الظنون ج2، ص974، وهدية العارفين ج1، ص335.
(¬2) كما في المصدرين السابقين.
(¬3) كما في المصدرين السابقين.
(¬4) ينظر: معجم البلدان ج4، ص28.
(¬5) ينظر: مراصد الاطلاع ج2، ص883، وتاريخ الخلفاء ص230، وغيرهما.
الجزء 1 · صفحة 19
وكانت عاصمة كيليكيا في شرقي آسيا الصغرى، وهي مبنية على ساحل متسع على بُعْد 12 ميلًا من كلٍ من البحر المتوسط وجبل طوروس. وكانت قديمًا قائمة على ضفتي نهر كيدنوس، غير أن ذلك النهر قد تغير مجراه وكان وقتئذ عند مصب النهر مرفأ ترد إليه بضاعة كثيرة. ولما أنشأ الرومان إقليم كيليكيا في سنة 64 ق. م. جعلوا طرسوس مقر الحاكم. وجعلها أوغسطس مدينة رومانية، وكان فيها ميدان وموضع للألعاب ومدرسة الإسكندرية الثالثة في الشهرة في كل المسكونة. وتعين للعائلة الإمبراطورية معلمون ومدربون من طرسوس، ولم تزل تدعى طرسوس إلى اليوم، وهي مدينة تركية (¬1).
واليوم تقع في قيليقيا جنوب البلاد على ساحل البحر الأبيض المتوسط، تابعة لمحافظة مرسين، وتبعد حوالي 15 كم عن مدينة مرسين، و40 كم عن مدينة أضنة، وحوالي 12 ميلا عن جبال طوروس (¬2).
وكانت موطنا للعلماء والصالحين والزهّاد يقصدونها؛ لأنها من ثغور المسلمين على الفتح الإسلامي، ومن هؤلاء الفضلاء:
1 - القاضي عماد الدين عليّ بن أحمد الطّرسوسيّ (ت748هـ) (¬3).
2 - القاضي نجم الدين إبراهيم الطّرسوسي (ت758هـ)، وهو صاحب «الفتاوى الطرسوسية»، و «أنفع الوسائل»، و «الفوائد المنظومة» (¬4).
3 - محمد بن أحمد بن محمد الطرسوسي (ت1117هـ) (¬5).
4 - فيض الله بن ولي الدين الطرسوسي (ت1222هـ)، له «شرح ملتقى الأبحر» في فروع الفقه الحنفي (¬6)، وغيرهم.
¬
(¬1) ينظر: https://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books/FreeCopticBooks-002 - Holy-Arabic-Bible-Dictionary/16_TAH/TAH_18.html.
(¬2) ينظر: https://www.turkpress.co/node/11840\ طرسوس.
(¬3) ينظر: الأثمار الجنية ج2، ص497، وكتائب أعلام الأخيار ج3، ص13، وغيرهما.
(¬4) ينظر: كتائب أعلام الأخيار ج3، ص14، وغيره.
(¬5) ينظر: البدور المضية ج14، ص344، وغيره.
(¬6) ينظر: البدور المضية ج13، ص386، وغيره.
الجزء 1 · صفحة 20
* الحنفيّ (¬1):
هذا لنسبته إلى المذهب الحنفي في الفقه، كما لا يخفى في كتابه هذا من حيث المسائل الفقهية.
4 - وفاته:
أما وفاته فسكت عنها علماء التراجم، ولم يصرح أحد منهم بها، وقد ورد في فهرس آل البيت أن وفاته كانت في سنة261هـ، وهذا لا يصح للأسباب الآتية:
1 - أنه لا يميّز في الفهرس بين المؤلف وأبي الطيب حمدون بن حمزة الحنفي (ت261هـ) له مختصر في الفقه نحو نصف مختصر القدوري (¬2).
2 - أنه لو كان الكتاب هذا للثاني المتقدم لسلك منهج المشايخ المتأخرين في التأليف كالطحاوي والخصاف والجصاص وغيرهم؛ لأن هؤلاء من المجتهدين المنتسبين، فيقولوا بما يخالف آراء الأصحاب، لكنني لم أجد هذا في الكتاب.
3 - أن من مصادر المؤلف كتاب «الهداية» للمرغيناني، وهو متوفى 593هـ، إذن لا يمكن للثاني أن يراجعه.
المبحث الثاني:
وظائف المجتهدين التي قام بها المؤلّف في الكتاب
* تقسيم وظائف المجتهدين وقيام المؤلف بها:
إن من حيث الاستقراء تنقسم وظائف المجتهدين على ما حرره وقرره شيخنا الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج (¬3) إلى خمس إجمالا وعشر تفصيلا كالآتي:
الأول: استنباط الأحكام من الكتاب والسنة وآثار الصحابة - رضي الله عنهم -، وهو نوعان:
أولا: الاعتماد على أصول استخرجها المجتهد بنفسه:
وأبرز القائمين به الأئمّة الأربعة وأبو يوسف ومحمد وغيرهم من المجتهدين المطلقين.
ثانيا: الاعتماد على أصول مقررة في المذهب استخرج أُسسها أئمّته:
وهذه الوظيفة تظهر لدى المجتهد المنتسب، كالخصاف والطحاوي والكرخي والجصاص وغيره من أصحاب هذه الطبقة.
¬
(¬1) كما ذكر في كشف الظنون ج2، ص974، وهدية العارفين ج1، ص335.
(¬2) ترجمه هكذا في هدية العارفين ج1، ص335.
(¬3) ينظر: المدخل المفصل إلى الفقه الحنفي ص201 - 205، وغيره.
الجزء 1 · صفحة 21
فالمؤلف لم يكن قادرا على القيام بالوظيفتين، كما لا يخفى في حق غير المجتهد المطلق أو المنتسب، ولو كان أخذ بظاهر بعض النصوص في المسألتين التاليتين:
1 - عدم جواز بيع الثمر قبل أن تحمرّ أو تصفرّ مطلقا؛ لظاهر الحديث: عن أنس - رضي الله عنه -: «أنّ النّبيّ ? نهى عن بيع ثمر النّخل حتّى تزهو، فقلنا لأنس: ما زهوها؟ قال: تحمرّ وتصفرّ» (¬1)، وهو أيضا قول مالك والشافعي وأحمد - رضي الله عنهم - أخذا بظاهر الأحاديث (¬2).
القول المعتمد عندنا: أنه لا خلاف في عدم جواز بيع الثمار قبل أن تظهر، ولا في عدم جوازه بعد الظهور قبل بدو الصلاح بشرط الترك، ولا في جوازه قبل بدو الصلاح بشرط القطع فيما ينتفع به، ولا في الجواز بعد بدو الصلاح، لكن بدو الصلاح أن تأمن العاهة والفساد. والخلاف إنما هو في بيعها قبل بدو الصلاح لا بشرط القطع (¬3).
2 - وجوب الكفارة: عتق رقبة في الجنين المسقط؛ تمسّكا بظاهر قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أنْ يَصَّدَّقُوا} [النساء: 92]، وهو أيضا قول الأئمة الثلاثة.
¬
(¬1) في صحيح البخاري ج2، ص127، وصحيح مسلم ج3، ص1190.
(¬2) ينظر: النكت الطريفة ج1، ص324، وغيره.
(¬3) سيأتي تفصيله في التعليق على المسألة السابعة من كتاب البيوع إن شاء الله.
الجزء 1 · صفحة 22
القول المعتمد عندنا: أنه لا كفَّارة في الجنين؛ فعن المغيرة ابن شعبة - رضي الله عنه -: «أن امرأتين كانتا تحت رجلٍ من هُذَيل، فضربت إحداهما الأخرى بعمود فقتلتها، فاختصموا إلى رسول الله ?، فقال أحد الرجلين: كيف تَدِي من لا صَاحَ ولا أكل ولا شرب ولا استهلّ؟ فقال له: أسَجعٌ كسجعِ الأعراب؟ فقضى فيه غُرَّةً وجعله على عاقلة المرأة» (¬1)، يعني: أن النبيّ ? لم يذكر الكفارة في الحديث، والموضع موضع البيان. وفي الذخيرة: القياس يقتضي عدم وجوب الضمان وعدم وجوب الكفارة، لأنه بمنزلة العضو، لكن تركنا القياس في الضمان للأثر، ولا أثر في الكفارة، فيبقى على الأصل (¬2).
الثاني: التخريج على أقوال أئمة المذهب، وهو على نوعين:
أولا: حمل قول المجتهد المطلق على محمل معيّن، بأن يكون كلامه من الفرائض أو الواجبات أو السنن أو المبطلات أو غيرها، وهذا يعد توضيحا وتفسيرا لمقصود المجتهد.
ثانيا: التفريع على مسائل المجتهد وقواعده في المسائل المستجدة.
وهاتان الوظيفتان لم أجدهما وقعتا للمؤلف.
الثالث: الترجيح والتصحيح بين أقوال علماء المذهب، وهو نوعان:
أولا: الترجيح بين الأقوال اعتمادا على الأصول والقواعد والمعاني وأسس الأبواب الفقهية، أي من حيث قوة البناء الفقهي والأصولي بحيث يراعى مبنى المسألة ومبنى الباب.
ثانيا: الترجيح بين الأقوال بناءً على قواعد رسم المفتي من المصلحة والعرف والتيسير وتغير الزمان والضرورة والحاجة، أي من حيث الأنسب في التطبيق في الواقع.
وقد قام المؤلف بالوظيفتين، وطبّقهما على مسائل عديدة صريحا أو التزاما، ومن أبرز أمثلة ذلك:
1 - ترجيح غُسل الجنب مرة أخرى عند خروج بقية المني إذا اغتسل قبل التبول.
¬
(¬1) في سنن أبي داود ج4، ص190، وسنن الترمذي ج4، ص24، وقال: حديث حسن صحيح.
(¬2) ينظر: فتح باب العناية ج6، ص214، وغيره.
الجزء 1 · صفحة 23
عبارة المؤلف: جنب اغتسل قبل أن يبول، ثمّ خرج بقيّة المنيّ يغتسل مرة أخرى احتياطًا، وهو الصّحيح.
ومعروف أن هذا بناء على قول أبي حنيفة ومحمد باعتبار الانفصال عن شهوة؛ لأن للشهوة مدخلا في وجوب الغسل، وقد وجدت في حالة وهو الانفصال دون الأخرى وهو الخروج، فبالنظر إلى الأوّل يجب، وبالنّظر إلى الثاني لا يجب، والباب باب العبادات فنوجبه احتياطا؛ ولأن قول أبي يوسف قياس، وقولهما استحسان (¬1)، فظهر أن قولهما أقوى من حيث البناء الفقهي والأصولي، كما لا يخفى، وسيأتي غيره من الأمثلة في مبحث: منهج المؤلف في الترجيح إن شاء الله.
2 - عدم القول بنجاسة خرء الفأرة في الدهن والسمن؛ للضرورة.
عبارة المؤلف: إذا وقع خَرءُ الفأرة في قارورة فيها سمن ودهن، فغيّر لونَه أو ريحَه، فلا يجوز أن يؤكل منه، ولا يجوز أن يدّهن به.
هذا لأن خرء الفأرة نجسٌ في أظهر الرِّوايات يُفسد الماء والثَّوب، كما قال الإمام قاضيخان (¬2)، إلا ألا يفسد الدهن والماء والحنطة؛ للضرورة، إلا إذا ظهر طعمه أو لونه في الدهن ونحوه؛ لفحشه وإمكان التحرز عنه حينئذ (¬3). وهذا أنسب وأرفق بالناس في الواقع بلا شك، ولا يخفى جليا في نظر المؤلف، فترك أظهر الروايات فيه، وعفا في مثل الدهن؛ لدفع الحرج.
الرابع: التمييز والتفصيل بين الأقوال والروايات، وذلك نوعان:
أولا: تمييز أصل المذهب (ظاهر الرواية) عن غيره من الأقوال:
ثانيا: تمييز بين الأقوى والقوي، والصحيح والضعيف، يعني: تمييز المعتمد في المذهب عن غيره من الأقوال.
¬
(¬1) ينظر: العناية ج1، ص62، ورد المحتار ج1، ص160، وغيرهما.
(¬2) ينظر: الفتاوى الخانية ج1، ص18، وغيره.
(¬3) ينظر: التنوير والدر المختار ج6، ص732، وفي القهستاني عن المحيط: خرء الفأرة لا يفسد الدهن والحنطة المطحونة ما لم يتغير طعمها. قال أبو الليث: وبه نأخذ. كما في رد المحتار ج6، ص732.
الجزء 1 · صفحة 24
الخامس: التقرير والتطبيق في العمل والإفتاء والقضاء بالمناسب للواقع، وذلك نوعان:
أولا: تقرير ما هو الأنسب والأرفق والمفتى به بناء على قواعد رسم المفتي من عرف وضرورة وغيرها:
ثانيا: تقرير المسألة بعد تصورها جيدا وإدراك أنها هي المناسب للواقعة وفهم علتها ومبناها وأصلها ومحلها في الإفتاء والعمل:
فالمؤلف تيسر له القيام بالوظائف: التفريع والترجيح والتصحيح فمن باب أولى أنه يستطيع أن يقوم بالتمييز والتقرير والتطبيق وغيرها من الوظائف الدنيا، مع أن كل من يقدر على الترجيح بين الأقوال لا بدّ له أن يحسن التمييز بين ظاهر الرواية وغيره، وبين الأقوى والقوي وغير ذلك، وأن يدقق النظر في الواقع ويقرر ما هو الأنسب أو الأظهر وهكذا.
ثم أمثلة هذه الوظائف الأربع في الكتاب كثيرة جدًا، ومن أمثلة ذلك:
1 - عبارة المؤلف: يقول بعد التّكبيرة الأُولى: سُبحانكَ الّلهُمَّ وبحمدِك تبارَك اسمُك وتعالى جدُّك ولا إلهَ غيرُك.
هذا هو ظاهر الرواية، وزاد محمد: وجلَّ ثناؤك (¬1).
قال ابن نجيم (¬2): فلا يأتي به في الفرائض؛ لأنه لم يأت في المشاهير. كما في الدرر، وكذا في الهداية مقيدا بالفرائض، وفي منية المصلي: وإذا زاد: وجل ثناؤك لا يمنع، وإن سكت لا يؤمر به، وفي الكافي: أنه لم ينقل في المشاهير، وفي البدائع: أن ظاهر الرواية الاقتصار على المشهود، فالحاصل أن الأولى تركه في كل صلاة نظرا إلى المحافظة على المروي من غير زيادة عليه في خصوص هذا المحل، وإن كان ثناء على الله تعالى. اهـ.
من هنا ظهر أن المؤلف قد قام بوظيفة التمييز بين ظاهر الرواية وبين غيره، بل اختار ظاهر الرواية، كما لا يخفى في المثال.
2 - عبارة المؤلف: فإن اشتغل بالوضوء تفوت صلاةُ الجنازة فإنه يتيمّم غير الوليّ وإمام الحيّ.
¬
(¬1) ينظر: الحاوي القدسي ج1، ص167، والبدائع ج1، ص202، وغير ذلك.
(¬2) في البحر ج1، ص328، وأقره في الشرنبلالية ج1، ص68.
الجزء 1 · صفحة 25
يعني: لا يجوز التيمم للولي؛ لأنه ينتظر، ولو صلوا له حق الإعادة، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة (¬1).
وفي ظاهر الرواية: يجوز للولي أيضا؛ لأن الانتظار فيها مكروه، وصححه شمس الأئمة الحلواني، أي سواء انتظروه أو لا (¬2).
القول المعتمد: هو رواية الحسن، وهي ما صحّح أصحاب الترجيح، كالمرغيناني (¬3)، وقاضي خان (¬4)، والنسفي في الكافي. قال في البرهان: إنّ رواية الحسن هنا أحسن؛ لأن مجرد الكراهة لا يقتضي العجز المقتضي لجواز التيمم؛ لأنها ليست أقوى من فوات الجمعة والوقتية مع عدم جوازه لهما (¬5).
3 - عبارة المؤلف: مسح رُبع رأسه.
أي يفترض في الوضوء مسح ربع الرأس.
اختلف العلماء في مقدار مسح الرأس، فقال بعضهم بمقدار ثلاثة أصابع، والبعض بمقدار الناصية، والبعض بربع الرأس. سيأتي تفصيله في باب الفريضة في الوضوء إن شاء الله.
القول المعتمد: هو ربع الرأس، وهو أشهر روايات، وعليه المتون (¬6)، وقال ابن عابدين (¬7): الحاصل أن المعتمد رواية الربع، وعليها مشى المتأخرون، كابن الهمام وابن أمير حاج، وصاحب البحر، والنهر، والمقدسي، والتمرتاشي، والشرنبلالي، وغيرهم. وقال ابن نجيم (¬8): أصحُها رواية ودراية ما في المختصر - أي رواية الربع -.
4 - عبارة المؤلف: إذا أصابته مصيبةٌ، فسَمِعَ وهو في الصَّلاة مجيبا قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون.
أي: يفسد الصلاة خبرُ سوء بالاسترجاع، هذا على المذهب (¬9).
¬
(¬1) ينظر: الشرنبلالية ج1، ص30، وغيره.
(¬2) كما في رد المحتار ج1، ص241.
(¬3) في الهداية ج1، ص29.
(¬4) في فتاواه ج1، ص30.
(¬5) ينظر: رد المحتار ج1، ص241.
(¬6) كتحفة الملوك ص25، والمختار ج1، ص7، ومجمع البحرين ج1، ص121، والكنز ص139، والوقاية ج2، ص19، والنقاية ج1، ص13، وملتقى الأبحر ج1، ص11، وتنوير الابصار ج1، ص99، وغيرها.
(¬7) في رد المحتار ج1، ص99.
(¬8) في البحر ج1، ص14.
(¬9) كما في الدر المختار ج1، ص621.
الجزء 1 · صفحة 26
أما تصحيح عدم الفساد في الظهيرية فإنه تصحيح مخالف للمشهور، وما في المجتبى من أنه لا فساد بشيء من الأذكار التي يقصد بها الجواب في قول أبي حنيفة وصاحبيه فإنه مخالف للمتون والشروح والفتاوى (¬1).
وهذه الثلاثة أمثلة لوظيفة التمييز بين الأقوى والقوي والصحيح والضعيف، وقد قام المؤلف بها.
5 - عبارة المؤلف: في الأذان سبعُ فَضائل: ... مَن قال مثل ما قال المُؤذِّن كان له مثل أَجره.
القول الأنسب: استحباب إجابة المؤذن، والمؤلف مال إلى هذا القول، كما في ظاهر عبارته السابقة، لذا صرّح في العيون بأن الإمساك عن التلاوة والاستماع إنّما هو أفضل، وصرّح جماعة بنفي وجوبها باللسان، وأنها مستحبّة، حتى قالوا: إن فعل نال الثواب وإلا فلا أثم، ولا كراهة (¬2).
وهذا لا بدّ من أن الفقيه ينظر في الواقع وأحوال الناس، لا سيما أن أكثرهم عوام ومتسارعون إلى الدنيا، فيعسر عليهم الحفظ على مثل الإجابة وقتا بعد وقت، ويتضررون بمثله، فبالتالي يحتاجون إلى نظر الفقيه فيه جيدا، ويقرر ما هو الأرفق بهم، والأنسب للواقع.
6 - عبارة المؤلف: عشرة أشياء تُصيب الثَّوبَ تَجوز الصَّلاةُ معه: ... عَرَق الحِمار.
اختلف العلماء في عرق الحمار على ثلاث روايات، ففي رواية: نجس مغلظ، وفي رواية: مخفف، وفي رواية: طاهر، سيأتي تفصيل الكلام في باب ما تَجُوزُ الصَّلاةُ معه إذا أصاب الثَّوبَ.
القول الأرفق: أنه طاهر، وهو ما قال قاضي خان إنه ظاهر الرواية، وهي الرواية المشهورة (¬3). وقال ابن نجيم (¬4): والمعتمد أن كلا من عرق الحمار ولعابه طاهر، وإذا أصاب الثوب أو البدن لا ينحسه.
¬
(¬1) ينظر: البحر ج2، ص8، ورد المحتار ج1، ص621.
(¬2) ينظر: في الطحطاوي على المراقي ص202.
(¬3) ينظر: رد المحتار ج1، ص228، وكشف الأسرار ج3، ص88.
(¬4) في البحر ج1، ص133.
الجزء 1 · صفحة 27
ووجه هذا أن للناس فى عرق الحمار ضرورة؛ لأنهم يركبون الحمار العرى فى الصيف والشتاء في الحضر والسفر، ولا بد أن يعرق الحمار خصوصاً في الصيف، ولو لم يحكم بطهارته، لضاق الأمر على الناس، ووقعوا في الحرج (¬1).
بناء على هذين المثالين فيمكن أن نقول بأن المؤلف قد قام بالوظيفتين الأخيرتين.
المبحث الثالث:
درجة المؤلف في الاجتهاد
بناء على المبحث السابق عرفنا أن المؤلف قد قام بأكثر وظائف المجتهدين، حيث رجّح بين الأقوال بناء على أصول البناء وأصول التطبيق، وميّز بين ظاهر الرواية وغيره، وفصّل القول الصحيح عن الضعيف أو الأقوى عن القوي، وقرّر ما هو الأنسب والأرفق، وطبّق على الواقع، وغير ذلك، كما لا يخفى في الأمثلة السابقة ذكرها.
ومن ثم فبالضرورة تبيان أن المؤلف يعد في أي درجة وطبقة في الاجتهاد، وهذا يحتاج إلى عرفان تقسيم طبقات المجتهدين ومميزات كل طبقة، كي يتيسر لنا أن نعرف درجته في الاجتهاد إن شاء الله.
المطلب الأول: طبقات المجتهدين وأعمال ومميزات كل طبقة:
ههنا نعتمد على ما حرر وقرر شيخنا (¬2) من تقسيمها إلى الأربعة الأقسام التالية:
الطبقة الأولى: طبقة المجتهد المطلق المستقل:
* أعمال ومميزاتها، ومن أبرزها:
1 - تأسيس المذهب المستقل عن غيره بتأصيل المسائل المتوارثة عن المدرسة، وتقعيدها وتقريرها وتدوينها ...
2 - التأثّر في بعض الأصول من مشايخ المدرسة، مثل: تأثر الإمام الأعظم أبي حنيفة في الوقف من شريح القاضي وجماعة من فقهاء الكوفة (¬3).
3 - استنباط الأحكام من القرآن والسنة وآثار الصحابة - رضي الله عنهم -.
الطبقة الثانية: طبقة المجتهد المطلق المنتسب:
* أعمال ومميزاتها، ومن أبرزها:
¬
(¬1) ينظر: المحيط ج1، ص120، وغيره.
(¬2) في المدخل المفصل إلى الفقه الحنفي ص206 - 301 باختصار.
(¬3) هذه المسألة مبسوطة في إعلاء السنن ج12، ص132 - 134، والنكت الطريفة ج1، ص161 - 163.
الجزء 1 · صفحة 28
1 - استنباط الأحكام من القرآن والسنة وآثار الصحابة - رضي الله عنهم -.
2 - تدارك بعض آراء إمام المذهب بتصحيح ما يجب تصحيحه في المذهب (¬1)، مثل: تصحيحات أبي يوسف ومحمد في مسائل الوقف وغير ذلك.
3 - الموافقة مع إمام المذهب في بعض الأصول، ومخالفة له في بعضها.
الطبقة الثالثة: طبقة المجتهد المنتسب:
* أعمال ومميزاتها:
1 - استنباط الأحكام من الكتاب والسنة بالاعتماد على أصول المذهب عموما وعلى أصولهم خصوصا.
2 - التخريج على أصول الأبواب التي وردت عن الأئمة.
3 - التمييز بين ظاهر الرواية وغيره، والتقرير بمراعاة الرسم والأصول.
الطبقة الرابعة: طبقة المجتهد في المذهب:
* أعمال ومميزاتها، ومن أبرزها:
1 - التخريج على فروع وقواعد أئمة المذهب خاصة لا على الكتاب والسنة.
2 - الترجيح والتصحيح بين أقوال الأئمة على حسب أصول البناء وأصول التطبيق.
3 - حفظ المذهب وتمييز ما هو المعتمد فيه من ظاهر الرواية والنوادر ومسائل النوازل.
المطلب الثاني: عدّ المؤلف في طبقة المجتهدين في المذهب:
فمن خلال استعراض وظائف المجتهد التي قد قام المؤلف بها وأعمال ومميزات كل طبقة، والمقارنة بين هذه الأشياء، بات جليا أن المؤلف من طبقة المجتهدين في المذهب؛ للأسباب الآتية:
1 - مناسبة وظائفه أعمال ومميزات هذه الطبقة في الأغلب من حيث الترجيح والتمييز والاستدلال لمسائل المذهب بالمعقول والمنقول، وغير ذلك.
2 - مراجعته كتاب الهداية للمرغيناني (ت593هـ)، وهو من أكابر هذه الطبقة، ومَن بعده من العلماء لا يعدوا إلا فيها لا في طبقة المنتسب ولا طبقة المطلق بالأولى.
القسم الثاني:
الدراسة عن الكتاب
المبحث الأول:
منهج المؤلف في الكتاب
منهج الكتاب هو ما انفرد المؤلف به عن غيره، وامتاز به، فلكل مؤلف منهجه المختص به في التأليف، المختلف فيه عن غيره، ومن ذلك:
¬
(¬1) أفاده الكوثري في مقالاته ص157.
الجزء 1 · صفحة 29
1 - إتيان المؤلف بالمسائل سبعا فسبعا، ولا يزيد عليها إلا قليلة، كباب في الفرائض في ص435 - 440، وينقص منها أحيانا، كباب في مسائل رباعية في ص423 - 435.
2 - اقتصاره على جمع أبواب الفقه الكثيرة الوقوع في حياة المسلمين وترك غيرها، مثل كتاب الحدود وأبوابها وفصولها، وكتاب الآبق، وكتاب الوقف، وكتاب الصلح، وكتاب الرهن، وغيرها.
3 - اقتصاره على المسائل العامة في الأبواب الفقهية، وفي الغالب لا يذكر الفروع الدقيقة، إلا قليلا، مثل بعض الأبواب في الصلاة، وغيره، كباب ما يَمُرُّ بَينَ يَدَي المُصَلِّي في ص190 - 191، وباب الكراهية في البناء على القبر في ص265 - 267، وباب في حرمة المسجد في ص247 - 248، وباب في مسائل متفرقة في ص373 - 374، وباب في الخِلال في ص410 - 412، وغيرها.
4 - لم يستوعب أمهات المسائل في بعض الأبواب، فلم يذكر مثلا أن المباشرة الفاحشة من نواقض الوضوء.
5 - أطلق المسائل في الأغلب، ولم يذكر شروطها التي لا بد من توافرها، كما في فرائض الصلاة من القراءة والركوع والسجود في ص162 - 163، وغيرذلك، فأطلق هذه الكلمات فقط، ولم يأت بما لا بد منه من الشروط.
6 - ذكر شيئا من العقائد، ولم يكثر منها، مثل باب أهل السنة والجماعة في ص419 - 421، وباب ما يسأل عند الصراط في ص421 - 423.
7 - ذكر بعض مسائل الفضائل والأخلاق في عدة أبواب، كباب في فضل العلماء وفضل العلم في ص61 - 64، وباب ما ينقص من أجر الصلاة في ص183 - 185، وباب من لا تقبل صلاته في ص185 - 186، وباب من النفاق في ص400 - 401، وباب في النظر في ص401 - 403، وباب في البركة في ص406 - 407.
8 - بيّن في عدة مسائل ما يفتى به، كما في باب آخر في المسح في ص124 - 126، وباب في صلاة النساء في ص180 - 181، وباب ما لا يجوز أن يؤكل منها في ص378 - 380.
الجزء 1 · صفحة 30
9 - ذكر بعض التصحيحات عنده أحيانا، كما في باب في الوتر في ص230 - 234، وباب ما لا تجوز الشهادة في النكاح في ص332 - 333.
10 - اقتصر على ذكر أقوال أصحابنا إذا اشتهر الخلاف بينهم في المذهب، ولم يأت بآراء المذاهب الأخرى، مثل مسألة حد الماء الكثير في باب المياه التي لا يجوز أن يتوضأ منها في ص72.
11 - للمؤلف اختيارات يخالف فيها المذهب، كما في مسألة الماء المستعمل في باب المياه التي لا يجوز أن يتوضأ منها في ص75، وغيره.
12 - كرّر بعض المسائل أحيانا، ومن أمثلته: مسألة اتّباع النِّساء خَلفَ الجنازة، فذكر في باب النهي في شأن الميت في ص258، وأعاده في باب آخر في النساء في ص431، وغير ذلك.
13 - استدل بالمنقول في كثير من المسائل، فيأتي أحيانا بلفظ الحديث كاملا، كما في مسألة النهي عن قضاء الحاجة في ساحة خان السّبيل في ص66، فقال: لأنه جاء في الحديث عن رسول الله ? أنه قال: «اتقُوا المَلاعِن وأعدّوا النَّبَل»، وغيرها من المسائل العديدة، وأحيانا يطلق: "للحديث" فقط، كمسألة اتباع الميت بالمجمرة في باب الكراهية في شأن الميت في ص260.
المبحث الثاني:
منهج المؤلف في الترجيح والتصحيح
تختلف مناهج فقهاء المذهب في التصحيح والترجيح، فأصحاب المتون وظائفهم نقل المذهب، وتأصيل المسائل، وتكوين القواعد، ثم يميلون إلى التزام ظاهر الرواية، مثل: «الكنز»، و «الوقاية»، و «الملتقى»، فلا يكادون يخالفون ظاهر الرواية (¬1)، فلا يذكرون مسألة في المتون إلا وهي التصحيح التزاما عندهم إذا لم يأتوا بما يخالفه من الترجيح الصريح، ولا يصرحون بالقول المصحح أو المفتى به في الغالب إلا قليلا، هذا هو منهج جلّ المتون في الترجيح.
¬
(¬1) في بغية السائل ج1، ص72.
الجزء 1 · صفحة 31
أما الشرّاح فإنهم يأتون بأدلة المسائل، أو الوجوه المعقولة حتى تتقوى بها، وهذا يعتبر نوع تصحيح عندهم، أو أن يصححوا قولا مباشرة بأنه أصح أو صحيح، وغير ذلك، وأصحاب كتب الفتاوى اقتصروا في الأغلب على القول المفتى به، أو الرواية المصححة عندهم، ولم يهتموا بالأدلة والوجوه كثيرا.
هذا، والمؤلف له أيضا منهجه في الترجيح بين الآراء، وعلى الرغم من اختصار كتابه، إلا أنه سار على نهجهم جميعا من وجوه، بعضها على نهج المتون، والبعض على نهج الشروح والفتاوى، حيث يتلخص منهجه في النقاط الآتية:
الأولى: التزامه ظاهر الرواية عادة، كالمتون، إلا في عدة مسائل، سيأتي توضيحها في المبحث الثالث.
الثانية: التصريح أحيانا بالراجح بعبارات مختلفة، مثل أصحاب الشروح والفتاوى، من هذه العبارات:
أولا: لفظ "الأصح"، من ذلك:
1 - عبارة المؤلف: إنْ نسي الوِتر، ثمّ تَذكّر بعد طُلوعِ الفَجر يَقضي الوِترَ، ولا يَقرأ القُنوتَ عند البعض حتّى لا يكونَ مُقنِتًا في الفَجر، والأَصَحُّ أنّه يَقنُت.
وهذا ما رجحه ابن مَازَةَ البخاري (¬1)، وقال ابن نجيم (¬2): أطلقه - أي: قنت في الثالثة - فشمل الأداء والقضاء، فلذا قالوا: ومن يقضي الصلوات والأوتار يقنت في الأوتار احتياطا، وعلله الولوالجي في فتاويه بأنه إن كان عليه الوتر كان عليه القنوت، وإن لم يكن عليه الوتر فالقنوت يكون في التطوع، والقنوت في التطوع لا يضر.
2 - عبارة المؤلف: إذا تزوّجها بشهادة أَعمَيَين، فالنّكاح باطل، والأصحُّ أنّه جائز.
وهذا ما اختاره المرغيناني (¬3)، والنسفي (¬4)، وبرهان الدين (¬5)، والموصلي (¬6)، وغيرهم، وقال ابن عابدين (¬7): والمختار ما عليه الأكثرون.
ثانيا: لفظ "الفتوى على ... "، من ذلك:
¬
(¬1) في المحيط ج1، ص470.
(¬2) في البحر ج2، ص44.
(¬3) في الهداية ج1، ص186.
(¬4) في الكنز ص251.
(¬5) في الوقاية ج3، ص12.
(¬6) في المختار ج3، ص84.
(¬7) في رد المحتار ج3، ص24.
الجزء 1 · صفحة 32
1 - عبارة المؤلف: امرأة تصلّي، ورُبع ساقها مكشوف فلا تجوز صلاتها ما لم تَستُره، ثمّ عند أبي يوسف - رضي الله عنه -: الثُّلُث معتبر، وعند محمد - رضي الله عنه -: الرُّبع معتبر، والفتوى على قول محمد - رضي الله عنه -؛ لأن فيه احتياطا.
وكان أبو حنيفة - رضي الله عنه - مع محمد - رضي الله عنه - في هذا؛ لأن للربع حكم الكل في كثير من المواضع، فانكشافه يكون كانكشاف الكل بخلاف ما دونه، فيلحق بالعدم (¬1).
2 - عبارة المؤلف: وإن ولغ في الإناء فيغسل سبع مرّات، أوّلُهنّ بالتّراب، والفتوى على ثلاث مرّات بلا تراب يطهر.
هذا لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - موقوفا: «إذا ولغ الكلب في الإناء فأهرقه ثم اغسله ثلاث مرّات» (¬2). ويؤيّده أيضا ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي ?: «في الكلب يلغ في الإناء أنه يغسله ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً» (¬3)، فثبت بذلك نسخ السبع؛ لأنا نحسن الظن به، فلا نتوهم عليه أن يترك ما سمعه إلاّ على مثله (¬4).
أما حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: «إذا شرب الكلب من إناء أحدكم فليغسله سبعاً» (¬5)، فإنه أفاد لزوم غسل الإناء من شرب الكلب سبع مرات، لكن راوي الحديث خالف مرويه، فقد غسل أبو هريرة - رضي الله عنه - ثلاثاً مرّات، كما مر في الحديث.
الثالثة: الترجيح بالاستدلال بالآثار على بعض المسائل، ومنها:
1 - عبارة المؤلف: يُكرَهُ أن يُتّبعَ الميّتُ بمِجمَرَةٍ ببُخورِ العُودِ وغيرِه إلّا عند الغَسل للحديث.
¬
(¬1) ينظر: حلبة المجلّي ج1، ص592.
(¬2) في سنن الدارقطني ج1، ص109، وصحّحه العيني في عمدة القارئ ج3، ص41.
(¬3) في سنن الدارقطني ج1، ص108.
(¬4) كما حرره شيخنا في المعارضة والمخالفة للآحاد عند الحنفية ص21، وغيره.
(¬5) في صحيح البخاري ج1، ص45، وصحيح مسلم ج1، ص234.
الجزء 1 · صفحة 33
أي: لما روي عن أبي بردة - رضي الله عنه -: «أوصى أبو موسى الأشعريّ حين حضره الموت، فقال: لا تتبعوني بمجمر، قالوا له: أَوَ سمعت فيه شيئا؟ قال: نعم، من رسول اللَّه ?» (¬1)، ولأنها آلة العذاب فلا تتبع معه تفاؤلا، قال إبراهيم النخعي: أكره أن يكون آخر زاده من الدنيا نارا؛ ولأن هذا فعل أهل الكتاب فيكره التشبه بهم (¬2).
2 - عبارة المؤلف: رجل صلّى خَلْفَ الإمام، فحَقَنَ من بوله، أو نَفَرَت دابتُه وقد قعَد الإمام قَدْرَ التشهّد، فسلّم قبل أن يسلّم الإمام فلا بأس به، لقوله ?: «إذا قلتَ هذا أو فعلتَ هذا فقد تمّت صلاتُك» (¬3).
¬
(¬1) في سنن ابن ماجه ج1، ص477. وفي الزوائد: إسناده حسن. كما في حاشية السندي ج1، ص453.
(¬2) كما في البدائع ج1، ص310، وغيره.
(¬3) فعن القاسم بن مخيمرة، قال: أخذ علقمة بيدي، فحدثني أنّ عبد اللَّه بن مسعود، أخذ بيده، وأنّ رسول اللَّه ? أخذ بيد عبد اللَّه، فعلّمه التشهّد في الصّلاة ... : «إذا قلت هذا أو قضيت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد» في سنن أبي داود ج1، ص254، وشرح معاني الآثار ج1، ص275، وغيرهما. قال الخطابي في معالم السنن شرح أبي داود ج1، ص228: وأصحها إسنادا وأشهرها رجالا تشهد ابن مسعود.
الجزء 1 · صفحة 34
وقال اللكنوي (¬1): لذا لو عمل عملا ما ينافيها تمّت، لكن معنى التمام ههنا براءة الذمة من الصلاة بأداء الأركان والفرائض، ولا مناص من لزوم الإثم ولزوم الكراهة التحريمية، ووجوب الإعادة لترك لفظ: "السلام" الواجب الموضوع شرعاً لإتمام الصلاة، وقد طال طعن السفهاء على الحنفية في مسألة الحدث، واستقبحوا الحكم بتمام الصلاة بالحدث عمداً، فظنوا أنهم يجوزون مثل هذا الفعل والخروج، وليس كذلك، فإن الخروج بالسلام عندنا واجب، وترك الواجب عندنا مكروه تحريماً، بل حرام، فلا مناص عن لزوم الإثم. وأمّا استبعادُ أنه كيف يخرج المصلي من الصلاة بالحدث فاستبعاد عامي، قال القاري في تشييع الفقهاء الحنفية: أصل هذه المسألة مأخوذة من الروايات الحديثية، كما رواه الطحاوي وغيره بأسانيد متعددة، وطرق مختلفة عن ابن عمرو، قال ?: «إذا رفع رأسه من آخر السجدة فقد مضت صلاته إذا هو أحدث» (¬2).
الرابعة: اعتماده في الترجيح على ظاهر بعض النصوص أحيانا. كما مر في ص18.
الخامسة: ترجيح آراء المذهب بتأييدها بالآثار على المذاهب الأخرى، مع ذلك لا يصرح باختلاف الأئمة أصلا، سيأتي تفصيل الكلام في المبحث القادم إن شاء الله.
المبحث الثالث:
اختيارات المؤلف في الكتاب
وفيه عدة مطالب:
المطلب الأول: الاختيارات المخالفة لظاهر الرواية:
ومن أمثلة ذلك:
¬
(¬1) في عمدة الرعاية ج2، ص162 - 163.
(¬2) في شرح معاني الآثار ج1، ص274، وفي رواية عنه مرفوعاً: «إذا قضى الإمامُ الصَّلاةَ فقَعَدَ وأحدث هو أو واحد ممّن أتمّ الصلاة معه قبل أن يسلم الإمام فقد تمّت صلاته». وفي لفظ: «إذا رفع المصلي رأسه من آخر صلاته ثم أحدث قبل أن يتشهد فقد تَمَّت صلاتُه»، وفي رواية: «قبل أن يُسَلِّم» في سنن الترمذي ج2، ص261، وسنن أبي داود ج1، ص167، وسنن البيهقي الكبرى ج2، ص199، وسنن الدارقطني ج2، ص217، وحسنه التهانوي في إعلاء السنن ج5، ص20.
الجزء 1 · صفحة 35
1 - عبارة المؤلف: يكره أن يُتوضّأ بسؤر الفرس.
ظاهر الرواية: أنه طاهر، وهو قول أبي يوسف ومحمد (¬1).
قال ابن عابدين (¬2): وهو ظاهر الرواية عن الإمام وهو قولهما، وكراهة لحمه عنده لاحترامه؛ لأنه آلة الجهاد لا لنجاسته، فلا يؤثر في كراهة سؤره. وقال في حلبي صغير ص57: به أخذ كل المتأخرين.
2 - عبارة المؤلف: خمسة أشياء سُنَّة في الصَّلاة عند الجلوس: أوّلُها: التَّشهُّد ...
ظاهر الرواية: أن التشهّد واجب سواء كان في القعدة الأولى أو في الأخيرة، ويسجد للسهو بتركه ولو قليلا؛ لأنه ذكر واحد منظوم، فترك بعضه كترك كله (¬3).
قال إبراهيم الحلبي (¬4): وهو ظاهر الرواية، وعليه المحققون؛ لمواظبته ? عليه من غير ترك.
3 - عبارة المؤلف: وقتُ الظُّهر من زوال الشَّمس إلى أن يكونَ ظلُّ كلّ شيء مِثلَه.
ظاهر الرواية: كون ظل كل شيء مثليه.
واختاره أصحاب المتون (¬5)، وقال السغناقي (¬6): إنها ظاهر الرواية عن أبي حنيفة. وقال الأتقاني (¬7): وبها أخذ أبو حنيفة وهو المشهور عنه، وفي الينابيع: وهو الصحيح.
المطلب الثاني: الاختيارات المخالفة للمعتمد:
ومن أمثلتها:
¬
(¬1) مشى عليه في تحفة الملوك ص23، والكنز ص143، والوقاية وشرحه ج2، ص79، والاختيار ج1، ص19، وملتقى الأبحر ج1، ص35، وصححه في بداية المبتدي ص6، ومجمع الأنهر ج1، ص35، والعناية ج1، ص117، والبدائع ج1، ص64، وتبعه في البحر ج1، ص134، وفتح القدير ج1، ص118 والنتف في الفتاوى ج1، ص11، والبناية ج1، ص496.
(¬2) في رد المحتار ج1، ص222.
(¬3) ينظر: الدر المختار ج1، ص466، ورد المحتار ج1، ص466.
(¬4) في حلبي كبير ص457.
(¬5) كالوقاية ج2، ص156، والكنز ص154، والمختار ج1، ص38، وتحفة الملوك ص56، والنقاية ج1، ص183، وغرر الأحكام ج1، ص51، وصححه صاحب البحر ج1، ص257 - 258.
(¬6) في النهاية ج2، ص152.
(¬7) في غاية البيان ج1، ص437.
الجزء 1 · صفحة 36
1 - عبارة المؤلف: في الطّهارة من الماء مُدّ، في الغُسل صاع، فلا ينبغي أن يُزاد عليه.
هذا ذكر في ظاهر الرواية (¬1).
المعتمد: عدم التقدير، قال الطحطاوي (¬2): اعلم إنه نقل غير واحد الإجماعَ على عدم التقدير في ماء الوضوء والغسل، بل هو بقدر الكفاية لاختلاف طباع الناس.
2 - عبارة المؤلف: عشرة أشياء تُصيب الثّوبَ أكثرَ من قَدرِ الدّرهم لا تَجوز فيه الصَّلاةُ: أوّلُها: ... بول ما لا يُؤكَل ...
المعتمد: التفريق، والعبرة بالضرورة، قال ابن عابدين (¬3): الحاصل أن ظاهر الرواية نجاسة الكل. لكن الضرورة متحققة في بول الهرة في غير المائعات كالثياب ... وأما بول الفأرة فالضرورة فيه غير متحققة، لكن تقدم في فصل البئر أن الأصح أنه لا ينجسه، وقد يقال: إن الضرورة في البئر متحققة، بخلاف الأواني؛ لأنها تخمر. وعفا الطحطاوي (¬4) بول الفأرة في غير الأواني كالثياب والطعام والبئر.
3 - عبارة المؤلف: لا تزور إلى بيت أبيها، ولا أحدا من أهلها إلا بإذنه ...
أي: للزَّوج أن يمنعَ والديها وولدها من غيرِه وأهلِها من الدُّخول عليها؛ لأنه منزله، فله أن يمنعَ مَن شاء، ولا يمنعهم من النظر إليها وكلامِها في أي وقتٍ اختاروا؛ لأنّ فيه قطيعة الرحم، وقطيعة الرحم حرام (¬5). وهذا هو ظاهر الرواية.
المعتمد: أنه لا يمنعها من الخروج إلى الوالدين، ولا يمنعهما من الدخول عليها في كلّ جمعة، وفي غيرهما من المحارم في كلّ عام (¬6).
¬
(¬1) كما في البدائع ج1، ص35.
(¬2) في حاشيته على المراقي ص81.
(¬3) في رد المحتار ج1، ص319.
(¬4) في حاشيته على الدر ج1، ص709.
(¬5) كما في خلاصة الدلائل ج3، ص269، وغيره.
(¬6) اختاره في التنوير ج3، ص602 - 603، وصححه في الهداية ج2، ص289، وغرر الأحكام ج1، ص416، والتبيين ج3، ص59، وقال: وقدَّرَه محمد بن مقاتل الرازي بشهر في المحارم. ينظر: فقه الترجيح المذهبي ص277.
الجزء 1 · صفحة 37
4 - عبارة المؤلف: وإذا لم يتحرّك منه - أي السقط - شيء، فلا يُغسل ...
وهذا في ظاهر الرواية.
المعتمد: أنه يغسل، واختاره المرغيناني (¬1)، والبابرتي (¬2)، ورجحه الكمال (¬3).
المطلب الثالث: الاختيارات المخالفة لأصول التطبيق:
أصول التطبيق: وهي قواعد الإفتاء المعروفة بعلم رسم المفتي، فهو علم يبحث في كيفية تطبيق الفقه في الواقع، وأصوله، وهي: الضرورة، والحاجة، ورفع الحرج، والتيسير، وتغير الزمان، والعرف، والمصلحة، وعامة الأحكام الفقهية متعلقة بهذه الأمور، فكان لها تأثيرها البالغ في اختلافها من مجتهد إلى مجتهد، بسبب اختلاف بيئة الفقهاء وعصورهم، فقد كان لذلك أثر كبير في اختلافهم في كثير من الأحكام والفروع، حتى إن الفقيه الواحد كان يرجع عن كثير من أقواله إلى أقوال أخر إذا تعرض لبيئة جديدة تخالف البيئة التي كان فيها (¬4).
ومن اختيارات المؤلف المخالفة لأصول التطبيق:
1 - المخالفة لفساد الزمان:
عبارة المؤلف: إذا أدخل فرجَه في فرجِها لا يَعزِل عنها إلا بإذنها؛ لأنّ ذلك حقّها.
القول المعتمد: هو ما قال ابن عابدين (¬5) من نصه: لكن في الخانية أنه يباح في زماننا لفساده، وفي الفتاوى: إن خاف من الولد السوء في الحرة يسعه العزل بغير رضاها؛ لفساد الزمان، فليعتبر مثله من الأعذار مسقطا لإذنها.
2 - المخالفة لدفع الحرج:
عبارة المؤلف: سَرقِين ما لا يُؤكَل لَحمُه، وسَرقِين ما يُؤكَل لَحمُه فيه خِلَافٌ بَينَ أصحابِنا.
القول المعتمد: نجاسة مخففة، وهو قول الصاحبين؛ لعموم البلوى. لكن لم يصرح المؤلف بالقول المعتمد هنا.
¬
(¬1) في الهداية ج1، ص91.
(¬2) في العناية ج2، ص130.
(¬3) في فتح القدير ج2، ص131، وغيره.
(¬4) كما في بغية السائل ج1، ص87.
(¬5) في رد المحتار ج3، ص176. وستأتي فوائد أخرى في باب في حقّ المرأة على الزّوج عشرة أشياء.
الجزء 1 · صفحة 38
وحاصل المسألة أنه لا خلاف في تغليظ غائط الآدمي ونجو الكلب ورجيع السباع، واختلفوا فيما عداه، فعندهما نجاسةٌ مخفَّفة؛ لاختلافِ العلماء فيها، وعنده مغلَّظة؛ لحديث ابن مسعود - رضي الله عنه -: «أنَّ النبي ? ألقى الرَّوثةَ، وقال: إنَّها رِكْس» (¬1)، ولم يُعارِضْه نصٌّ. وأن مالكا - رضي الله عنه - يقول: إن البعر والروث وخثي البقر طاهر. وقال ابن أبي ليلى: السرقين ليس بشيء، قليله وكثيره لا يمنع؛ لأن ذلك وقود أهل الحرمين ولو كان نجسا ما استعملوه كالعذرة، وبه يَثبُتُ التخفيفُ عندهما، وهو الأظهرُ لعموم البلوى لامتلاء الطرق (¬2).
3 - المخالفة للعرف:
عبارة المؤلف: يقول: بحقّ هذا القرآن - أي لا كفارة فيها -.
القول المعتمد: وجوب كفارة فيها؛ لعرف الناس عليها، فقال العينيُّ: وعندي: لو حلف بالمصحف أو وضع يده عليه، وقال: وحق هذا فهو يمين، ولا سيما في هذا الزمان الذي كثرت فيه الأيمان الفاجرة ورغبة العوام في الحلف بالمصحف، اهـ، وأقرّه عليه صاحب النهر (¬3).
4 - المخالفة للضرورة:
عبارة المؤلف: إذا بال يحفظ ثيابه من رشاشة بوله.
¬
(¬1) في صحيح البخاري ج1، ص43.
(¬2) ينظر: فتح باب العناية ج1، ص163، والعناية ج1، ص205، والبحر ج1، ص242، وغيرها.
(¬3) في النهر ج3، ص55، وقال ابنُ عابدين في رد المحتار ج3، ص713: وفيه نظر ظاهر؛ إذ المصحف ليس صفة لله تعالى حتى يعتبر فيه العرف، وإلاّ لكان الحلف بالنبيّ والكعبة يميناً؛ لأنه متعارف، وكذا بحياة رأسك ونحوه ولم يقل به أحد، على أنّ قولَ الحالف: وحَقّ الله ليس بيمين، وحَقّ المصحف مثله بالأولى، وكذا وحَقّ كلام الله؛ لأنّ حَقَّه تعظيمُه والعمل به وذلك صفةُ العبد، نعم لو قال: أُقسم بما في هذا المصحف من كلام الله تعالى ينبغي أن يكون يميناً.
الجزء 1 · صفحة 39
القول المعتمد: أنه لو انتضح البول مثل رؤوس الإبر على الثوب أو البدن، فمعفوٌ للضرورة، وإن امتلأ الثوب؛ لأنه لا يستطاع الامتناع عنه، فسقط حكمه (¬1).
المطلب الرابع: الاختيارات في ترجيح آراء المذهب بتأييدها بالآثار على المذاهب الأخرى:
قد ظهر في عصرنا هذا فكر جديد في الفقه، وشاع بين أهل الإسلام في المشرق والمغرب، واشتهر باسم: "الفقه المقارن" غاية الشهرة، وعرّفه شيخنا (¬2) بما هو علم يبحث في أقوال الفقهاء وأدلتها ومناقشتها والترجيح بينها من غير أرباب المذاهب وبدون اعتماد على أصولهم. وقال بعد هذا: وهذا يقتضي أن يكون المشتغل به غير معترف بفقهه عند أصحاب المذاهب؛ لأنه لم يسلك طريق أحدها في التفقه، ولا يسير على منهج صحيح في الترجيح؛ لخلوه عن أصول معتبرة مدونة، كما هو في أصول فقه المذاهب، وبالتالي جعلوا هذا الطريق ضربا من الهوى والتشهي.
وعلى التعريف هذا والبيان بعده فعرفنا أن الفقه المقارن لم يبن على منهج الفقهاء في علمي الاختلاف والخلاف، فلا يمكن أن نعتبره نوعا من فقه الاختلاف ولا من فقه الخلاف المعروفَين بأن يبيّن بهما قوة قول مذهب اعتمادا على أصوله، أو يرجحه وينقض قول مذهب آخر بناءً على قواعد مذهبه، أو غير ذلك من تأييد مذهب معيّن بالأدلة النقلية والعقلية ...
¬
(¬1) كما في المشكاة في أحكام الطهارة والصلاة ص157. ولذا ينبغي أن يحمل كلام المصنّف على الكثير، أو استحباب حفظ الثياب منه. والله اعلم.
(¬2) في المدخل المفصل إلى الفقه الحنفي ص436.
الجزء 1 · صفحة 40
وبالتالي خرجت المؤلفات الكثيرة على هذا الفكر الجديد، واختلطت آراء المذاهب الفقهية فيها، واختار أصحابها ما يشاؤون منها بناء على عقولهم، ورجّحوا بينها بما يحبونه من الأدلة من غير قدرة على استخراج الأصول والقواعد لأنفسهم حتى يبنوا ما عندهم عليها، ومن العجب كل العجب من هؤلاء أن اعتبروا كتابين عظيمين: «التجريد» للإمام القدوري (ت428هـ)، و «البناية شرح الهداية» للإمام البدر العيني (ت855هـ) على مذهب الحنفية في فقه الاختلاف، وغيرهما من الكتب على مذاهب أخرى من الكتب المؤلفة في الفقه المقارن، حاشاها من هذا! بل على منهج فقه المذاهب في الاختلاف، حيث تعرض الآراء المختلفة في مسألة ما مع أدلتها ثم تأييد ثم ترجيح مذهبهم بالأدلة فقط لا غير، وأين الفقه المقارن من هذه؟! وكيف هي منه؟! والله المستعان!
وبعد استعراض هذه الفروق بين السماء والأرض وبيانها فلا بدّ أن نبرئ كتابنا هذا في التحقيق من فكرية الفقه المقارن، لا سيما أنه ألّف على منهج فقهائنا، ولم يمسه شيء منها بسوئه، وبالتالي ذكر المؤلف فيه المسائل المختلفة عنها وإن لم يصرح بآراء المذاهب الأخر؛ لشهرتها، فأيّدها بالأدلة على مذهب سادتنا، وأحيانا يأتي بالمسألة ولا يستدل لها، لكن يفيد أنها خلافية، فيعرض القول المعتمد عندنا كالمسألة: رفع اليد ابتداء وعدمه في الوسط، كما فعل في بعض المتون، وعلى هذا نذكر عدة أمثلة من الجانبين هنا، منها:
المسالة الأولى: رفع اليدين للتكبيرة الأولى فقط:
عبارة المؤلف: إذا رفعت يديك للتّكبيرة الأُولى فلا ترفع يديك إلى آخِر الصَّلاة.
أي: لا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى عندنا، خلافا للشافعي - رحمه الله - في الركوع وفي الرفع منه (¬1).
المسألة الثانية: لا يقرأ المأموم خلف الإمام:
¬
(¬1) كما في الهداية ج1، ص52، ومختصر القدوري ص28، وخلاصة الدلائل ج1، ص139، ومختصر اختلاف العلماء ج1، ص199، وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 41
عبارة المؤلف: إذا قرأ الإمامُ فلا ينبغي أن يقرأ المأمومُ.
وهذا عندنا، وقال الشافعي - رضي الله عنه -: قراءة الفاتحة عليه فرض، وفي صلاة الجهر يستمع إلى الإمام، فإذا فرغ من قراءة الفاتحة شرع المؤتم في قراءتها (¬1).
المسألة الثالثة: كون الوتر ثلاث ركعات بتسليمة:
عبارة المؤلف: لا يكون الوِتر أقلّ من ثلاث رَكَعَاتٍ، ولا يُفصَّل بَينَهُنّ بالسَّلام.
وهذا قول أصحابنا، وقال الشافعي - رحمه الله -: إن أوتر بثلاث يوتر بتسليمتين، وبه قال مالك - رضي الله عنه - (¬2).
المسألة الرابعة: كون قراءة القنوت قبل الركوع:
عبارة المؤلف: قراءة القُنوت قَبلَ الرُّكوع، وليس بعدها.
وهذا عند أصحابنا، وقال الشافعي: القنوت بعد الركوع (¬3).
المسألة الخامسة: استحباب الإسفار بالفجر:
عبارة المؤلف: والأفضلُ في الفَجر أن يُصَلِّيَ بعد الإسفار، وهو أعظم أَجرًا؛ لقوله ?: «أَسفِرُوا بالفَجر؛ فإنّه أعظمُ للأَجر»، سيأتي تخريجه.
وهذا عندنا، وقال الشافعي - رضي الله عنه -: التغليس أفضل (¬4).
المسألة السادسة: كون اللحد سنة عندنا:
عبارة المؤلف: يُكرَهُ شَقُّ القبر، والسُّنّةُ اللَّحدُ؛ لقوله ?: «اللَّحدُ لنا، والشَقُّ لغيرنا»، سيأتي تخريجه.
وهذا قولنا، وعند الشافعي - رضي الله عنه -: الشق، واحتج أن توارث أهل المدينة الشق دون اللحد، وتوارثهم حجة (¬5).
المسألة السابعة: غسل الإناء الذي ولغ الكلب فيه ثلاث مرات:
عبارة المؤلف: وإن ولغ في الإناء فيغسل سبع مرّات، أوّلُهنّ بالتّراب، والفتوى على ثلاث مرّات بلا تراب يطهر.
¬
(¬1) كما في شرح مجمع البحرين ج2، ص54، وغيره.
(¬2) ينظر: الضياء المعنوي ج3، ص134، وغيره.
(¬3) كما في الضياء المعنوي ج3، ص135، وغيره.
(¬4) كما في التجريد ج1، ص436، وغيره.
(¬5) كما في البدائع ج1، ص318، وغيره.
الجزء 1 · صفحة 42
وهذا عند أصحابنا، وقال الشافعي - رضي الله عنه -: يغسل الإناء منه سبعا أولاهنّ بالتراب (¬1).
المبحث الرابع:
درجة الكتاب في الفقه
بناء على الدراسة في المباحث السابقة، لا سيما بعد استعراض اختيارات المؤلف الفقهية في الكتاب سواء كانت موافقة لقواعد المذهب أو مخالفة لها، أو سائرة على المنهج الصحيح أو لا، أو غير ذلك، فبات جليا أن المؤلف أتى في الأغلب بمسائل فقهية، وقليلا ما يذكر المسائل غير الفقهية، وأن كتابه هذا يعتبر من كتب الفقه بلا شكّ حينئذ، وبالتالي فهو من أيّ طبقة منها؟ وما حده في عده من طبقة ما؟ وكيف نستفيد منه في الأخير؟
الإجابة عن هذه التساؤلات في المطالب الآتية:
المطلب الأول: تقسيم طبقات كتب الفقه:
ههنا اعتمدنا على التقسيم الرائع المتين الذي ابتكره شيخنا (¬2)؛ لتيسير على الفرق بين الكتب بدقة، وتحقيق المطالعة المفيدة، لا على التقسيم القديم إلى معتمد وغير معتمد فحسب، فقسّم كتب الفقه إلى ثلاثة أضراب، ونذكرها باختصار كالآتي:
الأول: طبقة الكتب المعتمدة:
وهي التي تحتوي المسائل المعتمدة في المذهب، ويندر وجود غير المعتبر فيها.
* تمثل أُمهات كتب المذهب، ككتب ظاهر الرواية، وكتب المتون والشروح المشهورة.
* أسباب اعتبار الكتب:
1 - التزامُ ذكر القول المعتمد فيها إلا نادراً.
2 - خلوها من الرِّوايات الضّعيفة والمردودة والشّاذّة في المذهب.
3 - عدمُ مخالفتها لظاهر الرِّواية وأُصول المذهب.
4 - دلالة عباراتها على المقصود بدون إيهام وخلل إلا نادراً.
5 - رفعة مكانة مؤلفيها وعلوّ درجتهم في الاجتهاد والفقه.
6 - قَبول العلماء لها، وكثرة الاعتماد عليها، والاهتمام بها إفتاءً وتدريساً وشرحاً وتعليقا.
الثاني: طبقة الكتب المقبولة:
¬
(¬1) كما في مختصر اختلاف العلماء ج1، ص118، والتجريد ج1، ص269، وغيرهما.
(¬2) في طبقات كتب الفقهاء عند الحنفية ص37 - 58.
الجزء 1 · صفحة 43
وهي التي تحتوي المسائل المعتمدة في المذهب، ويكثر وجود غير المعتبرة فيها.
* تمثل أكثر كتب المذهب، كالمتون المتأخرة وعامة الشروح، وغيرها.
* أسباب نزول مرتبة الكتب من الاعتماد إلى القبول:
1 - عدم الاطلاع على حال مؤلّفه.
2 - الشكّ في نسبةِ الكتاب إلى المؤلف.
3 - الاختصار المخلّ بالفهم.
4 - الندرة والنفاد، وكثرةُ التحريفِ والتصحيفِ والأخطاءِ المطبعية.
5 - الاعتماد في التصحيح والترجيح على ظواهر الأحاديث.
الثالث: طبقة الكتب المردودة:
وهي تحتوي مسائل معتبرة، ويغلب وجود غير المعتبرة فيها.
* تشتمل على عدد كبير من الكتب، مثلا: «جامع الرموز»، و «شرح شرعة الإسلام»، «المجتبى شرح القدوري»، وغيرها.
* أسباب عدم اعتبار كتب هذه الطبقة:
1 - عدم تمييز المؤلف وتنقيده بين الصحيح والغلط وبين القول المردود والمقبول.
2 - جمع الروايات الضعيفة والمسائل الشاذة من الكتب غير المعتبرة.
3 - إعراض أجلّة العلماء وأئمة الفقهاء عن الكتاب.
4 - إن لم يكن الكتاب فقهياً؛ كالتصوف والأسرار والأدعية والتفسير والحديث.
المطلب الثاني: عدّ الكتاب من طبقة الكتب المقبولة:
وعلى التقسيم السابق وعرض أسباب الاعتبار وعدمه فظهر أن الكتاب بين يدينا لم يعرج إلى درجة الكتب المعتمدة، مع ذلك لم ينزل إلى درجة الكتب المردودة، وإنما يدخل في الوسط، فيعد من طبقة الكتب المقبولة؛ لصدق أسبابها في القبول عليه، كما لا يخفى في الأسباب التالية:
1 - خلوه من أسباب الاعتماد بتمامها تقريبا، خصوصا في حق عدم المخالقة للمذهب وظاهر الرواية، والمكانة الرفيعة، وكثرة الاعتماد عليه، وغير ذلك.
2 - انعدام أسباب عدم الاعتبار فيه، كعدم تمييز بين الصحيح والغلط؛ لأن جلّ المسائل فيه معتمدة، أو عدم كون الكتاب فقهيا؛ لأن أكثر المسائل فيه فقهية، وغير ذلك من الأسباب.
3 - اعتماده في التصحيح والترجيح على ظواهر النصوص أحيانا، كما سبق.
الجزء 1 · صفحة 44
4 - عدم شهرة حال المؤلف والكتاب عند أهل المذهب، وعزيزة خدمة العلماء للكتاب بشرحه وتعليمه وغير ذلك.
5 - وجود الاختصار في بعض العبارات المُخلّ بالفهم.
6 - شموله على شيء من الروايات والأحاديث والآثار الضعيفة، كما نعلق عليها بعدم الوقوف في صلب الكتاب.
المطلب الثالث: كيفية الاستفادة منه:
وعلى أن الكتاب من طبقة الكتب المقبولة فتكون الاستفادة منه كسائر الكتب في هذه الطبقة كالآتي:
1 - ينتفع به افتاءً وتدريساً وقضاء؛ لأنَّ عامة مسائلها معتمدة، وما يعارض من مسائلها ما هو أعلى منها من الكتب المعتمدة لا يؤخذ به، ويقدم غيره عليه.
2 - الأخذ منها للإفتاء يكون لأصحاب الملكة الفقهية القادرين على تمييز مسائلها، وإدراك بناء مسائل الأبواب، حتى لا يعتمد على غير المعتمد منها.
3 - إن كانت مختصرة اختصاراً مخلاً فيلزم مراجعة الشروح والحواشي والكتب الأخرى؛ لفهم مسائلها.
4 - لا يحتكم إليها فيما تضطرب إليه عبارات الفقهاء، وتختلف فيه أفهامهم، ولا تحقّق المسائل المشكلة منها؛ لدنو درجتها عن الطبقة السابقة، فمسائلها إجمالاً أقلّ اعتباراً (¬1).
* إمكان الاستفادة المختصة بالكتاب هذا بما يأتي:
1 - وضع دورة في الدروس بعد الكتب المختصرة، كـ «مقدمة الصلاة» للفناري، و «وسيلة الطلب» لملا أبي بكر، وغيرهما.
2 - اتخاذ مثله رسالة في التحقيق في بداية المحاولة على التأليف والتعليق.
3 - تطبيق الطالب منهج الفقهاء الصحيح في التأليف بأن يترجح بين أقوال المذهب، ويميز بين المعتمد وغيره، وبين ظاهر الرواية وغير الظاهر، وغير ذلك؛ لاختباره نفسه بهذه فيما درسه على شيخه المتمكن صاحب الملكة الفقهية.
المبحث الخامس:
مصادر المؤلف في الكتاب
¬
(¬1) ينظر: تفاصيل هذه في طبقات كتب الفقهاء عند الحنفية ص54 - 56.
الجزء 1 · صفحة 45
يعدّ الكتاب من الكتب المختصرات، كما لا يخفى هذا في اسمه: السبعيات، أي سبع فسبعا، فلم يذكر المصنف مصادر كثيرة إلا واحدا، وهو «الهداية» للمرغيناني (ت592هـ)، وعلى الرغم من قلة المصادر، إلا أن كتاب «الهداية» كتاب عظيم تداوله أيدي كبار العلماء، فليس بغير ممكن أن يكفي به في كتاب مختصر، وقد فعل أصحاب المتون هكذا، ومع ذلك لم يذكروا كتابا ما في المتون، فكان المصنف سار على مثل نهجهم، واقتصر على أمهات المسائل في الأبواب من غير زيادة عليها.
المبحث السادس:
توثيق الكتاب
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: توثيق اسم الكتاب
إنّ في اسم الكتاب اختلافا شديدا، فذكره حاجي خليفة (¬1)، وإسماعيل باشا البغدادي (¬2) بـ «السباعيات في الفروع»، وبـ «السبعيات في فقه الحنفية» في فهرس آل البيت (¬3)، وبـ «السبعات في العبادات» في خزانة التراث (¬4).
وكذلك الأمر في المخطوطات المعتمدة عليها هنا، ففي نسخة (أ): «السبعيات في الفقه»، وفي نسخة (ب): «السبعيات في الفقه على مذهب أبي حنيفة النعمان»، وذكر الناسخ ما قال حاجي خليفة من الاسم في نسخة (ج)، وفي نسخة (د): «المسبعات في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة»، ولم يصرح الناسخ بأي اسم في نسخة (هـ).
ثم اختار الباحث ما جاء به في نسخة (ب)؛ لأنه أكمل فائدةً وأكثر أداءً للمقصود، يعني أن هذا الكتاب صنّف على مذهب الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -.
المطلب الثاني: توثيق نسبة الكتاب لمؤلفه
فكما ذكروا أسماء مختلفة للكتاب فيما سبق من المصادر في المطلب الأول، كذلك نسبوا جميعا الكتاب للمؤلف وهو أبو الطيب الطرسوسي، فلا حاجة للإعادة.
نماذج من النسخ الخطية
الصفحة الأولى من نسخة (أ)
الصفحة الأخيرة من نسخة (أ)
الصفحة الأولى من نسخة (ب)
الصفحة الأخيرة من نسخة (ب)
الصفحة الأولى من نسخة (ج)
¬
(¬1) في كشف الظنون ج2، ص947.
(¬2) في هدية العارفين ج1، ص335.
(¬3) ج3، ص71.
(¬4) ج35، ص46.
الجزء 1 · صفحة 46
القسم الثالث:
النص المحقق
السَّبْعِيَّات في الفقه على مذهب أبي حنيفة النّعمان (¬1)
للشيخ
أبي الطيّب حمدان بن حمدويه الطَّرَسُوسيّ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد (¬2) لله ربّ العالمين والعاقبةُ للمتّقين، ولا عُدوَان إلا على الظّالمين، والصَّلاة والسّلامُ على سيّدنا محمّدٍ وآلِه وصَحْبِه أجمعين.
باب في فضل العلماء (¬3)
¬
(¬1) في أ: السبعيات في الفقه، وفي ج: السباعيات في الفروع، وفي د: المسبعات في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة.
(¬2) الحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري من إنعام أو غيره، والمدح هو الثناء باللسان على الجميل مطلقا، والشكر مقابلة النعمة بالقول أو الفعل أو الاعتقاد، فهو أعم منهما بحسب المورد وأخص بحسب المتعلق فبينه وبينهما عموم وخصوص من وجه، وما يقع في أوائل الكتب يكون في مقابلة النعمة غالبا. كما في درر الحكام ج1، ص4.
(¬3) أي علماء الدين والآخرة. ثم للعالم شروط ولوازم لا بُدَّ له من مراعاتها:
1 - أن لا يكون حريصا على الدنيا، وصحبة أربابها.
2 - أن لا يكون مسرعا إلى جواب الفتوى، بل يتأنّى فيه، ويحترز إن تحقق فيه أفتى، وإن شكّ فيه قال: لا أدري.
3 - أن يكون أكثر اهتمامه بعلم الباطن، ورياضة النفس، والمجاهدة، وتحصيل دقائق علم القلوب، والانقطاع إلى الله؛ ليقف على لطائف الحكم.
4 - أن يكون شديد العناية بتقوية اليقين، فإن اليقين هو رأس مال الدين.
5 - أن يكون حزينا منكسرا صموتا، فإن علماء الآخرة يعرفون بسيماهم في السكينة والذلة والتواضع، فإن ما يضاده من الكبر والعجب من آثار البطر، وهو صفة علماء الدنيا، وعلماء الآخرة عنه بمعزل.
6 - أن يكون اعتماده في علومه على بصيرة إدراكه بصفاء قلبه، لا على الصحف والكتب. كما في الجمع بين الفتوى والتقوى ص 120 - 124 باختصار.
الجزء 1 · صفحة 47
قال أبو الطّيّب: العلماءُ سبعة:
أوّلُها (¬1): رجل فقيه (¬2).
الثّاني: راوي الحديث.
الثّالث: مفسِّر القرآن.
الرّابع: رجل (¬3) يشرح الحِكمَةَ ويفسّرها ويميّز الظّاهرَ والباطنَ.
الخامس: رجل متكلِّم (¬4).
السّادس: رجل مذكِّر يَعظُ النّاس.
¬
(¬1) في د: الأول.
(¬2) الفقه: هو اسم علم من العلوم المدوّنة، وهو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. والفقيه من اتّصف بهذا العلم، وهو المجتهد. قال المحقّق التفتازاني في حاشية العضدي: ظاهر كلام القوم أنّه لا يتصوّر فقيه غير مجتهد ولا مجتهد غير فقيه على الإطلاق. نعم لو اشترط في الفقه التهيؤ لجميع الأحكام وجوّز في مسألة دون مسألة تحقّق مجتهد ليس بفقيه. وقد شاع إطلاق الفقيه على من يعلم الفنّ وإن لم يكن مجتهدا. انتهى. كما في كشف اصطلاحات الفنون والعلوم ج2، ص1282.
قال شيخنا في المدخل المفصل إلى الفقه الحنفي ص25 بعد التكلم عن تعريف الفقه: يكون الفقيه عند الأصوليين هو المجتهد؛ لأن الفقه في الأصول: علم الأحكام من دلالتها، فليس الفقيه إلا المجتهد عندهم، وإطلاقه على المفتي المقلد الحافظ للمسائل مجاز، لكن صرح الأصوليون بأنّ الحقيقة تترك بدلالة العادة، وحينئذ فينصرف كلام الواقف الموصي للفقهاء إلى ما هو المتعارف في زمنه؛ لأنه حقيقة كلامه العرفية، فتترك به الحقيقة الاصلية، ويكون حقيقة في عرف الفقهاء، وهو المفتي. وتكلموا في المقدار الأدنى الذي يجب أن يحفظه الشخص حتى يطلق عليه لقب: الفقيه، وانتهوا إلى أنّ هذا متروك للعرف، ونستطيع أن نقرّر أنّ عرفنا الآن لا يطلق لقب: الفقيه، إلا على من يعرف موطن الحكم من أبواب الفقه المتناثرة بحيث يسهل عليه الرجوع إليها.
(¬3) زائدة من هـ.
(¬4) أي في علم الكلام الذي يبحث في العقائد الدينية.
الجزء 1 · صفحة 48
السّابع: رجل يُحدّث (¬1) عن أخبار بني إسرائيل (¬2) والمبتلىَ (¬3) (¬4).
ففي كل واحد منهم فائدةٌ (¬5) ليست في الآخِر، فخُذْ من الفقيه الفقهَ وخذ (¬6) من راوي الحديث الإسنادَ، وخذ من المفسِّر التّفسيرَ (¬7) وخذ (¬8) من شارح الحِكمة الحِكمةَ، وخذ من المتكلِّم الحُجّةَ، وخذ من المذكِّر العِظةَ، وخذ من صاحب بني إسرائيل العِبرةَ، فإذا أخذتَ من كل واحد منهم (¬9) حظّا ينفعك الله به إن شاء الله تعالى.
باب فضل العِلم (¬10)
¬
(¬1) في أ: يخبر.
(¬2) قال الحصكفي في مسألة نقل أخبار بني إسرائيل: «حدثوا عن بني إسرائيل» يفيد حل سماع الأعاجيب والغرائب من كل ما لا يتيقن كذبه بقصد الفرجة لا الحجة بل وما يتيقن كذبه لكن بقصد ضرب الأمثال والمواعظ وتعليم نحو الشجاعة على ألسنة آدميين أو حيوانات ذكره ابن حجر. كما في الدر المختار ج6، ص404 - 405، لكن قال في رد المحتار ج6، ص405: وذلك كمقامات الحريري، فإن الظاهر أن الحكايات التي فيها عن الحارث بن همام والسروجي لا أصل لها، وإنما أتى بها على هذا السياق العجيب لما لا يخفى على من يطالعها، وهل يدخل في ذلك مثل قصة عنترة والملك الظاهر وغيرهما، لكن هذا الذي ذكره إنما هو عن أصول الشافعية، وأما عندنا فسيأتي في الفروع عن المجتبى أن القصص المكروه أن يحدث الناس بما ليس له أصل معروف من أحاديث الأولين أو يزيد أو ينقص ليزين به قصصه إلخ، فهل يقال عندنا بجوازه إذا قصد به ضرب الأمثال ونحوها؟ يحرر.
(¬3) ساقطة من ج، ود.
(¬4) أي: مصاب البلاء والشدة.
(¬5) ساقطة من ج.
(¬6) زائدة من ب.
(¬7) في ج، ود: اليقين.
(¬8) ساقطة من أ، وب.
(¬9) ساقطة من أ.
(¬10) في ب، وج، ود: في العلم.
الجزء 1 · صفحة 49
قال أبو الطّيّب: [العِلم له] (¬1) سبعة مَنافِع (¬2) في الدّنيا:
أوّلُها: أنّ العِلم دواء لكل قلب مريض.
الثّاني: «[ما عبد الله] (¬3) بشيء أفضلَ من الفقه في الدّين» (¬4).
الثّالث: أنّ العِلم زَين وشَرف للرّجل في كلّ مكان.
الرّابع: أنّ العِلم يَبلُغ به (¬5) العبدُ مَنازِلَ المُلوك.
الخامس: أنّ العِلم نَجاة من المَهالِك لصاحبه.
السّادس: أنّ العِلم نور للقلب (¬6) وقوّة للبَدَن (¬7) على الطّاعة.
السّابع: أنّ العِلم يُصلِح العملَ ويَدلّ إلى الحكمة.
باب في الخَلاء (¬8)
¬
(¬1) في ب، وج، ود: إن للعلم.
(¬2) ينبغي أن يقال: سبع منافع، وهو الذي يقتضيه كلام العرب؛ لأن تأنيث العدد من الثلاثة إلى العشر مخالف تأنيث سائر الأسماء، وللمؤنث بدون التاء، تقول: ثلاثة رجال وثلاث نسوة وعشرة رجال وعشر نسوة، لكن قوله: سبعة فعلى تأويل المنافع بمعنى الطوائل، وتأنيث المذكّر أو تذكير المؤنث يجوز بالتأويل: الأول كقوله:
سَائِلْ بَنِي أَسَدٍ ما هذه الصَّوتُ
أي: على تأويل الصوت بالصَّيحة.
والثاني كقوله:
فلا مُزنَةٌ ودَقَتْ وَدْقَها * ولا أرضَ أَبْقَلَ إبقالَها
أي: ولم يقل: أبقلت؛ لتأويل الأرض بالمكان. كما أوّلَ الأتقاني الفرائض بمعنى الفروض في غاية البيان ج1، ص547 - 548 عند شرح قول صاحب الهداية: فرائض الصلاة ستة، واستدل بهذين الشعرين.
(¬3) في أ: ما عند الله.
(¬4) عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال ?: «ما عُبد اللَّهُ بشيء أفضل من فقه في دين، ولفقيه أشدّ على الشيطان من ألف عابد، ولكلّ شيء عماد، وعماد هذا الدين الفقه» في المعجم الأوسط ج6، ص194، وسنن الدارقطني ج4، ص55، وغيرهما، قال الشوكاني في الفوائد المجموعة ج1، ص285: أسانيده ضعيفة، لكن يتقوى بعضها ببعض.
(¬5) ساقطة من أ.
(¬6) في أ، وب: القلب.
(¬7) في أ، وب: البدن.
(¬8) من هذا الباب إلى باب الآداب في الخلاء ساقطة من ج.
الجزء 1 · صفحة 50
[ ... ] (¬1) قال أبو الطّيّب: «نهى رسول الله ? أن يقضي (¬2) الرّجل حاجتَه في سبع مَواطِن» (¬3):
أوّلُها: بين المقابِر (¬4).
الثّاني: على طريق مسلوكٍ عامرٍ (¬5).
¬
(¬1) في أ، وب، وهـ بين القوسين: خمس وثلاثون مسألة.
(¬2) في النسخ كلها: لا يقضي، وغيّرها الباحث إلى يقضي.
(¬3) ما وقفت عليه بهذا اللفظ إلا أن روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال ?: «اتّقوا اللعّانينِ، قالوا: وما اللعّانان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلّى في طريق الناس، أو في ظلّهم» في صحيح مسلم ج1، ص226، وسنن أبي داود ج1، ص7، وغيرهما، وعن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - مرفوعا، قال رسول اللَّه ?: «اتّقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل» في سنن أبي داود ج1، ص7، وسنن ابن ماجه ج1، ص119، وغيرهما. حسنه النووي في خلاصة الأحكام ج1، ص154. وعن سراقة بن مالك بن جعشمٍ - رضي الله عنه -: «أنه كان إذا جاء من عند رسول اللَّه ? حدّث قومه وعلّمهم، فقال له رجل يوما، وهو كأنه يلعب: ما بقي لسراقة إلا أن يعلّمكم كيف التغوّط، فقال سراقة: إذا ذهبتم إلى الغائط فاتّقوا المجالس على الظّلّ والطّريق، خذوا النّبل، واستنشبوا على سوقكم، واستجمروا وترا» في المعجم الأوسط ج5، ص239، وإسناده حسن. كما في مجمع الزوائد ج1، ص204 - 205.
(¬4) لأن الميت يتأذى بما يتأذى به الحي، والظاهر أنها تحريمية؛ لأنهم نصوا على أن المرور في سكة حادثة فيها حرام، فهذا أولى. كما في رد المحتار ج1، ص343 نقلا عن الطحطاوي على الدر ج1، ص733.
(¬5) هي تحريمية؛ لأنها إحدى الملاعن، كما في الحديث. كما في الطحطاوي على الدر ج1، ص733.
الجزء 1 · صفحة 51
الثّالث: على حَافّة نهر (¬1) جاري (¬2).
¬
(¬1) أي: وإن لم تصل النجاسة إلى الماء؛ لعموم نهي النبي ? عن البراز في الموارد، ولما فيه من إيذاء المارين بالماء، وخوف وصولها إليه ... كما في رد المحتار ج1، ص343. وصرح بالتحريمية في الطحطاوي على الدر ج1، ص733.
(¬2) اختلف العلماء في كراهة البول والغائط في الماء:
الأول: أن يكره جاريا كان أو راكدا. مشى عليه في الفتاوى الهندية ج1، ص50، والمراقي ج1، ص27، والدرر والغرر ج1، ص49، ومجمع الأنهر ج1، ص67، وصحّحه في الدر المختار ج1، ص342.
والثاني: أنّ في الراكد تحريمية، وفي الجاري تنزيهية. عبّر في البحر ج1، ص92 بصيغة " ينبغي"، وظاهره أنه ترجيحه منه، ومشى عليه في الطحطاوي على المراقي ج1، ص53.
لكن قال في رد المحتار ج1، ص343: ينبغي أن يستثنى من ذلك ما إذا كان في سفينة في البحر، فلا يكره له البول والتغوط فيه للضرورة ومثله بيوت الخلاء في دمشق ونحوها فإن ماءها يجري دائما، ولم يبلغنا عن أحد من السلف منع قضاء الحاجة بها، ولعل وجهه أن الماء الجاري بها بعد نزوله من الجرن إلى الأسفل لم تبق له حرمة الماء الجاري لقرب اتصاله بالنجاسة فلا تظهر فيه العلة المارة للكراهة؛ لأنه لم يبق معدا للانتفاع به نعم ذكر سيدي عبد الغني في شرح الطريقة المحمدية أنه يظهر المنع من اتخاذ بيوت الخلاء فوق الأنهار الطاهرة، وكذا إجراء مياه الكنف إليها بخلاف إجرائها إلى النهر الذي هو مجمع المياه النجسة، وهو المسمى بالمالح. والله تعالى أعلم.
الجزء 1 · صفحة 52
الرّابع: تحت شجرة مُثمّرة (¬1).
الخامس: بين الزّرع.
السّادس: بين رَحْبة المسجد (¬2).
السّابع: في ساحة [خان السّبيل] (¬3)؛ لأنه جاء في الحديث عن رسول الله ? أنه قال: «اتقُوا المَلاعِن وأعدّوا النَّبَل» (¬4)، [النَّبَلُ حَجَرُ الاستنجاء] (¬5) (¬6).
باب آخر في النّهي (¬7)
قال أبو الطّيّب: «نهى رسول الله ? عن سبعة أشياء عند البول والغائط» (¬8):
¬
(¬1) لإتلاف الثمر، ولأنه ظل منتفع به إذا كان يستظلّ به. كما في الطحطاوي على المراقي ج1، ص53 - 54. قال في رد المحتار ج1، ص343: والمتبادر أن المراد وقت الثمرة، ويلحق به ما قبله بحيث لا يأمن زوال النجاسة بمطر أو نحوه، كجفاف أرض من بول. ويدخل فيه الثمر المأكول وغيره ولو مشموما لاحترام الكل والانتفاع به، ولذا قال في الغزنوية: ولا على خضرة ينتفع الناس بها.
(¬2) أي جنب المسجد. وزاد البعض: مصلى العيد. ينظر: الفتاوى الهندية ج1، ص50، والبحر ج1، ص256، وغيرهما.
(¬3) في د: جفاف النيل، في ب: خان المسيل.
(¬4) رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن الشعبي مرسلا، ورواه أبو عبيد من وجه آخر عن الشعبي عن مَن سمع النبي ?، وإسناده ضعيف، ورواه ابن أبي حاتم في العلل من حديث سراقة مرفوعا، وصحّح أبوه وقفه. كما في التلخيص الحبير ج1، ص190.
(¬5) ساقطة من د.
(¬6) قال الخطّابي: النبل بضمّ النون وفتحها، وأكثر الرواة يروونها بالفتح والضمّ أجود وهي الأحجار الصغار التي يستنجى بها. كما في التلخيص الحبير ج1، ص190.
(¬7) في ب: نهي الخلاء، وفي د: الخلاء.
(¬8) ما وقفت أنا على الحديث الشامل لهذه كلها، لكن في بعضها، سيأتي إن شاء الله.
الجزء 1 · صفحة 53
أوّلُها: لا يَستقبل القِبلةَ (¬1) ولا يَستدبرها (¬2).
¬
(¬1) فعن أبي أيوب - رضي الله عنه -، قال ?: «إذا أتيتم الغائط، فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرّقوا أو غرّبوا» في صحيح مسلم ج1، ص224، وغيره. ولأن فيه ترك تعظيم الكعبة. كما في مقدمة اللكنوي على الجامع الصغير ج1، ص82.
أمّا استقبال القبلة للتطهير، فاختار التمرتاشي عدم الكراهة، كما في البحر ج1، ص256، وأيضا اختاره الحصكفي في الدر المختار ج1، ص341، وقيّده بكراهة تحريم ابنُ عابدين في رد المحتار ج1، ص341، ووجّهه بما في المنية أن تركه أدب، ولما مرّ في الغُسل أن من آدابه أن لا يستقبل القبلة؛ لأنه يكون غالبا مع كشف العورة، حتى لو كانت مستورة لا بأس به. ومشى عليه في الطحطاوي على المراقي ص52. وقال شيخنا في منة الفتاح ج1، ص317: لكن في حلبي صغير ج1، ص12: استقبالها واستدبارها حالة الاستنجاء ترك أدب ومكروه كراهة تنزيه، كما في مدّ الرِّجل إليها. انتهى. فالظاهر أنه صحّح التنزيهية.
(¬2) أي في البيوت والصحارى. كما في الاختيار ج1، ص37.
أمّا في الاستدبار روايتان:
أولا: لا يكره؛ لأن المستدبر فرجه غير مواز للقبلة، وما ينحط منه ينحط إلى الأرض بخلاف المستقبل لأن فرجه مواز لها، وما ينحط منه ينحط إليها. كما في الهداية ج1، ص65، وصححه. ومشى عليه في البدائع ج5، ص126 وغيره.
ثانيا: يكره؛ لما فيه من ترك التعظيم. مشى عليه عامة المتون، كالمختار ج1، ص37، والوقاية ج1، ص102، والكنز ص 175، وملتقى الابحر ص11، وتنوير الأبصار ج1، ص341، وصحّحه في التبيين ج1، ص167، والبحر ج2، ص36، واتبعه في مجمع الأنهر ج1، ص67، وكذا في النهر ج1، ص288، ونور الإيضاح وشرحه ص 27، والبناية ج2، ص467، والنتف في الفتاوى ج2، ص809، ومشى عليه في الدرر والغرر ج1، ص49، والدر المختار ج1، ص655، وصححه في رد المختار ج1، ص341، وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 54
الثّاني: لا يَستقبل (¬1) الشّمس ولا القمر (¬2) (¬3).
الثّالث: لا يتكلّم في (¬4) الخَلاء (¬5).
الرّابع: لا يَبزُق على ما يخرج منه.
الخامس: لا يَمتخِط، يعني: على النّجاسة.
السّادس: لا يَنظر إلى فرجه.
السّابع: لا يَنظر إلى ما يخرج منه من الأذى.
باب الاستنجاء
¬
(¬1) ساقطة من د.
(¬2) لأنهما آيتان عظيمتان؛ فعن أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه -، قال ?: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ... » في صحيح مسلم ج2، ص628، وسنن النسائي ج3، ص126، وغيرهما. ينظر: المراقي ص27، وغيره.
(¬3) قال في الطحطاوي على المراقي ص52: وإطلاق الكراهة يقتضي التحريم، وقيّد بالعين إشارة إلى أنه لو كان في مكان مستور ولم تكن عينهما بمرأى منه لا يكره، بخلاف القبلة، وعليه نصّ العلامة جبريل في شرح مقدمة أبي الليث. وذكرُه الاستقبال يفيد أنه لا يكره استدبارهما. اهـ. لكن اختار التنزيهية شيخنا في منة الفتاح ج1، ص319 نقلا عمّا في رد المحتار ج1، ص342 من نصّه: والظاهر أن الكراهة هنا تنزيهية ما لم يرد نهي.
وهل الكراهة هنا في الصحراء والبنيان كما في القبلة، أم في الصحراء فقط؟ وهل استقبال القمر نهارا كذلك؟
قال ابن عابدين في رد المحتار ج1، ص342: لم أره. والذي يظهر أن المراد استقبال عينهما مطلقا لا جهتهما ولا ضوئهما، وأنه لو كان ساتر يمنع عن العين ولو سحابا فلا كراهة، وأن الكراهة إذا لم يكونا في كبد السماء وإلا فلا استقبال للعين، ولم أره أيضا فليحرر نقلا. ثم رأيت في نور الإيضاح قال: واستقبال عين الشمس والقمر.
(¬4) في د، وهـ: على.
(¬5) فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، قال ?: «لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفان عورتهما يتحدثان، فإنّ اللّه يمقت على ذلك» في سنن أبي داود ج1، ص4، والمستدرك ج1، ص260، وصحيح ابن خزيمة ج1، ص39، وصحّحاه، وغيرها. وبه استدل في الدرر والغرر ج1، ص49، وغيره.
الجزء 1 · صفحة 55
قال أبو الطّيّب: لا يستنجي الرّجل بسبعة أشياء:
أوّلُها: بالعُود، [يعني: بالحطب] (¬1).
الثّاني: بالخَزَف.
الثّالث: بالزُّجاجة.
الرّابع: بالعَظم (¬2).
الخامس: بالقَرن (¬3)، [يعني قرون البقر والغنم] (¬4).
السّادس: بالرَّوث (¬5).
السّابع: بالرّجيع (¬6).
باب الآداب في الخَلاء
قال أبو الطّيّب: سبعة من الآداب في دخول الخَلاء (¬7):
¬
(¬1) ساقطة من أ.
(¬2) فعن سلمان - رضي الله عنه -: «قيل له: لقد علّمكم نبيُّكم كل شيء حتى الخراءة؟ قال: أجل، لقد نهانا ? أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، وأن لا نستنجي باليمين، وأن لا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، أو نستنجي برجيع أو عظم» في صحيح مسلم ج1، ص223، وسنن أبي داود ج1، ص3، وغيرهما. وفي لفظ: «ونهى عن الروث والعظام» في صحيح مسلم ج1، ص224، وغيره. ينظر: نصب الراية ج1، ص167 - 168، وغيره.
(¬3) في ب، ود: بالقرون.
(¬4) ساقطة من ب، ود.
(¬5) الروث: هو السرجين للفرس وَالحمار، وَما دام في الكرش. كذا في الكليات ص481. قال في رد المحتار ج1، ص221: الروث: للفرس والبغل والحمار، والخنثى بكسر فسكون: للبقر والفيل، والبعر للإبل والغنم، والخرء للطيور، والنجو للكلب، والعذرة للإنسان.
(¬6) الرجيع: الروث، وذو البطن، والنجو؛ لأنه رجع عن حالته التي كان عليها، وقد أرجع الرجل، وهذا رجيع السبع ورجعه، أي نجوه. كذا في تاج العروس ج21، ص72.
(¬7) في مقدمة أبي الليث ص33 - 35، وغيره: المستنجي يحتاج عند الدخول والخروج من الخلاء إلى ستة أشياء:
أولها: البداية برجله اليسرى.
والثاني: الاستعاذة بالله تعالى، وهو أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث من الشيطان الرجيم.
والثالث: الاستنجاء بثلاثة أحجار، أو بثلاثة مدرات، أو بثلاثة حفنات من التراب، فيزيد على ذلك إذا احتاج.
والرابع: الخروج برجله اليمنى.
والخامس: الشكر لله تعالى: وهو أن يقول: الحمدُ لله الذي أذهب عنّي ما يؤذيني، وأمسك عليّ ما ينفعني.
والسادس: أن لا يتكلم في الخلاء.
الجزء 1 · صفحة 56
أوّلُها: إذا أراد الدّخولَ يبدأ برِجله اليُسرى.
الثّاني: يَجمع ثيابَه ويجعلها تحت اِبطِه.
الثّالث: يَنصب رِجلَه اليمنى ويعتمد على اليسرى (¬1).
الرّابع: يَضع يدَه تحت فخذِه اليسرى (¬2).
الخامس: لا يتنفّس كثيرًا على الخَلاء.
السّادس: يَستنجي بيدِه اليُسرى (¬3).
السّابع: إذا خرج يبدأ برِجلِه اليُمنى.
باب النّهي عن البول في سبعة مَواضِع
قال أبو الطّيّب: «نهى رسول الله ? أن (¬4) يبول (¬5) الإنسان (¬6) في سبعة مَواضِع» (¬7):
¬
(¬1) يعني: يجلس معتمدا على يساره؛ لأنه أسهل لخروج الخارج، ويوسع فيما بين رجليه. كما في المراقي ص317، وغيره.
(¬2) ساقطة من ج، ود.
(¬3) لما روي من النهى عن الاستنجاء باليمين، كما سبق الحديث عند العظم. إلا أنه باليسرى عذر، فحينئذ لا يكره باليمنى، وإذا حصل عذر باليمنى سقط الاستنجاء. ينظر: الطحطاوي على المراقي ص50، وغيره.
(¬4) ساقطة من أ.
(¬5) في النسخ كلها: لا يبول، وبدلها الباحث بـ (يبول).
(¬6) في ب، وج، ود: الرجل.
(¬7) ما وقفت أنا على الحديث الشامل لهذه كلها، لكن في كل واحد بانفراد، سيأتي إن شاء الله.
الجزء 1 · صفحة 57
أوّلُها: لا يبول في مُغتَسله (¬1) (¬2).
الثّاني: لا يبول في الماء الرّاكد (¬3).
الثّالث: في جُحر من الجِحَرة (¬4) (¬5).
¬
(¬1) في ج: في شق، وفي د: صحن بيته.
(¬2) فعن عبد الله بن مغفل - رضي الله عنه -، قال ?: «لا يبولنّ أحدكم في مستحمِّه؛ فإنّ عامة الوسواس منه» في سنن النسائي ج1، ص34، وسنن ابي داود ج1، ص7، وسنن ابن ماجه ج1، ص111، وغيرها، حديث صحيح. كما في إعلاء السنن ج1، ص448. قال ابن ملك: لأن ذلك الموضع يصير نجسا فيقع في قلبه وسوسة بأنه هل أصابه منه رشاش أم لا. حتى لو كان بحيث لا يعود منه رشاش، أو كان فيه منفذ بحيث لا يثبت فيه شيء من البول، لم يكره البول فيه؛ إذ لا يجره إلى الوسوسة حينئذ؛ لأمنه من عود الرشاش إليه في الأول، ولطهر أرضه في الثاني بأدنى ماء طهور يمر عليها. كما في الطحطاوي على المراقي ص54، وإلى هذا أشار ابن عابدين أيضا في رد المحتار ج1، ص344.
(¬3) قد سبق حكمه عند التعليق على مسألة الماء الجاري؛ لما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال ?: «لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه» في صحيح البخاري ج1، ص57، وصحيح مسلم ج1، ص235، وغيرهما.
(¬4) في ب، وج: حجرة من الحجرة، وفي أ، وهـ: حجر من الحجرة.
(¬5) الجُحر بالضم: كل شيء يحتفره الهوامّ والسباع لأنفسها. كما في القاموس المحيط ص362. فعن عبد الله بن سرجس: قال ?: «لا يبولن أحدكم في جحر، قيل لقتادة: وما يكره من البول في الجحر؟ قال: يقال: إنها مساكن الجن» في سنن أبي داود ج1، ص8، وسنن النسائي ج1، ص33، ومسند أحمد ج34، ص272، وغيرها. صححه ابن خزيمة وابن السكن. كما في إعلاء السنن ج1، ص447.
الجزء 1 · صفحة 58
الرّابع: في الإناء الذي يأكل فيه، ويشرب منه (¬1).
الخامس: أن لا يبول وهو قائم (¬2).
وأما (¬3) الذي روي أن النبيّ ? بال قائما (¬4) كان لعذر (¬5) [أو تشريعا للأمة] (¬6).
¬
(¬1) فعن عبد اللّه بن يزيد قال ?: «لا ينقع بول في طَست في البيت، فإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه بول ينقع، ولا تبولنّ في مغتسلك» في المعجم الأوسط ج2، ص312، وغيره. وإسناده حسن. كما في مجمع الزوائد ج1، ص204.
(¬2) وهي كراهة تنزيه لا تحريم؛ فعن عائشة - رضي الله عنه -: «من حدّثكم أن النبي ? كان يبول قائما، فلا تصدّقوه، ما كان يبول إلا قاعدا» في سنن الترمذي ج1، ص17، وسنن النسائي ج1، ص26، وغيرهما، وإسناده جيد، وقد روي في النهي أحاديث لا تثبت، ولكن حديث عائشة ثابت. كما في شرح النووي على مسلم ج3، ص166. ينظر: رد المحتار ج1، ص344، وصرح أيضا بتنزيه في البناية ج1، ص171، وغيره.
(¬3) اعلم أنه من عادات المصنف أن لا يذكر "الفاء" في جواب "أما" أحيانا، كما هو دأب صاحب الهداية؛ اعتمادا على ظهور المعنى. ينظر: مقدمة اللكنوي على شرحه على الهداية ج1، ص15.
(¬4) فعن حذيفة - رضي الله عنه -: «أتى النبي ? سباطة قوم فبال قائما، ثم دعا بماء فجئته بماء فتوضأ» في صحيح البخاري ج1، ص54، وصحيح مسلم ج1، ص228، وغيرهما.
(¬5) ذكر القاضي عياض أنه لعله طال عليه مجلس حتى حفزه البول فلم يمكنه التباعد. أو لما روي أنه ? بال قائما لجرح بمأبضه - بهمزة ساكنة بعد الميم وباء موحدة، وهو باطن الركبة -، أو لوجع كان بصلبه والعرب كانت تستشفي به، أو لكونه لم يجد مكانا للقعود، أو فعله بيانا للجواز. وتمامه في الضياء. كما في رد المحتار ج1، ص344.
(¬6) ساقطة من أ، وب، وج.
الجزء 1 · صفحة 59
السّادس: أن لا يبول وهو مُستقبِل الرِّيح (¬1) (¬2).
السّابع: إذا بال يحفظ ثيابه من رشاشة بوله (¬3)؛ لأن النبيّ ? قال: «عذاب القبر ثلاث أثلاثٍ (¬4): ثُلُث من البَول وثلث من الغِيبة وثلث من النَّمِيمة» (¬5).
باب المياه (¬6)
¬
(¬1) في ج، ود: القِبلة.
(¬2) أي: لئلا يصيبه رشاش بوله. كما في الدرر والغرر ج1، ص49، وغيره. فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال ?: «إذا خرج أحدكم لغائط أو بول، فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها، ولا يستقبل الريح» في شرح معاني الآثار ج4، ص233، وروى مثلَه بطريق عائشة - رضي الله عنه - في سنن الدارقطني ج1، ص89، وبطريق خلّاد عن أبيه في الكنى والأسماء ج1، ص75، وإسناده ضعيف. كما في التلخيص الحبير ج1، ص189.
(¬3) لكن لو انتضح البول مثل رؤوس الإبر على الثوب أو البدن، فمعفوٌ للضرورة، وإن امتلأ الثوب؛ لأنه لا يستطاع الامتناع عنه، فسقط حكمه. كما في المشكاة في أحكام الطهارة والصلاة ص157. ولذا ينبغي أن يحمل كلام المصنّف على الكثير، أو استحباب حفظ الثياب منه. والله اعلم.
(¬4) ساقطة من ج، ود.
(¬5) فعن قتادة - رضي الله عنه -: «عذاب القبر ثلاثة أثلاث: ثلث من الغِيبة، وثلث من النميمة، وثلث من البول» في إثبات عذاب القبر للبيهقي ج1، ص136، وغيره. قال السفاريني في البحور الزاخرة ج1، ص236: خرّجه الخلال موقوفًا على قتادة، قال الحافظ ابن رجب: وهو أصح. اهـ. وفي لفظ: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: «مر رسول الله ? برجل يعذب في قبره من الغيبة وبرجل يعذب في قبره من البول وبرجل يعذب في قبره من النميمة» في شعب الإيمان ج13، ص439.
(¬6) تكون المياه على خمسة أقسام:
الأول: طاهر مطهّر غير مكروه، وهو الماء المطلق الذي لم يخالطه ما يصير به مقيّدا، فإنه ما يجوز الوضوء بها، كماء السماء، أو المطر، أو البحر، أو البئر وغيرها.
والثاني: طاهر مطهّر مكروه، وهو ما شرب منه الهرة، سيأتي تفصيله في باب المياه التي يكره الوضوء بها إن شاء الله.
والثالث: طاهر غير مطهّر، وهو ما استعمل لرفع حدث، أو لقربة، أو ماء زال طبعه بالطبخ، أو بغلبة غيره عليه، وسياتي ضابط الغلبة إن شاء الله، وغير ذلك، وهذا ما لا يجوز الوضوء بها.
والرابع: ماء نجس، وهو الذي وقعت فيه نجاسة، فلا يجوز الوضوء به أيضا.
والخامس: ماء مشكوك في طَهوريته، وهو ما شرب منه حمار أو بغل، وهذا ما يجمع الوضوء مع التيمم. ينظر: المراقي ص272 - 285، وتحفة الملوك ص20، وغيرهما.
الجزء 1 · صفحة 60
التي لا يجوز أن يُتوضأ منها (¬1)
قال أبو الطّيّب: سبعة من المياه لا يجوز الوضوء بها:
أوّلُها: لا يجوز بالماء الذي قد تغيّر لونه، أو طَعْمه، أو ريحه بشيء خالطه وهو نجس، حتّى لو اختلط [ ... ] (¬2) بشيء طاهر، ولم يزل عنه اسم الماء، يجوز الوضوء به، مثل أن يكون قد تغيّر أحد أوصافه بشيء، مثل الصّابون والزَّعفَران والأُشنان (¬3)، وكماء المَدّ (¬4) (¬5)؛ لأنه ماء طاهر [خالطه طاهر] (¬6)، ولم يزل عنه اسم الماء فصار كماء (¬7) خالطه الطّين والورق ونحوهما (¬8).
¬
(¬1) زائدة في أ، وب: سبعة.
(¬2) زائدة هنا في ب، وج، ود: به.
(¬3) الأُشنان: شجر من الفصيلة الرمرامية، ينبت في الأرض الرملية، يستعمل هو أو رماده فِي غسل الثياب والأيدي. كما في المعجم الوسيط ج1، ص19، وغيره.
(¬4) في ج، ود: الورد.
(¬5) ماء المد: هو ماء السيل. ينظر: المغرب في ترتيب المعرب ج2، ص261.
(¬6) ساقطة من أ.
(¬7) في ب، وج: كما لو.
(¬8) هناك ضابط الغلبة وتغير الاسم:
فأما تغير الاسم فما لم يزل اسم الماء المطلق عن الماء جاز الوضوء به، فإن اختلط معه ما غيّر اسمه بحيث أصبح عصيرا أو شايا أو غيره لم يجز الوضوء والغسل منه.
وأما ضابط الغلبة، فله وجهان:
الأول: إن خالط الماء الجامداتُ الطاهرات بإخراجه عن رقته وسيلانه على الصحيح.
ورقته: بأنه لا ينعصر عن الثوب.
وسيلانه: بأن لا يسيل على الأعضاء سيلان الماء.
أما إذا بقي على رقته وسيلانه فإنه لا يمنع جواز الوضوء به تغير أوصافه كله بجامد خالطه بدون طبخ، كزعفران وصابون وأشنان وفاكهة وورق شجر.
والثاني: إن خالط الماء المائعاتُ، وله أربع حالات:
1 - إن ظهر وصف واحد من مائع له وصف واحد، فإنه لا يجوز الوضوء به، والقرع، والبطّيخ، فإن ماءها لا يخالف إلا في الطعم، وكذلك ماء الورد، فإنه لا يخالف إلا في الريح.
2 - إن ظهر وصف واحد، كلون أو طعم من مائع له وصفان: كاللبن فيه وصفان اللون والطعم ولا رائحة له، فإن لم ينتقل أحد الوصفين إلى الماء جاز الوضوء به، وإن وجد أحدهما لم يجز.
3 - إن ظهر وصفان من مائع له أوصاف ثلاثة، كالخلّ له لون وطعم وريح، فأي وصفان منها ظهرا منعا صحة الوضوء، والواحد منها لا يضر لقلّته.
4 - إن غلب الوزن من مائع لا وصف له يخالف الماء بلون أو طعم أو رائحة، كماء المستعمل، فإنه بالاستعمال لم يتغير له طعم ولا لون ولا ريح، وهو طاهر كما سبق، وأيضا ماء الورد المنقطع الرائحة، فإن اختلط لتران من الماء المستعمل بلتر من الماء المطلق لم يجز الوضوء به، وإن استويا في الوزن حكمه حكم المغلوب احتياطا. ينظر: بغية السائل على الخلاصة ج1، ص196 - 197، والمراقي ص276 - 279، وغيرهما.
الجزء 1 · صفحة 61
الثّاني: بماء (¬1) في جَرّة أو جُبّ (¬2) وقعت فيه قطرة من دم (¬3) أو خمر أو بول أو سرقين (¬4).
الثّالث: بسُؤر الكلب (¬5).
¬
(¬1) في أ، ود: بما.
(¬2) الجُبّ: البئر التي لم تُطْوَ، والجمع أجباب، وجباب، وجَبَبَة. كما في شمس العلوم ج2، ص929، ومعجم ديوان الأدب ج3، ص17، وغيرهما.
(¬3) في أ: كرم.
(¬4) والنجاسة إذا وقعت في الماء القليل الذي دون عشرة في عشرة، نجّسته، ظهر لها أثر أو لا، وسواء وقعت في بئر أو إناء، قليلةً كانت النجاسة كقطرة دم أو خمر، أو كثيرةً. أما إذا وقعت النجاسة في الكثير الذي قدر بعشر في عشر، أو كان جارياً، وهو ما يُعد جارياً، وقيل: ما يذهب بتبنة، فانه لا تضره النجاسة، إلا إذا وجد لها طعم أو لون أو ريح. كما في الدرة المنيفة ص13.
(¬5) نجاسة سؤر الكلب نجاسة مغلظة اتفاقا كالخنزير. ينظر: الطحطاوي على المراقي ص30، والمشكاة في أحكام الطهارة والصلاة ص142، وغيرهما.
ثم اختلف العلماء في نجاسة عينه:
الأول: نجاسة العين، قال في الدراية: ثمّ الصحيح من المذهب عندنا أنّ عين الكلب نجس، إليه أشار محمد في الكتاب. كما في حاشية الشلبي ج1، ص30. وصححه في المبسوط ج1، ص48، وغيره.
الثاني: طهارة العين، صرح به في الهداية ج1، ص23، وصححه في البدائع ج1، ص63، والبناية ج1، ص473، والطحطاوي على المراقي ص30، واستدل له بكثرة الأدلة في البحر ج1، ص108 - 109، وقال في التبيين ج1، ص30: والصّحيح أنّه لا يفسد ما لم يدخل فاه؛ لأنّه ليس بنجس العين لجواز الانتفاع به حراسةً واصْطيادًا وَإجارةً وَبيعًا. وتبعه في الشرنبلالية ج1، ص27، وغيرها. وصرح في منح الغفار ج1، ص281 بأن هذا قول أبي حنيفة، وعندهما: نجس العين.
الجزء 1 · صفحة 62
الرّابع: بالماء المستعمل (¬1) إذا استُعمِل على وجه القُربة (¬2).
¬
(¬1) الماء المستعمل: غير طهور بالاتفاق إلا عند زفر - رضي الله عنه -. كما في مقدمة اللكنوي على الجامع الصغير ج1، ص75. وقال في البدائع ج1، ص66: ذكر في ظاهر الرواية أنه لا يجوز التوضؤ به.
فاختلفوا في طهارته على أقوال:
الأولى: عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -: هو نجسٌ نجاسةً غليظة.
والثانية: عند أبي يوسفَ - رضي الله عنه -: هو نجسٌ نجاسةً خفيفة.
والثالثة: عند محمد - رضي الله عنه -: هو طاهرٌ غيرُ طهور. ينظر: شرح الوقاية ج2، ص73. اختاره في ملتقى الأبحر ص4، والبدائع ج1، ص69، وقال: وهو اختيار المحققين من مشايخنا بما وراء النهر. وصححه في غرر الأحكام ج1، ص24، والتصحيح ص145، وفي الدرر والغرر ج1، ص24، والمحيط ج1، ص119: وعليه الفتوى، وقال في الاختيار ج1، ص16: وهو اختيار أكثر المشايخ. وفي الطحطاوي على المراقي ص13: وقال مشايخ العراق: لم يثبت في ذلك اختلاف أصلا، بل هو طاهر غير طهور عند أصحابنا جميعا. قال شيخ الإسلام في شرح الجامع الصغير: وهو المختار عندنا، وهو المذكور في عامة كتب محمد عن أصحابنا، واختاره المحققون من مشايخ ما وراء النهر. وقال في المجتبى: وقد صحت الروايات عن الكل: أنه طاهر غير طهور إلا الحسن، وروايته شاذة غير مأخوذ بها. كما في مجمع الأنهر. وفي فتح باب العناية ج1، ص76: وهو ظاهر الرواية، وعليها الفتوى. وقال في منحة السلوك ص40: وهو الصحيح وعليه الفتوى. وكذلك صحّحه أصحاب الفتاوى الكبرى، مثل ما في الفتاوى الهندية ج1، ص22: وعليه الفتوى. كذا في المحيط. وقال في البزازية ج1، ص8: والصحيح أن الإمام مع محمد في طهارة المستعمل، والفتوى عليه.
(¬2) هذا عند محمد - رضي الله عنه -.
والثاني: عند زفر - رضي الله عنه -: إزالة الحدث.
والثالث: عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رضي الله عنهما -: إزالة الحدث أو قصد القربة. عليه عامة المتون والشروح الكبرى، كمختصر القدوري ص13، وبداية المبتدي ج1، ص23، والوقاية ج2، ص71، والمختار ج1، ص15، والكنز ص141، وتحفة الملوك ص40، وملتقى الأبحر ص4 بذكر: خلافا لمحمد، وغرر الأحكام ج1، ص24، والهداية ج1، ص23، وصححه في البدائع ج1، ص69، والتبيين ج1، ص24، وقال في البناية ج1، ص402: وعليه الفتوى. وغيرها.
ثم اختلفوا في وقت كونه مستعملاً على قولين بعد ما اتفقوا على انه لا يعطي له حكمه ما دام على العضو:
أحدهما: أنه يصير مستعملاً إذا زايل البدن، واستقرّ في موضع، وهو اختيار بعض مشايخ بلخ، والطحاوي، والظهير المرغيناني، والصدر الشهيد، وافتخار الدين البخاري، وفخر الإسلام. ينظر: السعاية ص394. ومشى عليه في الكنز ص141، واختاره في المستصفى ج1، ص191، وغيرها.
والثاني: أنه يصير مستعملاً بمجرد زواله عن العضو في الوضوء، وعن جميع البدن في الغسل، واختاره صاحب الهداية في مختارات النوازل. ينظر: السعاية ص394. وهذا ما صرح به في المحيط ج1، ص121، فقال: إنما يأخذ حكم الاستعمال إذا زايل البدن، والاجتماع في المكان ليس بشرط، هذا هو مذهب أصحابنا. وصححه في الهداية ج1، ص23 حيث قال: الصحيح أنه كما زايل العضو صار مستعملا؛ لأن سقوط حكم الاستعمال قبل الانفصال للضرورة، ولا ضرورة بعده. واتبعه في التصحيح ص145، وشرح الوقاية ج2، ص72، واللباب ج1، ص24، وفتح القدير ج1، ص90 حيث نسب القول إلى المحققين، وصححه أيضا في التبيين ج1، ص25، ومشى عليه في البدائع ج1، ص68، والبحر ج1، ص98، واختاره في الاختيار ج1، ص16، وكذلك ظاهر بعض المتون، كالمختار ج1، ص16، وملتقى الأبحر ص4 بتمريض الأول بقيل. وتنوير الأبصار ص33، وفي رد المحتار ج1، ص200: إلا أن العامة على الأول - أي المراد بالأول ما عليه المتن، لا هو هنا -، وهو الأصح.
الجزء 1 · صفحة 63
الخامس: بالماء الذي استُخرِج من الثمّر والشَّجر (¬1).
السّادس: بماء الوَرد (¬2).
¬
(¬1) لكمال الامتزاج؛ لأنه لا يخرج منه إلا بعلاج، وهو العصير. كما في المستصفي ج1، ص178. لكن اختلفوا فيما خرج من غير علاج على قولين:
الأول: الجواز به، عليه ظاهر عامة المتون، والشروح الكبرى، كمختصر القدوري ص12، ومختصر الطحاوي ج1، ص226، وبداية المبتدي ص4، والوقاية ج2، ص68، والكنز ص141، والفقه النافع ج1، ص178، وتحفة الملوك ص20، وغرر الأحكام ج1، ص23، وصرح به في الهداية ج1، ص20، وشرح الوقاية ج2، ص68، والنقاية ص9، والمستصفى ج1، ص178، وغيرها.
والثاني: عدم جواز به، مشى عليه في الشرنبلالية ج1، ص23، والدر المختار ج1، ص181، والفتاوى الهندية ج1، ص21، والمشكاة في أحكام الطهارة والصلاة ص135، وكثير من الكتب بذكر الأظهر، أو الأوجه، أو الأحوط. وفي الجوهرة النيرة ج1، ص12: إلّا أنّ الحلوانيّ اختار أنّه لا يجوز؛ لأنّه يطلق عليه ماء الشجر. ومشى عليه في النهر ج1، ص72 - 73، وفي البحر ج1، ص72 فقال: لكن المصرح به في كثير من الكتب أنه لا يجوز الوضوء به، واقتصر عليه قاضي خان في الفتاوى وصاحب المحيط وصدر به في الكافي وذكر الجواز بصيغة قيل. وفي شرح منية المصلي الأوجه عدم الجواز، فكان هو الأولى لما أنه كمل امتزاجه كما صرح به في الكافي. وكذا في اللباب ج1، ص18، وغيرها. وفي رد المحتار ج1، ص181: وقال الرملي في حاشية المنح: ومن راجع كتب المذهب، وجد أكثرها على عدم الجواز، فيكون المعول عليه، فما في هذا المتن مرجوح بالنسبة إليه.
(¬2) ماء الورد: مما يستخرج بعلاج. ينظر: البدائع ج1، ص15. وهو يقسم إلى ما له وصف واحد وهو رائحة، أو ما انقطع هذا الوصف، كلاهما لا يجوز الوضوء بهما، إلا إذا لم يظهر الوصف مع الماء، أو غلب عليه الماء بالوزن. ينظر: المراقي ص16، وغيره.
الجزء 1 · صفحة 64
السّابع: بما قد وقع فيه شيء فيه الرُّوح والدّم فمات فيه، إلا أن يكون الماء في حوض أو في مصنعة (¬1)
¬
(¬1) هذا ما يعرف بالغدير العظيم، أو الماء الكثير عندنا. لكن اختلفوا في حدّه، فمنهم: من حَدَّه بالمساحة، ومنهم: من حَدَّه بغيرها:
أمّا الذين حدّوه بغير المساحة:
فمنهم: من حدَّه بالتكدر، أي إذا اغتسل فيه يتكدر الجانب الآخر، وهو قول محمد بن سلام.
ومنهم: من حدّ الصبغ، أي إذا ألقي فيه زعفران، أثّر في الجانب الآخر، وهو قول أبي حفص الكبير.
ومنهم: من حدّه بالتحريك، وهو مذهب المتقدمين. كما في العناية ج1، ص80 - 81، وفيها تفصيل في الاختلاف في التحريك، هل هو باليد، أو بالتوضؤ، أو بالاغتسال. ومشى عليه القدوري في مختصره ص13، وقال في التبيين ج1، ص22: ظاهر المذهب أنه يعتبر بالتحريك. وقال في المحيط ج1، ص94، والبدائع ج1، ص72: اتفقت الروايات عن أصحابنا أنه يعتبر الخلوص بالتحريك.
ومنهم: من فوَّضه إلى رأي المبتلي، وهذا هو أصل المذهب، والمختار عند المتقدمين كالكرخي، وجمع من محققي المتأخرين. فقد صححه ابن الهمام في فتح القدير ج1، ص68 - 69، وتبعه ابن قطلوبغا في التصحيح ص144، وصاحب البحر ج1، ص78 - 80، وتبعه صاحب التنوير ج1، ص191، والدر المختار ج1، ص191، ووفق ابن عابدين في رد المحتار ج1، ص192 بينه وبين رأي التحريك، فقال: المراد بغلبة الظن بأنه لو حرك، لوصل إلى الجانب الآخر إذا لم يوجد التحريك بالفعل.
وأمّا الذين قدّروه بالمساحة:
ومنهم: من حدّه بقدر اثني عشر في اشني عشر. وأخذ من مسجد محمد بن الحسن من خارجه.
ومنهم: من حدّه بثمان في ثمان، وبه أخذ محمد بن سلمة.
ومنهم: من حدّه بخمسة عشر في خمسة عشر، وهو قول أبي مطيع البلخي.
ومنهم: من حدّه بعشر في عشر، وهو قول أبو سليمان الجوزجاني، وعليه عامّة المشايخ، واختاره قاضي خان في فتاواه ج1، ص2، وصاحب المراقي ص16، والملتقى ص4، والكنز ص141، والوقاية ج2، ص7، والمختار ج1، ص14، وتحفة الملوك ص21، والهداية ج1، ص22، ومنية المصلي ص48، والدرر والغرر ج1، ص22، والتبيين ج1، ص21 - 22، والفتاوى الهندية ج1، ص1. وقال في رد المتار ج1، ص192 - 193: لا يخفى أن المتأخرين الذين أفتوا بالعشر كصاحب الهداية وقاضي خان وغيرهما من أهل الترجيح هم أعلم بالمذهب منا، فعلينا اتباع ما رجحوه وما صححوه، كما لو أفتونا في حياتهم. ينظر: تفصيل هذه المذاهب في التعليق الممجد على موطأ محمد ج1، ص269 - 270، وعمدة الرعاية ج1، ص377 - 379، والسعاية ص356 - 360، والبدائع ج1، ص72، والمبسوط ج1، ص70 - 71.
الجزء 1 · صفحة 65
وهي عشر في عشر عند أبي حنيفة (¬1) (¬2)، [وعند محمد: ثمّانية في ثمّانية (¬3) (¬4)، وما قاله أبو حنيفة احتياط - رضي الله عنهم أجمعين -] (¬5).
باب المياه التي لا بأس أن يُتوضّأ بها
قال أبو الطّيّب: [لا بأس أن يُتوضّأ بسؤر سبعة] (¬6):
أوّلُها: بسؤر الحائض والنُّفَساء والجُنُب (¬7).
الثّاني: بسؤر المجوسي واليهودي والنّصراني (¬8).
الثّالث: بسؤر المشرك والمجنون والصّبيّ.
¬
(¬1) أزيد في ج: احتياطا.
(¬2) اشتهر أنه مذهب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه، وليس كذلك. ينظر: السعاية ص363.
(¬3) ساقطة من د.
(¬4) هذا رواية عن محمد - رضي الله عنه -، لما في النوادر أنه سئل عن هذه المسألة، فقال: إن كان مثل مسجدي هذا، فهو مما لا يخلص بعضه إلى بعض، فلما قام مسح مسجده فكان ثمان في ثمان في رواية، وعشراً في عشر في رواية، واثني عشر في اثني عشر في رواية. كما في المحيط ج1، ص95.
(¬5) ساقطة من هـ.
(¬6) في ج، ود: سبعة لا بأس أن يتوضأ بها.
(¬7) لما روي أن عائشةَ - رضي اللّه عنها -: «شربت من إناء في حال حيضها، فوضع رسول الله ? فمه على موضع فيها، وشرب، ولما قال لها: ناوليني الخُمرة، فقالت: إني حائض، فقال: حيضتك ليست في يدك» في صحيح مسلم ج1، ص244، وسنن أبي داود ج1، ص68، وغيرهما.
فإذا ثبت هذا في اليد، فكذلك في الفم. وكذلك سؤر الجنب؛ لما روي أن حذيفة - رضي الله عنه -: «أنّ رسول الله ? لقيه وهو جنب، فحاد عنه فاغتسل. ثمّ جاء فقال: كنت جنبا، قال ?: إنّ المسلم لا يَنجُس» في صحيح مسلم ج1، ص282، وغيره. ينظر: المبسوط ج1، ص47، وغيره.
(¬8) لأن النجاسة في اعتقادهم لا في ذاتهم، ولما ثبت في صحيح البخاري ج1، ص101، وصحيح مسلم ج3، ص1376، وغيرهما أن النبي ? مكن ثمامة بن أثال من أن يمكث في المسجد قبل إسلامه، فلو كان نجسا، لما مكنه من ذلك. ينظر: البناية ج1، ص469، وغيره.
الجزء 1 · صفحة 66
الرّابع: بسؤر البقر والغنم (¬1).
الخامس: بماء المطر والثَّلج والبَرَد (¬2) والمِيزاب (¬3) (¬4).
السّادس: بماء البحر (¬5).
¬
(¬1) إلا الجلالة، فإنه يكره الوضوء به. ينظر: البدائع ج1، ص64. لكن يدل ما ذكر في البحر ج1، ص138 من تعليل التنزيه في المخلّاة بعدم تحامي النجاسة على التنزيه.
(¬2) البَرَد: حبّ الغمام. كذا في مختار الصحاح ج1، ص32، وغيره.
(¬3) ساقطة من د.
(¬4) الميزاب: وهو قناة أو أنبوبة يصرف بها الماء من سطح بناء أو موضع عال. ينظر: المعجم الوسيط ج1، ص15، ومعجم لغة الفقهاء ج1، ص470.
(¬5) لإطلاق قوله ?: «هو الطهور ماؤه والحل ميتته» في سنن أبي داود ج1، ص21، وسنن الترمذي ج1، ص100، وصححه وحسنه، وغيرهما. بل هذا الحديث روي عن ثمانية أنفس من الصحابة وهم: أبو هريرة، وجابر، وعلي بن أبي طالب، وأنس، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وابن الفراسي، وأبو بكر - رضي اللّه عنهم -.
من الناس من كره الوضوء بماء البحر المالح؛ لحديث ابن عمرو أنه ? قال: «لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل الله، فإن تحت البحر نارا، أو تحت النار بحرا» أخرجه أبو داود في السنن ج3، ص6 متفردا به. وكان ابن عمر لا يرى جواز الوضوء، ولا الغسل به عن جنابة. لكن الجمهور على عدم الكراهة. ينظر: الطحطاوي على المراقي ص20 - 21، والبناية ج1، ص354 - 355، وغيره.
الجزء 1 · صفحة 67
السّابع: بماء حوض الحمّام (¬1).
باب المياه التي يُكرَه أن يُتوضّأ بها
قال أبو الطّيّب: يُكرَه أن يُتوضّأ بسؤر سبعة، وإن توضّأ بها، جاز [مع الكراهة] (¬2):
أوّلُها: بسُؤر الدَّجاجة (¬3).
الثّاني: بسؤر الفرس (¬4).
¬
(¬1) حكمه كحكم المسألة: تنجس الحوض الصغير، ثم دخل فيه ماء آخر وخرج حال دخوله، طهر وإن قل، وقيل: لا، حتى يخرج قدر ما فيه، وقيل: حتى يخرج ثلاثة أمثاله، وصحح الأول في المحيط وغيره. لكن قولهم في هذه المسألة أنه لا يجوز الوضوء إلا في موضع خروج الماء إنما هو بناء على نجاسة الماء المستعمل، وأما على المختار من طهارة الماء المستعمل فالجواب في هذه المسألة، كما تقدم في نظائرها أنه يجوز الوضوء فيها ما لم يغلب على ظن المتوضئ أن ما يغترفه؛ لإسقاط فرض ماء مستعمل أو ما يخالطه منه مقدار نصفه فصاعدا. فكن على هذا معتمدا. كذا في شرح منية المصلي للعلامة ابن أمير حاج - رحمه الله تعالى -. ينظر: البحر ج1، ص82، وغيره.
(¬2) ساقطة من أ.
(¬3) أي المُخلّاة؛ لأنها لا تتحامى النجاسة. وصحّح التنزيه فيها، وكذا في سباع الطير وسواكن البيوت في البحر ج1، ص138 بذكر: بلا خلاف، والمراقي ص14، والدر المختار ج1، ص224، وغيرها.
ولكن لو كانت الدجاجة محبوسة بحيث لا يصل منقارها إلى تحت قدمها، لا يكره. ينظر: البدائع ج1، ص64، والدرر والغرر ج1، ص27، وغيره.
(¬4) اختلفوا في سؤر الفرس على أقوال:
الأول: أنه نجس في رواية الحسن عن أبي حنيفة كلحمه.
والثاني: أنه يتوضأ بغيره، وهو رواية البلخي عن أبي حنيفة.
والثالث: هو مشكوك كسؤر الحمار.
والرابع: أنه مكروه كلحمه، وهذا رواية الحسن عن الإمام.
والخامس: أنه طاهر في ظاهر الرواية، وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة، وهو أيضا على قول أبي يوسف ومحمد لطهارة لحمه. ينظر: تفصيل الأقوال في العناية ج1، ص117 عن المحيط، ومنية المصلي ص35. مشى عليه في تحفة الملوك ص23، والكنز ص143، والوقاية وشرحه ج2، ص79، والاختيار ج1، ص19، وملتقى الأبحر ج1، ص35، وصححه في بداية المبتدي ص6، ومجمع الأنهر ج1، ص35، والعناية ج1، ص117، والبدائع ج1، ص64، وتبعه في البحر ج1، ص134، وفتح القدير ج1، ص118 والنتف في الفتاوى ج1، ص11، والبناية ج1، ص496، وقال في رد المحتار ج1، ص222: وهو ظاهر الرواية عن الإمام وهو قولهما، وكراهة لحمه عنده لاحترامه؛ لأنه آلة الجهاد لا لنجاسته، فلا يؤثر في كراهة سؤره. وقال في حلبي صغير ص57: به أخذ كل المتأخرون.
الجزء 1 · صفحة 68
الثّالث: بسؤر الغُراب (¬1).
الرّابع: بسؤر الفَأرة.
الخامس: بسؤر الحَيّة.
السّادس: بسؤر الوَزَغ (¬2).
السّابع: بسؤر الهِرّة (¬3).
باب الأشياء التي تقع في الماء فتموت، فلا بأس بالوضوء منه
قال أبو الطّيّب: سبعةٌ تقع في الماء فتموت فيه، فلا بأس أن يُتوضّأ به:
أوّلُها: الخُنفُساء (¬4).
الثّاني: الجَراد.
الثّالث: الزُّنبُور (¬5).
الرّابع: الفَراش (¬6).
¬
(¬1) أي كراهة تنزيه، كما سبق في سؤر الدجاجة.
(¬2) أي كراهة تنزيه سؤر الفأرة والحية والوزغ وما أشبه من سواكن البيوت. صححه في نفع المفتي والسائل ص105، والبحر ج1، ص138، والمراقي ص14، وغيرها.
(¬3) اختلف العلماء في سؤر الهرة:
الأول: لا يكره عند أبي يوسف. وقال في رسائل الأركان ص69: وهو الأشبه بالصواب.
والثاني: يكره عندهما:
فقيل: لحرمة لحمها، وهو قول الطحاوي، وهذا يشير إلى التحريم. مشى عليه في الاختيار ج1، ص19 بذكر هذه العلة، وكذلك منحة السلوك ص50، وصحح ما صرح به في الجامع الصغير من إطلاق الكراهة في البحر ج1، ص138 بعد القول بأن التنزيه ظاهر ما في الأصل، فقال: لكن صرح بالكراهة في الجامع الصغير، فكانت للتحريم لما تقدم. وغير هذه.
وقيل: لعدم تحاميها النجاسة، وهو قول الكرخي، وهذا يشير إلى التنزيه. صححه في العناية ج1، ص112، والبناية ج1، ص486، والمراقي ص14، وعمدة الرعاية ج1، ص309، والجوهرة النيرة ج1، ص20، وحلبي صغير ص57، والنهر ج1، ص94، والدر المختار ج1، ص224، وفتح القدير ج1، ص112، وتبعه في الشرنبلالية ج1، ص27، وغيرها.
(¬4) الخُنفُساء بالضَّمّ: دُويبّة سَوداء، تكون في أصول الحيطان، وثلاث خُنْفُساوات، والكثيرُ: الخَنافِس. كما في المغرب ج1، ص262.
(¬5) الزُّنبور بالضَّمّ: ذباب لسّاع، وهو الدَّبُّور. كما في تاج العروس ج11، ص453.
(¬6) الفراشة: التي تَطير وتتهافت في السّراج. وفي المثل: أطيش من فراشة، والجمع: فَرَاشٌ. كذا في مختار الصحاح ص237.
الجزء 1 · صفحة 69
الخامس: النَّمل، والبَعوض، والذُّبابة (¬1).
السّادس: العَقرَب (¬2).
السّابع: الضِّفدِع (¬3) (¬4)، والسَّمَك، والسَّرطان (¬5).
¬
(¬1) زائدة من ب وج ود.
(¬2) من الخنفساء إلى العقرب كلها مما ليس له دم سائل، فموتُها لا ينجّس الماءَ، أو المائعات؛ لأنه ليس بنجس عندنا. ينظر: الهداية ج1، ص22، والاختيار ج1، ص15، والبدائع ج1، ص62، وغيرها. فعن أبي سعيد الخُدري - رضي الله عنه -، قال ?: «إذا وقع الذُّباب في إناء أحدكم فامقُلوه، فإنّ في أحد جناحيه داءً، وفي الآخَر دواءً» في صحيح ابن حبان ج4، ص55، وسنن ابن ماجه ج2، ص1159، وغيرهما، صححه ابن الملقن في البدر المنير ج1، ص452، وأيضا روي عن أبي هريرة مثل ذلك في صحيح البخاري ج4، ص130، وسنن أبي داود ج3، ص365، وغيرهما.
(¬3) الضِّفْدِع: قال الدميري: ناس يقولون بفتح الدال، قال الخليل: ليس في الكلام فعلل إلا أربعة أحرف درهم، وهجرع، وهو الطويل، وهبلع، وهو الأكول، وبلعم، وهو اسم، وقال ابن الصلاح: الأشهر فيه من حيث اللغة كسر الدال، وفتح في ألسنة العامة، وأشباه العامة من الخاصة، وقد أنكره بعض أئمة اللغة. ينظر: حياة الحيوان الكبرى ج2، ص117.
(¬4) الضِّفدِع البحري والبري فيه سواء، وقيل: البري مفسد؛ لوجود الدم وعدم المعدن. كما في الهداية ج1، ص22. صحح الأول في فتاوى قاضيخان ج1، ص4، لكن صحح الثاني في الدر المختار ج1، ص185، واللباب ج1، ص23، وقال في رد المحتار ج1، ق185: فما جزم به في الهداية من عدم الإفساد بالضفدع البري، وصححه في السراج محمولٌ على ما لا دم له سائل، كما في البحر ج1، ص95، والنهر ج1، ص78 عن الحلية - شرح المنية لابن أمير حاج -.
(¬5) هذه كلّها ممّا يعيش في الماء، يعني: ما يكون توالده ومثواه في الماء. وإذا مات فيه لا يفسده. ينظر: الهداية ج1، ص22، وغيره.
أمّا إذا مات في غير الماء، كالخلّ والعصير والحليب ونحوها، اختلفوا فيه:
الأول: غير السمك يفسده؛ لانعدام المعدن، وهو قول نصير بن يحيى، ومحمد بن سلمة، وهو رواية عن أبي يوسف،
والثّاني: لا يفسده؛ لعدم الدم، وهو قول محمد بن مقاتل، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، وهشام عن محمد. صححه في الفتاوى الهندية ج1، ص24، والتبيين ج1، ص23، ومجمع الأنهر ج1، ص32، والهداية ج1، ص22، وتبعه في اللباب ج1، ص23، ومشى عليه في البناية ج1، ص394، وقال في البحر ج1، ص95: كل ما لا يفسد الماء لا يفسد غير الماء، وهو الأصح، كذا في المحيط ج1، ص114، والتحفة ج1، ص63، والأشبه بالفقه، كذا في البدائع ج1، ص79. وتبعه في رد المحتار ج1، ص185. ينظر: تفصيل الخلاف في العناية ج1 ص84.
ثم اختلف العلماء في مائي المعاش دون مائي المولد، سواء مات في الماء أو غيره، كالبط، والإوزّ، والجاموس:
فقيل: أنه غير مفسد. أفتى بعدم الإفساد في الماء، والإفساد في غير الماء في الفتاوى البزازية ج1، ص16.
وقيل: أنه مفسد، ومشى عليه في الهداية ج1، ص22، وصححه في المحيط ج1، ص115، وحلبي صغير ج1، ص56، والدر المختار ج1، ص85، وفي السعاية ج1، ص330 بذكر أوجه، وقال في رد المحتار ج1، ص185، لمّا صحح الإفساد في الماء في الدر: لأن له نفسا سائلة، واتفقت الروايات على الإفساد في غير الماء، كذا في شرح الجامع لقاضي خان، فما في المجتبى من تصحيح عدم الإفساد به غير ظاهر، نهر ج1، ص77.
الجزء 1 · صفحة 70
باب الأشياء التي تقع في بِئر
قال أبو الطّيّب: سبعة أشياء تقع واحدة منها في بئر، فتموت فيها، ولم تنتفخ، ولم تتفسخ، نُزِح (¬1) منها عشرون دَلوًا (¬2) إلى ثلاثين دَلوًا (¬3):
أوّلُها: الوَزَغ (¬4).
الثّاني: القُنبَرة (¬5) (¬6)، والعِصابة (¬7) (¬8).
الثّالث: الفَأرة.
الرّابع: العُصفُورة.
الخامس: الخُطّاف (¬9).
السّادس: الصَّعوَة (¬10).
¬
(¬1) يعني: بعد إخراج الفأرة، وما أشبهه في الجثّة؛ لأن سبب نجاسة البئر حصول الفأرة الميتة فيها، فلا يمكن الحكم بالطهارة مع بقاء السبب الموجب للنجاسة. ينظر: الهداية ج1، ص24، والعناية ج1، ص102 - 103.
(¬2) أي بطريق الإيجاب. كذا في الهداية ج1، ص24.
(¬3) أي بطريق الاستحباب. كذا في المصدر السابق.
(¬4) الوَزَغ: جمع وزغة، وهو سامّ أبرص. ينظر: المصباح المنير ج2، ص657، وغيره.
(¬5) ساقطة من هـ.
(¬6) القُنبَرة: طائر، وهي القُبَّرة، وهو ضرب من الطّير. والْقُنبُراءُ بالمدّ وضمّ القاف والباء لغة فيها، والجمع: القَنابِر، والعامّة تقول: القُنبُرة، وقد جاء ذلك في الرّجز. ينظر: شمس العلوم ج8، ص5353، ومختار الصحاح ص246، وغيرهما.
(¬7) ساقطة من د.
(¬8) العِصابة بالكسر: الجماعة من النّاس والخيل والطّير. كما في مختار الصحاح ص210.
(¬9) الخُطّاف: ضرب من الطير، وهو عريض المنقار دَقِيق الْجنَاح طويله منتفش الذيل، والجمع: خطاطيف. ينظر: جمهرة اللغة ج3، ص1231، والمعجم الوسيط ج1، ص245، وغيرهما.
(¬10) الصَّعو: صغار العَصافِير. الواحدة: صَعوَة، وهي حمر الرّؤوسِ، وتجمع الصَّعوَة أيضا على صِعاء. ينظر: المصباح المنير ج1، ص340، والمغرب ج1، ص473، وغيرهما.
الجزء 1 · صفحة 71
السّابع: السُّودانية (¬1)، وما أشبه هؤلاء من الحيوان [في الجُثّة] (¬2) (¬3).
وإن كانوا لا يدرون متى وقعت، ولم تنتفخ، ولم تتفسخ، أعادوا صلاة يوم وليلة، وإن كانتَ قد انتَفخت، أو تفسخت، يُنزح ماء البئر كله، وأعادوا صلاة ثلاثة أيام ولياليها (¬4).
¬
(¬1) السُّودانية بفتح السين وضمها: الطير الذي يسمى زرزور، طويلة الذنَب على قدر قبضة الكفّ، وقد تسمى العصفور الأسود، وهي تأكل العنب والجَراد. ينظر: المغرب ج1، ص421، وتكملة المعاجم العربية ج6، ص180، وغيرهما.
(¬2) ساقطة من ج.
(¬3) هذا إذا وقعت واحدة من هذه، ولو وقع في البئر أكثر من فأرة واحدة، فالمروي عن أبي يوسف - رضي الله عنه - أنه قال: ينزح عشرون دلواً إلى الأربع، فإذا كانت خمساً، ينزح أربعون إلى التسع، فإذا كانت عشراً، ينزح ماء البئر كلّه. وعن محمد - رضي الله عنه -: أن الفأرتان كفأرة، والثلاث كالحمامة، والست كالكلب. ينظر: في المحيط ج1، ص108، والبحر ج1، ص125. مشى علي الأول في العناية ج1، ص103، ورمز الحقائق ص27، والدرة المنيفة ص14، لكن مشى على الثاني في الدر المختار ج1، ص217، ومنحة السلوك ص85، وفي رد المحتار ج1، ص218: جزم في المواهب بقول محمد، ونفى الثاني، فأفاد ضعفه. وقال صاحب البحر ج1، ص125: في المبسوط ج1، ص94: لكن أن ظاهر الرواية أن الثلاث كالهرة فيفيد أن الست كالكلب وبه يترجح قول محمد. وقال بأنه ظاهر الرواية في المراقي ج1، ص21، فالظاهر أنه تصحيحه. والله أعلم.
(¬4) هذا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وهو الاستحسان.
وقالا: ليس عليهم إعادة شيء، حتى يتحققوا متى وقعت، وهذا هو القياس. وفي الشرنبلالية ج1، ص26: عليه الفتوى. كذا في الجوهرة.
لكن اختار قول الإمام في الملتقى ج1، ص53، وصححه في الهداية ج1، ص25، وغير ذلك، وقال في التصحيح ص148: قال في فتاوى العتابي: قولهما هو المختار، قلت: لم يوافق على ذلك، فقد اعتمد قولَ الإمام البرهاني، والنسفي، والموصلي، وصدر الشريعة، ورُجح دليله في جميع المصنفات، وصرح في البدائع أن قولهما قياس، وقوله هو الاستحسان، وهو الأحوط في العبادات.
الجزء 1 · صفحة 72
باب آخر
قال أبو الطّيّب: سبعة أشياء تقع في البئر، فتموت فيها ولم تنتفخ ولم تتفسخ، يُنزح منها أربعون دَلوًا (¬1) إلى خمسين دَلوًا (¬2)، وأعادوا صلاة يوم وليلة إذا كانوا توضؤوا منها، ولا يدرون متى وقعت:
أوّلُها: الحَمَامة، وما أشبهها في الجُثّة (¬3).
الثّاني: الصُّلصُل (¬4).
الثّالث: القَبَج (¬5).
الرّابع: الوَرَشان (¬6).
الخامس: القَطا (¬7).
السّادس: البَاشَق (¬8).
¬
(¬1) هذا لبيان طريق الإيجاب. كذا في الهداية ج1، ص25.
(¬2) أي بطريق الاستحباب، وهذا مذكور في الجامع الصغير وهو الأظهر؛ لأنه آخر تصانيف محمد - رضي الله عنه - أي بنسبة إلى الأصل لمحمد - رضي الله عنه -، فيكون القول المذكور فيه هو المرجوع إليه. صححه في الهداية ج1، ص24، والبناية ج1، ص451، واختاره في منية المصلي ص78، وفتاوى قاضيخان ج1، ص5، والفتاوى الهندية ج1، ص20، وفي السعاية ص469: اختاره صاحب الخلاصة والمحيط.
والثاني: إلى ستين دلوا، اختاره في مختصر القدوري ص14، والوقاية ج2، ص78، والمختار ج1، ص17، والنقاية ج1، ص87، والفقه النافع ج1، ص197، وغرر الأحكام ج1، ص26، والملتقى ج1، ص34، والدر المختار ج1، ص216، ونفع المفتي ص135، والدرة المنيفة ص14، وغيرها.
(¬3) في ب، وج، ود: الجرم
(¬4) الصُّلصُل: طائر تسميه العجمُ الفاختة. وقيل: هو طائر يشبهه. كما في شمس العلوم ج6، ص3634.
(¬5) القَبَج: الحَجَل، الواحدة: قَبجة، وتقع على الذّكر والأنثى. ينظر: المصباح المنير ج2، ص487، وغيره.
(¬6) الوَرَشان: طائر وهو ساق حرّ. كما في مختار الصحاح ص336.
(¬7) القَطا: ضرب من الحمام. الواحدة: قطاة، ويجمع أيضا على قطوات. كما في المصباح المنير ج2، ص510.
(¬8) البَاشَق: نوع من جنس البازي من فصيلة العقاب النسرية، وهو من الجوارح يشبه الصّقر ويتميز بجسم طويل ومنقار قصير بادي التقوس. كما في المعجم الوسيط ج1، ص58.
الجزء 1 · صفحة 73
السّابع: الحِدأة (¬1) (¬2)، وما أشبه هؤلاء من الحيوان في الجُرم (¬3).
وإن انتَفخت، أو تفسخت، يُنزح ماء البئر كله، وأعادوا صلاة ثلاثة أيام ولياليها إذا كانوا توضؤوا منها.
باب آخر (¬4)
قال أبو الطّيّب: سبعة (¬5) تقع واحدة منها في البئر، فتموت فيها، ولم تنتفخ، ولم تتفسخ، يُنزح منها أربعون دلوًا إلى (¬6) خمسين دلوًا أيضًا (¬7)، وأعادوا صلاة يوم وليلة إن كانوا توضؤوا منها، وإذا كانوا لا يدرون متى وقعت.
أوّلُها: الدَّجاجة.
الثّاني: الإوَزّ (¬8) (¬9).
الثّالث: الغُراب.
الرّابع: البازي.
الخامس: الحَمَل (¬10) الصغير.
السّادس: السِّنَّور.
السّابع: الأرنَب.
وإن انتَفخوا، أو تفسخوا، يُنزح ماء البئر كله، وأعادوا صلاة ثلاثة أيام ولياليها إن كانوا توضؤوا منها.
باب آخر (¬11)
قال أبو الطيب: سبعة أشياء تقع في البئر، فتموت فيها، يُنزح ماء البئر كله، وأعادوا صلاة ثلاثة أيام ولياليها إن كانوا توضؤوا منها (¬12):
أوّلُها: البعير.
الثّاني: الحِمار.
الثّالث: البغل.
الرّابع: الفرس.
الخامس: البقر.
السّادس: المَعِزّ.
السّابع: الغنم، وما أشبه هؤلاء من الحيوان حكمُها حكمُهم.
باب
¬
(¬1) في أ: الجراد.
(¬2) الحِدَأَة: قال الجوهري والصاغاني: ولا تقل الحدأة بالفتح، طائر معروف، وكُنيته: أبو الخُطّاف وأبو الصَّلْت، يصيد الجرذان. ينظر: تاج العروس ج1، ص188، وغيره.
(¬3) ساقطة من ب.
(¬4) ساقطة من ب، وج، ود.
(¬5) أزيد في ب، وج: أشياء.
(¬6) في ج: أو.
(¬7) ساقطة من ب، ود.
(¬8) في ب، وج: الوَزّ.
(¬9) الإوَزّ: البطّ، وقد جمعوه بالواو والنون، فقالوا: إوَزُّونَ. كما في الصحاح ج3، ص864.
(¬10) في ب، وج، ود، وهـ: الجَمَل الصغير.
(¬11) هذا الباب كله ساقط من ب.
(¬12) هذا إذا انتفخ الواقع، أو تفسخ، وإلا يوم وليلة.
الجزء 1 · صفحة 74
قال أبو الطّيّب: سبعة أشياء تقع في البئر، يُنزح ماء البئر كله، وإن أُخرج حيًّا ولم يمت (¬1):
أوّلُها: الخِنزير.
الثّاني: الذِّئب.
الثّالث: القِرد.
الرّابع: الكَلب.
الخامس: الثَّعلَب.
السّادس: الضَّبع.
السّابع: الدُّبّ.
باب النّيّة (¬2)
¬
(¬1) إذا أخرج الواقع في البئر حيا، يكون الحكم به على حالات مختلفة:
الأولى: إذا كان الواقع نجس العين، وهو الخنزير، ينجس الماء، وينزح كله.
والثانية: إذا كان غير نجس العين، كالحمار، والبغل، والهرة، وسباع البهائم، والطيور، ولم يكن في بدنه نجاسة، لا ينجسه، وكذلك الكلب؛ لأنه غير نجس العين على المعتمد، كما مرّ في باب المياه التي لا يجوز أن يُتوضأ منها.
والثالثة: إذا كان طاهرا، كالآدمي وما يؤكل لحمه، ولم يكن في بدنه نجاسة، لا ينجسه.
هذا إذا لم يدخل فمه في الماء، وإلا فيكون حكم الماء حكم لعابه:
فأولا: إن كان لعابه طاهرا، فالماء طاهر.
وثانيا: إن كان نجسا، فالماء نجس، ينزح كله.
وثالثا: إن كان مشكوكا، فالماء مشكوك، ينزح كله.
ورابعا: إن كان مكروها، فمكروه، فيستحب نزحه. ينظر: الاختيار ج1، ص18، والتبيين ج1، ص29 - 30، والدرر والغرر ج1، ص27، وغيرها.
فلذلك يحمل كلام المصنف في غير الخنزير على حالة في بدنه نجاسة، أو حالة دخول فمه في الماء. والله تعالى أعلم.
(¬2) النيّة: لغةً: عزم القلب على الشيء.
واصطلاحًا، كما في التلويح: قصد الطاعة والتقرب إلى الله تعالى في إيجاد الفعل، ودخل فيه المنهيات؛ فإن المكلف به الفعل الذي هو كف النفس. ينظر: رد المحتار ج1، ص105.
أمّا وقت النية:
فقيل: عند غسل الوجه، ومشى عليه في الجوهرة النيرة ج1، ص7.
وقيل: عند ابتداء الوضوء، وهو قبل سائر السنن. واختاره في تحفة الفقهاء ص11، والدرر والغرر ج1، 10، والبدائع ج1، ص19، وغمز عيون البصائر ج1، ص155، وفي رد المحتار ج1، ص108: قال في إمداد الفتاح ص79: وأما وقتها، فعند ابتداء الوضوء، حتى قبل الاستنجاء. اهـ. أي: لأن الاستنجاء من سنن الوضوء بل من أقوى سننه، كما صرحوا به.
ثم اختلفوا في حكم النية على أقوال:
الأول: أنها فرض، ففي الدر المختار ج1، ص107: وصرحوا ... بأنها فرض في الوضوء المأمور به، لكن في رد المحتار ج1، ص107: الصواب أن يُقال ... بأنها شرطٌ في كون الوضوء عبادة لا مفتاحاً للصلاة ... بل هو شرط في كون الوضوء عبادة فقط.
والثاني: أنها مستحبّةٌ، ومشى عليه في مختصر القدوري ص11، ومقدمة أبي الليث السمرقندي ص30، والمختار ج1، ص9.
والثالث: أنها سنة، ومشى عليه في الوقاية وشرحه ج2، ص31، وملتقى الأبحر ج1، ص26، والنقاية ج1، ص31، ونور الإيضاح ج1، ص33، وتحفة الملوك ص26، وتحفة الفقهاء ص11، والكنز ص139، والدرر والغرر ج1، ص10، والهداية ج1، ص16، والمحيط ج1، ص45، وتبيين الحقائق ج1، ص5، والتصحيح ص139، والهدية العلائية ص48، ومنية المصلي ص15، والفتاوى الهندية ج1، ص8، والبدائع ج1، ص19، ورد المحتار ج1، ص106، وصححه في الاختيار ج1، ص9، والشرنبلالية ج1، ص10، والجوهرة النيرة ج1، ص7. لذا قال في رد المحتار ج1، ص106: الصلاة تصح بالوضوء ولو لم يكن منويا، وإنما تسن النية في الوضوء؛ ليكون عبادة، فإنه بدونها لا يسمى عبادة مأمورا بها، وإن صحت به الصلاة، بخلاف التيمم، فإن النية شرط لصحة الصلاة به، فالنية في الوضوء شرط لكونه عبادة، وفي التيمم شرط لصحة الصلاة به.
الجزء 1 · صفحة 75
[في الوضوء] (¬1)
[قال أبو الطّيّب: يحتاج الإنسان في الوضوء إلى سبع نيّات:] (¬2)
أوّلُها: إذا غَسل فرجه، ينوي أن لا يصيب به حرامًا.
الثّاني: إذا تمضمض، ينوي أن لا يدخل في فيه حرامًا، وأن لا يخرج منه حرامًا.
الثّالث: إذا استنشق، ينوي أن لا يشمّ ريحًا حرامًا.
الرّابع: إذا غسل وجهه وعينيه، ينوي أن [يكفّهما عن الحرام، وما نهى الله عنه] (¬3).
الخامس: إذا غسل اليدين، ينوي أن [لا يمسّ الحرام] (¬4).
السّادس: إذا مسح رأسه وأُذنيه (¬5)، ينوي أن يحفظ أذنيه عن استماع الحرام.
السّابع: إذا غسل الرِّجلين، ينوي أن لا يمشي إلى الحرام، [وإلى ما نها الله عنه] (¬6).
[باب في الطَّهور] (¬7)
قال أبو الطّيّب: الطَّهور (¬8) على أربعة أوجُه (¬9): فوجه (¬10) منها فريضة، ووجه منها سنّة، ووجه منها فضيلة، ووجه منها بدعة.
أمّا الّتي هي فريضة إذا تلوّث مَقعَدُه (¬11) أكثر من مَقعَدِه، يعني: تعدّى عن مَقعَده (¬12)،
¬
(¬1) ساقطة من ج.
(¬2) ساقطة من ج، ود.
(¬3) في ب، وج، ود: لا ينظر إلى ما نهى الله عنه.
(¬4) في ب، وج، ود: يكفّهما عن الحرام وما نهى الله عنه.
(¬5) ساقطة من ب، ود.
(¬6) ساقطة من ج، ود.
(¬7) في أ: باب آخر، وفي د، وج: باب في الطهر.
(¬8) ساقطة من ب، وج.
(¬9) في د: أقسام.
(¬10) ساقطة من أ.
(¬11) يطلق العلماء المخرجَ، ويقصدون به الدبر والقبل.
(¬12) إذا تعدى النجسُ عن المخرجَ، ينظر: إن كان المتعدي أكثر من قدر الدرهم، أجمعوا على أن يفترض غسله، وإن كان أقل من قدر الدرهم، أو قدر الدرهم، اختلفوا فيه:
الأول: يفترض غسله عند محمد. مشى عليه المصنف، وظاهر مختصر القدوري ص21، ومتن المختار ج1، ص36، وفي الاختيار ج1، ص36 بأنه الأحوط.
والثّاني: لا يفترض عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. اختاره في الكنز ص153، والوقاية ج2، ص151، والنقاية ج1، ص176، ونور الإيضاح والمراقي ص24، ملتقى الأبحر ج1، ص99، وفتاوى قاضيخان ج1، ص15، والفتاوى الهندية ج1، ص48، واستظهره في العناية ج1، ص215، وصححه في التصحيح ص161، وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 76
فغَسله فريضةٌ (¬1).
وإذا تلطّخ المَقعَدُ (¬2)، فالاستنجاءُ بثلاثة (¬3) أحجار، أو بثلاث مَدَرَات (¬4)، أو بثلاث حَفْنَات (¬5) من التّراب سنّةٌ (¬6) (¬7).
فإن غسل (¬8) بعد إنقائه بالحَجَر، فغَسله بالماء (¬9) فضيلةٌ (¬10).
¬
(¬1) وفي ذلك أيضا: إن تجاوز المخرج، وكان المتجاوز قدر الدرهم، فغسله واجب. ينظر: المراقي ص24، وغيره.
(¬2) أي: الدبر أو القبل ما لم يَتجاوز المخرج.
(¬3) لكن ليس العدد ثلاثا بمسنون فيه، بل مستحب. ينظر: الدرر والغرر ج1، ص48، وشرح الوقاية ج1، ص149، والدر المختار ج1، ص337، ورد المحتار ج1، ص337، وغيرها. لذلك قال في البدائع ج1، ص19: والمعتبر في إقامة هذه السنة عندنا هو الإنقاء دون العدد، فإن حصل بحجر واحد، كفاه، وإن لم يحصل بالثلاث، زاد عليه.
(¬4) المَدَر: قطع الطين اليابِس، أو العِلك الذي لا رمل فيه. ينظر: القاموس المحيط ص473، وغيره.
(¬5) الحَفن: أخذك الشيء براحتيك، والأصابع مضمومة. ينظر: القاموس المحيط ص1191، وغيره.
(¬6) ساقطة من د.
(¬7) هناك نوع آخر، وهو: إذا بال ولم يتغوط، فغسل قُبله مستحب. ينظر: الاختيار ج1، ص36، وغيره.
(¬8) أي: أراد الغَسل.
(¬9) أي: المطلق، وإن صح عندنا بما في معناه من كل مائع طاهر مزيل، فإنه يكره؛ لما فيه من إضاعة المال بلا ضرورة. كما في رد المحتار ج1، ص337.
(¬10) قيل: هو أدب وليس بسنة؛ لأنه ? فعله مرّة، وتركه أخرى، وقيل: سنّة في زماننا، كما في التبيين ج1، ص77. لكن في رد المحتار ج1، ص338: كان الجمع سنة على الإطلاق في كل زمان، وهو الصحيح وعليه الفتوى ... ثم اعلم أن الجمع بين الماء والحجر أفضل، ويليه في الفضل الاقتصار على الماء، ويليه الاقتصار على الحجر وتحصل السنة بالكل وإن تفاوت الفضل.
الجزء 1 · صفحة 77
وإن لم تخرج البلّة (¬1)، فغَسل ذلك (¬2) بدعةٌ (¬3).
¬
(¬1) اختلف العلماء في نجاسة عين الريح، أو طهارته، وبعضهم قال: بالنجاسة، والبعض بالطهارة، اختار الثاني في الدرر والغرر ج1، ص13، وصححه في الشرنبلالية ج1، ص13، والمراقي ص24، وقال في البحر ج1، ص31: الصحيح أن عينها طاهرة ... وهو قول العامة.
(¬2) أي: من الريح، وكذلك نحوه من النوم والفصد والإغماء والجنون والسكر مما ليس له جرم خارج من أحدهما كالريح، أو ليس مما خرج من أحد السبيلين كالباقي، فإن الاستنجاء منها بدعة. ينظر: فتح باب العناية ج1، ص171، وغيره.
(¬3) البدعة منقسمة إلى خمسة أقسام:
فالطّريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشرع، فإن دخلت:
1 - في قواعد الإيجاب، فهي واجبة، منها: الاشتغال بعلم النحو، وتدوين أصول الفقه، وغير ذلك.
2 - في قواعد التحريم، فمحرَّمة، مثل مذهب القدرية، والجبرية، والمرجئة، والرد على هؤلاء من البدع الواجبة.
3 - في قواعد الندب، فمندوبة، نحو إحداث الربطِ، والمدارس، والتراويح، والكلام في دقائق التصوف، وجمعُ المحافلِ للاستدلالِ في المسائلِ إن قصد بذلك وجه الله تعالى.
4 - في قواعد المكروه، فمكروهة، كزخرفة المساجد، وغير ذلك.
5 - في قواعد المباح، فمباحة، نحو التوسيع في المآكل والمشارب، ولبس الطيالسة، وتوسيع الأكمام.
والمراد بالضلالة المذكورة في الحديث ما يدخل في الحرمة والمكروهة.
لذا فإن البدعة ما لا يوجد في القرون الثلاثة، ولم يكن داخلا في الأصول الشرعية، فما دخل في الأصول الشرعية المعتبرة، وإن حدث بعد الأزمنة الثلاثة ليس بضلالة، وكذا ما حدث في أحد الأزمنة الثلاثة، لاسيما في زمن الصحابة بأن ارتكبوا شيئا لم يرتكبه رسول الله ?، أو اطَّلعوا على أمر حادث، ولم ينكره أحد منهم. وأما إذا حدث حادث في زمنهم وأنكروه، واستقبحوه فهو بدعة وضلالة، وليس أنّ كل حادث في زمنهم، وإن وقع عليه النكير ليس بدعة، هذا هو خلاصة تصريحات المحقّقين وكلمات المحدّثين. ينظر: التحقيق العجيب في التثويب ص51 - 54، وأيضا للشيخ محمد بخيت المطيعي رسالة اسمها: أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدعة من الأحكام، وفيها أبحاث في هذا المقام، فليراجع.
الجزء 1 · صفحة 78
باب الفريضة (¬1) في الوضوء
¬
(¬1) اعلم أن الأحكام الشرعية العملية: هي التي تتعلق بأفعال المكلفين من العبادات والمعاملات، وهي:
1 - الفرض: وهو إن كان الفعل أولى من الترك مع منع الترك الثابت بدليل قطعي. وحكمه: أنه يعاقب تاركه إلا أن يعفو الله عنه.
2 - الواجب: وهو إن كان الفعل أولى من الترك مع منع الترك الثابت بدليل ظني. وحكمه: أنه يعاقب تاركه إلا أن يعفو الله عنه.
والفرق بين الفرض والواجب: أن الفرضَ لازم علماً وعملاً حتى يكفر جاحده، والواجب لازم عملاً لا علماً، فلا يكفر جاحده، بل يفسق إن استخف بأخبار الآحاد غير المؤولة، وأما المؤولة فلا.
3 - السنة: وهو إن كان الفعل أولى من الترك بلا منع الترك، وهذا إذا كان الفعل طريقة مسلوكة في الدين وإلا فنفل ومندوب. وحكمها: أن السنة نوعان:
الأولى: سنة الهدى: وتركها يوجب إساءة وكراهية؛ كالجماعة والأذان والإقامة ونحوها.
والثانية: سنة الزوائد؛ وتركها لا يوجب ذلك كسنن النبي - صلى الله عليه وسلم - في لباسه وقيامه وقعوده.
4 - الحرام: وهو إن كان الترك أولى من الفعل مع منع الفعل الثابت بدليل قطعي. وحكمه العقاب على فعله.
5 - المكروه: وهو إن كان الترك أولى من الفعل مع منع الفعل الثابت بدليل ظنيّ. وحكمه: أن المكروه نوعان:
الأول: مكروه كراهة تنزيه: وهو إلى الحل أقرب.
والثاني: مكروه كراهة تحريم: وهو إلى الحرمة أقرب.
6 - المباح: وهو ما استوى فيه الفعل والترك. ينظر: المدخل المفصل إلى الفقه الحنفي ص23 - 24.
الجزء 1 · صفحة 79
قال أبو الطّيّب: أربعة أشياء (¬1) فريضة في الوضوء (¬2):
أوّلُها: غَسل (¬3) الوجه، وهو من قُصَاص الشّعر (¬4) إلى أسفل (¬5) الذَّقن طُولا، ومن شَحمة الأُذُن إلى شَحمة الأُذُن (¬6) عَرضا (¬7).
¬
(¬1) فائدة: أما الحكمة في تخصيص الأعضاء الأربعة في الوضوء، فإن الله تعالى لما نهى آدم - عليه السّلام - في الجنة عن قربان تلك الشجرة وتناولها، صارت هذه الأعضاء الأربعة مذنبة، فمن الرجلين المشي، ومن اليدين البطش، ومن الوجه التوجه إليها، فلما علم آدم - عليه السلام - بذلك، وضع يده على أم رأسه؛ لما أصابه من الغم، وسقط عنه الحلى والحلل، فعيّن الله هذه الأعضاء الأربعة لنزول عنه ما اقترفت هذه الأعضاء. ينظر: البناية ج1، ص83، وغيره.
(¬2) ساقطة من أ.
(¬3) الغسل: إسالة الماء على المحل بحيث يتقاطر، وأقله قطرتان في الأصح، ولا تكفي الإسالة بدون التقاطر. كما في المراقي ص28. لكن قال العلامة اللكنوي في عمدة الرعاية ج1، ص243: اختلفت العبارات في ذكر مذهب أبي حنيفة ومحمد، فظاهر عامة الكتب أن سيلان القطرة الواحدة كاف، والمفهوم من بعضها اشتراط القطرتين.
(¬4) وهو منتهى منبت شعر الرأس. كما في شرح الوقاية ج1، ص7.
(¬5) في د: أخر.
(¬6) أما البياض الذي بين العِذار والأذن، فإنه روي عن أبي يوسف: سقوطه بنبات اللحية، وعند أبي حنيفة ومحمد: دخوله في الوجه، فيفرض غسله. قال في شرح الوقاية ج1، ص7: وعليه أكثر مشايخنا. وفي رد المحتار ج1، ص97: وهو ظاهر المذهب، وهو الصحيح، وعليه أكثر المشايخ. لكن معروف أن الخلاف هنا في الملتحي، أما المرأة والأمرد والكَوسَج، فيفترض الغسل اتفاقا. ينظر: الدر المنتقى ج1، ص21، وغيره.
(¬7) فلا يجب غسل باطن العينين والأنف، والفم، وأصول شعر الحاجبين، واللحية الكثة والشارب، وونيم الذباب للحرج. ينظر: الدر المختار ج1، ص97 - 98، وغيره.
الجزء 1 · صفحة 80
الثّاني: غَسل اليدين إلى المِرفَقَين، والمِرفَقان يُغسَلان معهما (¬1).
الثّالث: مسح (¬2) رُبع رأسه (¬3)،
¬
(¬1) وكذلك الكعبان مع الرجلين، وهذا عندنا، خلافا لزفر - رضي الله عنه -، بناء على أنّ الأصل في الغاية عدم الدخول في المغيّا، كالليل في الصّوم. ولنا: أنّ ضرب الغاية لا بُدَّ له من فائدة، وهي إما مدّ الحكم إليها، أو إسقاط ما وراءها، والأول يحصل هنا بدونه؛ لأنّ اليد اسم لذلك العضو إلى الإبط، فتعين الثاني، وموجبه دخول الغاية تحت المغيّا. فإن قيل إذا كان في دخول المِرفقين والكعبين في الغسل شك واحتمال، فكيف يثبت الفرض فيهما؟ أجيب بأنّ الاحتمال قد زال بفعله ?، ولم ينقل تفويته، ولو كان تركه جائزا، لفعله مرّة؛ تعليما للجواز. كما في مجمع الأنهر ج1، ص10 - 11.
(¬2) المسح: إصابة اليد المبتلّة العضو، إما بَلَلا يأخذه من الإناء، أو بللا باقيا باليد بعد غسل عضو من المغسولات. ولا يكفي البلل الباقي في يده بعد مسح عضو من الممسوحات، ولا بلل يأخذه من بعض أعضائه سواء كان ذلك العضو مغسولا أو ممسوحا. كما في شرح الوقاية ج2، ص17. أما في المسح بالبلل الباقي باليد، فقال الرملي بعد نقل كلام ابن كمال باشا فيه مع تصحيحه قول الحاكم: وقد أخذه ابن الكمال من المجتبى شرح القدوري، وفي التتارخانية برمز المحيط: ولو في كفه بلل، فمسح به رأسه، أجزأه. قال الحاكم الشهيد: هذا إذا لم يستعمل في عضو من أعضائه بأن غسل بعض أعضائه بأن يدخل يده في إناء، حتى ابتلت، أما إذا استعمله في عضو من أعضائه، وبقي في كفه بلل، لا يجوز. وأكثرهم على أن ما قاله الحاكم الشهيد خطأ والصحيح أن محمدا أراد بذلك ما إذا غسل عضوا من أعضائه، وبقي البلل في كفه، يعني: لا أنه أراد أن يدخل يده في إناء حتى تبتل، كما زعمه الحاكم. ينظر: منحة الخالق ج1، ص14.
(¬3) اعلم أن في مقدار مسح الرأس أقوال:
الأول: مقدار ثلاثة أصابع، رواها هشام عن الإمام، وقال ابن نجيم في البحر ج1، ص15: ذكر في البدائع أنها رواية الأصول، وفي غاية البيان أنها ظاهر الرواية، وفي معراج الدراية أنها ظاهر المذهب، واختيار عامة المحققين، وفي الظهيرية: وعليها الفتوى، ووجهوها: بأن الواجب الصاق اليد، والأصابع أصلها، والثلاث أكثرها، وللأكثر حكم الكلّ، ومع ذلك فهي غير المنصور. وفي رد المحتار ج1، ص99: لكن نسبها إلى محمد، فيحمل ما في المعراج من أنها ظاهر المذهب على أنها ظاهر الرواية عن محمد توفيقاً.
والثاني: مقدار الناصية، واختاره القدوري في مختصره ص11، وقال في الهداية ج1، ص15، ومنية المصلي ص13، وخلاصة الدلائل ج1، ص172، والجوهرة النيرة ج1، ص4، والاختيار ج1، ص7، وغيرها: وهو ربع الرأس، لكن قال ابن عابدين في رد المحتار ج1، ص99: والتحقيق أنها أقلّ منه. وأيضا في البناية ج1، ص166: وليست الناصية ربع الرأس على الحقيقة.
والثالث: وهي أشهرها، مسح ربع الرأس، وهي رواية الطحاوي والكرخي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -. كما في درر الحكام ج1، ص10، وعليه عامة المتون، كتحفة الملوك ص25، والمختار ج1، ص7، ومجمع البحرين ج1، ص121، والكنز ص139، والوقاية ج2، ص19، والنقاية ج1، ص13، وملتقى الأبحر ج1، ص11، وتنوير الابصار ج1، ص99، وغيرها. وقال ابن عابدين في رد المحتار ج1، ص99: الحاصل أن المعتمد رواية الربع، وعليها مشى المتأخرون، كابن الهمام وابن أمير حاج، وصاحب البحر، والنهر، والمقدسي، والتمرتاشي، والشرنبلالي، وغيرهم. وفي البحر ج1، ص14: أصحُها رواية ودراية ما في المختصر - أي رواية الربع -.
الجزء 1 · صفحة 81
ومسح جميع الرّأس أفضل (¬1).
الرّابع: غسل الرِّجلين إلى الكَعبين (¬2)، والكَعبان يدخلان في الغَسل.
¬
(¬1) اختلف العلماء في حكم مسح كل الرأس:
الأول: أنه مستحب، مشى عليه في القدوري ص11، والفقه النافع ج1، ص152، وغيرهما.
والثاني: أنه سنة، مشى عليه عامة المتون والشروح، كالوقاية ج2، ص29، والمختار ج1، ص8، ومجمع البحرين ج1، ص146، والكنز ص139، وتحفة الفقهاء ص14، وتحفة الملوك ص27، وملتقى الأبحر ص26، وغرر الأحكام ج1، ص11، وتنوير الأبصار ج1، ص120، ونور الإيضاح ص33، والهداية ج1، ص16، وفتاوى قاضيخان ج1، ص16، ورد المحتار ج1، ص121، وصححه في التصحيح ص139، والجوهرة النيرة ج1، ص7 وغيرها.
كيفية الاستيعاب: أن يأخذ الماء، ويبل كفه وأصابعه، ثم يلصق الأصابع، ويضع على مقدم رأسه من كل يد ثلاث أصابع، ويمسك إبهاميه وسبابتيه ويجافي بين كفيه، ويمدهما إلى قفاه، ثم يرسل الأصابع، ويضع كفيه، ويمسح على فَوديه بكفيه، ويمسح ظاهر أذنيه بباطن إبهاميه وباطن أذنيه بباطن مسبحتيه، حتى يصير ماسحاً جميع الرأس ببلل لم يصر مستعملاً، والروايةُ من مقدم الرأس قولُ عامةِ المشايخ. كما في المحيط ج1، ص47.
(¬2) الكعب: هو العظم الناتي المتصل بعظم الساق. صححه في الهداية ج1، ص15، وغيره. وروى هشام عن محمد - رضي الله عنه - أنه قال إنه المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك، وهذا سهو من هشام، لم يورد محمد - رضي الله عنه - تفسير الكعب بهذا في الطهارة، وإنما أراد في المحرم إذا لم يجد نعلين أنه يقطع خفّيه أسفل من الكعبين. فأما في الطهارة فلا شك أنه العظم الناتي. ينظر: المستصفى ج1، ص123. لذلك أن الكعب في الوضوء: العظمان الناتيان من جانبي القدم، وفي الحج: المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك. ينظر: النهر ج2، ص69، وغيره.
الجزء 1 · صفحة 82
فإن بقي من الوجه، أو من اليدين، أو من الرِّجلين مقدار السِّمسِم لم يصبه الماءُ (¬1)، لم تجز صلاتُه، حتّى يصيبَه، سواء كان عامدا أو ناسيا.
باب الفضيلة (¬2) في الوضوء
قال أبو الطّيّب: فضيلة الوضوء أربعة:
أوّلُها: غسل الوجه مرة ثانية فضيلة.
الثّاني: غسل اليدين مرة ثانية فضيلة.
الثّالث: غسل الرِّجلين مرة ثانية فضيلة (¬3).
¬
(¬1) لكن إذا مسح، ثمَّ حلقَ الشَّعر، لا تجب الإعادة، وكذا إذا توضّأ، ثمّ قصّ الأظفار. كذا في شرح الوقاية ج2، ص25.
(¬2) قال الحصكفي في الدر المختار ج1، ص123: يسمى المستحب مندوبا، وأدبا، وفضيلة، وهو ما فعله النبي ? مرة وتركه أخرى، وما أحبه السلف. وعلق عليه ابن عابدين في رد المحتار ج1، ص123: زاد غيره: ونفلا، وتطوعا، وقد جرى على ما عليه الأصوليون، وهو المختار من عدم الفرق بين المستحب والمندوب والأدب، كما في حاشية نوح أفندي على الدرر؛ فيسمى: مستحبا من حيث إن الشارع يحبه ويؤثره. ومندوبا من حيث إنه بين ثوابه وفضيلته؛ من ندب الميت: وهو تعديد محاسنه. ونفلا من حيث إنه زائد على الفرض والواجب، ويزيد به الثواب. وتطوعا من حيث إن فاعله يفعله تبرعا من غير أن يؤمر به حتما.
(¬3) قال في المحيط ج1، ص46: أن الوضوء مرة واحدة فرض، ومرتين فضيلة، وثلاثا في المغسولات سنة، وأربعا بدعة. لكن في الطحطاوي على المراقي ص71: والمرة الأولى فرض، والثنتان بعدها سنتان مؤكدتان على الصحيح. كما في السراج، واختاره في المبسوط، وأيده في النهر ج1، ص43، لأنه لما توضأ ? مرتين، قال ?: «هذا وضوء من توضأه، أعطاه الله كفلين من الأجر» في سنن ابن ماجه ج1، ص145، وغيره، وإسناده ضعيف. كما في الدراية ج1، ص25. فجعل للثانية جزاء مستقلا، فهذا يؤذن باستقلالها لا أنها جزء سنة، حتى لا يثاب عليها وحدها. وصححه في الجوهرة النيرة ج1، ص6، وأقره في الفتاوى الهندية ج1، ص7، وأيضا أقر ما في النهر ابن عابدين في رد المحتار ج1، 118.
الجزء 1 · صفحة 83
الرّابع: مسح الرّقبة (¬1) مرة واحدة فضيلة.
باب السنة في الوضوء
قال أبو الطّيّب: عشرة أشياء (¬2) سنة في الوضوء:
أوّلُها: تسمية الله تعالى (¬3)
¬
(¬1) يعني: بظهر اليدين لعدم استعمال بلتهما، أما مسح الحلقوم فبدعة. ينظر: البحر ج1، ص29. ثم اختلفوا في حكم مسح الرقبة على قولين:
أولا: سنة، مشى عليه في منية المصلي ص15، وتحفة الملوك ص27، ونور الإيضاح، والمراقي ج1، ص34، وغيرها.
وثانيا: مستحب، مشى عليه في الوقاية ج2، ص40، وعلَّله شارحها بقوله: لأنَّ النَّبي ? مسح عليها. والمختار ج1، ص9، والكنز ص139، والنقاية ج1، ص34، وملتقى الأبحر ج1، ص29، وغرر الأحكام ج1، ص11، وتنوير الأبصار ج1، ص24، وفتح القدير ج1، ص36، والفتاوى الهندية ج1، ص8، وقال في البحر ج1، ص29: وفي الخلاصة: الصحيح أنه أدب، وهو بمعنى المستحب. وصححه في رد المحتار ج1، ص124، وقال في تحفة الطلبة في تحقيق مسح الرقبة ص28 - 37: ذهب جمهور أصحابنا إلى أنه مستحبّ ... ذهب إليه أكثر أصحابنا المتأخرين، وهو المذهب المنصور؛ لثبوته من فعل صاحب الشرع أحيانا؛ وهو مناط الاستحباب.
(¬2) أزيد: النية، وَالترتيب، والموالاة، والمبالغة في المضمضة والاستنشاق للمفطر، والبداءة في غسل اليدين والرجلين من رؤوس الأصابع، وتحريك الخاتم الضّيق، ومسح كل الرّأس، والبداءة فيه من مقدمه. ينظر: تحفة الملوك ص26 - 27، وغيره.
(¬3) كيفيتها: بسم الله العظيم، والحمد للّه على دين الإسلام، وإن قال: بسم اللّه الرحمن الرحيم، أجزأه، وقيل: أنه أفضل. ينظر: في الجوهرة النيرة ج1، ص5، والمراقي ص32، وغيرهما.
ثم اختلف العلماء في صفته على ثلاثة أقوال:
الأول: أنها مستحبة، ومشى عليه في النتف في الفتاوى ص23، وصححه الزيلعي في التبيين ج1، ص4، وصاحب الهداية ج1، ص16، والجوهرة النيرة ج1، ص5 بتبع صاحب الهداية. وقال اللكنوي في إحكام القنطرة في أحكام البسملة ص80 بأنه أضعف الأقوال.
والثاني: أنها واجبة، وصححه اللكنوي في إحكام القنطرة ص84، وابن الهمام في فتح القدير ج1، ص22 - 23، لكن قال العلامة ابن عابدين في رد المحتار ج1، ص109 - 110: وتعجب صاحب البحر من المحقق ابن الهمام حيث رجح هنا وجوبها، ثم ذكر - ابن الهمام - في باب شروط الصلاة أن الحق ما عليه علماؤنا من أنها مستحبة. كيف، وقد قال الإمام أحمد: لا أعلم فيها حديثا ثابتا.
والثالث: أنها سنة، واختاره عامة المتون، كمختصر القدوري ص11، والوقاية وشرحه ج2، ص27، والمختار والاختيار ج1، ص8 بتعليل مواظبة الرسول ? عليه، والكنز ص139، وتحفة الفقهاء ص12، وتنوير الأبصار ج1، ص108، والدرر والغرر ج1، ص10، والشروح الكبرى والفتاوى، مثل البدائع ج1، ص20، والبناية ج1، ص198، والفتاوى الهندية ج1، ص6 وغيرها. ومن أراد الوقوف على أدلة كل طرف، والأحكام المتعقلة بها، فلينظر: إحكام القنطرة في أحكام البسملة.
الجزء 1 · صفحة 84
في ابتداء الوضوء (¬1).
الثّاني: غَسل اليدين قبل الطَّهور وبعده (¬2).
¬
(¬1) اختلف المشايخ في أن التسمية يؤتى بها قبل الاستنجاء أو بعده:
فقال بعضهم: قبله؛ لأنها سنة افتتاح الوضوء، اختاره في مختصر القدوري ص11، والوقاية ج1، ص27، والمختار ج1، ص8، وتحفة الفقهاء ص11 - 12، وصححه العيني في البناية ج1، ص198، والمراقي ص32، وغيرها.
وقال بعضهم: بعده؛ لأن حال الاستنجاء حال كشف العورة، فلا يكون ذكر اسم الله تعالى في تلك الحالة من باب التعظيم. كما في البدائع ج1، ص20،
وقال بعضهم: قبله وبعده، واختاره في تنوير الأبصار ج1، ص109، والدرر والغرر ج1، ص10، وصححه في منية المصلي ص15، والهداية ج1، ص16، والفتاوى الهندية ج1، ص6، والتبيين ج1، ص4، وقال في رد المحتار ج1، ص109: فالأحوط أن يجمع بينهما، واختاره في الهداية وقاضي خان. وقال في غنية المستملي المعروف بحلبي كبير ص22: قال قاضيخان: والأصح أن يسمى مرتين. وقال في التصحيح ص138: قال الزاهدي: والأكثر على أن التسمية وغسل اليدين سنتان قبله وبعده.
فرع: ولو نسي التسمية في ابتداء الوضوء، ثم ذكرها في خلاله، فسمى، لا تحصل السنة، بخلاف نحوه في الأكل؛ معللا بأن الوضوء عمل واحد، بخلاف الأكل؛ فإن كل لقمة فعل مبتدأ. ينظر: البحر ج1، ص20.
(¬2) الاختلاف في وقت غسل اليدين كالاختلاف في وقت التسمية، فقال بعضهم: قبل الاستنجاء، وقال بعضهم: بعده، والأصح أنه يغسلهما مرتين قبله وبعده. ينظر: غنية المستملي ص22، وصححه هو وابن قطلوبغا في التصحيح ص138، كما سبق كلامه، وحاشية الشرنبلالي ج1، ص10، وغيرهما.
الجزء 1 · صفحة 85
الثّالث: نضح (¬1) (¬2) الماء في السراويل (¬3).
الرّابع: المَضمَضة (¬4).
الخامس: الاستنشاق (¬5).
السّادس: تخليل الأصابِع (¬6).
السّابع: تخليل اللِّحَية (¬7).
¬
(¬1) في أ: فضح، وفي هـ: تنضح.
(¬2) النضح: رشّ الماء على الشيء. كما في مجمل اللغة ج1، ص871، وغيره.
(¬3) يعني: النضح في السّراويل، أو الفخذين بعد الاستنجاء لمن به إبرِدة، أو وسوسة. ينظر: النتف في الفتاوى ج1، ص22. ولكن عدّه من الآداب في رد المحتار ج1، ص125 بالنقل عن الخزائن.
(¬4) كيفيته: أن يمضمض ثلاثا، يأخذ لكل مرة ماء جديدا، ثم يستنشق كذلك. كذا في الهداية ج1، ص16.
(¬5) بل هما سنتان مشتملتان على سبع سنن: الترتيب، والتثليث، والتجديد، وفعلهما باليمين، والمبالغة فيهما، والمجّ، والاستنثار، والحكمة في تقديمهما على الفروض اختبار أوصاف الماء؛ لأنّ لونَه يدرك بالبصر، وطعمه بالفم، وريحه بالأنف، فقُدِّما لاختبار حال الماء بعد الرؤية قبل فعل الفرض به. كما في الطحطاوي على المراقي ص70، وحلبة المجلي ج1، ص59، والبحر ج1، ص22.
(¬6) هو سنة مؤكدة اتفاقا. كما في رد المحتار ج1، ص117.
كيفيته في اليدين أن يشبك بينهما، وفي الرجلين أن يخلل بخنصر يده اليسرى، فيبدأ من خنصر رجله اليمنى، ويختم بخنصر رجله اليسرى من الأسفل. كما في الدرر والغرر ج1، ص11.
(¬7) كيفيته: أن يدخل أصابع يديه في خلال لحيته من الأسفل إلى الأعلى بعد التثليث. كما في الدرر والغرر ج1، ص11. أما حكمه ففيه ثلاثة أقوال:
الأول: أنه جائز عند أبي حنيفة ومحمد، كما في الهداية ج1، ص16، واللباب ج1، ص10. أما معنى جائز عندهما، فأنه ليس ببدعة، ولا بسنة، ووجهُ قولهما: أن السنة إكمال الفرض في محله، والداخل ليس بمحل الفرض. ينظر: في الهداية ج1 ص16، والاختيار ج1، ص8، والتبيين ج1، ص4، وغيرها. وذكر الطحطاوي في حاشيته على المراقي ص70، وصاحب البحر ج1، ص22: أن السنية أصح الروايتين عن محمد.
والثاني: أنه مستحب، ونسبه إلى قول أبي حنيفة ومحمد في غنية المستملي ص23، ومجمع البحرين ج1، ص141، ورجحه في شرحه ص142 بتأخير تعليل الطرفين ويحمل ما رواه على فضيلة. واختاره في النتف في الفتاوى ص23، وغيرها.
والثالث: أنه سنة، وهو قول أبي يوسف، واختاره أصحاب المتون كمختصر القدوري ص11، والوقاية ج2، ص29، والمختار ج1، ص8، وملتقى الأبحر ج1، ص24، والنقاية ج1، ص26، ونور الإيضاح ص33، وتحفة الملوك ص27، والكنز ص139 وتنوير الابصار ج1، ص117، ومنية المصلي ص15، وغرر الأحكام ج1، ص11، وصححه في منحة السلوك ص58، والبحر ج1، ص22، والنهر ج1، ص42، ورد المحتار ج1، ص117، والفتاوى السراجية ص28، وفي غنية المستملي ص23: والأدلة ترجح قول أبي يوسف، وقد رجحه في المبسوط، وهو الصحيح.، وكذلك قال في التصحيح ص138، وفي الفتاوى الهندية ج1، ص7: إن قاضي خان أخذ به.
الجزء 1 · صفحة 86
الثّامن: غَسل الأعضاء الثلاثة ثلاثًا ثلاثًا (¬1).
التّاسع: السِّواك (¬2).
العاشر: مسح الأُذُنين (¬3)
¬
(¬1) هذا ما عرف بتثليث الغَسل، فلا يطلب تثليث المسح. ينظر: رد المحتار ج1، ص118.
(¬2) اختلف العلماء فيه:
الأول: أنه مستحب، واختاره في منية المصلي ص17، وصححه في الهداية ج1، ص16، وفتح القدير ج1، ص25، والتبيين ج1، ص4، والاختيار ج1، ص8، والبحر ج1، ص21، والنهر ج1، ص40، وغيرها.
والثاني: أنه سنة، وعليه عامة المتون، كمختصر الطحاوي ج1، ص301، ومختصر القدوري ص11، وتحفة الملوك ص26، وتحفة الفقهاء ص13، والوقاية ج2، ص27، والنقاية ج1، ص23، والمختار ج1، ص8، والكنز ص139، وملتقى الأبحر ج1، ص13، وتنوير الابصار ج1، ص113، ونور الإيضاح ج1، ص32، والشروح الكبرى، كالبدائع ج1، ص19، والدرر والغرر ج1، ص10، والمحيط ج1، ص45، والفتاوى الهندية ج1، ص7، وغيرها. من يرد تفصيل المسألة فليراجع في أحكام السواك من السعاية.
أما وقت السواك:
فقيل: قبل الوضوء، واختاره في البدائع ج1، ص18 - 19، وقال اللكنوي في أحكام السواك من السعاية ص39: وفي المجتبى: أما وقته، فذكر في كفاية البيهقي، والوسيلة، والشفا: أن السواك قبل الوضوء. لكن قال بعد هذا: يؤيد كونه عند المضمضة فعلُ عليّ - رضي الله عنه - على ما نقلناه من مسند أحمد، فليكن هو المعوّل عليه.
وقيل: عند المضمضة، ومشى عليه في تحفة الفقهاء ص13، وفتح القدير ج1، ص24، والجوهرة النيرة ج1، ص5، والفتاوى الهندية ج1، ص7، ومنحة السلوك ص57، وقال في البحر ج1، ص21: وعليه الأكثر، وهو الأولى؛ لأنه أكمل في الإنقاء. وكذلك قال في المراقي ص32 بأنه على قول الأكثر.
(¬3) اعلم أن العلماء اختلفوا في أن السنة مسحهما بماء جديد، أو بماء الرأس:
فقال البعض: بماء جديد، قال في الخلاصة: لو أخذ للأذنين ماء جديدا فهو حسن، وذكره ملا مسكين رواية عن أبي حنيفة. كذا في رد المحتار ج1، ص121، ومشى عليه في نور الإيضاح والمراقي ج1، ص33، والدر المختار ج1، ص121، ومال إليه في البحر ج1، ص28، حيث قال: لو أخذ ماء جديدا مع بقاء البلة، فإنه يكون مقيما للسنة اتفاقا. وأقره في النهر ج1، ص46، والفتاوى الهندية ج1، ص7، لكن قال ابن عابدين في رد المحتار ج1، ص121: أقول: مقتضاه - أي ما في البحر -: أن مسح الأذنين بماء جديد أولى؛ مراعاةً للخلاف؛ ليكون آتيا بالسنة اتفاقا ... لكن تقييد سائر المتون بقولهم بمائه يفيد خلاف ذلك، وكذا تقرير شراح الهداية وغيرها، واستدلالهم بفعله ? «أنه أخذ غرفة فمسح بها رأسه وأذنيه»، وبقوله «الأذنان من الرأس»، وكذا جوابهم عما روي أنه ? أخذ لأذنيه ماء جديدا بأنه يجب حمله على أنه لفناء البلة قبل الاستيعاب جمعا بين الأحاديث، ولو كان أخذ الماء الجديد مقيما للسنة لما احتيج إلى ذلك. وفي المعراج عن الخبازية: ولا يسن تجديد الماء في كل بعض من أبعاض الرأس، فلا يسن في الأذنين بل أولى لأنه تابع ... وفي التتارخانية: ومن السنة مسحهما بماء الرأس، ولا يأخذ لهما ماء جديدا. وفي الهداية والبدائع: وهو سنة بماء الرأس ... فقد ظهر لك أن ما مشى عليه الشارح مخالف للرواية المشهورة التي مشى عليها أصحاب المتون والشروح الموضوعة لنقل المذهب.
وقال البعض: بماء الرأس، اختاره أصحاب المتون والشروح الكبرى والفتاوى، كالكنز ص139، والوقاية وشرحه ج2، ص31، ومجمع البحرين ج1، ص150، والمختار ج1، ص7، وتحفة الفقهاء ص14، وملتقى الأبحر ج1، ص16، وتنوير الأبصار ج1، ص121، وغرر الأحكام ج1، ص11، والهداية ج1، ص16، والعناية ج1، ص27، والمحيط ج1، ص47، وفتاوى قاضيخان ج1، ص16، والتبيين ج1، ص6، ومنحة السلوك ص59، وفتح القدير ج1، ص27 - 28، حيث حمل حديث أخذ النبي ? لأذنيه ماء جديدا على أنه لفناء البلة قبل الاستيعاب. وغيرها.