الجزء 1 · صفحة 7
كتاب النوازل للفقيه
للإمام الفقيه أبي الليث نصر بن محمد السمرقندي
توفي سنة (375هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر
قال الفقيه أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي رحمه الله: الحمد لله على نعمه التي لا تحصى ومننه التي لا تنسى أحمده حمد الشاكرين وأشكره شكر العارفين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين، أما بعد:
فإني لما رأيت الأئمة في الدين وعلمائنا المتقدمين أبا حنيفة النعمان بن ثابت، وأبا يوسف يعقوب بن إبراهيم، ومحمد بن الحسن الشيباني رضوان الله عليهم أجمعين قد قدموا جدهم وعنايتهم في تمهيد الأصول في الأحكام، وبالغوا في تفريع الحوادث والروايات، وصنفوا هذه الكتب المبسوطة والجامعين والزياداتوسهلوا سبيل الفقه على الناس، وقد حكي عن أبي عبد الله البلخي أنه قال: لا تستخفوا بكلام هؤلاء، فإني ربما أتيت بمسألة، فلولا ما حفظت من أقاويلهم ما دريت كيف أضع قدمي.
وقال شداد بن حكيم لولا أن من الله علينا بأبي حنيفة وأصحابه لم نكن نعرف من العلم كثير شيء، وكنا نتحير فيه، ولكنهم شرحوه وبينوه، ثم كل واحد منهم، ومن بعدهم من السلف الصالح و فقهاء المسلمين إلى يومنا هذا مثل أبي عبد الله محمد بن شجاع الثلجي، وأبي عبد الله محمد بن مقاتل الرازي، وأبي عبد الله محمد بن سلمة، ونصير ابن يحيى، وأبي نصر محمد بن محمد بن سلام، وأبي القاسم أحمد بن حَمْ، وأبي بكر محمد ابن أحمد الإسكاف، وعلي بن أحمد والفقيه أبي جعفر رحمة الله عليهم، دققوا النظر في اجتهادهم على ما رأوا من اختلاف الأحوال و عادات الناس في عهدهم وزمانهم فيما وقع هم من النوازل، وكل ذلك مما تمس الحاجة إليه وتزيد قوة وبصيرة لمن جلس للدرس وتصدى للفتوى - صنفت كتابين من أقاويلهم، وسمّيت أحدهما عيون المسائل، والآخر كتاب النوازل.
وأورد في عيون المسائل من أصحابنا ما ليست عنهم رواية في هذه الكتب من المسائل وفي كتاب النوازل من الفتاوى من أقاويل المشايخ وشيئًا من أقاويل أصحابنا ما لا رواية عنهم أيضًا في الكتب، ليسهل على الناظر فيها طريق الاجتهاد ويعرف مذاهبهم في الفتوى، فإذا الحوادث لا تنقطع والنوازل لا تتناهى، ولو جمع الإنسان أوقارًا من الكتب وحفظ جميع أقاويل الفقهاء من المتقدمين والمتأخرين، ربا يقع له من الحوادث ما لا يجد في جميع ما كتبه ولا في جميع ما حفظه، ويحتاج إلى الاجتهاد في الحوادث.
ولولا أن الله جل وعلا سهل الأمر على المسلمين لما جاز لأحد أن يقول بالاجتهاد.
الجزء 1 · صفحة 9
وروى عن الحسن البصري أنه تلا قوله تعالى: {إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين، ففهمناها سليمان وكلا أتينا حكماً وعلما} الأنبياء: ?? ثم قال: لولا هذه الآية ما تجرَّاً أحد على الفتوى، فنسأل الله التوفيق لما؛ يحب ويرضى، وصلى الله على محمد وآله أجمعين.
باب الطهارات
سئل أبو القاسم أحمد بن حم عن الحوض إذا كان عشرًا في عشر فولغ فيه كلب، أيجوز الوضوء منه؟ قال: نعم. قال أبو الليث: قد اختلفوا في تقدير الحوض الذي لا ينجسه شيء، وقالوا فيه أقاويل مختلفة، سمعت الفقيه أبا جعفر رحمه الله قال: سمعت علي بن أحمد قال: سمعت نصير بن يحيى قال: سألت أبا سليمان الجوزجاني عن الحوض إذا كان عشرًا في عشر، قال: سمعت عبد الله بن المبارك قال: لا بأس بأن يتوضأ منه. قال أبو سليمان: فأتيت العراق، فسألت محمد بن الحسن قال: إذا كان عشرًا في عشر فهو كبير لا بأس به، قال نصير: قلت لأبي سليمان والجنب يغتسل فيه؟ قال: نعم.
وروى عن محمد بن الحسن رواية أخرى أنه سئل عن ذلك، فقال: مقدار مسجدي هذا، وكان مسجده ثمانيا في ثمان، وروي عن محمد بن سلمة أنه أخذ بذلك فقال: إذا كان الحوض ثمانية في ثمانية أرجو أن يكون الاغتسال فيه من الجنابة والوضوء جائزا، وروى عن أبي مطيع أنه قال: خمسة عشر في خمسة عشر أجد في نفسي شيئًا، ولو كان عشرين في عشرين لا أجد في نفسي شيئًا - يعني لا أشك فيه، وذكر عن نصير أنه قال: إذا كان الحوض بحال لو اغتسل فيه إنسان بغير عنف لا يتكدر الجانب الآخر جاز الوضوء فيه، وقال بعضهم:
إذا كان بحال لو ألقي فيه صبغ في جانب منه لا يتبين في الجانب الآخر فهو كثير يجوز الوضوء فيه، وأكثر الأقاويل أن الحوض إذا كان عشرًا في عشر فإنه لا ينجسه شيء إلا أن يظهر فيه لون النجاسة، وبه نأخذ. وقال الفقيه رضي الله عنه: وقد اختلفوا في مقدار العمق، قال بعضهم، ينبغي أن يكون مقدار العمق ذراعًا أو أكثر، وقال بعضهم مقدار شبر، وقال بعضهم: زيادة على عرض درهم.
وسئل أبو سليمان عن مقدار عمق الماء، فقال: لم يعتبر أصحابنا العمق وإنما اعتبروا البسط، وكان أبو جعفر يقول: إن كان بحال لو رفع الإنسان الماء بكفيه انحسر ما تحته من الأرض ثم يتصل فلا يتوضأ فيه، وإن كان لا ينحسر ما تحته فلا بأس بالوضوء فيه، وبه نأخذ وذكر عن نصير بن يحيى قال: سألت أبا سليمان عن الماء إذا كان طوله مائة ذراع وعرضه ذراعين؟ قال: يتوضأ به، قلت: فإن بال إنسان فيه أو توضأ، قال: ينجس من كل جانب عشرة في عشرة. وسئل أبو بكر محمد بن أحمد عن ماء ممتد ليس له
الجزء 1 · صفحة 10
عرض قال: لا بأس به إذا كان لا يختلط طرفاه وإن كان جانب العرض يختلط، ألا ترى أنه لو غسل شيئًا في البحر فإن ما حول مغسله من الماء يختلط بعضه ببعض ولا يفسد، فكذلك هذا، وذكر في بعض الروايات عن أبي نصر محمد بن سلام أنه سئل عن نهر مدينة بلخ إذا كان فيه ماء وهو لا يجري أيتوضأ فيه الناس، قال: إذا كان طول الماء الا يخلص بعضه إلى بعض فإن هذا الماء طاهر، ولا بأس بالوضوء منه، وبه نأخذ.
وسئل أبو بكر محمد بن أحمد الإسكاف عن ماء مجتمع وهو أقل من عشر في عشر ولكن له عمق فوقعت فيه نجاسة، قال: يصير نجسًا، قيل: فإن انبسط الماء حتى صار أكثر من عشر في عشر بعدما وقعت فيه النجاسة؟ قال: هو نجس، قيل: فإن وقعت النجاسة فيه وهو عشر في عشر، ثم اجتمع في موضع فصار أقل من عشر في عشر؟ قال: هو طاهر وسئل أبو القاسم أحمد بن حم عن حوض عشرين في عشرين قل ماؤه حتى صار أربعا في أربع فوقعت فيه نجاسة، ثم دخل فيه الماء حتى امتلأ الحوض ولم يخرج منه، هل يجوز الوضوء من هذا الحوض؟ قال: لا يجوز لأنه كلما دخل الماء صار نجسًا.
وسئل الفقيه أبو جعفر رحمه الله عن حوض صغير إذا كان ماؤه نجسًا فدخل الماء في جانب وخرج من جانب، هل يطهر؟ قال: كان الشيخ أبو بكر بن أبي سعيد يقول: لا يطهر ما لم يجر فيه الماء ويخرج منه مثل ما في الحوض ثلاث مرات. قال الفقيه وأنا أقول: يطهر وإن لم يخرج منه مثل ما فيه لأن الماء الجاري قد اتصل به، فصار في الحكم غالبا على الماء النجس، فيطهر كله بعد أن لا تستبين النجاسة فيه، وبه نأخذ. وسئل نصير بن يحيى عن مشرعة يدخل الماء فيها ويخرج إلا أنه لا تتبيّن الحركة فيها، فتوضأ إنسان فيها؟ قال: إذا لم يذهب ما يقع من يديه ويدور فيها فلا خير فيها. وسئل نصير أيضا عن حوض كبير جمد فيه الماء، فنقب فيه نقب فتوضأ الناس في ذلك الموضع والماء ملتزق بالجمد؟ قال: لا خير فيه، وهكذا قال أبو بكر الإسكاف، وروى عن عبد الله بن المبارك أنه سئل عن ذلك، فقال: لا بأس به، وقال: أليس أن الماء يضطرب من تحته وبه كان يقول أبو حفص البخاري رحمه الله، قال أبو الليث: الاحتياط أن لا يتوضأ فيه إلا أن يكون الجمد مرتفعًا والماء منفصلافلا بأس به.
وسئل أبو نصر عن الأرض إذا أصابتها النجاسة فيبست وذهب أثرها ثم أصابها ماء؟ قال: عادت نجسة، والمني إذا فرك وذهب أثره ثم أصابه الماء لا يعود نجسًا لأن الفرك حل محل الغسل، ولو غسل وذهب العين وبقي أثره ثم أصابه الماء فإنه لا ينجس، فكذلك هذا.
وسئل أبو القاسم عن أرض أصابتها نجاسة وجفت وذهب أثرها ثم أصابها الماء، أتعود النجاسة؟ قال:
الجزء 1 · صفحة 11
في نفسي من طهارتها بالجفوف شيء، وأما أصحابنا فيقولون: أنها تطهر إذا جفت، والقياس أنه إذا طهر الشيء مرة فإنه لا تعود النجاسة.
قال أبو الليث: وروى عن أبي حنيفة في هذا روايتان: في إحدى الروايتان أنها تعود النجاسة وفي الرواية الأخرى لا تعود النجاسة. وذكر عن نصير أنه قال: سألت الحسن بن زياد عن أرض أصابها بول فجف وذهب أثره، قال: قال أبو حنيفة: لا بأس بالصلاة عليها، فإن رش الماء ثم جلس عليها فلا بأس به، قال نصير وقال أبو سليمان: يفسد على قول أبي حنيفة إذا أصابها الماء، وقال زفر: لا تطهر الأرض بالجفوف.
وسئل أبو القاسم عن الميت إذا وقع في الماء، قال: روي عن أبي يوسف أن الميت إذا غسل ثم وقع في الماء لا ينجس الماء، وإن كان قبل الغسل ينجس، وقال أبو القاسم: عندي فلا فرق بينهما فلا ينجس الماء، وهو بمنزلة الحي، فقيل له: ذكر أن زنجيا وقع في بئر زمزم، فأمر 0 بنزح الماء، قال: يحتمل أنه أصابته جراحة فاختلط الدم بالماء.
وسئل أبو بكر الإسكاف عن الميت إذا غسل ثم وقع في الماء سواء كان قبل الغسل أو بعد الغسل، قال: ينجس لأن الميت إذا وقع في الماء لابد من أن يخرج منه شيء، قال: وروى إبراهيم بن رستم عن محمد أنه قال: إن كان قبل الغسل يفسد الماء وإن كان بعد الغسل لا يفسد.
وسئل أبو نصر عن الآجر تصيبه النجاسة فجف وتشربت فيه النجاسة، كيف يغسل؟ قال: يغسل ثلاث مرات ويجفف على إثر كل مرة، قال أبو الليث: يعني إذا كان الآجر حديثًا، وأما إذا كان الآجر مستعملًا يكفيه الغسل ثلاث مرات بدفعة واحدة.
وسئل أبو نصر عن رجل مسح رأسه بأطراف أصابعه، قال إن كان الماء متقاطرًا جاز، وإن كانت مبتلة ولم يكن متقاطر ا لم يجز، قال أبو الليث رحمه الله: لأن الماء إذا كان متقاطرًا فإن الماء ينزل من أصابعه إلى أطراف الأصابع، فإذا مده فكأنه أخذ ماء جديدا مرارًا و مسح بها.
ولو أنه مسح بأصبع واحدة بعرضها ثم بلها فمسحها ثم بلها حتى فعل ثلاث مرات؟ قال أبو نصر: إن كان مسح في كل مرة في غير الموضع الذي مسح أولاً جاز، وروي عن محمد بن الحسن أنه سئل عن رجل مسح بالإبهام والسبابة، قال: إن كانتا مفتوحا جاز لأن ما بين الأصبعين قدر أصبع فصار كأنه مسح بثلاث أصابع.
وسئل الفقيه أبو جعفر رحمه الله عن الغسل يوم الجمعة، في أي وقت يستحب؟ قال: في هذه المسألة اختلاف بين أبي يوسف والحسن بن زياد، في قول أبي يوسف الغسل للصلاة وفي قول الحسن الغسل
الجزء 1 · صفحة 12
لليوم، وإنما يتبين الاختلاف في الذي اغتسل بعد طلوع الفجر، فإن صلى الجمعة بذلك الغسل فإنه ينال فضل الغسل، وإن أحدث ثم توضأ وصلى الجمعة لا ينال فضل الغسل وهذا قول أبي يوسف، وفي قول الحسن بن زياد ينال فضل الغسل في الوجهين جميعاً.
وذكر عن أبي مطيع أنه قال: كنت أصلي خلف هشام بن عروة يوم الجمعة - وهو يرى الماء من الماء يعني لا يرى الاغتسال من الجماع إلا بالإنزال - فخشيت أن لا تجوز صلاتي خلفه إذا فعل ذلك الفعل ولم يغتسل، وكنت لا أقدر أن أسأله عن ذلك، فقلت له: يرحمك الله ترى الغسل يوم الجمعة واجبًا؟ قال: أما إنني ما تركت الغسل يوم الجمعة منذ كذا وكذا سنة، فذهب الشغل عن قلبي.
وقال الحسن ابن زياد لو أن بعرة من بعر الفأرة وقعت في وقر حنطة فطحنت تلك الحنطة والبعرة فيها يجوز أكله، ولو وقعت في دهن فسد الدهن، وقال محمد بن مقاتل الرازي: لا يفسد الحنطة ولا الدهن ما لم يتغير طعمها، وبه نأخذ.
وسئل أبو نصر عن بئر وقعت فيها نجاسة فغار ماؤها ثم عاد، قال: كان نصير بن يحيى يقول: صار الماء طاهراً وصار بمنزلة النزح، وكان محمد بن سلمة يقول: هو نجس كما كان قال أبو نصر: وقول نصير أوسع للناس وقول محمد بن سلمة أوثق وأحوط.
وسئل أبو نصر عن خشبة نجسة وقعت في البئر، قال: ينزح ما فيها من الماء، قيل: كيف يعلم قدر ما فيها من الماء؟ قال: كان محمد بن سلمة يقول: مائة دلو، وسئل عن الرشاء والدلو، يغسلان بعد ذلك؟ قال: يطهر الرشاء مع الدلو.
وسئل عن تقدير الدلو، قال: كل بئر دلوها على قدرها ويروى عن أبي حنيفة أنه قال: ينزح بدلو ثمانية أرطال قال: ويروى عن أبي حنيفة أنه قال: يمسح عمق الماء بالأشبار وعرضه، ثم يضرب عدد أشبار العرض في عدد أشبار الطول، ثم ينزح بكل شبر دلوان.
وذكر عن نصير قال: سألت أبا سليمان عن الفأرة إذا وقعت في البئر فنزح الماء كله، هل يغسل الحبل والدلو والبئر؟ قال: لا يغسل وما أصاب خارج البئر غسل، قال الفقيه أبو الليث: يعني إذا انتفخت الفأرة فيها، قال نصير وسألت الحسن ابن زياد فقال: لا يجب غسل الرشاء والدلو.
وسئل أبو القاسم أيضًا عن الدلو والرشاء، هل يغسلان؟ قال: لا لأن نجاستهما نجاسة البئر وطهارتها طهارة البئر.
وذكر عن أبي يوسف أنه قال: إذا وقع في البئر حمار أو كلب وأخرج حيا أو ميتاً ينزح ماء البئر كله، وإن
الجزء 1 · صفحة 13
كانت شاة فأخرجت حية فليس ينزح من البئر شيء، وإن كان سنورا فأخرج حيًا فإنه ينزح منها دلاء نحوا من عشر أو أكثر، والماء الذي أخرج من البئر أكره أن يبل به الطين فيطين به مسجدا أو سطحه أو أرضه.
وقال أبو يوسف: إذا كان بئران فوقع في كل بئر سنور فنزح من أحدهما ولو صب في الأخرى فإن ينزح ماؤها كله، وإن وقع في بئر سنور وفأر ينزح منها أربعون دلوا إلا أن يكون سنور وخمس فارات فينزح ماء البئر كله قال نصير وسمعت الحسن بن زياد قال: قال أبو حنيفة: لو بال في البئر سنور أو شاة أو بعير ينزح ماؤها كله، وقال أبو يوسف وزفر في بول الشاة والبعير ينزح أربعون، وفي بول السنور وما لا يؤكل لحمه ينزح ماء البئر كله.
وسئل أبو نصر عن الجنب يكتب القرآن قال كان محمد بن سلمة يقول: لا يجوز وهو بمنزلة القراءة، وسألت امرأة أبا، نصر، فقالت: إني امرأة معلمة فإذا حضت أفتتح على الصبيان؟ قال: لا تقرئي معهم أية تامة وأقرأي دون آية فقالت: أكتب الألواح؟ قال: لا تكتبي الألواح.
وروى عن أبي يوسف أنه قال: لو وضع الجنب الصحيفة على الأرض يكتب ولا يضع يده عليه أجزأه، قال أبو الليث: الاحتياط أن لا يكتب، وبه كان يفتي الفقيه أبو جعفر إلا أن تكتب أقل من آية، وروى عن الشعبي ومجاهد أنهما كرها كتابة القرآن للجنب و هكذا قال ابن المبارك، وبه نأخذ وسئل أبو نصر عن البعرة تقع في اللبن، فقال: متى يسلم من هذا؟ وعن محمد بن مقاتل أنه سئل عن ذلك، قال: لا بأس به ما لم يظهر فيه اللون.
وسئل خلف بن أيوب عن رجل حلب شاة فوقعت في اللبن بعرة أو بعرتان فيلقيها من ساعته، قال: لا بأس به، وعن نصير قال: سألت الحسن بن زياد عن بعر الشاة إذا وقعت في اللبن، قال: إن رمى بها قبل أن تتفتت فيه فلا بأس به قال الفقيه وبه نأخذ لأن فيه بلوى.
وسئل أبو نصر عن تطيين القبور، قال: لا بأس به، وقال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبر ابنه إبراهيم فرأى فيه جُحرًا فسدّه ثم قال: من عمل عملا فليتقنه.
وإذا صبت في ماء قطرة من خمر ثم صب ذلك الماء في الخمر ثم صار تلك الخمر خلا، قال نصير بن يحيى: الخمر نجسة فلا تطهر أبدًا وإن صارت خلا، قال: لأن الماء إذا صار نجسا لا ينقلب عن نجاسته أبدًا، وسئل أبو بكر عن الماء إذا وقع في الخمر ثم صار خلا، قال: هو نجس، قال الفقيه: هذا الجواب يصح إن لو كان في الماء نجاسة غير الخمر، وأما إذا كانت النجاسة بالخمر فإذا وقع الماء بعد ذلك في الخمر
الجزء 1 · صفحة 14
صارت القطرة من الخمر التي وقعت في الماء والخمر التي اختلط بها الماء سواء، فإذا صارت خلا فقد زالت النجاسة، وسئل أبو نصر عن ذلك فقال: لا بأس به، وبه نأخذ.
وسئل الفقيه أبو جعفر عن فأرة وقعت في الخمر فماتت فيها فألقيت منها فصارت خلا، قال: قال بعضهم: الخل مباح، وقال بعضهم: لا يحل أكله وشربه، وقال بعضهم: إذا لم تنفسخ فيه جاز، وإن كانت قد تفسخت فيها لم يجز لأنه قد بقي فيها جزء منها لأنها تفرقت وامتزجت فصارت نجسة، وهذا القول أحسن عندنا.
وسئل أبو القاسم عن بئر بَالُوْعَة حفروها وجعلوها بئرا لماء، قال إن حفروا مقدار ما وصلت إليه النجاسة فالماء طاهر وجوانبها نجسة، وإن حفر وا أوسع من الأولى جاز وقد طهرت البئر والماء. وسئل نصير بن يحيى عن رجل اغتسل من الجنابة وبين أسنانه طعام فلم يصل الماء تحته، قال: أرجو أن لا بأس به، قال: وهذا عندي بمنزلة الوسخ الذي في الأظافير لا يصل الماء تحته، وهو جائز، لأن هذا قليل، ألا ترى أن المحرم الجنب لو توسخ رأسه واغتسل، فهو جائز.
وقال أبو بكر الإسكاف: إذا اغتسل من الجنابة وبقي بين أسنانه شيء لم يصبه الماء فإنه يجزيه، وإذا عجنت المرأة وبقي العجين بين أظفارها فإنه تجوز الصلاة معه، وأما الدرن الذي بين الأظفار يتولد من هناك فلا يكلف إيصال الماء تحته إذا اغتسل الرجل و المرأة وفي الأظافير وسخ جاز ذلك. قال أبو الليث: وقد قال بعض الناس: إن كان الرجل قرويًا جاز، وإن كان مدنيًا لا يجوز؛ لأن القروي يكون بين أظفاره طين والطين يتجاوزه الماء، وأما المدني فيكون فيه دسومة فلا يصل الماء تحته. وسئل أبو نصر عن ماء الثلج إذا جرى على الطريق وفي الطريق سرقين ونجاسة لم تتبين فيه، أيتوضأ به؟ قال: إذا تغيبت النجاسة في الطين واختلطت به حتى لا يتبين لها لون ولا أثر يجوز أن يتوضأ به.
وروى عن محمد بن سلمة عن يوسف بن العاص السمتي قال: إذا كان نهر يجري على جيفة، فإن كان الماء الذي لا يجري على الجيفة أكثر فالماء طاهر، وكذلك الماء إذا كان الماء يجري في جوف الجيفة، فإن كان الماء الذي لا يلاقي الجيفة أكثر فهو طاهر، وإن كان الماء الذي يلاقي الجيفة أكثر فإنه نجس، قال أبو نصر: هذا القول أشبه بقول أصحابنا لأن المطر لو جرى في ميزاب من السطح وكانت عليه عذرة في غير موضع الميزاب فالماء طاهر، لأن الماء الذي يجري في غير العذرة أكثر.
وعن نصير بن يحيى قال: سألت عيسى بن أبان عن سطح عليه عذرة، فجاء المطر فمر عليها وأصاب من الميزاب ثوب رجل، فلما سكن المطر إذا العذرة على السطح، قال: لا بأس به لأنه بمنزلة الماء الجاري، قلت
الجزء 1 · صفحة 15
له: تعرف من أصحابنا شيئا؟ قال نعم. قلت عمن قال عن محمد بن الحسن قال في ماء المطر إذا مر بعذرات ثم استنقع في موضع فخاضه إنسان ثم دخل المسجد فصلى، قال: لا بأس به.
وسئل أبو بكر الإسكاف عن سطح عليه عذرة، فمطرت وسال الماء على العذرة إلى الميزاب، قال: إن كان موضع الميزاب طاهر فلا بأس به وهو طاهر ما لم يتغير لون الماء، وإن كانت العذرة عند الميزاب، فإن كان الماء بحال يكون كله يلاقي العذرة فهو نجس، وإن كان الماء كثيرًا بعضه يلاقي العذرة وبعضها يلاقيها
فهو طاهر.
وسئل نصير بن يحيى عن رجل جامع امرأته فيما دون الفرج فدخل من مائه فرج المرأة، هل عليها غسل؟ قال: لا.
وسئل بن شجاع الثلجي عن رجل رمى بعذرة في نهر فانتضح من وقوعها، فأصاب ثوب إنسان، هل عليه أن يغسله؟ قال عليه أن يغسله وكذلك قال نصير بن يحيى، وقال إبراهيم بن يوسف لا يضره. وسئل أبو بكر عن رجل رمى بعذرة في الماء فترشش على ثوب رجل، قال: كان أبو نصر يقول صار نجساً وأنا أقول: لا يكون نجسًا إلا أن يظهر فيه أثر النجاسة قال الفقيه أبو الليث: وبه نأخذ. وسئل إبراهيم بن يوسف عن حمار يبول في الماء فيصيب من ذلك الرش ثوب رجل فقال: لا يضره وإنما ذلك ماء حتى يستيقن أنه بول، وبه نأخذ.
وسئل بعضهم عن تقليم الأظفار، هل له وقت؟ قال: لا وقت فيه، وقال أبو نصر: سمعت محمد بن الأزهر قال: سمعت زيد بن الحباب قال: رأيت سفيان الثوري يقلم أظفاره يوم الخميس، فقلت له: غدا يوم الجمعة، قال: إن السنة لا تؤخر، وروى عن أبي حنيفة أنه قال: أكره أن يوقت الرجل يوم الجمعة القص أظفاره وأخذ شاربه لكنه يأخذ متى طال، وكذلك قال أبو يوسف: يأخذ متى طال، وقال محمد بن مقاتل: إذا جز شعره أو قص ظفره ينبغي أن يدفن الظفر والشعر، وإن رما به فلا بأس، ولا ينبغي أن يلقى به في الكنيف فإنه يزيده سوءا، يعني سوء الخلق.
وسئل أبو نصر عن غسالة الميت إذا أصاب ثوب إنسان ما حكمه؟ أرأيت إن أصاب ثوب الغاسل من الماء الأول أو الثاني أو الثالث؟ قال: إذا استنقع الماء في موضع فما أصاب منه فإنه ينجسه، وأما الغاسل فإنه ما دام في علاج الغسل فما ترشش عليه مما لا يمكن التحرز منه فإنه لا ينجسه.
وسئل محمد بن مقاتل عن غسالة الميت وغسالة الحي، قال: إذا كان في معالجة الغسل، فإنه لا ينجس، وإن كان بعد الفراغ فهو كبول ما يؤكل لحمه، وقال أبو نصر: لا فرق بين غسالة الحي وبين غسالة الميت.
الجزء 1 · صفحة 16
وروى نصير عن أبي معاذ قال: إذا أصاب الثوب من الوضوء قبل أن يقع في الطست فلا بأس به، وإن أصاب بعد ما وقع في الطست فلا خير فيه.
وقال أبو بكر: الماء المستعمل عند محمد بمنزلة بول ما يؤكل لحمه لو أصاب جميع الثوب تجوز الصلاة معه، قال أبو الليث: قد روى عن محمد أنه قال: ثلاثة أشياء يجوز الصلاة معها وإن كان الثوب مملوءا منها: بول ما يؤكل لحمه، وسور الحمار، والماء المستعمل.
وروي عن أبي حنيفة أن الماء المستعمل إذا أصاب الثوب أكثر من قدر الدرهم لا يجوز الصلاة معه، وهي رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، وروي عن أبي يوسف أنه قال: يجوز ما لم يكن كبيرا فاحشًا، وهذا إذا اجتمع في موضع واحد ثم أصاب الثوب وأما إذا تقاطر من أعضائه وأصاب الثوب فإنه لا يفسد الثوب في قولهم جميعا، قال الفقيه أبو الليث: أما في الماء المستعمل فنأخذ بقول محمد، وأما في بول ما يؤكل لحمه فنأخذ بقول أبي حنيفة وأبي يوسف أنه لا يجوز إذا كان كثيرا فاحشًا.
وسئل أبو بكر عن المنديل الذي يمسح به الميت بعد الغسل، قال: هو طاهر وليس كالميت إذا وقع في الماء.
وسئل أبو نصر عن الماء الذي يسيل من فم النائم وأصاب الثوب، قال إن كان ذلك من ماء الفم فهو ريق لا ينجس ما أصابه، وإن كان منبعاً من الجوف فهو قيء وينجس ما أصاب من الثياب، وإنما يعرف ذلك باللون، قال الفقيه أبو الليث: الغالب أنّ الماء الذي يخرج من الفم في حال النوم يتولد من البلغم فيكون ذلك طاهرا في قول أبي حنيفة ومحمد، وبه نأخذ.
وسئل أبو سليمان الجوزجاني عن رجل سبقه الحدث في صلاته، فخرج ليتوضأ وكان في حُبِّه ماء للشرب، فلم يتوضأ منه، ونزح الماء من البئر، قال: يستقبل الصلاة، قيل: فإن لم يكن عنده ماء فنزح الماء من البئر فتوضأ، قال: هذا يجزيه، قيل له: إن أبا يوسف قال: إن نزح الماء استقبل الصلاة، قال: لم يرو هذا عن أبي يوسف أحد إلا بشر بن الوليد، وليس هذا بشيء.
وسئل أبو بكر عن الذي سبقه الحدث إذا ذهب لينزح الماء من البئر، فوجد الدلو منخرقا فخرز الدلو، ثم نزح الماء فتوضأ؟ قال: عليه أن يستقبل الصلاة لأن هذا عمل كثير، قيل له: فلو أنه توضأ ورجع ونسي ثوبًا من ثيابه في ذلك الموضع فذهب وأخذ ثوبه؟ قال: فسدت صلاته.
وقيل لأبي سليمان: ما تقول إن خرج ليتوضأ فاستنجى ولم يكن عليه الاستنجاء حتى أبدى عورته؟
قال: يعيد الصلاة، قيل له: فإن قطر منه بول فأبدى عورته فاستنجى؟ قال: يجزيه، قيل: فإن توضأ فرجع فذكر في الطريق أنه لم يمسح على رأسه؟ قال: يمسح برأسه ويجزيه، وإن لم يذكر حتى قام مقامه ثم ذكر؟
الجزء 1 · صفحة 17
قال: يمسح برأسه ويستقبل الصلاة لأنه دخل في الصلاة وهو غير متوضئ.
قال الفقيه: كان الفقيه أبو جعفر يقول: إذا استنجى وكان عليه الاستنجاء أو لم يكن فسدت صلاته، وإنما جاز له أن يبني على الصلاة إذا لم تبد عورته ولا يحتاج إلى الاستنجاء، وبه نأخذ. وسئل أبو بكر عن رجل دخل المشرعة وتوضأ ولم يكن معه نعلان فوضع رجله على ألواح المشرعة وقد كان يدخل فيها من في رجليه قذر، قال: وضوءه جائز ولا يجب عليه غسل القدمين ما لم يعلم أنه وضع رجليه على الموضع النجس؛ لأن فيه ضرورة وبلوى والأمر إذا ضاق اتسع، قال: ألا ترى أن رجلا لو دخل الحمام واغتسل ثم خرج منه بغير نعل فلا بأس به، فكذلك ههنا قال الفقيه و به نأخذ وكان الفقيه أبو جعفر رحمه الله يفتي بهذا.
وسئل أبو القاسم عن كلب مشى في طين وردغة فوطئ إنسان على أثر رجليه، قال: إن غسل رجله كان أحب إلى، وبه نأخذ. وسئل أبو بكر عن كلب مشى على الثلج ووضع رَجُلٌ رِجْلَهُ على ذلك الموضع، قال: موضع رجله طاهر، ولو جعل ذلك الثلج في المثلجة فلا بأس به، قال الفقيه: إن لم يكن الثلج رطبًا فلا بأس به، وإن كان الثلج رطبًا صار نجسًا.
وسئل أبو نصر منصور بن جعفر بسمر قند عن الكلب إذا أخذ عضو إنسان أو شيئًا من ثيابه، هل ينجس وهل يجب عليه غسله؟ قال: إن أخذ في حال الغضب لا يجب غسله وإن أخذ في حال المزاح يجب غسله، لأنه إذا أخذ في حال الغضب يأخذ بأسنانه وإذا أخذ في حال مزاحه يأخذ بالأسنان والشفتين فتصل الرطوبة إليه.
وسئل أبو بكر عن تراب نجس اختلط به ماء طاهر فصار طينا، أو كان التراب طاهرًا والماء نجس، قال أبو بكر: العبرة للماء فإن كان الماء طاهرًا والتراب نجسا فالطين، طاهر، وإن كان التراب طاهرًا والماء نجسا فالطين نجس، وقال أبو نصر: أيهما كان نجسًا فالطين طاهرا، وقال أبو القاسم: أيهما كان نجسًا الماء أو التراب لا يصير طاهرا بالخلط، والطين نجس، قال الفقيه أبو الليث: وبقول أبي القاسم نأخذ. وسئل أبو بكر عن تراب طاهر صب فيه ماء نجس فصار طينا ثم يَبِسَ وفيه تبن، هل يطهر؟ قال: نعم، قيل: فلم يطهر التبن؟ قال: من قبل أنه صار كله شيئًا واحدًا.
وسئل أبو جعفر محمد بن عبد الله عن رجل غمس يده في سمن نجس، ثم غسل يده في الماء الجاري ثلاث مرات بغير حُرُض إلا أن أثر السمن بقى على يده، هل تطهر يده؟ قال: زالت النجاسة وبقى نفس السمن على يده طاهرًا، كما روى عن أبي يوسف في الدهن تصيبه النجاسة فيجعل في إناء فيصب
الجزء 1 · صفحة 18
عليه الماء ثلاث مرات فيعلو الدهن على الماء فيطهر بالمرة الثالثة، فكذلك ههنا.
وسئل أبو جعفر عن رجل رعف أو سال عن جرحه الدم ولم ينقطع، هل يجوز له أن يتوضأ ويصلي مع سيلان الدم؟ قال: ينبغي أن ينتظر إلى آخر الوقت، فإن لم ينقطع الدم تتوضأ وصلى قبل خروج ا ج الوقت وإن كان الدم سائلاً في حال وضوءه فإذا توضأ وصلى و خرج الوقت ودخل وقت صلاة أخرى فانقطع الدم ينبغي أن يتوضأ ويعيد الصلاة، وإن لم ينقطع في وقت الصلاة الثانية حتى خرج الوقت جازت صلاته، لأن الدم إذا كان سائلا مقدار وقت صلاة كامل صار بمنزلة المستحاضة.
وسئل محمد بن سلمة عن خياط يخيط في المسجد قال: إن كان يحفظ المسجد من الصبيان والدواب ولا يدق فيه الخرز دقاً يضر بالمسجد فلا بأس به، وعامة أهل العراق يفعلون ذلك، وكان الفقيه أبو جعفر رحمه الله يكره ذلك، ويروى في ذلك خبرا عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه رأى خياطا يخيط في المسجد فأمر به فأخرج من المسجد، وروى عن خلف بن أيوب أنه رأى وراقا يكتب في المسجد، قال: إن كنت تكتب بالأجر فلا تكتب في المسجد.
وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف قال: لو أن رجلا غرف من حوض الحمام وبيده نجاسة والماء ينصب من الأنبوب في الحوض والناس يغرفون من الحوض غرفًا متدارگا لم ينجس، وكان بمنزلة الماء الجاري، وقال محمد بن سلمة: هكذا هو.
وسئل محمد بن مقاتل عن بول الصبي على الأرض، كيف يغسل؟ قال: يصب عليه الماء ثم يدلك وينشف ذلك الماء بصوف أو بخرقة، يفعل ذلك ثلاث مرات، ولو لم يفعل ذلك ولكن صب عليه ماء كثيرًا حتى يغمد عمدًا بينا كثيرًا لا يوجد في ذلك لون البول ولا ريحه ثم تركه حتى تنشفه الأرض فهي طهارتها عندنا وهو على نحو ما جاء به الأثر أنه عليه السلام أمر بصب ذنوب من ماء على بول الأعرابي،، وروى عن أبي حنيفة مثل ذلك.
وسئل محمد بن مقاتل الرازي عن الجنب إذا تمضمض فشرب ولم يمجه وقد أصاب جميع فيه من ذلك، قال: أجزأه عندنا، قال: وقال بعضهم: لا يجوز حتى يمجه، ولا نأخذ به.
وسئل الفقيه أبو جعفر عن الخف إذا كانت بطانة ساقيه من الكرباس فدخل في خروقه ماء نجس فغسل الخف ودلكه باليد ثم ملأه ماء ثلاث مرات وأهرقه إلا أنه لم يتهيأ له عصر الكرباس، قال: طهر الخف وجريان الماء عليه ثلاث مرات أكثر من عصره لأن العصر إنما يحتاج إليه لأنه مجموع غير مبسوط فلا يخرج من خلاله إلا بالعصر.
الجزء 1 · صفحة 19
وسئل أيضًا عن بساط نجس أو ثوب كبير جعل في نهر كبير فترك فيه ليلة حتى جرى عليه الماء، قال: صار طاهراً.
وسئل أيضًا عن ثوب غسل ثلاث مرات فتقاطر من الثوب شيء بعد ذلك، هل يكون ما تقاطر منه نجس؟ قال: إن عصره في المرة الثالثة وبالغ فيه حتى صار بحال لو عصره لا يسيل منه الماء فالثوب طاهر واليد طاهر، ولو كان بحال لو عصره سال منه لم يحكم بطهارة الثوب واليد.
وسئل أبو القاسم عن رجل غسل ثوبًا نجسًا ثلاث مرات وعصره مرة واحدة، قال: صار طاهرًا. وسئل الفقيه أبو جعفر عن البول في الماء الجاري، هل يكره؟ قال: قد رخص فيه بعض أصحابنا، قال وكان بعض المشايخ من أصحابنا داره بقرب النهر فكان يبول في النهر ويقول: أكثر ماء أهل الرستاق، وقال: وروي عن أبي حنيفة ما يدل على أنه كره ذلك لأنه روى عنه أنه قال في جاهل بال في الماء الجاري فتوضأ إنسان أسفل منه: جاز وضوءه إن لم يظهر فيه أثر البول، وقول أبي حنيفة في جاهل بال في الماء دليل على أن ذلك فعل الجهال، وإن العالم لا يفعل ذلك.
وسئل أبو نصر عن مريض لا يمكنه الوضوء والتيمم وله إمرأة وجارية هل عليهما أن يوضّئاه؟ قال: أما مملوكته فعليها طاعته في خدمته من الوضوء وغيره وليس على امرأته أن توضئه فإن لم تكن له مملوكة وله امرأة فهي كسائر المسلمين في ذلك ووجب عليها إعانته لأن الله تعالى قال: تعاونوا على البر والتقوى المائدة.
وسئل أبو القاسم عن السكران إذا أفاق هل يجب عليه الوضوء؟ قال: نعم ينتقض وضوءه، قال الفقيه: إن سكر بحال لا يعرف الرجل من المرأة فقد انتقض وضوءه بمنزلة المغمى عليه إذا أفاق.
وقال محمد بن مقاتل الرازي: لا بأس بأن يطلي صاحب الحمام عورة الإنسان إذا كان يغض بصره عند الطلي كما أنه لا بأس إذا كان يداوي جرحه أو قرحه فكذلك هذا، قال الفقيه: روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يتولى عانته بيده إذا تنور فكذا ينبغي أن يتولى بيده ما لم يقع ضرورة لأن كل موضع لا يجوز النظر إليه لا يجوز مسه إلا فوق الثياب.
وسئل محمد بن مقاتل عن حمار شرب من العصير قال: لا بأس بشربه، قال الفقيه أبو الليث: هذا خلاف قول أصحابنا، ولو أخذ الإنسان بهذا القول أرجو أن لا بأس به، والاحتياط أن لا يشرب.
وسئل محمد بن مقاتل عن الصايغ يحرق النخالة أو يغسل الرجل بها رأسه أو يديه، قال: إذا كان لا يبقى فيها شيء من الدقيق وإنما بقيت نخالة لا تؤكل وإنما تعلف البهائم فلا بأس بأن يحرقها الصايغ و
الجزء 1 · صفحة 20
يغسل بها الإنسان بدنه، وهو بمنزلة التبن.
وسئل الفقيه أبو جعفر عن العجين يوضع على القرحة، قال: إن عرف فيه الشفاء فلا بأس به. وسئل بعضهم عن رجل توضأ ثم وضع رجله على أرض نجسة ثم ذهب، وصلى هل يجوز صلاته؟ قال: إن كانت الأرض صلبة وهي يابسة ولم يقف عليها جازت صلاته، قيل: فإن كان الموضع رطبًا وقدمه يابسة فوضع رجله عليه قال: إن ظهرت الرطوبة في قدمه فعليه أن يغسلها، وإن صلى قبل أن يغسلها فصلاته فاسدة. وعن أبي يوسف قال: كل بئر وجب نزح الماء كله منها، فلو نزحوا منها كل يوم عشر دلاء أو أقل أو أكثر حتى نزحوا مقدار ما كان فيها أجزأهم وقال الحسن بن زياد لا يجزيهم، وبقول أبي يوسف نأخذ. وروى خلف بن أيوب عن محمد عن أبي حنيفة في الرجل يحتلم فيغتسل من جنابته ثم يخرج من ذكره مني، قال: يغتسل، وقال أبو يوسف: إذا ذهب الفور الأول لم يغتسل، وهو قول خلف بن أيوب، وبه نأخذ، وكذلك إذا جامع فاغتسل ثم خرج منه بقية المني فهو على هذا الاختلاف.
ولو أن امرأة جامعها زوجها فاغتسلت ثم خرج بعد ذلك منها مني الزوج لا يجب عليها الإغتسال في قولهم جميعًا، وهو بمنزلة الحدث. ولو احتلم الرجل فقبض على ذكره حتى سكن الفور ثم خرج بعد ذلك المني فهو على الاختلاف الأول.
وقال نصير: سألت الحسن عن أوقية يعني حفيرة في الأرض يدخل فيها الماء ولا يخرج أو يخرج ولا يدخل، هل يتوضأ فيها؟ قال: لا يتوضأ فيها، وسألته عن أوقيتين يخرج الماء من إحداهما ويدخل في الأخرى فتوضأ رجل فيما بينهما، قال: وضوءه جائز و الأوقية التي يدخل فيها يفسده.
سئل نصير بن يحيى عن نهر يجري فيه ماء ركيك، هل يجوز أن يتوضأ فيه؟ قال: إن كان وجهه إلى مورد الماء جاز، وإن كان وجهه إلى مسيل الماء لم يجز إلا أن يمكث بين كل غرفتين مقدار ما يذهب الماء بغسالته. وسئل نصير بن يحيى عن البعير يجتر فيصيب الثوب، قال: حكمه حكم سرقينه لأنه قد وأراه في جوفه كما توارى في جوف الإنسان فحكمه حكم بوله إذا قاء الإنسان ما يأكل، فكذلك هذا.
وسئل أبو بكر الإسكاف عن رجل امتخط في ثوبه فوجد في ذلك الثوب أثر الدم، هل ينجس الثوب؟ قال: نعم، قيل له: إن أبا عبد الله القلانسي كان يقول: إن الدم إذا لم يسل عن رأس الجرح فهو طاهر، قال أبو بكر: إياك وزلة العالم، قال الفقيه أبو الليث: وكان الفقيه أبو جعفر يقول: هو نجس سواء كان الدم سائلا أو لم يكن كما قال أبو بكر، وقد قال جماعة من الفقهاء من أصحابنا: إن كل دم لا يكون حدثًا لا يكون نجسًا، وكذلك القيء إذا كان أقل من ملء فيه. وسئل أبو نصر عن المصلي إذا قاء في صلاته أقل
الجزء 1 · صفحة 21
من ملء فيه وتلطخ فمه أكثر من قدر الدرهم، هل يعيد الصلاة وهل يجب عليه غسل فيه؟ قال: هذا بمنزلة ريقه ولا يجب عليه غسل فمه.
وسئل أبو القاسم أيضًا عن الدم إذا ظهر على رأس الجرح فلم يسل وأصاب ثوب إنسان من ذلك الدم، قال: كان محمد بن سلمة يقول: لا يفسده وهو طاهر، وبه نأخذ، وكل شيء يخرج من البدن ولا ينتقض
الوضوء بخروجه لا يكون نجسًا، ألا ترى أنه لو قاء في صلاته أقل من ملء فيه جاز له أن يمضي على صلاته، ولو كان نجسًا لم يجز له أن يمضي على صلاته.
وسئل عن الدم إذا خرج من أنفه ولم يظهر فأدخل أصبعه فظهر الدم على أصبعه، قال: إذا خرج الدم إلى موضع يجب إيصال الماء إليه في الجنابة يجب عليه الوضوء.
وسئل أبو بكر عن رجل ظهر به داء، فقيل له: غلب عليك الدم فأخرجه فلم يفعل و مات، هل يكون مؤاخذاً؟ قال: لا يكون مؤاخذا بدمه لأنه لم يعلم يقينًا أن شفاءه فيما أشير إليه، وإنما كان ذلك بالامتحان وأكثر الرأي، ورب إنسان لا يوافقه ذلك.
وسئل أبو بكر الإسكاف عن بئر على الطريق يحضرها الصبيان والرستاقيون والمكاريون ويضعون أيديهم في الدلو، هل يجوز أن يتوضأ من تلك البئر؟ فقال للسائل: أرأيت لو كان قصعة من ثريد، أكنت تأكل مع الصبي والرستاقي والمكاري؟ قال: نعم، قال: فلما كنت لم تمتنع عن الأكل معهم فكذلك الماء لا فرق بينهما، فلم تظهر نجاسة على يديه فهو مباح.
وسئل أبو بكر عن رجل نزح من بئر رجل بغير أمره ماء حتى صارت يابسة، قال: لا شيء عليه، ولو أن صاحب البئر جعل الماء في الحب فصبه رجل يقال له: املأ الحب كما كان.
وسئل أبو بكر لما قال أصحابنا أن الفأرة إذا وقعت في البئر ينزح منها عشرون دلوا أو ثلاثون؟ قال: لأنه روي عن ابن عباس أنه سئل عن فأرة وقعت في البئر، قال: ينزح أربعون دلوا أو نحوها، وروى عن إبراهيم النخعي أنه قال: ينزح نحو من أربعين دلوا، وهذا موافق لقول علمائنا، لأن نحو الشيء أكثر ذلك الشيء، ألا ترى لو أن رجلًا قال لفلان: علي نحو أربعين درهما، الزمته زيادة على عشرين، فيقال له: قد لزمتك عشرون، فأقر بالزيادة ما شئت فكذلك ههنا لما قال أربعون دلوا و نحوها لزمه عشرون وزيادة ما شاء، فلهذا قالوا: ينزح منها عشرون دلوا أو ثلاثون.
وسئل أبو القاسم عن رجل ذبح شاة بالسكين ثم مسح السكين على صوفها أو على شيء يذهب أثر الدم عنه، ثم أراد أن يقطع بذلك السكين لحما، قال: إذا ذهب عنه أثر الدم فهو طاهر. وسئل أبو القاسم عن
الجزء 1 · صفحة 22
حصير أصابته نجاسة، كيف يغسل؟ قال: إن كانت النجاسة قد يبست فلا بد من دلكه حتى يلين وتزول النجاسة عنه، وإن كان رطبة أجرى عليه من الماء ما يتوهم زوالها، وروى عن جرير بن عبد الله البجلي' أنه كان عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأحدث بعض القوم، فقال عمر: من فعل هذا فليعد الوضوء، فقال: بل كلنا نعيد الوضوء، فقال عمر: كنت سيدًا في الجاهلية فقيها في الإسلام، قال أبو الليث: هذا على وجه الاستحباب، وأما من طريق الحكم: إذا علم كل واحد منهم أن الحدث لم يكن منه فلا يجب عليه الوضوء، كما قالوا في كتاب التحري في عشرة لكل واحد جارية، فأعتق واحد منهم جاريته ونسي، فلكل واحد منهم أن يمسك جارية نفسه إذا علم أنه لم يعتقها، فكذلك ههنا.
وسئل أبو القاسم عن دخول النساء الحمام، قال: إن كان الحمام للنساء خاصة ويدخلن بمئزر، فلا بأس وسئل أبو القاسم عن شجرة أغصانها في المسجد فسقط منها خرؤ الطير في المسجد فيصيب بواري المسجد وأرضه، وربما يصيب الرجل وهو رطب، هل يجب عليه غسله؟ قال: كل طير سلخها غير منتن لا يجب غسله وما كان منتنا يجب غسله.
وسئل أبو القاسم عن رجل يستنجي فيجري ما استنجاه تحت رجليه أيصلي مع ذلك الخف؟ قال: إن لم يكن خفه منخرقًا رجوت أن يتسع الأمر في ذلك، وإن كان الخف منخرقًا فدخل خفه من ذلك الماء فإن ذلك ينجس رجله ولفافته وداخل خفه، قال الفقيه أبو الليث: لأن الخف إذا لم يكن منخرقًا فإن لماء الأخير يطهر خفه كما يطهر موضع استنجائه لما روى محمد بن سلمة أنه سئل عمن لم يغسل يده بعد الاستنجاء بالماء، قال: تطهر اليد مع طهارة الموضع.
وسئل الفقيه أبو جعفر عن رجل كانت على يده نجاسة رطبة وجعل يضع يده على عروة القمقمة كلما صبّ منه الماء، ما حال اليد وما حال عروة الإناء؟ قال: إذا غسل يده ثلاث مرات طهرت العروة مع طهارة اليد. وسئل أبو بكر عن رجل توضأ ثم حلق لحيته أو قشر جلد قرحة بعد ما برأ، هل يجب عليه غسله؟ قال: لا يجب عليه غسل موضع لحيته والقرحة؛ لأن ذلك عضو قد تم وضوءه على تلك الحالة، فلا ينتقض، وليس كالخفين لأنهما بدلان عن شيء آخر.
قال أبو بكر: لو أن رجلا أتى ماء ليتوضأ فمنعه رجل عن الماء، وقال: إن توضأت بهذا قتلتك أو حبستك جاز له أن يتيمم ويصلي، قال الفقيه أبو الليث: ولكن ينبغي أن يعيد الصلاة بعد ذلك كما قالوا في كتاب الصلاة: إذا حبس رجل في السجن جاز له أن يتيمم ويصلي ثم يعيد إذا خرج من السجن، فكذلك ههنا، إذا كان المنع بفعل العباد وجب أن يعيد.
الجزء 1 · صفحة 23
وسئل أبو بكر عن ميت وجد في الماء، قال: لابد من غسله لأن الخطاب بالغسل لبني آدم لا للماء، ولم يوجد من بني آدم فعل. وسئل أيضًا عن ميت دُفِنَ قبل أن يغسل و قبل أن يصلى عليه، قال: يصلى على قبره، قيل: فكيف تجوز الصلاة عليه بغير غسل؟ قال: لأنه صار بحال لا سبيل إلى غسله وخرج من أن يكون من أهل الغسل، فصار كالشهيد الذي لا يغسل ويصلى عليه.
ولو أن ثوبًا طاهرًا غسل بالماء الثالث من غسالة الثوب النجس، قال أبو بكر: يغسل مرة واحدة قياسًا على البئر أنه يطهرها ما يطهر الأولى.
وسئل عن أبي بكر عن رجل رأى على ثوب إنسان نجس أكثر من قدر الدرهم، هل يجب عليه أن يخبره؟ قال: إن وقع في قلبه أنه لو أخبره اشتغل بغسله فإنه لا يسعه إلا أن يخبره، وإن وقع في قلبه أنه لا يلتفت إلى قوله فإنه يسعه أن يكف عن إخباره بذلك.
وسئل أبو بكر عن تفسير قول محمد في الكثير الفاحش الربع فصاعدًا، قال: قد قيل أنه أراد بذلك ربع الشيء الذي أصابه، إن كان الكم فربع الكم، وإن كان الذيل فربع الذيل كما قال في كشف العورة يعتبر ربع الساق أو ربع الرأس ولا يعتبر ربع جميع بدنه، وقيل: يعتبر ربع جميع القميص، قال أبو بكر وأنا أقول بهذا القول، قال الفقيه أبو الليث: وقد ذكر أبو علي الدقاق في قول أبي حنيفة ومحمد ينظر إلى ربع الثوب الذي فيه النجاسة. وقال أبو بكر: لو أن رجلا معه من الماء مقدار ما يغسل أعضاؤه المفروضة مرة سابغة ولا يكفيه للمرتين ولا أكثر من مرة واحدة فإنه يتوضأ ولا يجزيه التيمم.
وسئل أبو نصر عن رجل مات ولم يترك شيئًا، هل يجب على الناس أن يكفنوه؟ قال: بلى، فرض على الناس أن يكفنوه إن قدروا عليه، وإن لم يقدروا يسألوا الناس أن يكفنوه، ولو لم يكن ميتًا ولكن كان حيًا عاريًا لا يجد ثوبًا يصلي فيه فليس على الناس أن يسألوا له ثوبًا، قال الفقيه أبو الليث: لأن الحي يقدر على أن يسأل هو بنفسه أو يحتال بحيلة أو يصبر حتى يرزقه الله تعالى.
وقيل لأبي نصر: لو أن رجلا معه فضل ثوب والعاري يعلم أنه لو سأله أعطاه، هل عليه أن يسأل؟ قال: نعم، إذا علم أنه لو سأله أعطاه فعليه أن يسأل، وكذلك الماء للوضوء
وسئل أبو بكر عن الدم الذي يخرج من الكبد، هل يكون نجسا؟ قال: إن لم يكن ذلك الدم من غيره متمكنا فيه فهو طاهر لأن الكبد هو دم جامد، وكذلك اللحم المهزول إذا قطع فالدم الذي يسيل منه ليس بنجس. قال أبو بكر: سمعت محمد بن سهل يقول: سمعت الحسن بن مطيع يقول - وخط على الأرض خطاً -: لو أن بولا أصاب أرضًا طولا، فصب الماء على أحد جانبي البول فانتهى الماء إلى الجانب
الجزء 1 · صفحة 24
الآخر فإنه يطهر. وقال أبو بكر: روي أن شاذان بن إبراهيم كان يوسع في شأن الماء، وقال: لو أن إنسانًا كان يتوضأ من قمقمة فلما صب الماء من القمقمة على يده لاقى الماء الذي يسيل من القمقمة البول قبل أن يقع على يده بعدما خرج من القمقمة فهو طاهر لأنه ماء جاري.
وسئل أبو نصر عن أرض أصابتها نجاسة فصب عليها الماء فاجتمع ذلك الماء في موضع آخر، قال: هو نجس، قال الفقيه أبو الليث: بهذا القول نأخذ.
وذكر عن صالح الجريري أنه قال: لا يصح للفريقين في المياه شيء - يعني الذين يروون أن الماء لا ينجسه شيء - ولم يصح للفريقين في مسّ الذكر شيء، وذكر عن بعض المحدثين أنه قال: لم يصح خبر في الشاهد واليمين ولا في النكاح بغير ولي، وهكذا ذكر عن محمد بن إسماعيل البخاري.
وسئل الشيخ محمد بن الفضل البخاري عن السجود في الطين إذا كان يلطخ وجهه، قال: يومئ لأنه يكون مثلة، ونهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة.
وسئل أبو نصر عن البعر إذا وقع في البئر، قال: لا يفسد الماء ما لم يكن كثيرًا فاحشًا، قال أبو بكر: الكثير الفاحش عن أبي يوسف شبر في شبر - يعني إذا أخذ من وجه الماء شبرًا في شبر - وفي قول محمد مقدار الربع، وقال محمد بن سلمة: إذا كان بحال لا يسلم دلو منها إلا ويخرج فيه بعرة فهو كثير فاحش وينجس الماء، قال الفقيه أبو الليث سمعت محمد بن الفضل قال: سمعت محمد بن جعفر قال: سمعت إبراهيم بن يوسف قال: سمعت أبا يوسف في الوزغة إذا ماتت في البئر، قال: ينزح منها عشرون دلوا أو ثلاثون، فإن تفسخت فيها نزح الماء كله والوزغة بمنزلة الفأرة.
قال الفقيه: بلغني أن الوزغة على نوعين نوع يكون لها دم ونوع لا دم لها، فإن كانت من الوزغ التي لها دم فهي كالفأرة، وإن لم يكن لها دم فلا يجب نزحها، وبهذا الإسناد عن إبراهيم بن يوسف قال: سمعت أبا يوسف وقد سئل عن الرجل ينتهي إلى القوم وهم في الصلاة وعلى ثوبه أقل من قدر الدرهم من دم وهو يخشى إن غسله أن تفوته الجماعة قال: الأحب إلي أن يدخل في الصلاة.
وقال الفقيه أبو الليث: سمعت ثقة يذكر عن أبي القاسم عن نصير بن يحيى عن بشر بن الوليد قال: سمعت أبا يوسف قال: في الدم الغليظ والعذرة الغليظة إذا أصاب الثوب فيبس فَنَحَتَهُ فَتَحَاتَّ فإنه لا بأس أن يصلي فيه، وإن لم يغسل قياسًا على المني.
قال الفقيه أبو الليث: وقد قالوا في كتاب الصلاة أنه لا يجوز ذلك إلا في المني خاصة للأثر الذي روى عن عائشة رضي الله عنها، وبه نأخذ.
الجزء 1 · صفحة 25
وسئل عن رجل أصابته نجاسة في بعض أعضائه فلحسها بلسانه حتى ذهب أثرها، قال: يجوز.° وسئل أبو القاسم عن رجل شرب الخمر، متى يطهر فمه؟ قال: إذا تردد في فمه من البزاق – ما لو كانت تلك الخمر على ثوب طهرها ذلك البزاق - طهر فمه، وكذلك الهرة إذا أكلت الفأرة ثم شربت الماء، فإن كانت شربت بعد ما تردد الريق وقتًا طويلاً فهو طاهر، وإذا شربت من فورها ذلك الماء صار نجسًا، وكذلك روي عن شاذان بن إبراهيم أنه سئل عن الهرة إذا أكلت الفأرة ثم شربت من الإناء، قال: يفسد الماء، وإن كانت شربت بعدما تردد الريق في فمها يجزيها؛ لأنها إذا لحست فمها صار بمنزلة الغسل، وكذلك إذا أصاب السيف نجاسة فلحسها بريقه أو مسحها به جاز ويصير طاهرا وكذلك الصبي إذا قاء على ثدي أمه ثم مص بعد ذلك مرارًا يطهر.
قال الفقيه وأصل ذلك ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه: كان يصغي الإناء إلى الهرة فتشرب منه ثم يتوضأ منه، وعلم أن الهرة قد أكلت الفأرة قبل ذلك، فلولا أن فمها صار طاهرًا لما فعل ذلك، وكذلك كلما كان نحو ذلك.
وسئل أبو بكر عن بول الهرة إذا أصاب الثوب أكثر من قدر الدرهم قال: لا يجوز الصلاة معه، وسئل أبو نصر عن بول الهرة، قال: لو أبتليت به لغسلته، قيل له فمن لم يغسل وصلى فيه، أتأمره بالإعادة؟ قال: لا، قال الفقيه أبو الليث: قد ذكرنا عن أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر أن الهرة إذا بالت في بئر أنه ينزف ماء البئر كله، وروى عن شداد أنه قال: سألت محمدًا عن بول الهرة إذا أصاب الثوب، قال: يفسده، وبه نأخذ.
وسئل نصير بن يحيى عن بيضة وقعت من الدجاجة فوقعت في الماء من ساعتها، قال: ينتفع بالماء ما لم يعلم أن عليها قذر، وقال أبو بكر: البيضة إذا خرجت فإن وقعت في الماء وهي طرية فسد الماء، وإذا يبست ثم وقعت في الماء أو في المرقة لا يفسدها، والسخلة إذا سقطت من أمها وهي مبتلة فهي نجسة، فإن حملها الراعي وأصاب أكثر من قدر الدرهم لا يجوز الصلاة معه، ولو وقعت في الماء في ذلك الوقت فسد الماء، ولو أنها يبست ثم وقعت في الماء فهو طاهر، وإن صلى معها جازت الصلاة، قال الفقيه أبو الليث: هذا الجواب يوافق قول أبي يوسف ومحمد، وأما في قياس قول أبي حنيفة فالبيضة طاهرة رطبة كانت أو يابسة، وكذلك السخلة لأنها كانت في مظانها ومعدنها كما قال في الأنفحة إذا خرجت بعد موتها فهي طاهرة، ولو ذبح حمارًا أو شيئًا من السباع فجلده طاهر قبل أن يغسل، فكذلك هذا.
وسئل أبو بكر عن السيف يصيبه دم أو عذرة أو شيء من النجاسات فمسح عنه بخرقة أو تراب فإنه يطهر، هذه رواية عن أبي يوسف.
الجزء 1 · صفحة 26
وقال الشافعي: إذا مس الإنسان ذكره بباطن كفه انتقض وضوءه، وإن مسه بظاهره لم ينتقض وإن مس امرأته بظاهر كفه أو بباطنه انتقض وضوئه ولو قبل كف ابنته أو قبلت ابنته كفه أو ظهر يده لم ينقض الوضوء، وفي قول علمائنا لا ينتقض الوضوء في هذا كله إلا أن يخرج منه المذي، وبه نأخذ.
وسئل أبو القاسم عن رجل معه درهم قد وقع في النجاسة فأصابته نجاسة في الوجهين جميعا، هل يجوز الصلاة معه؟ قال: يخشى على مذهبهم أنه لا يجوز الصلاة معه، قال الفقيه أبو الليث: يعني أن صلاته فاسدة في قول أصحابنا لأن النجاسة في الجانبين وهي أكثر من قدر الدرهم كما قالوا في رجل صلى ومعه ثوب ذو طاقين، فأصابته النجاسة مقدار در هم ونفذت إلى الجانب الآخر، فإن صلاته فاسدة إذا كان الوجهان أكثر من قدر الدرهم، فكذلك ههنا، وليس كالذي أصابته النجاسة في ثوب ونفذت إلى الجانب الأخر والثوب لم يكن ذو طاقين جازت الصلاة معه إذا لم يكن أكثر من قدر الدرهم، لأن هناك حكم الجانبين واحد، وأما في الدرهم بينهما فاصل فيعتبر كلا الجانبين.
ولو أن امرأة عجنت ثم غسلت يدها من العجين واختلط بذلك الماء العجين، قال: العجين لا يفسد، لأنها إذا غسلت يدها من العجين لا يكون الماء مستعملا، وكذلك إذا غسل الإنسان يده من الوسخ لا يكون الماء مستعملا.
سئل محمد بن سلمة عن الأقلف إذا اغتسل من الجنابة ولم يغسل ما وراء الجلدة من رأس ذكره، قال: يجزيه ولا يجب عليه غسل ما تحت الجلدة لأنها خلقة، ألا ترى أن المرأة إذا اغتسلت ولم تنقض شعرها أجزأها. ولو أن رجلا قلس دما، روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أن عليه الوضوء سواء كان قليلا أو كثيرا، وعن محمد بن الحسن أنه قال: لا يجب عليه الوضوء ما لم يكن ملء فيه، و به نأخذ.
ولو أن رجلا كان نائما في المسجد فاحتلم، فإن أمكنه الخروج من ساعته ينبغي أن يخرج ويغتسل، وإن كان ذلك في جوف الليل ولا يقدر على الخروج من ساعته فإنه يستحب له أن يتيمم، وقال أبو القاسم: سمعت نصيراً يحكي عن إنسان ثقة قال: كنت نائماً في المسجد الحرام فاحتلمت فلم أخرج من ساعتي ونمت بعد ذلك، فأتاني آت في منامي؛ ونخس في جنبي نخسة كنت أجد وجعها شهرين.
وقال أبو القاسم سمعت محمد بن سلمة قال: قال أبو يوسف إذا وجدت دجاجة ميتة في البئر تعاد صلاة ثلاثة أيام ولياليها إذا كانت منتفخة مثل قول أبي حنيفة، حتى مر يوما ببئر فرأى حدأة في منقارها جيفة فألقتها في البئر فرجع أبو يوسف عن قوله وقال: ليس عليهم إعادة حتى يعلم متى وقعت.
وسئل أبو القاسم عن رجل ذا بثرة في بعض جسده فخرج الدم واستقر هل ينتقض الوضوء؟ قال: هو
الجزء 1 · صفحة 27
غير سائل فلا ينتقض الوضوء.
وسئل أبو بكر الإسكاف عن ضفدع بري مات في الماء أو في المثلث، قال: هو طاهر، قال الفقيه رضي الله عنه وبه نأخذ، وقد قال بعضهم: إذا مات في المثلث يفسده، قال الفقيه: سمعت الفقيه أبا جعفر رضي الله عنه يروي عن علي بن أحمد عن نصير بن يحيى، قال: سمعت أبا مطيع وأبا معاذ عن ضفدع مات في المثلث، قالا: يصب، وسألت محمد بن شجاع ومحمد بن مقاتل فقالا: لا يصب، وروى بعضهم عن نصير بن يحيى أنه سأل الحسن بن زياد عن ذلك فقال: قال أبو حنيفة في بعض الروايات لا يفسده، وقال أبو يوسف: إن تقطع فيه يفسده وإلا فلا.
وسئل أبو القاسم عن حية تموت في الإناء، قال: إن كانت برية تفسد الماء، وإن كانت مائيه لا تفسد، قال الفقيه هذا قول أبي حنيفة خاصة، وفي قول أبي يوسف إن كان لها دم سائل يفسده، وإن لم يكن لها دم سائل لا يفسده برية كانت أو بحرية، وكذلك الضفدع، وبه نأخذ.
قال نصير بن يحيى: سألت شداد بن حكيم عن حوض فيه عصير مقدار عشر في عشر فبال فيه إنسان، قال: هذا كالماء يفسده ما يفسد الماء.
وقال نصير بن يحيى: قال شداد في رجل اغتسل من الجنابة، ينبغي أن يدخل أصبعه في أذنيه وسرته، فإن لم يفعل يعيد، قال نصير، وبه نأخذ قال الفقيه العبرة بوصول الماء، فإن علم أنه قد وصل إليها الماء أجزأه وإلا فلا. وسئل نصير عن كلب دخل الماء ثم خرج فانتفض فأصاب ثوب إنسان، قال: يفسده. وسئل نصير عن رجل سقط من سطح فخرج منه المني من غير شهوة، قال: لا يجب عليه الغسل، قال الفقيه: وقد روى عن عيسى بن أبان أنه قال: يجب عليه الغسل، وبقول نصير نأخذ.
وسئل نصير عن رجل له امرأة هل يجب على الرجل أن يعطيها ماء وضوؤها؟ قال نصير: إما أن يدعها الزوج حتى تنقل هي بنفسها وإما أن ينقل هو لها الماء إذا كانت معسرة، وإن كانت غنية تقدر أن تستأجر أجيرًا ينقل لها الماء فعليها أن تستأجر ولا تخرج وليس على الزوج ماء وضوئها إذا كانت غنية، قال الفقيه عندي ماء الوضوء على الزوج كما يجب عليه الماء لشربها لأن هذا لابد لها منه. وسئل أبو القاسم عن عظام اليهود، هل لها حرمة إذا وجدت في قبورهم كحرمة عظام المسلمين؟ قال: كل من كان في ذمتنا في حياته يحرم أذاه لذمته فبعد موته يجب صيانة نفسه عن الكسر، وكل من كانت له ذمة فيجب دفنه ولا ينبش بعد وفاته.
وسئل محمد بن الأزهر عن الميت كيف يوضع في غسله؟ قال: يوضع في غسله كما يوضع في الصلاة، على
الجزء 1 · صفحة 28
هذا أدركنا مشايخنا ورأيناهم يفعلون.
وسئل أبو القاسم عمن توضأ بالثلج قال: في قياس بعض الروايات عن أبي يوسف يجوز لأنه يرى الوضوء جائزا إذا استعمل مثل الدهن، وأما في رواية محمد: لا يجوز مثل الدهن ما لم يكن سيالا، فالوضوء بالثلج لا يجوز إلا أن يكون الثلج ذائباً بحال يجري على الأعضاء. وسئل الفقيه أبو جعفر عن رجل أصاب بعض جسده بول فبل يده ثلاث مرات ومسحها على ذلك الموضع، هل يطهر؟ قال: إن كان الماء متقاطرًا من يده جاز ويطهر الموضع.
وسئل أبو القاسم عن رجل اتخذ عصيرًا في خابية فغلا واشتد وقذف بالزبد، ثم إنه سكن بعد ذلك وانتقص عما كان، ثم صارت الخمر خلا، فكيف السبيل في تطهير ما بقي من الخابية فوق الخل؟ قال: يدار فيها الخل حتى يصيب جميع الخابية، فإذا فعل ذلك فقد طهر، قيل له: فلو أنه أدير فيها ولكنها لم تتشرب منه؟ قال: إن تتشربت منه أو لم تتشرب فهو سواء وتطهر.
وسئل الفقيه أبو جعفر رضي الله عنه عن خابية فيها عصير فصار خمرًا ثم صارت خلا وقد كانت أصابت الخمر جميع الحب، فكيف حال الحب وكيف يخرج الخل منه؟ قال: صار الحب كله طاهرًا إذا زالت عنه رائحة الخمر، قال الفقيه وبهذا القول نأخذ لأن الخل يرتفع بخاره ويصيب جميع الحب فيظهر كله.
وسئل أبو بكر عن جلدة الإنسان إذا وقعت في الماء أو قشره، قال: إن كانت قليلة مثل ما يتناثر من شقوق الرجل وما أشبهه لا يفسد الماء، وإن كان كثيرًا يفسده فقيل له: إن كان مقدار الظفر؟ قال: مقدار الظفر كثير ويفسده.
وسئل أبو نصر عن رجل فَجَلَتْ يده فوقع ذلك في الماء، هل يفسد الماء؟ قال: أرجو أن لا يفسد الماء، وهو قريب المعنى من أظافيره وشعره.
وسئل أبو بكر الإسكاف عن رجل به قرحة فبرأت وارتفع قشرها وأطراف القرحة موصولة بالجلد إلا الطرف الذي كان يخرج منه القيح فإنه مرتفع ولا يصل الماء إلى ما تحت القشر، قال: يجزيه وضوءه وإن لم يصل الماء تحته فحكمه حكم اللحية.
وسئل أبو نصر عن المرأة سعرت التنور ثم مسحت التنور بخرقة مبتلة نجسة ثم خبزت فيه، هل ترى به بأسا؟ قال: إن كانت النار بحرارتها أكلت تلك البلة قبل إلصاق الخبز بالتنور رجوت أن يكون ذلك قد طهر ولا ينجس الخبز، وإن لم تكن النار أكلته وكان باقيًا إلى أن ألصقت به الخبز صار نجسًا.
وسئل الحسن بن مطيع عن يوم مطير إذا جرى النهر بماء المطر وما يجري إليه من السكك حتى صار
الجزء 1 · صفحة 29
الغالب على ماء النهر من ماء المطر فتوضأ منه إنسان، قال: لا بأس به، قيل له: فإن كان في السكك قذر وليس في أصل النهر ماء غير المطر؟ قال: لا بأس به.
وسئل أبو القاسم عن رجل أحرق رأس شاة وكان متلطخا بالدم فلم يغسله واتخذ منه مرقة، أتفسد المرقة؟ قال: إذا زال الدم عنه فلا يبالي أحرقته بالنار أم غسله.
وقال أبو بكر: إذا توضأ رجل وغسل أعضاؤه ثلاثا ثلاثا فكل ذلك فريضة، وهو بمنزلة من أطال الركوع والسجود فيكون جميع السجود فريضة، فكذلك هذا، وكان الشيخ أبو بكر بن أبي سعيد يقول: الغسل مرة واحدة فريضة والثانية والثالثة لا يكون فريضة.
وسئل عبد الله بن المبارك عن المريض الذي لا يستطيع الصلاة إلا مضطجعًا فنام في الصلاة، هل ينتقض وضوءه؟ قال: نعم، انتقض وضوءه، قال الفقيه أبو الليث: وقد قال بعض الناس: لا ينتقض وضوءه بمنزلة القائم والقاعد، ولكن قول من قال بأن عليه الوضوء أصح، وبه نأخذ.
وسئل عبد الله بن المبارك عمن نام محتبيًا، قال: لا وضوء عليه، قيل له: أرأيت لو وضع رأسه على ركبتيه فنام وهو جالس؟ قال: لا وضوء عليه.
وسئل عبد الله بن المبارك عن المرأة إذا خرج من قبلها ريح، قال: قد وسّع فيه بعضهم، وأرى لها أن تأخذ بالوثيقة وتتوضأ.
وسئل النصر بن محمد عن ذلك، فقال: إن كانت منتنة فعليها الوضوء، وإن لم تكن منتنة فليس عليها الوضوء.
ولو أن غلاما ابن عشر سنين له امرأة وهو يجامعها، هل عليهما الغسل؟ قال: أما المرأة فعليها الغسل، وأما الغلام فلا غسل عليه، ولكنه يؤمر بالغسل كما يؤمر بالصلاة.
وسئل عبد الله بن المبارك رضي الله عنه عن التسمية عند الوضوء قبل الاستنجاء أو بعده، قال: كل ذلك واسع. وسئل عن الماء البحت يخرج من الجرح فيصيب الثوب، قال: إن كان أكثر من قدر الدرهم فعليه أن يعيد الصلاة. وسئل سفيان الثوري عمن صلى ومعه شعر إنسان قال: يعجبني أن يعيد الصلاة، قيل له: فإن غسل الشعر؟ قال: وإن غسل، قال الفقيه: كان أبو منصور الماتريدي بسمر قند يقول: إذا صلى الرجل ومعه شعر الإنسان أكثر من قدر الدرهم لم تجز صلاته، وكان الفقيه أبو جعفر يقول: تجوز، وبه نأخذ، قال الفقيه: سمعت أبي يروي بإسناده عن عبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة أنه قال: إذا اختضب السيف بالدم فمسحه بالتراب ثم صلى وهو متقلد به أجزأه.
الجزء 1 · صفحة 30
ولو أن رجلا به جرحان أحدهما يسيل أحيانًا والآخر ينقطع أحيانًا ويسيل أحيانًا فتوضأ وأحدهما سائل والآخر منقطع ثم سال، فإن كان الانقطاع أقل من وقت الصلاة فلا عبرة لذلك الانقطاع، ولا وضوء عليه ما دام في الوقت. وسئل عبد الله بن المبارك عن رجل في أصبعه قرحة فأدخل مَرَارَةً في أصبعه والمرارة تجاوز موضع القرحة و يتوضأ عليها، قال: هذا مما لابد منه، قال الفقيه وبه نأخذ.
وروى نافع عن ابن عمر أن إبهام رجله قد جرح فألقمها مرارة وكان يتوضأ عليها حتى برأت، وكذلك إن كان بالرجل جراحة أو قرحة فجعل عليها الجبائر وهو يزيد على موضع الجراحة جاز له أن يمسح عليها.
وذكر الحسن بن زياد في تصنيفه عن أبي حنيفة في رجل يصيبه الكسر أو شيء في موضع الوضوء فشده بالجبائر وهو على وضوء أو غير وضوء فهو سواء، فإذا توضأ جاز له أن يمسح عليها، وإذا مسح على العصابة فله أن يمسح على موضع الجرح وعلى جميع العصابة على موضع الجرح وغيره، ولو أن رجلا به جرح يخاف عليه إن غسله فمسح على العصابة ثم سقطت العصابة فبدله بعصابة أخرى، فالأحسن له أن يعيد المسح، وإن لم يفعل أجزأه.
باب الاستنجاء
سئل شداد بن حكيم عن المرأة تستنجي، هل تدخل أصبعها في فرجها؟ قال شداد بلغني عن عبد الله بن المبارك أنه سئل عن ذلك، فقال: إنها إذا جلست تجلس منفرجة تفرج بين رجليها ثم تغسل ما ظهر منها، قال شداد قوله حسن، وروى عن أبي مطيع مثله، وسئل محمد بن سلمة عن استنجاء المرأة، قال: بلغني عن محمد بن مقاتل أنه قال: تدخل أصبعها في فرجها، قال محمد بن سلمة: وهو عندنا ليس بشيء؛ لأنها إذا دخلت أصبعها في فرجها فلعلها تهيج أكثر من الحدث ويخاف منها ذهاب العذرة، وإنما يكفيها أن تغسلها براحتها، قال الفقيه: وبه نأخذ. وقد اختلفوا أيضًا في استنجاء الرجل، قال بعضهم: إذا لم يدخل أصبعه لا يكون نظيفا، وروى ذلك بعضهم عن محمد بن الحسن، ولكن القول المعروف إذا غسل ظاهره يكفيه، وليس عليه أكثر من ذلك، وبه نأخذ.
وسئل محمد سلمة بن عن المرأة إذا احتشتا بالقطنة فابتلت القطنة: قال إن كانت القطنة في الشفتين فخرجت النداوة من الحلقوم فعليها الوضوء كرجل أدخل قطنة في إحليله فابتلت القطنة، فإنكانت القطنة في الحلقوم فابتلت فليس عليه الوضوء، كذلك المرأة ليس عليها الوضوء.
وسئل أبو القاسم عن المرأة احتشت، فرأت عليها بياضًا في وقت كل صلاة، هل يجب عليها الوضوء
الجزء 1 · صفحة 31
لكل صلاة؟ قال: إن احتشت في الفرج الخارج فعليها أن تتوضأ لكل وقت صلاة، وإن كانت احتشت في الفرج الداخل ويظهر ما ذكرت على طرف القطن من غير أن يتعدى إلى الفرج الخارج فليس عليها الوضوء لكل صلاة، فقيل له: هل يجب على المستحاضة الاستنجاء لكل صلاة ولم يكن منها بول ولا غائط؟ قال: ليس عليها الاستنجاء.
وسئل الفقيه أبو جعفر عن المستحاضة ترى الصفرة القليلة فتحتشي فلا يظهر على رأس الخرقة لقلته، هل يجب على المستحاضة الوضوء لكل صلاة؟ قال: إن كانت البلة تجاوزت الفرج الخارج انتقض وضوئها، وإن كانت لا تجاوز الفرج الخارج لم يلزمها الوضوء، فقيل له: هل يلزمها الاستنجاء؟ قال: لا يلزمها إذا كان لا يخلو وقت صلاة من خروج الدم. وروى محمد بن مقاتل أنه سئل عن المستحاضة يصيب ثوبها الدم، قال عليها أن تغسل ثوبها لكل وقت صلاة، وقال محمد بن سلمة: ليس عليها ذلك لأن أمر الثوب أيسر من أمر البدن. وسئل أبو نصر على الاستنجاء بثلاثة أحجار قال: قال بعض الفقهاء يدبر بالحجر الأول ويقبل بالثاني ويدبر بالثالث.
وسئل أبو بكر عن موضع الاستنجاء إذا أصابته النجاسة أكثر من قدر الدرهم فاستجمر بثلاثة أحجار ولم يغسله، قال: لا يجزيه ما لم يغسله، قال الفقيه وقد ذكر عن أبي عبد الله الثلجي وعن أبي جعفر الطحاوي رضي الله عنهما أنه يجوز إذا مسحه بثلاثة أحجار وأنقاه، وبه نأخذ، وهذا الموضع مخصوص بالآثار التي وردت في ذلك، وإن كانت النجاسة في سائر المواضع أكثر من قدر الدرهم لا يجوز إلا بالغسل، وليس هذا بمنزلة موضع الاستنجاء، وفي موضع الاستنجاء لو غسله كان أفضل. وروي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: كانوا يبعرون بعرًا وأنتم تثلطون ثلطًا، فأتبعوا الحجارة الماء، قال الفقيه: سمعت أبا نصر منصور بن جعفر السمرقندي قال: ذكر لسعيد بن المسيب الاستنجاء بالماء، قال: ذلك طهور النساء، وعن إبراهيم النخعي قال: كان الأسود وعبد الرحمن بن يزيد يدخلان الخلاء فيستنجيان بالأحجار ولا يزيدان عليها ولا يمسان الماء.
قال أبو نصر: وسمعت أبا القاسم أحمد بن حم قال: سمعت محمد بن سلمة قال: الغسل عندنا في الاستنجاء أقله ثلاث مرات وأكثره سبع مرات على نحو ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غسل اليدين ثلاثًا وفي ولوغ الكلب سبعاً.
باب المسح على الخفين
قال الفقيه: سمعت أبا الحسن السردري الحاكم قال: سمعت الكرخي قال: من أنكر المسح على الخفين،
الجزء 1 · صفحة 32
أخاف عليه الكفر لأنه قد ورد فيه من الأخبار ما يشبه المتواتر، وروى أبو مطيع عن أبي حنيفة أنه قال: ما رأيت المسح على الخفين حتى صار عندي أضواً من الشمس، وروى أبو بكر عن محمد بن سلمة أنه سئل عن المسح على الخفين قال: ليس فيه اختلاف فقال له السائل: وأهل الشيعة يقولون ليس بشيء، قال محمد بن سلمة: الناس رجلان: أهل الفقه وأهل الحديث، وسواهم لا شيء. وسئل أبو بكر عن الخف إذا كان متخرقًا مقدار ثلاث أصابع، قال: إذا كان الجلد من الخف ساقطا بذلك المقدار ويظهر القدم فحينئذ لا يباح المسح، وإن لم يكن يظهر القدم مقدار ثلاث أصابع فإنه يمسح عليهما، وإن كان يدخل في ذلك الفتق ثلاث أصابع أو أكثر بعد أن يكون منضماً.
وقال أبو بكر الإسكاف: ساق الخف وإن كان ليناً جداً فإنه يجزيه المسح.
قال أبو بكر: ولو لبس المكعب ولا يرى من كعبه إلا مقدار أصبعين أو أصبع فإنه يجزيه المسح، قال الفقيه: وهذا قول أصحابنا لأنهم قالوا في كتاب الزيادات: أن رجلًا لو كان معه خف لا ساق له أراد به المكعّب فيهما بلغنا.
ولو أن رجلا توضأ ولبس خفيه ثم وجد في موضع الوضوء مكانًا لم يصبه الماء، فإن كان أحدث فيما بين ذلك فإنه يخلع خفيه ويغسل قدميه، وإن كان لم يحدث فيما بين ذلك فليمر الماء على ذلك الموضع ولا ينزع خفيه، وهذا إذا ترك شيئًا من فرائض الوضوء، ولو أنه ترك شيئًا من السنن الاستنجاء أو المضمضة أو الاستنشاق فليغسل ذلك ولا يخلع خفيه سواء أحدث فيما بين ذلك أو لم يحدث، ولو كان ترك في الجنابة المضمضة أو الاستنشاق أو ترك شيئًا لم يصبه الماء فإن كان أحدث فلينزع خفيه، وإن لم يحدث فليغسل ذلك الموضع ولا ينزع خفيه.
وسئل محمد بن مقاتل عن المسح على الجوربين، قال: يجوز في قول أبي يوسف ومحمد، وهو قول أبي حنيفة الأخير رجع إليه، وسئل أبو القاسم عن ذلك، فقال: أخبرنا محمد بن سلمة بإسناده عن أبي حنيفة أنه الجوربين قبل موته بثلاثة أيام، قال الفقيه: وبه نأخذ، لا بأس بالمسح على الجوربين إذا كانا ثخينين.
وسئل الفقيه أبو جعفر عن الجورب الذي من الجلد، قال: يجوز المسح عليه في قولهم جميعًا، قيل له: فإن كان يلبس الجورب من الجلد ولبس معه النعلان، هل يجوز المسح على الجورب؟ قال: يجوز في قولهم جميعا، وإنما اختلفوا في الجورب الذي يكون من الصوف أو من الشعر لأن ذلك يستعمل استعمال اللفافة، وأما الذي من الجلد فلا يستعمل استعمال اللفافة فلا يقع فيه الاختلاف.
وسئل بعضهم عن المسافر إذا لم يمكنه خلع خفيه لشدة البرد وقد ذهب وقت المسح، قال: يمسح على
الجزء 1 · صفحة 33
الخفين كما على الجبائر، قال الفقيه: هذا إذا كان في حال السير وكان يخاف في خلعه فساد رجله من البرد، وأما إذا لم يخف على نفسه ذهاب عضو أو نحو ذلك فلابد من أن يخلع خفيه ويغسل قدميه. وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال: المسح أن يمسح على ظاهر قدميه ما بين أطراف الأصابع إلى أصل السّاق ويفرج بين أصابعه قليلاً.
باب التيمم
قال الفقيه أبو الليث: سمعت أبي يروي بإسناده عن نافع عن ابن عمر أنه وصف التيمم، فمسح ظاهر يديه وذراعيه من لدن أصابعه إلى مرفقيه ثم مسح بطن اليدين من لدن مرفقه إلى أصابعه.
وسئل نصير بن يحيى عن رجل تيمم ولم يصب جميع وجهه قال سمعت الحسن بن زياد يذكر عن أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر أنهم قالوا: إذا تيمم فمسح الأكثر من وجهه و الأكثر من ذراعيه وكفيه أجزأه التيمم.
وسئل الفقيه أبو جعفر عن رجل كان بالبادية وليس معه إلا قمقمة من ماء زمزم في رحله، وقد رصص رأس القمقمة، هل يجوز له أن يتيمم؟ قال: لا يجوز له أن يتيمم لأنه واجد للماء، قال الفقيه أبو الليث: يعني إذا كان لا يخاف على نفسه العطش.
وسئل نصير بن يحيى عن ماء يوضع في الفلاة في الحب أو نحو ذلك، أيجوز للمسافر أن يتيمم ولا يتوضأ منه؟ قال: يتيمم ولا يتوضأ منه لأنه لم يوضع للوضوء وإنما يوضع للشرب، وإذا وضع الماء إباحة لنوع فلا يستعمل في غيره إلا أن يكون الماء كثيرًا، فإنه يستدل بالكثرة على أنه وضع للشرب وللوضوء فيتوضأ ولا يتيمم، وسئل أبو القاسم عن ذلك فأجاب، هكذا، وقيل لأبي القاسم: أيجوز للغني أن يشرب منه؟ قال: لا بأس به، وسئل أيضًا أبو نصر عن ذلك، فقال: لا بأس به لأن الغني إذا احتاج إلى ذلك صار هو كالفقير الذي يحتاج إليه، وكذلك الثمار إذا جعلت للمارة فإن الغني والفقير فيها سواء، وهذا مخالف للصدقة لأن الصدقة تمليك وهذا إباحة، وهكذا قال أبو القاسم.
وسئل أبو القاسم عن رجل أَقْعَدَه المرض لا يستطيع الحركة، هل يجوز له التيمم؟ أرأيت إن كان له خادم أو عنده من المال مقدار ما يستأجر أجيرًا يوضّئه أو كان بحضرته من المسلمين من لو استعان به أعانه وهو بحال لو وضأه لا يدخل عليه ضرر؟ قال: لا يعذر في ترك الوضوء وليس له أن يتيمم، وهذا بمنزلة المسافر ومعه رفقاء ومعهم ماء، فلو كان بحال لو سألهم أعطوه لا يجوز له التيمم، قيل له: أرأيت المريض لا يقدر على الصلاة قائما ومعه قوم لو استعان بهم أعانوه على الإقامة والثبات على القيام هل يجوز أن
الجزء 1 · صفحة 34
يصلي قاعدًا لشكواه؟ قال: يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي قاعدًا لشكواه ومع ذلك لو استعان بالناس أعانوه فلم يفعل، ولأن في قيامه يخاف الزيادة يعني زيادة وجع ولا يخاف ذلك في إمرار الماء عليه، ولأنه لو وضّأه رجل بغير أمره جاز و صار متطهرًا، فصار فعل غيره بمنزلة فعل نفسه، ولو أقامه رجل وحركه بغير إذنه لا يجوز عن صلاته، قيل له: لو كان عريانًا ما حكمه؟ قال: حكمه حكم الماء، عليه أن يستعين بمن يكسوه.
وسئل أبو بكر عن رجل سقط فأصاب رجله وجع لا يقدر على القيام ولا على غسل رجله، كيف يصنع؟ قال: يتيمم ويصلي قاعدًا، قال: وقد ابتليت بمثل هذا فتيممت لأني لو توضأت لم يمكني أن أغسل جميع الأعضاء، فصار كرجل مسافر معه من الماء مقدار ما يغسل أعضاؤه إلا عضوًا واحدًا فله أن يتيمم فكذلك هذا، قال الفقيه أبو الليث هذا قوله خاصة وهو خلاف قول علمائنا وفي قول علمائنا إذا كانت بعضو من أعضائه علة لا يقدر على غسله فإنه يتوضأ ويمسح على ذلك الموضع، وإن عجز عن غسل أكثر الأعضاء فحينئذ يجوز له التيمم، وكذلك في الجنابة، وبه نأخذ.
وقال أبو بكر: إذا تيمم الجنب ودخل المسجد ليحمل الماء فلم يقدر على الماء في المسجد فله أن يصلي بذلك التيمم، وكذلك إذا تيمم لصلاة الجنازة أو لسجدة التلاوة جاز له أن يصلي الفريضة بذلك التيمم، قال الفقيه: كان الفقيه أبو جعفر يقول: إذا تيمم لدخول المسجد أو لقراءة القرآن لا يجوز له أن يصلي بذلك التيمم، ولو تيمم لصلاة الجنازة أو لسجدة التلاوة جاز له أن يصلي به المكتوبة، وبه نأخذ.
وسئل أبو القاسم عن المسافر إذا تيمم بالملح، قال: إذا كان نباته في الماء لم يجز، وإن كان مما ينبت من الأرض من غير ماء أجزأه، قال الفقيه أبو الليث: هذا قياس قول أبي حنيفة ومحمد، وفي قياس قول أبي يوسف لا يجوز التيمم إلا بالتراب.
وقال أبو حنيفة: إذا تيمم والماء منه على قدر ميل أجزأه وقال محمد: إذا كان على رأس ميلين أجزأه، وقال الحسن بن زياد: إذا كان الماء بين يديه فميلين، وإن كان عن يمينه أو عن يساره، فميل، وقال الأوزاعي: إذا كان الماء مقدار رمي السهم وهو أربعمائة ذراع أجزأه، وقال نصير: سألت بشرا عن ذلك، فقال: إذا كان بحال لو ذهب خرج الوقت تيمم، وذكر عن أبي حفص البخاري رحمه الله أنه قال: إذا كان خارجًا من المصر في موضع لا يسمع أصوات الناس أجزأه التيمم، وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلاً سأله، فقال: إنا نكون في هذه الرمال فتحضر نا الصلاة ولا نجد الماء فقال: عليكم بالأرض.
الجزء 1 · صفحة 35
باب الحيض
روي عن عبد الله بن عباس أنه قال: من أتى امرأة في حيضها فليتصدق بدينار أو نصف دينار، وروي عن ابن عباس أيضًا أن رجلا سأل النبي عليه السلام عن ذلك فأمره أن يتصدق بدينار أو نصف؛ دينار، قال الفقيه هذا على وجه الاستحباب لا على وجه الوجوب، وعليه الاستغفار والتوبة، وروي عن ابن سيرين وإبراهيم النخعي وعامر الشعبي أنهم قالوا يستغفر الله ولا يعود. وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن رجلا سأله، فقال: رأيت في المنام كأني أبول دماً، فقال: أتيت امرأتك وهي حائض قال: نعم، قال: لا تعد ولم يأمره بالكفارة. ولا بأس بأن يقرب الرجل امرأته وهي مستحاضة في قول علمائنا وكره إبراهيم النخعي ذلك، وقال به محمد بن الأزهر، وبقول علمائنا نأخذ.
ولا يجوز للحائض ولا للجنب أن يمس المصحف في غير غلاف، فإن كان في غلاف فلا بأس به، وإذا كان المصحف في غير غلاف فلا يجوز له أن يمسه بكمه أو ببعض ثيابه لأن الثياب التي عليه بمنزلة يده، ألا ترى أنه لو صلى وقام على النجاسة وفي رجليه نعلان أو جوربان لم تجز صلاته، ولو افترش نعليه أو جوربيه وقام عليهما جازت صلاته لأنه إذا كان لابسًا صار كبعض جسده.
ولا ينبغي للحائض ولا للجنب أن يقرأ التوراة أو الإنجيل أو الزبور لأنا نؤمن بجميع الكتب.
وروي عن محمد أنه كره للجنب قراءة اللهم إنا نستعينك.
ولا يجوز للحائض أن تدخل المسجد، ويجوز لها أن تدخل في مسجد بيتها، وروي عن بعض السلف أنه قال في المرأة الحائض يستحب لها أن تتوضأ إذا دخل وقت الصلاة، وتجلس عند مسجدها وتسبح وتهلل لأن النبي عليه السلام قال: من تشبه بقوم فهو منهم، وروي عن بعض أصحابه أنه قال: إذا فعلت ذلك كتب لها ثواب أحسن صلاة كانت تصلي في حال الطهر، قال الفقيه أبو الليث: وإنما يستحب لها ذلك لكي لا تزول عنها عادة العبادة كما روي عن خلف أن ابنه كان يختلف إلى أبي مطيع، وكان خلف يقول لابنه: إذا كان أبو مطيع غائبًا، اذهب إلى مسجده واجلس هناك ساعة ثم ارجع لكي لا تزول عنك عادة الاختلاف.
وسئل أبو بكر عن الولد إذا خرج بعضه، هل يصير حكمها حكم النفساء؟ قال: إذا خرج أقله لا يكون حكمها حكم النفساء ولا تسقط عنها حكم الصلاة.
وقال أبو بكر: إني تعلمت من نصير مسألة واحدة، مررت بمسجده يومًا فرأيت امرأتين سألتاه عن امرأة خرج بعض ولدها، فكيف تفعل بصلاتها؟ قال: يؤتى بقدر فيجعل تحتها أو تحفر تحتها حفرة وتجلس هناك وتصلي كي لا تؤذي الولد. وسئل أبو القاسم عن الولد إذا خرج رأسه ثم صاح وخرج بعد ذلك
الجزء 1 · صفحة 36
ميتًا، هل يحكم له بحكم من خرج حيا؟ قال: لا، ما لم يخرج أكثر البدن لا يكون خارجًا حيا. وقال الفقيه: جاءتني امرأة فسألتني عن امرأة حملت أحد عشر شهرًا فخرج الولد من قبل سرتها، فقلت لها: كيف يخرج الولد من قبل سرتها؟ قالت ظهرت فرجة عند سرتها ثم انشقت وخرج منها ولد ميت، فقلت لها: أتعيش هذه المرأة؟ فقالت: نعم وهي مريضة أتصلي أم تدع الصلاة؟ فقلت: أيخرج منها دم؟ قالت: لا، إنما خرج ماء أصفر عند خروج الولد ثم لم يخرج شيء، فقلت لها: أيخرج الدم من أسفلها أم لا؟ قالت: لا، فقلت لها: فعليها أن تصلي ولا تدع الصلاة، فرجعت المرأة، فقال لي: أصحابي، أرأيت لو خرج الدم من ذلك الموضع أو من أسفل، ما حكمه؟ فقلت: أما إذا خرج الدم من قبل السرة فعليها أن تتوضأ لكل صلاة ولا غسل عليها ولا تكون بمنزلة النفساء، ولو سال الدم من الأسفل صار حكمها حكم النفساء، ثم قالوا: أرأيت لو كانت هذه المرأة معتدة، أتقضي عدتها بهذا الولد؟ فقلت: نعم لأنها قد وضعت حملها، ثم قالوا: أرأيت لو كانت هذه أمة، أتصير أم ولد إذا كان الولد من المولى؟ فقلت: نعم صارت أم ولد، ثم قالوا: أرأيت لو كان الزوج قال: إن ولدت فأنت طالق، هل تطلق بهذا؟ فقلت: نعم، لأن هذا يستحق اسم الولد فكذلك هي تستحق اسم الولادة. وسئل الفقيه أبو جعفر عن المرأة إذا رأت الخضرة، قال روي عن الحسن بن أبي مطيع أنه سئل عن ذلك فقال: أكلت البقول، ولم يزد على ذلك، فقال الفقيه أبو جعفر هو على الاختلاف في قول أبي حنيفة ومحمد يكون حيضًا، وفي قياس قول أبي يوسف لا يكون حيضًا إلا أن ترى في آخر أيامها، مثل اختلافهم في الكدرة، وقال أبو علي الدقاق و لا نعلم علمائنا تكلموا في الخضرة غير أنا نسمع النساء في مسائل البلاء أن المرأة قد تجدها، قالوا: والخضرة والكدرة عندنا سواء.
وسئل عبد الله بن المبارك عن مسافرة طهرت من الحيض فتيممت ثم وجدت الماء، قال: لا يقربها زوجها ولا تقرأ القرآن حتى تغتسل لأنها عادت إلى الحالة الأولى، قال الفقيه أبو الليث: في قول علمائنا جاز للزوج أن يقربها ولكنها لا تقرأ القرآن لأنها لما تيممت فقد خرجت من الحيض، فلما وجدت الماء وجب عليها الغسل وصارت بمنزلة الجنب.
وسئل أبو بكر عن امرأة رأت الدم عشرة أيام ثم طهرت ثلاثين يوما ثم عشرا دمًا ثم ثلاثين يوما طهرا، ورأت هذا سنين، ثم استحيضت فاستمر بها الدم، قال: سئل عن هذه المسألة الحسن، قال: تدع الصلاة عشرة أيام ثم تغتسل وتصلي سبعة وعشرين، ويكون هذا دأبها، فينقص من الثلاثين مقدار أقل الحيض، وقال أبو بكر: سمعت هذا عن أبي نصر، فقال أبو نصر: عرضت هذا على محمد بن سلمة فاستحسنه، قال: وكان أبو سهيل يروي فيه روايتين: أحدهما أنها تمضي على عادتها عشرة وثلاثين والأخرى عشرة
الجزء 1 · صفحة 37
وسبعة وعشرين، قال الفقيه: وبالرواية الأولى نأخذ أنها تمضي على عادتها عشرة حيض وثلاثون طهر.
وروى عن ابي نصر محمد بن سلام أنه كان يفتي بنقض العادة و انتقال بمرة واحدة بقول أبي يوسف، وهكذا كان يفتي أحمد بن محمد، وكان الفقيه أبو جعفر يقول: أنا أفتي بالانتقال بقول أبي يوسف أنه ينتقل بمرة واحدة، وفي غلبة الدم والطهر بقول محمد بن الحسن، قال الفقيه وبه نأخذ وروي عن بكر العمّي قال: دخلت على محمد بن سنان وكان من أهل الحديث فجاءته امرأة مستفتية، فقالت ما يقول الشيخ في امرأة كانت أيامها ثلاثة فاشتبهت في أربعة فلا تدري أتدخل أول يوم من الشهر فتتم أيامها اليوم الرابع أو يدخل اليوم الثاني فيتم بالخامس، قال: فسكت ساعة، ثم قال لها: ارجعي فعودي غدًا، فخرجت من عنده ثم رجعت إليه من الغد فقال يا هذه نظرت البارحة في أحاديث سفيان وشعبة وحديث فلان وفلان فلم أجد فيها، ارجعي، فما أراك إلا حرورية، قال الفقيه أبو الليث: جواب هذه المسألة ما قال محمد بن الحسن في كتاب الحيض: أنها تصلي في اليوم الأول بالشك وتدع الصلاة يومين باليقين ثم تغتسل في اليوم الرابع لكل صلاة إلا انه قال بغير هذا اللفظ.
وروي عن أبي نصر أنه قال: سمعت محمد بن سلمة يقول: قال الحسن بن شهرب: حضرت يومًا محمد بن الحسن وكان معي كتاب الحيض صنعه أبو معاذ فوضعته بين يدي فلما رآه، محمد قال: ما ذاك؟ قلت: كتاب الحيض، صنعه شيخنا أبو معاذ، قال: ناولني، فناولته فكان عنده ثلاثة أيام، ثم إنه بعد ذلك صنف كتاب الحيض، قال الفقيه أبو الليث: لم نستنقص في مسائل الحيض لأنا أفردنا لمسائل الحيض كتابًا على حدة وأوردنا فيه من المسائل ما فيه كفاية.
باب الصلاة
سئل أبو بكر عن رجل دخل في الصلاة فرأى في ثوبه نجاسة أقل من قدر الدرهم هل يقطع الصلاة أو يمضي عليها؟ قال: إن كان في الوقت سعة فالأفضل أن ينفتل ويغسل ثوبه ويستقبل الصلاة وإن كانت تفوته الجماعة إذا كان يدرك الجماعة في موضع آخر، وإن كان في آخر الوقت أو لا يدرك الجماعة في موضع آخر مضى على صلاته. وعن محمد بن مقاتل أن رجلًا لو زاد في صلاته ركوعًا أو سجودًا متعمدا فسدت صلاته، وعن أبي نصر أنه قال: لو زاد ركوعًا لم تفسد، ولو زاد سجودًا فسدت وعن نصير كذلك، لأن الركوع لا يؤتى بالانفراد فصار كزيادة قومة فلا يفسد صلاته، وأما السجود فإنه يؤتى به على الانفراد فصار فعلا تامًا بنفسه، قال الفقيه: هذا الجواب يوافق قول أبي يوسف ومحمد لأنهما يريان في سجدة الشكر قربة، فإذا زاد سجدة متعمدا صارت السجدة تطوعًا، فقد اختلطت المكتوبة بالتطوع ففسدت
الجزء 1 · صفحة 38
صلاته، وأما أبو حنيفة فإنه لا يرى في سجدة الشكر قربة فصار زيادة السجدة بمنزلة زيادة ركوع وزيادة قيام فلا تفسد صلاته.
وسئل أبو نصر عن رجل قرأ في صلاته يوم تبلى السرايل باللام، قال: فسدت صلاته لأنه ليس في القرآن مثله، قال الفقيه أبو الليث: وقد قرأت مرة في الصلاة أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب المائدة فمر على لساني الغبار فسألت عن ذلك الفقيه أبا جعفر قال: ليس في القرآن مثله، قد فسدت صلاتك، قال الفقيه أبو الليث: وقد صليت خلف الفقيه أبي جعفر فقرأ في صلاته: {فإن حزب الله هم الكافرون}، فلما فرغ عن صلاته سألته عن ذلك، فقال: لم أشعر بذلك، وقال: لم تفسد الصلاة، وقال: كل شيء يكون في القرآن مثله لا تفسد الصلاة وصار كأنه قدم أو أخر، وقال الفقيه أبو جعفر: صلى الشيخ أبو بكر بن أبي سعيد خلف إمام له، فقرأ الإمام في صلاته فاخشوهم ولا تخشوني البقرة فلم يعد الصلاة.
وسئل أبو بكر عن رجل قرأ في صلاته: {فساء صباح المنذرين} بكسر الذال، أو قرأ: {هو الله الخالق البارئ المصور} بالنصب، قال: هذا لحن وأرجوا أن لا تفسد صلاته، وإن تعمد ذلك كفر، وقال سهل بن حبيب سمعت محمد بن سلمة في مثله أنه لو تعمد كفر، وإن لم يتعمد فسدت صلاته ولم يكفر.
وسئل عبد الله بن المبارك عن رجل قرأ: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب النار}، قال: لا تقطع صلاته، وهكذا قال أبو حفص البخاري، إلا أن يتعمد فيكون ذلك قطعًا للصلاة.
وسئل عبد الله بن المبارك عن رجل قرأ في صلاته: فسحقًا لأصحاب الشعير بالشين الملك، قال: يعجبني أن يعيد الصلاة، وقال رجل لعبد الله: إني صليت خلف رجل فقرأ: وزرابيب مبثوثة، فأعدت الصلاة، قال: أصبت وأخذت بالجزم، وقال عبد الله: ومن قرأ في صلاته: وإذا مسه الخير منوعاً، لا تفسد صلاته لأنه إنما أسقط حرفًا، وأنكر ذلك أبو حفص، و قال: فيه تغير المعنى وإن كان فيه نقص الحرف.
وسئل محمد بن سلمة عن رجل قرأ في صلاته: الهمد الله بالهاء أو الحمد الله بالراء أو قرأ: كل هو الله أحد، قال: إذا كان لا يقدر على غير ذلك جازت صلاته، وهكذا قال نصير، قال الفقيه أبو الليث: وهذا إذا كانت بلسانه علة، وأما إذا كان الرجل لم تكن بلسانه علة فإن صلاته تفسد إذا جرى على لسانه ذلك. وسئل أبو نصر عن رجل قرأ في صلاته: ولا الظالين الفاتحة بالظاء، قال: كان أبو مطيع يقول: فسدت صلاته، وكان محمد بن سلمة يقول: جازت صلاته، وكان يقول: من يفهم هذا إلا الحذاق من الناس بالعربية؟
وسئل أبو بكر عن رجل قرأ في صلاته: أفنجعل المجرمين كالمسلمين، قال: لا تفسد صلاته، قال:
الجزء 1 · صفحة 39
وسمعت أبا نصر وقد سئل عن رجل قرأ: إن الكافرين في جنات ونعيم، قال: لا تفسد صلاته، الأن هذا رجل ابتدأ الشيء ثم قطع الكلام وابتدأ شيئًا آخر فلا تفسد صلاته إلا أن يقرأ شيئًا ليس في القرآن مثله، وذكر عن أبي القاسم أنه كان يقول فسدت صلاته، قال الفقيه أبو الليث: وأصل ذلك ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: رُفِعَ عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
وسئل أبو بكر عن رجل قرأ: قل أعوذ برب الفلق بالدال الفلق، قال: إن كان لسانه منكسرا جازت صلاته، وإن لم يكن لسانه منكسرًا لا يجوز صلاته لأن فيه تغيير المعنى.
وسئل أبو بكر عن رجل قرأ في صلاته: ذاك الدار الآخرة، قال: تفسد صلاته لأنه أتى بما ليس في القرآن، قال الفقيه أبو الليث: لو قرأ: ذلك الدار الآخرة ينبغي أن لا تفسد لأن ذلك في القرآن كثير، وليس في القرآن ذاك.
وسئل محمد بن الأزهر وإبراهيم بن يوسف والحسن بن مطيع عن رجل قرأ في صلاته: الهمد لله بالهاء، أو الرحمن الرهيم بالهاء، أو غير المغدوب عليهم بالدال أو بالذال، أو قال: أعود بالدال، أو قال: الله الصمد بالسين، أو قرأ في التشهد: التهيات الله أو قرأ في ركوعه: سبحان ربي العظيم بالضاد أو بالذال أو سمع الله لمل حمده باللام، قالوا جميعاً: إن كان يجهد جهده ويجتهد دهره في آناء الليل والنهار في تصحيح ذلك ولا يقدر على تصحيحه فصلاته جائزة، وإن ترك جهده فصلاته فاسدة، وإن جهد في بعض عمره فلا يسعه أن يترك جهده في باقي عمره، وإن ترك جهده فصلاته باطلة إلا أن يكون الدهر كله في تصحيحه.
وسئل الفقيه أبو جعفر عن رجل يقرأ في صلاته: بسم الله الرحمن الرحيم بالشين ولا يطاوعه لسانه على غير ذلك، أو مكان اللام ياء في جميع القرآن، هل تجوز صلاته، فإنه روي عن أبي القاسم أنه قال: الهندي الذي لا يفصح بالقراءة سكوته أحب إلي من قراءته في الصلاة، فقال: وهل لهذا القارئ أجر إن قرأ في غير الصلاة أم لا؟ قال: إن كان عند تبديل الحروف يصير كلامًا آخر من كلام الناس فلا ينبغي له أن يقرأ، فإن قرأ فسدت صلاته، وهو بقراءته ذلك غير مأجور، و إن أمكنه أن يتخذ من القرآن آيات ليس فيها الحروف التي لا يطاوعه لسانه فيقرأ بها فعل ذلك إلا فاتحة الكتاب فإنه لا يدع قراءتها في الصلاة، وإن كان يقرأ: نشتعين الفاتحة بالشين أو نحو ذلك لأن ذلك قريب المعنى، ولا ينبغي لغيره أن يقتدي به لأن صلاته ناقصة وإن كان هذا رجلا هنديا أو غيره دخل في قراءته تغير لا يقدر على إقامة الكلمة في موضع أو أكثره يقرأ بخلاف ما أنزل الله، فهذا بمنزلة الأمي فيصلي بغير قراءة كما قال أبو القاسم.
الجزء 1 · صفحة 40
وسئل أبو القاسم عن رجل صلى، فقرأ رجل أية سجدة فسجدها وسجد معه المصلي، قال: إذا سجد وأراد إتباعه فسدت صلاته.
وروي عن محمد بن سلمة قال: أخبرني ثقة عن داود الطائي عن رجل صلى بغير إزار وهو محلول الجيب إذا نظر بدا، عورته، قال إذا كان عريض اللحية فصلاته تامة. وقال نصير بن يحيى في رجل نظر إلى فرج امرأة قد طلقها بشهوة وهو في الصلاة، فإنها تصير مراجعة ولا تفسد صلاته، وقال محمد بن سلمة: لو مسها فسدت صلاته.
وسئل أبو نصر عن رجل مشى في صلاته، ما مقدار مشيه الذي يفسد الصلاة؟ قال: روي عن بعض أصحابنا أنه قدر ذلك موضع سجوده، فإن جاوز فسدت صلاته، قال: وقد قيل: إن كان لا يزيد على ما بين الصفين لم تفسد صلاته، فقيل: أرأيت لو مشى خطوة أو خطوتين ثم مكث ثم مشى ثم وقف ثم مشى ثم وقف ثم مشى حتي مشي مشيّا كثيراً: قال إن تداركت خطاه واتصل مشيه حتى تجاوز بعض ما ذكرنا من المقادير فسدت صلاته، وإن خطا خطوتين واستقر ولم يزد عليها ثم خطا مثل ذلك فإن كان ما بين الأول والثاني فصل لا يفهم بذلك اتصال الأول بالثاني فذلك غير مفسد عليه صلاته، وهذا كما روي عن سلفنا في الرجل ينوي سفر يوم ويقيم هناك ثم خرج يومًا أو يومين فهو في حكم المقيم ما لم يصل بذلك ما ينقض نيته.
وسئل أبو نصر عن رجل مشى في صلاته إلى فرجة في الصف، قال: إن مشى وجاوز موضع سجوده فسدت صلاته، وإن مشى وجعل يقف ساعة ثم تقدم ساعة ووقف ساعة فهو جائز، قال الفقيه أبو الليث: لسنا نأخذ بهذا وإنما نأخذ بما روي عن محمد بن سلمة أنه قال: لو مشى من صف إلى صف لا تفسد صلاته، وإن مشى إلى صفين فسدت صلاته، وإن مشى إلى صف فوقف ثم مشى إلى صف آخر جازت صلاته، وروي عن ابن عمر أنه رأى أمامه فرجة في الصف وقد تحرم بالصلاة فتقدم إلى الفرجة حتى سدها، وقد جاء في الحديث من سد فرجة في الصف فله كذا وكذا من الثواب.
وسئل محمد بن مقاتل عن المسبوق الذي قام إلى قضائه فتقدم مقدار صف أو صفين لكي لا يمر الناس بين يديه، قال: بأس به، قال الفقيه أبو الليث: إن كان مقدار صف فلا بأس به، وإن كان مقدار صفين فمشى بدفعة واحدة فسدت صلاته كما قال محمد بن سلمة. وسئل أبو عبد الله محمد بن خزيمة عن رجل خلف الإمام في الوتر، إذا قنت الإمام أيقرأ الدعاء خلف الإمام؟ قال: قال أبو يوسف يقرأ، وقال محمد: لا يقرأ ولكن الإمام إذا بلغ موضع الدعاء يؤمن القوم. وسئل الفقيه أبو جعفر عن القنوت، أيرسل
الجزء 1 · صفحة 41
الإنسان يديه أو يضع اليمين على اليسرى؟ قال: كان أبو بكر الإسكاف يضع اليمين على اليسرى، وكان الشيخ أبو بكر بن أبي سعيد يرسل يديه، وكذلك في صلاة الجنازة وكذلك بين الركوع والسجود، وكان الفقيه أبو جعفر يختار هذا القول، وبه نأخذ.
ولو أن أميا اقتدى بقارئ فصلى ركعة ثم علم سورة، قال أبو نصر: فسدت صلاته لأنه دخل في الصلاة على الضرورة، فصار كالعريان إذا وجد الثوب، وقال أبو عبد الله محمد بن خزيمة: يمضي على صلاته ولا تفسد عليه لأنه إذا كان خلف الإمام فليس عليه القراءة، وليس كالعريان لأنه عليه اللبس، قال الفقيه: وبهذا القول نأخذ.
وسئل أبو القاسم عن رجل لا يسمع الخطبة يوم الجمعة، أيجوز له أن يقرأ القرآن؟ قال: كان محمد بن سلمة يقول: لا يقرأ، وكان نصير يقرأ لأنه كان حريصًا على القراءة وكان يختم القرآن في كل ثلاثة أيام، قال الفقيه: و قول محمد بن سلمة أحب إليَّ، وبه كان يقول الفقيه أبو جعفر.
وسئل أبو القاسم عن التراويح، هل يحتاج الرجل إلى أن ينوي عند كل ركعتين؟ قال: لا، انتصابه هناك في المحراب نية منه ففيها كفاية، وقال غيره: إذا لم يكن ينو الفريضة فهو نفل.
وسئل أبو نصر عن المؤذن إذا قام متى يتحرك عن موضعه، قال: كان محمد بن سلمة إمامًا ومؤذنا فرأيته يتحرك عن مكانه إذا انتهى إلى قوله قد قامت الصلاة، قال الفقيه أبو الليث: هو بالخيار إن شاء مكث حتى يفرغ من الإقامة، وإن شاء مشى بعدما انتهى إلى قوله قد قامت الصلاة.
وسئل أبو نصر عن رجل نتف شعره في الصلاة، قال: إذا نتف ثلاث شعرات فسدت صلاته، وإن كان أقل من ثلاثة لم تفسد.
وحكى عن أبي يوسف أن المصلي إذا شد إزاره فسدت صلاته، وإذا حل لا تفسد، فقيل لأبي نصر: إذا كان مؤنة شده مثل مؤنة حله؟ قال: إن كان هكذا لا تفسد صلاته وسئل أبو سليمان عن رجل عمل في صلاته من حل إزار أو شده أو حل السراويل أو شده أو حل منطقة أو شدها، قال: لا تفسد صلاته وقد أساء في ذلك كله، قال: سمعت أبا يوسف يقول ذلك، وقال شداد بن حكيم: إن حله لم تفسد صلاته، وإذا شده فسدت صلاته، وقال أبو نصر: إذا حل إزاره لا تفسد صلاته، وإذا اتزر فسدت، وإذا ألجم دابته فسدت صلاته، وإذا نزع اللجام لا تفسد، وإذا خلع خفه وهو واسع لا تفسد، وإذا تخفف فسدت صلاته، وهكذا روي عن شداد وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف، وبه نأخذ وفي رواية أبي سليمان لا تفسد في هذا كله. وسئل أبو نصر عن رجل صلى ركعتين ونواهما صلاة الليل وكان قد طلع الفجر وهو
الجزء 1 · صفحة 42
لا يعلم، قال: يجوز ذلك بركعتي الفجر، وروى عن ابن المبارك مثله، وبه نأخذ.
وسئل أبو القاسم عن رجل لم يعرف أن الصلوات الخمس فريضة على العباد إلا أنه كان يصليها في مواقيتها، قال: لا يجزيه وعليه أن يقضيها، وكذلك لو علم أن منها فريضة ومنها سنة، ولا يعرف الفريضة من السنة لم تجزه أيضًا.
وسئل أبو بكر الإسكاف عن رجل صلى سنين ولم يعلم النافلة من المكتوبة، قال: إن كان هذا الرجل يظن أن الصلوات كلها فريضة فإنه يجزيه ما صلى، وإن كان يعلم أن الصلوات بعضها فريضة وبعضها سنة إلا أنه لم يعرف التمييز بينهما فعليه أن يعيد جميع الفرائض وإن كان لا يعلم أن بعضها فريضة وبعضها سنة فكل صلاة صلاها خلف الإمام أجزأته، وكل صلاة صلاها وحده لم تجزه.
قال الفقيه أبو الليث: يعني إذا صلى خلف الإمام ونوى صلاة الإمام جازت صلاته وإن لم يعرف الفريضة من التطوع، وإن كان الرجل يعرف الفرائض من النوافل ولكن لا يعلم ما في الصلاة من الفريضة والسنة جازت صلاته.
وسئل عمن قرأ في صلاته ما كان مكتوبا على الحائط من القرآن قال: جازت صلاته في قولهم جميعا، وكذلك روي عن أبي الحسن الكرخي، وروي عن أبي سعيد البردعي أنه قال: لا يجوز في قول أبي حنيفة وهو بمنزلة القراءة في المصحف.
وسئل أبو القاسم عن قرية اتخذوا فيها مسجد الجامع وصلوا فيها الجمعة بغير المسجد الجامع، هل يجوز؟ قال: إن كانت القرية كبيرة ولها قرى وفيها وال وحاكم جازت الجمعة بنى المسجد أو لم يبن، وإن كان خلاف ذلك لم يجز، وقال بعضهم: إذا كانت قرية يتعيش فيها الناس كل صانع بصناعته فهو مصر جامع وجازت الجمعة فيها، وذكر عن أبي عبد الله الثلجي أنه قال: قد قيل فيها أقاويل مختلفة، وأحسن ما قيل فيه أن أهل تلك القرية لو اجتمعوا في أكبر مسجد من مساجدهم لم يسع لهم ذلك ويحتاجوا إلى أن يتخذوا لها مسجدًا على حدة جازت الجمعة فيها.
وسئل أبو القاسم عن رجل تعلم بعض القرآن ولم يتعلم البعض، إذا وجد فراغا فصلاة التطوع أفضل أو تعلم القرآن؟ قال: تعلم القرآن أفضل لأن حفظ القرآن فرض على الأمة.
قال الفقيه أبو الليث: اختلف الناس في الصف الأول يوم الجمعة، قال بعضهم: الصف الأول هو الذي يكون خارج المقصورة، وقال بعضهم: الذي خلف الإمام في المقصورة، وقال بعضهم: إن كان لا يمنع العامة من دخولها فالصف الأول هو الذي في المقصورة وقال أبو نصر محمد بن سلام: الصف الأول مما
الجزء 1 · صفحة 43
يلي المقصورة لأنهم منعوا الناس من المقصورة، وذكر عن أصحاب عبد الله بن مسعود أنهم كانوا يرون الصف الأول مما يلي المقصورة، وبه نأخذ.
وسئل أبو نصر عن رجل قتل القمل مرارا في صلاته هل تفسد صلاته؟ قال: إن قتل قتلا متداركا حتى كثر فسدت صلاته، وإن كان بين القتلين فرجة لا تفسد صلاته، قال: والكف عن ذلك أفضل، وهذا كما قالوا في رجل قاء مرارًا أقل من ملء فيه فإن كان ذلك متداركا وكان بحال لو جمع صار ملء الفم وجب الوضوء. وروي عن أبي يوسف في رجل روح في صلاته، قال: إن كان ذلك كثيرا دائما فسدت صلاته، ولو أنه قتل القمل في غير الصلاة في المسجد فلا بأس به، وروى عن عبد الله بن مسعود أنه أخذ قملة فدفنها تحت الحصا ثم قرأ {ألم نجعل الأرض كفاتاً أحياء وأمواتاً}، وروي عن أبي أمامة الباهلي مثله. قال الفقيه أبو الليث: قال بعضهم: إذا كان المأموم أطول من الإمام وصلى بجنبه فصلاته فاسدة لأن السجدة ركن من أركان الصلاة فلا يجوز أن يكون سجوده قبله - يعني أمامه، وقال بعضهم: يجوز، وهو أصح القولين لما روى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه صلى بعلقمة والأسود وأقام أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله وكان ابن مسعود رجلا قصيرًا، فعلم أن سجودهما أمامه.
وسئل أبو القاسم عن المصلي إذا تحرم للصلاة فرفع يديه، أير سلهما ثم يضع أحدهما على الأخرى أو يرفع يديه ويضع؛ أحدهما على الأخرى؟ قال: يرسلهما ثم يقبض اليسرى باليمني.
وسئل أبو القاسم عن امرأة ماتت وقد فاتتها صلاة عشرة أشهر ولم تترك مالاً، قال: لو استقرض ورثتها قفيز حنطة ودفعت إلى مسكين ثم إن ذلك المسكين تصدق على بعض ورثتها، ثم يتصدق على المسكين، فلم يزل يفعل ذلك حتى يتم لكل يوم قفيز حنطة أجزأ ذلك عنها.
وقال نصير: سمعت شداد بن حكيم قال: لو أن رجلا نام في صلاته فقهقه لم يكن عليه الوضوء، وروى نصير أيضًا عن شداد: قال كتبت إلى محمد بن الحسن في الأحدب إذا بلغت حدوبته إلى الركوع، كيف يصنع بالركوع؟ قال: يخفض رأسه.
وسئل نصير بن يحيى عمن يرمي الحجر في صلاته، قال: إذا رمى واحدًا أو اثنين لا تفسد الصلاة، وإن رمى ثلاثاً فسدت الصلاة.
قال أبو نصر: سمعت محمد بن سلمة قال: لا بأس بأن يتخذ في المسجد بيت يحصن فيه البواري، ولا بأس بأن يغرس شجرة للظل.
وروى عن نصير أنه قال لا بأس بأن يؤم الصبي في شهر رمضان إذا بلغ عشر سنين يعني في التراويح،
الجزء 1 · صفحة 44
وكان محمد بن سلمة يقول: لا يجوز، وعن محمد بن مقاتل أنه قال: يجوز، قال الفقيه وبه نأخذ فلا بأس بأن يؤم الصبي في التراويح خاصة. وسئل أبو نصر عن رجل مات في مسجد قوم فقام أحدهم وجمع دراهم على أن يكفنه ففضل من ذلك شيء ولا يعرف له وارث، أو كفنه رجل آخر، ما يصنع بهذه الدراهم المجموعة؟ قال: يصرف ذلك إلى كفن مثله من أهل الحاجة، قال الفقيه أبو الليث: إن عرف الذين أخذ منهم رد عليهم، وإن لم يعرف واختلط الدراهم صرف إلى كفن مثله وإن لم يقدر على صرفه إلى الكفن لقلته تصدق به على الفقراء.
وسئل أبو نصر عن رجل جمع مالا من الناس على أن ينفق في بناء مسجد، فربما يقع في يديه دراهم من ذلك فينفقها في حوائجه ثم يرد بدلها في نفقة المسجد من ماله أيسع له ذلك؟ قال: لا يسع له أن يستعمل شيئًا من ذلك في حاجة نفسه، وإن استعمل في حاجة نفسه فإن عرف صاحب ذلك المال رده عليه وسأله تجديد الإذن منه، وإن لم يعرفه استأذن الحاكم فيما استعمل وضمن، فإن تعذر ذلك عليه رجوت في الاستحسان أن يجوز له أن ينفق مثل ذلك من ماله في المسجد.
قال أبو نصر روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال: لا يصلى على أهل البغي ما دامت الحرب قائمة، فإذا وضعت الحرب أوزارها صلي عليهم، وأما في رواية محمد بن الحسن لا يصلى عليهم وضعت الحرب أوزارها أو لم تضع عقوبة لهم، وقال الفقيه فبتلك الرواية نأخذ إذا قتلوا في حال الحرب فإنه لا يصلى عليهم، وإذا قتلوا في غير الحرب أو ماتوا فإنه يصلى عليهم، وكذلك قطاع الطريق إذا قتلوا في حال حربهم لا يصلى عليهم، وإن أخذهم الإمام وقتلهم صلي عليهم.
وروي عن خلف بن أيوب أنه قال: من صلى بغير رداء لا تقبل شهادته، قال: لأنه لما عرف أن الصلاة مع الرداء أفضل وتركه كان ذلك استخفافًا بأمر الدين، فيقتضي الاستخفاف بالدين ألا تقبل شهادته، قال الفقيه أبو الليث: هذا خلاف قول أصحابنا.
وروت أسماء بنت أبي بكر: قالت رأيت أبي يصلي في ثوب واحد فقلت: يا أبت، تصلي في ثوب واحد وثيابك موضوعة؟ قال: يا بنتاه، إن آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفي في ثوب واحد.
وسئل أبو نصر عن الإمام إذا كان في الركوع فسمع شخصًا جائيًا فيطول الركوع ليدرك الجائي الصلاة، هل يكره؟ قال: روي عن الشعبي أنه قال: لا بأس به مقدار تسبيحة أو تسبيحتين، قال أبو نصر: هذا المقدار حسن - مقدار ما لا يثقل على من خلفه، وروى عن ليث بن مساور أنه قال: لو انتظر فسدت
الجزء 1 · صفحة 45
صلاته، وروى عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى أنهما كرها ذلك، فقال أبو حنيفة أخاف عليه أمرًا عظيماً – يعني الشرك، وسئل أبو بكر الإسكاف عن إمام طوّل الركوع لأجل رجل لكي يدرك الركوع، قال: يطول التسبيحات ولا يزيد فيالعدد، وعن أبي القاسم أنه قال: إن كان الداخل غنيًا فإنه لا يجوز، وإن كان فقيرا فإنه يجوز، قال الفقيه أبو الليث: إن كان الإمام عرف الجائي لا ينتظره؛ لأنه يشبه الميل إليه، وإن لم يعرف فلا بأس بذلك لأن في ذلك إعانة منه على الطاعة.
وسئل أبو بكر عن الإمام يطول القراءة في الركعة الأولى لكي يدرك الناس الركعة، قال: لا يطول تطويلًا يشق على القوم، فقيل له: لو طول المؤذن الإقامة ليدرك الناس الصلاة، قال: ينبغي أن يكون هذا بالاتفاق جائزاً.
قال أبو نصر: روى ابن الأزهر عن شداد أنه قال: إذا قال الرجل في الصلاة أف أو تف أو أخ يعيد الصلاة، قال الفقيه: هذا قياس قول أبي حنيفة ومحمد، وأما في قياس قول أبي يوسف فلا تفسد صلاته في الأحوال كلها. وسئل أبو نصر عمن مات يوم الجمعة، هل يرجى له فضل أو مات بمكة؟ قال: إن الذي فضّل بعض الأيام على بعض وفضّل بعض البقاع على بعض غير مستنكر من فضله وسعة رحمته أن من مات في البقعة المفضلة وفي الوقت المفضل أن يجعل له الفضل على غيره.
وسئل أبو يوسف عن رجل استأذن على رجل وهو في الصلاة، فقال المصلي {ادخلوها بسلام آمنين} الحجر، قال: لا يفسد، وكذلك لو قال: أقبل ولا تخف القصص ... ينوي جوابه أو لم ينوي، قال الفقيه أبو الليث: وفي قول أبي حنيفة ومحمد إن أراد به الجواب فسدت صلاته.
وسئل عن الإمام إذا رفع رأسه من الركوع قبل أن يقول المقتدي ثلاث تسبيحات، قال أبو نصر: يتم المقتدي ثلاثًا ولا يكون التسبيح في الركوع أقل من ثلاث مرات.
وقال أبو نصر: لا يجب على المصلي أن يقرأ عند افتتاح كل سورة: بسم الله الرحمن الرحيم لأنه لو وجب لوجب التعوذ قال الفقيه: روى هذا الحسن بن زياد و به نأخذ.
وروى الحسن عن أبي حنيفة في المسبوق إذا قام إلى قضاء ما سبق به لم يكن عليه أن يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم لأن الإمام قد قرأها وقراءة الإمام قراءة له، وروى عن محمد بن الحسن أنه قال: إذا قام إلى قضائه يتعوذ ويقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نأخذ.
وسئل أبو نصر عن صلاة الجمعة و العيد خلف المتغلب الذي لا عهد له أيجوز؟ قال: إن سار فيمن غلب بسيرة الأمراء وحكم فيما بين رعيته بحكم الولاة رجوت أن يجوز.
الجزء 1 · صفحة 46
وسئل عن الرياء، هل يدخل في الفريضة؟ قال أبو نصر: السمعة والرياء لا يدخلان؛ في صوم الفريضة، وأما في سائر الطاعات فإنه يدخل فيها الرياء، قال الفقيه وإنما قال ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: الصوم لي وأنا أجزي به، وقد قال بعضهم: الرياء لا يدخل في شيء من الفرائض ولكن يفوت عنه ثواب المضاعفة.
وروى أبو سليمان عن حماد بن زيد أنه سئل عن إمام سبقه الحدث بعد ما صلى ركعة فقدم رجلا ساعتئذ، قال: قال إبراهيم النخعي: يصلي بهم تمام صلاة الإمام ثم يتأخر ويقدم رجلًا ممن قد أدرك أول الصلاة حتى يسلم بهم، ثم يقوم هو إلى بقية صلاته، قال: وقال الحسن البصري: يسلم ثم يقوم هو إلى بقية صلاته، قال: حماد بن زيد أخذ بقول الحسن البصري، قال أبو سليمان فلقيت حماد بن زيد بعد ذلك، فإذا هو يروي عن الحسن وترك رواية إبراهيم قال: إن أصحاب أبي حنيفة أخذوا بقول إبراهيم.
وعن محمد بن الأزهر قال: أمرني ابن الرماح الأسأل أبا سليمان عن رجل صلى فقام في صلاته لا يقرأ القرآن متعمدا أو ساهيًا حتى طال ذلك، هل تفسد صلاته؟ فسألته قال: لا تفسد صلاته وإن طال. وسئل عن إقامة الجمعة خارجًا من المصر، قال أبو بكر: إن كان الموضع منقطعا من العمران لا يجوز، قال الفقيه: فذكرأبو يوسف في الأمالي أن إمامًا لو خرج مع أهل المصر من المصر مقدار ميل أو ميلين لحاجة لهم فحضرت الجمعة جاز له أن يصلي بهم الجمعة لأن فناء المصر بمنزلة المصر، وبه، نأخذ، وقال بعضهم: في المسألة اختلاف؛ في قول أبي حنيفة وأبي يوسف يجوز، وفي قول محمد لا يجوز، كما قالوا في الجمعة بمنى.
وسئل أبو بكر الإسكاف عن رجل قام في صلاته ونوى مقام إبراهيم ولم ينوي الكعبة، قال: لا يجوز صلاته، قيل له: لو نوى المسجد ولم ينوي البيت؟ قال: لا يجوز لأن المسجد غير البيت ولو جازت نية المسجد الجاز نية الحرم، قيل له: أليس روى عن النبي عليه السلام أنه قال: الكعبة قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل الآفاق، قال: يعني المسجد وما فيه قبلة لأهل الحرم والحرم وما فيه قبلة لأهل الآفاق، فكان الحاصل يرجع إلى شيء واحد، وهو البيت.
بقية من باب الصلاة
قال الفقيه: وسئل أبو أحمد العياضي بسمر قند عمن نوى مقام إبراهيم، قال: إن كان الرجل لم يأت مكة أجزأه لأن عنده أن المقام والبيت واحد، و إن كان الرجل قد أتى مكة لم تجزه صلاته لأنه عرف أن المقام غير البيت.
وسئل أبو بكر الإسكاف عن رجل افتتح الصلاة ثم نام فقرأ في صلاته وهو نائم، قال: يجزيه عن القراءة،
الجزء 1 · صفحة 47
قيل له: لم يجزيه ولو طلق امرأته في حال نومه لم تطلق؟ قال: لأن المجنون أو المغمي لو صلى كانت صلاته صلاة، ولو طلق امرأته لا يكون طلاقه طلاقًا وسئل أبو بكر عن امرأة صلت ولم تستر رجلها، قال: تجزيها صلاتها لأنه يجوز للأجنبي أن ينظر إلى ذلك الموضع، قال الفقيه يعني به ظهر القدم، وبهذا نأخذ، وروي عن محمد بن مقاتل أنه سئل عن ذلك، فقال: أخشى أن لا تجوز صلاتها.
وسئل أبو بكر عن رجل قام إلى الثالثة في التراويح ولم يقعد في الثانية، قال: ينبغي أن يرجع ويقعد ويسلم إن ذكر قبل أن يسجد، وإن ذكر بعد ما ركع وسجد فإن أضاف إليها ركعة رابعة كانت هذه الأربع ركعات تجزي عن ترويحة واحدة، قال الفقيه أبو الليث: هذا الجواب مشتبه فاحتمل أنه أراد به تجزي عن ترويحة واحدة يعني عن ركعتين ويحتمل أنه أراد به تجوز عن تسليمتين لأن ترويحا واحدًا يجوز أن تسليمتين يسمى لأن المتقدمين كانوا يروحون في كل تسليمتين ويسمون كل تسليمة ترويحة، وكان الفقيه أبو جعفر يقول: إذا لم يقعد في الثانية وصلى أربع ركعات يجوز عن تسليمة واحدة، قال الفقيه: وعندي يجوز عن أربع ركعات لأن الرجل لو أوجب على نفسه أن يصلي أربع ركعات بتسليمتين فصلى بتسليمة واحدة أجزأه، هكذا قال أبو يوسف في الأمالي، فكذلك ههنا لما صلى أربع ركعات بتسليمة واحدة أجزأه وإن ترك القعدة بينهما استحسانًا.
وسئل محمد بن سلمة عن رجل يقرأ القرآن وكلما انتهى إلى قوله: يا أيها الذين آمنوا رفع رأسه ويقول لبيك سيدي، أرأيت إن قال ذلك في صلاته، هل تفسد الصلاة؟ قال: لو لم يفعل هذا واقتصر على ما فعله العلماء كان أحسن، ولا يفسد ذلك صلاته.
وسئل أبو نصر عن رجل فاتته صلاة العصر ثم أقام أيامًا ثم فاتته أيضًا صلاة العصر فبدأ بقضاء ما فاته ثانيا، قال: لا يجوز حتى يقضي الأولى، قال الفقيه أبو الليث: إن كان السؤال هكذا لا يستقيم هذا الجواب على قول أصحابنا لأن من فاتته صلاة فمضى على ذلك أياما سقط عنه الترتيب، هكذا ذكر أبو يوسف في الأمالي، قال: لو أن رجلًا نسي صلاة فذكرها بعد شهر فصلى بعد ذلك خمس صلوات أجزأه تلك الصلاة، ولا يشبه هذا الذي كان في الوقت، وكذلك ذكر الطحاوي عن أصحابنا أن رجلًا لو نسي صلاة فذكرها بعد أيام فصلى صلاة وهو ذاكرها أجزأته وبه نأخذ. وسئل أبو نصر عن رجل عريان ومعه ميت ومعه ثوب واحد فحضرت الصلاة، قال: قال أبو عبد الله الثلجي: الحي أحوج إلى الثوب يواري الميت في التراب ويلبس الحي الثوب، وكذلك لو كان جنبًا ومعه صاع من ماء ومعه ميت يغتسل الجنب ويؤمم الميت، قال الفقيه أبو الليث هذا الجواب يصح إذا كان ملك الثوب للحي فله أن يلبسه ولا يكفن به
الجزء 1 · صفحة 48
الميت، وأما إذا كان ملك الثوب للميت فلا يسع للحي أن يلبسه ولكنه يكفن الميت لأن الكفن أولى من الميراث، وكذلك الماء إذا كان الملك للميت لا يجوز إلا أن يغسل الميت، وأما إذا كان الماء للحي أو كان مباحًا فالحي أولى به.
وقال أبو نصر: روى الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف أنه قال في رجل صلى إلى غير القبلة متعمدا فوافق ذلك الكعبة، قال أبو حنيفة هو كافر، وقال أبو يوسف جازت صلاته قال الفقيه أبو الليث: القول ما قال أبو حنيفة إن كان فعله ذلك على وجه الاعتقاد. وقال أبو نصر: سئل محمد بن سلمة عن رجل كفن ميتا ثم وجد الكفن مع رجل، قال: له أن يأخذه فهو أحق به ولبسه الميت ليس بتمليك منه، وإن وهب للورثة وهم كفنوه فالورثة أحق به. وسئل نصير بن يحيى عن المرأة إذا ماتت وليس لها محرم من يلي دفنها؟ قال: يلي دفنها أهل الصلاح من جيرانها، ولا تدخل أحد من النساء القبر.
ولو أن غلامًا احتلم في بعض الليل فلم يستيقظ حتى طلع الفجر، قال بعضهم: ليس عليه قضاء العشاء، وقال بعضهم: عليه القضاء، وبه نأخذ، وإن استيقظ قبل طلوع الفجر فعليه القضاء في قولهم جميعًا، وروى محمد بن الحسن أنه أول ما سأل أبا حنيفة سأله عن هذه المسألة، قال محمد: أول من علمني توقير العلماء أبو يوسف، وذلك أني دنوت من المجلس فقمت إليهم وقلت: أيكم أبو حنيفة؟ فوضع أبو يوسف أصبعه على فمه وأشار إلي أن أجلس فجلست ثم أشار إلى أبي حنيفة فقال: هو ذا، وكان محمد بن الحسن احتلم من ليلته، فقال: يا أبا حنيفة، ما تقول في غلام احتلم بالليل بعدما صلى العشاء، هل عليه أن يعيد شيئًا من الصلوات؟ قال: عليه أن يعيد صلاة العشاء، فقام محمد وأخذ نعله وصار إلى زاوية من المسجد وأعاد الصلاة.
وروى عن شداد بن حكيم أنه رأى بعض إخوانه في المنام، فقال له: أي شيء وجدته أنفع من الأعمال؟ قال: النظر في المصحف فكان شداد يفرغ نفسه بعد ذلك يوم الاثنين والخميس فينكب للنظر في المصحف. وسئل أبو القاسم عن امرأة تتعلم القرآن من الأعمى، هل لها ذلك؟ قال: إن تعلمت من امرأة فهو أحب لأن نغمة المرأة عورة، والدليل على ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء.
وسئل أبو بكر عن رجل يصلي التطوع قاعدًا وأراد أن يركع قام وركع، قال: الأفضل أن يقوم ويقرأ شيئًا ثم يركع حتى يكون موافقًا للسنة، ولو استوى قائما ثم ركع أجزأه، ولا ينبغي أن يقوم فيركع قبل أن يستتم قائما لأن ذلك لا يكون ركوع قائم ولا ركوع قاعد.
الجزء 1 · صفحة 49
وسئل محمد بن المقاتل عن رجل يدعو وهو ساهي القلب، قال: لا يدع الدعاء وإن كان ساهي القلب، قال الفقيه أبو الليث: إن كان دعاؤه مع الرقة فهو أفضل، وإن لم يمكنه أن يدعو إلا وهو ساهي القلب فالدعاءأفضل من تركه، وكذلك إذا أراد أن يقرأ القرآن أو يصلي فخاف أن يدخل عليه الرياء فلا ينبغي أن يتركه. وسئل محمد بن مقاتل عمن يقرأ آية الرحمة مكان آية العذاب ونحوه، قال: لا تفسد صلاته؛ لأن هذا من المخطئ، كان سهوا.
وقال محمد بن مقاتل: إذا اعتكف الرجل فليس لغريمه أن يخرجه من المسجد لأنه يقال له: إنما لك أن تلزمه فألزمه ههنا، قال الفقيه: هذا قوله وأما عند أصحابنا فله أن يخرجه.
وقال محمد بن مقاتل: إذا قال الرجل في صلاته: اللهم ارزقني الحج، فإن صلاته لا تفسد، وإذا قال اللهم اقض ديني، فإنه يعيد الصلاة لأن هذا يشبه الكلام - يعني كلام الناس.
وسئل محمد بن مقاتل عن معنى قول النبي عليه السلام: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزد من الله إلا بعدا قال: يحتمل هذا عندنا أن يكون مستحلًا للفحشاء والمنكر فحبط عمله، وأما إذا لم يستحل ذلك فإن صلاته تنفعه لأن الصلاة أفضل الأعمال فير جو أن تنفعه، قال الفقيه أبو الليث: معناه عندي أن صلاته لو كانت خالصة لله تعالى لنهته عن الفحشاء لأن الله جل وعز قال: {إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}، فلما لم تمنعه ظهر أن صلاته لم تكن خالصة الله تعالى فلم تكن مقبولة. وسئل محمد بن مقاتل: إذا ضاق المسجد كيف يصلي الإمام؟ قال: لا باس بأن يقوم في المحراب ويصلي فيه، وإذا لم تكن زحمة فلا ينبغي أن يقوم فيه. وسئل ابن مقاتل عن رجل جلس على الغداء يوم الجمعة فسمع النداء، قال: إذا خاف أن تفوته الجمعة فليحضرها، وليست الجمعة كسائر الصلوات لأن الجمعة تفوته ولا يدركها وصار حكم الجمعة كسائر الصلوات إذا خاف ذهاب الوقت، فلو خاف في سائر الصلوات ذهاب الوقت فإنه يترك الطعام ويصلي، ولا يحل له إلا ذلك.
وسئل محمد بن مقاتل عن رجل في الصلاة دعاه أحد أبويه، قال: لا يجيبه ما لم يفرغ من صلاته إلا أن يستغيث لشيء ينزل به، وكذلك في الأجنبي إذا خشي أن يسقط من سطح أو أحرقته نار وما أشبه ذلك، فالواجب عليه أن يقطع الصلاة وإن كان في الفريضة، قال الفقيه أبو الليث: روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لو كان جريج الراهب فقيهًا لعلم أن إجابته أمه أفضل من اشتغاله بصلاته فمعناه عندنا أن أمه دعته لأمر استغاثت به فيه فوجب عليه أن يقطع صلاته ويجيب أمه، ولأن الكلام في أول الأمر كان مباحًا في الصلاة ثم نسخ. وسئل محمد بن مقاتل عن رجل يغضب على ابنه، هل يحل له ذلك؟
الجزء 1 · صفحة 50
قال: لا بأس به إذا حمل على بعض ولده وفعل به ما يتعدى به. وقال محمد بن مقاتل: إذا بلي المصحف فإنه يدفن، قال الفقيه أبو الليث: إذا خاف أن يضيع وصار بحال لا يقرأ فيه فله أن يجعله في خرقة طاهرة ويدفن لأن المسلم يدفن إذا مات، وكذلك المصحف إذا بلي فدفنه أفضل من وضعه في موضع يخاف أن يقع في نجاسة ونحو ذلك.
وسئل عن الصدقة أنها أفضل أم العتق قال: الصدقة أفضل إذا كان أعتق قبل ذلك، فإن لم يكن أعتق قبل ذلك فالعتق أفضل، قال الفقيه أبو الليث:: عندي الصدقة أفضل من العتق في الأحوال كلها وأفضل من حج التطوع، وإنما كان العتق أفضل في الزمن الأول لأن عبيدهم كانوا كالأسارى، وأما في يومنا هذا فكثير من المماليك لا يريدون العتق.
وقال محمد بن مقاتل: إذا تعلق بثياب الرجل بعض ما يلقى في المسجد من البردي ونحوه فأخرجه من المسجد، فليس عليه أن يرده إلى المسجد إذا لم يتعمّد.
وسئل محمد بن مقاتل عن الرجل يمر في المسجد يتخذه طريقًا، أيصلي في كل مرة؟ قال: روي عن عطاء أنه قال: يصلي في كل يوم مرة واحدة، قال الفقيه: معنى هذا أنه اتخذه طريقًا للعذر، وأما إذا لم يكن له عذر فلا يجوز له أن يتخذه طريقاً.
وسئل الحسن البصري عن رجل افتتح الصلاة يريد بها وجه الله تعالى ثم يدخل في قلبه بعد الافتتاح الرياء، قال: الصلاة على ما أسسها أولا.
وسئل الحسن البصري عن الخضخضة، أيؤجر صاحبها؟ قال: أما يرضى أن ينجوا رأسًا برأس، وروي عن أبي حنيفة مثله قال نصير: إن كان يخاف على نفسه أن يقع في الحرام رجوت أن يؤجر، قال الفقيه أبو الليث: لا أقول هذا، وأقول ما قال الله تعالى: {الذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم}، ومع ذلك قد جاء الأثر في النهي عن ذلك.
وسئل أبو يوسف عن رجل مضغ العلك في صلاته، قال: صلاته فاسدة، وكذلك لو كان في فمه إهليلج فلاكه فسدت صلاته، وإن نظر إلى كتاب فعلم ما فيه يقرأ في نفسه ولم يتكلم بقراءته، فصلاته تامة. وسئل أبو بكر عن قوم ضاق مسجدهم فبنوا مسجدًا آخر، قال: يبيعون المسجد الأول ويستعينون بقيمته على المسجد الثاني، قال الفقيه أبو الليث: على قول أبي يوسف لا يجوز بيع المسجد بوجه من الوجوه، وفي قول محمد إن استغني عن المسجد صار ملكه للذي اتخذ المسجد، وهذا الجواب ربما يخرج على قول محمد، ولا يصح على قول أبي يوسف.
الجزء 1 · صفحة 51
وقال نصير: سألت الحسن بن زياد عن رجل فاته بعض التكبير على الجنازة، قال: يقضي متتابعا بلا دعاء ما دامت الجنازة على الأرض، فإذا رفعت من الأرض قطعها، وهو قول أصحابنا.
وقال نصير بن يحيى: سألت الحسن بن زياد عن نصراني قال: قبلت الإسلام، متى يصير مسلمًا؟ قال: إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله و قبلتُ الإسلام وتركت ديني، فهو مسلم، وروى خلف بن أيوب عن محمد بن الحسن أنه قال: إذا قال: آمنت بالله وبمحمد عليه السلام وبما جاء من عند الله تعالى وقبلت الإسلام و ترکت ديني صار مسلمًا.
وقال نصير: سألت الحسن بن زياد عن رجل خرج من المصر مسافرًا وبقرب المصر قرية، متى يقصر الصلاة؟ قال: إن كان بينهما مقدار طول سكة لا يصير مسافرًا ما لم يجاوز القرية، وإن كان أكثر من ذلك صار مسافرًا حين خرج من عمران المصر.
وسئل أبو نصر عن المقتدي في الوتر، أيؤمن إذا قنت الإمام أو يدعو معه؟ قال: إن شاء أمن وإن شاء قرأ، وكلاهما سواء.
وسئل أبو بكر عن رجل ابتلى بين الصلاة في الطريق وبين أرض إنسان قال: إن كانت الأرض غير مزروعة صلى فيها لأن صاحبها لو بلغه ذلك يسرّ بذلك أن ينال أجرًا بغير اكتساب، قال الفقيه: إن كانت الأرض ليهودي أو لنصراني فالأفضل أن لا يصلي فيها ويصلي على الطريق.
وسئل أبو بكر عن رجل يخرج مسافرًا من بلخ، فإذا بلغ جباخان، هل يجوز له أن يقصر الصلاة؟ قال: لا يقصر الصلاة لأنه متصل بالمصر، وكذلك إذا خرج إلى واسط، لأنه متصل بالعمران. وسئل أبو بكر عن رجل افتتح الصلاة في وقت مستحب ثم أفسدها ثم أنه يريد أن يقضيها بعد صلاة العصر قبل تغير الشمس، قال: لا يجزيه قيل أليس يقضي الصلاة الواجبة، فلم لا يجزيه بمنزلة قضاء الفائتة؟ قيل: لأنه افتتحها في هذه الحال فقد وجبت عليه، ومع ذلك يؤمر بقطعها وأن لا يتمها إلا في وقت مستحب. وسئل أبو بكر عن صلاة المرأة، قال: ينبغي أن ترفع يديها إلى منكبيها ولا تجافي في ركوعها وسجودها وتقعد على رجليها، وإن شاءت جعلت رجليها من جانب وتنضم.
وسئل أبو بكر عن الصلاة خلف المشبّهة، قال: لا يجوز.
وسئل عبد الله بن المبارك عن إمام صاحب بدعة، أيصلى خلفه؟ قال: يأخذ أذنه ويعركها عركًا شديدًا ثم يقيمه في مؤخر المسجد ولا يخرجه من المسجد؛ لأنه يريد أن يصلي، روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: كانوا إذا احتاجوا إلى إمام يقولون له: اذهب فتعلم ثم تعال فأمّ لنا، وقال الحسن البصري: لا تصلوا
الجزء 1 · صفحة 52
خلف من لم يختلف إلى العلماء، وقال إبراهيم النخعي فيمن أم قومًا بغير علم فهو كالذي يكيل الماء في البحر لا يدري ما زيادته ونقصانه.
قال الفقيه: سمعت الفقيه أبا جعفر قال: روي عن أبي يوسف أنه كره الصلاة خلف الجهمية والرافضة
والمبتدعة.
وسئل أبو بكر عن رجل دخل المسجد والمؤذن يقيم قال: ينبغي أن يقعد ولا يمكث قائمًا. وسئل محمد بن مقاتل عن الصلاة خلف من يكون معروفًا بأكل الربا، قال: لا ولا كرامة.
وسئل أبو بكر عن رجل له مسجد في محلته فحضر مسجد الجامع لكثرة جماعته، قال: الصلاة في مسجده أفضل من حضور مسجد الجامع قل أهل مسجده أو كثر.
قال محمد بن الحسن: كان أبو حنيفة يقف في الأطفال يعني أطفال المشركين، وقال: لا أدري أهم في الجنة أم في النار، وقال محمد: لا أدري ما أقول فيهم غير أني أعلم أن الله تعالى لا يعذب أحدًا بغير ذنب. وسئل محمد بن المقاتل عن النظر في العلم أفضل أم الصلاة؟ قال: إن أمكنه أن يصلي بالليل وينظر في العلم بالنهار فعل، وإن لم يمكنه أن ينظر فيه بالنهار وكان له ذهن يفهم ويعرف الزيادة في نفسه فلينظر في العلم، فقد جاء في الأثر أن مذاكرة العلم ساعة خير من إحياء ليلة.
وسئل محمد بن مقاتل عمن يقرأ القرآن كله في يوم والآخر يقرأ قل هو الله أحد خمسة آلاف مرة، قال: إن كان قارئًا فقراءة القرآن كله أفضل.
وسئل محمد بن المقاتل عن القابلة إذا اشتغلت بالصلاة تخاف أن يموت الولد، قال: لا باس بأن تؤخّر الصلاة وتقبل على الولادة، فقد جاء في الأثر أن النبي عليه أخر الصلاة عن وقتها يوم الأحزاب. وسئل محمد بن مقاتل عمن يقنت في الوتر، قال: ينبغي أن يرسل يديه، وهو قول أصحابنا، وكذلك روى عن الحسن البصري أنه قال: يرفع ثم يرسلها.
وقال محمد بن مقاتل: لو أن مريضًا صلى جالسًا فلما رفع رأسه من السجدة الأخيرة ظن أنها الثالثة فقرأ وركع وسجد سجدة بالإيماء، قال: فسدت صلاته في قول أصحابنا، ولو لم يكن في الرابعة ولكنه ظن أنه في الثانية وأخذ في القراءة ثم ظهر أنه قد صلى الثانية، فإنه لا يعود إلى التشهد ولكنه يمضي في قراءته ويسجد سجدتين في آخره، وهذه بعينها رويت عن أبي يوسف.
وسئل محمد بن مقاتل عن الصلاة على الثلج، قال: إن لبده ثم صلى عليه جاز، وإذا لم يلبده ولكنه سجد على ثلج كثير قد سقط بالأرض فكان يغيب وجهه فيه ولا يجد حجمه لم يجز، وهو كالساجد في الهواء،
الجزء 1 · صفحة 53
وكذلك إذا ألقي في المسجد بَرْدِي كثير مرتفع عن الأرض غير أنه يجد حجمه إذا سجد عليه جاز ذلك، وإن لم يجد لا يجوز.
وسئل محمد بن مقاتل عن رجل كان في موضع طين وردغة، قال: إن كانت الأرض ندية مبتلة ولم يكن طيناً يغيب وجهه صلى هناك، وإن كان في موضع طين وردغة لا ينبغي أن يلطّخ وجهه وثيابه بالطين ولكنه يذهب إلى موضع آخر يصلّي فيه، فإن كان في السفر ولا يجد موضعا فإنه يصلي قائما متوجهًا إلى القبلة يومئ إيماء، وإن كان راكبًا صلى على حاله راكبا وليس عليه أن ينزل فيصلي على الطين ولكنه يستقبل القبلة راكبًا ويصلي بالإيماء، قال: وهذا كله قول أصحابنا، وروي عن كثير بن زياد عن عمرو بن عثمان عن يعلى بن أمية أنه قال: كنا مع النبي عليه السلام في سفر والبلة أسفلنا والسماء فوقنا، فأمر بلالا فأذن وأقام فتقدم على راحلته، وصلينا خلفه على رواحلنا نومئ إيماء السجود أخفض من الركوع، وروي عن أبي سعيد الخدري قال: رأيت النبي عليه السلام سجد في ماء وطين، فهذا عندنا إذا كان السجود ممكناً عليه على نحو ما وصفناه. وسئل محمد بن مقاتل عمن لا يحسن الدعاء في الوتر بالعربية، قال: يتعلم هذا الحرف اللهم اغفر لنا، قال الفقيه أبو الليث: ينبغي أن يكرر هذا الحرف ثلاث مرات أو أكثر.
وقال محمد بن مقاتل: إذا دخل الرجل في الصلاة وفي كمه فروجة حية، فلما فرغ من صلاته رآها ميتة ولم يسبق إلى قلبه أنها ماتت وهو في الصلاة فإنه لا يعيد، وإن سبق إلى قلبه أنها ماتت وهو في الصلاة فإنه يعيد، وإن لم يدر أنها ماتت في الصلاة أو بعدها فليس عليه شيء حتى يستيقن.
وقال محمد بن مقاتل: إذا دخل الرجل في الصلاة والإمام جالس في التشهد فإنه يقوم إذا قام الإمام وليس عليه أن يتشهد إلا أن يكون بقي عليه حرف أو نحوه، وكذلك إذا سلم الإمام في آخر الصلاة وقد بقي على الرجل بعض التشهد فإنه يسلم وليس عليه أن يتم التشهد، قال الفقيه أبو الليث: عندي الأفضل أن يتم التشهد وإن لم يفعل أجزأه. وروي عن أبي حنيفة أنه كان يستحب للقوم أن يتوجهوا إلى الإمام عند الخطبة قال: وروي عن الزهري وعطاء أنهما قالا: ثلاث من السنة استقبالك بالبيت إلى القبلة واستقبال بالذبيحة إلى القبلة واستقبال الإمام يوم الجمعة يعني عند الخطبة.
وقال محمد بن مقاتل في رجل صلى بالناس شهرًا ثم قال: كنت مجوسياً، قال: صلاتهم جائزة ويُضرب هذا ضربًا شديدًا ويجبر على الإسلام. وقال محمد بن مقاتل: لا ينبغي أن يدفن الميت في الدار وإن كان صبيًا صغيرًا، قال: وإذا عطست المرأة فلا بأس أن يشمتها إلا أن تكون شابة.
وسئل محمد بن مقاتل عن رجل قام في الصلاة فيُرقَ منه شيء قيمته درهم، هل له أن يقطع الصلاة؟ قال
الجزء 1 · صفحة 54
له أن يقطعها والفريضة والسنة سواء.
وسئل أبو القاسم عن رفع اليدين في صلاة الجنازة، قال: أنا أفعل ذلك وأقيس ثانيه بأوله لأنه ركن كله، وروي عن أبي نصر أنه كان لا يرفع، وكان محمد بن سلمة لا يرفع، ومحمد بن الأزهر كان لا يرفع، وعبد الله بن المبارك يرفع، وعصام بن يوسف مثله، وسئل نصير بن يحيى عن رفع اليدين، قال: أرفع وربما لا أرفع، وقال محمد بن مقاتل مثله.
وسئل أبو القاسم عن المصلي إذا نظر إلى فرج امرأة بشهوة فسدت صلاته، قال الفقيه أبو الليث: وقد روينا عن نصير بن يحيى أنه قال: لا تفسد صلاته، وذلك القول هو القياس.
وسئل أبو القاسم عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت قال: لا يفعل لأن هذا ليس موضعه، قال الفقيه أبو الليث: أفضل القنوت عندي أن يكون فيه الصلاة على النبي عليه السلام؛ لأن القنوت هو الدعاء وكل دعاء يستحب أن يكون فيه الصلاة على النبي عليه السلام.
وسئل عمن ترك فريضة من فرائض الله تعالى عمدًا، هل يكفر؟ قال: العمد على وجهين: إن تعمد على وجه الجحود يكفر، وإن لم يكن على وجه الجحود فهو ذنب ولا يكفر، وإن تركها استخفافًا بها فإنه يخاف عليه لأن من حسن إسلامه وعرف فرائض الله تعالى وثوابه لا يترك فريضة الله تعالى استخفافًا.
وسئل أبو القاسم عن رجل مات وعليه صلوات فائتة، كم يعطى الصلاة كل يوم؟ قال: كان عصام بن يوسف يأمر بأن يعطى لكل يوم نصف صاع من بر، قال أبو القاسم سمعت محمد بن سلمة يقول: إني لما رجعت من العراق لقيت محمد بن مقاتل فعرض علي أجوبة مسائل كتب إليه أهل بلخ وفيها هذه المسألة، وإذا فيها: أجاب لكل يوم وليلة نصف صاع فناظرتُه: وقلت: هذا بخلاف الصوم لأن الصوم معلق أوله بآخره والصلوات كل صلاة معلقة بنفسها، فمحا جوابه وكتب على الحاشية نصف صاع لكل صلاة، فلما قدمت بلخ قلت: لي عليكم منة أني رددت محمد بن مقاتل إلى قولي وعلامة ذلك أنه محا الجواب وكتب على الحاشية، قال أبو القاسم: وبما رويت عن محمد بن سلمة أقول وبحجته احتج.
وسئل أبو القاسم عن الصلاة خلف مشبهي أيجوز؟! أرأيت من صلى خلفه صيانة لنفسه وماله ثم يعيدها، هل يأثم في إعادة الفجر والعصر بعد ما صلاها؟ قال: إن صح توحيده جازت صلاته خلفه، وإن كان صاحب تشبيه فلا جواز لصلاتهم خلفه، والصلاة هي التي صلاها في بيته فإنه من أهل زيغ اتبع ما تشابه من القرآن وينبغي أنه يتبع ما أنزل الله فيعمل بمحكمه ويؤمن بمتشابهه كما قال الله تعالى: {فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة} وأثنى على الراسخين في العلم لاعتصامهم وتمسكهم بالإيمان به جملة. وسئل أبو
الجزء 1 · صفحة 55
بكر عن رجل أدرك الإمام في الركوع، أيشتغل بالثناء أو يسبح في الركوع؟ قال: يثني وهو راكع ولا يسبح وقاسه على تكبيرات الأعياد، قال الفقيه: وكان الفقيه أبو جعفر يترك الثناء ولا يثني في الركوع، وبه نأخذ، والثناء لا يشبه تكبيرات الأعياد لأن تكبيرات الأعياد أوجب من تسبيحات الركوع، ألا ترى أنه بترك تكبيرات العيد يجب عليه سجدتا السهو وبترك تسبيحات الركوع لا يجب عليه سجدتا السهو، فلهذا المعنى صارت التكبيرات في الركوع أولى من التسبيحات، وأما الثناء فحاله أقل من تسبيحات الركوع لأن من الناس من لا يرى الثناء، وهو قول مالك بن أنس، وليس أحد لا يرى تسبيحات الركوع، فكأنهم قالوا بأنه يسبح، وبتركه تفسد الصلاة عند بعض الناس وهو قول أبي مطيع، فإذا كانت التسبيحات أكد شأناً من الثناء فالاشتغال به أولى إذا ركع.
وقال أبو بكر: لو أن إمامًا خطب يوم الجمعة وفرغ منها ففرغ الناس كلهم وذهبوا ثم جاء قوم آخرون لم يشهدوا الخطبة فصلى بهم الجمعة أجزاه؛ لأنّه خطب والقوم حضور وصلى والقوم حضور. وقال أبو بكر: إذا أراد الرجل أن يكبر لافتتاح الصلاة فلا يجب عليه أن يفرج بين أصابعه إذا رفع يديه، ثم قال: سمعت محمد بن سلمة يقول: روي في الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا كبّر نشر أصابعه، قال بعض أصحاب الحديث: أراد بهذا تفريج الأصابع وتفريقها، قلنا: لا بل أراد بذلك البسطة لا التفريج والتفريق لأنه يقال نشر الثوب أي بسطه، قال: وكذلك في التشهد لا يفرج بين أصابعه وإنما يفرج في الركوع فقط.
وقال أبو بكر: إذا كبر للافتتاح يرفع يديه ثم يرسلهما ثم يضع اليمين على الشمال، وفي القنوت يضع كما يضع يديه في الصلاة، وكذلك في صلاة الجنازة، وسئل محمد بن مقاتل: فقال في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد يرفع يديه في القنوت ثم يرسلهما، وهكذا روى عن الحسن البصري.
وقال أبو بكر: الإشارة بالسبابة عند قوله أشهد أن لا إله إلا الله حسن، ولا يشير في صلاته في موضع منها إلا في هذا الموضع خاصة، وروي عن النبي عليه السلام أنه رأى رجلًا يشير بأصبعين، فقال له: أحد أحد.
وقال أبو القاسم: الأذان هو قوله: حي على الفلاح حي على الصلاة فقط، وسائره توحيد وثناء الله تعالى، وقال أبو بكر: من أوله إلى آخره كله، آذان، قال الفقيه أبو الليث: قول أبي بكر أحبُّ إلي. وقال أبو بكر: الدعاء عند خاتمة القرآن بدعة إلا أنه لا بأس به، قال وكان أبو بكر الوراق إذا فرغ من مجلسه' لم يدعُ والناس يتفرقون فوجاً فوجاً.
الجزء 1 · صفحة 56
وسئل أبو بكر عن رجل كان في المفازة فاشتبهت عليه القبلة فأخبره رجلان أن القبلة إلى هذا الجانب ووقع اجتهاده إلى موضع؛ آخر، قال: إن وقع في قلبه أنهما يعلمان بذلك لا يجوز له إلا أن يأخذ بقولها و إن وقع في قلبه أنها غير خبيرين بذلك جاز له أن لا يلتفت إلى قولها، قال الفقيه أبو الليث: يعني إذا كان الرجلان لم يكونا من أهل ذلك الموضع وهما مسافران مثله إلا أنهما يقولان بالرأي والاجتهاد أن القبلة ههنا بغير علامة فله أن لا يلتفت إلى قولهما إن كان اجتهاده خلاف ذلك، وإن كان الرجلان من أهل ذلك الموضع لا يجوز له إلا أن يأخذ بقولها.
وسئل عن رجل صلى على التبن أو على القطن المحلوج وسجد عليه، قال أبو بكر: يجزيه إذا استقرت جبهته وأنفه على ذلك، ولو لم تستقر لم يجزه.
وسئل أبو بكر عن رجل قرأ: {ويفعلون ما يؤمرون}، قال: يجب عليه السجدة لأنها هي المقصودة وفيها الأمر، إلا أنه لو قرأ أول آية السجدة لا يجب عليه شيء ما لم يقرأ آخرها. وقال أبو بكر: الإمام بالخيار يعني في القراءة في الصلاة إن شاء قرأ آخر السورة، وإن شاء قرأ سورة بتمامها، فقيل له: أيها أفضل؟ قال: الأخبار التي رويت في قوله: يقرأ فاتحة الكتاب وسورة معها أكثر، ولكنه ينظر إن كان الذي قرأ من آخر السورة أكثر من السورة التي أراد أن يقرأها فإن ذلك أفضل، وإن كانت السورة أكثر فقراءة السورة أفضل.
وسئل أبو بكر عن رجل شد إزاره بيديه جميعًا أو عمل بيد واحدة عمل يدين، هل تفسد صلاته؟ قال: لا يعتبر استعمال اليدين وإنما يعتبر قلة العمل وكثرته، ألا ترى أن الرجل يخطو خطوة برجليه لا تفسد' بذلك صلاته، فإذا كان العمل يسيرًا لا تفسد صلاته وإن عمل باليدين.
وروى أبو نصر عن محمد بن سلمة أنه سئل عن المريض إذا أنَّ في صلاته، قال: لا تفسد صلاته لأن هذا يبتلى به المريض إذا اشتد عليه المرض فلا يمتنع من ذلك، قال الفقيه: هذا قول أبي يوسف خاصة؟، وبه نأخذ. وسئل أبو نصر عن رجل صلى على أحد من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الانفراد وقال: اللهم صل على فلان قال: أكره هذا على الانفراد، قيل له: جاز أن يذكر ذلك على أثر الصلاة على النبي عليه السلام ولما جاز ذلك فلِمَ لا يجوز على الانفراد؟ قال: لأنه إذا ذكر على أثر الصلاة على النبي عليه السلام. كان فيه تعظيمًا للنبي عليه السلام أن يذكر على أثره آله، قال: وروي عن ابن عباس أنه قال: لا يصلي على أحد بعد النبي عليه السلام على الانفراد.
وسئل أبو نصر عن الذي يختم القرآن في الصلاة، إذا فرغ من المعوذتين، قال: يركع ثم يقوم في الركعة
الجزء 1 · صفحة 57
الثانية ويقرأ فاتحة الكتاب وشيئًا من سورة البقرة لأن النبي عليه السلام قال: خير الناس الحال المرتحل - يعني الخاتم المفتتح فإذا ختم القرآن فقد حل، وإذا قرأ شيئًا من سورة البقرة فقد ارتحل، قيل: فإنقرأ فاتحة الكتاب ولم يقرأ شيئًا من سورة البقرة؟ قال: الفاتحة إنما هي الافتتاح فينبغي أن يقرأ شيئًا آخر.
وسئل أبو نصر عن امرأة مات ولدها وهو غائب عنها ودفن هناك والأم لا تصبر عنه، هل يجوز أن ينبش القبر ويحمل إلى موضع تكون هي أقرب منه؟ قال: لا ينبش الميت بعد دفنه وينبغي للأم أن تصبر على مصيبتها وتذكر ميتها بالدعاء ويقر ميتها حيث دفن وقال: مات عبد الرحمن بن أبي بكر فحمل إلى مكة ودفن هناك فخرجت عائشة معتمرة وانتهت إلى قبره وقالت: لو شهدتك ما زرتك ودفنتك حيث مت، ثم أنشأت تقول:
وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَدِيمَةَ حِقْبَةٌ * مِن الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا
فَلَمَا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا *** لِطُولِ اجْتِمَاعِ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةٌ مَعَا
وسئل أبو نصر عن إمام يكبر على الجنازة خمس تكبيرات، أيتبعه المقتدي بالخامسة أم يكف إذا كبر الخامسة؟ قال: روى عن أبي حنيفة روايتان أحدهما أنه يكف إذا كبر الخامسة فإذا سلّم سلّم معه، ورواية أخرى أنه يسلم ولا ينتظر الإمام، قال: والذي روى أنه يكف حتى يسلم أحب إلي، قال الفقيه وبه نأخذ.
وروي عن سفيان الثوري أنه قال: التسبيح في الركعتين الأخرتين في المكتوبة أحب إلي من القراءة، وقال أصحابنا: إن شاء قرأ وإن شاء سبح وإن شاء سكت قال الفقيه أبو الليث: وقرائة فاتحة الكتاب أحب إلي من السكوت والتسبيح. وسئل أبو بكر عن قوم صلوا التراويح ثم أرادوا أن يصلوا بعد ذلك أيصلو فرادى أم جماعة؟ قال: صلاة التطوع فرادى أفضل من الجماعة، ولو كانت الجماعة أفضل الفعل أصحاب محمد عليه السلام.
وسئل أبو بكر عن إمام يصلي التراويح في مسجدين في كل مسجد على الكمال، قال: لا يجوز، ثم قال سمعت أبا نصر يقول: يجوز لأهل كلا المسجدين وشبهه بمؤذن يؤذن في مسجد ويصلي معهم ثم يأتي مسجدًا آخر ويؤذن ويصلي معهم فلا يكره، وإنما يكره إذا أذن وأقام ولا يصلي معهم، فأما إذا صلى معهم فلا يكره، وكذلك في التراويح، وإنما يكره ذلك في مسجد واحد كما أن الأذان والإقامة يكره في مسجد واحد مرتين، قال الفقيه: قول أبي بكر أحبّ إلي، وإن كان هذا غير الإمام فاستقبلته جماعة في مسجد آخر فلا بأس بأن يدخل معهم كما أنه لو صلى المكتوبة ثم أدرك جماعة جاز له أن يصلي مع القوم، فكذلك في التراويح. وسئل أبو القاسم عن الصلاة بين التراويح أتكره للإمام و غيره؟ قال: لا أكره، قال: وقد
الجزء 1 · صفحة 58
اختلف الناس فيه، وكان محمد بن سلمة يقول: إنما كره هذا لأنه من أعمال العلانية، وإنما يفسد العمل بالنية وكان لا يكره ذلك، وروي عن هشام قال: سألت محمد بن الحسن عن القيام في شهر رمضان، في المسجد أحب إليك أم في البيت؟ قال: إن كان هذا الرجل ممن يقتدى به فصلاته في المسجد أحب إلي، وقال أبو سليمان: كان محمد بن الحسن يصلي مع الناس التراويح ويوتر ثم يرجع، وهكذا كان يفعل أبو مطيع وخلف وشداد وإبراهيم بن يوسف.
وسئل إبراهيم بن يوسف عمن يصلي بين التراويح قال حسن جميل، وروى أيضًا عن خلف بن أيوب وشداد أنهما كانا لا يكرهان الصلاة بين التراويح.
وسئل أبو مطيع عن مقدار القراءة في التراويح، قال: عشرون آية أو ثلاثون - يعني في كل تسليمة، ثم سئل عن ذلك فقال: يقرأ عشر آيات، فقيل له قد قلت مرة كذا و مرة كذا، قال: من لم يكن عارفًا بأهل زمانه فهو جاهل.
وروى بن سماعة عن محمد بن الحسن في شعر الإنسان إذا كان مع الإنسانأكثر من قدر الدرهم فصلاته جائزة، وكذا إذا وقع في الماء لا ينجسه، وقال أبو القاسم: هو عندي كذلك.
وقال أبو القاسم: سألت محمد بن سلمة عن مسجد لا يكون مؤذنه حاضرا، فأذهب إلى مسجد آخر قال: لا ولكن أذن فيه وأقم وصل وإن كنت وحدك.
وقال خلف بن أيوب: المؤذن إذا لم يكن بصيرًا بالمواقيت ليس له أجر المؤذنين.
وروى ابن سماعة عن محمد في إمام صلى بالناس صلاة العيد ثم علم أنه على غير وضوء فإنه يعيد الصلاة، وإن علم بعد الزوال خرج من الغد، وإن كان ذلك يوم النحر وعلم بذلك بعد الزوال وقد ذبح الناس فإنه يجزي من ذبح ويخرج من الغد، وإن علموا ذلك من الغد بعد الزوال خرج من اليوم الثالث، وأما في الفطر إذا علم بذلك في اليوم الثاني بعد الزوال لا يخرج بعد ذلك.
ولو أنّ رجلاً صلّى ولم ينو أن يؤم النساء فجاءت امرأة فقامت خلفه واقتدت به، قال أبو نصر: يصح اقتداؤها ولا يحتاج إلى نية الإمامة، ولو أنها قامت بجنبه لا يجوز اقتداؤها بغير نية الإمام، وكان أبو القاسم يقول يحتاج في ذلك إلى نية الإمام، وذكر عن أبي نصر رواية أخرى مثل قول أبي القاسم. روى نصير عن شداد قال: إذا نام الرجل في صلاته فضحك فَقَهْقَة لا ينتقض وضوؤه، ولو هجر هجرة في صلاته بعد ما غلبه النوم أو هذى لا تفسد صلاته، ولو أكره حتى شرب الخمر وسكر وطلقامرأته أو شرب شيئًا من الأدوية أو البنج أو الخشخاش فذهب عقله ثم طلق امرأته لا يقع الطلاق وهو بمنزلة المغمى عليه
الجزء 1 · صفحة 59
قال الفقيه أبو الليث: وهذا كله موافق لقول أصحابنا، وبه نأخذ إلا أنه إذا هذى أو هجر في صلاته فسدت صلاته.
وقال أبو القاسم: المحدث إذا خرج من الجماعة ليتوضأ فإذا توضأ مرة مرة سابغة فلا يزيد على ذلك، فإن زاد فسدت صلاته؛ لأنّ الزيادة فضل فالفرض أولى بإتمامها من الفضل، قال: وإن وجد مكانا بنى على صلاته إن كان الإمام فرغ من صلاته وليس له أن يرجع إلى مكانه، قال الفقيه وهذا القول لأبي القاسم خاصة وفي قول علمائنا له أن يرجع إلى مكانه وله أن يتوضأ ثلاثا ثلاثا، وبه نأخذ.
وسئل أبو نصر عن المصلي بسط كمه و يسجد عليه قال: لا بأس به، وقال أبو القاسم: لو بسطه لنفي التراب عن وجهه أكره له ذلك، وإن بسط شيئًا لأن لا يصيب التراب ثيابه وسجد على الأرض فلا بأس به، وقال: وهذا أحب إلي.
وقال أبو القاسم: لو أن المصلي ابتلع سمسمة كانت بين أسنانه لا يقطع صلاته، وإن أخذ من خارج وابتلعها فسدت صلاته ..
وروي عن أبي يوسف أنه قال: المصلي إذا صبّ الدهن على رأسه بيد واحدة لا تقطع صلاته، وإن أخذ وعاء الدهن و أدهن به رأسه فسدت صلاته. وروي عن محمد بن الحسن أنه سئل عن غرس الأشجار في المسجد، قال: لولا أنّه يكون تشبيهاً بالبيعة لرأيت ذلك حسناً.
ولو أنّ مصلّياّ نظر إلى شيء مكتوب، قال محمد: إن نظر إليه مستفهماً وفهم ما فيه فسدت صلاته، وقال أبو يوسف: إن نظر مستفها أو غير مستفهم لا تفسد صلاته، قال الفقيه وبقول محمد نأخذ.
قال أبو بكر: لو أن عبدًا قلد عمل ناحية فصلى بالمسلمين جازت صلاتهم خلفه، ولو أنه استقضي فقضى بين الخصوم فقضاؤه باطل، وإنما يجوز قضاء من جازت شهادته، ألا ترى أن محدودًا في قذف لو صلى بالناس جازت صلاته، ولو أنه قضى بين الناس أو شهد لا تجوز شهادته ولا قضاؤه.
وسئل عن رجل ركع ولم يرفع رأسه من الركوع ولكنه خر ساجدا، قال ابو بكر: في قول ابي حنيفة ومحمد جازت صلاته، وفي قول أبي يوسف لا تجوز صلاته.
وسئل بعضهم عن شعر المرأة قال: ما تحت أذنها ليس بعورة، وتجوز الصلاة معه إذا كان ما تحت الأذنين من الشعر مكشوفًا، واحتج بما روي عن ابن عباس أنه رخص للمحرمة أن تأخذ من شعرها ما تحت الأذنين، قال الفقيه: وإني لا أقول بهذا القول، و أقول: إن شعرها كله عورة ولا تجوز الصلاة إذا انكشف ذلك والخبر عن ابن عباس غير مشهور، فلا يجوز للمحرم أن يقطع شيئًا من شعره ما لم يكن وقت الحلق.
الجزء 1 · صفحة 60
وسئل أبو نصر عن المقتدي إذا كان بينه وبين الإمام طريق كم مقدار الطريق الذي لا يجوز الاقتداء، قال: أضيق ما يكون من الطريق أن تمر فيه العجلة أو تمر فيه الأوقار والحمل - يعني إذا كان أقل من ذلك يجوز. وسئل أبو بكر عن رجل قام في الصلاة فآذته الشمس بحرها فتحول عن ذلك المكان إلى الظل فمشى خطوتين أو ثلاثا، قال: لا يضره، فإن كان في أيام الشتاء وكان في الظل فتحول إلى الشمس؟ قال: أكره له ذلك لأن الظل لا يؤذيه وإنما يريد به الراحة.
وسئل أبو بكر عن التفرقع في المسجد في غير الصلاة، قال: يكره، قيل: أتكره للمصلي أن يغمض عينيه؟ قال: نعم، قيل: أتكره للذي يغتسل من الجنابة أن يغمض عينيه؟ قال: لا.
وسئل أبو بكر عن رجل صلى خلف فاسق أو مبتدع، أيكون له فضل الجماعة؟ قال: نعم ولكن لا يكون في الفضل كما يصلي خلف تقي ورع، وروي في الخبر أن من صلى خلف عالم تقي فكأنما صلى خلف نبي من الأنبياء.
وسئل أبو القاسم عن رجل أعجمي لا يحسن العربية وقد تعلم في صغره آمنت بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله ويعلم أن هذا هو الإيمان إلا أنه إذا سُئل عن تفسيره لا يحسن تفسيره، أمؤ من هو؟ قال: هذا حافظ كلاما ما يدري ما هو ولا يدري ما الإيمان، قال أبو الليث: إذا كان الرجل لا يحسن العربية وهو بحال لو سئل بالفارسية: أتعرف أن الله واحد وتعرف أن الأنبياء رسل الله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور؟ فيقول: كنت عرفت أن الأمر هكذا كان مؤمنا وإن كان لا يحسن أن يعبر عنه ويصفه، وأما إذا سئل عن ذلك فقال: كنت لم أعلم بذلك، فإن هذا لا دين له ويعرض عليه الإسلام، فإن أسلم وكانت له امرأة يجدد بينهما نكاح.
وسئل عن رجل صلى في بيت رجل في مصلاه بغير علمه وإذنه، قال: لا بأس به، وذكر أن الحاكم الماضي كان له مسجد في بيته فصلى رجل فيه أربع ركعات بغير علمه ثم لقيه بعد ذلك فقال: إني صليت في بيتك أربع ركعات فاجعلني في حل، فعبس وجهه وقال: ما هذا الزهد البارد.
وسئل عن رجل ترك السنن، هل يسأل عن تركها؟ قال: نعم يسأل عن ترك كل سنة تركها، وإن فاتت عن وقتها لا يؤمر بالإعادة، قال الفقيه أبو الليث إن تركها لعذر فهو معذور، وإن تركها استخفافا فهو مغرور.
وسئل عن التراويح قبل الفريضة، قال أبو بكر: لا يجوز، قال الفقيه أبو الليث: وبه نأخذ. وسئل أبو بكر عن السواد الأعظم قال: الجماعة قيل الجماعة؟ قال: روي عن خلف بن أيوب أنه قال: هو أبو حنيفة وأبو
الجزء 1 · صفحة 61
يوسف ومحمد إذا اتفقوا على شيء. وسئل أبو بكر عن الإمام إذا أم في شهر رمضان أيجرد للفريضة قراءة على حدة أم يخلط قراءة الفريضة بقراءة التراويح، قال: يميل إلى ما هو أحب إلى القوم.
وسئل عن الإمام إذا فرغ من التشهد في التراويح، هل يزيد عليها أو يقتصر على مقدار التشهد؟ قال: إن علم أن ذلك لا يثقل على القوم فعل فإن ثقل على القوم لا يزيد عليه، وإذا كبر ينبغي أن يأتي بالثناء في كل تكبيرة فيها. وروى بشر بن غياث عن أبي يوسف، قال: لا يتخذ في المسجد بئر الماء وهو ضامن لما حفر، قال: وكذلك قال أبو حنيفة.
وسئل بعضهم عن الأعمى، هل يكون محرمًا للمرأة في السفر؟ قال: أرجو أن يكون لها محرمًا، قيل له: يجوز للمرأة أن تسافر مع ابن زوجها؟ قال: لا بأس به ولكن لا يرفعها ولا يضعها لأنه يخاف أن يقع في قلبه شيء. وسئل أبو القاسم عن صبي لم يختتن ولا يمكن أن يمد جلدة ذكره فتقطع إلا بتشديد عليه، وحشفته ظاهرة إذا رآها إنسان يراه كأنه قد اختتن كيف القول؟ قال: ينظر إليه أهل البصر من الحجامين، فإن قالوا: أنه على خلاف ما يمكن الاختتان فإنه لا يشدد عليه ويترك.
وسئل أبو القاسم عن رجل صلى بقوم في فلاة من الأرض، كم مقدار ما ينبغي أن يكون بين الإمام والقوم حتى تجوز صلاتهم؟ قال: إذا كان بين الإمام والقوم مقدار ما لم يمكن أن يصفّ فيه قوم جازت صلاتهم، قيل له: إن صلى القوم في المصلى يعني مصلى العيد؟ قال: هذا بمنزلة المسجد لأن ذلك الموضع جُعِلَ للصلاة يعني وإن كان بين الصفوف فصل جازت صلاتهم، وهكذا كان يقول الفقيه أبو جعفر.
وسئل أبو القاسم عن إمام صلى بقوم على الطريق واصطف الناس في الطريق على طول الطريق أتجوز صلاتهم؟ قال: إذا لم يكن بين الإمام و القوم مقدار ما تمر فيه الحمل فصلاتهم تامة، وكذلك فيما بين الصف الأول والثاني.
وسئل أبو القاسم عن رجلين أم أحدهما صاحبه في فلاة من الأرض فجاء ثالث فدخل في صلاتهما، فتقدم الإمام حتى جاوز موضع سجوده، قال: فسدت صلاتهم جميعًا لأنه ليس هناك موضع جعل للصلاة إلا مقدار ما جعله الرجل للصلاة، ومقدار ذلك موضع سجوده، قال الفقيه أبو الليث: عندي أنه لو تقدم مقدار ما يكون بين الصف الأول وبين الإمام لا تفسد صلاتهم وإن جاوز موضع سجوده.
قال أبو القاسم: إذا اجتمع تراب المسجد في موضع من المسجد لا يكون له حرمة المسجد، وإذا بسط فله حرمة المسجد، قال الفقيه أبو الليث: لأنه إذا بسط صار بمنزلة الأرض والبناء، وإذا كان موضوعًا فهو بمنزلة اللبن الموضوع. وسئل أبو القاسم عن رجل سبقه الحدث في الصلاة فذهب ليتوضأ فسبح في ذلك
الجزء 1 · صفحة 62
الوقت قبل أن يتوضأ، قال: صلاته تامة، قيل: فإن قرأ القرآن؟ قال: صلاته فاسدة، قال أبو الليث يعني إذا سبقه الحدث في حال القيام في موضع القراءة.
وسئل أبو القاسم عن رجل صلى في بساط وفي أحد طرفيه نجاسة فصلى على الجانب الآخر، قال: إن كان يتحرك الطرف الذي فيه النجاسة بتحركه فصلاته فاسدة لأنه مستعمل له، وإن كان لا يتحرك فصلاته تامة، قال الفقيه وكان الفقيه أبو جعفر رحمه الله يقول: صلاته جائزة في الوجهين جميعًا إذا كان صلاته على الموضع الطاهر، قال: وإنما يعتبر الحركة إذا كان لابسًا للثوب وأحد طرفيه نجس.
وروى محمد بن سلمة عن بشر بن الوليد عن أبي يوسف في رجل لبس ثوبًا وفي أحد طرفيه نجاسة فصلى والطرف الذي فيه النجاسة على الأرض، قال: إن كان النجس يتحرك بتحرك المصلى لا تجوز صلاته، وإن لم يتحرك تجوز، قال محمد بن سلمة كذلك اليمين على هذا في القياس، لو حلف لا يلبس من غزل فلانة وكان غزلها في أحد طرفي الثوب ولم يتحرك بتحرك اللابس لا يحنث في يمينه.
وسئل عن أكل الطين، قال: لا أعرف له كراهية إلا أن الأطباء يقولون أنه يورث الدود وصفرة الوجه، وأما من جهة الحل والحرمة فلا، قال الفقيه أبو الليث: وقد كره بعضهم، وقال: من أكل الطين فقد أعان على هلاك نفسه، فالاحتراز عنه أفضل.
وسئل محمد بن مقاتل الرازي عن رجل ابتدأ قراءة سورة براءة ولا يسمي قال: هو خطأ إلا أن يقرأها بعد سورة الأنفال فلا يفصل بينهما، وقال أبو القاسم الصحيح ما قال محمد بن مقاتل الرازي: أن رجلا لو أراد أن يبتدئ قراءة آية أو سورة من السور كان مأمورًا بأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويتبع ذلك بسم الله الرحمن الرحيم، فكذلك إذا كان يبتدئ قراءة سورة التوبة.
وسئل أبو القاسم عن الآذان يوم الجمعة على المنارة إذا أذن واحد بعد واحد، أيكونللثاني من الحرمة ما يكون للأول؟ قال: ليس له من الحرمة ما للأول، والآذان هو الأول.
وسئل أبو القاسم عن رجل نزل به ضيف و له ورد من صلاة التطوع، أيترك ورده؟ قال: كان نصير بن يحيى يقول: إن كان هذا الرجل كثير الضيافة فلا يترك ورده، وإن كان هذا يكون في الأحايين مرة فيترك ورده من قبل الضيف. وسئل أبو القاسم عن مريض مجروح تحته ثياب نجسة، أيصلي عليها؟ أرأيت أن لو كان مبطونا لا يبسط تحته شيء إلا تنجس من ساعته، هل عليهم أن يبسطوا له في كل صلاة ثوبًا؟ بين لنا، قال: له أن يصلي على حاله إن كان ينجس الثاني، وكذلك إذا لم ينجس الثاني إلا أنه يلحقه الشدة ويزداد مرضه بذلك، فليس عليه تكلّف.
الجزء 1 · صفحة 63
وسئل أبو القاسم عن رجل أراد أن يقرأ في صلاته السورة فاتفقت سورة أخرى، فلما قرأ آية أو آيتين أراد ترك ذلك و أن يقرأ السورة التي أرادها، قال: هذا عندي مكروه. وسئل محمد بن سلمة عن قراءة القرآن على التأليف في الصلاة، قال: لا بأس به، وكان ليث بن مساور يقرأ على التأليف، وأبو عبد الله الثلجي يقرأ على التأليف، وعن أنس بن مالك أن أصحاب رسول الله عليه السلام كانوا يقرؤون القرآن في الفرائض على التأليف.
وسئل أبو القاسم عن مسجد بني على سور المدينة، قال: لا ينبغي أن يصلى فيه. وسئل أبو القاسم عن قوم اجتمعوا في دار وفيها مستأجر وصاحب الدار حاضر، فأراد الرجل أن يؤم فيها، أيؤم بإذن المستأجر أو بإذن رب الدار؟ قال: بإذن المستأجر.
وسئل أبو القاسم عن رجل صلى على جنازة والولي خلفه ولم يرض به، قال: إن تابعه وصلى معه فلا يعيد، وإن لم يتابعه فله الإعادة.
وسئل أبو القاسم عن المريض يصلي قاعدًا كيف يقعد في حال قيامه؟ قال: يجلس متربعا، قال الفقيه: هذا قول أصحابنا الثلاثة أنه يجلس متربعا أو محتبيًا، وقال زفر: يقعد كما يقعد في التشهد و به نأخذ لأنه أيسر على المريض.
قال نصير: كان أبو العالية الرياحي إذا أراد أن يقرأ القرآن لبس من صالح ثيابه وتعمم واستقبل القبلة ثم أخذ في القراءة. وقال محمد بن سلمة: إذا أدرك الرجل الإمام في التشهد يوم الجمعة يصلي الجمعة ركعتين عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وفي قول محمد يصلي أربع ركعات يقرأ في الأربع كلها وينوي الجمعة.
وقال شداد بن حكيم كتبت إلى محمد بن الحسن في رجل له عبد مريض لا يستطيع أن يتوضأ، قال: يجب على مولاه أن يوضّئه قال الفقيه لأنه يمكنه أن يبيعه أو يعتقه، فلما أمسكه وجب عليه تعاهده.
وقال أبو مطيع: إذا صلى الإمام بالقوم ثم قال بعد خمسة أشهر: إني صليت يوما بغير وضوء، فإنه لا يصدق ولا تعاد الصلاة، وإذا كان دون الشهر أخبرهم فإنهم يعيدون، قال الفقيه أبو الليث: وإن قال بعد خمسة أشهر أو أكثر: إنما ظهر الي الآن ولم أكن علمت قبل ذلك وكان ثقة، وجب عليهم أن يعيدوا.
قال نصير: سألت شدادًا عن المقتدي يرى البول على ثوب الإمام أقل من قدر الدرهم والمقتدي من رأيه أن لا تجوز الصلاة إذا كان البول قليلا أو كثيرا و رأى الإمام أنّ الصلاة جائزة، قال: على المقتدي أن يعيد الصلاة، قال: قلت له: فإن كان رأي المقتدي جواز الصلاة ورأي الإمام فساد الصلاة ولا يعلم به الإمام وعلم المقتدي؟ قال: لا يعيد الصلاة وإنما أنظر إلى رأي المقتدي قال نصير وبه نأخذ.
الجزء 1 · صفحة 64
وقال خلف: سألت أبا يوسف عن رجل أسند ظهره إلى سارية فنام أو هو مريض يمسكه إنسان، ولولا السارية أو ما يمسكه ما استمسك، قال: إن كان إليتاه مستويتين فلا وضوء عليه، قال الفقيه: وقد ذكر عن الطحاوي من أصحابنا أنه يجب عليه الوضوء، والاحتياط أن يعيد الوضوء.
وسئل محمد بن الحسن عن القراءة في الأسباع، قال: الأسباع محدثة والقراءة في المصحف أحب إلي.
وقال بشر: قال أبو حنيفة: إذا نقر نقرًا في الصلاة يجزيه، وقال أبو يوسف: لا يجزيه حتى يستوي جالسًا. وروي عن بشر بن الوليد عن أبي يوسف في جالس قام مسرعًا فلم يتم قائما حتى كبر للافتتاح، قال: لا يجزيه حتى يستوي قائما، وقيل لبشر: أرأيت إن بلغ في القيام مبلغ الركوع؟ قال: لا يجزيه حتى يستوي قائماً.
وروى مغيرة عن إبراهيم قال: تفترش المرأة بطنها في الصلاة على فخذها إذا سجدت.
وسئل نصير عن رجل افتتح الصلاة لغير القبلة متعمدًا أو اختيارًا، قال: هو كافر، وإن تأول وقال: {فأينما تولوا فثم وجه الله} البقرة وصلى لغير القبلة، قال: لا يكفر.
وقال نصير: أكره النوم قبل العشاء مخافة أن تفوته العشاء بجماعة، وإن لم تفته فلا أكره.
وإن ذُبح شيء من السباع مثل الثعلب ونحوه فجلده طاهر ولحمه نجس، فلو صلى الرجل ومعه شيء من لحمه أكثر من قدر الدرهم قال نصير: فصلاته فاسدة، ولو كان بازيًا مذبوحًا فصلى الرجل ومعه شيء من. أكثر من قدر الدرهم قال: جازت صلاته، وكذلك كل شيء لم يؤمر بإعادة الصلاة من سؤره مثل الحية والفأرة وجميع الطيور يجوز الصلاة مع لحمها إذا كانت مذبوحة، قال الفقيه أبو الليث: وذكر عن أبي الحسن الكرخي أنه قال: إذا صلى ومعه شيء من لحم السباع وقد ذبح جازت صلاته، ولو وقع في الماء لا يفسد الماء، وكان الفقيه أبو جعفر يقول: هو نجس لا تجوز الصلاة معه، ولو وقع في الماء فسد الماء، وهو موافق لقول نصير، وبه نأخذ.
وقال نصير: أخبرني علي بن سليمان عن أبي يوسف قال: لو أن رجلا توضأ وصلى الظهر، فقال: أجزأت عني، قلت: نعم، فإن قال: تُقبل مني قلت: لا أدري، وقال نوح بن أبي مريم الفرائض كلها مقبولة عندي، ألا ترى أن رجلا لو أجنب فاغتسل من الجنابة قبل منه الغسل وصار طاهرا، وقال شداد الفرائض كلها مقبولة عندي، قال الفقيه: الأمر على ما قال أبو يوسف أنه يجوز، وأما القبول فهو أمر بينه وبين الله تعالى، قال الله تعالى: إنما يتقبل الله من المتقين.
وروى إبراهيم بن يوسف عن أبي يوسف قال: لو أن رجلا أعمى صلى ركعة لغير القبلة فجاء رجل
الجزء 1 · صفحة 65
وسواه وأقامه إلى القبلة واقتدى به جاز للإمام ولا يجوز للمقتدي قال الفقيه هذا إذا كان الأعمى وقت الافتتاح لم يجد أحدًا يسأله، فأما إذا كان بقربه من يسأله فلم يسأله وافتتح الصلاة لغير القبلة لم تجز صلاته.
وسئل نصير عن أهل قرية اجتمعوا وقالوا: إنا لا نوتر ولا نتمضمض ولا نستنشق في الوضوء، هل للسلطان أن يقاتلهم على ذلك؟ قال: أما الوتر إذا أبوا أن لا يفعلوا أدبهم وحبسهم، وإن كانوا ممتنعين قاتلهم، وأما المضمضة والاستنشاق في الوضوء وركعتا الفجر فإنه يأمرهم ولا يؤدبهم ولا يقاتلهم.
وقال أبو القاسم: سمعت زكريا الطويل قال: سمعت يحيى الوراق قال: كنت أقرأ على خلف بن أيوب المسألة وأقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ما تقول رحمك الله؟ فقال: يا يحيى، إذا قرأت: بسم الله الرحمن الرحيم على الوجه، فقل أولا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فإنه من القرآن قال الفقيه: هذا على الوجهين، إن أراد بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم قراءته فينبغي أن يتعوذ قبله، وإن أراد افتتاح قراءة الكتاب أو نحو ذلك لا يجب عليه التعوذ، ألا ترى أن رجلا لو أراد الشكر فيقول: الحمد لله رب العالمين لا يحتاج إلى التعوذ قبله، وإن أراد به القراءة ينبغي أن يتعوذ، ألا ترى أن الجنب لا يجوز له أن يقرأ آية تامة؟ ولو قال الجنب: بسم الله لا بأس به، ولو قال: بسم الله الرحمن الرحيم فإن أراد به القراءة لم تجز، وإن أراد به افتتاح الكلام أو التسمية على شيء فلا بأس به، فكذلك هذا.
وسئل أبو نصر عن قراءة القرآن في الحمام، قال: أكره أن يرفع صوته، ثم قال: كثيرا ما كنت أقرأ فيه خفية يعني في الحمام خفيًا.
وسئل عن التسبيح والتهليل في الحمام، قال: لا بأس به وإن رفع صوته.
وسئل عن الصلاة في الحمام في بيت المسلخ قال: أكرهها، قال الفقيه: إنما كره ذلك إذا كان فيه صورة أو تماثيل، فأما إذا لم يكن فيه تماثيل و الموضع طاهر فلا بأس به.
وقال أبو نصر: روي عن أبي يوسف أنه قال: البزاق في المسجد فوق البارية خير من البزاق في المسجد تحت البواري، قال أبو نصر فذكرت ذلك لمحمد بن سلمة فأنكره، قال الفقيه وإنما قال ذلك أبو يوسف لأن البواري ليست من المسجد وما تحتها من المسجد، فإذا ابتلي ببليتينيختار أيسرهما، وسبيله أن يأخذ ذلك بكمه أو بشيء من ثيابه.
وقال أبو معاذ: إذا رأت المرأة أول ما رأت الدم فإنها لا تترك الصلاة ما لم يأت عليها ثلاثة أيام، قال الفقيه: هذا القول خلاف قول علمائنا، وفي قول أصحابنا تترك الصلاة من ساعتها، وبه نأخذ.
الجزء 1 · صفحة 66
وسئل أبو نصر عن رجل صلى وليست بين يديه سترة فأراد رجل أن يمر بين يديه، كم مقدار التباعد عن المصلي؟ قال: مقدار ما بين الصفين أو مقدار ما بين الصف الأول وبين مكان الإمام.
وسئل أبو نصر عمن يقول: علي عليه السلام أو يقول صلى الله على علي، قال: لا يصلى على أحد سوى الأنبياء عليهم السلام، وقد روي عن ابن عباس أنه كره أن يقول: اللهم صل على فلان، فقيل له: فيقول في صلاته: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد؟ قال: يقول ذلك على وجه التبع، ألا ترى أنه لا يقال: اللهم صل على آل محمد وآله كل من آمن به ألا ترى إلى قول الله عز وجل: أدخلوا آل فرعون أشد العذاب غافر فكان ذلك على من آمن به، وقد روي عن زيد بن أرقم أنه من يحرم عليه الصدقة، وروى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن آله، قال: آلي كل تقي، وفي بعض الأخبار: كل تقي إلى يوم القيامة.
وروي عن إبراهيم النخعي أنه سئل عمن دخل الحمام أيسلم على من كان فيه؟ قال: من كان فيه متزرًا يسلم عليه، وقال أبو نصر: ذكر محمد بن سلمة عن السمتي أنه قال: جئت إلى خلف بن أيوب: فاستأذنت عليه ثم سلمت، فقال لي: لم لم تبدأ بالسلام؟ قلت: لقول الله تعالى: {لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلّموا على أهلها} فبدأت بالاستئناس قبل السلام.
وسئل أبو القاسم عن رجل صلى وفي كمه قارورة فيها بول، قال: إن كانت القارورة بها ممتلئة مشدود رأسها جازت صلاته، وإن كانت غير ممتلئة لم تجز صلاته وحل محل بيضة الدجاجة المتلطخة بالنجاسة، فقيل له: البيضة قد تكون مملوة وغير مملوة، قال: البيضة محشوة بما فيها فحل محل القارورة الممتلئة، وقال بعضهم: إن كانت مشدودة جازت صلاته كالبيضة المذرة، قال الفقيه وذكر عن أبي عبد الله الثلجي أن الصلاة مع البيضة المذرة جائزة لأن ذلك في معدنه ومضانه، ولا تجوز مع القارورة سواء كانت ممتلئة أو غير ممتلئة، وبه نأخذ.
وسئل أبو نصر عن النساء، هل يصلين صلاة الضحى يوم العيد؟ قال: نعم بعدما صلى الإمام، وذكر عن محمد بن مقاتل أنه قال: لا بأس بصلاة الضحى قبل الخروج، وإنما كره ذلك في الجبانة.
وسئل الحسن البصري عن معنى التحيات الله، قال: كانت لأهل الجاهلية أصنام صغار يمسحون وجوههم ويقولون له التحية الباقية، فلما جاء الإسلام أمرهم الله تعالى أن يجعلوا تلك التحيات الله. وقال الحسن بن مطيع: لو أن رجلا نظر إلى فرج أم امرأته في الصلاة حرمت عليه امرأته وفسدت صلاته لأنه عمل في الصلاة عملا كان فيه فراق أهله ومعصية ربه قال أبو الليث: يعني إذا نظر من شهوة. وقال
الجزء 1 · صفحة 67
أبو القاسم: سمعت محمد بن سلمة قال: سمعت بشر بن الوليد يقول: سمعت أبا يوسف يقول: لا ينبغي للرجل أن يقود أباه النصراني من البيت إلى البيعة ويقوده من البيعة إلى البيت، ولا يحمل الخمر إلى الخل ليخلل ولكن يحمل الخل إلى الخمر، ولا يحمل الجيفة إلى الهرة ولكن يحمل الهرة إلى الجيفة، قال الفقيه أبو الليث: وكذلك روى عنه أن الرجل لا يحمل سراج المسجد من المسجد إلى بيته، ولا بأس أن يحمله من البيت إلى المسجد.
وسئل أبو القاسم عن خروج العجائز إلى الصلاة في هذا الزمان، قال: لا يخرجن لأنه لم يكن بذلك عهد والناس لم يعاينوا ذلك، فربما يقع الناس في الغيبة بخروجهن.
وقيل لخلف بن أيوب: إنك مولع بالحسن بن زياد وأنه يخفف الصلاة، قال: لأنه حذقها، قال الفقيه أبو الليث: فيه دليل أنه إذا تم ركوعها وسجودها فلا بأس بالتخفيف، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان أخف الناس صلاة في تمام.
وسئل الشيخ أبو بكر بن أبي سعيد عن المريض الذي أضناه المرض، ما حده؟ قال: قال بعضهم: الذي لا يقدر على أن يقوم بنفسه إلا أن يقيمه إنسان، وقال آخرون: إذا كان لا يقدر على المشي إلا أن يهادى بين اثنين، وقال بعضهم: إذا لم يقدر أن يصلي قائما، وحكي عن شداد أنه صب ماء من كوز في كوز آخر وكان مريضًا، وقال لوارثه: احفظ هذا وأراد أن يبين له أن فيه قوة ويجوز تصرفه، قال الفقيه أبو الليث: قول من قال: إنه إذا لم يقدر أن يصلي قائما أحبّ إلي، وبه أقول.
وسئل محمد بن سلمة عن نية الصلاة، قال: إذا كان وقت التكبير بحال لو قيل له: أي صلاة تصلي أمكنه أن يجيب من غير فكرة فهو نية ويجزيه.
وقال أبو بكر الإسكاف: كان بن عمر يدخل سوق المدينة في أيام العشر ويكبر ويذكر الناس حتى يكبروا من غير أن كان له عمل في السوق، قال الفقيه أبو الليث: وهذا قول إبراهيم بن يوسف، وبه جرت العادة في أسواق بلخ. وسئل عن رجل أصابه طين أو مشى في الطين ولم يغسل قدمه وصلى، قال: يجزيه ما لم يكن فيه أثر النجاسة، وروي عن خلف بن أيوب أنه قال: لا ينبغي لمن كانت له أربعمائة ألاف درهم ببلخ أن يمشي في الأسواق راجلا، وإنما قال ذلك لكيلا يصيبه أذى الطريق، ولأنه إذا كان راكبًا فإنه يسير في وسط الطريق ويترك سراة الطريق للناس.
وسئل محمد بن سلمة عن الصلاة في نصف النهار يوم الجمعة، قال: خلف بن أيوب يقعد ولا يصلي، وكنت أنا لا أصلي ثم اخترت أن أصلي لما جاء فيه من الأحاديث في توسعة الصلاة نصف النهار يوم
الجزء 1 · صفحة 68
الجمعة. وروي عن ليث بن مساور أنه قال: لا أرى الصلاة عن الميت يعني إذا فاتته الصلاة، وقال عصام وإبراهيم بن يوسف: يصلي عنه، وهو قول الشافعي، واحتجوا بالحج في جواز الصلاة عن الميت، وروي عن محمد بن الحسن أنه قال: يتصدق لكل صلاة منوين حنطة.
وقال محمد بن الأزهر ومحمد بن سلمة وأسد بن عمرو وشداد: إذا دخل رجل دار الحرب بأمان يسعه أن يسرق الأسارى، وإن قدر على أن يكابرهم، فعل، وإذا كابرهم وأخرجهم وهم أحرار وعبيد إلى دار الإسلام، فأما الأحرار فلا يجب هم شيء، وأما العبيد فينبغي أن يبعث إلى مواليهم قيمتهم ويكون العبيد له إلا أن يشاء المولى أن يدفع إليه قيمتهم. وقال شداد الأسير إذا كان في أيدي العدو فمنعوه عن الوضوء والصلاة فإنه يتيمم ويومئ إيماء ويجزيه، قلت: أيعيد تلك الصلاة إذا خرج؟ قال: لا، قيل له: فإن تيمم وهو ينظر إلى الماء أيجزيه؟ قال: نعم، ولا يجب عليه الإعادة، قال الفقيه أبو الليث: وعلى قياس قول علمائنا الثلاثة ينبغي أن يعيد الصلاة، وهذه المسألة بمنزلة المسألة التي قالوا في كتاب الصلاة: إذا كان الرجل محبوسًا في السجن وهو يجد التراب ومكانًا طاهرا ولا يجد الماء فإنه يتيمم ويصلي، فإذا خرج أعاد الصلاة، فكذلك هذا.
وسئل عن رجل يصلي التطوع في مسجد الجامع والمساكين يمرون بين يديه، قال: صلاته تامة والإثم على الذي يمر.
وروي عن أبي مطيع أنه قال: لا يحل لأحد أن يعطي سؤال المسجد، وروى عن خلف بن أيوب أنه سمع صوتًا في المسجد فسأل عن ذلك، فقيل: إن الشرط يخرجون السوّال من المسجد، فقال: أحسنوا أحسنوا، وروي عن خلف بن أيوب أنه مر بسائل أعمى وهو يقرأ القرآن وقد أخرج بسائل أعمى وهو يقرأ القرآن وقد أخرج يده، فأخذ روثة ووضع على كفه، يعني أنه كره قراءة القرآن لأجل السؤال، وعن الحسن البصري أنه قال: ينادي منادي يوم القيامة: ليقم بغيض الله تعالى، فيقوم سوّال المسجد، وروي هذا الخبر أيضًا مرفوعًا.
قال الفقيه أبو الليث: إن كان السائل لا يتخطى رقاب الناس ولا يمر بين يدي المصلي وهو يسأل لأمر لابد منه فلا بأس لأن السوّال كانوا يسألون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ألا ترى أن عليّا رضي الله عنه تصدق بخاتمه وهو في الركوع، فمدحه الله جل جلاله بقوله: {ويؤتون الزكاة وهم راكعون}، و أما إذا كان السائل يتخطى رقاب الناس و يمر بين يدي المصلي ولا يبالي فإن هذا مكروه والتصدق على مثله مكروه.
الجزء 1 · صفحة 69
وسئل خلف بن أيوب عن السائل إذا قال على الباب: السلام عليكم هل يجب رد السلام؟ قال: إنما جعلوا هذا شعار السؤال هم يعني لا يجب رد السلام، وقال أبو القاسم إذا كان السلام تحية فذلك الذي يجب رده.
ولو أن المصلي رفع شيئًا نجسًا بيديه ثم رماه تفسد صلاته، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان في السجود فطرح بعض المشركين على ظهره جيفة فكان على حاله حتى جاءت فاطمة فرفعت ذلك عنه ومضى على صلاته.
وسئل أبو بكر عن المؤذن إذا أخذ في الإقامة المستحب أن يمر ويقيم أو يقف حتى يفرغ من الإقامة؟ قال: إن كان المؤذن هو الإمام ينبغي أن يمشي، وإن كان الإمام غيره ينبغي أن يقف حتى يفرغ من الإقامة، قال الفقيه: وكان الفقيه أبو جعفر رحمه الله يقول: إذا بلغ إلى قوله: قد قامت الصلاة فهو بالخيار، إن شاء مشى وإن شاء وقف حتى يفرغ سواء كان إمامًا أو غيره.
وسئل أبو بكر عن مرارة الشاة إذا صلى معها، قال: تجوز الصلاة وإن كان كبيرًا فاحشًا، وحكم المرارة كحكم اللعاب، قال الفقيه أبو الليث: وقد روي عن أبي عبد الله محمد بن خزيمة أنه قال: مرارة كل شيء كبوله، و به نأخذ وسئل أبو بكر عن رجل صلى ومعه جلد حيّة أكثر من قدر الدرهم قال لا تجزيه صلاته لأنه لا يحتمل الدباغ، قال الفقيه وقد ذكرنا عن نصير أنه قال: إذا كانت مذبوحة تجوز الصلاة مع جلدها.
وقال أبو بكر: سمعت أبا نصر يقول: إذا لم يضع المصلي ركبتيه على الأرض عند السجود لا يجزيه، قال الفقيه: وبه نأخذ، وروي عن أبي يوسف أنه قال: يجزيه، وتلك رواية شاذة، ولا نأخذ بها. وقال أبو بكر: إذا صار المريض بحال لا يستطيع أن يصلي على حالة من الأحوال - يعني لا بالإيماء ولا بغيره - حتى مات، فإنه لا يجب عليه شيء من كفارة الصلاة ولا يكون مأخوذا، وإن برئ وصح فإنه يكون مأمورا بأن يقضي تلك الصلاة، قال الفقيه: يعني إذا كان ذلك أقل من يوم وليلة، وأما إذا كان أكثر من يوم وليلة لا يجب عليه القضاء وإن برأ كما قالوا في المغمى عليه.
وقال أبو بكر: لو أن إمامًا افتتح صلاة الجمعة ثم قدم والٍ آخر يمضي على صلاته في قولهم جميعا، لأن افتتاحه صحيح فصار كرجل أمره الإمام أن يصلي بالناس، فإن حجر عليه قبل أن يدخل في صلاته فإنه يعمل حجره، وإن حجر عليه بعدما افتتح الصلاة كان حجره باطلا وله أن يمضي على الصلاة في قولهم جميعا، فكذلك هذا، وليس هذا كالذي نفر الناس عنه بعد ما افتتح الصلاة في قول أبي حنيفة.
وقال أبو بكر: معنى قول أصحابنا: إن الرجل إذا صلى على دابة وسرجه نجس أنه يجزيه – يعني إذا كانت
الجزء 1 · صفحة 70
النجاسة عرق الدابة أو لعابها، ألا ترى أنه قال: و الدابة أشد من هذا؟ فأما إذا كان على سرجه نجاسة مثل الدم أو العذرة أكثر من قدر الدرهم فصلاته فاسدة قال الفقيه: وبهذا القول نأخذ.
وسئل أبو بكر عن رجل أوتر ولم يقرأ في الركعة الثالثة، قال: ينبغي أن لا يجوز بالاتفاق، قيل له: أليس الوتر عند أبي حنيفة بمنزلة الفريضة؟ قال: ليس يلحق حكمه بالفريضة في جميع الوجوه، ألا ترى أنه لو قيل له: كم الصلاة؟ قال: خمس.
وسئل أبو بكر عن المقتدي إذا أسرع في قراءة التشهد وفرغ قبل الإمام من التشهد ثم تكلم أو ذهب، قال: صلاته جائزة، ألا ترى أن الإمام لو كرر قوله التحيات الله مرارًا حتى كان بحال لو قرأ التشهد أمكنه ذلك جازت صلاته، فكذلك هذا.
وسئل أبو بكر عن الإمام إذا فرغ من صلاته فأراد أن يسلم فلما قال السلام جاء رجل وافتتح الصلاة قبل أن يقول عليكم، قال: لا يصير داخلا في الصلاة.
وقال أبو بكر: إذا صلى الرجل ومعه فأرة مسك أكثر من قدر الدرهم فصلاته جائزة إذا كانت يابسة، ويبسها دباغها إذ لا يدبغ إلا هكذا.
باب سجود التلاوة وسجدتي السهو:
سئل علي بن أحمد عن رجل قرأ يوم الجمعة يعني في صلاة الفجر سورة السجدة، فلما سجد وقام قرأ فاتحة الكتاب، ثم قال: تتجافى جنوبهم عن المضاجع السجدة، هل يجب عليه سجدتا السهو؟ قال: لا، قيل:؛ أليس قد قالوا: لو قرأ فاتحة الكتاب مرتين ساهيًا يجب عليه سجدتا السهو؟ قال: يجب إذا قرئ مرتين متواليتين. وسئل الفقيه أبو جعفر عن إمام ظن أن عليه سجدتا السهو فسجد واتبعه المسبوق، قال: قال بعضهم: لا تفسد صلاته، وقال بعضهم: فسدت صلاته حيث اتبعه في السجدتين، والأحوط أن يعيد صلاته إذا علم أن الإمام لم يكن عليه سجدتا السهو.
وسئل أبو القاسم عن إمام صلى بقوم فسجد سجدتي السهو ولم يكن عليه ذلك وكان في القوم مسبوقون فاتبعوه في سجدتي السهو، قال: صلاة المسبوقين فاسدة، قال الفقيه وبه نأخذ.
وسئل أبو القاسم: عن قراءة {قل هو الله أحد} ثلاث مرات عند ختم القرآن، قال: لا أستحبه لأنها محدثة، قال الفقيه: هذا شيء قد استحسنته القراء وأئمة الأمصار فلا بأس به إلا أن يكون ختم القرآن في الصلاة المكتوبة فلا يزيد على مرة واحدة.
وسئل أبو بكر عن رجل سها في صلاته وتشهد أيكون الدعاء بعد فراغه من سجدتي السهو أو قبله؟
الجزء 1 · صفحة 71
قال: قال محمد بن الأزهر يدعوا بعدما سجد سجدتي السهو، وقال أبو بكر: يتشهد ويدعوا قبل أن يسلم يعني قبل السلام الأول، ولو كان مسبوقاً بركعة أو ركعتين فإنه يتشهد ولا يزيد عليه لأن ذلك ليس بقعود فرض وإنما يقعد على وجه التبع، قال أبو الليث: وقد قال بعضهم أن في قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف يتشهد ويدعوا قبل السلام الأول لأنه يخرج من حرمة الصلاة بالتسليم، وفي قياس قول محمد يؤخر الدعاء إلى القعدة الأخيرة التي بعد السلام لأن من أصله أنه لا يخرج من حرمة الصلاة.
قال أبو بكر: إذا قرأ الرجل آية السجدة بالهجاء لا يجب عليه السجدة لأنه لا يقال قرأ القرآن وإنما يقال قرأ هجاء القرآن، ولو فعل ذلك في الصلاة لا يقطع صلاته لأن ذلك من القرآن لأن الهجاء موجود في القرآن، قال الفقيه: يعني إذا قرأ الحروف التي في القرآن.
وسئل أبو بكر عن رجل قرأ القرآن كله فسجد لكل آية سجدة ثم قرأها ثانيًا وهو في مجلسه، قال: لا يجب عليه السجدة ثانيًا.
وسئل عن سجدة التلاوة في الصلاة أو في غير الصلاة، أيش يقرأ فيها؟ قال: قال بعضهم: يقرأ فيها: {رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي}، وذكر عن أبي بكر بن أبي سعيد أنه كان يقول: أحب إلي أن يقول: {سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا} حتى يكون موافقًا للآية، وقال أبو بكر الإسكاف: يقول: سبحان ربي الأعلى لأن سجدة المكتوبة أفضل من سجدة التلاوة وفي السجدة التي هي آكد وأوجب يقول: سبحان ربي الأعلى فكذلك في سجدة التلاوة، فهو أفضل، وبه نأخذ.
وسئل أبو القاسم عن سجدة التلاوة، وهل يكبر عند الابتداء أو الانتهاء؟ قال: يكبر كما يكبر في سجدة الصلاة. وسئل بعضهم عن رجل جاء إلى الإمام وقد رفع رأسه من الركوع فكبر المقتدي وركع ثم سجد معه السجدتين، قال: لا يصير مدركًا للركعة وعليه أن يقضي ركعته، وإن كان الإمام ركع وسجد سجدة فجاء رجل فدخل معه وركع وسجد فسدت صلاته، فإن قيل: لم لا تفسد صلاته في الفصل الأول وقد دخل في صلاته زيادة ركعة تامة؟ قيل: لم يدخل فيها إلا زيادة ركوع واحد لأنه قد وجب عليه أن يتبع الإمام في السجدتين ولم يبق إلا زيادة ركوع واحد. وسئل محمد بن سلمة عن الخط الذي يخطه المصلي أمامه يعني إذا صلى في الفلاة، أيخطه طولا أم عرضا؟ قال: يخطه طولا لأنه بمنزلة الخشبة المغروزة أمامه، وكذلك السوط يلقى بين يديه طولا، وبه كان يقول الفقيه أبو جعفر، وقال بعضهم: يجعل الخط بمنزلة المحراب، وبه نأخذ.
وسئل محمد بن سلمة عن المقدار الذي لا ينبغي للماشي أن يمر بين يدي المصلي، قال: قدر ما بين الصفين.
الجزء 1 · صفحة 72
وقال أحمد بن محمد العياضي مقدار موضع سجود.
وسئل أبو القاسم عن السفينتين إذا لم تكونا مقرونتين فصلوا بجماعة، قال: إذا كانتا بحال يقدر أن يثب من إحداهما إلى الأخرى من غير عنف فهما بمنزلة المقرونتين، ويجوز صلاة الطائفتين جميعاً.
وروي عن أبي يوسف أنه قال: إذا خطب الإمام يوم الجمعة مضطجعا أو قاعدًا يجزيه. وسئل أبو نصر عن أبواب المسجد إذا غلقت واتصلت الصفوف بحيطان المسجد، قال: إن كان باب من أبواب المسجد مفتوحًا من أي جانب كان فصلاتهم تامة، قيل: أرأيت لو كان هذا الباب الذي يدخل فيه الأمير؟ قال: بالإستحسان جائز، قال الفقيه وقد روي عن أبي يوسف أن صلاتهم جائزة وإن كانت الأبواب كلها مغلقة إذا لم يشتبه عليهم أحوال الإمام.
وسئل نصير عن الإمام إذا أمر رجلًا بشيء، هل يلزم طاعته؟ قال: الأئمة ثلاثة – إمام طاعته مفترضة مبهمة: وهو إمام عدل فقيه يلزم الناس قوله ويجب الطاعة على الإبهام فيما قضى وأمر، وإمام طاعته مفترضة مفسّرة: وهو كل إمام عدل ليس بفقيه إذا أمر بأمر فما لم يفسر أني قضيت بسبب بكذا وكذا لا يجب أمره، وإمام طاعته مفترضة معقولة: وهو إمام جائر لا يلزم قوله إلا بعد معرفة أنه حكم بحق – يعني ما لم يعاين ذلك منه لا يلزم طاعته.
وسئل بعضهم عن قوله: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا الأنعام عند الافتتاح، قال: اختلف الفقهاء في ذلك، فمنهم من يقول: لا يقول ذلك قبل الافتتاح ولا بعده، قال: يقول ذلك بعدما افتتح الصلاة قبل قوله: سبحانك اللهم وبحمدك، وهذا القول روي عن أبي يوسف، وقال بعضهم: يقول قبل الافتتاح ثم يكبر، قال الفقيه: وهذا القول حسن، وبه نأخذ.
وسئل أبو القاسم عن رجل صلى بالقوم في مسجدين التراويح، قال: لا بأس، ولكن ينبغي أن يوتر في المسجد الثاني ولا يوتر في الأول لأن النبي عليه السلام قال: اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وتراً.
وسئل الفقيه أبو جعفر عن الإمام إذا صلى بقوم فترك سجدة من صلاته قال: هذا على ثلاثة أوجه: إن سجد الإمام والقوم قبل أن يفرغ من صلاته جازت صلاتهم جميعًا، ولو سجد الإمام دون القوم جازت صلاة الإمام وفسدت صلاة القوم، وإن سجد القوم دون الإمام فسدت صلاتهم جميعاً.
وذكر عن أبي مطيع أنه قال: ينبغي للمصلي أن يقول بين السجدتين: سبحان الله وبحمده، وقال أبو معاذ: يقول: أستغفر الله، وقال أبو حنيفة في الجامع الصغير: يسكت.
باب آخر في الصلاة
الجزء 1 · صفحة 73
قال الفقيه: سمعت محمد بن الفضل قال: سمعت محمد بن جعفر قال سمعت إبراهيم بن يوسف قال: سمعت أبا يوسف سئل عن رجل ركع مع الإمام أول ركعة فلم يقدر على أن يسجد حتى قام وركع الثانية ثم سجد أربع سجدات لهما، قال: يكون السجدتان منهما للركوع الأول ويعيد الركعة الثانية بأسرها، قال الفقيه: لأنه لما ركع ركوعا آخر قبل أن يسجد فقد صار رافضًا لأحد الركوعين، فعليه أن يعيد أحد الركوعين وسجدتين لأن السجدتين الأخريين بغير ركوع لا يعتد بهما، فكأنه لم يسجد إلا سجدتين.
وبهذا الإسناد قال إبراهيم بن يوسف وسمعت أبا يوسف سئل عن مسافر أمّ قوما مسافرين فأحدث فقدم رجلاً منهم ونوى الثاني الإقامة، قال: لا يجب على القوم أن يتموا أربعًا، قال الفقيه: لأنه صار حكمه حكم مسافر سبقه الحدث، فقدّم مقيا، فعلى المقيم أن يتم صلاة الإمام ثم يتأخر ويقدم مسافرًا حتى يسلم بهم، فكذلك ههنا إذا نوى الثاني الإقامة فعليه أن يتم صلاة الإمام ويقدم غيره حتى يسلم بهم، ثم يقوم هو فيصلي تمام أربع ركعات.
وبهذا الإسناد قال إبراهيم بن يوسف وسألت أبا يوسف عن السيد والعبد إذا كانا مسافرين فنوى السيد الإقامة ولا علم للعبد بذلك حتى صلى صلاة أو صلاتين ثم علم بإقامة السيد، قال: يعيد تلك الصلاة، قلت له: وكذلك المرأة لو كانت مع زوجها فنوى الزوج المقام ولا علم لها به والمستأجر إذا نوى المقام ولا علم للأجير به؟ قال نعم.
قال الفقيه: وهكذا روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال: إذا نوى الخليفة إقامة خمسة عشر يوما كان على من معه أن يتم الصلاة، فإن لم يعلموا حتى قصروا الصلاة ثم علموا فعليهم أن يعيدوا الصلاة التي قصروا ويتموا منذ علموا، ومعنى هذا أنه أظهر من نفسه أو أخبر أنه نوى الإقامة وأعلم أصحابه بذلك إلا أن العبد والمرأة لم يعلما بذلك، وأما إذا نوى في نفسه ولم يتكلم به ينبغي أن لا يلزمه أربع ما لم يتكلم بذلك، وأما إذا أظهر ذلك من نفسه فحكمه حكم مقيم اشترى عبدًا مسافرًا ولم يعلم العبد بأن الرجل مقيم فصلى بعد ذلك وعلم العبد بشراه أو لم يعلم فقد لزمته أربع، فكذلك في الأول.
قال إبراهيم: وسمعت أبا يوسف يقول في الرجل إذا جاء يوم العيد وقد كبر الإمام للصلاة وافتتح القراءة فإن الداخل يكبر ما فاته.
وعن أبي يوسف يروي عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن إبراهيم أنه لا يرى بعد الآي في الصلاة بأسًا.
وعن أبي يوسف عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن ابن سيرين أنه كان يعدّ الآية في الصلاة بيساره،
الجزء 1 · صفحة 74
وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه كره عد الآي في الصلاة، وهو قول أبي حنيفة ذكره في الجامع الصغير، وروي عن أبي يوسف ومحمد أنهما لم يريا به بأسًا.
ولو أن رجلاً افتتح الصلاة المكتوبة ثم نسي فظن أنها تطوع فصلى على نية التطوع حتى فرغ منها فالصلاة هي المكتوبة، وإذا كبر للتطوع ثم ظن أنها المكتوبة وصلى الصلاة كلها على نية المكتوبة فالصلاة؛ هي التطوع، وإن كبر للتطوع ثم كبر ونوى الفريضة وصلى فالصلاة هي الفريضة، وإن كبر للفريضة ثم كبر ونوى التطوع فالصلاة هي التطوع.
وسئل بعضهم عن رجل أوتر فقرأ في الثالثة القنوت ونسي القراءة حتى ركع، قال: عليه أن يرفع رأسه ويقرأ ويعيد القنوت والركوع ويسجد سجدتي السهو، فإن قرأ فاتحة الكتاب ولم يقرأ معها شيئًا حتى ركع فليرفع رأسه ويقرأ السورة ويعيد القنوت والركوع، فإن قرأ الفاتحة والسورة ولم يقنت حتى ركع فليمض ويسجد سجدتي السهو. وروى الربيع عن الحسن البصري أنه سئل عمن عطس في الصلاة المكتوبة، قال: يحمد الله ويجهر، وهكذا روي عن ابن سيرين، وروى عن منصور عن إبراهيم قال: يحمد الله في نفسه، قال الفقيه وبه نأخذ، ولا ينبغي أن شمت العاطس فإن ذلك يقطع الصلاة.
وسئل عبد الله بن المبارك عن رجل قال في صلاته: صلى الله على محمد عليه السلام، قال: إن لم يكن مجيبًا لأحد لا تفسد الصلاة.
وسئل عبد الله بن المبارك عن رجل يكون في المسجد فيخرج بعدما أذن المؤذن، قال: أكرهه، قيل له: فإن كان هو إماما أو مؤذنا؟ قال: أرجو أن لا بأس به.
وقال سفيان الثوري: لا بأس بأن يعلّم النصراني حرفًا من القرآن بمنزلة الجنب، و قال أبو حنيفة: لا بأس بأن يعلّم النصراني القرآن فلعله يقبل ويتوب.
وروي عن محمد بن الحسن أنه قال: لا تستظهروا الدعاء وادعوا بما يحضركم، فإن حفظ الدعاء يشغلكم عن الرقة، وكان الفقيه أبو جعفر رحمه الله يقول: هذا في الدعاء في غير الصلاة، وأما في الصلاة فينبغي له أن يدعو بدعاء محفوظ لأنه لو دعا بما يحضره خشيت أن يجري على لسانه مما يشبه كلام الناس.
وسئل محمد بن شجاع عن الإمام إذا صلى الظهر وقعد في الرابعة قدر التشهد ثم قام إلى الخامسة ناسيا، هل يتابعه القوم؟ قال: لا، ولكنهم يمكثون جلوسا، فإن رجع الإمام قبل أن يسجد للخامسة وسلّم سلموا معه، ولو أنه سجد للخامسة فسلم القوم ولا يتابعونه، قيل له: فإن سجد للخامسة ثم تكلم؟ قال: في قول زفر عليه قضاء ركعتين، وفي قول أبي يوسف لا شيء عليه.
الجزء 1 · صفحة 75
وسئل عبد الله بن المبارك عن ختم القرآن، قال: يعجبني إذا ختم القرآن أن يختمه في الصيف أول النهار وفي الشتاء أول الليل لأن الملائكة يصلون عليه حتى يمسي وحتى يصبح.
وسئل عبد الله عمن دخل في الصلاة بالفارسية، قال: أكرهه، قيل له: أيعيد الصلاة؟ قال: أظن أن أبا حنيفة لا يرى عليه أن يعيد، قال الفقيه أبو الليث: وقد روي عن أبي حنيفة أيضًا أنه لو تشهد بالفارسية أو خطب بالفارسية أجزأه.
وسئل عبد الله بن المبارك عن رجل كبّر للركوع ثم بدا له أن يقرأ ويزيد في القراءة، قال: لا أرى به بأسًا إذا لم يركع.
وسئل عبد الله بن المبارك عن رجل يتناول في بعض الصلاة شيئًا فيشمه، قال: أكرهه ولا يقطع الصلاة.
وسئل عبد الله بن المبارك عن رجل صلى على دابته تطوعًا، قال: يكبر الراكب للافتتاح وهو مستقبل القبلة ثم تحول وجهه إذا بدا له، وإذا حرّك رجله أو ضرب دابته فلا بأس إذا لم يصنع شيئًا كثيرًا، قال الفقيه أبو الليث: وقد قال الفقيه أبو جعفر الطحاوي رحمه الله أنه يجوز أن يفتتح الصلاة حيث ما توجهت به كما جازت له الصلاة، وبه نأخذ.
وسئل الفقيه أبو جعفر عن رجل صلى خلف الإمام فزاد الإمام في صلاته سجدة ناسيا، هل يجب على القوم أن يتابعوه في تلك السجدة؟ قال: لا يجب عليهم أن يتابعوه في تلك السجدة، لأن تلك السجدة خطأ بالاتفاق فلا يجوز أن يتابعوه في خطئه، وليس هذا بمنزلة زيادة التكبيرات في العيد وهو بمنزلة ترك القعدة في الثانية أنه يتابعه.
وسئل الفقيه أبو جعفر عن رجل دخل في الصلاة فظن أنه ترك مسح الرأس فانصرف ولم يخرج من المسجد حتى تذكر أنه قد مسح ولم يتكلم، هل يجوز له أن يبني على صلاته، قال: لا يجوز له أن يبني وعليه أن يستقبل الصلاة لأن انصرافه كان لرفض الصلاة، وليس هذا كالذي ظن أنه أحدث ثم علم قبل أن يخرج من المسجد أنه لم يحدث جاز له أن يبني على صلاته.
قال الفقيه أبو الليث: سمعت أبي يحكي عن أصحابنا في رجل فاتته خمس صلوات بالأمس فقضاهن اليوم مع كل صلاة صلاة، قال: إن بدأ في كل صلاة بصلاة اليوم ثم بصلاة الأمس فصلوات الأمس كلها جائزة و صلوات اليوم فاسدة، فإن بدأ بصلاة الأمس ثم بصلاة اليوم فصلوات الأمس جائزة و صلوات اليوم فاسدة إلا العشاء فإنها جائزة لأنه قد صلى العشاء بعدما قضى جميع ما كان عليه من الصلوات.
وسئل الفقيه أبو جعفر عن رجل فاتته ثلاث صلوات من ثلاثة أيام - من يوم العصر ومن يوم المغرب
الجزء 1 · صفحة 76
ومن يوم العشاء لا يدري أيتهن فاتته أولا، قال: له أن يبدأ بأيتهن شاء لأنه قد زاد على يوم وليلة وإنما كان الترتيب واجبًا فيما لم يزد على يوم وليلة، فلو فاتته صلاتان من يومين لكان يصلي الظهر ثم العصر ثم الظهر في قول أبي حنيفة لأنه لم يجاوز يومًا وليلة وأما إذا فاتته من ثلاثة أيام فقد زاد على يوم وليلة وسقط عنه الترتيب، فله أن يقضي كيف شاء، وبه نأخذ.
ولو أن رجلا فاتته صلاة واحدة من يوم ولا يدري أي صلاة هي قال سفيان الثوري: يصلي الفجر والمغرب ثم يصلي أربع ركعات، فلو كانت الفائتة الظهر أو العصر أو العشاء الآخرة أجزأه، وقال بشر بن غياث: يصلى أربع ركعات ويقعد في الركعتين وفي الثالثة وفي الرابعة، فلو كانت الفائتة صلاة الفجر أجزأته حيث قعد في الثانية، ولو كانت المغرب أجزأته حيث قعد في الثالثة، ولو كانت الظهر أو العصر أو العشاء أجزأته حيث قعد في الرابعة، وبه قال محمد بن مقاتل وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد يعيد صلاة يوم وليلة، وبه نأخذ.
ولو أن رجلا جاء إلى الإمام وهو راكع فكبر الرجل وهو راكع أو هو إلى الركوع أقرب فصلاته فاسدة، وإن كان إلى القيام أقرب جازت صلاته.
ولو أن رجلاً شك في صلاته فلم يدر أصلاها أم لا، فإن كان في الوقت فعليه أن يعيد، وإن خرج الوقت ثم شك فلا شيء عليه، وإن شك في نقصان الصلاة فظن أنه ترك ركعة، فإن كان لم يفرغ من الصلاة فليأخذ بالاحتياط وليتمها وليقعد في كل ركعة فإن شك بعد ما فرغ من الصلاة وسلم فلا شيء عليه، هكذا روي عن الحسن البصري، وبه نأخذ.
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة في الذي بحذاء الإمام خلفه إذا سلم نواه فيمن ينوي عن يمينه وهكذا قال أبو يوسف في الأمالي.
وروى نصير بن يحيى عن بشر بن الوليد عن أبي يوسف في رجل صلى خلف الإمام وهو يرى أنه خليفة فإذا هو غيره قال: يجزيه، وإن نوى حين كبر الخليفة يعني إذا اقتدى بالخليفة؟ قال: يعيد الصلاة، قال نصير: وبه نأخذ.
كتاب الزكاة
سئل أبو القاسم عن رجل له كتب العلم ما تساوي مائتي درهم، هل له أن يأخذ الزكاة؟ قال: روى محمد بن سلمة عن بعض أصحابنا أنه قال: إن كان عنده كتب العلم ما تساوي مائتي در هم يعطى له الزكاة، وإن كان عنده مصاحف القرآن لا يعطى ثم رجع وقال: يعطى، وقال أبو القاسم كل شيء كان
الجزء 1 · صفحة 77
عنده من الكتب وهو محتاج إلى حفظها ودراستها أدبا كان أو فقها أو حديثًا جاز أن يعطى له الزكاة وإن كان يساوي مائة ألف.
وسئل أبو بكر عن رجل له كتب العلم وهي تساوي مائتي درهم هل له أن يأخذ الصدقة؟ قال: يحل له ذلك لأن ذلك علمه ولا يحسب ذلك من ماله ولو كان له مصاحف و أسابيع تساويمائتي درهم فلا تحل له الصدقة، وليس المصاحف كالكتب لأنه يمكنه أن يجد مصحفاً آخر مثله، وأما الكتب فإنه لا يجد كتبًا مثل كتبه، ولو وجد فربما يزيد وينقص ويشكل عليه وقد صحح كتبه وأحكمها، قيل له: فإن كان له كتب محمد بن الحسن؟ قال: قد اختلف المتأخرون فيه فقال بعضهم: إن كان هذا صار بحال لا يزاد فيه ولا ينقص منه فلا يحل له أخذ الصدقة، وقال بعضهم: يحل له لأنه ليس كل إنسان يحسن هذه الكتب ويحفظها حتى يعرف الزيادة والنقصان، قال: وكان نصير بن يحيى يقول: صححوا هذا الكتب فلعلكم لا تجدون أستاذًا غيرها، قال الفقيه أبو الليث: وبقول أبي القاسم نأخذ.
وقد روى طاووس أن الدراهم إذا زادت على مائتي درهم لا يجب شيء ما لم تبلغ أربعمائة، فإذا بلغت أربعمائة در هم ففيها عشرة دراهم، ثم لا يجب شيء حتى تبلغ ? ستمائة، قال الفقيه أبو الليث: وهذا القول خلاف الإجماع ولا يؤخذ به وإنما نأخذ بقول أبي حنيفة أنه إذا زادت على مائتي درهم أربعون درهما فعليه في الزيادة درهم؟ وعن الحسن بن زياد في رجل أعطى رجلًا دراهم يتصدق بها على المساكين تطوعًا، فلم يتصدق بها حتى نوى الآمر أن يكون من زكاته من غير أن قال شيئًا، ثم يتصدق بها المأمور جاز عن الآمر من زكاته، وكذلك لو قال: تصدق بها عن كفارة أيماني ثم نوى عن زكاة ماله ثم تصدق المأمور جاز عن زكاة ماله، وإن قال: إن دخلتُ هذه الدار فلله علي أن أتصدق بهذه المائة درهم، فدخل الدار وهو ينوي بدخوله أن يتصدق عن زكاة ماله فدخل ثم تصدق بها فإنه لا يجزيه قال: وهذا كله قياس قول أبي يوسف قال الفقيه أبو الليث: وبه نأخذ؛ لأن دفع وكيله بمنزلة دفعه فصار كأنه نوى ثم دفع بنفسه، فأما في دخول الدار فهو بمنزلة يمين وقد صار واجبًا بقوله المتقدم فلا يجوز رجوعه.
وسئل أبو القاسم عن رجل دفع زكاته إلى أخته وهي تحت الزوج، هل تجوز؟ قال: إن كان مهرها مائتي درهم أو أكثر ولا يمتنع الزوج عن الأداء لو طلبت فإنه لا يجوز، ولو كان مهرها دون المائتين أو كان أكثر من المائتين إلا أن الزوج لا يعطيها أو كان الزوج معسرًا جاز دفعه إليها وهو أعظم أجرًا.
وسئل نصير عن رجل دفع إليه رجلان كل واحد منهما دفع إليه دراهم ليتصدق بها عن زكاة ماله فخلط الدراهم قبل الدفع ثم تصدق قال: الوكيل ضامن والصدقة عن نفسه، قال: وكذلك لو كان في يد الوكيل
الجزء 1 · صفحة 78
أوقاف مختلفة فخلط أنزال الأوقاف وغلتها بعضها ببعض فهو ضامن.
وعن نصير: قال: سألت الحسن بن زياد عن رجل له مائتي درهم فحال عليها الحول إلا يوما واحدا، فعجل من زكاتها درهما ثم حال الحول على ما بقي فلا زكاة عليه، فلو مكث عنده بعد الحول ستة أشهر ثم استفاد در هما فإن أبا يوسف قال: يستقبل بها حولا، وقال زفر إذا مضت ستة أشهر تمام السنة الثانية زكاها. وسئل أبو بكر عما يأخذ السلطان من العشور والصدقات، قال: ينبغي أن يعطى ثانيًا لأنهم لا يضعون موضعه، ولو نوى الصدقة فهو جائز، وذكر عن الشيخ أبي بكر بن أبي سعيد أنه كان يقول: إذا أخذوا الصدقات لم تجز، وإذا أخذوا الخراج يجوز لأن الخراج للمقاتلة وقد يضعون موضعها، فأما الصدقات فلا يضعونها موضعها، وكان الفقيه أبو جعفر يقول: أخذهم جائز وسقط عن صاحبي المال يعني الصدقات لأن لهم حق الأخذ فقد صح أخذهم، فإذا لم يضعوا موضعها لم يبطل أخذهم.
وسئل عن المصدق إذا أراد أن يتعجل حق عمالته قبل الوجوب، قال: إذا رأى الإمام أن يعطيه ذلك جاز، والأفضل أن لا يأخذ لأنه لا يدري أيعيش إلى وقت الوجوب أم لا، وكذلك الأمير والقاضي. وذكر عن عمر بن عبد العزيز أنه كان له ابن يختلف إلى الكتاب، فقال يوما: إني لا أذهب إلى الكتاب فإن الصبيان يعيرونني بخلق قميصي، فبعث إلى خازن بيت المال، رقعة، وقال: إن رأيتَ أن تُوجّه إلي من رزقي الذي يجب لي رأس الشهر بمقدار ما اشترى لابني قميصا، فقال الخازن: إنا كنا نعمل لكم ما دمتم تأمرونا بالطاعة، وأما إذا أمرتمونا بالجور فإنا لا نعمل لكم، ثم كتب على رقعته وقال: إن ضمنتَ لي نفسك بأن تبقى التعمل للمسلمين إلى رأس الشهر وجهته إليك، فلما نظر إليه قال لابنه: يا بني اذهب إلى الكتاب مع هذا القميص ليعيرك الصبيان.
وسئل أبو بكر الإسكاف عن مدينة بلخ، أفتحت عنوة أم هي صلحية؟ قال: ل بل فُتِحَتْ عنوة، قيل: فكيف تركت الكنائس والبيع فيها؟ قال: لأنها في الابتداء كانت فيها قبل الفتح والإمام إذا فتح كورة فيها بيع وكنائس فله أن يقلع الكنائس التي فيها ويزعجهم، ولو تركهم ولم يتعرض لهم ولم يقلع بيعهم ولا كنائسهم جاز، وليس لأحد أن يقلع شيئًا بعد ذلك، وكان الفقيه أبو جعفر يقول: بلدنا صلحية، قال: ولهذا تركت الكنائس والبيع فيها.
وسئل أبو بكر عن رجل اشترى جواليق بعشرة آلاف يؤاجرها من الناس فحال عليها الحول، قال: لا يجب عليه الزكاة، قيل له: فإن كان من رأيه أن يبيع؟ قال: لا إعتبار بهذا لأنه اشتراها للإجارة. وسئل أبو بكر عن رجل اشترى إبلًا للسائمة فلم يقبضها حتى حال الحول، قال: في قياس قول أبي حنيفة الأخير
الجزء 1 · صفحة 79
لا زكاة فيها بمنزلة ما قال في كتاب الزكاة، قال الفقيه أبو الليث: إن هذا في قولهم جميعًا لأن أبا يوسف ومحمد قالا في النكاح بأن عليها الزكاة لأن المرأة ملكت ملكًا يجوز لها التصرف فيها، لأنها لو باعت أو وهبت قبل القبض جاز بيعها وهبتها، وأما في الشراء فلا يجوز تصرف المشتري قبل القبض فلا يجب الزكاة ما لم يقيضويحول الحول.
وقال أبو بكر: لو أن رجلا له أرض العشر أعارها من إنسان ذمي فزرعها فعليه عشران في قياس قولهم جميعًا - يعني ليس هذا بمنزلة الذمي اشترى أرضًا من أرض العشر لا يجب عليه العشر عند أبي حنيفة ويجب الخراج، وقال أبو بكر: سمعت الجوبياري يقول: أما تحبون أن يتقبل صدقاتكم فإذا تصدقتم فانووا جميع المؤمنين والمؤمنات فإنها تصل كل مؤمن ومؤمنة ولا ينقص من أجوركم شيء - يعني صدقة التطوع. وذكر عن شاذان بن إبراهيم أنه قال: إذا أخر الرجل زكاة ماله حتى مرض فإنه يتصدق سرا من ورثته، وإن لم يكن عنده مال استقرض وأدى زكاة ماله لأنه لو لقي الله تعالى بدين الناس أحب إلي من أن يلقى الله بمنع الزكاة، وهكذا روي عن نصير.
قال الفقيه أبو الليث: إن استقرض ونيته أن يؤدي الزكاة ثم يجتهد لقضاء الدين فلم يقدر على قضائه حتى مات فهو معذور ويرجى أن الله تبارك و تعالى يقضي دينه في الآخرة من خزائنه، وإن استقرض وكان أكبر رأيه أنه لا يقدر على قضائه فتركه أفضل لأن الزكاة حق الله تعالى وخصومة العباد أشد.
ولو أنّ رجلاً له مائتا درهم فحال عليها ثلاثة أحوال إلا يوم ثم استفاد خمسة دراهم، قال زفر: يزكي للسنة الأولى والثانية و الثالثة، وقال أبو يوسف: لا يزكيها إلا للسنة الأولى ويستقبل لها حولا منذ يوم استفاد الخمسة، وقد ذكر في بعض الروايات عن زفر أنه قال: يزكي للسنة الأولى والثانية ولا يزكي للسنة الثالثة.
وقرئ على أبي بكر في السير الكبير في باب الإستئجار في الغنيمة أن الحاكم إذا جار في الحكومة وقال: إني تعمدت ذلك فإنه لا يجوز ما حَكَمَ ويخرج من الحكومة، وقال أبو بكر: إذا جار الحاكم في الحكومة وقال: إني تعمدت الجور لم يجز ما حكم ويخرج من الحكومة، وكذلك الأئمة والولاة ما لم يقروا بالعمد يعني بالجور فإنهم لا ينعزلون، فإذا قالوا: تعمدنا فحينئذ يصيرون معزولين، وذكر عن الشيخ أبي بكر بن أبي سعيد أن الحاكم إذا جار ينعزل، والأمير إذا جار لا ينعزل.
وسئل أبو بكر عن الرجل الذي لا تحل له الصدقة، الأفضل له أن يأخذ جائزة السلطان ويفرّقها على من يحل له أو ينبغي له أن لا يقبل؟ قال: ينبغي أن لا يقبل لأنه يشبه الصدقة ولا يحل له قبول الصدقة لأنه
الجزء 1 · صفحة 80
غني، فقيل له: أليس قد قبل الشيخ أبو نصر جائزة إسحاق بن أحمد؟ قال: لأن إسحاق بن أحمد و إسماعيل كان لهما أموال ورثاها عن أبويها فحمل ذلك على أنهما أعطيا من ذلك المال، فقيل له: لو أن رجلا فقيرًا تحل له الصدقة، أيحل له أن يقبل جائزة السلطان وهو يعلم أن السلطان أخذ ذلك غصبًا من الناس؟ قال: إن خلط ذلك بدراهم أخرى فلا بأس به، وإن لم يخلطها ودفع إليه عين ما غصب لم يجز، قال الفقيه: هذا الجواب يخرج على قياس قول أبي حنيفة خاصة لأن من أصله أن من غصب من آخر دراهم فخلطها بدراهم نفسه أو بدراهم غصبها من غيره فقد ملك تلك الدراهم، ووجب عليه مثل ما غصب وفي قول أبي يوسف و محمد ا يملك تلك الدراهم والدراهم على ملك صاحبها فلا يجوز أن يأخذ.
قال أبو بكر: وكان نصير يقول أيام شوكب حيث أغار كان يقول: بيعوا منهم ولا تشتروا منهم لأنكم تشترون عين ما غصبوا وأخذوا، وإذا بعتم منهم فإنما تأخذون الدراهم وقد خلطوا تلك الدراهم بعضها ببعض.
وقال أبو نصر: كان عثمان بن حنيف عاملا على البصرة فجاء طلحة والزبير فغلبا على البصرة وأخذ طلحة مفاتيح بيت المال ونظر في تلك الأموال وقال: هذه لنا وقرأ هذه الآية: {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه}، فلما جاء علي وهزمهم أخذ المفاتيح ونظر إلى تلك الأموال، فقال يا صفرا ويا بيضا، لا تغراني وغرّا غيري، وقسمها كلها بين الناس حتى القطن بين النساء ثم أمر بأن يكنس بيت المال ويرش.
وسئل أبو بكر عن الذي يأخذ ويعطي، هو أفضلأم الذي لا يأخذ ولا يعطي؟ قال: إذا كان لا يدخله عجب فيما يعطي ولا يشوبه شيء يكره فالأخذ والإعطاء أفضل، وروي عن عصام بن يوسف أنه كان يرى الترك أفضل من الأخذ والإعطاء، وقد ذكر عن حاتم الأصم أنه اتخذ ضيافة ودعا العلماء فأجابوه كلهم إلا عصام بن يوسف وقال بالفارسية مدر مدوز رشته نراسود - معناه: لا تخرق ولا تخط ليكون الخيط لك ربحا - أي لا تظلم الناس ولا تضيفهم فتسلم رأسا برأس.
وسئل أبو بكر عن رجل قال: مالي صدقة على فقراء مكة فيتصدق على فقراء بلخ، قال: يجوز، ألا ترى أنه لو وجبت عليه صلاة أو صوم بمكة ثم جاء إلى بلخ جاز له أن يعيد، وليس عليه أن يذهب إلى مكة؟ قال الفقيه أبو الليث: وهذا قول علمائنا الثلاثة، وفي قول زفر لا يجوز إلا أن يتصدق على فقراء مكة.
وسئل أبو القاسم عن قرية أسلم أهلها بعدما دنا العسكر إليهم مقدار مسيرة يوم أو أقل، وتوجه مشايخها إلى العسكر وكتبوا: إنا مسلمون، واستأمنوا منهم فآمنهم الوالي ووضع الخراج على أراضيهم، أتكون
الجزء 1 · صفحة 81
أراضيهم خراجية أم عشرية؟ قال: هؤلاء القوم استغنوا بالإسلام عن طلب الإمان وصاروا إخوانًا، فإن وضع الوالي عليهم الخراج فقد أخطأ في ذلك وأرضهم أرض عشر.
وقال أبو القاسم: أرض العشر إذا اشتراها رجل للتجارة فلا شيء عليه إلا العشر، لأن العشر واجب بذاته والزكاة إذا وجبت يجب بإيجابه، فالذي هو واجب بذاته أولى من الذي يوجبه هو.
وسئل أبو القاسم عن أهل الذمة إذا امتنعوا عن أداء الجزية، قال: يقاتلون كما يقاتلون في الابتداء. وسئل نصير عن رجل له دار فيها بستان وقيمة البستان مائتا در هم فصاعدا، هل يحل أن يعطى من زكاة المال؟ قال: إن كان البستان ليس فيه مرافق الدار ولا يحتاجون إليه من مطبخ أو متوضئ لم يعط ولكن يعطى أهله وولده.
وقال نصير: سألت الحسن بن زياد عن رجل حمل كرمه ثلاثمائة صاع فجعل يأكل قليلا قليلا حتى أكله كله يعني الحمل، قال: قال أبو يوسف: ليس عليه شيء، وكذلك البر إذا أكله كله على الصحراء، قال: وأما أنا أقول: فعليه العشر، قال: الفقيه وقد روي عن أبي حنيفة مثل ما قال الحسن بن زياد، و به نأخذ.
وسئل شداد عن رجل خرج من أرضه ثلاثمائة صاع من الشعير والبر جميعا، قال: فليس عليه العشر حتى يخرج من إحداهما ثلاثمائة صاع.
وقال نصير: روي عن محمد بن الحسن أنه قال: لو أن رجلا له مسيل ماء في أرضه وأرضه مملحة، فمن أخذ من ذلك الماء فلا ضمان عليه، وإن صار الماء ملحا فلا سبيل لأحد على ذلك الملح لأن الماء تحول ملحا بالأرض فصار عين مال، ومن أخذ منه شيئاً فهو ضامن.
ولو أن شهرًا انبثق في أرض رجل وكان في الماء طين حتى صار في أرضه ذراع من طين أو أكثر، لم يكن لأحد أن يأخذ من ذلك الطين شيئًا، ومن أخذ منه شيئا فهو ضامن لأن الطين تمكن في أرضه فصار كأنه خرج من أرضه، وكذلك النحل إذا اتخذ موضعا في أرض رجل فخرج منه عسل كثير لم يكن لأحد عليه سبيل وهو لصاحب الأرض وفيه العشر، وكذلك إن كان في أرض رجل جبل ملح أو نورة أو مغرة أو زرنيخ أو ياقوت أو زبرجد أو معدن ذهب أو فضة أو نحاس أو زئبق فذلك كله لصاحب الأرض ولا سبيل لأحد على شيء منه.
ومن أخذ شيئًا له قيمة قليلاً أو كثيراً فعليه أن يرده، وإن استهلكه فعليه قيمته، ولا شيء على صاحب الأرض في الياقوت والزبرجد لأنه حجر.
وروي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي عليه السلام قال: ليس في الحجر زكاة.
الجزء 1 · صفحة 82
قال: ولو تكنس صيد في أرض رجل أو باض في أرضه بيضا فهو لمن أخذه، وليس هذا كالطين والعسل وما سوى ذلك مما ذكرنا لأنه لا قرار للصيد والبيض، لأنه يخرج منه الطير فيطير، وأما العسل والطين فقد تمكن فيها، قال: ولو أن صيد باض في أرض رجل أو كنس فجاء رجل ليأخذه فمنعه صاحب الأرض من ذلك، فإن كان قريبا منه في موضع لو أراد صاحب الأرض أخذه يقدر عليه صار بمنزلة الأخذ من صاحب الأرض وملكه، ولو كان بعيدًا منه لم يملكه، فلو جاء رجل مرة أخرى وأخذه فهو له لأن المنع لم يكن بإحراز منه.
وسئل أبو يوسف عن الحطب في المروج؟ قال: إن كان ذلك في ملك رجل فليس لأحد أن يحتطبها إلا بإذنه، وإن كان في غير ملك أحد فلا بأس بأن يحتطب، وإن كان ينسب إلى قرية وإلى أهلها فلا بأس بأن يحتطب ما لم يعلم أن لها مالكًا يملكها، قال أبو حنيفة وكذلك الزرنيخ والكبريت والقار والثمار في الجبال والأودية.
وروي عن غسان القاضي قال: سألت بشر المريسي عن أهل الذمة الغني والفقير والوسط منهم، قال: الغني منهم من ملك الدية يعني عشرة آلاف درهم، والوسط من يملك مائتي، درهم والفقير الذي لا يملك مائتي درهم، قال: وسألت عن ذلك عيسى بن أبان، قال: أما أنا لا أعتبر ذلك ولكني أنظر إلى الرجل وما يملك، فإن كان يملك ما يكفيه ويكفي عياله ويفضل عنه فهو غني، والذي يملك ما يكفيه ويكفي عياله كفافًا ولا يفضل فهو الوسط، وأما من يملك ما لا يكفيه ولعياله وهو أقل من الكفاية فهو الفقير، قال الفقيه: وقال الفقيه أبو جعفر: انظر إلى حال كل بلد فإن عادة البلدان مختلفة، لأن صاحب عشرة آلاف لا يعد من المكثرين ببلخ ما لم يكن صاحب خمسين ألفًا و نحوها، وأما أهل بغداد ونحوها من البلدان فإنهم لا يعدون صاحب خمسين ألفًا من المكثرين، وأما في البلاد الصغار فإنهم يعدون صاحب عشرة آلاف ونحوها من المكثرين.
وسئل أبو القاسم عن إمام أمر رجلا بأن يعمر أرضًا ميتة على أن ينتفع بها ولا يكون الملك له، قال: إذا أحياها فقد ملكها والشرط باطل، ألا ترى أنه لو أمره بأن يصطاد على أن لا يملك الصيد، أو أمره بأن يحتطب من الجبال على أن لا يملكه أو لا عن بين الزوجين على أن لا يتفرقا فالشرط باطل، فكذلك هذا قال الفقيه أبو الليث: هذا الجواب على قول أبي يوسف ومحمد، وأما في قول أبي حنيفة يجوز شرطه لأنه لا يملك الأرض إلا بإذن الإمام، فإذا لم يأذن له الإمام بالملك لا يقع له الملك.
وروى علي بن أحمد عن نصير أنه كتب إلى أبي عبد الله الثلجي، ما قولك في رجل له ضيعة قيمتها ثلاثة
الجزء 1 · صفحة 83
آلاف درهم وله عيال ولا يخرج منها ما يكفيه، هل يعطى له الزكاة؟ فكتب أنه لا يعطى من الزكاة وهو بمنزلة من له من المتاع والجوهر ما يبلغ قيمته مائتي درهم فصاعدًا لا يجوز له أخذ الزكاة، قال نصير: فكتبت إلى محمد بن مقاتل بذلك قال: لا بأس به، وروي عن محمد بن الحسن أنه قال: إذا كان لرجل حوانيت أو دار لها غلة لا يكفي غلتها لقوته وقوت عياله وقيمتها ثلاثة آلاف أو أكثر، فإن هذا من الفقراء، ويجوز أن يعطى له الزكاة، وروى هشام عن محمد أيضًا أنه قال: لا بأس به، وعن أبي يوسف قال: لا يأخذ الزكاة، وروي عن محمد بن سلمة أنه كان يأخذ بقول محمد.
ولو أنّ رجلاً أعطى زكاة ماله مملوك رجل ومولاه موسر وهو لا يعلم أجزأه في قول أبي حنيفة ومحمد، ولا يجوز في قول أبي يوسف ولو أعطى لمكاتب رجل غني جاز في قولهم جميعًا علم أو لم يعلم. وسئل شداد بن حكيم عن رجل له مصحف يساوي مائتي درهم، قال: لا يعطى له الزكاة.
وقال نصير: سألت بشر بن الوليد عن رجل له كتب العلم تساوي مائتي درهم أو مصحف يساوي مائتي درهم، أيعطى من الزكاة؟ قال: أما كتب العلم فإنه يعطى، وإن كان مصحفًا لا يعطى، ثم رجع فقال: في المصحف لا بأس بأن يعطى من الزكاة، وبه أخذ نصير، وبه نأخذ إلا أن يكون للتجارة.
وسئل شداد عن رجل اشترى طعامًا للقوت مقدار ما يكفيه سنة وهو يساوي مائتي درهم، قال: لا يعطى من الزكاة، وإن كان عنده طعام شهر يساوي مائتي درهم فلا بأس بأن يعطى من الزكاة، وإن كان أكثر من الشهر لا يعطى، وبه قال نصير وقال بعضهم: لا بأس به وإن كان قوت سنة لأن النبي عليه السلام ادخر لنسائه قوت سنة.
وقال نصير: إذا كان للرجل كسوة الشتاء وهو لا يحتاج إليها للصيف فإنه يعطى من الزكاة وإن كانت تساوي مانتي درهم. وروى هشام عن أبي يوسف أنه قال: إذا كان لرجل دين على رجل، فوهبه لرجل آخر ووكله بقبضه فلم يقبضه حتى وجبت فيه الزكاة، ثم قبضه الوكيل وهو الموهوب له فزكاته على الواهب لأن قبض الوكيل بمنزلة قبض صاحب المال.
وسئل أبو القاسم عن أرض جبل يأخذ عشرها دهقان دون السلطان، هل يسقط عنهم العشر؟ قال: إذا أخذه الدهقان بأمر من له أخذه جاز أخذه ويسقط عنهم العشر.
وسئل أبو بكر عن القرطم بلا عصفر، هل يجب فيه العشر؟ قال: يحب لهم فيه العشر. وسئل عن التبن، قال: أنا شاك فيه قال: الفقيه وكان الفقيه أبو جعفر يقول: إذا أدركت الحنطة تحوّل العشر من الساق إلى الحب، وكان العشر قبل ذلك في الساق، و لأنه لو قصله ?? قبل ذلك يجب في القصيل العشر، فلما
الجزء 1 · صفحة 84
أدرك تحول العشر إلى الحب فلا يجب في التبن شيء، وبه نأخذ.
وسئل أبو بكر عن الخيل إذا كانت كلها إناثًا، قال: في قول أبي حنيفة لا يجب فيها الصدقة حتى تكون ذكورًا وإناثًا، قال الفقيه وذكر عن أبي جعفر الطحاوي هكذا، وكان الفقيه أبو جعفر يقول: إذا كانت إناثا يجب فيها كما يجب أن لو كانت ذكورًا وإناثًا، وهكذا ذكر عن أبي الحسن الكرخي، والفتوى على قول أبي يوسف ومحمد أنه لا يجب شيء سواء كانت إناثًا أو ذكورًا أو ذكورًا وإناثًا إلا أن تكون للتجارة فتجب زكاة التجارة، ولا يجب شيء إذا كانت للسائمة.
وقال أبو بكر: إذا كانت في دار رجل شجرة مثمرة لا يجب في ذلك العشر وإن كانت تلك البلدة عشرية؛ لأنّ بقعة داره ليست بعشرية، وهذا لا يشبه الثمار التي في الجبل لأن الجبل عشري.
وقال أبو القاسم: إذا كان لرجل على رجل دين إلى أجل فاحتاج جاز له أن يأخذ الصدقة مقدار ما كان له فيه كفاية إلى أن يحل الأجل، وكذلك لو كان مسافرا وله مال في وطنه يأخذ من الصدقة مقدار ما يكون له فيها بلاغ إلى وطنه.
وقال أبو القاسم: معنى قول الذي قال في كتاب الزكاة: حبس الإبل حتى مات بحبسه - يعني مات في حبسه لا أنه مات بحبسه.
وسئل الفقيه أبو جعفر عن الفرق بين الفقير والمسكين قال: روي عن القتبي أن المسكين الذي لا شيء له والفقير الذي له بلغة من العيش، واحتج بقول الشاعر:
أما الفقير الذي كانت حَلُوبَتُهُ ** وفق العيال فلم يُترك له سَبَدُ
وقال الله تعالى في المسكين: {أو مسكينًا ذا متربة} يعني الذي ليس بينه وبين التراب شيء، وقال بعضهم على ضد هذا، قال: الفقير الذي لا يملك شيئًا والمسكين الذي له أدنى شيء لأن الله تعالى قال: أما السفينة فكانت لمساكين الكهف فسماهم مساكين وإن كانت لهم سفينة، وروي عن أبي زيد أنه قال: الفقير الذي يكتسب وهو صحيح الجوارح، والمسكين الذي لا يقدر على الكسب ويكون به زمانة، قال الفقيه أبو الليث: سمعت أبي يذكر بإسناده عن قتادة أنه قال: الفقير هو المسكين الذي به زمانة والمسكين هو الفقير الذي لا زمانة به، وذكر عن أبي الحسن الكرخي أنه قال الفقير الذي لا يسأل الناس والمسكين الذي يسأل، واحتج بقوله تعالى: {للفقراء الذين أحصروا} إلى قوله {لا يسألون الناس إلحافًا}، وقال بعضهم على ضد هذا، قال: المسكين الذي لا يسأل؛ لأنّ النبي عليه السلام قال: ليس المسكين الذي يطوف على أبوابكم فتردون اللقمة عليه واللقمتين والكسرة والكسرتين إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس ولا يفطن
الجزء 1 · صفحة 85
له فيتصدق عليه، وقال بعضهم: الفقير والمسكين واحد إلا أنه ذكر بلفظين مختلفين ومعناهما واحد.
ولو أن رجلا له ألف درهم فعجل زکاتها عشرين در هما ثم حال الحول فهلك ثمان مائة وبقي منها مائتان فعليه در هم واحد لأنه قد أعطى من كل مائتي در هم أربعة دراهم فبقي لكل مائتي در هم در هم، ولو هلكت الثمانمائة قبل الحول فلا شيء عليه؛ لأنها قد هلكت قبل أن يجب فيها شيء، وقد أدى عشرين فالخمسة منها من المائتين والخمسة عشر منها تطوع؛ لأنّ الحول قد حال وليس في يديه إلا مائتينفزكاتها خمسة، وإن ا هلکت مائتان بعد الحول وبقيت ثمانمائة فعليه أربعة دراهم، فإن هلكت مائتان قبل الحول فلا شيء عليه والعشرين التي أدى عن الباقي.
ولو أن رجلا له أرض عُشر فنبت الزرع وصار قصيلا فقصله فعليه العشر، وقال بعضهم: هذا قول أبي حنيفة خاصة لأنه يرى العشر في البقول، وفي قياس قول أبي يوسف ومحمد لا يجب، وقال بعضهم: هذا بالاتفاق، قال الفقيه أبو الليث: والقول الأول عندي أصح، وبه نأخذ.
ولو أن رجلا له مائتا درهم وأدى زكاتها خمسة دراهم بعد الحول فوجد المسكين منها درهمًا ستوقًا؛ فجاء ليرده، فقال صاحب المال رُدّ علي الباقي فليس له أن يسترد ويكون أدائه على وجه التطوع، فلا رجوع فيه. وسئل بعضهم عن غني وجبت عليه الزكاة ولا يؤدي هل للفقير أن يأخذ منه أو يأخذ من ماله بغير علمه إن قدر على ذلك؟ قال: لا يجوز، إن أخذها فهو ضامن، لأن الحق ليس لهذا الفقير خاصة وله أن يؤدي إلى فقير آخر، فقيل: أرأيت إن لم يكن في قبيلته أو قريته أحد أحوج من هذا الرجل، هل يجوز له أن يأخذ وهو أحق من سائر الفقراء في الدفع إليه؟ قال: أما في الحكم فلا يجوز أخذه وهو ضامن إن أخذ، وأما فيما بينه وبين الله أرجو أن يحل له ذلك.
وروي عن أبي حنيفة في رجل له ألف درهم فأراد أن يعجل زكاته فعليه أن يزكي في كل واحد وأربعين در هم درهم، ولو حال الحول قبل أن يؤدي وجب عليه في كل أربعين درهم در هما، قال الفقيه وبه نأخذ، إذا عجل الزكاة فعليه في كل مائتين و خمسة دراهم خمسة دراهم، لأن الحول يحول على المائتين وقد خرجت الزيادة من ملكه قبل أن يحول عليه الحول.
باب آخر في الزكاة
قال الفقيه رضى الله عنه: سمعت محمد بن الفضل قال سمعت محمد بن جعفر قال سمعت إبراهيم بن يوسف قال: سألت أبا يوسف عن رجل تزوج امرأة على ألف درهم وهو لا يعلم أنها أمة فدفع إليها المهر، فمكث في يدها حولاً ثم علم أنها أمة ورد المولى النكاح وردّ الألف، فعلى من زكاة المال؟ قال: ليس
الجزء 1 · صفحة 86
على واحد منهما زكاة، قال: قلت له: فلو حلق رأس رجل فقضى عليه بالدية فدفعها فمكث حولا ثم نبت شعره فرد عليه الدية، فعلى من زكاتها؟ قال: ليس على واحد منهما زكاة قلت لم؟ قال: لأن هذا بمنزلة رجل أقر لرجل بدين فدفع إليه ثم تصادقا بعد الحول أنه لم يكن عليه دين، وليس على واحد منهما زكاة. وبهذا الإسناد قال إبراهيم بن يوسف وسألت أبا يوسف عن رجل ارتد ولحق بالدار، وله كروم وأرض خراج وورق، ثم رجع مسلما بعد حول والمال قائم بعينه وقد حمل الكرم، فعَلى مَنْ العشر والخراج والزكاة؟ قال: أما الدراهم فليس على واحد منهم شيء، وأما العشر والخراج فإنه يؤخذ من المرتد الذي أسلم لأن الأرض لا تخلو من أن يكون فيها عشر أو خراج.
وبهذا الإسناد قال إبراهيم: وسمعت أبا يوسف سئل عن رجل له أرضان فخرج من إحداهما وسقان ومن الأخرى ثلاثة أوساق قال: إذا كان عامل الصدقة على الأرضين جميعًا واحدًا ضم بعضه إلى بعض، فإذا بلغ خمسة أوسق أخذ منه العشر، وكذلك الغنم إذا كان له عشرين على حدة وعشرين على حدة في بلدة واحدة أو بلدتين وعامل الصدقة فيها واحد أخذ منهما الزكاة وإن كان عامل كل أرض على حدة لم يأخذ من واحدة منهما الصدقة، وعلى رب الأرض أن يتصدق بذلك فيما بينه وبين الله تعالى، وهذا بمنزلة رجل يمر على عاشر وعنده مائة درهم، وفي منزله مائة درهم لم يأخذ العاشر منه شيئًا وعليه أن يؤدي زكاة ذلك.
وبهذا الإسناد قال إبراهيم: و سمعت أبا يوسف قال: لو زرع سمسماً في أرض وخرج منها خمسة أو سق ثم زرعها فخرج منها أقل من خمسة أوسق، وإذا جمعا جميعًا كانت خمسة أوسق، هل يضم بعضه إلى بعض؟ قال: كل غلة تزرع قبل حصاد الأول جمعت بينهما، و كذلك نبات ما لا يزرع من النبات الذي يبقى ويقع في القفزان من الثمر والزبيب وما أشبهه كلما خرج من ذلك شيء قبل جزار الأول أو قطافه جمع بينهما، وهو بمنزلة الذهب والفضة، وهذا كله قول أبي يوسف الأول، ثم رجع وقال: لا يجمع بينهما حتى يكون من كل واحد منهما خمسة أوسق.
وسئل عبد الله بن المبارك عن رجل له أربعمائة درهم فظن أن عنده خمسمائة درهم فأدى زكاة خمسمائة درهم، ثم علم أن عنده أربعمائة درهم هل له أن يحسب الزيادة للسنة الثانية؟ قال: نعم، وعن الحسن البصري أن رجلا سأله، فقال: مررت بأصحاب الصدقات وأخذوا مني أكثر مما علي أفأحسب ? به من قابل؟ قال: نعم، قال الفقيه: هذا على وجهين فإن كانوا أصحاب الصدقات ظنوا أن المال أكثر فأخذوا على ذلك جاز له أن يحتسب الزيادة للسنة الثانية، وإن علموا مقدار المال وأخذوا منه الزيادة فلا يجوز أن