الجزء 1 · صفحة 7
غاية البيان ونادرة الزمان شرح الهداية
للإمام القاضي الفَقِيه الأُصُولِي النَّظَارِ أَبِي حَنِيفَة قوام الدين أمير كاتب بن أَمِير عُمَر الأَنْقَانِي الفَارَابِي الحَنَفِي
توفي سنة (758) هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
كِتَابُ الطَّهَارَاتِ - فَضَلُ في القِرَاءَةِ (الصَّلَاة)
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهُمَّ افْتَحْ بِخَيْرٍ وَاخْتِمْ بِخَيْرٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بسم الله الرحمن الرحيم
[ربّ يسر بخير يا گريم]
رَبِّ توكَّلْتُ عليك، وفوَّضْتُ أَمْرِي إليك، فأَنتَ حَسْبِي وَنِعْمَ المُعِين
الحَمْدُ لله الذي الْهَمَنا طريقَ الهِدَايَةِ، ومنهج الدراية، والصَّلاة والسلام عَلى أَفضلِ الرُّسُلِ، الهادِي إِلى السُّبُلِ، مُحَمَّدٍ الهاشِمِي خَيْرِ الخَلائِقِ، وآله وصَحْبِه تاركي العلائِقِ والعوائق، وأزواجه أمّهاتِ المُؤْمِنينَ، ومُحِبيه أجمعينَ، ما تَقابَلَ اليَمِينُ والشِّمَالُ، وتَنَاوَحَ الجَنُوبُ والشَّمَالُ.
أما بعد:
يَقُولُ الفتى الفقيرُ إِلى الله الكَبِير: أمير كاتب بن أمير عُمَر العَمِيد المَدْعو بِقِوَامِ الأَتقانِيِّ الفَارَابِيِّ، قَضَى الله مُنَاهِ، وَجَعَلَ فِي قَلْبِهِ عِنَاه:
لَمَّا رَزَقَنِي المَلِكُ العلَّامُ، حَجَّةَ الإِسْلامِ، بِقَافِلَةِ العِراقِ مِن مَدينةِ السَّلامِ، سنة عشرين وسبعمائة؛ وقعْتُ في ديارِ مِصرَ نصْفَ المُحَرَّمِ فِي السَّنةِ الحَادِيةِ والعِشْرِينَ والسَّبْع مئة من الهجرة النبوية، فالتمَسَ منِّي مَنْ في قلبه صفاء، وفي عَهْدِهِ وَفَاء، الَّذي كَانَ تعصُّبُه لِلمُذْهَبِ الحَنَفِيَّ، والدِّينِ الحَنِيفِيِّ، أَنْ أَشْرَحَ كتاب: «الهِدَايَة في شرح البِدَايَة».
فقُلتُ: «النهاية» لكُم كافِيةٌ، ومَسائِلُها وافِيةٌ.
قال: ليس فيها إِلَّا المَنقولُ المَحْضُ عَن السَّلَفِ، والمَعْلُولُ عِندَ الخَلَفِ.
فقُلْتُ: أنا مِن جُملة الصغارِ، و «الهِدَايَةُ» كتاب الكبار.
كِتَابُ الهِدَايَةِ دُرِّ أَنيق * وبَحْرٌ عَمِيقٌ بِلَا سَاحِلِ
دقيقُ المَعَانِي، وَثِيقُ المَبَانِي * وَفِيها أمَانِي حِجَى العاقل
قَالَ: إِنَّا عَرَفْنا حالك، إذ شاهَدْنا قِيلَكَ وقالك، في شرْحِكَ للأُصولِ، مِن الجَوابِ والسؤال.
شِنْشِئَةٌ أَعْرِفُها من أَخْزَم
فبعد ذلك أجَبْتُ السُّؤَالَ، وجُبْتُ المَقالَ، فَشَرَعْتُ فِي الشَّرْحِ حِينَ جاوزتُ الثَّلاثِينَ بِعَقْدِ المِنْصَرِ، مَعَ رَفْعِي الوسطى والخِنْصِرَ، مُستعينًا بِاللَّهِ العَلِيِّ، الكافي القوي، بشَرْطِ أَنْ أَحُلَّ مُشْكِلاتِ الهِدَايَة» لفظًا وَمَعْنَى، وتقدير السؤالاتِ، وتقْرِيرِ الجَوَابَاتِ.
وأُورِدُ الأَسْوِلَة والأجُوبَةَ، كما ترتضِيهِ الأَحِبَّةُ، وَأُبَيِّنُ مَزَلَّ أَقْدَامِ الشَّارِحِينَ، وموْقِفَ أقلام المُقلّدينَ، فَسَمَّيتُه: غايَة البَيَان نادِرَة الزَّمان في آخِرِ الأوان، والله المُسْتَعانُ، وَعَلَيْهِ التَّكْلَانُ.
ثمَّ إِنَّ رِوَايَةً هذا الكِتابِ بَلَغَتْنِي بِخَمْسٍ طُرُقٍ، منها: كما أَخْبَرَني به سيّدي ومَلْجَنِي، فقيه الفقهاء، سَيِّدُ العُلماءِ، مَنْبَعُ الزُّهْدِ والتَّقْوَى، مَعْدِنُ الفِقه والفَتوَى المُفْلِقُ الَّذي لَمْ يَشُقّ أَحدٌ غُبَارَ تحقيقه، ولَمْ يَعْبُرُ بحار تدقيقه، صاحِبُ الكَراماتِ العَلِيَّةِ والمَقاماتِ السَّنِيَّةِ، مَفْخَر المُسلمينَ، بُرْهانُ الحقِّ والدِّينِ: أَحمدُ بنُ أَسْعد بن مُحَمَّدٍ الخُرِيفَغْنِي البُخَارِي قدَّسَ اللهُ رُوحَه عَن شَيْخَيْهِ العَلامَتَيْنِ الغايَتَيْنِ في البَيَان، الْآيَتَيْنِ عَلَى حَقيَّةِ مَذْهَبِ النُّعمانِ: حَمِيدِ الدِّينِ الضَّرِيرِ عَلِيّ بْن مُحَمَّدِ بْنِ عَلِي الرَّامِيتَنِي البخاري، وحافِظِ الدِّينِ الكَبِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بنِ نَصِرٍ البُخَارِي:
عن شيخهما العلامةِ المُتَّقِنِ المُتفنِّنِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ السّتّارِ بْنِ محمد العماري الكَرْدَرِي، عَن شَيخ الإسْلامِ صاحِبِ «الهِدَايَة» بُرْهانِ الدِّينِ
الجزء 1 · صفحة 9
الحمد لله
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عَلِيِّ بنِ أَبي بَكْرِ بْنِ عَبدِ الجَلِيلِ الرِّشْدَانِيِّ المَرْغِينَانِي رضي عنهم أجمعين، واللهُ حَسْبِي وَنِعْمَ المُعِينُ.
قوله: (الحَمْدُ لله).
اعْلَمْ أَنَّ كَلامَنا هنا يَقَعُ فِي أَرْبعِ مَقَامَاتٍ:
الأَوَّلُ: في اللام.
والثاني: في الحَمْدِ.
والثالث: في اسمِ اللهِ.
والرابع: في إضافةِ الحَمْدِ إِلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى.
أمَّا الأَوَّلُ: فهو أنَّ اللّامَ موضوعةٌ لِلتَّعْرِيفِ، إِمَّا لَتَعْرِيفِ الجِنْسِ، وإمَّا لتَعْرِيفِ العَهْدِ، ثمَّ اخْتَلَفُوا إِذا دخلَتْ عَلَى المفردِ أَو عَلَى الجَمْعِ.
فَقالَ عَامَّةُ أَهلِ الأُصولِ والعَربيَّةِ: تُفِيدُ الاسْتِغْراقَ فِيهِما جَمِيعًا إِلَّا إِذَا كَانَ معهودا.
وعَن أَبي علي الفَسَوِيّ: أنَّه لِمُطْلَقِ الجنس فيهما؛ لا للاستغراق، وهو أحد قوْلَي أبي هاشم مِن المُعْتَزِلَةِ، وقوله الآخر: أَنَّهُ فِي الفَرْدِ: لِمُطْلَقِ الجنسِ، وفي الجَمْعِ: لَمُطْلَقِ الجَمْعِ؛ لا لِلاسْتِغْراقِ إِلَّا بِدَلِيلِ آخَرَ.
وقول صاحِبِ «المُعتمد» في المفردِ كذلك، وفي الجَمْعِ: لِلاسْتِغْراقِ إِلَّا بدليل.
وعَن بَعض أهل المعاني والبَيانِ: أَنَّه عَلَى ثَلاثَةِ أَوْجه:
إما أن يكونَ لِلاسْتِغْراقِ، وإمَّا لتعريف الماهِيَّةِ، وإما لتعريف العَهْدِ.
فالأول: كقوله تعالى: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا)، وقوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا} [النحل: ?].
والثاني: كقولك: الرَّجلُ خَيْرٌ مِنَ المَرْأَةِ، والفَرَسُ أَعْدَى مِنَ الحِمَارِ، وأهْلكَ النَّاسَ الدرهم والدينار.
والثالثُ: كالثاني إِذا كَانَ ثَمَّ مَعْهُودٌ، فافهم.
فَعَنْ هَذا: نشَأُ الخِلافُ فِي مَعنَى الحَمْد.
فقالتِ العامَّةُ: جميع المحامِدِ للهِ تعالى؛ لأَنَّ اللَّامَ لِلاسْتِغْراقِ عِندَهُم. وقالت المُعْتَزِلَةُ: ما يعرفُه كلُّ أحدٍ مِن الحَمْدِ بحسب الاسْمِ؛ فهو اللهِ تَعَالَى؛ لأنَّ اللَّامَ عِندَهُم لِمطْلَقِ الجِنسِ.
وما قيلَ: إنَّ هذه المَسْأَلَةَ بناء عَلَى مَسْأَلَةِ خَلْقِ الأَفْعَالِ؛ فَفِيهِ نَظَرٌ عِندِي؛ لأنَّ هذه المسألةَ ابتدائيّةٌ؛ لِلخِلافِ الواقِعِ في مَعنَى اللَّامِ؛ لا بِنائيّة عَلَى الخِلافِ في خَلْقِ الأَفْعَالِ.
وعِندي لِلقَصْدِ إِلَى العَهْدِ مِن الحَمْدِ مَسَاعٌ؛ بأنْ يُرَادَ مِنْه ذاك الحَمْدُ المَذْكُورُ في الفَاتِحَةِ، على معنى أنَّ ما أرادَ الله تعالى مِن الحَمْدِ في الفَاتِحَةِ هو الله لا وأما المقامُ الثَّانِي: فهو أنَّ الحَمْدَ: هو الوَصْفُ بِالجَمِيلِ عَلَى جِهَةِ التَّفضِيلِ. والقَيْدَانِ: احْتُرِزَ بِهِما عن القبيح والاستهزاء.
واختيار الحَمْدِ دونَ المَدْحِ لاقتضاء الأوَّلِ سابقةَ الإِحْسَانِ جَزْمًا دونَ الثَّانِي.
وإيثار الحَمْدِ عَلى الشُّكْرِ؛ لِكوْنِهِ أدلَّ في إظهارِ الثَّنَاءِ؛ لاخْتِصاصِه بِالنِّسَانِ دونَ الشُّكْرِ، فإنَّ فِيهِ خَفاءً واحتمالا؛ لكونه واقعا بالاعتقادِ والجَوارحِ أيضًا.
وزيادة البَيَانِ في كتابنا الموسوم بـ: «التبيين».
وإِنَّما قِيلَ بالرَّفْعِ دونَ النَّصْبِ؛ لإرادةِ الدَّوامِ والقُبوتِ، كما في سَلَمُ عَلَيْكَ} [مريم: (47)]، أو للاقتداء بكتاب الله تعالى.
وأَمَّا المقامُ الثَّالِثُ: فهو أَنَّ اسْمَ اللَّهِ هَل هُو مُسْتَقٌ أَمْ لا؟
قَالَ الخَلِيلُ ومَنْ تابَعَه: إِنَّه غَيْرُ مُشْتَقٌ، وهو الأَصحُ؛ لاستِلْرَامِ الاشْتِقاقِ أَن تَكُونَ الذَّاتُ بِلا موصوف؛ لأنَّ سائِرَ الأَسَامِي المُشْتَقَةِ صِفاتٌ، وَهَذَا إِذَا كَانَ مُشْتَقًا يَلزمُ أَنْ يكونَ صِفةٌ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ مُشْتَقٌ مِن (أَلِهَ)، إِذا فَزِعَ أَوْ تَحَيَّرَ
الجزء 1 · صفحة 10
الَّذِي أَعْلَى مَعَالِمَ العِلْمِ وَأَعْلَامَهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أوْ سَكَنَ.
وَقِيلَ: مِن (أَلَه)، أَيْ: عَبَدَ.
وَقِيلَ: مِن (وَلِهَ)، أي: طَرِبَ، بإبدال الواوِ همزة.
وَقِيلَ: مِن (لَاه، يليه)، أي: ارتفعَ، أو احتجبَ، بمعنى: أنه استنار، كأَنَّه مقْلوبُ: لَاه.
فَبمجموع الأقاويل: هو المَعْبودُ المَفْزَعُ المُرْتَفِعُ عَنِ الأَوْهَامِ، المُحْتَجِبُ عَنِ الأنْهامِ، الظّاهِر بِالأَعْلامِ، الَّذِي تَحيَّرَتْ فِي صِفاتِه الأحلام، وسَكنَتْ في عِبادَتِه الأجسام، وطَرِبَتْ إِلَيْهِ قُلُوبُ الأَنامِ.
وأما المقامُ الرّابعُ: فهُو أَنَّ إِضافةَ الحَمْدِ إِلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِمَا أَنَّهَ اسْمُ للذاتِ المُسْتجْمعُ لِجميعِ صِفاتِ الكمال، بِخِلَافِ سائِرِ الأَسامِي؛ لأنَّ كُلَّا منها يدلُّ على صفةٍ دونَ صفَةٍ، فصارَ هُو أَوْلَى بِاسْتِحْقاقِ إِضافةِ الحَمْدِ مِن سَائِرِ الأسامي.
قولُهُ: (أَعْلَى مَعَالِمَ العِلْمِ وَأَعْلَامَهُ).
والمَعالِمُ مَواضِعُ أخْذِ العِلْمِ، وهو النُّصُوصُ مِن الكِتابِ والسُّنَّةِ، وَلا شَكٍّ أَنَّ دَرَجاتِها مَرْفوعةٌ؛ لوجوبِ اتَّبَاعِ النُّصُوصِ؛ لِقولِه تَعَالَى: {وَمَا آتَنكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}.
المُرَادُ مِن الأَعْلامِ: أَسبابُ الأَحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ وشُروطِهَا؛ لأَنَّهَا أَمَارَاتٌ عَلَى الإيجاب الإلهي؛ تيسيرًا عَلى العِبادِ، حَيْثُ كَانَ عَيْبًا لا يُطَّلَعُ عَليْه، وهيَ كَ كَالوقْتِ لِلصَّلاةِ، ومِلْكِ النَّصَابِ النّامِي المُغْنِي لِلزَّكَاةِ، وشهودِ الشهرِ لِلصَّوْمِ، والبيتِ لِلحَجِّ، والطَّهَارَةِ لِلصَّلاةِ، إلى غَيْرِ ذلِك.
ورَفْعُ دَرَجَاتِ هَذِهِ الأَسْبابِ وَالشُّرُوطِ، وشَرَفُها: ظاهرُ؛ لأنَّ النَّجاةَ في العقبى والسعادة فيها تحصلُ بِها؛ لكونها مُفْضِيةٌ إلى [(4) / (1) و/م] أحكامها التي فيها رضا الله تعالى.
ويجوز أَنْ يُرادَ مِنَ الأَعْلامِ: العُلماءُ؛ استعارةٌ لهُم عَن الجِبالِ؛ لِشبههم بها مِن حَيْثُ الصَّلابَةُ والعِظَمُ.
والعَلَمُ: هو الجَبَلُ.
ورَفْعُ العُلماء: ظاهِرُ أيضاً؛ لقوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العلم دَرَجَتِ}، ولأنَّه تَعالى أَشْهَدَهُم عَلَى وَحْدانِيَّتِه، وقرَنَهُم بالملائكة بقوله تعالى: {شَهِدَ الله أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَئكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ) [آل عمران: ??]. وأيُّ رِفْعَةٍ أَعظمُ مِن هذا؟
وعن عيسى - صلوات الله عليه -: (مَنْ عَلِمَ وعَمِلَ، فَاسْمُه فِي المَلَكُوتِ الأَعْظَمِ: عَظِيمٌ».
ثمَّ اعْلَمْ أَنَّ عُلماءَ المَعانِي يَعُدُّونَ الاشتقاق وما يُشْبِهُ الاشتقاق وليسَ بِه: من محاسنِ النَّظْمِ، فقولُ صاحب (الهِدَايَة»: (أَعْلَى)، معَ (أَعْلَامه) مِن قَبِيل الثاني، وكلُّ واحدٍ مِنَ المَعالِمِ والعِلْمِ والأَعْلَامِ بِالْآخَرَيْنِ مِن قَبِيلِ الْأَوَّلِ.
نَظِيرُ الأَوَّلِ مِن كَلامِ رَبِّ العِزَّة: {يَمْحَقُ الله الرِّبوا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: (276)].
ونَظيرُ الثَّانِي مِنْه: {وَجَفَ الجَنَّتَيْنِ دَانِ} [الرحمن: (54)].
ثمَّ اعْلَمْ أَنَّ العِلْمَ ما هو؟ وهَل يَجوزُ تَعْرِيفُه؟
قَالَ بَعضُهُم: إِنَّه غَنِيٌّ عَنِ التَّعْرِيفِ، منْهُم: الغَزالي، وفخر الدِّينِ الرَّازِي؛ لأنَّ غَيْرَ العِلْمِ يُعْلَمُ بِهِ، فَلَو عُرِّفَ بِغَيْرِهِ يَلزَمُ الدَّوْرُ.
الجزء 1 · صفحة 11
وَأَظْهَرَ شَعَائِرَ الشَّرْعِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وجَوابُه: لَا نُسَلِّمُ الدَّوْرَ؛ لأنَّ جهةَ تَوقُفِ غَيرِ العِلْمِ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ إِنَّهُ إِدْرَاكٌ لَه، وتوقفه عَلى غَيرِه لا مِن جِهَةِ أَنَّ ذلِك الغَيْرَ إِدْرَاكٌ لَّهُ، بَل مِن جِهَةِ أَنَّهُ صِفةٌ مُميّزة له عما سواه.
وَقِيلَ: كل أحدٍ يَعْلَمُ [(4) / (1) ظ/] وُجودَ نَفْسِه بِالضّرورةِ، فَجُزْءُ الضَّروري ضَروري؛ لأنَّ العِلْمَ مِنْ حَيْثُ هُو: جُزْءُ هَذَا العِلْمِ.
وجوابه: لَا نُسَلِّمُ، وهذا إنَّما يلزمُ إِذا كانَتْ تَصوراتُ القَضيَّةِ الضَّروريَّةِ ضرورية؛ لأنَّه يجوز أَن يَكُونَ نظرية.
وقالَ بَعضُهُم يَجوزُ تَعْريفُه، وبَيْنَهُمُ اختِلافُ كَثِيرٌ لا يَحْتَمِلُ كِتابُنَا هَذَا بَيَانَه.
وأصح ما قِيلَ مِن تَعْرِيفِه: ما قَالَ الشَّيخُ أَبو منصورٍ المَاتُرِيدِيُّ: العِلْمُ صِفةٌ يتجلّى بِهَا المَذْكُورُ لِمَنْ قامَتْ هِي بِهِ.
قوله: (وَأَظْهَرَ شَعَائِرَ الشَّرْعِ، أَيْ: عَلامتِه، جَمْعُ شَعِيرةٍ، وهِي كلّ ما جُعِلَ عَلَمًا لِطاعةِ الله، وفي معناها: الشعار.
وَقِيلَ: المُرَادُ مِنْهَا مَا كَانَ أَداؤُه عَلَى سَبيلِ الشُّهَرَةِ، كَأَداءِ الصَّلَاةِ بِالجَمَاعَةِ، وصَلاةِ الجُمُعَةِ، والعِيدَيْنِ، والأذانِ، وغَيْرِ ذلِكَ ممَّا فِيهِ اشْتِهارٌ.
الجزء 1 · صفحة 12
وَأَحْكَامَهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقَالَ الزَّجَّاجُ في تَفْسِيرِ قولِه تَعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائرِ الله) [البقرة: (158)]: «أي: أنه من مُتعبّداتِه، وواحِدةُ الشَّعَائِرِ: شَعِيرةٌ، والشَّعَائِرُ: كلُّ ما كَانَ مِن مَوْقِفٍ، أو سعى، أو ذَبْح، وإنّما قِيلَ شَعَائِرُ لِكُلِّ عَلَمٍ مِمَّا تُعُبُدَ بِهِ؛ لأَنَّ معنى قَوْلِهِمْ: شَعَرْتُ بِه؛ أي: عَملتُهُ، فلهذا سُمِّيَتِ الأَعْلامُ الَّتِي هِي مُتَعَبَّداتُ اللهِ تعالى: شَعَائِر». إِلَى هُنا لفْظُ الزَّجَاجِ.
والشَّرْعُ هُنا: بمعنى المَشْرُوعِ؛ [(3) / (1)] للمناسبةِ وَالإِضَافَةِ، مِن قَبِيلِ: ثَوْبُ خَزَّ، وخاتم فضة.
لا يُقَالُ: كيفَ تَكُونُ الإِضَافَةُ مِن هذا القبيل والقوبُ هُوَ الخَزُّ، والخَاتَمُ هُوَ الفِضَّةُ، فكذا كُلُّ إضافة [(1) /هوام] بمعنى: مِن، وليسَتِ الشَّعَائِرُ هِي الشَّرْعُ؟
لِأَنَّا نَقُولُ: إِنَّ شَعَائِرَ الشَّرْع هُو المَشْرُوعُ، إلَّا أَنَّهَا قبلَ الإِضَافَةِ كَانَتْ تَحْتَمِلُ أَن تَكُونَ شَعَائِرَ غَيرِ الشَّرْعِ؛ كَالقَوْبِ والخَاتَمِ قَبلَ الإِضَافَةِ، فَانْقِطَعَ الِاحْتِمَالُ بالبيان فيها، كما انقطع فيهما.
قوله: (وَأَحْكامَه).
هيَ جَمْعُ الحُكْمِ، وهو الأثرُ الثَّابِتُ بِالشَّيء في اصْطِلاحِ أَهلِ الأُصولِ، وذلك نحو: الحِلَّ والحَرْمةِ والجَوانِ والفَسَادِ.
وَلَا يُقَالُ: الحُكْمُ صفةٌ قائِمَةٌ بِذاتِه تَعالى أزَلَّا وَأَبَدًا، فَكيفَ يَجوزُ أَن تُسمَّى
الجزء 1 · صفحة 13
وَبَعَثَ رُسُلًا وَأَنْبِيَاءَ - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - إِلَى سَبِيلِ الحَقِّ هَادِينَ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هذه الأشياء وما شاكلها أحكاماً؟ وكيفَ يحتمل الظهور ما كان قائما بذاتِهِ تَعَالَى وهُو غَيْبٌ عنَّا؟
لِأَنَّا نَقُولُ: المُرَادُ منه المَحْكُومُ مَجَازًا، أَوْ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (وَبَعَثَ رُسُلًا وَأَنْبِيَاءَ).
والفرْقُ بَيْنَهُما: أَنَّ الرَّسُولَ مَن بُعِثَ لِتبليغ الوَحْيِ ومَعَه كِتابٌ، والنَّبيُّ: مَن بعِثَ لتبليغ الوَحْيِ مُطلقا، سواءٌ كَانَ بِكتابٍ، أَو بِلا كِتَابٍ؛ كَيُوشَع، فَكَانَ النَّبِيُّ أَعمَّ مِنَ الرَّسُولِ.
ثُمَّ صاحِبُ الهِدَايَةِ» لَمْ يُصَلِّ عَلى نبيِّنا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم قَصْدًا، بَلِ اكْتَفَى بِالصَّلاة عَلى الأَنْبِيَاءِ فِي ضِمْنِ التَّحميدِ، حَيْثُ قَالَ: (الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْلَى مَعَالِمَ العِلْمِ)، وعطف عليه قوله: (وَبَعَثَ رُسُلًا وَأَنْبِيَاءَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -).
وكَانَ يَنبَغِي أَنْ يُصلِّيَ على مُحَمَّدٍ قصدا بذِكْرِ اسمِه وصِفاتِه؛ لأنَّ اللهَ تعالى قد رفَعَ ذِكْرَه، قَالَ اللهُ تعالى: {وَرَفَعْنَا [(5) / (1) ظام] لَكَ ذكرك} [الشرح: 4].
والغالِبُ أَنَّه سَهَا، ولِكُلِّ جَوَادٍ كَبْوَةٌ، ولِكُلِّ عَالِمٍ هَفْوة.
وقوله: (هَادِينَ) صفةٌ لأنبياء، كدَاعِينَ صفةٌ لعُلماء.
الجزء 1 · صفحة 14
وأَخْلَفَهُمْ عُلَمَاءَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَالَ بَعضُ الشَّارِحِينَ: «هَدَاهُ الطَّرِيقَ: اذْهَبَه إِلى المَقْصدِ، وذلك لا يتحقَّقُ إِلَّا مِنَ اللهِ تعالى، وهدَاهُ إِلى الطَّرِيقِ أعلَمه أنَّ الطَّرِيقَ فِي نَاحِيَةِ كَذا، وهِي وظيفةُ الرَّسُولِ، وهدَاهُ لِلطَّريق: ذهبَ بِه وأَوْصَلَه إِلى رَأْسِ الطَّرِيقِ».
وفيه نَظَر؛ لأنَّ صاحِبَ الصَّحَاح» قَالَ: «هَدَيْتُهُ الطَّرِيقَ والبيت؛ أي: عرفته.
ثمَّ قَالَ: «هَذِهِ لُغَةٌ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَغَيْرُهُمْ يَقُولُ: هَدَيْتُه إِلَى الطَّرِيقِ، وَإِلَى الدار.
وقال في «الغَرِيبَيْنِ»: «يُقَالُ: هَدَيْتُه كَذا، وهَدَيْتُه لِكذا، وهَدَيْتُه إِلى كَذَا.
فعلِمَ: أَنَّ الفَرْقَ غَيْرُ صَحيح؛ لعُدْمِهِ فِي سَائِرِ قَوَانِينِ اللُّغَةِ.
قوله: (وأَخْلَفَهُمْ عُلَمَاءَ)، مِن قَولهم: أَخلفْتُ الثَّوبَ: أَصْلَحْتُه، وجَعَلْتُ موضعَ الخُلْقَانِ خُلْقَانًا.
الجزء 1 · صفحة 15
إلَى سَنَنِ سُنَنِهِمْ دَاعِينَ، يَسْلُكُونَ فِيمَا لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُمْ مَسْلَكَ الِاجْتِهَادِ، مُسْتَرْشِدِينَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ وَلِيُّ الْإِرْشَادِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَعْنِي: جَعَلَ اللهُ مَواضِعَ الأَنْبِيَاءِ: عُلَماء يدْعُونَ إِلَى دِينِهِ، ويَهْدُونَ إِلَى شريعته.
قوله: (إِلَى سَنَنِ سُنَنِهِمْ).
السَّنَنُ بفتحتَيْنِ: وسَطُ الطَّرِيقِ، ويُسمَّى مِثْلُ هذا: تَجْنِيسًا مُخْتَلِفًا، وهُو من أنواعِ مَحاسِنِ النَّظْمِ، فَلَو قِيلَ بضَمِّ السِّينِ لِيَكُونَ تَجْنِيسًا تامَّا لَكَانَ أَحْسَنَ، إِلَّا أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالْمَفتوح خاصَّةٌ؛ لأَنَّ المَضَمُومَ فِي مَعْناهُ قليلُ الاسْتِعْمَالِ.
(يَسْلُكُونَ) صِفةٌ بعدَ صِفةٍ، أي: يسْلُكُ العُلماءُ. (فِيمَا لَمْ يُؤْثَرْ)، أَيْ: فيما لَمْ يُرْوَ عَنِ الأَنْبِيَاءِ، طَريقَ (الِاجْتِهَادِ)، وهُو بذل المجهودِ [(06) / (1) /م] لِنَيْلِ المَقْصُودِ. (مُسْتَرْشِدِينَ) حالٌ مِن الضَّمِير في (يَسْلُكُونَ)، يعني: يجْتَهِدونَ طالبِينَ الرُّشْدَ (مِنْهُ)، أَيْ: مِنَ الله تَعالى (فِي ذَلِكَ) الاجتهادِ. وَهُوَ وَلِيُّ الإِرْشَادِ)، أَي: مُتَولَّي الهدَايَةِ لطريق الاجتهاد.
الجزء 1 · صفحة 16
وَخَصَّ أَوَائِلَ المُسْتَنْبِطِينَ بِالتَّوْفِيقِ، حَتَّى وَضَعُوا مَسَائِلَ مِنْ كُلِّ جَلِيٌّ وَدَقِيقٍ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وَخَصَّ أَوَائِلَ المُسْتَنْبِطِينَ).
عَطْفٌ عَلَى قوله: (أَعْلَى مَعَالِمَ العِلْمِ)، وأرادَ بِأوائلهم: الإمام الأعظم أبا حَنِيفَةً وصاحِبَيْه رضي الله عنهم أجمعين.
والاستنباط: استِخْراجُ الوَصْفِ المُؤثرِ مِن النَّصَّ أَوِ الإِجْمَاعِ؛ لإبانةِ الحُكْمِ في موضع آخر بوجودِ مِثلِ ذلِك الوَصْفِ فِيهِ.
قوله: (حَتَّى وَضَعُوا ثَمرةُ قوله: (خَصَّ بِالتَّوْفِيقِ)، يَعْنِي: أَنَّهُم وَضَعوا (مَسَائِلَ) لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى مِنْ كُلِّ جَلِيٌّ)، أي: مكشوف ظاهرُ دَركُه. (وَدَقِيقِ) خَفِيُّ فهُمُه؛ بِسَبَبٍ أَنَّهم فازوا بِالتَّوفيق الإلهي، والإلهام الربَّانِيِّ.
قيل: هي ألْفُ ألفِ مَسْأَلَةٍ، ومائة ألف وسبعون ألفًا ونَيِّفًا. هَكَذَا أَورَدَ بَعضُهُم في شرحه، وفيهِ نَظَرُ.
وقَالَ الخَطِيبُ مُوفّقُ [?/?) بن أَحْمد المَكِّيُّ في «مناقِب أَبي حنيفة»: عَن مالك بن أنس وقد قِيلَ لَهُ: «كمْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ في الإِسْلامِ؟ قَالَ: سِتِّينَ أَلْفًا ـ يعني: مسائل».
ثمَّ قَالَ الخَطِيبُ: ذَكَرَ الثَّقَةُ أَنَّ أَبا حَنِيفَةَ قَالَ فِي الْفِقْهِ ثَلَاثَةٌ وثَمَانِينَ أَلْفًا، ثمانية وثلاثينَ أَصْلًا في العِبَاداتِ.
الجزء 1 · صفحة 17
غَيْرَ أَنَّ الحَوَادِثَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وخمسة وأربعينَ أَصْلًا في المُعامَلاتِ».
ونظيرُ الجَلِيِّ والخَفِيّ مِن المَسَائِل: ظاهرٌ يعْرِفُهُ مُمارِسُ الفِقهِ، وما قِيلَ: إِنَّ القياس نظيرُ الجَلِي؛ فَفِيهِ نَظَرْ عِندي؛ لأنَّه ربَّما [(6) / (1) ظ/م] يَكونُ القِياسُ في غاية الدقة.
قوله: (غَيْرَ أَنَّ الحَوَادِثَ ... ) إِلَى آخِرِه .. استثناء من قوله: (وَضَعُوا)؛ جَوابًا لِسؤالٍ مُقدَّرٍ بأَنْ يُقَالَ: لَمَّا وضَعَ المُجْتَهِدونَ السَّابِقُونَ المَسَائِلَ الجَلِيَّةَ والخفيَّة؛ لا يحتاج بعدهم إلى تصنيفٍ، فَلا تستَغِلْ بِالتَّصْنِيفِ أَنتَ أيضًا في «شرح البداية».
فأَجابَ عنه وقَالَ: نَعمْ، إِنَّهم وضعوا مَسائل كثيرة؛ لكِنَّ الوقائع أكثر من موضوعاتِهم، فَلأَجْلِ هذا شَرَعْتُ في التَّصنيف؛ إِذِ الْمُتَقَدِّمُونَ مَا كَانَ اجْتَهَادُهُمْ يعلم التَّوراة والإنجيل، أو يكونهم ملائكة أو أَنبياءَ، بَلْ كَانَ اجْتِهَادُهم بِعِلْمِ ما يَتعلّق بِالأَحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ: مِن الكِتابِ، والسُّنَّةِ، والإجماع، واستنباطِ الأَوْصَافِ التي هي مناط الحُكْمِ مِنْها، وهذا المعنى حاصِل في المُتأَخَّرِ كَالمُتقدِّمِ، فَلَا عِتَابَ إذَنْ، وأيضا قَد كَانَ جَرَى مِنِّي في أوَّلِ «البداية» وعْدُ الشَّرْحِ لِلطَّالِبينَ، فَلا
الجزء 1 · صفحة 18
مُتَعَاقِبَةُ الْوُقُوعِ، وَالنَّوَازِلُ يَضِيقُ عَنْهَا نِطَاقُ الْمَوْضُوعِ، وَاقْتِنَاصُ الشَّوَارِد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يجوزُ خُلْفُه في الديانة، فلهذا شرَعْتُ أَشْرَحُها.
وأراد بالحوادِثِ والنَّوازلِ: المَسَائِلَ الواقعة. (مُتَعَاقِبَةُ الوُقُوعِ)، أَيْ: يقعُ بعضُها عَقِيبَ بعض. يعني: أنَّ الواقعاتِ كَثيرة الوقوع.
والنَّطَاقُ: بمعنى المنطقة، فيهِ اسْتِعَارَة تَخْيِيلِيَّة؛ لأَنَّ الْمَوْضُوعَ لَا نِطَاقَ له، وأرادَ بضِيقٍ نِطَاقِه عدم كفايةِ مَوْضوعِهِم جَميعَ الحوادِثِ.
قوله: (وَاقْتِنَاصُ الشَّوَارِد)، أي: اصْطِيادُ النَّوافِر، يعني: الحَوادِث الَّتي يَعْسُرُ دَركُها ويحتاجُ فيها إلى الاستنباط، [(7) / (1) و/م] فِيهِ اسْتِعَارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ؛ لأَنَّهُ صَوَّرَ الحَوادِث كالوَحْشِ الشَّارِدِ، ودَخَلَ في بابِ التَّرْشِيحِ، حَيْثُ أَوردَ صِفةٌ ملائمة للمُستعارِ مِنْه، وهي الاقتناص.
الجزء 1 · صفحة 19
بِالِاقْتِبَاسِ مِنَ الْمَوَارِدِ، وَالِاعْتِبَارُ بِالْأَمْثَالِ مِنْ صَنْعَةِ الرِّجَالِ، وَبِالوُقُوفِ عَلَى المَآخِذِ يُعَضُّ عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِدِ، وَقَدْ جَرَى عَلَى الْوَعْدِ فِي مَبْدَأ (بِدَايَةِ الْمُبْتَدِي)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والشَّوَارِدُ: جَمْعُ شارِدةٍ، أي: نافِرَةٌ، وأَرادَ بِالِاقْتِبَاسِ مِنَ الْمَوَارِدِ): استخراج الحُكْمِ مِن النُّصُوصِ بِالاطلاعِ عَلى الأَوْصَافِ المُؤَشِّرَةِ، يُرِيدُ بِهِ: أَنَّه قادِرٌ على الاستنباط فيما لم يُرْوَ عَنِ السَّلفَ؛ لِكونِهِ مُطَّلِعًا عَلَى مَنَاطِ الحُكْمِ، وهُو من قولك: اقتبَس مِنْه عِلْمًا. أي: استفاد.
وقَريبٌ مِن هذا قوله: وَالِاعْتِبَارُ بِالأَمْثَالِ مِنْ صِفَةِ الرِّجَالِ)، أَيِ: الحُكْمُ بالقياس من شأنِ الرِّجالِ، وما كَانَ المُتَقَدِّمُونَ إِلَّا رِجَالًا مِن بَنِي آدَمَ، فَهُمْ رِجَالٌ ونَحنُ رِجالٌ، فَيَسُوعُ لَنَا التَّصنيفُ والاجتهاد كما ساغَ لَهُم، وهذا كلَّه عُذْرٌ مِن الشيخ له عَن شُروعِه في التصنيف.
والاعتبار: ردُّ الشَّيْء إِلى نَظِيرِه.
والأَمْثَالُ: جَمْعُ: المِثْلِ، وَهُوَ الشَّبْه.
قوله: (وَبِالوُقُوفِ عَلَى الْمَآخِذِ يُعَضُّ عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ).
هذا جواب سُؤَالِ مُقدَّرٍ بِأنْ يُقَالَ: نَعَمْ، إِنَّ موضوعاتِ المتقدمينَ لا تكفي جميع الحوادثِ؛ لوقوعها متجدّدةً، وهذا المعنى يَقْتَضِي التّصنيف والاستنباط، ولكِن هَل فِيكَ تلكَ الصَّلاحية حتى اجْتَرَأَتَ عَلَى التَّصنيف؟
فأَجابَ عنْه وقَالَ: نعم؛ لأنَّ السَّلفَ لَمْ يَقَعْ صَنيعُهُم عَلَى مَا عَلَيْهِ مِن الحُسْنِ والإِحْكامِ إِلَّا بِاعْتِبَارِ وقوفِهِم عَلى مَآخِذِ الأَحْكامِ، فَنَحنُ نُشارِكُهم في هذا
الجزء 1 · صفحة 20
أَنْ أَشْرَحَهَا - بِتَوْفِيقِ اللهِ - شَرْحًا أَرْسُمُهُ بِـ (كِفَايَةِ الْمُنْتَهِي فَشَرَعْتُ فِيهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المعنى والسلام.
والضمير في (عَلَيْهَا) راجع إِلى الحَوادِثِ.
?/?/م) والنَّواحِدُ: أَضْراسُ الحُلُم، جَمْعُ: ناجِدَ، وهي آخرُ الأَسْنانِ.
والعَضُ بِالنَّواجذ: كنايةٌ عَن الإِحْكامِ والإنْقانِ؛ لأنَّ الشَّخصَ إِذا أَرادَ شِدَّةَ الأَخْذِ: يَعَضُّ بِالنَّواجِدِ.
وحاصِلُ المَعنَى: بِالوُقوفِ عَلَى مَآخِذِ الأَحْكامِ؛ تُسْتَنبَطُ أَحكام الحوادِثِ بالإحكام.
قوله: (شَرْحًا أَرْسُمُهُ)، أَي: أُعَلِّمُه، يعني: أُسَمِّيه.
(فَشَرَعْتُ فِيهِ)، أَيْ: في ذلِك الشَّرْحِ المُسمَّى بـ: «كفاية المُنْتَهِي.
الجزء 1 · صفحة 21
وَالوَعْدُ يَسُوغُ بَعْضَ المَسَاغِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وَالوَعْدُ يَسُوعُ بَعْضَ المَسَاغِ)، أَيْ: يَجوزُ بعض الجَوَازِ، وهِي جُملةٌ حاليَّةٌ، أَيْ: شرعْتُ في الشَّرْحِ المَذْكُورِ حَالَ كَوْنِ الوَعْدِ بِهِذِهِ الصَّفَةِ، وَهِي نَظِيرُ قَولك: أَتيْتُكَ والجيش قادِمٌ، فَجَازَ إِخلاء الجُملَةِ عَنِ الضَّمِيرِ الرَّاجِعِ إِلَى ذِي الحال؛ إجراءً لَها مُجْرَى الظُّرْفِ، و (بَعْضَ المَسَاغِ) مَنصوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفعولٌ مُطلَق؛ مثل قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَنْبَتَكَر مِنَ الْأَرْضِ نَبَانًا} [نوح: ??]، فَقُرِنَ بِالفعلِ غَيْرُ مصدره، كما في الآيةِ الشّريفة.
والمَسَاغ: مصدر ساغَ لَه مَا فَعَلَ، أَي: جازَ.
وتحقيقه: أنَّ مُوْعِدي بعض الجائِزاتِ والمُمْكِناتِ، فَمِن الجائِزِ وقوع بعض المُمْكِنَاتِ وَإِنْ لَمْ تَقَعْ كُلّها عادةً، فيجوز إذَنْ أَن يقعَ مَوْعِدي؛ لأنَّه بعضُ المُمْكِناتِ لا كُلّها، فَلأَجْلِ هذا شرَعْتُ في الشَّرْحِ؛ رَجَاءَ أَن يَكُونَ مَوْعِدِي مِن ذلك البعض الواقع في الواقع.
هذا ما ظهر لي من الأسرارِ الرَّبَّانِيَّةِ، والأَنوارِ الإِلَهِيَّةِ.
وقَالَ بعضُ الشَّارِحِينَ: فِيهِ بَيانُ أَنَّ الْمُصَنِّكَ لَمْ يَستَأْهِلْ نَفْسَه لِلشَّرْحِ». ثمَّ [(8) / (1) /م] قَالَ: «يعني: أنَّ المانِعَ - وهُو عدَم الصَّلاحية - مُتحقِّق، إِلَّا أَنَّ الوَعْدَ يُحرِّضُنِي عليه، ولولاه لا مُتنَعْتُ».
أَقولُ: هذا كلامٌ صَادِرٌ لا عَن تفكر وتبصرٍ؛ لأَنَّ سِياقَ كَلامِ المُصَنِّفِ مِن قَوله: (غَيْرَ أَنَّ الحَوَادِثَ ... ) [إلى هنا]- يَنْفِرُ عَن ذاكَ ويَأْبَاهُ، أَلَا تَرَى
الجزء 1 · صفحة 22
وَحِينَ أَكَادُ أَتَّكِيُّ عَنْهُ اتِّكَاءَ الفَرَاغِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إلى ما نادى بأعلى صوته في قوله: (وَالِاعْتِبَارُ بِالأَمْثَالِ مِنْ صَنْعَةِ (?) الرِّجَالِ). مُثبتًا صلاحيته مدعيا كماله.
فإِذا حقَّقْتَ ما بيَّنتُه قُبَيْلَ هذا؛ عرفْتَ مَزَلُّ قَدَمِ الشَّارِحِ، واللهُ الهَادِي.
قوله: (وَحِينَ أَكَادُ أَتَّكِيُّ عَنْهُ اتِّكَاءَ الفَرَاغ.
يُقَالُ: كَادَ يفعلُ كَذَا، يَكَادُ كَوْدًا وَمَكَادَةٌ؛ أَي: قارَبَ ولَمْ يَفْعَلْ.
قَالَ بعضُ الشَّارِحِينَ: عدَّى الاتِّكاءَ بـ: «عَن»، وإِنْ كَانَ هُو يُعَدَّى بـ: «عَلَى»؛ لِتَضْمِينِ مَعنَى الفَراغِ.
أَقولُ: فيهِ نَظَرٌ؛ لأنَّه حينئذ يكون معناه: أفرغ عنْه فَراغَ الفَراغِ، وهُو كما ترَى فاسِدٌ مِنَ العِبارة، مُلَوِّنُ لِلصَّمَاخِ، وصِحْتُه عِندِي: أنَّه من باب التقديم والتأخير؛ أَي أَنكِيُّ اتَّكَاءَ الفَرَاغِ عنه؛ أي: عنِ الشَّرْحِ، وهو «الكِفاية»، وإِنَّما قُدِّمَ لفْظُ (عَنْهُ) لرعايةِ السَّجْعِ.
الجزء 1 · صفحة 23
تَبَيَّنْتُ فِيهِ نَبْدًا مِنَ الإِطْنَابِ، وَخَشِيتُ أَنْ يُهَجَرَ لِأَجْلِهِ الْكِتَابُ، فَصَرَفْتُ العِنَانَ وَالعِنَايَةَ إِلَى شَرْحِ آخَرَ مَوْسومًا بِالْهِدَايَةِ، أَجْمَعُ فِيهِ - بِتَوْفِيقِ الله- بَيْنَ عُيُونِ الرِّوَايَةِ، وَمُتُونِ الدَّرَايَةِ، تَارِكًا لِلزَّوَائِدِ فِي كُلِّ بَاب، مُعْرِضاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وأراد بمَكَادَةِ اتَّكَاءِ الفَراغِ: أقرُبَ إتمام الشَّرْحِ؛ كِنايةٌ لكونه ذِكْرَ اللازم وإرادة المَلْزُومِ؛ لأنَّ الشَّخصَ إِذا اسْتغلَ بأَمْرِ مُنْعِبٍ وأَتمَّه؛ يَتَّكِيُّ عادةً، فيكونُ الاتكاء لازما اعتقاديًّا للإتمام، فافهم.
قوله: (تَبَيَّنْتُ فِيهِ نَبَذَا مِنَ الإِطْنَابِ)، أَيْ: عَلِمْتُ فِي الشَّرْحِ المَذْكُورِ قَلِيلًا [?/?/م] مِن المُبالَغةِ فِي الكَلامِ.
(أَنْ يُهْجَرَ)، أَيْ: أن يترك [(لِأَجْلِهِ)، أي:] لأَجْلِ الإِطْنَابِ.
قوله: (فَصَرَفْتُ العِنَانَ وَالعِنَايَةَ، الفاءُ لِلسَّبيَّةِ، أَيْ: صَرَفْتُ عِنَانَ الخاطر، وعِنَايَةَ القَلبِ عَن ذلِك الشَّرْحِ، إِلى شرح آخَر بِسَبَبِ أَنِّي خَشِيتُ هُجْرانَ الكِتابِ مِن جهةِ الإِطْنَابِ، وَفِيهِ تَخْيِيلٌ، فَافُهُمْ.
قوله: (عُيُونِ الرِّوَايَةِ، أَرادَ بِها صُوَرَ المَسَائِلِ، مِن قَولِهِم: عَيْنُ الشَّيْءِ لَنَفْسِه. (وَمُتُونِ الدَّرَايَةِ)، أرادَ بها الدَّلائل من قولهم: رجلٌ مَتْنٌ، أَيْ: صُلْب؛ لأنَّ قوَّةَ المَسَائِل لا تَحْصُلُ إِلَّا بِها.
قوله: (تَارِكًا) حالٌ مِن الضَّمِيرِ المُسْتتر في (أَجْمَعْ)، و (مُعْرِضا) صفةٌ
الجزء 1 · صفحة 24
عَنْ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الإِسْهَابِ، مَعَ أَنَّهُ يَشْمُلُ عَلَى أُصُولِ، يَنْسَحِبُ عَلَيْهَا فُصُولٌ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقْنِي.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لقوله: (تَارِكًا).
قوله: (عَنْ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الإِسْهَاب) إِشَارَةٌ إِلى ما وقَعَ مِن الإِسْهَابِ والإطناب الواقع في «كفاية المُنتَهِي»، وفَصَّلَ بعدما أَجْمَلَ؛ مُبالغةً وتأكيدًا للإغراض، وأيضا لو ذكرَ مُفَصلًا ابتداءً بأَن قَالَ: مُعْرِضًا عَنِ الإِسْهَابِ؛ لوقَعَ فِي بعْضِ الأَوْهامِ أَنَّه يُعْرِضُ عنِ الإِسْهَابِ الكامِل؛ لا عَنِ القَلِيلِ مِنْه، فَقطَعَ ذلِك الوهم بقوله: (عَنْ هَذَا النَّوْعِ)؛ لأنَّه نَبْذَ مِنْه، كما قَالَ.
والإسهابُ: هوَ الإِكْثَارُ في الكَلامِ.
قوله: (مَعَ مَا أَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى أُصُولٍ).
جوابُ سُؤَالِ مُقدَّرٍ بِأَنْ يُقَالَ: هذا الشَّرْحُ الثَّانِي لَمَّا خَلَا عنِ الإِسْهَابِ والإطناب؛ احتمل أن لا يكونَ فيهِ أَصْل ولا فضل، فَلَا يَحْصِلُ فِيهِ طَائِلٌ، فَيَكُونُ أَولَى بِأَنْ يُهْجَرَ مِن الأَوَّلِ.
فأَجابَ عنه وقالَ: ليس كذلك، فإنِّي صَرَفْتُ عِنايتِي إِلى شَرْحِ آخَر؛ تاركًا لِلزِّيادةِ، مُعْرِضا عنِ الإِسْهَابِ، [?/?/م] معَ اسْتِمَالِه عَلى الأصولِ المُتَرَتِّبِ عَليْها الفُصولُ.
قوله: (وَأَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُوَفِّقَنِي)، تَقولُ: سألته كذا، إِذا التَمَسْتَ، وسألتُه عَن كذا، إذا بحثت.
الجزء 1 · صفحة 25
لإِثْمَامِهَا، وَيَخْتِمَ لِي بِالسَّعَادَةِ بَعْدَ اخْتِتَامِهَا، حَتَّى إِنَّ مَنْ سَمَتْ هِمَّتُهُ إِلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَقِيلَ: التَّوفِيقُ حُسْنُ عِنايَةِ اللهِ تَعَالَى لِعَبْدِهِ.
وَقِيلَ: التَّوفيقُ خَلْقُ قُدْرة الطاعة.
والخذلانُ: خَلْقُ قُدْرَةِ المَعْصية.
قوله: (لإِثْمَامِهَا ... وَاخْتِتَامِهَا). يُرْوَى كِلاهُما بِتوحِيدِ الضَّمِيرِ وتَثْنِيته فيهما جميعًا، وقد حصَلَ لِي السّماعُ بهِما عَن مَشايخي، والتوحيد يرْجِعُ إِلى «الهداية»، وَالتَّنْنِيةُ: إِلَى الشَّرْحَيْنِ جَمِيعًا.
والأَوَّلُ أَوْلَى عِندي؛ لكَوْنِهِ مَقْصودًا بالذِّكْرِ؛ لأنَّ المُصَنِّفَ الْتَفَتَ إلى «الهداية» مُعرِضا عن «الكفاية»، إلّا أنَّ إبْطالَ العَمَلِ حَرَامٌ بِالنَّص، فيَجوزُ أَن يسألَ إِثْمَامَهُما لأَجْلِ هذا.
وسمعتُ شَيْخِي بُرْهَانَ الدِّينِ الخُرِيفَغْنِي - قدَّسَ اللهُ رُوحَه: أَنَّ صاحبَ «الهداية» بقي في تصنيف هذا الكِتابِ ثلاثَ عشرةَ سَنةٌ، وَكَانَ صَائِمًا فِي تِلكَ المُدَّةِ؛ لا يُفْطِرُ أَصلا، وكَانَ يَجْتهدُ ألَّا يَطَّلِعَ عَلَى صَوْمِهِ أَحَدٌ، فَإِذَا أَتَى حَادِمٌ بطعام كَانَ يَقُولُ لَه: خَلَّهُ ورُحْ، فإذا راحَ كَانَ يُعطِي ذلِك الطَّعَامَ واحدًا مِن الطَّلَبَةِ أَو مِن الفُقَرَاءِ والمَسَاكِينِ، فَصارَ كتابه مُبَارَكًا مَقْبولًا بَينَ العُلماء؛ بِبركةِ زُهْدِهِ وَوَرَعِه. قوله: (حَتَّى إِنَّ مَنْ سَمَتْ هِمَّتُهُ) يَتَعَلَّقُ بِقَولِه: (فَصَرَفْتُ العِنَانَ).
يعني: أنّي صَرَفْتُ عِنايَتِي مِن شَرْحٍ إِلى شرح؛ لَمَعْنَى دَعَانِي إِلَيْهِ، لَكِن مَن كانتْ هِمَّته عاليةً يَرْغَبُ في الشَّرْحِ الأَوَّلِ الكَبِيرِ، [?/?/م] وَمَن كَانَ بِخِلَافِ ذلِك
الجزء 1 · صفحة 26
مَزِيدِ الوُقُوفِ يَرْغَبُ فِي الْأَطْوَلِ وَالْأَكْبَرِ، وَمَنْ أَعْجَلَهُ الْوَقْتُ عَنْهُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْأَقْصَرِ وَالْأَصْغَرِ، وَلِلنَّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ، والفَنُّ خَيْرٌ كُلُّهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يرْغَبُ في الشَّرْحِ الثَّانِي الصَّغِيرِ، وكلُّ واحدٍ مِن فَنَّ الكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ خَيْرٌ؛ لأَنَّ فِي الأَوَّلِ زيادةَ الوُقُوفِ، وفي الثَّانِي سُهولة الحِفْظِ وسُرعة الضَّبْط.
قوله: (أَعْجَلَهُ)، وهو بمعنى: عجله، إِذا اسْتَحَلَّه. (عَنْهُ)، أَيْ: عَن مَزِيدِ الوقوف). والمَزيدُ والزيادة بمَعْنَى.
قوله: (وَلِلنَّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ).
مِن شِعْرِ أَبِي فِرَاسِ، أَوَّلُهُ: قوله:
وَمِنْ عَادَتِي حُبُّ الدِّيَارِ لِأَهْلِهَا
ويُسمَّى مثل هذا تضمينا في اصطلاحِ عُلماء المعاني والبَيانِ، ومعناه: أنْ يأتي شخص في أثناء كلامه بمِصْراع، أو بَيْتٍ، أَوْ بِيتَيْنِ؛ استعانة بذلك على
الجزء 1 · صفحة 27
ثُمَّ سَأَلَنِي بَعْضُ إِخْوَانِي أَنْ أُمْلِي عَلَيْهِمْ المَجْمُوعَ الثَّانِي، فَافْتَحْتَهُ مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ - فِي تَحْرِيرِ مَا أُقَاوِلهُ، مُتَضَرُّعًا إِلَيْهِ فِي النِّيْسِيرِ لِمَا أُحَاوِلُهُ، إِنَّهُ المُيَسِّرُ لِكُلِّ عَسِيرٍ، وَهُوَ [ ...... ] وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إتمام مُرادِه، وتأكيدِ معْناهُ عَلى سبيل العارِيَّةِ، وإنَّما يُسْتَحْسَنُ ذلِك إِذا نُبِّه عَليْه، أَو كَانَ مَشْهورًا؛ كيْلا يُتَوَهَّم السَّرِقةُ.
قوله: (المَجْمُوعَ الثَّانِي)، أَي: «الهِدَاية».
قوله: (فِي تَحْرِيرِ مَا أُقَاوِلُهُ).
وتَحْرِيرُ الكِتابِ وغَيرِه تقويمه، والمُقاولةُ: القولُ مِن الجانبَيْنِ. يُقَالُ: قاوَلَه في گذا. وَكَأَنَّ صاحبَ الهِدَايَة» إِنَّمَا لَمْ يَقُل بِلَفْظِ: أَقولُه؛ للازْدِواج بينَ: أَقاولُه وأُحاوله.
(إلَيْهِ)، أي: إلى الله تعالى: والمُحاولةُ: الإرادةُ، وإِنَّما قَالَ: (فِي التَّيْسِيرِ لِمَا أُحَاوِلُهُ). ولم يقل: في تيسير ما أُحاوِلُه، بالإضافة؛ مُبالغةٌ في البَيَانِ بِالتَّفصيل بعد الإجمال، بخلافِ قوله: (فِي تَحْرِيرِ مَا أَقَاوِلُهُ)؛ لأنَّ المُبالَغَةَ فِيهِ حاصِلةٌ مِن صِيعَةِ المقاولة.
قوله: (إِنَّهُ المُيَسِّرُ)، يقال: وقَعَ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ، يعني: إِنَّما افتتحْتُ إملاء «الهدَايَة» مُستَعينًا بِالله؛ لأنَّه المُيسر.
يُقَالُ: [(10) / (1) وام] فلانٌ جَدِيرٌ بِكذا، أَيْ: خَلِيقٌ.
والله أَعلَمُ.
الجزء 1 · صفحة 28
كِتَابُ الطَّهَارَاتِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قولُه: (كِتَابُ الطَّهَارَات).
اعْلَمْ أَنَّ كَلامَنا هُنا في أحدَ عَشَرَ مَوْضِعًا:
الأوّلُ: في البداية بقسم العِبَاداتِ.
والثاني: في تقديم الصَّلاةِ عَلَى سَائِرِ العِبَادات.
والثالث: في تقديم الطَّهَارَةِ عَليْها.
والرابع: في اخْتِيارِ لفْظِ الكِتابِ.
والخامس: في ذِكْرِ الطَّهاراتِ بِالجَمْعِ.
والسادس: ما الطَّهَارَةُ لُغَةٌ وشرعاً، وما الوضوء؟
والسَّابِعُ: كَمْ أَنواعُ الطَّهَارَاتِ.
والثّامِنُ ما سبَبُ الوُضوءِ.
والتاسع: ما شَرطه
والعاشر: ما رُكْنه.
والحادِيَ عشَرَ: ما حُكْمُه.
أمّا الأوَّلُ، فَتَقُولُ: إِنَّما قَدَّمَ العِبَادَاتِ عَلى المُعامَلاتِ والمَزاجِرِ؛ لكونها أهم؛ لأنَّ العبادة هي التي تُحَقِّقُ مَعنَى العُبودِيَّةِ، وما خُلِقَ الثَّقَلانِ إِلَّا لِهذا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}.
وأَمَّا الثَّانِي، فَنَقُولُ: إِنَّما قدَّمَ الصَّلاةَ عَلَى سَائِرِ أَنواعِ العِبَادَاتِ؛ لأَنَّهَا عِمَادُ الدِّينِ بِالحَدِيثِ، والخَيْمَةُ لا تُضْرَبُ إِلَّا بِنَصْبِ عِمَادِهَا أَوَّلًا، فكذا الدِّينُ لا يَقومُ إِلَّا بِعِمَادِه، وهو الصَّلاةُ، فقُدِّمَتْ لهذا.
وَلا يُقَالُ: الأصل في العِبَاداتِ هُو الإيمانُ، فَكَانَ يَنبَغِي أَن يُذْكَرَ مُقدَّما؛ لأنَّ الإيمان يتعلَّق بعلمِ الكَلامِ دونَ الفقه، فلهذا لَمْ يُذْكَرْ وَلَمْ [(5) / (1)] يُقَدَّمْ، وأَيضًا الصَّلاةُ ثانية الإيمانِ دونَ سائِرِ العِبَاداتِ، كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلوةَ} [البقرة: 3]. فقُدِّمَتْ عَلَى غَيْرِها لِهَذَا المَعْنى.
وأمّا الثَّالِثُ، فنَقُولُ: إِنَّما قُدِّمَتِ الطَّهَارَةُ عَلَى [(10) / (1) ظام] الصَّلاةِ؛ لأنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطُها، والشَّرْطُ ما يتوقَّفُ عَلى وُجودِهِ الشَّيْءُ، فَيَكونُ وُجُودُها سابقا عَلَى الصَّلاةِ لا محالة؛ لتوقفها عَليْها؛ لقوله: «لَا صَلاةَ إِلَّا بِالطَّهَارَةِ». فَقُدِّمَتْ وضْعا، كما اقتضاهُ الشَّرْطُ طبعًا.
ولَا يُقَالُ: لِمَ قُدِّمَتْ عَلى سائرِ الشُّرُوطِ؛ كاستقبال القبلة، وسَتْرِ العورة، وطهارة الثّوبِ؟
لِأَنَّها أَوْلَى؛ لأنَّها لا تسْقُطُ بِالأعْذارِ، بِخِلافِ سَائِرِ الشُّرُوطِ، فَإِنَّهَا تَسْقُطُ بِها
أما الرابع، فَنَقُولُ: إِنَّما قَالَ بِلفظ: الكتاب، ولَمْ يقُل بلفظ: الباب؛ لأنَّ الكِتابَ يدلُّ وُجوه اشتقاقه عَلى الجمْع دونَ البابِ؛ لأنَّه بِمَعْنَى النوع. والغَرَضُ جَمْعُ أنواعِ الطَّهَارَةِ لا نوع منها، ودلالة الكافِ والتاء والباءِ عَلَى الجَمْعِ ظَاهِرُ. تَقولُ: كَتَبْتُ البَغْلَةَ، إِذا جَمَعْتَ بَيْنَ شُفْرَيْها بحَلْقَةٍ أَو سَيْرٍ وكَتَبْتُ القِرْبَةَ، إِذَا خَرَزْتَهَا كَتْبا. والكتبةُ بِالضَّمِّ: الخرْزَةُ.
والكتيبةُ: الجَيْسُ، وتَكَتَبَتِ الخَيْلُ؛ أَيْ: تَجَمَّعَتْ. ومنه: الكُتُبُ والكِتَابُ.
والكِتَابَةُ: بمعنى تصويرِ اللَّفْظِ بِحروفٍ هِجَائيَّة؛ لأنَّ فيها جَمْعَ الحُروفِ والكلمات.
وأما الخامِسُ، فَتَقُولُ: إِنَّما ذكَرَ الطَّهاراتِ بلفْظِ: الجَمْعِ تَصْرِيحًا لإرادة أنواعِ الطَّهَارَةِ؛ لأنَّهَا لَوْ ذُكرَتْ بِلفْظِ المفردِ؛ لكانَ فَهُمُ الْأَنواعِ بِسَبيلِ الِاحْتِمَالِ لا القطع؛ لأنَّ الجنس واقعٌ عَلَى الْأَدْنَى مَعَ احْتِمَالِ الكُلِّ.
لا يُقَالُ: دخولُ اللَّامِ فِي الجَمْعِ يقتضي أن يكون للجنس أيضًا، فَلا فائدةً إذن للجمْعِ؛ لأنَّ صاحِب «الهداية يجوزُ لَه أنْ يُرِيدَ مُطْلَقَ الجمْعِ، كما هو مذهب البعض في اللَّامِ إِذا دَخَلَتْ في الجَمْعِ.
لا يُقَالُ: لا يَجوزُ جَمْعُ المَصدرِ، فَكَيْفَ جَازَ هُنا؟
لأنَّا لَا نُسَلِّمُ ذلِكَ مُطلقا؛ لأنَّه يَجوزُ إِذا أُرِيدَ النَّوعُ، وقَد أُرِيدَ كَمَا قُلْنَا، فَلَا يَرِدُ عَليْنا.
وَلَا يُقَالُ: لِمَ لَمْ يَذكُرِ الصَّلاةَ وَالزَّكَاةَ بِالجَمْعِ كَالطَّهَارَاتِ؟
لعدمِ العِلَّةِ فيهما، ووُجودِها فيها، وهي إرادة الأنواعِ المُختلفة، كما ترَى مِنِ اختِلافِ طَهَارَةِ الحَدَثِ والخَبَثِ، وَالطَّهَارَةِ بِالتَّيَمُّمِ، بِخَلافِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا مُتَّحِدةٌ أَنواعها؛ لأنَّها عبارةٌ عَن الأَرْكانِ المعهودة، وكذا الزَّكَاةُ؛ لأَنَّهَا عِبارَةٌ عَن إيتاء رُبْعِ العُشْرِ، وهو واحدٌ، ولا يُورَدُ صلاة الجنازةِ؛ لأنَّها ليست بصلاةٍ حَقِيقَةٌ، إنَّما هي دعاء، ولهذا جازتْ رُكوبًا قياساً؛ لا استحسان.
قال بعضُ الشَّارِحِينَ: ذَكَرَ الطَّهَارَةَ بلفْظِ الجَمْعِ، دونَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ؛ لأَنَّ اللَّامَ في الجَمْعِ تُبْطِلُ مَعنَى الجَمْعِ؛ فَكَانَ الجَمْعُ وَالْفَرْدُ سَواءٌ.
أَقولُ: سلَّمْنا بطلانَ مَعنَى الجمْع عَلى ما هو المُخْتَارُ فِي بِحْثِ اللَّامِ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّه إِذا كَانَ كذلِك يلزمُ جمْعُ الطَّهَارَةِ دونَ الأُخْرَيَيْن، وأيضًا يَلَزِمُ مِنْه العَبَثُ؛ لأنَّ الجَمْعَ إِذَا كَانَ كالفردِ، فأَيُّ فائدة للجمْعِ سوى تطويلِ اللَّفْظِ؟
وأما السّادِسُ فَتَقُولُ: الطَّهَارَةُ فِي اللُّغةِ هِيَ: النَّظافةُ، وفي الشَّرْعِ: نَظافةٌ، مخصوصةٌ.
والوضوء - بالضّمّ-: مصدر. وَقِيلَ: عبارةٌ عَن الوَضَاءَةِ، وهيَ الحُسْنُ.
وفي الشَّرْعِ: عِبارَةٌ عَن غَسْلِ أَعضاء [??/?/م] مخصوصةٍ، ومَسْحٍ مَخصوص.
وأما السابعُ، فَتَقُولُ: الطَّهَارَةُ إِمَّا أَن تَكُونَ حقيقية أو حُكْمِيَّةٌ.
فالأولى: هيَ الطَّهَارَةُ عنِ النَّجَاسَةِ الحقيقيَّةِ، وَهِيَ مُشتمِلَةٌ عَلَى ثَلاثةِ أنواع: طَهَارَةِ النَّجَاسَةِ عَن البدنِ، والثّوبِ، والمَكانِ.
والثانيةُ: وهيَ الطَّهَارَةُ عنِ النَّجِسِ الحُكْمِي عَلَى نَوعِيْنِ: صُغْرَى وَكُبْرَى، فالأُولَى: الوضوء، والثانية: الغُسْلُ، فَإِذَا عُدِمَ المَاءُ فَالتَّيمم.
وأمّا الثَّامِنُ، فَنَقُولُ: في سبَبِ الوُضوءِ اختِلافُ، قِيلَ: سبه القِيَامُ إِلى الصَّلاةِ؛ لِلآية.
وَقِيلَ: الحَدَثُ؛ للدَّورَانِ وجُودًا وعدما. وعِندَنا: الصَّلاةُ؛ بِدَلِيلِ الإِضَافَةِ إليها، وهي أمارةُ السَّبَبِيَّةِ؛ لِمَا عُرِفَ في الأُصولِ.
والأَوَّلُ فَاسِدٌ؛ لأنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَوضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ صَلَّى خَمْسَ صَلَوَاتٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرَ: رَأَيْتُكَ الْيَوْمَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ، فَقَالَ: عَمْدًا فَعَلْتُ، كَيْلَا تَخْرَجُوا».
ولأنَّ المُوجِبَ لِلوُضُوءِ إِذَا كَانَ نَفْسَ القِيَامِ؛ لا يَفرخُ الإِنسانُ عَنِ الوُضوءِ أبدا، فيقع في الحَرَجِ العَظيمِ، وذلِك مَدْفُوعٌ شَرْعًا؛ لأنَّه إِذا قامَ فَوجَبَ عَلَيْهِ الوضوء، فتَوضَّأَ ثمَّ قامَ ينبغي أن يجب عليه الوضوء ثانيا؛ لِوُجُودِ القِيَامِ ثانيا، فيَتَسلسل الأمرُ حينئذ إلى ما لا نهاية له، وذلك فاسد جدًّا.
والجواب عنِ الثَّانِي فَنَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ أنَّ الدورانَ دَليلُ العِليَّة، وَلَئِنْ سلَّمْنا؛ لكن لا نُسَلَّمُ أَنَّ الدَّورانَ وجُوداً مَوْجُودٌ؛ لأنَّه قد يوجَدُ الحَدَثُ ولا يجِبُ الوضوء، ما لَمْ تَجِبِ الصَّلاةُ بِالبلوغ، ودخول الوقت.
لا يُقَالُ: لا يجوز أَن تَكُونَ الصَّلاةُ سَببًا؛ لأنَّه حينَئِذٍ تَكُونُ الطَّهَارَةُ حُكْمًا وشرْطًا لِلصَّلاةِ، وهُو فَاسِدٌ؛ لأنَّ المُتقدِّمَ مُتأخّرُ، والمُتأخّر مُتقدِّم.
لأَنَّا نَقُولُ: الطَّهَارَةُ شَرْطُ الجَوَازِ، والصَّلاةُ سَببُ الوُجُوبِ، وبَيْنَهم مُغايَرةٌ.
وأمّا التَّاسِعُ، فَتَقُولُ: شَرْطُه الحدَثُ؛ لأنَّ الأمرَ بِالوضوء أَمْرُ بِالتَّطْهِيرِ والتطهير يقتضي النَّجَاسَةَ لا محالة، إمّا حَقِيقَةٌ أَوْ حُكْما، والأولُ مُنتَف بالإجماع؛ فتعيَّنَ الثَّانِي، وإِلَّا يلزم إلْغَاءُ النَّصَّ عنِ الفَائِدَةِ، وأَيضًا القِيَامُ المَذْكُورُ بإطلاقِهِ يَتَناوَلُ كُلَّ قيام، وهُو غَيْرُ مُرادٍ بِالإِجْمَاعِ؛ فتَعَيَّنَ أَحَصُّ الخُصُوصِ، وهُو القِيَامُ إِلَى الصَّلاةِ وهُو مُحْدِثُ.
وتقريرُ الآيةِ إذَنْ واللهُ أَعْلَمُ: إِذا قُمتُم إِلى الصَّلَاةِ وَأَنتُم مُحْدِثُونَ، أَو إِذَا قُمتُم إِلَى الصَّلاةِ عَن مَنامِكُم، والنّوم دليلُ الحَدَثِ أيضا.
قَالَ حافظ الدِّينِ النَّسَفِي في «كافيه»: «وشرْطُه الحَدَثُ؛ لأنَّه تَعَالَى ذَكَرَ التَّيَمُّمَ مُعلَّقًا بالحَدَثِ، والنَّصُّ في البَدَلِ نص في الأصلِ؛ لأنَّه لا يُفارِقُهُ بِشَرْطِه وسببه.
أَقولُ: لَا نُسَلِّمُ أنَّ البَدَلَ لا يُفارِقُ الأصلَ بشَرْطِه، وقد فارقه في النِّيَّةِ، وهِي شَرْطُ فِي التَّيَمُّمِ دونَ الوُضوءِ.
فَعُلِمَ بِهذا: أَنَّ التَّعْلِيلَ بعدمِ المُفَارَقَةِ هَبَاءُ مَنثورٌ.
وقَالَ بَعضُهم: لا يُفارِقُه بسَبَبِه.
فأقولُ: سلَّمْنا ذلك، لكِنْ لَا نُسَلِّمُ أنَّه يلزمُ عَدمُ المُفَارَقَةِ بِالشَّرْطِ، والحَدَثُ شَرْطُ التَّيَمُّمِ لَا سَببُه. وأمّا العاشِرُ، فَتَقُولُ: رُكْنُه غَسْلُ كلُّ واحدٍ مِنَ الأَعْضاءِ الثَّلاثَةِ
الجزء 1 · صفحة 29
قَالَ الله تَعَالَى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} الآية
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كل مرَّةً واحدةً، ومَسْحُ رُبْعِ الرَّأْسِ -[??/?/م] أَو قَدْرِ ثَلَاثِ أَصابع - أوِ النَّاصِيةِ مرَّةً واحدةً، وهَذا لأنَّ الرُّكْنَ ما لا قِيامَ لِلشَّيء إِلَّا بِه، وكلُّ واحدٍ مِن الغَسْلِ والمَسْحِ بهذه المثابة.
وأما الحادي عشَرَ، فَنَقُولُ: حُكْمُه حِلُّ الصَّلاةِ؛ لأَنَّهَا لَمَّا حَلَّتْ وصَحتْ بالوضوء؛ صارَ الحِلُّ حُكْمًا لَه؛ لِكونِه أَثَرَه.
قوله: (قَالَ الله تَعَالَى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ» الآيةَ)، أي: اقْرَأ الآيةَ، أو أتمها، عَلى تقديرِ النَّصْبِ، وَيَجوزُ بِالرَّفْعِ عَلَى معنى: الآيةُ مَقروءةٌ، أَو تُقْرَأُ بِتَمَامِها إلى آخِرِها.
إِنَّما قدَّمَ الآية وإِنْ كَانَ حقٌّ الدَّلِيلِ أَنْ يُؤخَّرَ؛ لاقْتِضائِه سابقةَ المَدْلولِ، للتبرك بكتابه تعالى في افتتاح الكِتابِ، ويَجوزُ تَقْدِيمُه؛ لِكونِ الكِتابِ أَصلا يسْتَنَبَطُ مِنْهُ المَسَائِلُ الفَرعِيَّةُ.
وقَولُه تَعَالَى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ... [المائدة: (6)] إلى آخر الآية.
اعْلَمْ أَنَّ «يا) حَرْفُ نِداء، و «أيّ»: مُنادى مُفْرَد مَعرفَةٌ، و «ها»: مُقْحمةٌ لِلتَّنبيه عَلَى أَنَّ المُنادَى في الحَقِيقَةِ هُو الواقِعُ بَعْدَه، وإِنَّما فَعَلُوا كَذلِك؛ كَرَاهِةَ أَن يَجْمَعوا بين: «يا» و «اللام»، مثل قولك: يا الرَّجُل.
و «الَّذِينَ»: جَمْعُ: الذِي، وهُو اسم موصولٌ، وُضِعَ وُصْلةٌ لوَصْفِ المَعَارِفِ بالجُمَلِ، تقديرُه: يا أَيُّهَا القَومُ الَّذِينَ. أو: يَا أَيُّهَا النَّاسُ الَّذِينَ.
وقوله: آمَنُوا صِلةُ الَّذِينَ، وقَعتْ مُغَايَبَة؛ لكوْنِ المَوصول - وهو الَّذِينَ ـ كذلك؛ لأنَّ الأسْمَاءَ الظاهرة كلَّها غَيَبٌ.
وقوله: (قُمْتُمْ خِطَابٌ لِلمُنادَى المُفْرِدِ المَذْكُورِ، أَصَابَ المَفْصِلَ فَوقَعَ المحز.
فعن هذا: عَرفْتَ أَنَّ حافِظ الدِّينِ النَّسَفِي غَلِطَ في [(13) / (1) و/م] ثَلاثَةِ مَواضِعَ:
الأول: قوله: (الَّذِينَ آمَنُوا) صفة لـ «أي». وليس كذلك؛ لأنَّ صِفةَ «أيّ» هي المُقَدَّرُ مِن القَومِ أَو النَّاس، ثمَّ آمَنُوا صِفةٌ لِتِلكَ الصِّفةِ المُقَدَّرَةِ لـ: «أي» بواسطة الَّذِينَ.
والثاني: قوله: «فيهِ صَنْعةُ التفاتِ». وليس كذلك [(6) / (1)]؛ لأنَّ الالتفات إنَّما يكون فيما إذا كَانَ حقٌّ الكَلامِ بِالغَيْبةِ وذُكِرَ بالخِطَابِ، أَوْ عَلَى العَكْسِ، وَلَمْ يَقَعِ الكلام في الآيةِ إلَّا في الموقعِ الَّذي اقتضاه، وهذانِ العَلَطَانِ فِي «المُسْتَضْفَى شَرْح النافع».
والغلط الثَّالِثُ: قوله في المُصَفّى شرح المنظومة» في أوَّلِ الباب: «إِنَّ: «الَّذي» صِلَةٌ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِن مَوصول».
وليسَ كَذلِك بَلِ الأمْرُ عَلَى العَكس، وهذا كلُّه عَلَطِّ فَاحِشَ عِندَ المُحصّلِينَ، ولا كلامَ مَعَ المُقدِّدِينَ.
وقال: «لوْ قَالَ: آمَنتُم؛ لاختص بالحاضرين في عصرِ النَّبِيِّ).
وقلَّدَ فِيهِ النَّسَفِيُّ شمسَ الأَئِمَّةِ الكَرْدَرِي، وفِيهِ نَظَرُ عِندِي؛ لأَنَّا لَا نُسَلِّمُ الاخْتِصاص؛ لأنَّ الموصوفَ بِصفةٍ عَامَّةٍ يَتَعَمَّمُ. فَافُهُمْ.
وقد غير بعض المُتَعصبينَ مِن المُقلّدينَ لفْظَ «المُصَفَّى»، فَقَالَ: «الَّذِي: صفةٌ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن مَوصوف».
أَقولُ: ذلك ليس بشيءٍ أيضا؛ لأنَّ «الَّذي وُضِعَ وُصْلَةٌ إِلَى وَصْفِ المَعارِفِ بالجُمَلِ، وهو المَذْكُورُ في كُتبِ النَّحْوِ، فلا شَكٍّ أَنَّ مَا كَانَ وُصْلَةٌ إِلَى شَيءٍ غَيْرُ ذلِك الشَّيْء لا عَيْنُه، فلا يكونُ «الذي» صفةٌ، فافهم.
لا يُقَالُ: لِمَ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى في الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى بـ: «إذا» وفي الكُبْرَى بـ: «إنْ»، ولَم يَعْكِس؟
لأنَّ «إذا» تُسْتَعملُ في الأَشياء الغالبةِ الوُجُودِ، والقِيَامُ إِلى الصَّلاةِ بِالنَّظَرِ إلى دِيَانَةِ المُسلِمِ غَالِبٌ، بِخِلَافِ «إنْ»، فإِنَّها تُسْتَعمل في الأشياء المُتَرَدِّدةِ الوُجُودِ القَليلة، والجَنَابَةُ شأنها كذلك؛ لأنَّها لا تقعُ كثيرًا، وقولهم: إِنْ ماتَ فُلان؛ لجهالة في وقْتِ المَوتِ، فَلا يَقْدَحُ.
وَلَا يُقَالُ: كيفَ لَمْ يُذْكَرِ المَرافِقُ بالتثنيةِ والكَعْبانِ بِالجَمْعِ، وهو القياسُ؛ لأنَّ كلَّ شخص له مِرْفَقانِ اثنَانِ وَكِعَابُ أَرْبعَةٌ؟
لأَنَّا نَقُولُ: نَعَمْ، حالُ المِرْفَقِ والكَعْبِ كذلك؛ لَكنَّ الجَمْعَ إِذَا قُوبِلَ بِالجَمْعِ يَقْتَضِي انقسام الآحَادِ بِالآحَادِ، كما في قوله: جَعَلُوا أَصَبعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} [نوح: (7)]، وكما في قولهم: رَكِبَ القومُ دَوَابَّهُم.
فلَوْ قِيلَ: الكَعْبان بِالجَمْعِ؛ لفُهِمَ أَنَّ الوَاجِبَ غَسْلُ كُلَّ رِجْلٍ بِكَعْبٍ، وليس المُرَادُ ذلك؛ لأنَّ المُرَادَ غَسْلُ كُلٌّ رِجْلٍ بِالكَعَبَيْنِ، ولو ذُكِرَتِ المَرَافِقُ بالتثنية؛ لَفُهِمَ أَنَّ الوَاجِبَ غَسْلُ كلٌّ يَدٍ بِمِرْفَقَيْنِ، وليسَ ِلليَدِ إِلَّا مِرْفَقٌ، فَلأَجْلِ هَذا المَعْنَى وقَعَ الكَلامُ الرَّبَّانِيُّ كَذلِك.
وَلَا يُقَالُ: مثلُ هذه المُقابَلَةِ مَوْجُودٌ بينَ المُضَافِ وَالمُصَافِ إِلَيْهِ فِي: «أَيْدِيكُم وأرْجُلَكُم». فَكَانَ يَنبَغِي أَن يجِبَ عَلى كلِّ مُكلَّفٍ غَسْلُ يَدٍ واحدةٍ، ورِجْلٍ واحدةٍ فحَسْبُ.
لأَنَّا نَقُولُ: يَجوزُ تَرْكُ الأَصْلِ بِالدَّلِيلِ الدّالّ عَلَى تَرْكِهِ، وقَد دلَّ الدَّلِيلُ، وهُو فِعْلُ النَّبِيِّ مُوَاظَبَةٌ عَلى اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ، والإجماع أيضا.
قوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ بِالجَرِّ والنَّصْبِ، كلُّ واحدٍ مِنْهُما مَشْهُورٌ.
قَالَ جَارُ الله: «الأرْجُلُ تُغْسَلُ بِالصَّب، فكانتْ مَظنَّةٌ للإِسْرافِ المَنْهِ عنه؛ فعُطِفَتْ عَلى المَمْسُوحِ لا لتُمْسَحَ، بلْ لِلتَّنبيهِ عَلَى الاقْتِصَادِ فِي الصَّبِّ.
وَقِيلَ: «إلى الكعْبَيْنِ» إماطة لظنِّ المسح؛ [لأنَّ المسح] لا غايَةَ لَه في الشَّرْعِ. هذا حاصلُ ما ذَكرَه في «الكشاف».
أَقولُ: لَا نُسَلَّمُ أنَّ العَطفَ لا لتُمْسَحَ؛ لأنَّ الأصلَ فِي الكَلامِ الحَقِيقَةُ.
وقوله: «إماطة لظنِّ المسح؛ لأنَّ المسْحَ لا غايةَ لَه»؛ لا نُسَلِّمُ أَيضًا؛ لأنَّ الحُكْمَ الشَّرْعِيَّ لا يُعلَمُ كيفيتُه وكَمِّيتُه إِلَّا بِالشَّرِعِ؛ فننتهي إلى ما أَنهَانَا الشارعُ إِلَيْه.
وما قَالَه تَعْليلُ في مُعارضة النّصّ، وهو فاسد، وأيضًا: لَوْ كَانَ لِتَعْلِيلِهِ أَثَرُ لَمْ يُقرأْ بِالنَّصْبِ، وقد ظهَرَ فَسادُ عِلَّتِه لتخلُّفِ المَعْلُولِ عَنِ العِلَّةِ عَلَى تَقْدِيرِ قِرَاءَةِ النَّصْبِ.
ثمَّ الجوابُ الشَّافِي لتحقِيقِ المَذْهَبِ أَنْ يُقَالَ: القِراءتَانِ مُتعَارِضتانِ، فَحُكْمُ النَّصْب: الغَسْل، وحُكْمُ الجَرُ: المَسْحُ.
ولِلرّجل حالتان إحداهما: الحِفْوَة، والأُخْرى: التَّخفُّف، فحُمِلَ قراءةُ النَّصْبِ عَلَى الحُفْوَةِ، وقراءةُ الجَرِّ عَلى التخفف؛ توفيقا بينَ الدَّليلَيْنِ بِقَدْرِ الإمكان؛ لأنَّ الأصل في الدّلائِلِ: الإعمالُ لا الإهمال.
فإن قُلتَ: يَنبَغِي أَن يكونَ المُكلَّفُ مُخيَّرًا بِينَ غَسْلِ الرِّجْلِ وَمَسْحِها، كَمَا هو مذهبُ الحَسَنِ البَصْرِيُّ، وفيهِ العَمَلُ بِالقِراءتَيْنِ أَيضاً.
وقد ذكَرَ الخَطَّابِيُّ في شرح السنن عنِ الجُبَّائي: «أَنَّه زَعَمَ أَنَّ المَرْءَ مُخيَّرٌ بينَ غَسْلِ الرِّجْلِ وَمَسْحِها.
قَالَ الخَطَّابِيُّ: وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الطَّبَرِيُّ.
قلْتُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ العَمَلَ بِهِما عَلى وَجْهِ التَّمَامِ؛ لأنَّ إحْدَى حالتي الرَّجُلِ متروكةٌ عَلى ما قَالَ الحَسَنُ، فيكونُ مَا قُلْنَاهُ أَوْلَى بِالإرادةِ مِمَّا قالَه، وإِنَّما لَمْ نَقُلْ بِالمَسْحِ إِلى الكَعْبَيْنِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَفْعَلْ كَذلِك.
فعُلِمَ بِذلِكَ: أَنَّ الوَاجِبَ في المَسْحِ دونَ الكَعْبَيْنِ. والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 30
فَفَرْضِ الطَّهَارَةِ: غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَمَسْحُ الرَّأْسِ.
بِهَذَا النَّص: وَالْغُسْلُ: هُوَ الْإِسَالَةُ. وَالْمَسْحُ: هُوَ الْإِصَابَةُ.
وَحَدُّ الْوَجْهِ: مِنْ قِصَاصِ الشَّعْرِ إِلَى أَسْفَلِ الذَّقْنِ، وَإِلَى شَحْمَتَيْ الْأُذُنِ؛ لِأَنَّ الْمُوَاجَهَةَ تَقَعُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَهُوَ مُشْتَةٌ مِنْهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فَفَرْضُ الطَّهَارَةِ)، الفاء فيهِ: هي الفاءُ الدَّاخِلةُ عَلَى الحُكْمِ، عَلَى معنى أنَّ ما بعدها ثبتَ بِما قبْلَها حُكْمًا لَه، وهذا لأَنَّ الفَاءَ تَدْخُلُ عَلَى الحُكْمِ؛ لِمَا أنَّه يَعْقُبُ العِلَّةَ، كما في قولك: ضَرَبَ فَأَوْجَعَ، وأَطْعَمَ فَأَشبَع، فكذا فيما نَحنُ فيه؛ لأنَّ فَرْضِيَّةَ هذه الأشياءِ ثَبَتَتْ بِالْآيَةِ السَّابِقَةِ قَبْلَها.
والفرضُ أصْلُه: القطع.
وفي الاصطلاحِ ما ثبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٌّ لا شُبهة فيه؛ كالكِتابِ والسُّنَّةِ المُتَوَاتِرَةِ، إِذا لَمْ يلْحَقُهُما خُصوص، وكَالإِجْمَاعِ إِذَا لَمْ يُنْقَلْ بِطَرِيقِ الأَحادِ، وكالقِياسِ المَنْصُوصِ عَليْه، وقَد عُرِفَ في الأصول.
قَالَ الأَصْمَعِيُّ: «قصاصُ الشَّعَرِ: حَيْثُ يَنْتَهِي نِبْتَتُهُ مِن مُقَدَّمِهِ وَمُؤَخَّرِه، وَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ قِصَاصِ، وقَصَاص، وقُصَاصِ، والضَّمُّ أَعلَى».
قوله: (وَهُوَ مُشْتَق مِنْهَا، أَي: الوجه مُسْتَقٌ مِن المُواجَهَةِ.
قالَ حافِظُ الدِّينِ النَّسَفِي صلى الله عليه وسلم في «الكافي»: «وخُطَّى صاحبُ «الهداية» في
الجزء 1 · صفحة 31
وَالْمِرْفَقَانِ وَالْكَعْبَانِ يَدْخُلَانِ فِي الْغُسْلِ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِزُفَرَ، هُوَ يَقُولُ: إِنَّ الغَايَةَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْمُغَيَّا، كَاللَّيْلِ فِي الصَّوْمِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وَهُوَ مُشْتَقٌ مِنْهَا؛ حَيْثُ جعلَ الثلاثي مُشْتَقًا مِنَ المُنْشَعِبَة، والأَمْرُ بالعكس.
ثُمَّ أَجابَ عنه وقالَ: والمُخَطَّئُ مُخْطِيُّ، فَقَد قَالَ صاحبُ «الكشاف»: اشتقاقُ اليَمِّ مِن التَّيَمُّمِ؛ لأنَّ المُنتَفِعِينَ بِهِ يَقْصدونَه، واشْتِقاقُ البُرْج مِن التبرج؛ لظهوره».
أقولُ: هذا ليس بجواب، بَلْ هُو تقليدٌ مَحْضُ مِنَ النَّسَفِي، حَيْثُ يجُوزُ لمانِعِ أَن يَقُولَ: لا نُسَلَّمُ أَنَّ صاحبَ الكشاف» مُصِيبٌ أَيضًا، ولا نُسَلِّمُ أَنَّ قول صاحب الكشاف» يدلُّ عَلى صواب صاحِبِ «الهداية»؛ فمِنَ الجائِزِ أَن يقع عنْهُما الغلط؛ لعدَمِ العِصْمَةِ.
الجزء 1 · صفحة 32
وَلَنَا أَنَّ هَذِهِ الْغَايَةَ لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهَا، إِذْ لَوْلَاهَا لَاسْتَوْعَبَتِ الوَظِيفَةُ الكُلَّ، وَفِي بَابِ الصَّوْمِ لِمَدَّ الْحُكْمِ إِلَيْهَا؛ إِذِ الاسْمُ يُطْلَقُ عَلَى الْإِمْسَاكِ سَاعَةٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بَلْ جوابه أن يُقَالَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الثلاثي لا يَكونُ مُسْتَقًا مِنَ المُنْشَعِبَةِ، وَلَا يُرَادُ بالاشتقاق إلا الاشتراك بينَ اللَّفْظَيْنِ في المعنَى الأَصْلِيَّ، والحُروفِ الأصول، وهو حاصل هنا؛ لأنَّ الوجْهَ عِبارةً عمّا يُواجهه الإنسان عادةً.
قوله: (إِذْ لَوْلَاهَا لَاسْتَوْعَبَتِ الوَظِيفَةُ الكُلَّ).
يعني: لَوْلا ذِكْرُ الغَايَةِ لاستملَتْ وَظيفةُ الغَسْلِ كلَّ اليَدِ وكلَّ الرِّجْلِ، يعني: لثبَتَ حُكْمُ الغَسْلِ فِي جَميعِ اليَدِ، وفي جَميعِ الرّجُلِ.
بَيانُه: أَنَّ الغَايَةَ عَلَى نَوعَيْنِ: غايةِ إِسْقاط، وغايةِ إِثْبَاتٍ. فيُعْلَمُ ذلِك بصدْرِ الكَلامِ، فإِن كَانَ صَدْرُ الكَلامِ يُثْبِتُ الحُكْمَ في الغَايَةِ وَمَا وراءَها قبلَ ذِكْرِ الغَايَةِ، فَذِكْرُ الغَايَةِ لإسْقاطِ ما وَراءَ الغَايَةِ، فَلا ُيدْخِلُ ما وَرَاءَها تحتَ حُكْمِ المُغَيَّا، ويبْقَى الحُكْمُ في الغَايَةِ ثابتا بصدْرِ الكَلامِ كما كَانَ، وَإِنْ كَانَ صِدْرُ الكَلَامِ لَا يُثْبِتُ الحُكْمَ في الغَايَةِ قبلَ ذِكْرِ الغَايَةِ، فَذِكْرُ الغَايَةِ لإمْدادِ الحُكْمِ إِلَى تِلكَ الغَايَةِ، فَتَبقَى الغاية خارجةٌ عنِ الحُكْمِ كما كانَتْ؛ لأنَّ المَقْصُودَ فِي الصُّورَةِ الأُولَى إِسْقَاطُ الحُكْمِ عَمَّا وَراءَ الغَايَةِ، وفي الثانية: إمْدادُ الحُكْمِ إِلى تِلكَ الغَايَةِ.
وَالغَايَةُ في صورةِ النّزاع مِن قَبيلِ الإسْقاطِ، وفي المقيس عليه مِن قبيل الإثبات، فَلا يصحُ القِياسُ، أَوْ نَقُولُ: الغَايَةُ قَد تَدْخِلُ كَما فِي: حَفِظْتُ القرآن من أوله إلى آخِرِه، وقد لا تدخلُ كَما في قوله تعالى: {فَنَظِرَةٌ إِلَى
الجزء 1 · صفحة 33
وَالكَعْبُ: هُوَ العَظْمُ النَّاتِيُّ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مَيْسَرَةِ} [البقرة: ???]. والحَدَثُ يقينُ، فَلَا يَزولُ بِالشَّكُ وَالِاحْتِمَالِ.
وَلَئِنْ قَالَ زُفَرُ الله: نعم إِنَّ فِيهِ شَكَّا واحتمالا، فَلَا يَثْبِتُ الفَرْضُ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ.
فَنَقُولُ: قد زالَ الشَّكُ وَالِاحْتِمَالُ بِيانِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، حَيْثُ تَوضَّأَ وَأَدارَ المَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْه، ولَمْ يُنْقَلْ عنْه تَرْكُ غَسْلِ المِرْفَقِ والكَعْبِ، فَلَو كَانَ تَرْكُه جائزا لَفَعَلَ؛ تَعْلِيمًا لأُمَّتِه.
قوله: (وَالكَعْبُ هُوَ العَظْمُ النَّاتِيُّ)، أَيْ: فِي مَفْصِلِ القَدَمِ.
والنَّاتِي: هوَ المُرتفِعُ، مُشْتَقٌ مِن النَّتْءِ والنُّتُوءِ، وفي المَثَلِ: «تَحْقِرُه وينتا»، أي: يرتفع.
وإِنَّما فَسَّرَ صاحبُ الهِدَايَة» الكعبَ بِالنَّاتِي؛ لأَنَّهُ هُوَ المَنقُولُ عَن أَلمَّةِ اللُّغةِ، وقالوا: الكَعْبُ: العَظْمُ النَّاشِرُ عِنْدَ مُلْتَقَى السَّاقِ والقَدَمِ. وَأَنكَرَ الْأَصْمَعِيُّ قول النَّاسِ: إِنَّهُ فِي ظَهْرِ القَدَمِ.
الجزء 1 · صفحة 34
هُوَ الصَّحِيحُ وَمِنْهُ الكَاعِبُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازُ عَمّا رُوِيَ عَن هِشَامِ: أَنَّهُ فِي ظَهْرِ القَدَمِ عِنْدَ مَعْقِدِ الشَّرَاكِ.
قَالُوا: إِنَّ ذلِكَ سَهْوٌ عَن هِشَامٍ فِي نَقْلِهِ عَن مُحَمَّدٍ)؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا قَالَ ذَلِكَ في مَسْأَلَةِ المُحْرِمِ إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، حَيْثُ يَقْطَعُ خُفَّيْهِ أَسْفَلَ الكَعْبَيْنِ، وَأَشَارَ مُحَمَّدٌ بيدِهِ إِلى مَوْضِعِ القَطْعِ، فَنَقَلَه هِشَامٌ إِلَى الطَّهَارَةِ!
قوله: (وَمِنْهُ الكَاعِبُ، يعني: إنّما قُلْنَا إِنَّ الكَعْبَ هُوَ العَظْمُ النَّاتِيُّ؛ لأنَّ وجُوهَ اسْتِقاقِه تدلُّ عَلَى الارْتفاع كالكَاعِبِ، وَهِيَ الجَارِيةُ الَّتِي يَبْدُو ثَدْيُهَا لِلنُّهُودِ، وفي مَعْناهُ: الكِعَابُ، وقد كَعَبَتْ تَكْعُبُ، بِالضَّمِّ، كُعُوباً.
ويُقَالُ لِلنَّوَاشِزِ في أَطْرافِ الأَنابِيبِ: كُعُوبٌ، ومَنْه: الكعبةُ بَيْتُ اللَّهِ الحَرامُ؛
الجزء 1 · صفحة 35
وَالمَفْرُوضُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ، وَهُوَ رُبْعُ الرَّأْسِ.
لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ - أَنَّ النَّبِيَّ – - صلى الله عليه وسلم - أَتَى سُبَاطَة قَوْمٍ فَبَالَ، وَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيتِهِ وَخُفَّيْهِ، وَالْكِتَابُ مُجْمَلٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لارتفاعِها عَلى سَائِرِ البُيوتِ.
قوله: (وَالمَفْرُوضُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ).
فإن قلْتَ مِنْ حُكْمِ الفَرْضِ أَن يَكونَ جاحِدُه كَافِرًا، وجاحِدُ المِقْدَارِ لا يكونُ كَافِرًا؟ فَكيفَ يَكونُ فَرْضًا؟
قلْتُ: نعم، حُكْمُ الفَرْضِ كذلك، لكن عَرَضُ المُصَنِّفِ ليس بيان الفَرْضِ هُنا؛ لأنَّه ذَكَرَ ِفرْضَ الطَّهَارَةِ في أَوَّلِ البابِ، وعَدَّ المَسْحَ مِن حَيْثُ هُو داخلا في الفَرْضِ؛ لأنَّ أَصْلَ المَسْحِ قطعِي وجاحِدُه كَافِرُ.
قبَعْدَ ذلِك: احتاج إلى بيانِ المِقْدَارِ فَقَالَ: المُقَدَّرُ فِيهِ مِقْدَارُ النَّاصِيةِ، وهو المُرَادُ مِن المَفْرُوضِ، وجاحِدُه لا يَكْفُرُ؛ لأنَّه في حقٌّ المِقْدَارِ ظَنِّي، فَلا يَرِدُ السُّؤَالُ.
السُّبَاطَةُ: مُلْقَى الكُنَاسَاتِ؛ مَجَازًا عنِ الخَطَّابي، وأصْلُها: الكناسة، يعْنِي: مِن إطلاق اسم الحالّ عَلى المَحَلّ.
الجزء 1 · صفحة 36
فَالْتَحَقَ بَيَانًا بِهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فَالْتَحَقَ بَيَانًا بِهِ)، أي: الْتَحَقَ حَدِيثُ المُغِيرَةِ بيانًا بِالْكِتَابِ.
إنَّما قَالَ: هذا دَفْعًا لِسؤالِ سَائِلِ يَقُولُ: إِنَّ حَدِيثَ المُغِيرَةِ خَبَرُ الواحِدِ، فَلا تجوزُ الزَّيَادَةُ بِهِ عَلى كِتابِ اللهِ تَعَالَى؛ لأنَّ الزَّيَادَةَ بِهِ نَسْخُ، عَلَى مَا عُرِفَ فِي الأُصولِ؛ فَأَجَابَ عنْه بقوله: هذا.
يعني: أنَّ هذا الحَدِيثَ لَم يلْتحِقُ بِالكِتَابِ عَلى أَنَّه زِيادَةٌ، بَل عَلَى أنه بيان؛ لأنَّ الكتابَ مُجْمَلٌ في حقٌّ المِقْدَارِ.
وَلَا يُقَالُ: لا نُسَلَّمُ استدلال صاحِبِ الهِدَاية» عَلَى مُدَّعَاهُ - وهُو رُبْعُ الرَّأْسِ - بِالحَدِيثِ الدّالّ عَلَى النَّاصِيةِ بعينها كيفَ يصح؟
لأَنَّا نَقُولُ: الحَدِيثُ إنَّما ورَدَ بيانًا، والبيانُ إنَّما يكونُ فيما فيه إجمالٌ، ولا إجمال في المَحَلَّ، بلِ الإِجْمَالُ في القَدْرِ.
الجزء 1 · صفحة 37
وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِي فِي التَّقْدِيرِ بِثَلَاثِ شَعَرَاتٍ، وَعَلَى مَالِكِ فِي اشْتِرَاطِ الاِسْتِيعَابِ.
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: قَدَّرَهُ أَصْحَابُنَا بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ؛ لَأَنَّهَا أَكْثَرُ مَا هُوَ الْأَصْلِ فِي آلَةِ الْمَسْحِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَعُلِمَ بِذلِكَ أَنَّ المَقْصُودَ بِالنَّاصِيَةِ: هُو قَدْرُها، وهُو رُبْعُ الرَّأْسِ لَا عَيْنُها.
وَلا يُقَالُ: لا نُسَلِّمُ أنَّه مُجْمَلٌ؛ لأنَّ المُجمل ما لا يُدْرَكُ بيانُه إِلَّا مِن جِهَةِ المُجْمَلِ، ونحنُ لا نَحتاجُ إِلى البَيَانِ إِذا قُلْنَا بِالاستيعاب، كما قال مالك، أو بأقل ما ينْطَلِقُ عليه اسمُ المَسْحِ، كما قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لأَنَّ فِي الْأَوْلِ عَمَلًا بالأقاويل كلها، وفي الثَّانِي عَمَلاً بالمُتَيَقَّنِ.
لأَنَّا نَقُولُ: الأوَّلُ إِنَّما يكونُ عملا بالأقاويلِ إِذَا كَانَ الِاسْتِيعَابُ فَرْضًا عندَ الكل، وليس بفرض عندَ الكُلِّ؛ فيُبْقَى الإجمالُ.
والثاني: إِنَّما يَكونُ عَمَلًا بالمُتيقّنِ إِذا كَانَ ذلِك الأقلُّ مُعتبرًا، وقَد يَحْصُلُ بغَسل الوجه، ولا اعْتِبارَ لَه، فيُبْقَى الإجمالُ.
قوله: (وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِي له ... إلى آخِرِهِ، أَي: الحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيُّ وعَلى مالك الهلال؛ لأنَّه لَمَّا التحقَ بِالكِتَابِ مُبيِّنًا لَه صَارَ كَأَنَّ الكتابَ ورَدَ ابتداء كذلك، فصار حجَّةٌ عليهما.
قوله: (وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: قَدَّرَهُ أَصْحَابُنَا بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ).
وهو ظاهِرُ الرِّوَايَةِ؛ لأنَّه المَذْكُورُ في «الأصل»، فَكَانَ يَنبَغِي على هذا أن يَقُولَ: وعَلى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لأنَّ لفظةَ (بَعْضِ الرِّوَايَاتِ) تُسْتَعمَلُ فِي غير ظاهر ا الرَّوَايَة.
وفي اختلاف زُفَر ويعقوب: المُقَدَّرُ رُبْعُ الرَّأْسِ، وهُو مَذْهَبُ زُفَرَ.
وذكر الشيخ أبو الحسَنِ الكَرْخِي وأبو جعفرِ الطَّحَاوِي ـ - رضي الله عنه - ـ مقدار ا النَّاصِيَة، وفي قولِ صاحِب «الهِدَاية»: (وَهُوَ رُبْعُ الرَّأْسِ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَجوزُ مِن أيِّ جَانِبِ كَانَ الرُّبْعُ، وكذلك في قوله: (بِثَلاثِ أَصَابِعَ).
ثمَّ على قياس ظاهِرِ الوضْعِ كافٍ، ولا يُشْتَرِطُ المَدُّ، وعَلَى قِياسِ رِوَايَةِ الرُّبْعِ وَالنَّاصِيَةِ: ليس بكافٍ، بَل يَمُدُّ إِلى أَنْ يحصل ذَانِكَ المِقْدارانِ.
وجه ظاهِر الرَّوَايَةِ: أَنَّ الأَمْرَ بِالمَسْحِ في قوله تعالى: {وَأَمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) [المائدة: 1]، أمْرُ بِالمَسْحِ بآلتِه، وآلةُ المَسْحِ: هي الأَصَابِعُ؛ فأُقِيمَ أكثرها مقامَ كلّها؛ إقامة للكلِّ الحُكْمِي مقامَ الكُلّ الحقيقي.
الجزء 1 · صفحة 38
قَالَ: وَسُنَنُ الطَّهَارَةِ غَسْلُ اليَدَيْنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وَسُنَنُ الطَّهَارَةِ غَسْلُ اليَدَيْنِ ... ) إِلَى آخِرِهِ.
السُّنَن: جَمْعُ سُنَّةٍ، عُ سُنَّةٍ، وهيَ ما في فِعْلِه ثوَابٌ وفِي تَرْكِهِ عِتَابٌ لا عِقابٌ.
وإِنَّما قُلْتُ: في تركهِ عِتابٌ؛ احْتِرَازًا عَنِ النَّفْلِ، وَإِنَّمَا قُلْتُ: لَا عِقاب؛ احْتِرَازًا عَنِ الوَاجِبِ وَالفَرْضِ. هذا التّعريفُ أَبْدَعَه خاطِرِي في هذا المَقامِ. وما قيل: السُّنَّة] الطَّريقةُ المَسْلُوكَةُ فِي الدِّينِ؛ فَفِيهِ نَظَرٌ.
وإِنَّما قدَّمَ الفَرْضَ عَلَى السُّنَنِ؛ لكونه أقوَى، وذَكَر السُّنَنَ بلفظِ الجَمْعِ دونَ الفَرْضِ؛ لِمَا أَنَّ الفَرْضَ في الأصْلِ مَصْدرُ يَشْملُ القَلِيلَ وَالكَثِيرَ، بِخِلافِ السُّنَّةِ.
ثمَّ اعْلَمْ أَنَّ كَيْفيَّةَ غَسْلِ اليَدينِ إِلَى الرُّسْغِ: بأن يأخذ الإناء بشماله إِنْ كَانَ صغيرًا، ويصُبَّ عَلى يمينه فيَغْسلها ثلاثاً، وإنْ كَانَ كبيرًا لا يُمْكِنُ رَفْعُه، يأخذ عنه الماء بإناء آخَرَ صَغيرِ، إِنْ كَانَ معَه؛ فيَصُبّه بشمالِهِ عَلى يمينه، وأَلَّا يُدْخِلَ أصابع يده اليُسْرَى مَضمومةٌ دونَ الكَفِّ، ويَصُبّ عَلَى يَمِينِه فَيَغْسِلُها ثلاثا، ثمَّ يُدخِلُ اليَمِينَ بالِغةٌ مَا بَلَغَتْ.
وجه الاستدلالِ بحديثِ: «المُسْتَيْقِظ»: أَنَّ أَوَّلَ الحَدِيثِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الغسل؛ لِلنَّهْي عنِ الغَمْسِ قبلَ الغَسْلِ، وآخِرُه يقتضي استحبابَ الغَسْلِ؛ لِلتَّعليلِ
الجزء 1 · صفحة 39
قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الإِناءَ، إِذَا اسْتَيْقَظَ الْمُتَوَفِّئُ مِنْ نَوْمِهِ.
لِقَوْلِهِ: إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسَنَّ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدَهُ».
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بقوله: «فإِنَّهُ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ.
يعني: في مكانٍ طاهرٍ مِن بَدَنِهِ أوْ نَجِسٍ، فلما انتفَى الوُجُوبُ لمانع في التَّعْلِيلِ المَنْصُوصِ؛ ثبتت السُّنِّيّةُ؛ لأنَّها دونَ الوُجُوبِ.
ولفظُ الحَدِيثِ في الموطأ: قَالَ مالك: أَخبرنا أَبُو الزَّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ؛ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا في وَضُوئِه، فإِن أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ».
ثمَّ اعْلَمْ أَنَّ هذا القَيْدَ - أَعْني: قَيْدَ الاستيقاظ مِن المَنامِ - اتَّفَاقِيِّ؛ لأَنَّ غَسْلَ اليدين في ابتِداء الوضوء سُنَّةٌ مُطلقا.
وقوله: (قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الإِنَاءَ وقَعَ بناءً على عادَتِهِم؛ لأَنَّهم كانوا يَتَوَضَّرُّونَ من الأنوار، بخلافِ ديارنا، وديار بخاري،
الجزء 1 · صفحة 40
وَلِأَنَّ اليَدَ آلَةُ التَّطْهِيرِ، فَيُسَنُ البِدَايَةُ بِتَنْظِيفِهَا.
وهذا الغَسْلُ إِلَى الرُّسْغِ؛ لِوُقُوعِ الْكِفَايَةِ بِهِ فِي التَّنْظِيفِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وسَمَرْقَند، وفَارَاب عمَّرَها الله تعالى.
قوله: (وَلِأَنَّ اليَدَ آلَهُ التَّطْهِيرِ، فَيُسَنَّ البِدَايَة).
لا يُقَالُ: هذا التَّعْلِيلُ يدلُّ عَلى وُجُوبِ الغسل؛ لا عَلَى السُّنِّيةِ؛ لأنَّ ما لا يُتَوَسَّلُ إلى الوَاجِبِ إِلَّا بِه يجبُ كوجوبه.
لأَنَّا نَقُولُ: عَدمُ النَّجَاسَةِ عَلَى اليَدِ حَقِيقَةٌ وحُكْمًا نَفَي الوُجُوبَ.
أَمَّا حَقِيقَةٌ: فَظَاهِرُ.
وأَمَّا حُكْمًا: فَلِأَنَّهُ لوْ أدْخل يده في الإناءِ لا يَتَنَجَّسُ؛ فثبَتَ ما دونَه، وهو السنية.
قوله: (وهذا الغَسْلُ إِلَى الرُّسْغِ).
إِنَّما لَمْ يقُلْ هذا أَوَّلاً عندَ قَولِه: (وَسُنَنُ الطَّهَارَةِ: غَسْلُ اليَدَيْنِ) اتَّبَاعًا للإمامِ
الجزء 1 · صفحة 41
وَتَسْمِيَةُ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي ابْتِدَاءِ الوُضُوءِ لِقَوْلِهِ: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يسم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
القدوري؛ لأنَّه لَمْ يذكرِ الرُّسْغَ في «مختصره»، وقَالَ هُنا؛ لاحتياجه إلى بَيانِ عَايَةِ الغَسْلِ المَسْنُونِ.
وينبغي أن تعرِفَ أنَّ السُّنَّةَ هي البدايةُ بغَسْلِ اليَدَيْنِ، أَمَّا نَفْسُ الغَسْلِ: فيقعُ عنِ الفَرْضِ، أَلا ترى إلى ما قَالَ مُحَمَّدٌ في «الأصل»: «ثُمَّ يَغْسِلُ ذِرَاعَيْه».
والرُّسْغُ: مُنْتَهى الكَفَّ عندَ المَفْصِلِ.
قوله: (وَتَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي ابْتِدَاءِ الوُضُوءِ)، هذا عَلَى اختِيارِ القُدُوري، لأنَّ ما قبل الاسْتِنْجَاءِ حال كشف العورةِ، فَلا يُسمّي حينَئِذٍ تَعظيما لاسمِ اللهِ تعالى، ويُسَمِّي في ابتداء الوضوء؛ لأنَّها سُنَّةُ الوُضوء.
وَقِيلَ: يُسَمِّي قبلَ الِاسْتِنْجَاءِ؛ لِيقَعَ سُننُ الوضوء وفرْضُه بِالتّسميةِ.
وَقِيلَ: يُسَمِّي قبله وبعده، وهو الصحيحُ، وهو اختيار صاحِبِ «الهداية». وإِنَّما يُسَمِّي قبْلَه؛ لأنَّ الاسْتِنْجَاءَ مُلْحَقِّ بِالوُضوءِ مِن حَيْثُ إِنَّهَا طَهَارَةٌ، وَإِنَّمَا يُسَمِّي بَعْدَه؛ لأنَّه ابتداءُ الوُضوء.
ثمَّ اعْلَمْ أَنَّ فِي التَّسْمِيَةِ خِلافًا بيننا وبينَ أَصْحَابِ الظَّواهِرِ، فَقَالُوا: إِنَّهَا مِن الأَرْكَانِ؛ لا يَجوزُ الوُضوءُ إِلَّا بِها؛ لِلحَديثِ.
قَالَ أَبو عيسى: «قَالَ أَحْمَدُ: لا أعْلَمُ فِي هَذَا البَابِ حَدِيثًا لَهُ إِسْنَادٌ جيد.
وقَالَ إِسْحَاقُ: «إِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا؛ أَعَادَ الوُضُوءَ، وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ مُتَأَوّلًا؛ أَجْزَأَهُ».
وعِندَنا عَلى ما هُو المُخْتَارُ: مُسْتَحَبَّةٌ. كَذا في «الأصل»، وسُنَّةٌ عَلى ما اختاره القُدُورِيُّ؛ لقوله: «مَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى؛ كَانَ ذَلِكَ طَهُورًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عليهِ؛ كَانَ ذَلِكَ طَهُورًا لِمَا أَصَابَه».
وجه الاسْتِحْبَابِ: أَنَّ السُّنَّةَ ما فَعَلَه رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى المُوَاظَبَةِ، وَلَمْ يُواظب على التَّسْمِيَة؛ بِدَلِيلِ أَنَّ عُثمانَ و عَلِيًّا لا حَكَيًا وضوءَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَنْقُلَا التَّسْمِيَة، ولأنَّ قولَه: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمَّ».
لَا يَخْلُو مِن أَحدِ الأَمَرَيْنِ إِمَّا أَن يُرادَ بِهِ نَفْيُّ الجَوَازِ، أَوْ نَفْيُّ الفَضِيلَةِ، والأولُ مُنتَفٍ؛ لِلزُومِ مُعارَضةِ خَبَرِ الواحِدِ كتابَ اللهِ تَعالى، وهو فاسد؛ لعدَمِ شَرْطِ المُعَارَضَةِ، وهُوَ المُسَاوَاةُ، فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، وَالفَضِيلَةُ: دليلُ الاسْتِحْبَابِ.
وما رُوِيَ أَنَّهُ سَمَّى، فَنَقُولُ: نَعَمْ، لكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا كَانَتْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا سُنَّة الوضوء، بَل بِاعْتِبَارِ أَنَّها مُسْتَحَبَّةٌ فِي ابتداءِ جَميعِ الأَفعالِ؛ لقوله: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَأُ فِيهِ بِاسْمِ اللَّهِ، فَهُوَ أَبْتَرُ».
لا يُقَالُ: كيفَ أثْبَتَ حَدِيثُ الفَاتِحَةِ الوُجُوبَ، وَلَمْ يُثبِتُه حَدِيثُ التَّسْمِيَةِ، وهما سواء؟
لأَنَّا نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ وُجُوبَ الفَاتِحَةِ ثبَتَ بِالحَدِيثِ، بَلْ بِمُواظبةِ النَّبِيِّ عليها.
وقَالَ بعض الشَّارِحِينَ - تقليدًا لِلبَرْغَرِي صاحب «الطريقة»: إِنَّ حَدِيثَ الفَاتِحَةِ مَشْهُورٌ بِخِلافِ حَدِيثِ التَّسْمِيَةِ.
الجزء 1 · صفحة 42
وَالْمُرَادُ نَفْيُّ الْفَضِيلَةِ. وَالْأَصَحُ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ، وَإِنْ سَمَّاهَا فِي الْكِتَابِ سُنَّةٌ.
ويُسَمِّي قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَبَعْدَهُ هُوَ الصَّحِيحُ.
وَالسِّوَاك؛ لأنَّهُ لا كَانَ يُوَاظِبُ عَلَيْهِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فأقولُ: هذا مِن الشَّارِحِ خِلافُ مذهبه؛ لأنَّه لَوْ كَانَ مِشْهورًا؛ لكانَ تَعْيِينُ الفَاتِحَةِ فَرْضًا؛ لجَوَازِ الزِّيَادَةِ عَلَى النصّ بِالمَشْهُورِ.
قوله: (وَإِنْ سَمَّاهَا فِي الكِتَابِ)، أي: في «مختصر القدوري.
قوله: (وَالسَّوَاك)، أَي: استعمالُ السِّوَاكِ؛ لأَنَّ نَفْسَ الخَشَبَةِ - الَّتِي تُسَمَّى: سوَاكًا ومِسْواكًا أيضًا - ليست بسُنَةٍ، إلّا أنَّ المُضَافَ حُذِفَ، وأُقِيمَ المُضَافُ إِلَيْهِ مقامه؛ لأمن اللبس، كما في قوله: «خَيْرُ خِلَالِ الصَّائِمِ السَّوَاكُ»، أي: استعماله.
وَلَا يُقَالُ: مُوَاظَبَةُ النَّبِيِّ الدليل الوُجُوبِ؛ فَكَيْفَ استدلَّ بِها صاحب «الهداية» عَلَى السُّنيَّةِ؟
لأَنَّا نَقُولُ: نعم، إنَّها دليلُ الوُجُوبِ؛ لكن إذا لَمْ يَوجَدِ التَّرْكُ، وقَد وُجِدَ التَّرْكُ في الجُملةِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ الأَعْرابي، فافهم.
وقد صحتِ الرِّوَايَةُ في (صحيح البُخَارِيُّ عَن أَبي هُرَيْرَةَ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأمَرْتَهُمْ بِالسَّوَاكِ عِنْدَ كُلَّ وُضُوءِ».
فلما امتنَعَ الوُجُوبُ لامتناعِ الأمْرِ لِوُجُودِ المَشَقَّةِ؛ ثبت ما دونَ الوَاجِبِ،
الجزء 1 · صفحة 43
وَعِنْدَ فَقْدِهِ يُعَالِجُ بِالإِصْبَعِ؛ لأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم فَعَلَ كَذَلِكَ.
وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ، لَأَنَّهُ لا فَعَلَهُمَا عَلَى المُوَاظَبَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وهو السُّنَّةُ؛ لعدم المانع، وهو المَشَقَّةُ؛ لأَنَّهُ بِسبِيلٍ مِن تَرْكِ السُّنَّةِ.
قوله: (وَعِنْدَ فَقْدِهِ يُعَالِجُ)، أَيْ: عندَ عَدَمِ السَّوَاكِ يُزَاوِلُ (بِالإِصْبَعِ؛ لأَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَعَلَ كَذَلِك، أي: عالَجَ بإصبعه عندَ عدمِ السِّوَاكِ.
قوله: (فَعَلَهُمَا عَلَى المُوَاظَبَةِ)، أَيْ: مَعَ التَّرْكِ؛ وإِلَّا كانَتا وَاجِبَتَيْنِ.
والدَّليلُ عَلَى التَّرْكِ: ما روَتْ عَائِشَةُ وضوءَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ولَمْ تَذْكُرِ المَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ، ولَم يُذْكَرا أَيْضًا فِي حَدِيثِ الأَعْرابي الَّذِي علَّمَه رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الواجباتِ.
الجزء 1 · صفحة 44
وَكَيْفِيَّتُهُ: أَنْ يُمْضْمِض ثَلَاثًا، يَأْخُذُ لِكُلِّ مَرَّةٍ مَاءً جَدِيدًا، ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ. كَذَلِكَ هُوَ الْمَحْكِيُّ مِنْ وُضُوئِهِ - صلى الله عليه وسلم -.
وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ.
وَهُوَ سُنَّةٌ بِمَاءِ الرَّأْسِ، خِلافًا لِلشَّافِعِيُّ لِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: لْأَذْنَانِ مِنَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وَكَيْفِيَّتُهُ ... ) إِلَى آخِرِه.
إِنَّما قَالَ هذا احْتِرَازًا عَن قَولِ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ عنده: يأخذُ ماء بكفِّ فيُمَضْمِضُ ببعضه، ويَسْتَنْشِقُ ببعضه، ثمَّ يفعل ثانيًا وثالثًا كذلك؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّه: مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ بِكَفِّ وَاحِدٍ».
ولنا: أنَّ الفَمَ والأَنفَ عضْوانِ مُنفرِدانِ، فَلا يُجْمَعُ بينَهُم بِمَاءٍ واحدٍ كسَائِرِ الأعضاء.
والمُرَادُ مِن الحَدِيثِ: استِعمالُ الكَفِّ الواحدِ بِدونِ الاستعانة بالكَفَّيْنِ، كما في الوجه.
قوله: (وَهُوَ سُنَّةٌ بِمَاءِ الرَّأْسِ، خِلافًا لِلشَّافِعِي)، فإِنَّ عندَه مسح ا الأُذُنين
الجزء 1 · صفحة 45
الرَّأْسِ». وَالْمُرَادُ بَيَانُ الْحُكْمِ دُونَ الْخِلْقَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
سُنَةٌ؛ لا بماءِ الرَّأْس، بل بماء جديد.
فعنْ هذا عرفتَ أَنَّ قولَه: (خِلَافًا) يتعلَّقُ بِمجموع قوله: (سُنَّةٌ بِمَاءِ الرَّأْسِ) لا بـ: (سُنَّة) وحْدَها، ولا بماء الرَّأْس وحده، كما ظنَّ بعض الشَّارِحِينَ.
لنا: قوله: (الأَذْنَانِ مِنَ الرَّأْس»، رواه صاحب السنن»، والترمذي في «جامعه»، بإسنادَيْهِما إلى أبي أمامة الله عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
وجْهُ التَّمَسُّكِ بِه أَنَّه لَا يَخْلُو مِن أحدِ الأَمرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ بيانُ الحُكْم، أو بيانُ الحَقِيقَةِ، فَلا يَجوزُ الثَّانِي؛ لكونه صلى الله عليه وسلم مبعوثًا لبيانِ الأحْكامِ دونَ الحقائقِ، ولكونهما مِن الرَّأْسِ مُشاهدةً مُغْنِيةٌ عنِ البَيَانِ؛ فتَعَيَّنَ الأَوَّلُ.
ثمَّ لَا يَخْلُو: إمَّا أَن يَكونَ المُرَادُ مِن الحُكْمِ كونهما ممسوحتَيْنِ بماء الرَّأْس، أو كونهما ممسوحتَيْنِ كالرَّأْسِ لا بِمَاءِ الرَّأْسِ، فَلَا يَجوزُ الثَّانِي؛ لأَنَّ اشتراكَ الشَّيْء مَعَ الشَّيْء في حُكْم لا يوجِبُ أَن يَكونَ ذلِكَ الشَّيْءُ مِن ذلِكَ الشَّيْء الآخَرِ، كالرّجُلِ مَعَ الوَجْهِ فَيَشْتَرِكانِ فِي حُكْمِ الغسلِ.
وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الرِّجْلَ مِن الوجهِ، وكذا الخُفْ مَعَ الرَّأْسِ يَشْتَرِكانِ في المَسْحِ.
وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الخُفَّ مِن الرَّأْسِ، فَلَا يَبْقَى حِينَئِذٍ فائدةٌ لِقُولِه: «الْأُذْنَانِ مِنَ الرَّأْسِ». فتعيَّنَ الأوَّلُ، وهو كونهما ممسوحتَيْنِ بمَاءِ الرَّأْسِ؛ لأَنَّهُ لا قَائِلَ بِالثَّالِثِ.
وما رُوِيَ أَنَّه: أَخَذَ مَاءً جَدِيدٌ. فهو مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ بَقاءِ البَلَّةِ، وبِه نَقُولُ.
ونقل حافظ الدِّينِ النَّسَفِيُّ في «مُسْتَصْفاهُ عنِ الشَّيخِ الإِمَامِ بَدْرِ الدِّينِ الكَرْدَرِي أَنَّهُ قَالَ: «الرَّأْسُ مِن الحلقومِ إِلى فوقُ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَضَ الرَّأْسَ في حقٌّ الأحكام؛ فجَعَلَ وظيفة الوجهِ الغَسْلَ، ووظيفةَ الرَّأْسِ بَعْدَ الوجْهِ: المَسْحَ، فاشتبه أنَّ الأُذَنَيْنِ وظيفتهما المَسْحُ أَوِ الغَسْلُ؟ فَبَيَّنَ وَقَالَ: «الْأَذْنَانِ مِنَ الرَّأْسِ»؛ تبيينًا عَلَى أَنَّ وظيفتهُما المَسْحُ لا الغَسْلُ».
ثمَّ قَالَ: «وهذا وَجْةٌ حَسَنُ واستدلال لطيف، لَمْ أسمعه من أحد.
أَقولُ: لِقَائِلِ أَن يَقُولَ: عَايَةُ ما قَالَ بَدْرُ الدِّينِ الكَرْدَرِي: أَنَّ وَظيفتهما المَسْحُ، ونَحنُ نَقُولُ أَيضاً بمَسْجِهِما؛ ولكن إذا كَانَ كذلِكَ فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ كونُ المَسْحِ بِمَاءِ الرَّأْسِ؟ ولا نُسَلِّمُ ذلك.
فعَنْ هذا عرفْتَ أَنَّ الجَوابَ الشَّافِيَ لاعتِراضِ الخَصْمِ هُو ما حققتُه أَوَّلًا.
وَلَا يُقَالُ: يَنبَغِي أَن يُجْزِئَ مَسْحُهُما عَن مَسْحِ الرَّأْسِ بِمُقْتَضَى مَا قَلْتُمْ.
لأَنَّا نَقُولُ: الثَّابِتُ بِالقطعي لا يتأتى بِالظَّنِّي، كما في الصَّلاةِ إِلى الحَظِيمِ، فافهم.
وأَمَّا مَسْحُ الرَّقَبَةِ: فَلَمْ يَرِدْ فِيهِ رِوَايَةٌ عَن أَصْحَابِنَا المُتقدِّمِينَ.
قَالَ في «شرح الطَّحَاوِي»: «كَانَ الفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ يَمْسِحُ عُنْقَه؛ اتِّبَاعًا لِمَا رُوِيَ عَنِ ابنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَمْسِحُ عُنقَه.
وقَالَ في «التحفة»: «وَاخْتِلفَ المَشَايِخُ فِي مَسْحِ الرَّقَبَةِ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الأَعْمَشِ: إِنَّه سُنَّةٌ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ الإِسْكَافُ: إِنَّه أَدَبَّ».
الجزء 1 · صفحة 46
وَتَخْلِيلُ اللَّحْيَةِ.
لأَنَّ النَّبِيَّ أَمَرَهُ جَبْرَئِيلُ بِذَلِكَ.
وَقِيلَ: هُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الله، جَائِزُ عِندَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -؛
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وأَرادَ بِالأدب: ما فَعَلَه مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ.
قوله: (وَأَمَرَهُ جِبْرِيلُ بِذَلِكَ)، أي: بتخليلِ اللَّحْيَةِ.
وجْهُ الاستدلالِ: أَنَّ مُطلَقَ الأَمْرِ يَقْتَضِي الوُجُوبَ، إِلَّا أَنَّه انتَقَى؛ لِئَلَّا يلزمَ أنه مُعارضةُ الظَّنِّيّ بالقَطْعِيّ؛ فتَعَيَّنَتِ السُّنية.
والأمْرُ: ما ذكرَه أَبُو دَاوُدَ في «سُننه»، بِإِسْنَادِهِ إلى أنس بن مالك - رضي الله عنه -: كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفَّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ. وَقَالَ: «هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي.
وإنَّما أسند صاحب "الهداية» الأمْرَ إِلى جبريل؛ لكونه آمِرًا بأمْرِ اللهِ.
قوله: (جَائِز عندَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ)، أي: لا يَكونُ فاعله منسوبًا إلى البدعة.
الجزء 1 · صفحة 47
لِأَنَّ السُّنَّةَ إِكْمَالُ الْفَرْضِ فِي مَحِلِّهِ، وَالدَّاخِلُ لَيْسَ بِمَحِلٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
دَليلُ أبي يُوسُف عَلى الدُّنْيَةِ: ما ذُكِرَ منَ الحَدِيثِ.
ودَليلُهُما عَلَى الجَوَارِ: أَنَّه ما فعله غيرَ مرَّةٍ، وأيضًا التَّخْلِيلُ إِنَّما يُفْعَلُ مُبالغة في استيفاءِ الفَرْض، وباطِنُ اللَّحْيَةِ لا يجب ـ أيضاً ـ إيصال الماء إليه، فَلا يُسَنُ.
ونقل شمْسُ الأئمَّةِ السَّرَخْسِيُّ قولهما في الجَوَازِ عَن كِتابِ "الشرح الآثار»، ثم ذكَرَ قولَ أَبي يُوسُف - رضي الله عنه - في أنَّه السُّنَّةُ، واسْتدلَّ عليْهِ بِأَمْرِ جِبريل، ثمَّ قَالَ: «هو الأَصحُ»، أَي: قول أَبي يُوسُف - رحمه الله -.
وهذا هو المُخْتَارُ عندي؛ لأنَّ المَذْكُورَ فِي حَدِيثِ أَنسِ لَفْظُ: «كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ». ولا يُفْهَمُ منه التَّخْلِيلُ مرَّةً واحِدةً، بَلْ يُفْهَمُ مِنْهُ غَير مَرَّةٍ.
والمَنقُولُ عَن مَشايخنا في التَّخْلِيلِ: أَنَّهُ مِن الأسفل إلى فوقُ، يدلُّ عليه ما
الجزء 1 · صفحة 48
وَتَخْلِيلُ الأَصَابِع.
لِقَوْلِهِ: خَلَّلُوا أَصَابِعَكُمْ كَيْ لَا يَتَخَلَّلُهَا نَارُ جَهَنَّمَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
روي في شرح مخْتَصَر الكَرْخِي» عَن أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ؛ شَبَّكَ أصابعه، كأَنَّها أَسْنَانُ المُشْطِ».
قوله: (وَتَخْلِيلُ الأَصَابِع).
أراد بها: أَصابع اليدَيْنِ والرِّجلَيْنِ؛ لأنَّ الأمْرَ بِالتَّخْلِيلِ مُطْلَقٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ بناء على مُطْلَقِ الأمْرِ؛ لِئَلَّا يلزمَ المُعَارَضَةُ بِالكِتابِ، أَوْ لِحديثِ الأغرابي، حَيْثُ لَمْ يعلَّمه النَّبِيُّ التَّخْلِيلَ.
وحدثَ أَبو عيسى التَّرْمِذِيُّ، بِإِسْنَادِهِ إلى لَقِيطِ بنِ صَبِرَة، قَالَ: قَالَ النَّبِيِّ: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلَّلِ الْأَصَابِعَ».
الجزء 1 · صفحة 49
وَلَأَنَّهُ إِكْمَالُ الفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ.
وَتِكْرَارُ الْغُسْلِ إِلَى الثَّلَاثِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَالَ أَبو عيسى: «هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ".
وذكَرَ أَبو عيسى أيضا بِإِسْنَادِهِ إِلى ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلَّلْ أَصَابِعَ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ».
وينبغي أن تعرِفَ: أَنَّ التَّخْلِيلَ هُو إِكْمالُ الفَرْضِ فِي مَحَلَّ الفَرْضِ، وإيصال الماء إنَّما يَكونُ سُنَّةً إِذا وصَلَ الماءُ إِلَى مَا بَيْنَ الأَصَابِعِ؛ لأنَّ الوصول فَرْضَ.
قوله: (وَلَأَنَّهُ إِكْمَالُ الفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ).
معْناهُ: أَنَّ المَقْصُودَ مِن التَّخْلِيلِ هُو إِكْمالُ الفَرْضِ فِي محلَّ الفَرْضِ، وإيصال الماء إلى ما بينَ الأَصَابِعِ فرْضُ، فيكونُ التَّخْلِيلُ مَسْئُونًا؛ لأنَّ السَّنَّةَ إِكْمَالُ الفَرْضِ، بِدَلِيلِ ما رُوِيَ في «السُّنن»: عَن أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ
الجزء 1 · صفحة 50
لأَنَّ النَّبِيَّ لا تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ: «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ وَتَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ: «هَذَا وُضُوءُ مَنْ يُضَاعِفُ اللَّهُ لَهُ الْأَجْرَ مَرَّتَيْنِ وَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ: «هَذَا وُضُوئِي وَوَضُوءُ الْأَنْبِياءِ مِنْ قَبْلِي، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ؛ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ) وَالْوَعِيدُ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ سُنَّةٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مَا يُحَاسَبُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الصَّلاةُ. قَالَ: يَقُولُ رَبُّنَا لِمَلائِكَتِهِ - وَهُوَ أَعْلَمُ: انْظُرُوا فِي صَلاةِ عَبْدِي؛ أَتَمَّهَا أَمْ قصرها؟ فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةٌ كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةٌ، وَإِنْ كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا، قَالَ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّع، قَالَ: أَتِمُّوا لِعَبْدِي فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى ذَاكُمْ».
قوله: (فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ».
معناه: زادَ عَلَى الثَّلاثِ مُعتقدًا أنَّ السُّنَّةَ لا تَحْصُلُ بِالثَّلَاثِ، أَوْ نَقَصَ مُعتقدًا أَنَّ الثَّلاثَ بِخِلافِ السُّنَّةِ، أَمَّا إِذا زادَ لزيادةِ التَّنظيفِ، أو نقص الضِيقِ ا الماء، أو للبرْدِ مع اعتقادِ سُنِّيّةِ الثَّلاثِ؛ فَلا يَكونُ مُتعَدِّيّاً ولا ظالما، وهو مَعْنَى قولِ المصنف: (وَالوَعِيدُ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ سُنَّةٌ).
وفي الحَدِيثِ صَنْعةُ اللَّفُ والنَّشْرِ؛ لأنَّ التَّعَدِّيَ يَرْفَعُ إِلَى الزَّيَادَةِ، والظلمُ
الجزء 1 · صفحة 51
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَفِّيِّ أَنْ يَنْوِيَ الطَّهَارَةَ.
فَالنَّيَّةُ فِي الوُضُوءِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَرْضٌ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ فَلَا تَصِحُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إلى النقصان، وهذا الحَدِيثُ رواهُ ابنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ. كذا ذكره الجَصَّاصُ في «شرح مخْتَصَر الطَّحَاوِي».
قوله: (فَالنِّيَّةُ فِي الوُضُوءِ سُنَّةٌ).
إِنَّما قَالَ: (سُنَّةٌ) بعدَ أَنْ قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ)؛ لأنَّ الاِسْتِحْبَابَ عَلَى مَا اخْتارَه القُدُوري فأورَدَه بلَفْظِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما هُو المُخْتَارُ عندَه.
ثمَّ الشَّافِعِيُّ يتمسك في افتراضِ النِّيَّةِ بِالنَّقْلِ والعقل:
أَمَّا الأَوَّلُ: فَقَولُه: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».
وأمّا الثَّانِي: فهو أَنَّ الوُضوءَ عِبادةٌ فَلا تصح بِدونِ النِّيَّةِ، قياسًا عَلَى التَّيَمُّمِ.
والعبادةُ: فِعْلٌ يُؤتَى بِهِ تَعْظيمًا الله تَعالى بأمره، والوضوء بهذه الصفة.
ولنا: النقل والعقل.
أمَّا الأَوَّلُ: فَقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} الآيةَ. أمرٌ بالغَسْلِ والمَسْحِ ولَم يَشْتَرطِ النِّيَّةَ، فعُلِمَ بِذلِكَ: أَنَّ النِّيَّة ليست بشرط.
وقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: (48)]. بدونِ اشْتِراطِ النيةِ، والشَّيءُ إِذا خُلِقَ عَلَى أَيِّ طَبْع كَانَ؛ يوجَدُ ذلِك الطَّبَعُ فِيهِ، سواءٌ وُجِدَتِ النية أو لم توجد؛ كالنَّارِ طبعها إحراق، تحْرِقُ إِذا وجدتْ محلا قابلا للاحتراق.
ولا يَقُولُ أحدٌ إِنَّ لحيته لا تحتَرِقُ بالنّارِ إِذَا لَمْ يَنْوِ؛ فَكَذَا المَاءُ يُطَهِّرُ بِلا نيَّة؛ لأنَّ طَبْعَه مُطَهِّرُ؛ وهذا لأنَّه لا يَخْلُو إما أَن يكونَ الطَّهُورُ هُو الطَّاهِرُ بِسبيل المبالغة، وهي لا تحصل إلا بظهور أثره في الغَيرِ، وليسَ المُطَهِّرُ إِلَّا هذا، فيكونُ الطَّهُورُ بمعنى المُطَهِّرِ.
أَوْ يكونُ بمعنى ما يُتَطَهَرُ به؛ كالسَّحُورِ: اسمٌ لِمَا يُتَسَخَرُ بِهِ، والفَطُور: اسمٌ لِمَا يُقْطَرُ بِه، والوَجُورُ: اسمٌ لِمَا يُوجَرُ بِه، فيكونُ الطَّهُورُ بِمَعْنى: المُطَهِّر أَيضاً، فيُثْبُتُ كونُ المَاءِ مُطَهِّرًا طبعا.
وذكَرَ الزَّمخشري في «كشافه» في سورة الفرقانِ عَن أحمد بن يحيى: الطهور: ما كَانَ طاهرا في نفسه مُطهَّرًا لغَيرِه.
وأمّا الثَّانِي: فَتَقُولُ: لا شكٍّ أنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطُ لِلصَّلاةِ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ؛ مِن سَتْرِ العورة، واستقبالِ القِبْلة، وإزالة النَّجَاسَةِ، وسائرُ الشُّرُوطِ لَا يتوقفُ عَلَى النية، فكذا الطَّهَارَةُ.
وأيضا: إِنَّ الوضوءَ بِلا نيَّةٍ وسيلة إلى الصَّلاةِ؛ لحصولِ الطَّهَارَةِ بِاسْتِعْمَالِ المُطَهِّرِ في محلّه، والشَّرْطُ هُو مطلق الطَّهَارَةِ بقوله: «لَا صَلاةَ إِلَّا بِالطَّهَارَةِ».
والجوابُ عَن قوله: فَتَقُولُ: قوله: «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، لَا يَخْلُو إِمَا
الجزء 1 · صفحة 52
بِدُونِ النِّيَّةِ، كَالتَّيَمُّمِ. لَنَا أَنَّهُ لَا يَقَعُ قُرْبَة، إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَلَكِنَّهُ يَقَعُ مِفْتَاحًا لِلصَّلَاةِ؛ لِوُقُوعِهِ طَهَارَةٌ بِاسْتِعْمَالِ الْمُطَهِّرِ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ غَيْرُ مُطَهِّرٍ إِلَّا فِي حَالَةِ إِرَادَةِ الصَّلَاةِ، أَوْ هُو يُنْبِئُ عَنِ الْقَصْدِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَن يُرَادَ بِه الحَقِيقَةُ أَوِ الحُكْم؛ فالأوَّلُ غيرُ مُرادٍ بِالإِجْمَاعِ، لِوُجُودِ كثيرٍ مِن الأَعْمَالِ بلا نيَّة؛ كغَسْلِ الثّوبِ، والبَدَنِ، والمَكانِ عنِ النَّجِسِ، وغيرِ ذلِك مِن الأَكْلِ والشَّرْبِ؛ فتعيَّنَ الثَّانِي.
ثمَّ الحُكْمُ عَلى نوعينِ: حُكْمُ الدُّنيا، وحُكْمُ الآخِرَةِ.
فالأول: هوَ الجَوَازُ والفساد.
والثاني: هو التّوابُ والعِقابُ.
والثاني مرادٌ مِن الحَدِيثِ بِالإِجْمَاعِ؛ لأنَّه لا يحصلُ التَّوابُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، فَلا يكون الأوَّلُ مُراداً وإلا يلزم أن يكونَ للمشترك عموم في موضع الإثباتِ، وهو فاسد بِمَرَّة.
أما قياسُه عَلَى التَّيَمُّمِ: فَضَعِيفٌ؛ لأَنَّا نَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَقِيسَ مثَلُ الْمَقِيسِ عليه، وهذا لأنَّ الماءَ طَبْعُهُ مُطَهِّرُ، بِخِلافِ التّرابِ، فَإِنَّ طَبْعَه مُلَوِّنٌ لا مُطَهَّرُ، إِلَّا أَنَّ المشَّرْعَ جَعلَه مُطَهِّرًا في حالِ إرادةِ الصَّلاةِ. وَالنِّيَّةُ هيَ الإرادة أيضا، أوِ التَّيَمُّمُ يدلُّ عَلَى القَصْدِ لُغَةٌ، والنِّيَّة عبارةٌ عنِ القصْدِ إلى الشَّيْء.
قوله: (لَا يَقَعُ قُرْبَةٍ، وَلَكِنَّهُ يَقَعُ مِفْتَاحًا).
يعني: سَلَّمْنا أَنَّ الوضوء لا يقَعُ قُرْبةٌ بدونِ النِّيَّةِ، فَلأَجْلِ هذا قُلْنَا: إِنَّه مستحب؛ لكن لا نُسَلِّمُ إِذا كَانَ كذلِك أنَّه لا يَقعُ: (مِفْتَاحًا لِلصَّلاةِ)، أي: وسيلةً
الجزء 1 · صفحة 53
وَيَسْتَوْعِبَ رَأْسَهُ بِالْمَسْحِ وَهُوَ سُنَّةٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: السُّنَّةُ التَّثليثُ بِمِيَاه مُخْتَلِفَةٍ اعْتِبَارًا بِالْمَغْسُولِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَنْفَتحُ بها بابُ الصَّلاةِ، وقَالَ: مِفْتَاحُ الصَّلاةِ الطُّهُورُ».
وقد حصَلَ المِفتاح باستِعْمالِ المُطَهِّرِ كما بَيَّنَّا، ثمّ النِّيَّةُ: إزالةُ الحدَثِ، أَو إقامة الصلاة.
قوله: (وَيَسْتَوْعِبَ رَأْسَهُ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى قوله: (أَنْ يَنْوِيَ الطَّهَارَةَ)، أَيْ: يُستحب نيَّة الطَّهَارَةِ واستيعابُ الرَّأْسِ.
والمنقول في "الفتاوى» كيفيَّةِ الإِسْتِيعَاب: «أَن يبل كفَّيْهِ وأَصابع يديه، ويضع بُطُونَ ثلاث أصابعَ مِن كُلِّ كَفِّ عَلى مُقدِّمِ الرَّأْسِ سِوى السَّبَابَتَيْنِ وَالإِبهَامَيْنِ والكفَّيْنِ، ويَجُرْهُما إلى مُؤخَّرِ الرَّأْسِ، ثمَّ يَمْسَحَ الفَوْدَيْنِ بِالْكَفَّيْنِ، ويَمْسَح ظاهر الأُذُنَيْنِ بباطِنِ الإبهاميْنِ، وباطنَ الأُذُنَيْنِ بِبَاطِنِ السَّبَّابَتَيْنِ».
وعِندَ مالك: الاسْتِيعَابُ فَرْضِ؛ لأنَّ الباء في الآية زائدة.
ولأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم توضَّأَ ومَسَحَ بيديه جَميعَ رأْسِه، أقبَلَ بهِما وأدْبَر.
ولنا: ما ورد في حَدِيثِ المُغِيرَة مِنْ تَرْكِ الْإِسْتِيعَابِ، فَلَوْ كَانَ وَاحِبًا لَمَا تركه، ولا معنى لقوله: بزيادة الباء؛ لأنَّه يُمْكِنُ أَن يكونَ بِمعْنى التَّعْدِيةِ، وجَعْلُ ما يُمْكِنُ لَه المعنَى مِن قَبِيل ما ليسَ لَه المَعْنى؛ لا مَعنَى لَه.
ثم السنة عندَنا: هوَ الاِسْتِيعَابُ؛ لِلحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ مِن قِبَلِ مالك.
وعِندَ الشَّافِعِيُّ: التَّثليث بِمياه مُختلفة.
لَه: ما رُوِيَ عَن عُثمانَ الله في حكايته وضوءَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بِتَثليثِ المَسْحِ.
الجزء 1 · صفحة 54
وَلَنَا أَنْ أَنَا اللهُ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةٌ، وَقَالَ: هَذَا وُضُوءِ رَسُولِ الله.
وَالَّذِي يُرْوَى مِنَ التَّثلِيثِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ عَلَى مَا رُوِي عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولَنا: ما رَوى أَبُو دَاوُدَ في «سُننه): عَن عُثمانَ وعليٍّ، في حكايتهما وضوءه مِن غَيرِ تثليث.
وروى أبو دَاوُدَ أيضًا: بِإِسْنَادِهِ إلى ابنِ أَبي لَيْلَى أَنَّهُ قَالَ: «رَأَيْتُ عَلِيًّا تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَاحِدَةٌ. ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
وما يُرْوَى مِن التَّثلِيثِ: فَالمُرَادُ منه التَّثلِيث بماء واحدٍ، وهو مشروع على ما
الجزء 1 · صفحة 55
وَلِأَنَّ المَفْرُوض هُوَ المَسْحُ، وبالتكرار يصير غسلا، فَلَا يَكُونُ مَسْنونًا، وَصَارَ كَمَسْحِ الْخُفِّ، بِخِلَافِ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ التِّكْرَارُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
رُوِيَ في «المُجرَّد»: عَن أَبي حَنِيفَةَ.
وقياسُ الشَّافِعِيِّ عَلى المَغْسُولِ ضَعِيفٌ؛ لأنَّ المَمْسُوحَ ليسَ مِن جِنْسِ المَغْسُولِ، وَكَانَ مِن الوَاجِبِ عَلَيْهِ أَن يَقِيسَ المَمْسُوحَ عَلَى الْمَمْسُوحِ، بِأَنْ يَقُولَ: المَمْسُوحُ لَمْ يُشرَعُ مُكرَّرًا، إِنَّما شُرعَ كَمَسْحِ الخُفِّ وَالتَّيَمُّمِ، وهذَا مَسْحٌ، فَلا يُكرر.
قوله: (وَلِأَنَّ المَفْرُوض هُوَ المَسْحُ).
يعني: أنَّ المأمور به في الآية هو المسْحُ، وحقيقته: الإصابَةُ لا الإسالة، فلو كَانَ المَسْنُونُ هُو التَّثلِيثَ بمياه مُختلِفةٍ كما قال لانقَلَبَتْ حَقِيقَةُ المُسْحِ إِلى حَقِيقَةِ الغسْلِ، وهو خلافُ النّصّ، فَلا يَجوزُ.
ولهذا المعنى قَالَ بعض عُلمائنا: التَّثلِيث بدعة.
وقَالَ بعضُهم: مَكْروه، ولا خير فيهما.
الجزء 1 · صفحة 56
وَيُرَتِّبَ الوُضُوءَ، فَيَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِذِكْرِهِ، وَبِالْمَيَامِنِ.
فَالتَّرْتِيبُ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ.
قوله: (وَيُرَتِّبَ الوُضُوءَ بِالنَّصْبِ عطفا على قوله: (أَنْ يَنْوِي).
وقوله: (فَيَبْدَأ) لبيان التَّرْتِيبِ، صرَّحَ في «المبسوط»: بأَنَّ التَّرْتِيبَ سنة، وكذا الاِسْتِيعَابُ، وكذا النَّيَّة.
والمصنف اختار ما قَالَه في «المبسوط»، ولكِنْ ذَكَرَ أَوَّلا لفظ القُدُوري كما هو.
وقَالَ الشَّافِعِيُّ: التَّرْتِيبُ فَرْضِ؛ لِقوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}. الآية. ذُكِرَ بحرف الفاء، وهي للتَّعْقِيبِ، ولا يُفْهَمُ مِنْهُ إِلَّا التَّرْتِيبُ.
ولنا: هذه الآية.
بيانه: أنَّه تَعالى أَمَرَنا بِالغسْلِ والمَسْحِ بِلا قَيْدِ التَّرْتِيبِ، والقيْدُ: نَسْخُ الإطلاقِ، فَلا يَجوزُ.
ودليل آخرُ: ما رَوى أَبُو دَاوُدَ في «سننه»: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَيَمَّمَ ولَم يُرَتِّبْ، وَمَسَحَ يَدَيْهِ ثُمَّ وَجْهَه».
الجزء 1 · صفحة 57
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فَرْضٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} الآيَةَ. وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ. وَلَنَا أَنَّ المذْكُورَ فِيهَا حَرْفُ الْوَاءِ، وَهِيَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ؛ فَتَقْتَضِي إِعْقَابَ غَسْلِ جُمْلَةِ الْأَعْضَاءِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وتركُ التَّرْتِيبِ في التَّيَمُّم تَرْكُ في الوضوءِ؛ لأنَّ الخِلافَ فيهما واحدٌ، وقد رُوِيَ أَنَّه: نَسِيَ مَسْحَ الرَّأْسِ في وضوئه، فتَذَكَّرَ بعدَ فَراغِه؛ فمَسَحَ بِبَلَلٍ في كَفِّه. فلَوْ كَانَ التَّرْتِيبُ فَرْضًا لأعادَ الوضوء.
يُؤيَّده: أَنَّ الشَّخصَ لَو انغمَسَ بنيةِ الوُضوء؛ يجوز إجماعاً، وهذا ليس إلا لأنَّ الرُّكنَ هُو التَّطْهِيرُ، وقَد حَصَلَ بِدونِ التَّرْتِيبِ.
أما قوله: «الفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ». فَنَقُولُ: نعم، لكنْ لِتعقيب ما دخلَتْ هِيَ عليه؛ لا لتعقيب غير ما دخلَتْ هي عليه، وهنا في الآية: ما دخلَتِ الفاء إلا في الغسل؛ لا في أعضاء الوضوء، وكلّ واحدٍ منها معطوف بحرف الواو، التي (لِمُطْلَقِ الجَمْعِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ).
فَصارَ تقديرُ الآيةِ عَلى هذا: إِذا قمتُم إِلى الصَّلاةِ فَاغْسِلوا كذا، وامْسَحوا
الجزء 1 · صفحة 58
والبدَاءَةُ بِالمَيَامِنِ فَضِيلَةٌ؛ لِقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ التَّيَامُن في
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كذا. ولا يُفْهَمُ مِنْهُ إِلَّا فِعْلُ الغَسْلِ والمَسْحِ مُطلقا؛ كَقَوْلِ الرَّجِلِ لِعَبْدِهِ: إِذا دخَلْتَ السّوقَ فاشْتَرِ اللَّحْمَ والخُبْرَ والبَقْلَ؛ ولا يُفْهَمُ مِنْهُ إِلَّا الجَمْعُ بينَ هَذِهِ الأَشياء مُطْلَقًا كيف ما وَقعَ الشَّراءُ، فكذا في المُتَنَازَعِ فِيهِ، فَلَا يَتأَنَّى التَّرْتِيبُ حِينَئِذٍ لِلشَّافِعِي - رحمه الله -.
فَلَئِنْ قَالَ: مُوَاظَبَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى التَّرْتِيبِ تدلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ؛ نَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ؛ لأنَّ المُوَاظَبَةَ قَد وُجِدَتْ في المَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، وَلَمْ تَدلَّ عَلَى الوُجُوبِ.
ولئِنْ قَالَ: وُجِدَ التَرْكُ ثَمَّ كَما رَوَتْ عَائِشَةُ - رضي الله عنها -.
فَنَقُولُ: وُجِدَ فِي المُتَنَازَعَ فِيهِ أيضًا، كما بَيَّنَّا آنفًا.
قَالَ حافِظ الدِّينِ النَّسَفِيُّ في جَوابِ الشَّافِعِي في «المُسْتَضْفَى»: «والجواب: أنَّ حرف الفاء إنَّما يقتضي التَّعقيبَ إِذا دخلَتْ عَلى غَيْرِ الأَفْعَالِ الاختيارية، أمَّا إذا دخلَتْ عَلى الأفعال الاختياريَّة فَلا».
فأَقولُ: يا للنَّسَفِي مِن جُزَافِه فمِنْ أينَ قَالَ مثل هذا الكَلامِ تقليدًا؟ وما وضَعَ أهلُ اللُّغةِ الفاءَ إِلَّا للتعقيبِ، سواء دخلَتْ عَلَى كَذَا أَوْ عَلَى كَذَا.
قوله: (وَالبَدَاءَةُ بِالمَيَامِنِ فَضِيلَةٌ). يَعْنِي: أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ.
والمَيامِنُ: جَمْعُ مِيْمَنَةٍ، وهي نقيضُ المَيْسرة.
الجزء 1 · صفحة 59
كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى التَّنَكُّلِ وَالتَّرَجُلِ».
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والفَضِيلَةُ: الدَّرجة الرفيعة في الفضْلِ.
قوله: (حَتَّى التَّنَوُّلِ وَالتَّرَجُلِ).
والتَّنْقُلُ: لُبْسُ النَّعَليْنِ.
والتَّرجُلُ: الامتشاطُ، وشَعْرٌ مُرَجَلٌ؛ أي: مُسَرَّح، والمِرْجَلُ والمِسْرَحُ: المُشْط. كذا في «الغرِيبَيْنِ».
وحديث البُخَارِيّ في الصَّحيح»، مسندًا إِلَى عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ، فِي ظُهُورِهِ، وَتَرَجَلِهِ، وَتَنعله».
والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 60
فَصل
فِي نَوَاقِضِ الوُضُوءِ
الْمَعَانِي النَّاقِضَةُ لِلْوُضُوءِ: مَا يَخْرُجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِط} [المائدة: (6)]، وَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ: وَمَا الحَدَثُ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَصْلُ
فِي نَوَاقِضِ الوُضُوءِ
إنَّما أَخَّرَ ذِكْرَ النَّوَاقِضِ؛ لكوْنِها مِنَ العَوارِضِ، وهِيَ جَمْعُ: ناقضة لا ناقض؛ لأنَّ الفاعل الصفةَ إذا لَم يَكُن مُؤنّثا لا يُجْمَعُ عَلَى فَواعِل، وقَولُهم: فوارس؛ شاد، يُسْمَعُ ولا يُقاسُ عَلَيْهِ.
والنَّقْصُ: هو الإبْطالُ، وهو إمّا إبطالُ التَّأليف، كما استُعْمِلَ في الأجْسامِ، مثل: البناء والحَبْلِ، وإما إبطال الفائِدَةِ المَطْلُوبَةِ مِنَ الشَّيْءِ إِذَا اسْتُعْمِلَ فِي المَعَانِي كالوضوء؛ لأنَّ الفائِدَةَ المَطْلُوبَةَ منه استباحةُ الصَّلاةِ، وهي تَبْطُلُ بالنَّقْضِ.
والنَّواقِصُ: صفةٌ موصوفها مخذوفٌ، وهيَ العِلَلُ لا المعاني؛ لكونِ النَّوَاقِضِ جَمْعَ مُؤنَّثٍ؛ لَا جَمْعَ مُذكَّرٍ، فَافْهَم.
وإِنَّما قَالَ المُصَنِّفُ: (المَعَانِي النَّاقِضَة) اقتداءً وتبركا بلفظ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم في قوله: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، إِلَّا بِأَحَدِ مَعانِ ثَلاث. واحترازًا عَن لَفْظِ الفَلاسفة.
الجزء 1 · صفحة 61
قَالَ: «مَا يَخْرُجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ».
وَكَلِمَةُ (مَا) عَامَّةٌ، تَتَنَاوَلُ الْمُعْتَادَ وَغَيْرَهُ.
والدَّمُ وَالْقَيْحُ إِذَا خَرَجَا مِنَ البَدَنِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وسمعتُ بعض مَشايخ بُخَارَى يَقُولُ: إِنَّ أَصْحَابَنا كانوا لا يُطْلِقونَ لَفْظَ العِلةِ أَصلا؛ احْتِرَازًا عَن لَفْظِ الفَلاسِفةِ، إِلى أَن نَشَأُ الإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ الطَّحَاوِيُّ؛ فاسْتَعْمَلَها؛ فتبعه مَنْ بَعْدَه واقْتَدَى بِه.
وقوله: (مَا يَخْرُجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ)، أي: خُرُوجُ مَا يَخْرِجُ، وإِنَّما قَدَّرْنا هكذا؛ ليكون الخبرُ مَعنِّى مِن قَبِيلِ المُبتدأ، فافهم.
قوله: (إِذَا خَرَجَا مِنَ البَدَنِ، أَيْ: مِن بدَنِ الحَيَّ؛ لأنَّ المَيِّتَ إِذا خَرَجَ مِنْه شيء لا يُعاد غسله.
ثمَّ اعْلَمْ أَنَّ عِلَّةَ انتِقاضِ الطَّهَارَةِ عِندَ عُلمائِنَا الثَّلَاثَةِ: خُرُوجُ الخَارِجِ النَّجِسِ من بدن الإنسانِ الحَيَّ؛ كَيْفَ ما كَانَ.
وعِندَ زُفَر: ظهوره.
وعِندَ مالك وَالشَّافِعِي: خروجُه مِن السَّبِيلَيْنِ.
الجزء 1 · صفحة 62
فَتَجَاوَزَا إِلَى مَوْضِعِ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ، وَالْقَيْءُ مِلْءَ الْفَمِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وعن مالك في قول: خُرُوجُ النَّجِسِ المُعْتَادِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ، حَتَّى إِنَّ دَمَ الاسْتِحَاضَةِ ليسَ بِحَدَثٍ عنده.
وقولُ المُصَنِّفِ: (وَكَلِمَةُ: «مَا عَامَّةٌ، تَتَنَاوَلُ الْمُعْتَادَ وَغَيْرَهُ) رَدُّ لقولِ مالك.
وجه الاستدلالِ بِالآيةِ: أَنَّ اللهَ تَعالى رَتَّبَ وُجُوبَ التَّيَمُّمِ عَلَى المَجِيء مِن الغَائِطِ حال عدَمِ الماء، فدلّ أنَّ المَجِيءَ مِن الغَائِطِ حَدَثٌ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ.
بيانُه: أَنَّ الغَائِطَ اسم للمكانِ المُطَهِّرِ مِن الأَرْضِ، والإِنسانُ إِذا أَرادَ قضاءَ حاجته، يقضي في مِثْلِ ذلِك المَكانِ عادةً؛ لِرعاية الأدب، فالمجيء بعد ذلك يكون لازماً لقضاء الحاجةِ عادةً، فأُطلِقَ الاسم اللازم، وهو المجيء منه، وأُرِيدَ بِهِ المَلْزُومُ، وهُو الحدثُ كِنايةٌ؛ لأَنَّهَا ذِكْرُ اللَّازِمِ وإرادةُ المَلْزُومِ.
قولُهُ: (إِلَى مَوْضِعِ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ).
يعني: يجب تطهيره، إمّا في الطَّهَارَةِ الصُّغَرَى، وإِمَّا فِي الطَّهَارَةِ الكُبَرَى.
فعَنْ هذا قَالَ أصحابنا: إذا نزَلَ دمٌ مِن الرَّأْسِ عَلَى قِصَبَةِ الْأَنفِ؛ نَقَضَ الوضوء؛ بتجاوزه إلى موضع يجب تطهيره في الطَّهَارَةِ الكُبْرَى، وإِذا نزل البول إلى قصبةِ الذَّكَرِ لا ينتقض الوضوء؛ لعدم تجاوزه إلى موضع يجب تطهيره.
الجزء 1 · صفحة 63
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ لَا يَنْقُصُ الْوُضُوءَ؛ لِمَا رُوِيَ أنه قاءَ فَلَمْ يَتَوَضَّأُ، وَلِأَنَّ غَسْلَ غَيْرَ مَوْضِعِ الْإِصَابَةِ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ، فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ، وَهُوَ الْمَخْرَجُ الْمُعْتَادُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أَمْرٌ تَعَبدِي).
والتعبدُ: التَنسُّكُ، والتَّعبيدُ: الاستعباد، وهُو أَن يَتَّخِذَه عَبْدًا؛ يَعْنِي: أَنَّ غسل الموضعِ الَّذي لَم تُصبه النَّجَاسَةُ أمْرٌ مَنسوبٌ إِلَى التَّعَبْدِ، عَبَّدَنَا اللَّهُ تَعَالَى فيه، وكلفنا مِن غَيرِ أنْ يُعْقَلَ فيهِ معنِّى مَعْقُولٌ؛ لأنَّ المعقول أَن يُغْسَلَ موضعُ الإِصَابَةِ لا غَيرُه، فلمَّا ثبَتَ أنَّه غيرُ مَعْقُولٍ لزِمَ أَن يقتصرَ الحُكْمُ ـ وهو انتقاصُ الطَّهَارَة ـ عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ.
والمَوْرِدُ: هو المَخْرَجُ المُعْتَادُ.
والشَّرعُ: هُو قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ}. فَلا يُقاسُ إِذَنْ ما هُو الخَارِجُ مِن غَيرِ السَّبِيلَيْنِ عَلَى الخَارِجَ مِنْهُما.
قوله: «الوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمِ سَائِلِ، أَيْ: وَاجِبٌ، وإِنَّما قِدَّرْنَا الوَاجِبَ ولَم نُقدِّرِ السُّنَّةَ أَوِ المُسْتَحَبَّ؛ لِئَلَّا يَلْزَمَ الكَذِبُ فِي خَبرِ الشّارِعِ؛ لأَنَّ خَبَرَه يَقْتَضِي
الجزء 1 · صفحة 64
وَلَنَا قَوْلُهُ: الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَم سَائِلِ»، وَقَوْلُهُ: «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ؛ فَلْيَنْصَرِفُ، وَلْيَتَوَضَّأْ، وَلَيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ مَالَمْ يَتَكَلَّمْ».
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وجودَ المُخْبَرِ بِه لا محالة، والوُجود لا محالة إنَّما يحصلُ إِذَا كَانَ الوُضوءُ واجِباً؛ لأَنَّه فِي سَعَةٍ مِن تَرْكِ المُسْتَحَبِّ أَوِ السُّنَّةِ؛ لِعَدمِ الإِثْمِ فِي التَّرْكِ.
روى هذا الحَدِيثَ أَبو بكرٍ الرَّازِيُّ، بِإِسْنَادِهِ إِلى تَمِيمِ الدَّارِيِّ، عَن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في شرحه لِمخْتَصَر الطَّحَاوِي».
وروى مالِكٌ في «الموطَّأ»: عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَعَفَ؛ رَجَعَ فَتَوَضَّأَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ، ثُمَّ رَجَعَ فَبَنَى عَلَى مَا صَلَّى.
وجه الاستدلالِ بِالحَدِيثِ الآخر: أَنَّ النَّبِيَّ أَمَرَ بِالتَّوضّي مُرتبًا عَلَى القَيْء أوِ الرُّعَافِ.
فعلِمَ بِهِ: أَنَّهُما ناقِضَانِ لِلْوُضُوء.
رَوَى حَدِيثَ الوُضُوءِ عَن القَيْءِ وَالرُّعَافِ: ابنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَن عَائِشَةَ - رضي الله عنها -، عَنِ النَّبِيِّ. ذكرَه أَبُو بَكْرِ الرَّازِيُّ في «شرح الطَّحَاوِي».
وَلا يُقَالُ: مثل هذا التَّرْتِيبِ وُجِدَ في البناء أيضا، ولَم يدلُّ عَلَى الوُجُوبِ؛ لأنَّا نَقُولُ: كَانَ القِيَاسُ ذلِك، ولكن الوُجُوب لم يكُن مُرادًا بِالإِجْمَاعِ، فَخَرَجَ عَمَّا قُلْنَا، فافهم.
ورَعُفَ: يَجوزُ بِالضّم، والفتْحِ وهو أفصح.
فإن قلْتَ: قَد صحَ عَن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «لا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ ريح. فيدلُّ على عدم انتقاض الوضوء بِالخَارِجِ مِن غَيرِ السَّبِيلَيْنِ.
قلْتُ: ذاكَ ورَدَ في الشّاكٌ في الحدثِ، يعني: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحاً، ولهذا يجب الوضوء في البولِ وَالغَائِطِ بِالْإِجْمَاعِ، مَعَ أَنَّ الحَدِيثَ حصَرَ الحُكْمَ في الصَّوتِ أَوِ الرِّيحِ.
الجزء 1 · صفحة 65
وَلِأَنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ مُؤَثّرٌ فِي زَوَالِ الطَّهَارَةِ، وَهَذَا الْقَدْرُ فِي الْأَصْلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقَالَ أَبُو بَكْرِ الرَّازِيُّ في شرحه لمُخْتصَر الطَّحَاوِي»: «رُوِيَ وُجُوبُ الوضوء مِن الدَّمِ عَن عليٍّ، وابن عُمرَ، وإبْراهيمَ، والحسن، وَمُجَاهِد، والضحاك، في آخرِينَ مِنَ التَّابِعِينَ.
قوله: (وَلِأَنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ ... ) إلى آخِرِه. جواب لقولِ الشَّافِعِيِّ، حَيْثُ قَالَ: غَسْلُ غَيْرِ موضع الإصابَةِ تَعبُّدِيٌّ، ليسَ بِمعقول.
بيانه: أنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ لَه أَثَرٌ فِي زَوالِ الطَّهَارَةِ لِلتَّنَافِي بَيْنَهُما؛ لأَنَّ النَّجَاسَةَ إذا وجدتْ في مَحلُّ تَنتَفِي الطَّهَارَةُ عَن ذلِك المَحَلَّ، وإذا زالت عنه تُوجَدُ الطَّهَارَةُ في ذلك المحل.
(وَهَذَا القَدْرُ)، أي: كونُ النَّجَاسَةِ مُؤثّرًا في زَوالِ الطَّهَارَةِ: مَعْقُولٌ في الأصل، وهو الخَارِجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ، فيُقاسُ عليْهِ غَيْرُه، وهو الخَارِجُ مِن غَيرِ السَّبِيلَيْنِ؛ لأنَّ زوالَ الطَّهَارَةِ بِخروج النَّجِسِ مَعْقُولٌ، إِلَّا أَنَّ الْاقْتِصَارَ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَلا كلامَ لَنَا فِيهِ، وإِنَّما كلامنا في انتِقاضِ الطَّهَارَةِ وهُو مَعْقُولٌ، فَتَعَدَّى حُكْم موضعِ الإِصَابَةِ إِلى غَيرِه مِن الأعضاء الأربعةِ، كما تعدَّى في السَّبِيلَيْنِ كذلك.
وهو معنى قوله: (لَكِنَّهُ يَتَعَدَّى ضَرُورَةَ تَعَدِّي الأَوَّلِ)، أَيْ: لَكِنَّ الخَارِجَ مِن
الجزء 1 · صفحة 66
مَعْقُولٌ، وَالاقْتِصَارُ عَلَى الأَعْضَاءِ الأَرْبَعَةِ غَيْرُ مَعْقُول، لَكِنَّهُ يَتَعَدَّى ضَرُورَةَ تَعَدِّي الأَوَّلِ، غَيْرَ أَنَّ الخُرُوجَ يَتَحَقَّقُ بِالسَّيلَانِ إِلَى مَوْضِعِ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ، وَبِمِلْءِ الْفَمِ فِي الْقَيْءِ؛ لِأَنَّ بِزَوَالِ الْقِشْرَةِ تَظْهَرُ النَّجَاسَةُ فِي مَحِلُّهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
غَيرِ السَّبِيلَيْنِ يَتعدَّى حَكْمُه إِلى غَيْرِ مَوضعِ الإِصَابَةِ، وَيَثْبُتُ فِيهِ ضَرُورَةَ تَعَدِّي الأَوَّلِ، وَهُوَ الخَارِجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ؛ لأَنَّ شُمُولَ العِلَّةِ يَستلزِمُ شُمولَ الحُكْمِ.
والمُرَادُ مِن الأَوَّلِ: الخَارِجُ مِن السَّبِيلَيْنِ؛ لأَنَّه مَذْكُورٌ أَوّلًا، وغيرُ الخَارِجِ مِن السَّبِيلَيْنِ مَذْكُورٌ ثانيا.
أو نَقُولُ: إِنَّ المُصَنِّفَ ذَكَرَ شَيْئَيْنِ فِي التَّعْلِيلِ:
الأول: قوله: (خُرُوجُ النَّجَاسَةِ مُؤَثِّرٌ فِي زَوَالِ الطَّهَارَة).
والثاني قوله: (وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ غَيْرُ مَعْقُول).
فعلى هذا يكونُ تقديرُ كلام المُصَنِّفِ: لكنَّ الاقتصارَ عَلَى الأَعْضاء الأربعةِ يَتَعَدَّى مِن صورةِ المَنْصُوصِ عَلَيْهِ - وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْقُولٍ إِلَى صورةِ النَّزاعِ حُكْمًا؛ لتَعدِّي الأوَّلِ مِن المَنْصُوصِ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِه.
يعني: ثبَتَ حُكْمُ الاقتصار في المَنْصُوصِ عَلَيْهِ كما في المَنْصُوصِ؛ لكونِ الخُرُوجِ مَعقولاً في زَوالِ الطَّهَارَةِ كما بَيَّنَّا، وهذا لأَنَّه كمْ مِن شَيءٍ ثبَتَ ضمنا، ولا يَثْبُتُ قصدا.
قولُه: (غَيْرَ أَنَّ الخُرُوجَ .. ) إلى آخِرِه. جوابُ سُؤَالٍ مُقدَّرٍ، وهُو أَن يُقَالَ: سَلَّمْنا أَنَّ خُرُوجَ الخَارِجِ النَّجِسِ مؤثر في زَوالِ الطَّهَارَةِ، لَكنْ لِمَ شَرَطتُم السَّيِّلَانَ، ولِمَ فَرَّقْتُم بينَ القَلِيلِ والكَثِيرِ فِي غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ؟
الجزء 1 · صفحة 67
فتَكُونُ بَادِيَةٌ لَا خَارِجَةٌ، بِخِلَافِ [(3)] السَّبِيلَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ، فَيُسْتَدَلُّ بِالظُّهُورِ عَلَى الانْتِقَالِ وَالْخُرُوجِ.
وَمِلْءُ الفَمِ: أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ إِلَّا بِتَكَلْفٍ؛ لَأَنَّهُ يَخْرُجُ ظَاهِرًا فَاعْتُبِرَ خَارِجًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فأَجابَ عنه وقَالَ: إِنَّ الخُرُوجَ لا يتَحقَّقُ إِلَّا بِالسَّيَلانِ إلى موضع يجب تطهيره في الجُملةِ، أَو عَلى الفم في القيء؛ لأنَّ النَّجَاسَةَ إِذا ظهرت في محلها تُسمَّى: بادِية لا خارجة؛ لعدم حَقِيقَةِ الخُرُوج، وهُو الانتقالُ مِنَ البَاطِنِ إِلَى الظَّاهِرِ.
والنَّجسُ ما دامَ في مَحلَّه لا يأخذُ حُكْمَ النَّجَاسَةِ؛ لعدمِ إِمْكَانِ تَطْهِيرِه، فاشْتُرِطَ التَّجاوزُ إِلى موضع آخَرَ، أَمَّا في السَّبِيلَيْنِ فَبِمَجرَّدِ الظُّهورِ يَحْصل الخُرُوجُ؛ لأنَّ ذلِك المَحلَّ ليسَ بِمحلَّ النَّجِسِ، حَيْثُ انتقَلَ النَّجسُ إِلَيْهِ مِن محل آخر.
وأما اشْتِرَاطُ مِلْءِ الفَمِ فِي القَيْء؛ فباعتبار أنَّ الفم لَه شَبَهَانِ: شَبَه الدَّاخِل، وشَبَه الخَارِج؛ فاعْتُبِرَ الكَبِير خارجا، والقليل غير خارج؛ عمَلا بِشبَهَيِ الفم، كم هو الأصل في المُتَرَدِّدِ بينَ الشَّيْئَيْنِ.
قوله: (وَمِلْءُ القَمِ: أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ إِلَّا بِتَكَلَّفٍ).
قَالَ صاحبُ «التحفة»: «لَم يُذْكَر تَفسِيرُ مِلْءِ الفَمِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَرُوِيَ عن الحسَنِ بنِ زِيَادٍ أَنَّهُ قَالَ: إِن كَانَ يَعْجِزُ عَن إِمْسَاكِهِ فَهُوَ مِلْءُ الفَمِ، وَإِلَّا فَلا،
الجزء 1 · صفحة 68
وقَالَ زُفَرُ: قَلِيلُ القَيْءِ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ.
وَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ السَّيَلَانُ؛ اعْتِبَارًا بِالمَخْرَجِ المُعْتَادِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وعَن أَبي عَلِيَّ الدَّفَّاق: إِنْ مَنَعَه عَنِ الكَلامِ فَهُو مِلْءُ الفَمِ، وَإِلَّا فَلا.
قوله: (قَالَ زُفَرَ: قَلِيلُ القَيْءِ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ)، وهُو القِيَاسُ عِندَنا.
وفي الاسْتِحْسَانِ: ليس بحدَثٍ حتى يَسِيلَ؛ وذلِك أَنْ يَعْلُو فَيَنْحَدِر. كذا فسَّرَه أَبُو يُوسُف.
قوله: (اعتبارًا بِالمَخْرَجِ المُعْتَادِ)، يعني: أَنَّ القَلِيلَ فِي الخَارِجِ مِن السَّبِيلَيْنِ ناقِض، ولا يُشْتَرطُ السّيَلانُ فيهِ؛ لأنَّ خُرُوجَ النَّجِسِ مُؤثرٌ فِي زَوالِ الطَّهَارَةِ؛ فكذا قليلُ الخارج مِن غَيرِ السَّبِيلَيْنِ بِلا اشتراط السيلان قياسًا عليه؛ لأنَّه نَجس.
الجزء 1 · صفحة 69
وَلِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ: «القَلْسُ حَدَةٌ».
وَلَنَا قَوْلُهُ: «لَيْسَ فِي الْقَطْرَةِ وَالْقَطْرَتَيْنِ مِنَ الدَّمِ وُضُوءُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ سَائِلًا»، وَقَوْلُ عَلِيٌّ الله - حِينَ عَدَّ الْأَحْدَاثَ جُمْلَةٌ: أَوْ دَسْعَةٍ تَمْلَأُ الْفَمَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وَلإِطْلَاقِ قَوْلِهِ: «القَلْسُ حَدَةٌ»، رَواهُ سَوَّارُ بنُ مُصعب، عَن زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَن بعض آبَائِهِ، عَن رَسُول الله. كَذَا ذَكَرَه أَبو بكرِ الرَّازِيُّ في شَرْحه المُختَصَر الطَّحَاوِي».
يعْنِي: أَنَّ إِطْلَاقَهُ يَشْمِلُ القَلِيلَ وَالكَثِيرَ؛ لأنَّه لَم يَفْصل بينَهُما.
قَالَ الخَلِيلُ: «القَلْسُ: ما خَرَجَ مِن الفمِ مِلْءَ الفَمِ أَوْ دونَه».
قوله: (أَوْ دَسْعَةٍ) بِالجَرِّ، يعني: أنَّ عليَّا الله (عَدَّ الأَحْدَاثَ)، وقَالَ: يُعاد الوضوء من كذا وكذا. ثمَّ قَالَ: (أَوْ دَسْعَةٍ تَمْلَأُ الفَمَ)؛ فَعُلِمَ مِن هذا: أَنَّ ما دونَ مِلْءِ الفَمِ ليسَ بناقض.
والدَّسْعَةُ: القَيْئَةُ، يُقَالُ: دَسَعَ الرَّجُلُ، إِذا قَاءَ مِلْءَ الفَمِ، وَأَصْلُ الدَّسْعِ: الدَّفْعُ. كذا ذكَرَ المُطَرِّزِيّ.
وذكرَ النَّاطِفِيُّ في «الأجناس» وقَالَ: روَى زيد بن ثابت: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «يُعَادُ الوُضُوءُ مِنْ سَبْعِ: مِن نَوْمٍ غَالِبٍ، وَقَيْءٍ ذَارِعٍ، وَتَقْطَارِ بَوْلِ، وَدَسْعَةٍ تَمْلَأُ الفَمَ، ودَمِ سَائِلِ، والقَهْقَهَةِ فِي الصَّلاةِ والحَدَثِ».
الجزء 1 · صفحة 70
وَإِذَا تَعَارَضَتِ الأَخْبَارُ؛ يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيِّ عَلَى الْقَلِيلِ، وَمَا رَوَاهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وَإِذَا تَعَارَضَتِ الأَخْبَارُ؛ يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِي .. ) إِلَى آخِرِه.
وهذا لأنَّ الأصل في الدَّلِيلَيْنِ المُتعارِضَيْنِ أَن يُعْمَلَ بِهِمَا إِنْ أَمْكَنَ العمل، وإِنْ لَم يُمْكِنْ يُرَجّح أحدهما إنْ أمْكَنَ التَّرجيحُ، وإِنْ لَم يُمْكِنْ يَتَهاتَرانِ، فيُصارُ إلى القِياسِ، وإِنْ تَعارَضَ القِيَاسانِ: فَيَعْمَلُ المُجتهدُ بأَيِّهِما شَاءَ.
وهنا في مسألتنا: تعارَضَ ما رَواهُ زُفَر، وهو قوله: «القَلْسُ حَدَتْ مع ما رواه الشَّافِعِيُّ، وهو أَنَّه قَاءَ فَلَمْ يَتَوَضَّأُ. فَأَمْكَنَ العمل
الجزء 1 · صفحة 71
زُفُرُ عَلَى الْكَثِيرِ، وَالفَرْقُ بَيْنَ المَسْلَكَيْنِ قَدَّمْنَاهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بهما، فحملنا ما رواه زُفَرُ عَلى الكَثيرِ، ومَا رَواهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى القَلِيلِ؛ عَمَلًا بالدليليْنِ بِقَدْرِ الإِمْكَانِ؛ لأنَّ الأصل في الدَّلائل: الإعمال لا الإهمال.
وحالُ النَّبِي الله يدلُّ أيضا عَلَى أَنَّ المُرَادَ مِمَّا رَواهُ الشَّافِعِيُّ هِوَ القَلِيلُ؛ لأَنَّ كثرةَ القَيْءِ تنشأ من كثرة الأكل، وكَانَ غالب أحواله الجوع.
ويدلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا: ما رواهُ التَّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَن أَبي الدَّرْدَاءِ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَاءَ فَتَوَضَّأَ، فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: َصدَقَ، أَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءَهُ».
قوله: (وَالفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْلَكَيْنِ قَدَّمْنَاهُ).
هذا جواب لزُفَر عَن قوله: (اعْتِبَارًا بِالمَخْرَجِ المُعْتَادِ). وقَدْ مَرَّ بيانُ الفرقِ
الجزء 1 · صفحة 72
وَلَوْ قَاءَ مُتَفَرِّقًا بِحَيْثُ لَوْ جُمِعَ يَمْلأُ الْفَمَ؛ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الله يُعْتَبَرُ اتَّحَادُ المَجْلِسِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ الله اتِّحَادُ السَّبَبِ، وَهُوَ الْغَثَيَانُ.
ثُمَّ مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا لَا يَكُونُ نَجِسًا، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لَأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجَسٍ حُكْمًا، حَيْثُ لَمْ تَنْتَقِصُ بِهِ الطَّهَارَةُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بينَ الخَارِج منَ السَّبِيلَيْنِ، وهُو المَخْرَجُ المُعْتَادُ، وبينَ الخَارِجِ مِن غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، وهو المخْرَجُ غَيْرُ المُعْتَاد، عند بيان قوله: (غَيْرَ أَنَّ الخُرُوجَ)، فَلَا نُعِيدُه.
قوله: (يُعْتَبَرُ اتَّحَادُ المَجْلِسِ)؛ لكونه جامِعا للمُتفرِّقاتِ، كما في تِلاوات السَّجدة والبيع.
(وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: يُعْتَبَرُ اتَّحَادُ السَّبَبِ)؛ لوقوعِ المُسَبَّبِ بحسبه وشرعاً؛ فالظاهرُ أَنَّ (الغَشَيَانِ) الثَّانِي غَيْرُ الأَوَّلِ.
ثمَّ المَسْأَلةُ عَلَى أَرْبعَةِ أَوجُهِ:
إما أن يتحد السببُ والمجلس، أو يتعدَّدَ، أو يتَّحِدَ الأَوَّلُ دونَ الثَّانِي، أو على العكس، ففي الأوَّلِ يُجْمَعُ اتفاقا، وفي الثَّانِي: لا يُجْمَعُ اتفاقًا، وفي الثَّالِث: يُجْمَعُ عندَ الثَّالِث، وفي الرّابع: يُجْمَعُ عندَ الثَّانِي، فافهم.
والغَثَيَانُ: مصدر غَثَتْ نَفْسُهُ، إِذا جاشَتْ.
وَقِيلَ: قولُ مُحَمَّدٍ أَصحُ.
قوله: (وَهُوَ الصَّحِيحُ)، وهذا لأنَّ المُلازمةَ ثابتةٌ بين الحدَثِ وبينَ الخَارِجِ النَّجِس؛ لكونه عِلَّةٌ للحَدَثِ، فإذا لم يكُنِ القَلِيلُ حدثًا؛ دلَّ عَلَى أَنَّه ليس بنجس؛
الجزء 1 · صفحة 73
وَهَذَا إِذَا قَاءَ مِرَّةٌ، أَوْ مَاءً أَوْ طَعَامًا، فَإِنْ قَاءَ بَلْغَمًا، فَغَيْرُ نَاقِضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: نَاقِضٌ إِذَا كَانَ مِلْءَ الْفَمِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لاستلزام انتِفاءِ اللَّازِمِ انتِفَاءَ المَلْزُومِ، فافهم.
واحترز بقولِه: (وَهُوَ الصَّحِيحُ عَن قولِ مُحَمَّدٍ، فَإِنَّ عِندَه القَلِيل نَجس، وإن لم يكن حدثًا، وبعض مشايخنا عليه احتياطا.
وفائدة الخِلافِ: تظهرُ فيما إذا أخذه بقطنة فألقاها في الماء، هَل يتنَجَّسُ أَمْ لا؟ وفيما إذا أَصابَ ثوبه أو بدَنَه أكثرُ مِن قَدْرِ الدرهم، كما يَكونُ لَأَصْحَابِ القُرُوحِ، هَل يمنعُ جواز الصَّلاةِ أَمْ لا؟
فعِندَ أَبي يُوسُف: لا يُنَجِّسُ ولا يَمْنَعُ، خلافًا لِمُحَمَّدٍ، ولا يَلْزِمُ عَلَى قولِ أَبي يُوسُف دمُ الاِسْتِحَاضَةِ والجُرْحُ السَّائِلُ؛ لأنَّ ذلِكَ نَجْسٌ مُوجِبٌ لِلحَدَثِ، إِلَّا أَنَّ أَثَرَه يَظْهَرُ إِذَا خَرَجَ الوقْتُ.
قوله: (وَهَذَا إِذَا قَاءَ مِرَّةٌ، أَوْ طَعَامًا، أَوْ مَاءً)، أَي: الَّذِي قُلْنَا ـ مِن انتِقاضِ الطَّهَارَةِ بمِلْء الفم مِن القيء - فيما إذا قاءَ هذه الأشياء، أما إذا قاءَ بلغما، فهو غَيْرُ نَاقِض عندَهُما، خِلافًا لأبي يُوسُف في المُرْتَقِي مِنَ الجوفِ؛ لمُجاورته
الجزء 1 · صفحة 74
وَالْخِلَافُ فِي الْمُرْتَقِى مِنَ الْجَوْفِ.
أَمَّا النَّازِلُ مِنَ الرَّأْسِ؛ فَغَيْرُ نَاقِضِ بِالاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ. لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ نَجَسٌ بِالْمُجَاوَرَةِ. وَلَهُمَا أَنَّهُ لَزِجٌ لَا يَتَخَلَّلُهُ النَّجَاسَةُ. وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ قَلِيلٌ، وَالْقَلِيلُ فِي الْقَيْءِ غَيْرُ نَاقِضِ.
وَلَوْ قَاءَ دَمًا وَهُوَ عَلَقٌ، يُعْتَبَرُ فِيهِ مِلْءُ الْفَمِ؛ لِأَنَّهُ سَوْدَاءُ مُحْتَرِقَةٌ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ له؛ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ. وَعِنْدَهُمَا إِنْ سَالَ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ يَنْقُصُ الْوُضُوءَ - وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا -؛ لِأَنَّ الْمَعِدَةَ لَيْسَتْ بِمَحِلُّ الدَّمِ فَيَكُونُ مِنْ قُرْحَهِ فِي الْجَوْفِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بِالنَّجسِ، بِخِلافِ النَّازِلِ مِن الرَّأْسِ.
وقالا: إِنَّ الرطوبة في أسفل الحلْقِ تَنْخُنُ، فتكونُ بَلغما، وفِي أَعْلاهُ تَرِقُ، فتكونُ بُزَاقًا، فلا يكونُ نَجِسًا؛ لعدم مُجاورتِه بِالنَّجْسِ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّه مُجاوِرٌ، لكنَّه لزج لا يتداخله النَّجسُ، وما يتصلُ بِهِ قَلِيلٌ، وَهُوَ عَفُوٌّ فِي غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ.
واللَّزِجُ: الزَّلِقُ.
قوله: (وَلَوْ قَاءَ دَمًا ... ) إلى آخِرِه. بيانُه: إِذا قاءَ دَمًا فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يكونَ دما غَلِيظًا متجمداً، وهو العَلَقُ، أَوْ رَقِيقًا سَائِلًا.
فَفِي الأَوَّلِ: يُعْتَبرُ مِلْءُ الفم باتفاق بينَ العُلماءِ الثَّلَاثَةِ؛ لأنَّه ليسَ بِدَمٍ عَلَى الحقيقَةِ، وإِنَّما هِيَ سَوْداءُ مُحتَرِقَةٌ.
وفي الثَّانِي: كذلك عندَ أَبي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، اعتبارًا بسائِرِ أَنْوَاعِ القَيءِ: مِن الطَّعَامِ، والماء، والمِرَّةِ، والصفراء
وعِندَهُما: السَّائِلُ بنفْسِه ينقُضُ، قلَّ أوْ كَثرَ؛ لأنَّ المَعِدَةَ ليستْ بِمَوْضِعِ الدم، فيكونُ مِن قُرْحةٍ فيها، فيُعتبرُ الخَارِجُ مِنْهَا بِالخَارِجِ مِنَ القُرْحِةِ الظَّاهريَّة، وَالخَارِجُ مِن الجرْحِ إِذا تَجاوَزَ إِلى موضعِ يَلْحَقُه حُكْمُ التَّطْهِيرِ يَنْقُضُ الوضوء، فكذا الخَارِجُ مِن المعدة.
أمَّا إِذا خَرَجَ بِالبُراقِ: فيُعْتَبَرُ الغالب، وإنْ تَساوَيا لا يجب عليه الوضوء قياساً، ويجب استحسانًا؛ أخذا بالاحتياط.
وما قِيلَ: إِنَّ السَّوْدَاءَ إِحْدَى الطَّبَائِعِ الأربعةِ؛ فَفِيهِ نَظَرٌ عِندِي؛ لأَنَّهَا تُعَدُّ مِنَ الأَخْلاطِ لا مِن الطَّبائع، أَلَا تَرَى أَنَّ الأَطبَاءَ قَالُوا: أَن الأَخْلاطُ أَربعةُ: الدَّمُ، والمِرَّةُ السَّوْدَاءُ، والمِرةُ الصّفْراء، والبلغم.
فَطَبْعُ الأَوَّلِ: حَارٌ رَطب.
والثاني: بارد يابس.
الجزء 1 · صفحة 75
وَلَوْ نَزَلَ مِنَ الرَّأْسِ إِلَى مَا لانَ مِنَ الْأَنْفِ نَقَضَ بِالْاِتِّفَاقِ؛ لِوُصُولِهِ إِلَى مَوْضِعِ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ، فَيَتَحَقَّقُ الْخُرُوجُ.
وَالنَّوْمُ مُضْطَجِعًا، أَوْ مُتَّكِنًا، أَوْ مُسْتَنِدًا إِلَى شَيْءٍ لَوْ أُزِيلَ لَسَقَطَ؛ لِأَنَّ
الجزء 1 · صفحة 76
والثالث: حار يابس.
والرابع: بارِدٌ رَطب.
فعلِمَ: أَنَّ لكُلِّ واحدٍ مِنَ الأَرْبعَةِ طَبْعًا؛ لا أَنَّ ذاتَه طَبْعٌ.
قوله: (إِلَى مَا لانَ مِنَ الأَنْفِ، أَيْ: إِلى المَارِنِ، و (ما)؛ بمعنى: «الَّذي».
فإن قلت: لِمَ قيَّد بهذا القَيْدِ، معَ أَنَّ الرِّوَايَةَ مَسْطورةٌ في الكُتُبِ عَن أَصْحابنا: أَنَّ الدَّمَ إِذا نَزَلَ إِلى قَصَبَةِ الأَنفِ؛ يَنْقُضُ الوضوء، ولا حاجةً إِلى أَن يَنزِلَ إِلَى مَا لانَ مِنَ الْأَنْفِ.
فأي فائدة في هذا القيْدِ إِذَنْ سِوى التَّكْرارِ بِلا فَائِدَةٍ؛ لأنَّ هذا الحُكْمَ قَد عُلِمَ في أَوَّلِ الفضل من قوله: (وَالدَّمُ وَالقَيْحُ إِذَا خَرَجَا مِنَ البَدَنِ) فَتَجَاوَزَ إِلى موضع يَلْحَقُه حُكْمُ التَّطْهِيرِ؟
قلْتُ: بيانا لاتفاقِ أصْحابِنا جَمِيعًا؛ لأنَّ عندَ زُفَرَ: لا يُنْتَقَض الوضوء ما لَم ينزلِ الدَّمُ إِلى ما لانَ مِنَ الأَنفِ؛ لعدم الظهورِ قبل ذلك، والله الهادِي.
قوله: (وَالنَّوْمِ مُضْطَجِعًا، أَوْ مُتَّكِئا، أَوْ مُسْتَنِدًا إِلَى شَيْءٍ).
أَرادَ بِالاتِّكَاءِ: وَضْعَ رأسِه عَلَى رَكْبَتَيْه أَوْ عَلَى يَدَيْهِ.
الجزء 1 · صفحة 77
الاصْطَجَاعَ سَبَبُ لِاسْتِرْخَاءِ الْمَفَاصِلِ، فَلَا يَعْرَى عَنْ خُرُوجِ شَيْءٍ عَادَةٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وبالإسنادِ على شيء: استناده إلى جدار، أو إلى أُسطوانة.
والكلُّ نَاقِضِ لِلوُضُوءِ، وكَذَا إِذا نامَ مُتورِّكًا عَلَى أَحدِ ورِكَيْهِ، أَمَّا إِذا نام مُتَربَّعًا أَوْ مُتورّكًا عَلى ورِكَيْه، بأنْ يُخْرِجَ قدميه من جانب ويُلْصِقَ الْبَيْهِ بالأرضِ، فلا يَنْقُضُ الوضوء.
ورُوِيَ عَن أَبي حَنِيفَةَ: أَنَّه لا يُنْتَقَضُ وُضوءُ المُسْتنِدِ؛ لأَنَّ مَقْعَدَه مُستقِرٌّ، فيأمَنُ الحَدَثَ، وفي الصَّلاةِ ليسَ بِناقض في كلّ حالٍ، قَائِمًا كَانَ أَوْ راكعا، أو قاعدا أو ساجدا في ظاهر ال الرَّوَايَةِ.
ورُوِيَ عَن أَبي يُوسُف في «الإمْلاء»: أنَّه إِذا تعمَّدَ النَّوْمَ فِي السُّجُودِ يَنْقُضُ، وإِنْ غَلَبَتْ عَيْنَاهُ فَلَا يَنْقُصُ.
وفي نَومِ المَريضِ إِذا صلّى مُضطجعا: اختِلافُ المَشايخ في ا النقض وعدمه، أما النقض فظَاهِر، وأمّا عدَمُه: فلأنَّ اضطجاعه قائم مقامَ قِيامِ الصَّحِيحِ.
وقال في «خُلاصة الفتاوى»:
الجزء 1 · صفحة 78
وَالثَّابِتُ عَادَةَ كَالمُتيَقَنِ بِهِ، وَالاِتِّكَاءُ يُزِيلُ مُسْكَةَ الْيَقَظَةِ؛ لِزَوَالِ الْمَقْعَدِ عَنِ الْأَرْضِ، وَيَبْلُغُ الاِسْتِرْخَاءُ غَايَتَهُ بِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الاسْتِنَادِ، غَيْرَ أَنَّ السَّنَدَ يَمْنَعُهُ مِنَ السُّقُوطِ بِخِلَافِ النَّوْمِ حَالَةَ الْقِيَامِ، وَالْقُعُودِ، وَالرُّكُوعِ، والسُّجُودِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إذا نام راكبًا في السَّرْجِ أو في المَحْمِل لا يُنتقض الوضوء، إِلَّا إِذا اضطجع في المَحْمِل، ولوْ نامَ عَلى رأس التنُّورِ وهُو جالس قَد أَدلَى رِجْلَيْهِ؛ كَانَ حَدَيًّا؛ لأن ذلك سبب استِرْخاءِ المَفاصِل».
قوله: (وَالثَّابِتُ عَادَةٌ كَالمُتَيَقَّنِ)، أَلا تَرى أَنَّ مَن شَكٍّ في طهارتِه بَعْدَ ما دخل في المُسْتراح؛ يُؤْمَرُ بِالوضوء.
قوله: (يُزِيلُ مُسْكَةَ اليَقَظَةِ).
يعني: يُزيل الاتكاء التماسك الذي في حال الانتباه.
قوله: (غَيْرَ أَنَّ السَّنَدَ يَمْنَعُهُ).
جوابُ سُؤَالِ مقدَّرٍ: وهُو أَنْ يقال: لا نُسَلِّمُ أَنَّ الاسْتَرْخاءَ يَبْلُغُ غايته، فلو كَانَ كَذلِك لسَقَطَ، فَلمَّا لَم يَسْقُطْ عُلِمَ أَنَّه لَم يَبْلُغْ غايتَه.
فأجاب عنه وقَالَ: إِنَّ السَّنَد يَمْنعُه مِنْ أنْ يَسْقِطَ، فلولا ذلك لسَقَطَ.
الجزء 1 · صفحة 79
في الصَّلاة، وَغَيْرِهَا لِأَنَّ بَعْضَ الاِسْتِمْسَاكِ بَاقٍ، إِذْ لَوْ زَالَ لَسَقَطَ، فَلَمْ يَتِمَّ الاسْتِرْخَاءُ. وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ: «لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا، أَوْ قَاعِدًا، أَوْ رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا، إِنَّمَا الوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا» فَإِنَّهُ إِذَا نَامَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فِي الصَّلاةِ وَغَيْرِهَا).
يعني: لا يَنْقُضُ النَّوْمُ الوُضوءَ في هذه الحالاتِ، سواءٌ كَانَ فِي الصَّلاةِ أوْ غَيرِها، وهُو ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ؛ لبقاء الاسْتمْساكِ.
وعن ابنِ شُجَاعٍ: أَنَّه نَاقِضٌ لِلوُضُوءِ في غَيْرِ الصَّلاة.
قوله: (إِنَّمَا الوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا).
فإن قلت: إِنَّ عُلماء المعاني والبَيانِ قَالُوا: إِنَّ: «إِنَّمَا»؛ تَحْصُرُ الشَّيْءَ فِي الحكم، كما في قولك: إنَّما زَيدٌ مُنطَلِقُ، أَوْ لحَصْرِ الحُكْمِ في الشَّيْء؛ كما في قولك: إنَّما المُنْطَلِقُ زيدٌ، وهُنا لَم يَنْحصرِ الحُكْمُ فِي النَّائمِ المُضطجع.
قلْتُ: لا نُسَلَّمُ أنَّه للحضرِ، ولئِنْ سَلَّمْنا، لكنْ نَقُولُ: الحَصْرُ
الجزء 1 · صفحة 80
مُضطَجِعًا؛ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُةٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
حاصل بمفهوم «إِنَّمَا»، وثُبوتُ الحُكْمِ في غَيرِ المُضطَجِعِ مثل: المُتَّكِئ، والمُسْتَنِدِ ثبت بالعِلةِ المنصوصة، وهي قوله: «فَإِنَّهُ إِذَا نَامَ مُضْطَجِعًا؛ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ.
والاسترخاءُ كَما حصَلَ بِسبيلِ الكَمالِ في صورة الاضطجاعِ؛ حصل أيضا بسبيلِ الكَمالِ في الاتكاء والاستناد، فعمَّ الحُكْمُ بِعمومِ العِلةِ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي «السُّنن»: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وهَنَّادٌ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ السَّلامِ بْنِ حَرْبٍ - وَهَذَا لَفْظُ حَدِيث يَحْيَى ـ عَن أَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَن أَبي العَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَسْجُدُ وَيَنَامُ ويَنْفُخُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ، فَقُلْتُ لَهُ: صَلَّيْتَ وَلَمْ تَتَوَضَّأُ وَقَدْ نِمْتَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا الوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا». زَادَ عُثْمَانُ وَهَنَّادٌ: «فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ».
فإن قِيلَ: قَالَ شُعبةُ: لَم يَسْمعْ قتادةُ مِن أَبي العالية إلا أربعة أحاديث،
الجزء 1 · صفحة 81
وَالْغَلَبَةُ عَلَى الْعَقْلِ بِالْإِغْمَاءِ وَالجُنُونُ؛ لِأَنَّهُ فَوْقَ النَّوْمِ مُضطَجِعًا فِي الاسْتِرْخَاءِ وَالْإِغْمَاءِ حَدَتْ فِي الأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَهُوَ القِيَاسُ فِي النَّوْمِ، إِلَّا أَنَّا عَرَفْنَاهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولَم يَذْكُرُ هذا منها؟
قُلْنَا: مَن رَوَى عَن ثَقَةٍ فَأَمْرُهُ مَحْمُولٌ عَلَى السَّمَاعِ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُرسلًا، لَمْ يضرَّ إِرْسالُه عندنا.
قوله: (وَالجُنُونُ بِالرَّفْعِ لا بِالجَرِّ؛ لأنَّ المَجْنُونَ مَسلُوبُ العَقلِ؛ لَا مَغلُوبُ العقل.
قوله: (لِأَنَّهُ فَوْقَ النَّوْمِ، أَيْ: لأنَّ كلَّ واحدٍ مِن الإِغْمَاءِ وَالجُنُونِ فَوقَ النَّوْمِ مُضطجعا، بدليل تنبهِ النَّائِمِ بِالتَّنبيهِ، دونَ المُغْمَى عَلَيْهِ وَالمَجْنُونِ، وَالنَّوْمُ بتلك الصفةِ نَاقِضُ لِلاسترخاء الكامل، فكذا هُما؛ لاشتراكهما في العِلَّة بَلْ أولَى؛ لكونهما فوقه.
قوله: (فِي الأَحْوَالِ كُلِّهَا)، أي: في هيئةِ القِيامِ وَالرُّكُوعِ والسُّجُودِ والقُعودِ، وغير ذلك.
قوله: (وَهُوَ القِيَاسُ فِي النَّوْمِ)، أي: الحدَثُ قياس في النَّوْمِ أَيضًا في جَميعِ الأحوال؛ لحصول الاسترخاء وزَوالِ المُقْعِدِ عَنِ الأَرْضِ، إِلَّا أَنَّا عَرَفْنَا النَّوْمَ غَيْرَ ناقض في هذه الأحوالِ بِالحَدِيثِ، وهو قوله: «لا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا ... » إلى آخره. فتركنا القياس به.
الجزء 1 · صفحة 82
بِالْأَثَرِ، وَالإِغْمَاءُ فَوْقَهُ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ.
وَالْقَهْقَهَةُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ ذَاتِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ.
وَالْقِيَاسُ أَنَّهَا لَا يَنْقُضُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجِ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ حَدَنَّا فِي صَلَاةِ الْجَنَازَةِ، وَسَجْدَةِ التَّلَاوَةِ، وَخَارِجَ الصَّلَاةِ.
وَلَنَا قَوْلُهُ: «أَلَا مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ قَهْقَهَةٌ؛ فَلْيُعِدِ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ جَمِيعًا».
وَبِمِثْلِهِ يُتْرَكُ القِيَاسُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وَالإِغْمَاءُ فَوْقَهُ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، أَي: الإِغْمَاءُ فَوقَ النَّوْمِ، فَلَا يُقاسُ الإِغْمَاءُ عَلَى النَّوْم، وهذا جَوابُ سُؤال مقدَّرٍ، وهُو أَن يُقَالَ: لَمّا وَرَدَ الحَدِيثُ فِي النَّوْمِ بِأَنَّه ليس بمُوجِبِ لِلحدَثِ في هذه الأحوالِ بِالحَدِيثِ، يُقاسُ الإِغْمَاءُ عَلَيْهِ؛ لاشتراكهما في العِلَّةِ، وهي الاسترخاء، حتى لا يكونَ الإِغْمَاءُ ناقضاً أيضًا.
فأَجابَ عنه وقَالَ: الشَّيْءُ إنّما يُقاسُ عَلى غيرِه إِذا كَانَ مثله، والإغماء فوق النَّوْمِ لِمَا قُلْنَا، فَلَا يُقاسُ.
عَلَى أَنَّا نَقُولُ: إِنَّ الحُكْمَ في النَّوْمِ ثابتٌ بِخِلافِ القِيَاسِ؛ بِالحَدِيثِ، فَلَا يَثْبُتُ الحُكْمُ في غَيرِ ما ثَبَتَ بِخِلافِ القِيَاسِ قياسًا، إلَّا إِذَا كَانَ فِي مَعْناهُ مِن كُلِّ وَجْهِ.
قوله: (وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ حَدَثًا) إيضاح لقوله: (لَيْسَ بِخَارِج).
قوله: (وَبِمِثْلِهِ يُتْرَكُ القِيَاسُ، أَيْ: بمثل هذا الحَدِيثِ، يعني: بخبر الواحِدِ يُترك القِيَاس؛ لأنَّ الشُّبهة في نقلِ الحَدِيثِ لا في أصله، وفي القياس في أضله، وأيضا يَجوزُ أَن يَكونَ خبَرُ الواحِدِ أَصلا للقياس دونَ العكس.
فإن قلت: الحَدِيثُ مُرْسَلٌ فَلا نَقْبلُه.
قلتُ: أيهما تعني: إرساله في الواقع، أوْ إِرْسالَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّكَ لا تَعرِفُ إِسْنادَه؟ والثاني: مُسَلَّم، لكنْ جَهْلُ الشَّخص لا يَكونُ حُجَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ.
والأَوَّلُ: غَيْرُ مُسلَّم؛ لأَنَّا نُقْبِتُ إِسْنادَه؛ لأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَرْوِي هَذَا الحَدِيثَ عَن منصور بن زَاذَانَ عَنِ الحَسَنِ، عَن مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يُصلي، إِذْ أَقبل أعمى، فَوَقَعَ فِي بِئرٍ أو رَكِيَّة، فَضَحِكَ بَعضُ القَومِ حَتَّى قَهْقَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: «أَلَا مَنْ ضَحِكَ ... ». الحَدِيثَ.
ورَوى قَتادةُ أَيضًا: عَن أَبي العَالِيةِ، عَن أَبي موسى الأَشْعَرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ حِينَ وَقَعَ الأَعْمَى فَضَحِكَ بعض القوم: «أَلَا مَنْ ضَحِكَ ... ». الحَدِيثَ.
وذكر هذا الحَدِيثَ الشيخ الإمام الحافظ أبو موسى المَدِينِيُّ في كتاب "الأمالي" مُسْنَدًا إِلى مَعْبَدٍ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - في باب الميم، إلا أن لفظ الحَدِيثِ في "الأمالي»: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ قَهْقَهَ فَلْيُعِدِ الوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ.
ولَئِنْ سَلَّمْنا أَنَّه مُرْسَلٌ، فهو حُجَّةٌ عِندَنا كالمُسنَدِ لِمَا مَرَّ تحقيقه في «شرح
الجزء 1 · صفحة 83
وَالأَثَرُ وَرَدَ فِي صَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ؛ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهَا.
وَالْقَهْقَهُةُ: مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ وَلِجِيرَانِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الأصول».
فإن قلت: روَى أَبُو هُرَيْرَةَ الله، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ. فَدلَّ أَنَّه لا وُضوءَ فِي القَهْقَهَةِ؟
قُلتُ: هذا الحَدِيثُ ظاهِرُه متروكٌ بِالإِجْمَاعِ؛ لأَنَّ فِي البولِ وَالغَائِطِ يجب الوضوء، وإِنْ لَم يُوجَدِ الصَّوتُ والرّيحُ، وكذا في الدَّمِ والقَيْحِ إِذا خرجا من المخْرَجِ المُعْتَادِ، وخُصوصاً عَلى مذهبِ الشَّافِعِي - رحمه الله -؛ فَإِنَّ عِندَه يَجِبُ الوضوء في مَس الذَّكَرِ ومَسِّ النِّساءِ، فَلا صَوتَ ثَمَّ وَلا رِيحٍ، فَلمَّا لَم يدلُّ هذا الحَدِيثُ على نَفْي الوضوء فيما ذكَرْنا مِن الصُّوَرِ؛ دلَّ عَلَى أَنَّه لا يدلُّ عَلَى نَفْي الوضوء فيما ذكرنا في القَهْقَهَةِ أيضا.
عَلَى أَنَّا نَقُولُ: إِنَّ هذا الحَدِيثَ ورَدَ في حَقٌّ مَن شَكٍّ فِي خُرُوجِ الرِّيحِ، والحكم فيه كذلك، إما تحقق الرِّيحِ أَوِ الصّوتِ.
قوله: (وَالأَثَرُ وَرَدَ فِي صَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ؛ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهَا).
هذا جَوابٌ عَن قياسِ الشَّافِعِيُّ عَلى صَلاة الجنازة، وسجدة التلاوة.
يعني: أن قضيَّةَ القَهْقَهَةِ بِخِلافِ القِيَاسِ، والشَّيءُ إِذا ثَبَتَ بِخِلافِ القِياسِ يَقْتِصِرُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصَّ، والمورِدُ صَلاةٌ مُطلقة كامِلةُ الأَرْكَانِ، فَلا يَصِحُ القِيَاسُ، والقَهْقَهَةُ فِي غَيرِ الصَّلاةِ ليستْ بمَعْناها في الصَّلاةِ؛ لأَنَّهَا فِي الصَّلَاةِ أَفحش وأَشنَعُ
الجزء 1 · صفحة 84
وَالضَّحِكُ: مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ دُونَ جِيرَانِهِ وَهُوَ عَلَى مَا قِيلَ: يُفْسِدُ الصَّلاةَ دُونَ الوُضُوءِ.
وَالدَّابَّةُ تَخْرُجُ مِنَ الدُّبُرِ نَاقِضِ. فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ رَأْسِ الْجُرْحِ، أَوْ سَقَطَ اللَّحْمُ لَا يَنْقُصُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وأبشع؛ لكونها حالةَ المُناجَاةِ مَعَ رَبِّ العِزَّةِ.
قوله: (يُفْسِدُ الصَّلاةَ دُونَ الوُضُوءِ).
وهذا بِخِلافِ التّبسم، فإنَّه لا يُفْسِدُ أَصلا؛ لا الصَّلاةَ وَلا الطَّهَارَةَ؛ لِمَا رُوِيَ عَن جَرِيرِ بنِ عَبدِ الله الله، أَنَّهُ قَالَ: «مَا رَأَىنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِلَّا تَبَسَّمَ وَلَوْ في الصَّلاةِ».
قوله: (وَالدَّابَّةُ تَخْرُجُ مِنَ الدُّبُرِ نَاقِضَةٌ ... ) إلى آخِرِه.
اعلم أنَّ الدّودةَ إِذا خرجَتْ مِنَ الدُّبُرِ أَوِ القُبُلِ تَنْقُضُ، وَإِنْ خَرجَتْ مِن المخرج، أو خَرَجَ منه العِرْقُ المَدَنِيُّ، أَوْ سَقَطَ اللَّحْمُ؛ لَا يَنْقُضُ؛ لأنَّ عِينَ
الجزء 1 · صفحة 85
والمُرَادُ بِالدَّابَّةِ: الدُّودَةُ، وَهَذَا لِأَنَّ النَّجَسَ مَا عَلَيْهِ، وَذَلِكَ قَلِيلٌ، وَهُوَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الخارج ليست بنجسةٍ، وما عَليْها قَليلٌ، وهُو نَاقِصُ فِي السَّبِيلَيْنِ، مَعْفُوٌّ فِي غَيْرِهِما.
فأشْبَهَ ما على الخَارج مِنَ الجرْحِ والدُّبُرِ: الجُشَاءَ وَالفُسَاءَ، مِن حَيْثُ أَنَّ ما يتصل بالجُشَاءِ أَوِ الفُسَاءِ مِن الرِّيحِ المُنْتِنةِ قَلِيلٌ، وهُو عَفْوٌ فِي الجُشَاءِ؛ لأَنَّ الجُشَاء خارجٌ مِن غَيرِ السَّبِيلَيْنِ، وليسَ بِعفْو في الفُسَاءِ؛ لأنَّه خارج مِن إِحْدَى السَّبِيلَيْنِ، بِخِلافِ الرِّيحِ الخَارِجَةِ مِن القُبُلِ؛ لأَنَّهَا مُجرَّدُ احْتِلاجِ لَا رِيحٍ، إِلَّا أَنَّ المُقْضاة - وهي التي صارَ مَسْلَكاها واحدًا - تَتَوضَّأُ استِحْبَابًا؛ لاحتمالِ خُرُوجِ الريح عنِ الدبر.
لا يقَالُ: كيفَ قَالَ المُصَنِّف: لأنَّ النَّجِسَ مَا عَلَيْهِ؛ وَذَلِكَ قَلِيلٌ. وقَد ذَكَرَ قبل هذا ما لا يكونُ حدَثًا، فَلا يَكونُ نَجِسًا؛ لأنَّ المُصَنِّفَ يَجوزُ لَه أَن يُطْلِقَ اسم النَّجِسِ عَلَى القَلِيلِ؛ لِمَا أنَّه عِندَ مُحَمَّدٍ نَجس، أو يُريدُ حقيقته اللغوية لا الشَّرْعِيَّةَ، فيكون معناه حينئذ: ذاكَ النَّجِس اللغوي، قليله حدثٌ في السَّبِيلَيْنِ، دونَ غيرهما، فافهم.
قوله: (والمُرَادُ بِالدَّابَّةِ: الدُّودَةُ).
الجزء 1 · صفحة 86
حَدَثٌ فِي السَّبِيلَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا، فَأَشْبَهَ الْجُشَاءَ، والفُساءَ بِخِلَافِ الرِّيحِ الْخَارِجَةِ مِنَ الْقُبُلِ وَالذَّكَر؛ لأَنَّهَا لَا تَنْبَعِثُ عَنْ مَحِلُّ النَّجَاسَةِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ مُفْضَاةٌ يُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ؛ لِاحْتِمَالِ خُرُوجِهَا مِنَ الدُّبُرِ.
فَإِنْ قُشِرَتْ نِفْطَةٌ فَسَالَ مِنْهَا مَاءٌ، أَوْ صَدِيدٌ، أَوْ غَيْرُهُ، إِنْ سَالَ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ يَنْقُضُ، وَإِنْ لَمْ يَسِلْ لَا يَنْقُضُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إِنَّما فَسَّرَ الدّابةَ بعد أَنْ ذكَرَها مُجملةً، ولَم يقُلِ ابتِداء: دودة تَخْرُجُ؛ لأنَّه كَرِهَ أَن يُغَيِّرُ لفْظَ مُحَمَّدٍ، ثمَّ فَسَّرَها دَفْعًا لتشنيع البعض بأنَّ الدَّابَّةَ ـ وهي الفرَسُ أَوِ الحِمارُ ـ كيفَ تَخْرِجُ مِن الدُّبرِ، أَوْ مِن رَأْسِ الجُرْحِ؟ وهذا لأنَّ الدَّابَّةَ في أصلِ اللُّغةِ: اسمٌ لكلِّ ماش في الأَرْضِ.
قال بعضُ الشَّارِحِينَ: وجدتُ بخط ثقةٍ: إِنَّما فَسَّرَ الدَّابَّةَ بِالدّودة؛ لِمَا أنَّه لو طارَ الذُّبَابُ في الدُّبُرِ ودخَلَ ثُمَّ خَرَجَ؛ لا يَنْقُضُ الوُضُوءَ». واسْتَحْسَنَه.
فأَقولُ: واللهِ لا أَدْرِي أَيُّهما أَغْلَطُ مِن الآخَرِ؛ المُقلِّدُ أَوِ المُقلَّدُ؟ لأنَّ الذُّباب الدّاخِل في الدُّبُرِ إِذا خَرَجَ عَنْه؛ لا يَخْلُو عَن قَلِيلِ بَلَلٍ، والقليلُ في السَّبِيلَيْنِ حِدَةٌ بِالإِجْمَاعِ.
قوله: (فَإِنْ قُشِرَتْ نِفْطَةٌ).
والنِّقْطَةُ هي: القُرْحةُ الَّتي امتلأت وحانَ قَشْرُها، وهيَ مِن قولهم: انتفط فلانٌ: إِذا امتلاً غضَبًا.
قَالَ في «الجمهرة»: «تنفَّطَتْ يدُ الرَّجُلِ، إِذَا رَقَّ جِلْدُهَا مِن العَمَلِ، وَصَارَ