القراءة القواعدية ...........
....... لمختصر القدوري
جارٍ تحميل الكتاب…
القراءة القواعدية ...........
....... لمختصر القدوري
القراءة القواعدية
لمختصر القدوري
للأستاذ الدكتور صلاح محمّد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
بجامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
ومعه بحث في التفريق بين أصل البناء والأصل الفرعي للمؤلف
الجزء الأول
الطهارة والصلاة
مركز أنوار العلماء
الطبعة الأولى
1446هـ ـ2024م
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومَن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
كنت أُمنّي نفسي منذ سنوات أن ييسر الله لي أن أشرع في شرح مختصر القُدُوري بطريقة قواعدية، بحيث تظهر القواعد التي في مسائله؛ لأني كنت أذكر دائماً أن كلَّ مسائله عبارة عن قواعد، فعلينا أن ندرسها على هيئة أصول، حتى نتمكن من التخريج عليها في المستجدات.
وكلُّ مَن لا يدرس الفقه بطريقة قواعدية، فكأنّه لم يدرس الفقه؛ لأنّ الفقه لا يُدَرَّس إلا ليطبّقه المرء على نفسه، ويخرّج عليه ما يستجد من مسائل، وعدم الدراسة له بطريقة قواعدية تُحوِّل الفقه إلى علم تاريخي تراثي، الانتفاع منه يسير؛ لعدم القدرة على فهمه.
والفقه سيد علوم الإسلام، بل هو جُلُّها؛ لأن عامة مسائل الإسلام تعود له، سواء للفرد أو الأسرة أو المجتمع أو الدولة أو غيرها، فمتى لم نقدر على فهم الفقه بطريقة سليمة صحيحة مناسبة موافقة الواقع، حَرمنا أنفسنا وحَرمنا المسلمين من الاستفادة من خير هذا الدين.
وهذا أمر في غاية الأهمية، فجُلُّ ما نعيشه من شقاء راجع للفهم الخاطئ للدين، وبالتالي كان لزاماً علينا أن نعيد دراسة المسائل الفقهية بطريقة صحيحة؛ لنتمكن من العيش في كنفه، وهذا لا يتحصل إلا بدارسة الفقه بطريقة قواعدية، بحيث تساعدنا في فهمه ابتداءً والعمل به والتخريج عليه في مسائل عصرنا.
وبفضل الله تعالى أن يسر البدأ بهذا المشروع من القراءة القواعدية للفقه، حتى نتمكن من الفقه على أفضل هيئة تنفع الإسلام والمسلمين، وأكملت فيه كتاب الطهارة والصلاة.
فكان عملي في القدوري على النحو الآتي:
1. جعلت من فروعه أصولاً، نُسميها الأصول الفرعية، وهي الأصول الأقوى في تخريج الأحكام عليها.
2. زدت في القدوري فروعاً على هيئة أصول إن كان فكرة الباب لم تكتمل؛ لأنّ القُدُوريّ لم يذكر بعض المسائل الأساسية في كلِّ باب مما يجب على الدارس معرفتها في ابتداء الأمر؛ لذلك أُلّفت التكملات عليه: مثل: التكملة للرازي.
3. بينتُ الأصل الذي اعتمد عليه الفرع «الأصل الفرعي»، وهذا يُعرّف القارئ بمستند عامة المسائل للقدوري سواء كانت من النصوص الشرعية أو أصول البناء أو منهما.
4. قدّمتُ بمقدمة في دراسة أصل البناء والأصول الفرعية.
وسمّيت دورته وكتابه:
القراءة القواعدية لمختصر القُدُوري
سائلين الله تعالى أن يعيد الفهم السّليم لنا ويُبصّرنا في الدين وعلومه.
وفي الختام أسأل الله - عز وجل - أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين، وأن يغفر لنا خطايانا ويكفر عنا سيئاتنا، ويرحمنا برحمته، ويرزقنا الهداية إلى سبيله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي، جامعة العلوم الإسلامية العالمية
في صويلح، عَمان، الأردن
19 - 12 - 2024م
الفصل التمهيدي
أصول البناء والأصول الفرعية
أحببت قبل الشروع في الدّراسة التطبيقية على مختصر القُدُوري أن نُقدِّم تفصيلاً في الكلام عن أصول البناء والأصول التطبيقية في ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الاستنباط والتخريج بين السلف والخلف:
وتوضيح المقصود فيها يكون في ثلاثة نقاط: معنى الأصول لغة، والاجتهاد مرحلتان: الاستنباط والتخريج، والاجتهاد عند الخلف التخريج على النحو الآتي:
أولاً: معنى الأصول لغة:
الأصول لغةً: جمع أصل، وهو أسفل كلّ شيءٍ، وأساسُه، فأساسُ الحائط أصلُه، ثم كَثُر حتى قيل: أصل كلّ شيءٍ ما يستند وجود ذلك الشَّيء إليه، فالأبُ أصلٌ للولد، والنَّهر أصلٌ للجدول، وأصَّلْتُه جعلتُ له أصلاً ثابتاً يُبنى عليه.
فمدارُ معنى الأصل لغةً على ما يُبتني عليه غيره، من حيث أنَّه يُبتني عليه، سواء كان الابتناءُ حسياً: كابتناء السَّقف على الجدار، أو عقلياً: كابتناء الحكم على الدَّليل، والأصلُ قد يكون مُبتنياً على غيره، وأمَّا الفرعُ فما يكون مَبنياً على غيره دائماً (¬1).
ثانياً: الاجتهاد مرحلتان: الاستنباط والتخريج:
يلزم علينا التفريق بين الأصل في البناء والأصل الفرعي؛ إذ كلٌّ منهما تُخَرَّج عليه الأحكام وتُبنى، بحيث طريق الاجتهاد المعتبرة بعد عصر الاجتهاد المطلق هي التخريج.
قال ابنُ كمال باشا: «طبقةٌ ... يستنبطون الأحكامَ من المسائل التي لا نَصَّ فيها عنه على حسب أصولٍ قرَّرها ومُقتضى قواعد بسطها» (¬2).
فأصبحت الطريقةُ المتبعةُ لمعرفة الأحكام الشرعية في المستجدات، هي البناء على كلام الأئمة في المذهب الذين سبقوهم؛ لأنّ ما صدر من مسائل عن المجتهدين المطلقين في المذهب تُمثَّلُ الأفهامَ السليمةَ للكتاب والسنة والآثار على حسب الأصول التي يسير عليها المجتهدون.
¬
(¬1) ينظر: لسان العرب 1: 89، ومعجم مقاييس اللغة 1: 109، والمصباح المنير ص16، وقمر الأقمار 1: 7، وتسهيل الوصول ص3، ومرآة الأصول ص22، وكشف الأسرار 1: 6، وفواتح الرحموت 1: 8، والوافي في شرح الاخسيكثي 1: 167.
(¬2) العثماني، أصول الإفتاء، ص 89عن الطبقات.
وبالتالي تُعَدُّ الوجوه المعتبرة لفهم الأدلة على رأي المجتهد، فعندما يُبنى على مسائله، هو بناء على أصوله المستخلصة من النصوص التشريعية، وتظهر هذه الأصول بالاستقراء له على هيئتين: أصول بناء، والأصول الفرعية.
ولذلك كان الاجتهادُ لها صورتان: المجتهدُ المطلقُ، والمجتهدُ في المذهب.
والمجتهدُ المطلقُ من الأئمة الأوائل الذين قاموا بتقديم الأفهام الصحيحة للنصوص من خلال قواعد أصول الفقه المعروفة لكلِّ واحدٍ منهم، وما قدَّموه من أفهام وإن كان فروعاً في نفسها، لكنها أَصبحت هي الأصولُ الحقيقيةُ لمن جاء بهم، بحيث يُبنى عليها الأحكام في المستجدات.
والمجتهد في المذهب هو مَن يعتمد على مسائل الأئمة، فهي مصدر الأحكام عنده؛ لأنها الاجتهادات المعتبرة في ظنَّه، فصار البناء عليها، كالبناء على نفس النصّ القرآني والنبوي والأثر للصحابي؛ لأنه مبني على الفهم لها.
ولو قام هذا المجتهد بالاجتهاد بمرحلتيه ابتداء، فإنه سيتدرج في هذه المرحلية جزماً؛ لأن عليه في الفهم الفقهي أن يستخرج مراد الشارع من خلال أصول الفقه ابتداءً، ثمّ ما استخرج يجعله فهماً للنصوص يُمثِّل أُسساً تُبنى عليها الأحكام فيما يَستجد.
وبالتالي نجد أنّ المجتهدين من السَّلف قاموا بالمرحلة الأولى على أكمل حال؛ لتوفر أهلية الاجتهاد، وبقي النشاط العملي في أدائها على مدة أربعة
قرون، حتى أنه لم يبقَ وجه معتبر لبناء الأحكام إلا واستخرجوه على وجوه المختلفة وأصوله المتعددة، فكانت عندنا هذه المذاهب السنية المعروفة.
وقاموا كذلك بالمرحلة الثانية وهي التخريج على ما استنبطوه من الأدلة على أكمل صورة، فهم قاموا باستنباط الأفهام للنصوص والتخريج عليها للفروع، على حسب الحاجة حيث كثر الاستنباط كلّما تقدَّم الزمان، وقلّ كلَّما تأخر؛ لعدم الحاجة له بقيام مَن سبق به.
فكان في القرن الأولى كثيراً هائلاً، وبدأ يقلّ في القرن الثالث والرابع شيئاً فشيئاً، حتى توقّف في نهايته؛ للاستغناء عنه واكتماله وذلك باستخراج جميع الوجوه المعتبرة للفهم للنصوص، وصار الاشتغال به نوع مستغرب؛ لأنه قام به الأكابر ممن هم أهل على أفضل هيئة، فلم يكن هناك جديد يُقدَّم فيه مع نقص أدوات مَن يقوم به.
وهذا شيءٌ طبيعيٌّ في العلوم، فكيف أنّ الحديث كان يدوَّن في عصر الرواية بالأسانيد، فلما جمعوا الأحاديث في الصحاح والسنن والمسانيد، واكتملت عملية التدوين في عدة قرون، توقفت الكتابة فيما بعد للأحاديث؛ لتمام التدوين على أكمل ما يكون، وأصبح النقل للأحاديث بالمتون مع الرواي بدون الأسانيد، ولا أحد يشكّ أنّ هذه الأحاديث لها أسانيدها في كتبها الخاصة، فهي المرحلية في العلم.
ثالثاً: الاجتهاد عند الخلف التخريج:
استقر الحال في عصر المجتهدين في المذهب على صورة واحدة من الاجتهاد، وهي الاجتهاد المذهبي، ويكون بتخريج الأحكام على أقوال الأئمة وأفهامهم، وصار العلم يدور عليها.
فمَن حفظها وضبطها كان هو الفقيه الذي يرجع له في الفتوى، قال ابنُ نُجيم (¬1): «معرفة القواعد وهي أصول الفقه في الحقيقة، وبها يرتقي الفقيه الى درجة الاجتهاد ولو في الفتوى».
فصارت هذه الأفهام للأئمة هي «أصول الفقه في الحقيقة»: أي هو مصدر ومستند الفروع الفقهيّة؛ لأنَّها تُخرَّج عليه وتستفاد منه.
وهذا يُفسِّر لنا لماذا تأخر التدوين في أصول الفقه المعروفة؛ لأن مدار العلم على الفروع، وهي طريق الاجتهاد، وأصول الفقه تُحدثنا عن المرحلة الأولى في الاجتهاد من المجتهد المطلق، فتُبيَّن الكيفية التي من خلال قاموا بالاستنباط، لكن الاعتماد في النضج الفقهي وتكوين ملكته لا سيما في المرحلة الثانية معتمدٌ على تحصيل الفروع والمعاني المشتركة بها؛ لذلك تسابق الفقهاء في تحصيلها وتدوينها، وكان الاهتمامُ الكامل بها؛ لأنها السبيل للاجتهاد في المذهب وتلبية حاجة المجتمعات.
وقال ابنُ عابدين في وصف المجتهد في المذهب: «هو مَن استخرج الأحكام من مذهب مجتهدٍ تخريجاً على أصولِه، لا نقل عينه ـ إن كان مُطلعاً على مبانيه: أي مأخذ أحكام المجتهد ـ أهلاً للنَّظر فيها، قادراً على التَّفريع
¬
(¬1) في الأشباه والنظائر ص14.
على قواعده، مُتمكّناً من الفرق والجمع والمناظرة في ذلك، بأن يكون له ملكةُ الاقتدار على استنباطِ أَحكام الفروع المتجدِّدة التي لا نقل فيها عن صاحبِ المذهب من الأصول التي مَهَّدها صاحبُ المذهب» (¬1).
فصار الكلامُ في الضبط الفقهي مرجعه إلى حفظ الفروع ودراستها والنظر لها من وجوهٍ متعددةٍ.
قال الدِّهلويُّ: «قومٌ توجّهوا بعد المسائل المجمع عليها بين المسلمين أو بين جمهورهم إلى التَّخريج على أَصل رجلٍ من المتقدِّمين، وكان أكثرُ أمرهم حمل النَّظير على النَّظير، والردُّ إلى أصلٍ من الأُصولِ دون تتبع الأحاديثِ والآثارِ» (¬2).
وقال النّوويُّ (¬3) والمرداوي (¬4): «يتّخذ نصوصَ إمامِه أُصولاً يستنبطُ منها كفعلِ المستقلّ بنصوص الشَّرع».
وهذا ما يُقرِّره معنى الفقه وهو الفهم: أي فهم الأدلة من المجتهدين، وكانت المتون الفقهية هي جمع مسائل المجتهدين لسائر أبواب الفقه، وعليها الاعتبار الفقهي؛ لأنها تمثلُ أبرز كتب قواعد الفقهاء؛ لأنها المرجعية
¬
(¬1) في شرح عقود رسم المفتي ص31.
(¬2) الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف ص93.
(¬3) في المجموع 1: 76.
(¬4) في الإنصاف 12:260.
الأساسية للأحكام، حتى شرحوا الجملة منها في أَسطر وصفحات، في التفريع عليها، وبيان وجهها، ورَدِّ الفهم المخالف لها.
المطلب الثاني: الدراسة النظرية لأصول البناء والأصول الفرعية:
وبيان المقصود بها يكون في ثلاثة نقاط: الفروع أقوى الأصول للتخريج، وأصول البناء أهم المباحث الفقهية، والمعنى الاصطلاحي للأصل الفرعي وأصول البناء على النحو الآتي:
أولاً: الفروع أقوى الأصول للتخريج:
فنحن أمام حقيقة ساطعة، وعمل فقهيّ على مدار التاريخ، وهو أن هذا الفرع للمجتهد هو قاعدةُ الفقه وأساسُه، ومنه تعرفُ المستجدات، وكان التطبيق لهذا عملياً في عامّة الكتابات الفقهية، حيث جعل هذه الفروع متوناً؛ لحفظها ودراستها والتفريع عليها، وتعتبر الدرجات العملية للطلبة والكملة بقدر ضبطها والتمكن منها، وما هذا إلا تمثل أصل الفقه وأساسه.
فكانت المتون في حقيقة الأمر هي أبرز كتب قواعد الفقه وأوسعها وأنفعها، لكن في الاصطلاح بقيت تسمى كتب الفروع؛ لظاهر حالها أنها تشتمل على فروع المجتهد، وهذا لا يغير الحقيقة أن فروع المجتهد تعدّ قواعد العلم، وتعامل الفقهاء العملي دالّ على ذلك وإن يتلفظوا بها كمصطلح أمر يتطور مع الزمان.
وفي هذا الزمان خاصّة نحتاج أن نُعبَّر عن التصرُّف العملي للفقهاء بمصطلح يوضح حقيقته؛ ليزيل الغشاوة التي أصبحت تخفى على بعض
الدارسين، بحيث يتضح أن كتب الفروع هي كتب قواعد في الحقيقة؛ لأن البناء الفقهاء معتمدٌ في الحوادث عليها.
ومن خلال هذه الدراسة المفصَّلة لكلّ مسائل القُدُوريّ الذي يُعَدّ أشهر متون سادتنا الحنفية، نقف على حقيقةٍ رائعةٍ أنّ مسائله يُمكن إرجاعُها إلى النصوص أو البناء أو لكليهما.
ويقصد بذلك أن الفرع استنبطه المجتهد من النصوص القرآنية والنبوية والآثار، أو من المعاني والأفهام التي تكوّنت لديه بالاستقراء في نصوص الشارع بحيت كانت مراعاة في تشريعه للأحكام.
ولما كان مجتهداً مطلقاً لا بُدّ أن يكون جميع فهمه قائماً على الاستقراء الكامل لجميع نصوص الشرع والمعاني المشتركة بينهما والمقاصد التي دارت عليها، فيكون واضحاً أن فروعاً قائمة على النصوص والمعاني المراعاة في التشريع التي يُمكن التعبير عنها بالبناء.
وهذا المعاني لبناء الأحكام اهتمّ الفقهاء في ذكرها في المطولات الفقهية من الشروح عادةً، وتكون على هيئة تعليل للمسائل، فتكون عادةً بعد كلمة «لأنّ»، أو يُعبَّرَ عنها بكلمة «الأصل»، وتستخدم كلمة الأصل أيضاً بمعنى نصوص الشارع، وإن كان الاستخدام لها بمعنى البناء أكثر من النصوص.
فإذن «الأصلُ» يُطلق في كتب فقهائنا ويُراد به أحد المعنيين: البناء والنصوص.
وهذا ما تمّ عمله في الدراسة على القُدُوري؛ إذ بُيِّنت في كلُّ مسألةٍ ما هو أصلُها للبناء أو أصلُها من النصوص.
فالدراسة القواعدية على القدوري تشمل على أمرين رئيسيين، وهما:
1. إبرازُ مسائل على هيئة قواعد، وتُسمّى الأصول الفرعية؛ لأنّ كلَّ مسألة تُعَدُّ قاعدةً؛ لأنّ البناء للأحكام يكون مُعتمداً عليها، وهي في الحقيقة أقوى شيء في الفقه؛ لأنّها نصُّ المجتهد، وليس الفهم المُقدَّم من الفقهاء لمسائل المجتهد، فهي الركيزةُ الأولى للفقه، والتخريج عليها عليها أقوى أنواع التخريج، وهذا سبب العناية الفائقة من الفقهاء بفروع المجتهدين؛ لأنها عينُ الفقه وأساسه.
فتصبح هذه المسائل عبارة جمل مكتملة الأركان من مبتدأ وخبر مثلاً بعد إعادة الصياغة لها، مشتمل على فعل وحكم، فمتى وجد هذا الفعل بحدود وأمثاله لزم لها نفس الحكم.
2. إبراز أصل كل فرع سواء كان من النصوص أو البناء أو منهما، حيث كان التحليل والاستقراء لأصل جميع الفروع، وهي مختلف من باب إلى باب، فتجد بعض الأبواب ظاهر فيها النصوص بصورة جلية، الآخر يظهر فيها البناء.
ثانياً: أصول البناء أهم المباحث الفقهية:
ولا بُدّ من معرفة حقيقةٍ مهمةٍ أنّ المجتهدَ مُستمرٌ ببيان الأحكام سواء وَجَدَ فيها نصّاً أو لم يجد، وذلك بمراعاةِ معاني النصوص ومبانيها والقواعد التي أسسها في الفهم.
ولولا الاستخراج للمعاني والتأصيل للأصول في ذهنه لما قدر على الإجابة في عامة الفروع؛ لأن الفروع الواردة عن المجتهد من نصوص قليلة نسبياً بالنسبة للمستندة للأصول.
لذلك يُعَدُّ أصل البناء من أهمّ المباحث الفقهية بعد الفروع، فهي الأصولُ التي خَرَّج عليها المجتهدُ المطلقُ جُلَّ فروعه، وهي الأصولُ يستخرجها الفقهاءُ لتعليل المسائل وفهمها والتخريج لبعض المستجدات عليها.
لذلك احتجنا للاصطلاح للاختصار في الكتابة والشرح وتسهيلاً للفهم، فنُعبر عن الفروع للمجتهدين بالأصل الفرعي، وعمَّا تُنبنى عليه المسائل من أُصول بأصل البناء.
ثالثاً: المعنى الاصطلاحي للأصل الفرعي وأصول البناء:
الأول: الأصل الفرعي: هو المعنى المُخَرَّجُ عليه الفرعُ الفقهي.
فيكون مدارُ الأصل على المعنى الذي اشتمل عليه فرعُ المجتهد، بحيث يُصاغُ بهيئةٍ معتبرةٍ لبناءِ الأحكام عليه، من فعلٍ وحكمٍ منضبطٍ علمياً، يُراعى في تطبيقه وبناءِ غيره عليه.
وهذا الأصل هو أقوى الأصول على الإطلاق؛ لأنه منصوص عليه من المجتهد، وهو أكثر ما يلاحظ في تخريج الأحكام.
وأقوى التخريجات هي المعتمدةُ عليه، ولا يُقبل تخريج على غيره إن أمكن التخريج عليه بأن كان موجوداً، فتكون الثقة به أتمّ ما يكون، فإن لم يوجد صريحاً عن المجتهد، انتقلنا في التخريج إلى المعاني التي يُراعيها المجتهد في الفروع، وكلّما قلَّت الفروع التي يشترك فيها أصل البناء كانت قُوَّةُ التخريج عليه أقوى؛ لقلَّة العموم فيه، وانتفاء الاستثناء منه أو ندرته، بخلاف ماذا كان أصلُ البناء راعاه المجتهدُ في العديد من فروعه، فإنّ البناء عليه يضعفُ؛ لكثرة العموم فيه، وكثرة الاستثناء منه، فلم نعدّ ندرك أن ما نلحقه به هل من فروعها أو مستثنياته.
وهذا معنى كلام ابن عابدين (¬1): «ولا يكتفي بوجود نظيرها مما يقاربها، فإنَّه لا يأمن أن يكون بين حادثته وما وجده فرق لا يصل إليه فهمه، فكم من مسألة فرّقوا بينها وبين نظيرتها حتى ألّفوا كتب الفروق لذلك، ولو وكل الأمر إلى أفهامنا لم ندرك الفرق بينهما».
وإن كان مثلُ الأصل الذي كثر البناء عليه هو في نفسه أقوى؛ لتأثيره الكبير على فروع عديدة، فهو معنى في نفسه قوي جداً، ولكنه الضعف جاء من البناء عليه بسبب العموم وكثرة المستثنيات، فلا يُلحق به ابتداءً ما لم يَمتنع علينا الإلحاق بالأصول الفروعية أو أصول البناء الجزئية.
¬
(¬1) شرح عقود رسم المفتي ص34.
وهذا معنى كلام ابن نجيم: «لا يجوز الفتوى بما تقتضيه الضوابط؛ لأنَّها ليست كلية بل أغلبية» (¬1)؛ لأن العموم يضعف القاعدة، قال علي حيدر (¬2): «فحكام الشرع ما لم يقفوا على نقل صريح لا يحكمون بمجرد الاستناد إلى واحدة من هذه القواعد».
والثاني: أصل البناء: هو المعنى المخرَّجُ عليه الفروع الفقهية.
فهذا المعنى كان في ذهن المجتهد المطلق عندما أَفتى، ويُمكن أن يكون أفصح عنه إن بَيَّن وجه فتواه، وهذا نادرٌ جداً؛ لأنّ الظاهرَ أنهم كانوا يذكرونها في مجالس التدريس، ولا يكتبونها؛ لأنها الكتابة تقتصر على الأهم، وهو عينُ الفروع، ولأنها معاني مُتكرِّر، فيكون في ذكرها ملل.
وأصول البناء هذه متفاوتة في عمومما وشمولها لفروع يسيرة أو كثيرة أو أبواب متعددة، وفي كتاب «المنهاج الوجيز في القواعد الفقهية» اصطلحت على أنّ الأوَّل يُسمى أصل بناء، والثاني يُسمى ضابطاً، والثالث يُسمَّى قاعداً، وإن فعل الفقهاء لا يُفرِّق بين هذه الثلاثة في الإطلاق، والكل يُطلق عليه الأصل عندهم.
فأصول البناء تمثل القواعد، والضوابط، والأصول، التي بَنى عليها القرآن والسنة والآثار الأحكام الفقهية، فهي زبدة وعصارة الجانب الفقهي
¬
(¬1) ينظر: غمز العيون1: 37 عن الفوائد الزينية.
(¬2) في درر الحكام شرح مجلة الأحكام1: 10.
في مصادر التشريع من الآياتِ، والأحاديثِ والآثارِ، بعد إعمال أصول الاستنباط فيها.
وعلى أصول البناء نُخرّج الأحكام الفقهيّة المتعددة، فيكون مستندها مصادر الوحي؛ لأنَّ أصول البناء مستخرجة منها، فتكون هذه الأصول هي المرجع الحقيقي للحكم الشرعي؛ لأنَّه يخرّج عليها.
ولكن على التفصيل السابق في العموم والخصوص، فكلَّما كان أعمّ ضعف الاعتماد عليه في بناء الأحكام، قال مصطفى الزّرقا (¬1): «ولذلك كانت تلك القواعد الفقهيّة قلما تخلو إحداها من مستثنيات في فروع الأحكام التّطبيقية خارجة عنها؛ إذ يرى الفقهاء أنَّ تلك الفروع المستثناة مِنَ القاعدةِ هي أليق بالتّخريج على قاعدةٍ أُخرى، أو أنَّها تستدعي أحكاماً استحسانيّة خاصّة، ومِنْ ثمّ لم تُسوغ المجلة أن يقتصر القضاة في أحكامهم على الاستناد إلى شيءٍ من هذه القواعد الكليّة فقط دون نص آخر خاص أو عام يشمل بعمومه الحادثة المقضي فيها؛ لأنَّ تلك القواعد الكلية على ما لها من قيمة واعتبار هي كثيرة المستثنيات، فهي دساتير للتفقيه لا نصوص للقضاء».
فالمجتهد يُعمل أصول استنباطه في الآيات والأحاديث من أجل استخراج أصول البناء للأحكام، ومن أصول البناء يُخرج الأحكام الفقهية، وفي تطبيقها على المكلفين يُراعي قواعد أصول التطبيق.
¬
(¬1) المدخل الفقهي العام 2: 948.
فيكون أصلُ البناء هو خلاصةُ وزبدةُ مجموعةٍ من الآياتِ، والأحاديثِ، والآثارِ، بعد إعمال أصول الاستنباط فيها.
ولذلك كان من الخطأ استخراج حكم من آيةٍ أو حديثٍ منفردٍ بدون النَّظر في نظرائه: من الآياتِ، والأحاديثِ، والآثارِ، فلعلَّه يكون منسوخاً، أو موؤلاً، أو مُعارضاً، أو مُخصَّصاً أو مُقيَّداً إلى غير ذلك من الاحتمالات.
المطلب الثالث: الدراسة التطبيقية لاستخدام الأصل عند الحنفية:
أولاً: تطبيقات الأصل بمعنى النصوص:
شاع استخدام الأصل في كتب الحنفية بمعنى النص القرآني أو النبوي أو أثر الصحابي الذي بنيت عليه المسألة واعتمد عليه المجتهد فيما قال، ومن أمثله ذلك:
والأصل فيه: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «البائعان بالخيار ما لم يتفرّقا» (¬1) (¬2).
والأصل فيه: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها:. «دعي الصلاة أيام محيضك» (¬3) (¬4).
¬
(¬1) في مسند الحميدي1: 534، وسنن البيهقي الكبير5: 442.
(¬2) ينظر: شرح الجامع الكبير للجصاص ص204.
(¬3) فعن عائشة رضي الله عنها: (إن فاطمة بنت أبي حبيش أتت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول الله إني أستحاض الشهر والشهرين. قال: ليس ذلك بحيض ولكنه عرق فإذا أقبل الحيض فدعي الصلاة عدد أيامك التي كنت تحيضين فيه، فإذا أدبرت فاغتسلي وتوضئي لكل صلاة) في صحيح ابن حبان 4: 188، وسنن الدارقطني 1: 212، وسنن ابن ماجة 1: 204، غيرها ..
(¬4) ينظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص 1: 480.
والأصل فيه: قوله: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» (¬1) ولم يفصل (¬2).
والأصل فيه: قوله تعالى: {ويؤت كل ذي فضل فضله} [هود: 3] وللرجال زيادة درجة على النساء، فينبغي أن تكون جنازة الرجل أقرب إلى الإمام من جنازة النساء (¬3).
والأصل فيه: ما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج ذات يوم والذهب بيمينه والحرير بشماله وقال هذان حرامان على ذكور أمتي حل لإناثها» (¬4)، ولبس الحرير للرجال في غير حالة الحرب مكروه، وفي حالة الحرب كذلك في قول أبي حنيفة (¬5).
والأصل فيه: قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى» (¬6).
¬
(¬1) في صحيح مسلم 1: 277، وصحيح ابن حبان 4: 104.
(¬2) ينظر: شرح القدوري على مختصر الكرخي1: 91.
(¬3) ينظر: المبسوط30: 107.
(¬4) في سنن أبي داود (4057)، وسنن الترمذي: (1720).
(¬5) ينظر: المبسوط30: 283.
(¬6) ينظر: زاد الفقهاء4: 69.
والأصل فيه: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الناس شركاء في ثلاث: الماء، والكلإ، والنار» (¬1) وأنه ينتظم الشرب (¬2).
والأصل فيه: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أُمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الوجه، والكفين، والرُّكبتين، والقدمين» (¬3).
والأصلُ فيه: قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا} [الفرقان: 48]. وتوضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من آبار المدينة، وقال: «الماءُ طهورٌ لا ينجسه شيءٌ إلاّ ما غيَّر طعمه أو لونه أو ريحه» (¬4)، وطول المكث لا يُنجسه، فيبقى (¬5).
والأصلُ فيه: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ اللهَ تعالى زادكم صلاةً، فصلوها ما بين العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر، ألا وهي الوتر» (¬6). (¬7)
¬
(¬1) في مسند الحارث1: 508، والمراسيل لابن أبي حاتم1: 254.
(¬2) ينظر: الهداية4: 388.
(¬3) فعن ابن عباس - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أُمرت أن أسجد على سبعةِ أعظمٍ على الجبهة، وأشار بيده على أنفه، واليدين، والرُّكبتين، وأطراف القدمين» في صحيح البخاري1: 280، وصحيح مسلم1: 354.
(¬4) فعن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه -،قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» في سنن ابن ماجة1: 174، والمعجم الكبير8: 104، وسنن الدارقطني1: 32.
(¬5) ينظر: الاختيار1: 55.
(¬6) ينظر: الاختيار1: 170.
(¬7) فعن أبي بصرة الغفاري - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله تبارك وتعالى قد زادكم صلاة فصلوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح وهي الوتر» في المستدرك 3: 684، ومسند أحمد 6: 7، وشرح معاني الآثار 1: 68، والمعجم الكبير 2: 279، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 2: 239: رواه أحمد والطبراني في الكبير، وله إسنادان ثم أحدهما رجاله رجال الصحيح خلا علي بن إسحاق السلمي شيخ أحمد، وهو ثقة.
والأصلُ فيه قوله تعالى: {فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} إلى قوله: {أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] (¬1).
والأصلُ فيه: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن أسلم فليسلم في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» (¬2)، نصّ - صلى الله عليه وسلم - على اعتبار معرفة المقدار والأجل؛ لأنَّ جهالتَهما تؤثِّر في الفساد، فيجب انتفاء كلِّ جهالة تؤثر في ذلك، وذلك فيما قلنا (¬3).
ثانياً: تطبيقات الأصل بمعنى أصل البناء:
عامة الاستخدام للأصل في كتب الحنفية بمعنى أصل البناء، فكان اهتمام كبير من الفقهاء بإبراز أصول البناء التي راعاها المجتهد في فروعه، وهي المقصودة عادة عند الإطلاق، ومن ذلك:
¬
(¬1) ينظر: الاختيار1: 279.
(¬2) في صحيح مسلم 3: 1226، وصحيح البخاري 2: 781.
(¬3) ينظر: خلاصة الدلائل 2: 78.
والأصل فيه: أنه متى أضاف الطلاق إلى أحد الوقتين يقع بأحدهما؛ لأنه جعل أحد الوقتين ظرفاً، وإنما يكون أحدهما ظرفاً إذا كان وقع بآخرهما (¬1).
والأصل فيه: أن الفعل اليسير في الصلاة، مثل الالتفاتة ونحوها، لا يوجب سجود السهو بالاتفاق (¬2).
والأصل فيه: أنه متى اجتمع في الصيد لعل وعسى أن لا يحل تناوله، وإليه «أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - لعدي بن حاتم - رضي الله عنه - إذا وقعت رميتك في الماء، فلا تأكل، فإنك لا تدري أن الماء قتله أو سهمك» (¬3).
والأصل فيه أن المعتبر بقاء من بقي لا رجوع من رجع ففي دعوى المال دور القضاء إن بقي اثنان من الشّهود يبقى كل حق وإن بقي واحد (¬4).
والأصل فيه: أن من يجبر على نفقته في حال حياته يجبر على كفته بعد موته، كذوي الأرحام (¬5).
¬
(¬1) ينظر: حاشية الوافي2: 207.
(¬2) ينظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص 2: 11.
(¬3) ينظر: المبسوط 11: 222.
(¬4) ينظر: شرح مختصر القدوري لخوهر زاده3: 192.
(¬5) ينظر: الفتاوى الولوالجية 1: 320.
والأصل فيه: أنّ أخذ الشفيع بالشفعة ابتداء تملك بعوض، فيراعى فيه أحكام المبادلة، ولهذا يثبت فيه خيار الرؤية، والشرط، والرجوع بالثمن عند الاستحقاق (¬1).
والأصل فيه: أن حرف الباء للإلصاق، يقال: كتبت بالقلم، وضربت بالسيف (¬2).
والأصل فيه: أن كل قيام فيه ذكر مسنون يأخذ فيه، ولا يرسل (¬3).
والأصل فيه: أن كل طاعة تختص بالمسلم لا يجوز الاستيجار عليه عندنا (¬4).
والأصل فيه: أن نكاح إحدى امرأتين لا يجوز على الأخرى على تقدير أنها لو كانت ذكراً لا يجوز الجمع بينهما، وتصور الذكورة من الجانبين شرط عندنا (¬5).
والأصل فيه: أنَّ التكليف يعتمد القدرة كيلا يكون تكليف ما ليس في الوسع، وتكليف الأعمى يؤدي إلى هذا؛ لعدم قدرته بنفسه، إلا أنَّهما يجعلانه قادراً بقدرة غيره (¬6).
¬
(¬1) ينظر: شرح الزيادات لقاضي خان3: 1035.
(¬2) ينظر: شرح الزيادات لقاضي خان2: 426.
(¬3) ينظر: مختارات النوازل1: 54.
(¬4) ينظر: مختارات النوازل1: 137.
(¬5) مختارات النوازل1: 145.
(¬6) ينظر: شرح التحفة لابن ملك ق47/أ
ثالثاً: تطبيقات الأصل بمعنى الأصل الفرعي:
وهذا كان قليلاً في استخدام الفقهاء؛ لأنّ الفروع التي يشرحونها هي عبارة عن أصول بنفسها، فمن الجهة العلمية هي الأكثر تخريجاً وبناء، لكن نادراً ما يُطلقون عليها الأصل، ومن ذلك:
والأصل فيه: أن النجاسة الغليظة إذا كانت قدر الدرهم أو دونه، فهي عفو، لا تمنع جواز الصلاة عندنا (¬1).
والأصل فيه: أن الاستماع للقرآن فرض كفاية والاستماع للقران افضل من تلاوته (¬2).
والأصل فيه: أنَّ كُلَّ طواف بعده سعي يعود إلى استلام الحجر فيه بعد الصَّلاة، وكل طوافي ليس بعده سعي لا يعود إلى الاستلام فيه بعد الصَّلَاةِ؛ لأنَّ الطَّواف الذي ليس بعده سعي عبادة قد تم فراغه منها (¬3).
والأصلُ فيه: أنّ الماءَ الذي خالطه شيءٌ من الطِّينِ يجوز الوضوءُ به إجماعاً؛ لبقاء اسم الماء المطلق، ولا يجوز بالخلّ إجماعاً؛ لزوال الاسم عنه، فكلُّ ما غلب على الماء وأخرجه عن طبعه ألحقناه بالخل (¬4).
¬
(¬1) ينظر: منية المصلي1: 83.
(¬2) ينظر: الدرة المنيفة ص45.
(¬3) ينظر: زاد الفقهاء1: 112.
(¬4) ينظر: الاختيار1: 57.
والأصلُ فيه: أنَّ المُزارعةَ غيرُ لازمة في حقِّ صاحبِ البِذْرِ؛ لأنّه لا يُمكنه الوفاءُ بالعَقد إلا بإتلافِ مالِهِ، وهو البِذْرُ، وهي لازمةٌ في حَقِّ الآخر؛ لأنّ منفعَةَ العامل أو منفعةَ الأرض صارت مُسْتحقّةً للآخر، فيَجِبُ عليه تَسْليمُها (¬1).
والأصلُ فيه: أنّ الكافرَ إذا أَقرَّ بخلافِ ما اعتقده حُكِم بإسلامِه، فمَن يُنكر الوحدانيّة كالثَّنويّة وعبدةِ الأَوثان والمشركين والمانويّة إذا قال: لا إله إلا الله، أو قال: أَشْهد أنّ محمَّداً رسول الله، أو قال: أَسْلَمت أو آمنت بالله، أو أنا على دين الإسلام أو على الحنيفيّة، فهذا كلُّه إسلام (¬2).
والأصل فيه: أنّ كلَّ وصيّةٍ يُحصى عدد أهلها فهي جائزٌة، وهي بينهم بالسَّويَّة على عددِ رؤوسهم الذَّكر والأُنثى فهي سواءٌ، ويدخل فيها الغَنِيُّ والفَقِير؛ لأنّ الحقّ يجوز إثباتُه لمعيَّن من بني آدم، فإنَّ التَّسليمَ إليه ممكنٌ، ولا دلالةَ على التَّخصيص، فصَحَّت الوَصيّةُ (¬3).
والأصل فيه: أَنَّ كُلَّ مَنْ قَصَدَ مُجَاوَزَةَ مِيقَاتَيْنِ لَا يَجُوزُأن يتجاوز إلَّا بالإحرام (¬4).
¬
(¬1) ينظر: الاختيار4: 399.
(¬2) ينظر: الاختيار7: 115.
(¬3) ينظر: الاختيار8: 173.
(¬4) ينظر: النهاية شرح الهداية4: 37.
والأصل فيه: أنّ إقرار الرجل على نفسه حجة وعلى غيره ليس بحجة، فالرجل في الإقرار بالأب يلزم نفسه الانتساب إليه؛ لأنه يجب على الولد أن ينتسب إلى أبيه شرعاً (¬1).
والأصل فيه: أن كل رمي ليس بعده رمي فالأفضل أن يرميه راكبا وإلا فماشيا (¬2).
كتاب الطهارة
الباب الأول: الوضوء:
الفصل الأول: فرائض الوضوء:
قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} [المائدة:6] والمرفقان والكعبان يدخلان في الغَسل، والمفروض في مسح الرّأس مقدار النّاصية؛ لما
¬
(¬1) ينظر: النهاية10: 267.
(¬2) ينظر: التبيين2:30.
رَوَى المغيرةُ بن شُعبة - رضي الله عنه -: «أنَّ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَتَى سُبَاطة قوم فبال وتوضّأ ومَسح على ناصيته وخُفّيه».
* الفرض ما لا يصح الوضوء بدونه.
* القياس: فرض الوضوء غسل الأعضاء الثّلاثة ومسح الرّأس.
وأصله: النصوص: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6].
* الاستحسان: مسح الخفين.
وأصله: النصوص: حديث المسح على الخفين، قال الحَسَنُ البصري: «حدثني سبعون رجلاً من أصحاب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّهم رأوه يمسح على الخُفين» أخرجه العيني في البناية1: 554، وشرح معاني الآثار عن سبعة وستين صحابياً.
* يتحقق الغَسل في الأعضاء المغسولة بإسالة الماء على المحل.
وأصله: الفهم اللغوي للنصوص.
* يتحقق المسح في الأعضاء الممسوحة بإصابة اليدِ المبتلَّة العضو.
وأصله: الفهم اللغوي للنصوص، وظواهر الحديث.
ومثاله: يُجزئ المسح بالبلل الباقي في اليدِ بعد غَسلِ عضوٍ من المغسولات، ولا يُجزئ المسح بالبَلَل الباقي في اليد بعد مسحِ عضوٍ من الممسوحات.
* الوجه: من قصاص الشّعر إلى أسفل الذَّقَن طولاً، وما بين شحمتي الأُذُنين عرضاً.
وأصله: الفهم اللغوي، وظواهر الأحاديث للنصوص.
* الشّعر السّاتر للوجه يُسقط غَسل ما تحته ويَأخذ حكمه.
معناه: إذا نبت الشّعر في الوجه يجب غسل الشّعر ولا يجب غسل البشرة تحته؛ لأنَّ الواجب غسل الوجه، ولما نبت الشَّعر خرج ما تحته من أن يكون وجهاً؛ لأنَّه لا يواجه إليه، فلا يجب غسله.
وأصله: الفهم اللغوي، وظواهر الأحاديث.
ومثاله: يجب غسل كل ما يستر البشرة من اللحية الكثّة، أي كل الشَّعر النّابت على الخدين من عِذار وعارض والذّقن في اللحية الكثة، بخلاف اللحية الخفيفة التي تُرى بشرتها يجب غسل ما تحتها.
* اليد: من رؤوس الأصابع إلى المرفقين.
وأصله: الفهم اللغوي، وظواهر الأحاديث.
* القدم: من رؤوس الأصابع إلى الكعبين.
* والكعبُ في الوضوء: هو العظمُ النَّاتئُ في أسفل السّاق، لا المفصل في وسط القدم عند معقد الشِّراك.
وأصله: الفهم اللغوي، وظواهر الأحاديث.
* الرأس: مسح ربع الرّأس.
معناه: يُفترض في مسح الرأس مسح ربع أي مكان في الرأس، فلا يُجزئ مسح أقل من الربع، ويُجزئ المسح على جميع الرّأس، سواء من الخلف أو من الجانبين، ولا يشترط أن يكون على المقدّمة، ولا يجب إيصال الماء إلى أصول الشّعر فيكفي المسح على ظاهره.
وأصله: النصوص: الحديث المشهور للمغيرة «أنَّه - صلى الله عليه وسلم - توضّأ فمسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين» في صحيح مسلم1: 231.
ومثاله: يصح الوضوء مع وجود حمام زيت أو جل أو مثبّت أو كريم على الشّعر للرجال أو النساء إن ثبت أنّه لا يمنع إيصال الماء إلى الشّعر، ولا يُجزئ المسح على الخمار أو غطاء الرّأس للمرأة، ولا يُجزئ المسح على الباروكة، لأنّها تمنع من إيصال الماء إلى أصول الشّعر.
• • •
الفصل الثاني: سنن الوضوء:
وسُننُ الطَّهارة: غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء إذا استيقظ من نومه، وتسميةُ الله - جل جلاله - في ابتداء الوضوء والسِّواك والمضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين وتخليل اللِّحية والأصابع وتكرار الغَسل إلى الثَّلاث
* السُّنة ما يصحّ الفعل بدونها ويُثاب فاعلها ويُعاتب تاركها ولا يُعاقب.
* غسل اليدين إلى الرّسغين قبل الوضوء ثلاثاً سنّة مطلقاً.
وأصله: النصوص: حديث: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسنّ يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنَّه لا يدري أين باتت يده» عن أبي هريرة - رضي الله عنه - في صحيح البخاري ر162، وصحيح مسلم ر237.
ومثاله: تتحقق سنة غسل اليدين إن كان الماء من الصنبور، ولا تتحقق السّنة باستخدام المنديل المبلل؛ لعدم وجود الغَسل.
* التّسمية قبل الوضوء سنّة.
وأصله: النصوص: حديث: «مَن توضأ فذكر اسم الله على وضوئه كان طهوراً لجسده، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله على وضوئه كان طهوراً لأعضائه» في سنن الدارقطني 1: 74، وسنن البيهقي 1: 44.
* الإنقاء (السواك) للفم سنة قبل الوضوء.
وأصله: النصوص: حديث: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء» في صحيح البُخاري2: 682، وحديث: «فضل الصلاة بالسواك على الصلاة بغير سواك سبعين ضعفاً» في مسند أحمد 6: 272.
ومثاله: يقوم مقام السواك فرشاة الأسنان والمعجون، وتتحقق السّنة بتنظيف الأسنان بالإصبع والخرقة الخشنة، وتكون أقل مرتبة من السواك.
* المضمضة ثلاثاً بماءٍ جديدٍ سنّةٌ.
معناه: أنَّ المضمضة في الوضوء سنّة وليست واجبة، والسُّنة فيها إيصال الماء إلى جميع الفم، والمبالغة في إيصال الماء إلى رأس الحلق سنة أيضاً.
مثاله: يسن خلع طقم الأسنان في الوضوء إن لم يكن في خلعه ضرر.
* الاستنشاق ثلاثاً بماءٍ جديدٍ سنّةٌ.
معناه: أنّ الاستنشاق في الوضوء سنة وليس واجب، السُّنة فيه إيصال الماء إلى ما لان من الأنف والمبالغة فيه بأن يجاوز الماء المارن.
وأصلهما: النصوص: حديث: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ فتمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً يأخذُ لكلِّ واحدةٍ ماءً جديداً» في المعجم الكبير 19: 180.
* مسح الأذنين بماء الرأس سنّة.
وأصله: النصوص: حديث: «الأذنان من الرأس» عن عبد الله بن زيد في سنن ابن ماجة 1: 152، وقال الكناني في المصباح 1: 65: إسناده حسن،
وقال القاري في فتح باب العناية 1: 55: إسناده صحيح، ومثله عن ابن عباس وابن عمر عنه - صلى الله عليه وسلم -.
* تخليل اللحية سنّة.
وأصله: النصوص: حديث: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ عرك عارضيه بعض العرك، ثم شبّك لحيته بأصابعه من تحتها» عن ابن عمر في سنن ابن ماجه 1: 149، وسنن الدارقطني 189.
* تخليل أصابع اليدين والرّجلين سنّة.
معناه: أنَّ تخليل الماء بين الأصابع سنّة وليس بواجب، والوضوء صحيح بلا تخليل؛ لأنَّ الماء يسري بين الأصابع وإن لم يخلّل، أما إن تأكد بأن الماء لم يصل بين الأصابع فيجب التّخليل حينئذ.
وأصله: النصوص: حديث: «خللوا بين أصابعكم، لا يخللها الله - عز وجل - يوم القيامة في النّار» في سنن الدارقطني1: 95.
ومثاله: يُجزئ صبّ الماء على اليد أو الرجل إن تحقّق به غسل ما بين الأصابع؛ لأنّ الماء سيال بطبعه.
* تثليث الغَسل في الأعضاء المغسولة سنّة.
معناه: السنة غسل الوجه واليدين والرجلين ثلاثاً بماء جديد لكل مرّة، بخلاف الرأس فإنَّ السُّنة أن يُمسح بماء واحد مرّة واحدة، فإنَّ التثليث مسنون في الأعضاء المغسولة ومكروه في الممسوحة؛ لأنّ المفروض هو
المسح، وبالتكرار لمياه مختلفة يصير غَسلاً أو قريباً منه، فلا يسن تثليثه، بخلاف الغَسل؛ لأنّ التّكرار يحقّقه.
وأصله: النصوص: حديث: «هذا وضوئي» حين غسل الأعضاء ثلاثاً ثلاثاً، عن أبي بن كعب في سنن ابن ماجه ر419، ومسند أحمد2: 98، وسنن الدارقطني1: 79، وسنن البيهقي الكبير1: 80.
• • •
الفصل الثالث: مستحبات الوضوء:
ويُستحبُّ للمتوضئ أن ينويَ الطَّهارة ويستوعبَ رأسه بالمسح ويُرتِّبُ الوضوء، فيبدأ بما بدأ الله تعالى بذكره، وبالميامين
* المستحب ما يُثاب فاعله ولا يُعاتب ولا يعاقب تاركه.
* النية سنّة مستحبة للوضوء.
وأصله: النصوص: حديث: «إنما الأعمال بالنيات» في صحيح البخاري 1: 3. وصحيح مسلم 3: 1515، وصحيح ابن حبان 2: 223، وصحيح ابن خزيمة 1: 73، والمراعاة للخلاف.
ومثاله: أن يقصد بقلبه الوضوء، أو رفع الحدث، أو عبادة لا تصح إلا بالطّهارة.
* استيعاب الرأس بالمسح سنّة مستحبة للوضوء.
وأصله: النصوص: ما روي عن ربيع بنت معوذ بن عفراء - رضي الله عنهم - قالت: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضّأ، قالت: فمسح رأسه ومسح ما أقبل منه وما أدبر وصُدْغيه وأذنيه مرة واحدة» في سنن أبي داود1: 80، والمراعاة للخلاف.
ومثاله: إن مسح رأسه من بلّة فضلت من غسل اليدين جاز.
* الترتيب بين الأعضاء المفروضة سنة مستحبة للوضوء.
وأصله: النصوص: حديث: «ابدؤوا بما بدأ الله تعالى به» عن جابر في في سنن النسائي ر2962، والمراعاة للخلاف.
* التّيامن مستحب للوضوء.
وأصله: النصوص: حديث: «إذا توضَّأتم فابدؤوا بميامنكم» في صحيح ابن حبان 3: 370، وسنن ابن ماجه 1: 141.
* مسح الرّقبة مستحبة للوضوء.
وأصله: النصوص: حديث طلحة: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح رأسه مرّة واحدة حتى بلغ القَذَال» في مسند أحمد 3: 481، وسنن أبي داود 1: 32، وشرح معاني الآثار 1: 30، والمعجم الكبير 19: 18، والسنن الكبير للبيهقي 1: 60.
• • •
الفصل الرابع: نواقض الوضوء:
والمعاني الناقضة للوضوء: كلّ ما خرج من السَّبيلين، والدَّمُ والقيحُ والصَّديدُ إذا خَرَجَ من البدنِ فتجاوز إلى موضعٍ يَلْحَقه حكم التّطهير والقيءُ إذا ملأ الفم، والنّومُ مضطجعاً أو متكئاً، أو مستنداً إلى شيءٍ لو أُزيل لسقط عنه، والغلبةُ على العقل بالإغماء والجنون، والقهقهةُ في كلِّ صلاةٍ ذات ركوعٍ وسجود
* الناقض ما يَبطل الوضوء بفعله.
* القياس: الخارج النجس ينقض الوضوء.
وأصله: النصوص: قال تعالى: {أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء:43]، وحديث: «الوضوء من كل دم سائل» في سنن الدارقطني 1: 157.
* الاستحسان: القهقهة وخروج الريح.
وأصل القهقهة: النصوص: حديث: مَن ضَحِكَ منكم قهقهة فليعد الصلاة والوضوء جميعاً» في سنن الدارقطني 1: 167، وسنن البيهقي الكبير2: 252، ومصنف عبد الرزاق2: 376، ومصنف ابن أبي شيبة1: 341.
وأصل خروج الريح: النصوص: حديث: «إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف فليتوضأ وليعد صلاته» في سنن الدارقطني 1: 279، وسنن الترمذي 3: 460، ومسند أحمد 39: 468.
* ظهور النجاسة من السّبيلين ناقضة.
وأصله: النصوص.
مثاله: الريح التي تخرج من قبل المرأة ليست بناقضة، والاختلاج الذي يحدث في منطقة المستقيم على شكل أصوات لا ينقض الوضوء ما لم يكن خروج ريح من الدّبر.
* سيلان النجس من غير السبيلين إلى عضو وجب تطهيره ناقض.
معناه: لا ينقض بمجرد الظّهور، بل لا بد من الخروج والتّجاوز، سواء كان الخروج بنفسه أو أُخرج بعصر أو غيره، فإن لم يتجاوز لا ينقض.
وأصله: النصوص: {أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} [الأنعام: 145].
ومثاله: فحص السكري ينقض الوضوء، حتى لو وضع الدم على الشريحة مباشرة بدون سيلان على العضو؛ لأنّ مثله لو ترك لسال، ولو خرج القيح من الأذن أو الصّديد إن كان مع الوجع ينقض؛ لأنّ الألم دليل الجرح.
* خروج القيء ملء الفم ناقض.
وأصله: النصوص: حديث: «مَن أصابه قيء أو رعاف أو قَلَس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم» في سنن
ابن ماجه 1: 385، قال التهانوي في إعلاء السنن 1: 113: والصحيح أنَّه مرسل صحيح الإسناد.
* النّوم مضّطجعاً ومتّكئاً ناقض.
وأصله: النصوص: حديث: «ليس على المحتبي النائم ولا على القائم النائم ولا على الساجد النائم وضوء حتى يضطجع، فإذا اضطجع توضأ» في سنن البيهقي الكبير 1: 122، قال ابن حجر في التلخيص 1: 120: إسناده جيد، وهو موقوف.
* النّوم مستنداً إلى ما لو أزيل لسقط ناقض.
أصله: النصوص: حديث: «وكاء السه العينان فمن نام فليتوضأ» في سنن أبي داود1: 52، وحسنه المنذري وابن الصلاح والنووي. كما في نصب الراية 1: 45.
* النوم المعتبر: هو الانقطاع عن سماع من حوله.
* الجنون والإغماء مطلقاً ناقض.
وأصله: خروج الريح بالاسترخاء.
* قهقهة مصلّ بالغ يقظان يركع ويسجد ناقضة.
ـ القهقهة: أن تكونَ مسموعةً لهُ ولجيرانِه وهي مبطلة للوضوء.
ـ الضّحك: وهو الذي يكونَ مسموعاً لهُ لا لجيرانِه، فهو يبطلُ الصَّلاةَ لا الوضوء.
ـ التَّبسُّم: وهو الذي لا يكونَ مسموعاً أصلاً فلا يبطلُ شيئاً.
ـ يركع ويسجد: أي في صلاة ذات ركوع وسجود حتى لو قهقه في صلاة الجنازة أو سجدة التلاوة لا ينتقض الوضوء، بل يبطل ما قهقه فيه.
ـ بالغ: حتى لو قهقه صبيّ لا ينتقض وضوئه؛ لأنّها ليست بجناية في حقه.
ـ يقظان: أي مستيقظ حتى لو نام في الصّلاة على أي هيئة فقهقه لا ينتقض وضوئه.
• • •
الباب الثاني: باب الغسل:
وفرض الغُسل: المضمضةُ والاستنشاقُ وغسلُ سائر البدن
الفصل الأول: فرائض الغُسل:
* القياس: إيصال الماء إلى ما لا حرج فيه.
وأصله: النصوص: قال تعالى: {إِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ} [المائدة: 6].
* الاستحسان: سقوط غسل الظفيرة.
وأصله: النصوص: حديث أم سلمة، قالت: يا رسول الله، إنّي امرأة أشدُّ ضفر رأسي، فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا، إنَّما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين في صحيح مسلم 1: 259.
* فرض الغُسل: المضمضةُ والاستنشاقُ وغسلُ سائر البدن.
أصله: النصوص: حديث أبي هريرة: «تحت كلّ شعرة جنابة، ألا فبلّوا الشّعر وأنقوا البشرة» في سنن أبي داود ر248، وسنن الترمذي ر106، وسنن ابن ماجه ر597.
• • •
الفصل الثاني: سنن الغُسل:
وسنّة الغُسل: أن يبدأ المغتسل فيغسل يديه وفرجه ويُزيل النّجاسةً إن كانت على بدنه، ثُمّ يتوضّأُ وضوءَه للصَّلاة إلاّ رجليه، ثُمّ يُفيضُ الماءَ على رأَسِهِ وسائرِ جسدِه ثلاثاً، ثمّ يَتَنَحَّى عن ذلك المكان فيَغْسِلَ رجليه وليس على المرأةِ أن تنقضَ ضفائرها في الغُسل إذا بَلَغَ الماءُ أُصول الشَّعر
* غسل اليدين إلى الرُّسغين في ابتدائه والوضوء سنة.
وأصله: النصوص: حديث: «كان - صلى الله عليه وسلم - إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ... » في صحيح البخاري 1: 99.
* يسن غسل الفرج وإزالة النجاسة عن البدن.
وأصله: النصوص: حديث ميمونة قالت: «صببت للنبي - صلى الله عليه وسلم - غسلاً، فأفرغ بيمينه على يساره فغسلهما، ثم غسل فرجه ... » في صحيح البخاري 1: 102.
* إفاضة الماء على رأسه وسائر بدنه ثلاثاً سنة.
وأصله: النصوص: حديث: «كان - صلى الله عليه وسلم - إذا اغتسل من الجنابة ... ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصبّ على رأسه ثلاث غرف بيده، ثم يفيض الماء على جلده كله» في صحيح البخاري 1: 99.
• • •
الفصل الثالث: موجبات الغُسل:
والمعاني الموجبة للغُسل: إنزالُ المَنِيِّ على وجهِ الدَّفقِ والشهوة من الرَّجل والمرأة والتقاء الختانين من غير إنزال والحيض والنِّفاس
* الغسل بإنزال المني على وجه الدّفق والشّهوة من الرجل والمرأة واجب.
وأصله: النصوص: قال تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ} [المائدة: 6]، والحديث: «إنَّما الماء من الماء» في صحيح مسلم 81:1.
ومثاله: لو نزل المني بسبب علّة لا يجب الغسل كأن يضرب على ظهره أو يسقط من سطح أو يحمل شيئاً ثقيلاً.
* المذي والودي لا غُسْلَ فيهما وفيها الوضوء.
وأصلهما: النصوص: حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي سأله عن المذي: «فيه الوضوء» في صحيح ابن خزيمة 1: 16، وفي صحيح البخاري 1: 38، والودي مثله؛ لكونه خارجاً نجساً فيوجب الوضوء كالبول.
* الغسل بمجرد تغييب الحشفة من غير إنزال واجب.
وأصله: النصوص: حديث: «إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل» في سنن الترمذي 1: 182، وقال: حسن صحيح، وصحيح ابن حبان 3: 452، وفي لفظ: «وجب الغسل أنزل أو لم ينزل» في الآثار 1: 13، ومسند أبي حنيفة ص161.
* الغسل برؤية البلل للمستيقظ من النوم واجب.
وأصله: حديث: «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرَّجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً، قال: يغتسل، وعن الرَّجل يرى أنَّه قد احتلم ولم يجد بللاً، قال: لا غسل عليه» في سنن الترمذي 1: 190، والسنن الصغرى 1: 112، وسنن أبي داود 1: 78.
* الغسل بانقطاع الحيض والنفاس واجب.
وأصله: النصوص: قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222]، وحديث: «إن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ذلك عرق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي» في صحيح البخاري 1: 122، والمستدرك 1: 281.
* الغسل بالموت واجب.
وأصله: النصوص: حديث: «اغسلوه بماء وسدر» في صحيح البخاري 1: 425، وصحيح مسلم 2: 864.
الفصل الرابع: ما يُسن له الغُسل:
وسَنَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الغُسل للجُمعة والعيدين والإحرام، وليس في المذي والودي غُسْلٌ، وفيهما الوضوء
* الغُسل لأربعة: الجُمعة والعيدين والإحرام وعرفة سنة.
وأصله: النصوص: حديث: «أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل: يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم الفطر، ويوم النحر» في مسند أحمد 4: 78.
وحديث: «إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل» في صحيح البخاري 2: 2، وصحيح مسلم 2: 580.
وحديث ابن عباس: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى» في سنن ابن ماجه 1: 417، والسنن الكبرى للبيهقي 3: 393.
وحديث خارجة: «أنَّه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - تجرد لإهلاله واغتسل» في سنن الترمذي 3: 183، وصحيح ابن خزيمة 4: 161.
• • •
الباب الثالث: المياه:
والطَّهارةُ من الأحداث جائزةٌ بماء السَّماء والأودية والعيون والآبار وماء البحار، ولا تجوز بما اعتصر من الشَّجر والثَّمر، ولا بماءٍ غلبَ عليه غيرُه فأَخرجه عن طبعِ الماء: كالأشربة والخلّ والمَرَق وماء الباقلاء، وماء الزَّرْدَج، وماء الورد، وتجوز الطهارة بماء خالطه شيءٌ طاهرٌ فغيَّر أحدَ أوصافه: كماء المَدِّ، والماء الذي يختلط به الأُشنان والصَّابون والزَّعفران وكلُّ ماء وقعت فيه نجاسةٌ لم يجز الوضوء به، قليلاً كان أو كثيراً؛ لأنَّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أمر بحفظ الماء من النجاسة، فقال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسنّ يده في الإناء حتى يغسلَها ثلاثاً، فإنَّه لا يدري أين باتت يده». وأَمّا الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسةٌ جاز الوضوء منه إذا لم يُرَ لها أَثر؛ لأنَّها لا تستقرُّ مع جريان الماء. والغديرُ العظيمُ الذي لا يتحرَّكُ أَحدُ طرفيه بتحريك الطَّرف الآخر إذا وقعت نجاسة في أَحدِ جانبيه، جاز الوضوء من الجانب الآخر؛ لأنَّ الظَّاهرَ أَنَّ النَّجاسةَ لا تصل إليه، وموت ما ليس له نفسٌ سائلة كالبَقّ، والذباب، والزنابير، والعقارب في الماء لا يفسده، وموت ما يعيش في الماء فيه لا يفسده: كالسَّمك، والضُّفدع، والسَّرطان، والماءُ المستعملُ لا يجوز استعماله في طهارة الأحداث، والمستعملُ كلُّ ما أُزيل به حَدَث أو استُعمل في البدن على وجه القُربة، وكلُّ إهابٍ دُبِغ فقد طَهُر، وجازت الصَّلاةُ فيه والوضوءُ منه، إلاّ جلدَ الخنزير والآدمي، وشعر الميتة وعظمها طاهران
* القياس: تحقق الطهارة الحكمية للوضوء والغسل بالماء المطلق.
وأصله: النصوص: قال تعالى: {ويُنَزِلُ عَلْيكم مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُم بِهِ} [الأنفال: 11].
* الاستحسان: تحقق الطهارة الحكمية بالتراب عند فقد الماء.
وأصله: النصوص: قال تعالى: {فَلَمْ تَجِدوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيْبَاً} [النساء: 43].
* الماء المطلق الباقي على أصل خلقته طاهرٌ مطهرٌ.
ومثاله: ماء السَّماء والأودية والعيون والآبار وماء البحار وما ذاب من الثلج والبَرَد، ولو تغير بطول المكث يبقى طاهراً مطهراً.
* الماء الخارج من الشجر بلا علاج طاهر مطهر.
ومثاله: الماء الذي يقطر من الكرم.
* موت ما لا ليس له دم سائل في الماء يُبقيه على طهوريته.
وأصله: النصوص: حديث: «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإنَّ في إحدى جناحيه داء والأخرى شفاء» في صحيح البخاري 4: 130.
ومثاله: البَقّ، والذباب، والزنابير، والعقارب.
* موت حيوان مائي المولد في الماء يبقيه على طهوريته.
ومثاله: السَّمك، والضُّفدع، والسَّرطان.
2* الماء المقيّد الذي تغيّر اسمه وغلب عليه غيره طاهر فقط.
ومعناه: يُصبح الماء مُقيَّداً بأَمرين:
أ. تغير اسم الماء المطلق.
ب. غلبة غيره عليه.
وضوابط الغلبة (الأكثر له حكم الكل):
* الماء المُخالط للجامدات الطّاهرات إن أَخرجه عن رقته وسيلانه طاهر فقط.
* رقته: أن لا ينعصر عن الثوب. وسيلانه: أن لا يسيل على الأعضاء سيلان الماء.
* الماء المُخالط للجامدات الطاهرات بدون طبخ وتغيرت أوصافه كلها إن بقي على رقته وسيلانه يبقى طاهر مطهر.
ومثاله: كزعفران وصابون وأشنان وفاكهة وورق شجر.
* إن ظهر وصف واحد كلون أو طعم من مائع له وصف واحد كان طاهراً فقط.
ومثاله: القرع والبطيخ فإن ماءها لا يخالف إلا في الطعم، وكذلك ماء الورد فإنه لا يخالف إلا في الريح.
* إن ظهر وصف واحد من مائع له وصفان كان طاهراً فقط.
ومثاله: اللبن فيه وصفان اللون والطعم ولا رائحة له، فإن لم ينتقل أحد الوصفين إلى الماء جاز الوضوء به، وإن وجد أحدهما لم يجز.
* إن ظهر وصفين من مائع له أوصاف ثلاثة كان طاهراً فقط.
ومثاله: كالخلّ له لون وطعم وريح، فأي وصفين منها ظهرا منعا صحة الوضوء، والواحد منها لا يضر لقلته.
* إن غلب الوزن من مائع لا وصف له كان طاهراً فقط.
ومثاله: الماء المستعمل فإنه بالاستعمال لم يتغير له طعم ولا لون ولا ريح، وأيضاً ماء الورد المنقطع الرائحة، فإن اختلط لتران من الماء المستعمل بلتر من الماء المطلق لم يجز الوضوء به، وإن استويا في الوزن حكمه حكم المغلوب احتياطاً.
3. الماء النجس ماء قليل راكد حلَّت فيه النجاسة مطلقاً.
معناه: أن الماء القليل الذي كانت مساحته أقل من عشرة أذرع في عشرة أذرع، ولا تنحسر الأرض بالغرف؛ بأن يكون عمقه بحال لا تنكشف أرضه بالغرف منه بالكفين، ينجس بمجرد وقوع النجاسة والعلم بوقوعها يقيناً أو بغلبة الظن، سواء غيرت أوصاف الماء أو لم تغيره.
وأصله: النصوص: أحاديث أمر النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بحفظ الماء من النجاسة، فقال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه» في صحيح البخاري 1: 57، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا
يغمسنّ يده في الإناء حتى يغسلَها ثلاثاً، فإنَّه لا يدري أين باتت يده» في صحيح البخاري ر162، وصحيح مسلم ر237.
ومثاله: إذا كانت مجموعة خزان مياه أقلّ من عشرة في عشرة، وهو موصول مع غيره من الخزانات بماسورة ومجموعها أكثر من عشرة في عشرة، يعتبر ماء قليل لعدم تحقق ضابط تحرُّك أحد طرفيه بتحريك الآخر وانتقال النجاسة من طرف إلى طرف، ولو كان مجموعها عشرة في عشرة.
* الماء الكثير لا ينجس إلا بظهور وصف النجاسة فيه.
معناه: أن الماء الذي كانت مساحته عشرة أذرع في عشرة أذرع فأكثر، لا ينجس إن لم تتغير أوصافه حتى موضع وقوع النجاسة، ولو كان للنجاسة جرم بأن كانت مرئية وظاهرة فلا يتوضأ من مكانها.
وأصله: النصوص: حديث: أبي هريرة: «الطهور ماؤه الحل ميتة» في صحيح ابن حبان4: 49، وصحيح ابن خزيمة1: 59، والمستدرك1: 239، وسنن الترمذي1: 101.
ومثاله: المسابح الكبيرة.
* الماء الجاري الذي يذهب بتبنة لا ينجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يُرَ أثرها فيه.
معناه: حدّ الجريان هو أن يذهب بتبنةٍ، فإذا كان جارياً لا بُدّ لتنجسه من ظهور أثر النجاسة فيه، ويكون بتغيير طعم الماء أو لونه أو ريحه.
وأصله: لا يخلص بعضه إلى بعض.
* الماء المستعمل لإزالة حدثٍ أو بنيةِ قربةٍ طاهرٌ فقط.
معناه: أن الماء يصبح مستعملاً بحيث لا يجوز الوضوء والغُسل به بأحد أمرين:
أ. إن زال به حدث كامل كوضوء أو ناقص كغسل عضو للوضوء.
ب. إن توضأ مرةً بعد أُخرى في مجلس آخر أو غسل يديه قبل الطعام أو بعده؛ لوجود القربة بسبب ورود الحديث في ذلك مع النِّية لذلك.
وأصله: الإجماع، والنصوص: حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا توضأ العبد المسلم، أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء، أو مع آخر قطرة الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كلّ خطيئة مشتها رجلاه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب» رواه مالك ومسلم والترمذي. كما في الترغيب للمنذري1: 151.
* كلُّ إهابٍ يطهر بالدبغ إلاّ جلدَ الخنزير والآدمي.
معناه: أن جلد الخنزير نجسه بعينه لا بسبب الدم أو الدسومة ولذلك لا يطهر، وأما الإنسان فلكرامته؛ لذلك لا يبتذل، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء:70].
وأصله: النصوص: حديث: «إذا دُبِغَ الإهاب فقد طَهُر» في صحيح مسلم 3: 277، وسنن أبي داود 4: 66، وسنن الدارقطني 1: 66.
* كلُّ ما لا حياة فيه طاهر أو كلُّ ما لا دسومة فيه فهو طاهر.
معناه: أن الدسومة كالدم نجسة فإن زالت طهر، واستفيد هذا من حديث الدباغة، فهي مزيلةٌ للدسومة، فأصبح ما بعدها طاهر؛ لزوال النجاسة.
مثاله: الشعر والعظم.
• • •
الباب الرابع: تنجس الآبار وتطهيرها:
وإذا وقعت في البئر نجاسةٌ نُزحت، وكان نزحُ ما فيها من الماء طهارةً لها، فإن ماتت فيها فأرةٌ أو عصفورةٌ أو صَعْوَةٌ أو سُودانيةٌ أو سامٌّ أبرص نُزح منها ما بين عشرين دلواً إلى ثلاثين دلواً بحسب كِبْر الدَّلو أو صغره وإن ماتت فيها كلبٌ أو شاةٌ أو دابّةٌ أو آدميٌ نُزح جميعُ ما فيها من الماء، وإن انتفخَ الحيوان فيها أو تفسَّخَ نُزِحَ جميعُ ما فيها من الماءِ صَغُر الحيوانُ أو كَبُر، وعددُ الدِّلاء يعتبر بالدَّلو الوَسَط المستعمل للآبار في البلدان، فإنّ نُزِحَ منها بدلو عظيم قُدِّرَ ما يسَع من الدلو الوَسَط واحتُسِب به جاز، وإن كانت البئرُ مَعيناً لا تُنزح، ووَجَب نزح ما فيها، أَخرجوا مقدار ما كان فيها من الماء، وعن مُحمّد بن الحسن - رضي الله عنه - أنَّه قال: يُنزح منها مئتا دلو إلى ثلاثمئة، وإذا وجدوا في البئر فأرةً ميتة أو غيرها ولا يدرون متى وقعت ولم تنتفخ ولم تتفسّخ، أَعادوا صلاة يوم وليلة إذا كانوا توضؤوا منها، وغَسلوا كلَّ شيء أَصابه ماؤها، وإن كانت قد انتفخت أو تَفَسَّخت أَعادوا صلاةَ ثلاثة أَيّام ولياليها، وقال أبو يوسف ومحمّد - رضي الله عنهم -: ليس عليهم إعادة شيء حتى يتحقّقوا متى وقعت.
* القياس في نجاسته: تنجس البئر بسقوط النجاسة مطلقاً.
* القياس في طهارته: لا يطهر البئر إن تنجس.
وأصله: النصوص الواردة في تنجس الماء القليل.
* الاستحسان: تطهر الآبار بالنزح بالممكن بلا حرج.
وأصله: ورود الآثار والضّرورة.
* لا يتنجّس البئر بالنجاسة الجامدة إلا إن كثرت.
مثاله: الروث والبعر.
وأصله: عموم البلوى.
* يطهر البئر بنزح عشرين دلواً في الحيوان الصّغير.
مثاله: فأرةٌ أو عصفورةٌ أو صَعْوَةٌ أو سُودانيةٌ أو سامٌّ أبرص.
وأصله: النصوص: أثر النخعي في البئر تقع فيه الفأرة، قال: «ينزح منها دلاء» في شرح معاني الآثار 1: 18.
* يطهر البئر بنزح أربعين دلواً في الحيوان الوسط.
مثاله: الهرة والدّجاجة.
وأصله: النصوص: أثر إبراهيم النخعي - رضي الله عنه - في فأرة وقعت في بئر، قال: «ينزح منها قدر أربعين دلواً» في شرح معاني الآثار 1: 17، وعنه في البئر يقع فيه الجرذ أو السنور فيموت، قال: «يدلو منها أربعين دلواً» في معرفة السنن 2: 100، وشرح معاني الآثار 1: 17. وعن الشعبي - رضي الله عنه - في الطير والسنور ونحوهما يقع في البئر، قال: ينزح منها أربعون دلواً. في شرح معاني الآثار 1: 17، وعن سلمة بن كهيل - رضي الله عنه - في الدجاجة تقع في البئر، قال: «يستقي منها أربعون دلواً» في مصنف ابن أبي شيبة 1: 150.
* يطهر البئر بنزحه كاملاً في الحيوان الكبير.
مثاله: الكلب والشّاة.
وأصله: النصوص: حديث: ابن عباس - رضي الله عنهم -: «إنَّ زنجياً وقع في زمزم فمات، فأنزل إليه رجلاً فأخرجه، ثم قال: انزفوا ما فيها من ماء» في مصنف ابن أبي شيبة 1: 150، ولم يُنكر عليه أحدٌ من الصحابة فكان إجماعاً.
* يطهر البئر بنزحه كاملاً بانتفاخ الحيوان وتفسخه مطلقاً.
مثاله: ينزح البئر بانتفاخ الحيوان صَغُر أو كَبُر.
وأصله: المفهوم والمعتاد؛ لأنَّ الظّاهرَ شيوع النّجاسة في الماء، فكان كالقطرة من الدم أو الخمر ينتشر في الماء.
* المعتبر في نزح البئر الدلو الوسط.
مثاله: إنّ نُزِحَ منها بدلو عظيم قُدِّرَ ما يسَع من الدلو الوَسَط واحتُسِب به.
وأصله: المعتاد.
* يطهر البئر المعين بنزح مئتي دلو.
* وهذا قول محمد، وعليه الفتوى؛ لسهولته تطبيقه، وإن كان ظاهر الرواية هو اعتماد نزح مقدار ما فيها.
وأصله: المعتاد والتيسير.
* تعاد صلاة وغَسل ملابس يوم لمن توضأ أو غسل من بئر وجد فيها ميتة لا يعرف متى وقعت إن لم تنتفخ ولم تتفسّخ.
* تعاد صلاة وغَسل ملابس ثلاثة أيام لمن توضأ أو غسل من بئر وجد فيها ميتة لا يعرف متى وقعت إن انتفخت أو تفسّخت.
* وهذا عند أبي حنيفة، وعند الصاحبين لا يعيد صلاة ولا غسل ملابس ما لم يتيقن بوقت الوقوع.
وأصله: المعتاد، والتكليف بما لا حرج فيه.
• • •
الباب الخامس: الآسار:
وسؤرُ الآدمي وما يؤكل لحمُه طاهر، وسؤرُ الكلب والخنزير وسباع البهائم نجسٌ وسؤر الهرة، والدَّجاجة المخلاة، وسباع الطير، وما يسكن البيوت، مثل: الحَيّة والفأرة مكروه وسؤر الحمار والبغل مشكوكٌ فيه، فإن لم يجد غيرَهما توضّأ بهما وتيمّم، وبأَيهما بدأ جاز
* القياس: السؤر له حكم اللحم.
وأصله: النصوص: حديث: «ما يؤكل لحمُه فلا بأس بسؤرِه» في معرفة السنن 4: 81، وسنن الدارقطني 1: 128، وحديث: «المؤمن لا ينجس» في صحيح البخاري 1: 422، وصحيح مسلم 1: 282، وحديث: «في الكلب يلغ في الإناء: أنَّه يغسله ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً» في سنن الدارقطني1: 65.
* الاستحسان: طهارة سؤر الهرة وسباع الطير.
وأصله: الضّرورة، والنصوص: حديث: «الهرةُ ليست بنجسة، إنَّها من الطَّوافين عليكم أو الطَّوافات» في سنن الترمذي 1: 153، وقال: حسن صحيح، وسنن أبي داود 1: 67، وموطأ مالك 1: 22.
* سؤر الآدمي طاهرٌ مطلقاً.
وأصله: النصوص: حديث: «المؤمن لا ينجس» في صحيح البخاري 1: 422، وصحيح مسلم 1: 282.
* سؤر ما يؤكل لحمه طاهر.
وأصله: النصوص.
مثاله: سؤر البقر والغنم والجمال.
* سؤرُ ما لا يؤكل لحمه نجسٌ.
وأصله: النصوص.
مثاله: سؤر الكلب والخنزير وسباع البهائم.
* سؤر سواكن البيوت مكروه تنزيهاً إن وجُد الطاهر.
وأصله: النصوص.
مثاله: سؤر الهرة والدَّجاجة المخلاة والحَيّة والفأرة.
* سؤر الحمار والبغل مشكوكٌ فيه.
وأصله: النصوص: تعارض الأدلة: حديث أنس - رضي الله عنه -: «نادى منادي النبي - صلى الله عليه وسلم - في خيبر إنَّ الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر، فإنَّها رجس» في صحيح البخاري 4: 1539، وصحيح مسلم 3: 1540، وحديث: جابر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنَّه سئل: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: «نعم، وبما أفضلت السباع كلّها» في مسند الشَّافِعيّ 1: 15، وسنن البيهقي الكبير 1: 249، وسنن الدارقطني 1: 62.
مثاله: إن لم يجد غير سؤر البغل والحمار توضّأ بهما وتيمّم، وبأَيهما بدأ جاز.
الباب السادس: باب التيمم:
ومَن لم يجد الماء وهو مسافرٌ، أو خارجَ المصر بينَه وبين المصر نحو يمسح بإحداهما وجهه، وبالأخرى يديه إلى المرفقين، والتَّيمُّم في الجنابة والحدث سواء، ويجوز التَّيمّم عند أبي حنيفة ومحمّد - رضي الله عنهم -: بكلِّ ما كان من جنس الأرض كالتُّراب والرَّمْل والحجر والجِصّ والنُّورة والكحل والزِّرْنيخ، وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: لا يجوز إلا بالتُّراب والرَّمل خاصّة، والنّيّة فرضٌ في التَّيمُّم، مُستحبّةٌ في الوضوء، وينقض التَّيمّم كلُّ شيء ينقض الوضوء، وينقضُه أيضاً: رؤية الماء إذا قَدَر على استعماله، ولا يجوز التَّيمُّم إلاّ بصعيد طاهر، ويُسْتَحَبُّ لمَن لم يجد الماء، وهو يرجو أن يجدَه في آخر الوقت أن يؤخِّرَ الصلاة إلى آخر الوقت، فإن وَجَدَ الماء توضّأ وإلا تيمَّم وصَلَّى، ويُصلِّي بتيمّمه ما شاء من الفرائض والنَّوَافل، ويجوز التيمّمُ للصحيحِ في المصرِ إذا حضرت جنازةٌ والوليُّ غيرُه فخاف إن اشتغل بالطَّهارةِ أن تفوتَه الصّلاة، وكذلك مَن حَضَرَ العيدَ فخاف إن اشتغلَ بالطَّهارة أن تفوتَه صلاةُ العيد فإنَّه يتيمَّم ويُصلِّي، بخلاف مَن شهدَ الجمعة فخاف إن اشتغلَ بالطَّهارة فاتته فإنَّه لا يتيمّم، وبخلاف مَن ضاقَ عليه الوقت، فخشي إن توضّأ فات الوقت لم يتيمّم ولكنَّه يتوضّأُ ويُصلِّي فائتةً، والمسافرُ إذا نَسِيَ الماءَ في رحلِهِ فتيمَّمَ وصَلَّى ثمّ ذَكَرَ الماء لم يُعِد صلاتَه عند أبي حنيفة ومُحمّد - رضي الله عنهم -، وقال أبو يوسف: يعيد. وليس على المُتيمِّمِ إذا لم يَغلب على ظنِّه أَنَّ بقُرْبه ماءً أن يَطْلبَ الماء، فإن غلبَ على ظنّه أنَّ هناك ماء لم يجز له أن يتيمَّم حتى يطلبه، وإن كان مع رفيقه ماء طَلَبه منه قبل أن يتيمّم، فإن منعه منه تيمَّم، وإن تيمَّم قبل الطَّلب جاز
* مَن بَعُدَ عن الماء مقدار ميل (2000م) جاز له التّيمم.
وأصله: الحرج، والنصوص: قوله تعالى: {فَلمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء:43]، وعن ابن عمر، قال: «رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - تيمم بموضع يقال له: مربد النعم، وهو يرى بيوت المدينة» في المستدرك 1: 288، وعن نافع - رضي الله عنه -: «تيمم ابن عمر على رأس ميل أو ميلين من المدينة فصلى العصر، فقدم والشمس مرتفعة ولم يعد الصلاة» في المستدرك 1: 289.
مثاله: مَن لم يجد الماء وهو مسافر، أو خارجَ المصر وبينَه وبين المصر نحو الميل أو أكثر.
* يُباح التيمم للغُسل خَشية المرض أو زيادته أو تأخر برئه.
معناه: بأن يكون في استعمال الماء حصول المرض، أو اشتداده، أو بطء في الشفاء بإخبار طبيب مسلم عدل، فلا يشترط خوف التلف؛ لأنه يباح له التيمم إذا كان الماء يباع بغبن فاحش، وضرر اشتداد المرض فوق ضرر زيادة الثمن، فيباح التيمم بسببه.
وأصله: الضرر، والنصوص، قال تعالى: {َإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ... فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء:43].
* يباح التيمم للغُسل في البرد للمسافر إن خشي المرض.
وأصله: الضرر، والنصوص، قال تعالى: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ... فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء:43]، وحديث: عمرو بن العاص - رضي الله عنه -: (احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن
اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكروا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب. فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال رجاء أني سمعت أن الله يقول: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29]، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) في المستدرك1: 285، وسنن أبي داود 1: 92.
* يباح التيمم للغُسل في البرد للفقير إن خشي المرض لفقد الماء الساخن أو النار.
وأصله: ضرر المرض الموجب للتيمم.
* يباح التيمم لمن عجز عن استعمال الماء وعن الوصول إليه.
معناه: يعتبر العجز عن استعمال الماء عذر للتيمم كمريض الصدفية والأكزيما أو المصاب بحروق في جميع الجسم، وكذلك العجز عن الوصول إليه يعتبر عذر، كالمقعد والمشلول أو من أجرى عملية زرع مفصل في الركبة.
* فرض التيمم ضربتان للوجه واليدين للمرفقين.
معناه: أنّ التيمّمُ ضربتان: يمسح بإحداهما وجهه، وبالأخرى يديه إلى المرفقين.
وأصله: النصوص: قال تعالى: {فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [النساء:43]، وعن جابر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين) في المستدرك 1: 287، وسنن الدارقطني 1: 180، ومصنف ابن أبي شيبة 1: 146.
* التَّيمُّم في الجنابة والحدث سواء.
وأصله: النصوص: قال تعالى: {أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء:43]، وحديث: أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، إنا نكون في الرمل أربعة أشهر أو خمسة أشهر، فتكون فينا النفساء والحائض والجنب، فما ترى؟ قال: عليكم بالصعيد» في سنن البيهقي الكبير 1: 310، والمعجم الأوسط 6: 255.
* يُتيمم بجنس الأرض مطلقاً.
معناه: سواء كان عليه غبار أو لا؛ لأنّ المعتبر في التيمم الإمساس، بدليل أنه إن نفضهما تناثر ما عليهما من التراب.
* جنس الأرض: ما لا ينطبع ولا يحترق فيتحول رماداً: كالتُّراب والرَّمْل والحجر والجِصّ والنُّورة والكحل والزِّرْنيخ.
مثاله: يجوز التيمم على الطين وعلى الأرض الرطبة على الصحيح؛ لأنّ الطين من جنس الأرض، إلا إذا صار مغلوباً بالماء فلا يجوز التيمم به.
وأصله: النصوص: قال تعالى: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء:43].
* يصح التيمم بالغبار الظاهر.
مثاله: إذا ضرب بيده على ثوب أو على حنطة أو شعير أو ما أشبه ذلك، فعلق بيده غبار، جاز التيمّم؛ لأنَّ مقدار ما يستعمل من الأرض هو الغبار، فإذا أخذه من ثوب جاز.
وأصله: المفهوم من النصوص.
* النية فرض في التيمم.
وأصله: النصوص: قال تعالى: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء:43].
* ينتقض التيمم بكل ما ينقض الوضوء.
وأصله: أنه بدل للوضوء، فما أبطل الأصل أولى أن يبطلَه.
* ينتقض التيمم بزوال العذر المبيح للتيمم مطلقاً.
وأصله: انتفاء البدل مع الأصل.
ومثاله: إن شرع في الصلاة متيمماً بسبب المرض أو البرد أو وجود سبع يحول بينه وبين الماء ثم شفي أو أُحضر له ماء دافئ أو ذهب السبع وهو في الصلاة، أما إذا صلى ثم زال العذر في الوقت فلا يعيد.
* ينتقض التيمم برؤية الماء إن قدر على استعماله.
وأصل الرؤية: أنَّه بدل الوضوء، وحكم البدل أن لا يبقى مع وجود الأصل.
وأصل الاستعمال: أنَّ العاجزَ لا يُكلّف.
ومثاله: لو رأى الماء في بئر وليس معه آله الاستقاء، أو كانت الآلة معه نجسة، أو كان بينه وبين الماء حائل من عدو أو سَبُع أو نحو ذلك لا ينتقض تيمُّمُه.
* التّيممُ بالصّعيد الطّاهر حقيقةً.
وأصله: النصوص: قال تعالى: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء:43].
ومثاله: لو تيمم على أرض عليها بول جَفّ لا يصحّ، بخلاف ما لم صُبّ عليها الماء فطَهُرت.
* تُؤخَّر الصّلاة استحباباً لمن رجا الماء في الوقت.
وأصله: الصّلاة بالوضوء أكمل أوصافاً من الصّلاة بالتيمم.
ومثاله: يُسْتَحَبُّ لمَن لم يجد الماء وهو يرجو أن يجدَه في آخر الوقت أن يُؤَخِّرَ الصّلاة إلى آخر الوقت، فإن وَجَدَ الماء توضّأ وإلا تيمَّم وصَلَّى.
* التّيمم خَلَفٌ مطلقٌ للوضوء عند فقد الماء.
وأصله: النصوص: حديث أبي ذر قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الصّعيد الطّيب وضوء المسلم ولو عشر حجج، فإذا وجد الماء فليمس بشرته الماء» في صحيح ابن حبان 4: 139، ومسند أحمد5: 146، وسنن الدارقطني 1: 187، وسنن البيهقي الكبرى 1: 187.
ومثاله: يُصلّى بالتيمم ما شاء من الفرائض والنَّوافل، ويجوز اقتداء المتوضئ بالمتيمم، ولو تيمم للجنابة ثم أحدث صار محدثاً لا جنباً، فيتوضأ إن وجد الماء ولا يجب عليه الغسل.
* تُصلَّى الجنازة والعيد بالتّيمم لمن خشي فوتهما إن لم يكن إماماً.
معناه: يجوز التيمّمُ للصّحيحِ في المصرِ إذا حضرت جنازةٌ وخاف إن اشتغل بالطَّهارةِ أن تفوتَه الصّلاة؛ لأن صلاة الجنازة والعيد تفوت لغير
بدل، فيجوز له أن يتيمم لها ابتداءً، وكذلك إن شرع فيها متوضئاً ثم أحدث، وهذا كله لغير الإمام؛ لأن مثله يُنتظر ولو صلّوا فله حق الإعادة.
وأصله: الفوت لغير خلف، والنصوص: الأثر عن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «أنَّه أُتي بجنازة وهو على غير وضوء فتيمّم ثمّ صلّى عليها» في معرفة السنن 2: 38، والأثر عن ابن عباس، قال: «إذا خِفت أن تفوتك الجنازة وأنت على غير وضوء فتيمم وصلِّ» في مصنف ابن أبي شيبة 2: 49. قال القاري في فتح باب العناية 1: 105: ونقَلَ الدارقطنيُّ عنهما ـ ابن عباس وابن عمر ـ في صلاة العيد كذلك.
* الصّلاة التي تفوت إلى بدل لا تصلّى بالتيمم وإن فات الوقت.
مثاله: مَن شهدَ الجمعة فخاف إن اشتغلَ بالطَّهارة أن تفوته فإنَّه لا يتيمّم، لكن يتوضأ أو يغتسل فإن أدرك الجمعة يصليها، وإلا يصلي الظهر أربعاً؛ لأن هذه الصلاة لها خلف، وهو الظهر، وكذلك مَن ضاقَ عليه الوقت للمكتوبة، فخشي إن توضّأ فات الوقت لا يتيمم ولكنَّه يتوضّأُ ويُصلِّي فائتةً.
* التّكليف بالعلم بالماء.
وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف: التكليف بالبحث عن الماء.
ومثاله: المسافرُ إذا نَسِيَ الماءَ في رحلِهِ فتيمَّمَ وصَلَّى ثمّ ذَكَرَ الماء لم يُعِد صلاتَه عند أبي حنيفة ومُحمّد، وقال أبو يوسف: يعيد.
* وجب طلب الماء غلوة لمن غلب على ظنه وجوده.
وأصله: التكليف بلا الحرج.
ومثاله: ليس على المُتيمِّمِ إذا لم يَغلب على ظنِّه أَنَّ بقُرْبه ماءً أن يَطْلبَ الماء، فإن غلبَ على ظنّه أنَّ هناك ماء لم يجز له أن يتيمَّم حتى يطلبه.
* الطلب للماء من الرَّفيق مستحبٌّ.
وأصله: التكليف بلا الحرج.
مثاله: إن كان مع رفيقه ماء طَلَبه منه قبل أن يتيمّم، فإن منعه منه تيمَّم، وإن تيمَّم قبل الطَّلب جاز.
• • •
الباب السادس: المسح على الخفين
المسحُ على الخُفين جائزٌ بالسُّنّة من كلِّ حَدَثٍ موجبٍ للوضوء إذا لَبِسَ الخُفّين على طهارة كاملة ثمّ أحدث فإن كان مقيماً يمسح يوماً وليلة، وإن كان مسافراً يمسح ثلاثة أيام ولياليها، ابتداؤها عقيب الحدث، والمسح على الخُفّين على ظاهرهما خُطوطاً بالأَصابع، يَبدأُ من رؤوس أَصابع الرِّجل إلى السَّاق، وفَرْضُ ذلك مقدارُ ثلاث أَصابعَ من أَصابع اليد، ولا يجوز المسح على خفٍّ فيه خرقٌ كبير يَبِينُ منه مقدار ثلاث أَصابع من أَصابع الرِّجل، فإن كان أَقلّ من ذلك جاز، ولا يجوز المسحُ على الخُفّين لمَن وَجَبَ عليه الغُسل، وينقض المسح على الخُفّين ما يَنْقُضُ الوضوء، وينقضه أيضاً: نَزْعُ الخُفّ، ومضيّ المدّة، وإذا تَمَّت المدّةُ نَزَعَ خُفّيه وغَسل رجليه وصلَّى، وليس عليه إعادة بقيّة الوضوء، ومَن ابتدأ المسحَ وهو مقيمٌ فسافر قبل إتمام يوم وليلة مسح ثلاثة أَيام ولياليها، وَمَن ابتدأ المسح وهو مسافر ثُمَّ أقام، فإن كان مسح يوماً وليلة أو أَكثر لزمه نزع خُفّيه وغسل رجليه، وإن كان مسح أقلّ من يوم وليلة تَمَّمَ مَسْحَ يومٍ وليلة، ومَن لَبِسَ الجُرْموقَ فوق الخُفّ مسح عليه، ولا يجوز المسح على الجَوْرَبين عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - إلا أن يكونا مُجلَّدين أو مُنعَّلَيْن، وقالا: يجوز المسح على الجَوْرَبين إذا كانا ثَخِينَيْن لا يشفان الماء، ولا يجوز المسح على العِمامة والقَلَنْسوة والبُرْقع والقُفَّازين.
* تعتبر مدة المسح من الحدث.
وأصله: أنّ الخف مانع لسريان الحدث.
* فرض المسح مقدار ثلاث أصابع اليد.
وأصله: اعتبار الأكثر في آلة المسح (اليد).
ومثاله: لو نسيَ المسحَ وأصابَ المطرُ ظاهرَ خُفَّيهِ أو مشى في الحشيش حصلَ المسح، ولو بل خفّه بخرقة أو صب عليه الماء يجزئه، إن بله قَدْرُ طول وعرض ثلاثِ أصابعِ اليد أو أكثر، وكان البلل على ظاهر مقدَّم كل رجل.
* السّنة في المسح على ظاهر الخف خطوطاً من رؤوس الأصابع إلى السّاق.
وأصله: النصوص: عن علي - رضي الله عنه -، قال: «لو كان الدّين بالرأي لكان أسفل الخفّ أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح على ظاهر خفيه» في سنن أبي داود 1: 90، والسنن الصغرى1: 108، ومعرفة السنن1: 214، وعن المغيرة - رضي الله عنه -: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالَ ثم جاء حتى توضأ ومسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خُفِّه الأيمن ويده اليسرى على خُفِّه الأيسر ثم مسحَ أعلاهما مسحةً واحدة حتى كأني أنظر إلى أصابعه - صلى الله عليه وسلم - على الخُفَّين» في مصنف ابن أبي شيبة 1: 170، وسنن البيهقي 1: 262.
ومثاله: يمسح على الخُفّين على ظاهرهما خُطوطاً بالأَصابع، يَبدأُ من رؤوس أَصابع الرِّجل إلى السَّاق.
* يعفى عن خرق أقل من ثلاث أصابع الرِّجل.
وأصله: اعتبار الأكثر في محلّ المسح، وقيام الأصابع مقام الرِّجل.
* يعاد المسح بانتقاضه بنواقض الوضوء.
وأصله: يعتبر في البدل ما يعتبر في الأصل.
* يعاد الغَسل للرِّجلين بنزع الخُفّ عن أكثر القدم ومُضي المُدّة وغسل أكثر القدم.
وأصله: زوال شرط منع الخف سريان الحدث للرجل.
مثاله: لو انقضت مدة المسح نَزَعَ الماسح خُفّيه وغَسل رجليه وصلَّى، وليس عليه إعادةُ غَسل بقيّة أَعضاء الوضوء.
* مدة المسح للمقيم 24 ساعة والمسافر 72 ساعة.
وأصله: النصوص: حديث علي - رضي الله عنه -: «جعل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلةً للمقيم» في صحيح مسلم 1: 232.
* العبرة بالإقامة والسفر باعتبار مدة المسح ابتداء وانتهاء.
وأصله: المفهوم من النصوص.
مثاله: مَن ابتدأ المسحَ وهو مقيم فسافر قبل إتمام يوم وليلة مسح ثلاثة أَيام ولياليها، ومَن ابتدأ المسح وهو مسافر ثُمَّ أقام، فإن كان مسح يوماً وليلة أو أَكثر لزمه نزع خُفّيه وغسل رجليه، وإن كان مسح أقلّ من يوم وليلة تَمَّمَ مَسْحَ يومٍ وليلة.
* يمسح على الخف الملبوس على طهارة كاملة.
وأصله: البناء: منع سريان الحديث، والنصوص: حديث عمر - رضي الله عنه -: «إنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالمسح على ظهر الخفين إذا لبسهما، وهما طاهرتان» في مصنف ابن أبي شيبة 1: 163، ومسند الشاشي 1: 78، ومسند أبي يعلى 1: 158، وسنن البيهقي الكبير 1: 292، وعن المغيرة - رضي الله عنه - قال: «كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما» في صحيح البخاري 5: 2186، وغيره.
ومثاله: أنَّ المحدث إذا غسل رجليه أولاً، ولبس خفيه، ثم أتم الوضوء قبل أن يحدث، ثم أحدث، جاز له أن يمسح على الخفين؛ لوجود الشرط، وهو لبس الخفين على طهارة كاملة وقت الحدث بعد اللبس.
* لا يُمسح إلا على ملبوس على غسل.
معناه: أنَّ ما لُبس على طهارة من غَسل للرّجلين جاز المسح عليه، أما إن لُبس بعد المسح على ما تحته لم يجز المسح عليه.
مثاله: مَن لَبِسَ الجُرْموقَ فوق الخُفّ مسح عليه.
وأصله: النصوص: عن أبي عبد الرحمن السلمي - رضي الله عنه -: «أنَّه شهد عبد الرحمن بن عوف يَسأل بلالاً عن وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: كان يخرج يقضي حاجته فآتيه بالماء، فيتوضأ ويمسح على عمامته وموقيه» في سنن أبي داود 1: 86، والمستدرك 1: 276، وعن أبي قلابة - رضي الله عنه -، قال: «مسح بلال - رضي الله عنه - على موقيه» في المعجم الكبير 1: 362، ومصنف عبد الرزاق1: 187.
* يُمسح على الجوربين المجلّدين والمنعلين عند أبي حنيفة.
* يمسح الجوربين الثخينين الساترين للكعبين والبشرة ولا ينفذان الماء ويمشى عليهما فرسخ عند الصاحبين.
وأصله: أن الجورب الثخين في معنى الخف.
* لا يُمسح إلا ما كان في معنى الخف.
وأصله: الاستحسان الخاص بالخف.
مثاله: لا يجوز المسح على العِمامة والقَلَنْسوة والبُرْقع والقُفَّازين.
• • •
الباب السابع: المسح على الجبيرة:
ويجوز المسح على الجبائر وإن شدَّها على غيرِ وضوء، فإن سقطت عن غير برء لم يبطل المسح، وإن سقطت عن بُرء بَطَل.
* يجب المسحُ على الجبيرة إن ضرّه الغَسل.
وأصله: النصوص: عن جابر - رضي الله عنه -، قال: «خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منّا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم فقال لأصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصةً وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي - صلى الله عليه وسلم - أُخبر بذلك، قال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنَّما شفاء العي السؤال، إنَّما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقه ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده» في سنن أبي داود 1: 93، وسنن البيهقي الكبير 1: 277، وسنن الدارقطني 1: 189، وعن أبي أمامة - رضي الله عنه -: «إنَّه لما رماه - صلى الله عليه وسلم - ابن قمئة يوم أحد، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ حل عن عصابته ومسح عليها بالوضوء» في مسند الشاميين 1: 262، وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، قال: «انكسرت إحدى زندي، فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأمرني أن أمسح على الجبائر» في سنن ابن ماجه 1: 215، ومسند الربيع 1: 62، وسنن البيهقي الكبير 1: 229، وسنن الدارقطني 1: 226.
ومثاله: يجوز المسح على الجبيرة واللفافة ولاصق الجروح إن كان يضر غسل ما تحتها.
* المسح على الجبيرة كالغسل.
وأصله: البناء: سقوط الفرض بالعذر.
مثاله: يجوز المسح على الجبائر وإن شدَّها على غيرِ وضوء، وإن سقطت عن غير برء لم يبطل المسح، وإن سقطت عن بُرء بَطَل.
• • •
الباب الثامن: الحيض:
أَقلُّ الحيض ثلاثة أيّام ولياليها، فما نقصَ من ذلك فليس بحيض، وهو استحاضة، وأَكثرُ الحيض عشرة أَيّام ولياليها، فما زاد على ذلك فهو استحاضة أكثرُه خمسة عشر يوماً وما تراهُ المرأةُ من الحُمرة والصُّفْرة والكُدْرة في أَيّام الحيض، فهو حيضٌ حتى ترى البياضَ الخالص، والحيضُ يُسقط عن الحائض الصّلاة، ويُحرِّم عليها الصَّوم، وتَقْضي الصَّوم، ولا تقضي الصَّلاة، ولا تدخل المسجد، ولا تطوف بالبيت، ولا يأتيها زوجها، ولا يجوز لحائض ولا لجنب قراءة القرآن، ولا يجوز لمحدثٍ مسّ المصحف إلا أن يأخذَه بغلافه، وإذا انقطع دم الحيض لأَقلَّ من عشرةِ أَيّام لم يجز وطؤها حتى تغتسل، ولو مَضَى عليها وقت صلاة جاز وطؤها أَيضاً، ولو مَضَى عليها وقت صلاة جاز وطؤها أَيضاً، والطُّهرُ إذا تخلَّلَ بين الدَّمين في مدّة الحيض فهو كالدَّم الجاري، وأَقلُّ الطُّهر خمسةَ عشرَ يوماً، ولا غاية لأَكثره، ودمُ الاستحاضة: هو ما تراه المرأةُ لأَقَل من ثلاثةِ أَيّام أو أَكثر من عشرةِ، فهو استحاضة، وإن ابتدأت مع البلوغِ مستحاضةً فحيضُها عشرةَ أَيّام من كلِّ شهرٍ والباقي استحاضةٌ، والمستحاضةُ، ومَن به سلس البول، والرُّعافُ الدائم، والجُرحُ الذي لا يرقأ يتوضّؤون لوقت كلّ صلاة، فيصلُّون بذلك الوضوء في الوقت ما شاؤوا من الفرائض والنَّوَافل، فإذا خَرَجَ الوقتُ بطل وضوؤهم، وكان عليهم استئناف الوضوءُ لصلاة أُخرى، والنِّفاسُ: هو الدَّم الخارج، عقيب الولادة، والدَّمُ الذي تراه الحامل وما تراه المرأةُ في حالِ ولادتها قبل خروجِ الولد استحاضة، وأقلّ النِّفاس: لا حدّ له، وأَكثرُه: أَربعون يوماً، وما زاد على
ذلك فهو استحاضة، وإذا تجاوز الدم الأربعين وقد كانت هذه المرأةُ وَلَدَت قبل ذلك ولها عادةٌ معروفة في النِّفاس رُدّت إلى أَيّام عادتها، وإن لم تكن لها عادةً فابتداءُ نفاسها أَربعون يوماً، ومَن ولدت ولدَيْن في بطنٍ واحدٍ، فنفاسُها ما خرج من الدَّم عقيب الولد الأَوّل عند أَبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهم -
* أقلُّ الحيض ثلاثةُ أَيام ولياليها وأكثره عشرة.
معناه: أنّ أقل مدّة للحيض (72) ساعةً، فيحسب الحيض بالساعات من لحظة نزول الدم، وأقصى مدّة معُتبرة للحيض هي (240) ساعةً.
وأصله: النصوص: حديث: أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يكون الحيض للجارية والثيب أقلّ من ثلاثة أيام، ولا أكثر من عشرة أيام، فإذا رأت الدم فوق عشرة أيّام فهي مستحاضة» في معرفة السنن2: 186، وسنن الدارقطني1: 219، وعن واثلة بن الأسقع وأنس وعائشة - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (أَقلُّ الحيضِ ثلاث وأكثره عشرة) في المعجم الكبير 8: 126، والمعجم الأوسط 1: 190، وسنن الدارقطني 1: 218، والعلل المتناهية 1: 383، والكامل2: 373، والتحقيق 1: 260، وطرقه يعضد بعضها بعضاً، وقد روي فتاوى عن كثير من الصحابة توافقه، كما في نصب الراية 1: 191، والدراية 1: 84.
* دم الاستحاضة ما نَقَصَ عن ثلاثة وزاد عن عشرةٍ.
وأصله: النصوص، أثر عثمان بن أبي العاص - رضي الله عنه -، قال: «الحائض إذا جاوزت عشرة أيّام فهي بمنزلة المستحاضة، تغتسل وتصلي» في سنن البيهقي الكبير 1: 86، وسنن الدارقطني 1: 210، وقال البيهقي: لا بأس بإسناده، كما في إعلاء السنن 1: 326. وعن سفيان بلغني عن أنس - رضي الله عنه - أنَّه قال: «أدنى
الحيض ثلاثة أيام» في سنن الدارمي 1: 231، قال التهانوي في إعلاء السنن 1: 327: «رجاله رجال مسلم، وسفيان هو الثوري، وهو من كبار أتباع التابعين ... فهذا الأثر منقطع، والانقطاع غير مضر عندنا، لا سيما إذا صدر عن إمام كالثوري، والموقوفات في مثل هذا مما لا يدرك بالرأي كالمرفوعات» ..
معناه: أنّ دم الاستحاضة: هو ما لم تتوفر فيه ضوابط الحيض، بأن نقص عن ثلاثة وزاد عن عشرة في الحيض، وزاد عن أربعين في النفاس، وما تراه الصَّغيرة التي لم يَتم لها تسع سنين، وما تراه الآيسة غير الأسود والأحمر القاني، وما تراه الحامل بغير ولادة، فهذه كلها دماء استحاضة.
* جميع ألوان الدّم ما عدا البياض الخالص في أيام الحيض حيض، وفي أيام النّفاس نفاس.
معناه: كل لون عدا البياض حيض سواء كان صُفرة أو خُضرة أو كُدرة أو تُربة أو غيرها، فيبدأ الحيض بنزول أي لون بعد مرور خمسة عشر يوماً من الطّهر، فبمجرد أن ترى المرأةُ شيئاً من ألوان الدّم سوى البياض يبدأ حيضُها، ويحرم عليها الصلاة والصيام والجماع، فيُعَدُّ من الحيض المشحات التي تظهر في بداية الحيض أو نهايته ولو كانت خفيفةً.
وأصله: الحرج، والمعتاد، والنصوص: حديث: «كان النساء يبعثن إلى عائشة أم المؤمنين بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة من دم الحيضة يسألنها عن الصلاة، فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القَّصَة البيضاء، تريد بذلك
الطهر من الحيضة» في الموطأ1: 59، وصحيح البخاري1: 121، وصحيح مسلم2: 650.
* الطُّهرُ المتخلّل بين الدّمين في مدّة الحيض كالدم الجاري.
معناه: أنّ كلُّ ما يقعُ من طُهر بين الدِّماء في مدّة الحيض يُعَدُّ من الحيض، فإن توقَّف دمُ المرأة أثناء الحيض لدقائق أو ساعات أو أيام، فإنَّ هذا التّوقف يعد طهراً متخلّلاً، فتكون حائضةً حكماً وتجري عليها أحكام الحيض، وأكثر مدّةُ الحيض هي عشرةُ أَيام، فما توقَّف من دم في خلالها له حكمُ الدم المستمر، فلا تُصلّي ولا تصوم فيه، ولا يأتيها زوجها.
ومثاله: لو رأت الدّم يومين، ثم انقطع ثلاثة أيام، ثم رجع يومين، فيكون حيضها سبعة أيام.
* أقلُّ الطُّهر الفاصل بين الحيضتين خمسة عشر يوماً، ولا حَدَّ لأكثره إلا عند نصب العدّة.
معناه: أنَّ الطُّهرُ الفاصل بين الحيضتين) 15) يوماً، وهو الطُّهرُ التَّام، ولا تَبدأ حيضةٌ أُخرى إلا بعد مرور هذه المدّة، ولا تقدير لأَكثره، فمهما زاد يُعَدُّ طهراً، أمّا مَن كان عندها طهرٌ ممتدٌّ فلا حاجة إلى تقدير مدّة للطُّهر، فتُصلّي وتصوم ويأتيها زوجها، وتظهر مشكلتها إذا طُلِّقت، فإنّها تبقى في العدة إلى أن تحيض ثلاث حيض، وعند مالك: تنقضي عدتها بتسعة أشهر، وبه نفتي للضرورة.
وأصله: الإجماع، قال أحمد: وهذا لا نعلم فيه بين الفقهاء خلافاً كما في شرح الجصاص للطحاوي 1: 489، وفيه نزاع، كما في البناية1: 659. والقياس على مدة الإقامة التي تجب فيها الصلاة والصوم.
* يثبت العادة في الحيض والطهر بمرة واحدة.
معناه: أن المرأة إن رأت دماً صحيحاً يثبت به عادة جديدة لها، فلو كان حيضها خمسة أيام ثم رأته ستة أيام، فيكون حيضها ستة أيام فيما يأتي من زمان لو رأت دماً فاسداً.
وأصله: البناء: المعتاد.
* الحيض يحرّم الصلاة ويُسقطها.
معناه: يحرم على الحائض الصلاة والسجدة ولا يجب عليها قضائها، لكن يُستحبّ لها إذا دَخَلَ وقت الصّلاة أن تتوضأ وتجلس في مصلّى بيتها مقدار ما يُمكن أداء الصَّلاة فيه تُسبِّح وتحمدُ الله.
وأصله: البناء: الحرج، والنصوص: حديث معاذة سألت عائشة رضي الله عنها، فقلت: «ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» في صحيح مسلم 1: 265، وصحيح البخاري 1: 71.
* الحيض والنِّفاس يُحرِّم الصِّيام ويجب قضاؤه.
معناه: يحرم الصيام ولا يصح مع الحيض والنّفاس، ويجب قضاء رمضان لمن أفطرت، فإن رأت الدم ساعة من نهار ولو قبيل الغروب فسد صومها ويجب عليها قضاؤه فرضاً أو نفلاً.
وأصله: انتفاء الحرج بالقضاء، والنصوص.
* الحيض يحرّم دخول المسجد مطلقاً.
معناه: لا يجوز للحائض دخول المسجد مطلقاً سواء للمكث أو العبور؛ لأنَّ ما بها من الأذى فوق أذى الجنابة؛ لتمكّنها من إزالة أذى الجنابة دون أذى الحيض، ثم الجنابة تمنعها عن دخول المسجد فالحيض من باب أولى، إلا في الضَّرورة: كالخوف من السَّبع واللص والبرد والعطش، والأولى أن تتيمم ثم تدخل إن اضطرت.
وأصله: حديث: «إنّي لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» في صحيح ابن خزيمة2: 284، وسنن أبي داود1: 60، ومسند إسحاق 3: 1032، وسنن البيهقي الكبير2: 442.
* يحرم طواف الحائض ويجب الطّهارة من الحدث في الطّواف.
معناه: الطّهارة من الحدث ليست من شروط صحة الطّواف، بل هي من الواجبات، فلو طافت وهي حائض صح طوافها، وإن لم يحل لها ذلك، وكانت عاصية، ويجب عليه إعادة الطَّواف على طهارة، بخلاف السعي فلا يجب فيه الطَّهارة عن الجنابة والحيض.
وأصله: أن الطواف في البيت مثل الصلاة.
* الحيض والنفاس يُحَرِّم الوطء.
معناه: يحرُم الجماع في الحيض والنفاس، أما المباشرة الفاحشة ففيها خلاف، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف: لا تجوز المباشرة إلا من فوق الإزار، وعند محمد: تجوز إن تجنّب شعار الدم، لذلك كان الابتعاد عنها أسلم.
وأصله: النصوص: قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222].
* الحيض يحرّم قراءة القرآن مطلقاً.
معناه: تحرم قراءة القرآن للحائض والنّفساء سواء قرأت آية أو دونها، والآية وما دونها سواءٌ في التّحريم على الأصحّ، وسواء أكانت حافظة للقرآن أو معلِّمة أو متعلِّمة أو غيرها، ويجوز لها قراءة ما دون الآية إن لم تقصد القراءة، وكذا التّسبيح والتّهليل وسائر الأذكار غير القرآن بقصد الذكر لا القرآنية، وكذا إجراء القراءة على القلب من غير تحريك اللسان، والنّظر في المصحف وإمرار ما فيه في القلب، وكذا التَّهجِّي بالقرآن والتَّعليم.
وأصله: النصوص: حديث: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن» في سنن الترمذي1: 236، وسنن البيهقي الكبير1: 309.