إغاثة السّعاة في قواعد الزكاة .......
وتطبيقاتها وفتاويها المعاصرة عند الحنفية
جارٍ تحميل الكتاب…
إغاثة السّعاة في قواعد الزكاة .......
وتطبيقاتها وفتاويها المعاصرة عند الحنفية
الطبعة الأولى
1446هـ ـ 2024م
إغاثة السُّعاة
في قواعد الزكاة وتطبيقاتها
وفتاويها المعاصرة عند الحنفية
يشتمل على (70) قاعدة للزكاة و (100) فتوى معاصرة
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيِّد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
وبعد:
فإن غايةَ دراسة الفقه وتدريسه هو القدرة على تلبية حاجة المسلمين في عيش الإسلام، والتنعُّم بأحكامه، والالتزام بأوامره، ولا يتحقَّق ذلك إلا بفهم قواعده وأصوله، وتطبيقها في حياتنا، والإفتاء بما يحتاج إليه المسلمون من مسائل، والإجابة عن مشكلات مسائله وعويص فروعه.
وفي هذا الكتاب تقديم لأحكام الزكاة بحلّة عصرية على هيئة قواعد، حيث ذكرت فيه أبرز (70) قاعدة في الزكاة، مع الشرح والتوضيح لها، وضرب أمثلة تطبيقية عليها، واشتمل على فصل آخر فيه (100) فتوى معاصرة في مسائل الزكاة المستجدة التي يكثر السؤال والنقاش حولها.
وكانت الغاية من تأليفه تسهيل أحكام الزّكاة على الدّارسين، وعرضها بطريقة قواعدية تطبيقية، تُيسر فهمها والبناء عليها، وتقديم حلول وفتاوى عملية مناسبة لواقعنا الحاضر في عامّة المستجدات.
وقد وُفقت بفضل الله قديماً في بيان أحكام الحيض على هيئة قواعد وتطبيقات وفتاوى في «أكاليل الماس»، حتى انتشر انتشاراً واسعاً وترجم للغات عديدة، والأمل أن يتحقَّق التوفيق في حسن عرض الزكاة التي يصعب ضبطها على الدارسين، فيكون هذا التأليف عمدة للراغبين.
وسميته:
«إغاثة السعاة في قواعد الزكاة وتطبيقاتها وفتاويها المعاصرة عند الحنفية»
سائلاً من المولى أن يتقبَّل هذا العمل، ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يرزقنا القبول في الدنيا والآخرة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدُّكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي، في جامعة العلوم الإسلامية العالمية
الأربعاء 4/ 12/2024م
الأردن/عمان /صويلح
الفصل الأولى
قواعد الزكاة وتطبيقاتها
المبحث الأول
ركن الزكاة وشرطها
القاعدة (1)
تمليك المال من فقير مسلم
بشرط قطع المنفعة عن المملك
*توضيح:
لا بُدَّ لصحّة دفع الزكاة من تحقُّق تمليك المال؛ لأنَّ الإيتاء في قوله تعالى: {وَآتُواْ الزَّكَاةَ} البقرة: 43، يقتضي التَّمليك، ولا تتأدى بالإباحة، حتى لو كفل يتيماً فأنفق عليه ناوياً للزَّكاة لا يجزئه، ولو كساه تجزئه؛ لوجود التَّمليك.
ولا يصحُّ دفع الزكاة لغير المسلم؛ لأنَّ دفع الزَّكاة يكون للمسلمين لا غير.
ويجب أن تنقطع المنفعة بين المزكي وبين الفقير من كلِّ وجه لله تعالى (¬1)؛ لأنَّ الزَّكاةَ عبادةٌ، ولا بُدَّ فيها من الإخلاص لله تعالى؛ لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} البينة: 5، فلا يصح
¬
(¬1) ينظر: كنز الدقائق 1: 251، والهدية العلائية ص197، وغيرها.
الدَّفع إلى فروعه وإن سفلوا، وإلى أصوله وإن علوا، ودفع أحد الزَّوجين إلى الآخر؛ لاشتراط قطع المنفعة عن المملك من كل وجه (¬1).
*تطبيق:
فلو دفعت امرأة زكاة مالها لزوجها لا يصح؛ لعدم انقطاع المنفعة.
ولو دفع غني لزوج ابنته الفقيرة أو زوجة ابنه الفقير تمليكاً لهم فيصح؛ لأنهم ليسوا من الأصول والفروع.
ولو دفع الجدُّ زكاته ماله لأولاد بناته وأبنائه الفقراء لا يصح؛ لأنهم من فروعه.
• • •
القاعدة (2)
الزكاة فريضة
*توضيح:
إن الزكاة فريضة، وهي من أركان الإسلام، فيلزم فعلها على من وجبت عليه، ويكفر جاحدها لقطعية ثبوتها، فعلى المسلم أن ينزلها منزلتها، فلا يقصر في أدائها لئلا يكون فاسقاً، فإنَّها في القرآن ثالثة الإيمان، قال الله تعالى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ} التوبة:
¬
(¬1) ينظر: التبيين 1: 251 - 252، والهدية العلائية ص197 - 198، وغيرها.
5، وقال: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُوم. لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم} المعارج: 24 - 25، والحقُّ المعلومُ هو الزَّكاة، وقال: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ} التوبة: 34، فكل مال لم تؤد زكاته فهو كنز.
وفي السُّنّة: هي من جملة أركان الدِّين الخمس، قال - صلى الله عليه وسلم -: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أنَّ لا إله إلا الله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، والحج، وصوم رمضان» (¬1)، فأصل الوجوب ثابتٌ بإيجاب الله تعالى.
*تطبيق:
فلو لم يدفع مسلمٌ زكاة ماله لسنوات فسقاً أو كسلاً، فإنّها تبقى في ذمته، فيلزمه إخراجها وتقديرها في كلّ سنة لم يدفعها، بحيث يجمع ما ثبت في ذمته في جميع السنوات ويخرجه للفقراء.
• • •
القاعدة (3)
التكليفُ شرطٌ لوجوب الزكاة
*توضيح:
المكلَّف هو المسلم البالغ العاقل، فلا تجب الزكاة إلا على هؤلاء؛
¬
(¬1) في صحيح البخاري1: 11، وصحيح مسلم1: 45.
لأنها عبادة محضة؛ لكونها أحد أركان الدين، وغير المسلم والمجنون والصغير ليسوا بمخاطبين، فلا تجب عليهم كما لا تجب عليهم سائر أركان الإسلام (¬1).
*تطبيق:
فلو أسلم الكافر، وعقل المجنون، وبلغ الصبي، وكان غنياً، فإنه يبدأ حساب حولان الحول من لحظة التكليف، حتى يُزكّي بعد حولان الحول.
وهذا القاعدة تشتمل على عدة قواعد ذكرتها منفصلة زيادة في الايضاح والبيان وتسهيلاً على الدارسين.
• • •
القاعدة (4)
الإسلام شرط لوجوب الزكاة
*توضيح:
فلا تجب الزكاة على غير المسلم فلا تصحُّ منه الزكاة؛ لأنّ مفتاحَ القبول للأعمال هو الشهادة، ولا يُخاطب بالأداء لما سبق بعد الإسلام؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الإسلامُ يهدم ما كان قبله» (¬2).
¬
(¬1) ينظر: تبيين الحقائق 1: 252.
(¬2) في صحيح مسلم1: 112، وغيره.
*تطبيق:
فلو أن شخصاً أسلم لا تلزمه زكاة ما سبق من السنوات.
ولو أن مسلماً ارتد ـ والعياذ بالله ـ سقطت عنه زكاة ما مضى، ويبدأ حولاً جديداً لماله بعد إسلامه.
• • •
القاعدة (5)
البلوغ شرط لوجوب الزكاة
*توضيح:
فلا تجب الزكاة على الصغير، ـ وهو مَن لم يبلغ ـ، والبلوغُ في الذكر يقدر بالاحتلام، وفي الأنثى بالحيض، وإن لم تر هذه العلامات، فيكون البلوغ إذا أتم الغلام والجارية خمس عشرة سنة هجرية على المفتى به.
والصغيرُ إن كان لديه مال بلغ نصاب الزكاة سواء كان بميراث أو هبة أو عمل، فلا يُزكى، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: «ليس في مال اليتيم ـ أي الصغير ـ زكاة» (¬1).
¬
(¬1) في آثار محمد ص46.
*تطبيق:
فلو أن ولي الصغير أراد أن يتصدق عن الصغير من ماله، فلا يصح؛ لأنّ كلَّ تصرُّف فيه ضررٌ محضٌ في مال الصغير لا يصحُّ؛ لأن فيه إضاعة مال الصغير.
ولو رغب الصغير التصدق بشيءٍ من ماله لم يصحّ؛ لأنه ضرر محض في حقِّه.
• • •
القاعدة (6)
العقل شرط لوجوب الزكاة
*توضيح:
فلا تجب الزكاة على المجنون؛ لعدم التكليف في حقِّه.
والمجنونُ مَن أصيب بآفة بعقله، فصار يتصرَّف على خلاف مقتضى العقل، سواء كان جنونه أصلياً، وهو مَن كان جنونه وهو صغيرٌ ثم بلغ مجنوناً واستمرّ، أو كان جنونُه طارئاً، وهو مَن كان جنونُه بعد البلوغ واستمر، ويُطلق على ما سبق الجنون المطبق بسبب أنه يستمر مع صاحبه.
وأمّا الجنونُ غير المطبق وهو مَن يأتيه الجنون، فيتصرَّفُ تصرُّفات المجانين، ثم يزول عنه، فيتصرَّفُ تصرُّفات العُقلاء، وهكذا، ويُسمَّى أيضاً المعتوه، فالعته هو الجنونُ غير المطبق الذي يَذهب عقلُه ويأتي.
فالمجنون المطبق لا تجب الزكاة عليه، ولكن إن أفاق من جنونه، فتستحقُّ الزكاة عليه بعد مرور سنة من إفاقته إن كان مالكاً للنصاب (¬1).
*تطبيق:
فلو أن مجنوناً غير مطبق كان غنياً وجب عليه الزكاة؛ لأن الجنون
غير المطبق له حكم الصحيح في وجوب الزكاة، قال الكاساني (¬2): «الذي يُجَنُّ ويُفيقُ فهو كالصَّحيح، وهو بمَنزلة النّائم والمغمَى عليه»، وإذا دام الجنون مدة سنة تسقط الزكاة عنه (¬3).
ولو أن بعض كبار السنّ الذين يصابون بأمراض متعددة تُفقدهم عقلهم أو بعضه، فإن كان الوصف للفقدان ظاهراً في سلوكهم، فينبغي الحاقهم بالمجانين من حيث سقوط التكاليف الشرعية كالزكاة، فلا تجب في مالهم.
¬
(¬1) ينظر: تبيين الحقائق1: 252 - 253، وغيرها.
(¬2) في البدائع2: 6.
(¬3) اختلفوا في تقدير الجنون المطبق: فعند أبي يوسف أكثر من سنة، وعند محمد سنة، فما دونها غير مطبق. ينظر: الذخيرة البرهانية3: 105.
القاعدة (7)
ملك النصاب شرط لوجوب الزكاة (¬1)
*توضيح:
فلا تجب الزكاة على مَن لا يَملك النِّصاب الشرعي، وهو عشرون ديناراً ذهباً، ودينار الذهب يساوي (5) غرامات، فيكون النصاب (100) غراماً، كما سيأتي.
وكيفية معرفة ملكه للنصاب بأن يجمع كلُّ ما معه من نقودٍ وذهبٍ وفضةٍ وعروضٍ ـ أي من السِّلع التي اشتراها للتجارة بها ـ، فإن كان مجموعها يُساوي نصاباً أَصبح من الأغنياء الذي أوجب الله - جل جلاله - عليهم الزَّكاة.
*تطبيق:
وعليه فلا زكاة على مَن لم يملكوا النصاب؛ لأن مَن لا يملكه يُعَدُّ من الفقراء، والفقراءُ تجب لهم الزكاة لا عليهم.
ولو كان له دخلٌ جيدٌ من عمله، ولكنه ينفقه في حياته مباشرة، ولا يجتمع لديه النصاب، فإنّه يبقى في دائرة الفقراء الذين لا تجب عليهم
¬
(¬1) ينظر: ردّ المحتار على الدر المختار 2: 8، والبحر الرائق 2: 222.
الزكاة؛ لأنّ الحدَّ الفاصلَ بين الفقر والغنى هو النصاب، فمَن مَلَكه غنيٌّ، ومَن لم يَملكه فقيرٌ.
• • •
القاعدة (8)
حولان الحول للنصاب شرط لوجوب الزكاة
*توضيح:
وهذا القاعدةُ تكملة لقاعدة النصاب؛ إذ لا تجب الزكاة إلا بمرورِ سنةٍ كاملةٍ على ملك النصاب (¬1)؛ لأنّ سببَ الزكاة المال النامي لكون الواجب جزء من الفضل لا من رأس المال؛ لقوله - جل جلاله -: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة: 219]: أي الفضل، والنمو إنما يتحقَّق في الحول غالباً؛ لاختلاف الأسعار فيه غالباً عند اختلاف الفصول فأُقيم السبب الظاهر، وهو الحول مقام السبب، وهو النمو (¬2).
فعن علي - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (فإذا كانت لك مئتا درهم وحال عليها الحول، ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء، يعني في الذهب حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كان لك عشرون ديناراً وحال عليها
¬
(¬1) ينظر: فتح باب العناية1: 505.
(¬2) ينظر: تبيين الحقائق1: 253، وغيرها.
الحول، ففيها نصفُ دينار) (¬1).
وعن القاسم - رضي الله عنه -: «إن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - لم يكن يأخذ من مالِ زكاة حتى يحول عليه الحول» (¬2).
وعن ابن عمر - رضي الله عنهم - كان يقول: «لا تجب في مال زكاة حتى يحول عليه الحول» (¬3).
*تطبيق:
وعليه فلا تجب الزكاة على المسلم ممن يَمْلِكُ نصاباً إلا إذا مَرَّ على ملكِهِ للنصاب سنةٌ هجريةٌ كاملةٌ من يومِ بَلَغَ المال لديه النصاب.
ولو أراد أن يعرفَ حولان حوله، فإنه يَبدأ بحسابه من لحظة ملكه للنصاب، وبعد عام في نفس اليوم الذي بدأ الحساب فيه يكون حال عليه الحول، فينظر فإن كان مالكاً للنصاب وجبت الزكاة، وإن لم يكن مالكاً لا تجب.
• • •
¬
(¬1) سنن أبي داود 2: 100، والأحاديث المختارة2: 154.
(¬2) موطأ مالك1: 245.
(¬3) موطأ 1: 246.
القاعدة (9)
المعتبر طرفي الحول في حولانه
*توضيح:
هذه القاعدة تكملة لقاعدة حولان الحول، فتجب الزكاة وإن نقص النصاب في الحول؛ لأنّ نقصان النِّصاب في الحَوْلِ هَدْرٌ، فلو كان معه في أَوَّل الحولِ (100) غرام ذهب، ثُمَّ نقصَ في أثناءِ الحول، ثُمَّ عادت (100) غرام ذهب في آخر الحولِ، فإنّها تجب عليه الزَّكاة (¬1).
فحولان الحول أن يكون في بدايته مالكاً للنصاب، وفي نهايته مالكاً للنصاب، فلو أنه في وسط الحول لم يبق مالكاً للنصاب لا يضر بشرط ألا يصل ماله إلى صفر، فطالما أنه بقي مالكاً لشيء من المال ولو قليلاً يبقى حوله معتبراً.
*تطبيق:
وعليه فإنَّ مَن مَلَكَ نصاباً في أَوّل حول الزّكاة لا يشترط أن يستمرَّ معه ملك النصاب طوال السنة، فلو نقصَ في وسطِها لا يَضُرُّ ما لم يصل إلى الصفر، فحينئذٍ ـ إي: إذا وصل صفراً ـ يبدأُ حولاً جَديداً إذا مَلَكَ نصاباً مَرّةً أُخرى.
¬
(¬1) ينظر: المشكاة في أحكام الطهارة والصلاة والزكاة، ص321.
فلو كان يملك (5000د) في (1) رمضان، وأثناء السنة فَقَدَ بعض ماله فلم يبق مالكاً إلا (1000د)، وفي (1) رمضان من السنة التالية كان مالكاً (5000د)، وهي مقدار نصاب، فإنه يجب عليها زكاتها؛ لأنه المعتبر طرفي الحول.
ولو أنه كان يملك في (1) رمضان نصاباً وهو (5000د)، ثم خسر في تجارته فأصبح مديوناً، فقد بطل حولان حوله، فإن رجع وملك النصاب من جديد، فإنه يبدأ حولاً جديداً من يوم ملك النصاب.
• • •
قاعدة (10)
حولان الحول للنصاب لا غير
*توضيح:
اشتراط حولان الحول لا يكون على كل المال، وإنما يكون على مقدار النصاب فيه، فعندما يملك مقدار النصاب يبدأ بحساب الحول، وما يكسب من المال من جنس النصاب في الحول يُضاف إلى النصاب، ويزكي معه.
وبالتالي لا يشترط حولان الحول على كلِّ المال، بل على النّصاب فحسب؛ لذا لو مَلَكَ المسلم نصاباً في أَوّلِ حولِ الزَّكاة، ثمّ في آخر الحول ملك أضعاف النصاب مثلاً، فإنهم يزكي على كلِّ المال الموجود بين يديه
مما يجب فيه الزكاة.
ولا يكون للمسلم في الجنس الواحد إلا نصاب واحد عادة، ففي الذهب والفضة والنقود والعروض نصابٌ واحدٌ؛ لأنها أقرب جنساً، فتجمع مع بعضها، وفي الغنم نصابٌ، وفي البقر نصابٌ، وفي الإبل نصابٌ، وفي الخيل نصابٌ.
ويلزم أن يكون لكلّ مسلم غنيٍّ يوماً لنصابه، وهو اليوم الذي يملك فيه مقدار النصاب، ففي كلِّ سنةٍ في هذا اليوم يجب عليه حساب ما معه من مال وتزكيته.
*تطبيق:
فلو أن مسلماً ملك (5000د) وهي مقدار النصاب، وربح (5000د) قبل حولان حوله بأيام، فحال الحول على عليه وعنده (10000د)، فإنه يزكي (10000د) كاملة؛ لأن الواجب زكاة كل ما معه من مال عند حولان الحول على النصاب.
ولو أن غنياً يَملك (10000د)، وورث قبل حولان حوله بيوم (5000د)، فإنه يزكي (15000د).
• • •
القاعدة (11)
النماء للمال شرطٌ لوجوب زكاته
*توضيح:
النماء هو الثَّمنيَّةُ في الثَّمنين: أي الذَّهب والفضَّة، أو السَّوم (¬1) في الأنعام، أو نيَّة التِّجارة في غيرهما، فلا تجب الزكاة في دار ليست للسُّكْنَى إن لم ينوِ التِّجارةَ بها، وإن حالَ عليهما الحول (¬2).
ويتفرع على هذه القاعدة عدة قواعد ذكرتها منفصلة زيادة في التوضيح:
القاعدة (12)
الثمنية نماء الذهب والفضة والنقود
*توضيح:
شرط وجوب الزكاة هو النماء، والنماء في الذهب والفضة والنقود كونها أثماناً لغيرها، وبالتالي يلزم زكاتها بحولان الحول سواء استثمرها
¬
(¬1) السَّوم: من سامت تسوم سوماً: أي رعت. ينظر: الطلبة، ص34. السائمة: هي الراعية التي تكتفي بالرعي، فإذا علفت فهي علوفة، والعبرة في ذلك لأكثر السنة. ينظر: الفتاوى الخانية 1: 245
(¬2) ينظر: شرح الوقاية ص206، والمحيط ص83 - 84، والهداية 1: 96، والعمدة1: 267.
أم لا؛ لأنها في نفسها قابلة للنماء، ولكن المالك لها قصَّر في تنميتها، فعليه دفع الزكاة لها مطلقاً.
ويجب على المسلم تزكية ما يملك من ذهب وفضة وإن لم يقوم بتشغيلها وتنميتها حقيقة؛ لأنها نامية بذاتها، فعدم تنميتها من مالكها تقصيرٌ منه فلا يُكافئ عليه بعدم أداء زكاتها، ويلحق بها في الحكم النقود من العملات المختلفة؛ لأنّ لها حكم الذهب والفضّة فتجب تزكيتُها مُطلقاً شغلها مالكها أو لم يشغلها.
*تطبيق:
فلو أن مسلماً كان يملك (10000د) في حساب جاري في البنك، ولم يشغلها، فيجب عليه زكاتها عند حولان الحول.
ولو أن امرأةً كانت تملك حُلياً وزنه (80) غراماً، فلا يجب عليها الزكاة ما لم يبلغ وزنه (100) غرام؛ لأنه نصاب الذهب، إلا إذا كانت تملك نقوداً معها، وهي مقدار (2000د)، وكان النصاب (5000د)، فكان المجموع معها أكثر من النصاب، فتزكي حينئذٍ.
• • •
القاعدة (13)
المعتبر في الذهب والفضة الوزن لا الجودة والصياغة
*توضيح:
معلوم أنّ الذهب والفضة متفاوتان في الجودة، ولهما عيارات مختلفةٌ، ويلحقهما صياغةٌ بصور متعددة، فعند حساب زكاتهما نعتبر الوزن فحسب، ولا يُلتفت إلى الجودة، ولا إلى الصياغة، فما كان وزنُه منهما مقدارُ نصاب وزناً زُكي، وإلا فلا.
*تطبيق:
فلو أنّ امرأةً عندها حُليّ قيمتُها بسبب الصياغة (5000د)، ووزنها (80) غراماً، فلا زكاة فيها؛ لأنّ المعتبرَ الوزن في الذهب، والوزنُ أقلُّ من النصاب للذهب، إلا إذا كان عندها مال آخر لو جمع مع ذهبها يُساوي نصاباً.
ولو أراد بيع ذهب عيار (21) بذهب عيار (24)، فلا بد من التساوي وزناً؛ لأنه لا عبر للجودة بينهما، إلا إذا تمّ الشراء لأحدهما بالدينار ثم البيع للآخر بالدينار فيجوز.
• • •
القاعدة (14)
العرفُ حاكمٌ في اعتبار عيار الذهب للنصاب
*توضيح:
معلوم أن التقدير بمئة غرام ذهباً على ما هو شائع من دنانير الذهب في البلاد المختلفة، والشرط فيها أن يكون الذهب غالباً، ولم يشترط الفقهاء نوعاً معيَّناً من الدنانير يُقدر به؛ لأنّ التفاوت بينها لا يُمكن حصره، وبالتالي يُعتبر في كلِّ بلاد دينارهم، رغم تفاوته مع الدينار في البلاد الأخرى.
وفي هذا الزمان شاعت العيارات المختلفة للذهب، وبعض البلاد يشيع فيها عيار (24)، وبعضها عيار (21)، وبعضها عيار (18)، وهكذا، فإذا أردنا أن نقدر النصاب علينا أن نعتبر العيار الشائع في تلك البلد، فيُحسب به.
*تطبيق:
فلو أنّا أردنا حساب النصاب للذهب في بلادنا، فإنه نحسبه على عيار (21)؛ لأنه الشائع المتعارف عند الإطلاق وأكثر المعاملات، فيقدر النصاب بقيمته.
• • •
القاعدة (15)
النقود معتبرة بالاصطلاح
*توضيح:
المشهورُ في اعتبار الأثمان هو الذهب والفضة؛ لوجود الاصطلاح البشري على اعتبارها أثماناً لكلِّ شيء، فكان فقهاؤنا يُدخلون في الأثمان كلّ ما يتحقَّق به الاصطلاح من الصُّفر وغيره، فاعتبروا الفلوس الرائجة أثماناً، وكذلك الغطارفة والعدالى وغيرها، وأعطوها أحكام الذهب والفضة.
وبالتالي ما شاع في زماننا في الأوراق النقدية المختلفة تعتبر أثماناً؛ لوجود الاصطلاح عليها، فيلزمها أحكام الذهب والفضة.
*تطبيق:
فلو أن مسلماً أراد زكاة ماله من الدينار والدولار وغيرها، فيقدر قيمته بمئة غرام ذهب ابتداءً على حسب سعر السوق، فإن بلغ قيمتها يعتبر غنياً ويبدأ بحساب الحول، وعند حولانه يقدر بسعر الذهب حسب السوق، فإن كان يساوي النصاب للذهب أو أكثر، يكون غنياً، ويجب عليه الزكاة.
• • •
القاعدة (16)
الأسهم تزكى عروضاً إن كانت للتجارة
وإلا على حسب أصلها
*توضيح:
مَن ملك أسهماً في شركة ما، فإما أن يقصد التجارة بهذه الأسهم، فيكون تملكها بنية بيعها، فتأخذ أحكام عروض التجارة، بحيث يلزم عليه زكاتها كاملة على حسب قيمتها.
وإما أن يكون اشترى هذه الأسهم بقصد القنية للمستقبل، والاستفادة من أرباح هذه الأسهم لهذه الشركة، فعليه أن ينظر لأصل هذه الاسهم من كونه نقود، أو أراضي، أو آلات، أو مواد خام، أو غيرها، فيزكى منها ما يجب الزكاة في أصله.
*تطبيق:
فلو اشترى أسهماً لشركة معيّنة من أجل أن يُتاجر بها، فيجب عليه زكاتها كاملة إن كانت في ملكه وقت حولان الحول.
ولو اشترى أسهماً لمصنع معين من أجل أن يستفيد من أرباحه، فينظر إلى مكونات كل سهم من أصوله، سواء كانت نقوداً، أو أرضاً، أو بناءً، أو آلات، أو مواد خام، أو منتجات، فيلزمه زكاة النقود والمواد الخام والمنتجات دون سوها.
القاعدة (17)
السوم نماء السوائم
*توضيح:
السوائم هي الإبلُ والبقرُ والغنم والخيل، فلا تجب الزكاة في غيرها من الحيوان، إلا أن تكون عروضاً للتجارة.
وهذه السوائم تجب الزكاة فيها بكونها سائمةً، بمعنى أنها ترعى أكثر الحول، بخلاف ما إذا كانت تُعلف نصف العام أو أكثره، فلا تجب فيها الزكاة لكونها غير نامية.
*تطبيق:
فلو ملك مزرعة من البقر فيها (100) بقرة، يعلفها طوال الوقت؛ لأجل الحليب والولاد، فلا يجب الزكاة فيها.
ولو ملك مشروع تسمين العجول، فهو يشتريها صغاراً من أجل تسمينها وبيعها، فإنها تُعَدُّ عروض تجارةٍ، ويلزمه تزكيتُها.
• • •
القاعدة (18)
نيّة التجارة عند الدخول في الملك الاختياري نماء
ما عدا الأثمان والسوائم
فما عدا الذهب والفضة والنقود والسَّوائم من الإبل والبقر والغنم والخيل إنِّما تَجِبُ فيها الزَّكاةُ بنيَّةِ التِّجارة، وهذه النية إنما تعتبر إذا وجدت زمان حدوثِ سببِ الملك: أي وقت الشراء مثلاً، حتى لو نَوَى التجارة بعد حدوث سببِ الملك لا تجبُ فيه الزكاة بنيّة التِّجارة، كمَن نوى بيع سيارته للقنية، فلا تصبح للتجارة بمجرد النية؛ لأنّ النيةَ لا تَعمل بدون عَمَل، وهنا وُجدت النية فحسب، فلا تُغيِّر الحال بعدم وجوب الزكاة.
بخلاف ما إذا كانت عنده سيارة للتجارة، فأخرجها عن التِّجارةِ ونوى اقتناءها، فتخرج عن التجارة؛ لوجود النية والعمل، وهي نيةُ القُنية وتحول وصفها للقنية، ووجودها بين يدي مالك بدون نية التجارة يجعلها للقنية، بخلاف حال التجارة لا يتحقق إلا بالبيع؛ لذلك لم تعمل نية التجارة وعملت نية القنية (¬1).
ولا بُدَّ أن يكون سببُ الملك سبباً اختيارياً، حتى لو نوى التجارة زمان تملُّكِهِ بالإرث لا تجب فيه الزَّكاة، ولا يجبُ أن يكونَ هذا السبب
¬
(¬1) ينظر: الدر المختار 2: 10.
شراء، بل كلُّ عملٍ موجبٍ للملك إذا اقترنت به نيَّة التِّجارةِ يكفي كالملك بالهبة أو الوصية (¬1).
*تطبيق:
فلو كان يملك عروضاً تجاريةً ـ ويقصد بها كلّ متاع منقول وغير منقول ما عدا الذهب والفضة والنقود والأبقار والأغنام والإبل ـ، فإنّه لا تجب زكاتُها إلا إذا دخلت في ملكه بنيّة بيعها، كأن يشتري سيارةً أو أرضاً بنيّة أن يبيعَها، فيجب عليه زكاتها، بخلاف ما إذا اشتراها لأجل إجارتها أو اقتنائها ثمّ بيعها في المستقبل، فإنّها ليست نيّة التجارة.
ولو أراد تزكية ما توفَّر فيه شرطُ النماء من عروض التجارة، فإنه يزكيها إذا بقيت في يده ولم يبعها حتى جاء موعد استحقاق الزكاة على المكلف، ففي تاريخ حولان الحول يقوم بجمع قيمة ما لديه من ذهب، أو فضة، أو نقود، أو عروض تجارة ويخرج عنها الزكاة.
• • •
¬
(¬1) القَوَد: القِصاص. ينظر: القاموس المحيط 1: 343.
القاعدة (19)
الملك التام شرط وجوب وأداء الزكاة
*توضيح:
الملك التام: أي ذاتاً وتصرفاً، بأن تكون عينُه له ويقدرُ على التَّصرُّفِ فيه، فمثله تجب الزكاة عليه في ذمته، ويجب عليه أداؤها، فمن يملك (10000د)، وهي بين يديه، وحال عليها الحول، فتجب زكاتها في ذمته، ويجب عليه أداؤها وإن كان على التراخي.
وتجب الزكاة في الملك الناقص، وهو ما يكون مملوكاً ذاتاً، فيكون الوجوب في الذمة، ولا يجب عليه الأداء إلا بعد قبضها؛ ليكون ملكاً تاماً رقبة ويداً، فمَن كان يملك (10000د)، وهي دين في يد آخر يرجى رجوعه، فتجب في ذمّته زكاتُها، ولا يجب عليه أداؤها ما لم يقبضها.
*تطبيق:
وعليه فلا تجب دفع زكاة المبيع قبل القبض، وثمن المتاع إذا كان ديناً (¬1)، فإذا قبضه زكاه عما مضى.
ولو أقرض قرضاً حسناً لا تسقط زكاته، فتجب في الذمة ابتداء إن كان يُرجى رجوعه، ويلزم أداء زكاته عند قبضه عن كلِّ المدة
¬
(¬1) ينظر: منحة السلوك في شرح تحفة الملوك. 2: 120.
السابقة، فمَن أقرض غيره (10000) دينار، ثمّ استردها منه بعد خمس سنوات، فإنها يُزكي عنها لكل سنة (250) دينار، فيَستحقّ عليه زكاة لها عند القبض: (1250) دينار.
• • •
القاعدة (20)
دينُ الآدمي يمنعُ الزكاة بقدره
*توضيح:
الدين له صورتان:
الأولى: أن يكون الدين لله تعالى، بأن نذر مالاً لله تعالى، ولم يخرجه، فلا يمنع من الزكاة بقدره هذا الدين لله تعالى.
الثانية: أن يكون الدين للعباد، وله هيئتان:
1.أن يكون له، بأن يكون مطالباً لغيره بالمال، وله وجهان:
أ. أن يرجى رجوعه، فيزكيه عن كل ما سبق.
ب. ألا يرجى رجوع، فيزكيه عن عامه.
2.أن يكون عليه، فيُنقص من ماله بقدره عند الزكاة بحيث لا يزكى.
وهذه القاعدة يتفرع عليها عدة قواعد تذكر مفصلة زيادة في الفائدة:
القاعدة (21)
دينٌ على العبد يمنعُ بقدره من الزكاة
*توضيح:
فمن شروط وجوب الزّكاة أن يكون فارغاً عن الدين، فلا تجبُ على المديونِ بقدر ما يكون ماله مشغولاً بالدَّين؛ لأنّ الزكاةَ تجب على الغني لإغناء الفقير، ولا يتحقَّق الغنى بالمال المستقرض ما لم يقضه، ولا فرق في الدين المؤجل والحال.
فإنه تجب الزكاة على المكلف إذا كان المالُ الذي بين يديه مملوكاً له حقيقةً لا إن كان ديوناً لغيره، وهو بين يديه ويتصرَّف فيه كيف شاء، فإن كان عليه ديونٌ بسببِ شرائه لبضاعةٍ أو أجورِ عملٍ لغيرِه عليه، فإنّه يُنقص مقدار هذه الديون من المال الذي بين يديه، فيدفع زكاة الفائض عن مقدار الديون فقط.
ويمنع مَهرُ المرأة وُجُوبَ الزَّكاة معجَّلًا كان أو مُؤَجَّلًا؛ لأَنَّها إذا طالَبَته يُؤاخَذُ به (¬1).
¬
(¬1) وقال بَعضُ مَشايخنا: إنَّ المؤَجَّلَ لا يَمنَعُ؛ لأَنَّه غيرُ مُطالَبٍ به عادة، فأمّا المعجَّلُ فيُطالَبُ
به عادة فيَمنَعُ.
وقال بعضهم: إن كان الزَّوجُ على عَزمٍ من قَضائه يَمنَعُ، وإن لم يكن على عَزم القَضاء لا يَمنَعُ؛ لأَنَّه لا يَعُدُّهُ دَينًا، وإنَّما يُؤاخَذُ المرءُ بما عنده في الأَحكام. كما في البدائع2: 6.
*تطبيق:
فلو كان عليه دين بقيمة (5000د) ويملك (10000د)، فإنه يزكي (5000د) فحسب لكون الباقي مشغول بالدين الذي عليه.
ولو استقرض مسلم من بنك مثلاً لتمويل شقة أو أرض أو سيارة بمبلغ (20000) مقسط على عشر أو عشرين سنة وكان بحوزته (5000) فإنها لا يزكيها؛ لأن الدين أكثر من المال الذي يملكه.
ولو كان للمرأة مهر مؤجل على الرجل بقيمة (5000د)، ومعه (15000د)، فإنها يزكي (10000د)، وهذا كلُّه مبنيٌّ على أنّ الدين المؤجل يمنع الزكاة، ولكن إن كانت مصلحة الفقير تقتضي ألا يمنع، فيفتى به كما سيأتي.
• • •
القاعدة (22)
دينٌ للعبد يرجى رجوعه
يزكى على كل ما مضى بالقبض
*توضيح:
الدينُ إن كان يُرجى رجوعُه بأن كان أغلب ظنّ صاحبه أنه سيرجع له، بأن كان الدين على مُقرٍّ به مليء- أي غني-، أو كان الدين على معسر، أو مفلس، أو جاحد، ولكن لصاحب المال عليه بيِّنة، فإن وَصَلَت هذه الأموالُ إلى مالكِها تجبُ زكاةُ الأيَّامِ الماضيَّة (¬1).
فعن عثمان بن عفان - رضي الله عنه -: «هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤد دينه، حتى تحصل أموالكم فتؤدوا منها الزكاة» (¬2).
*تطبيق:
فلو كان لزيد على عمرو (10000د)، وعمرو يقرّ بهذا الدين؛ لذلك يظنّ زيدّ أنه سيرجع له الدين، فأعاد عمرو الدين بعد (5) سنوات، فإن زيداً يُزكي المال عن السنوات السابقة، ومقداره (1250د).
¬
(¬1) ينظر: شرح الوقاية، ص208.
(¬2) مالك، موطأ، 1: 253، وسنن البَيْهَقِي الكبير4: 148، ومسند الشافعي1: 97، والمصنف في الأحاديث والآثار، 2: 414، ومصنف عبد الرزاق 4: 92.
القاعدة (23)
المال العائد يزكى من الدين المرجو
إن بلغ خمس النصاب
*توضيح:
معلوم أن الدين المرجو رجوعه يزكى عن كلِّ المدة السابقة للدين، فكُلَّما قبض منه مقداراً بلغ خمس نصاب الزكاة، فإنه يُزكيه عمّا مَضى، فإنّ كان أقلّ من الخمس لم يجب حتى يَبلغ ما يَقبضه مقدار نصاب؛ لأنّ ما دون النصاب قليل فلا تلحق به الأحكام.
*تطبيق:
فلو كان لزيد على عمرو ديونٌ يُرجى رجوعُها، وكان عمرو يُرجع لزيدٍ منها كلَّ شهر (100د)، وكان النصابُ (5000د)، وخمس النصاب (1000د)، فإن زيداً كلّما دُفِعَ له من عمرو أقساط بمقدار (1000د)، وَجَبَ عليه زكاتُها عن مدة الدين السابقة لهذا المقدار.
• • •
القاعدة (23)
دينٌ للعبد لا يرجى رجوعه
يُزكى عن عام قبضه
*توضيح:
لا زكاة في مال الضمار: وهو ما لا يرجى رجوعه (¬1) كمالٍ مفقود، وساقطٍ في بحر، ومغصوبٍ لا بيِّنةَ عليه، ومدفونٍ في مكان نسيه، ودين جحدَهُ المديونُ سنين ثُم أقرّ بعدها عند قوم، وما أُخِذَ مصادرةً (¬2) ووصلَ إليه بعد سنين، فكان في حقِّ صاحبه في هذه السنوات: كالعدم فلم تجب زكاته فيها (¬3).
*تطبيق:
فلو كان لزيد على عمرو (5000د)، وكان عمرو يُنكر هذا المال، وبعد (5) سنوات اعترف عمرو بالدين لزيد وأعاده له كاملاً، فإن زيداً يُزكيه عن هذه السنة التي قبضه فيها في يوم نصابه المعتاد إن كان عنده
¬
(¬1) ينظر: لسان العرب4: 2607.
(¬2) مصادرة: وهو ما يأخذُهُ السُّلطانُ من رعيته من غيرِ حقّ، والفرقُ بينَهُ وبينَ الغصبِ أنَّ الغصبَ أخذُ المالِ مباشرةً قهراً، والمصادرةُ أن يأمرَهُ بأن يأتيَ به. ينظر: عمدة الرعاية، 1: 270.
(¬3) التنبيه، ص37، والمهذب، 1: 142، وحلية العلماء 3: 13.
النصاب، وإن لم يكن عنده نصاب، فإن يُزكيه بعد سنة من قبضه لحولان حول عليه وهو يملك نصاباً.
ولو أضاع واحدٌ ماله ولا يعرف أين وضعه ثمّ وجده بعد سنين فلا يزكيه إلا عن السنة التي وجده فيها.
ولو سُرِق مال واحد ثم أعاده سارقه بعد سنين فلا يجب زكاته إلا عن سنة رجوعه.
ولو كان لتاجر ديون في السوق على زبائنه، فعليه أن يقسمها على ما سبق إلى دين يُرجى رجوعه، ودين لا يرجى رجوعه، فكلُّ ما ظنّ أنه يُمكن أن يرجع بسبب صدق صاحبه أو وجود إثبات عليه، فعند قبضه من صاحبه يُزكيه عن السنوات السابقة، وأمّا إن ظَنّ عدمَ إمكانيةِ رجوعه بسبب إنكار صاحبه أو عدم وجود إثبات له على صاحب الدين ثمّ دفعه صاحب الدين بعد سنوات، فلا تجب عليه زكاته إلا في السنة التي دفعه له فيها.
ولو قبضت المرأة مهرها المؤجل بعد سنين بسبب موت زوجها أو طلاقها، فلا تجب علها الزكاة لما مضى، قال الكاساني (¬1): «ما وجَبَ بَدَلًا عَمّا ليس بمالٍ أَصلًا كالمهر للمرأة على الزَّوج، وبَدَل الخُلع للزَّوج على المرأة، والصُّلح عن دَم العَمد أَنَّه لا تَجبُ الزَّكاةُ فيه».
¬
(¬1) في البدائع2: 10.
القاعدة (24)
الدين المطالب به من الله تعالى
لا يمنع الزكاة
*توضيح:
الدين المطالب به من جهة العباد يمنع الزكاة كما مر، بخلاف الدين المطالب به من جهة الله تعالى حتى لا يمنع دين النذر والكفارة، فيزكي جميع المال دون أن ينقص ما عليه من دين للنذر مثلاً.
*تطبيق:
فلو نذر زيدٌ لله تعالى مبلغ (5000د)، ولم يخرجه، ومعه مال مقداره (10000د)، وقد حان موعد زكاته، فإنه يُزكيه كاملاً دون أن ينقص منه شيء؛ لأنّ دين لله تعالى لا يؤثر في الإنقاص من مال الزكاة.
• • •
القاعدة (25)
دين الزكاة يمنع الزكاة
*توضيح:
الدين المستحقّ لسنوات سابقةٍ بسبب عدم زكاته للمال، يُعَدُّ مُطالباً به من جهة العباد؛ لأنه السّاعي يُطالبه به، فأخذ حكم الديون
المطالب بها من جهة العباد، فيكون مانعاً من الزكاة، بمعنى أنه يُنقص هذا الدين من المال الذي معه، فلا يُزكى.
*تطبيق:
فلو أنّ زيداً يملك مقدار النصاب وهو (5000د)، ومرّ عليه حول، ولم يُزكه، فكان المستحقّ في ذمته لزكاته (125د)، وبعد حولان حول آخر لم يزد ماله، وبقي (5000د)، فينقص منه الدين المستحقّ عليه، فيكون المال هو (4875د)، وهذا المبلغ أقلّ من النصاب، فلا يجب عليه الزكاة في هذا العام؛ لأنّ دين الزكاة مانع حال بقاء النصاب؛ لأنه ينتقص به النصاب (¬1).
• • •
القاعدة (26)
الزكاة واجبة على التراخي
*توضيح:
معنى التراخي أنها تجب مطلقاً عن الوقت بلا تعيين، ففي أي وقت أدّى يكون مؤدياً للواجب، ويَتعيَّن ذلك الوقت المؤدَّى فيه
¬
(¬1) ينظر: إيضاح الإصلاح، ق26/ب، ودرر الحكام1: 172، ورد المحتار2: 5، وعمدة الرعاية1: 269، وتبيين الحقائق1: 254.
للوجوب، فلا يأثم بتأخير دفع الزكاة لسنة قادمة أو سنوات.
وإذا لم يؤدِّ إلى آخر عمره يتضيَّق عليه الوجوب بأن بقي من الوقت قدر ما يُمكنه الأداء فيه، وغَلَبَ على ظنِّه أنه لو لم يؤدِّ فيه سيفوت بسبب قرب الموت، فعند ذلك يتضيَّق عليه الوجوب، حتى أنه لو لم يؤدِّ فيه حتى مات يأثم (¬1).
*تطبيق:
فلو كان (15) من رمضانِ موعدُ أداءِ الزّكاةِ لزيد، فلا يأثم بالتأخير عن الأداءِ فيه، وإنّما يُستحبُّ له ذلك خشية الموت أو فوت المال، ويَبْقَى هذا المال ديناً لله - جل جلاله - عليه إلى أن يؤدِّيه، ويكون عليه الإثم بالتأخير إن مات ولم يؤده إلا إذا أَوصى بإخراجه من التركة، فيجب على الورثة دفعه منها طالما أنه لم يجاوز ثلث التركة، فإن جاوز مقدار الزكاة ثلث التركة احتاج إلى موافقة الورثة في إخراج الزائد عن الثلث.
• • •
¬
(¬1) ينظر: بدائع 2: 4، وصححه الباقاني عن التاتارخانية، كما في رد المحتار 2: 271، وذكره الجصاص وعليه عامة المشايخ، والقول الثاني: تجب على الفور فيأثم بالتأخير، وهو قول الكرخي، قال الطحطاوي في حاشيته على المراقي. 2: 713: «وهي واجبة على الفور، وعليه الفتوى فيأثم بتأخيرها بلا عذر وترد شهادته»، وعليه الفتوى، ينظر: تنوير الأبصار 2: 271، والدر المختار 2: 271.
القاعدة (27)
النيةُ المقارنةُ لدفع الزكاة حقيقةً وحكماً لازمةٌ
*توضيح:
الزَّكاةُ عبادةٌ فلا تصحُّ بدون النيّة، ولا بُدّ للنية أن تسبق العمل؛ ليكون عبادةً، فينوي الزكاةَ لحظة دفعها للفقير، وهذه هي النيةُ المقارنة حقيقة، وأما المقارنة حكماً، فيُمكن للدافع أن يَنوي الزكاة ما لم يستهلك الفقير المال المدفوع له.
*تطبيق:
فلو أنّ زيداً دفع زكاة ماله وهي (200د) لعمرو، ونوى عند الدفع أنها زكاة صحّت زكاتُه، ولو أنه نسي أن يَنوي عند الدفع، فتذكر فنوى الزكاة، ولم يكن عمرو قد استهلك مال الزكاة تصحّ نيته، ولو تذكر زيد بعد أن أنفق عمرو المال، فلا تصحّ نيّته، وكان ما دفعه صدقة، وعليه إعادة دفع الزكاة.
• • •
القاعدة (28)
العزل للزّكاة يغني عن نية دفعها
*توضيح:
الأصلُ في نية الزكاة الاقترانُ بالأداءِ كسائرِ العباداتِ، إلا أن الدفعَ يتفرَّق، فيحرج باستحضارِ النيّة عند كلِّ دفع، فاكتفي بوجودها حالة العزل دفعاً للحرج؛ لأن العزلَ فعلٌ منه، فجازت النيّة عنده (¬1).
*تطبيق:
فلو عزل زيدٌ مقدار زكاته، وهي (1000د)، وكان يدفعها للفقراء بين الحين والآخر بلا نية زكاة، فإنه يجزئه لوجود نية الزكاة عند العزل.
• • •
القاعدة (29)
الزكاة تسقط بالتصدق بجميع المال
*توضيح:
إخراج المسلم لجميع ما معه من المال يُسقط عنه ما كان مستحقّاً من الزكاة لهذا المال الذي تصدَّق به؛ لأن الزكاة والصدقة لله تعالى، فلمّا
¬
(¬1) ينظر: المشكاة ص309.
دفعَ المال صدقةً كان مؤدِّياً له لله تعالى، فسقطت عنه زكاتُه.
*تطبيق:
فلو كان لزيدٍ (10000د)، وتصدَّقَ بجميعها للفقراء، بحيث لم يبق معه مال، فلا يبقى مستحقّاً عليه زكاة هذا المبلغ، وهو (250د)؛ لأنّ بتصدقِه بجميع المال الذي معه يسقط عنه زكاة هذا المال.
• • •
المبحث الثاني
أنصبة الزكاة
القاعدة (30)
نصاب الذهب (100) غراماً
غالبٌ عليها الذهب
*توضيح:
النصاب في الذهب هو عشرون مثقالاً، والمثقالُ هو دينارُ الذهب قديماً، والدينار يساوي خمس غرامات، فيكون النصاب (100) غراماً (¬1).
فعن علي - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول، ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء يعني في الذهب حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كان لك عشرون ديناراً، وحال عليها
¬
(¬1) هذا ما حرره أمين فتوى حمص العلامة المقرئ الفقيه الشيخ عبد العزيز عيون السود (ت1399هـ) في رسالته المقادير الشرعية، ينظر: حاشية اللباب 2: 341.
الحول ففيها نصف دينار) (¬1).
وليس بشرط أن تكون ذهباً خالصاً، بل يكفي أن يكون غالبها ذهباً؛ لأنّ الأكثر له حكم الكلّ، فما كان أكثره ذهباً أخذ حكم الذهب في وجوب تزكيته كاملاً، وأما إذا كان مساوٍ لغيره من المعادن بنسبة (50) %، فاختلف في وجوب تزكيتها، والمختار لزومها احتياطاً (¬2).
*تطبيق:
فلو كان يملك (100) غراماً ذهباً من عيار (14) أو (18) أو (21) أو (22) أو (24) فيجب عليه زكاته؛ لأنه الذهب فيها غالب على غيره من المعادن، فعيار (14) نسبة الذهب فيه (58.33%)، وعيار (18) نسبة الذهب فيه (75.00%)، وعيار (21) نسبة الذهب فيه (87.5%)، وعيار (22) نسبة الذهب فيه (91.67%)، وهي أكثر من النصف.
ولو كان يملك (100) غراماً ذهباً من عيار (12) فنسبة الذهب فيه (50.0%)، وهي التساوي، فيجب تزكيته على الراجح.
ولو كان يملك (100) غراماً ذهباً من عيار (10) فنسبة الذهب فيه (41.7%) أو عيار (8) فنسبة الذهب فيه (33.3%) أو عيار (6)
¬
(¬1) سنن أبي داود2: 1004.
(¬2) ينظر: التنوير، 2: 32.
فنسبة الذهب (25%)، أو عيار (4) فنسبة الذهب فيه (16.7%)، أو عيار (2) فنسبة الذهب فيه (8.2%)، فيكون الذهب مغلوباً، فلا يُزكى تزكيةَ الذهب، إلا إذا كان الذهب الخالص فيه بلغ نصاباً فيزكى، وبالتالي يعامل معاملة العروض على سيأتي تفصيله.
• • •
القاعدة (31)
نصاب الفضة (700) غراماً
غالبٌ عليها الفضة
توضيح:
النصابُ في الفضة (200) درهم، والدرهمُ يُساوي (3.5) غراماً (¬1)، فيكون النصاب يساوي (700) غراماً.
فعن على - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (هاتوا ربع العشور من كل أربعين درهماً، وليس فيما دون المئتين شيء، فإذا كانت مئتي درهم ففيها خمسة دراهم، فما زاد فعلى ذلك الحساب) (¬2).
¬
(¬1) هذا ما حرره أمين فتوى حمص العلامة المقرئ الفقيه الشيخ عبد العزيز عيون السود في رسالته المقادير الشرعية، ينظر: حاشية اللباب، 2: 338.
(¬2) صحيح ابن خزيمة،4: 34، وسنن أبي داود، 1: 492.
وما سَبَقَ تفصيله من اعتبار الغالب في الذهب معتبرٌ في الفضّة؛ لأنّ الأكثرَ له حكمُ الكلّ، وأمّا إن كانت الفضّة مغلوبة بالنسبة للمعادن الأخرى، فتزكّى تزكيةَ العروض على ما يأتي.
*تطبيق:
فلو كان يملك (700) غراماً فضة وجب عليه تزكيتُها؛ لأنها تعتبرُ نصاباً وإن كانت قيمتُها في هذا الزمان متدنية جداً، فقيمة نصابها يساوي بمعدل عُشر قيمة نصاب الذهب، فمَن ملك ذات الفضة وجب عليه تزكيتها إن بلغت النصاب مهما كانت قيمتها منخفضة.
• • •
القاعدة (32)
زكاة الذهب والفضة والنقود والعروض (2.5%)
*توضيح:
هذا الحكم مشهور ومعروف، وتشهد له الأحاديث المذكورة في القواعد السابقة، وهذا النسبة من الشارع الحكيم في الأموال المذكورة، بخلاف السوائم فلكل منها نسبته الخاصة به كما سيأتي.
*تطبيق:
فلو كان لديه من ذهبٍ وفضّةٍ ونقودٍ وعروض، فعليه جمعها، ويُخرج (2.5) % منه في سبيل الله - جل جلاله - زكاة لماله، فلو كان لزيد (100)
غرام ذهب، فتكون زكاتها (2.5) غراماً، ولو كان عنده (5000د)، فتكون زكاتها (125د)، وهكذا.
• • •
القاعدة (33)
الناقص عن مقدار خمس النصاب عفوٌ
*توضيح:
يعتبر ما دون خمس النصاب من الكسور التي لا تُزكى ويُعفى عنها عند أبي حنيفة، يعني إذا زاد على (200) درهم في الفضّة لا شيء في الزيادة حتى تبلغ (40) درهماً، فإذا بلغت أربعين درهماً ففيها درهم؛ لأنّ الزكاةَ لا تجب في الكسور إلا إذا بلغت خمس النصاب (¬1).
فعن عمرو بن حزم - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (في كلّ خمس أواق من الورق خمسة دراهم، وما زاد ففي كلّ أربعين درهماً درهم) (¬2).
وفي الذهب لا تجب الزكاة في الزائد على النصاب (20 مثقالاً) إلا إذا بلغ خمس النصاب، وهو أربعةُ مثاقيل: أي بما يساوي (20) غراماً.
¬
(¬1) هذا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -،وقال أبو يوسف ومحمد: ما زاد على المئتين فبحسابه، ينظر: المنحة، 2: 125، والمشكاة ص320.
(¬2) المستدرك 1: 553، والسنن الكبير للبيهقي، 4: 89، وصححه أحمد. ينظر: مجمع الزوائد 3: 72.
وفي النقود يكون الحكم كذلك أيضاً، فلو فرضنا أنّ النصاب فيها (5000د)، فلا يزكّى الزائد على النصاب إلا إذا بلغ خمس النّصاب وهو يساوي (1000د).
*تطبيق:
وعليه: فمن ملك (5500د) يزكّي (5000د)، ولا يزكي (500)؛ لأنها أقل من خمس النصاب.
وكذلك مَن مَلَكَ (10400د) فيزكي (10000د) فقط، ولا يزكي (400د)؛ لأنها كسر؛ إذ هي أقلّ من خمس النصاب الذي يساوي (1000د)، كما سبق.
• • •
القاعدة (34)
الذهب والفضة الغالبة تُزكى كاملة
والمغلوبة بمقدار ما فيها إن بلغت نصاباً
وإن لم يخلص فزكاة عروض التجارة
* توضيح:
جميع هيئات الذهب والفضة من حُليٍّ أو آنيةٍ أو تِبْرٍ إن غلب عليها الذهب والفضة تجب فيها زكاة الذهب الخالص.
وإن غلب عليها غير الذهب والفضة تزكَّى على قدر نسبة الذهب والفضة فيها.
وإن لم يكن يخلص منها الذهب والفضة تُعامل معاملة عروض التجارة (¬1).
ووجبت زكاةُ الحُليّ وغيرُه؛ لأنّ علّةَ النماء في الذهب والفضّة هي الثمنية، وهي موجودةٌ في جميعِ هيئات الذهب والفضة، ويشهد لها القرآن في قوله - جل جلاله -: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيم} [التوبة:34]، فلم يُفرق بين نوعٍ ونوعٍ في اعتباره من الكنز المذموم إذا لم يؤدِّ حقَّه من الزكاة.
وأحاديثُ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - صريحةٌ في لزوم زكاتها، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنهم -: (إن امرأة أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار، قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وقالت: هما لله ولرسوله) (¬2).
¬
(¬1) ينظر: شرح الوقاية، برقم (962). ق61/أ، والتنوير، 2: 32.
(¬2) سنن أبي داود، 2: 95، وسنن النَّسَائيّ الكبرى، 2: 19، ومسند ابن راهويه،1: 177، ومسند ابن حنبل، 6: 455، وصححه ابن القطان، وقال النووي: إسناده حسن. ينظر: الدراية1: 258.
وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: (دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأى في يدي فتخات ـ أي خواتم ـ مَن ينوي فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله، قال: أتؤدين زكاتهن، قلت: لا أو ما شاء الله، قال: هو حسبك من النار) (¬1).
وعن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: (كنت ألبس أَوضاحاً من ذهب، فقلت: يا رسول الله أَكنز هو؟ فقال: ما بلغ أن تؤدِّي زكاته فزكِّي فليس بكنز) (¬2).
والمقصودُ بالآنيةِ كلُّ ما يصنع من الذهبِ والفضةِ من أواني وغيره.
والمقصود بالتبر الذهب والفضة قبل أن يصاغ ويستعمل (¬3)، فكلُّه يُعامل معاملة الذهب الخالص.
وأمّا ما غَلَبَ من الذهب والفضّة الغِشّ، فإن بلغ ما فيه من الذهب والفضّة مقدار النصاب بنفسه يُزكى، وإن كان يجمع ما فيه من الذهب والفضّة مع ماله الآخر، فيبلغ نصاباً فيزكى.
¬
(¬1) في سنن أبي داود، 2: 95، والمستدرك1: 547، وقال الحاكم: إسناده صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(¬2) في سنن أبي داود، 2: 95، والمستدرك، 1: 547، وصححه الحاكم، والمعجم الكبير، 23: 281، وغيرها.
(¬3) ينظر: اللسان،1: 416، ومختار الصحاح، ص74.
وإن كان من عروض التجارة، ويبلع قيمته بنفسه أو بجمعه مع ماله الآخر مقدار النصاب فيُزكى.
وإن كانت نسبة الذهب والفضة فيه قليلة جداً بحيث لا تخلص: أي لا يُمكن فصلها عنه، فيُعامل معاملة عروض التجارة فحسب (¬1).
*تطبيق:
فلو ملكت امرأة حًلياً وجب زكاته إن كان يزيد على (100) غراماً، وكذلك إن كان أقل من (100) غراماً، ولكن معها نقود أخرى لو جمعت معه تبلغ قيمته (100) غراماً ذهباً فأكثر.
ولو أن أحداً ملك إناءً مصنوعاً من الذهب الخالص (100) % وزنه (1000) غراماً، وأرادنا زكاته تكون الزكاةُ على الوزن كاملاً، وإن كانت نسبةُ الذهب فيه (60) % تكون الزكاةُ على الوزن كاملاً أَيضاً؛ لأنّ للأكثر حكم الكلّ، وإن كانت نسبة الذهب فيه (40) % تكون الزكاة على مقدار الذهب فيه وهي (400) غراماً لإمكانية خلوصه منه، وهو أكثر من النصاب الشرعيّ.
ولو كانت نسبة الذهب (5) %، فيزكَّى (50) غراماً من الإناءِ بشرط إذا جمع مع مال آخر عنده يبلغ مع هذه الخمسين نصاباً، وإن لم يوجد إلا هذه الخمسين فلا تزكّى.
¬
(¬1) ينظر: شرح الوقاية لابن ملك ق61/أ.
ولو كان الذهبُ مغلوباً أي أقلّ من (50) % كما في الأمثلة السابقة، وكان الإناء معروضاً للبيع، فإن الزكاة تكون على قيمته الإجمالية التي يباع فيها في السوق ولا تكون الزكاة خاصة بالذهب الموجود في داخله.
ولو كان الذهبُ الذي على الإناء مجردُ طلاء له، لا يُمكن أن يخلصَ أو يُفرزَ عنه، فلا يُزكى إلا زكاة العروض، بحيث لو وُجدت فيه شروط العروض للتجارة في الزكاة يُزكى، وإلا فلا.
• • •
القاعدة (35)
نصاب العروض نصاب الذهب
*توضيح:
كلُّ ما اشتري بنيّة بيعه والتجارة فيه يعتبر من عروضِ التجارة.
ويُقدَّرُ نصابُ عروض التجارة بالأنفع للفقراء في وجوب الزكاة فيه، وفي عامة بلاد المسلمين يقدر بأن يبلغَ قيمتها قيمة نصاب الذهب (100) غراماً (¬1)؛ لأن الفضة في هذا الزمان أصبحت رخيصةً جداً، بحيث لو قدَّرنا بها كما كان في الزمن السابق يكون ضرراً بالفقراء؛
¬
(¬1) ينظر: شرح الوقاية ص217 - 218.
لإيجاب الزكاة على الفقراء؛ إذ أن نصابها قليل جداً في هذا الزمان، فلو قدر به لأصبحت الزكاة واجبة على عامة الناس.
ولا يجوز لهم أخذ الزكاة من غيرهم، فكان التقدير بالذهب أولى بالفقراء، ولأن مَن يملك هذه القيمة القليلة ليس غنياً، وبالتالي إن اعتبر غنياً يُحرم من أخذ الزكاة، وفي ذلك ضرر كبير بمن يستحقُّون أخذ الزكاة لو قدرنا بالفضة.
ولو قدَّرنا بالذهب، لن تجب الزكاة على هذه الفئة، ولن يحرموا من أخذ الزكاة، فيكون الأنفع للفقراء التقدير بنصاب الذهب.
وأما في البلاد الفقيرة من بلاد المسلمين، فيُقدَّر بنصاب الفضة في العروض، طالما أن مَن يَملك مقدار نصاب الفضّة لا يُعَدُّ فقيراً، ولا محتاجاً، وهذا الأمرُ تقديره لعلمائهم في تلك البلاد، بحيث يُقدِّروا بالفضّة إن كان الأنفع للفقراء.
فعن سمرة بن جندب - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (كان يأمرنا أن نخرج الصدقة عن الذي يعد للبيع) (¬1).
وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (في البز صدقة) (¬2)
¬
(¬1) في سنن أبي داود، 2: 95، وسكت عنه، والمعجم الكبير،7: 253، وسنن البيهقي الكبير، 4: 146.
(¬2) أخرجه أحمد والدارقطني والحاكم، وإسناده حسن. ينظر: الدراية، 1: 261.
وعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال: (ليس في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة) (¬1).
*تطبيق:
فلو أراد أصحاب التجارات المختلفة الزكاة، فعليهم أن يحسبوا قيمة كلّ العروض الموجودة بين أيديهم عند مجيء موعد زكاتهم ويجمعونه مع الأموال النقدية الأخرى معهم، فيخرجون الزكاة عن الكلّ.
ولو أراد أصحاب الحرف من النجارين والحدادين وغيرهم الزكاة، فعليهم أن يحسبوا المواد الخام التي يستخدمونها في صنعتهم؛ لأنها من عروض التجارة ويزكونها مع أموالهم الأخرى. قال الكاساني (¬2): «إن كان شَيئًا يَبقَى أثَرُه في المعمُول فيه كالصَّبغ والزَّعفَران والشَّحم الذي يُدبَغُ به الجلدُ، فإنَّه يكون مالَ التّجارة؛ لأنَّ الأجرَ يكون مُقابلة ذلك الأثَر، وذلك الأثَرُ مالٌ قائمٌ، فإنَّه من أجزاء الصَّبغ والشَّحم لكنَّه لَطيفٌ، فيكون هذا تجارة».
ولو أراد أصحابِ المصانعِ المختلفةِ الزكاة، فعليهم أن يحسبوا المواد الخام المستخدمة في صناعتهم والمصنوعات عندهم التي لم تُبع بعد؛
¬
(¬1) في السنن الكبير، 4: 147، وصححه، ومصنف ابن أبي شيبة،2: 406.
(¬2) في البدائع2: 13.
لأنها معروضةً للبيع، فتأخذ حكم عروض التجارة، وتجمع مع الأموال الأخرى.
ولو أراد المقاولون في البناء الزكاة، فعليهم أن يحسبوا قيمة الشِّقق والبيوت المبنيّة التي لم تبع بعد حتى جاء موعد إخراجهم للزكاة، ويخرجون الزكاة عنها.
• • •
القاعدة (36)
الذهب والفضة والنقود والعروض
تُضمُّ بالقيمة
*توضيح:
تضمُّ كلٌّ من العروض والنقود والذهب والفضة مع بعضها البعض؛ لأنّ لها نصاباً واحداً، وهي أقربُ جنساً؛ لثبوتها في الذّمة، فتُعامل معاملةَ الجنس الواحد؛ لأنها للتجارة (¬1)، بخلاف غيرها من السوائم، فإن لكلٍّ منها نصاباً؛ لأنها أجناسٌ مختلفة.
¬
(¬1) ينظر: شرح الوقاية ص218، وغيره، وهذا عند أي حنيفة، وعند الصاحبين: تضم بالأجزاء لا بالقيمة: أن نسبة وتناسب، فتجمع نسبة كل صنف بالنسبة لنصابها، مع نصاب الأخرى فإن بلغ المجموع 100% فأكثر يزكى.
*تطبيق:
فلو كان يملك أقلّ من (100) غراماً ذهباً، ومعه نقود أُخرى لو جمعت معها يَبلغ نصاباً يجب عليه الزكاة.
ولو كان يَملك عرضاً للتجارة ككمبيوتر للبيع، وهو أقلُّ من قيمة النصاب، ويَملك معه نقوداً أُخرى بحيث يَبلغان مع بعضهما البعض نصاباً يجب عليه زكاة الكلّ.
ولو كان يَملك عرضاً للتجارة وذهباً وفضةً ونقوداً لو جُمِعت مع بعضِها البعض تبلغ نصاباً، فإنّها تُجمعُ، ويجب عليه الزكاة ـ وإن كان كلُّ واحدٍ منها أقلّ من النصاب لوحده ـ.
• • •
القاعدة (37)
نصابُ البقر والجواميس ثلاثون، وفيه تَبيعٌ (¬1) إلى أربعين
وفي الأربعين مسنة (¬2)، وستين إلى سبعين تبيعان
وهكذا في كلّ عشرة
*توضيح:
لا تجب الزكاة على مَن ملك أقلّ من ثلاثين بقرةٍ أو جاموسة، فإن بَلَغَت ثلاثين كان فيها بقرةٌ أَكملت سنةً وتُسمّى تبيعةً، ويبقى هذا حتى تبلغ تسعاً وثلاثين، وفي الأربعين بقرةٌ أَكملت سنتين وتُسمَّى مُسنةً، وما بين أربعين إلى ستين عفوٌ أَيضاً فلا يجب فيه شيء (¬3)، وإنّما يتغيّر المقدار إذا
¬
(¬1) وهو الذي تمَّ عليه الحول، والتبيعة أنثاه. ينظر: المشكاة ص312.
(¬2) أي في كل أربعين مسنّ أو مسنة، والمسن: هو الذي تمَّ عليه الحولان، والمسنّة أثناه. ينظر: المشكاة ص312.
(¬3) هذا قول الصاحبين، وهو رواية أسد بن عمرو عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وهو قولهما، وهو اختيارُ صاحب الملتقى ص30، وجوامع الفقه، وفي المحيط: وهو أعدلُ الأقوال، وفي الينابيع، والاسبيجابي: وعليه الفتوى. ينظر: ابن عابدين، رد المحتار، 2: 18.
والقول الثاني: يجب الزكاة فيما بين الأربعين والستين، ففي الواحدة ربع عشر مسنة، وفي الاثنين نصف عشر مسنة، وفي الثلاثة ثلاثة أرباع عشر مسنة، وفي الأربعة عشر مسنة وهكذا؛ لأن العفو ثبت نصاً بخلاف القياس ولا نصّ هنا، هذا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - في رواية الأصل 2: 55 - 56، وهو اختيار صاحب الوقاية 210، والمختار، 1: 139 والكنز ص27، والمواهب الرحمن ق50/أ.
والقول الثالث: أنه لا يجب في الزيادة شيء حتى تبلغ خمسين، ثم فيها مسنة وربع مسنة، أو ثلث تبيع؛ وهي رواية الحسن عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأن مبنى هذا النصاب على أن يكون بين كل عقدين وقص، وفي كل عقد واجب. ينظر: ابن عابدين، رد المحتار، 2: 18.
بلغت ستين فيجب تبيعان، ويبقى هذا حتى تبلغ تسعاً وستين، ثم ما بين سبعين وتسعاً وسبعين يكون تبيعة ومُسنة، وما بين ثمانين وتسعاً وثمانين يكون مُسنتان، وما بين تسعين وتسعاً وتسعين يكون ثلاثة أتبعة، وهكذا يتغيّر مقدار الزكاة في كلّ عشرةٍ إلى ما لا نهاية.
فعن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال: (بعثني النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة) (¬1).
*تطبيق:
فلو ملك أبقاراً، فتجب الزكاة إذا بلغت نصاباً وهو ثلاثون بقرة، ويكون زكاتُها على التفصيل السابق، بشرط أن تكون سائمة، فأما مَن تطعم العلف في أكثر الحول كما هو حال عامة المزارع، فلا زكاة فيها.
ولو ملك بقراً وغنماً وإبلاً، فلا يجمع البقر مع غيره من الأنصبة سواء أكان ذهباً، أو فضة، أو نقوداً، أو غنماً، وإنما لها نصاب خاصّ بها إن بلغته أخرجت زكاتها، وإلا فلا زكاة فيه إلا إذا ملك بقراً للتجارة،
¬
(¬1) في سنن الترمذي،3: 20، وحسنه، والمستدرك، 1: 555، وصحيح ابن خزيمة، 4: 19.
فإنها تُعامل معاملة عروض التجارة، وتُزكَّى مع عروض التجارة، وتُدفع زكاتُها كما تُدفع زكاة عروض التجارة.
• • •
القاعدة (38)
نصابُ الغنم أَربعون، وفيه شاةٌ إلى مئةٍ وإحدى وعشرين
ومنه إلى مئتين وواحد يجب شاتان
ومنه إلى أربعمئة ثلاث شياه
ثمّ في كلِّ مئةٍ شاةٌ (¬1)
*توضيح:
لا تجب الزكاة في الغنم والماعز إلا إذا بلغت أربعين شاة، فيكون زكاتُها شاة عمرُها سنة فأكثر، ويبقى هذا إلى أن تبلغ (120) شاة، ثمّ ما بين (121) شاة و (200) شاة تكون زكاتُها شاتين، وثم ما بين (201) شاة، و (399) شاة يكون زكاتها ثلاث شياه، ثم ما بين (400) شاة و (499) شاة يكون زكاتُها أربع شياه، وهكذا نزيد شاة في كل مئة جديدة.
وتُجمع الغنم والماعز مع بعضِها البعض؛ لأنها جنسٌ واحد، كما
¬
(¬1) ينظر: المنحة، 2: 133.
تجمعُ البقرُ والجواميسُ مع بعضِها البعضِ؛ لأنها جنسٌ واحد، ولكن لا تجمع الأغنام مع غيرها من الأجناس كما سَبَق في الكلام في البقر، إلا إذا كانت عَرْضاً للتجارة، فتجمع مع عروض التجارة وتُزَكَّى زكاةَ عروض التجارة.
فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - في تكملة كتاب رسول الله السابق: (وفي الشاة في كلّ أربعين شاة شاة إلى عشرين ومئة، فإذا زادت فشاتان إلى مئتين، فإذا زادت فثلاث شياه إلى ثلاث مئة شاة، فإذا زادت على ثلاث مئة شاة ففي كل مئة شاة شاة، ثم ليس فيها شيء حتى تبلغ أربعمائة ... ) (¬1).
وعن أنس - رضي الله عنه -: (إن أبا بكر - رضي الله عنه - كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المسلمين ملكاً أمر الله بها رسوله فمَن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها ومن سئل فوقها فلا يعط .. في صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، فإذا زادت على عشرين ومئة إلى مئتين شاتان، فإذا زادت على مئتين إلى ثلاثمائة، ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمئة ففي كل مئة شاة ... ) (¬2).
¬
(¬1) في سنن الترمذي، 3: 17، وحسنه، والمستدرك، 1: 549، وسنن أبي داود، 2: 98.
(¬2) في صحيح البخاري، بيروت.2: 573.
*تطبيق:
فلو ملك (40) شاة، وجب عليه زكاتها شاة إن كانت سائمة، وحال عليها الحول.
ولو ملك (400) شاة، وجب عليه زكاتها (4) شياه.
• • •
القاعدة (39)
نصاب الإبل خمس، وفيه شاة، وفي عشر شاتان، وخمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربعة شياه، وخمس وعشرين بنت مخاض، وفي ست وثلاثين بنت لبون، وفي خمس وأربعين حقّة، وفي إحدى وستين جَذَعة، وفي ستِّ وسبعين بنتا لبون، وفي تسعين حقَّتان، وفي مئة وخمس عشرين حقتان وشاة، وفي مئة وثلاثين حقتان وشاتان، ومئة وخمس ثلاثين حقتان وثلاث شياه، وفي مئة وأربعين حقتان وأربع شياه، وفي مئة وخمس وأربعين حقتان وبنت مخاض، وفي مئة وخمسين ثلاث حقاق، وفي مئة خمس وخمسين ثلاث حقاق وشاة، وفي مئة وستين ثلاث حقاق وشاتان، وفي مئة وخمس وستين ثلاث حقاق وثلاث شياه، وفي مئة وسبعين ثلاث حقاق وأربع شياه، وفي مئة وخمس وسبعين ثلاث حقاق وبنت مخاض، وفي مئة وست وثمانين ثلاث حقاق وبنت لبون،
وفي مئة وست وتسعين أربع حقاق إلى مئتين، وهكذا في كلِّ خمسين يجب حقّة.
*توضيح:
يبدأ العدُّ في الإبل من البُخت والعِراب من جديد ثلاث مرَّات كالآتي:
أوَّلها: من (5 ـ120) من الإبل على النَّحو الآتي:
من (5ـ 9) يجب (1) شاة.
ومن (10ـ14) يجب (2) شاة.
ومن (15ـ19) يجب (3) شاة.
ومن (20ـ24) يجب (4) شاة.
ومن (25ـ35) يجب (1) بنت مخاض (وهي إبل جاوزت السَّنة).
ومن (36 ـ 45) يجب (1) بنت لبون (وهي إبل جاوزت سنتان).
ومن (46 ـ 60) يجب (1) حقة (وهي إبل جاوزت ثلاث سنوات).
ومن (61ـ 75) يجب (1) جذعة (وهي إبل جاوزت أربع سنوات).
ومن (76 ـ 90) يجب (2) بنت لبون.
ومن (91 ـ 120) يجب (2) حقة.
وثانيهما: من (121 ـ 150) من الإبل على النَّحو الآتي:
من (125ـ 129) يجب (2) حقة و (1) شاة.
ومن (130 ـ 134) يجب (2) حقة و (2) شاة.
ومن (135 ـ 139) يجب (2) حقة و (3) شاة.
ومن (140 ـ 144) يجب (2) حقة و (4) شاة.
ومن (145 ـ 149) يجب (2) حقة و (1) بنت مخاض.
وفي (150) يجب (3) حقة.
وثالثهما: من (155 ـ 200) من الإبل على النَّحو الآتي:
من (155 ـ 159) يجب (3) حقة و (1) شاة.
ومن (160ـ 164) يجب (3) حقة و (2) شاة.
ومن (165ـ 169) يجب (3) حقة و (3) شاة.
ومن (170ـ 174) يجب (3) حقة و (4) شاة.
ومن (175ـ185) يجب (3) حقة و (1) بنت مخاض.
ومن (186ـ 195) يجب (3) حقة و (1) بنت لبون.
ومن (196ـ 200) يجب (4) حقة.
وهكذا يكون الحساب في كل خمسين بعد المئتين، كما في الخمسين بعد المئة والخمسين، فمثلاً في (730) إبل يجب (14) حقة و (1) بنت مخاض، وفي (920) إبل يجب (18) حقة و (4) شاة.
عدد الإبل ... ما يجب فيها ... عدد الإبل ... ما يجب فيها ... عدد الإبل ... ما يجب فيها
5 - 9 ... 1 شاة ... 125 - 129 ... 2 حقة + 1 شاة ... 155 - 159 ... 3 حقة + 1 شاة
10 - 14 ... 2 شاة ... 130 - 134 ... 2 حقة + 2 شاة ... 160 - 164 ... 3 حقة + 2 شاة
15 - 19 ... 3 شاة ... 135 - 139 ... 2 حقة +3 شاة ... 165 - 169 ... 3 حقة + 3 شاة
20 - 24 ... 4 شاة ... 140 - 144 ... 2 حقة + 4 شاة ... 170 - 174 ... 3 حقة + 4 شاة
25 - 35 ... 1 بنت مخاض ... 145 - 149 ... 2 حقة + 1 بنت مخاض ... 175 - 185 ... 3 حقة + 1 بنت مخاض
36 - 45 ... 1 بنت لبون ... 150 ... 3 حقة ... 186 - 195 ... 3 حقة + 1 بنت لبون
46 - 60 ... 1 حقة ... -200 ... 4 حقة
61 - 75 ... 1 جذعة
76 - 90 ... 2 بنت لبون
91 - 120 ... 2 حقة
فعن ابن عمر - رضي الله عنه -: (إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب كتاب الصَّدقة، فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض، فقرنه بسيفه، فلما قبض عمل به أبو بكر حتى قبض، وعمر حتى قبض، وكان فيه في خمس من الإبل شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشر ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين، فإذا زادت ففيها حقّة إلى ستين، فإذا زادت فجذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا زادت ففيها حقتان إلى عشرين ومئة، فإذا زادت على عشرين ومئة، ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون) (¬1).
وعن عمرو بن حزم - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كتبه لجدّه فقرأته فكان فيه ذكر ما يخرج من فرائض الإبل فقصَّ الحديث إلى أن تبلغ عشرين ومائة: (فإذا كانت أكثر من ذلك فعد في كل خمسين حقة، وما فضل فإنَّه يعاد إلى أول فريضة الإبل، وما كان أقل من خمس وعشرين، ففيه الغنم في كل خمس ذود شاة ليس فيها ذكر ولا هرمة ولا ذات عوار من الغنم) (¬2).
¬
(¬1) في سنن الترمذي 3: 17، وحسَّنه، والمستدرك 1: 549، وسنن أبي داود 2: 98.
(¬2) في شرح معاني الآثار 4: 375،وسنن البيهقي الكبير4: 94،ومراسيل أبي داود 1: 128.
*تطبيق:
وعليه؛ لو ملك (700) من الإبل، فإنه يجب فيها (14) حقة؛ لأن الواجب في كل خمسين حقة.
ولو كان مالكاً (920) جملاً، فإن الواجب فيه (18) حقة، و (4) شياه.
ولو كان مالكاً (980) جملاً، فان الواجب فيه (19) حقة، وبنت مخاض.
• • •
القاعدة (40)
نصابُ الخيل الاختلاط
*توضيح:
تجب الزكاة في الخيل المختلط ذكوراً وإناثاً، فإن كانت ذكوراً منفردةً فلا زكاة، وإن كانت إناثاً مختلفة ففيها اختلاف (¬1)، فيكون في
¬
(¬1) في سنن الدارقطني 2: 125، وسنن البيهقي الكبير 4: 119، وقالا: تفرد به فورك عن جعفر وهو ضعيف جداً ومَن دونه ضعفاء، وفي فتح باب العناية 1: 493 رد على كلامهما.
الخيل (2.5%) من قيمتها أو دينار ذهب في كل فرس (¬1).
فعن السائب بن يزيد - رضي الله عنه - قال: (رأيت أبي يُقيّم الخيل ثم يدفع صدقتها إلى عمر - رضي الله عنه -) (¬2).
وعن جابر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (في الخيل السائمة في كل فرس دينار تؤديه) (¬3).
*تطبيق:
فلو ملك مزرعة من ذكور الخيل فلا زكاة فيها، بخلاف مَن ملك مزرعة من الإناث وكان معها ذكر واحد أو بالعكس، فتجب الزكاة حينئذ في جميع الخيل بسبب الاختلاط، ويكون مخيّراً في زكاتها بقدير
¬
(¬1) في الذكور روايتان، قال صاحب الاختيار 1: 141: الأصح عدم الوجوب، وهو ما رجحه صاحب الفتح 2: 139، وأما الإناث فليس فيها زكاة في الأشهر، كما في تحفة الملوك ص142؛ لأنَّه لا تناسل، هذا ما صرح به صاحب الوقاية ص212، ويدل عليه ظاهر عبارة الكنز 1: 264، والقول الثاني: هو وجوب الزكاة فيها؛ لأنَّها تتناسل بالفحل المستعار، وقد صححها صاحب الاختيار 1: 141، والدر المنتقى 1: 201، وهو ما رجح صاحب الفتح 2: 139، وفي التبيين 1: 265 - 266: والأشبه أن يجب في الإناث.
(¬2) رواه الدارقطني في غرائب مالك بإسناد صحيح، كما في إعلاء السنن 9: 37
(¬3) في سنن الدارقطني 2: 125، وسنن البيهقي الكبير 4: 119، وقالا: تفرد به فورك عن جعفر وهو ضعيف جداً ومَن دونه ضعفاء، وفي فتح باب العناية 1: 493 رد على كلامهما.
قيمتها ودفع ربع العشر في زكاتها، أو دفع (5) غرام ذهب عن كل فرس منها.
• • •
القاعدة (41)
دفعُ القيمةِ في الزّكاة جائز
*توضيح:
الأمرُ بأداء الزَّكاةِ إلى الفقير؛ لأجل إيصال الرِّزقِ إلى الفقراء، ويستوي فيه العين وقيمته، ولم يوجد دليلٌ يمنعُ أداء القيمة (¬1).
ويجوز أن ندفع للفقراء ما هو الأنسب لهم سواء كان لبساً أو طعاماً أو غير ذلك، بدون أن نتقيَّد بشيءٍ بعينه، وإنما نقدر ما هو الأنسب والأنفع لهم وندفعه لهم زكاة.
ويستدل على ذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ - رضي الله عنه - عندما بعثه إلى اليمن: (خذ الحب من الحب والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر) (¬2)، ومع هذا التعيين الصريح منه - صلى الله عليه وسلم -، إلا أن معاذاً - رضي الله عنه - قال لأهل
¬
(¬1) ينظر: عمدة الرعاية،1: 276.
(¬2) في المستدرك،1: 546، وصححه، وسنن أبي داود، 2: 109، وسنن ابن ماجة، 1: 508.
اليمن: ((ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير)) (¬1)، لعلمه - رضي الله عنه - أنّ المرادَ سَدّ حاجة الفقراء لا خصوص هذه الأعيان، ولذلك قال - رضي الله عنه -: ((فإنّه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة)) (¬2)، وأقره النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، ولو كان خلاف الشرع المفترض لما أقرّه، ولأمره برد ذلك إلى أهله ونهاه عنه.
وعن عمر - رضي الله عنه -: ((كان يأخذ العروض في الصدقة من الورق وغيرها)) (¬3)، والورق: أي الفضة؛ إذ كان - رضي الله عنه - يأخذ قيمة صدقة الفضة عروضاً.
وعن عليّ - رضي الله عنه -: ((كان يأخذ العروض في الجزية من أهل الإبر الإبر، ومن أهل المال المال، ومن أهل الحبال الحبال)) (¬4)؛ إذ أنه - رضي الله عنه - كان يأخذ قيمة الجزية من كل قوم بما يناسبهم.
قال أبو عبيد (¬5) بعد ذكر الروايات السابقة: ((قد رخصا ـ أي عمر وعلي - رضي الله عنهم - ـ في أخذ العروض والحيوان مكان الجزية، وإنّما أصلها الدراهم والدنانير والطعام، وكذلك كان رأيهما - رضي الله عنهم - في الديات من الذهب والورق
¬
(¬1) في صحيح البخاري، 2: 525.
(¬2) في سنن الدَّارَقُطْنِي2: 100.
(¬3) في مصنف ابن أبي شيبة،2: 404.
(¬4) في مصنف ابن أبي شيبة،2: 404.
(¬5) في كتاب الأموال ص510.
والإبل والبقر والغنم والخيل، وإنما أرادا التسهيل على الناس فجعلا على أهل كل ما يمكنهم)).
وقال العَيْني (¬1): ((واعلم أن دفع القيمة في الزكاة جائز عندنا، وكذا في الكفارة وصدقة الفطر والعشر والخراج والنذر، وهو قول عمر وابنه عبد الله وابن مسعود وابن عباس ومعاذ وطاوس - رضي الله عنهم -، وقال الثوري: يجوز إخراج العروض في الزكاة إذا كانت بقيمتها، وهو مذهب البخاري، وإحدى الروايتين عن أحمد، ولو أعطى عرضاً عن ذهب وفضة، قال: أشهب يجوز، وقال الطرطوشي: هذا قول بين في جواز إخراج القيم في الزكاة، قال وأجمع أصحابنا ـ من المالكية ـ على أنه لو أعطى فضة عن ذهب أجزأه، وكذلك إذا أعطى درهماً عن فضة عند مالك - رضي الله عنه - ... وهو وجه للشافعية، وأجاز ابن حبيب دفع القيمة إذا رآه أحسن للمساكين)).
*تطبيق:
فلو أَراد أن يخرج زكاته فلا يجب عليه إخراجها من الجنس الذي هي منه فحسب أو من النقود فقط، وإنّما يجوز أن يخرجَها من أي شيءٍ له قيمة.
ولو أرادت المرأة تخرجَ قيمةَ زكاة حليها نقوداً جاز، وكذلك
¬
(¬1) في عمدة القاري،9: 8.
أَصحاب العروض المختلفة.
ولو أرادوا أن يخرجوا قيمةَ زكاتهم كُتُباً، أو طعاماً، أو لباساً، أو سيارات، أو غيرها من كلّ ما له قيمة معتبرة بين الناس وفي الشرع جاز.
• • •
القاعدة (42)
الزّكاة واجبة في النصاب دون العفو
*توضيح:
المقصود بالعفو ما بين النصابين، وهذا ظاهر في أنصبة الإبل والبقر والغنم، فما بين كل نصابين يُعَدُّ عفوا، ففي الأربعين من الشياه شاة، وفي مئة وواحد وعشرين شاتان، فمن (41 إلى 120) يكون عفواً، وهكذا في الغنم، وفي ثلاثين بقرة تبيع، وفي الأربعين مسنة، فمن (31 على 39) يكون عفواً، وهكذا في البقر، وفي خمس وعشرين جملاً بنت مخاض، وفي ست وثلاثين بنت لبون، فمن (25 إلى 35) يكون عفواً، وهكذا في الإبل.
فإنه إذا مَلَكَ ثمانين شاة، فالواجبُ وهو شاة واحدة إنِّما هو في الأربعين لا في المجموع، وهو الثمانون، حتى لو هَلَكَ من الثمانين أربعين بعد الحولِ كان الواجبُ على حاله، وهو الشاة.
وإنّما سُمِي عفواً لوجوب الزكاة قبل وجوده (¬1)، وهذا العفوُ خاصٌّ بأنصبةِ الحيوانات لتعلّق الزكاة بأعدادٍ معيّنةٍ كلّما زادت زاد زكاتُها لا بنسبة شائعة تدفع مهما زاد العدد كما هو الحال في الذهب، والفضة، والعروض، والنقود.
*تطبيق:
فلو ملك بقراً أو غنماً وهلك شيءٌ من العفو مما بين كلّ نصابين بعد حولان الحول، فإنّه لا يسقط شيءٌ من الزكاة، فمَن كان يَملك خمساً وثلاثين من الإبل، فإنّه يَدفع زكاتها بنت مخاض، ولا يختلف الحكم لو هلك بعد الحول خمسة منها طالما أنّ الباقي معه نصابٌ فيه بنت مخاض.
• • •
القاعدة (43)
الهلاك بعد الحولان مسقط بقدره
*توضيح:
إن هلك المال كاملاً بآفة سماوية مثلاً كأمطار وبردٍ وغيره بعد حولان الحول ووجوب الزكاة فيه، فإنها تسقط الزكاة؛ لهلاك أصلها.
¬
(¬1) وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهم -، وقال محمد وزفر - رضي الله عنهم -: في مجموع النصاب والعفو. ينظر: القاري، فتح باب العناية 1: 505.
ولو كان الهالكُ بعض المال بالوصف المذكور، فإنه يسقط زكاة الهالك منه ربعاً، أو ثلثاً، أو نصفاً، أو غيرها.
وهذا بخلاف ما لو استهلكه المالكُ بنفسه بأن ذبحه وأكله مثلاً، فإنّ زكاته لا تسقط.
وبالتالي كان التقييدُ بالهلاك؛ لأنّ واجب الزكاة لا يسقط باستهلاك النصاب بفعل ربّ المال، أما لو استهلكه قبل تمام الحول فلا زكاة عليه؛ لعدم الشرط (¬1).
*تطبيق:
فلو ملك نصاباً سواء أكان نصاب ذهب، أو فضة، أو نقود، أو عروض، أو بقر، أو غنم، ثم هلك بعد حولان الحول ووجوب الزكاة بآفة سماوية من غير فعله، فإن الزكاة تسقط عنه فلا يجب عليه شيء.
ولو كان يملك (10000د)، وهلك منها بعد الحول (4000د)، فيجب عليه زكاة الباقي وهو (6000د) فحسب.
ولو حال الحول على (10000د) ثم استهلكها بزواجٍ أو شراءٍ أو أكلٍ، فلا يسقط عنه شيءٌ من زكاتها وعليه زكاتُها كاملة.
• • •
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار،2: 21، وشرح الوقاية لابن ملك، ق54/أ-ب.
القاعدة (44)
التعجيل لسنين ولنصب لمالك النصاب جائز
*توضيح:
يجوز تعجيل زكاة مَن مَلَكَ نصاباً سواء كان لحول أو أكثر، أو كان لنصاب واحد أو أكثر؛ لأنّ السببَ هو المال النامي، فالمالُ أصلٌ، والنماءُ وصفٌ له، فجاز تأديته بعد وجود أصله.
ولأنّ المالَ النَّامي سببٌ لوجوبِ الزَّكاة، والحولُ شرطٌ لوجوب الأداء، فإذا وُجِدَ السَّبب يصحُّ الأداءُ مع أنه لم يجب، فإذا وجدَ النصاب يصحّ الأداءُ قبل الحول، وكذا إذا كان له نصابٌ واحدٌ كمئتي درهمٍ مثلاً، فيؤدِّي لأكثر من نصاب واحد؛ لأن النصاب الأول أصل السببية وما زاد عليه تبع، حتى إذا مَلَكَ الأكثرَ بعد الأداء أجزأهُ ما أدَّى من قبل، أَمَّا إذا لم يملكْ نصاباً أصلاً لم يصحّ الأداء (¬1)؛ لعدم وجود السبب.
فعن عليّ - رضي الله عنه -: (إنّ العبّاسَ - رضي الله عنه - سأل رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن تعجيل صدقة قبل أن تحلّ فَرَخَّصَ في ذلك) (¬2).
¬
(¬1) ينظر: شرح الوقاية، ص217، وعمدة الرعاية،1: 284، والتبيين،1: 275 - 276.
(¬2) في سنن الدارمي، 1: 470، والمنتقى 1: 98، وصحيح ابن خزيمة، 4: 48، والمستدرك، 3: 375.
*تطبيق:
فلو دفع زكاة الأموال في أي وقت شاء صاحبها بدون تقيد بتاريخ بعينه، وكان مالكاً للنصاب جاز.
ولو دفعُ الزكاةِ عن عدّةِ أنصبةٍ وكان مالكاً لنصابٍ واحد جاز، فمن كان يملك (5000د) وهو النصاب مثلاً، ودفع الزكاة عن (10000د) جاز له ذلك، ويكون ما يدفعه عن زكاة تجب عليه المستقبل، ولو كان يملك في آخر السنة (15000د) يكون قد دفع عن (10000د) منها، وإن لم يكن يملك في آخر السنة إلا (5000د)، فإنه يكون دفع عن السنوات القادمة زكاة (5000د)، وهكذا.
ولو قَدَّم زكاة سنة أو سنوات، ثم أصبح فقيراً عند حولان الحول، فإن ما دفعه يكون صدقة، ولا يكون زكاة.
• • •
المبحث الثالث
تعشير الأرض
القاعدة (45)
النابت المقصود من الأرض يعشر
*توضيح:
لا يشترط في عشر الأرض نصاب (¬1) أو حولٍ أو عقل أو بلوغ، فإنها تجب على المجنون والصبيّ؛ لأنه مؤنةُ الأرض النامية كالخراج الذي يلزم أرض غير المسلم عادة، وبالتالي فالعشر نفقة لازمة على الأرض بنفسها، بخلاف الزكاة؛ لأنها عبادة، فلم تكن واجبة إلا على المكلف بشروط (¬2).
وأما ما ينبت من الأرض ولم يكن مقصوداً كالحطب والقصب والحشيش، فلا يجب فيه العشر؛ لأنّ الأراضي لا تستنمي بهذه الأشياء،
¬
(¬1) أي من غير تقدير بقدر كخمسة أوسق كما عند الشافعية. ينظر: الأم،2: 38.
(¬2) ينظر: ابن ملك، شرح الوقاية، ق66/ب.
بخلاف لو جعل أرضَه محطبةً أو مقصبةً أو مُحتشاً وَجَبَ العشر؛ لوجود الاستنماء، فكان مقصوداً (¬1).
*تطبيق:
فلو كان لمزارع أرضاً وجب تعشير كلُّ ما تخرجُ سواءٌ أكان حبوباً أو خضاراً أو فاكهةً مهما كانت قدرها ولو كان قليلاً.
ولو ورث صغيرٌ أرضاً وجبَ إخراج عشرها.
ولو جُنّ مزارعٌ لا يسقط عشر أرضه.
ولو نَبَتَ في الأرض ما لا يُنتفعُ به من الحشيش وغيره، فلا يجب العشر فيه.
• • •
القاعدة (46)
عشر نابت سقي بغير فعل البشر
ونصفه بفعل البشر واجب
*توضيح:
يجب (10) % من ناتج الزُّروعِ والثمارِ التي سُقيت من ماءِ السماءِ
¬
(¬1) ينظر: ابن ملك، شرح الوقاية، ق67/أ.
مباشرةً أو من سيل بدون تَحمُّل جهدٍ في سقيها من المزارعِ أو يَتَكلّف نفقات مُعيّنة بسببِ ذلك، فإن سقاها بيده أو أنفق على سقيها كان الواجب (5) % من ناتجها.
فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عشرياً العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر) (¬1).
*تطبيق:
فلو أراد المزارع تزكية أرضه فيجب زكاةُ ما يخرج من الأرضِ سواء (10) % أو (5) % على حسب الحال من بذل جهد أو دفع نفقة لسقي الأرض أم لا؟ فكلُّ ما يتحمَّل فيه جهداً أو مالاً لأجل السقي تكون زكاته (5) % كوضع أنابيب لسقي الخضار والأشجار، وإن لم يَتَكلَّفْ شيئاً من ذلك إلا حراثة الأرض وزراعتها فتكون زكاتُه (10) %.
• • •
¬
(¬1) في صحيح البخاري، 2: 540.
القاعدة (47)
غلبة السقي بغير فعل البشر يوجب العشر
*توضيح:
إن سُقي الزَّرعُ في أكثرِ السنة بالسيل ففيه العشر، وإن سقي أكثر السنة بآلة ففيه نصف العشر، وإن سُقي نصف السنة بآلة ونصفها بغير آلة، ففيه نصف العشر أيضاً نظراً للمالك، كما كان في الحكم السائمة بحيث لو تساوى السوم رُجح عدم الزكاة فيها (¬1).
*تطبيق:
فلو وجب على المزارع نصف العشر أو العشر باعتبار الأكثر من السقي أو عدمه، فلو كان الزرع يبقي في الأرض أربعة أشهر فسقاه ثلاثة يجب عليه نصف العشر، ولو سقاه واحداً وَجَب عليه العشر، ولو سقاه اثنين وجب عليه نصفُ العشر مراعاة لحقّ المزارع.
• • •
¬
(¬1) ينظر: هدية الصعلوك ص130.