الجزء 1 · صفحة 7
الأسرار في سائل الخلاف
أبو زيد عبيد الله بن عمر بن عيسى الدبوسي البخاري الحنفي
توفي سنة (430هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة على رسوله محمد وآله أجمعين
قال القاضي الإمام أبو زَيْدٍ عُبيد الله بن عُمر بن عيسى الدبوسي:
هذا كتاب استنبطه التَّفكَّرُفي أسرار المسائل، والرَّوِيَّة في فنون الدلائل، بعد ما سَبَر غَوْرَها بمسبار النَّظر، ووقف على حقائقها بجدالفكر. حَثَّ صانعهعلى ترتيب مبانيه وتهذيب معانيه = عَمَى قلوب الشادين، وتناقض أصول التاشين، في كدهم لحفظ نظم من الكلام لا تأثير له في إثارة الأحكام، وحسن عبارة ما لها للقلب من إنارة. فاستخار الله تعالى فيه، واستعانه عليه ليهديه بنوره ويؤيده بهداه، ليصل إلى مقصودهفي بيان ما أثر من العلل، وطرح ما لم يُؤثر من الجمل، وتجريد ما اشتهر الخلاف فيه بين علماء الهدى، على اختصار في اللفظ وتوفير من المعنى، من غير إيلاع باختراع، ولا إعجاب بابتداع، بل متبركا باتباع، فللسلف في كتبهم إشارات، ولعللهمعبارات؛ يقع بها للمتأمل الهداية، وبأمثالها للمستنبط الكفاية، ولم أنلها إلا بعد ما أنفقت فيها عُظْمَ أمري، وخالفتُ بها جُلَّ أهل دَهْري، وأعرضت عن سائر الفنون، ولم أقنع بالظنون، وجعلتُ الحُجَجَ إمامي لا الرجال، وبالحجاج خصامي دون الجدال، واعتصمت بالله ذي المَن والإفضال، العظيم ذي الجلال الكبير المتعالي.
[كتاب الصلاة]
قال العبد: بدأنا بكتاب الصلاة، فإنَّها الركن الأقوى بعد الإيمان بالله تعالى، وأشرفها وأعظمها، وأقرب الأركان وجوباً مناوأدومها، فنقول ـ وبالله التوفيق، وإليه الإنابة، ومنه الحول والقوة -:
إن الصلاة أنواع شرعاً في منازلها؛ مكتوبة، وواجبة، وسُنَّةٌ، ونافلة.
الجزء 1 · صفحة 9
وأنواع في مقاديرها؛ صلاة حَضَر، وصلاة سفر، وصلاة جنازة، وسجدة تلاوة.
وأنواع خصت بأوقاتها صلاة جمعة، وعيدين، وصلاتاعرفة ثم المزدلفة.
وأنواع أداء بسبب العذر؛ الصلاة بغير قراءة، وقاعدا، وبإيماء، وصلاة الخوف.
وبأسباب تحدث؛ صلاة الكسوف، والريح، والـ والظُّلْمَةِ، والإفزاع.
وللصلاة في نفسها أركان، وواجبات، وسُنَّةٌ غير واجبة في نفسها، وسُنَّةٌ زائدة.
وللصلاة شروط، ومحظورات، ونواقض، وسهو يقع فيها بما يَنقُصُ (ولا يقطع.
وللصلاة أحكام الترك؛ ترك ما به صار أهلا للعبادة من الإيمان بالردة، وترك الصلاة نفسهاعمدا، وترك ركن منها، وترك واجب منها.
فنبدأ بالشروط، فإنَّها أعلام على الوجود حكما، فنقول: إنَّ لها شروطاً أربعة:
- الطهارة،
- وستر العورة،
- واستقبال القبلة،
- والتحريمة -هذه لجنس الصلاة –
، والوقت شرط لأداء الفروض والسُّنَنِ المُؤَقَّتة.
والطهارة أنواع أربعة:
- حقيقية،
وحكمية، وهيثلاثة أنواع:
- اغتسال،
- ووضوء،
- وتيمم.
فنبدأ بالطهارة، وهيمفتاح الصلاة، ونبدأ بالوضوء، فهو الأدوم.
الجزء 1 · صفحة 10
[مَسائِلُ الطهارة
فَصْلٌ الطهارة الحكمية
اختلف العلماء في:
سبب نجاسة أعضاء الوضوء،
والسبب الذي يُعلَّق وجوب الطهارة به
وشرط الأداء
والركن.
ثُمَّ لا بد من معرفة:
الطهور الأصلي،
ومعرفة بدله عند العدم.
فنبدأ بالسبب المنجس.
فَصْلٌ في السبب
|| مسألة، قال علماؤنا: سبب نجاسة أعضاء الوضوء هو: خارج نجسمن الإنسان.
وقال مالك بن أنس: الخارج المعتاد من السبيلالمعتاد؛ لأنَّ الله تعالى ذكر المجيء من الغائط، وهوكناية عن قضاء الحاجة المعتادة، وهذاباب لا يُعرف قياساً، فلا يجوز قياس غيره عليه، ألا ترى أن القياس في وجوب غسل موضع النجاسة دون غيرها؟!
وقال الشافعيكل خارج من المخرج المعتاد حَدَثُ، لا عبرة للنجاسة فيه، واحتج بأن هذه طهارة وجبت حكماً؛ تعظيما لأمر القيام بين يدي الله تعالى، حتى لا يكون على نجاسة.
ثُمَّ السبيلان خُلقا لخروج النجس من الآدمي في الأصل، ورُبَّما يخرج
الجزء 1 · صفحة 11
منهما ما ليس بنجس؛ من دودة وولد ومني على الندرة، وهذان السبيلان باطنان سوءتان لا يحسن النظر إليهما ولا إلى الخارج منهما، فعلق الشرع الوجوب بالمخرج - يعني السبيلين -، وأسقط اعتبار حكم الخارج؛ تيسيرا، أو إقامةللسبب مقام العلة؛ لضرب بلوى. وسائر المخارج في الأصل خلقت لخروج الطاهر، كالدمع والعرق والبزاق واللبن، فلم يتعلق بها وجوب الطهارة ـ وإن خرج منها نجس بآفة - لمَّا تَعَلَّق الحكم بالمخرج وسقطعبرة الخارج في نفسه، ألا ترى أنه بالإجماع يجب الوضوء عن الدودة تخرج من الدبر، وكذلك الريح؟! ولو خرجا من مخرج آخر لم يجب الوضوء، كالجشاء.
ثُمَّ عندنايجب بالنوم؛ لأنه سبب خروج الريح، على ما تبين في موضعه، إلا أنَّا عَلقنا بنفس النوم - وإن كان قائما - احتياطاً لأمر العبادة، حتى اختلف قولنا في الجالس مستوي الجلوس؛ لأن الاستواء يمنع خروج الريح.
وقلنا: مَس الرَّجُل المرأةَ حَدَث؛ لأنَّه سبب لخروج المذي، حتى إذا مَسَّ من لا تحل له اختلف قولنا فيه؛ لأنَّ المحرمية تقلل الشهوة.
وكما قالوا جميعاً: إنَّ التقاء الختانين حدث، وما هو إلا مَس عن شهوة في موضع المني.
وقلنا أيضا: مَس الذَّكَر بباطن الكَفَّ حَدَث؛ لأنه سبب الخروج أيضا، ألا ترى أن الاستمناء بباطن الكفّ معمول بين الناس، كما يكون بالنساء؟! ولهذا لم نجعل المس بظاهر الكفّ حَدَثًا، أو إذا كان بينهما حائل. ولم نجعل الدميخرج من غير السبيلين حَدَثًا، كما لو خرج شيء طاهر، وكذلك القهقهة.
ومثال ذلك: رخص السفر، عُلقت بالمشقة، وأنها أمر باطن لا يُوقف عليها إلا باستخبار وتأمل، وسببها السفر، وأنه قلما يخلو عن المشقة، فعلق بالسفر وأقيم مقام المشقة حتى إذا سافر ولم يلحقه ضررترخص، وإذا أقام ولحقته مشقة لعمل عمله لم يترخص.
وعلى هذا باب من الفقه كبيرذكرنافي. غير موضع من هذا الكتاب، ألا يرى أن الطهارة الكبرى لا تجب إلا بالخارج من المخرج المعتاد، ولو خرج المني من طريق آخر، أو دم الحيض لم يجب الغسل؟!
فهذا فقه الشافعي الله، وله في كل مسألة أخبار نذكرها إن شاء الله تعالى.
وأما علماؤنا الله، فإنهم قالوا: لا بد من صفة النجاسة؛ لأن الواجب طهارة، والطهارة لا تجب إلا عن نجاسة في الأصل؛ لأنها شرعت لرفعها؛ شَرَع الله تعالى الوضوء والتيمم، ثُمَّ قال: {وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة:]، ولهذا كان أصل الوجوببالخارج من السبيل؛ لأنه سبيل النجس على ما قاله،
الجزء 1 · صفحة 12
وكذلك يُروى عن الصحابة له في رد خبر الوضوء عن مَس الذَّكَر أَنَّهم قالوا: «إن كان شيء منك نجساً فاقطعه، أي: هو طاهر، فلا يتعلق بمسه وجوب نجاسة. وقالوا أيضا في رد خبر الاغتسال عن غسل الميت: «إن كان صاحبكم نجساً فاغتسلوا عنه، إنما صاحبكم مؤمن طاهر.
فإن قيل: هذه طهارة حكميَّة تُعبّدنا بها، بدلالة أنها تجب لا في موضع النجاسة.
قلنا: إن معنى العبادة فيها تبع، فإنَّ الله تعالى قال: {لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة:]، ولم يَقُل: ليتعبَّدَكُم بها. وسميت طهارة ووضوءاً أيضاً.
وكان القياس أن لا تجب حيث لا نجاسة، إلا أنها وجبت شرعاً تعظيماً لشأن القيام إلى الله تعالى في الصلاة. وكان يجب أن يغتسل كما في المَنِي؛ لأنَّ الشرط أن يقوم بنفسه طاهرا إلى الله تعالى، وقد لزمه حكم النجاسة بخروج النجس، إلا أن الله قصر على الظواهر بالخارج المعتاد، تيسيرا علينا)؛ لأنَّه مما يكثر، فبقيت إضافة أصل الوجوبإلى النجاسة على أصل القياس، والزيادةاحتياطاً لأمر العبادة، وتعظيما لأمر هذا القيام.
ولا يلزم على هذا أمر القهقهة؛ لأنَّها ليست بحدث بعينها عندي، حتى لا أجعلها حَدَثًا خارج الصلاة ولا في صلاة الجنازة ولا سجدة التلاوة، وإنما أجعلهاحَدَثًا في الصلاة بخلاف القياس شرعاً، لنجاسة حكمية، وهو الإثم حالة الذي لحقه بالقهقهةوهو بين يدي الله تعالى في أخص حالة، وهي الصلاة، وفي الإثم معنى النجاسة حكماً، والوضوء مما شرع توبة وتطهيرا عن الذنب في الجملة، إلا أن قيام الإثم مقام النجاسة ما عُرف إلا شرعاً، فلم يقم إلا في عين ما ورد به النص، فثبت أنه لا بُدَّ من صفة النجاسة.
ولا بد أيضا من صفة الخروج من الإنسان؛ لأن الإنسان لا يخلو عن نجاسات باطنة، فلو كانت حَدَثًا لم يصر طاهرا بحال. ولأنه لا يمكنه تطهير الباطن عن النجاسات، فلا يَرِدُ التكليف به. ولأنا اعتبرناه بالخارج من السبيل، ولا يُخاطب به ما لم يخرج منه، إلا أن الخروج من السبيل بنفس الظهور على المخرج؛ لأنَّ مَعْدِنه باطن، فلا يظهر على المخرج إلا بالانتقال إليه.
وحد الخروج: هو الانتقال من محل باطن إلى محل ظاهر، والخروج في غير السبيل بالسيلان عن رأس الجرح؛ لأنَّ تحت كل جلدة رطوبة سيالة، وفي كلِّ عِرْقٍ دَم يظهر ذلك لنا - وهو في محله - بزوال
الجزء 1 · صفحة 13
السترة من جلدة أو عرق، فلا يكون الظهور من باطنه بزوال السترة خروجاً، فإذا سال عن رأس الجرح فقد انتقل عن محله الذي كان باطنا بالستر، فصار خارجا، كما لو كان الستر قائما.
وكذلك للخروج حكم شرعاً، وهو وجوب غسل مكانه عن عين النجاسة القائمة، ولا يجب ما لم يسل في غير السبيلين، ويجب في السبيلين وإن لم يسل، فيتعرف بالحكم الشرعي الخروج وعدمه.
وإذا كان كذلك، قام السيلان في غير السبيل المعتاد مقام الخروج في المعتاد، ودار الحكم مع صفة السيلان، على ما تقدم القول فيه.
ولا يلزم خروج الدودة من الدبر أو الوَلَدُ؛ لأنَّ الحَدَث ما على الدودة من البلة، فهي نجسة لا محالة. وأما الولد فلا يخلوا عن دم وإنقل -، أو رطوبة أخرى دون الولد، وهي نجسة.
فأما الدودة إذا خرجت من رأس الجرح، فلا يكون حَدَثًا؛ لأنَّها طاهرة، والبلة عليها قليلة لوانفردت عنها لم تسل، فأشبه رطوبة غير سيالة أخذها صاحبها بخرقة؛ لأنا لم نجعلها حَدَثًا بدون السيلان، بدليل ماذكرنا، ولم يثبت السيلان بهذه الوجوه.
وأما الريح تخرج من الدبر، فنجس؛ لأنَّ الريح إنما تنبعث من النجاسة، ومعها من أجزائها، فأما إذا خرج من الفم، فلم يكن حَدَثًا؛ لأنَّ قليل القَيْءِ لا يكون حدثًا - على ما نذكر، فالجشاء، وإن ألحق بالخارج النجس، فهو أقل حالا من قليل القيء، والله أعلم.
ولا عبرة بالمخرج؛ لأنه طاهر، ولأنه عضو منا، والحدث اسم لخارج نجس، على ما قلنا، لا للعضو، كاليد والأنف. ولأن النص ورد بالوضوء عن الخارج. ا من السبيل، وعللنه ن، نحن بالنجاسة الخارجة، إلا أنَّ الحكم في النص متعلق: بعينه لا بالعلة و،، وفي غيره يتعلق بالعلة،،فلم يعتبر في النص ظهور حكم النجاسة، وهو وجوب الاغتسالفي موضع النجاسة، واعتبرناه في الفرع، فلم توجب الوضوء ما لم يجب غسل النجاسة عن موضع الخروج.
فأما فقههم الذي ذكروا، فغير قوي؛ لأنَّ الحكم إنما ينقل عن العلة إلى السبب الظاهر، إذا كانت العلة باطنة لا يُوقف عليها إلا بضرب حرج، لجهالة العلة، فينتقل إلى السبب الظاهر المعلوم تيسيرًا، كما قيل في السفر، فإنه ظاهر، والمشقة باطنة مجهولة، ربما تقع وربما لا تقع، وقَدْرُ ما تتعلق به الرخصة مجهول، فإنَّ نفس العناء لا يكون علة. وكذلك العقل، لما كان باطنا - وقَدْرُ ما يبتنى عليه التكليف مجهول لا يُوقَفُ عليه - عُلّق بالسبب الظاهر، لإصابة العقل الذي به يكتفى في الأغلب، وهو البلوغ.
الجزء 1 · صفحة 14
وفيما نحن فيه لا بد من الخروج من السبيل ليكون حدثًا، والخارج منه لا يخلو عن نجاسة؛ إما بنفسه، وإما بمجاورة نجاسة معه، فاستغني بعد معرفة الخروج الذي لا بد منه عن تَعَرُّف معنى آخر ليصير حدثًا، فلم يقع باعتبار نفس العلَّة حَرَجٌ، فلم يجز النقل إلى أمر آخر ليس بعلة في الأصل، بل بقيت مع الخارج النجس، ولما بقيت مع الخارج النجس دار معه، ولم يكن للخارج المعتاد أيضا عبرة؛ لأنَّ غيره في النجاسة يُساويه، بخلاف الكبرى؛ لأن سببها المني يخرج عن شهوة، ولا يتصور من موضع آخر. وكذلك دم الحيض، لا يُعرف بموضع آخر، فلذلك اقتصر الحكم على المخرج المعتاد.
فصار ما قلناه من النجاسة وصفًا مُؤثّرًا في إيجاب الطهارة، ووجدنا الصحابة من احتجوا به، وكذلك ما ذكرناه من الخروج وصف مؤثر لتعليق الخطاب به، ليكون الخطاب بما يمكنه، وقد اعتبروه بالإجماع.
ولأنا متى لم نعتبر في المخرج المنصوص عليه صفة النجاسة، زال الحرج، إنما يُعتبر هذا الوصف للتعدية به إلى الفروع. ولا حرج في معرفة هذا الوصف في الفروع، بخلاف المشقة في السفر؛ لأنها باطنة مختلفة بين الناس، فيتعذر البناء عليها والتعليل بها.
فإذا عرفنا هذا الأصل ذكرنا المسائل مفردة، والله أعلم:
|| مسألة، منها أنَّ دم الاستحاضة حدث، خلافا لمالك.
وفيها السنة المشهورة؛ رُوي أنَّ فاطمة بنت حبيشسألت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عن دم الاستحاضة، فقال لها: إنَّه دَمُ عِرْقٍ انفجر، تَوَضَّئي لكلِّ،) (صلاة تتوضأ لكل الاستحاضة. وقال النبي: المستحاضة تتوض، فهو نص فيا صلاة)، وفي رواية: ... لوقت كل صلاة.
فإن قيل: لو كان دم الاستحاضة حَدَثًا ما جاز لها الصلاة والدم يسيل.
قلنا: لأن الشرع أسقط حكم الحدث عن دمها بعد التَّوَضّي بقدرإمكان الصلاة؛ لأنَّ الله تعالى ما جعل في الدين من حرج، فإذا زال وقت الإمكان زال المسقط لحكم الحدث، فظهر الحدث فيلزمها وضوء جديد، والله أعلم.
| | مسألة، ومنها أن الخارج النجس من غير السبيلين عندنا حَدَثُ، خلافا للشافعي.
الجزء 1 · صفحة 15
واحتج بما رُوي أنَّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ قاء فلم يتوضأ، ورُوي أنه قاء فغسل فمه، فقيل له: ألا تتوضأ وضوءك للصلاة؟! فقال: «هكذا الوضوء من القيء).
وعن عمر الله أنه كان يُصلّي بعد ما طعن والدم يسيل منه. وعن ابن عباس ا في المحتجم: اغسل عنك أثر المحاجم وحَسْبُك».
ولعلمائنا: حديث فاطمة بنت حبيش، فإِنَّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ أمرها بالتوضي، وعلل له بانفجار دم العرق، وسائر الدماء تنفجر من العرق، والحكم في الحادثة يتعلق بالعلة، ولا يتقيد بالحادثة، ألا ترى أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ لمَّا قال: «الهرة ليست بنجسة، إنما هي منالطوافين والطوافات عليكم)، تعدى الحكم إلى. سائر سواكن البيت؟!
فإن قيل: الإشكال كان واقعاً في وجوب الاغتسال اعتبارا بالحيض، أو في سقوط الصلاة، لا في وجوب الوضوء، فإنه يجببالبول الذي هو أدنى منه، فكان التعليل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبيان أنه لا اغتسال فيه، فإنَّه متعلق بدم الرحم لا بدم العرق.
قلنا: وكيف لا يكون الإشكال في نفس الوضوء ومالك الله يخالفنا فيه؟! أو لايكون في أمر الصلاة مع الحدث؟!
ولأنا نجعل هذا التعليل لكل ما يصلح علة له من المنظوموالمفهوم جميعاً، فيكون بالنص دليلا على وجوب الوضوء عن كل دم عرق ينفجر - أي: يسيل ـ، وبالحالدليلا على أنَّ الاغتسال وسقوط الصلاة لا يتعلقانبدم العرق، بل بدم الرحم.
وروى أبو جعفر الطحاوي له بإسنادهعن عائشة، عن النبي. أنَّه قال: «من قاءَ أو رَعَفَ في صلاته فلْيَنصرف وليتوضأ وليبن على صلاته، ما لم يتكلم»، ومطلق الوضوء ما اختلفنا فيه في متعارف لسان الشرع، فلا ينصرف إلى ما عليه حقيقة اللغة من الغسل إلا بدلالة، كالصلاة والحج. ولأنَّ النجاسة الحقيقية متى وجب غسلها في الصلاة في الانصراف عن الصلاة إلى الماء أوجب فساد الصلاة ومنعالبناء.
وفي رواية ابن أبي مليكة عن عائشة: من قاء أو رَعَفَ في صلاته أو أمْذَى فلينصرف وليتوضأ»، وعن المذي لا يجب إلا الوضوء الشرعي، فكذلك عن غيره؛ لأنَّ الأمر واحد. وابن أبي مليكة كان لَقِيَ عائشة، رَوَى أَنَّه سمعها تقرأ قوله تعالى: {إِذْ تَلِقُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ} [النور:]، بكسر «اللام» والتخفيف
الجزء 1 · صفحة 16
وعن أبي هريرة الله، عن النبي: ليس في القطرة ولا في القطرتينقال: من الدم وضوء حتى يسيل». وعن تميم الداري له، عن النبي أنه: الوضوء من كل دم سائل) .. .وعن سلمان الفارسي الله أنه قال: مر بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد سال من أنفي دم، فقال: «أحْدِثُ لِمَا حَدَثَ بك وُضُوءا). وعن زيد بن علي، عن أبائه، عن النبي أنَّه قال: «القَلسُحَدَث)، والمراد به الحدث الشرعي، لا لأمر يحدث؛ لأنه. معروف. حسا. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما بعث إلا لتعليم الشرائع
فأما الجواب عن حديثهم: أنه لم يتوضأ عن القَيْء في فَوْرِه ذلك. وقوله: «هكذا الوضوء من القيء، أي: لأجل القيء نفسه، فإن الزيادة تجب إذا أراد الصلاة، فأما غسل الفم عن النجاسة فيجب حال القيء، بدليل ما روي في رواية أخرى عن النبي أنه قاء فتوضا، و «الفاء» يوجب التعلق به، كقولك: سقى فأروى، وقطع فأبان ونحوه، أو كان القيء أقل من مِلْء الفم، فإِنَّ الخبر حكاية فعل.
وأما أخبار الصحابة، فروي عن عمر اهُ أَنَّهُ رَعَفَ أَنفُه في صلاته، فتأخر وقدم رجلا وذهب فتوضأ، وعن علي الله أنَّه عَدَّ الأحداث، وقال: «أو دسعةتملأ الفم)، وعن ابن عمر لا أنه قال: «أربع ينقض الوضوء؛ القيء والرعاف والضحك والحدث، وعن ابن عباس لم يسل ا في الدم يخرج من لم ينقض)، وعن ابن رأس الجرح: «إن سال نقض الوضوء، وإن عباسوأبي أمامة الباهلي: الوضوء مما يخرج والفطر مما يدخل، وهو مذهب ابن مسعود عود وأبي الدرداء وأبي هريرة)
وأما حديث صلاة عمر الله بعد الطعن، فتأويله: أنه كان يصلي بعد ذلك بوضوء جديد، بدليل أنهحين طعن في صلاته أغمي عليه، والإغماء يقطع الصلاة.
وتأويلحديث ابن عباس في الحجامة أنه لا يجب للحجامة على الخصوص غير ما يجب بسائر الأحداث، إلا غسل موضع المحجمة، فإنَّه مخصوص به لا يجوز بدونه، بخلاف الموضع المعتاد، فإن غسله غير واجب بالإجماع، فكأنه قصد به الرد على من كان يُوجب الاغتسال من الحجامة، والله أعلم.
ا | مسألة، القَيْء لا يكون حَدَثًا عند علمائنا الثلاثة الله حتى يملأ الفم
وقال زُفَر: ملاالفم ليس بشرط، بل الشرط هو الخروج، كما في سائر الأحداث، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (القَلَس حَدَث)،ولم يشترط ملاء ا الفم.
الجزء 1 · صفحة 17
إلا أنا أخذنا بقول علي، فإنَّه عد الأحداث وقال: «أو دَسْعَة تَمْلأُ الفم). فلو كان ما دونه حَدَثًا عنده لم يَحِلَّ له السكوت عند بيان الجملة، فثبت أنَّه كان يراه حَدَثًا بهذا القيد، وهذا لأنَّ الحَدَث نجس خارج، ولا خروج للقيء على الإطلاق حتى يملأ الفم.
وحده عندنا أن يكون بحيث لو لم يتكلف الإمساك بشفتيه وإطباق فمه خرج، وهذا لأنه متى كان أقل من ذلك، ولم يَقْوَ على ..... الخروججبغير مانع،، كان الخروج إلى الفم وحده.
وللفم حكمان؛ حكم الباطن فيما بينه وبين البطن، وحكم الخارج فيما بينه وبين الخارج؛ لأنه في أصل الخلقة هكذا خُلق بفتح الإنسان فمه بمَفْتَح أصلي، فيظهر ما تحت طَبَقَيْه ويصير خارجاً خِلْقَةٌ، ويَضُمُّ ما هو سبب الفتح وآلته، فيبطن ما تحت طبقيه بانضمام حلقه، ويتصل جوفه بجوف البطن بمنفذ أصلي.
وكذلك في الحكم اعتبر به، فقيل: إنَّ الصائم إذا تَمَضْمَضَ لم يَفْسُد صومه، ورُدَّ إلى الوجه فيه؛ لأنه دخله من خارج، فاعتبر بالخارج، وكذلك إذا مضغ خُبزا ولم يبتلعه، لم يفسد به الصوم، ولو بقي بين أسنانه شيء فابتلعه قصداً لم يفسد به الصوم، وكذلك البزاق؛ لأنَّ الذي يبقى بين أسنانه يصير تبعاً لفمه، وقلما يمكن الاحتراز عنه، فيصير في حكم ما في الفم من البزاق، وله في حكمما بينه وبين البطن حكم البطن. فيصير الابتلاع لما هو من الفم بمنزلة انتقال الطعام من زاوية جَوْفٍ إلى زاوية، فلم يفسد به صومه، فكذلك القيء الذي يخرج من البطن إليه؛ إذا كان بحيث لم يقو للخروج من الفم، لم يثبت له حكم الخروج، كما لم يثبت للبزاق يبتلعه حكم الدخول من خارج. فعلم أنا شرطنا ملاء الفم لمعنى مؤثر في تحديد الخروج.
اه | مسألة، قال أبو حنيفة ومحمد: البلغم ليس بحدث.
وقال أبو يوسف: إذا قاء بَلْغمًا كان كالمرة وكالماء يقيئه؛ لأنه خارج من معدن النجاسة، فلا يخلو عن النجاسة. ألا ترى أن الحصاة تخرج من الدبر فتكون حدثًا وإن كانت طاهرة، لتنجسها بالمعدن؟!
ولهما: أنَّ البَلْغَم من جنس المخاط، وهو طاهر في نفسه، ألا ترى أنه لو نزل مثله من الرأس كان طاهرا؟! فلو تبتت النجاسة في البلغم لثبتت بمعدنه، وأنه شيء لزج لا تتداخله النجاسة، وإِنَّما تُجاوِرُ ظاهره، والطاهر لا يكون حدثًا، والنجس قليل، وهو الأجزاء الظاهرة، وقليل القيء لا يكون حَدَثًا، بخلاف نجاسة الحصاة؛ لأنَّ قليل النجس يخرج من السبيل حَدَثُ، على ما مر.
الجزء 1 · صفحة 18
فأبو يوسف أخذ بالاحتياط، فأماأحد من الفقهاء لم يترك الأصلالذي مهدناه، والله أعلم.
| مسألة، قال علماؤنا الله: مَس الفَرْج ليس بحدث.
وقال الشافعي: مَن مَسَّ فَرْجَ نفسه أو غيره، ره، ذكرا كان أو أُنثَى، بباطن كفه، بلا حائل، كان حَدَثًا، لِمَا رُوي عن أبي هريرة عن النبي أنه قال: «إذا أفضىحدكم بيده إلى فرجه فليتوضأ). وروت بُسْرَة بنت صفوان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب في مَسَّ الذَّكَر وضوء.
ولعلمائنا): ما رَوَى سُفيان الثَّوْرِي، عن محمد بن جابر، عن قيس بن طلق)، عن أبيه أنه قال: قلت: يا رسول الله، أَفِي مَسَّ الذَّكَرِ وُضُوءُ؟! فقال: لا
وكذا عن عكرمة عنعمار، عن قيس بن طلق.
وعن عائشة أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن مَس الذَّكَر، فقال: «ما أبالي أَمَسِسْتُه أم مَسِسْتُ أنفي»، فنبه على العلة، وهو أنَّه عُضو طاهر.
ه فإن قيل: رُوي عن عائشة نفسها: «إذا مَسَّت المرأةُ فَرْجَها توضأت.
قلنا: هذا غريب عن عائشة، والبلوى بها عام، ولا يقبل المسند الغريب في مثله، فكيف عن عائشة؟!
على أنا نحمله على أنها كانت تقول به، ثُمَّ تركت لما بلغها الحديث بخلاف ذلك، على ما هو الأصل في الرَّاوِي إذا روي عنه بخلاف ما رَوَى عن النبي ولا تاريخ بين القولين.
وعن أبي أيوب الأنصاري الله: سألت رسول الله: فقلت: مَسِسْتُ ذَكَري وأنا في الصلاة، فقال: لا بأس به. ومُطلق المس» اسم لمس بلا حائل، وفي العادات يقع بالكف لا بالظهر.
العادات يقع بالكف لا بالظهر. والجواب عن حديثهم: ما رُوي عن يحيى بن معين الله، أنَّه قال: «ثلاثة من الأخبار لا تصح عنرسول الله: منها خبر مَس الذَّكَر».
وكان أحمد بن حنبل الله يقول بصحته، ثُمَّ وجدهمُرسلًا عن عَنبسة، عن مَكْحُول. وعَنبَسَةٌ لم يكن. لَقِي مَكْحُولًا.
الجزء 1 · صفحة 19
ولأن هذه المسألة وقعت في زمن عبد الملك بن مروان، فشاور الصحابة، فأجمع من بقي من الصحابة أنه لا وضوء فيها، وقالوا: «لا نَدَعُ كتابَ رَبِّنا ولا سُنَّة نبينا بقول امرأة لا نَدْرِي أصدقت أم كذبت؟! يعنون: بُسْرَة بنت صفوان.
ومعنى قولهم: كتاب ربنا، أنَّ الله تعالى بين الأحداث وكانت نجسة؛ من دم الحيض ومَني وغائط، وشرع الاستنجاء بالماء بقوله: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا الآية [التوبة:]، وكانوايُتبعون الحجارة بالماء. والاستنجاء بالماء لا يتصور إلا بمَس الفَرْجَيْن جميعًا، فلما ثبت بالنص أنه من التطهير، لم يجز أن يجعل حَدَثًا بخبر غريب.
وأما «السُّنَّة»، فما رَوَيْنا من طرق، وكذلك القياس الصحيح؛ من السُّنَّة والقياس يردُّه، وقال بعضهم: لو شهدت بُسْرَةُ بَقْلَةٍ لم تُقبل، فكيف بأمر الدين؟!
ولأنه حديث غريب فيما عَمَّبه البَلْوَى، فسَقط، على ما هو الأصل في خبر الواحد. ولأنَّه وَرَدَ بخلاف القياس - على ما نذكره ـ، فلا يقبل، إلا أن يكون الراوي فقيها، أو يشتهر في السلف عَمَلًا به، ولم يشتهر، على ما روَيْنا، ولا كان الراوي فقيها.
وكذلك أخبار أبي هريرة، مالم يشتهر منها يُرَدُّ بالقياس؛ على ما بينا في موضعه، وعلى ما رَدَّ عبد الله بن عباس خبره في الوضوء ممَّامَسَّته النار بالقياس، فقال: «أنتوضأ من الماء السخن؟!).
كيف وقد ثبت من مذهب أبي هريرة - على ما نذكر ـ أنَّه ليس بحَدَثٍ؟! ومتى ثبت مذهب الرَّاوِي بعدما رَوَى بخلاف ما رَوَى، دل على زيافة الحديث، على ما عُرِف في مَوْضِعه.
أو أراد بالتَّوَضّي غسل اليد؛ لأنهم كانوا لا يَسْتَنجُون، وهم في بلاد حَرّ وعَرَق، فقلما يسلم الماس عن ضَرْب نجاسة، فأمروا بالغسل عنه تنزيها، كما أمروا بالوضوء عن لحم الإبل، والمراد به: غسل اليد.
ومذهبنا مذهب عُمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وحذيفة، وعمار بن ياسر، وأبي الدرداء، وسعد بن أبي وقاص، وعمران بن حصين، وأبي هريرة.، حتى قال علي: «لا أبالي أمسسْتُه أم أرنبة أنفي».
وقال بعضهم: إن كان شيء منك نجساً فاقطعه»، أي: إنه طاهر، وخروج الطاهر لا يكون حَدَثًا، فكيف طاهر ظاهر بنفسه؟!
الجزء 1 · صفحة 20
وهو القياس الصحيح، فإنَّ الطاهر لا يُوجب حكم نجاسة، لتضادهما، ألا ترى أنَّ مَسَّ النَّجاسة لا يُوجب طهارة بحال؟! فيكون تعليلا بوصف مؤثر. وبمانُقل عن السلف والنبي، فإنَّه شَبَّهَه بمَسَّ الأنف، وكذلك روي عن عليه.
وأما قول الشافعي: «إنَّه سبب لخروج المني»، فالجواب ما مر أنَّ الأسباب إنما تقام مقام العلل - وإن كان بابا يُحتاط فيه ـ إذا كان الغالب ذلك منه، أو كان التعليق بالعلة يؤدي إلى حرج. وليس الغالب من مس الإنسان ذكره بيده خروج المني ولا خروج المذي، ولا الخروج بأمر باطنإذا كان الحال حال يقظة وتنبه.
ولا يلزم التقاء الختانين؛ لأنه سبب غالب لخروج المني. ولأنَّ الخروج بعد الالتقاء باطن فعلقبالسبب الظاهر.
ولأن الممسوس ذكَرُه من الرجال لا ينتقض وضوءه، وشهوته من مس غيره أكثر من شهوة الماس، وأي شهوة للماس من ذكر غيره؟! والله أعلم.
| | مسألة)، إذا باشَرَ الرجل امرأته وانتشر له وليس بينهما ثوب، انتقضتطهارته عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وذكر الكرخي مكان الانتشار» «مَسَّ الفَرْجِ الفَرْجَ».
وقال محمد: لا يكون هذا حَدَثًا؛ لأنَّ عين المس ليس بحَدَثٍ، لِمَا مر، والحال حال يقظة وبصيرةبالخارج، من غير حرج في تأمله، فلم يجب نقل الحكم عن عين الخارج إلى سببه.
ولهما: أن الحكم. ا عن العلة قد يُنقل! إلى السبب، لدفع الحرج، وقد يُنقَلُ إذا كان السبب سببًا له غالباً فيما بني أمره على الاحتياط، ألا يُرى أنَّ حُرمة المصاهرة في الأصل تعلقت بالماء، ثم نقلت إلى الوطء الظاهر، ثم نقل إلى سسب الوطء - وهو النكاح -، احتياطاً للحرمة، وإن لم يكن في إبقاء الحكم مع الوَطْء حَرَج؛ لأنَّ النكاح سبب له غالبا، ولم يوضع إلا له؟! فكذا المباشرة مع الانتشار سبب للمذي غالبا، فتقوم مقامه في نقض الطهارة احتياطاً لأمر الطهارة، فإنَّها مبنية على الاحتياط، لكونها عبادة. ولأنَّ الحالة إذا كانت هذه فإنَّه يَغْفُل عن نفسه لغلبة الشهوة، فصار حال التباس، كالنوم والتقاء الختانين. وكذلك المس عن شهوة يوجب عندنا حُرْمَة المُصاهَرَة؛ لأنَّه سبب للوطء غالبا. ولذلك قال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يحل للرجل من امرأته الحائض فيما دون الإزار، خلافا لمحمد؛ لأنَّ المُباشرة دون الإزار
الجزء 1 · صفحة 21
سبب للوقوع في الفرج غالبا، فأُعْطِي حكمه، بخلاف نفس المس، فإنَّه لا يكون سببا للخروج غالبا عيانًا، فأشبه مَسَّ المَحْرَم.
| | مسألة، من أحد الزوجين صاحبه بغير برحائل لا ينقض الطهارة. وقال الشافعي: يَنقُضُ وضوء الماس. واختلف قوله في الممسوس، وكذلك الأجانب إذا كانوا حلالا.
واحتج بقول الله تعالى: {أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} [المائدة:،] وهي: مُفاعَلَةٌ من اللمس، فيقتضي وجوده من اثنين واللَّمْسُ والمَس واحد لغة، قال الله تعالى - إخبارًا عن الجن -: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ} [الجن:]، فحقيقته للمسباليد، وغيره مجاز لا يثبت إلا بدلالة. ولأنه قُرِئ: {لَمَسْتُرُ، وَ لَمَسْتُم} [المائدة:]، فيحمل «لا مَسْتُم على الجماع، و «لَمَسْتُم» على المَس باليد.
ولأنا متى حملنا الآية على ما قلنا صارت الآية جامعةلبيان الطهارتين، وبيان أنواع الحدث الأصغر، فإن الآية نزلت وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا عرسوا بموضع: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَة)، أي: عن التعريس والنوم، فَاغْسِلُوا، فيكون بيانًا أنَّ النوم حَدَثُ، وما هو بمعناه مما يوجب استطلاق وكاء الحدث؛ من الإغماء والجنون، ثُمّ قال: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ)، فكان بيانا لجميع ما يخرج من الخارج المعتاد دلالة. وكان في الآية تقديم وتأخير، أي: إذا قمتم عن النوم، أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ)، أي: مَسِسْتُم باليد، فيكون بيانًا أنَّ المسَّ حَدَثُ إذا كان سبباشتهاء، فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ، فإن عَدِمتُم الماء، فَتَيَمَّمُوا} [المائدة:]، من غير ذكر أسباب الحدث؛ لأنَّ البَدَل يتعلق بما يتعلق به الأصل، فلا يفتقر إلى بيان زائد. ومتى لم تجعلوا هكذاكانت الآية ساكتة عن بيان أنواع الحدث.
ولنا: ما رُوي أن عائشة سئلت عن هذه المسألة فقالت: «كان النبي يُقبل بعض نسائه، ثم يخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ».
وأما الآية، فالمراد بها - والله أعلم - الجماع مجازا، كما في قول الله تعالى: وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة:]. وعن ابن السكيتقال: العرب تقول: «لَمَستُ المرأة أي: جامعتها.
ولأنا أجمعنا أنَّ الجماع مُراد، فإنَّ الشافعي أباح التيمم للجنب، ولا ذِكْرَ له في كتاب الله تعالى إلا هاهنا، فبطل أن تكون الحقيقة مرادة.
إلا أنه يقول: إنما أبحث التيمم للجنب لأنَّ الله جَعَله بدلا عن الوضوء والاغتسال جميعا.
وعن عمر وابن مسعودا أنهما كانا يحملان الآية على المس باليد، فكانا لا يبيحان للجنب التيمم.
الجزء 1 · صفحة 22
وعن عليوابن عباس (وعائشةو أنهم حملوا الآية على الجماع، فأباحوا التيمم للجنب.
فدل أن تأويل الآية بالإجماع ليس على التقديم والتأخير كما ذكره الشافعي، أنَّ التيممعن هذه الأحداث المذكورة هو المشروع، وأنَّقوله: لمستم» و «لامستم لا يحتمل الأمرين جميعاً، إلا أنَّظاهر الآية لا يترك على قول المؤول، ولكن لِمَن عَقَل اللُّغةَ وفَقه الشرع أن يُؤَوّل من عند نفسه.
والجواب الصحيح: أنَّ الآية سيقت لبيان الطهارتين، لا لأسباب الحدث، فإنَّه تعالى قال: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:]، أي: وأنتم محدثون، فإن الآية لا تتقيدبحال النزول، والوضوء يجب على النائم بالحدث لا بالنوم عينه.
والدليل عليه: أن قوله: {وَإِن كُنتُمْ جُنَّبًا فَأَطَهَّرُوا، عُطِف على الحدث الأصغر، وقد نص فيه على الجنابة دون أسبابها، فدل أَنَّ الأول كذلك، وأنَّ تأويله: «وأنتم محدثون فتوضؤوا، وإن كنتم جنبا فاغتسلوا»، ليستقيم النظم. وعطف الاسم - وهو قوله: {جُنبًا [المائدة:]- على اسم مثله؛ «وأنتم محدثون».
فأما من جعلابتداء الآية: (إذا قُمتُم من النوم»، لم يحسن عطف اسم «الجنب» عليه بظاهره، فإنَّ الاسم لا يُعطف على الفعل إلا بتأويل إقامة الفعل مقام الاسم.
ولأن المعطوف عليه حينئذ لا يجانس المعطوف، فمافي المعطوف عليه ذكر أسباب الجنابة، والله تعالى أمرنا بالوضوء عن الحدث جملة، وبالاغتسال عن الجنابة جملة، ليكون بيانا للطهارتين على الغاية من غير إخلال، فإنا متى حملنا على ضرب حَدَثٍ بعينه لم يكن بد من خُلُو بعض الحدث عن الذكر من جملة ما فيه خلاف.
ثم نقل الحكم إلى البدل فقال: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ الْغَابِطِ)، والمراد به مجازه لا عينه من المجيء، أي: كنتم مُحْدِثين، أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ)، أي: كنتم جنبا، فكَنَّى عن الجنابة بالملامسة، وعن الحدث بالمجيء من الغائط، فهما السببان الأصليان للأمرين جميعاً، فَتَيَمَّمُوا} [المائدة:]، ليكون التيمم رافعاً للأمرين جميعاً نصا، فيكون على موافقة الصدر، فيكون الحدثان في البدل مذكورين كما في الأصل، ولا يحتاج فيه إلى تقديم وتأخير في الآية. ويكون حكم التيمم أنه طهارة بدل عنهما منصوصاً عليه لا مُستَدَلًا بأنَّه بدل عمَّا ذُكر ابتداء، فيعمل عملهما جميعا.
الجزء 1 · صفحة 23
والدليل عليه الآية الأخرى، قال الله تعالى: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَوَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا)، أي: لا تُصَلُّوا، {إِلَّا عَابِرِي سَبِيلِ حَتَّى تَغْتَسِلُوا)، ثم قال: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء:]، فلا يمكن في هذه الآية حَمْلُ ذكر الأحداث في التيمم على الصدر؛ لأن المجيء من الغائط لا يُوجب الاغتسال، فعلم أنها مقرونة بالتيمم لا محالة.
وبالإجماع بيننا؛ التيمم مشروع للحدثين جميعاً، علم أن المجيء من الغائط للحدث الأصغر، والملامسة للأكبر، وأنه كناية عن الجنابة بسببها، ليصير التيمم رافعاً وطهارة مبطلة للحدثين جميعاً.
فالشافعي غلا في الاحتياط، وقال بخلاف ذلك في قوله: «إنَّ ضُروب هذا المسيس حَدَثُ لكونها أسباب اشتهاء وخروج مذي في الجملة». ولكنه غير دميم: لأنه احتياط للعبادة. وما قلناه إلى القصدأقرب، وبأصول الشرع أقيس.
| | مسألة، إذا استيقظ النائم فوجد على فراشه أو فَخِذه مَنْيا، ولم يتذكر احتلاماً، كان عليهالاغتسال عند أبي حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف: لا غسل عليه، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وفي المدي الوضوء). وكما لو وجد وديا.
ولنا: ما حدثنا إسحاق يحيى بن معين، عن بن إبراهيم الخطيببسمرقند، بإسناده، حماد الخياط، عن عبد الله. بن عمر، عن القاسم، عن، عن عائشة أن النبي سُئل عمن وجد على فراشه بللا ولم يتذكر احتلاما، فقال: «عليه الغسل، وإن كان يرى أنه احتلمولم ير ماء، فلا غُسل عليه».
ولأنَّ الحال حال نوم وغَفْلَةٍ، والمَنِيُّ قد يَرِقُ بطول المُكث ومُخالطة الوَدْي وعارض يَعْرِضُ طَبْعَه، فصار موضع اشتباه، فاحتيط للعبادة بسبب الغفلة. وأما إذا كان وَدْياً لا لُزُوجة له، فلا يحتمل أنه كان منيا، والله أعلم.
|| مسألة، قال علماؤنا: النوم لا يكون حدثًا في حال من أحوال الصلاة، وكذلك قاعداً خارج الصلاة، إلا أن يكون مُتَوَركا.
وقال الشافعي: هو حدث، إلا الجالس المستوي الجلوس، فقد اختلف قوله فيه.
الجزء 1 · صفحة 24
واحتج بما رَوَى صَفوان بن عَسَّالِ المُرادِي: «إِنَّ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ كان يأمرنا أن لا تنزع خفافنا إذا كُنَّا سَفْرًا؛ ثلاثة أيام ولياليها، لامن جنابة، لكن من غائط أو بول أو نوم».
وقال صلى اللهُ عَلَيْهِ: العَيْنان وكاءُ السَّهِ، فمن نام فليتوضأ»، أمر بالوضوء، ونبه على العلة، وهو ذهاب وكاء السَّهِ في حال غفلته. وقياسًا على المُتَوَرِّكَ، فَإِنَّ الساجد حاله أدعى للحدث من المتورك.
ولنا: ما روى أبو بكر الرازي، وأبو الحسن الكرخي وجماعةبأسانيدهم، عن عبد الله بن عباس، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، أَنَّه قال: «ليس على من نام قائماً أو راكعا أو ساجداً أو قاعدا الوضوء، إنما الوضوء على من نام مضطجعا، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله».
فنص النفي حُجَّة. وقوله: (إنما حُجّة؛ لأنها لإثبات المذكور، ونفي ما عداه. والتعليل حجة، وهو «استرخاء المفاصل، فأخبر بالتعليل أن عينه ليس بحدث، ولكنه سبب لاسترخاء المفاصل وخروج الحدث، وذلك بالاضطجاع، فأما ما دام على الهيئة التي تكون بتكلف اليقظة، فلا استرخاء، فلم يُوجد سبب الخروج، فعدمت العلة بسببها، فلم يُوجِب نَقض الطهارة. وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ: العينان وكاءُ السَّهِ، فإذا نامت العَيْنان استطلق الوكاء»، فجعل العلة استطلاق وكاء الله، وهو وكاءُ الحَدَث، وذلك بالاسترخاء وزوال مُسْكَة المتيقظ.
وعن حذيفة بن اليمان الله، أنه قال: بَيْنا أنا في المسجد إذ رَقَدْتُ، فإذا أنا برجل وضع يده على كتفي، فالتفت فإذا أنا برسول الله، فقلت: يا رسول الله، هل علي في هذا وضوء؟! فقال: «لا، حتى تضع جنبك»، فقوله: (لا) حُجَّةٌ، وقوله: «حتى تضعَ جَنبَك» حُجَّةٌ أُخرى.
وفي المشاهير: إنَّ العبد إذا نامفي سجوده عرج بروحه إلى السماء، فيباهي الله تعالى به ملائكته، فيقول: انظروا إلى عبدي، روحه عندي، وجسده في طاعتي»، فلو كان النوم ساجدا حدثًا لم يكن في طاعته
وعن ابن عمر) وأنسمثل مذهبنا، وعن عائشةمن استجمع النوم فعليه الوضوء)، ولا استجماع ما بقيت على مُسْكَة اليقظة.
والمعنى فيه: ما مر أنَّ عين النوم فترَةٌ لا خارج نجس، فلا يكون حَدَثًا)، ألا ترى أن قليله ليس بحَدَثٍ، وهو النُّعاس؟! وهذا لا شك فيه، ولكنه سبب لخروج الحدث وليس بسبب بنفسه، لكن بواسطة استطلاق وكاء الحدث باسترخاء المفاصل، على ما قاله رسول الله.
الجزء 1 · صفحة 25
ودل عليه: المعنى المُؤَثّر، فإنَّ المُؤَثّر هو الاسترخاء طبعا، وذلك بزوال مُسْكَة تكون بقوة اليقظة، فما دامت على هيئة تكون بتكلف وإمساك باليقظة، فلا استرخاء، فلا يبقى النوم سبباً، فلا يُقام مقام الحدث، وإن كان الحال حال غَفْلة، كما إذا نام مُسْتَوِي الجلوس على أحد قوليه
ولا يلزم المُتَوَرِّك، فإِنَّ التَّوَرُّك جِلْسَةٌ تكشف عن مخرج الحدث، غير أن اليقظان يمنعُه ويَتَكَلَّفه بمنع الحدث لا بالمَخْرَج، فكمانام وزالقُوَّة مَنعِه والمُسْكَة كانت زائلة بالجلسة - تَحَقَّقَ الاستطلاق، فأشبه النوم مضطجعاً.
وكذلك إذا نام ساجداً - إلا في الصلاة - يكون حَدَثًا، إلا أنا تركنا هذا القياس في المصلي بالحديث بخلاف القياس، صيانة للصلاة.
فمر الشافعي على أصله في الأخذ بالاحتياط غاليا. ومررنا نحن على القصد، وبالله التوفيق.
|| مسألة، القهقهة في الصلاة لا تكون حَدَثًا على هذا الأصل؛ لأنَّها ليست بنجسة، بل هي صوت من الفم، كالكلام والبكاء، ولهذا لم تكن حَدَثًا خارج الصلاة.
وهو قول الشافعي،، واحتج بما روي. عن جابر ه ه عن النبي قال: الضحك في الصلاة ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء).
وقال علماؤنا: أَنَّها حَدَثُ في الصلاة المعهودة، للأخبار:
منها: ما روى أبو بكر الرازيبإسناده، عن عمران بن حصين، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ: من ضحك في صلاته وقَرْقَرَ، فَلْيُعد الوضوء والصلاة)، والأمر في حق الصلاة واجب، فكذا في حق الوضوء؛ لأنه أمر واحد، فلا يشتمل على الندب والوجوب؛ لأنَّ الوجوب حقيقته والندب مجازه.
وعن جابر وأنس، عن النبي صلى الله عَلَيْهِ: «القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء والصلاة).
والمشهور: ما روى أبو العالية مُرسلًا، ورواه مسندا عن أبي موسى الأشعري، أن رجلاً دخل المسجد وفي بصره سوء، فمر على بئر عليها خَصَفَةٌ، فوقع فيها، فضحك بعض من خلف رسول الله في الصلاة، فلما فرغ النبي عن صلاته قال: من ضحك فليعد الوضوء والصلاة). ورواه أيضا الحسن بنمَعْبَدٍ الجُهَني. ورواهأسامة بن زيد، عن أبيه.
الجزء 1 · صفحة 26
فهو وإن ورد بخلاف القياس، لكن لما ثبت برواية العلماء المشهورين، وعمل به الصحابة والتابعون - على ما نذكر ـ، وجب رد القياس به.
وأما حديث جابر الذي رواه الخصم، فورد في نفس الضحك، وأنه لا ينقض الوضوء، حتى يكون قهقهة، فينقض بحديثنا. والضحك: ما سمع بنفسه. والقهقهة ما سمعها جيرانه. والتبسم: ما لم يكن مسموعاً له.
الدليل عليه: ما رَوَى أبو الزبير المكي، عن جابر بن عبد ا الله أنه كان يرى انتقاض الوضوء من الضحك في الصلاة إذا قَرْقَر، وعن ابن عمر:
أربع ينقض الوضوء؛ القَيْء والرعاف والضحك والحدث»، وعن علي، فيمن ضحك في صلاته خلفه: من هذا الشيطان الذي ضحك؟! فليُعد الوضوء والصلاة). وعن ابن مسعود الله، قال: «القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء والصلاة).
وهو مذهب الحسن، وإبراهيم،، ومكحولمن التابعين، وأنه لم يُعرف قياساً، فثبت أن الأخبار صحيحة.
فالشافعي أخذ بمحض القياس في هذه المسألة؛ لأنه ليس بنجس ولا سبب له. ونحن جعلناها بمعنى النجس، لما فيها من عظم المأثم في الصلاة، وللإثم حكم النجاسة، قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة:]. ومَرَّت عائشة بقوم يغتابون، فقالت: جَدَّدوا وضوءكم، فإنَّ بعض ما تذكرون شر من الحدث.
إلا أنه لا يُعرف قياساً، وإنما عرفناه بالأخبار، حتى قلنا: إن القهقهة في صلاة الجنازة لا تكون حَدَثًا؛ لأنَّ حُرمتها دون حُرمة الصلاة المعهودة؛ لأنها ركن من الصلاة، كسجدة التلاوة، فلا تكون القهقهة فيها كالقهقهة في المعهودة في عظم المأثم، والله أعلم.
|| مسألة، وأما إذا ضحك بعد ما قعد قدر التَّشَهد، فهو حَدَثُ عند أصحابنا الثلاثة، خلافا لزفر، فإنَّه احتج بأن هذه القهقهة لم تفسدالصلاة، فلأن لا تُفسد الوضوء أولى.
إلا أنا نقول: القهقهة حَدَثُ في الصلاة، ولاتفصيل في الأخبار. ولأنَّ حزمة الصلاة باقية كما كانت، لم يقع شيء من التحلل عن التحريمة وإن انقضت الأركان، فصارت القهقهة فيها وفيما قبلها في هتك حرمة الصلاة واحدا، والجزء الذي لاقته القهقهة في الحالين انقطع من صلاته، إلا أنه إذا كان في الوسط
الجزء 1 · صفحة 27
فسد ما مضى؛ لأنه لا يتم إلا بما بقي، وقد انقطع ما بقي، والآن لا يحتاج إلى زيادة، فلذلك اختلف أمر وجوب القضاء، فأما أمر انقطاع جزء من مطلق الصلاة بالقهقهة، فواحد، وبه يأثم، وإثمه يجعل حَدَثًا، والله أعلم.
|| مسألة، ومنها: أن المني نجس عند علمائنا.
وقال الشافعي: طاهر؛ لأنَّ الطهارة على أصلنا لا تجب إلا بخارج نجس، فَغِلَظُ الطهارة يدلُّ على غلظ نجاسة الخارج، كما دلّ وجوب الاغتسال عن دم الحيض على غلظ نجاسته، إذا قوبل بدم الاستحاضة.
وعنده: لا عبرة بالنجاسة، وإنما العبرة للمخرج، فلم يدل وجوب الطهارة على نجاسة المني.
هذا على البناء، فأما على الابتداء: فاحتج الشافعي بما رويعن عائشة أنها قالت: «كنتُ أفرك المني عن ثوب رسول الله وهو يُصَلِّي فيه. وهذه «واو» حال، أي: حال ما يُصلي فيه، كما يقال: دخل الدار وهو راكب، أي: دخلها راكبا. ولو كان نجساً لما. صح الافتتاح قبل الفرك.
وعن ابن عباس في المَنِيّ: أَمِطْهُ عنك ولو بإِذْخِرَة، فإنما هو كمخاط أو بصاق، فبَيَّن أنه يُماط للقذارة لا للنجاسة، كالمخاط.
قال: والمعاني الفقهية تدلُّ عليه، منها: أنه تولد من أصل طاهر ليصير أصلا مثله، فيكون طاهرا، كالبيضة.
وفقهه: أنَّه لما تَوَلَّد من أصل طاهر لم ينجس، كالأصل، ولما كان ليصير أصلا مثله، كان استحالته بالطبع إلى صلاح، كاللبن، فإن الصلاح في اللبن معنى التَّغَذَّي، وفي هذا معنى التكون، وأنه فوق ذلك، والمستحيلات بالطبع إلى صلاح تدلُّ على الطهارة إذا لم يكن نجسا بأصله، كاللبن والولد والبيضة والعسل، وعكسه: الفَرْثوالدم والصديد من الجرح والبول ونحوها. والاستقذار بمرأى العين لا يدلُّ على النجاسة، كالمخاط والنخامة. ولأن المني أحد أصلي خلق الإنسان، فيكون طاهرا، كالسُّلالة، فإن آدم صلوات الله عليه خُلق من سلالة من طين، وبنوه خُلقوا من سلالة من ماء مَهِينٍ.
وتأثيره: أنَّ الله تعالى كرم بني آدم، فتدلُّ الكرامة على أنه اختار لهم أصلا طاهرا لا نجساً.
الجزء 1 · صفحة 28
ولا يلزم العلقة - على أنَّ العلقة نجاسة عند الشافعي الله ـ؛ لأنا لا ندري ما حكمها في الرحم، وهي عُرْضَةٌ أن تصير آدميا. على أنَّ العلقة حال عارضة وليست بأصل، فتجري مجرى نجاسة تعترض مُجاورةللآدمي، ثُمَّ تُزال عنه.
ولأنه، عفي عن غسله لا لحرج، الحرج، فيدل على الطهارة، كالمخاط، وهذا لأنَّ النجس يجب غسله للصلاة لا محالة، وإنما يقع العفو عنه بالحرج والعُذر، كما إذا عدم الماء، وكما في المستحاضة، وكما في موضع الاستنجاء، فإنه لا يمكن غسله إلا بكشف العورة، وإنَّه حرام، فلو أمرنا بالغسل وطلب سترة لكل وُضوء ضاق الأمر على العامة، فعُفي عنه دفعاً للحرج وصيانة للعورة، ولا حرج في غسل الثوب عن المني، كما لا خرج عن نجاسة أُخرى، فلما عفي عنه. بالفرك علم أنه طاهر، وإنما أمرنا بالفرك لإزالة القذارة، كالمُخاط، فإنَّ الفَرْك لا يستأصل أجزاء النجاسة، فهي معانيفقهية من جنس كلام المُتقدمين.
ولعلمائنا: ما رَوَت عَمْرة، عن عائشة، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، أَنَّه قال لها: «إذا رأيتِ المَنِي في ثوبك؛ فإن كان رطبا فاغسليه، وإن كان يابسا فحتيه)، والأمر على الوجوب.
ورُوي أن رجلا قال: يا رسول الله، أَأُصلي في ثوب أجامع فيه؟! فقال: نعم، إلا أن ترى به أذى فتغسله، ولا تنضخهبالماء، فإِنَّ النَّضْح لا يزيده إلا شرا»، وأذى الجماع: هو المني.
ومر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بعمار وهو يغسل ثوبه من نخامة أصابته، فقال: ما تصنع يا عمار؟!. فقال: أغسل ثوبي من نخامة، فقال: «ما نُخامَتُك، ودموع عينيك، والماء الذي في رَكْوَتِك إلا سواء، إنما يُغسل الثوب من خمس؛ البول، والغائط، والمني، والدم، والقَيْء). فأخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المني عن عداد ما يغسل للقذارة إلى عداد ما يُغسل للنجاسة.
ومذهبنا مذهب عائشة، وأبي هريرة، وأنس، وابن عمر، ورَوَى الكرخي عن عمر الله، أنه قال فيه. بالغسل. . وعن سعد بن أبي وقاص ه، أنه قال بالحَقِّ.
وثبت أن روايتهم عن عائشة تأويلها: إنَّني كنت أفرك المني، والنبي يُصلّي فيه بعد ذلك، ليكون توفيقاً بين فعلها وبين ما أمرها النبي به، وهذا كما يقال: «كنت أُهَيِّئُ الطَّعام لفلان وهو يأكل»، أي: يأكل بعد ذلك
ولأنه يحتمل أنه كان أقل من الدَّرْهم. ولأنَّه يَبعُد أن تَتَشَبَّثَ بثوب رسول الله وهو يُصلّي، فتشغله عن الصلاة.
الجزء 1 · صفحة 29
ولا معنى لنا إلا ما قلناه، فإن قول. من قال: «إنَّه مر بمكان نجس فيكون نجسا، غير قوي، فإنَّ البيضة تخرج من الدجاجة طاهرة، وكذلك الإنفحةعند أبي حنيفة له في معدنها بعد موت الأصل طاهرة، وكذلك اللبن، ولبن الحي يخرج من بين فرث ودم، فإنَّ الله تعالى بلطف صنعه خلق حاجزا بين الصالح وبين النجاسة، فعلى هذا يجوز أن يكون أمر المني كذلك، ولا يستنكر، لما ثبت أنه على قياس البيضة صالح.
ولأنه يكون طاهرا في نفسه على هذا القول، فلم يجز أن يكون بنفسه حَدَثًا، والطهارة الكبرى تتعلق بكونه منيا لا بالنجاسة من مكان البول.
وقول من قال: «إنَّه مُستحيل إلى فساد، غير قوي، لِمَا ذكرنا أنَّه شبيه المخاط في القذارة، وشبيهالبيضة في الصلاح.
فأما الجواب عن القياس على البيضة: إنَّ البيضة في نفسها مأكولة، وكذلك اللبن والعسل، فلم يجز أن يكون نجساً، وليس للمني هذا الصلاح، وصلاح أن سيصير آدميا لا يدل على الطهارة، فإنَّ العَلَقة نجسة، وستصير آدميا، وكذلك البيضة بعد ما تُحضن تصيردما يكون نجساً، وستصير فَرْخا، فقدر هذا الصلاح لا يدلُّ على الطهارة، بل الصلاح الحالي يدلُّ على الطهارة.
فأما الجواب عن قولهم: «إنَّه أصل الإنس»، فلا كذلك، والأصل هو السلالة من الطين، وكل بني آدم أصولهم كانت في القبضة الأولى، ولهذا ثبتت الجزئية بين الولد والجد وإن علا، وكذلك روي في الخبر أنَّ الله تعالى أخرجهم من صلب آدم كالذر، وبذلك نَطَقَ كتاب الله تعالى؛ {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ} الآية [الأعراف:].
وأما المني، فحالة انقلابعما كان في القبضة الأولى إليه، كالعلقة، فصار حال المني وحال العلقة سواء، وليس هو بمنزلة السلالة من الأرض. فما قاله الخصم ظاهر، وما قلناه هو الحق الباطن.
وقد قالأهل الطبائع: إنَّ المني في الأصل دم منعقد يبيض بالتصعيد بالشهوة، كما يبيض ماء الورد الأحمر بالتصعيد بالنار، حتى إذا كثر الجماع وفترت الشهوة وقل التصعيد خرج أحمر. فإذا كان هذا هكذا، كان المني قبل أن يبيض بالتصعيد مما أحاله الطبع إلى فساد، فإنَّ الدم فاسد بالإجماع، فيكون نجسا، ثُمَّ ليس في الابيضاض صلاح حالي؛ لأنَّه لا يصلح لنا بوجه بحاله تلك، فيبقى على الحكم الأول، وهو النجاسة.
الجزء 1 · صفحة 30
فهذا معنى حسن، لكنه. يرجع إلى باب الأطباء والكلام في الباطن، بل عاد إلى خُبث من حيث تستقذره الطباع عامة، ومن حيث المجرى، فمجراه مجرى البول الذي هو خبيثبالإجماع.
وأما العفو عن الغسل، فعندنا عَفْو؛ أما للحرج؛ لأنَّ سبب إصابة المني الثياب الجماع أو الاحتلام، وكلُّ ذلك يكون بين الثياب، فيخرج الإنسان في لا يكون في العادة بين الثياب، ولهذا لا يُعفى عن الغسل إذا أصاب البدن؛ لأنه غسله دائما، كالخُفَّ يُصيبه الرَّوْث وطأ على الطرق عادة، فعفي عن غسله بالمسح - على ما نذكر ـ، لدفع الحرج، بخلاف سائر النجاسة؛ لأن خروجها يلزمه الغسل للصلاة، فيزول به المني الذي يُصيبه عادة.
وعلى أن الغسل عندنا قد يسقط للمحل من غير حَرَج، فإنَّ السيف إذا أصابه الدم فيَبِسَ فَحُت، طهر، ولا حَرَجَ في غسله؛ لأنَّ الحديد لا يتشرب رطوبة النجاسة لصلابته، بل رطوبته تَيْبَسُ في الدم، والدم بأصله يزول عن السيف بالحقِّ، فيزول بنجاسته.
وكذلك الخُف عندنا إذا أصابه نجاسة غليظة فيبست، طهر بالمسح لهذا المعنى، فكذلك المني إذا أصاب الثوب؛ لأنه شيء لزج لا يدع رطوبته تزايله، فإذا يَبِسَ المني يَبِسَ وفيه رُطُوبَتُه لم تتداخل الثوب، فإذا فُرِكَ زالت الرطوبة، أو قلت، بخلاف غيره من النجاسات، فإنَّه ليس بلزج، ورطوبته مما تنفصل عنه، والثوب في لين المدخل كالنجاسة، فالرطوبة تيبس فيهما جميعاً، فيبقى في الثوب ما يبس فيه، حتى إذا أصاب المني البدن لم يطهر إلا بالغسل؛ لأن للبدن حرارة جاذبة للرطوبة إلى نفسه، فتزول بالجذب عن المني إلى البدن، فلم يطهر بالمسح حتى يُغسل بالماء الذي خُلق طهورا نهاية.
فتبين بالبدن لِمَا وَجَبَ من الغَسل، ولم يُكتف في ذلك بالمسح = أَنَّ العَفْوَ في الثوب لضرب من العذر، لا لكون المني طاهرا في نفسه.
فهذه أجوبة فقهية.
قال محمد له في (الأصل»: «القياس أن يُغسل الثوب عن المني، لكني تركته بالأثر». فبين أنَّه مَعدُولٌ به عن القياس، فلا يجوز الاستدلال به قياساً.
ولا يلزم شيئًا مما قلنا: رؤية المتيمم الماء، فإنَّه ينقض الطهارة، وليس بنجس؛ لأن الرؤية ليست بحَدَثٍ، بل الصعيد شُرع طهوراعند عدم الماء، فإذا وجد الماءخرج البدل من أن يكون طَهُورًا، فيصير
الجزء 1 · صفحة 31
عند وجود الماء كأنه استعمل شيئًا غير طهور فلا يستفيد به طهارة، ويبقى على الحدث الأول، حتى إنَّ التيمم إن كان عن جنابةٍ يَعُود جنبًا، وإن كان عن حَدَثٍ يَعُود مُحْدِثًا، والرُّؤية رؤية واحدة.
ولا يلزم أيضا: خروج الوقت للمستحاضة، فإنَّه ليس بحَدَثٍ عندنا؛ لأنه ليس بنجس، والحَدَثُ هو الدم السائل بعد الوضوء أو معه، إلا أن حكم ذلك الدم سقط اعتباره في الوقت، للتمكنمن الصلاة، فإذا ذهب وقت الإمكان زال العذر المانع عن حكم الحدث، فَثَبَتَ حكمها الآن، كالبيع؛ يمتنع نو [ه] حكمه بشرط الخيار، فإذا سقط عمل، وبالله التوفيق.
الشرط للانتقاض
قال علماؤنا: شرط انتقاض طهارة المستحاضة: خروج وقت الصلاة.
وقال الشافعي: الشرط هو الفراغ من الصلاة المفروضة، وتؤدي من النوافل ما شاءت بطهارة واحدة.
واحتج بحديث رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «المستحاضة تتوضأ لكل صلاة)
والقياس الصحيح معه، فإنَّ الأصل أنَّ الدَّم من السبيل حَدَثُ ناقض للطهارة، إلا أن الشرع أسقط اعتباره لتتمكن المرأة من أداء الصلاة، إذ لو اعتبر حدثًا ما أمكنها، واللهتعالى لم يُكلّف ما ليس في الوسع. ولما سقط لإمكان الأداء، عاد حكم الحدث إذا فرغت من الأداء، لزوال العذر المانع، فالله تعالى شرع الفروض متفرقة، فإذا فرغت عن فرض، لا يبقى عليها على أصل المشروعفرض آخر، فلا تحتاج إلى أداء فرض ما لم يأت الفرض الآخر. وإذا ذهبت الحاجة ذهب العُذر، فأما في حَقِّ النوافل، فلا تزول حاجة مثلها؛ لأنَّ الصلاة النافلة خير دائم مشروع.
وسبيل هذا سبيل ما قلتم في صلاة الجنازة إذا خاف الإنسان فواتها في المصر: تيمم وصلَّى، وكما يفرغ من الصلاة يعود محدثًا؛ لأنَّ الحاجة إلى الأداء بالتيمم تنقطع؛ لأنه لا يخاف فوت سائر الصلوات.
ومثلهلو كان ثمة جنازة أخرى يخاف فَوْتَها لم تبطلالطهارة. وهذا أيضا كالمرأة عليها صيام شهرين متتابعين، فتفطر بعذر الحيض، لم يلزمها الاستقبال؛ لأنه لا يمكنها التتابع وهي ممن تحيض كل شهر، ولكن يلزمها أن تصل أيام الحيض بالشهرين؛ لأنه يمكنها ذلك القدر، ولو أفطرت بعذر آخر استقبلت؛ لأنه يمكنها التتابع بدون ذلك العذر.
الجزء 1 · صفحة 32
ولهذا قال الشافعي: إنَّ المتيمم يُجدد التيمم لكلِّ فَرْضِ؛ لأنَّ التراب ليس بطهور في الأصل، ولكن الشرع جعله طهورًا إذا قام إلى الصلاة ولم يجد الماء، ليمكنه الأداء، فإذا سقطت الحاجة لم يبق طَهُورًا، كما إذا وجد الماء.
وأما علماؤنا، فإنَّه يُحتج لهم بما رَوَى لنا القاضي أستاذنا، عن القاضي الخليل بن أحمدبإسناده عن عائشة لها أنها قالت: «المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة). وقال الفاطمة بنت حبيش: «توضئي لوقت كل صلاة)).
وحديثهم محمول على الوقت، فإنَّ الصلاة تذكر ويُراد بها الوقت، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: جعلت لي الأرض مسجداً وطَهُورًا، أينما أدركتني الصلاة تَيَمَّمتُ وصليت، أي: أدركني وقت الصلاة، فإنَّ الصلاة فعله، وفعله لا يُدركه، بل يكون منه، وإنما يُدركه الوقت، ويُقال: أتتك صلاة الظهر»، ويقال: «حانت الصلاة أي وقتها. فلما كان مُتَعارَفًا ذِكْرُ الصلاة على إرادة الوقت، انصرف مطلق الكلام إليه، فكيف وقد رُوي مُقيَّدًا بالوقت؟!
ه فإن قيل: إنما قال النبي: الوقت كل صلاة» لأن في كل وقت صلاة واحدة في أصل الشرع مفروضة، والنوافل تبع للفروض، فإذا أمرنا بالتوضي لكل مفروضة على ما شرعها الله تعالى كما أمرنا بالصلاة لكل وقت.
قلنا: نعم، ولكن على هذا يصير ذكر الوقت لغوا لا تعلق للحكم به، فلا يُحمل عليه ما أمكن. وعلى ما نقولهلا يَلْغُو ذِكْرُ الصلاة، بل تصير مجازاً متعارفًا، فإنَّ العرب تنطق بالحقيقة والمجاز، فكان ذلك التأويل أولى مما قلتم.
وأما المعنى، فإنَّ الحدث سقط حكمه لإمكان الأداء على ما ذكرت، وهو مُقَدَّرُ عندنا بوقت الأداء شرعاً، لا بوقت الأداء فعلا، بدلالة أن الصلاة جائزة مع. هذا الحدث لأول الوقت، وهي لا تضطر إلى الأداء للحال، فإنَّ الوقت لا يفوت بالتأخير ولا يلحقها الإثم، فلو كان المسقط لحكم الحدث ضرورة الحاجة إلى الأداء، لما سقط حيث لا ضرورة؛ لأن الثابت بالضرورة يتقدر بقدرها، ألا يُرى أنَّ التيمم عندنا لما أُبيح لمصلي الجنازة للحاجة إلى الأداء لم يجز إلا إذا خاف الفَوْت بالتَّوَضّي؟!
الجزء 1 · صفحة 33
فتبين بالجواز لأول الوقت أن وقت الأداء شرعاً أُقيم مقام وقت الأداء فعلا في إسقاط حكم الحدث الدائم توسعة وتيسيرًا، فأصل الوقت شرع للتمكن من الأداء، فإنه لا يتصور إلا في الوقت، وشرع موسعا تيسيرًا، فكذلك هذا.
ولمعنى آخر، وهو أن يتسعللفرض والنَّفْل جميعا على نمط واحدٍ؛ لأنَّ النوافل في الأصل في باب الصلاة شرعت مُكَمِّلات للفروض وتبعاً لها، وعلى ما يقوله الخصم، تصير النوافل أصلا في باب الطهارة، والفرائض أصلاً على حدة، وفي الأصل النَّفْلُ تبع، فكان التقدير لوقت الصلاة لتتسعطهارة الفرض للنقل ويدخلفيه النقل تبعاً، أولى.
ولأن تجديد الوضوء للصلاة عن الحدث فرض، فلا يسقط حكمه لحاجته إلى أداء النفل؛ لأنه نفل دونه، وجاز سقوطه للفرض؛ لأن فرض الصلاة أصل، والوضوء شرع شرطا له وتبعاً، فيصير ما قلناه أقرب إلى الفقه وأيسر على الناس، وما قاله أقيس بالظاهر.
وليس المتيمم على أصولنا بنظير للمستحاضة، فإنَّ المتيمم عندنا يُصلّي بطهارة لا حدث معها، وإنما الحاجة ثمَّ إلى معرفة صيرورة الصعيد طهورا بأي حال صار طهورا، فأما بعد ما صار طهورًا فعمله عمل الماء عندنا، والصلاة بالتيمم كالصلاة بوضوء لا حدث بعده، وهاهنا، الطهارة حصلت بالماء، ثُمَّ جاء بعدها حدث ناقض، ولم تنتقض.
فالكلامحصل في امتناع حكم الحدث، فيكون نظيره: حَدَثُ قائم. امتنع حكمه لعذر إمكان الأداء، لا تراب صار طهورا بعذر العجز عن استعمال الماء للصلاة، فالعذران مختلفان، والحكمان مختلفان، وتحقيقالتيمم يأتيك في بابه، فلا يعتبر أحدهما بالآخر.
وأما سبب وجوب الطهارة، فالصلاة بلا خلاف؛ تجب بوجوبها، وتسقط بسقوطها. ولأنها شرط الصلاة، والشروط كلُّها أتباع شرعت لما لا يصح إلا عنده، كالشهادة في باب النكاح، لكنها لا تجب بالصلاة إلا على المحدثين.
فَصْل
شرط الأداء
|| مسألة، قال علماؤنا: ليس للأداء شرط.
الجزء 1 · صفحة 34
وقال الشافعي: لا يصح إلا بالنية والترتيب.
وقال مالك: الجمع شرط، والتفريق يبطله، والدلك شرط. فهي ثلاث مسائل:
أما مالك، فإنَّه يُحتج له بقولالله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} الآية [المائدة:]، والواو» للجمع، وأمر بالغسل وهو فعل، كما في التيمم أمر بالمسح، ولا بد من فعل، وإنه باب لا مدخل للقياس فيه؛ لأنَّ الخلاف وقع في قدر العبادة أو وصف، فيكون طريق معرفته طريق أصله، على ما مر في أصول الفقه.
وأما الشافعي الله، فيحتج لهلمسألة النية بقول الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة:]، والوضوء عبادة؛ لأنها اسم لفعل يؤتى بهتعظيما الله تعالى بأمره، وحكمه الثواب، وكل ذلك موجود في الوضوء.
الطهارة وقال النبي: الطهارة على نور على نور يوم القيامة»، ولا شك في كونها عبادة، والله تعالى أمرنا أن نعبده بشرط الإخلاص، والإخلاص عمل القلب بالنية لجهة الأمر، فمالم ينو إقامة طهارة الصلاة، فما أخلصه عن الاستعمال للتبرد أو التعليم أو العادة، فلا يجوز.
وقال: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:]، أي: للصلاة، على هذا مقتضى اللغة، كما يُقال: «إذا رأيت الأسد فخذ حِذْرَك»، أي: للأسد. وإذا أقبل الشتاء فتأهب، أي: للشتاء، فالله تعالى أمر بالتوضي للصلاة، فإذا توضأ للتبرد فما أتى بالأمر.
وعن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ: (إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى».
والمعنى فيه: أنَّ النية شرط للتيمم، فكذلك للوضوء، لوجهين:
أحدهما: أنهما طهارتا صلاة، وهي: نكتة منقولة عن الشافعي.
والثاني: أنَّ التيمم بدل، فلو لم تكن النية شرطا في الأصل لما كانت شرطاً في البدل؛ لأن النية لتحصيل العبادة، ومتى لم يكن معنى العبادة ثابتا في الأصل لا يثبت في البدل، كما في أبدال الكفارات، وعكسه أبدال الغصوب، ولا عبادة فيمن توضأ للتبرد أو اغتسل للتنظيف.
ولأنها لما تأدت بالتراب تبين أن الطهارة الحقيقية غير مطلوبة من هذا الاستعمال، بل المطلوب معنى العبادة به، فلا يحصل معتبرا بدونه. فهذه معانيفقهيةٌ مُؤَثَّرَةٌ حَسَنَة.
الجزء 1 · صفحة 35
ولنا: أنانُسَلِّم لهم أنَّ النية شرط لتَقَعَ هذه الطهارة عبادة ويصير مؤتمرًا بأمر الله بالتطهير للصلاة، ولكن من غير أن يكون الغَسْلُ عبادة، بل بالتبرد تحصل الطهارة التي هي شرط أداء الصلاة، وإذا حصل سقط الأمر كما لو استدام الطهارة ولم يُحدث حتى حضرت صلوات، فإنَّه لا طهارة عليه وإن قام إلى الصلاة؛ لأنه على الطهارة، فكذلك إذا حَصَلَت الطَّهارة بغسل لا لا لوجه الله سَقَطَ الأمر، كما لو استدام طهارة من قبل، ولا شك في هذه، فإنَّ هذه عبادة غير مقصودة، بل المقصود منها التمكن من إقامة الصلاة بالطهارة، فإذا طهرت الأعضاء بأي سبب كان سقط الأمر، كالسعي! إلى الجمعة، يسقط بسعي لا للجمعة؛ لأن المقصود التمكن من الجمعة بالحصول في المسجد، فعلى أي وجه حصل سقط الأمر، فكذلك هذا، وإنما الإشكال في حصول طهارة الصلاة بهذا الغسل.
فالدليل عليه: أن الماء خلقه الله تعالى طهورا، كما قال: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاء طَهُورًا} [الفرقان:] والطهور: اسم لما تحصل به الطهارة، فإذا أصاب الأعضاء طهرها؛ لأنه حكمه بخلقة الله، لا يتبدل بقصده وعدم قصده، كما إذا شرب روي، قصد أو لم يقصد، وكما يطهر عن النجاسة الحقيقية، قصد أو لم يقصد، وكالنار إذا أوقدها الإنسان في حطبة تحترق، قصد أم لم يقصد، وكما يحصل في الجامع إذا سعى إليه، قصد أو لم يقصد.
فإن قيل: نعم، هذا مستقيم في الحسيات، فأما في الحكميات فلا؛ لأنَّ الأحكام تثبت شرعاً وتنتفي شرعاً، ألا يُرى أنكم قلتم: إِنَّ الخَلَّ يُزيل النجاسة الحقيقية، ولا يُزيل الحدث؛ لأنه أمر شرعي لا قياسي؟!
قلنا: ثبوت طهارة النجس باستعمال الطهور فيه أمر حقيقي، كحصول الري بشربه، وكما في نجاسة لا ترى.
فإن قيل: عضو المحدث ليس بنجس.
قلنا: هو في حكم نجس عُرف شرعاً؛ لأن حكم النجاسة في حق الصلاة منع يثبتها، وما يمنعه عنها يزول بالماء، وهذا الحكم ثابت بالحدث.
ولما ثبت صار الزوال إلى طهارة بالماء حكما لطبع الماء الطهور. فأما الخل، فطهور لا بعينه؛ لأنَّ الله تعالى لم يُسَمِّه طهورا، بل بمعناه، وهو إزالة عين النجاسة، ولم يثبت ذلك بعضو المحدث. فهذا سر المسألة وموضعُ مَزِلَ القدم.
الجزء 1 · صفحة 36
وكثير من مشايخنا الله يظنون أنَّ المأمور به من الوضوء يتأدى بغير نية. وذلك غلط، فإنَّ المأمور به عبادة، وهذا ليس بعبادة، ولكن العبادة متى لم تكن مقصودة سقطت بحصول المقصود بدون العبادة، كالسعي إلى الجمعة والجهاد ونحوهما.
فإذا عرفت هذا ظهر لك الفرق بينها وبين التيمم، فإنَّ التراب ما خُلق طهورا لتطهير أعضاء المحدث بطبعه، وكان القياس أن لا يُطهر وإن نوى، إلا أن الشرع جعل التراب طهورا للصلاة إذا أراد الصلاة عند عدم الماء، فما لم يرد الصلاة عند المسح لا يكون التراب طهوراً، كما إذا لم يعدم الماء، وإذا لم يصر طَهُورًا لم يفد استعماله طهارة، وإذا أراد الصلاة صار التراب طهورا. ثُمَّ الطهارة تحصل باستعماله بغير نية الطهارة، كما في استعمال الماء، إلا أنَّ الماء طَهُورُ مطلق بغير إرادة.
فثبت أنهما بمنزلة واحدة، إنما المفارقة في صفة الطهورية للآلة. وخرجت الأجوبة عن معانيه، فإنا جعلنا الأصل عبادة بحق الأمر، كالبدل، ولكنا أسقطناه بحكم حصول الطهارة بالماء نفسه بدون إقامة العبادة، كما في السعي إلى الجمعة. وتبين أن الطهارتين لم تفترقا في حق النية، بل الماء والتراب افترقا في صفة الطهورية، فالماء طهور بنفسه، والتراب بشريطة إرادةالصلاة.
ففهمنا ما فهمه الخصم، وقلنا به، وفهمنا أمراً زائداً أشكل عليه ـ وهو موضع أن الطهارة منا إشكال ـ، وهو استعمال الماء بحكم العبادة،، أم بنفس الماء؟!
فذهب إلى أنه بحكم العبادة؛ لأنه لا نجاسة بأعضاء المحدث يُزيلها الماء. وذهبنا إلى أنه بطبعه طهور؛ لأنَّ بأعضائه نجاسة من حيث الحكم، على ما قررناه، ولهذا جعلنا الماء المستعمل نجساً عند أبي حنيفة، كما لو كان بأعضائه نجاسة حقيقية.
فإن قيل: في الوضوء مسح، والمسح غير مطهر بنفسه.
قلنا: الماء مُطهّر بنفسه لا بفعلنا، إلا أنه إذا قل حتى لم يكن سيالا ضعف عن التطهير للنجاسة الحقيقية؛ لأن تطهيرها في إزالة عينها، وفيما نحن فيه النجاسة ضعيفة؛ لأنه حكم دون العين، فاستغني عن الإزالة لإفادة الظهر، فصار البلل كالسائل الذي يقدر على الإزالة في إفادة الظهر، وبالله التوفيق.
|| مسألة، وأما الشافعي، فاحتج في مسألة الترتيب بالآية، وقال: إنَّ الله تعالى علق غسل الوجه بالقيام إلى الصلاة بكلمة «الفاء»، فمنع تخللالفاصل بينهما من غسلآخر، كما لو قال لعبده: «إذا دخلت الدار فأنت حر.
الجزء 1 · صفحة 37
ولأنه تعالى عطف الرأس على الأيْدِي، وعطف الرجل على الرأس، والرجل مضمومة إلى اليدين وظيفةبلا خلاف بيننا، فلولا أن الوضوء مشروع مرتبا على الرأس قبل الرجل لا يجوز بدونه، وإلا لكان الأوضح والأصح أن يكون الرجل معطوفاً على الأيدي، حتى لا يقع الإشكال في وظيفتها، فلما أُخر وظاهرهيدلُّ على أن وظيفته مسح، ولا يستقيم غسلاإلا بأن يقدم الرجل إرادة وإن أُخّر ذِكْرًا - علم أنَّه لم يؤخر إلا لأن الترتيب شرط لا يصح بدونه.
ولأنَّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ قال: «ابدؤوا بما بدأ الله به»، وقال: «نبدأ بما بدأ الله تعالى به، وأنه كلام مستقل بنفسه، فيُعمل به في كل موضع إلا حيث قام الدليل.
أو يُقال: إنَّ الواو) تحتمل الترتيب، والجمع والقرآن، وغير الترتيب، فتصير كالمُجمل، فيُعرف ذلك بالسُّنَّة، والنبي توضأ مرتبا، فصار بيانا.
وعن النبي صلى الله عَلَيْهِ أَنَّه قال: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يسبغ الوضوء، فيغسل وجهه ثُمَّ يديه ثُمَّ يمسح برأسه ثُمَّ يغسل قدميه»، و «ثُمَّ» للترتيب.
واحتج أصحابه بقياس طردي فقالوا: الوضوء عبادة تعود إلى الشطر بالعذر، فيكون الترتيب بين أركانه شرطًا، قياساً على الصلاة. ولا معنى لقولكم: إن الترتيب صفة الفعل، ولا فعل في الوضوء، بدلالة أن السماء إذا مطرتعليه كفاه، أو وقع في الماء؛ لأنَّ الفعل واجب بقدر الأمر، وهو الاغتسال، كما قال الله تعالى: {فَاغْسِلُوا} [المائدة:]، والاغتسالبتمكين العضو من الماء حتى يمر عليه الماء. وكذلك غسل نفسه إنَّما يكون بهذا القدر من الفعل، فإذا قام حتى أصابه المطر فقد وجد منه التمكين على الترتيب. وكذلك إذا وقع في الماء فيكون ضَرْبَ فعل، ألا يُرى أن حد الزنا يجب على المرأة ولا فعل منها سوى التمكين؟! وبهذا فارق التيمم، فإنَّ الله تعالى أمرنا بالمسح، والمسح بإمرار اليد لا بالتمكين من إصابة التراب.
ولا يُشكل المسح بالرأس، فإنه يسقط بمطر السماء، والمسح عبارة عن الفعل؛ لأن الأصل في الوضوء الغسل، إذ طهارة الماء بالغسل تكون، إلا أن الله تعالى اكتفى بالمسح - تيسيرا - فيما لا يُغسل عادة ويشق، فبقي الظهر متعلقا كذلك، كما في الغسل من إصابة الماء لا بالفعل كما قلتم في الجواز بلا نية. ولهذا لا يجعل الدلك شرطاً في الوضوء، خلافًا لمالك؛ لأنَّ الغسل أو الاغتسال ليس بعبارة عن فعل اليد من ذلك أو، بل عبارة عن مباشرة الماء العين مسح المغسول. حتى يقال: «غسله الماء»، فالغسل عبارة:
الجزء 1 · صفحة 38
عن إزالة بالماء، وذلك بالماء نفسه يكون، وبحسب التمكينيُضاف إلى عين الماء، بخلاف التيمم؛ لأنا أمرنا فيه بالمسح، وذلك عبارة عن فعل اليد بالإمرار على موضع، حتى يُقال: مسحت بيدي)، كان ثمَّ ماء أو تراب أو لم يكن. وعلى أن الخلاف ثابت فيالتيمم، والفعل شرط في التيمم.
وأما مسح الرأس، فمما يسقط بالاغتسال، فلذلك سقط بلا فعل، وعلق حصول الظهر فيه بالتمكين من الماء، ليكون الظهر مضافًا إلى الماء دون فعل آخر، والله أعلم. إلا أنا لم نُجَوّز بغير نية، لزوال معنى العبادة، فإنَّه تبعمع كونه طهارة شرعت عبادة.
وأما علماؤنا، فاحتجوا بالآية، فإنَّ الله تعالى علق وجوب الغسل بالقيام إلى الصلاة، وأنه يجب كذلكبلا فصل، ثُمَّ ذكر الأعضاء المغسولة وعطف.
بعضها على بعض بـ (الواو»، و «الواو» موجبها لغة شركة المعطوف المعطوف عليه في خبره شِرْكَةً مُطلقة غير مُقَيَّدَةٍ بصفة الترتيب أو القران أو التفريق، فإنَّك إذا قلت: «جاء زيد وعمرو، كنت أخبرت عن مجيئهما مطلقا عن صفة المقارنة أو الترتيب أو الاتصال أو التفريق أو التعقيب، بل كان إخبارًا عن اجتماعهما في المجيء بلا خبر عن كيف، فكذا هذه الآية توجب غسل هذه الأعضاء بلا كيف، فالتقييد بوصف يكون زيادة على كتاب الله تعالى، وذلك يجرى مجرى النسخ.
والدليل على أن الواو» كذا حكمها: أنَّ هذه الحروف لم تُوضع في الأصل إلا لفائدة جديدة، كالأسامي، وللقران كلمة مع»، وللترتيب بلا فصل كلمة الفاء»، وللترتيب بتراخيكلمة «ثُمَّ»، فلا يُحمل «الواو» على التكرار ما أمكن حمله على فائدة جديدة، وهي فيما قلنا من إيجاب أصل الشركة بين المعطوف والمعطوف عليه في الخبر بلا صفة، لتكون سائر الكلمات لبيان أوصاف الشركة، فيجري (الواو) منها مجرى اسم الذات من الأوصاف، وإذا كان كذلك لم يكن مجملا، بل كان ظاهرا، كقول الله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رقبة} [المجادلة:]، عبارة عن رقبة مطلقة عن الأوصاف، ولا نقول: هي محتملة، تحتمل الذكر والأنثى، والكافرة والمؤمنة.
ولا نقول أيضا: إنَّها عامَّةٌ تَعُمُّ هذه الأوصاف، بل نقول: هي مطلقة عنها غير مقيدة بوصف، وظاهرة في حال إطلاقها عن الأوصاف، فثبت أن القران ليس شرطا - خلافًا لمالك ـ، ولا الترتيب، ولا الوصل، والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 39
فأما قوله: «إنَّ الله أمر بغسل الوجه معلقا بالشرط»، فلا كذلك؛ لأن الجزاء بالشرط الوضوء، فإنَّ الجملةإذا عُطِفَ بعضها على بعض تصير جملة واحدة، فلا تُعتبر مُفَصَّلَةٌ، يَقْرُب بعضها من الشرط، ويبعد الآخر، بل التفصيل إنَّما يثبت بقدر ما توجبه كلمة العطف، من الواو) و (الفاء)، وغيرهما. ألا يُرى أنك إذا قلت: إذا جاء غد فاشتر لي بدرهم لحما، وبدرهم خُبزا، وأعتق عبدي، فجاء غد فاشترى الخبز قبل اللحم، وأعتق قبل ذلك أجزأه؟! إنما يتعلق الإطلاق بمجيء الغد لا ما دخل تحت الإطلاق، فكذلك هاهنا، الوضوء يجب بالقيام إلى الصلاة، فأما الأعضاء التي هي المغسولة، فلا تعلق لها بالقيام إلى الصلاة بحكم القرب منها؛ لأنَّ الجزاء هاهنا وضوء، وفي تلك المسألة، وكالة لا ما دخلتحت الوكالة.
وأما قولهم: «إنَّ رسول الله بينها بفعله، فالبيان إنما يُصار إليه إذا لم تكن الآية ظاهرة، فأما إذا كانت الآية ظاهرة، ففعل رسول الله لا يكون بيانا لأصل الواجب، وإنما يكون بيانا للكمال، إذوجد في فعله ما ليس في الآية، حتى لا يُؤدِّي إلى نسخ الكتاب. وعندنا الترتيب مستفاد بفعل رسول الله، وهو سُنَّة.
وأما قولهم: «إن الله تعالى أدخل المسح بين الغسلين. قلنا: نفس الإدخال لا يدلُّ على فرضية الترتيب نصا، بل يُقال: لفائدة ما أُدخل، لولاها لكان قران الغسل بالغسل أولى. وعندنا لفائدة ما أُدخل، وهو أنَّ الترتيب سُنَّة، والكمال يتعلق بذلك، والعطف بـ «الواو نفى قيد الترتيب، وهذا النظم دل على فائدة تزول بدونه، وهو أن الأولى أن يُغسل هكذا.
وكذلك قول رسول الله صلى الله عَلَيْهِ: (نبدأ بما بدأ الله به»، فإنا نقول به، ونبدأ بما بدأ الله، وهو السُّنَّة، وكذلك الأمر به؛ لأنا لا نزيد على كتاب الله بخبر الواحد، فيحمل على السُّنَّة، ليصير إكمالا لا زيادة للأصل، فإنه لا يجوز الزيادة على كتاب الله بخبر الواحد، وإنه أصل كبير.
على أن الخبر ورد في حديث الصفا والمروة، حيث أشكل على الصحابة، فقالوا لرسول الله: بأيهما نبدأ؟! فقال: «نبدأ بما بدأ الله تعالى»، خرج كلامه جوابا فاقتصر عليه، ودل سؤال الصحابة على أنَّ الواو» لا تدل على الترتيب، ألا يُرى أنَّه لا يُعمل به في قوله: {وَأَتِمُوا الْحَجَ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة:]؟! فَإِنَّ العمرة مقدمة بالإجماع.
وعن ابن عباس أنَّ النبي صلى اللهُ عَلَيْهِ توضأ ونسي أن يمسح برأسه حتى غسل القدمين، فتذكر فأعاد المسح ولم يعد غسل القدمين.
الجزء 1 · صفحة 40
وعن عثمان الله أنه علم الناس الوضوء بالمقاعد، فمسح برأسه بعد غسل القدمين، وقال: هكذا رأيتُ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ توضأ».
وعن علي الله أنه قال: «لا أبالي بأي أعضائي بدأت بعد أن أسبَغْتُ الوضوء).
وعن ابن مسعود وابن عباس: لا بأس يديك). بأن تبدأ برجليك قبل يديك
ولا وجه للكلام من حيث القياس، فإنَّ الوضوء عبادة على ما مر، وشروط العبادات وأركانها لا تثبت قياساً ولا تنفى قياساً، كأعداد الركعات ومقادير الزكوات والكفارات ونحوها، ولكنا نتكلم من حيث التأصيل، فإن الوضوء أصل ثابت بكتاب الله ومن طريق لا شبهة فيه، فلا يُمكننا أن نزيد عليه شيئًا ونجعله منه إلا من طريق ثبت أصله، وشرط العبادة بمنزلة ركنها إذا لم تجز إلا به. وقد أوضحنا الطريقة في باب أركان الصلاة ومواقيتها.
فأما الجواب عن الخبر: إنَّ (ثم خرج على وفاق العادة، فإنَّ العادة في الوضوء الغسل مرتبا، وشرط العادة لا عبرة به، كقول الله تعالى: {وَرَبَيبُكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُم [النساء:]، والحجر ليس بشرط للحرمة؛ لأنه خرج على وفاق العادة. وكذلك قوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور:].
ولأنا لا نزيد على كتاب الله بخبر الواحد، فيحمل على الإكمال حتى لا يصير مردودا، ألا يُرى أنه قال: حتَّى يُسبغ الوضوء؟! والإسباغ سُنَّةٌ وعبارة عن الإكمال، ومنهالترتيب، ولهذا - والله أعلم - قال رسول الله: «لا تقبل»، ولم يقل: «لا تجوز»، والجواز غير القبول، فإنَّ الجواز يتعلق بقدر المفروض وإن كان فيه خلل وعيب، والقبول المُستحَقِّ بالكمال لا عيب فيه، كمن قضى دينه زيوفًا؛ يجوز، ولكن القبول لا يجب، ولصاحبه الرد، وإنما يصير حقا إذا قضاها جيادا.
وعلى أنَّ «ثُمَّ» قد لا توجب الترتيب مجازاً، كما قال الله تعالى: {فَكُ رَقَبَةٍ) إلى قوله: ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا} [البلد:-]، والفك قبل الإيمان لا ينفع.
وطريق النية يأتي ها هنا، ولكن المسألة بعينها لا تعرف بتلك الطريقة، فإنا سلمنا - على تلك الطريقة - أنَّ الوضوء بغير نية ليس بعبادة، ولا يكون ائتمارا بأمر الله، كالسعي للسرقة حتى دخل الجامع، ولكن مع هذا يسقط المأمور بحصول المقصود، وإن لم يأت به، وهاهنا مع ترك الترتيب أتى بالوضوء المأمور به الذي هو عبادة، وإنما ترك السُّنَّة، والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 41
فأما الجواب عن قياسهم، فما ذكرنا أن شرط العبادة لا يثبت قياساً على عبادة أخرى، ولئن كان مما يثبت فهو باطل؛ لأنَّ الوضوء مما لا يعود قط إلى الشطر بل، يسقط أصلا بالعجز إلى خَلَفٍ، وهو التيمم م، كالعتق في الكفارة يسقط بالعدم إلى صوم.
أو نقول: لما كان كذلك وجب أن يُساوي شرط الترتيب شرط الوصل، قياساً على الصلاة. والعُمر أفضلمن أن يُضيع في مثل هذا، والله أعلم.
ولأن المنصوصات لا يُقاس بعضها على بعض، والجمع بين أركان الوضوء منصوص عليه بـ «الواو، والنظم بين أركانالصلاة مأخوذ من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه ليس في الآية ما يوجب الوصل بين أركان الصلاة، وإنما عُرف ذلك سُنَّةٌ مُتَّصلةٌ مُرتبةٌ، والله أعلم.
فصل الركن
قال علماؤنا: قدر المفروض من مسح الرأس قدر ثلاثة أصابع، وكذلك مسح الخف
وقال الشافعي: أقل ما ينطلق عليه الاسم؛ لأنَّ الله تعالى قال: {وَامْسَحُوا بر وسكُمْ} [المائدة:]، والباء» في المحل للتبعيض لغة، يقال: «مسحت الرأس) إذا استوعبته، ومسحت به إذا مسحت ببعضه، لولاه للغا كلمة «الباء». ولأنَّ الاستيعاب بالإجماع ليس بشرط، فثبت أن المراد به بعض الرأس وبعض الخف، فمن شرط قدر ثلاثة أصابع فقد زاد على النص.
إلا أنا نقول: الأمر بالمسح يقتضي آلته ضرورة، والآلة المُعَدَّة: الكف من اليد، فصار كأن الله تعالى قال وامسحوا رؤوسكم بأكفكم»، أو «فامسحوا برؤوسكم بأكفكم، والكف: اسم لجميعها، أو لأكثرها، وثلاثة أصابع أكثر الكف، فهذه زيادة ثبتت بمقتضى النص، لا بالقياس أو بخبر الواحد، وهذا جائز بل واجب ضرورة، والله أعلم.
وقد قال علماؤنا الله في المتيمم: إذا تيمم بثلاثة أصابع يجزئه، ودون ذلك لا يجزئه - وإن كان الاستيعاب شرطًا -، ليُعلم أن التقدير بثلاثة أصابع لمكان الآلة، لا لتقدير العضو.
|| مسألة، وأما الكمال، فبالاستيعابمرة واحدة بماء واحد مع الأذنين، فإن كرّر إقبالاً وإدبارا بغير ماء لم يكن به بأس، وأخذ الماء مرة بعد أخرى بدعة.
الجزء 1 · صفحة 42
وقال الشافعي: يمسح ثلاث مرات، يأخذ لكل مرة ماء جديد، لِمَا روي عن ابن عمر لها أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ توضأ مرة مرة، ثم قال: «هذا وضوء من لا يقبل الله تعالى الصلاة إلا به، وتوضأ مرتين مرتين، وقال: «هذا وضوء من يضاعف الله له الأجر مرتين، وتوضأ ثلاثا ثلاثا، وقال: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي، فمن زاد أو نقص، فقد تعدى وظلم». و «الوضوء» اسم شرعي لهذه الطهارة، فيشتمل على الغسل والمسح، الطهارة. كالصلاة والحج جميعا. ولأن الراوي وصف بالمرتين والثلاث جميع ما وصفه بالمرة ابتداء.
وروي أنَّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ مسح برأسه مرتين. وعن عثمان وعلي أنَّهما حَكَيا وضوء رسول الله، ومسحا بالرأس ثلاثا.
والمعنى فيها: أن الرأس أحد أعضاء الوضوء، فيسن تثليث وظيفته، قياساً على سائر الأعضاء.
ولأن المسح أحد قسمي الوضوء، فيُسَنُّ تثليثه، قياسا على الغسل، فالأركان نظائر، والأعضاء كذلك، فكان قياساً صحيحاً من حيث الظاهر، وهذا لأن المسح يبلل بالكف غير مستعمل مشروع لإيجاب طهارة حكمية، كالغسل بالماء، وقد أمرنا بإكمال الطهارة بالزيادة فعلا، فيجب بماء جديد، ليجب بالثاني طهارة حكمية مثل ما وجب بالأول، فيزداد بها الفرض ويكمل، وهذه الطهارة لا تحصل بالاستيعاب؛ لأنه يحصل بماء الفرض، وإنما شرع في الغسلات تطهير زائد بماء غير ماء الفرض، فكذا ها هنا، فالطهر مُضاف إلى الماء دون الفعل.
هذا فقههم في المسألة، ففي الاستيعاب إكمال محل الطهارة، لا إكمال الطهارة في محلها، بخلاف مسح الخُفَّين؛ لأنَّ الخُفَّ ليس من أعضاء الوضوء. ولأنه شرع رخصة، فكان أخف من الركن الأصلي.
وأما الآية، فلا تدلُّ لأحد؛ لأنها لبيان المفروض، والخلاف في الزيادة عليه إكمالاً.
ولعلمائنا: ما رُوي عن البراء بن عازب الله، أنه جمع أصحابه وقال إني مفارقكم عن قريب، وإنّي أريد أن أُعَلِّمَكُم كيف كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ يتوضأ، فدعا بماء فغسل يديه ثلاثا الخبر ... إلى أن «مسح برأسه وأذنيه مرَّةً واحدة ودور) يعني: أدار إبهاميه ما وراء أُذنيه.
وعن معاذ بن جبل الله أنه قال: «ما رأيتُ رسول الله صلى اللهُ عَلَيْهِ مسح رأسه قط إلا مرة واحدة)، فأخبر أنه كان يمسح مرة واحدة عادةً، فالعادة لو كانت ثلاثًا لَمَا خَفِيَ عليه مع طول صحبته.
الجزء 1 · صفحة 43
ورَوَى الكَلْبِيُّبإسناده في تفسيره، عن عبادة بن الصامت أنَّه حَكَى وضوء رسول الله مرتين وثلاثا، والمسح مرة واحدة.
وعن عون بن أبي جحيفة الله، أنه حَكَى وضوء رسول الله الذي فعله بعرفات فغسلثلاثا ثلاثا، ومسح بالرأس مَرَّةً واحدة.
وروي عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ا أَنَّهُما حَكَيا وُضوءَ رسول الله، فغسلا ثلاثا ثلاثا، ومسحا بالرأسثلاثا. وروي: المسح مرة واحدة.
وهما من طريق الشذوذ، والمشهور أنهما غسلا ثلاثا ثلاثا، ومسحا بالرأس، وغسلا الرجلين ثلاثا ثلاثا.
فالمشهور مسح الرأس غير مقرون بعدد المرّة والثلاث، والمطلق لا يتناول إلا ما ينطلق عليه الاسم، ودلّ إطلاق الراوي المسح عن القيد بين غسلين مقرونين بالثلاث أنَّ المسح لم يكن مثلهما، إذ لو كان المسح مثلهمالما حلّ لهالإطلاق، ولكان تلبيسا على السامع وإخلالا بالنظم.
فثبت بهذه الأخبار أن عبد الله بن عمر إنَّما قال: وتوضأ رسول الله ثلاثا ثلاثا، لما أن أكثر أعضاء الوضوء مُثَلَّثَةٌ، كما سُمِّيت الطهارة وضوءا، والوضوء بالغسل يكون لا بالمسح، لِمَا أنَّ الأكثر غسل. ويحتمل أنه مسح للاستيعاببغير ماء، ويحتمل بماء، فالمسح مسح كان معه ماء أو لا. ثلاثا
وقد روى عبد الله بن زَيْدٍ - صاحب الوضوء ـ أنَّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ مسح برأسه مرتين؛ أقبل بهما وأدبر. والإدبار بغير ماء يكون بإعادة اليدين إلى المُقَدَّم، فأما إذا اعْتُرِفَ الماء ثُمَّ أُعيد وقعت البداية بمُقَدَّم الرأس.
وروت الربيع بنت المُعَوِّذ بن عَفْراء أنَّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ مسح وبدأ فيها بمقدم رأسه إلى مُؤخَّره، ثُمَّ رَدَّ يديه كلتيهما إلى المُقَدَّم، فثبت أن تكرار المسح كان بغير ماء.
والكلام بمحض القياس فاسد في هذه المسألة؛ لأن الخلاف وقع في مقدار ما هو عبادة أو ركن من عبادة، ومقادير العبادات لا تُعرف قياسا، وإنما تعرف بالنص أو دليله، ودليل النَّص مَعَنا، فإِنَّ النَّص ورد في سائر أركان الوضوء وأعضاء الطهارة بتكميل الطهارة المطلوبة، من إصابة الماء بزيادة من قبيل قدر المفروض تكميلا، وذلك بماء طهور يستعمله في محل الفرض، فإن قولنا: تثليث» و «تكرار» ألقاب، والمعتبر معناه، وحكمه هو المطلوب منه، وهو الطهارة، فيكون تكميلها بزيادة من جنس الأصل في
الجزء 1 · صفحة 44
محلّ الأصل؛ لأنه في غير محله لا يكون إكمالاً له، فيكون إكمال وظيفة هذا العضو بهذه الطريقة؛ لأنه مثل المغسول في أنه أصل في الطهارة، فالبيان في بعضه يكون بيانا في كله دلالة، وبالاستيعاب يحصل تكميل الطهارة المطلوبة بالمسح فرضاً بماء طهور يستعمله في محل الفرض؛ لأنَّ الرأس كله محل الفرض، والبلل الذي بكفه طهور ما لم يستوعب العضو، كالماء في الغسل، يبقى في آخر العضو على حكم الابتداء، فيزداد بالإمداد طهارة قَدْرَ الفرض الذي لو اقتصر عليه أجزأه بطهارة نحوها بماء مثل ماء الأصل في محل مثل محله، فيلحق بالغسل إذا ثلث، فتكره الزيادة عليه بماء طهور كما كره في الغسل بعد الثلاث، ولا يكره إمرار اليد للاستيعاب، إلا أنه في باب الغسل الماء كله يصير مستعملا بالمرة المفروضة، فيحتاج للزيادة إلى ماء آخر طهور، والمحل كله يصير مستغرقا بالفرض، فيحتاج إلى التكرار لزيادة الظهر في محل الفرض.
ونعني بالفرض: قَدْرَ الفعل الذي لا يجوز بدونه، وبالسُّنَّة المُكَمِّلة: ما لو ترك جاز بدونه.
فنحن استدللنا بسائر الأعضاء بحكم الغسل من الطهارة والطهور، والخصم نظر إلى الفعل والماء، فكان ما ذهبنا إليه أولى؛ لأنَّ الفعل افترض أو سن بحكمه من التطهير، والماء اعتبر لأنه طهور، فما بقي طهورا كان بمنزلة ما لو لم يكن مستعملا، فصار الماء الواحد من حيث إيجاب الطهارتين في الرأس أعني قدر المفروض وزيادة - بمنزلة مائين في الغسل، وصار الرأس في أنه اتسع لقدر الفرض وزيادة، كالوجه؛ إذا تضاعف الغسل فيه.
دل عليه: مسحُ الخُفّ، فإنَّه لا يُكرّر، للمعنى الذي قلناه في الرأس. ثُمَّ مفارقة مسح الخُفّ مسح الرأس في أنَّ ذلك رخصة وهذا عزيمة لا يكون أكثر من مفارقة المضمضة غسل الوجه في كون المضمضة نافلة وغسل الوجه وكنا، بل هي دونها؛ لأن. الخف فرض مع كونه رُخصة. ثُمَّ مفارقة المضمضة غسل الوجه لم تُوجب المفارقة في قدر الوظيفة، فهذه المفارقة أولى.
ودل عليه: أن تكميل الغسل - إن وجب النظر إلى الفعل ـ كان بفعل يزيد في معنى الغسل، فإن الماء كلما ازداد به معنى الغسل فكذلك تكميل المسح بماء يزداد به معنى المسح، لا بما يرتفع أو ينتقص، وزيادة المسح بزيادة المد [على قدر الفرض، فأما التكرار بالمياه، فيُقربه من الغسل، ولو بدله بالغسل كره، فالتقريب منه لا يكون إكمالاً للمسح، بل يكون تنقيصاً؛ لأنه مما يرتفع بكثرة الماء.
الجزء 1 · صفحة 45
ولأن الغسل يُطلب منه في هذه الطهارة الطهارة الحكمية والتنقية والتطهير الحقيقي، إكمالا للحكمي به، ألا يُرى أن المضمضة سُنَّةٌ وليس في الفم حَدَثُ بوجه؟!
ولأن في تحقيق الطهارة معنى الطهارة الحكمية وزيادة، فتكون إكمالا لها، والتنقية تحصل بتكرار الغسل في محلّ واحدٍ، كما لو كان به نجاسة محسوسة، فإنَّها ربما لا تزول إلا بالتكرار، والمطلوب بالمسح طهارة حكمية، لا حسية وحقيقية، فإنَّها لا تحصل به لو تحقق نجاسة، فجعل إكماله بالإمداد بعدالفرض ليزداد به طهر حكمي مثل الأول، ولم يجعل في التكرار الذي شرع للحقيقية؛ لأنَّها لا تحصل به وإن كُرّر.
فهذه من وجوه الاستدلالات من حيث الحكم شرعا والفعل حسا تدل على صحة ما قلناه.
ولا يلزم الاستنجاء؛ لأنه ليس من الوضوء في شيء، واستدلالنا لأفعال الوضوء بأفعاله، إنما هو إزالة للنجاسة الحقيقية، فيكون زيادة الزوال والتكرار والإزالة في محل واحد، ألا ترى أنه لا يجب عن الريح؟! وألا ترى أن الغسل أفضل؛ لأنه أتم إزالة؟! ولو كان المسح هو المشروع لكره تبديله بالغسل كما في الرأس.
ولأنا قلنا في المسح بالرأس: إنَّ التكميل يحصل بالمرة، والمرة في باب الاستنجاء ليس بفعل للمأمور وزيادة.
ولأن الثلاث فرض عندك كلها، وعندي كلها سُنَّة، لا يخرج عن الأمر بقدر ما جاء على اختلاف القولين إلا بالثلاث، وكان بمنزلة غسل الثوب عن نجاسة غير مرئية عندي لا يخرج عنه إلا بثلاث، هذا باب نعتبر فيه حكمًا ومَعْنَى.
ولين قلنا: المسح نوع من الوضوء وليسبنظير للغسل فعلا، فلا يستدل به، بل بالمسح المشروع فيه من مسح الخف، كان حسنا؛ لأن أصل الوضوء بالغسل؛ لأنه تطهير، وإنما يحصل بالغسل، إلا أن الله تعالى اكتفى منافي الرأس بالمسح تخفيفًا؛ لأنَّ في غسله مشقة لا تكون بغسل الوجه والرجل، بل مثل مشقة غسل الرجل حالَ التَّخَفُّف، فنقص من الغسل في ماءه فجوز بالبلل، وفي نفسه فجوزببعض المحل، فلا يجوز الإلحاق بالغسل استدلالا به في حق السُّنَّة والإكمال، فإنَّه شرع دونه، بل بمسح الخف الذي هو
نظيره، وبني على التخفيف بضربمشقة،، إلا أن المشقة في الرجلبالخف، فصار عارضاً، والمشقة في باب الرأس بأصل العضو، فصارت الرخصة أصلية، بل يقال: لما كان وضع المسح من الغسل ـ مع
الجزء 1 · صفحة 46
كونهما ركنين ـ أخف منه فيما هو ركن بالماء والقدر، وجب أن يكون أخف منه فيما هو سُنَّةٌ بالماء والقدر أيضا، فتقام هذه السُّنَّةُ بماء الفرض، والغسل بماء جديد، ويُقام هذا بالمرة وذلك بالمرات، استدلالاً بالمنصوص عليه من الفرق بينهما في الفرض لما لم يُنص عليه من السنة. وكما فعل مثله في باب مسح ا الخف، ليكون المسح بفرضه ونفله دون الغسل ماء ومقداراً. وكان الاستدلال بالغسل للإلحاق به استدلالا بخلاف النَّص، وهذا باطل، وإنما قلنا بخلافه؛ لأنَّ النَّص فَرَّقَ بينهما، وأنت بالاستدلال تسوي بينهما.
ثُمَّ إِنَّ أصحابناله تأملوا جدًّا في معاني النصوص وبنوا عليها مسائلهم، فقالوا: المسحة الواحدة في المعنى المطلوب من التَّوَفِّيكَغَسَلَاتٍ ثلاث، وهما غيران صورة، والخصم أخذ بالصورة.
وقالوا في مسألة. مسح الأذنين: إنَّهما تمسحان بماء الرأس، كأنَّ الكل عضو واحده وإن كانا عضوين حقيقة، للخبر والمعنى الفقهي الذي ذكرناهبعد هذا، فبقوا الماء طهورا في حق الأذنين، والخصم أخذ بالصورة.
هذا ليتبين لك طريقنا من طريقه في جُلَّالمسائل، فيكون ذلك أظهر وأسهل، وهذا أشق وأفقه، وكلُّ واحد طريق في الدين، والأجر على قدر التعب، والحكمةبقدر الفقه، وبالله التوفيق.
|| مسألة، تُمسح الأذنان بماء الرأس عندنا.
وقال الشافعي: يُؤخذ لهما ماء جديد، لِمَا رَوَىبنُ جُدعان أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ أخذ لهما ماء جديدا.
وكذلك رُوي أنَّ النبي صلى الله عَلَيْهِ مسح برأسه وأمسك مُسَبِّحَتَيْه لأُذنيه، ليكون إصابتهما بماء جديد لهما،، فيكتفى بمثل هذا عندي، كما قلت في المضمضة والاستنشاق: إنَّه يجوز أن يغترف كفا من ماء، فيتمضمض ببعضه، ويستنشق ببعضه؛ لأنَّ الباقي غير مستعمل.
والقياس: أنَّ الأذنين عضوان منفصلان عن الرأس خِلقَةً لا شَكٍّ فيه، وكذلك حكما فإنَّفرضية مسح الرأس لا تتأدى بالأذنين، فلا بد أن يُؤخذ لهما ماء جديد؛ لأن الماء إذا صار مستعملاً في عضو لم يجز استعماله في عضو آخر؛ لأن الماء المستعمل غير طهور كما في الأعضاء المغسولة. وكذلك لو مسح برأسه ثم مسح بخُفّه بذلك البلل لم يجز، وكذلك لو مسح بيد واحدة بأحد خُفيه ثم بالآخر لم يجز.
ولأن المسح أحد قسمي الوضوء، فيكون له سُنَّةٌ منفصلة عنه محلا وماء، قياساً على الغسل، فله سُنَنٌ تنفصل عنهمحلاً وماء، مثل داخل الفم والأنف بالمضمضة والاستنشاق، والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 47
ولنا: ما روي عن علي، وابن عباس، وأنس، وجماعة، عن النبي.
قال: «الأذنان من الرأس، و «من» للتبعيض، والأذنان ليستا من الرأس خلقة، ولأنه لم يُبعث لبيان الخلقة، فعلم أنه أراد منه حكما، ولا حكم بكون الأذن من الرأس غير هذا.
وعن ابن عباس أنَّ النبي، اغترف غُرفة فمسح بها رأسه وأذنيه، ما أقبل منهما وما أدبر. ورو فثبت أنهما في حكم عضو واحد في هذا الباب، والسُّنَّة في العضو الواحد وهو الرأس نفسه - كمالها يتعلق بأن يجتهد الماسح ليُصيب: كل شر منه: ببعض ينا عن البراء بن عازب له أنَّه حَكَى وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمسح برأسه وأذنيه مرة واحدة، ودور.
والدليل عليه: ما روينا عن سائرهم في مسح الرأس أنهممسحوا برؤوسهم ثم غسلوا أرجلهم، ولم يرو المسح بالأذنين على الانفراد. وكذلك رُوي أنَّ النبي صلى الله عَلَيْهِ مسح برأسه وأمسك مُسَبِّحَتَيْه لأذنيه، ولا يحسنبكف واحد إقامة الوظيفة من عضوين، كما في الخفين، والرأس والخف.
فثبت أنهما في حكم عضو واحد في هذا الباب، والسُّنَّة في العضو الواحد وهو الرأس نفسه - كمالها يتعلق بأن يجتهد الماسح ليُصيب: كل شر منه: ببعض من كفه غير مستعمل.
وكذلك رَوَت الربيع بنت المُعَوِّذ بن عَفْراء أنَّ النبي مسح بأُذنيه بفضل الماء الذي أخذه لرأسه. وقد وافقنا الشافعي عليه، ولهذا نحن لا نجعل من السُّنَّةأن يجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة؛ لأنهما عضوان متباينان حقيقة وحكماً، ألا ترى أنَّ السُّنَّة في التثليث والترتيب تفوت إذا جمع؟! لأنه في الغَرْفَة الثانية يعود إلى المضمضة بعد الاستنشاق.
وكذلك عنده التثليث سُنَّةٌ، فيعود في المرة الثانية إلى المسح بعد الأذن، فيفوت الترتيب، والترتيب بالإجماع سُنَّةٌ مُراعاة، ولن يبقى على وجههإلا بأن يجعل الأذنان مع الرأس عضوا واحدا.
وأما حديث ابن جدعان، فمُرسَل، وإنَّه ساقط على أصله، وعلى أصلنا يسقطلأنه غريب في حادثة سبيلها الاشتهار. وعلى أنه يحتمل أنه كان نسي مسح الأذنين، ثُمَّ تذكر بعد ذلكفأخذ لهما ماءً جديداً، وكذلك يفعل عندنا. والخبر حكاية فعل لا عموم له.
وأما المعنى، فلا يصح إلا بعد أن تجعل الأذن تبعا للرأس، فيقال: إِنَّ إكمال المسح بالاستيعاب على ما مر، ثُمَّ لم: يُسَن للرأس تجديد الماء، فالأذن الذي هو دونه وتبع له أولى أن لا يُسَنَّ له أخذ ماء جديد،
الجزء 1 · صفحة 48
لتمتاز سُنَّةُ المسح عن الغسل بضَرْبِ خِفَّةٍ، كما امتاز فرضه بضَرْبِ خِفَّةٍ، فَإِنَّ سُنَّة الغسل لا تُقام إلا بماء جديد.
دل عليه: أن تخليل اللحية سُنَّةٌ على سبيل التبع بعد التثليث، وسُنَّ للتثليث ماء جديد، ولم يُسَنَّ للتخليل، وإن لم يكن في موضع الفرض لما كان تبعاً، وها هنا لم يُسَنَّ لأصل السُّنَّة وهو الاستيعاب، فلأن لا يُسَنَّ لَتَبَعَه أَوْلى وأَخْرى.
وأما المضمضة، فليست سُنَّةٌ تَبَعًا لسُنَّة التثليث؛ لأنها تسبقهفكانت أصلية، كالتثليث، فسُنَّ لها ماء جديد.
فأما الجواب عن قوله: «إنَّ الأُذن عضو منفصل» ـ وهو المشكل ـ، قلنا: إنه من الرأس في حكم المسح، بدلالة الخبر، وبضرب استدلال فقهي، فإنَّ السُّنَّة شرعت إكمالا للفرض على ما قلنا، ولا يكمل إلا بشرط الأصل، ومن شرط الأصل - وهو الفرض -، عضو خاص، فعضو يباين ذلك العضو من كل وجه لا يكون محلا لإقامة السُّنَّة، ألا ترى أنَّ الغَسل إِنَّما يكمل بعين عضو الفرض، أو وجه،، كالفم والأنف؟! فإنَّهما من الوجه خلقة، إلا أن الباطن منهما لا يُسمى وجها لبُطُونِه، كالوجه؛ إذا خرجت لحيته يسقط اسم الوَجْهيَّة عما تحت الشعر، وكان من الوجه حقيقة، ولهذا سُنّ التخليل؛ لأنه من الوجه على اعتبار أصل الخلقة، فكذلك المسح لا يُكَمَّل بعضو منفصل عن الرأس من كل وجه، فلما سُنَّ مسح الأذنين علم أنهما جعلنا في هذا الحكم من الرأس، ليصير ما فوق العنق كله مُوَضَّاً فيُبعث يوم القيامة أغر بجملته، فنزل الأذنان من الرأس منزلة ما تحت اللحية من الوجه تبعاً له لا أصلا، ولهذا لا يتأدى الفرض بالأذنين. وكالحطيم من البيت إكمالا للطواف وتبعا للبيت لا أصلا، فلم يتأد بالحطيم فرضية التوجه إلى البيت في الصلاة، فإنه إذا توجه إليه لم يجز.
ودل عليه: أن فرضية المسح بالرأس ثبتت بكتاب الله، والأُذن من الرأس ثبت بخبر الواحد، وما ثبت بالكتاب لا يسقط بما ثبت بخبر الواحد؛ لأنَّ ذلك يوجب اليقين، وهذا كالحطيم من البيت، فإنَّ التوجه إلى الكعبة ثبت بكتاب الله، والحطيم من البيت ثبت بخبر الواحد، فلم يسقط ذلك الفرض بالحطيم.
فصار ظاهر الخلقة وظاهر الوظيفة شاهدين له، وصار المعنى شاهدا لنا، على ما عليه دابنا ودابه.
الجزء 1 · صفحة 49
والقياس المحض باطل فيه، لما ذكرنا أنَّ قدر العبادة لا يُعرف قياسا، وكذلك مقادير الأحكام كلها؛ لأن أصل الحكم لا يجوز شرعه قياسا، فكذلك وصفه وقَدْرُه، وإنما يُعرف بالاستدلال الذي يجري مجرى النص، منها: مسألة الترتيب، والقراءة في الأربع، والتعديل في الأركان، ونحوها، والله أعلم بالصواب.
|| مسألة، غسل المرافق والكعبين واجب عندنا.
وقال زُفَر: لا يجب؛ لأنَّ الله تعالى جعلها غاية.
ولا معنى لقولكم: «إنَّها غاية لإسقاط الغسل عما وراءها»؛ لأنَّ الله تعالى أدخلها على غسل اليد لا على اليد، فإنَّ اليد محل الغسل، والمأمور به هو الغسل، والغاية كانت لبيان المأمور.
وكذلك المقصود من الكلام هو الفعل لا محله، والمحل يجري مجرى المضاف إليه والمضاف في قولك: غلام عبد الله» و «دار زيد، فيصير بالغاية الغسلُ مُمَدًا إليها، واليد اسما للبعض مجازاً، فإنَّها تُذكر ويُراد بها الكف، كما في آية السرقة، وكما يقال عند الطعام: «اغسل يَدَيْك»، وفي العرف: «غسل فلان يديه، لا يُراد بها إلا الأكف، فالزيادة ما ثبتت إلا بالغاية.
إلا أنا نحتج بالسُّنَّة، فإِنَّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ غسل المرافق والكعبين، وكذلك الصحابة و فيما نقلوا.
ولأن الله تعالى لما أمد إلى المرافق صِرْنا مأمورين بغسل الكف والذراع، ثُمَّ المرفق ليس بعضو منفرد، بل هو ملتقى عظم العضد والذراع، فلما أمرنا بغسل الذراع لَزِمَنا غَسْله كله، فيجب غسل جزء الذراع من المرفق. ولما وجب غسله وجب غسل جزء العضد؛ لأنه لا يمكن الفصل بينهما غسلا أو يتعذر، والله تعالى ما جعل في الدين من حرج.
وهذا كما قلنافي الركبة: إنَّها من العورة، والعورة في الأصل ما بين الركبة إلى السرة، وبذلك وردت الأخبار. ولأنَّ ما بينهما فخذ وسوأة، والركبة مُلتَقَى عظم الفخذ والساق فحرم منها جزء الفخذ، فحرم الباقي؛ لأنَّها لا تُتَحَرَّى نظرا إليها ومسا، والله أعلم.
|| مسألة، وظيفة الرجلين الغسل.
وقال بعض الناس: المسح، وروي ذلك عن ابن عباس
الجزء 1 · صفحة 50
واحتجوا بظاهر قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُم إِلَى الْكَعْبَيْنِ) [المائدة:]ـ بخفض اللام- فظاهر العطف يدخلهما تحت خبر الرأس
إلاأن الأخبار متواترة بغسل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ الأَرْجُل، وكذلك الصحابة. وما رُوي أنَّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ مَسَحَ برجليه، فما روي إلا مرة واحدة، ثُمَّ قال: «هذا وُضُوء من لم يُحدِث). ورُوي عن ابن عباس أنه رجع إلى قول الناس في هذه المسألة.
وكذلك الآية تدلُّ لما قلناه، قال الله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) [المائدة:]، قُرِئَ: {وَأَرْجُلَكُمْ} بنصب «اللام»، وهذا يُوجب عطفا على الأيدي والوجوه، ويصير في النظم تقديماً وتأخيرا، وهذا جائز في كلام العرب.
وأما القراءة بالخفض، ففيها دليل على الغسل؛ لأنهقال: إلى الكعبين، فقدر الوظيفة بمحلها، والغسل شرع مقدرًا بمحله؛ لا يجوز بدون ذلك القدر من المحل، والمسح ما شرع مُقدَّراً في حكم المحل، بل شرع مطلقا. إلا أنَّا نُقدِّرُ الآلة الماسحة بثلاث أصابع، لاقتضاء الآية الآلة، وهي اليد على ما بينا، فأما بعد المسح بالآلة المرادة، فلا يُقدَّر المسح بمحله، إلا أن الله تعالى لما ذكر الرجل بعد الرأس لبيان أن الترتيب سُنّة، أتبع الرأس في الإعراب، ومثله جائز في كلام العرب، فقد جاء الإتباع في الخبر اختصارا، وإن تفرد المعطوف بخبر على حدة، كقول الشاعر:
عَلَفْتُها تِبْنا وماء باردا
والماء لا يُعلف، ومعناه علفتها تبنا، وسقيتها ماء بارداً، ولكن ترك اختصارا.
ولما جاز هذا في أصل الخبر لما كان في الكلام ما يدلُّ عليه، فلأن يجوز في الإعراب أولى إذا كان في الكلام ما يدل عليه، والتقدير بالمحل دلالة على أنها مغسولة على ما بينا، والله أعلم.
ولأن الطهارة بالماء في الأصل إنما تكون بالغسل، فأما المسح بالماء فلا يُعقل طهارة، واعتبره بالاغتسال عن الجنابة، وإنما أسقط الله تعالى غسل الرأس والله أعلم - تيسيرًا علينا، فإنَّه مما لا يُغسل عادة، والوجه واليد والرجل مما يُغسل عادة، ولا يَلْحَقُنا حَرَجٌ بغسلها، إذا كانتا باديتين، فإن كان عليه خُفَّان، لم يتمكن من غسلها إلا بواسطة النزع، فلا جَرَمَ نُقل في تلك الحالة إلى المسح والحق بالرأس، على ما نذكر، والله أعلم.
المسح بالخف
الجزء 1 · صفحة 51
ومن وظيفة الوضوء: المسح بالخُفّ حال اللبس عند جمهور العلماء.
وقال بعض الناس: لا يجوز؛ لأنَّ الله تعالى ذَكَرَ الأَرْجُل دون الخفاف، فلا يزاد على كتاب الله بخبر الواحد.
إلا أنا زدنا بالسُّنَّة، فقد جاءت مثل ضوء الشمس، كذلك قال أبو حنيفة ه، وهي مشتهرة قريبة من المتواتر، حتى قال أبو يوسف: يجوز نسخ القرآن بمثل خبر المسح بالخُفين.
ولكنا لم ننقلها لأنَّ الإجماع المنعقد اليوم أغنانا عن الاحتجاج بالأخبار، وإنما ذكرناه لضرْب معنى فقهي فيه، وهو ما ذكرنا أن أصل الوضوء بالغسل، وكذلك الطهارة بالماء لم تُعقل مسحاً وإنما عُقِلت غسلا، ثُمَّ الله تعالى اكتفى بالمسح بالرأس لما في غسله زيادة) حَرَج لا تكون في غسل اليد والوجه والرجل حالة البدو).
ثُمَّ لبس الخفاف عادة في الناس لأعمالهم وأسفارهم، والحَرَجُ في نزعها وغسل الأرجل أكثرمن الحرج في غسل الرؤوس، فدل سقوط غسل الرأس إلى المسح على سقوط غسل الرجل إلى المسح حال اللبس من طريق الأولى، والله أعلم.
فصل
قال أبو زيد: ومسائل مسح الخُفَّ تُبتَنَى على أصل، وهو أن الشريعة جعلت الخُفَّ مانعا من سريان الحدث إلى القدمين، فصار الخف بدلا عن الرجل في قبول الحدث؛ بدليل أن الحدث متى سرى إلى القدمين ثم تخفف لم يسقط بالمسح غسل وجب قبل التخفف، وإذا أحدث وهو مُتخفّف، فالحَدَث ما تعدى عن الخُف، بل حله حال اللبس، كما يحلُّ بالرّجل حال الانكشاف، ولهذا يجب اعتبار مدة المسح من حين الحدث؛ لأنَّ حكم اللبس ثبت من حين الحدث في منع سريان الحدث إلى الرجلين، ولو كان يثبت من حين المسح لاعتبرت المدة من حين المسح.
وللعلماءاختلاف في:
قدر مُدته،
و شرط جوازه،
ومحله،
الجزء 1 · صفحة 52
ونفسه،
وحكم سقوطه.
فصل المُدَّة
قال عامة العلماء: مُدَّة مسح الخف مقدرة.
وقال مالك: غَيْرُ مُقَدَّرة، لِمَا رُوِي أَنَّ رجلا سأل النبيعن المسح بالخفين فقال له: امسح، فقال الرجل: يوما؟! فقال النبي: ويومين»، فقال الرجل: وثلاثة أيام؟! فقال النبي: «وما شئت».
إلا أن تأويله عندنا وما شئت بعد تجديد الغسل عند تمام كل مُدَّة، فذلك شرطه، والأمر بالشيء أمر به وبشروطه.
والدليل عليه: ما رَوَى خُزَيْمة بن ثابت الله أنَّ النبي سُئل عن المسح بالخُفَّين، فقال: «للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها».
وعن أبي بكرةأنَّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ رَخّص للمقيم يوما وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها، أن:، يمسح بالخف.
وعن صفوان بن عسال المرادي: «إنَّ النبي كان يأمرنا أن لا ننزع خفافنا إذا كُنَّا سَفْرًا؛ ثلاثة أيام ولياليها». وهو مذهب عائشة.
وكذلك الفقه يدل عليه وهو أنَّ الرجل أصل، والخُفُ جُعلبدلا عنه دفعا لحرج الناس في نزع الخُفّعند كل وضوء، والحرج يندفع بهذا القدر؛ لأن المقيم في العادة ينزع خُفّيهلنومه، ويلبس ليقظته إلى النوم، إلا أن الشرع لو قدر باليوم وبعضالليلة لضاق الأمر في اعتبارهفقدر باليوم والليلة زيادة على قدر الحاجة تيسيرا علينا، والمسافر ربما لا ينزع للنوم ويسير ليلا ويستديم اللبس، ولكن لا يُمكنه الاستدامة كل مدة السفر، لتوجع الرجل بالدوام. ولأنَّ العادة بخلاف ذلك، فقدّر بأقل مدة السفر وهي ثلاثة أيام. ولأنها الحد الفاصل بين قليل الأيام وكثيرها.
وليس المسح كالتيمم؛ لأن التراب أقيم مقام الماء عند عدم الماء، وليس للعدم ميقات عادة، فبني على حقيقته، وللبس وقت مقدَّر عادةً، فبني على القدر الثابت عادة، والله أعلم.
|| مسألة، المقيم إذا مسح بالخُفّ ثُمَّ سافر قبل تمام المُدَّة أتمَّ مُدَّة المسافر.
الجزء 1 · صفحة 53
وقال الشافعي: أتمَّ مُدَّة المُقيم؛ لأن المسح عبادة، فإذا شرع فيها على حكم الإقامة لم تتغير بالسفر، كالصوم يشرع فيه ثُمَّ يُسافر، وكالصلاة يشرع فيها في سفينة في المصر، ثُمَّ يسير فيصير مسافرًا في صلاته لم تتغير صلاته؛ لأن حال الإقامة حال عزيمة، وحال السفر حال رخصة، فإذا اجتمعتا في عبادة غلبتالعزيمة على الرخصة.
إلا أنا نحتج بظاهر قوله: يمسحُ المُقيم يوما وليلة، والمُسافِرُ ثلاثة أيام ولياليها»، والنزاع وقع في حال كونهمسافرًا أولا.
ولأنَّ المسحات في المدَّة بمنزلة الصيام في الشهر، وصلوات يوم وليلة، بدلالة أن بعضها لا يبطل بالبعض، وفساد آخر المسحات لا يوجب فساد أولها، وكذلك المسحة الواحدة في حق صلوات مختلفة بمنزلة مسحات، بدليل أنها لو فسدت في صلاة لم تتعد إلى أخرى، وبقيأول المسحة صحيحةجاز بها أداء الصلاة، وكما ينتقض آخر الطهارة بالحدث، ولا ينتقض أولها، فانعقاد حكم الإقامة لأولها لا يمنع انعقاد حكم السفر لآخرها، كمن سافر آخر اليوم وآخر رمضان يسقط عنه شطر باقي الصلاة وباقي الصيام، وهذا لأنه لما جاز أن ينفصل بعضه عن بعض فسادا، فكذا جاز تغيرا.
ولأن المدة تنعقد من وقت الحدث دون المسحة، وبعد الحدث قبل المسحة لو سافر تغيرت المدة، فكذلك بعد المَسْحَة؛ لأنَّ الشغل للمدة المانعة من السريان.
ولأنَّ المُدَّة ليست بعبادة، إنَّما هي وقت، والحكم المتعلق بالمدة: عدم سريان الحدث إلى الرجل والحلول بالرجل، لا المسح، وما هو بعبادة، بخلاف صلاة واحدة؛ لأنها عبادة، وهي لا تتجزأ صحة ولا تغيرا، فالإقامة لآخرها توجب تغير جميعها إلى إقامة، والسفر لأولها كذلك، فإذا اجتمعا وتدافعا غلبت الإقامة السفر، كماقاله الخصم، وها هنا لما اقتصرت الإقامة حيث وجدت، والسفر كذلك، لم تثبت المعارضة والتدافع، والله أعلم بالصواب.
مسائل الشرط
وأما شرط الجواز عندنا، فأن تكون الرجلان طاهرتين بالغسل عند الحدث.
وقال الشافعي: الشرط أن تكونا طاهرتين عند اللبس،، حتى إذا أدخل إحدى رجليه طاهرة ثم. غسل الأخرى وأدخل لم يجز أن يمسح إلاأن يُخرج الرجل الأولى ثم يلبس، واحتج بحديث يرويه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ أَنَّه قال للسائل عن المسح: لا بأس إذا أدخلت رجليك وهما طاهرتان.
الجزء 1 · صفحة 54
ونحن نحتج بعمومات في باب الأمر بالمسح من غير تقييد بمايقوله الخصم. وحديثهم لا دليل فيه؛ لأنَّ النبي لم يرد إدخال رجليه معا على الطهارة؛ لأنه لا يتصور كذلك عادة، وإنما أراد إدخال كل واحدة بعد واحدة وهما طاهرتان بعد الدخول، وقد وجد. ولما ذكرنا أنَّ الخُفَّ جُعل مانعا من سريان الحدث إلى ما تحته، فاحتيج إلى قيام كمال الطهارة للرجلين عند الحدث لا عند اللبس.
|| مسألة، ومن الشرط: قيام المدَّة، وقد مر من قبل (
|| مسألة، ومن الشرط أن يكون الخُفُّ إلى الكعبين لا خَرْقَ به. واختلفوا في قدر الخَرْق:
قال علماؤنا: قليل الخرق لا يمنع المسح، حتى يكون قدر ثلاثةأصابع أو أكثر القدم.
وقال الشافعي: إذا ظهر ما تحت الخُفّ - وإن قل - منع؛ لأنَّ ذلك القدر الظاهر - وإن قل - إذا ظهر سرى الحدث إليه، لزوال المانع، وإذا سرى إلى البعض عم؛ لأنه لا يتجزأ، كقدر ثلاثة أصابع.
إلا أنا نحتج بأمر رسول الله صلى الله عَلَيْهِ بالمسح بالخُفّ من غير تقييد، وخفاف المسافرين في العادة لا يكون كُلُّها جُدُدا، ولا تخلوا عن قليل خَرْقٍ، وخاصة في زمنهم، إذ كانوا على شدة الفقر.
ولأنه رخص بالمسح دفعا لحرج الناس في النزع، واللبس عادةً يُوجد مع الخرق القليل، فيقع الحَرَجُ في نزعه، فعلم أنه غير معتبر حتى يكثر، فإنَّه مع الخرق الكثير قل ما يلبس عادة.
ثُمَّ إنما حَدَّ أصحابنا بثلاثة أصابع؛ لأنَّها أكثر صَدْرالرَّجْلِ، فَأُقِيمَ مقام الكل. ولأنَّ هذا القَدْرَ يَتأَدَّى به فَرْضُ المسح، فكان كثيرافي بابه، ولذلك لم يجعل أصحابناقليل انكشاف العَوْرَة مُفسِدًا للصلاةلهذه المعاني]، ولذلك أسقطوا اعتبار قليل النجاسة لهذا المعنى، وسنشرحها في تلك المسألة.
|| مسألة، ومن الشرطعند أبي حنيفة: أن يكون بالجوارب نعل حتى يجوزالمسح عليها.
وقال صاحباه ليس ذلك بشرط إذا كانا ثخينين.
وقال الشافعي: لا يجوز المسح بالجوارب، وإن كانت مُنعَلَةٌ؛ لأنَّ المسح زيادة على كتاب الله، وإنما ثَبَتَ بالنَّص بخلاف القياس، وإنما ورد النص في الخُفّ. ولأنَّ الرخصة جاءت لأنَّ الخفاف تلبس عادة للأسفار والأعمال، ولهذا زيد في مدة المسافر، والجوارب لا تلبس للسفر عادة، ولا يمشى عليها.
واحتج أبو يوسف ومحمد ا بما روي عن غير واحد من الصحابة؟ المسح على الجوارب. ولأنَّهُمَا يُلبسان عادةً لقطع الأسفار ولإقامة الأعمال مع المكاعب، ويقع في نَزْعها ضَرْبُ حَرَج فأشبهت الخفاف،
الجزء 1 · صفحة 55
والموقين والجُرْمُوقين فوق الخُفَّيْن وخُفِّ اللَّبْد، ونَزْعُ الجُرْمُوقَينَ عَن الخُفَّ والمسح به أيسر من نزع الجورب وغسل الرجل، والعادة في الجُرموق أقل من العادة في الجورب. وقياساً على المنعل.
وكأن أبا حنيفة أخذ بضرب من الاحتياط، وبنى الأمر على ما يلبس ظاهراويقطع عليه السفر والسفر لا يقطع على الجوارب، وإنَّما يُقطع بالمكاعب. فأما الجُرْمُوق، فشيء ظاهر كالخُفٌ، ويُمكن قطع السفر عليه ركوبا، وليس العبرة لحال المشي، فأما الجورب إذا لم يكن منعلًا فلا يمكن قطع السفر عليه.
إلا أنهما يقولان: إنَّ الإمكان مشياً فمعدوم فيهما وغير ممكن، وركوبا فممكن بهما، والحرج في نزع الجوارب أكثر، وبه عملت الصحابة. وهذا أقيس، والله أعلم.
|| مسألة، إذا لبس الجُرْمُوقَين فوق الخفين، ثم أحدث، مسح على الجُرْمُوقين عندنا.
وقال المخالف: لا يمسح، قياساً على ما لو أحدث ومَسَحَ بِخُفَّيْهِ، ثُمّ لبس الجرموقين فأحدث؛ لأنَّ الجُرْمُوق في الحالين يصير أصلا بنفسه للحدث سوى الخف، فيصير بدلاً عنه، ألا ترى أنه لو نزع أحد الجُرْمُوقَيْن سَرَى الحدث إلى الخفين، كما لو نزع أحد الخُفَّين؟! فلم يجز شرع البدل للخف قياسا؛ لأنَّ محال الحدث لا تُعرف قياساً، بخلاف الجُرْمُوق بلا خُفٌ؛ لأنه يصير بدلا عن الرجل، وهذا عُرف بالسُّنَّة.
إلا أنا نقول: إنَّه بدل عن الرجل وإن كان تحته خُفٌ، كأنه ليس على الرجل إلا الجُرْمُوق، فإِنَّ الخُفَّ إن لم يُؤَكِّد حكم الجُرموق لم يُضعف.
والدليل عليه: أن الوظيفة كانت بالرجل، ولم تكن بالخف وظيفة ليصير من أعضاء الوضوء حكما، فيصير الجُرْمُوق عنه بدلا مانعاً سريانالحدث إلى وظيفته، بل يمنع السريان إلى وظيفة الرجل، فأما إذا أحدث ومسح بالخف فصارمن أعضاء الوضوء حكماً، فالآن يصير الجُرموق بدلا عنه مانعاً سريان الحدث إلى بعض تلك الوظيفة، فلا يمكن إثباته قياساً على ما ذكر، فأما إذا نزع الجرموق بعد المَسْحِ سَقَط حكم المسح لزوال الممسوح في نفسه؛ لأنه أصل بنفسه وليس بتبع للخُفّ، ولما سقط حكم المسح سرى الحدث إلى ما تحته، إلا أنَّ الخُفْ يَمْنَعُ السَّرَيان إلى الرجل، كما لو أحدث الآن فيصير محلا، ولما وجب مسح الخُفَّ بحكم السراية لم يتجزأ وجوبه عن رجل دون رجل.
الجزء 1 · صفحة 56
فإن لم يُسلّم الشافعي جواز المسح بالجُرْمُوق بلا خُفَّ، احتججنا بحديث عمر، فإنَّه بال وتوضأ، ومسح بجُرْمُوقَيْه، ثُمَّ قال: «هكذا رأيتُ خير الأمة، أبا القاسم صلى الله عَلَيْهِ يفعل ذلك)، وعن المغيرة بن شعبة: «رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ مَسحُ بِمُوقَيْهِ).
ولأنهما يُلبسان عادة لقطع الأسفار ركوباً، وليس الشرط مشاة، فإنَّ السفر أكثر ما يكون ركوبا.
مسائل سقوط حكم المسح
فصل [
إذا نَزَعَ الجُرْمُوقَ مسح بخُفَّيهتَحْتَه.
وقال زُفَر: لا يمسح؛ لأنه تبع للخُفّ، فَأَشَبَهَ خُفَّا ذا طاقَيْن مسح ثُمَّ نزع أحدهما، أو مسح بالرأس ثُمَّ حلقه.
إلا أنا نقول: الجُرْمُوق مزايل عن الخُفّ، وهو محل بنفسه، كأنَّه لا خُفَّ معه، وليس بتبع، فأشبه الخُفَّ ينزعهبعد المسح.
|| مسألة، إذا نزع خُفيه غسل قدميه لا غير.
وقال الشافعي الله - في قول -: يتوضأ؛ لأنَّ سراية الحدث لا تتجزأ.
إلا أنَّا نقول: إِنَّما سَرَى إليه الحَدَثُ قبل الوضوء، وقد غسل بعده سائر الأعضاء، وبقيت الرجلان، فيغسلهما. وهو مذهب ابن عمر.
|| مسألة، المسح في نفسه، السُّنَّة عندنا أن يُمسح ظاهر الخُفَّ دون باطنه
وقال الشافعي: يستوعب الظاهر والباطن؛ لأنه مسح هو ركن فيستوعب موضع الغسل، قياساً على مسح الجبائر، ومسح التيمم. ورَوَىعن المغيرة بن شعبة أنَّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ مسح أعلى الخفين وأسفلهما.
إلا أنا نحتج بما روي عن علي بن أبي طالب له أنه قال: «لو كان الدين رأيا، لرأيتُ المسح بباطن الخُفَّين أولى من المسح بظاهرهما، لكني رأيتُ النبييمسح ظاهرهما ولا يمسح باطنهما)، وإنما نقل عادته وما رأى منه في عمره، ولو كان المسح باطنا سُنَّةٌ لَمَا خفي على علي ذلك، ولما ترك رأيه بما رأى.
الجزء 1 · صفحة 57
وهو مذهب عمره، وتوارث الأُمة.
وروي عن المغيرة بن شعبة أنَّ النَّبي توضأ، فوضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خُفّه الأيسر، ومَدَّهُما من قبل الأصابع مدَّةً واحدةً إلى الساق. فهذه الرواية المُفَسَّرةعن المغيرةتبين تأويل ما رواه الشافعي من الأعلى والأسفل أنه أراد أسفل الخُفّ من الأصابع إلى أعلاه من الساق.
والقياس الصحيح معنا؛ لأنَّ إكمال المفروض من المسح في الوضوء إنما يكون بمحل الفرض، كمسح الرأس لا يُكمل بمسح العنق، وإنما يُكمل بمسح الرأس، وأما الأذنان فمن الرأس بالسُّنَّة، وكذلك إكمال الغسل المفروض غسلا لا يكون إلا بموضع الفرض، وموضع الفرض بمسحالخف ظاهره لا باطن الخف، بدليل أنه لو مسح بباطن الخف دون ظاهره لا يسقط الفرض عنه، والباطن ليس من الظاهر حقيقة ولا حكما بالشرع. ولأن باطن الخف عادة لا يخلو عن نجاسة يبست ومسحت بالأرض، أو طين، وبالمسح يزداد شرا.
وليس هذا كالتيمم، فإنَّ الاستيعاب ثمَّ فرض، وكذلك المسح بالجبائر على قولكم. ولأنَّ المحل لا يُفارِقُ بعضه بعضا في مسح الجبائر. ولأن أحدا لم يقل بمسح عقب الخُفّ، وأنَّه ممَّا يُغسل، والله أعلم.
|| مسألة، المُستحاضة إذا توضأت والدم سائل ولبست الخفين، ثم أحدثت حدثًا آخر، مسحت بالخُفّ ما بقي وقت الصلاة. وقال زُفَر: تمسح يوما وليلة؛ لأنَّ دمها عَفْو.
إلا أنا نقول: دمها عفو في الوقت، ومتى ذهب الوقت لزمها الوضوء بالدم السائل قبله لا بالوقت، فإن الوقت ليس بخارج نجس، ألا ترى أنها لو كانت في الصلاة بطلت صلاتها؟! والحَدَثُ السَّابق للحال لا يُفْسِدُها، ولَمَّا لزمها الوضوء بالدم السائل قبل اللبس لم يمنع الخُفُ سَريانه إلى القدم، فإنَّه إنما يمنع ما يُوجد من الحدث بعد اللبس، ولما: لم يمنع وجب الغسل، كالمتيمم لبس الخُفَّ ثم رأى الماء، غسل قدميه؛ لأنَّه يصير مُحْدِثًا بحَدَثٍ كان قبل اللبس لا برؤية الماء، والله أعلم.
|| مسألة، ومن هذه الجملة: المسح على الجبائر. قال أبو حنيفة: إنَّه سُنَّة.
وقال أبو يوسف ومحمد: هو فرض؛ لأنَّ عليا الله كسرت إحدى يديهفجبرها، فأمره رسول الله صلى الله عليه بالمسح بالجبائر. .
ولأنه عفي عن غسل ما تحتهبجرح يلحقه بنزع الجبائر، فيتحول إليه حكمه، قياسا على الخُفَّ.
الجزء 1 · صفحة 58
إلا أن أبا حنيفة يقول: إنَّ الوضوء ثابت بكتاب الله، فلا يمكن الزيادة عليه إلا بمثله؛ لأن الزيادة تجري مجرى النسخ عندنا.
ولأنه يصير من الوضوء، والوضوء بنفسه ثابت بطريق يقين، فلا يمكن إثبات شطر منه بخبر الواحد أو القياس. وإنما أثبتنا الخُفَّ مَحَلَّا لِلمَسْحُ بأخبار مشهورة قريبة من المتواتر.
فأبو حنيفة يأمر بالمسح بالجبائر عملا بخبر الواحد، ولكن لا يفسد الوضوء بدونه، هذا كالطواف بالبيت؛ يُؤمر بالطهارة عملا بخبر الواحد، ولكن بدونها لا يفسد، ويتحلل به الحاج؛ لأنَّ أصل الطواف ثابت بكتاب الله، والطهارة بخبر الواحد، وكذلك يأمر في الصلاة بقراءة فاتحة الكتاب عملا بخبر الواحد، ولا يُفسدهابتركها؛ لأن أصل الصلاة ثبت بكتاب الله، وقراءة الفاتحة ثبتت بخبر الواحد.
فَصْلٌ
الظهور الأصلي
لا خلاف أنَّ الطهورهو الماء لا غير، وإنما اختلفوافيما يرفعهذا الوصف منه، وإنما يرفعه النجاسة، فنحتاج إلى أن نعرف:
أنواع النجاسة،
والأعيان النجسة التي فيها خلاف.
|| مسألة، قال أبو يوسف الماء المستعمل نجس نجاسة خفيفة]، وروى عن أبي حنيفة أنه نجس نجاسة غليظة، وكذلك رواه الحسن بن زيادعن أبي حنيفة.
وقال محمد: هو طاهر غير طهور، ورواه عن أبي حنيفة.
وقال زُفَر: إن كان المستعمل طاهرا فهو طاهر طهور، وإن كان مُحْدِثًا فهو طاهر غير طهور. وهو أحد أقوالالشافعي.
وقال محمد: ثلاث لو غمس فيها الثوب لم ينجس؛ الماء المستعمل، وسور الحمار، وبول ما يُؤكل لحمه.
الجزء 1 · صفحة 59
واحتج بأنَّأصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ ورضي عنهم كانوا يتبادرون إلى شرب غسالة رسول الله، وكذلك رسول الله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ توضأ وصبَّ الغُسالة على سعد بن أبي وقاص. وكانمريضاً -، فأفاق أنها طاهرة.
ولأنه ماء طاهر استعمل في عين طاهر، فلا يصير نجسا، كما لو غُسل به بين ثوب طاهر، وهذا لأنَّ النجاسة لا تثبت من قبلنا واستعمالنا إلا بالجمعالنجس والطاهر، فتثبت نجاسته بمجاورة، فإن تبديل الحكم ليس إلينا، ولما لم يكن بالأعضاء شيء نجس يجاور الماء لم ينجس، وكان يجب أن يكون طهورا كذلك، لكن تَبَدَّل هذا الوصف لِمَا أُدي به من قربة وعبادة، ألا يُرى أنَّ مال الصدقة يتبدل وصفه لِمَا أُدِّي به من قُرْبة، ولم يَحِلَّ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يبق طيبا؟! فكذا هذا لا يبقى طهورا ..
ولأن الماء إذا استعمل في عين كان أعلى درجاته بحكم الاستعمال أن يصير بمنزلة العين قبل الاستعمال؛ لأن ما في العين يتحول إليه، هذا غاية ما يتغير حكمه بالاستعمال، ألا يُرى أنَّه إذا غُسل به ثوب نجس يصير نجسا كالثوب لا فوقه؟! فكذلك هاهنا يصير كأعضاء الوضوء، وأعضاء الوضوء تتأدى معها الصلاة ولا تتأدى بها، فإنَّ إنسانًا لو احتمل مُحْدِثًا وصلَّى كان صحيحا، ولو صلَّى المُحْدِثُبنفسه لم تجز، فكذلك الماء المستعمل تتأدى معه الصلاة، ولا تتأدى به، فإنَّ مُحْدِثًا لو تطَهَّر به وصلَّى لم يجز، ولما جازت الصلاة مع حمل المُحدث علم أنَّ المُحْدِث ليس بنجس حقيقة، وكذلك المُحدث يَعْرَقُ في الثوب، أو يُصيبه مطر ويماسثيابه لم تنجس، فعلم أنها طاهرة لا تتغير إلا في أنه لا يجوز أداء الصلاة ببدن مُحْدَثٍ، فالماء يصير كذلك، ولا يتغير عن الحالة الأولى إلا من حيث لا يجوز أداء الصلاة به.
فهذا كلام ظاهر، وعامة مشايخناينصرون مذهب محمد وروايته عن أبي حنيفة.
ونحتج للقول الآخر بما روي عن النبي أنَّه قال: «لا يَبُولَنَّ أحدكم في الماء الدائم، ولا: يَغْتَسِلَنَّ فيه من جنابة نهى عن الاغتسال في الماء الدائم بكلمة نهي على حدة، فثبت أنه حرام. ومن قال: «إن الماء المستعمل طاهر طهور لا يكونحراما، وكذلك من قال: «طاهر غير طهور»؛ لأنَّ المذهب عندهمأنَّ الماء المستعمل إذا وقع في ماء آخر لم يُفسده حتى يغلب عليه، بمنزلة اللبن يقع فيه، وقدر ما يلاقي بدنهيصير مستعملا، وذلك القدر من جملة ما يُغسل فيه عادة يكون أقل ممافَضَل عَن مُلاقاة بدنه، فلا يفسد، ويبقى طهورا كذلك، فلا يصير الاغتسال فيه حراماً حتى تصير الغسالة نجسة فيفسدالكل، وإن كان أكثر من
الجزء 1 · صفحة 60
الغسالة، كقطرة خمر تقع في حب. إلا أن محمداً يقول: لما اغتسل في القليل صار الكل مستعملا حكما، ففسد كله.
فإن قيل: إنما نُهي الجنب عنه لأنَّ الجنب لا يخلو عن المني، وأنه نجس.
قلنا: وقد يخلو، فإنَّ الجُنب وإن غسل فرجه فهو جُنُب، والنهي يتناوله في هذه الحالة. ولأن فيه تعليق الحكم بالنجاسة دون الجنابة، فلا يثبت إلا بدلالة فوقه.
فإن قيل: رُوي «ثُمَّ يغتسل فيه من جنابة».
قلنا: فهما حديثان لا تمانع بينهما.
وأما حديث غسالة رسول الله، فعندنا أنَّ النبيكان مخصوصا بذلك، ألا ترى أن الحجامشَرِب دم رسول الله، فقال: «أما هذا فقد حرمه الله على النار»؟! وشرب دم غيره يوجب النار.
وعن ابن عباس: إِنَّما يُنجِّسُ الحوض أن تقع فيه وأنت جنب) وعن ابن عمر: لا تتوضأ بماء قد تُوضئ به مرة»، وروى الكرخي في هذا الباب في (مختصره). عن جابر وأبي هريرة.
فإن قيل: رُوي عن. عمروعليأنهما جوزا المسح بالبلل يُؤخذ من اللحية، فدل أنهما كانا يريان الماء المستعمل طَهُورًا.
قلنا: يحتمل أنهما قالا ذلك قياساً على الجنب، فإِنَّا نُجيز له أن يأخذ البلل من عُضو فيبل لمعة عضو آخر، فلا يصير حجة بالشك.
دل عليه - أنَّهلا يكون مُطهّرًا -: إجماعالناس في أسفارهم على ترك جمع الغسالة لمرة أخرى مع شدة الحاجة، وكذلك لا تجمع الغسالة للشرب ويُباح التيمم إذا خاف العطش، ولا يُؤْمر بالتوضي وجمع، فهذا يدل على أنه غير طاهر. الغسالة للشرب، والمعنى يدلُّ عليه، وهو ما ذكرنا في مسائل النية والترتيب أن بأعضاء المحدث حكم نجاسة فيكون بموضع النَّجاسة؛ لأنه مانع من الصلاة يزول بالماء، وأن الماء في إزالته معتبر بالماء يُزيل نجاسة عين، بدلالة الإزالة بنفس الملاقاة، أراد به التَّوَضّي أو لم يرده، فيُلحق الماء أيضا بماء أزال نجاسة عين.
ويُفارق حكم الماء حكم العضو؛ لأنَّ العضو ثبت له حكم النجاسة بخلاف القياس؛ لأن القياس أن تكون النجاسة بمحل حلته النجاسة لا بمحل آخر، وإنما ثبت شرعاً بخلاف القياس، فثبت بقدرما
الجزء 1 · صفحة 61
أثبته الشرع في حق أداء الصلاة، بتلك الأعضاء لا معها. وأما نجاسة الماء بالاستعمال، فقياس، وهو بتحول ما بالأعضاء إليه، لما ثبت بالدليل أن الماء في إزالته بمنزلة ما لو كان بهاعين النجاسة، ولو كان فساد الماء بسبب القربة التي قالها محمد لما تغير إذا توضأ متبرداً وهو محدث؛ لأنَّه لم يؤد قربةٌ.
له فإن قيل: بالأعضاء حكم نجاسة، والحكم لا يقبل التحول إلى الماء.
قلنا: لو لم يلحق بالعين في حقالإزالة لما ثبت حكم التحول كما زعمت، فكان لا يتغير صفة الماء كما في الثوب الطاهر، وقد تغير بالإجماع، أو بالدلائل التي قلناها، فثبت أنه تحول إلى الماء ما كان بالعضو حكما، ولا يثبت إلا أن يُعتبر حكمه.
فإن قيل: ما قولك في طاهر توضأ، فمن أين النجاسة؟!
قلنا: ومن أين تغيرالوصف على قول محمد حتى لم يبق طهورا؟!
وأما الحجة على قول زُفَر، فهي أنَّ الطهارة على طهارة طهارة جديدة وعبادة ونور على نور، على ما جاءتالأخبار، ولن تكون طهارة جديدة حكما إلا بإزالة نجاسة حكماً، فصارت الطهارة على طهارة وعلى حَدَثٍ سواء حكما، وبالله التوفيق.
|| مسألة، اختلف مشايخنا في غسالة بني آدم، منهم من يقول: هو نجس عينا، كالبول والخمر، لا يجوز استعماله بوجه.
وقال بعضهم: نجس نجاسة مُجاورة، كما لو وقعتفي الماء نجاسة، يجوز أن ينتفع به وراء الشرب، كالدهن النجس يُسْتَصْبَحُ. به.
وجه قول الأولين: أنَّ الماء ينجس حكماً لا بعين نجاسة جاوَرَتْه، فأشبه نجاسة الخمر والبول والميتة، بخلاف ما إذا حلت به نجاسة، فإن النجاسة كانت بالتجاور لا بتبدل حكم العين الأول، فبقي العين الأول في نفسه على حكمه طاهرا، كالثوب تُصيبه نجاسة.
ووجه قول الآخرين: أنَّ هذه النجاسة في حكم عين نجاسة كانت بالعضو فتحولت إلى الماء، على ما بينا في المسألة الأولى على اختلاف الأقوال. ولما كانت نجاسته بحكم حوالة ما حل بالعضوإليه بإزالة الماء حتى حكمنا بالزوال بنفس إصابة الماء، وجب اعتباره بنجاسة المائع ثبتت بحوالة النجاسة إليه من غيره، لا بنجاسة تبدل حكم المائع في نفسه شرعاً، من الخمر والبول. وهذا أقيس، والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 62
|| مسألة، المحدث إذا توضأ في ثلاث آبار أو إجاناتلم يطهر عند أبي يوسف. وقال محمد: يطهر بالثالثة. واتفقوا أن المياه كلها تصير مستعملة.
وأما الثوب النجس يُغسلفي ثلاث إجانات، فكذلك جواب محمد. وعن أبي يوسف روايتان.
أما محمد، فإنَّه يقول: إنَّ الغسل في الإناءوصب الماء عليه واحد قياسا؛ لأن الماء في الحالين ينجس بملاقاة النجاسة، ثم حكم القياس يسقط ضرورة، كماإذا اغترف وصب على العضو، ليُمكنه التطهير، فكذلك إذا اغتسل في الأصل، ألا ترى أن اليد التي بها يغترف تقع في الإناء، والحدث يزول بنفس الوقوع؟! ولم يجعل الإناء نجسا بهليمكنه التطهير، فكذلك هذا، وكذلك الفم يُصيبه حدث الجنابة فيغسل فيطهر، ولا يُمكن صب الماء عليه والتسييل، فكذلك الحب والأواني.
إلا أن أبا يوسف يقول: القياسفي ذلك كله أن لا يطهر، إلا أنا تركناه ضرورة عدم الإمكان بطريقة أخرى أقرب إلى التطهير من هذه، والضرورة ترتفع بالاغتراف من الإناء، أو الصَّب من الإناء، فإنَّه لا حرج في ذلك، إذ العادة في الغسل من الأواني بالاعترافوالصّبّ، وكذلك من الآبار بالاستقاء دون الوقوع فيها، ولا حرج من حيث العادة. ولما أمكن التطهير بالاغتراف والصب بلاحرج. وهذه الطريقة أقرب إلى التطهير على حكم القياس من الوقوع فيه مشاهدة وحسا، فإنَّ الماء يصير جارياً عليه، أخذا بالقياس إذا وقع فيه.
وأما الثوب، فكذلك على إحدى الروايتين عنه، وأما الأخرى، فذهب إلى أن الناس قد اعتادوا غَسْل الثياب في الإجانات، فلو نزعناهم عن ذلك إلى الصب عليه لحرجُوا فيه، واحتيج فيه إلى أحد يأخذ الثوب وآخر يصب الماء عليه، والله تعالى ما جعل في الدين من حرج، فجوز لهم ذلك دفعا للحرج، والتحق بالحب والفم الذي لا يمكن غسله بإجراء الماء عليه، والله أعلم.
|| مسألة، إذا دخل الجنب بئرا يطلب دلوا فوقع فيها، وليس بعضوه نجاسة، ثم خرج ولم يتدلك ولم يقصد اغتسالا، فإنَّ الماء ينجس، وكذلك هو عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: الماء بحاله، والرجل بحاله.
وقال محمد: الماء طاهر كذلك، والرَّجُل طاهر؛ لأنَّ الماء مطهر بنفسه، فيطهر الرجل، كما لو وقع في ماء جارٍ، والماء بحاله؛ لأنه لا نجاسة بأعضاء المحدث حقيقةً، وإنما يجعل الماء المستعمل غير طهور
الجزء 1 · صفحة 63
بحكم إقامة القربة كما جعلنا الصدقة غير طَيِّبَةٍ حتى حرمتعلى رسول الله، فإذا لم يقصد الاستعمال لم تحصل القربة.
وأبو حنيفة الله يقول: لما طهر الرَّجُل بلا قصد علم أنَّه مُلحَق حكمًا بنجاسة كانت به، فلا قربة بغير نية، ولما ثبتت له طهارة من طريق زوال نجاسة لا إقامة قربة، ثبت لا محالة حكم الزوال إلى الماء؛ لأنه إزالة، ولما ثبت صار الماء مستعملا، كما لو قصد، فلا يُفيد طهارة، كما لو كان بعضوه نجاسة.
وأبو يوسف يقول: لو حكم بزوال ما به من الحكم إلى الماء لصار الماء مستعملا وعجز عن الإزالة، فلا يُحكم بالزوال حتى لا يدور.
فأما إذا قصد الاستعمال، فنجاسة الماء باستعماله في شيء نجس حكما، ونجاسته في نفسه بخروجه عن ماء نجس، بخلاف نجاسة حقيقية؛ لأن نجاسة الماء بتحول عين النجاسة إليه، وماهاهنا إلا حكم، ولا سبب يُحال إليه نجاسة الماء إلا طبع الماء، واعتباره يؤدي إلى الدور.
وكلام أبي حنيفة أقيس وأحق، والله أعلم.
مسائل الأسار)
|| مسألة، سور الحمار عندنا طاهر يقينا، ومُشكل كونُه طَهُورًا.
وقال الشافعي: طاهر طَهُورٌ؛ لأنَّه. جعل سُورَ كل حيوان ينتفع بجلده طهورا، على ما نذكره بعد هذا.
وأما نحن، فإنما أشكل علينا؛ لأنَّا نعتبر السُّورَ باللحم، وكلُّ حيوان حرم أكله لا لاحترامه كان سوره نجساً، ولحم الحمار مشكل حُرمَته، لاختلاف الأخبار، ولدلالة القياس على طهارته، فإنَّه من الدواب الأهلية المخلوقة لمصالحنا من نحو الفرس والبقر والإبل. ولأنَّ بَرِّيَّ الحُمُر حلال، فهذا أولى؛ لأن للاختلاط بنا تأثيرًا في إسقاط النجاسة والحرمة تخفيفا علينا، فنحتاج إلى أن نتكلم في هذا الأصل، والله أعلم.
|| مسألة، سُور الهرة مكروه عند أبي حنيفة ومحمد، ذكره في الجامع الصغير)،، وقال في كتاب الصلاة: أحبُّ إليَّ) أن يتوضأ بغيره.
الجزء 1 · صفحة 64
وقال أبو يوسف - فيما روي عنه: لا:: لا بأس لأن النبي كانيُصغي الإناء للهرة فتشرب منه، ثُمَّ كان يتوضأ به، وقال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ: «الهرة ليست بنجسة، إنما هي من الطوافين والطوافات عليكم).
إلا أنا نقول: الهِرَّة سَبْعٌ، قال النَّبِيُّ: «الهرة سَبْعُ». ولأنَّ لها نابا، ولهذا حرم أكلها، وسُورُ السّباع نجس على ما نذكر، ولهذا علل النبي الطهارته بالطوف علينا، فإنه لو كان طاهرا بنفسه لما تعلق حكم الطهارة بضرورة الطَّوْف، فإنَّ الذي يسقط بالضرورةحرمات أصلية، كأكل الميتة ونحوها، ولما كان السقوط بحكم الضرورة - وهي غير شاملة؛ لأنَّه يُمكن التَّوَضّي بماء آخر بلا كبيرخرج - لم تُرفع الكراهية، كسور الفأرة والنجاسة أقل من قدر الدرهم.
وعن ابن عمر أَنَّه كَرِهِ التَّوضّي بسور الهرة والحمار، وعن ابن عباس: «إذا وَلَغَ الكلب أو السِّنَّوْر في إناء أحدكم فاغسلوه سَبْعًا).
وأما حديث الإناء، فمحمول على حال إباحة السباع، والله أعلم.
|| مسألة، سور الكلب نجس.
وقال مالك: طاهر؛ لأن الماء القليل عنده والكثير سواء على ما نذكر، ويحتمل أن يُؤكل الكلب عنده على ما قالهداود.
فإن سلم حُرمته وتنجس قليل الماء، فإنَّه يحتج بأنَّه من الطوافين علينا كالهر، قال: وإنما أمر رسول الله بالغسل عن ولوغ الكلب تعبدا.
وعامة العلماء احتجوا بما رويعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ أَنَّه قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا»، وبأخبار أخر نذكرها [؟] في «مسألة اختلاف العلماء في عدد الغسل. ولأنَّه ذُو ناب من السباع، وسُور السباع نَجِسُ على ما نذكر.
وأما عُذر الطَّوْف، فغلط منه، وإنَّما أخذه من عادات أهل البادية، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ نهى عن مخالطة الكلاب، ولا ضرورة فيها، فالضرورة بالحاجة، وليس لنا إلى الكلاب من حاجة إلا الحراسةوالاصطياد، ويكون خارج البيوت لا في البيوت، بخلاف الهرة؛ لأنا نحتاج إليها لتصطاد هوام البيت، وذلك يكون في البيت، فيلحقنا ضرر الهوام بإخراج الهر من البيوت.
الجزء 1 · صفحة 65
وأما الغَسْلُ تَعَبدًا، فلا يجبإلا في طهارة الصلاة، فإِنَّه يقع الله تعالى عبادة، وغسل الإناء بنفسه قط لا يقععبادة.
|| مسألة، قال علماؤنا الله: سُور السباع كلها نجس إلا الهرة.
وقال الشافعي: طاهر سؤر ما يجوز الانتفاع بجلده، كالنمر والفهد والأسد، لِمَا رُوي عن النبي صلى الله عَلَيْهِ أنه سُئل عن المياه التي تكون في الفلوات وما ينوبها من السباع، فقال: «لها ما حَمَلَتْ في بُطُونها، وما غَبَرفهو لنا طلق حلال»
والمعنى فيه: أنهحيوانٌ إذا طَهَر جِلْدُهفإنه يجوز الصلاة عليه، فيكون سوره طاهرا، قياساً على الفرس والشاة والحمار، وعكسه الخنزير، وهذا لأن الجلد لما طهر علم أنَّ عين الحيوان طاهر؛ لأنَّ الجِلْد من عَيْنِهِ، ولَمَّا ثَبَتَ طهارة العين واللعاب والعرق مما يتولد مِنَ اللَّحْم كان في حكمه، كما في الآدمي والحمار، ولهذاقلنا: إِنَّ سُؤر الكلب لما كان نجساً لم يجز بيع الكلب؛ لأنه يدل على نجاسة العين، فيصير كالخنزير. وهذا أصل تمسك به الشافعي.
ولعلمائنا [ v]: أنَّ سُؤر الكلب نجس بلا خلاف بيننا وبينه، وعينه طاهر يجوز بيعه عندنا، فإن لم يُسلّم أثبتناه بدليله، فالدلائل فيه واضحة، وإن سلم بطلت قاعدته وخرجت المسألة، فإنَّ الذَّئب والكلب سواء من كل وجه.
والحجة من طريق الابتداء: ما رُوي عن عُمر وعمرو بن العاص ا أنهما وردا حَوْضًا، فقال عمرو: يا صاحب الحوض، أيَرِدُ حوضك السباع؟!»، فقال عمر ة:: يا صاحب الحوض لا تُخبرنا»، فلولا أنهما كانا يريان التنجس بورودها، وإلا لم يكن لسؤال عمرو ولا لنهي عُمر معنى.
وسئل رسول الله صلى الله عَلَيْهِ عن المياه التي تكون في الفلواتوما يَنُوبُها من السباع، فقال: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خَبَثًا)، فدل التعليل لنفي النجاسة بكثرة الماء أن الورود سَبَبٌ مُنَجِّسُ، وتكون الرواية الأولى على حال الابتداء قبل تحريم السباع بهذه الرواية، ويكون الإشكالفي إِنَّهَا إِذا وَرَدَت الماء رائت وبالت، فكان أشكل عليهم أن هذه العادة توجب التنجيس وإن لم يعلم بذلك، فأزال رسول اللهالإشكال.
على أن حديثهم إن كان قبل التحريم لم يكن حُجَّةٌ، وإن كان بعده كان حُجَّةٌ، فلم يصر حُجَّةٌ حتى يثبت التاريخ.
الجزء 1 · صفحة 66
ويحتمل أنه سُئل عن المياه التي تكون بين مكة والمدينة في عموم الأحوال، وهي كثيرةبسيطة، أو جارية.
والفقه في المسألة: أنه سَبع حرام الأكل، فيكون نجس السؤر، كالكلب والخنزير، وهذا لمعنىمُؤَثّر، وهو أَنَّ حُرمة الأكل: قد تكون لفساد الغذاء، كالذُّبان والخنفساء وما لا يُتَغَذَّى به من التراب ونحوه؛ لأنه ما أُبيح إلا للغذاء في الأصل، فيصير الأكل بدونه عبثاً.
أو تكون الحُرمة للخُبْثِ طبعاً، كالضفدعوالسلحفاة والعقارب ونحوها مما لا يَعْتَادُ الناس أكله بغير شرع، لاستخبائهم إياها، فإنه تعالى قال: وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبيثَ} [الأعراف:].
أو تكون الحرمة للنجاسة، فإنَّ الله تعالى حَرَّمَ أَكل كلِّ شيءٍ نَجِسبنفسه أو بمجاوره، كالخمر والماء فيه نجاسة
أو تكون الحرمة للاحترام، كما في الآدمي ليَبْقَى مُحترما، كما حرم القتل وسائر أنواع الإتلافات.
ولا احترام للذئب والأسد، بل الذئب حلالٌ قَتْله في الحِلَّ والحَرَم، ولا خُبث، فإنَّه قبل التحريم كانوا يأكلونه، ولا لعدم الغذاء فإنَّه مُغَةٌ، فلم يبق إلا النجاسة.
فعلم أنَّ المأكول منه نجس لما حرم، وهو اللحم والشحم، والرطوبة تتولد من اللحم، فكان نجسا؛ لأنَّه سلّم أنه يكون في حكم المتولد منه
ولأن التحريم للإهانة له أثرفي النجاسة، كالخمر لَمَّا حرمت للإهانة تنجست، ولمَّا كان له أثرٌ صَح تعليلحرمة الكلب بالنجاسة، إلا أنا نجوز بيعه؛ لأن النجاسة لا تدلُّ على تحريم البيع على أصلنا، فإنَّه يجوز بيع السرجينوالدهن النجس.
ولأن الحزمة ليست بشاملة، فإنَّ الجلد والعظم والشعر والعصب وما لا يُؤكل منه طاهر حلال، فأشبه دهنا ماتت فيه فأرة، فإنه نجس، ويجوز بيعه عندنا، والبيع إنما يحرم بتحريم مطلق لا من وجه دون وجه.
فإن قيل: اللحم حَرُم لا للنجاسة، بل لفساد طبيعي، فإنَّها حيوانات ناهبة، فيتعدى إلى الأكلين، فحرمها الشرع صيانة لنا عن ذلك.
الجزء 1 · صفحة 67
قلنا: وإِنَّا لا نُسلّم لك أنَّ هذا السبب مُحَرِّمُ للأكل حتما إلا بدليل شرعي. على أنَّ هذه عِلَّهُ مَصلحة مطلوبة في العاقبة، وعلل المصالح تجري مجرى الحكمةفيما شرعه الله تعالى بأسبابه لتكون أدلة على صحة الأسباب، ولا تكون بأنفُسها عِلَّةٌ، وهي مما لا يُنال بغالب الرأي، والقياس قول بغالب الرأي. على أنا نقول: الحرمة بما يُذكرمن السبب تُوجِبُ الحرمة بنجاسة ليكون أكد في إيجاب التجنب، كما في الخمر، فإنها حرمت لأنَّها مُفسدة عقولنا بطبعها، فحرمت بنجاسة، فكذلك الكلب.
فأما الجواب عن الاحتجاج بالخبر، فقد مر.
والجواب عن النظر: أنَّ قوله: حيوان لا تأثير له في النجاسة والطهارة، فإنه متنوع، وإنما التأثير لجواز الانتفاع بالجلد، وإنه بدون الحيوان»، يبطل بالميتة، فلعاب الميتة نجس، والانتفاع بجلدها قائم، كما في الذئب والفهد، وهذا لأن الجلد لا يَتَوَلَّد منه اللعاب، وإنما يتولد اللعاب من اللحم، فيجب اعتبار اللعاب باللحم لا بالجلد، وما تصلب منه، ولا يؤكل، فصارت السباع المحرمة بمنزلة الشاة الميتة لا فرق بينهما في التحريم، فيجب أخذ حكم أحدهما من الآخر، لا مما ليس بمحرم.
فأما الفرس، فقد ذكرنا أنَّه حَرامٌأكله لاحترامه عند أبي حنيفة، وقد روي عن أبي حنيفة أن سوره مكروه مثل لحمه.
وأما سؤر الحمار، فهو عندنا في حكم لحمه، ولحمه مشكل، وليس بحرام بات، فكذلك السؤر عندنا، لا نُفَرِّقُ بينهما في حكم التحريم والنجاسة بوجه.
وأما الهر، فكان القياس فيه أن ينجس سؤره، ولكنا تركناه بالنص للضرورة، والمستباح للضرورة دليل على النجاسة بدونها، كالميتة ودم الاستحاضة، لما سقط حكم الحدث عنه للضرورة، علم أنَّه حَدَثُ في غير الضرورة، وتعليلنا لبيان النجاسة لا لبقائها مع الضرورة.
والعبارة المُحَرَّرة للقياس على الموت: أنَّ السبع اسم أوجب تحريم المأكول عادة للإهانة، فيُوجب تحريما بنجاسة قياساً على الموت وتخمر العصير، وذلك لأن التحريم للإهانة يوجب الاجتناب عنه، والنجاسة تؤكد ذلك
ولا يلزم دواب البحرسوى السمك ونحوها؛ لأنها ما كانت تُؤكَلُ عادة للعقلاء قبل الشرع. ولأنا عللنا لتُلْحِقَ اسم السبع بالموت، وفيها التحق الاسم الذي تعلق به التحريم بالموت، فإنَّها لا تنجس
الجزء 1 · صفحة 68
بالموت، فعلم أنها دواب لا تقبل النجاسة شرعاً، وتعليلنا لما يقبل، والعلل المُنَجِّسَة لا تعمل إلا في مَحَالَّها، وما نَحْنُ فيه قابل، فالكلب قد ينجس، وبالموت تنجس السباع كلها، والله أعلم.
|| مسألة، إذا مات في الماء القليل ما ليس له دم سائل لم ينجس الماء.
وقال الشافعي: يُنَجِّس الماء، إلا السَّمَك والجراد، لقول الله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) الآية [المائدة:]، ولم يفصل، فهو على العموم، والتحريم لا للاحترام أو لخوف فساد العاقبة دليل على النجاسة على ما ذكرتم في المسألة الأولى. بخلاف الذئب؛ لأنا حرمنا لخوف فساد في العاقبة على ما مر.
والفقه فيه: أنَّ الموت سببٌ مُنَجِّسٌ شَرعًا كالتَّخَمر، والدليل عليه: أنَّ الشاة طاهرة وتنجس بالموت، وكذلك الآدمي، وكذلك ذبيحة المجوسي نَجَسٌ؛ لأنَّ ذبحه موت حكمًا، وذبيحة المسلم طاهرة؛ لأنه تذكية، وفي حق الشاة لا يقع بينهما فرق.
ولا يلزم السمك والجراد؛ لأنَّ الشَّرع استثناهما بخلاف القياس، فلا يلزم القياس ولا يُقاس عليه غيره.
ولا يلزم جلد الميتة، فإنه نجس، ولكن الشرع جعل الدَّبْغ مُطَهَّرًا، كالخمر، نجس، ويطهر بالتخلل.
ولعلمائنا: ما روى أبو بكر الجصاصبإسنادهعن النبيقال: إذا مات في الإناء ما ليس له دم سائل لم يُفْسِد الماء». وعن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ في الحديث المشهور: «إذا وَقَع الذُّبابُ في طعام أحدكم فامقلوه، فإنَّ بأحد جناحيه داء وبالآخر دَوَاءٌ، وإنَّه لَيُقَدِّم الدَّاء على الدواء»، ومعلوم أنَّ الطعام الحار إذا مُقلَ فيه الذُّباب مات، ولو كان موته يُوجِبُ تنجيسًا لَمَا أَمَرَ بذلك.
وأما الفقه في المسألة، فيبتنى على بيان دليل النجاسة في الشاة الميتة وما له دم سائل، فنقول: إنَّ النَّجاسة تثبت بتحريم الأكل المتعلق بالموت، فإنَّها لو ذُكِّيَت حَلَّتْ، وحرمت بسبب الموت، والله تعالى أضاف التحريم إلى الموت، فقال: حُرمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة:]، ولم يذكر النجاسة، وقد ذكرنا أن التحريم لا للاحترام شرعاً فيما كان يُعتاد أكله، فدل على النجاسة ليكون أدل على الاجتناب الذي يوجب التحريم، وإنَّهكلام معقول المعنى، وما ليس له دم سائل لا ذكاة له، وحُرْمَتُه ليست من قبل الموت، بل بسبب أنها خبيثة أو غير مغذية، كما حَرَّم أكل التراب والحجر، ولا موت فيهما، وإذا لم يُوجب الموتُ التحريم لم يوجب النجاسة، فإنَّها ثبتت صفة للحرمة على ما مر بتوكده، فلا يتصور ثبوته قبله.
الجزء 1 · صفحة 69
والدليل على أن حزمة أكل هذه الحيوانات ليست بالموت: أنَّ حِلَّ الأكل بعد زوال الحياة مُتعلّق بذكاة شرعية، وهذه الحيوانات ليس لها مَذْبَحُ ولا مَحَلُّ الذكاة، فكانت حراماً، لفساد أكلها طبعاً، ألا ترى أن ما يصلح منها نحو السمك والجراد كيف حَلًّا بلا ذكاة؟! والله أعلم.
ووجه آخر: أنَّ الذبح في الشرع مُطَهِّر، والموتَ مُنَجِّسُ ظاهرًا، وَمَتَى عُلِّق الحكم بعينهما لم يكن أمراً معقولاً، ويكون أمرا بخلاف القياس، والنص معلول على وجه موافقة الرأي ما أمكن، فنقول: الذَّبح مُطَهَّر بواسطة إراقة الدماء السَّيَّالة؛ لأنَّه لا يُؤَثّر إلا في إراقة الدماء، ولهذا اختص بعروقنهر الدم، وإليه أشار النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ: «ما أَنهَر الدَّمَ فَكُلْ».
وكذلك ذكاة الاضطرار جعلت بجرح مدم في أصله، حتى لم تكن ذكاة في القرن والظلف؛ لأنَّهما ليسا بمَحَلَّ الدَّم، فيصير مُطَهَّرا بواسطة إراقة الدماء السَّيَّالة، ليصير مُميّزاً بين النجس والطاهر، فلا ينجس الطاهر بالنجس إذا مات وتغيرت أحوال الحياة وذهبت قوى الطبائع، حتى إنَّ ما يَبْقَى من الدماء التي لا تسيل بالتذكية بين اللحم وفي العروق يكون طاهرا ويُؤكل باللحم كذلك.
وكذلك النبي أحَلَّ الكبد والطحال، وهُمَا دَمَانَ؛ لأنَّهما جامِدَان،. فألحقا باللحم، وكذلك الله تعالى يقول: {أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} [الأنعام:]، أثبت الحُرْمَة بصفةِ السَّيلان، ونفى وراءذلك؛ لأنَّه قال: {قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ الآية [الأنعام:]، وهذا كما قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ: في خَمْسٍ من الإبل السائمة شاة)، ولا زكاة في العوامل، فاختص الوجوب بصفة السَّوْم، وكذلك السمك والجراد لم ينجسا بالمَوْت، لأنَّه لا دَمَ فيهما، وكان حال الذبح وغيره فيهما بمنزلة، لوقوع الغنية عن إراقة الدم.
فإن قيل: ذبح المجوسي يُريق الدم ولا يُطَهِّر، وجُرح الصيد في اللحم يُطهر وإن لم يُرِق دَما، وكذلك الأهلي يَحِلُّ بالذَّبح، وإن لم يسل منها دم لعارض.
قلنا: الكلام في الأصل، وهو ذكاة الاختيار، وإنَّه مُرِيقٌ، وربما لا يُريقُ لعارض، فلا يُعتبر، وكذلك الجرح القائم مقام الذكاة للضرورة مدم، إلا أنَّ الدَّم ربما لا يخرج لعارض، فكان يتعذر التقدير بخروج الدم وبكمية الخروج، فعلق الحكم بالسبب المريق وقام مقام العلة تيسيرا.
الجزء 1 · صفحة 70
وأما) ذبح المجوسي، فقد جُعِل غير ذكاة شرعاً، والحكم تعلّق بالسبب المريق، وهو الذكاة الشرعية لا بنفس الإراقة، فسقطت الإراقة ودار الحكم مع سببها تيسيرا علينا، كما قام السَّفَر مقامَ المَشَقَّة، والبلوغ مقام كمال العقل، على ما عُرِفَ في غير موضع.
فإذا صارت الذكاة مُبيحةٌ مُطَهَّرَةٌ؛ لأنَّها سبب إراقة الدماء، وقامت مقامها حكما، صار الموت مُنَجِّسًا؛ لأنه سَبَبُ خَلْطِ الدَّم بغيره بفساد البنية بالموت، وذهاب قوى الطبائع التي كانت تمتاز بقواها في معادنها عن غيرها، فتصير النجاسة معقولةبمجاورة الدماء النجسة، كما صارت الطهارة معقولةبسيلان النجس منها قبل الفساد.
وتبين بهذا أنَّ ما لا دَمَ له فحال الحياة فيه والممات سواء، وحال التذكية وعدم التذكية، ويدلُّ على صحته: فصل جلد الميتة إذا دبغ، على ما ذكرنا في الجواب عن كلماتهفي آخر المسألة.
ولذلك قال علماؤنا: إن دماء هذه الحيوانات التي لا تسيل لا تنجس الثوب، وإن أصابه وكثر منه.
ويدل عليه: أن ضرورة النّاس في غسل مواضع الاستنجاء أسقطت حكم تلك النجاسة حتى عُفِي عن غَسْلِها، وكذلك ضرورة طَوْف الهرة أسقَطَتْ نجاستها، فلأن تُسقط فيما نحن فيه - والضرورة أعم - أولى، فإن ضرورة الناس في موت الذبانفي الأطعمة وديدان الخل في الخل والبعوض في الأواني ضرورة شاملة فوق تلك الضرورات بكثير.
فأما الجواب عن الأول: أن التحريم فيما نحن فيه لأنَّه لا يُتَغَذَّى بها، أو لأنَّها مُستخبئة، فلا يدل يدل على النجاسة كما. كما في حال الحياة. وجلد الميتة لازم فإنَّ الدبغ لا يعمل إلا في إزالة ما تعلَّق به من الدسومة والرطوبات، فعلم أنَّ الطهارة في زوالها، وأن الموت لم يُنجسه بنفسه.
فإن قيل: لو كان الفساد بالمجاورة لكان مالا مُتَقَوماً بنفسه، كالثوب المَمْلُوءِ دما، والدهن النجس بالفأرة عندكم.
قلنا: إِنَّ الجلد بالدسومة التي فيها مما يُتَغَذَّى به ويُؤكل، ألا يُرَى أَنَّه مأكول من الطيور والحَمَلِ الحَنيذ، فينجس من الطريقيناللذين ينجس بهما اللحم؛ لأنه مأكول خلقةً في الأصل، ثم فارَقَهُ في الطهارة بالدبغ؛ لأنَّ اللَّحم عينه مأكول وقد حرم، فلا يتصور الإزالة عنه، والجلد مأكول بغيره، وهو اتصال الدسومات به خلقة، فقبل إزالة العينعنه بالدبغ، فَيَبْقَى غير مأكول ما بَقِيَ منه صافيا عن رطوبات الدِّمَاء السَّيَّالة النَّجِسَة، فقبل التطهير، إلا أن الاتصال لما كان خِلقَةٌ جُعل ذلك أصلا والتحق باللحم لا بما
الجزء 1 · صفحة 71
ينجس بمجاور طار. ثم لما قبل الفَصْلَ اعتبر بالثوب يُغسل في قبول الطهارة، وكانت بزوال مجاور لا بتبدل العين في نفسه أو تَغَيَّر صفته، فعلم أن عينه لم تنجس بالموت، بخلاف الخمر؛. لأنها تنجس بالشدة، وذلك صفةٌ وحال منها لا غيرهجاوَرَه، وَإِذَا حَمُضَ بالتخلل تبدل الوصف منه، لا إن زَال منه بَعْضُه، فلم يكن بمجاور ثبوتا ولا زوالا، والجلد طهر بمجاور زَالَ عنه، فعلمناإِنَّ النَّجاسة بالموت بسبب مجاور نجس أو تحريم أكل لا بنفسه، والله أعلم.
وقدقال علماؤنا الله في وَدَك الميتة يختلط بودكِ الذكية ـ والميتة غالب ـ: لا يجوز بيعه وإن تنجس بمجاور، وكان الجلد بتلك المنزلة قبل الدبغ.
ولهذاقال علماؤنا: إنَّ كلَّ حيوان دمه ليس بسائل لا يُنَجِّسُ الثَّوب، وإن زاد على قَدْرِ الدَّرْهم.
ولهذاالمعنى قلنا: إِنَّ صُوفَ الميتة وشَعرَها وَعَظمَها وعَصَبها طاهر، ولو وقع في الماء لم ينجسه. وقال الشافعي: نجس، لقول الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة:]، وقال النبي: لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب. . وقياساً على شعر الخنزير.
والمعنى فيه أنه جزء نام بحياة الأصل، فينجس بالموت، قياسا على الأذن وسائر الأطراف، وهذا لِمَا مَرَّ أَنَّ موت الحَيِّ مُنَجِّسُ بنفسه، وجُعِلَ النُّمو بحياة الحي دلالةعلى الحياة، كما في اللحم.
ولأنه لا إشكال في حياة العصب والعظام الداخلة أنها حيَّةٌ، فقوام الصورة بها أكثر من قوامها باللحم. وكذلك الحَيُّ يتألم بما يُصيب العصب والعظم، والألم دلالة على الحياة، والله تعالى يقول: {قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةً} [يس:]، وكذلك السِّنُّ عَظمُ ويبعج] ظاهرا من الإنسان.
ولا يلزم البيضة، فإنَّها لا تنجس بموت الطير؛ لأنا قلنا: وجب أن ينجس بالموت، وموت البيضة ليس بموت الأصل، بل بأن لا تنمو ولا تنقلب فَرْحًا، فحياتها بعاقبتها، ألا ترى أنَّ المُحْرِمَ إِذا كَسَرَبيض الصيد ضَمِنَ الجزاء؟! لأنه في حكم الحي، ولو أكل صيدا مذبوحاً لم يَضْمَن شيئًا، أو باع ذلك الصيد؛ لأنه ميت.
ولا يَلزَمُ إِذا جَنَّ الصُّوف أو قَطَع القَرْن في حال حياة الأصل، فإنَّه لا ينجس؛ لأن الإزالة عن الأصل أو الزوال بنفسه جعل بمنزلة الذكاة في حقالشعر بالشرع؛ لأنه يُنتفع به هكذا، كما جعل موتُ
الجزء 1 · صفحة 72
السَّمَكَ ذَكَاةٌ شَرْعًا، وإنما موت الشعر والصوف والقرْن بموت الأصل، وهي متصلة به كسائر أجزائها.
ولعلمائنا: ما رُوِيَ عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ أَنه مَرَّ بشاةِ ميمونة وهي ميتة، فقال: «هلا انتفعتُم بإهابها؟! فقالوا: إنَّها ميتة، فقال: «إنما حَرُمَ من المَيْتة أكلها، وإنه حديث مشهور، وقد ورد لبيان ما حرم من الميتة دون ما لم يَحْرُم؛ لأنَّ «إنما لإثبات المذكور ونفي ما عداه، ولهذا المعنى استعملها رسول الله.
والمعنى فيه: ما مرَّ أنَّ الموت لا يُنجس بنفسه، ولكن بأحد شيئين: إما بتحريم متعلق به، وإنما تعلَّق به تحريمالأكل. وهذه الأشياء غير مأكولة لفسادها لا لموتها على ما مر.
أو باتصال الرطوبات النجسة والدماء السَّيَّالة بالجامد منها. والعصب شيء صقيل لا يتعلق به منها شيء، فلا ينجس، لعدم العلة، ويكون كالجلد بعد الدبغ، والشعر والقَرْن ماتعلق بهما شيء من الرطوبات معاينة.
فإن قيل: شعر الآدمي ينجس بالموت.
قلنا: لا كذلك، وقد روى أبو الحسن الكرخي عن أصحابنا أن شعر الآدمي طاهر حيا وميتا، وهو الصحيح، فمُحالٌ أن لا ينجس شعر الكلب وينجس شعر الآدمي، لكن لا ينتفع بشعر الآدمي احتراما له، كما لا يُنتفع به إذا خُلِقَ عن الحي.
أو نقول: إن سلمنا لكم النجاسة بالموت فلا تسلّم لكم موت الشعر، والموتُ إِنَّما يَحُلُّ الحيَّ، والشعر لم تكن به حياة، وكذلك القرن، بدلالة أنَّ الحي لا يتألم بقطعه إذا لم يتصل أثر الفعل باللحم نحو قص الظُّفُر وتقصير طَرَفٍ من الشعر، بمنزلة جلدة تموت من الآدمي فلا يتألم بقَشْرِها، وكذلك طَرَفٌ من اللحم يموتُ فلا يتألم بقطعه ما لم يتصل بالحي منه.
فثبت أنه لا بد له من جزء حي من الحي، والنمو لا الألم في قطع. يدل على الحياة الحقيقية، كنمو النبات، بل الدليل على الحياة نمو الشيء بنفسه، كالحيوانات تنمو منفصلة عن محالها التي تنبت فيها، والشعر والقرن ينموانبمحل النبات منه كسائر النبات من الأرض، فيدل مثل هذا النماء على عدم الحياة حقيقة.
ولا يلزم اليد، فإنها تنمو بالاتصال بالجملة؛ لأن اليد من الحي في أصل الخلقة، لا شيء ينبت من الحي، فأما القرن والشعر فمما ينبت من الحي. وهذه الطريقة لا تجيء في العصب.
الجزء 1 · صفحة 73
فأما الأسنان، فمن الأطباء من قال: إنَّها عَصَبٌ، ولهذا تألمت. ومنهم من قال: إنَّها عظم، وتألم الحي باتصال أثر العظم باللثة؛ لأنَّ الريح تُحَرِّكُ السِّنَّ فتعج] منه اللثة. والطريقة الأولى أقرب إلى باب الفقه وصناعة الفقهاء.
فأما الجواب عن الأول، فإنَّ النبي فسر بأن الحرام هو الأكل، ولما ذكرناه أن هذه الشعور تظهر بدبغ الجلد، وكذلك العظم بدبغ مثله، ولو تنجس العين لما طهر إلا يتبدل العين.
فثبت أن النجاسة كانت مجاورة فزالت بالدبغ، ولا يتصور في الشعر عين مجاوِرُعُرِفَ نجسا يزول بالدبغ، وإنما يُعرف ذلك في الجلد.
والجواب عن الثاني: أنه لو صح لقيل به، وكيف يصح وهو يقولفي شاة ميمونة: «هلا انتفعتم بإهابها؟!»، ثُمَّ يُعلل لذلكبقوله: «إنما حَرُم من الميتة أكلها»؟! والله أعلم.
|| مسألة، جُلود السباع التي لا يُؤكل لحمها وتطهر بالدبغ، تطهر كذلك بالذكاة.
وقال الشافعي: لا تطهر؛ لأنَّ هذه ذكاة لم تُفد حِلَّا فلا تفيد طهرا، قياساً على ذكاة المجوسي.
ولأن الجلد تبع للحم، وهذا لما ذكرنا أنَّ النجاسة مع الحرمة والطهارة مع الحل.
ولعلمائنا]: ما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (دباغ الأديم ذكاته»، فمثل الدباغ بالذكاة في إفادة الظهر، فعلم أن الذكاة أقوى من الدبغ في ذلك الحكم.
فإن قيل: ذكاته في طهارته.
قلنا: الذكاة على الحقيقة اسم لقطع مخصوص في اللغة، و، وإنما الطهارة حكم الذكاة، ولو أريد بها حكمها كان مجازا، والكلام لحقيقتهحتى يقوم دليل المجاز.
والمعنى فيه يُحَقِّقُ تمثيل رسول الله، وذلك لأنه حيوان منتفع بجلده مدبوغا، فكذلك مُذَكِّى، قياساً على الشاة والفرس، وذلك لِمَا ذكرنا أنَّ الدَّبغ إنَّما أفاد الظهر من حيث إزالة الرطوبات والدماء السيالة النجسة عنه، والذبح في تسييل ما هو نجس بمنزلة الدبغ بل فوقه؛ لأنَّ الدبغ يُزيل بعد الاتصال، والذبح يمنع الاتصال.، فإن الاتصال بعد فساد البنية بالموت، فأما قبل ا الموت، فكل شيء منه يكون في محله ومَعْدِنه المخلوق له، بينه وبين غيره حاجز على ما خلق الله تعالى، كما خلقبين الفَرْث والدم وبين اللبن حاجزا حتى يخرج طاهرا.
الجزء 1 · صفحة 74
فإن قيل: الجلد يكون متصلا باللحم، واللحم نجس، فكيف يكون الجلد طاهرا؟!
قلنا: من مشايخنا من يقول: اللحم طاهر وإن لم يَحِلَّالأكل. ومنهم من يقول: نجس،، وهو الصحيح عندنا لِمَا مَرَّ أَنَّ الحُرمة في مثله تدلُّ على النجاسة. ولكن نقول: بين اللحم والجلد جلدة رقيقةٌ تمنع مُماسة اللحم الجِلْدَ الغليظ فلا ينجس.
والجواب عن الأول: إنَّ هذه الذكاة أفادت حِلًّا حيث أفادت طهرا، فالعين إنما يُوصَفُبالحلّ على حلّ استعماله من حيث يصلح له، وقد حَلَّ بالذبح استعمال الجلد كما يَحِلُّ بالدَّبغ، وإنما لم يُفد حِلَّ اللحم، فلا جَرَم لم يفد طهارة اللحم. ولأنَّ هذا الحيوان كان حلال الانتفاع به، ما يُستفاد الحِلُّ بالذكاة، لكنَّها تمنع التنجس الذي كان يحصل بالموت، فيبقى طاهرا منتفعا به، كما كان حال الحياة، بخلاف ذكاة المجوسي، فإنَّها بالشرع جعلت ميتةً لِمَا مَرَّ من قبل، فلا تفيد أحكام الذكاة شرعاً، وإن تحققت حيًّا.
فإن قيل: هاهنا كذلك؛ لأن ذكاة المجوسي انعدمتحكما؛ لأنَّ الفاعل ليس من أهلها شرعاً، وهاهنا المُذكَّى ليس بمحل الذكاة شرعاً، وكما ينعدم السبب الشرعي بانعدام الفاعل شرعاً، فكذلك ينعدم بانعدام المحل شرعاً.
قلنا: وهل النزاع إلا فيه؟! فإن الذئب محل للذكاة الشرعية عندنا.
فإن قيل: محل الذكاة المأكولات، فإنَّه شَرْطُ تعلق حل الأكل به.
قلنا: لا، بل تعلق بها حكم الأكل وحلُّ الانتفاع بالجلد، فلا يخرج عن المحلية إلا بحرمتهما جميعاً، فأما إذا بقي الجلد حلالا بقي الأصل محلا للذكاة؛ لأن فوات المحلية لا يتصور فيه حكم ذلك السبب أصلا، وأما إذا تُصوّر من وجه كان محلا لذلك الوجه.
فإن قيل: الجلد تبع للأكل.
قلنا: لا كذلك في حق الانتفاع بعد الموت، فإنَّه يُسلخ عن اللحم، وينتفع بكل واحد منهما بلا تعلق بالآخر، وجنس منفعة أحدهما لا يوجد في الآخر، فكانا أصلين، والزَّكاةُ مشروعة لمنفعة بعد الموت لا حال الحياة، وكذلك الشاةُ الميتة يُنتفع بجلدها بدبغ، ولا ينتفع بلحمها، فكذلك فيما نحن فيه، والله أعلم.
فصل
الجزء 1 · صفحة 75
ولهذا قلنا: جلد الكلب يطهر بالدبغ عندنا. وعند الشافعي: لا يطهر؛ لأن عينه حرام كالخنزير.
وعندنا عينه ليس بحرام كالخنزير، بل هو كالفهد، حتى جوزنا بيعه، والمسألة مذكورة في البيوع.
ولأن الميتة أشدُّ منه حُرمَةٌ، فإنَّ الكلب مما ينتفع به، والميتة لاينتفع بها كذلك بوجه، ثمَّجلد الميتة يطهر بالدبغ، فجلد الكلب أولى.
وقد قال بعض مشايخنا: إن جلد الخنزير إنما لا يطهر بالدبغ لأنه لا يندبغ؛ لأن شعره ينبت من لحمه. وقال بعضهم: لا يطهر وإناندبغ؛ لأنَّ عينه مُحرَّم شرعاً، كالخمر، حتى لم يحل بيعه ولا الانتفاع به بوجه من الوجوه.
بخلاف الميتة، فإن الميتة كان يحلالانتفاع بها قبل الموت، وإنما حرمت من قبل غلبة النجاسة المجاورة، كودك الميتة يغلب على الحلال منه، فكان حراماً بغيره لا بنفسه، فقبل الطهارة بالإزالة إذا أمكن الإزالة. ألا ترى أنا أبحناالانتفاع بشعر الميتة دون الخنزير؟! فعلى هذا الأصل لا تُخَرَّجُ المسألة إلا بناء على جواز بيع الكلب.
وإن شئت احتججت بقول النبي صلى الله عَلَيْهِ: «أَيُّما إهابٍ دُبغ فقد طهر»، ولم يفصل.
والمعنى فيه: وهو أنه حيوان يجوز الانتفاع به حيًّا فيطهر جلده ميتة بالدبغ، ما قلنا؛ لأن جواز الانتفاع به. وتحقيقه يرجع إلى قياساً على الفهد والشاة، الحياة دليل على أن العين ليس بنجس. حالة
ولا يلزم الآدمي؛ لأنَّ جلده إن احتمل الدباغ طهر، ولكن لا يحِلُّ سَلْخُه ولا دبغُه ولا ابتذاله، احتراما له، كما قلنا في شعره، والله أعلم.
|| مسألة، جلد الميتة يطهر بالدبغ.
وقال بعض الناس: لا يطهر، لقول الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة:]. وقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ: لا تنتفعوا من المَيْتَة بإهاب ولا عَصَبٍ).
ولأن العين يحرم بالموت كُلَّه؛ الجلد واللحم، بدلالة أنه لا يجوز بيعه، كالخمر، ولا يطهر بإزالة عين منها، والدبغ يُزيل عينا كان متصلا به، ونظيره: جلد الخنزير.
الجزء 1 · صفحة 76
ولنا: ما روي عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ أَنَّه قال: «أيما إهاب دبغ فقد طهر، ولم يفصل. وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ: دباغ الأديم ذكاته»، وجلد الأديم يطهر بالذكاة، فكذلك بالدباغ. وقال في شاة ميمونة: «هلا انتفعتُم بإهابها؟!»، فقيل: إنَّها ميتة، فقال: «إنَّما يَحْرُم من الميتة أكلها»، فهذا نص يقطع كل شبهة.
والمعنى فيه: ما ذكرناأنَّ النجاسة غير متعلقة بالموت نفسه، بل بموت محرم للأكل، والجلد على ما يبقى بعد الدبغغير مأكول، فلا تكون حرمته بالموت، بل بواسطة الرطوبات النجسة المتصلة به، والدبغ يُزيلها لا محالة، فيصير كالذبح الذي يُزيلتلك الدِّمَاءَ السَّيِّالة ويمنع اتصال آثارها بالجلد.
فأما الجواب عن الأول: فما أجبنا في المسألة الأولى.
وكذلك الجواب عن الخبر، على أن المذكور فيه: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب»، والإهاب اسم لجلد لم يُدبغ، ولا يجوز الانتفاع به من الميتة، بخلاف الذكية
وعن المعنى: ما مر من قبل أنَّ النَّجاسة سبب اتصال النجس بالجلد، لا بسبب العين، غير أنَّ الغَلَبَة لما كانت للنجاسة سقط حكم المالية المتعلقة بالحلال فيه، كودك الذكية اختلط به وَدَكالميتة وغلب عليه، والله أعلم بالصواب.
|| مسألة، إذا جُبر الكسر بعظم نجس لم يجب كسره ونزعه.
وقال الشافعي: يُكسر ويُخرج، إلا أن يخاف تلفًا، فله فيه قولان؛ لأن النجس يجب إزالته ما أمكن.
إلا أنا نقول: لما صار باطنا خلقة سقط حكم نجاسته، كما سقط عن الدم والروث. ولأنَّ في إخراجه حَرَجًا وإفساد لحم، فتسقط إزالته، كما إذا كان على الجرح دم أو قيح، ولا يُمكن غسله إلا بإفساد اللحم، والله أعلم.
| مسألة، قال أصحابنا: إنفحةالميتة طاهرة إذا كانت الإنفحة صلبة.
وقال الشافعي: نجسة .. . وهي مسألة العظم والعصب.
وأما إذا كانت الإنفَحَةُ مائِعَةٌ، فكذلك طاهرة عند أبي حنيفة. وعندهما نجسة. واللبن يجريعلى هذا القياس.
فالدليل لهما: أنَّالشاة تنجست بالموت، فيتنجس ما فيها من شيء غيرهابتنجس الوعاء، كما لو جُعِل في إناء نجس رطب؛ إن كان مائعا تنجس كله، وإن كان صلبا تنجس ظاهره، وكما تنجس الجلد بالموت
الجزء 1 · صفحة 77
بسبب اتصال ما تنجس بالموت به لا بعينه، على ما مر، بخلاف حالة الحياة، فإنَّ اللبن وإن كان يخرج من بين فرث ودم، فيخرج من غير مخرج الفرث والدم، وبين المخارج حاجز، إلا أن ذلك الحاجز تنجس بالموت، وحال الحياة يكون على الطهارة كسائر أجزاء الشاة، من اللحم واللعاب وغيرهما.
الطهارة كسائر أجزاء الشاة، من اللحم واللعاب وغيرهما. ولا معنى لقولكم: «إنَّ الشيء ما دام في مَعْدِنِه لا يُعطى له حكم النجاسة كالبيضة المدرةنجس ما فيها، ويجوز معها الصلاة»؛ لأنها مسألة في غير رواية الأصول. ولأنَّ النجاسة إذا كانت باطنة خلقة سقطحكمها ما لم تظهر، ليكون التكليف بقدر الوسع، كالدم في عرقه والبول في مَعْدِنه؛ لأنَّ الباطن من النجاسات في ذواتها طاهرة، وكلامنا بعد الظهور.
وعن ابن عمر أنَّه سُئل عن طعام المجوس، فقال: «لا بأس»، فقيل: إنَّهم يصنعونفيه إنفَحَةَ المَيْتة؟! فقال: «لا تأكل إذا».
ولنا: ما روي عن عمرو بن شُرَحْبيل أنَّه قال: تذاكرنا طعاما عند عمر يصنعه المجوس، يجعلون فيه إنفحة الميتة، فقال: «سَمُّوا أنتم وكلوا».
وأما ابن عمر، فيحتمل أنه نهى للتقدر، فإنَّه كان في غاية التقذر.
إلا أنهما يقولان لو كان كذلك لنهى بصنعة المجوس نفسها قبل ذكر الإنفحة. والظاهر أن المسألة على الاختلاف.
والمعنى لأبي حنيفة: أنَّ المني طاهر على أصل الشافعي، ويخرج من مخرج البول، وكذلك البيضة، وتخرج من مخرج الخُرْء، وعندنا المني يطهر بالفرك، فلو حكم بنجاسته من طريق الممر بنجاسة البول لما طهر بالفرك، كما لو وقع في إناء نجس بالبول ثم أصاب الثوب، لم يطهر بالفرك. فعلم أن الباطن لا ينجس حكما بمرور النجاسات عليه تيسيراً علينا، وكذلك اللبن يخرج من بين فرث ودم، وحين الانقلاب لا ندري حاجزاً بينهما، وإذا كان كذلك صار الحال بعد الموت وقبله سواء في النجاسة، فلا يختلف الحكم.
وكلامهما أرجح وأظهر، لما ذكرنا أن حال الموت ليس بقياس على حال الحياة، والله أعلم.
|| مسألة، المني نجس أم طاهر؟! قد مرت في مسائل الأسباب.
الجزء 1 · صفحة 78
|| مسألة، بول ما يُؤكل لحمه نجس عند أبي حنيفة وأبي يوسف نجاسة خفيفة، إلا أن أبا يوسف يُجَوِّزشربه للتداوي دون أبي حنيفة.
وقال محمد: هو طاهر؛ لأنَّرَهْطا من عُرينة أسلموا وأقاموا بالمدينة، فاجتووها، فاصفرت ألوانهم وانتفخت بطونهم، فأمرهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ أن يخرجوا إلى إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصحوا، فمالوا إلى الرعاة فقتلوهم واستاقوا إبل الصدقة، فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - في طلبهم فأخذوا، فَسَمَلَ رسول الله أعينهم وقطع أيديهم وأرجلهم، وتركهم بالحرة حتى ماتوا. والاستشفاءبالمحرم باطل، فعلمأنها طاهرة.
إلا أنا نحتج بما رُوي عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ أَنَّه قال لعمار بن ياسر: «إنما يُغسل الثوبُ من خمس، وذَكَرَ فيها البول، ولم يفصل. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: استنزهوا من البول، فإنَّ عامة عذاب القبر منه)، ولم يفصل.
ولأن البول أحد فضول ما خَبث من الغذاء، فيكون نجسا، كالجامد منه، وكبول ما لا يؤكل لحمه، وبول الآدمي، فإنّه أطهر الحيوانات، وإنما لم يؤكل لحمه احتراما له وكرامة، وهذا لِمَا مَرَّ من قبل أنَّما يُحيله الطبع. إلى فساد ينجس، كالدماء والغائط، وما يُحيله إلى صلاح لا ينجس، كالبيضة والولد والعسل واللبن ونحوها. وهذا هو القياس الصحيح.
إلا أن محمداً ترك ذلك بالنص، وليس فيه دليل، فإن الاستشفاءبالحرام جائز إذا تيقن الشفاء فيه، كما يحلُّ أكل الميتة عند الضرورة.
ويحتمل أن رسول اللهعلم من طريق الوحي شفائهم فيه، ولهذا أباح أبو يوسف التداوي به، وحَرَّمَهُ أبو حنيفة؛ لأنَّا لا نعلمشفاء غيرهم في البول كما عرفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
|| مسألة، خُرْء ما يُؤكل لحمه من الطيور طاهر عند علمائنا، إلا خُرْء الدجاج والبط.
وقال الشافعي: نجس، لهذا الأصل الذي قلناه، وهو أنه مما أحاله الطبعإلى فساد، وقياساً على خُرْء الدجاج والبط.
ومذهبنا مذهب عبد الله بن مسعود مسعود، وعبد الله بن عمرو. وعادة المسلمين من اقتناء الحمامات في المساجد بلا إنكار دليل على الطهارة.
الجزء 1 · صفحة 79
ولأنَّها تَدْرُقُ من الهواء، ويكون بين الناس، فيتعذر الاحتراز عنه، فسقط حكم نجاسته بالضرورة، كما في الهر، بخلاف الدجاج؛ لأنَّها لا تذرُق من الهواء، فيمكن الاحتراز عنه، وكذلك البط، والله أعلم.
|| مسألة، وأما ما لا يؤكل لحمه من الطيور، فكذلك عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقال محمد نجس؛ لأنها لا تخالطنا، فلا ضرورة في الاحتراز عنها، فكانت فيالحمام والعصافير كالكلب من الهر.
ولأنَّ خُرْءَها أخبث من خُرء ما يُؤكل لحمه، وللخبث أثر في النجاسة، فإن عفي عن القليل لم يدل على العفو عن الكثير، ألا ترى أنَّه لم يُعف عن خُرء الدجاج والبط لخبثهما؟!
إلا أنهما يقولان: هي مما يذْرُقُ من الهواء، فكانت من جنس ما لا يمكن الاحتراز عنه، وإن كانت، تقل، ألا ترى أنَّ الهرة سؤرها طاهر وإن كانت من جنس ما لا يألفنا؟! لأنها في الأصل تصيد الفأرة في البيوت، وإن كانت تهربمن الآدمي فيقل وجودها مع الآدمي.
ولكل وجه حَسَن، والأقوال متقاربة، والله أعلم.
ثم خفة النجاسة وغلَظُها لا [يظهر] فيما يقع في الماء، وإنما [يظهر] فيما يصيب الثوب، وسنذكر ذلك في مسائل الطهارة عن النجاسات الحقيقية إن شاء الله تعالى.
واعلمبأن هذه المسائل من باب النجاسات الحقيقية، لا من باب الحدث، لكنا احتجنا إلى بعضها لبيان الماء الطهور عن غيره، وجمعنا إليه ما يجانسه، كَيْلا ينتشر الكلام، والله أ أعلم.
| مسألة، البئر إذا ماتت فيها فأرة، وانفصل الدلو الأخير عن وجه الماء، فتوضأ بالماء إنسان، لم يجز عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقال محمد: يجوز؛ لأنَّ الدَّلو لما انفصل - وهو مَعْدِن النجس، والبئر معدن الطاهر - وقع التمييز بين النجس والطاهر، فيطهر ماء البئر، ألا ترى أنه يطهر بالفضل عن البئر وما فيه إلا قطرات تعود من الدلو إلى البئر؟! ولا يجوز أن يتعلق الطهر بها؛ لأنها نجسة حكماً، ولكن للضرورة سقطت العبرة.
فأما ما دام الدلو في الماء فهو تبع بحكم الاتصال، فلا يعتبر فاصلا، ألا يرى أن ماء البئر قد يعود إليه، وما فيه يعود إلى البئر ما دام في البئر، ولا يقع الانفصال حقيقة؟!
الجزء 1 · صفحة 80
إلا أنا نقول: ما دام في البئر فهو متصل حكما؛ لأنَّ ما في الدلو - من القطرات التي تعود إلى البئر من ماء البئر - طاهر، ولهذا لا ينجس البئر، فلا يقع الفصل حكماً إلا بالانفصال عن البئر، حتى لو عاد بعد الانفصال عن البئر إليها شيء تنجس، ولزمه نزحه ثانيا.
فمحمد أثبت الفصل بالطاهر، وأسقط حكم النجاسة عن القطرات بالضرورة. ونحن أثبتنا الوَصْل باتصال القطرات بماء الدلو، وهو من ماء البئر حكما، وأسقطنا حكم انفصال الدلو بحكم اتصال القطرات، وهو أولى؛ لأنا نحتاج إلى التمييز بين المائين، لا بين الظرف عن الماء، والله أعلم.
|| مسألة، تحديد الماء الكثير:
قال علماؤنا في روايات (المبسوط: الماء الكثير الذي لا ينجس بالاستعمال ويصير كالجاري، هو الذي لا يَخْلُصُ بعضُه إلى بعض [
يعنون: بحركة الاستعمال، لا بطبعه، فإنَّ الماء مائعُ سَيَّالٌ يَخْلُصُ بعضه إلى بعض وإن كثر، وكذلك الماء الجاري، هو أسرع خُلُوصًا بعضه إلى بعض من الدائم.
وذكر الحاكم الشهيد أبو الفضلصاحب «المختصر»، أنَّ محمداً كان يَحُدُّ بالعشر في العشر، ثُمَّ رجع إلى قول أبي حنيفة.
وقال الشافعي: حد الكثير القلتان، وهما جَرَّتان من جِرارِ هَجَر؛ تَسَعُ خمس قرب وشيئا، يبلغ ذلك بالحزر: خمسمئة رطل، فإذا بلغ هذا القدر، لم ينجس ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه، وكان كالماء الجاري.
وقال مالك: لا حد لكثرة الماء، وأنه لا ينجس وإن قل، ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه.
واحتج بما روي عن النبي: المَاء طَهُورٌ لا يُنَجِّسُه شَيْءٌ إلا ما غَيَّر لونه أو طعمه أو ريحه)، وهذا لأنا لو قلنا: إنَّ الماء ينجس بملاقاةالنجاسة ما أمكن: تطهير شيء أبدا، فإنه ينجس كما يلاقي النجاسة، ثمّ ا النجس لا يفيد طهارة، فثبت أنه لا ينجس حكمًا، لِيُقْدَرَ على التطهير به تيسيرا من الله، إلا أن يصير مغلوباً بالنجاسة، وذلك بتغير اللون أو الطعم أو الريح، كما لو خالطه لبن.
وكما نقول نحن في الماء الجاري، فإنّه لا يجوز استعماله حيث ترى فيه النجاسة، أو يوجد طعمها أو ريحها أو لونها، فإن هذه المعاني تدل على قيام عين النجاسة، والماء وإن لم ينجس بالنجاسة، فالنجاسة
الجزء 1 · صفحة 81
بعينها لا تطهر بالماء إلا أن تتلاشى، فسقط حكمها دفعاً للحرج، إذ لو لم يسقط لتنجست المياه كلها، وما أمكن تطهير شيء.
وأما عامة العلماء، فإنَّهم احتجوا بما روي عن النبي] أنَّه قال: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسيده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنَّه لا يدري أين باتت يده»، ولو كان الماء لا ينجس بالغَمْسلم يكن لهذا النهي والاحتياط - لوهم النجاسة - معنى. وكذلك الأخبار وردت مستفيضة في الأمر بغسل الإناء عن ولوغ الكلب، وإنَّه لا يُغَيّر طعما ولا لونا ولا ريحاً، وسنذكرها مع الشافعي في باب الطهارة عن النجاسات الحقيقية.
وكذلك الأخبار التي نذكرهافي الخلاف بيننا وبين الشافعي في بيان حد الكثرة حجة على مالك.
وكان خبرهم محمولاً على الماء الكثير، والقياس الصحيح دليل عليه؛ لأن الماء لا قدرة به على قلب النجاسة طهارة، فإن تبديل الأحكام إلى الله، وما هو في مجاورة نجاسة تقع فيه إلا كالخل وسائر المائعات، وإذا لم تنقلب النجاسة طهارة ـ وقد جاورت الماء - لا بد أن ينجس، كالخل وماء الورد، والثوب تُصيبه نجاسة، إلا أنا تركنا القياس إذا استعمل الماء للتطهير ما دام على العين النجس، ضرورة، ليمكننا التطهير الذي جاء التكليف به، وهذه الضرورة ترتفع بترك هذا [ه] القياس حال الاستعمال، فأما إذا زايل العضو أو العين النجس فإنَّه يُجعل الزائل نجسا، وكذلك إذا لم يُحتج إلى التطهير، فإن وقعت نجاسة في ماء فيعود حكم القياس. وكذلك القياس كان يُوجب النجاسة، وإن كثر الماء، إلا أنا تركنا ذلك، إذ لو قلنا به لما بقي ماء طاهر، فلا يمكن التطهير، ولما زالت الضرورة بكثير الماء، وباستثناء حال الاستعمال، وجب القول بالقياس وراء ذلك.
فَصل
وأما الشافعي، فإنَّه يحتج بما رُوي عن النبي أنَّه قال: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحتملخَبَثًا»، وكان معروفًا عندهم قِلالُ هَجَرٍ».
ولأنه لا يجوز أن يُحمل على قلل الجبال؛ لأنه حكاية لطوفان نوح، فلا يكون ذلك. ولا على قلل الرجال، وهي هاماتهم؛ لأنَّ المَاء لا يُحَدُّ بهامَتي الرَّجُلين، فإن هامة الواحد والاثنينسواء في ذلك. ولأنه حينئذ يقال: «إذا بلغ الماء قامة رَجُلٍ. فلم يبق إلا الجَرَّتان، فوضعناه على المتعارف، أو أعظم جَرَّة، وهي جرار هجر.
الجزء 1 · صفحة 82
ولأن المذهب عندكم أن لا عبرة لعمق الماء في حد الكثرة، وإنما العبرة للعرض، وهامة الرجل ورأس الجبل يُنبئ عن العمق.
ولأنه لما ثبت أن قليل الماء ينجس بالنجاسة، وكثيره لا ينجس، لم يكن بد من تحديد بينهما، فاتبعنا الشرع
ولحكمة أن الماء القليل يُتَحَفَّظُفي الأواني، فيقع بها الاحتراز عن النجاسات، ولا تقع فيها إلا بتفريط صاحبهافي الحفظ، أو قصده، فلا يصير معذورا، والكثير لا يُمكن حفظه في الأواني، وتُصيبه النجاسات بريح تهب بنجاسة فتقع فيه، أو طائر، أو كلب يلغ، فلو قيل بأنها تنجس لحرج الناس في ذلك، فجعل الحد قلتين؛ لأنه إذا بلغ هذا القدر لم يمكنحفظه في الأواني والظروف عادةً، فقَدر خمس قِرَب وزيادةلا توجد في البيوت مُحْرزَةٌ عادةً.
قالوا: وقولكم: «لا يَخْلُصُ بعضه إلى بعض، ساقط من حيث طبع الماء؛ لأنَّه يَخْلُصُ وإن كثر، وكذلك بحركة الاستعمال؛ لأنَّ الماء البسيط إذا حُرِّكَ منه جانب تحرَّك لا محالة الجانب الآخر، إلا أن يغيب عن مَدَّ البَصَر فلا يُرَى.
ولأن قدر ما لا يتحرك قلَّ ما يُوجَد، فإنَّ الآبار والحياض بين الناس مما يتحرك بتحريك المستعمل، فلو قيل بنجاستها وجعلت مياهها قليلة لصاق الأمر على الناس، فإنَّه يَنُوبُها الكلاب ويُعتَرَفُ منها بأيد نجسة ويقع فيها الصبيان وعامة الناس، وليس كل إنسان يجد إناء، وما ضاق على الناس سقط عنه حكم القياس.
ويدلُّ عليه: ما رُوي عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ أَنَّه سُئل عن بئر بضاعة وما يُلْقَى فيها من الجيف والمحايض؟! فقال: المَاءُ طَهُورٌ لا يُنَجِّسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه) (
ولعلمائنا: ما رُوي عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ أَنَّه قال: «لا يَبُولَنَّ أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من. جنابة)، ومطلق النهي يُوجب التحريم وفساد الفعل شرعاً، على ما عُرف في موضعه، خاصةً على أصل الشافعي، ولا فصل في الحديث بين دائم ودائم،، فهو على العموم، إلا أن يصير في حكم الجاري، كالبحر، وما لا يَخْلُصُ بعضه إلى بعض، على ما نقول نحن.
ولأن الماء الذي يُغتسل فيه عادة حتى يُحتاج فيه إلى النهي لا بد أن يكون أكثر من قلتين، فأما القليل فلا يغتسل فيه عادة، بل يغترف منه.
الجزء 1 · صفحة 83
وهذا حديث مقبول معمول به بالإجماع، فيصير أولى من أخبارهم التي اختلف في قبولها والعمل بها، على ما نذكر أن عامة الصحابة والعلماء لم يأخذوا به.
ورَوَى أستاذنا القاضي أبو جعفر محمد بن عمرو، عن أستاذه الشيخ أبي بكر محمد بن الفضل، بإسناده، عن أنس بن مالك لله، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ أَنَّه قال في الفأرة تموت في البئر: إنَّه يُنزح منها عشرون دلوا أو ثلاثون، وقد. يُروى موقوفاً عن أنس، وأنه كالمرفوع؛ لأنه لا يُعرف قياسا، وماء البئر يكون أكثر من قلتين. ولأنَّ النبي لم يفصل.
وعن عبد الله بن عباس.،وابن الزبير، أنهما سئلا. عن زنجي مات في بئر زمزم، فأمرا بنزح ماء البئر كله، وماء زمزم كثير يُربي على القلال. وعن ابن عباس قال: «إنما ينجس الحوض أن تقع فيه وأنت جُنُب)، ولم يفصل.
وعن عمر وعمرو بن العاص لا أنهما وردا حوضا، فقال عمرو: «يا صاحب الحوض، أيرِدُ حوضك السباع؟! فقال عمر: «يا صاحب الحوض، لا تخبرنا. وماء الحوض الذي يبقى لورود السباع يكون أكثر من القلتين. وعن عليه في البئر تموت فيها فأرة: إنه ينزح منها. دلاء)، فدلت هذه الأخبارعلى بطلان اعتبارالقلتين.
والمعنى الفقهي يدلُّ لما قلناه، فإنَّا أجمعنا أن الماء الجاري لا ينجس بنجاسة تقع فيه، وكذلك ماء البحر - وإن كان دائما -؛ لأنه كثير، والقليل ينجس بالإجماع، فصار الكثير الذي لا ينجس ما يكون من قبيل ماء البحر الذي لا يَخْلُصُ بعضه إلى بعض فيما نراه باستعمال المستعمل.
وكأنهم إنما قالوا فيما يفيض عندهم من مياه الفرات فيأخُذُ مكانا عريضاً كالبحيرة، دون الحياض التي تكون في البساتين للنزهة، أو ألحقوا هذه الحياض بالآبار، وفيه احتياط عظيم للدين، ولكن حَرَجٌ يلحق الناس في محافظة الآبار والحياض التي تكون في البلاد والبساتين.
فإن قيل: التحديد بما لا يُمكن الوقوف عليه ساقط.
قلنا: إنَّك إذا لم ترَ الخُلُوص وغاب عن بصرك، سقط اعتباره وصار من قبيل ما لا يَخْلُصُ بعضه إلى بعض، وكان كالبحر والماء الجاري.
الجزء 1 · صفحة 84
على أنَّ من مشايخنا من يقول: إنَّ تفسير الخُلُوص أن لا يَخْلُص الجزء المستعمل بعينه إلى الجانب الآخر بحركة الاستعمال، لا الاضطراب الذي يقع في الماء، وإنه وجه حسن؛ لأن هذا الجزء المستعمل بالنجاسة نجس لا شك فيه، فمتى وصل إلى الجانب الآخر - بتحرك الاستعماللا بطبعه - لم يقو على دفع النجاسة، بل ينجس بملاقاة النجاسة، ومتى لم يصل، بقي ما لم تصل إليه النجاسة طاهرا، ثم الوصول بعد ذلك بطبع الماء لا ينجسه؛ لأنَّ الوصول بطبع الماء إنما يكون على حكم وصول الماء بعضه إلى بعض بالجريان، فإن جريانه في النهر بحكم أنه مائعٌ سَيَّالٌ، والآن بحكم هذا الطَّبْعِ يَخْلُص، وإذا كان في حكم الماء الجاري طهر النجس بالطاهر، ولم ينجس الطاهر بالنجس، دفعاً للحرج عن الناس، وحتى لا تنجس المياه كلها. وكان المعنى في البحر هذا.
فإن قيل: إن الحركات تختلف، فكيف تعتبر؟!
قلنا: إما أن يُقال: تُبْتَنَى على أرْفَقِ ما يكون، أو أوسط ما يكون، كما في العدالات، والشاة التي تجب زكاة، أو تجب بالوَصِيَّة، أو الإقرار، فالمعتبر الأقل في الأقارير، والوَسَطُ في الزكوات، هذا هو القياس الصحيح، لولا حديث القلتين، والحرج الذي يلحق الناس به.
ومن مشايخنا مَن شَنَّع على أصحاب الشافعي باعتبار القلتينبفروعهم، فإنَّهم قالوا: لو أنَّ قُلتين كانتا غير مجتمعتين وقع في كل واحدة منهما رطل بول، فإنه ينجس كل واحد منهما يقينا، فلو جمع بينهما طهرتا على أصل الشافعي، والنجس إذا اجتمع إلى نجس استحال تولد الطاهر منه، بل يجب أن تزداد النجاسة.
وكذلك خمسمئة رطل إلا رطلا، لو وَقَعَ فيها رطل بول تنجس كله، فلو صب فيه رطل ماء طهر على أصله، وإنَّه من المحال تطهير خمسمئة رطل بمخالطة رطل، فإنَّ النجس لا يزول بالمخالطة، ولا يصير مغلوبا برطل أيضاً يقينا. فإذا كان هذا من المحال قياسًا - ولاضرورة بنا إلى القول به ليسقط حكم القياس بها - بقي الحكم.
وعذر الشافعي، أنه ثبت بالدليل أن الماء الكثير يدفع النجاسة ويُسقط حكمها للضرورة، والقليل لا يدفع، والحد بينهما القلتان، لضرب معنى معقول وللنص، فيصير سقوط حكم النجاسة إذا اختلطت المياه النجسة بحكم الكثرة، لا بحكم الاختلاط وهي نجسة. والسقوط بحكم الكثرة بالضرورة بخلاف
الجزء 1 · صفحة 85
القياس مخصوص عنه، كما قلتم في الماء يستعمل في ثوب نجس إنَّ الماء يزول نجساً وقد طهر الثوب في المرة الثالثة، وإنَّه مُحال قياسًا أن يخرج النجس عن ثوب والثوب طاهر به، ولكن ترك للضرورة.
فأما قولكم: (لا ضرورة في الخلط، فهذه حالة اعتبرت، والعبرة للجملة لا للحالة، والجملة أن القول بالقياس عند كثرة الماء غير ممكن، وهذا كما قلتم في أن البئر تطهر بالدلو العشرين، وأنه ساقط بالقياس، فالدلو لا تهتدي إلى الأجزاء النجسة. ولأنَّ الباقي جاور النجس فتنجس. وقلتم: إذا مُلِئَ الدَّلو الأخير ولم يفصل عن البئر، إنَّ البئر لم تطهر، وإذا فصل عن البئر طهر، وما فيه إلا قطرات من الدلو تعود إلى البئر.
ثم أسقطتم القياس للضرورة، وقلتم: الثوب يُغسل في الآنية ثلاثا فيطهر، وإن كان بجنبه ماء جارٍ [و] يُمكنه الغسل في الماء الجاري بلا حرج؛ لأن في منع الناس عن الغسل في الأواني حَرَجًا عاما، وإن كان لا حرج في هذه الحالة. أو لأن الشرع جَعَلَ أجزاء الماء إذا كثرت قادرة على رفعحكم النجاسة التي تجاوره إلى الطهارة، وبالخلط تكثر الأجزاء، فتجد قوة التطهير في الأجزاء الطاهرة في نفسها، لا في الأجزاء النجسة.
وهذا كما قيل: إنَّ المُجتهد يُخطئ ويُصيب، وإذا كثروا حتى اجتمعوا أصابوا الحق يقينا بقوة تزداد بانضمام الآراء، لا بحكم جواز الغلط عند الانفراد. وكذلك العلل كلها إذا جرئت أوصافها لم يثبت حكم ولا أثر لكل جزء منها، وإذا اجتمعت عملت وأوجبت، وكذلك هذا؛ لأنَّ الأرطال جعلت علة مسقطة لحكم النجاسة، فإذا اجتمعت عملت، وقد وجد الاجتماع، وإن كانت نجسة قبل الاجتماع؛ لأنها نجسة بمجاورة النجاسة، فأما أجزاء الماء في نفسها، فكانت طاهرة، وكاناجتماعها بعد مجاورة النجاسة وقبلها سواء، فتكثر الأجزاء طاهرة في نفسها فتصير علة لدفع النجاسة.
ولهذا قال الشافعي: إن المرأة لا تحجبنفسها، وإذا اجْتَمَعْنَ وهُنَّ ثقاتُ، حَجَجْن؛ لأنَّ البعض تَقَوَّى بالبعض، ففي كل واحدة ضرب قوة على السفر، وضرب حفظ لنفسها، وإن لم يكن تاما، والله أعلم.
وهذا لأن الفقهاء قط لا يخرجون عن حدّ الفقه إلى محال لا يمكن القول به، ولا يتوهم عليهم ذلك، لما كان بهم من فرط الورع والبصيرة والاهتمام بأمر الدين، لا يصل الخَلَفُ مِنَّا إلا إلى بعض مما وصلوا
الجزء 1 · صفحة 86
إليه، خصوصاً في المجتهدات التي لا يجوز التضليل فيها، فإن المحال قول يُكَفِّرُ الإنسان به أو يُفسق أو يُضلل لا محالة، أو يُنسب إلى الجنون، والله أعلم.
أجاب بعض مشايخناله عن القلتين: إنَّه: أن النبي: قال: إذا بلغ الماء قلتين، أي: قَلَّ وصار بحيث يُتَحَفَّظُ في القلال، «لم يحتمل»، أي: ضَعُفَ عن احتمال (الخَبَث)، وتنجس، كما يُقال: فلان لا يحتمل الضرب.
إلا أنه بعيد؛ لأنَّ القِلَّة لا تُحَدُّ بالقلال. ولأنَّه سُئل عن المياهالتي تكون بين مكة والمدينة، وما ينوبها من السباع، فقال: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحتمل خَبَثًا)، فأزال إشكالهم في نجاسة الماء بورود السباع.
وقال بعضهم: القُلَّة) اسم مشترك بين الهامة، ورأس الجبل، والجرة، فلا يصير حُجَّةٌ إلا ببيان. وإنَّه أيضا ضعيف، لِمَا مَرَّ.
ومنهم من لا يقبللأنَّ ا الصحابة والتابعين لم يعملوا به، وأنه أحسن ما قيل فيه، وقد ورد الحديث بخلافه أيضاً، فإما أن يُرَدَّ، أو يُحمل على ابتداء الأمر. وفي القول به سَعَةٌ للنَّاس.
وأما بئر بضاعة، فقد سئلت عائشة، فقالت: «كانت بئر بضاعة قناة، وكان لها مَنفَذ إلى بساتينهم»، وكذلك. ذكر الواقدي ي.وكذلك الحال تدل عليه، فإن ماء البئر متى لم تكن قناة تغير بالجيف والمحايضلا محالة، فثبت أنها كانت جارية.
وقد قيل: إنَّ النبي سُئل عما كان يُلقى فيها من الجيف في الجاهلية، كأنه أشكل عليهم أن البئر بعد التنجس تطهر أم لا؟! فالقياس أن لا تطهر، فقال النبي: إذا لم يبق من لون النجاسة وطعمها وريحها ـ بما نُزِفَ من الماء بعد ذلك - كانت طاهرة، وإن القياس متروك.
وعن محمد بن الفضلالبلخيأنه قال: مسحت بئر بضاعة فوجدتها ثمانية في ثمانية. وقد روي عن محمد أنه حد الكثرة بهذا القدر - في رواية ـ، والله أعلم.
فَصْلٌ
الطهارة الكبرى
فنحتاج إلى:
ذكر السبب المنجس حكما، كما قلنا في الصغرى.