تيسير العبارة في قواعد الإجارة .....
. وتطبيقاتها وفتاويها المعاصرة عند الحنفية
جارٍ تحميل الكتاب…
تيسير العبارة في قواعد الإجارة .....
. وتطبيقاتها وفتاويها المعاصرة عند الحنفية
تيسير العبارة
في قواعد الإجارة وتطبيقاتها
وفتاويها المعاصرة عند الحنفية
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي بجامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
يشتمل على (35) قاعدة للإجارة و (70) فتوى معاصرة
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فإنّ الفقه يُدرّس ليُعمل به ويُفتى بمسائله ويُخرَّج على قواعده في المستجدات، وهي كثيرة في هذا الزمان، وتُمثل عقبة أمام الدارسين والباحثين والمشتغلين فيه.
فكيف يُمكن لنا أن نفتي بكلِّ ما يقع من المسائل الحديثة على أصول مذهبنا، ومَن دقَّق النظر في مدرسة المتقدِّمين من علمائنا يجد أنهم كانوا يقرِّرون مع الفقه قواعدَه والمباني التي تَصلح لبناء الأحكام عليها.
ونحن أحوج ما يكون في هذه الأيام لمثل هذا حتى تنهض هذه الأمة، وتقوم من سُباتها وتعود لسيادة الأمم كما كانت طوال التاريخ.
وهذا يقتضي من العاملين في الفقه أن يكونوا قادرين على تقديم صورة للإسلام، في أحكام مناسبة للمسلمين رغم كلّ هذا التطور
التكنولوجي، ولا طريق لذلك إلا بالدراسة المتعمقة في الفقه بضبط قواعده، والتمكُّن من أصوله، وفهم فروعه.
بحيث تُصبح دراسة الفقه دراسةً قواعديةً تطبيقيةً، فيُدرس الفقه على أنه مجموعة كبيرة جداً من القواعد تُفهم وتُقرَّر، ثم يُفتى بكلِّ نازلةٍ وواقعةٍ للمسلمين من هذه القواعد التي تقرَّرت في الأذهان.
وهذا ما نحاول أن نجسدّه في هذه الكتابات، ففي الكتاب مجموعة من أبرز القواعد للإجارة مع التوضيح والتطبيق عليها، بحيث يفهمها الدارس ويتمكَّن منها.
ثم ذكرت مجموعةً من فتاوى الإجارة المعاصرة وأكثرها كنت ناقشته مع طلبة الدكتوراه أثناء تدريس مادة: «بيع المنافع والحقوق».
وسمّيت هذا الكتاب:
تيسير العبارة
في قواعد الإجارة وتطبيقاتها
وفتاويها المعاصرة عند الحنفية
سائلاً المولى عز وجل أن يتقبل هذا العمل ويجعله خالصاً لوجه الكريم، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يهدينا ويبصرنا بالحق دائماً وأبداً، وصلى الله على نبينا المكرم، وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي بجامعة العلوم الإسلامية العالية
الأردن، عمان، صويلح
6 - 1 - 2025م
المبحث الأول
قواعد الإجارة وتطبيقاتها
القاعدة (1)
الإجارة: بيع نفع معلوم بعوض معلوم
* توضيح:
الإِجارة بَيعُ المنفَعة لغة، ولهذا سَمّاها أهلُ المدِينة بَيعًا، وأرادُوا به بَيعَ المنفَعة،، ولهذا سُمِّيَ البَدَلُ في هذا العَقد أُجرة، وسَمَّى الله بَدَلَ الرَّضاعِ أجرًا بقوله: {فإن أرضَعنَ لَكُم فآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6]، والأُجرة بَدَلُ المنفَعة لُغة.
* تطبيق:
فلو أجر الشّاةِ للَبنها أو سَمنها أو صُوفِها أو ولَدِها لا يصح؛ لأنَّ هذه أعيانٌ فلا تُستَحَقُّ بعَقد الإِجارة.
ولو أجر ماءٍ نَهرٍ أو بئرٍ أو قناةٍ أو عَينٍ لا يصح؛ لأنَّ الماءَ عَينٌ، فإن استأجرَ القناةَ والعَينَ، والبئرَ مع الماء لم يَجُز أيضًا؛ لأنَّ المقصُودَ منه الماءُ وهو عَينٌ (¬1).
• • •
القاعدة (2)
المنفعة المالية المتقومة: هي نفع عين بعقد شرعاً.
توضيح:
المنفعة: هي نفع عين من خدمة وسكنى وركوب بعقد وغيرها.
والمنفعة المالية: هي نفع عين بعقد، ولا يُطلق الفقهاءُ مصطلح المنفعة المالية، وإنما يستخدمون مصطلح المنفعة، قال الكاساني (¬2): «المال قد يكون عيناً، وقد يكون منفعةً، ويتعلّق بالملك في كلِّ واحدٍ منهما أحكام».
والتقوم يُقصد به الانتفاع الشرعي، فمثلاً: لا يصحّ العقد على المعاصي.
¬
(¬1) في بدائع الصنائع4: 175.
(¬2) في بدائع الصنائع7: 385.
تطبيق:
فلو أسكنه شخصا بيته بلا عقد بينهما، فلا يستحق الأجرة؛ لأن المنافع لا تكون مالاً يستحق بمقابله أجرة إلا بالعقد.
ولو اتفق مع مغنية أو نائحة على الغناء والنوح لا يصح العقد، ولا تلزم الأجرة؛ لأن مثل هذه المنفعة معتبرة عرفاً ويدفع في مقابلها الأموال، لكن الشرع منع منها؛ لكثرة ما فيها من الفساد والضرر، فكما أبطل العقد على الخمر والخنزير أبطل العقد في المعاصي.
• • •
القاعدة (3)
تلزم الإجارة إذا وقَعَت صَحِيحة
عَرِيّة عن خِيارِ الشَّرطِ والعَيب والرُّؤية
* توضيح:
عقد الإجارة من العقود اللازمة بشرط أن يكون صحيحاً، فلا يُفسَخُ من غير عُذرٍ؛ لأنَّها تَمليكُ المنفَعة بعِوضٍ فأشبهت البَيعَ، {يا أيها الذين آمنوا أوفُوا بالعُقُودِ} [المائدة: 1]، والفَسخُ ليس من الإِيفاءِ بالعَقد؛ لأنّ البيع يكون على اللزوم أو الخيار، والإِجارة بَيعٌ، فيَجِبُ أن تَكون نَوعَينِ، نَوعًا ليس فيه خِيارُ الفَسخِ، ونَوعًا فيه خِيارُ الفَسخِ؛
ولأنّها معاوضة عُقدت مُطلَقة، فلا ينفَرِدُ أحَدُ العاقدينِ فيها بالفَسخِ إلّا عند العَجزِ عن المضِيِّ في العَقد (¬1).
* تطبيق:
فلو أنّ زيداً استأجر سيارةً من معرض خاص لتأجير السّيارات لمدة أُسبوع كلَّ يوم بـ (20د) لسيارةٍ معيَّنة، فإنَّ العقدَ يكون صحيحاً ولازماً، فلا يستطيع أحدُهما فسخه إلا برضا الآخر.
ولو أنّ المستأجر للشقة اشترط الخيار ثلاثة أيام عند العقد، فلا يكون العقد لازماً في حقّه في مدة الخيار، بحيث يُمكنه الفسخ فيه.
ولو أنّ المستأجرَ لمضخة الماء وجدها ضعيفةً لا تقدر على نزح الماء بالمقدار المطلوب عادةً، فيُمكنه فسخ العقد؛ لوجود العيب في المضخّة.
• • •
القاعدة (4)
القاعدة: الأجير الخاص يستحق أجرته على حبس الوقت:
* توضيح:
العقود إما أن تكون على الوقت أو العمل، فما كان على الوقتِ منها كان للعقد حكم الأجير الخاصّ، وما كان منها على العمل، كان للعقدِ فيها حكم الأجير المشترك.
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 4: 201.
والأجير الخاصّ الذي يَعمل لواحدٍ، ويَستحقُّ الأجر بتسليم نفسه مدة العمل وإن لم يعمل بسبب عدم تكليف رب العمل له بأي عمل مثلاً، لهذا يُشترط في هذه الإجارة بيان المدة فقط (¬1).
* تطبيق:
فلو أجّره شقةً لمدة سنة، واستلمها المستأجر ولم يَسكنها، فالأجرةُ تكون مستحقّة عليه؛ لأنها في حكم الأجير الخاصّ، الذي يستحقّ على الأجرة على الوقت.
ولو أنّ استاذاً في الجامعة أنجز تدريس المنهاج قبل انتهاء الفصل بشهرٍ مثلاً، وتوقّف عن إعطاء المحاضرات، لم يحل له ذلك؛ لأنّ التدريس إلى نهاية الفصل لازم في حقّه، واستحقّ العقوبة والخصم؛ لعدم قيامه بالعمل في طوال الوقت المحدَّد لذلك؛ لأنه عقد أجير خاص على الوقت، فيلزم العمل طوال الوقت.
• • •
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 4: 184.
القاعدة (5)
الأجير المشترك يستحق أجرته بالعمل
* توضيح:
الأجير المشترك الذي يعمل لعامّة الناس: كالخياط، يستحق الأجر بالعمل، لهذا يشترط في هذه الإجارة بيان العمل والمعمول فيه، فإن لم يقم بالعمل المتفق عليه لم يستحق الأجرة.
* تطبيق:
فلو قال لخياط: استأجَرتُك لتَخِيطَ هذا الثَّوبَ اليوم، فالإِجارة فاسِدة عند أبي حنيفة؛ لأنَّ المعقُودَ عليه مَجهولٌ؛ لأنّهُ ذَكَرَ أمرَينِ كلُّ واحِدٍ منهما يجوز أن يكون معقُودًا عليه، وهما العَمَلَ والمدّة، ولا يُمكِنُ الجَمع بينهُما في كون كل واحِدٍ منهما معقُودًا عليه؛ لأنّ حُكمَهُما مُختَلفٌ؛ لأنّ العَقد على المدّة يَقتَضِي وُجُوبَ الأجرِ من غير عَمَلٍ؛ لأنّهُ يكون أجِيراً خاصاً، والعَقد على العَمَل يَقتَضِي وُجُوبَ الأجرِ بالعَمَل؛ لأنّهُ يَصِيرُ أجِيرًا مُشتَرَكاً، وجَهالة المعقُودِ عليه تُوجِبُ فسادَ العَقد.
وعند أبي يوسف ومحمد: يجوز؛ لأنَّ المعقُودَ عليه هو العَمَلُ؛ لأنّهُ هو المقصُودُ من العقد، وهو معلومٌ، فأمّا ذِكرُ المدّة فللتَّعجِيلُ، فلم تَكُن المدّة معقُودةً عليها، وذكرُها لا يَمنَعُ جواز العَقد، وإذا وقَعَت الإِجارةُ على العَمَل، فإن فرَغَ منه قبل تَمام المدّة أي اليوم فله كمالُ الأجرِ، وإن لم يَفرُغ منه في اليوم فعليه أن يَعمَله في الغَدِ، فإن كان في العرف عند إطلاق
العبارة يقصد ما قال أبو حنيفة كان العقد فاسداً، وإن كان يَقصد ما قال الصاحبان يكون صَحيحاً (¬1).
ولو اتفق مع الميكانيكي على إصلاح سيارته، فلم يقدر على إصلاحها، لا يَستحقُّ الأجرة؛ لأنّ العقدَ على العمل، وهو الإصلاح، ولم يحصل.
• • •
القاعدة (6)
يد المستأجِرِ يد أمانة
* توضيح:
إنّ المستأجَرَ أمانة في يَدِ المستأجِرِ، حتى لو هَلَكَ في يَدِهِ بغير صُنعِهِ لا ضَمان عليه؛ لأنّ قَبضَ الإِجارة قَبضٌ مأذُونٌ فيه، فلا يكون مَضمُونًا كقَبضِ الوديعة والعارِيّة، سواءٌ كانت الإِجارة صَحِيحة أو فاسدة، فيد المستأجر في الإجارة الفاسد يد أَمانة، حتى لو هَلَكَ لا يَضمَنُ المستأجِرُ؛ لحُصُول الهلاكِ في قَبضٍ مأذُونٍ فيه من قبل المؤجِرِ (¬2).
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 4: 185.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع 4: 218.
* تطبيق:
فلو استأجر سيارة، فتعطّل شيء منها بلا تعدٍّ من المستأجر، فإنّه لا يضمن؛ لأنّ يده يد أمانة.
ولو استأجر شقةً، فدخلت إليها الرطوبة واحتاج إلى صبغها، فيكون الصّبغُ لها على المؤجر لا على المستأجر؛ لأنّ التغيرَ الحاصل ليس من يد المستأجر.
• • •
القاعدة (7)
يد الأجير المشترك أمانةٌ فيما لا يُمكن الاحترازُ عنه
اليد في المستأجَر فيه كثوب القِصارة، والصِّباغة، والخِياطة، والمتاعِ المحمُول في السَّفينة، فإن كان الأجير مُشتَرَكاً، فهو أمانة في يده في قول أبي حنيفة؛ لأنَّ الأصلَ أن لا يَجِبَ الضَّمانُ إلّا على المتَعَدِّي، والأمانة لها معنى فليست أمانة مطلقاً، وإنما أمانة بمعنى أن كلَّ ما يُمكن الاحتراز عنه تكون يده ضمان، وفيما لا يُمكن الاحتراز عنه تكون يده أمانة.
وقال أبو يوسف ومحمد: يده يد ضمان، إلّا حَرَقٌ غالبٌ أو غَرَقٌ غالبٌ أو لُصُوصٌ مُكابرِينَ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «على اليَدِ ما أخَذَت حتى تَرُدَّهُ»، وقد عَجَزَ عن رَدِّ عَينِه بالهلاك، فيَجِبُ رَدُّ قِيمَته قائِماً مَقامه، ورُوي أنَّ عُمَرَ - رضي الله عنه - كان يُضَمّن الأجِيرَ المشتَرَكَ احتِياطاً لأموال النّاسِ، ولأن
هَؤُلاء الأُجَراءَ الذين يُسَلّم المالُ إليهم من غير شُهودٍ تُخاف الخِيانة منهم، فلو عَلموا أنَّهُم لا يُضَمَّنُونَ؛ لهلَكَت أموالُ النّاسِ؛ لأنّهُم لا يَعجِزُونَ عن دَعوى الهلاكِ، وهذا المعنَى لا يُوجَدُ في الحَرقِ الغالب، والغَرَق الغالب، والسَّرَق الغالب، والفتوى مختلفٌ فيها في القولين، ويُرجع فيها للعرف والمصلحة للنّاس (¬1).
* تطبيق:
فلو استأجر سيارة لنقل متاعه وسقط شيءٌ من المتاع أثناء نقله بالسيارة، فيَضمن صاحبُ السيارة؛ لأنّه قصَّر في ربطها بطريقةٍ جيدةٍ فسقط، فكان يُمكن الاحتراز فلم يحترز، لذلك ضمن.
ولو استأجر عاملاً لحمل متاعه، فعثر فسقط المتاع من يده فهلك، فعلى العامل الضمان؛ لأنه كان يُمكنه الاحتراز بالانتباه، ولم يحترز فاستحقّ عليه الضمان.
• • •
القاعدة (8)
يد الأجير الخاصّ أمانة
يد الأجِيرُ الخاص تكون أمانة في قولهم جميعاً، حتى لو هَلَكَ في يده بغير صُنعِه لا يَضمَنُ، أما على أصل أبي حنيفة؛ فلأنَّهُ لم يُوجَد منه
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 4: 210.
صُنعٌ يَصلُحُ سَبَباً لوجُوب الضَّمانِ؛ لأنّ القَبضَ حَصَلَ بإِذنِ المالكِ، وأما على أصلهما؛ فلأنَّ وُجُوبَ الضَّمانِ في الأجِيرِ المشتَرَكِ ثَبَتَ استِحساناً؛ صِيانة لأموال النّاسِ، ولا حاجة إلى ذلك في الأجِيرِ الخالصِ؛ لأنّ الغالبَ أنَّهُ يُسَلِّم نَفسَهُ ولا يَتَسَلّم المالَ، فلا يُمكِنُهُ الخِيانة (¬1).
* تطبيق:
فلو سقط الحاسوب من يد الموظّف في الشّركة بلا تقصير منه، لا يضمن؛ لأنّ يده أمانة.
ولو ألقى الموظف شيئاً على الأرض فكسر وفسد يضمن بسبب تعديه.
• • •
القاعدة (9)
رِضا المتَعاقدينِ شرطٌ لصحة الإجارة:
* توضيح:
لما كانت الإجارة من المعاوضات كالبيع، فلا بد من الرضا في هذه المعاوضة، قال تعالى: {إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجاَرَةٌ عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُم} [النساء
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 4: 211.
29]؛ لأنَّ التِّجارة تَبادُلُ المال بالمال، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل مال امرئ إلا بطيب من نفسه» (¬1) (¬2).
* تطبيق:
فلو أُكره شخصٌ على التأجير أو الاستئجار لا تصحُّ الإجارةُ مع الإكراه؛ لأنَّ الإكراه ينافي الرِّضا، فيمنَعُ صِحّة الإِجارة، كما مَنَعَت من صِحّة البَيعِ، والإِجارة تِجارة فتحتاج إلى الرضا.
ولو استأجر شقة لم يرها كان مخيّراً بعد رؤيتها أن يستمر في العقد أو يفسخ؛ لأنّ الرضا لا يتحقق بلا رؤية.
ولو استأجر سيارة فكان فيها عطلّ في أحد أجزائها يمنع الانتفاع بها، كان له أن يفسخ العقد؛ لعدم وجود الرضا بسبب العيب.
• • •
القاعدة (10)
كلُّ ما لا يُمكِنُ الانتِفاعُ به إلّا باستِهلاكِ عينه لا تجوز إجارته
* توضيح:
الإِجارة بَيعُ المنفَعة، والبيع: بيع العين، فالدّاخِلُ تحت الإِجارة المنفعة؛ لأنّ بيع الأعيان من البيع، والإجارة لها أحكامها الخاصّة بها،
¬
(¬1) في سنن البيهقي الكبير 8: 182.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع 4: 179.
والبيع له أحكامه الخاصة به، فلا بد من إلحاق كل شيء بأصله ليأخذ أحكامه، وهذا كلُّه من جهة القياس، وأَمَّا من جهة الاستحسان فقد تجوَّزوا في ذلك كثيراً، حيث أنزلوا الأعيان منزلة المنافع، فصحّحوا عقد الإجارة عليها.
* تطبيق:
فلو استأجَرَ الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ؛ ليُعَيّرَ بها مِيزانًا يجوز؛ لأنَّ ذلك نَوعُ انتِفاعٍ بها مع بَقاءِ عينها، فأشبه استِئجارَ سَنَجاتِ الميزان، بخلاف ما لو استهلاكها بإنفاقها، ورَدّ مثلها، فإنه يعدّ قرضاً، ويأخذ أحكام القرض.
ولو استأجر الشَّجَرِ والكَرمِ للثمرِ، فلا يصحّ؛ لأنّ الثمرَ عينٌ لا منفعةٌ، وهذا من جهة القياس، واستحسنوا جوازه للضّرورة، ونُزِّلت الثّمرةُ فيها منزلة المنفعة، فجاز استئجار الأشجار.
ولو استأجر الشّاةَ للَبنها أو سَمنها أو صُوفِها أو ولَدِها لم يجز؛ لأنّه عقد على عين لا على منفعة.
ولو استأجر المرعِي لم يجز؛ لأنَّ الكلأ عَينٌ، فلا تحتَمَلُ الإِجارة قياساً، واستحسنوا جوازه ضرورة، فصار في منزلة المنفعة.
ولو استأجر ظئراً لإرضاع الصبيِّ جاز مع أنّ اللبن عين؛ لأنَّ العَقد يَقَعُ على خدمة الصَّبيِّ، واللَّبن يَدخُلُ على طَرِيقِ التَّبَعِ، فكان ذلك
استِئجارًا على المنفَعة، كما قال محمّد، أو جاز استحساناً؛ للنصوص الواردة فيه: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6] (¬1).
• • •
القاعدة (11)
العقل شَرطُ انعِقادِ الإجارة
* توضيح:
لا تَنعَقد الإِجارة من المجنُونِ والصَّبيِّ الذي لا يَعقِلُ؛ لعدم صحّة العبارة منهما في الدّلالة على المعنى؛ وذلك لفقدان العقل، فأشبه صوت الطّير، فلم يصلح بناء الأحكام علي عبارتهما، بخلاف الصّبي المميّز، حيث تصحّ إجارته بشرط الإذن السّابق له، أو الإجازة اللاحقة؛ لدفع الضّرر عنه بإجازة الوصي.
* تطبيق:
فلو أجّرَ الصَّبيَّ العاقل (المميّز) ماله أو نَفسَه، فإن كان مأذُونًا يَنفُذُ، وإن كان مَحجُورًا يَقِفُ على إجازة الوصي له.
ولو أجَّرَ الصَّبيُّ المحجُورُ نفسَهُ وعَمِلَ وسَلَّم العَمَل يَستَحِقُّ الأجرَ، ويكون الأجرُ له، ولا يُهدَرُ سَعيُهُ، فيَتَضَرَّرَ به، وكأن الوليُّ أذِنَ له بذلك دَلالة، وتكون الأُجرة المسَمّاةِ له، فلأنَّها بَدَلُ مَنافِعَ وهي حَقُّهُ (¬2).
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 4: 175.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع 4: 176.
القاعدة (12)
الإِجارة والاستِئجارُ بين المسلم وغير المسلم جائزة
* توضيح:
أحكام غير المسلم كالمسلم في المعاملات إلا في الخمر والخنزير، فتجوز الإجارة بين المسلم والذّمي بعقد الدّار؛ لأنَّ الإجارة من عُقُودِ المعاوضاتِ، فيَملكُهُ المسلم وغير المسلم جَمِيعاً كالبياعاتِ.
* تطبيق:
فلو استأجَرَ الذّمي داراً من مُسلم أو من ذمي في المصرِ، ثم أرادَ أن يَتَّخِذَها مُصَلًّى للعامة، ويَضرِبَ فيها بالنّاقُوسِ له ذلك، إن لم يُشرَط ذلك في العَقد، أما إذا شُرِطَه في العقد بأن استأجَرَها على أن يَتَّخِذَها مُصَلًّى للعامة لم تَجُز الإِجارة؛ لأنَّهُ استِئجارٌ على المعصِية.
ولو اتخذ الذّمي الدار التي استأجرها مصلّىً للعامة، فلرَب الدّارِ وعامّة المسلمينَ أن يَمنَعُوهُ من ذلك على طَرِيقِ الحِسبة؛ لما فيه من إحداثِ شَعائرَ لهم، وفيه تَهاوُنٌ بالمسلمينَ، واستِخفافٌ بهم كما يُمنع من إحداثِ ذلك في دارِ نفسِهِ في أمصارِ المسلمينَ، لقول النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا خِصاءَ في الإِسلام ولا كَنِيسة»: أي ولا إحداثُ الكنيسة في دارِ الإِسلام
في الأمصارِ، ولا يُمنَعُ أن يُصَليَ فيها بنفسِهِ من غير جَماعة؛ لأنّه لو فعَلَ ذلك في دارِ نَفسِهِ لا يُمنَعُ منه (¬1).
• • •
القاعدة (13)
المنافِعُ لا تَتَقَومُ ولا تُضمن إلا بالعَقد الصَّحِيحِ أو الفاسِدِ
* توضيح:
معلومٌ أنّ المنافعَ ليست بشيءٍ محسوس كالأعيان، حتى يكون لها قيمةٌ في نفسها، وإنّما تتقوَّم بالعقد؛ لأنّ منفعةَ الشّقة بلا استئجار: أي عقد لا عبرة بها، حيث يَمضي شهور أو سنون بلا عود نفع على صاحبها ما لم يؤجرها، وبالتالي صارت لها القيمة بالعقد، فإن لم يُوجَد عقد لا أجر ولا ضمان، حتى لو غصبها غاصب لا يضمن؛ لعدم العقد، إلا إذا كانت من المُستغلّات التي تؤجر، فيُعَدُّ الغصب لها بمنزلة العقد عليها، فيلزم الضّمان، وهو أجر المثل لها.
* تطبيق:
فلو حصَّل المستأجر المنفعة في الإجارة الفاسدة بعد فسَخَ القاضِي لها، بأن زَرَعَ أو حَمَلَ أو لَبسَ لا يَجِبُ عليه شيء من الأجر؛ لأنّ القاضِيَ
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 4: 176.
لما نَقَضَ العَقد، فقد بَطَلَ، فصارَ مُستَعمِلاً مالَ الغير من غير عَقد، فصارَ غاصِباً.
ولو حصَّل المستأجر المنفعة في الإجارة الفاسدة قبل فسخ القاضي لها، بأن زَرَعَ الأرضَ وحَمَلَ على السيارة ولَبسَ الثَّوبَ وطَبَخَ في القدرِ، فمَضَت المدّة فعليه الأجرة المسمّاة في العقد استِحسانًا؛ لأنَّ المفسِدَ للعقد جَهالة المعقُودِ عليه، والمعقُودُ عليه قد تَعَيَّنَ بالزِّراعة والحَمل واللُّبسِ والطَّبخِ فزالَت الجَهالة، فقد اُستُوفي المعقُودُ عليه في عَقد صَحِيحٍ، فيَجِبُ كمالُ المسَمَّى كما لو كان مُتَعَيَّنًا في الابتِداء.
ولو وكَّل غيره بإجارة الدار، ثم لم يُؤجّر الوكيل الدّارَ لكِنَّهُ وهَبها من رَجُلٍ أو أعارَها إيّاهُ فسَكَنَها سِنِينَ ثم جاءَ صاحِبها، فلا أجرَ له على الوكِيل ولا على السّاكِنِ؛ لأنَّ المنافِعَ لا تُضمَنُ إلّا بالعَقد الصَّحِيحِ أو الفاسِدِ، ولم يُوجَد هاهنا، فهو موكّل بالإجارة، فإذا وهب أو أعار كان كالفضولي والغاصب، فلا يترتب عليه شيء من ضمان؛ لعدم وجود عقد أصلاً (¬1).
• • •
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 4: 177.
القاعدة (14)
عقد الإجارة صحيح إن لم تكن المنفعة فيه معصية محضة
* توضيح:
إن كانت المنفعةُ تحتمل الحلّ والحرمة، يكون العقدُ عليها صحيحاً ما لم تسم المعصية في العقد، وهذا إذا تخلل فعل فاعل مختار لتحقق المعصية، فتحلّ الأجرة على الوظيفة المتمحضة لخدمة مباحة وإن أعانت على معصية في الظاهر.
* تطبيق:
فلو استأجر عاملاً للعمل في بناء كنيسة صحّ؛ لأنّ منفعة البناء مباحة، والمعصية تحققت بفعل فاعل مختار.
ولو عمل في البنك الربوي مراسلاً جاز؛ لأن عمله مجرّد الخدمة، وهي مباحة.
• • •
القاعدة (15)
لا تصحّ عقود الإجارة على المعاصي
* توضيح:
فيشترط لانعِقاد الإجارة كون المنفَعة مُباحة الاستِيفاء؛ لأنّ الإجارة من العقود اللازمة، فيكون العقدُ ملزماً لفعل المعصية، والمعصيةُ يجب تركها لا فعلها، فلا يَصحّ، حتى لا تلزم المعصية (¬1).
* تطبيق:
فلو أستأجر امرأةً للغناء لم يصحّ؛ لأنّ العقدَ وقعَ على معصية، فلا يَلزم، ولو غَنَّت فلا تستحقُّ الأجرة لفساد العقد.
ولو استأجر محلاً لفتح بنك ربوي لم يصحّ إن ذكر في العقد؛ لوجود المعصية في المعقود عليه، بخلاف ما إذا لم يذكر المعصية صحّ ولو فتح فيه بنكاً؛ لأنّ العقد كان على مطلق الاستئجار، فكان صحيحاً.
• • •
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع4: 190.
القاعدة (16)
لا تصحُّ الأجرة على الطّاعات
* توضيح:
إن كان العمل المستأجر له الأجير فرضاً أو واجِباً عليه قبل الإِجارة لم تَصِحَّ الإِجارة؛ لأنّ مَن أتَى بعَمَلٍ يُستَحَقُّ عليه لا يَستَحِقُّ الأُجرة، وهذا من جهة القياس، ولكن جوَّزوا أخذ الأجرة على بعض الطاعات: كالإمامة وتعليم القرآن والفقه، استحساناً للضّرورة، خشية الاندراس، وألحقوها بقاعدة أُخرى، وهي أخذ الأُجرة على حبس الوقت على نفس الطاعة.
* تطبيق:
فلو استؤجر على الصَّومِ والصَّلاةِ والحَجِّ لم يصح العقد؛ لأنّها من فُرُوضِ الأعيان.
ولو استأجر عالماً على تَعليمِ العِلم لا يجوز؛ لأنّهُ فرضُ عَينٍ، ولا على تَعليمِ القُرآنِ؛ لأنَّهُ استِئجارٌ لعَمَلٍ مَفرُوضٍ، لكنه جاز استحساناً للضرورة؛ لئلا يندرس العلم.
ولو استؤجر على الجهاد والأذانِ والإِقامة والإمامة لم يصح؛ لأنّها من الطّاعات، وجازت استحساناً للضرورة لها.
ولو استأجر أحداً لغُسل الميِّتِ لم يجز؛ لوجوبه على المسلمين، وجاز استحساناً للضرورة.
ولو استأجره على تَعليمِ اللُّغة والأدَب جاز؛ لأنّهُ ليس بفَرضٍ، ولا واجِبٍ.
ولو استأجره على بناءِ المساجِدِ والرِّباطاتِ والقَناطِرِ جاز؛ لعدم فرضيته (¬1).
• • •
القاعدة (17)
الجهالة المفضية إلى المنازعة مفسدة للإجارة
* توضيح:
هذا الأصل من أبرز الأصول التي يُعتمد عليها في المعاوضات، فيشترط لصحة الإجارة كون المعقُودُ عليه معلوماً علماً يَمنَعُ المنازَعة، فإن كان المعقود عليه مجهولاً، وكانت تلكَ الجَهالة مُفضِية إلى المنازَعة تَمنَعُ صِحّة العَقد؛ لأنَّ الجَهالة المفضِية إلى المنازَعة تَمنَعُ من التَّسليمِ والتَّسَلم، فلا يَحصُلُ المقصُودُ من العَقد، وإذا لم تَكُن الجهالة مُفضِية إلى المنازَعة يُوجَدُ التَّسليمُ والتَّسَلُّم، فيَحصُلُ المقصُودُ.
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 4: 191.
* تطبيق:
فلو استأجر زيدٌ سيارة عنده من عمرو بلا بيان وصفها صح؛ لأنّه لا يحتاج إلى ذكر أوصاف لوجود التّسلم، وهو وجود السيارة بين يدي المستأجر.
ولو استأجر أرضاً بلا بيان ما يُزرع فيها فَسَد العقد؛ لاختلاف تأثير ما يُزرع على الأرض، فكان سبباً للتنازع بينهم إن لم يبين.
ولو استأجر سيارة للتوصيل بلا بيان مكان التوصيل لم يصح؛ لوجود الجهالة، فيُفضِي إلى المنازَعة.
ولو استأجر ثوباً للُّبسِ، وقدراً للطَّبخِ لا بُدَّ فيه من بيان المدّة، وبيان مَن يَلبَسُ، وما يَطبُخُ في القدرِ؛ لأنّه فيه تفاوت يفضي إلى النزاع؛ وكون المعقود عليه معلوماً شرط.
ولو قال: أجَرتُك إحدَى هاتَينِ الدّارَينِ، لم يَصِحَّ العَقد إن كانت الجهالة مفضية إلى المنازعة، أما إذا كانت الجهالة يسيرة لا تفضي إلى النزاع يصح.
ولو استأجَرَ سيارة بغير عَينِها بعد بيان وصفها يصح، وإن كان المعقُودُ عليه مَجهولًا لجَهالة مَحَلّه؛ لأنَّ هذه الجَهالة لا تُفضِي إلى المنازَعة؛ لحاجة النّاسِ إلى سُقُوطِ اعتِبارِها، مثل أجرة الحمام جازت للتّعارف (¬1).
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 4: 180.
القاعدة (18)
الضّرر في الإجارة مفسدٌ لها
* توضيح:
يشترط لصحة الإجارة خلو عقد الإجارة عن الضّرر؛ لأنّ الأجِيرَ لا يَرضَى بالضرر، فكان مُستَثنًى من العَقد دَلالة، فإن كان العقد واقعا على ما فيه ضرر لم يكن لازماً (¬1).
* تطبيق:
فلو استأجر شخصٌ مقاولاً لبناء بيتٍ وليس عنده ترخيص من قبل الدّولة لهذا البناء، بحيث يُعرض المقاول نفسه للمساءلة القانونية بالقيام بهذا العمل، فلا يكون العقد لازماً على المقاول؛ لأنه عقدٌ على إلحاق ضرر به.
ولو استأجر مزارعاً يَعمل له في مزرعته، ثم تبين أنه سارق، كان له الحقّ أن يَفسخ العقد؛ لما يَلحقه من ضرر بسبب كون المزارع سارقاً.
• • •
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 4: 180.
القاعدة (19)
عدم القدرة على استيفاء المعقود عليه مفسدٌ للإجارة
* توضيح:
يشترط لصحّة الإجارة كون المعقود عليه مَقدورَ الاستِيفاءِ حَقِيقة وشَرعاً شرطٌ لصحة الإجارة؛ بأن يكون العَمَلُ المستأجَرُ له مَقدورَ الاستِيفاءِ من العامل بنفسِهِ، ولا يَحتاجُ فيه إلى غيره، لأنّ العَقد لا يَقَعُ وسِيلة إلى المعقُودِ بدُون الاستيفاء (¬1).
* تطبيق:
فلو أجّر سيارته المغصوبة من غير الغاصب لم يصح؛ لأنّه لا يُقدرُ على استِيفاءِ مَنفَعَتِهِ حقيقة؛ لكونهِ معجُوزَ التَّسليمِ حقيقة بخلاف ما لو أجرها من الغاصب فيصح؛ لإمكان الاستيفاء.
ولو أجّر الشقة المشتركة من غير الشريك لم يصح عند أبي حنيفة؛ لأنَّ مَنفَعة المشاعِ غير مقدورة الاستِيفاءِ؛ لأنّ استِيفاءَها بتَسليمِ المشاعِ، والمشاعُ غير مَقدورٍ بنفسِهِ؛ لأنّهُ اسمٌ لسَهمٍ غير معيَّنٍ، وغير المعيَّنِ لا يُتَصَورُ تَسليمُهُ بنفسِهِ حَقِيقة.
• • •
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 4: 187.
القاعدة (20)
انتفاع الأجِيرُ من عَمَله مفسدٌ للإجارة
* توضيح:
إن كان الأجير يَنتَفِعُ بالعمل الذي استؤجر لفعله لم تجز الإجارة؛ لأنّهُ حِينَئِذٍ يكون عاملاً لنفسه فلا يَستَحِقُّ الأجرَ؛ لأنّ الأجير مَن يعمل لغيره لا مَن يعمل لنفسه، وبالتالي مَن كانت أُجرته بعض الخارج اعتبر عاملاً لنفسه، أو لأنّ الأجرةَ مجهولةٌ، فلم يصحّ، وهذا كلُّه من جهة القياس، وأمّا استحساناً، فقد جوَّزوا أن تكون الأُجرة بعض الخارج إن كان عرف بذلك، فلم تبق جهالة، ولا عمل لنفسه؛ لأنّ ما يأخذه أُجرة صحيحة للعرف.
* تطبيق:
فلو استؤجر على الطّاعاتِ فرضاً كانت أو واجِبة أو تَطَوُّعاً، لم يصحّ؛ لأنّه عاملٌ لنَفسِه، قال سُبحانَهُ وتعالى: {مَن عَمِلَ صالحًا فلنَفسِهِ} [فصلت: 46]، واستحساناً يصحح للضّرورة، واعتبر عقده على حبس الوقت.
ولو استأجَرَ رَجُلاً ليَطحَنَ له (100) كيلو من الحِنطة برُبُعٍ من دَقِيقِها، أو ليَعصِرَ له سِمسِمٍ بجُزءٍ معلومٍ من دُهنِهِ لم يجز؛ لأنّ الأجِيرَ يَنتَفِعُ بعَمَله من الطَّحنِ والعَصرِ، فيكون عاملًا لنَفسِه، وقد روي عن
رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ «نَهَى عن قَفيزِ الطَّحّانِ» (¬1)، والاستحسان الجواز إن تعارف الناس ذلك.
ولو استأجَرَ رَجُلاً على أن يَحمِلَ له طَعاماً بعَينِهِ إلى مَكان مَخصُوصٍ بجزء منه، لا يَصِحُّ؛ لأنّ الأجيرَ يصيرُ شَرِيكاً بأول جُزءٍ من العَمَل، وهو الحَملُ، فكان عَمَله بعد ذلك فيما هو شَرِيكٌ فيه، وإذا حَمَلَ فله أجرُ مِثله؛ لأنّهُ استَوفَى المنافِعَ بعَقد فاسِدٍ، فيَجِبُ أجرُ المثل ولا يَتَجاوزُ به المسمّى؛ لأنّ الواجِبَ في الإِجارة الفاسِدة الأقل من المسَمَّى ومن أجرِ المثل، وهذا من جهة القياس إن لم يكن استحسان بعرف (¬2).
• • •
¬
(¬1) في سنن البيهقي الكبرى 5: 339، وسنن الدارقطني 3: 47، قال ابن الملقن في خلاصة البدر المنير 2: 107: رواه الدارقطني من رواية أبي سعيد بإسناد فيه مجهول. وفي تلخيص الحبير 3: 60: وقفيز الطحان فسره ابن المبارك أحد رواة الحديث: بأن صورته: أن يقال للطحان: اطحن بكذا وكذا بزيادة قفيز من نفس الطحين، وقيل: هو طحن الصبرة لا يعلم مكيلها بقفيز منها.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع 4: 191.
القاعدة (21)
كون الأُجرة مَنفَعة من جِنسِ المعقُودِ عليه مفسدٌ للإجارة
* توضيح:
الإجارةُ تشبه البيع، فتأخذ كثيراً من أحكامها، ولمّا ثبت في البيع عدم جواز بيع الجنس بالجنس إلا يداً بيد، عُدّي ذلك للمنفعة إن اتحد جنسها؛ لعدم إمكانية التّقابض فيها في المجلس.
فلا يجوز استئجار السُّكنَى بالسُّكنَى، والخِدمة بالخِدمة، والرُّكُوب بالرُّكُوب، والزِّراعة بالزِّراعة، ويجوز السكنى بالخدمة، والزّراعة بالرّكوب؛ لأنّ الإجارةَ تنعَقد شَيئاً فشَيئاً على حَسَب حُدُوثِ المنفَعة، فلم تَكُن كل واحِدة من المنفَعَتَينِ معيَّنة، بل هي معدُومة وقتَ العَقد، فيَتأخَّرُ قَبضُ أحَدِ المستأجِرِينَ، فيَتَحَقَّقُ رِبا النَّساءِ، والجِنسُ بانفِرادِهِ يُحَرِّمُ النَّساءَ كإسلام الهرَوِيِّ في الهرَوِيِّ (¬1).
* تطبيق:
فلو استأجر زيدٌ شقة لعمرو في منطقة صويلح بشقة له في منطقة الجبيهة، لم يصح؛ لاتحاد جنس لمنفعة.
ولو استأجر معلّمٌ للفيزياء معلماً للغة العربية ليدرّس ابنه العربية
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 4: 194.
مقابل أن يدرّس ابنه الفيزياء، جاز لاختلاف جنس المنفعة بين التدريس للعربية والفيزياء.
ولو استأجر مالك سيارة مرسيدس سيارة تويوتا؛ لتكون أجرته قيادة سيارة المرسيدس لا يصح؛ لاتحاد جنس الركوب فيها، ولو كانت باصاً أو غيرها.
• • •
القاعدة (22)
الشّرط الذي لا يَقتَضِيهِ العَقد ولا يُلائِمُهُ
وفيه منفعة لأحد العاقدين مفسدٌ للإجارة
* توضيح:
هذه القاعدة مستعملة في البيع، وعدِّيت للإجارة؛ لأنّها نوع بيع، فإن كان في عقد الإجارة شرطٌ فيه زِيادة مَنفَعة مَشرُوطة في العَقد لا يُقابلها عِوضٌ في معاوضة المال بالمال، فيكون رِبا أو فيها شُبهة الرِّبا، وكلُّ ذلك مُفسِدٌ للعَقد.
* تطبيق:
فلو استأجَرَ داراً بأُجرة معلومة، واشترط عليه المؤجّر إصلاح الدار، فالإِجارة فاسدة؛ لأنّ ذلك كلُّه على المؤجرِ، فإذا شُرِطَ على المستأجِرِ فقد جَعَله أُجرة، وهو مَجهولٌ، فصارَت الأُجرة مَجهولة، ولأنّ
ذلك كله شَرطٌ يُخالفُ مُقتَضَى العَقد ولا يُلائِمُه، وفيه مَنفَعة لأحَدِ العاقدينِ، وهذا من جهة القياس، وأما استحساناً، فإن تعارف الناس ذلك، بحيث لا يتنازعون فيه كانت أجرةً معلومةً لا نزاع فيها فيصحّ.
ولو استأجَرَ داراً مُدّة معلومة بأُجرة مُسَمّاةٍ على أن لا يَسكُنَها، فالإِجارة فاسِدة؛ لأنّ هذا شرط لا يقتضيه العقد، ولا أُجرة على المستأجِرِ إذا لم يَسكُنها، وإن سَكَنَها فعليه الأقل من المسمّى أو أجر المثل.
ولو أجّره بشَرطِ تَعجِيل الأُجرة، أو اشترط على المستأجِرِ أن يُعطِيَهُ بالأُجرة رَهناً أو كَفيلاً جاز إذا كان الرَّهنُ معلوماً والكَفيلُ حاضِراً؛ لأنّ هذا شَرطٌ يُلائِمُ العَقد، وإن كان لا يَقتَضِيهِ فيجوز (¬1).
• • •
القاعدة (23)
قبض المؤجّر للمعقود عليه
إن كان منقولاً شرطٌ لصحّة الإجارة
* توضيح:
يُشترط كون المعقُود عليه مَقبُوضَا للمؤجر إذا كان منقولاً، فإن لم يكن في قَبضِهِ فلا تَصِحُّ إجارَتُهُ، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض، فالقبض شرطٌ في الإجارة كالبيع؛ لأنَّ فيه غَرَرَ انفِساخِ
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 4: 195.
العَقد لاحتِمال هَلاكِ المبيعِ قبل القَبضِ، فيَنفَسِخُ البَيعُ، فلا تَصِحُّ الإِجارة (¬1).
* تطبيق:
فلو أَجَّر زيدٌ سيارةً اشترها، فيُشترط أن يكون قابضاً لها قبل عقد الإجارة عليها حتى يصحّ؛ لتفويت غرر الانفساح لاحتمال الهلاك للمبيع.
• • •
القاعدة (24)
أجرُ المثل مستحقٌّ في الإِجارة الفاسِدة
باستِيفاءِ المعقُودِ عليه بلا زيادة على المسمّى
* توضيح:
الإجارة الفاسدة: هي التي فاتَها شَرطٌ من شُرُوطِ الصِّحّة، فحُكمُها الأصليُّ: هو ثُبُوتُ الملكِ للمؤجر في أجرِ المثل لا في المسَمَّى، إذا تمّ استِيفاءِ المنافعِ المملوكة مِلكاً فاسِدًا؛ لأنه لا يمكن إيجاب المسَمَّى لفسادِ التَّسمِية فيَجِبُ أجرُ المثل، ولأنّ الموجَبَ الأصليَّ في عُقُودِ المعاوضاتِ هو القِيمة؛ لأنّ مَبناها على المعادَلة، والقِيمة هي العَدلُ إلّا أنَّها مَجهولة؛ لأنّها تُعرَف بالحَزرِ والظَّنِّ، وتَختَلف باختِلاف المقَوِّمِينَ،
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 4: 193.
والضّابط المثل، إلّا أنَّهُ لا يُزادُ على المسَمَّى في عقد فيه تسمِية؛ لإسقاط المؤجّر بالتّسمية ما يَزيد عنها من أَجر المثل، ورضاه بذلك، فيسقط، وهذا إذا كان في العَقد تَسمِيةً، فأما إذا لم يكن فيه تَسمِية، فإنَّهُ يَجِبُ أجرُ المثل بالغًا ما بلغَ.
وإذا كانت الإجارة فاسدة يجب فيها الأقل من المسمّى أو أجر المثل، ووجوب الأجرة في الإجارة الفاسدة يكون باستيفاء المنفعة فقط، لا بنفسِ التّسليمِ والتّخلية، بخِلافِ الإِجارة الصَّحِيحة فتجب الإجرة بالتّسليم؛ لأنّهُ لا مَنعَ هناكَ، فتَحَقَّقَ التَّسليمُ، فلَئِن لم يَنتَفِع به المستأجِرُ فقد أسقَطَ حَقَّ نفسِه في المنفَعة (¬1).
* تطبيق:
فلو أجَّر سيارته بعقد فاسد بـ (25د) لكلِّ يوم لمدة شهر، وسلّمها للمستأجر، فبقيت عنده أسبوعاً، فإذا كان أجرُ مثلها (20د)، فيكون المستحقّ عليه من الأجرة (120د)، وهي أجرة المثل، ولا يلزمه الاستمرارُ في العقد؛ لفساده، ولا يلزمه أجرة لغير ما استوفى، بخلاف ما لو كان العقد صحيحاً، حيث يلزمه المُسمَّى لمدّة شهر ما لم يكن عذر موجب للفسخ.
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 4: 195.
ولو كانت أُجرة السيارة لكل يوم (20د)، وأجر المثل لها (25د)، وكان العقد فاسداً لزم دفع أجرة (20د) لما استوفاه من منفعتها؛ لأنّ الواجبَ الأقلّ من المُسمّى ومن أَجر المثل.
• • •
القاعدة (25)
الأُجرة تُستحقُّ بشَرطِ التَّعجِيل أو بالتَّعجِيلِ
من غير شَرطٍ أو باستِيفاءِ المعقُودِ عليه
* توضيح:
الأصل في الأجرة أنّها تستحق باستيفاء المعقود عليه، فإن عجّل المستأجر الدّفع صح ولزم، وإن شرط المؤجر التعجيل في العقد صحّ، ولا تعجّل من غير شَرطٍ؛ لأنَّ الحُكمَ في الإِجارة المطلَقة لا يَثبُتُ بنفسِ العَقد؛ لأنَّ العَقد في حَقِّ الحُكمِ يَنعَقد على حَسَب حُدُوثِ المنفَعة، فكان العَقد في حَقِّ الحُكمِ مُضافًا إلى حِينِ حُدُوثِ المنفَعة، فيَثبُتُ حُكمُهُ عند استيفاء المنفعة (¬1).
* تطبيق:
فلو استأجر سيارة لنقله من عمان إلى إربد، فالأجرةُ تستحقُّ عند وصوله لإربد؛ لاستيفاء المنفعة بذلك.
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 4: 179.
ولو استأجر شقة شُرطَ فيها دفع الأجرة مقدّماً، فيكون لازماً على المستأجر تقديم الأجرة في بداية كل شهر.
ولو استأجر شقة وعجّلَ المستأجرُ الأجرةَ بلا شرط صحّ ولزم، ولا يُمكنه المطالبة بها.
• • •
القاعدة (26)
تصح الإجارة في المتعارف على إجارته
* توضيح:
لما جازت الإجارة على خلاف القياس لحاجة الناس، والحاجة تظهر عند التعارف، فإن لم يكن فيها عرف يُرجع إلى الأصل، وهو القياس، وهو عدم الجواز، فلا تصحّ الإجارة على منفَعة غير مَقصُودة بالإِجارة وغير معتادة، وتكون فاسدة؛ لأنه يشترط كون المنفعة المقصودة من الإجارة معتاد استيفاؤها بالإجارة ويَجرِي بها التَّعاملُ بين النّاسِ (¬1).
* تطبيق:
فلا يجوز استِئجارُ الأشجارِ؛ لتَجفيفِ الثِّياب عليها والاستِظلال بها؛ لأنّ هذه مَنفَعة غير مَقصُودة من الشَّجَرِ، وهذه أمور ترجع إلى العرف.
¬
(¬1) ينظر: المحيط البرهاني 7: 467.
ولا يجوز استِئجارُ الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ ليُزَيَّنَ بها الحانُوتُ.
ولا يجوز استِئجارُ المسكِ والعُودِ وغيرهِما من المشمُوماتِ للشَّمِّ؛ لأنّهُ ليس بمَنفَعة مَقصُودة، ولا يُعتادُ استِيفاؤُها بعَقد الإِجارة.
ولو استأجر «مفكاً» لفكّ «برغي» لم يصحّ؛ لأنّهم لم يتعارفوا تأجير واستئجار المفكّ، فإن تعارفه الناس صح.
ولو استأجر قلماً لكتابةِ كلمةٍ لم يصحّ؛ لأنه غيرُ متعارف الاستئجار للقلم، ولو تعارفوه جاز.
• • •
القاعدة (27)
المُطلَقُ في الإجارة مَحمُولٌ على العادة
* توضيح:
معلومٌ أنّ المعروف كالمنصوص، فكل ما لا يُنص عليه في العقد يعتبر فيه العرف، فإذا لم ينص عليه في عقد الإجارة يُرجع فيه إلى العرف والعادة، فلا يَدخُلُ غير المعتاد في العَقد إلّا بالتَّسمِية أو بالرِّضا (¬1).
* تطبيق:
فلو أجّر محلاً في مكان الحَدّادِينَ من حَدّادٍ يَدخُلُ عَمَلُ الحِدادة فيه
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 4: 183.
من غير تَسمِية؛ للعادة.
ولو طلب من المختصّ إصلاح سيارته ولم يذكرا الأجرة، فتستحقّ عليه الأجرة المعتادة لمثل هذا الإصلاح.
ولو اتفق مع مقاول على البناء، وطرأت زياداتٌ لم تكن في العقد، تلزم الأجرة فيها على حسب العرف في مثلها.
• • •
القاعدة (28)
إجارة مَن لا ملك له ولا ولاية موقوفة على إجازة المالك
* توضيح:
لا بدّ أن يكون مَن يعقد العقد له صفة من ملك أو وكالة أو ولاية، فإن لم يكن إحدى هذه الصفات كان فضولياً، فلا تَنفُذُ إجارته؛ لعَدَمِ الملك والولاية، لكنّها تنعقد موقوفة على إجازة المالكِ، فإن أجازها بشرطها نفذت وكانت كالوكالة السابقة.
* تطبيق:
فلو أنّ أجنبياً أَجَّر سيارةً لزيد لعمرو بلا إذن من زيدٍ، يكون عقدُه موقوفاً على إذن زيد، فإن أجاز مع وجودِ العاقدِ وعمرو والسيارة جاز، وكان كالوكالة السابقة.
وإجارة الوكِيل نافذة؛ لوجُودِ الولاية بإِنابة المالكِ إيّاهُ منابَ نفسِهِ، فتنفذ إجارته كما لو فعَلها الموكِّل بنفسِهِ (¬1).
• • •
القاعدة (29)
الوكيل أمين فيما لا تهمة فيه
* توضيح:
الموكّل بتوكيل الوكيل جعله أميناً على ماله، وأعطاه حق التصرّف فيه؛ لثقته به، فيحمل على هذا المعنى الذي وجد التصرُّف بسببه، فيكون الوكيل مؤتمناً في تصرّفاته على مال الموكَّل، إلا فيما يخلُّ بالأمانة مما فيه شبهة التهمة، مثل أن يشتري للموكِّل بأكثر من ثمن المثل؛ لاحتمال أن يكون اشتراها لنفسه؛ لأنّ الأصل في الشراء أن يكون للنفس، ثم جعلها على الموكل لما رأى ارتفاع ثمنها، فكان متهماً في ذلك، فيكون الشراء عليه لا على الموكِّل.
* تطبيق:
فلو أنّ الوكيل أجّر ابن الموكل وأبيه جاز؛ لأنَّه يجوز للموكِّل أن يؤجر ابنه وأبيه؛ لاختِلافِ مِلكَيهِما، فكذا للوكِيل.
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 4: 177.
ولو أنّ الوكيل أجّر أبيهِ وابنهِ وكلّ مَن لا تُقبل شَهادَتُهُ له لم يجز في قول أبي حنيفة؛ لوجود التّهمة؛ لأنّه أمين، وعندهما: يجوز بأجرة المثل.
ولو أنّ الوكيل أجّر بمِثل أجرِ الدّارِ وبأقلّ جاز عند أبي حنيفة؛ لأنّه أمين،، وعندهما ليس له أن يؤجر بالأقل؛ لخروجه عن المعتاد.
ولو أجّر الوكيل إجارة فاسِدة نَفَذَت؛ لأنَّ مُطلَقَ العَقد يَتَناولُ الصَّحِيحَ والفاسِدَ كما في البَيعِ، ولا ضَمانَ عليه، وعلى المستأجِرِ أجرُ المثل إذا انتَفَعَ؛ لاستيفاء المنفعة بالعَقد الفاسد (¬1).
• • •
القاعدة (30)
إجارةُ الصّبي تصحُّ مع كمال الشّفقة والعقل
* توضيح:
لمّا كان الصّبيّ لا نظر له في التّقدير للمصالح والمضارّ لم يجز على منافعه أو أمواله إلا فيما له فيه مصلحة، فلم تصحّ إجارة منافعه إلا ممن عُرف بتحقيق المصلحة له من كمال الشفقة عليه والعقل.
ولذلك لم تجز إجارة الأم للصّغير، ولا إجارة الأخ والخال له إلا إن كانوا أوصياء عليه؛ وذلك لأنّ الأم وإن كان لديها شفقة على الصّغير، لكن ليس عندها معرفة في إدارة المال، إلا إذا أعطاها القاضي
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 4: 177.
الوصاية أو كانت وصية من الزّوج، والأخُ والخالُ وإن كان له العقل في إدارة المال إلا أنّهم فقدوا الولاية؛ لنقص في الشّفقة.
* تطبيق:
فلو أجّر الأب والجدّ والوصِيِّ والقاضِي وأمينِه الصغير جاز؛ لوجُودِ الإِنابة من الشَّرع، فللأب أن يُؤجّر ابنهُ الصَّغير في عَمَلٍ من الأعمال؛ لأنَّ وِلايَتَهُ على الصَّغير كولايته على نفسه؛ لأنَّ شَفَقَتَه عليه كَشَفَقَتِهِ على نفسه، ولأنَّ فيها نَظَراً للصَّغير، ولأنَّ إيجارَهُ في الصَّنائِعِ من باب التَّهذِيب والتّأدِيب والرِّياضة، وفيه نَظَرٌ للصَّبيِّ، فيَملكُهُ الأبُ، وكذا وصِيُّ الأب؛ لأنَّهُ مَرضِيُّ الأب، والجَدُّ أبو الأب لقِيامهِ مَقام الأب عند عدمه، ووصيُّه لأنَّه مرضيُّه، والقاضِي لأنَّه نُصِّبَ ناظِراً، وأمينُهُ؛ لأنَّهُ مَرضِيُّه، فهؤلاء عندهم كمال عقل وشفقة في إدارة مال الصّبي.
ولو أجر الأب مال الصَّبيِّ ونفسه وماله بأقلّ من أجرِ المثل قدرَ ما لا يَتَغابن النّاسُ في مِثله عادة لا يَنفُذُ؛ لأنَّهُ ضَرَرٌ في حَقِّه، وهذه وِلاية نَظَرٍ، فلا تَثبُتُ مع الضَّرَر (¬1).
• • •
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 4: 177 - 178.
القاعدة (31)
يتوقّف نفاذ الإجارة على التّسليم
* توضيح:
يشترط لنفاذ عقد الإجارة تسليم المستأجَرِ في إجارة المنازِل ونحوها، وتسليم النّفس في أجير الواحد، ومعنى التَّسليمِ: التَّخلية والتَّمكِينَ من الانتِفاعِ برَفعِ الموانِعِ، حتى لو انقَضَت المدّة من غير تَسليمِ المستأجَرِ لا يَستَحِقُّ شَيئاً من الأجرِ؛ لأنَّ المستأجِرَ لم يَملك من المعقُودِ عليه شَيئاً، فلا يَملكُ هو أيضًا شَيئاً من الأجرِ؛ لأنَّهُ معاوضة مُطلَقة، ولو مَضَى بعد العَقد مُدّة، ثم سَلَّم فلا أَجرَ له فيما مَضَى؛ لعَدَمِ التَّسليمِ فيه.
* تطبيق:
فلو أجَّرَ المنزِلَ فارِغاً وسَلَّم المفتاحَ إلى المستأجِرِ، فلم يَفتَح البابَ حتى مَضَت المدّة لَزِمَه كل الأجرِ؛ لوجُودِ التَّسليمِ، وحدوث المنافِعُ في مِلك المستأجِرِ، فهَلَكَت على ملكه، فلا يَسقُطُ عنه الأجر.
ولو أجّره المنزل ولم يُسَلّم المفتاحَ إليه، لكنَّهُ أذِنَ له بفَتحِ الباب، فإن كان يَقدرُ على فتحِ الباب بالمعالَجة لَزِمَهُ الأجر؛ لوجُودِ التَّسليمِ، وان لم يَقدر لا يَلزَمه؛ لعدم التسليم.
ولو استأجَرَ داراً ليسكُنَها شَهراً، فسَكَنَ واستَخدَمَ في بعض الوقت، ثم حَدَثَ بها مانِعٌ يَمنَعُ من الانتِفاعِ بها من غَرَقٍ أو مَرَضٍ أو
غَصبٍ أو كان زَرعاً فقُطِعَ شربُه، أو رَحى فانقَطَعَ ماؤُهُ لا تَلزَمُهُ أُجرة تلك المدّة؛ لأنَّ المعقُودَ عليه المنفَعة في تلك المدّة؛ لأنَّها تَحدُثُ شَيئًا فشَيئًا، فلا تَصِيرُ مَنافِعُ المدّة مُسَلَّمة بتَسليمِ مَحَل المنفَعة؛ لأنَّها معدُومة بما حدث من العوارض السّابقة، والمعدُومُ لا يَحتَمِلُ التَّسليم (¬1).
• • •
القاعدة (32)
الإجارة تُفسخ بالأعذار
* توضيح:
إذا حدث عُذرٍ بأحَدِ العاقدينِ أو بالمستأجَرِ لا تكون الإجارة ملزمة؛ لأنَّ الحاجة تَدعُو إلى الفَسخِ عند العُذرِ؛ لأنّهُ لو لَزِمَ العَقد عند تَحَقُّقِ العُذرِ؛ لَلَزِمَ صاحِبَ العُذرِ ضَرَرٌ لم يَلتَزِمهُ بالعَقد؛ لأن عقد العقد لتحصيل النفع لا الضرر، والعقود على الضرر لا تصحّ.
وإن كان العُذرِ يتعذَّر معه المضِيِّ في العَقد، فالإِجارة تُنتَقَضُ بنفسِها: كالإجارة على قلع سن برئ ونحوِ ذلك.
وإن كان العُذرُ لا يتعذر معه المضي في العقد، لكنَّه يَتَضَمَّنُ نَوعَ ضَرَرٍ لم يُوجِبه العَقد لا يَنفَسِخُ العقد إلّا بالفَسخِ، بلا قضاء قاضي؛ لأن
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 4: 179.
العقد يفضي إلى ضرر يضر بالعاقد، والعقود لم توضع للضرر (¬1).
* تطبيق:
فلو أفلس من استأجر محلاً لفتح بقالة، كان له فسخُ العقد، ولم يبقّ العقدُ في حقِّه لازماً؛ للضرر الذي يَلحقه من استحقاق الأُجرة رغم عدم القدرة على فتح البقالة.
ولو رغب المستأجرُ بالانتقال من محلّ لآخر؛ لكونه أرخص أو أوسع عليه لم يكن عذراً، ويكون عقد الإجارة لازماً في حقه.
ولو لحق المؤجر دينٌ فادحٌ لا يقدر على قضائه من ثمن بيع المستأجَر كان عذراً للفسخ؛ لدفع الضرر عن نفسه.
ولو انهَدَمَ مَنزِلُ المؤجرِ ولم يكن له مَنزِلٌ آخَرُ سِوى المنزِل المستأجر، فأرادَ أن يَنقُضَ الإِجارة ويَسكُنَها ليس له ذلك؛ لأنّهُ يُمكِنُهُ أن يَستأجِرَ مَنزِلًا آخَرَ أو يَشتَرِيَ، فلا ضَرُورة إلى فسخِ الإِجارة.
• • •
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 4: 197.
القاعدة (33)
العيب في المُستأجَر يمنع لزوم الإجارة
* توضيح:
يشترط للزوم الإجارة سَلامة المستأجَرِ عن عَيبٍ به يُخِلُّ بالانتِفاعِ به، فلا تلزم الإجارة إن كان في المستأجَرِ عَيبٌ وقتِ العَقد أو وقتِ القَبضِ؛ لأنّ العيب يُخِلُّ بالانتِفاعِ بالمستأجر.
وكذلك لا تلزم بالعيب الحادث بعد التسليم، فإن حَدَثَ بالمستأجر عَيبٌ يُخِلُّ بالانتِفاعِ به بعد التسليم لم يَبقَ العَقد لازِماً، وهو بالخِيارِ إن شاءَ مَضَى على الإِجارة وإن شاءَ فسَخَ؛ لأنّ الإِجارة بَيعُ المنفَعة، والمنافِعُ تَحدُثُ شَيئًا فشَيئًا، فكان كلُّ جُزءٍ من أجزاءِ المنافِعِ معقُودًا مُبتَدأً، فإذا حَدَثَ العَيبُ بالمستأجَرِ كان هذا عَيباً حَدَثَ بعد العَقد قبل القَبضِ، وهذا يُوجِبُ الخِيار في بَيعِ العينِ (¬1).
* تطبيق:
فلو استأجر شقّةً لا يصل إليها الماءُ من جهةِ الدولةِ أو أنه قطع عنها بعد عقد الإجارة، فإنه عذر لفسخ العقد؛ للضرر المترتب على فقدان الماء.
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 4: 197.
ولو استأجر محلاً للتجارة، وقُطعت عنه الكهرباء بسبب ما من جهة الدولة، فإنه يُعَدُّ عذراً لفسخ العقد؛ لتعذر الانتفاع بسبب انقطاع الكهرباء، فيكون عيباً.
• • •
القاعدة (34)
الإجارة تُفسخ بالموت إلا لضرورة
* توضيح:
فكلُّ مَن وقعت له الإجارةُ من المؤجر والمستأجر تنفسخ الإجارة بموتهما أو بموت أحدهما؛ لأنّها تنعقد لحظةً فلحظة على حسب حدوث المنافع، وبالموت لم يبق حياً من تنعقد لأجله فتبطل؛ لأن ما يَحدُثُ من المنافعِ في يد الوارِث لم يَملكها المورَّثُ؛ لعَدَمِها، والملكُ صِفة الموجُودِ لا المعدُومِ، فلا يَملكُها الوارِثُ، إلا ما فيه ضرورة من هلاك المورث، كمزارع مات والزرع لم يستحصد فيخلف أبناؤه فيه.
* تطبيق:
فلو أجّرَ رَجُلانِ داراً لرجل، ثم ماتَ أحَدُ المُؤجِرَينِ تَبطُلُ الإجارة في نَصِيب الميت، وتَبقَى في نَصِيب الحَيِّ على حالها؛ لأنّ هذا شُيُوعٌ طارِئٌ، وإنَّهُ لا يُؤَثِّرُ في العَقد في الرِّواية المشهورة.
ولو استأجَرَ رَجُلانِ من رَجُلٍ داراً ثم ماتَ أحَدُ المستأجِرِينَ، فإن رَضِيَ الوارِثُ بالبَقاءِ على العَقد ورضيَ العاقد أيضاً جاز، ويكون ذلك بمنزِلة عَقد مُبتَدأ.
ولو مات الوكِيلُ بالعَقد لا تَبطُلُ الإِجارة؛ لأنّ العَقد لم يَقَع له، وإنما هو عاقد، وكذا لو ماتَ الأبُ أو الوصِيُّ للصغير.
ولو مات أحَدٌ مِمَّن وقَعَ له عقد الإِجارة قبل انقضاء المدّة، وفي الأرضِ المستأجَرة زَرعٌ لم يُستَحصَد يُترَكُ ذلك في الأرضِ إلى أن يُستَحصَدَ، ويكون على المستأجِرِ أو على ورَثَتِهِ ما سُمِّيَ من الأجرِ (¬1).
• • •
القاعدة (35)
الإجارة تفسخ بانقضاء المدّة إلّا لعُذرٍ
* توضيح:
إنّ الثّابتَ إلى غاية يَنتَهي عند وُجُودِ الغاية، فتَنفسِخُ الإِجارة بانتِهاءِ المدّة، إلّا إذا كان ثمة عُذرٌ: كزرع لم يستحصد، وانتهاء استئجار السّفينة في وسط البحر، فلا بدّ من استمرار العقد بأجرة المثل؛ لرفع الضّرر عن المستأجر.
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 4: 222 - 223.
* تطبيق:
فلو انقَضَت مدة الإجارة وفي الأرضِ زَرعٌ لم يُستَحصَد، فإنَّهُ يُترَكُ إلى أن يُستَحصَدَ بأجرِ المثل؛ لأنّ لقَطعِ الزرع غاية معلومة، فيراعي فيها جانب المؤجر والمستأجر.
ولو انقَضَت المدّة وفي الأرضِ رَطبة أو غَرسٌ يُؤمَرُ بالقَلعِ؛ لأن الرَّطبةَ ليس لقَطعِها غاية معلومة، فلو لم تُقطَع لَتَعَطَّلَت الأرضُ على صاحِبها فيَتَضَرَّرُ به.
ولو زَرَعَ الغاصب الأرضَ المغصُوبة يُؤمَرُ بالقَلعِ، ولا يُترَكُ إلى وقتِ الحَصاد بأجرٍ (¬1).
• • •
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 4: 223.
المبحث الثاني
فتاوى معاصرة في الإجارة
1) فتوى
الإجارة على خدمة المسنين حتى الوفاة
السؤال: انتشرت ظاهرة عند أصحاب الطبقة البرجوازية للاهتمام بذويهم المسنين، إذ إنّهم لا يرغبون في التعب والإرهاق الشديدين الناتجين عن رعاية آبائهم الذين صاروا عالة عليهم، بحيث يجب مراقبتهم وتوفير الخدمة لهم وتلبية حاجاتهم كلها؛ فتداول بينهم تأجير العاملين الخاصَّين لتلك المهمة حتى وفاة المسنِّ أو المسنّة، بحيث قد تطول هذه الإجارة إلى أكثر من عشرين أو خمس وثلاثين سنة، ويُعطى العامل كل شهر راتب معين يُتفق عليه بين الطرفين، وينتهي العقد عند الوفاة، وبعض المسنين قبل موته يوصي للعامل بمنزله كهدية لالتزامه بالاهتمام به طول هذه السنوات، فما حكم عقد الإجارة هنا؟
الجواب: لا إشكال في العمل كخادم للمسنين، بشرط أن تحدد المدة والأجرة كشهر بكذا أو سنة بكذا، فإن كان العقد المؤبد يفسد
الإجارة، ففي كمال الدراية للإزميري20: 76: «في «المحيط»: كل جهالة تفسد البيع .. تفسد الإجارة أيضاً؛ لأن الجهالة المتمكنة في البدل أو المبدل أو المدة تفضي إلى المنازعة، منها: تأبيد المدة؛ كما في الثاني من إجارات البزازية» قال: أجر أرضه إلى وقت موته أو أبداً .. لم يجز».
ولكن يمكن النظر إلى العقد أنه ليس بمؤبّد، وإنما عقدٌ شهريٌّ، وحصل التوافق والرغبة على أن يستمر، كما هو الحال في سائر الوظائف العامة عادةً، حيث تكون الأجرة شهرية ويستمر العمل به إلى سنٍّ متأخرةٍ جداً أو إلى الموت، ولا نقول: إنها عقود مؤبَّدةٌ.
والمستأجر غير لازم عليه الاستمرار بهذا العقد، سواءٌ من جهته أو من جهة صاحب العمل؛ إذا يُمكن الفسخ للأعذار وغيرها، وإنما يكون الترغيب بالاستمرار؛ لأنه سيكون مكافأة إن استمر في هذا العقد، والله أعلم.
2) فتوى
تأجير الجرّافات لموسم كامل
السؤال: شاع تأجير الجرافات الكبيرة المخصّصة لجرف الأراضي الواسعة، وصار المزارعون يرغبون في استخدام تلك الجرّافات لتوفير الجهد والوقت، وإنتاج كمية أكبر من المحاصيل الزَّراعية، بحيث يتم استئجار الجرّافة لموسم كامل من الحصاد إلى الدياس، لكن بعض
المزارعين يستأجر الجرافة ويدفع الأجرة مقّسطة على دفعات، والبعض الآخر يدفعها دفعة واحدة بعد استلام الجرافة، فما حكم هذه الإجارة؟
الجواب: عمل هذه الجرافات من المباحات، وهو مقدَّرٌ ومعلومٌ لتقدير بأيام معينة، بحيث يكون مثلاً اليوم (100د) مثلاً، فتكون الأجرة فيها معلومة، وهذه الأجرة يجوز دفعها كاملة أو مقسطة، والله أعلم.
3) فتوى
تأجير الأراضي الكبيرة سنويّاً
السؤال: يوجد بعض المزارعين البارعين في زراعة الأرز بكميات هائلة وأطنان ضخمة؛ يرغبون في استئجار حقول وأراض واسعة وفسيحة جداً لمدة سنة، وذلك مقابل مبلغ معيّن يدفعه المزارع لصاحب الأرض أو للحكومة التي تملك تلك الأراضي، دفعة واحدة بعقد واحد، وما تُنتجه الأرض من أرز يكون كله للمزارع ينتفع بها كيف يشاء، وبعد ذلك إما يُسلّم المزارع الأرض لصاحب الأرض أو يستأجرها مرة أخرى لسنة أخرى، فما حكم هذه الإجارة؟
الجواب: هذا عقدٌ واقعٌ على استئجار الأراضي للزراعة، وهو من العقود الشرعية المباحة بشرط أن يكون الزرع معلوماً؛ لتفاوته في التأثير على الأرض، وتكون المدة للاستئجار معلوم عرفاً أو نصّاً حتى لا يكون تنازع، والله أعلم.
4) فتوى
استئجار قاعات للمحاضرات والمؤتمرات العلمية
السؤال: ما حكم قيام شخص أو جهة باستئجار قاعةٍ من جهة معيَّنة: كشركة، أو جامعةٍ، أو مركز ثقافيٍّ؛ لغرض إقامة مؤتمر علمي، أو محاضرة، أو ورشة عمل، وذلك مقابل مبلغ مالي يُتفق عليه بين الطرفين؟
الجواب: هذا استئجارُ مكان، وهو جائزٌ بشرط أن يكون لغرض مباح إن ذكر في العقد، فإن كان لمعصية مذكورة في العقد فسد، ففي «البدائع7: 462: «وإذا استأجر الذمي من المسلم بِيَعَةً يصلِّي فيها فإن ذلك لا يجوز؛ لأنه استأجرها ليصلي فيها، وصلاة الذميّ معصية عندنا، وطاعة في زعمه، وأي ذلك ما اعتبرنا كانت الإجارة باطلة؛ لأن الإجارة على ما هو طاعة ومعصية لا يجوز».
وإن كان الاستئجارُ على منفعةٍ مباحةٍ من مؤتمر علميٍّ أو محاضرةٍ أو أمثالها من المنافع المباحة، فيجوز بشرطِ أن يُحدِّد المدةَ بالسَّاعات أو الأيام، وأن تكون المنفعةُ مبيَّنةٌ من قاعةٍ فارعةٍ أو قاعةٍ فيها خدماتٌ معيَّنةٌ من صوتياتٍ بأوصافٍ واضحةٍ أو غيرها من الإضافات المطلوبة في القاعات، ولكل إضافة منها مبالغ محددة عند أصحاب القاعات، والله أعلم.
5) فتوى
استئجار المقاعد لمشاهدة الأفلام والمباريات
السؤال: ما حكم استئجار المقاعد لمشاهدة المباريات والفعاليات الرياضية، أو الأفلام، بحيث يحقّ للمستأجر الجلوس في مقاعد محدّدة، وذلك مقابل مبلغ مالي يتم الاتفاق عليه مسبقاً، سواء كان المقعد مميّزا أو غير مميز، فقد يقوم المستأجر بحجز مقعد في الدرجة الأولى، وفي هذه الحالة يحصل على موقع مميز ويتمتع برؤية أوضح، ويتطلب منه التزام التعليمات العامة، وقد تتيح بعض الملاعب عقوداً موسمية تسمح بحجز نفس المقعد طوال الموسم؟
الجواب: هذه المنافعُ ليست بمعتبرة شرعاً، ولا يحلُّ النظر للمباريات المختلفة والأفلام غير الهادفة؛ لأنها من اللهو المحرم، «واللهو: هو الاشتغال بما لا يعني وما ليس له غرض ومقصد صحيح»، كما في الناهي عن الملاهي 3: 192، قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن لعب بالنردشير، فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه) في صحيح مسلم 4: 1774، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله) في سنن أبي داود 4: 285، وموطأ مالك 2: 958، فكل ما كان غرضه فيها التسلية وإضاعة الوقت فيما لا يعود بنفع عليه في الدنيا أو الأخرى فهو اللهو المحرم، ولا شكّ أن المشاهدةَ لأمثال هذه هي من هذا الباب.
وبالتالي يكون العقد فاسداً؛ لأنه على معصية، والكسب منه خبيث لا يحلّ، ويجب التصدق به كاملاً، والله أعلم.
6) فتوى
استئجار التطبيقات والبرامج الإلكترونية
السؤال: ما حكم دفع مبلغ من المال مقابل حقّ الوصول إلى تطبيق إلكتروني أو برنامج معيّن، سواء كان هذا التطبيق يُوفّر خدمات في مجال المحاسبة والأعمال أو التعليم أو التصميم، ومن أمثلة هذه البرامج: برنامج QuickBooks للمحاسبة، حيث تدفع الشركات مقابل الحصول على خدمة استخدام البرنامج لتنظيم المعاملات المالية وإعداد التقارير المحاسبية أو التصميم أو أي خدمات أخرى، وقد يكون الدّفع على شكل رسوم دورية أو شهرية بحسب الاستخدام، ومثل تطبيق تخزين سحابي، مثل Google Drive أو Dropbox، حيث تستفيد الشركات من المساحة التخزينية على السحابة لحفظ الملفات وتخزينها وإمكانية الوصول إليها من أي مكان، ومثل برامج التصميم الجرافيكي، مثل برامج أدوبي: الفوتوشوب والالستريتور والبريمير، أو تطبيق كانفا لتحرير الصور والفيديوهات، فيتم عبر الدفع عن طريق نموذج الاشتراك الشهري أو السنوي، مقابل استخدام البرامج دون امتلاكها فعلياً، فما حكم استئجار هذه التطبيقات، وقد يكون المحتوى الذي يجري تعديله أو إنتاجه من خلالها فيه محرمات؟
الجواب: إن ما ذُكر من تطبيقات وبرمجيات تقدم خدمات متنوعة مباحة، وهي تؤجر منفعتها لمن يرغب بمقابل اشتراك شهري أو سنوي مثلاً، فتكون المنفعةُ معلومةً، والأجرةُ عليها معلومةً، والعقدُ صحيح، والكسب طيب، والله أعلم.
7) فتوى
استئجار معلم للتدريس
السؤال: اعتاد النَّاسُ فتح معاهد خاصة في بيوتهم، بحيث يتم استئجار معلم لتدريس طلاب المدارس وحلّ وظائفهم، فما حكم هذه الإجارة؟
الجواب: هذا عقدُ إجارة على مباح ومحرَّم، فما كان منها تعليماً للطلاب، فهو مباح، وينتفع به الطلاب، فتكون الأجرة في مقابله طيبة، وما كان من قيام بواجبات الطلاب التي يجب أن يقوموا بها بأنفسهم، فهي خيانة وخداع، ويضرّ بالطلاب، فلا يحلّ، وكسبه خبيث، والله أعلم.
8) فتوى
تأجير السجلات التجارية والتراخيص
السؤال: تقوم بعض الشّركات الصّغيرة باستئجار سجل تجاري لشركة كبيرة للنزول على عطاءات، والأجرة تكون ثابتة سواء في ربح أو خسارة، وتخلو عن العمل والضمان من المؤجر، فبعض المؤجّرين وإن لم
يجرؤوا على كتابة هذه الشروط في العقد لكنهم يضعوا كمبيالات أو شيكات على المستأجر لكي يستطيعوا تغطية أي تعويضات في حال الخسارة، وقد توضع هذه الشروط الجزائية على المستأجر في العقد كما في بعض البلدان الأخرى، فهل هذه العقود جائزة؟
الجواب: هذه السجلاتُ والتراخيص هي حقوق منحة من الدولة لشخص توفرت شروط وموصفات معينة، فإن كان هذا الحقّ ترضى الجهة المانحة له أن يؤجر جاز تأجيره، وإن كانت الجهة المانحة له متحكِّمة وليست عادلة، بحيث تكون ظالمة للبعض بمثل هذه التعليمات وهذه الامتيازات، فأصبح الناس مضطرون لتجاوزها لدفع شيء من الظلم عنهم جاز لهم أمثال هذه الإجارات؛ لدفع الضرر عنهم، وتقدير هذا يعود لعدد من الخبراء العادلين، والله أعلم.
9) فتوى
تأجير مواقف السيارات
السؤال: ما حكم تأجير مواقف السيارات، حيث يتم فيه بيع منفعة الوقوف، فمثلاً يأتي إلى موقف السيارات الخاصة بها ليصطفها فيه، ويدخل إلى الموقف، ثم عند المغادرة يدفع أجرة معينة لصاحب الموقف؟
الجواب: هذه منفعة مباحة، وهي منفعةُ استئجار مكان للسيارة، وهذا الأماكن منها ما تكون فيه الأجرة مقطوعةً بحيث يدفع ديناراً، ويقف ما يشاء من ساعات في اليوم الواحد، ومنها ما تكون الأجرة فيها
محددة بالساعة، فيكون لكلِّ ساعةٍ أُجرةٌ معيَّنةٌ، بحيث عند دخول ساعةٍ أُخرى تستحقُّ أُجرة الساعة الثانية، وهكذا.
ولا إشكال في أن يكون الدفع للأجرة ابتداءً أو انتهاءً؛ لجواز تقديم الأجُرة على استيفاء المنفعة أو تأخيرة بعد الاستيفاء، وتكون السيارة مسؤولةً في حفظها من القائمين على هذه المواقف، فإن ظهر تقصير منهم ضمنوا، وفي فتاوى ابن نجيم: «سئل عن شخص ربط دابّته بخان واستحفظ الخاني، ودفع له أجرة وتوجَّه إلى حاجته وحضر ليأخذ دابته فلم يجدها، فهل يضمنها الخاني أو لا؟ أجاب: إن ضاعت بتفريط منه يضمنها، وإلا فلا»، والله أعلم.
10) فتوى
الإجارة بأجرة محددة عرفاً
السؤال: شخص عنده كراسي وطاولات وأدوات للإنارة وثلاجات يؤجّرها للمناسبات، والمُستأجر يطلب منه عدد من الكراسي للجلوس وعدد آخر من طاولات الطعام، وأدوات للإنارة، بحيث تكون كافية للمساحة التي ستقام فيها المناسبة من غير تحديد لها، والانتفاع بهذه المستلزمات غير محدد بوقتٍ، فممكن تمتد الإجارة ليومين وممكن لأسبوع؛ لأنّ الاستخدام يتفاوت من شخص لآخر، بحسب المناسبة التي تمّ الاستئجار من أجلها، فيقوم المؤجر فقط بإحضار هذه المستلزمات، وهو غير مُكلّف بالترتيب أو التجهيز، وعند الفراغ من المناسبة يأتي مالكها ويأخذ المستلزمات، وفي هذه الحالة لا يكون اتفاق
على الأُجرة ابتداءً؛ لأنّ عدد المستلزمات ومدّة الإجارة مجهولة، وعادةً يكون لفظ العقد بالتعاطي، بحيث يقول المستأجر: أعطني، أو أحضر لي عدد كذا من المستلزمات، من غير اتفاق على السِّعر والمُدّة، فما حكم هذه الإجارة؟
الجواب: هذا الاستئجار للوازم المناسبات من المباحات؛ لكونها أدواة مباحة من كرسي أو طاولة أو إضاءة أو سجادة أو غيرها لأمر حسن كزواج أو موت أو نجاح، والجهالةُ الواقعةُ في مقدار ما يحتاج من هذه اللوازم لا تفضي للنزاع؛ لأنّ أصحاب هذه المحلات يُغطون حاجة هذه المناسبات عادةً؛ لتوفر ما يحتاج، وإن نقص يُمكن لصاحب المناسبة أن يأخذ ما يُريد من غيرهم.
والجهالةُ في الأُجرة لا يَتنازع بها عادةً؛ لأنّ لها أسعاراً مقدرةً لكل قطعةٍ منها كل يوم بكذا مثلاً، فلها تقديرات عرفية يُرجع إليها عند التنازع، والناس تعارفوها، فلم يحتاجوا لبيانها، وبالتالي طالما أنّ الناس يَعقدون هذه العقود، ولا يتنازعون في منافعها، ولا في أجرتها، فتكون صحيحة، والله أعلم.
11) فتوى
الاستئجار على الطبخ
السؤال: شخصٌ استأجر طباخاً على أن يُحضّر له الطعامَ لمناسبةٍ، وكلُّ ما يلزم الطعام والطبخ يكون على المُستأجر، وكلُّ ما يتعلّق بالأواني
وأدوات الطبخ وأدوات التي يقدّم بها الطعام تكون مع الطباخ عُرفاً من غير تحديد عدد أو حجم، ويكون عمل الطباخ في الطبخ فقط، فهو غير ملزم مثلًا بتنظيف الأواني بعد تحضير الطعام، أو وضعها على الطاولات، أو رفعها عن الطاولات، وعلى المُستأجر تنظيف هذه الأواني، فما حكم هذه الإجارة؟
الجواب: تحديدُ ما على الطباخ أو صاحب الوليمة إما أن يكون محدداً تصريحاً أو عرفاً، فإن لم يكن جهالةٌ مفضيةٌ للنزاع، فيكون العقدُ صحيحاً، ففي الصورة المذكورة ما لم يكن جهالة تؤدي للنزاع فيجوز، الله أعلم.
12) فتوى
الاستئجار على الحلاقة
السؤال: شخصٌ دخل عند الحلاق من أجل أن يحلقَ شعرَه، وجَلَسَ على كرسي الحلاقة من غير تحديد مُدة للعمل ومن غير تحديد السِّعر، وعند الانتهاء من الحلاقة دفع للحلّاق ثلاثة دنانير، فهل يُعتبر هذا عقد بالتعاطي؟
الجواب: أجرةُ الحلاقة معلومةٌ عرفاً، وبالتالي لا يكون كلام بين الحلاق والزبون، وإنما يدفع له الزبون أُجرة الحلاقة (3) دنانير مثلاً، فيأخذها الحلاق بدون كلام متعلِّق بها، وهذا نوعٌ من التعاطي؛ لما فيه من تحصيل منفعةٍ وأخذ أُجرة بلا إيجاب وقبول لفظي، والله أعلم.
13) فتوى
إجارة أرض الوقف لمدّةٍ طويلة
السؤال: يوجد عقدُ إجارةٍ بين متولي أوقاف كوكب أبو الهيجاء، وشركة لمواد البناء والسيراميك، مدته أكثر من (3) سنوات، مع أنّ الفقهاء نصّوا على عدم جواز إجارة الوقف في الضيع أكثر من (3) سنوات، وفي غيرها أكثر من سنة، ونصّ العقد على ترميم المستأجر للساحة الخارجية ومبنى الوقف، ويُقدر مبلغ الترميم بحوالي (56600) دينار، مقابل اقتطاع المبلغ من الأُجرة المُستحقة عليه لمدة خمس سنوات، وهذا العقد يُراعي المصلحة التي وُجِد لها الوقف، ولا يتجاوز المُدة إلا لمُراعاة المصلحة، وبأمر من قاضي المحكمة الشرعية، فما حكم هذا العقد؟
الجواب: إنّ منعَ الفقهاء من الإجارة الطويلة للوقف كانت خشية ضياعه ووضع اليد عليه من المستأجر، وادعاء أنه ملك، وفي العصر الحاضر بسبب التسجيل الرسمي للأراضي الوقفية وغيرها ضمن سجلات الدولة، فلم تَعدّ علّة المنع موجودة، فتجوز الإجارة الطويلة للوقف إن كانت لمصلحته، وقديماً نصُّوا على جواز الإجارة القديمة للوقف إن كانت بإذن القاضي، وهذا متحقِّقٌ في مسألتنا.
والاتفاقُ مع المستأجر على تعمير وترميم الوقف بجزء من أُجرة الوقف جائزٌ شرعاً، وكلُّ هذا مقيَّدٌ بأن يكون فيه مصلحةُ الوقف، وفي
فتاوى ابن نجيم: «سئل عن إجارةِ الوقفِ مدةً طويلةً لعمارته، هل تصحُّ أم لا؟ أجاب نعم تصحُّ بإذن الحاكم»، والله أعلم.
14) فتوى
إجارة الوقف بأقل من أجر المثل ولأجل غير معلوم
السؤال: يوجد عقد إجارة بين متولي أوقاف حيفا ومستأجرين، والأجرةُ المتّفق عليها في العقد أقلّ من أُجرة المثل بكثير، ففي أحد عقود الإجارة مثلاً تم الاتفاق على أجرة (50) دينارا، وعقد آخر بأجرة (5) دينارا، وفي بعض هذه العقود لم يتم تحديد مُدّة للإجارة، فالعقد يَنُص على بدء الإجارة من تاريخ محدد إلى أجل غير معلوم، كما أنه منصوص في بعض العقود على تغريم الطرف الذي يفسخ العقد بمبلغ (20) أو (40) ألف دولار، بالإضافة إلى أنّ بعض الأوقاف المؤجّرة تم التحايل عليها بسبب طول مُدة الاستئجار، فتوهم النّاس أنها مُلك للمستأجر، وعلى الرغم من عزل متولي الأوقاف القديم، وتعيين متولي جديد بأمر من المحكمة الشرعية في حيفا، ما زالت بعض الأوقاف لليوم تؤجّر بأقل من أجر المثل بكثير، بسبب قانون حماية المستأجر لسنة (1972م)، فما الحكم في هذه الحالة؟
الجواب: هذه العقودُ على الوقف لا تكون صحيحةً؛ لعدم صحّة الإجارة الطويلة لها، وعلى القاضي فسخها، ففي الولوالجية3: 127: «وليس للمتولي أن يؤاجر الوقف إجارة طويلة». وفي الواقعات3: 57: «المتولي إذا أجر دار الوقف مدة بعيدة، إن كان الواقف شرط في صكه أن
لا يؤأجر أكثر من سنة، لا تجوز الإجارة بأكثر من ذلك، وإن لم يشترط شيئا جازت الإجارة بمقدار السنة إلى ثلاثة، وإن كان أكثر لا يجوز، وقال أبو بكر الإسكاف: لا أفتي بالجواز، ولا بالفساد لكن يرفع إلى الحاكم فينظر، فإن كانت مدة طويلة تبطل الإجارة؛ لأنه يخاف أن تبقى في يده مدة طويلة فيدعي لنفسه الملك فيفوت الوقف».
والأجرةُ التي تقلّ عن أجرة المثل يجب زيادتها لتصبح كأجر المثل؛ لأنها في إضاعة الوقف ومضرة به، ففي التنوير ص241: «متولى أرض الوقف أجرها بغير أجر المثل يلزم مستأجرها تمام أجر المثل»، وإن ثبت خيانة من المتولي في ذلك، فإن يُعزَّر، ويجب أن يكون القانون حامياً ومحافظاً على الوقف لا مضيعاً له، والله أعلم.
15) فتوى
إلغاء تذكرة الطائرة
السؤال: إذا تمّ إلغاء تذكرة الطائرة من قِبل المسافر الذي غيّر رأيه في السَّفر، هل يحقُّ له أخذ المبلغ المدفوع إن دفع جزء من ثمن التذكرة أو تمّ دفعه كاملاً، وأيضاً لو كان الإلغاء من قبل شركة الطيران، فهل يُعتبر فسخا للعقد، وهل هي مُلزمة بتأمين المسافر برحلة ولو عن طريق بديل لها؟
الجواب: هذا يرجع لمبحث أعذار الفسخ في الإجارة، حيث يُعَدّ الإعراض عن السفر من المسافر عذرٌ في فسخ الإجارة، ولكن هذا مُقيّدٌ بعدم إيقاع الضرر الظاهر بشركة الطيران، وبالتالي نجد أنظمة وتعليمات
لدى كل شركة تنظم هذه العملية، بناءً على ثمن التذكرة مثلاً وميزاتها، وبالتالي من جهة المبدأ فلا إشكال، والأفضل أن ينظر في هذه العقود الخاصة بالشركات على التفصيل للتثبت من عدم وجود مفسد أو مضر بها بالمستأجر.
ففي مختارات النوازل 2: 150: «ولو استأجر دابةً ليسافر بها، ثم بدا أن لا يُسافر بها، فهو عذر». وفي التبيين5: 146: «ولو بدا للمكاري لا يُعذر؛ لأنّ المكتري بالسفر يلزمه مشقة وضرر، وربّما يفوت ما يُسافر لأجله كالحج وطلب الغريم، والمكاري لا يَلزمه ذلك الضرر؛ لأنه يُمكنه أن يَقعد ويبعث على يد تلميذه أو أجيره».
وأمّا إلغاء الرحلة من جهة شركة الطيران إن كان فيه ضررٌ ظاهرٌ عليها فيجوز، ولكن ينبغي أن يُقيَّد بعدم إلحاق ضرر بالمسافر بإمكانية تحويله لشركة أخرى أو إبلاغه قبل مدة؛ ليتمكن من الحجز مع شركة أخرى، وبالتالي لا بد من الوقوف على تفصيل الصور الواقعة والتعليمات المشرعة فيها؛ للعمل على إزالة الضرر الظاهر منها، والله أعلم.
16) فتوى
تأجير السيارات عبر التطبيقات الالكترونية
السؤال: ما حكم الاعتماد على استخدام تطبيقات الهواتف الذكية في طلب خدمة النقل، وهذه التطبيقات مثل «أوبر»، و «كريم»، ويتمّ فيها تقدير الأجرة مسبقاً وفقاً للمسافة والزمن، دون تحديد الشخص الذي
يُقدِّم هذه الخدمة بعينه، وفي هذا العقد توجد ثلاثة أطراف أساسية: الأول: شركة تمتلك تطبيقاً ذكياً ومَقرَّاً وهاتفاً فعَّالاً، ولديها موظفون، والثاني: أصحاب السيارات الخصوصية المستعدون لتخصيص أوقات للقيام بالنقل، والثالث: عملاء «زبائن» يتواصلون مع الشركة لطلب سيارات لوجهتهم، بحيث يُبادر أقرب أصحاب السيارات إلى موقع الطلب بالإجابة، والشركة تتعاقد مع العميل نيابة عن صاحب السيارة، فهل هذه الإجارة صحيحة؟
الجواب: عندنا عقدان، عقدٌ بين الشركة وبين السائقين للعمل معها ضمن شروط تمّ الاتفاق عليها، فهذا لا إشكال فيه، وينبغي للدول أن تَسنَّ من التشريعات ما ينظم هذه العملية بلا جور على السائقين؛ لأنهم الجهة الأضعف، وعلى الدولة أن تسعى زيادة الشركات المتنافسة في المجال لإعطاء السائقين أكبر قدر من الحقوق والفائدة، وأن تمنع من التغوُّل الظاهر على السائقين في ذلك؛ لأنّ وظيفةَ الدول تحقيق المصالح لموطنيها، ففي (المادة 58) من المجلة: «التصرف على الرعية منوط بالمصلحة»، ومعناها في درر الحكام1: 57: «أي إن تصرّف الرّاعي في أمور الرعية يجب أن يكون مبنياً على المصلحة، وما لم يكن كذلك لا يكون صحيحاً، والرعية هنا: هي عموم الناس الذين هم تحت ولاية الولي».
والعقد الثاني بين الزبون والشركة، ولا شأن للزبون بالسائق؛ لأن السائق يعمل مع الشركة، والعمل المتفق عليه هو النقل المحدد من مكان
إلى مكان في زمن معين من خلال تطبيق خاصّ بذلك، وقدرت لهذا أجرة ضمن مقاييس لا يتنازع فيها بين الزبون والشركة، وقد رضي بها الزبون، ولم تُعَد جهالة يُتنازع بها، بل هناك آلية عرفية معتبرة في تقدير الأجرة وحسابها فيكون العقد جائزاً، والله أعلم.
17) فتوى
خصم مبلغ من المال عند إلغاء طلب التوصيل
السؤال: إذا طلب شخصٌ سيارةَ أُجرة عن طريق التطبيق لسفر طويل من طبربور الى الكرك مثلاً، وقد تصل الأُجرة في هذه الحالة إلى (20) دينار حسب تقدير التطبيق، وفي بعض الحالات يقوم سائق السيارة ومالكها الذي وافق على طلب التوصيل من خلال التطبيق، ويطلب من الزبون إلغاء الطلب في بداية الرحلة، حتى يأخذ هو كل المبلغ من غير أن يكون نسبة للتطبيق، فهل هذا نوع من الاختلاس والتحايل؟
الجواب: هذا خيانةٌ من السائق للشركة التي يَعمل معها، فلا يجوز، ويكون كسبه بهذا الوصف خبيثاً، وهذا الفتوى مقيَّدةٌ بأن تكون الشركة تُراعي أحكام الشرع بحيث لا تكون ظالمةً لصاحب السيارة ولا للزبون بأن تستغل وتتغول عليهم؛ لقوتها وضعفهم، فإن كان من الشَّركات المستبدة الظالمة لا يُعطى لها فتاوى تؤيد ظلمها إلا أن يراعى حقوق الشرع منها مع غيرها، حتى يراعى حقوق الشرع من غيرها معها، والله أعلم.
18) فتوى
دخول اللاونج في المطار مقابل مبلغ معين
السؤال: اللاونج في المطار، وهو صالة معدَّة لمَن يَنتظر موعد طائرته في المطار، ويُمكن دخول هذه الصَّالة مقابل مبلغ مُعيّن، أو تتاح هذه الخدمة ضمن تذكرة الطائرة أو يُسمح لمن يحمل بطاقة بنكية معيَّنة بالانتفاع بهذه الصالة، وتوفِّر للمسافر خدمات مثل بوفيه مفتوح يُباح الأكل منه، وكذلك يوجد خدمة الاغتسال، ومكان للنوم، فما حكم هذه الإجارة مع العلم أن وقت البقاء في الصالة غير معلوم وكمية الطعام والمشروبات التي يأكلها أو يشربها غير معلومة، كما أنّ أنواع المأكولات والمشروبات في اللاونج غير معلومة قبل الدخول، وكذلك لا يُعلم هل يُمكنه استخدام هذه الخدمات أم لا؛ لأنّ الدفع يكون مقابل الدخول أما الانتفاع فيكون بحسب ما هو متوفر، وهذا يختلف بحسب الازدحام، فهل يصحّ دخول لاونج المطار مع وجود الجهالة في المنفعة أم لا؟
الجواب: هذه الخدمة التي تُقدَّم في صالات معيَّنة في عامة المطارات مقابل مبلغ أو اشتراك معيَّن سواء بالجلوس أو الشراب أو الطعام او الانترنت أو النوم لها قدرٌ أدنى متحقِّق سواء في الجلوس أو الشراب أو الطعام، وفوات بعض الخدمات فيها نتيجة ازدحام أو غيرها لا يضرُّ كثيراً، بحيث تبقى ما تُقدِّم من منفعة معتبرةً؛ لذلك يَطلبها الناس ويرغبون فيها رغم التفاوت القليل في الخدمات، فكانت الجهالة
معفوةً؛ لعدم تحقُّق النزاع فيها، ففي كمال الدراية للإزميري20: 156: «الجهالة إنما تمنع الجواز إذا كانت تفضي إلى النزاع، وهذه الجهالة لا تفضي إليها».
فطالما أنه وجد عرف بمثل هذه الخدمات، ولا يتحقق نزاع في الاستيفاء لها بين الزبون والصالات، فلم تعدّ هذه الجهالة معتبرة، ويشبه هذه المسألة مسألة دخول الحمام، ففي جهالة في الزمان وكمية المياه، ولكن الناس تعارفوها ولم يتنازعوا فيها فجازت، ففي شرح القدوري على الكرخي3: 9: «ودخول الحمام لا يفتقر إلى شرط أجرة معلومة، وبيان مقدار ما يمكث فيه، وما يستعمل من الماء؛ لأنَّ الأمة أطبقت على خلاف ذلك»، وفي المبسوط12: 139: «وكذلك شرب الماء من السقا بفلس»، وفي أصول السرخسي2: 208: «جوزنا دخول الحمام بأجر بطريق الاستحسان فإنما تركنا القول بالفساد الذي يوجبه القياس لانعدام علة الفساد وهو أن فساد العقد بسبب جهالة المعقود عليه ليس لعين الجهالة بل لأنها تفضي إلى منازعة مانعة عن التسليم والتسلم وهذا لا يوجد هنا وفي نظائره».
19) فتوى
التأجير الباطني للشقق
السؤال: ما حكم التأجير الباطني للشِّقق، وهو عقد إجارة داخل عقد إجارة أخرى، بحيث يقوم مستأجر الشّقة بتأجير نفس الشقة المُستأجَرة لشخص آخر لمدّة معلومةٍ وبأجر معلوم، وذلك لعدة أسباب
منها تحقيق الربح، أو لأنّه حصل معه شيء عارض منعه من السكنى في الشّقة بعد استئجارها، فيتجنَّب الخسارة بهذا الفعل، وقد يحدث هذا التأجير الباطني مع رضا المؤجّر الأصلي الذي هو مالك الشقة أو بدون رضاه، فهل يصحّ تقييد المؤجر الأصلي ومنعه للمستأجر من التأجير الباطني، وهل المستأجر مُلزم بالوفاء بهذا الشرط في العقد أم هو شرط فاسد لا عبرة له؟
الجواب: الأصل جواز أن يقوم المستأجر بتأجير ما استأجره؛ لأنه ملك منفعته، فيمكلها لمن يشاء، وهذا فيما لا يختلف باختلاف المستعمل، فمن استأجر دابة للركوب لا يملك أن يركبها غيره؛ لأنه سيكون متعدياً وضامناً لها، ففي الينابيع1: 313: «ليس له أن يركبها غيره حتى لو ركبها المستأجر أو غيره بأمره بعدما تعيَّن راكبها فعطبت؛ ضمن قيمتها»، وفي مختصر القدوري ص46: «وكذلك كُلُّ ما يختلفُ باختلافِ المُسْتَعْمِل، وأَمّا العَقارُ وما لا يختلف باختلاف المستعمِل فإذا شَرَطَ سكنى واحد فله أن يُسْكِنَ غيرَه».
والسُّكنى فيما سبق لم يكن اختلاف فيها باختلاف المستعمل؛ لأن مكوناتها محددة لا تتضرر من شخص لآخر، ومَن عملٍ لآخر، ومع ذلك صرَّح الفقهاءُ أنّ الأعمال التي تضرّ بالبناء لا يجوز فعلها إلا بالتصريح بها رفعاً للضرر على المؤجر، ففي مختصر القدوري ص46: «ويجوز استئجار الدور والحوانيت للسكنى وإن لم يبين ما يعمل فيها وله أن يعمل كل شيء إلا الحداد والقصار والطحان»، وفي زاد الفقهاء2:
10: «لأن البيت موضوع للسُّكنى، والناس لا يتفاوتون فيه، فصار المعقود عليه معلوماً عادةً فكان مُستَغنياً عن بيانه صريحاً، وله أن يعمل في الحوانيت والدُّور إلا ما يضُرُّ بالبناء»، وفي المجتبى2: 145: «لأن فيه ضرراً ظاهراً؛ لأنه يوهن البناء، فيقيَّد العقد بما وراء ما يُوهن البناء دلالة».
والسكنى في زماننا تختلف باختلاف المستعمل إجمالاً؛ لكثرة التفاصيل في البناء والخدمات المقدمة مع السكنى، ولتفاوت أخلاق الناس بحيث لا يرضى أن يُسكن أي أحد؛ لذلك نجد أن التشريعات والقوانين في الدول عادة لا تسمح للمستأجر أو يؤجر ما لم يكن عنده عقد خاصٌّ بالتأجير: «عقد إيجار وتأجير».
وعليه فلا يجوز للمؤجر أن يؤجر إلا بإذن المستأجر؛ لتحقُّق الضرر الظاهر على المؤجر بتأجير المستأجر من إلحاق الضرر بالبيت المؤجر أو إلحاق السُّمعة السيئة بالمكان أيضاً للتفاوت الظاهر في الأخلاق والسلوكيات الاجتماعية بين الناس، والله أعلم.
20) فتوى
تأجير الأدوات المهنية
السؤال: ما حكم تأجير الأدوات المهنية المختلفة مع أن هذه الأدوات يختلف استعمالها باختلاف المستعمل؛ لأنه ليس كل أحد قادرا على أن يستخدم الأدوات المهنية بهيئة جيدة، فمنهم مَن يستخدمها بحرفية ولا يضر بالأدوات، ومنهم من يستخدمها بطريقة مقبولة،
ومنهم مَن لا يقدر على استخدامها أصلاً بأي وجه كان، فيضر بالأدوات المهنية، فهل يضمن المستأجر في حالة الهلاك، وكذلك إذا أجّر المؤجر لشخص بعينه فأعطاها المستأجر لغيره، هل يكون المستأجر ضامناً إذا هلكت الأداة؟
الجواب: إن كان التأجير لهذه الأدوات المختلفة باختلاف الاستعمال لشخص بعينه بحيث يشترط أن لا يستخدمها غيره، فإن أعطاها لغيره كان ضامناً ويتحمل المستأجر الضرر الواقع عليها.
ففي التبيين5: 116: «إن أطلقَ له الركوب أو اللبس جازَ أن يركبَ الدابةَ ويلبسَ الثوبَ، والمرادُ بالإطلاقِ أن يقولَ: على أن يركبها من شاء، أو يلبس الثوب من شاءَ؛ لأنه يختلفُ باختلافِ الراكبِ واللابسِ، فلا يجوز إلا بالتعيين، وإن قيد براكبِ ولابسِ فخالفَ ضمن؛ لتفاوتِ الناسِ في الركوبِ واللبسِ، فيعتبرُ، فإذا خالفَ صارَ متعدياً فيضمنُ».
ولكن المعتاد في تأجير هذه الأدوات أن لا يشترط شيء من ذلك، وللمستأجر أن يعطي لمن شاء للعمل سواء كان متقناً لعملها أو لا، فإن فسدت أثناء العمل لا يضمنها؛ لأن يده عليها أمانة، والمؤجر لها معتاد فسادها وإصلاحها.
والعرف في ذلك حاكمٌ، فطالما أنّ العرفَ على جواز العمل عليها لمن يَشاء، فصار كالشَّرط في العقد: ليعمل عليها مَن شئت، ومثل هذا لو قيل صريحاً للمؤجر عند استئجارها لم يعترض.
وبالتالي جاز استئجار هذه الأدوات بلا نظر أنّ استعمالها مختلفٌ باختلاف المستعمل، ولا يضمن المستأجر؛ لأنّ العرفَ حاكمٌ بذلك، فصار كالصَّريح في العقد، ما لم يُصرِّح بخلافه، أو يكون عرفاً على هذا، فيُعتبر حينئذٍ، والله أعلم.
21) فتوى
بيان نوع العمل في إجارة أصحاب المهن
السؤال: شخصٌ أراد استئجار محلٍّ لبيع الملابس، فهل يجب عليه بيان نوع الملابس التي تُباع في المحل عندما يتم العقد بينه وبين المؤجّر، وهل يجب تحديد مدة الإجارة؛ لأن طول المدة مشكلة لصاحب المحل وقصر المدة مشكلة للمستأجر؟
الجواب: لما كانت أنواع الملابس لا تختلف في تأثيرها على المؤجر لم يكن لازماً بيان نوع الملابس التي يضع في المحلّ، وللمستأجر أن ينتقل من نوع إلى آخر فيها بلا إذن من المؤجر، بحيث كان يضع الملابس النسائية فوضع فيها الملابس الرجالية، وهكذا.
ولا بدّ من تحديد مدّة الإجارة؛ لأنّ الجهالةَ فيها مفسدةٌ للعقد؛ لما يلحق المؤجر أو المستأجر من ضرر بسببها، ففي الوافي3: 193: «وتُعْلَم المنفعَةُ ببيانِ المُدّة، كالسُكْنى»، فإن لم تكن المدة معلومة كانت المنفعة مجهولة، ففسد العقد، والله أعلم.
22) فتوى
عدم انتفاع المستأجر من الإجارة
السؤال: رجلٌ استأجر منشاراً كهربائياً ليقطع الحطب ليومين بمبلغ معيَّن، فهل يدفع الأجرة وإن لم يستعمله في تلك المدة لأي سبب من الأسباب؟
الجواب: شاع استئجار المعدات المختلفة للقيام بأعمال معيَّنة، كما في الصورة المذكورة، فالمنفعةُ مباحةٌ فيها، وهي معتبرةٌ شرعاً كقطع الخشب، ولإزالة الجهالة يكون العقد فيها على الزمان، بحيث تستحقُّ أجرة (5) دنانير كل يوم مثلاً، بحيث لو بقيت الآلة ليوم آخر لزم أُجرة يوم جديد، وتكون الأجرة لهذا المعدّات معلومة صريحاً أو عرفاً.
وأصلُ هذه العقود أنها إجارةٌ خاصّةٌ، وبالتالي يكون العقدُ فيها على الوقت، وليس على القيام بالعمل، فتستحقُّ الأُجرة بمرور الوقت وإن لم يقم بالعمل؛ لوجود التسليم فيها من المؤجر، ففي الفقه النافع ص180: «الأجير الخاص الذي يستحق الأجرة بتسليم نفسه في المدة وإن لم يعمل كمن استؤجر شهراً للخدمة أو لرعي الغنم، ولا ضمان على الأجير الخاص فيما تلف في يده ولا ما تلف من عمله، لأنه لما سلم النفس صار عمله كعمل من له المال».
والتقصير كان من المستأجر في استيفاء المنفعة، ويلزم عليه دفع الأجرة المستحقّة لهذه الإجارة، كما في الصورة المذكورة، ففي الذخيرة
البرهانية12: 74: «لو لم يسكن الدار بعدما خلى بينه وبين الدار يجب الأجرة».
23) فتوى
تمديد المستأجر للضرر
السؤال: تمّ استئجار مبنى بعقد بين وزارة العدل وصاحب العمارة؛ لإقامة محكمة فيها لمدة عشر سنوات، وهذا لأنّ وزارة العدل أرادت شراء أرض خلال هذه الفترة، وبناء محكمة جديدة عليها، لكن انقضت المدة ولم يكتمل بناء المحكمة، فأرادت الوزارة تمديد مدة الإجارة، لكن لم يوافق صاحب البناية على ذلك، علماً بأنّ البناية مجهّزة بتجهيزات ونفقات أقامتها وزارة العدل، فما الحكم في هذه الحالة؟
الجواب: لا يلزم على المؤجر القبول، ولا بُدّ من رضاه لتجديد العقد؛ لأنّ العقد المتفق عليه انتهى، والمستأجر كان مقصراً بالقيام بالتجهيزات المناسبة من البناء وغيره لأجل أن ينتقل، ومثل هذا لا يتحمله المؤجر.
وليس هذا كصورة الزرع الذي لم ينضج وانتهى عقد الإجارة، فيجبر المؤجر على التمديد بأجرة المثل لوقت يكفي لنضجه، ولا كالسفينة التي استؤجرت للحمل وانتهت مدة الإجارة وما زالت في وسط البحر، فيجبر على الاستمرار حتى تصل للشاطئ.
ففي الوافي3: 318: «إن مَضَتْ المُدةُ والزَّرع لم يُدرِك: علي على المُزارع أَجرُ مثلِ أرضِهِ حتى يُدرك»؛ لأنه استوفى مَنفَعَةَ نِصْفِ الأرضِ
لتربية حصته فيها إلى وقت الإدراك؛ وهذا لأن الْمُدَّةَ إذا انقضت فقد انتهى العقد، إلا أن في قلعه ضررًا، فبقينا العقد بالأجرة، كما في الإجارة. كما في الكافي9: 216.
وفي النهاية7: 129: «إنَّ استأجر سفينة ً شهرا ً، فمضت المُدَّة في وسط البحر، فإنّهُ ينعقدُ عليها إجارة أخرى بأجر المثل، بغير رِضَا المالك».
وهذا لأنه في الصور السابقة حصل خطأ في التقدير، وكان الضرر ظاهراً على المستأجر، وفي صورتنا لا يوجد خطأ في التقدير؛ لأنّ المدة طويلة جداً، ولكن يوجد تقصير من المؤجر للقيام بمسؤولياته، والله أعلم.
24) فتوى
زيادة أجرة البيت بعد انتهاء عقد الإجارة
السؤال: لو أن شخصاً استأجر داراً لمدة سنة كاملة على أن يدفع كل شهر (200) دينار مثلاً، وبعد انقضاء السنة قال المُؤجّر للمُستأجر: إما أن تزيد لكل شهر (20) ديناراً أو تترك البيت، فبقي المستأجر من غير تلفظ أو تعليق، فما حكم الإجارة الآن هل تلزمه المستأجر الأجرة الجديدة إذا بقي في البيت شهر؟
الجواب: سكوت المستأجر واستمراره في استئجار البيت رغم الزيادة على الإجار يُعَدُّ رضى بها وقبولاً لها،، فتكون الأجرة الجديدة لازمة عليه، والله أعلم.
25) فتوى
تغيّر الأُجرة في العقود طويلة الأجل
السؤال: أقامت الأنوروا عدّة عقود لإقامة مخيّمات للاجئين الفلسطينين، ومدّة هذه العقود (99) سنة، لكن هذه الأجور تغيَّرت كثيراً وصارت قليلة جداً مقارنة بأجرة المثل في هذه الأيام، فهل يجوز للمؤجر زيادة الأجرة أو إخراج المؤجّر؟
الجواب: إن كان هذا الاستئجار من الدولة، والأراضي مملوكةً لها، والأنوروا مؤسسة عالمية لمساعدة اللاجئين الفلسطينين، وعامتهم سكنوا الأردن وحصلوا على جنسيات أردنية، وبالتالي هم مواطنون أردنيون، لهم حقوقٌ على دولتهم، وأدناها دفع هذه الأراضي لهم، بدون مناقشات مع الأنوروا؛ لأنها أستأجرت أرض للدولة، ومثلها تأخذ حكم الأرض الوقفية.
ففي العقود الدرية2: 102: «تقرر أن أراضي بيت المال يسلك بها مسالك أرض الوقف خيرية من العشر والخراج، والحاصل أنه يجب مراعاة مصلحة بيت المال كما تجب مراعاة مال اليتيم، وما ورد فيه غير خاف على فقيه، ونزل الإمام الأعظم في مال بيت المال منزلة والي اليتيم، وللتيماري إجارتها شرعا بأجرة المثل كما صرح به العلامة قاسم في فتاواه كأرض الوقف».
ومعلوم أن الأجرة تزاد في أرض الوقف إن زادت عند كل أصحاب الأراضي، وفي البَزَّازية 9: 144: «آجر أرض الوقف، ثلاثة
أعوام بأجر المثل، ثمّ زاد الأجر في أثناء المدة، إن زاد عند كل الناس»، وقال في «الفصول العمادية»: «وزيادة الأجر تعتبر إذا ازدادت عند الكل، حتى لو زاد واحد تعنتًا لا تعتبر هذه الزيادة»،كما في الرحيمية1: 275.
وأما إذا كان الاستئجارُ من أفرادٍ، فيكون لهم الحقُّ في الزِّيادة؛ لأنّ الاستئجار كان على الدينار، والدينار عملةٌ ورقيةٌ، وليس ذهباً، وإنما صار نقداً بالاصطلاح، فهو ملحقٌ بالذهب وليس ذهباً، وعندما تتغيَّر القيمة له أضعافاً، ينبغي اعتبار هذا، ويكون التقدير بالأصل وهو الذهب أو بأجر المثل لمثل هذه الأراضي، رفعاً للظلم عن المؤجر الذي لم تعد هذه الأجرة التي تُقدَّم له تساوي شيئاً تقريباً.
ففي رد المحتار4: 537: «على قول أبي يوسف المفتى به: لا فرق بين الكساد والانقطاع والرخص والغلاء في أنه تجب قيمتها يوم وقع البيع أو القرض إذا كانت فلوساً أو غالبة الغش»، والله أعلم.
26) فتوى
إجارة الأرحام
السؤال: ما حكم تأجير المرأة لرحمها، بحيث تقوم بحمل جنين ليس من بويضتها بعد تخصيب بويضة امرأة أُخرى بحيوانات منوية سواء كانت من زوجها أو من غيره، وسواء كانت صاحبة البويضة امرأة أجنبية أو ضرّة تشترك معها في الزوج نفسه على أن تعيد المولود بعد الولادة إلى والديه البيولوجيين، وهذه العملية تتم عادة عن طريق
التلقيح الصناعي، فهو عقد على منفعة رحم بِشَغْلِهِ بلقحة أجنبية عنه بعوض؟
الجواب: لا يحل مثل هذا الاستئجار، وهو كبيرة عظيمة يشبه الزنا، فكيف لامرأة أن تضع مني رجل أجنبي في رحمها، وقد حرم الله الزنا لأجل هذا؛ لما فيه من اختلاط الأنساب، وكل هذا راجع للحمل الحاصل للمرأة بالزنا.
ولو حصل هذا يكون ولداً لهذه المرأة، وحكمه حكم ولد الزنا، ويثبت لكل رجل يدعي نسبه طالما أن المرأة ليست متزوجة، ومنهم صاحب المني، وإن كانت متزوجة يثبت ابناً لزوجها إلا أن يلاعن، وينفي النسب، ومن نفي نسبه لا يثبت نسبه من أحد سوى الذي نفاه.
وإن كانت البويضةُ من زوجة أُخرى للرجل لم يحل أيضاً؛ لأنّ الرحمَ ليس محلاً للاستئجار، ومَن يولد يُنسب للزَّوجة وللمرأة التي حملت وولدت؛ لأنه ولدها كما يشهد له الظاهر، ولا يُنسب للمرأة الأُخرى صاحبة البويضة، والله أعلم.
27) فتوى
انتفاع العامل مقابل العمل الإضافي غير مدفوع الأجر
السؤال: هل يجوز للعامل أو الأجير الخاص أن ينتفع بالخدمات في مكان عمله أو يستهلك المواد لأغراض خاصة أثناء وقت العمل بدون إذن من صاحب العمل مثل شبكة الانترنت الخاصة بمكان
العمل، أو استخدام الآلة الطابعة والورق، وذلك مقابل العمل الإضافي غير مدفوع الأجر وغير مذكور في العقد؟
الجواب: كلُّ استخدام شخصي لأجهزة العمل أو أغراضه لا تحلّ، إلا ما كان مأذوناً فيه صريحاً أو دلالة أو عرفاً، بأن لا يعترض عليه رب العمل في استخدامه للنت مثلاً بصورة شخصية، أو استخدام يسير كطباعة ورقة أو أوراق قليلة جداً، بحيث مثلها يعلم دلالة تجاوز ربّ العمل عنها، وما سوى ذلك مما لا إذن فيه لا يحل.
ولا يجوز أن يستهلكَ شيئاً من مُقتنيات العمل، ويَزيد وَقتاً إضافياً للعَمل بدله؛ لأنّ مثلَ هذا يحتاج إلى اتفاق مع ربِّ العمل عليه، وإلا يكون عملُه الزائدُ بلا مقابل إن لم يسبقه تراضٍ عليه، والله أعلم.
28) فتوى
استغلال وقت الفراغ أثناء العمل بالعمل لجهة أخرى
السؤال: ما حكم استغلال الموظف وقت فراغه أثناء ساعات العمل للعمل لصالح جهة أُخرى، أو لصالحه الخاص مثل عمل طعام أو بيع ملابس خلال وقت الوظيفة، أو قيام المدرس مثلاً بالدراسة عند عدم وجود حصص تدريس عنده؟
الجواب: ينبغي التفريق بين الوظائف في ذلك، فمثلاً عامّة الوظائف الإدارية، على الموظف فيها أن يقضي وقته بإنجاز ما عليه من مهام وأعمال وأمثالها، فلا يجوز أن ينشغل فيها بعمل آخر أو إضاعة