السِّياسَة الرَّاشدّة .....
.... أَحْكَامُ السِّيَاسَة
جارٍ تحميل الكتاب…
السِّياسَة الرَّاشدّة .....
.... أَحْكَامُ السِّيَاسَة
السِّيَاسَةُ الرَّاشِدَةُ
في الدَّوْلَةِ المَاجِدَة
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
الأردن، عمان
ويليه
أَحْكَامُ السِّيَاسَة
لدَدَه أَفَنْدي (975هـ)
حَقَّقَه وخَرَّجَ أَحَاديثَه وعَلَّقَ عَلَيْه
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
مركز أنوار العلماء للدراسات
(
? ? ? ?
الحمد لله على نعمائه وفضائله وآلائه، بأن جعل أهل الإسلام خلفاءه في أرضه، وأنزل عليهم شرائعه لإحقاق الحقّ، ونصب أحكامه، ودفع ظلم الظَّالم وأهوائه، والصَّلاة والسَّلام على سيدنا وحبيبنا المصطفى الحاكم بشرع ربِّه وقرآنه، وعلى آله وصحابته المطبقين لهدي نبيه في سياسةِ الكون وإعماره، ومَن تبعهم من الفقهاء المجتهدين المقننين لشرعه في العالمين.
وبعد:
لما كانت مادة «نظام الحكم في الإسلام» إحدى مساقات مرحلة البكالوريوس في كلية الفقه الحنفي العامرة، فلم يكن من سبيل إلا التشمير عن ساعد الجدّ لتجهيز ما يُناسب الطلبة في هذه المرحلة؛ ليكتمل بدرهم في النُّضوج العلمي؛ إتماماً لما يتلقونه في المساقات الأخرى.
فبقيت أياماً طوالاً أقلب ما كتب فيها من قبل الأقدمين والمعاصرين؛ لعلي أظفر بمرادي فيما يغني ويسد الحاجة، لكن بعد طول عناء من البحث والقراءة لم أجد ما أصبو إليه في تحقيق المقصد.
وذلك بسبب طروء شبهات عديدة فيما يتعلق بنظام الحكم لم تكن في زمن سلفنا وخلفنا، مثل: فكرة الدستور والقانون المدني، وانتخاب الحاكم وانتخاب مجلس للأمة، والدولة المدنية، والجماعات الإسلامية، وتعدد الأحزاب والحريات العامة، وتكفير
الحكام والحكومات، وإقامة الخلافة الإسلامية، وكيفية معرفة الحكم الشرعي والاستثمار الخارجي وغيرها.
فعامّةُ مباحث نظام الحكم مستحدثةٌ تحتاج إلى تأصيل وتقعيد من كتب فقهائنا؛ لأنها من مخرجات هذا الزَّمان، وما في كتب السابقين هي شذرات هنا وهناك مذكورة في كتاب السير وكتب العقائد وغيرها يُستفاد منها في بناء مسائل نظام الحكم.
وأما كتب المعاصرين فلم أقف فيها على تأصيل علميّ لمباحث نظام الحكم؛ لأنهم وقعوا في خطأٍ فظيع جعل كتاباتهم فيه كلا كتابة؛ إذ تركوا علم الفقه ظهرياً، واستندوا فيما يقولون لأفهامهم بالرجوع للكتاب والسنة، وغفلوا أن هذا الرجوع يحتاج إلى مجتهدين مطلقين لهم أصول فقه تمكنهم من القدرة على الجمع بين النصوص واستخراج الأحكام، فوقعوا في حيص بيص.
فكانت علة العلل انحراف المنهج العلمي المتبع في البحث، فلو التزموا المنهج السني فقهياً وعقدياً وتربوياً لكانت نتائجهم صحيحة، ولظهرت إبداعات منهم لا مثيل لها في تقويم العمل السياسي وتصحيح الانحراف فيه، مما سيكون له أبلغ الأثر في الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي في المجتمعات المسلمة.
هذا الابتعاد عن المنهج الصحيح أدخلهم في دائرة الخيال والأوهام فيما يطرحون ويقدمون؛ لأن أمثالهم ليسوا أهلاً للاجتهاد المطلق حتى يقدموا لنا شريعة جديدة، وإنما كان الأولى بهم التزام الشريعة المتوارثة السنية، فصدق فيهم قول ميكافيلي (¬1):
«الأصحُّ هو أن تكتب ما يفيد الآخرين، وليس ما تتخيله، فقد تخيّل الكثيرون جمهوريات لم ترها عين إنسان أو تخطر على ذهن آخرين غيرهم، وليس لها وجود في الحياة التي نحياها، وشتان بين حياتنا كما نحياها، وبين ما ينبغي أن تكون، ولا يجب
¬
(¬1) في كتاب الأمير ص80.
علينا أن نترك ما نقوم به من أفعال في سبيل تحقق ما ينبغي تحقيقه على أتم وجه، فهذا سعي للفناء وليس للبقاء في أفضل حال».
فمثلاً: يجعلون أنّ الإسلامَ نظامٌ شوريّ لا ديمقراطيّ، فيكون عندنا مجلس شورى يقوم مقام مجلس النَّواب، وهل هذا في كتابٍ أو سنةٍ أو كتبِ فقهٍ أو تاريخ، فمن أين هذا الخيال إلا محاكاة للغرب، فالشورى نظامٌ عامٌّ في مجالات الحياة الشخصية والأسرية والعملية والعلمية والسياسية والاقتصادية، وبالتَّالي فعلى الرَّئيس أن يستشير أهل الاختصاص قبل قراره في موضوع ما؛ ليكون أقرب إلى الصواب، بل استطردوا في أن رأي الأكثر في الشورى ملزم أم لا؟ ورجَّحوا أنه ملزم، وبالتَّالي سيكون الرئيس صوريّاً لا حقيقيّاً يعبثون به بحجة الشورى والأكثرية، وهل يمكن أن يستقيم الحكم مع هذا، فإن كانت مؤسسة صغيرة لا تنجح بهذه الطريقة، فكيف بدولة؟
وبعضهم يسترسل في مدى اعتبار رأي ولي الأمر، وما هي مجالاته؟ أليست الشريعة مكتملة ومحكمة، وفهمها موكول لأهل الاختصاص فيها لا لولي الأمر إلا إذا كان فقيهاً، فيبقى مجاله في تخصصه، وهو إدارة الدولة فيما يتعلق بالمباحات، ولا يعارض مبادئ الشَّرع وقانونها الفقهي.
وآخرون يتوسعون في الاجتهاد المطلق وترك النّصوص الشرعية إن قابلتها المصلحة العقلية، وهل يُمكن لشرع ربانيّ أن يغفل عن مصالح العباد، حتى يستدرك عليه عقول البشر، فكيف يُقبل مثل هذا الكلام؟.
ثم لما لم يجدوا لهم سبيلاً في تأصيل نظام الحكم انصرفوا لمقاصد الغايات من الكليات الخمس والحِكَم والقواعد الكلية لعلهم يرشدون، ولم يعلموا أنها ثمرات وغايات فلا تصلح لبناء الأحكام أصلاً، فهي أمورٌ نتوصل إليها إن سلكنا تطبيق الشريعة بالمنهج السُّني، فما هو السبيل للوصول إليها؟.
ومَن ينظر في علم المقاصد في هذا الزمان يعلم أنه علم مَن لا علم له، حيث يعرضون مئات الصفحات العاطفية بدون أن تكون أي نتيجة عملية ترتكز عليها في معرفة فرع واحد؛ لذلك كان لا محصِّل له عند أهل التحصيل.
وهذه المقاصد لفقدانها للوسائل فهي توقعنا في مبدأ ميكافيلي من أن الغاية تبرر الوسيلة، وهذا قبيح جداً، حيث قال (¬1): «وفي كافة أعمال البشر وخاصة الأمير، فإن الغاية تبرر الوسيلة، وهذا حكم لا يمكن نقضه، فعلى الأمير إذن أن يهدف للفوز بالولاية والمحافظة عليها، وسوف يحكم على وسائله بأنها شريفة ويمدحونها أيضاً، فعامة الناس يحكمون على الأشياء من مظهرها الخارجي، وهذا العالم لا يتكون إلا من هؤلاء العامة، أما غير الساذجين فهم قلة تنعزل حين تجد الكثرة مجتمعة حول الأمير».
ومرّةً يقولون: فقه الواقع، وأخرى فقه الموازنات، وأخرى فقه التغيير، ويأتون تحته بكلام لا ضابط له ولا أصل يحتكم فيه إليه، وهل كان فقه الإسلام يوماً إلا فقهاً للواقع يوازن ويقارب ويغير ويتدرج بما يصلح النفس البشرية، فهل يراد أن نستبدل هذه الشريعة المتوارثة عبر التاريخ تحت هذه المسميات، مع أنّها تحقق معناها بطريقة علمية تأصيلية، بخلاف الطرح المعاصر فلا تأصيل فيه ولا تفريع، وإنّما عواطف وخيال.
إن هذا الاضطراب في الطَّرح لنظام الحكم جعل ما يطرح فيه يمثل المنهج الانقلابي من حيث يشعر أصحابه أو لا يشعرون، في حين أن الأصل في المنهج السُّني أن يكون منهجاً إصلاحياً.
ففي بعض الطرح المعاصر إلغاء لوجود دولة الإسلام، وأنه علينا أن نقلب على هذه الدول؛ لتحقيق دولة الإسلام، في حين نجد أننا حقيقة نعيش في دول إسلامية،
¬
(¬1) في كتاب الأمير ص91.
تحتاج أنظمتها لإصلاح من أجل تحقيق السعادة والرفاه لشعوبها، وكلما اقتربت من شريعة الله (، والتزمت حدوده تحقق لها هذا حكومات وأفراداً وحكاماً.
فالمقصود الإصلاح للفساد المنتشر؛ للإرتقاء بدول وشعوبها إلى أكمل درجاتها في الرقي البشري، والدِّين من أقوى الوسائل على تقوية أنظمة الحكم واستقرارها، فمن مصلحة الدول أن تتمسك به؛ لأنه سبيلها الوحيد في الإصلاح والتغيير للأفضل، لا أنه يؤيد ظلمها وفسادها، وإنما يسعى لإصلاحها.
فما أحوجنا في هذا الزمان بعد أن تلاعبت بنا الأمواج شرقاً وغرباً إلى الفهم السني في تقويم أنظمة الحكم وإصلاحها ببصيرة ثاقبة متوافقة مع منهج أمتنا في تاريخها وحضارتها تسعى فيه دولنا الإسلامية من أن تقوي نفسها، ولا تبقى تدور في فلك الغرب؛ لأنها لن تستطيع العيش مع الغرب بعزة إلا إذا قوَّت نفسها؛ لأن الحياة للقوي في الدينا، ولا يمكن أن نحيا بلا قوّة، لا أقصد قوّة عسكرية فحسب، وإنّما قوّة في كافّة المجالات تواجه بها عدوك.
قال السنهوري (¬1): «يدهشني أن أرى المسلمين يعجبون مما أظهرته أوروبا من الوحشية تحت ستار المدنية كأنهم يجهلون أنّ المدنية والإنصاف والعدالة والقانون ألفاظ مترادفة توجد في المعاجم، وتسمع على ألسنة الساسة والكُتّاب، وإذا بحثت عن مدلولها لم تجده، ولا تجد أمامك غير القوة في العالم، فهي التي يتخذها الظالم سلاحاً فيُسمّى منصفاً، يتذرَّع بها الوحشي الهمجي، فيُعدُّ في أعلى طبقات المدنية، فبارك الله في القوَّة فهي سلاح من يرد الحياة ... وإن الخروف ليكون في أقصى درجات البلاهة والسَّذاجة إذا قدّر في نفسه أنّ الذئب قد يعيش معه في صفاء».
¬
(¬1) في فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية ص49.
وإنني أرجو من الله (أن أكون ممن يضع لَبِنة في هذا البناء السياسي السني الإصلاحي، وأن يكون ما فيه من طرح مقبولاً عند الخواصّ والعوامّ، معتمداً على الواحد القوَّام، وسميته:
«السِّيَاسَةُ الرَّاشِدَةُ في الدَّوْلَة المَاجِدَة»
راجياً من الله (أن يكون اسم الكتاب موافقاً لمسماه، ولتحقيق ذلك قسمت هذا السفر إلى تمهيد وخمسة مباحث:
والتمهيد في معنى نظام الحكم وأنواع الدُّول:
ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: في معنى نظام الحكم في الإسلام
المطلب الثاني: في مفهوم الدولة، بينت فيه معنى الدولة وأركانها، ما هي الدولة المدنية وعناصرها، وما هي الدولة الإسلامية وصورتها في الأذهان، وما فيه من أخطاء، وما هي الدولة الراشدة التي نسعى أن ترتقي دولنا لها.
والمبحث الأول: في مصادر القوانين الفقهية:
ويشتمل على تمهيد وسبعة مطالب:
التمهيد في معنى العلمانية.
والمطلب الأول: في مفهوم الدين.
والمطلب الثاني: في الجوانب الثلاثة للدين، وهي العقائد والفقه والتزكية، ومنها يبدأ بناء الإنسان الذي هو أساس الدول، وفصلت فيه بذكر صفات الحاكم الرشيد.
والمطلب الثالث: في أهل السنة والجماعة، فعرفت بهم؛ لأنه لا بد أن يكون للدولة من هوية، ولا بدّ من منهج يتبع في الإصلاح، وهو المنهج السني.
والمطلب الرَّابع: في الحكم الشرعي، وبينت فيه أنه له جانب دنيويّ وجانب أخرويّ؛ لذلك يقوى به الرقابة الذاتية في التزام القانون، وأصلت للحكم الفقهي بأن يشمل الدستور والقانون والأنظمة والتعليمات، فلا شيء يخرج عن حكم الله (.
والمطلب الخامس: في تقنين الكتاب والسُّنة إلى قوانين فقهية، فأوضحت كيف تحولت النصوص القرآنية والنبوية إلى قوانين على أيدي المجتهدين العظماء من الصحابة والتابعين وأئمة الدين، وكيفية الدرج في ذلك.
والمطلب السّادس: في القوانين مصدرها القواعد الفقهية المستفادة من القرآن والسنة، بينت فيه النقلة العلمية التي تحققت في علم الفقه بتحويل معاني القرآن والسنة إلى قواعد فقهية، ومن ثمّ يستخرج أي قانون من هذه القواعد الفقهية.
والمطلب السَّابع: في الأنظمة والتَّعليمات مصدرُها قاعدة العرف والعادة، قعدت فيه أنّ الأنظمة والتعليمات لا تخرج عن الشريعة إن راعت شروطاً معينة.
والمبحث الثَّاني: رئاسة الدولة «الإمامة الكبرى»:
ويشتمل على ستة مطالب:
المطلبُ الأول: في الإمام الحق، بينت أنه القادر على تنفيذ القوانين على رعيته مطلقاً، وما يتعلق بها.
والمطلبُ الثَّاني: في حكم تنصيب الإمام، وذكرت فيه الإجماع على وجوبه.
والمطلبُ الثَّالث: في التأصيل الشَّرعي للإمامة الكبرى بأنها وكالة وتفويض من الأمة بطريق أهل الحل والعقد.
والمطلبُ الرَّابع: في شروط الأولوية للإمامة الكبرى، وبينتُ فيه وجود مرحلتين في الحكم: مرحلة استقرار النظام، ولا يشترط فيها أي شروط للإمام، فيصحّ فيها حكم المتغلِّب، وذكرت فيها صور الاستقرار لها في التاريخ بأن يكون الحاكم قرشياً أو صاحب أمجاد أو منتخباً بدستور.
ومرحلةُ إصلاح وكمال، فيشترط لها الشروط المذكورة للإمام، ففصلت في شرط الإسلام حكم صلاة الجمعة في بلد حاكمها غير مسلم، وفي شرط الحرية صحّة تولي العبد للإمامة بالتغلّب كما في عصر الممالك والغزنوية، وفي شرط الذكورة صحّة تولي المرأة بالتغلب، وذكرت جواز تولي المرأة للقضاء.
والمطلب الخامس: في حالات عزل الإمام، فذكرت فيه أسباب العزل.
والمطلب السَّادسُ: في طرقُ انعقاد الإمامة من بيعة أهل الحل والعقد أو الاستخلاف أو التغلب أو الانتخاب.
والمبحث الثالث في الخروج على الإمام:
ويشتمل على خمسة مطالب:
المطلب الأول: في أقسام الخروج، هو نوعان: مشروع في المطالبة بالحقوق ومحظور في المطالبة بالسلطة أو قطع الأمن، وذكرت أربعة أصناف فيه.
والمطلب الثاني: في إعانة الإمام في محاربة البغاة؛ لأنه واجب.
والمطلب الثالث: في فتنة تكفير المبتدعة، ذكرت فيه فعل التكفيريين بتكفير المسلمين، وعرضت فيه فتوى الشيخ العثماني في ذلك.
والمطلب الرابع: في طريق الإصلاح ترك منافسة الحاكم على منصبه، أشرت فيه أن معاداة الجماعات الإسلامية للحاكم ومنافسته في سلطانه سببت ويلات كبيرة للمسلمين، وبني عليها فكرة تكفير الحكام، وهذا مخالف لمنهج أهل السنة الإصلاحي.
والمطلب الخامس: في أسباب الفكر المتطرف للخوارج وغيرهم وطرق معالجته، وتوسعت في بيان علّة الانحراف الفكري والطريق الصحيح في فهم الدين وآثار الفهم الخاطئ وسبب انتشاره ومدارسه وطريق الإصلاح بالتزام منهج أهل السنة.
والمبحث الرّابع في قانون الدَّولة وأنظمتها:
ويشتمل على أربعة مطالب:
المطلب الأول: في القانون المدني، وأشرت أن كثيراً من الدول العربية والإسلامية اعتمدت على مجلة الأحكام العدلية الممثلة للفقه الحنفي، وأن القوانين في كلّ دول الإسلام السابقة كانت موافقة للشريعة؛ لأن الفقه هو القانون عبر التاريخ.
والمطلب الثاني: في قانون العقوبات، وفصلت الكلام فيه في قانون الحدود وقانون الجنايات وقانون التعزير بما يظهر حقيقتها ويدفع الشبه عنها.
والمطلب الثالث: في التنظيمات الإدارية، وبينت وجودها من عصر الرسالة، وتطورها من دولة لدولة.
والمطلب الرّابع: في نظام الحسبة، بينت أنه جهاز الرقابة في الدولة وتاريخه ومجالاته، وأنه من أكبر وسائل رفع الظلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والمبحث الخامس في التعددية الحزبية:
ويشتمل على أربعة مطالب:
المطلبُ الأوَّل: في الانتخابات، وبينت مشروعيتها وطريقها.
والمطلبُ الثّاني: في الأحزاب السياسية، وذكرت أنها متعلقة بالعمل السياسي في طرح برامج انتخابية، ولا تحزب في العلم الشرعي؛ لأنه للكل كالطب، والعلماء هم مرجع جميع الأحزاب السياسية.
والمطلب الثالث: في جماعة المسلمين العامة والخاصة، وبينت ضرورة أن تكون الدعوة دائما لجماعة المسلمين العامة، وليس بصحيح تقسيم الإسلام إلى جماعات تتناحر فيما بينها، فكلٌّ يدعو لجماعته لا للشريعة.
والمطلب الرابع: الحزبية والإسلام وطريق توحيد الصفّ، وذكرت بعض المؤاخذات على العمل الحزبي الديني.
والمبحثُ السادس في ركائز الحكم الرشيد:
وذكرت فيه عشر ركائز:
الركيزة الأولى: في العدل بين الرعية، وبيّنت فيه أنها قاعدة الحكم الكبرى، وذكرت مقترحات لتحقيق العدالة في المجتمع.
والركيزة الثَّانية: في معرفة كلّ ما يدور في الدَّولة «المخابرات» «البريد»، وبينت أهمية هذا الجهاز، وما هي الأمور التي يجب مراعاتها فيه.
والركيزة الثَّالثة: في تولية الوظائف للأكفاء، وأنها السبيل للارتقاء بالمجتمع، وضرورة محاربة الرشوة والمحسوبية.
والركيزة الرابعة: في أن تكون دولة مؤسسات، وبينت ضرورة الاعتماد على المؤسسية لا القبلية في بناء الدولة.
والركيزة الخامسة: في ترسيخ نظام الشُّورى في كافة المؤسسات، وبينت أهمية الشورى، وصفات المستشار، وميزات الاستشارة، وأنها مرشدة لا ملزمة.
والركيزة السادسة: في تنشيط الاستثمار الداخلي والخارجي، وبينت أموراً ينبغي مراعاتها لتحقيق ذلك من تهيئة الكوادر والاعتناء بالبنية التحتية ومقدّرات الدولة، والإدارة المالية الشفافة، وتفعيل نظام الزكاة.
والركيزة السابعة: في تحقيق الكفاية الذاتية للدولة بلا ضرائب باستغلال موارد الدولة، وإنشاء المشاريع الكبرى، والاستثمار التعليمي والمصرفي وإنشاء الأوقاف وإحياء الموات.
والركيزية الثّامنة: في تحقيق وظيفة الحاكم بفعل الأصلح للرَّعية، وقعدت لهذا المبدأ فقهياً، وذكرت أمثلة له من إصلاح الرعية وبناء الجيش والاعتدال في العلاقات الدولية وغيرها.
والركيزة التّاسعة: في ضمان الحريات، وأصلت لها فقهياً بأنها مقيّدة بما لا يكون فيه ضرر عام، وطبقت ذلك على حرية الإعلام والتجارة والعمل والاعتقاد.
الركيزة العاشرة: في دستور رشيد للدولة، وأصلت فيه بكون الأمة مصدر السلطات، ومعنى سيادة القانون، وكيفية الفصل بين السلطات الثلاث.
وألحقت بالكتاب الرسالة المشهورة في «أحكام السياسة» لدده أفندي (ت975هـ)، بعد أن قدمت دراسة مختصرة عن مؤلف الرسالة والرسالة، وقد قابلت الرسالة على نسختين مخطوطتين؛ لأنّ الرِّسالة توسعت جداً في الأحكام التعزيرية والسياسية، وتظهر سعةً كبيرةً للحاكم فيما يتعلَّق بالعقوبات التَّعزيرية، وهذا نافع جداً في الاطّلاع على رحابة الفقه فيما يتعلّق بتقدير العقوبات من قبل الدولة لانتظام أمور المجتمع.
وفي الختام أسال الله (أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به البلاد والعباد، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يغفر لي ولوالدي وأشياخي وللمسلمين والمسلمات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
في مدينة صويلح من عمان المحروسة ... الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
بتاريخ 23ـ 5ـ 2019م ... عميد كلية الفقه الحنفي
تمهيدٌ في معنى نظام الحكم وأنواع الدول:
المطلب الأول
معنى نظام الحكم في الإسلام
* أولاً: المعنى اللغوي والاصطلاحي:
النِّظامُ لغةً التَّرتيبُ والاتساق من نَظَمْتُ الْخَرَزَ نَظْمًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ جَعَلْتُهُ فِي سِلْكٍ، وَهُوَ النِّظَامُ بِالْكَسْرِ، وَنَظَمْتُ الْأَمْرَ فَانْتَظَمَ: أَيْ أَقَمْتُهُ فَاسْتَقَامَ، وَهُوَ عَلَى نِظَامٍ وَاحِدٍ: أَيْ نَهْجٍ غَيْرِ مُخْتَلِفٍ (¬1).
وسُمي نظامُ الحكم نظاماً؛ لأنّه يشتمل على مجموعةٍ من التَّراتيب الإداريةِ في سلكٍ واحدٍ يستقيم بها أمرُ المجتمع على نَهْج مستقيم يُحقِّقُ مصالحهم ويَحفظ لهم حقوقهم.
والْحُكْمُ لغةً هو الْقَضَاءُ، فحكم بالأمر حكماً: قضى، وَقَدْ حَكَمَ بَيْنَهُمْ، يَحْكُمُ بِالضَّمِّ حُكْماً، وَحَكَمَ لَهُ وَحَكَمَ عَلَيْهِ (¬2)؛ لذلك يكثر استخدام كلمةُ حاكم بدل قاض في كتب الفقه.
ونظامُ الحكم مصطلحٌ معاصرٌ غيرُ معروفٍ في الاستعمال اللغويّ والاصطلاحيّ القديم، فيُقال: نظامُ الحكم ملكيٌّ وراثي أو رئاسيٌّ، ديمقراطيٌّ أو دكتاتوريٌّ، ظالمٌ أو رشيدٌ، فيُطلق ويُراد به منهجُ وطبيعةُ مؤسسة الحكم في الدَّولة.
¬
(¬1) ينظر: المغرب2: 612، ومختار ص313، والقاموس المحيط1: 1163، والمعجم الوسيط 3: 933.
(¬2) ينظر: مختار الصحاح ص78، والمعجم الوسيط 1: 190.
لذلك يكون تعريف نظام الحكم اصطلاحاً: المنهجيةُ المتبعةُ للسُّلطةِ في تدبير شؤون الدَّولة، أو كيفيةُ إدارةِ الدَّولة.
أمّا نظام الحكم في الإسلام، فمعناه كيفية إدارة الدولة بما لا يخالف شريعة الإسلام.
* ثانياً: التصور العام لنظام الحكم في الإسلام:
مراد الإسلام أن يحقِّق العدالة في المجتمع، مما حدا به أن يضع أسساً عامة للحكم تضمن تحقق العدالة، وترك جانباً كبيراً من التفاصيل إلى اختيار الدول بما يتناسب مع مصالحها ويناسب أحوالها.
قال عبد الوهاب خلاف (¬1): «السياسة العادلة لأية أمة هي تدبير شؤونها الداخلية والخارجية بالنظم والقوانين التي تكفل الأمن لأفرادها وجماعاتها والعدل بينهم، وتضمن تحقيق مصالحهم وتمهيد السبيل لرقيهم وتنظيم علاقتهم بغيرهم.
والإسلام كفيل بهذه السياسة تصلح أصوله أن تكون أسسًا للنظم العادلة وتتسع لتحقيق مصالح الناس في كل زمان وفي أي مكان؛ لأن الأصل الأول والمصدر العام للإسلام وهو كتاب الله تعالى لم يتعرض فيه لتفصيل الجزئيات، بل نصّ فيه على الأسس الثابتة والقواعد الكلية التي يبنى عليها تنظيم الشئون العامة للدولة.
وهذه الأسس والقواعد قلما تختلف فيها أمة من أمة أو زمان من زمان، أما التفصيلات التي تختلف فيها الأمم باختلاف أحوالها وأزمانها فقد سكت عنها؛ لتكون كل أمة في سعة من أن تراعى فيها مصالحها الخاصة وما تقتضيه حالها.
ففي نظام الحكم لم يفصل القرآن الكريم نظامًا لشكل الحكومة، ولا لتنظيم سلطانها ولا لاختيار أولي الحل والعقد فيها. وإنما اكتفى بالنص على الدعائم الثابتة
¬
(¬1) في السياسة الشرعية ص34ـ 36.
التي ينبغي أن تعتمد عليها نظم كلّ حكومة عادلة ولا تختلف فيها أمة عن أمة، فقرَّر العدل في قوله سبحانه: {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} [النساء:58]، والشورى في قوله عز شأنه: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران:159]، والمساواة في قوله سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10]، أما ما عدا هذه الأسس من النظم التفصيلية فقد سكت عنها ليتسع لأولي الأمر أن يضعوا نظمهم ويشكلوا حكومتهم ويكونوا مجالسهم بما يلائم حالهم ويتفق ومصالحهم، غير متجاوزين حدود العدل والشورى.
وفي القانون الجنائي لم يحدد عقوبات مقدرة إلا لخمس فئات من المجرمين: {الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا} [المائدة:33]، {وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ} [الفرقان:68]، {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ} [النور:23]، {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور:2]، {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} [المائدة:38].
أما سائر الجرائم ـ من جنايات وجنح ومخالفات ـ فلم يحدد لها عقوبات وإنما ترك لأولي الأمر أن يقدروا عقوباتها بما يرونه كفيلًا بصيانة الأمن وردع المجرم واعتبار غيره؛ لأن هذه التقديرات مما تختلف باختلاف البيئات والأمم والأزمان فمهد السبيل لولاة كلّ أمة أن يقرروا العقوبات بما يلائم حال الأمة ويوصل إلى الغرض من العقوبة، وأرشد الله ـ سبحانه ـ إلى أصل عام لا تختلف فيه الأمم وهو أن تكون العقوبة على قدر الجريمة، فقال عز من قائل: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ} [النحل:126]، وقال: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة:194].
وفي قانون المعاملات اكتفى بالنص على إباحة ما يقتضيه تبادل الحاجات ودفع الضرورات فأحل البيع والإجارة والرهن وغيرها من عقود المعاملات، وأشار إلى الأساس الذي ينبغي أن تبنى عليه تلك المبادلات، وهو التراضي فقال عزّ شأنه:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} [النساء:29]، أما الأحكام التفصيلية لجزئيات هذه المعاملات فلولاة الأمر في كلّ أمة أن يفصلوها حسب أحوالها على أساس التراضي.
وكذلك اكتفى بالنص على منع المعاملات التي تفضي إلى النزاع وتوقع في العداوة والبغضاء فحرم الربا والميسر على أساس دفع الضرر وقطع أسباب الشحناء، وسكت عن تفصيل الأحكام الجزئية لهذه المعاملات؛ ليتسنى أن يكون تفصيلها في كلِّ أمة على وفق حالها.
وفي النظام المالي فرض في أموال ذوي المال وعلى رؤوس بعض الأنفس ضرائب وجهها في مصارف ثمانية مرجعها إلى سدّ نفقات المنافع العامة ومعونة المعوزين، وترك تفصيل الترتيب لهذه الموارد وتصريفها في مصارفها لكل أمة تتبع فيه ما يلائمها.
وفي السياسة الخارجية أجمل علاقة المسلمين بغيرهم في قوله سبحانه: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون} [الممتحنة:9].
فالقرآن الكريم لم ينص في الشؤون العامة على تفصيل الجزئيات، وما كان هذا لنقص فيه أو قصور وإنما هو لحكمة بالغة حتى يتسير لكل أمة أن تفصل نظمها على وفق حالها وما تقتضيه مصالحها على ألا تتجاوز في تفصيلها حدود الدعائم التي ثبتها، فهذا الذي يظنّ أنه نقص هو غاية الكمال في نظام التقنين الذي يتقبل مصالح الناس كافة، ولا يحول دون أي إصلاح».
وهذا يقتضي منا بيان هيئة الدولة ومعرفة كيف نتوصل لمعرفة شريعة الإسلام حتى لا نخالفها في أجهزة الدولة المتعددة، وهذا ما نبحثه في المطلب الآتي.
المطلب الثاني
مفهوم الدولة
وفيها نعرض مصطلح الدولة، والدولة المدنية، والدولة الإسلامية:
* أولاً: معنى الدولة:
رغم اختلاف الاتجاهات بشأن تعريف الدولة (¬1)، لكنها تتفق إجمالاً على أنه: كي توجد الدولة لا بد من مجموعة من الأفراد تعيش مستقرة في إقليم محدد وتخضع لسلطة سياسية معينة.
فتكون أركان الدولة ثلاثة:
1.الشعب: وهو مجموعة كبيرة من الناس تعيش مع بعضها البعض في مكان واحد.
¬
(¬1) من تعاريف الدولة:
عرفها كاري دي مالبيرج أنها: مجموعة من الأفراد تستقر على إقليم معين تحت تنظيم خاص، يعطي جماعة معينة فيه سلطة عليها تتمتع بالأمر والإكراه
وعرفها بارتلي بأنها مؤسسة سياسية يرتبط بها الأفراد من خلال تنظيمات متطورة
وعرفها ماكيفر بأنها اتحاد يحفظ داخل مجتمع محدد إقليمها الظروف الخارجية العامة للنظام الاجتماعي وذلك للعمل من خلال قانون يعلن بواسطة حكومة مخولة بسلطة قهرية لتحقيق هذه الغاية
وعرفها بطرس غالي بأنها مجموعة من الأفراد يقيمون بصفة دائمة في إقليم معين، تسيطر عليهم هيئة منظمة استقر الناس على تسميتها الحكومة.
وفي القانون الدولي: سلطة النظام الحكومي تمارسها حكومات قوية على العديد من السكان الموزعين في مناطق واسعة أو صغيرة. ينظر: بحث اركان الدولة، موقع المصطبة.
2.الإقليم: وهو بقعة من الأرض يمكن العيش عليها.
3.السلطة السياسية: وهي جهة تتولى مسؤولية الحكم والتنظيم تفرض نظاماً معيناً على من يعيش في هذا المكان.
ويطيل المعاصرون البحث في توفر هذه الأركان الثلاثة في دولة الإسلام التي بدأت من النبيّ (في المدينة المنورة حيث اتسعت رقعتها في عهده (لشمول الجزيرة العربية، فوجد الإقليم.
وابتدأ شعب الدولة بأهل المدينة ومَن دخل بالإسلام حتى استوعب سكان الجزيرة في زمنه (، ففاق من حجّ معه (في حجة الوداع مائة ألف حاج.
والسلطة السياسية كانت ممثلة به (؛ لأنه (الحاكم فيها والمنظم لسائر أمورها من تسيير الجيوش وفضّ الخصومات وتنظيم أمور العبادات وفتح الأسواق وغيرها.
وتوفّر هذه الأركان للدّولة في عصر النبي (وعصر مَن بعده من الخلفاء الرَّاشدين، ومَن بعدهم في الدول الإسلامية المتعاقبة من المسلمات التي لا تحتاج إلى حجّةٍ أو برهان؛ لظهورها ووضوحها.
* ثانياً: معنى الدولة المدنية:
أمّا الدّولة المدنية فيُراد منها دولة المواطنة، وسيادة القانون، التي تُمنح فيها الحقوق والواجبات على أساس المواطنة، فلا يُمكن فيها التّمييز بين المواطنين بسبب الدِّين أو اللُّغة أو العرق أو اللون.
والدولة المدنية هي التي تضمن حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتضمن احترام التعددية، والتَّداول السِّلمي للسُّلطة، وأن تستمد شرعيتها من اختيار الشعب، وتخضع الحكومة فيها للمساءلة من قبل الشَّعب أو نوابه، واستناداً لهذا التعريف تبرز
مقومات الدولة المدنية، وهي: المواطنة، سيادة القانون، عدم التمييز بين المواطنين، الحرية واحترام حقوق الإنسان، والتَّداول السِّلمي للسلطة، وكلُّ هذه المفاهيم تنطلق من جوهر الديمقراطية وقيمها الأساسية.
وعناصر الدولة المدنية:
1. الشرعية الدستورية والسياسية: فالشرعية الدستورية تقوم على أساس العقد الاختياري بين الحاكمين والمحكومين؛ لتنظيم الحياة العامة وتأمين سلامة المجتمع وخدمة المصلحة العامة، وأما الشرعية السياسية فتقوم على أساس التفويض الشعبي للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية للقيام بمهامهم.
2.الأمة مصدر السلطات: أي أن السلطة بيد الشعب تمارس حسب نصوص الدستور النافذ، وهي السلطة الأسمى والمنشئة لباقي السلطات حسب الدستور والقوانين النافذة المعمول بها.
3.السيادة للقانون: والإيمان بسيادة القانون الذي يشرّع من قبل ممثلي الشعب، وهو عام يطبق على الجميع، ويحكم به الجميع وهدفه خدمة المصلحة العامة، وحماية المجتمع والدولة.
4.لا سلطة من دون مسؤولية ولا مسؤولية من دون محاسبة: فالسلطة التنفيذية مقيدة بنصوص دستورية وأطر قانونية ومفوضة بحدود، وتخضع للمساءلة والمحاسبة في لحظة خروجها عن الدستور والقانون والسياسة العامة المقررة والتفويض التي جاءت من أجله، فهي مجبرة على احترام المصلحة العامة، وعدم الإضرار بها طيلة توليها المسؤولية.
5.حماية وضمان حقوق الجميع دون تحيز أو تمييز: فالحقوق العامة مضمونة ومحمية ضمن السياقات القانونية النافذة، وضرورة الحرص على المصلحة العامة والحفاظ عليها في إطاري العدل والمساواة.
6.العيش المشترك بين كل المكونات الاجتماعية: والتسامح قيمة سائدة في العلاقات العامة والحفاظ على السلم الاجتماعي وضمان التعددية السياسية والفكرية والدينية واحترام الرأي الآخر، انطلاقاً من احترام كرامة الإنسان وحريته وحقوقه.
7.بناء المؤسسات: واستنادها إلى مفهوم المؤسسية وإعلاء البعد القانوني في حكم المؤسسات، وليس الإطار الشخصي والمنفعي للأغراض والمنافع الشخصية، والمصالح الخاصة.
8.الفصل بين السلطات: وعدم السماح بتغول سلطة على سلطة أخرى، وكلّ سلطة تقوم بأعمالها واختصاصاتها ضمن إطار الدّستور والقانون النّافذ.
9.سلطة قضائية مستقلة تماماً تقيم العدل حسب القانون: ولا سلطان عليها إلا القانون، واحترام السلطة القضائية، وتعزيز استقلالها، ونزاهتها، وعدم جواز المساس بها استحساناً أو استهجاناً.
10.كفالة حرية الاعتقاد والتَّدين وحماية الحرية الدّينية وفق الآداب العامّة، والقوانين النّافذة، وحماية حقوق الأقليات (¬1).
وسيأتي مناقشة مضمون هذه العناصر في المبحث الأخير في ركائز الحكم الرشيد.
¬
(¬1) ينظر: مفهوم المدنية في الفكر الغربي والإسلامي لأحمد بوعشرين الأنصاري، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ص 21ـ 22، وعناصر الدولة المدنية للدكتور أمين مشاقبة، نشر في جريدة الدستور17 تشرين ثاني 2018م.
* ثالثاً: الدَّولة الإسلامية:
هذا المصطلح لم يكن شائعاً في التّاريخ، وكان استخدامه نادراً جداً، وإن ورد عدّة مرّات في «تاريخ ابن خلدون» (¬1)، وكان بمعنى الخلافة الإسلامية، وحكم المسلمين لمكان ما.
وإنّما المشهور تسمية الدّولة بأسماء مَن يحكمها فنقول: الدولة الأموية، والدولة العباسية، والدولة السلجوقية، والدولة المملوكية، والدولة العثمانية، وهكذا.
فيظهر من هذا أن مصطلح الدولة الإسلامية مصطلح شاع وانتشر في هذا الزمان، ويمكن القول بأن المقصود منه عند الإطلاق أحد أمرين:
1.الدول أو الدولة التي أكثر سكانها من المسلمين، فكان استخدامه تمييزاً للدول المنتشر فيها الإسلام عن غيرها، وهذا لا ضير فيه؛ لأنه من باب التمييز والتوضيح.
2.دولة تلتزم في نظامها أحكام الإسلام.
وهذا الفهم اعترته وجوهٌ متعدِّدة:
أ. أن يراد به دولة دينية تستمدّ جميع تشريعاتها من الكتاب والسُّنة على حسب فهم القائمين عليها للكتاب والسُّنة، حيث ظهرت اتجاهات وجماعات ترفض عامة التراتيب الإدارية للدولة المعاصرة، وتدعي أنها تريد أن تعيش في نظامها على الهيئة التي كانت في عصر النبي (وعصر الصحابة (.
وسمعنا أن بعض مَن أن أقام كيانات من هذه الجماعات يدعي فيها تطبيق الشريعة من هذه الجماعات، فقد حصروا الإسلام بهيئة لباس محددة للرجال ولحية معينة وطول شعر للرأس، وكانوا أشدّ ما يكون على مَن يُخالف من المسلمين في القتل
¬
(¬1) في تاريخ ابن خلدون منها: 1: 204، 303، 306، 314، 360، 369، 412، 3: 351، 521.
والقطع والتَّحريق؛ لأنهم إجمالاً يرونهم كفّاراً؛ لمخالفتهم في فهم مسائل فرعيّة في الدين، ويستبيحون معهم كلَّ عقوبة.
فكانوا يقتلوا مَن يُصلي على النبي (بعد الأذان، أو يعمل حلاقاً حتى خلت بعضُ مناطقهم ممن يمارس هذه المهنة بحجّة أن حلق اللحية حرام، وهي تشبه بالكفار، فمَن يفعلها يكفر، ويقطعون أصابع مَن يدخن السجائر، وغيره كثير.
وفي النتيجة نجد هذه الفئة قدمت صورة في غاية الغرابة للدين، رفضها عامة المسلمين لما رأوا فيها من مغايرة للإسلام الذي يعرفونه ويعيشونه، ولما تسببت من كوارث في قتل أبناء المسلمين لمجرد أنهم يعملون في سلك الجيش أو الأمن، وانعدام الأمن في العديد من المناطق.
وشاع كثيراً أن القائمين على هذه الجماعات هم أشخاص يتبعون لأجهزة أمنية غربية وشرقية يريدون تشويش صورة الإسلام والكيفية التي تكون عليها دولة الإسلام في التطبيق، ولإشاعة الفتن بين الشباب وفي البلاد ولإشغال المسلمين مجتمعاتٍ ودولاً بمثل هذه الظَّواهر، ومن أجل استباحة الإتيان بجيوشهم لبلاد الإسلام بحجّة مواجهة التّطرّف والإرهاب؛ ليتمكنوا من نهب خيرات دول المسلمين.
ب. أن يُراد دولة تلتزم أحكام الشريعة في التطبيق المستفاد من القرآن والسنة، ويمثله الجماعات الإسلامية التي تهتم بما يسمى الإسلام السياسي، وتختلف عن الفهم السابق أنها لا تعادي التراتيب الإدارية المعاصرة للدول وتراه خيراً، وترى أنّ دولةَ الإسلام هي دولةٌ مدنيةٌ تلتزم بشريعة الإسلام.
ويؤخذ عليها أن فهمت أن الإسلام هو الفهم للكتاب والسُّنة من قبل المعاصرين ممن يدّعون القدرة على ذلك، ومن المعلوم أن الفهم للكتاب والسُّنة يحتاج إلى مجتهدين مطلقين عندهم أصول اعتمدوا عليها في استخراج الأحكام، وكان
وجودهم في القرنين الأوليين من الإسلام لتيسر أسباب الاجتهاد في ذلك الزَّمان، فلم نر مجتهداً مطلقاً بعد تلك العصور، وإنّما انتقل الاجتهاد على صور أُخرى في الشَّريعة.
فكانت هذه الاستباحة لفهم القرآن والسنة هي المقتل للعمل الإسلامي في عصرنا؛ لأنَّ ما يُقدِّمونه من فهم للإسلام لن يكون هو الإسلام؛ لعدم توفر شروط الاجتهاد عندهم، وإنّما هي عواطف دينية قوية، وليست علماً ولا إسلاماً حقيقياً، بدليل أننا لم نجد أحداً منهم يظهر أصولاً للاجتهاد، ولا يُمكن الاجتهاد بدون أصول؛ لأنها الأداة لاستخراج الأحكام من القرآن والسنة.
هذا الفهم الخاطئ للإسلام بنيت عليه أمورٌ عديدة منها:
1) ضعف الجانب التربوي لدى هذه الجماعات؛ لاعتمادها على فهمها للدين وعدم اعتبار الفهم التاريخي الموروث للدين، حيث حاربت التصوف ورأت أنه دخيل على الإسلام، وغَفِلَت أنّه يُمثل الجانب الرُّوحي والتَّربوي والتَّزكوي للإسلام، فتركه ترك لروح الإسلام، ويُمكننا تصفية التصوف بالمنهج المسلوك تاريخياً، وهو أنّ الشريعة الظاهرة الممثلة بالمذاهب الأربعة السنية حاكمةٌ على الشريعة الباطنية الممثلة بالطرق الصوفية، فكلُّ ما في التصوف مخالف للفقه بالإجماع لا يلتفت إليه، وأما ما اختلف فيه الفقهاء من بعض تصرفات وسلوكيات في التصوف فلا ينكر فيها على المخالف، إن شئت أخذت بها وإن شئت تركتها؛ لأنه لا إنكار في مسائل الخلاف.
فلو أنهم تحاكموا للفقه في قبول التصوف ورده لما وقعوا فيما وقعوا فيه من ترك هذا الجانب العظيم من الإسلام، ولاستفاد أفراد هذه الجماعات منه، فارتقى سلوكهم وحسنت تصرّفاتهم وكانوا انموذجاً حيّاً للإسلام، وقدوةً كاملةً للمسلمين.
2) حملهم لفكر انقلابي على الأنظمة الحاكمة لا فكراً إصلاحياً، فالقارئ في كتاباتهم يلاحظ هذا جلياً في أنّ التَّغيير يحصل باستبدال هذه الأنظمة الموجودة، وهذا
ناتج عن فهمهم للكتاب والسنة لا عن الاعتماد على فهم المدارس الفقهية السُّنية؛ إذ أن المدارس السُّنية جعلت الفكر إصلاحياً، فالتَّغيير يحصل في إصلاح الأنظمة الموجودة بوسائل سلمية متعددة.
وفرق كبير بين الإصلاح والانقلاب؛ لأنّ حمل فكرة الانقلاب جعلت أنظمة الحكم تحارب الإسلام والمتدينين؛ لأنها ترى فيها خطورة عليها، حتى أصبح التدين تهمة يلاحق عليها الإنسان؛ لما يرون فيه من خطورة على الأنظمة، مما أدّى إلى حظر النشاط الديني فأهمل أمر الدين لخوف الدول منه، وكان له انعكاسٌ سلبيٌّ كثيرٌ على شيوع الفساد في المجتمعات المسلمة وتفكك الحياة الاجتماعية وتدهور الحياة الاقتصادية وضعف البُنية السِّياسية، وهذه نتائج متوقعةٌ عند إبعاد الدِّين.
ولو كانت الفكرة إصلاحية لما عادت الدول الدين؛ لأنه أفضل الوسائل لتقوية نظام الدولة وبنيتها، وأكبر محفز للعمل والنشاط الاقتصادي، وأنجع وسيلة لحفظ المجتمعات والأسر والأخلاق.
ولعملت الجماعات المتدينة والمتدينون وأنظمة الدول معاً لتحقيق الإصلاح والرَّفاه الاقتصادي والاجتماعي والسّياسي، ولسمع صوت المفكرين الإسلاميين في كيفية الإصلاح للبلاد وفتح المجال للاجتهاد في الإصلاح الديني في كافة مفاصل الدولة؛ لأن الدين أفضل وسائل الإصلاح، ولكان المتدين يمثل المواطن الصالح، وهو أبرز عناصر أمان المجتمع.
فحصول الوئام بين المتدينين والدول مبنيٌّ على فكرة واحدةٍ: هل منهج الإسلام إصلاحيٌّ أو انقلابيٌّ، فمَن سَلَك التربية الدينية الصحيحة الممثلة بمنهج أهل السنة فقهياً وسلوكياً وعقدياً سيكون منهجه إصلاحياً، وسيكون على وفاق مع الدول في
مكافحة الفساد وإصلاح المجتمعات والارتقاء بالإنسان؛ لأنّ هذه هي حقيقة الإسلام الحقّة.
ومَن سَلَك فهماً خاصاً به بالرُّجوع للكتاب والسنة بحيث يقدم فهماً بلا ضوابط ولا قواعد سيكون منهجُه انقلابيّاً ولو ادّعى أنّه إصلاحيّ؛ لأنّها دعوى لسان لا فعل؛ لأنّه لم يلتزم بفهم الإسلام الموروث، وأتى بصور غريبة من هنا وهناك لفهم الإسلام؛ لفقدهم لنظام صحيح في فهم الدين.
3) قلّة العناية بالتّعليم الديني الصحيح على منهج أهل السنة من المذاهب العقدية والفقهية والسلوكية، وهذا أبلغ طريق في إنتاج علماء يقودون المجتمعات، ويسعون إلى إصلاحها، ففرغت المجتمعات المسلمة عن جهات تخرج المصلحين الحقيقيين للمجتمع، وكان لهذا أثر كبير في تراجع المجتمعات المسلمة في أداء دورها المحلي والخارجي، وفقدت قدرتها على القيادة والتأثير في غيرها لفقدانها لبوصلتها، وهم العلماء المصلحون الحاملون للواء الدين.
وصار الاعتماد على كليات الشريعة في القيام بهذا الدور بعدما حرفت مناهجها ولم يعد يدرس الطالبُ فيها منهجاً علمياً متكاملاً يهيئه للقيام بدوره الحقيقيّ في المجتمع، ولا يُمكن الإصلاح والتغيير إلا بالعلماء الربانيين؛ لأنهم ورثة الأنبياء.
4) النظرة السوداء للتاريخ الإسلامي وتاريخ التشريع عموماً، فلم تكن استفادتها من التشريع الفقهي كبيرة لشكها بها، وأنّ جزءاً منها مخالف للقرآن والسنة، فكيف يتصوَّر من أئمة الإسلام ترك الكتاب والسُّنة، وكيف يُتصوَّر لمن كانوا قريبي عهد من رسول الله (أن تفوتهم الأدلّة، ونحن بعد مرور هذه القرون العديدة يصلنا ما لم يصلهم، مع أنهم هم وسيلتنا في الوقوف على الأحاديث.
وإن النظر إلى الأمويين والعباسيين والعثمانيين أنهم غاصبون للملك وعدم اعتبار أنهم حكامٌ شرعيون يجعل منهم ناقمين على تاريخ الإسلام.
فهذا الاستياء من أنظمة الحكم المتتالية في الإسلام وعدم الثقة بالفقه والفقهاء عبر التاريخ جعلهم يحملون الفكر الانقلابي لا الإصلاحي.
ولو أنزلوا فقهاءنا منزلتهم ووثقوا بعلماء الأئمة تمام الثقة لما نقموا هذه النقمة الكبيرة على تاريخ الأمة وأنظمتها وكانت نظرتهم أكثر واقعية واعتدالاً في فهم التاريخ والواقع السياسي.
ولاستفادوا كثيراً من التجارب التاريخية في الملك والحكم في بناء الدولة المعاصرة بدل أن نلهث إلى الغرب ونقلدهم في كل تشريعاتهم، فتاريخنا أحق بالاستفادة منه، وكل هذا راجع إلى الفهم المغلوط للكتاب والسنة من أنفسهم مما جعلهم ينقمون على علماء الأمة وحكامها وتاريخها وحضارتها، ولو كان الفهم مأخوذاً من المنهجية السنية في المذاهب الفقهية لتغيرت الصورة تماماً.
5) اعتقدوا ارتفاع وجود الدولة الإسلامية، وأنّ عملهم في إيجاد دولة الإسلام كما كانت في السابق، فيرون الخلافة الإسلامية هي رمز عزة الإسلام والمسلمين، وأن المسلمين فقدوا مكانتهم وتأثيرهم في العالم لفقد الخلافة، فلا بد من إيجادها.
وهذا في عمومه صحيح لكن دولة الإسلام باقية لم ترتفع، وهي ما يقارب خمسين دولة إسلامية الآن، والإشكالية فيها ضعفها وعدم قدرتها في الدفاع عن الإسلام والمسلمين.
ففيما سبق من تاريخنا رغم وجود دويلات عديدة للإسلام إلا أنه كانت توجد من بينها دولة قوية عظيمة تحمي الإسلام وتحفظه، ويمكننا أن نحقق هذا في دول الإسلام المعاصرة من خلال برامج الإصلاح المتعددة التي يمكن أن نسلكها.
وليس الحلّ أن لا نعتبر هذه الدولة مسلمة، ونستبيح ما حرم الله فيها، فنكفر حكامها وأنظمتها، ونصوِّر للناس أننا سنوجد دولة الإسلام التي لا مثيل لها، ونعيش في أحلام بعيدة عن الواقع، فنترك واجبنا في الإصلاح والتغيير السلمي.
ج. دولة راشدة تستفيد من تراث أمتها وفقهها وواقعها ومدنية العالم.
فيكون لنظام الدولة انفتاح كبير على كلّ ما يرتقي بأنظمتها ويقومها، سواء كان من دينها الحنيف، أم مجد أُمتها وتاريخها العريق، أم خبرة أبنائها وتجربتهم في حياتهم، أم أنظمة الدولة المتعددة في تطوير النُّظم الإدارية.
وهذه الدَّولةُ التي نسعى للوصول إليها من خلال بحثنا في هذا الكتاب، فالإسلام دينُ الخير، ولا يسعى إلا لكلِّ خير لأهله وللبشرية؛ لأنّه نزل رحمةً للعالمين، ولن تكون دولتُه إلا دولةً تحمل الطَّمأنينة والرَّاحة لكلِّ النَّاس.
* ... * ... *
المبحث الأول
مصادر القوانين الفقهية
ونعرض فيه العلمانية ومفهوم الدين والجوانب الثلاثة للدين من عقائد وفقه وتزكية، ومن هم أهل السنة والجماعة، وكيفية معرفة الحكم الشرعي وتقنين الكتاب والسُّنة إلى قوانين فقهية، ونبين أن القوانين مصدرها القواعد الفقهية المستفادة من القرآن والسنة، وأن الأنظمة والتَّعليمات مصدرُها قاعدة العرف والعادة.
تمهيد في معنى العلمانية:
نستمع إلى مصطلح العلمانية كثيراً، ودائماً يكون متعلقاً بنظام الحكم، وفي هذه الأسطر نسلط الضوء على العلمانية؛ ليتضح أنها نشأت في بيئة مختلفة عن بيئة الإسلام نتيجة وجود دين محرّف، لا يمثل شريعة ربانية، فكان سبباً في ظلم الشعوب وتخلفها وتسلّط الحكام عليها وإبعادها عن العلم، وكلُّ هذا لا شأن له بالدين الحق الذي يحرر الإنسان، ويقيم العدل، ويرغب في العلم، فمن الظُّلم أن نعامل الإسلام بمنظار المسيحية المحرفة، وأن نساوي بين حضارة الإسلام وحال أوروبا الغارقة في الجهل.
والظاهر من مصطلح العلمانية تعلقه بالعلم لكن الحقيقة أنه: إقامة الحياة بعيداً عن الدين، أو الفصل الكامل بين الدين والحياة، وهي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس عن الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بالحياة الدنيا وحدها، فلا علاقة لها بالعلم، إنما علاقتها قائمة بالدين بطريقة سلبية؛ لذلك كانت أولى الترجمات لها للعربية: «اللادينية»؛ لأنها تبعد الدين عن مجالات الحياة الواقعية: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية ... الخ، ولكنها تترك للناس حرية التدين بالمعنى الفردي الاعتقادي، على أن يظل هذا التَّدين مزاجاً شخصياً لا دخل له بأمور الحياة العلمية.
ونبذ الدين وإقصاؤه عن الحياة العلمية هو لب العلمانية، بسبب الفهم الخاطئ
للدين في أوروبا حيث حرفت التوراة، فكانت الظروف التي أحاطت بالدين في أوروبا تفسر ولا تبرر .. تفسر شرود الناس في أوروبا عن الدين ولكنها لا تبرره .. فإنه لا شيء على الإطلاق يبرر بعد الانسان عن خالقه.
ومن الخطأ أن نقول: إن العلمانية حدثت فقط بعد النهضة؛ لأن الفصل بين الدين والحياة وقع منذ بدء اعتناق أوروبا للمسيحية؛ لأن أوروبا قد جعلت المسيحية عقيدة منفصلة عن الشريعة، بصرف النظر عما حدث في العقيدة ذاتها من تحريف على أيدي الكنيسة، ولم تحكم الشريعة شيئاً من حياة الناس في أوروبا إلا الأحوال الشخصية فحسب، أي: أنها لم تحكم الأحوال السياسية ولا الأحوال الاقتصادية ولا الأحوال الاجتماعية في جملتها.
وهذا الوضع هو علمانية كاملة، ولكن الذي تقصده أوروبا بالعلمانية ليس هذا؛ لأنها لم تألف الصورة الحقيقية للدين أبداً في يوم من الأيام! إنما الذي تقصده أوروبا حين تطلق هذه الكلمة هو إبعاد ما فهمته هي من معنى الدين عن واقع الحياة، متمثلاً في بعض المفاهيم الدينية، وفي تدخل رجال الدين.
وأُقصيت بقايا الدين من الحياة الأوروبية وصارت الحياة لا دينية تماماً في كل مجالاتها العملية، وكانت الصورة الواقعية للدين في أوروبا تتمثل:
1.عقيدة مأخوذة من «الأناجيل» وشروحها تقول: إن الله ثالث ثلاثة، وإن الله هو المسيح ابن مريم.
2. صلوات وقداسات ومواعظ واحتفالات تقام في الكنائس يوم الأحد بصفة خاصة.
3. نفوذ لرجال الدين على الملوك وعلى عامة الناس، فلا يجلس الملوك على عروشهم إلا بإذن البابا ومباركته، ولا يصبح الناس مسيحيين إلا بتعميد الكاهن لهم.
وأنشأت أوروبا علمانيتها في نبذ الدين كله بلا فرق بين أباطيل الكنيسة وبين حقائق الدين، بحجة فساد الدين الذي قدمته الكنيسة لهم، وأنهم ما زالوا مخطئين إلى هذه اللحظة للسبب ذاته .. وهم لا يريدون أن يرجعوا إلى الدين بأي وسيلة من وسائل الرجوع! ويقول التاريخ الذي تكره أوروبا الاعتراف به إلا القلة المنصفة: إن أوروبا بدأت تخرج من ظلمات قرونها الوسطى المظلمة حين احتكت بالمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؛ سواء في الحروب الصليبية أو البعوث التي بعثتها للتعلم في مدراس المسلمين في الأندلس بصفة خاصة، وفي صقلية وغيرها من البلاد التي نورها الإسلام. ويقول روجر بيكون (في القرن الثالث عشر الميلادي): «مَن أراد أن يتعلم فليتعلم العربية؛ لأنها هي لغة العلم».
ومن هنا فإن الدين في صورته الكنيسة تلك لم يكن يسعى إلى تحسين أحوال البشر على الأرض، أو إزالة المظالم السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تقع عليهم، وإنما يدعو إلى الزهد في الحياة الدنيا برمتها، وترك كل شيء على ما هو عليه؛ لأن فترة الحياة الدنيا أقصر من أن يحاول الإنسان تعديل أوضاعه فيها، إنما يسعى جاهداً إلى الخلاص منها دون أن يعلق بروحه شيءٌ من الآثام، ولكن أوروبا أعرضت عن هذا الدين؛ لتنتقم بها من الكنيسة ودينها الفاسد الذي يهمل الحياة الدنيا ويلغى الوجود الإيجابي للإنسان، فكان الطابع المميز للفكر الأوروبي منذ النهضة هو التمرد على الدين.
وبالتالي سقط النفوذ الديني الذي تمارسه الكنيسة على الحكام، فيلتزمون بشيء من أخلاقيات المسيحية رضوا أم كرهوا، عن إيمان حقيقي أم عن تملق للروح المسيحية ونفاق. فالذي صنعه مكيافيلي هو تعرية السياسة من ذلك القناع الأخلاقي المستمد من
الدين، وكشفها عارية من كلّ أثر للدين أو الأخلاق، فكان صريحاً بالدرجة التي كشف بها القناع عن الواقع المزيف وجعله حقيقة واقعة (¬1).
وهذا الحال الأوروبي بعيد كلّ البعد عن التاريخ والواقع الإسلامي، فالدين الإسلامي عقيدة وشريعة وتزكية يغطي جميع جوانب الإنسان، وكان له عظيم الأثر على حياة المسلمين حكاماً ومحكومين، كما سيتضح من خلال صفحات الكتاب.
* ... * ... *
¬
(¬1) مختصر من الكتاب الماتع: مذاهب فكرية معاصرة ص445ـ 470.
المطلب الأول
مفهوم الدين
الدين: هو الطاعة لله فيما أمر به مِنَ الاعتقاد الصحيح والعمل الصالح والخلق القويم، أو وضع إلهيّ سائق للبشر إلى ما هو خيرٌ لهم في الدارين (¬1).
والشرع والشريعة: هو ما سنَّه الله لعباده من أحكام عقائدية أو عملية أو خُلقية (¬2)، قال (: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الشورى: 13].
ففي التّعريف الثّاني للدّين أنّه وضعٌ إلهيٌّ ... إخبارُ أنّ الدِّين يسعى لقيادة الإنسان إلى كلِّ ما هو خيرٌ له في دُنياه وأُخراه، وهذا ما يسعى له كلُّ واحدٍ منا، والدِّين يحقق له ذلك.
ويُستفاد من هذا في بحثنا: أنَّ كلّ تنظيم وتشريع في الدول فيه خيرٌ للإنسان، فإن الإسلام يقبله، ويرغب بالاستفادة منه، ويسعى إلى تحصيله، ولا يحتكر المعرفة والخير على ما بين أيدي المسلمين فحسب، بل نظرته شمولية للمسلمين وغيرهم في الوقوف على ما هو أفضل للبشرية وللمسلمين من أجل كسبه وتطبيقه، فتحقيق المصلحة للأمة هي مدار اهتمامه، كما يؤكده الحديث عن أبي هريرة (قال (: «الحكمة ضالة المؤمن
¬
(¬1) ينظر: مقالات الكوثري ص179.
(¬2) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 1: 16.
فحيث وجدها فهو أحق بها» (¬1)، فهذه هي دعوة دين الإسلام في البحث عن الخير والاستفادة منه ونشره.
ونلاحظ أن الدّينَ والشَّرعَ والشَّريعةَ ألفاظٌ مترادفةٌ يستعمل كلٌّ منها مكان الآخر، وكلها تشتمل على الجوانب الثلاثة، وهي الاعتقاد والعمل والتزكية، وتوضيحه في المطلب الآتي.
* ... * ... *
¬
(¬1) في سنن الترمذي5: 51، وسنن ابن ماجة2: 1395.
المطلب الثاني
الجوانب الثلاثة للدين
من المعلوم أن الإنسان له عقل وجوارح وقلب، فالعقل يكون تفكيره صحيحاً إن كان اعتقاده سليماً، والجوارح تعمل بصورة صحيحة إن عرفت الأحكام الشرعية المتعلّقة بها، والقلب يكون سوياً إن تعرف على السلوك القويم ووجد التربية الأخلاقية المناسبة، وهذه الحاجيات الثلاث التي يحتاجها كلّ إنسان جاءت بها الشريعة الإسلامية، واشتملت تعاليمها العقائد والأعمال والسلوك، وكلّ هذا ظاهر في سُنة رسول الله (وأصحابه ومَن تبعهم (، وبها يتحقّق كفايةُ الإنسان بطريقة سليمة، وإلا لكان بنيانه ناقصاً ضعيفاً.
والإنسان محور بناء الدولة القوية، فالإنسان القوي يوجد دولة قوية، والضعيف يوجد دولة ضعيفة، فلا بُدّ أن يكون اهتمامنا في أول لَبِنة في المجتمع، وهي الفرد، فإن نجحنا معه في الإعداد والبناء والإرتقاء سهل كلّ شيء بعد ذلك.
وهذا هو السِّرُّ العظيم في الإسلام الذي لن تستطيع أي مدنية أن تحققه في إسعاد الإنسان، فالإسلام بدأ من الإنسان، وجعل كلَّ ما سواه تبعاً له؛ لأنه محور الكون، وكلُّ شيء خلق له فيه من أجل راحته وإسعاده، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} [البقرة:29]، وقال تعالى: {اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ
السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَار} [إبراهيم:32].
ولم يكن هذا مجرد كلام نظري، بل وجدت علوم ثلاثة في الإسلام، وهي العقائد والفقه والتزكية، تعالج هذه الجوانب الثلاثة للإنسان التي تتكون منها شخصية الفرد، قد اختصّت مذاهب أهل السنة ببيانها وتوضيحها على النحو الآتي:
أوّلاً: الجانب العقدي؛ وفيها بيان كل ما يتعلق بالله (، وما يتعلق برسله الكرام، وما يتعلق بأمور الغيب من الملائكة والجن والآخرة وغيرهم.
ووجد مذهبان عظيمان في توضيح وتفصيل عقائد المسلمين من أهل السُّنة، وهما مذهبُ الماتريدية ومذهبُ الأشاعرة، وعبارات العلماء لا تُعدُّ ولا تُحصى في تأكيد هذه الحقيقة السَّاطعة عند أهل العلم، وهي من المعلوم عندهم من الدين بالضرورة، ولكن لَمّا عمَّ الجهل وانتشر اضطررت إلى ذكر شيء من عبارات الأئمة في أنّ الأشاعرة والماتريدية هم الذين يمثِّلون أهل السُّنة من النّاحية العقدية:
قال ابنُ عابدين (¬1): «أهل السنة والجماعة: وهم الأشاعرة والماتريدية، وهم متوافقون إلا في مسائل يسيرة أرجعها بعضُهم إلى الخلاف اللفظي كما بُيِّن في محلِّه».
وقال الزَّبيدي (¬2): «إذا أطلق السنة والجماعة، فالمراد بهم الأشاعرة والماتريدية».
وقال العَضد الإيجي: «الفرقة الناجية: وهم الأشاعرة لعل مراده إما تغليب أو عموم مجاز أو ادعاء اتحادهم مع الماتريدية الذين تابعوا في الأصول كالحنفية إلى علم إمام الهدى الشيخ أبي منصور الماتريدي، وجه كونهم فرقة ناجية التزامهم كمال متابعة
¬
(¬1) في رد المحتار1: 52.
(¬2) في إتحاف السادة المتقين2: 6.
النبي (وأصحابه (في معتقداتهم بلا تجاوز عن ظاهر نصّ بلا ضرورة ولا استرسال إلى عقل خلافاً لمخالفيهم، كما ذكره العلامة الدواني» (¬1).
وقال طاشكبرى زاده (¬2): «اعلم أنّ رئيس أهل السنة والجماعة في علم الكلام رجلان: أحدهما: حنفي، والآخر: شافعي، أما الحنفي فهو أبو منصور محمد بن محمود الماتريدي، إمام الهدى ... وأما الآخر الشافعي فهو شيخ السنة ورئيس الجماعة إمام المتكلمين وناصر سنة سيد المرسلين والذاب عن الدين، والساعي في حفظ عقائد المسلمين، أبو الحسن الأشعري البصري ... حامي جناب الشرع الشريف من الحديث المفترى، الذي قام في نصرة ملّة الإسلام فنصرها نصراً مؤزراً».
واعتناء الدول ببيان العقائد بطريقة صحيحة سليمة بعيدة عن الخرافات المصادمة للعقل من الأمور المهمة؛ لأنه فيه حفظ عقائد مواطنيها من الزيغ والانحراف، والانسياق حول عقائد لا معنى لها، وإشغال المسلمين بها بدل أن يهتموا بعظائم الأمور، فتسيطر عليهم عقائد المجسمة من إثبات الجهة لله تعالى والجسم والحركة، ويربكون المسلمين في أمور لا ينبغي أن يخاض فيها، ولا ينزلون الله تعالى منزلته من التنزيه له سبحانه وتعالى.
وكان للسلطان صلاح الدين الأيوبي اعتناءٌ خاصٌّ بتثبيت العقيدة السنية عند المسلمين في دولته ونشرها، حيث أمر السلطان المؤذنين في وقت التَّسبيح أن يعلنوا بذكر العقيدة الأشعرية، فوظّف المؤذنين على ذكرها كلّ ليلة (¬3).
وهذا يُبين لنا أحد أبرز أسباب نجاح السلطان صلاح الدِّين في إنشاءِ دولةٍ قويةٍ
¬
(¬1) ينظر: بريقة محمدية1: 388.
(¬2) في مفتاح السعادة2: 133 - 134.
(¬3) ينظر: موقع مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية، المملكة المغربية.
كان لها كلمتُها في التَّاريخ ولها مجدُها في تحرير البلاد من الغاصبين، حيث اعتنى بتعليم المسلمين لدينهم وعقائدهم، حتى يتركوا كلَّ ما لا فائدة فيه، ويتفرَّغوا لمهمات الأمور.
وإنا نرى هذه الأيام كيف تخلّت الدول عن هذا الواجب من تعليم الدِّين، وظهرت جهات تشغل المسلمين بعقائد لا معنى لها، وهم يكفرون ويُبدعون ويُضللون كلَّ مَن لا يُوافقهم في هذه التُّرهات، وأصبحت طاقاتُ الشَّباب منصرفةً إليها، بدل أن تهتمّ بالدَّعوةِ لله تعالى، وتبحثَ عن طريق الرُّقي بالإنسان والأوطان، وصارت تعتقد أنّ هذه العقائد الزَّائفة هي نهايةُ الأمر.
ثانياً: الجانب الفقهي؛ ويُبيِّنُ أحكامَ أعمال الجوارح من يد ورجل ولسان وفرج وعين وغيرها، وقد أجمع أهل السنة على اقتصار بيان أحكامها في المذاهب الأربعة المشهورة: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي؛ لما في فتح الباب على مصراعيه من التلاعب في الدين، وعموم الفوضى التي تعمّ في البلاد، وضياع المناهج القويمة المؤسِّسة للطلبة على أحد هذه المذاهب، فكلّ مَن أرادَ الظهور والبروز والتزلُّف لغيره ادعى اجتهاداً لم يسبق إليه.
وفعل الأمّة بعد الأئمة الأربعة في التزامهم مذاهبهم والسير على طريقهم في الفتوى والاجتهاد من أقوى الحجج على صحّة هذا الأمر، ولا تجد عالماً إلا أن يكون متبعاً لأحد هذه المذاهب؛ لا سيما أنّ الأمّة لا تجتمع على ضلالة كما هو مبيّن في محلّه، ومن عباراتهم الدالّة على هذا الإجماع:
قال إمام الحرمين: «أجمع المحققون على أن العوامَّ ليس لهم أن يتعلَّقوا بمذاهب الصحابة (، بل عليهم أن يتَّبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا ونظروا وبوبوا; لأن
الصحابة (لم يعتنوا بتهذيب المسائل والاجتهاد وإيضاح طرق النظر بخلاف مَن بعدهم» (¬1).
وقال القرافي: «رأيت لابن الصلاح ما معناه: أن التقليد يتعيَّن لهذه الأئمة الأربعة دون غيرهم; لأن مذاهبَهم انتشرت وانبسطت حتى ظهرَ فيها تقييد مطلقها وتخصيص عامها وشروط فروعها، فإذا أطلقوا حكماً في موضع وجد مكملاً في موضع آخر، وأما غيرهم فتنقل عنه الفتاوى مجردة، فلعل لها مكملاً أو مقيداً أو مخصّصاً، لو انضبط كلام قائله لظهر، فيصير في تقليده على غير ثقة بخلاف هؤلاء الأربعة» (¬2).
وقال العلوي (¬3): «صرّح جمعٌ من أصحابنا بأنه لا يجوز تقليد غير الأئمة الأربعة، وعلَّلوا ذلك بعدم الثقة بنسبتها إلى أربابها لعدم الأسانيد المانعة من التحريف والتبديل، بخلاف المذاهب الأربعة، فإن أئمتها بذلوا أنفسهم في تحرير الأقوال، وبيان ما ثبت عن قائله وما لم يثبت، فأمن أهلها من كل تغيير وتحريف، وعلموا الصحيح من الضعيف ... ».
وقال ابنُ رجب (¬4): «قد نبَّهنا على علّة المنع من ذلك ـ أي من تقليد غير الأئمة الأربعة ـ وهو أن مذاهب غير هؤلاء لم تشتهر ولم تنضبط، فربّما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم مَن يذبُّ عنها وينبِّه على ما يقع من الخلل فيها بخلاف هذه المذاهب المشهورة».
وقال ابن حجر وغيره: «إنه يشترط في تقليد الغير أن يكون مذهبه مدوّناً محفوظ الشُّروط والمعتبرات؛ فقول الإمام السُّبكيّ: إن مخالف الأربعة كمخالف الإجماع
¬
(¬1) ينظر: مواهب الجليل1: 30.
(¬2) ينظر: مواهب الجليل1: 30.
(¬3) في الفوائد المكية ص50.
(¬4) في الرد على مَن اتبع غير المذاهب الأربعة ص34.
محمول على ما لم يحفظ، ولم تعرف شروطه، وسائر معتبراته من المذاهب التي انقطع حملتها، وفقدت كتبها: كمذهب الثوريّ والأوزاعيّ وابن أبي ليلى، وغيرهم» (¬1).
وقال عبد الغني النابلسي (¬2): «وأما تقليد مذهب من مذاهبهم الآن غير المذاهب الأربعة فلا يجوز؛ لا لنقصان في مذاهبهم ورجحان المذاهب الأربعة عليهم؛ لأن فيهم الخلفاء المفضلين على جميع الأمة، بل لعدم تدوين مذاهبهم، وعدم معرفتنا الآن بشروطها وقيودها، وعدم وصول ذلك إلينا بطريق التواتر، حتى لو وصل إلينا شيء من ذلك كذلك جاز لنا تقليده لكنه لم يصل».
وما ذكرت من اتفاق أهل السنة على التزام هذه المذاهب الأربعة أمرٌ مشهورٌ معروفٌ عند الخاصّة والعامّة، لكن لما ظهر مَن يشكك الناس في المسلّمات احتاج الأمر إلى البيان والتوضيح، فإذا تقرر لديك ما مرَّ علمت أن هذه المذاهب الأربعة تمثّل الجانب العملي عند أهل السنة، ومَن يدعي أنه سُنيّ فعليه الأخذ بواحد منها.
أما دعوى بعضهم إذا سُئِلَ عن مذهبه الفقهي قال: أنا من أهل الحديث! فعجيبة غريبة، وهل المذاهب الأربعة مبنية على غير حديث رسول الله (، فهو المصدر الرئيسي في استقاء الأحكام فيها، فيكفي لردّ هذه الدعوى أنه لا يوجد كتاب فقهي واحد قديم لمذهب يسمّى أهل الحديث، وإنما كل كتب الفقه على المذاهب الأربعة، وكذا كل حفّاظ الأمة المحدثين الكبار كانوا أتباع هذه المذاهب كالبيهقي والدارقطني والطحاوي وابن حجر والذهبي والمزي وغيرهم، أفلا يسعك ما وسعهم.
وأما ما ورد في كتب الفقه من القول: وعند أهل الحديث كذا، فإنما هذا مصطلح
¬
(¬1) ينظر: بلوغ السول ص18.
(¬2) في خلاصة التحقيق ص68 - 69.
كان يطلق على الشافعية، كما أن مصطلح أهل الرأي كان يطلق على الحنفية (¬1)، كما بيَّن ذلك ابن حجر المكي (¬2)، والطوفي الحنبلي في «شرح مختصر الروضة» (¬3).
ولمّا كانت هذه المذاهب الأربعة ممثلة لأهل السنة لم نحتج لنقل النصوص الدالّة على ذلك؛ إذ عبارات كتب هذه المذاهب مشحونة بمئات الكلمات الدالة على انتسابهم لمذهب أهل السنة والجماعة، قال العيني (¬4): «مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل السنة والجماعة»، وقال القاري (¬5): «ومذهب الحنفية من جملة أهل السنة والجماعة».
وكلُّ واحدٍ من هذه المذاهب العظيمة يُمثل علماً واسعاً في تفصيل كل ما يحتاج إليه الإنسان في تصرفاته من أحكام، فتبدأ معه من حمله في بطن أمه وتبين له أحكام هذا الحمل وماذا له وعليه، ثم أحكام ولادته وكل ما يتعلق بها، ثم رضاعه ونشأته وتربيته وتعليمه وتزويجه وعمله وشيخوخته ووصيته وموته إلى أن يوضع في قبره، فلا تترك شاردة ولا واردة من أحكام يحتاج إليها المرء إلا وتبينها أفضل بيان، فيعيش في هذه الدنيا على بصيرة: {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم} [الملك:22].
فهذه المذاهب علوم مستقرة تناولت الجانب العملي لدى الإنسان من علاقته بربه وجيرانه وأقربائه وزوجته وأولاده وغيرهم، وبينت أحكام الأفراد في المجتمع
¬
(¬1) فهذا مصطلح متأخر لا شأن له بما شاع عند المعاصرين من أهل الحديث بنوا مذهبهم على حديث رسول الله (، وأهل بنوا مذهبهم على غير حديث رسول الله (، وإنما اعتمدوا آراءهم، وقد فصلت هذا في المدخل المفصل.
(¬2) في الخيرات الحسان ص3.
(¬3) ينظر: مقدمة نصب الراية ص286 - 287.
(¬4) في عمدة القاري2: 237.
(¬5) في مرقاة المفاتيح15: 321.
وأحكام الجماعات والمؤسسات المختلفة، وتحدثت عن علاقة الحاكم بالمحكوم وعلاقة المحكوم بالحاكم، ووضحت علاقة الدول ببعضها البعض.
فجزء من هذا الفقه العظيم يمثل القوانين في الدول التي بها ينتظم أمر البشر، وباقيه يلبي باقي حاجات الناس، والشمول لعلم الفقه فيه كفاية حاجة الإنسان من أحكام لا يوجد علم في الدنيا سواه يغطيها في أي أُمّة من الأُمم.
ثالثاً: الجانب التربوي؛ ويهتمّ بتزكية النَّفس وتهذيبها وتحليتها بالأخلاق الفضيلة، وتنقيتها من الأفعال الرَّذيلة، وتنمية الإخلاص لله (فيها، وسُمَّي العلم المختص بها التصوّف، وقد ظهرت فيها طرق عديدة تستقي من مشكاة النُّبوة لتحقيق هذا المقصد.
فالتَّصوف بذلك عبادة، ورسول الله (سيد العابدين، وابتداء حقيقة التصوف والزَّهد من بعثته (، وقد تبعه أصحابه من بعده، واختصّ منهم جماعةٌ سمّوا بأهل الصُّفة (¬1)، بمزيد من الاهتمام والاعتناء بأمور المجاهدة النّفسية.
وخلفَ التابعون وتابعوهم الصحابةَ الكرام (، فأخذ بعضُهم عن بعض حتى برزَ جماعةٌ منهم: الجنيد البغدادي، وإبراهيم بن أدهم، والسري السقطي، وأبو يزيد البسطامي، والحَسَن البصري، وأمثالهم كثيرٌ ممَّن يرجع إليهم في شؤون التربية وتزكية النُّفوس.
ثم تبع هؤلاء أفاضل أجلّة ألَّفوا في التصوف، وقعَّدوا قواعده، منهم أبو بكر الكلاباذي في كتابه «التعرف بمذهب أهل التصوف»، وأبو طالب المكي في كتابه «قوت القلوب»، وحجة الإسلام الغزالي في كتابه «إحياء علوم الدين»، الذي كان
¬
(¬1) فعن أبي هريرة (، قال: دخلت مع رسول الله (فوجد لبناً في قدح، فقال: «أبا هر، الحق أهل الصفة فادعهم إلي» في صحيح البخاري8: 55.
اللبنة الكبرى في اعتماد مَن أتى بعده عليه حتى قالوا: «لولا الإحياء لَمَا كُنّا من الأحياء»، ثم توالت المؤلفات والمصنفات بعده حتى أصبحت عدداً لا يحصى (¬1).
ومن الدّلائل الظّاهرة على أن التصوفَ يمثِّل الجانب السلوكي عند أهل السنة أنك تجد كبار الأئمة وعلماء الأمّة كانوا يأخذون به ويسيرون فيه، كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والنوويّ والسبكيّ والغَزاليّ والسُّيوطي وابن حَجَر العَسقلاني وابن حَجَر الهيتمي والقاريّ والزبيديّ وابن عابدين واللكنويّ وغيرهم.
وإن أردت استيضاح ذلك فراجع كتب التراجم المفصّلة لأحوالهم، فإنك سترى عياناً اهتمامهم بالجانب السلوكي مع اهتمامهم بالجانب الفقهي والعقدي؛ لأن هذه مكونات الشخصية المتكاملة.
قال البوطي (¬2) عن والده الفقيه المشهور: «كان أبي رحمه الله يجزم بأن التصوف النقي هو جوهر الإسلام ولبابه.
وكان يؤكد أن المسلم إذا لم يكن قد تشرب حقيقة التصوف، فقد حبس نفسه في معاني الإسلام، ولم يرق صعداً إلى حقيقة الإيمان.
وكان يلحّ على أن التصوفَ ليس كلمات تورث أو تنقل ولا معارف تحفظ، ولكنه حال يتلبس بكيان المسلم يرقى به إلى مستوى شهود الله (، وإذا لم يرتفع المسلم إلى مستوى هذا الشهود، فهيهات أن تكون نصوص الأحكام وحدها، بكل ما يحفّ بها من مؤيدات الجزاء، حافزاً كافياً للانضباط الحقيقي بمدلولاتها وأوامرها.
إن الالتزام الحقيقي بأوامر الله (يأتي نتيجة ازدهار ثمرات الإيمان بالله (في القلب، وليس لهذا الإيمان من ثمرات إلا حب الله (وتعظيمه والخوف منه والرضا
¬
(¬1) ينظر: عوارف المعارف5: 55، والحكم العطائية شرح وتحليل1: 7، وتأييد الحقيقة العلية ص15.
(¬2) في كتابه النافع الماتع هذا والدي ص98 - 99.
عنه والثقة به والاتكال عليه والفناء في ذلك كله عن الأغيار، ومن ازدهار مجموع هذه الثمرات الإيمان يتحقق معنى شهود العبد للرب.
وهذا هو الذي يحجزه عن المحرمات ويضبطه عن منهج الآداب والواجبات؛ إذ هو في كل أحواله وتقلباته، مع الله (في مراقبته له وذكره إياه وانسياقه في مشاعر الخوف منه، والحبّ له والرّضا عنه والثقة به.
وليس للتصوف النقي من معنى إلا أن يأخذ المسلم نفسه بما يوصله إلى مستوى هذا الشهود .. أو أن يأخذ نفسه بما يوصله إلى ثمرات الإيمان، أو يوصله إلى حقيقة معنى التوحيد، فهي ألفاظ شتى ولكنها جميعاً ذات دلالة واحدة.
وكان يرى رحمه الله في «الرّسالة القشيرية» ما يبرز هذا التصوف النقي، وما يكشف عن عميق ارتباطه بنصوص القرآن والسنة ... ».
إن هذا الجانب ينبغي أن يكون اهتمام الدول الأول؛ لأنّ فيه الارتقاء بسلوك بني آدم وتحسينه وتهذيبه، مما يكون له الأثرُ البالغُ على زيادة الإنتاج ونمو الاقتصاد والتَّخلُّص من الفساد الأخلاقي والاجتماعي والوظيفي والسِّياسي، ويَنهض بالمجتمع في كافة ميادين الحياة؛ لأنه يخرج كامل طاقة النفس بعد تنقيتها، ويوجهها في مقصدها لتحقيق غايتها في رفعة الأمم.
وهذا يشمل كافة طبقات المجتمعات صغيرها وكبيرها، رجلها وامرأتها، عامها ومسؤولها، حاكمها ومحكومها، فالكل مهتم بتهذيب نفسه، وهي وظيفته الأولى؛ لأنه إن حسنت حسنت باقي الوظائف والمسؤوليات.
وإن أكثر المعاناة في زماننا راجعة لإهمال هذا الجانب التربوي العظيم، فعاش الفرد والمجتمع في ظنك شديد، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن
دَسَّاهَا} [الشمس:10]، ففلاحنا في حياتنا الأسرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية بقدر التزكية والتنقية لأنفسنا.
وفي الجانب السياسي فيما يتعلق بالحاكم، فإنها المرحلة الثانية فيه بعد تحقق استقرار الحكم، وهي صلاح الحاكم، فطريق تحقيقها هو هذا العلم العظيم، وهذا ما انتبه إليه كثيرٌ من الأكابر الأوائل عندما ألفوا في السياسة الشرعية، فألف الماوردي كتاباً سماه «نصيحة الملوك» (¬1) جعل أكثره في تهذيب النَّفس وإصلاحها، ومثله مؤلّف كتاب «قانون السياسة ودستور الرياسة» (¬2).
وهذا المبحث مرتبطٌ به صلاحُ الحاكم واستقامةُ أمره، ويتعلَّق به صلاح أمر حاشيته ووزرائه وشعبه؛ لأن بصلاح السلطة يصلح أمر الرعية وبالعكس، ولذلك علينا أن نجعله من أهم مباحث السياسة الشرعية كما فعله سلفنا وخلفنا، حيث اهتموا به كثيراً، فكان لهم ما كان من الرفعة، ولما أهملناه وصل بنا الأمر إلى ما وصل من الذِّلة والمهانة.
ويحسن بنا إكمالاً للجانب التربوي وبياناً لأهميته ذكر بعض الصفات التي يجب أن يتحلّى بها الحاكم ليكون حكمه رشيداً، وهي على النحو الآتي:
1.حسنُ سلوكه واستقامته على الدِّين الحنيف:
إنّ استقامةَ الحاكم استقامةُ رعيته؛ لأنّ سلوكَه أدعى لهم للاستقامة، ولأنه محلُّ اقتداء منهم، فينبغي للحاكم أن يعتني بتهذيب وتحسين سلوكه، والارتقاء به، لا سيما في المحافظة على حدود الشرع الحكيم وعدم مجاوزتها؛ لأنه يحكم شعباً مسلماً معظماً
¬
(¬1) ينظر: نصحية الملوك ص57ـ 237.
(¬2) ينظر: قانون السياسة ص39ـ98.
لدينه ولمَن يعظم دينه، ويقف على حرمات الشرع، قال الغَزَاليّ (¬1): «أن لا يطلب رضا أحد من الناس بمخالفة الشرع، فإنّ مَن سخط بخلاف الشَّرع لا يضر سخطه ... وأن تجتهد أن ترضى عنك رعيتك بموافقة الشرع».
فاستقامة الحاكم على الدين والتزامه به، يرفعه في نظر شعبه ويزيد مكانته عندهم، وتكثر محبتهم له، وتزيد الثقة به؛ لأنّ الدِّينَ فيه صلاح الدنيا والآخرة، فمَن لم يكن عارفاً بمصلحته بالتزام دينه؟ كيف سيكون عارفاً بمصلحة رعيته، وقيادتهم إلى طريق الخير؟.
قال الطّرطوشي (¬2): «اعلم أن أدعى خصال السلطان إلى إصلاح الرعية وأقواها أثراً في تمسكهم بأديانهم وحفظهم لمرواتهم، إصلاح السُّلطان نفسه وتنزيهه عن سفاسف الأخلاق وبعده عن مواضع الريب، وترفيعه نفسه عن استصحاب أهل البطالة والمجون واللعب واللهو والإعلان بالفسوق».
ولما كان الدين أقوى أركان نظام الحكم وأثبتها، كان التزام حدوده أكبر ما يُقوي الدّولة، فهو أحفظ للدَّولة من جيشها وعساكرها؛ لأنّه يُحقِّق الأمن الدَّاخلي للمجتمع على أكمل وجه، فتكون قادرةً على صد أي عدوان خارجيّ، ومتى أهمل جانب الدين، وشاع الفسق والمجون ضعفت الدولة، لا سيما إن تسلل لها الفهم الخاطئ للشريعة من الفرق المنحرفة.
قال نظام الملك (¬3): «إنّ الاستقامة في الدين لأجمل ما ينبغي أن يتصف به الملك؛ لأنّ الملك والدين صنوان، فأي اضطراب في المملكة لا بُدّ أن يرافقه اختلال في أمور
¬
(¬1) في التبر المسبوك ص10.
(¬2) في سراج الملوك ص116.
(¬3) في سير الملوك ص97.
الدين، فيظهر والحال هذه المفسدون وأصحاب المذاهب والمعتقدات الخبيثة، وكلَّما تتضعضع أمور الدين يتسرّب الوهن إلى المملكة، فتقوى شوكة المفسدين الذين يتسببون في إقلاق راحة الملك وزوال هيبته، فتظهر البدعة، ويزداد الخارجون والعابثون قوّةً وبأساً».
2. الرَّحمة لرعيته والإحسان لها:
كلَّما قرب العبد من ربّه رقّ قلبه، وامتلأ بالرحمة للخلق، وكثر الإحسان إليهم، فرحمةُ الحاكم برعيته تحفظ له ملكه، قال الطّرطوشيُّ (¬1): «الرَّحمةُ والعدلُ يُحرزان الملك»، فيحفظانه من الزَّوال؛ لتمسك شعبه به لشدة محبتهم له؛ لأنه رحيم بهم.
ولذلك كان على الحاكم أن يلتزم مع رعيته الرفق إن أمكن إنجاز الأمر به، فلا ينتقل للحزم إلا بعد محاولة إتمام الأمر باللطف، قال الغَزَاليُّ (¬2): «إنك متى أمكنك أن تعمل الأمور بالرفق واللطف، فلا تعملها بالشِّدّة والعنف».
والإحسان مرتبةٌ مقدمة على العدل، به تقوى الروابط بين الحاكم والمحكوم لما فيه من التفضل على الرعية والتودد إليهم، فيرغبون في الحاكم وحكمه، فالحاكم يحتاج في حكمه في تحقيق العدل، وأن يزيد عليه في الإحسان لهم.
قال الطّرطوشيُّ (¬3): «واعلم أرشدك الله تعالى أن الله تعالى أمر بالعدل، ثم علم سبحانه وتعالى أنّ كلَّ النَّاس ليست تصلح على العدل، بل تطلب الإحسان، وهو فوق العدل، فقال: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى} [النحل: 90].
¬
(¬1) في سراج الملوك ص59.
(¬2) في التبر المسبوك ص28.
(¬3) في سراج الملوك ص51.
فلو وسع الخلق العدل ما قرن به الإحسان، فمَن لا يصلح حتى يزاد على العدل كيف يصلح إذا لم يبلغ به العدل».
3. التخلق بالخصال المحمودة:
إن الأخلاق الكريمة هي زينة الحاكم، وكلما حصل منها أكثر فأكثر كلما زادت زينته أمام شعبه، فرغبوا وتمسكوا به، وهذا مما اتفقت عليه العلماء والحكماء، فقالوا: أيها الملك إن قصرت قوتك عن عدوك فتخلَّق بالأخلاق الجميلة التي ليس لعدوك مثلها، فإنها أنكأ فيه من الغارة الشعواء (¬1).
ومحلُّ تحصليها له كتب التَّزكية السُّنية، فإنّ التَّصوف علم السُّلوك والأخلاق، وبقدر تحصليها منه يرتقي حالنا ويكبر مقامنا، فعلى الحاكم أن يسلك المنهج التربوي السُّني النَّقي؛ ليكون نافعاً لنفسه ولرعيته.
4. ترك الكبر والعجب:
إن منبع الخيرات التواضع، ومنبع الشرور والآفات الكبر، فعلى الحاكم أن يلتزم طريق التَّواضع في تعامله مع رعيته، حتى يدوم حكمُه ويستمر، وإلا خسره، قال الطرطوشي (¬2): «من أعجب العجاب دوام الملك مع الكبر والإعجاب! اعلموا أنّ الكبر والإعجاب يسلبان الفضائل ويكسبان الرذائل».
وإن وجاهة الملك والسلطان مدعاة للكبر والتعالي، فإن لم يعط نفسه مزيد اهتمام وعناية حتى يهذبها ويخلصها من هذه الصفات الذميمة سيقع فيها، فيكون ممن خسر الدنيا والآخرة.
¬
(¬1) ينظر: سراج الملوك ص58.
(¬2) في سراج الملوك 56.
قال الغَزَاليّ (¬1): «إن الوالي في الأغلب يكون متكبراً، ومن التَّكبر يحدث عليه السخط الداعي إلى الانتقام، والغضب غول العقل وعدوه وآفته، وإذا كان الغضبُ غالباً، فينبغي أن يميل في الأمور إلى جانب العفو، ويتعوَّد الكرم والتَّجاوز، فإذا صار ذلك عادة لك ماثلت الأنبياء والأولياء، ومتى جعلت إمضاء الغضب عادة ماثلت السِّباع والدّواب».
5. ترك الشهوات:
إن التعلق بالشهوات مسقط للمرء عن مكانته؛ لأنّه بدل أن ينشغل بعظائم الأمور يلهث وراء نفسه في قضاء رغباتها، فإن كان الحاكم من هذا الصنف متى يفرغ للاعتناء برعيته طالما أنه مشغول بنفسه وشهواته.
وذلك فإن الملوك العظام كانوا يملكون أنفسهم ويحكمونها ويسيرونها إلى كل ما يرونه خيراً، ولم يكونوا مشتغلين بشهواتهم ومنهمكين في ملذاتهم، قال الغَزاليُّ (¬2): «لا تعوِّد نفسك الاشتغال بالشَّهوات من لبس الثِّياب الفاخرة وأكل الأطعمة الطَّيبة، لكن استعمل القناعة في جميع الأشياء، فلا عدل بلا قناعة».
والطريق لفطم النفس عن شهواتها هو تربيتها على القناعة، فسعادة المرء متعلّقة بتحقيقها، فمتى قنعت نفسه تركت الشَّهوات وانصرفت إلى الخيرات.
6.أن ترضى لرعيتك ما ترضى لنفسك:
إن من كمال عدل الحاكم وسمو أخلاقه أن يلتزم بقاعدة إنزال نفسه منزلة الآخرين من رعيته في كل ما يعرض له من أمور لهم، فكلُّ ما لا يرضاه لنفسِهِ لا يرضاه
¬
(¬1) في التبر المسبوك ص14.
(¬2) في التبر المسبوك ص27.
لهم، وهذه قاعدةٌ جليلة، تشتمل على ميزانٍ دقيق في إيفاء حقوق الخلق، مَن التزمها لم يظلم أحداً، وارتقى مقامه وارتفع شأنه وعلت مكانته.
قال الغزالي (¬1): «إنك في كل واقعة تصل إليك وتعرض عليك تُقدر أنك واحدٌ من جملة الرَّعية، وأنّ الوالي سواك، فكل ما لا ترضاه لنفسك لا ترضى به لأحد من المسلمين، وإن رضيت لهم بما لا ترضاه لنفسك، فقد خنت رعيتك وغششت أهل ولايتك».
7. مصاحبةُ العلماء:
إن أفضل سبيل لتحقيق الصّفات الحميدة التي سبق ذكرها هي الصحبة للعلماء والصالحين، فإنها مدعاة أن يتخلق بأخلاقهم ويسلك طريقهم، ولذلك قالوا: على الحاكم أن يكثر من صحبةِ العلماء والاستماع لنصائحهم، فإنه من أفضل السبل لاستقامة سلوكه وانفتاح بصيرته.
قال الغَزاليُّ (¬2): «أن يشتاق أبداً إلى رؤية العلماء، ويحرص على استماع نصحهم، وأن يحذر من علماء السُّوء الذين يحرصون على الدُّنيا، فإنّهم يثنون عليك، ويغرونك ويطلبون رضاك طمعاً فيما في يديك من خبث الحطام ووبيل الحرام؛ ليحصلوا منه شيئاً بالمكر والحيل، والعالم هو الذي لا يطمع فيما عندك من المال، ومنصفك في الوعظ والمقال».
وهذا ميزان لطيف لتمييز الحاكم بين العالم الصادق والعالم الوصولي لمصالحه ومآربه بحسن كلامه، بأن العالم الحق له صفتان:
¬
(¬1) في التبر المسبوك ص26.
(¬2) في التبر المسبوك ص18.
أ. أنه لا يطلب الدُّنيا ولا يطمع بالمال والجاه، بخلاف الوصولي كلما رأى الحاكم سأله حاجة لنفسه ولخاصته، وإن سأل العالم الصالح الحاكم سأله ما فيه مصلحة للمسلمين.
ب. أنه يقول الحقّ والصّدق وإن لم يعجب الحاكم؛ لأنّه يبتغي مرضاة الله (لا مرضاة حاكم أو غيره.
وفي كثرة لقاء الحاكم بأهل العلم معرفةٌ له بكلِّ ما له وعليه نحو شرعه الحكيم، واطلاع على دقائق أحكام الدّين، وتمييز بالأفكار الخبيثة من أهل الأهواء التي يدخلونها على الإسلام، فيحترز منها ومن أصحابها، ويتعرّف على خطورتها، ويطلع على كيفية مواجهة الفكر المنحرف حتى لا يدخل إلى مملكته شيء منها حتى يحفظ رعيته.
قال نظام الملك (¬1): «على الملك تحرّي أمور الدين وإقامة الفرائض والسنن وأوامر الله تعالى وحفظ حرمة علماء الدين، وتأمين أرزاقهم من بيت المال، وإكرام الزهاد والمتقين وتقديرهم، وعليه أن يدعو إليه علماء الدّين مرّة أو مرّتين أسبوعياً، ويستمع منهم إلى أوامر الحقّ تعالى، وتفسير القران الكريم، وأخبار الرسول (، وسير الملوك العدول، وقصص الأنبياء عليهم السلام.
وفي هذه الأثناء ينبغي ألا يشغل نفسه بالتفكير في أي أمر من أمور الدنيا، بل يجب أن يسخر ذهنه وسمعه للإصغاء إليهم، ثم يطلب منهم أن يتحوّلوا إلى فريقين يتناظران فيما بينهم، وعليه أن يستوضح عما يغمض عليه، فيعرفه ويحفظه، فإذا ما تكرَّر منه هذا، تصبح له سجية وعادة، ولن يمضي طويل وقت، حتى يحيط بأكثر أحكام الشريعة وتفسير القرآن وأخبار الرسول (ويحفظه.
¬
(¬1) في سير الملوك ص99.
فتتسع أمامه بذلك سبل المعرفة بالأمور الدينية والدنيوية، بحيث لا يستطيع أي مبتدع، أو صاحب اعتقاد خبيث أن يحرفه عن مسيره، إنّما يقوى رأيه، ويعمّ عدله وتُمحي من مملكته البدع والأهواء، وتتمّ على يديه الأعمال الجليلة، وتستأصل به جذور الشرّ والفساد والفتنة، فينقرض المفسدون، ويزداد أهل الصَّلاح بأساً، فيكسب السُّمعة الحسنة في الدُّنيا، وينجو من عقاب الآخرة، بل يتبوأ أعلى الدَّرجات فيها ويُثاب ثواباً كبيراً، ثمّ يزداد إقبال النَّاس في عهده على العلم أكثر فأكثر».
8. ندماء الحاكم من غير موظفيه:
إنّ للحاكم حاجة للندماء حتى يخففوا عنه من أعباء الحكم، فترتاح نفسه معهم، وتصفى سريرته معهم، لكن يجب أن لا يكون لهم أي وجاهة أو سلطان في الدولة لأمرين:
أ. عدم استغلال علاقتهم مع الحاكم وقربهم منه في ظلم الرعية وأكل الحقوق.
ب. عدم سقوط هيبة السلطان أمام وزرائه وقادته؛ لأنه يكون مع الندماء على سجيته مما يطمع كبار دولته إن كانوا معه في مجلس ندمائه، فعليه أن يحافظ على وقاره وهيبته معهم.
قال نظام الملك (¬1): «لا مندوحة للملك من اتخاذ الندماء الأكفاء، ممن ينطلق معهم على سجيته ويطارحهم ما يريد دونما حرج، ذلك أنّ مجالسةَ الملوك الكبراء وحكام الأطراف وقادة الجيش كثيراً تؤثر في هيبتهم وعظمتهم وتقديرهم، وتزيد من جسارة أولئك معهم ...
وجملة القول: أنّ على الملوك ألا يتخذوا ندماءهم ممن أسندوا إليهم مناصب
¬
(¬1) في سير الملوك ص126.
ومقامات وأعمالاً، وألا يسندوا للندماء أي عمل أبداً؛ لأنهم بما لهم في رحاب الملك من حظوة، قد يتطاولون ويتسببون في إيذاء النَّاس وإرهاقهم».
9. المحافظة على حرمة الأوامر السلطانية:
المحافظة على مكانة وهيبة الحاكم وأوامره من الابتذال، حتى يبقى لها حرمتها وتأثيرها على المجتمع، ولا تسقط بحيث لا يلتفت إليها، فلا يكثر الكلام من الحاكم في كل مكان وزمان، بل يقتصر على ما قل ودل، ويغتنم الفرص المناسبة لإيصال رسائل معينة، ولا يكثر من الأوامر، بل لا يصدر الأوامر إلا للحاجة.
قال نظام الملك (¬1): «الرسائل التي تصدر عن البلاط كثيرة، وكلَّما كثرت فقدت حرمتها، فإذا لم يكن ثمة أمر مهم، وينبغي ألا يصدر عن الدّيوان العالي أمر خطي البتة، وإذا ما صدر شيء يجب أن تكون له حرمته إلى حدّ لا يجرؤ معه أحدٌ على وضعه من يده قبل أن يطيع كلَّ ما فيه من أوامر ويلبيها.
وإذا ما وجد مَن ينظر إليه بعين الاحتقار أو ينبذه ظهرياً، فينبغي أن يُعاقب عقاباً شديداً، ولو كان من المقربين، فالفرقُ بين الملك وغيره من المستقطعين والناس، هو تنفيذ أوامره وإجراء أحكامه».
* ... * ... *
¬
(¬1) في سير الملوك ص108.
المطلب الثالث
أهل السنة والجماعة
لفظ «سني» مأخوذ من «أهل السنة والجماعة»، وهذه التسمية وإن لم ترد في القرآن ولا في السنة إلا في حديث موضوع: وهو حديث افتراق الأمة، وفيه: «الناجي منهم واحدة. قالوا: ومَن هم؟ قال: أهل السنة والجماعة، فقيل: ومن أهل السنة والجماعة؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي»، فقد ذكر السبكي (¬1) حديث: «ومن الفرقة الناجية قال: أهل السنة والجماعة» ضمن الأحاديث التي لم يجد لها إسناداً.
وذكر العراقي (¬2): «إن الذي أخرجه التِّرمِذِيّ من حديث عبد الله بن عمرو وحسنه: «تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملّة كلّهم في النار إلا ملّة واحدة، فقالوا: مَن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي»، ولأبي داود من حديث معاوية (، وابن ماجة من حديث أنس وعوف بن مالك (، وهي الجماعة، وأسانيدها جياد».
ومن الروايات المذكور فيها لفظ: «الجماعة»، فعن أنس (، قال (: «إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمّتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة كلّها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة» (¬3).
¬
(¬1) في طبقات الشافعية الكبرى6: 345.
(¬2) في تخريج أحاديث الإحياء7: 296.
(¬3) في سنن ابن ماجة2: 1322، واللفظ له، وسنن أبي داود2: 608.
فمصطلح «أهل السنة والجماعة» وإن كان غير وارد بهذا اللفظ؛ لكن معناه وارد، ويستأنس له بالروايات السابقة، من ذكر «الجماعة»، و «ما أنا عليه وأصحابي»؛ إذ معنى «أهل السنة والجماعة» هم الذين طريقتهم طريقة الرسول (وأصحابه (دون أهل البدع، كذا قال صدر الشريعة (¬1) (¬2).
وأوضح هذا البركلي (¬3)، فقال: «أهل السنة: أي أصحاب سنة رسول الله (: أي التمسك بها. والجماعة: أي جماعة رسول الله (، وهم الأصحاب والتابعون (، وهم الفرقة الناجية المشار إليها في قوله (: ... «ما أنا عليه وأصحابي».».
وفصَّله أيضاً المَيداني (¬4)، فقال: «أهل السنة: السيرة والطريقة المحمدية. وأهل الجماعة: من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم، من المتبعين للنبي (، قال النجم الغزي: والمراد بطريقة أهل السنة والجماعة ما كان عليه النبي (وأصحابه الكرام، وهو ما دلّ عليه السواد الأعظم من المسلمين في كلّ زمان، وهم الجماعة والطائفة الظاهرون على الحقّ، والفرقة الناجية من ثلاث وسبعين ... ».
فحاصل ما سبق أن أهلَ السُّنة والجماعة تطلق على السواد الأعظم للمسلمين المتمسكين بهدي النبي (وأصحابه وأتباعهم (، وهذا هو معنى حديث: «ما أنا عليه وأصحابي».
¬
(¬1) وبيَّن صدر الشريعة أن المراد بالأمة المطلقة أهل السنة والجماعة، وعلّق عليه التفتازاني في التلويح3: 39: «أن صاحب البدعة الذي يدعو الناس إليها ليس من الأمة على الإطلاق؛ لأنه وإن كان من أهل القبلة فهو من أمة الدعوة دون المتابعة كالكفار، ومطلق الاسم لأمة المتابعة المشهود لها بالعصمة». وهذا التفريق بين أمة الدعوة والمتابعة وأمة الدعوة فقط سمّاه القاري في المرقاة18: 137: «الطائفة الجامعة بين الإجابة والمتابعة المعبر عنهم بالفرقة الناجية».
(¬2) في التوضيح3: 38.
(¬3) في بريقة محمدية1: 388.
(¬4) في شرح العقيدة الطحاوية ص44.
وأحقّ المسلمين بحديث: «ما أنا عليه وأصحابي»، مَن كان تمسّكه بجميع هدي النبي (في هذه الجوانب الثلاثة الفقهية والعقدية والسلوكية، لا في جانب دون جانب، فبقدر ما يكون التزامه بالأحكام الفقهية، واعتقاده بالمسائل العقدية، وتخلقه بالسلوك المستقيم، فإنه يكون على الخير النبوي؛ لأن هذه المحاور الثلاثة تمثّل الإسلام، وانعكاسها على الفرد يعطي صورة المسلم المتمسِّك بمنهج أهل السُنة والجماعة.
وتفصيل هذه الجوانب الثلاثة عند أهل السنة والجماعة أن كلَّ واحد منها اختصّ به أئمة وعلماء أفنوا أعمارهم في تحقيق وتنقيح مسائله وفروعه على ما كان عليه رسول الله (وأصحابه وأتباعهم، فاختصّ بكل جانب مذاهب تسمَّت بأشهر مَن قعَّد وأسَّسَ وبَرهن ودلَّلَ على الطريقة المحمَّدية في ذاك الجانب؛ للتمييز بين هذه المذاهب السُّنية، وإلا فالكلّ سائرٌ ومغترفٌ ومعتمدٌ على المشكاة النبوية فيما ذهب إليه؛ إلا أنه وضع قواعد كلية في تحرير ما كان عليه النبي (وأصحابه وأتباعهم (من الهدي؛ إذ النصوص الواردة متعارضة في الظاهر، فلا بُد من التحقيق والتنقيح ضمن ضوابط وقواعد يضعها أهل الاجتهاد.
فمثلاً نجدُ أن المذهبَ الحنفي سُمِّي باسم مؤسِّسه الإمام أبي حنيفة، وهذا لا يعني أنه أتى به من تلقاء نفسه، وإنما هو مذهب الصحابة والتابعين لا سيما مَن توطن منهم في الكوفة وعلى رأسهم ابن مسعود وعلي (، ومَن تلقى علومهم من التابعين كعلقمة وإبراهيم النخعي وحماد بن سليمان (لكن أبا حنيفة (أصّلَ وقعّدَ ما وَرَدَ عنهم، وفرَّع عليه غيره، فكان مُظهراً ومُبيِّناً ومُفرِّعاً ومُقعِّداً لمذهبهم الفقهي المنقول عن رسول الله (، ونسبة المذهب إليه نسبة إشهار وإظهار وبرهان لا نسبة ابتداع.
ومثلاً نجد أن المذهب الأشعري سُمّي باسم مؤسِّسه أبي الحَسَن الأشعري (ت324هـ)، ونجد أن المذهب الماتريدي سُمِّي باسم مؤسِّسه أبي منصور الماتريدي
(ت333هـ)، وهما في الحقيقة ناصران ومظهران ومدلالان ومبرهنان على مذهب أهل السُّنة في مقابل المعتزلة وأمثالهم، فالأشعريُّ نصرَ مذهب أهل السُّنة في بلاد المشرق الإسلامي، والماتريدي نصره في بلاد ما وراء النهر.
ومن الدلائل الظاهرة على أنهما لم يبتدعا مذهباً جديداً، وإنما أيّدا وقعّدا مذهب أهل السنة أنهما كانا متعاصرين ولم يلتقيا، ومع ذلك اتفقا في مذهبيهما إلا في مسائل فرعيّة يقتضيها الاجتهاد ممّن بلغ رتبته، ومع ذلك أُرجع الخلافُ فيها بينهما إلى أنه خلاف لفظي لا حقيقي، فلو كانا مبتدعين ـ وحاشاهما ـ لأتى كلّ منهما بمذهب يختلف في أصوله وفروعه عن الآخر.
واتفقا أيضاً مع ما قاله معاصرهما أبو جعفر الطحاوي في عقيدته المشهورة، فعُلِمَ أنهم جميعاً لمذهب أهل السنة ناصرون، وعلى طريق رسول الله (وأصحابه (سائرون.
قال الزَّبيديُّ (¬1): «وليعلم أنّ كلاً من الإمامين أبي الحسن وأبي منصور رضي الله عنهما وجزاهما عن الإسلام خيراً لم يبدعا من عندهما رأياً، ولم يشتقا مذهباً إنّما هما مقرّران لمذهب السلف، مناضلان عمّا كانت عليه أصحاب رسول الله (، فأحدهما قام بنصرة نصوص مذهب الشافعي وما دلَّت عليه، والثاني قام بنصرة نصوص مذهب أبي حنيفة وما دلَّت عليه، وناظر كلّ منهما ذوي البدع والضلالات حتى انقطعوا وولوا منهزمين.
وهذا في الحقيقية هو أصل الجهاد الحقيقي ... فالانتساب إليهما إنما هو باعتبار أن كلاً منهما عقد على طريق السلف نطاقاً وتمسّك وأقام الحجج والبراهين عليه، فصار المقتدى به في تلك المسالك والدلائل يسمّى أشعرياً وماتريدياً.
¬
(¬1) في إتحاف السادة المتقين2: 7.
وذكر العز بن عبد السلام أن عقيدة الأشعري أجمع عليها الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة ووافقه على ذلك من أهل عصره شيخ المالكية في زمانه أبو عمرو ابن الحاجب، وشيخ الحنفية جمال الدين الحصري، وأقرّه على ذلك التقي السبكي فيما نقله عنه ولده التاج.
وفي كلام عبد الله الميورفي ما نصّه: أهل السنة من المالكية والشافعية وأكثر الحنفية بلسان أبي الحسن الأشعري يناضلون وبحجّته يحتجون، ثمّ قال: ولم يكن أبو الحسن أوّل متكلِّم بلسان أهل السُّنة، إنّما جرى على سَنَن غيره أو على نصرة مذهب معروف، فزاد المذهب حجّة وبياناً ولم يبتدع مقالة اخترعها، ولا مذهباً انفرد به.
ألا ترى أن مذهب أهل المدينة نُسِبَ إلى مالك ومَن كان على مذهب أهل المدينة يقال له: مالكي، ومالك إنما جرى على سَنَن مَن كان قبله، وكان كثير الاتباع لهم إلا أنه لما زاد المذهب بياناً وبسطاً عُزي إليه، كذلك أبو الحسن الأشعري لا فرق، ليس له في مذهب السلف أكثر من بسطه وشرحه وتآليفه في نصرته، ثم عدد خلقاً من أئمة المالكية كانوا يناضلون عن مذهب الأشعري ويُبدِّعون مَن خالفه».
وحاصلُ الكلام ممَّا سبق أنّ أهل السنة والجماعة لهم ثلاثة جوانب:
الأول: الجانب الفقهي، ويمثله أربعة مذاهب معتمدة عندهم وهم الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، فلا بُد لأهل الفتوى منهم أن يسيروا على طريق واحد منهم ويلتزموه، ويعدّ من مذاهبهم المذهب الظاهري، ووجوده نظري لا حقيقي؛ إذ ليس لهم كتبٌ سوى «المحلى» لابن حزم، وكثيراً ما يذكر أهل المذهب رأيه لردّه وبيان ضعفه، ولا يوجد عند أهل السنة مذهب فقهي يسمّى أهل الحديث، كما سبق.
الثاني: الجانب السلوكي، ويمثّله طرق عديدة كالرفاعية والقادرية والنقشبندية والشاذلية والتيجانية، وكلّها تسلك سُبُلاً تعين على تزكية النفس وتخليصها من رذائلها،
وتعمق الأدب والإخلاص لله (، معتمدة في ذلك على الهدي القرآني والنبوي وما أثر عن الصحابة والتابعين وأئمة الدين في تطهير النفس وتنقيتها، وهذا طريق سار عليه كبار الفقهاء والمحدثين والمفسرين وغيرهم من علماء وأئمة الدين.
الثالث: الجانب العقدي، ويمثلُه مذهبان عظيمان هما: الأشاعرة والماتريدية اللذان أسّسا على ما كان عليه النبي (وأصحابه، وتابعوهم مؤيدين ذلك بالحجج العقلية والنقلية في وجه خصومهم، وفي بعض الأحيان يطلق الأشاعرة ويقصد بهذا الأشاعرة والماتريدية لاتفاقهم في الاعتقاد، وإنما خلافهم لفظي كما قالوا.
ولا نغفل أنه كان هناك مذهب عقدي ثالث مع الأشاعرة والماتريدية، وهم أهل الحديث الذي يعتمدون على ظواهر النصوص، وهم أقلّ من القليل؛ إذ أن المالكية والشافعية وبعض الحنابلة كانوا أشاعرة، والحنفية كانوا ماتريدية، فلم يبق إلا بعض الحنابلة وشواذّ من الشافعية على مذهب أهل الحديث.
ومعلوم أن الحنابلةَ عددهم قليل جداً في مقابل أصحاب المذاهب الأخرى، فوجودهم كان في بعض مدن فلسطين، ولما جاء الصليبيون سنة (492هـ) هاجر كثير منهم إلى الصالحية بدمشق وتوطنوا فيها، وكان بعضهم يعيش أيضاً في بغداد، بخلاف المالكية في افريقيا، والأحناف في الشام والعراق ومصر وبلاد ما وراء النهر، والشافعية في الشام ومصر والعراق ودول شرق آسيا وغيرها.
فإذا علمت هذا عجبت كلّ العجب ممن يُبَدِّعون أصحاب المذاهب الفقهية الأربعة وأتباعهم، فهم بذلك يبدِّعون أهل السُّنة قاطبة، وممَّن يُكفرون أهل التصوف؛ إذ أنهم يكفرون الجماهير العظيمة من علماء وعوامّ أهل السنة، وممَّن يضللون الأشاعرة ويعدونهم غير أهل السنة، وقد رأيت أن كلّ كلمات العلماء وكتبهم وأحوالهم تدلّ على خلاف هذا.
فمَن يضلل ويكفر ويبدع كلّ هؤلاء، فمن بقي إذن من أهل الإسلام، فإني أظن مَن يسير على هذا الطريق يصل بهم الأمر إلى تكفير وتبديع وتضليل المسلمين جميعاً، ويقف شاكاً في أمر نفسه أهو من المسلمين أم لا، فنسأل الله العفو والعافية.
وقد أطلت في البحث لأهميته؛ لأنّ الدين من أقوى أركان تثبيت نظام الحكم إن كان فهمه صحيحاً وطريقه سليماً، ولا يكون بهذا الوصف إلا إذا كان الدين دين الإسلام، وكان مذهبه مذهب أهل السنة والجماعة، ولا يكون ذلك إلا بتأييد هذه المذاهب ونشرها وتعليمها في المدارس والجامعات والمساجد والفضائيات وغيرها، فلا تدخر جهداً في أن يتدين الناس بطريقة صحيحة على منهج أهل السُّنة.
فلا يتولى إمامٌ ولا خطيبٌ ولا مدرسٌ في المدارس أو الجامعات إلا مَن يسلك مسلك أهل السُّنة، قال نظام الملك (¬1): «ينبغي اختبار الخطباء الذين يصلّون بالناس في المساجد الجامعة؛ للتأكد من تقواهم وحفظهم القرآن، فالصَّلاةُ من الأمور الدقيقة وصلاة الناس مرهونة بالإمام، فإذا ما اختلت صلاته اختلت صلاتهم أيضاً»، وقال (¬2): «ليس في العالم كله أفضل وأقوم من مذهبي أبي حنيفة والشّافعي، أما المذاهب الأخرى فبدع وأهواء وشبهات»، لم يرد الطعن في مذهب المالكية أو الحنابلة؛ لأنها لم تكن معروفةً في منطقةِ حكمه، وإنّما كان يقصد الفرق الباطنية وأصحاب الأهواء.
وينبغي أن يتحرى هذا في جميع مؤسسات الدولة فلا يتولاها مَن كان دينه على غير منهج السنة؛ لأنه يسعى بالخفاء لنصرة مذهبه، والتَّعاون مع جهات داخلية وخارجية؛ لتحقيق مآربه، قال نظام الملك (¬3): «أسندت كل الأعمال والمهام إلى سادة خراسان وولاتها وحكامها، فهم من الحنفية أو الشافعية الأطهار، إن هاتين الطائفتين
¬
(¬1) في سير الملوك80.
(¬2) في سير الملوك ص134.
(¬3) في سير الملوك ص102.
أعداء للرافضة والباطنية، ثم نحيت كل الكتبة العراقيين لعلمي أن أكثرهم من تلك الفئات الباغية، وأنهم يفسدون على الترك أعمالهم، كل هذا لكي أصفي العراق من أصحاب المذاهب الخبيثة والمعتقدات السيئة في مدة قليلة بعون الله (، فالله تعالى خلقنا لهذا، وولانا الخلق لنمحو المفسدين من على وجه المعمورة، ونحمي أهل الصلاح ونملأ الأرض عدلا وسخاء ورحمة».
وقال أيضاً (¬1): «كلُّ كتبة الترك والقائمين على شؤونهم والمتنفذين فيها من خراسان ومن الحنفية أو الشافعية الأطهار، ولم يكن الترك ليفسحوا المجال أمام كتبة العراق وعمال خراجها من ذوي المذاهب السيئة، بل لم يكونوا ليجيزوا استخدامهم».
* ... * ... *
¬
(¬1) في سير الملوك ص202.
المطلب الرّابع
الحكم الشّرعيّ
مما سبق تبين لنا أنّ الحكم الشرعي على ثلاثة أنواع: فقهي، وعقدي، وتربوي، وسبق ذكر الحاجة للحكم العقدي والتَّربوي في الدُّول.
أمّا الحكمُ الفقهيُّ فإليه يرجع كلُّ ما يتعلّق بنظام الدَّولة، ولذلك سيكون محلّ الاهتمام في هذا الكتاب، وهذا ما نفصلُه فيما يأتي:
* أولاً: قوة الرقابة الذاتية للقانون الفقهي:
الفقه اصطلاحاً عند الفقهاء: هو علم يُبحث فيه عن أحوالِ الأعمالِ من حيث الحلِّ والحرمةِ والفساد والصِحّة (¬1).
وهذا يظهر جانبين للفقه دنيوي وأخروي.
فالجانب الدّنيوي مقصوده في العبادات تفريغُ الذِّمّة: أي أداء العبادة على وجهها الصحيح بحيث لا تحتاج إلى إعادة وقضاء، وفي المعاملات الاختصاصات الشرعية (¬2): أي الأغراض المترتبة على العقود والفسوخ كملك الذات في البيع، وملك المنفعة في الإجارة (¬3)، فكان النظر ههنا من حيث ترتب المنافع الدنيوية دون الأخروية.
¬
(¬1) ينظر: حاشية الخادمي على الدرر ص3.
(¬2) ينظر: التنقيح والتوضيح 245 - 246.
(¬3) ينظر: أصول الفقه لشاكر بك ص356.
ففعل المكلّف في المقاصد الدنيوية ينقسم بالنَّظر إليه تارةً إلى صحيح وباطل وفاسد، وتارة إلى منعقد وغير منعقد، وتارة إلى نافذ وغير نافذ، وتارة إلى لازم وغير لازم (¬1).
والجانب الأخروي: مقصوده تحصيل الثّواب والابتعاد عن العقاب، فمثلاً: إن فعل الوجوب يُثاب، وإن تركه يُعاقب، فيكون فيه الفرض والواجب والمسنون والحرام والمكروه والمباح.
وهذان الجانبان ميزةٌ في القانون الفقهي لا توجد في أي قانون آخر؛ إذ الجزاء فيه دنيوي وأخروي.
ولمَّا كان القصد من وضع القوانين هو العملُ بها، ففي الفقه يتحقَّقُ هذا المعنى، فالقوانينُ الفقهية هي دينٌ للمكلّف، فيحرص أن يطبقَها ويعملَ بها، ولا يتهرّب منها، وهذه ميزةٌ لا نظير لها؛ لذلك ينبغي للدول أن تربط قوانينها بالفقه حتى يحرص النّاس على تطبيقها؛ لأنَّ الفقه يربط دائماً بين الجزاء الدنيويّ والجزاء الأخرويّ.
فليس معنى انفلات الشخص مِنَ الجزاء الدنيوي انفلاته مِنَ الجزاء الأخروي، وفي كلّ مسألة في الفقه نجد أنَّ الفقهاء تكلموا على الحكم التكليفي لهذا الأمر أحلال هو أم حرام؟ أفرض هو أم مندوب؟ كما تكلّموا على أحكامه الوضعية أصحيح هو أم غير صحيح؟ أنافذ هذا التصرف أم غير نافذ؟.
والقوانين الأخرى لا جزاء فيها إلا الدنيوي؛ لذلك يتفنن الناس في الحيل التي يكسبون بها هذا الحقّ الدنيوي (¬2)، في حين أنَّ الفقه نظام روحي ومدني (¬3)؛ لجمعه بين أمور الدنيا والآخرة، فالمسلمُ يُراعي فيما يصدر عنه من أفعال عاقبتها في الآخرة.
¬
(¬1) ينظر: التلويح 2: 243.
(¬2) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 1: 22 - 23، وغيرها.
(¬3) ينظر: المدخل الفقهي العام 1: 56، وغيره.
فإيجادُ المراقبة الذّاتية لكلِّ مسلم في تطبيق قانون الدَّولة هي العامل الأقوى في نجاح القوانين إلى أداء مخرجاتها الصحيحة، وهذه المراقبة تكون قوية إن كانت متعلقة بالله تعالى؛ لأنه هو مَن يرى السرّ وأخفى.
* ثانياً: الحكم الفقهي يشمل الدّستور والقانون والأنظمة والتَّعليمات:
الحكم عند الأصوليين: هو خطاب الشَّارع المتعلّق بأفعال المكلفين طلباً أو تخييراً أو وضعاً (¬1).
فالطلبُ يشمل الفرضيّة والوجوب والسُّنّة والكراهة والحرام.
والتَّخييرُ يشمل المباح.
والوضعُ يكون فيما إن تعلَّق بكون الشيء سبباً، أو شرطاً، أو مانعاً، أو صحيحاً، أو فاسداً؛ سمّي بذلك لأنه متعلّق بوضع الله تعالى وجعله.
ويقسم الحكم إلى قسمين:
1.الحكمُ الوضعي: وهو أن يكون حكماً بتعلّق شيءٍ بشيءٍ آخر: كالحكم بكون الشَّيء ركنا ً لشيءٍ، أو علّة، أو شرطاً، فإن كان المتعلّق داخلاً في الشيء، فهو الرُّكن، وإن لم يكن المتعلِّق داخلاً في الشَّيء، فهو العلَّة والسَّبب والشَّرط و العلامة.
2. الحكمُ التَّكليفيّ: وهو ما لا يكون حكماً بتعلّق شيءٍ بشيءٍ آخر، كأن يكون أثراً لفعل المكلّف: كالملك، فإنّه أثرٌ لفعل المكلَّف؛ إذ الشِّراء فعلُ المكلّف، وأَثره وحكمُه: تملّك البائع الثَّمن، وتملك المشتري المبيع (¬2)، أو يكون صفةً لفعل المكلّف: كالوجوبِ والحرمةِ، فإنّها صفات لفعل المكلَّف؛ إذ تقول: الصلاةُ واجبةٌ (¬3).
¬
(¬1) ينظر: التحرير ص215، وحاشية الأنطاكي على المرآة ص18.
(¬2) ينظر: التلويح والتنقيح والتوضيح 2: 244 - 245.
(¬3) ينظر: مسار الوصول ص
نلاحظ أنّ الحكمَ يشتمل ما يلي:
أ. الأركان والشروط والأسباب والعلل للتصرفات.
ب. آثار أفعال المكلفين الحكمية، مثل: ترتيب أثر التملك على عقد البيع، أو الحسية كالإتلاف.
ج. صفة أفعال المكلف من الحل والحرمة كحكم أخروي، والصحة والفساد كحكم دنيوي.
وهذا ينبهنا إلى شمولية الحكم وعدم الاقتصار على الحلال والحرام كما يتصوره عامة الناس، فهو شامل لجميع التصرفات والتنظيمات والترتيبات الحياتية.
وبالتالي يدخل في الحكم ما يلي:
أ. الدستور: من الرؤية لكيفية الحكم للدولة، وحفظ للحريات العامة، وإثبات الحقوق والواجبات للمواطنين وغيرها.
ب. القوانين العامة: التي تنظم سائر أمور الدولة وسلطاتها ووزاراتها ومؤسساتها المختلفة، ويحتكم إليها السلطة القضائية في الدولة.
ج. الأنظمة والتَّعليمات: التي تصدرها كلّ مؤسسة ودائرة وجامعة ومدرسة لتنظيم أمورها الدّاخلية.
هذه الأحكامُ الشرعيةُ لجميع أفعال المكلفين مصدرها الله تعالى باتفاق علماء المسلمين (¬1)، لا فرق بين أن تكون صادرةً منه مباشرةً بالنصوص التي أرسلها إلى رسله،
¬
(¬1) ينظر: التحرير ص224.
أو أن يهتدي إليها المكلَّف بواسطة الدّلائل والإمارات التي شرعها لاستنباط أحكامه (¬1).
فالحقُّ في التَّشريع لله تعالى وحده، كما في قوله (: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِين} [الأنعام:57]، فليس لأحد ـ كائناً من كان ـ أن يشرع حكماً، سواء ما يتّصل بحقوق الله أو حقوق العباد؛ لأنّ هذا افتراء على الله (، وسلب لما اختص به نفسه: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُون} [النحل:116].
ورسول الله (ـ مع علو مكانته ـ ليس له حقُّ التَّشريع وإنّما له حقُّ البيان, وعليه واجبُ التَّبليغ، قال (: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة:67]، وقال (: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُون} [النحل:64]، وقال (: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون} [النحل:44]، وهذا ما أجمع عليه المسلمون قاطبة (¬2).
وبهذا يظهر جلياً أن التشريع هو حقّ الشّارع الحكيم، فلا مشرِّع سوى الله تعالى، وما سواه تعالى إن أطلق عليه التشريع أريد به المعنى المجازي، وهو الإظهار والبيان لحكم الشّارع الحكيم؛ لذلك عُرِّفَ القياس الأصولي: إبانةُ مثل حكم أحد المذكورين مثل علّته في الآخر (¬3).
واختار الأصوليون لفظ: الإبانة دون الإثبات؛ لأنّ القياسَ مظهرٌ لا مثبتٌ؛ لأنّ
¬
(¬1) ينظر: أصول الفقه لشاكر بك ص376.
(¬2) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية1: 17 - 18.
(¬3) ينظر: ميزان الأصول 2: 794، وغيره.
المثبتَ هو الله تعالى، أمّا القياسُ ففعل القائس، وهو تبيينُ وإعلامُ أنّ حكمَ الله (كذا (¬1).
والحكم طريق تحصيله الاجتهاد، والاجتهاد يمر في مرحلتين:
الأولى: الاستنباط، وهي تطبيق قواعد الأصول للمجتهد المطلق على نصوص القرآن والسنة والآثار؛ لاستخراج القواعد الفقهية الجزئية، وهي تمثل أصول البناء للمسائل الفقهية، فهي خلاصة وزبدة ما في القرآن والسنة في موضوع ما، بحيث تكون وفقت بين الأدلة المتعددة الواردة، وأظهرت الأصل الذي بُنيت عليه أحكامها، فلا يُبنى حكمٌ على آيةٍ منفردةٍ أو حديثٍ منفردٍ إلا بالنَّظر في جميع الأدلة الواردة في الباب حتى لا يكون ترك لأدلة الشرع.
والثانية: التَّخريج، وهي استخراج الفروع من القاعدة التي بُنيت في مرحلة الاستنباط، فكلُّ ما يأتي من مسائل متوافقة مع ذلك الأصل بتوفر العلّة فيها، فإنها تأخذ نفس الحكم لها.
وهذه القواعد التي تستمد منها الفروع هي عبارةٌ عن علل وأحكام، بحيث إن توفرت العلّة التي في القاعدة في هذا الفرع المستجد أخذ حكم هذه القاعدة، والعلّةُ يُراعى في وجودها الواقع فلا يُمكن النَّظر إليها بدون الالتفات للعرف؛ لأنه هو المخبر عن وجود العلّة في الفرع الجديد، فالأحكام عندنا معلّلة لا تعبدية، فلا بد من مراعاة الواقع في عامة الأحكام.
فالقوانين والتَّعليمات ترجع لقواعد مقرَّرة في الفقه تمثل حصيلة مراد الله تعالى في تشريعاته للبشرية، وتوضيح ما أجمل ههنا في المطالب الآتية.
¬
(¬1) ينظر: شرح ابن ملك ص750، وميزان الأصول 2: 791، وغيرها.
المطلب الخامس
تقنين الكتاب والسُّنة إلى قوانين فقهية
بدأت مرحلة التّقنين الفقهيّ من عهد رسول الله (حيث ظهرت وظيفة القضاء مع بدايات الإسلام؛ لأن الإسلام جاء لإيفاء الحقوق وتنظيم النّاس، والقضاءُ أبرز الطّرق لتحقيق ذلك، فعيّن رسول الله (بعضَ القضاة في زمنه إشارة إلى رسالة الإسلام أنه دين تربية وتنظيم، وإعلاناً منه (أنّ كلّ ما يحتاج إليه الناس من أحكام في حياتهم وفضّ خصومتهم لا بدّ أن ترجع إلى حكم الله تعالى وشرعه حتى يتحقق العدل المنشود من بعث النبي (، وهذا ما أمر به القرآن الكريم في مواضع عديدة، فلم يفصل الحكم والتشريع عن التربية، بل طالبنا بالاحتكام للقوانين الفقهية العادلة التي مردها للشريعة حتى ترتقي بالبشرية، ومن ذلك:
قال تعالى: {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} [المائدة:48].
وقال تعالى: {فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين} [المائدة:42].
وقال تعالى: {فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ} [البقرة:213].
وقال تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} [النساء:58].
وقال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا} [النساء:105].
ونجد مصداق هذا في حياة النبي (كيف لبى حاجات المجتمع في كل ما يحتاجون من حكم فكان يقضي بينهم، فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «جاء رجلان مِنَ الأنصار إلى النبي (في مواريث بينهما قد دَرَستْ ـ أي: تقادمت ـ، فقال النبي (: إنَّما أنا بشر وإنكم تختصمون إليَّ، وإنَّما أقضي برأيي فيما لم يَنْزل عليَّ فيه، فمَن قضيت له بشيء من حقّ أخيه فلا يأخذه، فإنَّما أقطع له قطعةً مِنَ النار يأتي بها يوم القيامة على عنقه» (¬1).
ولم يقتصر فعل النبي (على القضاء بنفسه فحسب، بل أمر مَن كان أهلاً من كبار الصحابة (بالقيام بهذا الدور العظيم تقريراً منهم لقواعد الحكم، قال قتادة: «كان قضاة أصحاب محمد (ستة: عمر، وعلي، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وأبو موسى، وزيد بن ثابت (» (¬2).
واستمر الخلفاء الراشدون على هذه الوظيفة العظيمة من القضاء بين الناس وتعيين القضاة، قال الزهري: «ما اتخذ رسول الله (قاضياً، ولا أبو بكر، ولا عمر، حتى قال عمر ليزيد بن أخت النمر: اكفني بعض الأمور، يعني صغارها» (¬3)، معناه لم يتخذوا في المدينة قضاة؛ لأنهم كانوا يتولون القضاء بأنفسهم.
¬
(¬1) في سنن البيهقي الكبير 6: 66، 10: 260، وسنن الدارقطني 4: 238، قال ابن أمير حاج في التقرير والتحبير3: 298: «وهو حديث حسن أخرجه أبو داود ورواته رواة الصحيح إلا أسامة بن زيد, وهو مدني صدوق في حفظه شيء وأخرج له مسلم استشهاداً». وفي صحيح البخاري 2: 952، وصحيح مسلم 3: 1337، وغيرهما بلفظ: (إنَّكم تختصمون إليَّ ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً بقوله فإنَّما أقطع له قطعة مِنَ النار فلا يأخذها).
(¬2) في أخبار القضاة1: 105.
(¬3) في أخبار القضاة1: 105.
أمّا في الأمصار الأخرى فكانوا يرسلون لها القضاة، فكتب عمر (إلى أهل الكوفة: «أمّا بعد: فإنّي قد بعثت إليكم عماراً أميراً، وعبد الله ـ أي ابن مسعود ـ قاضياً ووزيراً، وإنَّهما من نجباء أصحاب رسول الله (وممّن شهد بدراً فاسمعوا لهما وأطيعوا، فقد آثرتكم بهما على نفسي» (¬1).
واستمر الأمر في تولية القضاة في بني أمية وبني العباس على هذا المنوال، ودُوِّنَ ذلك في كتب تاريخ القضاء، فمثلاً نجد كتاب «أخبار القضاة» لأبي بكر الضبي البغدادي، (ت306هـ)، ذكر ما لا يُحصى من أسماء القضاة في مكة والطّائف والمدينة والكوفة والبصرة والشّام وفلسطين وافريقيا والأندلس وحَرّان والموصل ومصر وبغداد وواسط والأهواز.
وفي هذا دلالةٌ واضحةٌ على اعتناءِ الإسلام بأمر الحكم والقضاء في كلّ البلاد التي تقع تحت حكمه، وكان حريصاً أن يكون الحكمُ بين النّاس موافقاً للشّرع العظيم حتى يتحقَّق العدل بينهم.
وكانت طريقة القضاء في المرحلة الأولى هي الاجتهاد المطلق في المئة الأولى والثانية من خلال الرجوع المباشر للقرآن والسنة باستخدام أصول الفقه للمجتهد حيث يقدر من خلالها التوصل للحكم الفقهي، وكانت أسباب الاجتهاد المطلق متيسرة لأهل هذه الطبقة، وكانت الحاجة ماسة للاجتهاد المطلق لاستخراج القوانين الفقهية من القرآن والسنة والآثار.
ففي أول الأمر كان الرجوع للقرآن والسنة فحسب، قال (: «بمَ تقضي يا معاذ؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنَّة رسوله، قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهدُ فيه برأيي، فقال رسول الله (: الحمدُ لله الذي وَفَّق رسولَ رسولِه بما يرضى به رسولُه» (¬2).
¬
(¬1) ينظر: طبقات الشيرازي ص24، وغيره.
(¬2) سبق تخريجه.
وبعده تكونت مجموعة من القوانين الفقهية من قضاء كبار الصحابة (صارت تعتمد مع القرآن والسنة، قال ابن مسعود (: «مَن عرض له منكم قضاء بعد اليوم، فليقض بما في كتاب الله، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، فليقض بما قضى به نبيه (، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه (، فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه (ولا قضى به الصالحون، فليجتهد رأيه، ولا يقول: إنّي أخاف وإنّي أخاف، فإنَّ الحلالَ بيِّن والحرامَ بيِّن، وبين ذلك أمور مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (¬1).
وعن الشعبي: «أنَّ عمر (كتب إلى شريح (إذا جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ولا يغلبنك عليه الرجال، وإذا جاءك ما ليس في كتاب الله (فانظر في سنة رسول الله (فاقض بها، فإن كان أمر ليس في كتاب الله (ولم يكن في سنة رسول الله (، فانظر ما أجمع عليه الناس فخذ به» (¬2).
وعن ابن عبّاس (: «إذا سئل عن شيء هو في كتاب الله قال به، وإذا لم يكن في كتاب الله وقاله رسول (قال به، وإن لم يكن في كتاب الله ولم يقله رسول الله (وقاله أبو بكر وعمر (قال به، وإلا اجتهد رأيه» (¬3).
وفي هذه النصوص يلاحظ عدم اقتصار القضاء على الكتاب والسنة فقط، بل اجتمع معهم قضاء غيرهم من الأوائل في عهد الصحابة (، واستمرت عملية النظر في الأدلة عشرات السنوات من قبل كبار الصّحابة والتابعين وتابعي التابعين حتى أفرزت علماً قانونياً فقهياً متكاملاً، صار هو المعول عليه في القضاء، ولا يسمح لأحد مخالفته؛
¬
(¬1) في سنن النسائي 3: 469، وقال النسائي: هذا الحديث جيدٌ، والمجتبى 8: 230.
(¬2) في الأحاديث المختارة 1: 239، وقال المقدسي: إسناده صحيح، وسنن الدارمي 1: 71، ومصنف ابن أبي شيبة 4: 543، وسنن البيهقي الكبير 10: 110، وغيرها.
(¬3) في سنن البيهقي الكبير 10: 115.
لأنه تمّ استخراجه من أهل الملكة الاجتهادية الكاملة، ولأن الإسلام انتشر في بلاد كثيرة فلا بُدّ أن يكون قضاؤه مستقراً ومحدداً، ولضعف أسباب الاجتهاد المطلق كلما بعد الزمان عن النبي (، ولأن القوانين الفقهية انتقلت من مرحلة التكوين إلى مرحلة الاستقرار والتطوير.
وهذه المرحلة بدأت بتولية أبي يوسف قاضي القضاة في زمن هارون الرشيد، وهو أول مَن دعي بذلك، فولى القضاء لتلاميذ أبي حنيفة وتلامذته، فكانوا يلتزمون بفقه مدرسة الكوفة التي جمعت علم الصحابة والتابعين وتابعيهم من علماء الكوفة في عقود متعددة، فقعدت القواعد وأصّلت الأصول وفرّعت الفروع العديدة، حتى أنتجت علماً يمكن للقضاة أن يعتمدوا عليه وللدول أن تستند إليه في أحكامها.
وما حصل في هذه المرحلة من إغلاق لباب الاجتهاد المطلق؛ لاكتمال بدره واستخراج جميع القواعد الفقهية، حيث ما بقي أصلٌ ولا قاعدةٌ ولا وجهٌ ولا قانونٌ في القرآن والسنة إلا تم استنباطه.
قال ابن المنير: «والمختار أنَّهم مجتهدون ملتزمون أن لا يحدثوا مذهباً، أمّا كونهم مجتهدين؛ فلأنَّ الأوصافَ قائمةٌ بهم، وأمّا كونهم ملتزمين أن لا يُحدثوا مذهباً؛ فلأنَّ إحداث مذهب زائد بحيث يكون لفروعه أصولٌ وقواعد مباينة لسائر قواعد المُتَقَدِّمين، فمتعذِّرُ الوجود؛ لاستيعاب المُتَقَدِّمين سائر الأساليب» (¬1).
وهذا كلام دقيق للغاية حيث استوعب أئمتنا المتقدمون في المذاهب المعتمدة جميع الوجوه المعتبرة لبناء الأحكام؛ إذ استمروا قروناً وهم يستخرجون طرقاً لها وجه في بناء الأحكام، وهذا معنى أنه لم يبق لمن بعدهم ما يستخرجون، والمقصود ليس من الفروع وإنّما من الأصول والوجوه المعتبرة لبناء الأحكام.
¬
(¬1) ينظر: التقرير والتحبير 3: 345.
قال الكيرانويّ (¬1): «وأما مسألة انقطاع الاجتهاد فمبني على الاستقراء والتتبع، وليست بمسألة شرعية ثابتة من الكتاب والسنة لا نفياً ولا إثباتاً، فالاعتراض عليها من الجهالات».
* ... * ... *
¬
(¬1) في قواعد في علم الفقه20: 72.
المطلب السادس
القوانين مصدرها القواعد الفقهية
المستفادة من القرآن والسنة
إنّ عامةَ مَن كتب من المعاصرين في السِّياسة الشَّرعية اختلط عليه الأمر في هذه المسألة، فجعل مصدر التشريعات للدول هو الكتاب والسُّنة مباشرة، وهذا أمر مخالف للإجماع؛ لأنّ الفقه صار علماً كاملاً تؤخذ منه الأحكام للأفراد والدول.
ومَن أعاد الأمر إلى أوّله فقد هدم بنيان الإسلام كاملاً، وجعله مجرد عواطف وأهواء يُفسِّرُ كلٌّ فيها الكتاب والسُّنة كيفما أراد؛ لعدم القدرة على الاجتهاد المطلق؛ لأنّ شرطه لمن يريد فعله أن يُكوِّن أصولاً للفقه؛ لأنها الأدوات لاستخراج الأحكام من القرآن والسُّنة، فمَن لم يَملك الأداة كيف له أن يستنبط، ولم نر منذ قرونٍ عديدةٍ مَن أتى بأصول استنباطٍ مختلفةٍ عما قرَّرته المذاهبُ الفقهيّة.
ولما كانت هذه المسألةُ جليةً وواضحةً في كلِّ تاريخ الإسلام اعتمدت دول الإسلام المتعاقبة في قوانينها على المذاهب الفقهية واستقرَّ أمرها فبنت أعظم حضارات الإنسانية.
وفي هذا الزمان اشتبه الأمر على المسلمين فوقعوا فيما وقعوا فيه من التيه والضياع، وإيضاحاً لهذه المسألة، ووضعاً للأمور في نصابها بعد كثرة الغلط والشغب فيها، فلنعرضها في نقاط تيسر فهمها على النحو الآتي:
الأولى: إن إغلاقَ باب الاجتهاد بمعنى إيقاف استخراج الأحكام الشرعية، لم يقل به أئمتنا وفقهاؤنا السابقون؛ لأنهم استمروا في استنباط الأحكام وتخريجها على مدار القرون، بدليل أن الفقه كان هو الحاكم في حياتهم الشخصية والقضائية والدولية، فقوانين الدول الإسلامية المتعاقبة كانت مأخوذة منه، ومع ذلك لم نقف منهم على شكوى من تقصير الفقه والفقهاء في إيفاء حاجاتهم؛ إذ العلماءُ كانوا يبيِّنون ويستخرجون من الأحكام ما يسدّ حاجة مجتمعاتهم.
وإن كتب الفتاوى والمطولات الفقهية لأكبر دليل على أن بابَ الاجتهاد لم يغلق؛ لأننا نجد فيها من المسائل الجديدة المستنبطة ما لا يعد ولا يحصى في كلّ عصر وزمان.
فمعنى سدّ باب الاجتهاد هو سدُّ باب التلاعب في الشريعة لموافقة الأهواء والملذات، وتلبيةً للرغبات والجاه والسلطان، والذي يقوم على البدء من جديد باستنباط الأحكام من الكتاب والسنة، وعدم الاستفادة ممَّا فعله أئمة الدين في استخراج التفريع والتأصيل والتقعيد.
قال الأذرعي: «الوجه سدّ هذا الباب في هذا الزمان إذ لو فتح لأدى إلى مفاسد لا تحصى فالصواب سد الباب, وإسدال الحجاب وفطم الجهال عن هذا المحال» (¬1).
فكلّ مُتكبِّر متعجرف قرأ كتاباً أو كتابين يدَّعي أنه أهل للرجوع للكتاب والسنة، وبناء الأحكام عليها، فيأتي بالعجب العُجاب ممَّا يتوافق مع هواه، ويحقِّقُ مصلحته في التملّق، ممّا حدا بعلمائنا أن يقولوا بسدِّ هذا الباب من التلاعب في الشريعة حفظاً لكتاب الله (وسنة النبي (.
ثم الاستعاضة عنه بآلية جديدة في الاجتهاد مبنية على اجتهاد أئمة الدين، ومضبوطة بقيود تمنع مَن يلجها أن يتلاعب بالأحكام، وذلك بفتح باب الاجتهاد
¬
(¬1) ينظر: فتاوى الرملي4: 123.
بالتخريج من خلال أصول الأئمة وقواعدهم وفروعهم.
وما نراه في زماننا من التلاعب الكبير في شرع الله (فهو بسبب فتح هذا الباب، حتى تطاول على دين الله (العوام وصغار الطلبة، وغدونا نسمع ونرى ونقرأ كلّ يوم من الفتاوى لا سيما على الفضائيات ما يقشعر به البدن، ولا حَلّ للخروج من هذه الورطة الظلماء إلا بالالتزام والتقيّد بطريق سلفنا وخلفنا في الاجتهاد والفتوى.
الثانية: إنّ الأدقَّ في فهم الطور السابق هو اعتباره مرحلةً اختفى فيها ظهور أئمة مجتهدين مستقلين، معترف لهم بذلك من الرَّأي الفقهي العام، ويبدأ هذا الطَّور بنهاية طور الاجتهاد المستقل، وما زال إلى يومنا هذا (¬1).
وكانت بدايته بعدَ المئتين؛ إذ ظهر لكلّ مذهب رجاله المعينون بتقعيد المذهب وتأصيله (¬2)، وكان من علماء القرن الرابع والخامس مَن يجتهد في القرآن والسنة في مسائل نادرة؛ لمخالفتهم لأئمة مذاهبهم في بعض الأصول فنتج عنها مخالفة في بعض الفروع، وهذا يسير جداً، وهذه هي طبقة المجتهد المنتسب.
ففي المئتين الأوليين كان الاجتهاد مطلقاً والاعتماد فيه على القرآن والسنة كاملاً، فلما تحصّلت مجموعةٌ كبيرةٌ من القواعد والقوانين الفقهية انتقل إلى مرحلة التتميم من الكتاب والسنة وكانت في المئة الثالثة والرابعة، فاستخلص فيها ما تبقى من وجوه يمكن الاستفادة منها من الكتاب والسنة.
وفي القرن الخامس ظهرت طبقة المجتهد في المذهب التي تعتمد اعتماداً كاملاً في كلّ أحكامها على القواعد الفقهية، فصارت جميع حاجات القضاء وقوانين الدول تستمد بهذه الطريقة.
¬
(¬1) ينظر الموسوعة الفقهية المصرية1: 37.
(¬2) ينظر: الإنصاف ص70.
قال اللَّكنوي (¬1): «ولم يدَّع الاجتهاد غير المنتسب بعد الأئمة الأربعة إلا الإمام محمَّد بن جرير الطّبريّ، ولم يُسلَّم له ذلك».
الثالثة: ظهور مرحلة التخريج على يد المجتهدين في المذهب، فبعد أن قام الأئمة المجتهدون المستقلون بدورهم من استنباط الأصول والقواعد للأبواب الفقهية المتعددة من الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين (بجمع كافة الأدلة في كل باب وسبرها وعرضها على أصول الفقه للمجتهد.
وهم بذلك قطعوا لمَن بعدهم شوطاً كبيراً في تأصيل الأصول واستنباط القواعد للأحكام، صار علماء المذهب يعتمدون على هذه الأصول والقواعد في تخريج المسائل والمستجدات، فيبدأ من حيث انتهى أئمة المذهب الأوائل؛ لعدم الحاجة إلى تضييع جهد واجتهاد هؤلاء الأئمة الكبار.
ووصف الدِّهلوي أصحاب هذه الطبقة، فقال (¬2): «قومٌ توجهوا بعد المسائل المجمع عليها بين المسلمين أو بين جمهورهم إلى التخريج على أَصل رجلٍ من المتقدمين، وكان أكثرُ أمرهم حمل النظير على النظير، والردّ إلى أصلٍ من الأصول دون تتبع الأحاديث والآثار».
ومصدر الاجتهاد عندهم هو: «ما نقل إليهم من كلام أئمة المذهب الذين يقلِّدون أهله» (¬3)؛ إذ أن مجتهد المذهب: هو المتمكِّنُ من تخريج الوجوه على نصوص إمامه في المسائل، كما نصَّ عليه علماء الأصول كزكريا الأنصاري (¬4)، والجلال المحلي (¬5)، والمناوي (¬6).
¬
(¬1) في النافع الكبير ص14 عن الميزان.
(¬2) في الإنصاف ص93.
(¬3) ينظر: الموسوعة المصرية1: 38، وغيره.
(¬4) في غاية الوصول ص165.
(¬5) في شرحه على جمع الجوامع2: 425.
(¬6) في التوقيف ص251.
فعمله في استخرج الأحكام والقوانين من فروع وقواعد إمامه كعمل المجتهد المستقل في استباط هذه الأحكام من نصوص الشرع، وهذا محلّ اتفاق عند علماء المذاهب الأربعة كالنووي (¬1) والمرادي (¬2) وابن بدران (¬3) وغيرهم إذ قالوا: «يتخذ نصوص إمامه أصولاً يستنبط منها كفعل المستقلّ بنصوص الشرع».
وأوضح ذلك ابن حمدان فقال: «وأما المجتهد في مذهب إمامه: فنظره في بعض نصوص إمامه وتقريرها، والتصرف فيها كاجتهاد إمامه في نصوص الكتاب والسنة» (¬4).
وإن اعترض عليهم بأن أقوال الأئمة غير معصومة فكيف تنزل منزلة الوحيين المعصومين؛ لأن ما روي عن الإمام صاحِب المذهب ليس قرآناً، ولا أحاديث صحيحة، فكيف تستَنبَطُ الأحكام منه؟
ويجاب بما يلي:
1.أنه كلام أئمةٍ مجتهدين عالمين بقواعد الشريعة والعربية، مبينين للأحكامِ الشرعية، فمدلول كلامهم حجَّة على من قلدهم، منطوقاً كان أو مفهوماً، صريحاً كان أو إشارة، فكلامهم بالنسبة له كالقرآن والحديث بالنسبة لجميع المجتهدين، وله فضل عظيم لا يستطيع أحد إنكاره، وهو أنه فتح باباً واسعاً لتطور الفقه، ومسايرته لأحداث الحياة (¬5).
¬
(¬1) في المجموع1: 76.
(¬2) في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف12: 260.
(¬3) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص376.
(¬4) ينظر: شرح الكوكب المنير ص605.
(¬5) ينظر: الموسوعة الفقهية المصرية 1: 20.