الجزء 1 · صفحة 7
الغاية في شرح الهداية
للإمام أبي العباس أحمد بن إبراهيم بن بن عبد الغني السروجي الحنفي
توفي سنة (710هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
بسم ابد الرحمن الرحيم
استعنت بالله تعالى وعليه توكلت وإليه أنيب
كتاب الطهارات
الكِتابُ والكِتابةُ والكَتْبُ: مصدر بمعنى الجمع، ومنه: الكتيبة لنوع من الجيش، وكتبت البغلةَ: إذا جمعت بين شفريها بحلقة أو سير وجمع الكتاب: كُتُب، ويخفف. وهنا أريد به المكتوب مجازا. وطهر الشيء - بالفتح، والضم) - طهارة فيهما - بفتح الطاء ـ وهي مصدر، والهاء فيها مثلها في رحمة ونشدة وكدرة.
وبضم الطاء: فضل ما تطهرت به ذكره القزاز في جامعه.
والإضافة بمعنى «في أي كتاب في الطهارة ويجوز أن تكون بمعنى «اللام» للاختصاص، وهي معنوية.
والطهارة في اللغة: النظافة.
وفي عرف الفقهاء: إزالة النجاسة الحقيقة والحكمية.
وتجديد الطهارة يسمى طهارة باعتبار النور الحاصل به، وليس بطهارة حقيقة؛ لتحصيل الحاصل.
وابتدأ الشيخ الجليل أبو الحسن أحمد بن مُحمَّد البغدادي القدوري مختصره بكتاب الطهارة وثناه بقوله تعالى: {يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا الآية [المائدة:].
أما الأول: فلأن الصلاة ثانية، الإيمان دل عليه قوله: «الإيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ - إلى أن قال:-: وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ» الحديث، خرجه البخاري ومسلم بمعناه
وفي اسمها ما يدل على أنها ثانية؛ لأن الفرس الذي يتلو السابق في حلبة السباق يسمى مصليا؛ لأن رأسه عند أحد صَلَوي السابق)، والطهارة لها سابقة عليها.
ولا يقال: لم قدم هذا الشرط على سائر شروطها؟! لأنه يلزم منه
الجزء 1 · صفحة 9
وجواب آخر: إن الله استقصى في بيان هذا الشرط ما لم يستقص في بيان غيره من الشروط فكان هذا
أهم.
والثالث: إن سائر شروطها يسقط بالأعذار ولا كذلك هذا الشرط. وأما الثاني: فلأنه إنما قدم الدليل على المدلول عليه للتبرك بكتاب الله تعالى، وتضمنها الفرائض الأربع المستوعبة لفروض الوضوء. و «إذا»: ظرف لما يستقبل من الزمان.
قال أبو العباس: المبرد هو شرط صريح وما بعده جزم، فإن وليته الأسماء كانت محمولة على الفعل كقوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ أَنشَقَّتْ} [الانشقاق:].
وكقول الشاعر:
إذا هِيَ لَمْ تَسْتَكْ بِعُودِ أَرَاكَةٍ ... تُنُخْلَ، فَاسْتَاكَتْ به عُودُ إِسْحِلِ
وكقوله: إِذَا الرِّجَالُ بِالرِّجَالِ الْتَفَّتِ، وهو كثير به عُودُ إِسْحِلِ
وقال الأخفش هي ظرف صريح، وما بعدها جر بها.
وقال سيبويه: هي ظرف يتضمن معنى الشرط وما بعدها مجرور بها بها؛
لما رآها دائرة بين القولين.
والعامل فيها جوابها، والفاء واجبة هنا لكون جواب الشرط طلبًا.
وقال في المنافع: قوله تعالى: قوله تعالى: {قُمتُم} مخاطبة، وقوله: {آمَنُوا} مغايبة، وهذه الصيغ تسمى الالتفات في علمي المعاني والبيان، وقد جمع
امرؤ القيس بين ثلاث التفاتات في ثلاثة أبيات وهي قوله: تطاول ليلك بالإثمد إلى آخرها، هكذا قاله صاحب الكشاف».
وليس فيها إلا التفاتان وإنما ذلك ثلاثة أنواع من الكلام.
وقال: يختص مواقعه بفوائد ومما اختص به هذا الموضع: أنه لو قال: «آمنتم يختص بالذين كانوا حاضرين مؤمنين في عصره، فذكر بلفظ المغايبة؛ ليدخل تحته كل من آمن إلى قيام الساعة قال: هكذا قاله شمس
الجزء 1 · صفحة 10
الأئمة الكردري قلت: تخلص من عهدته بالحوالة على غيره وهو غلط، وبيانه أن الَّذِينَ موصول، ولفظه لفظ غائب، ويحتاج إلى صلة وعائد على الموصول وعائده ضمير الفاعل في آمَنُوا، فكيف يعود على غائب ضمير مخاطب؟ هذا ممتنع بالبديهة.
جائز
وليس هذا من باب الالتفات؛ لأن الالتفات هو العدول عن شيء إلى غيره مخالف للسَّنَن الظاهر لنوع فائدة.
وفي المحيط، والمفيد: سبب وجوب الطهارة إرادة الصلاة بشرط الحدث.
وقال أبو بكر الرازي: سببه الحدث عند القيام إلى الصلاة».
والمختار الأول
وفي الحواشي الحدث شرطه بدلالة النص وصيغته، أما الصيغة: فلأنه ذكر الحدث في التيمم الذي هو بدل عن الوضوء، والبدل إنما وجب بما وجب به الأصل، فكان ذكر الحدث في البدل ذكرًا في المبدل.
وأما الدلالة فقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ أي من مضاجعكم، وهو كناية عن النوم، وهو حدث وإنما صرح بذكر الحدث في الغسل والتيمم دون الوضوء؛ ليعلم أن الوضوء يكون سُنَّة، وفرضًا والحدث شرط في الفرض دون السُّنَّة؛ لأن الوضوء على الوضوء نور على نور والغسل على الغسل والتيمم على التيمم ليس كذلك.
وهو المشهور فيهما عند الشافعي.
ومعنى قوله: {إِذَا قُمْتُمْ: إذا أردتم القيام، كقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [النحل:]، وإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:].
وقال المتولي والشاشي من الشافعية في موجب الوضوء ثلاثة أوجه:
أحدها الحدث، فلولاه لا يجب.
الجزء 1 · صفحة 11
الثاني: القيام إلى الصلاة؛ لأنه لا يتعين عليه قبله.
والثالث - وهو الصحيح عند المتولي وغيره -: أنه يجب بهما. ثم الحدث يحل جميع البدن في وجه كالجنابة حتى منع مس المصحف بظهره وبطنه، والاكتفاء بغسل الأعضاء الأربعة تخفيف، وفي وجه: يختص بالأربعة وعدم جواز المس لعدم طهارة البدن. جميع ويشكل بالنجاسة الحقيقية
وفي الأصح اختلاف عندهم قال الشاشي: العموم، وقال البغوي وغيره الاختصاص، ورجحه النواوي
قوله: «ومسح الرأس.
هو من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، وذكر الرأس مجاز؛ لأنه ذكر الكل وأراد به البعض. لا
وقول صاحب الهداية بهذا النص، مع قوله: «الكتاب مجمل يلتئم؛ لأن النص غير المجمل ق/. وهو فوق الظاهر، والمجمل: ما لا يجوز العمل به قبل، البيان فبينهما منافاة لكن الفقهاء يطلقون النص على
ينظر: تتمة الإبانة (الجهني) ص، المجموع /. في هامش (أ): «مثلث، يقال: مصحف بكل الحركات الثلاث». ينظر: تاج العروس
/
الكتاب كيف كان يقولون بالنص والمعقول والظاهر أنه أراد به ذلك، وأظهر منه أن يكون ذلك نصّا في المسح والإجمال في مقداره وحرف الباء.
قال الرازي: الغسل: إمرار الماء على المحل ومع النجاسة إزالتها بإمرار الماء عليه
وقال مالك: يشترط معه دلك المحل
وروى هشام عن أبي يوسف: أنَّ مسحه كمسح الدهن مجزئ.
وفي المبسوط، والبدائع: فُسِّر الغسل والمسح كتفسير صاحب الهداية. عليه
وفي التحفة الغسل تسييل الماء على الموضع، والمسح: إمراره، فقد فسر المسح بما فسر الرازي الغسل به.
ويدل على بطلان اشتراط الدلك قول القائل
الجزء 1 · صفحة 12
فيا حُسْنَها إِذْ يَغْسِلُ الدَّمْعُ تُحْلَها وإذْ هي الدَّمْعُ كُحْلَها وإِذْ هي تُذْرِي دمْعَها بالأَنامِل
يقال: ذريته وذروته، ولا دلك ثُمَّ.
ولأن من والى صب الماء على موضع النجاسة حتى أزالها كان غاسلًا لغةً، وشرعًا، وإن لم يدلكه بيده فمن شرط الدلك فقد زاد على ماهية الغسل
وذلك غير جائز. وفي البدائع: لو استعمل الماء من غير إسالة كالتدهن به لا يجوز في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف أنه يجوز، وعلى هذا لو توضأ بالثلج ولم يقطر منه شيء لا يجوز، ولو قطر قطرتان أو ثلاث جاز؛ لوجود الإسالة». وفي الذخيرة: «تأويل ما روي عن أبي يوسف أنه سال من العضو قطرة أو قطرتان ولم يتدارك.
قلت: المفهوم مما ذكر في البدائع أنه بالاتفاق؛ لتعليله بالإسالة. قال الرازي: وجواب أبي يوسف أن المسح ليس غسلا، ألا ترى أن إيصال الماء في المسح إلى أصول الشعر ليس بشرط، وفي الغسل شرط كما في غسل الجنابة، فلو كان المسح غسلا لأجزأ عنه، ولأنه إذا لم يكن ثَمَّ نجاسة وجب الغسل من أجلها كان الغسل عبادة فيجب اتباع الأمر على حسب
إلى غيره
مقتضاه
و موجبه
فلم يجز استعمال النظر) في ترك حكم اللفظ
قلت: يَرِدُ عليه إجزاء غسل الرأس في الوضوء عن المسح.
فإن قيل: لو بقيت لمعة في بدنه فمسحها جاز.
قيل له: إذا جازت في حكم المغسول بأن اتصل) ولا يجوز بدونه.
ثم الوجه في اللغة: مأخوذ من المواجهة، المقابلة.
وهي وحده في الطول من مبتدأ سطح الجبهة إلى منتهى اللحيين، وهما عظما الحنك،
الجزء 1 · صفحة 13
ويسميان، الفكين وعليهما منابت الأسنان السفلى، بفتح اللام، ونقل الكسر أيضًا، وليس بالقوي، وجمعه لحى ولحى. ومن نبات اللحية.
الأذن إلى الأذُن في العرض - وقد تسكن الذال تخفيفا - هذا قبل
وقال الرازي، والأقطع: حده من قصاص الشَّعَر إلى أصل الذَّقَن: إلى شحمة الأذن، حكى ذلك أبو الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي عن أبي سعيد أحمد بن الحسين البردعي سنة مات في
سبع عشرة عشرة وثلاثمائة في وقعة القرامطة بطريق الحجاز، وأسر أبو طاهر بن أبي سعيد أبا الهيجاء والد سيف الدولة بن حمدان وجماعة من الحرم القرمطي والخدم، وسار بهم إلى هجر، وقتل منهم خلقا ومات من بقي منهم
بالحَفَا والعطش والقصاص: بالحركات الثلاث على القاف، أعلاها ضمها.
والذقن - بفتح الذال المعجمة وفتح القاف والشَّعر: بفتح العين أكثر.
مجمع اللحيين.
وقال في البدائع: لم يُذكر حد الوجه في ظاهر الرواية، وذُكر في رواية الأصول، كما ذكره في الكتاب، وقال: وهذا حد صحيح فيخرج داخل العينين والأنف والفم، وأصول شعر الحاجبين واللحية
والشارب، وونيم الذباب. ودم البراغيث؛ لخروجها عن المواجهة وقال أبو عبد الله الثلجي: لا يسقط، وبه قال الشافعي في الخفيف والمزني، وأبو ثور، وإسحاق بن راهويه مطلقا. وحكى الرافعي قولا
وقال في شرح مختصر الكرخي إلى أسفل الذقن، وكذا في المبسوط.
فإن قيل: ينبغي أن يكون الأذنان من الوجه لما ذكرت.
قلت: الغالب سترهما بالعمامة والقلنسوة ونحوهما كما يستر صدره.
وقال: «لأن المواجهة تقع بهذه الجملة، وهو مشتق منها. يعني
أن الوجه مشتق من المصدر، وهو المواجهة، وهي تقابل الوجهين، وذلك إنما يقع بهذه الجملة وهكذا اشتقاق البرج من التبرج لظهوره، وجائز سبق المواجهة على الوجه في الوضع وإن كان الثلاثي
الجزء 1 · صفحة 14
سابقا رتبة، هكذا ذكره في الحواشي والظاهر أن المواجهة مأخوذة من الوجه كالمعاضدة من العَضُد،
والمكابدة من الكبد والمخابرة من معاملة خيبر في قول.
ثم إذا خرج ما تحت الشعر من حكم الوجه فما الذي يجب في الشعر؟ فذكر في المحيط: عن الحسن عن أبي حنيفة له: أنه يجب غسل الشعر الذي يوازي الذقن والخدين وهو رواية عن أبي يوسف.
وذكر في اختلاف زفر ويعقوب: عن أبي حنيفة: أنه يجب غسل ثلثه
أو ربعه.
وأشار محمد في الأصل إلى أنه يجب غسل كله فإنه قال في مواضع الوضوء: ما ظهر منه
قال: وهو الأصح؛ لأنه قائم مقام البشرة كشعر الحاجبين، وأهداب العينين والسن النابتة على اللثة يجب غسلها في الجنابة؛ لقيامها مقام اللثة.
وفي التحفة والغنية: يجب غسل ظاهر الشعر الذي يوازي الذقن
والخدين في أصح الروايات
اللحية:
وفي الوبري: ذكر الغسل دون المسح أيضًا.
وهذا الذي ذكروه يدل على أن وظيفة هذا الشعر الغسل لا المسح. وقال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن له: اختلف أصحابنا في مسح
فروى المعلى عن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه قال: يجزئه أن يمر الماء على ظاهرها، ومواضع الوضوء منها الظاهر، وبه قال ابن أبي ليلى.
أي صاحب المحيط الرضوي.
وروي بشر بن الوليد الكندي قاضي القضاة عن قاضي القضاة أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري أنه قال: يمسح ما ظهر من اللحية وإن كانت عريضة، فإن لم يفعل أعاد صلاته.
وعن الإمام وزفر]: إن أصاب منها قدر ثلث أو ربع أجزأه - والإصابة المسح - ودون ذلك لا
الجزء 1 · صفحة 15
يجزئه، وبه أخذ الحسن. وعن أبي يوسف يجزئه غسل وجهه وإن لم يمس لحيته بشيء من
الماء.
وقال ابن شجاع لما لم يلزمه غسلها كان الواجب مسحها كمسح الرأس، فيجزئه الربع.
قال أبو بكر: لا تخلو اللحية من أن تكون من الوجه فيلزم غسلها غسل البشرة التي لا شعر عليها، أو لا تكون منه فلا يلزم غسلها، ولا مسحها، فلما اتفق الجميع على سقوط غسلها دل على أنها ليست من الوجه، فإذا سقط لم يجز إيجاب مسحها لما يلزم من الجمع بين المسح والغسل في عضو واحد وهو الوجه، ولا يلزم الجبيرة؛ لأنها كالغسل لما تحتها للضرورة. قلت: وهذا الذي ذكره الرازي أولا يدل على أن الوظيفة في ذلك
المسح دون الغسل؛ لأنه حكى اتفاق الجميع على سقوط غسل اللحية. وفي المختلف، وشرح مختصر الطحاوي وملتقى البحار ذكر أن الواجب المسح.
وفي الأقطع: والفرض هو المسح والممسوح لا يعتبر فيه الاستيعاب، کمسح الرأس والخفين.
قلت: ولم أر أحدا نبه على هذا ولعل من ذكر الغسل اكتفى به عن المسح؛ لإجزائه عنه دون العكس، والله أعلم.
وفي المفيد والمزيد مسح ما يلاقي بشرة الوجه من الشعر واجب عن أبي حنيفة ومحمد.
للعتابيوروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يجزئه مسح ثلث أو ربع.
وقال أبو يوسف: لا
أصلا. يجب مسحه
وذكر في الينابيع: المسح أيضًا دون الغسل.
وفي رواية أخرى للحسن: يزيد على النصف، من جوامع الفقه
ومس المسترسل من اللحية ساقط اتفاقًا.
وما روي عنه أنه قال للذي غَطَّى لِحْيَتَهُ: اكْشِفْ عَنْ لِحْيَتَكَ فَإِنَّهَا مِنْ الْوَجْهِ».
الجزء 1 · صفحة 16
قال أبو بكر الحازمي: حديث ضعيف، ولم يثبت عنه في هذا
والبياض الذي بين العذار وشحمة الأذن يجب غسله، كذا ذكره، قال: وهو الصحيح وعليه أكثر مشايخنا. وفي القدوري جعله
الطحاوي قول أبي حنيفة ومُحمَّد
قال الحلواني: عليه بَلْ ذلك، قال: لأن غسله كلفة.
قوله والمرفقان والكعبان يدخلان في الغسل. المرفق بكسر الميم وفتح الفاء: اسم الآلة كالمخلب، وبفتحها وكسر وقد
الفاء اسم المكان ويجوز فيه فتح الميم والفاء على أن يكون مصدرا، أو اسم مكان على الأصل.
وهنا حكمان حكم وظيفة الرجلين وحكم دخول المرفقين والكعبين في الوظيفة.
أما وظيفة الرجلين، ففيها أربعة مذاهب:
المذهب الأول - وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل السُّنَّة
والجماعة - أن وظيفتهما الغسل، ولا يعتد بخلاف من خالف ذلك) المذهب الثاني - مذهب الإمامية من الشيعة -: أن الفرض مسحهما. والمذهب الثالث - وهو مذهب الحسن بن أبي الحسن البصري، ومحمد بن جرير الطبري، وأبي علي الجبائي -: أنه مخيّر بين المسح والغسل والمذهب الرابع - وهو مذهب أهل الظاهر، ورواية عن الحسن أن الواجب الجمع بينهما
وعن ابن عباس: «هُمَا غَسْلتَانِ وَمَسْحَتَانِ».
وعنه: «أَمَرَ اللهُ بِالمَسْحِ وَأَبَى النَّاسُ إِلَّا الغَسْل.
وروي أن الحجاج خطب بالأهواز فذكر الوضوء، فقال: «اغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِن ابْنِ آدَمَ أَقْرَبَ مِنْ خَبَيْهِ مِنْ قَدَمَيْهِ فَاغْسِلُوا بُطُونَهُمَا وَظُهُورَها وَعَرَاقِيبَهُمَا، فَسِمَعَ ذَلِكَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ فَقَالَ: صَدَقَ اللهُ تعالى وَكَذَبَ الْحَجَّاجُ، قال الله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة:].
الجزء 1 · صفحة 17
وكان عكرمة: يَمْسَحُ رِجْلَيْهِ، وَيَقُولُ: لَيْسَ فِي الرِّجْلَينِ غَسْلُ، إِنَّمَا هُو مَسْحٌ.
وقال الشعبي: نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْمَسْحِ.
وقال قتادة: افْتَرَضَ اللَّهُ غَسْلَينِ وَمَسْحَينِ.
ولأن قراءة الجر محكمة في المسح؛ لأن المعطوف يشارك المعطوف
عليه في حكمه؛ لأن العامل الأول ينصب عليهما انصبابة واحدة بواسطة الواو عند سيبويه وعند آخرين يقدر للتابع من جنس الأول. والنصب يحتمل: العطف على الأول على بُعْدٍ؛ فإن أبا علي قد أجاز قوم النصب عطفا على وجوهكم»، وإنما يجوز شبهه في الكلام المعقد، وفي ضرورة الشعر، وما يجوز على مثله هجنة العي، وظلمة اللبس، وتقديره: أعط زيدًا وعمرًا جوائزهما ومُرَّ ببكرٍ وخالدًا، فأي بيان في هذا؟
وأي لبس أقوى من هذا؟»، ذكره المرسي حاكيًا عنه في ري الظمآن. ويحتمل: العطف على محل برؤوسكم»، كقوله تعالى: {يَجِبَالُ أَولِي معه وَالطَّير [سبأ:] بالنصب عطفا على المحل؛ لأنه مفعول به، وكقول الشاعر (ه):
مُعَاوِيَ، إِنَّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ فَلَسْنَا بِالجِبَالِ وَلَا الحَدِيدَا بالنصب على محل الجبال»؛ لأنه خبر «ليس»، فوجب أن يحمل المحتمل على المحكم.
ولنا: الأحاديث الصحيحة المستفيضة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم أنه غسل رجليه، وهي حديث عثمان المتفق على صحته.
وحديث علي بنت وحديث ابن عباس، وأبي هريرة، وعبد بن زيد اللهمعوذ بن عفراء، وعمرو بن عبسة والربيع
وثبت أنه رأى جماعة توضؤوا وبقيت أعقابهم تلوح لم يمسها
الماء، فقال: وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ»، رواه البخاري ومسلم. وأما حديث جابر بن عبد الله الأنصاري السلمي - بفتح السين واللام - يكنى أبا عبد الله شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة، توفي بالمدينة سنة ثلاث وسبعين وله من العمر أربع وتسعون سنة، قال: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ
الجزء 1 · صفحة 18
صلى الله عليه وسلم إِذَا تَوَضَّأْنَا أَنْ نَغْسِلَ أَرْجُلَنَا»، رواه الدارقطني، بإسناد ضعيف. ولم يثبت عنه أنه مسح رجليه بغير خُف في حضر ولا سفر
والآية قرئت بالحركات الثلاث:
النصب، وله وجهان
أحدهما:. أن يكون معطوفا على وجوهكم، فيشاركها
حكمها، وهو الغسل، وإنما أخرت عن المسح بعد المغسولين؛ لوجوب تأخير غسلهما عن مسح الرأس عند قوم، ولاستحبابه عند آخرين.
والوجه الثاني: أن يكون عامله مقدرًا، وهو واغسلوا»، لا بالعطف على وجوهكم، كما تقول أكلت الخبز واللبن أي: شربته، وإن لم يتقدم للشرب ذكر وهنا تقدم للغسل ذكر فكان أولى بالإضمار.
أَعْلَفْتِهَا تِبْنَا وَمَاءً بَارِدًا
أي: سقيتها. وقال.:
وَرَأَيْتُ زَوْجَكِ في الوَغَى مُتَقَدِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَـ
أي: وحاملًا رمعًا.
وقال: شَرَّابُ أَلْبَانِ وَتَمْرٍ وَأَقِطِ
أي: وآكلتمر وأقط.
وبالجر، وعنه أجوبة:
الجواب الأول: أنها جرت على مجاورة رؤوسكم وإن كانت منصوبة،
كقوله تعالى: إنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمِ} [هود:] على جوار «يوم»، وإن كان صفة للعذاب.
وكقولهم: «هذا جُحْرُ ضب خرب»، بجر «خرب» وإن كان مرفوعًا. خرب»، فإن قلت: «جُحْرَا ضب خربين»، و «جِحْرَةُ ضباب خَرِبَة»، لم يجزه الخليل في التثنية وأجازه في الجمع، واشترط أن يكون
الجزء 1 · صفحة 19
الآخر مثل الأول،
وأجازه سيبويه في الكل.
و «ماءُ شنّ بارد».
ويكون بالعطف أيضًا، كقوله تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانُ تُخَلَّدُونَ، إلى أن قال: وحور عين [الواقعة: -].
وكقوله تعالى: {يُرْسَلُ عَلَيْكَما شُوَاظٌ مِن نَارِ ونحاس [الرحمن:]،
والنحاس الدخان.
وكقوله تعالى: وبَلْ هُوَ قُرْعَانٌ سَعِيدٌ فِي لَوْحٍ تَحْفُوظ} [البروج:،].
وأنشد:
لَمْ يَبْقَ إِلَّا أَسيرٌ غَيْرُ مُنْفَلِتٍ " وموثق في عِقَالِ الأَسْرِ مَكْبُول فخفض «موثقًا»، وهو مرفوع بالعطف على أسير لمجاورة منفلت.
وقال الفرزدق:
فَهَلْ أَنْتَ إِنْ مَاتَتْ أَتَانُكَ رَاكِبٌ إِلَى آلِ بِسْطَامِ بْنِ قَيْسٍ فَخَاطِبٍ (أي: راكب فخاطب وينشد راحل وبسطام ليس من أسماء العرب ب وسمى قيس بن مسعود
باسم ملك فارس.
وقال زهير: ابنه
لَعِبَ الزَّمَانُ بِهَا وَغَيَّرَهَا بَعْدِي سَوَافِي الْمُورِ وَالْقَطر
قال أبو حاتم: الوجه: القطرُ بالرفع.
الجواب الثاني: أنها عطفت على الرؤوس؛ لأنها تغسل بصب الماء عليها فكانت مظنة لإسراف الماء المنهي عنه، لا لتمسح، ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها، فجيء بالغاية ليعلم أن حكمها مخالف لحكم المعطوف عليه؛ لأنه لا غاية في الممسوح، قاله صاحب الكشاف.
الجواب الثالث: هو محمول على حالة لبس الخف، والنصب على الغسل عند عدمه. روى همام بن
الجزء 1 · صفحة 20
الحارث أن جرير بن عبد الله: «بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى حُفَّيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَفْعَلُ هَذَا؟ قَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يفعله، وَكَانَ يُعْجِبُهُمْ حَدِيثُ جَرِيرٍ؛ لأَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ». قال الترمذي: حديث حسن صحيح». وقال ابن العربي: اتفق الناس على صحة حديث جرير
وهذا نص يرد ما ذكروه
فإن قيل: روى مُحمَّد بن عمر الواقدي أن جريرًا أسلم في سنة عشر في شهر رمضان وأن المائدة نزلت في ذي الحجة يوم عرفة قيل: هذا لا يثبت؛ لأن الواقدي كذاب وإنما نزل يوم عرفة: اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:]. الجواب الرابع: أن المسح يستعمل بمعنى الغسل الخفيف، يقال: على أطرافه إذا توضأ، قاله أبو زيد.، وابن قتيبة وأبو علي الفارسي وفيه نظر.
وما ذكر عن ابن عباس قال مُحمَّد بن جرير: إسناده ضعيف.
والصحيح الثابت عنه: أنه كان يقرأ: وأرجلكم بالنصب، ويقول: عطف على المغسول هكذا رواه الحفاظ عنه منهم: القاسم بن سلام، والبيهقي، وغيرهما.
وثبت في صحيح البخاري عنه أنه: «تَوَضَّأَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، وَقَالَ: هَكَذَا
رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ.
وأما قوله: يَجِبَالُ أَوِ مَعَهُ وَالطَّيْرُ) [سبأ:]، بالنصب على المحل فممنوع؛ لأنه مفعول معه، ولو سلم العطف على المحل؛ فإنما يجوز مثل
ذلك عند عدم اللبس، نقل ذلك عن سيبويه وهنا يُلبس فلا يجوز. وأما البيت فغير مسلم؛ فإنه ذكر ذلك في العِقْد: «إن سيبويه غلط فيه، وإنما قاله الشاعر بالخفض والقصيدة كلها مجرورة، فما كان يضطر إلى أن ينصب هذا البيت ويحتال بحيلة ضعيفة، قال: مُعَاوِيَ إنّنا بَشر فأسجح فلسنا بالجبال ولا الحديد أكلتُمْ أَرْضَنَا وجردتُموهَا فَهَلْ مِن قائمٍ أَرْضِ حَصِيدِ أتطمع في الخلودِ إِذَا هَلَكُنا وليس لنا ولا لكَ مِن خُلودِ
وقيل: هما قصيدتان مجرورة ومنصوبة، وفيه بعد.
وأما دخول المرفقين والكعبين في الغسل فقد وافقنا عليه جميع العلم قاطبة، خلا زفر، وأبا بكر بن
الجزء 1 · صفحة 21
داود، ومالكا في رواية أشهب عنه
لنا فيه مدارك:
المدرك الأول: أن «إلى» بمعنى «مع»، قاله أبو العباس ثعلب وآخرون من أهل اللغة (ه)
واحتجوا بقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَاهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء:]، أي:
مع أموالكم وبقولهم: «الدَّوْدُ إلَى الذَّوْدِ إِبل».
وفيه ضعف؛ فإنه يوجب غسل العضد؛ لاشتمال اليد عليه وعلى المرفق. مع أنا نمنع أن تكون إلى فيما استشهد به بمعنى «مع»؛ لأن معنى الآية ولا تأكلوها مضمومة إلى أموالكم أو ولا تضموها إلى أموالكم آكلين لها، وكذا الذود مضمومة إلى الذود إبل.
المدرك الثاني: أن الحد يدخل إذا كان التحديد شاملا للحد والمحدود. قال سيبويه والمبرد وغيرهما: ما بعد إلى إذا كان من نوع ما قبلها دخل فيه
واليد عند العرب من رؤوس الأصابع إلى المنكب، والرجل إلى أعلى الفخذ حتى تيمم عمار إلى المنكب، ولهذا لو قال: بعتك هذه الأشجار من هذه إلى هذه، دخل الحد ويكون المراد بالغاية إخراج ما وراء الحد، فكان المراد بذكر المرافق والكعبين إخراج ما وراءها.
المدرك الثالث: أن «إلى») تفيد الغاية ودخولها في الحكم وخروجها منه يدور مع الدليل [] فقوله تعالى: {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةً} [البقرة:] مما لا يدخل فيه؛ لأن الإعسار علة الإنظار فيزول بزوال علته، وكذا الليل في الصوم لو دخل لوجب الوصال.
ومما فيه دليل الدخول قولك: حفظت القرآن من أوله إلى آخره
و قطعت يد فلان من الخنصر إلى السبابة فالحد يدخل في المحدود. وقال أبو بكر: ومن المواضع التي دخلت الغاية فيه: قوله: {وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:] ووجود الطهر شرط في الإباحة، وإلى،،وحتى كل منهما غاية».
الجزء 1 · صفحة 22
وقال في الحواشي: دخلت الغاية في المضروب له الغاية هناك؛ لأنها فعل وليست عينًا ولا وقتًا والفعل لا يوجد بنفسه ما لم يفعل، وما لم توجد الغاية لا ينتهي المغيّا، فلا بد من وجود الفعل الذي هو غاية لانتهاء النهي، فبقي الفعل داخلا في النهي ضرورة.
فإذا كان دخولها وعدم دخولها يقف على دليل، فقد وجد دليل
الدخول هنا لوجوه ثلاثة:
فِي الْعَضُدَيْنِ، وَغَسَل رِجْلَيْهِ حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ ال يَتَوَضَّأُ». رواه مسلم). ولم ينقل تركها، فكان فعله ل بيانا أنه مما يدخل. قوله: حتى أشرع»، المعروف شرع في كذا، أي: دخل، وحكي فيه شرع وأشرع ووجد حتى أسبغ في العضد، وحتى أسبغ في الساق.
وحديث: إدارة الماء على مرفقيه) رواه البيهقي، والدارقطني
من رواية القاسم بن مُحمَّد، قال أحمد: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: متروك الحديث فهو ضعيف.
الوجه الثاني: أن المرفق مركب من عظمي الساعد والعضد، وجانب الساعد واجب الغسل دون العضد، وقد تعذر التمييز بينهما، فوجب غسل المرفق؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الوجه الثالث: قد وجبت الصلاة في ذمته والطهارة شرط سقوطها، فلا تسقط بالشك.
المدرك الرابع: متى كان ذكر الغاية لمد الحكم إليها لا تدخل الغاية في المغيا، كما في الصوم؛ لأنه عبارة عن الإمساك أدنى ساعة خفيفة، وشرعًا حتى لو حلف لا يصوم يحنث بالصوم ساعة، وكذا لو قال: ثم أتموا الصيام، ساعة، ومتى كان يتأبد قبل ذكر الغاية أو يتناول زيادة على
اقتضى صوم
الغاية تدخل الغاية في الحكم، ويكون المراد بها إخراج ما وراء الغاية، مع بقاء الغاية والحد داخلا في الحكم، واسم اليد يتناول من رؤوس الأصابع إلى الإبط، واسم الرجل يتناولها إلى أعلى الفخذ، فكان ذكر الغاية لإخراج ما وراءها وإسقاطه من الإيجاب، فبقيت الغاية وما قبلها داخلا تحت الإيجاب.
ورد عليهم على هذا المدرك مسألة، اليمين وهي: أنه لو حلف لا يكلم فلانًا ه ب إلى رمضان لا يدخل رمضان في اليمين مع أنه لولا الغاية لكانت اليمين متأبدة، ولم يجعل ذكر الغاية مسقطا لما وراءها،
الجزء 1 · صفحة 23
فاليد هاهنا كالأبد في اليمين. قال خواهر زاده: لا وجه لتخريج هذا النقض إلا المنع على رواية الحسن عن أبي حنيفة.
قال رضي الدين النيسابوري: هذه الغاية لمدة اليمين لا للإسقاط؛
لأن قوله: لا أكلم للحال فكان مدا لها إلى الأمد.
قلت هذا ممنوع؛ فإن المضارع مشترك بين الحال والاستقبال والمشترك يعم في النفي، حتى لو حلف لا يكلم موالي فلان يتناول الأعلى والأسفل، ذكره في وصايا الهداية وغيرها. والذي يدل على أن الذي قاله غير مستقيم أنه لو لم يذكر الغاية تتأبد اليمين، ولو كان للحال لا غير وأنه إنما تناول ما بعد الحال بالمد بذكر الغاية لما تأبد عند عدم الغاية وعلى هذا قال أبو حنيفة له: لو شرط الخيار في البيع والشراء إلى الغد فله الخيار في الغد كله؛ لأنه لو اقتصر على قوله على أني، بالخيار تناول الأبد، فيكون ذكر الغد لإسقاط ما وراءه. أما وجه ظاهر الرواية في مسألة اليمين فالعرف، ومبنى الأيمان عليه، حتى لو حلف لا يكلمه إلى عشرة أيام يدخل اليوم العاشر، ولو قال: إن تزوجت إلى خمس سنين دخلت السنة الخامسة في اليمين، وكذا لو استأجر دارًا إلى خمس سنين دخلت الخامسة فيها وهذا المدرك الرابع هو المتداول في الكتب
وقال القرطبي: لما قال إلى المرافق اقتطع من حد المرفق عن الغسل، وبقيت المرافق مغسولة إلى الظفر، وهو صحيح جارٍ على الأصول أبو لغة ومعنى، قال ابن العربي وما فهم أحد مقطع المسألة إلا القاضي محمد؛ فإنه قال: قوله: «إلى المرافق حد للمتروك من اليدين لا للمغسول فيهما، ولذلك دخلت المرافق في الغسل.
قلت: كتب أصحابنا مشحونة بهذا التعليل.
ثم الكعب هو العظم الناتئ - مهموز اللام - الناشر عند ملتقى الساق والقدم، وأنكر الأصمعي قول من قال: إنه في ظهر القدم، نقله عنه صاحب الصحاح في: خمسين سنة.
وقالت الإمامية وكل من ذهب إلى المسح إنه عظم مستدير مثل كعب:
الغنم والبقر موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم عند معقد الشراك. وروى هشام بن عبيد الله] الرازي عن محمد بن الحسن مثله ـ ومات مُحمَّد بمنزله بالري - وهو غلط
الجزء 1 · صفحة 24
منه؛ لأن مُحمَّدًا فسر الكعب في حق المحرم إذا لم يجد نعلين يلبس خفين يقطعهما أسفل من الكعبين، بالتفسير الذي ذكر. وقال ابن بطال المغربي في شرح البخاري: قال أبو حنيفة: الكعب هو العظم الشاخص في ظهر القدم - ثم قال: وأهل اللغة لا يعرفون ما قال»
وقال أيضًا في حديث ابن عباس: «فَقُمْتُ عَلَى يَسَارِهِ فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللهُ: وفيه رد على أبي حنيفة في قوله: إن الإمام إذا صلى واحد أنه مع يقوم خلفه لا عن يمينه وهذا مخالف لفعل
قلت: هذا الذي نقله عن أبي حنيفة وأثبته في شرح البخاري من المسألتين، وشنع بهما عليه، جهل منه بمذهبه، وليس ذلك قولا له، ولا نقله عنه أحد من أصحابه وعن مُحمَّد: أن الواحد يجعل أصابع رجليه عند عقب الإمام، وليس في فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما يخالف ذلك.
فمن كان بمثل هذا الجهل الفاحش كيف يقدم على ذكر أقوال العلماء والجرأة على الأئمة؟ وهذا المسكين قليل التقوى من الله تعالى، وكثير الفضول والخوض فيما لا يعرفه.
وكُعُوب الرمح: النواشر في أطراف الأنابيب، والكَعَاب والكَاعِب: الجارية حين يبدو ثديها للنهود، وقد كَعَبَت وكَعَّبَت والكعبة: البيت الحرام سميت بذلك لتربيعها وقيل: لعلوها وارتفاعها.
وقال فخر الدين ابن الخطيب: اختار الأصمعي قول الإمامية في الكعب وقال: الطرفان الناتئان يسميان النجمين، خلاف ما نقله عنه صاحب الصحاح. وهذا الكعب الخفي من البهائم فوق الساق، ومن بني آدم تحتها. وحجة الجمهور لو كان الكعب ما ذكروه لكان في كل رجل كعب واحد، فكان ينبغي أن يقول: إلى الكعاب؛ لأن الأصل أن ما يوجد من:
خلق الإنسان مفردًا فتثنيته بلفظ الجمع، كقوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُ [التحريم:]، وتقول: رأيت الزيدين أنفسهما وما كان مثنى فتثنيته بلفظ التثنية، فلما لم يقل: «إلى الكعاب علم أن المراد من الكعب ما أردناه. الثاني: أنه شيء خفي لا يعرفه إلا المشرحون، وما ذكرناه معلوم لكل
أحد، ومناط التكليف على الظهور دون الخفاء.
الثالث: حديث عثمان رضي الله تعالى عنه: غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ الْيُسْرَى كَذَلِكَ». أخرجه مسلم، فدل على أن في كل رجل كعبين.
الجزء 1 · صفحة 25
وحديث النعمان بن بشير في تسوية الصفوف: «فَقَد رَأَيْتُ الرَّجُلَ يُلْصِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ، وَمَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِهِ»، رواه أبو داود، والبيهقي بأسانيد
جيدة، والبخاري في صحيحه تعليقا، ولا يتحقق إلصاق الكعب بالكعب فيما ذكروه.
الرابع: الكعب مأخوذ من الارتفاع، وقد ذكرناه فروع:
ويجب غسل كل ما كان مركبًا على أعضاء الوضوء من الأصبع الزائدة والكف الزائدة، وإن خلق على العضد غسل ما يحاذي محل الفرض لا ما فوقه.
شَلَّت ومن يده اليسرى ولم يجد من يصب الماء عليه، ولا ماء جاريًا لا يستنجي، وإن وجد ذلك استنجى بيمينه.
*وإن شَلَّت يداه يمسح يديه بالأرض، ووجهه بالحائط، ولا يدع الصلاة.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن مقطوع اليدين من المرفقين والرجلين من الكعبين يوضئ وجهه ويمس أطراف المرفقين والكعبين بالماء، ولا يجزئه غير ذلك، وهو قول أبي يوسف.
وعن أحمد بن إبراهيم: أن من غمَّض عينيه في غسل الوجه تغميضا
شديدًا لا يجزئه الوضوء.
وقيل: من رمدت عينه فرمصت واجتمع، رمصها، تكلف إيصال الماء
تحت مجتمع الرمص، ويجب إيصال الماء إلى المآق.
قوله: «والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية، وهو ربع الرأس؛ لما
روى المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم: أتى سباطة قوم فبال، وتوضأ، ومسح على ناصيته وخفيه». قلت: عن حذيفة أنه: «أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ»، وليس فيه ذكر المسح الناصية، خرجه مسلم
وفي حديث المغيرة بن شعبة - بضم الميم وكسرها ـ في بعض طرقه أنه: «كَانَ فِي سَفَرٍ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَعَلَى الْخُفَّيْنِ»، رواه مسلم، وفي أكثر طرقه ذكر المسح على الخفين دون الناصية، وليس فيه سباطة قوم
الجزء 1 · صفحة 26
فهذا الذي ذكره القدوري مركب من حديثين، قد جعلهما حديثا واحدا، ونسبه إلى المغيرة.
وفي رواية حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، وعاصم بن بَهْدَلَة أحد القراء السبعة عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن المغيرة وفيه ذكر سباطة قوم، وليس فيه أيضًا المسح على الناصية خرجه ابن خزيمة وابن ماجه الرمص بالتحريك: وسخ أبيض يجتمع في الموق، فإن سال فهو غمص، وإن جمد
فهو رمص.
قال الدارقطني وغيره هو الصحيحين من حديث حذيفة.
وعن عائشة لنا: «مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا بَالَ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا قَاعِدًا»، رواه الخمسة دون أبي داود. مباحة. والشباطَة: الكُنَاسَة.
قيل: الإضافةمن باب الاختصاص دون الملك؛ لأنها كانت موانا
وقيل: لا موات بالمدينة.
وقيل: كانت للناس عامة، وأضيفت إليهم لقربها منهم، وتباح عمومًا لكل بائل.
وقيل: خاص برسول الله الله لأنهم لا يكرهون ذلك منه، ويحمل على الإذن في ذلك.
قيل: بوله قائما كان لعلَّة بمأبضه - وهو باطن الركبة ـ فكأنه لم يتمكن من الجلوس.
وقال الشافعي: العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائمًا، ولعله كان به ذلك.
وقيل: عاجله البول، ولعله لم يجد موضعا لجلوسه فبال قائما. وقيل: لم يكن به عذر وبيَّن بقيامه الجواز؛ فإن القعود للنزاهة عن البول والقيام على السباطة محصل لذلك؛ فإنها ليَّنه لا ترتد على البائل. وممن بال قائمًا: عمر، وعلي وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر، وأبو هريرة وأنس وسهل بن سعد. ومالك، وقال الطحاوي: لا بأس
ثم اختلف الفقهاء في المفروض من مسح الرأس على أحد عشر قولًا: ستة عن المالكية حكاها ابن العربي والقرطبي
قال ابن مسلمة صاحب مالك: يجزئه مسح ثلثيه.
وقال أشهب وأبو الفرج: يجزئه الثلث.
الجزء 1 · صفحة 27
وروى البرقي عن أشهب يجزئه مقدم رأسه، وهو قول الأوزاعي
والليث.
وظاهر مذهب مالك: الاستيعاب
وعنهم: يجزئه أدنى ما يطلق عليه اسم المسح: كله فرض ويعفى. عن ترك شيء يسير منه
سادسها مسح يعزى إلى تعليقة الطرطوشي، وللشافعية قولان صرح أكثرهم بأن مسح بعض شعرة واحدة يجزئه، وقالوا: يتصور ذلك بأن يكون رأسه مطليًّا بالحناء بحيث لم يبق من الشعر ظاهرًا إلا شعرة واحدة فأمرَّ يده عليها.
وهذا ضعيف جدا؛ فإن الشرع لا يرد بالصورة النادرة التي يتكلف في تصورها.
وقال ابن القاص: الواجب ثلاث شعرات.
أخف وهو من الأول، ويحصل أضعاف ذلك بغسل الوجه، وهو يجزئ
عن المسح في الصحيح والنية عند كل عضو ليست بشرط بلا خلاف عندهم
ودليل الترتيب ضعيف.
وعندنا في المفروض منه ثلاث روايات
في ظاهر الرواية: ثلاث أصابع ذكره في المحيط، والمفيد، وهو رواية هشام عن أبي حنيفة.
إلا أن وفي رواية الكرخي والطحاوي: مقدار الناصية
وذكر في اختلاف زفر: عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنهما قالا: لا يجزئه مقدار ثلث رأسه أو ربعه. يمسح
وروى قاضي القضاة يحيى بن أكثم عن مُحمَّد: أنه اعتبر ربع الرأس
وبعض المشايخ صحح ظاهر الرواية، وبعضهم رواية الربع احتياطا وقال أبو بكر عندنا فيه روايتان: الربع، وثلاث أصابع
الجزء 1 · صفحة 28
وفي جوامع الفقه: عن الحسن: يجب مسح أكثر الرأس.
وعن أحمد: يجب مسح جميعه، وعنه يجزئ مسح بعضه، والمرأة
يجزئها مسح مقدم رأسها في ظاهر قوله.
ومن شرط الاستيعاب اعتبره بالتيمم وفُرِّق: بأنه أخذ حكم أصله و مبدله.
وفي رواية الحسن عنه: يجزئه مسح أكثر الوجه.
فأُورد: المسح على الخفين.
وأجيب بأن ذلك يفسد الخف، ولأن مبناه على التخفيف حتى جاز مع
القدرة على غسل الرجلين بخلاف التيمم.
وجه رواية الناصية ما قدمناه من حديث مسلم.
ولذكر المسح على العمامة تأويلان:
أحدهما: أن المسح عليها لم يكن عن قصد بل تبعًا لمسح البعض، كما يشاهد ذلك إذا مسح على البعض وعلى الرأس عمامة. الثاني: أنه يحتمل أن يكون به زكام أو ألم، فمسح على العمامة تکميلا للسُّنَّة بعد مسح الواجب منه، ويدل على ذلك اقتصاره على مقدم رأسه، وترك المسح على عمامته في حديث أنس أنه ل: «تَوَضَّأَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قِطْرِيَّةٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَ الْعِمَامَةِ وَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ، وَلَمْ يَنْقُضِ الْعِمَامَةَ». رواه أبو داود
والقطرية - بكسر القاف وسكون الطاء المهملة وكسر الراء: ثياب حمر لها أعلام تنسب إلى قطر - موضع بين عُمان وسيف البحر - عن الأزهري). وسيف البحر - بكسر السين المهملة - ساحله.
ووقع في بعض الأحاديث الاقتصار على ذكر العمامة والخمار، وفي بعضها على عمامته وخفيه خرجه البخاري
الناصية.
وفي حديث المغيرة معهما
قال الخطابي، والبيهقي في الجواب: وقع اختصار في الأولين، أي: الناصية؛ لإحراز سُنَّة
الجزء 1 · صفحة 29
الاستيعاب، وهكذا جاء في حديث بلال: «مَسَحَ عَلَى الْحُفَّيْنِ وَبِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ» ـ قال البيهقي: إسناده مسح ذلك بعد مسح يصح،
حسن - ويحمل المحتمل على المحكم، وإنما حذف الراوي الناصية في بعضها؛ لأن مسحها معلوم مقرر عنده؛ لأن الله تعالى فرض مسح الرأس، والعمامة ليست من الرأس فلا يترك اليقين بالمحتمل وقياسها على الخف بعيد؛ لأنه يشق نزعه، أن إحدى القراءتين دلت عليه. مع
وعن عثمان لما حكى وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَسَحَ مُقَدَمَ رَأْسِهِ بِيَدِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَمْ يَسْتَأْنِفْ مَاءً جَدِيدًا». رواه سعيد بن منصور قال البغوي من أصحاب الشافعي ينبغي أن لا يجزئ أقل من الناصية؛ لأنه لم يمسح أقل منها، وهو محكي عن المزني ومن الغريب ما ذكره النواوي عن أبي يوسف: أنه نصف الرأس. وقال الشافعي، وأبو بكر الرازي، والكردري من أصحابنا: إن الباء للتبعيض
قال ابن جني وابن برهان من زعم أن الباء للتبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه.
قلت: ولو كانت للتبعيض لما جاز أن يقول مسحت برأسي كله للتناقض، كما لو قلت مسحت ببعض رأسي كله.
ولأن للرأس أربع نواحٍ الناصية، والقذال والفودان، والربع يقوم مقام ألا تري أن من رأى وجه شخص يقول: رأيته وإنما رأى أحد جوانبه
وذكر في نوادر ابن رستم: إذا وضع أصابع يده ولم يمدها جاز في قول مُحمَّد في الرأس وفي الخف ولم يجز في قولهما حتى يمدها بقدر ما يصيب البلة ربع الرأس، فهما اعتبرا الممسوح عليه، ومُحمَّد اعتبر الممسوح به وهي عشر أصابع، وربعها إصبعان ونصف، فكمل النصف لعدم تَجَزُّئِه، فجعل المفروض قدر ثلاث أصابع.
لهذا لو أعاد إصبعًا واحدًا إلى الماء ثلاث مرات يجوز. وكذا لو مسح بإصبع واحدة بجوانبها الأربعة؛ لأن ظاهرها وباطنهما يقومان مقام إصبعين، وجانبيها مقام إصبع واحدة.
قال شمس الأئمة السرخسي: الأصح عندي: أنه لا يجوز؛ فإنه ذكر في التيمم: لو مسح بإصبع أو إصبعين لا يجوز وليس هناك شيء يصير مستعملا، والوجه في ذلك: أن المفروض هو المسح باليد، وأكثرها يقوم مقام الكل، فلا بد منه، ولو استعمل في مسح الرأس أو الخف أو التيمم ثلاث أصابع كان كالماسح بجميع يده فيجوز، وإلا فلا.
الجزء 1 · صفحة 30
وفي البدائع: «لو وضع ثلاث أصابع وضعًا ولم يمدها جاز على قياس رواية الأصل، وهي التقدير بثلاث أصابع وعلى قياس رواية الناصية والربع لا يجزئه، ولو مسح بثلاث أصابع منصوبة غير موضوعة ولا ممدودة لم يجز؛ لأنه لم يأت بالمفروض، ولو مدها حتى بلغ المفروض لم يجز عند الثلاثة، وجوزه زفر.
وفي المحيط: إن كان الماء متقاطرًا جاز، كأنه أخذ ماءً جديدًا ومده، وكذا لو مسح بالإبهام والسبابة وبينهما مفتوح. يجوز (وعلى هذا: لو مسحه بإصبع أو إصبعين ومدهما حتى بلغ المفروض. وجه قول زفر أن الماء لا يصير مستعملا حالة المسح، كما لا يصير: مستعملا حالة الغسل، فصار كوضع ثلاث أصابع إذا مدها في حق الاستيعاب.
ولنا أن الأصل أن يصير الماء مستعملا بأول ملاقاته للعضو؛ لزوال، الحدث أو قصد القربة إلا أن في المغسولات لم يظهر ذلك للضرورة، وكذا في المسح إذا وضع جميع آلة المسح؛ للحاجة إلى إقامة سُنَّة الاستيعاب ولا حاجة فيما دون ذلك؛ لأنه يمكنه مسحة دفعة واحدة. ولو مسح على شعر رأسه وهو تحت الأذن لا يجوز؛ لأنه عنق، وفوقها يجوز؛ لأنه كالمسح على ما تحته. ولو مسح
ولو أصاب رأسه من ماء المطر قدر المفروض أجزأه مسحه بيده أولا؛ لأن الفعل ليس بمقصود فيه، وكذا لو أصابه من غسل وجهه قدر الربع أجزأه. رأسه ببلة كفه يجوز، قيل: هذا إذا لم يستعمله في عضو آخر، والصحيح الجواز مطلقًا؛ لأنه لم يصر مستعملا؛ إذ الغسل بالماء دون البلل، بخلاف ما لو رأسه ببلل أخذه من لحيته أو مسح مسح خفيه بالبلل الذي مسح به رأسه.
ولو أدخل رأسه أو خفه في الماء للمسح لا يجزئه المسح عند محمد، الماء مستعملا لقصده إقامة القربة، وعند أبي يوسف يجوز، ولا يصير الماء مستعملا؛ لأنه تأدى بالإصابة دون الإسالة فما سال منه لم يقم به قربة. ويصير
ولو غسل يده للطعام أو منه يصير الماء مستعملا، ومن الوسخ لا وحكى مُحمَّد بن جرير الإجماع على إجزاء الوضوء مرة واحدة؛ لأن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار وابن أبي ليلى أوجب الثلاث.
قوله: والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية». إشارة إلى أن الناصية لا تتعين حتى لو مسح القذال أو أحد الفودين جاز. ولا يجزئ مسح الأذنين عنه؛ لأن في كون الأذنين من الرأس احتمالا؛ لثبوته بخبر الواحد، فأشبه التوجه إلى الحطيم، هكذا ذكروه.
الجزء 1 · صفحة 31
قلت وفيه نظر؛ فإن الحطيم من المسجد الحرام قطعًا، وقد أمرنا بالتولية لوجوهنا شطر المسجد الحرام بقوله تعالى: {فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: و]، لكن قد
أريد به الكعبة بالإجماع، وهي من باب ذكر الكل وإرادة الجزء. ثم الأصل في اليد الأصابع، وباقيها تابع لها كما في الجناية، والثلاث أكثرها كأنه قال: امسحوا أيديكم برؤوسكم، كقولك: مسحت رأس اليتيم بيدي، فأقيم الكل الحكمي مقام الكل الحقيقي.
فإن قيل: الفرض ما يثبت بدليل قطعي ومقدار الناصية مجتهد فيه، فلا قطع فيه.
قيل له: المراد بالفرض هنا التقدير دون القطع، كقوله تعالى: {وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} [البقرة:] أي: قدرتم. ويجوز أن يراد به المفروض عندنا - كما تقول: تعديل الأركان فرض عند أبي يوسف ـ لا في نفس الأمر.
قلت في هذا الوجه الذي ذكروه نظر؛ فإنه ممنوع على رواية الربع، وثلاث أصابع عندنا.
فإن قيل: الحديث يقتضي فرضية الناصية عينها؛ لأنكم تقولون:
فعله بيان لمجمل الكتاب.
قيل له: البيان في محل الإجمال، ولا إجمال في نفس الرأس؛ لأنه معلوم، وإنما الإجمال في المقدار الواجب مسحه وهو بعض شعره على ما قاله الشافعي والاستيعاب كما قال مالك والناصية كما قلنا، فصار فعله بيانًا أن الكل غير مراد بالوجوب؛ لاقتصاره على الناصية، ولا ما دون الناصية كبعض الشعرة الواحدة وغيره؛ لعدم بيانه مع الحاجة إلى البيان ـ وهو يكون بالقول وكذا بالفعل كما بَيَّن المناسك وأوقات الصلوات - فكان ذلك بيانًا أن الباء للإلصاق لا للتبعيض، ولتعذر التبعيض أيضًا في بعض صوره، وحُمِل إفراد الرأس على الفائدة؛ إذ مسح الرأس حاصل في حق بعض شعره، أو أكبر بغسل الوجه، ولأن بقية الأعضاء مقدرة، فكذا هذا العضو. والرأس في عدم إجماله مثل «ما» في قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل:]؛ لأنها عامة على الصحيح أو مطلقة، والعام والمطلق واجب العمل بهما من غير بيان التخصيص والتقييد، فلم يكن قوله: «لا صَلاةَ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» بيانًا لمجمل أصلا.
الجزء 1 · صفحة 32
فإن قيل: مقابلة الجمع بالجمع يقتضي مقابلة الفرد بالفرد، كقولهم: ركب القوم دوابهم - وفي الجامع قال: يقتضي مقابلة الفرد بالفرد مضمومًا إليه فرد آخر، وله سر يعرف في موضعه - فكان ينبغي أن يجب على كل أخرجه مسلم رقم ..
إنسان غسل يده الواحدة، ورجله الواحدة، لا غير، فلم أوجبتم عليه غسل يديه ورجليه؟
قيل له: ويحتمل مقابلة الكل بكل فرد كقوله تعالى: {حَفِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ [البقرة:]، فيحمل على الثاني لوجوه:
أحدها: أنه: غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَالْيُسْرَى كَذَلِكَ» على ما تقدم في الحديث الصحيح من غير اقتصار على أحديهما، وجميع من حكى وضوءه حكوا أنه غسل يديه ورجليه.
الثاني: إجماع الأمة على ذلك، وهو من أقوى الحجج.
الثالث: إن الرجلين جعلتا في حكم رجل واحدة، ألا ترى أنه لا يجوز غسل إحداهما والمسح على الخف في الأخرى [فأطلق اسم الرّجل على الرجلين على تقدير المقابلة؛ لاتحاد، منفعتهما وكذا اليدان، ولا سيما في إيجاب غسلهما؛ للاحتياط في باب العبادة؛ إذ مبناها عليه. والناصية: مقدم الرأس دون الربع، وطيء تقول في الناصية: ناصاه وفي الجارية: جاراه.
ولو حلق رأسه بعد الوضوء، أو جَزَّ شاربه، أو قلم ظفره، أو كشط (ه) خفه بعد مسحه، فلا إعادة عليه؛ لأن ذلك زيادة. في الطهارة.
وقال إبراهيم عليه إمرار الماء على ذلك الموضع العنق قيل: سُنَّة، وقيل: مستحب ومس الحلقوم بدعة. ولو مسحت المرأة على خمارها ووصل الماء إلى رأسها يجوز ما لم يتلون الماء.
ولو كانت الذؤابة مشدودة فوق الرأس - كما تفعله النساء ـ فمسح على:
رأس الذؤابة لم يجز عند العامة وبعضهم جوزه إذا لم يُرسل. ثم من أسرار هذه الآية أنها مشتملة على سبعة فصول كلها مثنى، وهي: طهارتان الوضوء والغسل، ومُطَهَّران الماء والتراب، وحكمان الغسل والمسح وموجبان الحدث، والجنابة ومبيحان: المرض والسفر،:وكنايتان الغائط والملامسة وكرامتان تطهير الذنوب وإتمام النعمة الحمد لله على ذلك.
فصل في سنن الطهارة
الجزء 1 · صفحة 33
في المحيط: السُّنَّة: ما واظب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتركه إلا مرة أو مرتين، والأدب: ما فعله مرة وتركه أخرى، هذا هو المشهور في الكتب وفي المفيد والمزيد: السُّنَّة: ما واظب عليه، ولم يتركه إلا لعذر، والأدب: ما فعله مرة أو مرتين ثم تركه. وفي المنافع: قال خواهر زاده حد السُّنَّة ما فعله على سبيل المواظبة ويؤمر بإثباتها ويلام على تركها». قوله: سنن الطهارة».
أضيفت السنن إلى الطهارة لأنها محل، السنن، وهي بمعنى «في» اللام على ما تقدم في كتاب الطهارة.
ثم ذكر في التحفة والغنية للطهارة إحدى وعشرين سنة، بعضها في أول الوضوء، وبعضها في أثنائه. إلا أن بعض ذلك جعله صاحب الكتاب من
المستحبات على ما يأتي شرح ذلك إن شاء الله تعالى.
قوله: «غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء إذا استيقظ المتوضئ من نومه؛ لقوله: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده.
هذا حديث أبي هريرة متفق عليه إلا البخاري؛ فإنه لم يذكر العدد.
وفي الترمذي، وابن ماجه: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدِكُمْ مِنْ اللَّيْلِ». وقال أبو الفرج ابن الجوزي: مِنْ نَوم الليل»، قال: «وانفرد بإخراجه مسلم. فزاد لفظ
«نوم»، وعزاه إلى مسلم، وهو سهو منه، وإنما خرجه
الترمذي وابن ماجه من غير ذكر «نوم» كما ذكرته.
وفي رواية لمسلم: «فَلا يَغْمِس يَدَهُ فِي وَضُوْئِهِ».
وذكر الإناء خرج مخرج الغالب وهو مفرد وجمعه «آنية» على «أَفْعِلَة»
بقلب الهمزة الثانية ألفًا كآمن وقوله: أين باتت يده ولم يقل: فلعل يده وقعت على دُبُرِه أو
ذَكَرِه، فكنى بذلك عنهما.
وهي من آداب الشرع، ونظيره في الاستحباب: ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم
الجزء 1 · صفحة 34
قال: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيَاشِيمِهِ»، متفق عليه
واختلف الفقهاء في غسل اليدين قبل الوضوء على أربعة أقوال: قول: أنه سُنَّة بإطلاق وهو المشهور، وهكذا ذكره في المحيط، والمبسوط، ويدل عليه أنه لم يتوضأ قط إلا غسل يديه، وحديث .. عثمان فيه متفق عليه ومثله في التحفة، والحواشي، والمنافع وفيه: «تقديم غسلهما إلى
فصل في سنن الطهارة
الرسغين سُنَّة تنوب عن الفرض كالفاتحة تنوب عن الواجب وفرض القراءة»
وقول: أنه
: أنه مستحب للشاك في طهارة يده، مروي عن مالك. وقول: أنه واجب على المنتبه من النوم وبه قال داود وأصحابه؛ لظاهر الحديث المتقدم.
وقول: أنه واجب على المنتبه من نوم الليل دون النهار، قاله أحمد؛ لحديث الترمذي وابن ماجه؛ لقوله: من الليل.
أن يكون هنا قول خامس وهو أن من شك هل أصابت
قلت: وينبغي يده نجاسة أم لا؟ يجب غسلها في مشهور مذهب مالك
ولو أدخل يده في الإناء أراقه وجوبًا عند الحسن، وإسحاق، وابن
جرير وداود، وإن لم يكن على يده نجاسة.
ويستحب غسلها عندنا ولا يجب؛ للشك.
ويحتمل أن يكون هنا قول سادس: وهو أن يكون سُنَّة للمستيقظ من نومه حسب، ولهذا قيد به في الإيضاح، وشرح مختصر الكرخي، وسائر شروح القدوري؛ لأن النوم مظنة واليد طوافة على البدن، فلعلها تقع على موضع النجاسة أولا.
لكن هذا مردود بمن نام مستنجيًا بالماء لا حاجة له إلى غسل اليدين
في الحواشي: تقديم غسل اليدين للمستيقظ تبرك بالحديث، وإلا فسببه
الجزء 1 · صفحة 35
شامل له ولغيره. ويؤيد ذلك قول صاحب الهداية: «ولأن اليد آلة التطهير فيسن تطهيرها أولا»
وقال في المنافع: فلا يغمسن يده في الإناء»، نهي مؤكد بالنون. وهكذا كتب أصحابنا فيها بنون، التأكيد، ولم أر خلافه، وليس في لفظ
الحديث نون التأكيد فيما علمته بعد الكشف التام عن طرقه وألفاظه. وأول الحديث وإن دل على تحريم إدخال اليد في الإناء، لكن في آخره ما يدل على خلافه؛ فإن قوله: فإنه لا يدري أين باتت يده ينافي التحريم؛ لأن معناه: هل باتت في مكان طاهر أو نجس من بدنه؟ والنجاسة موهومة، فكان من
باب التورع والاحتياط دون الوجوب، كما في حديث الاستنثار المتقدم. ولأن حكم اليقين لا يزول بالشك، ومن شك في النجاسة يستحب غسل
يده ولا يجب. ولأن أول الحديث يدل على الوجوب، وآخره ـ وهو التعليل بتوهم النجاسة والاستصحاب - يدل على الاستحباب فأثبتنا أمرًا بين أمرين - وهو السُّنَّة - توفيقا بينهما. ولأنه يجب غسل اليدين عند تحقق النجاسة، فلو وجب عند توهمها
يلزم الاستواء في المُوجَب مع التفاوت في الموجب. ولأن النهي أمر بغسل اليد] اقتضاء فلو قلنا بوجوبه أثبتنا
بالمقتضى ما يثبت بالصريح. فصل في سنن الطهارة
قال أحمد: المبيت لا يكون إلا بالليل.
قال أبو عمر النمري: يشبه أن يكون ما قاله أحمد صحيحًا؛ فإن الخليل قال: البيتوتة: دخولك في الليل، وكونك فيه بنوم وبغير نوم، ألا ترى أنك تقول: بت أرعى النجوم معناه: أنظر إليها، ومن قال بت بمعنى نمت، فقد أخطأ». قوله: «إذا استيقظ المتوضئ من نومه». في
يحتمل أن يريد بالمتوضئ [من نام على وضوء، فإذا سُن ذلك حقه فغيره أولى، به وأن يريد به من يريد التوضؤ، فسماه متوضئًا
لقصده التوضؤ ثم إن كان الإناء صغيرًا يرفعه بشماله ويصبه على كفه اليمنى، ويدلك أصابعها بعضها في بعض يغسلها ثلاثًا، ثم يأخذ الإناء بيمينه، ويصبه على اليسرى يغسلها مثل ذلك ثلاثًا؛ لأن الجمع بينهما كل مرة غير مسنون، هكذا قال في المحيط؛ لأنه ربما أدى إلى تنجيس موضع الأخذ من الإناء.
الجزء 1 · صفحة 36
وإن كان كبيرًا لا يمكنه رفعه فإن كان معه إناء صغير، يرفع الماء به، ولا يدخل يده فيه ثم يغسل يده على ما بينا، وإن لم يكن معه إناء صغير، يدخل أصابع يده اليسرى مضمومة في الإناء، ولا يدخل الكف، ويرفع الماء من الإناء، ويصب على يده اليمنى، ويدلك كما تقدم، ويفعل ثلاثا، ثم يدخل اليمنى في الإناء بالغا ما بلغ.
والحديث محمول على ما إذا كان الإناء صغيرًا، أو كبيرًا ومعه إناء
صغير، وإن لم يكن فهو محمول على إدخال الكف.
عن مُحمَّد: لو أخذ بفمه ماء، ولم يرد به المضمضة، فغسل نجاسة ثوبه، أو توضأ به جاز، وروي عن أبي يوسف أنه لا يجوز الوضوء به، ويجوز غسل ثوبه
ثم قيل: يغسل يديه مرتين مرة قبل الاستنجاء ومرة بعده
ثم إذا أراد غسل يديه بعد غسل وجهه هل يغسل ذراعيه لا غير؟ أو يغسلها من أول الأصابع؟ ذكر ذكر في الأصل: غسل الذراعين لا غير؛ لتقدم غسل اليدين إلى الرسغ مرة قال السرخسي - على ما في الذخيرة -: «الأصح عندي أن يعيد غسل اليدين ظاهرهما وباطنهما؛ لأن الأول كان سُنَّة افتتاح الوضوء، فلا ينوب عن فرض الوضوء. وهو مشكل؛ لأن المقصود هو التطهير) بأي طريق حصل، فلا معنى لإعادته».
قوله: (وتسمية الله تعالى في ابتداء الوضوء».
كان أنسب من الحديث الذي ذكره ما رواه الدارقطني عن عائشة قالت: «كَانَ إِذَا مَسَّ طَهُورَهُ سَمَّى الله تَعَالَى ثُمَّ يُفْرِغُ المَاءَ عَلَى يَدِيهِ» والحديث الذي ذكره: رواه أبو داود عن يعقوب بن [سلمة] عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا صَلاةَ لِمَنْ لا وُضُوءَ لَهُ، وَلا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ اللَّهِ عَلَيْهِ، وابن ماجه، وأحمد.
قال أبو بكر الأثرم: سمعت أحمد يقول: ليس في هذا حديث يثبت، وقال: أنا لا آمره بالإعادة وأرجو أن يجزئه الوضوء؛ لأنه ليس فيه حديث أحكم به، ذكر ذلك عنه أبو الفرج.
وقال البخاري: «لا يعرف [لسلمة] سماع عن أبي هريرة، ولا ليعقوب سماع من أبيه».
الجزء 1 · صفحة 37
وفيها أقوال ثلاثة:
القول الأول: أنه سُنَّة، ذكره في المحيط، وشرح مختصر الكرخي، [كذا
في المبسوط، والتحفة، والغنية، والمنافع.
و"قال المرغيناني" هو الصحيح، وقال: في ظاهر الرواية: هي
قال: وإنما ذكرت بلفظة الاستحباب أدب،
وقال صاحب الهداية والأصح أنها مستحبة، وهو القول الثاني. والقول الثالث: أنها واجبة قال الرازي وهو قول بعض أهل الحديث، ويُعزى إلى أحمد.
قال ابن بطال: ذهب بعض من زعم أنه من أهل العلم إلى أنها فرضالوضوء».
وقال إسحاق: إن تركها عامدًا لم يجزئه، وإن تركها ناسيا أجزأه. وقال القدوري: «قال قوم: إن التسمية في أول الوضوء فرض، وهذا غلط»
وعن مالك: أنه أنكر التسمية في أول الوضوء، فقال: أتريد أن تذبح؟. قلت: إن كان إنكاره كونها شرطًا كما تكون شرطًا لحل الذبيحة فهو موجه، وإن كان إنكاره كونها مستحبة وسُنَّة في أول الوضوء، فإنكاره ليس له وجه؛ لما ذكرنا من حديث عائشة، ولما روي عنه أنه قال: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي لَا يُبْدَأُ فيه باسم اللهِ فَهُوَ أَبْتَرُ». وعن أبي هريرة عن النبي الله أنه قال: «مَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَليهِ كَانَ طُهُورًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ كَانَ طُهُورًا بال ينظر: أحكام القرآن للجصاص
لِمَا مَرَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ»، رواه الدارقطني، والبيهقي، وضعفه أئمة الحديث. ونص القرآن ينفي كونها فرضًا؛ لأنها زيادة على الكتاب بخبر الواحد ولم يثبت.
ولأن بخبر الواحد لا يثبت وجوب ما يعم به البلوى عندنا. ولأنه علم الأعرابي الوضوء، ولم يذكر له التسمية، وهو جاهل أحكام الوضوء، فلو كانت شرطا لعلمه إياها.
ولأن كل من حكى صفة وضوئها في الأحاديث الصحيحة لم يذكر التسمية، ولو كانت شرطًا لصحته لذكرها.
ولأنها لو كانت شرطا لصحته، لذكرها ولأنها لو كانت شرطا لصحته لاستوى فيها العمد والنسيان كتحريمة الصلاة.
الجزء 1 · صفحة 38
ثم هو إن يثبت يحمل على نفي الفضيلة والكمال على ما عرف في غيره، كقوله: «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ»، و «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ». ثم هو لا يوجبها عند غسل الجنابة والحيض مع جواز الصلاة بذلك، وهذا يناقض ما [عليه إجماع العلماء أن من اغتسل من الجنابة ولم يتوضأ وصلى أن صلاته تامة])، قاله ابن بطال.
أو يحمل النفي على النهي كقوله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ} [البقرة:]، بدليل ما ذكرنا من الحديث الذي دل على الجواز بدونها. فإن قيل: لِمَ لم تجعلوها واجبة فيه كالفاتحة في الصلاة؟
قيل له: لم تنقل المواظبة عليها فيه كالفاتحة، ولأن الصلاة عبادة
مقصودة، والوضوء ليس كذلك، فانحطت رتبته عن ذلك، فأفادت السُّنَّة. ثم أورد في المنافع سؤالا، فقال: لا دلالة للحديث على أنها سُنَّة في ابتدائه، فلم جعلتموها سُنَّة في ذلك؟.
وهذا السؤال غير وارد؛ لأني ذكرت حديث عائشة لنا أنها سُنَّة في أوله. وفي المحيط: قيل: يُسَمِي قبل الاستنجاء بالماء؛ لأنه من الوضوء، والبداءة شرعت. فيه التسمية وقيل بعده لأن ذكر اسم الله تعالى حال كشف العورة غير مستحب؛ تعظيمًا لاسمه تعالى
وفي الكتاب جمع بين القولين، وقال: هو الصحيح
وفي جوامع الفقه: ويبدأ بالتسمية بعد الاستنجاء، هو المختار، وعن الحسن: يأثم بتركها.
وقال النواوي: عن أبي حنيفة رواية: أنها ليست مستحبة».
وهذا غير معروف عنه. ونختم
المسألة بحديث أنس ه: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَضَعَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ الَّذِي فِيهِ الْمَاءُ، ثُمَّ قَالَ: تَوَضَّتُوا بِسْمِ اللهِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ
أَصَابِعِهِ، وَالْقَوْمُ يَتَوَضَّرُّونَ حَتَّى تَوَضَّرُّوا عَنْ آخِرِهِمْ، وَكَانُوا نَحْوَ سَبْعِينَ رَجُلًا».
قال البيهقي: إسناده جيد، واحتج به في كتابه المعرفة، والسنن، وضَعَف بقية الأحاديث.
قوله: «والسواك سُنَّة».
يقال: سوَّك فاه تسويگا، فإذا قلت تسوَّك واستاك لم يُذكر الفم، السواك: سُوك، مثل: كتاب وكُتُب
الجزء 1 · صفحة 39
وحمار وحُمر. قال أبو حنيفة وجمع اللغوي: ربما همز سؤك. والسواك، والمسواك: اسم العود يذكر ويؤنث، قاله في المحكم وكذا في المنافع). وفي الحواشي: أنه اسم العود فتكون السُّنَّة استعماله، بحذف
المضاف وفي العارضة والتهذيب السواك في العربية الحركة، يقال: تَسَاوَكَت الإبل: إذا تمايلت في مشيها من الضعف، فعلى هذا: لا حذف فيه. واختلف العلماء في السواك، والمذهب أنه سُنَّة عند مضمضة الوضوء، ذكره في المحيط، وشرح مختصر الكرخي والطحاوي، والتحفة، والغنية، والمنافع، وغيرها.
وقال في شرح الطحاوي: أنه سُنَّة فيه، رطبًا أو يابسا، مبلولا بالماء أو لا في جميع الأوقات، على أي حال كان. لا، وفي المفيد: وقيل: هو من سُنَّة الدين، لا من سُنَّة الوضوء؛ لعدم اختصاصه به.
قلت: يجوز أن يكون من الوضوء وإن لم يختص به، كالسجود ركن في الصلاة وإن لم يختص بها كسجدة التلاوة، والصوم شرط الاعتكاف الواجب وإن لم يختص به. وقيل: أنه مستحب، قال في خير مطلوب: وهو الصحيح. واستحبه مالك في كل حال يتغير فيها الفم وقال إسحاق بن راهويه هو فرض
قال في الكتاب: «لأنه واظب عليه.
ولم يذكر الموبة عند الوضوء، وتَرَك النصوص الواردة بالسواك عند الوضوء، منها:
ما رواه مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أنه قال:
«لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسَّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءِ)
وعن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أنه قال: «لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِهِ لَأَمَرَهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءِ)
قال أبو عمر: «هذا يدخل فى المسند؛ لاتصاله من غير ما وجه» هذا معروف من جهة بشر بن عمر، وروح بن عبادة مالك بسنده مرفوعًا. صحيح عنهما عن
ورواه ابن خزيمة في صحيحه وكذا النسائي والدارقطني مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «السَّوَالُ مَعَ كُلَّ وُضُوءٍ».
وعن سعيد الَفَرَضْتُ عَلَيْهِمُ السَّوَاكَ مَعَ كُلَّ وُضُوءٍ»). ورواية الكشي من حديث سعيد: مَعَ كُلِّ طُهُورٍ»، ذكره في الإمام)، وخرجه أحمد أيضًا.
فلو كان فرضًا لأمرهم به شق، أو لم يشق.
الجزء 1 · صفحة 40
وفي مسلم: «تَسَوَّكَ لا فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى ثُمَّ اضْطَجَعَ».
وفي البخاري: «قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ»، ويروى نحوه عن جابر، وزيد بن خالد عن النبي وهذا تعليق
وعن عائشة عن النبي: «فَضْلُ الصَّلَاةِ بِسِوَاكِ عَلَى الصَّلَاةِ بِغَيْرِ سِوَاكِ سَبْعُونَ ضِعْفًا»، أخرجه أحمد من طريق مُحمَّد بن إسحاق.
والسواك الواقع عند الوضوء واقع للصلاة؛ لأن الوضوء للصلاة، فيحمل الحديث الذي فيه: «لأَمَرْتُهُمْ بِالسَّوَاكِ عِنْدَ كل صَلَاةٍ»، على ما ذكرنا توفيقا بين الأحاديث.
ولأن السواك عند الصلاة ربما جرح الفم، وأخرج الدم، وهو نجس بلا أن خلاف، والخلاف في انتقاض الوضوء به، فينبغي ذلك. يجتنب
قال ابن العربي وكونه سُنَّة أقوى، وظاهره يبطل قول من افترضه
وفيه عشر فوائد مطهرة للفم مرضاة للرب مطردة للشيطان، مفرحة
للملائكة، يشد اللثة، يذهب الحفر والبلغم، ويجلو البصر، ويكفر الخطيئة، ويزيد في الحسنات قاله ابن عباس وأسنده الدارقطني وعند فقده يعالج بالأصبع من يده اليمنى، كذا في المبسوط والمحيط؛ لأنه كان يفعل ذلك، رواه البيهقي
قوله: والمضمضة والاستنشاق
المضمضة: تحريك الماء في الفم والاستنشاق: إدخال الماء في الأنف، استفعال من النشوق: وهو سعوط يجعل في المنخرين، ونشقت منه ريحًا طيبة، أي: شممت.
وفي المبسوط: «الأفضل أن يتمضمض ثلاثا، يأخذ لكل مرة ماءً
جديدًا، ثم يستنشق كذلك».
وفي المحيط قال: «السُّنَّة، ثم قال: هكذا حكى عثمان وعلي وضوء رسول الله
قلت: لم يحك واحد منهما أنه أخذ لكل مرة ماءً جديدًا، وإنما حُكي أنه تمضمض واستنشق ثلاثا.
وفي بعض طرق حديث علي الله أنه قال: بِمَاءِ وَاحِدٍ».
الجزء 1 · صفحة 41
وفي حديث عبد الله بن زيد: بِكَفِّ وَاحِدَةٍ) رواه البخاري وإلى هذا ذهب الشافعي، وإنهما سُنتان في الوضوء والجنابة. وبه قال
مالك، والليث، والأوزاعي
وذهب ابن أبي ليلى إلى أنهما واجبان في الطهارتين
وذهب أبو ثور، وأحمد إلى أن الاستنشاق واجب فيهما، والمضمضة
غير واجبة هكذا حكاه. ابن بطال عنهما.
وقال أبو الفرج هما واجبان عند أحمد فيهما.
وعندنا: هما سُنتان في الوضوء واجبان في الجنابة.، وبه قال الثوري وإسحاق بن راهويه
لنا في الوضوء: مواظبته عليهما فيه، وهي تفيد السنة دون الفرض. وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ سُنَّةٌ»، رواه الدار قطني الآية.
وقوله: «عَشْرُ مِنَ الْفِطْرَةِ»، أي: السُّنة، رواه مسلم. وهو محمول على الوضوء؛ لما نذكره بعد في فصل الغسل إن شاء الله تعالى. ولأن الفم والأنف ليسا داخلين في حد الوجه، فلا يستفاد وجوبهما من
ولأنهما من الوجه من وجه دون وجه فنزلا إلى السُّنَّة كالأذنين في كونهما من الرأس كذا
فإن قيل: ينبغي أن يُسنًا بماء الوجه كما قلتم في مسح الأذنين لما كانا من الرأس من وجه؛ لما دل عليه الحديث، وهكذا في رواية البيهقي ذكر في الحواشي
قيل له: ميزنا بين فرض الغسل وفرض المسح في حق التبع، فأفردنا تبع الغسل بالحكم لقوته ولهذا لا يقام سُنَّة الغسل - وهي التثليث - إلا بماءجديد.
والدليل على تجديد الماء لكل مرة فيهما حديث طلحة بن مُصَرِّف - بكسر الراء، وقال القلعي: ويُروى بفتحها»، وهو غريب ـ عن أبيه عن جده ـ وهو كعب بن عمرو، وقال أبو بكر مُحمَّد إسحاق بن خزيمة الحافظ: اسمه عمرو بن كعب، والأول أصح ـ قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ»، رواه أبو داود.
وكذا رواه البويطي بثلاث غرفات للفم وثلاث للأنف. وحكى إمام الحرمين: القطع بتفضيل
الجزء 1 · صفحة 42
الفصل، وبه قطع المحاملي في المقنع، وتأولوا حديث عبد الله بن زيد ونص الشافعي: أن المراد به الجواز
والذين حكوا قولين اختلفوا في الأصح، فصحح الشيرازي، والمحاملي في المجموع والروياني والرافعي وكثيرون الفصل. ثم اختلفوا هل هما بست غرفات أو بغرفتين؟.
ولم يذكر في حديث عثمان ولقيط بن صبرة، وعلي، في أكثر طرقه، وعمرو بن عبسة بماء، واحد ولا بكف واحدة.
وفي حديث عمرو: «فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا مِنْ ثَلَاثِ غَرَفَاتِ»، وهو في الصحيح
ولأن ما ذكرناه أبلغ في النظافة، فكان أولى.
ولأن الأصل: أن لا ينتقل من عضو إلى عضو حتى يفرغ من الأول. ولقوله: مِنْ كَفَّ وَاحِدَةٍ تأويلان:
أحدهما: أنه لم يستعن في المضمضة والاستنشاق باليدين كما يفعل فيغسل الوجه القذى.
الثاني: أنه فعلها باليد اليمنى؛ ليكون ردًّا على من يقول: يستعمل في المضمضة اليمنى وفي الاستنشاق اليد اليسرى، لكون الأنف موضع قال المرغيناني: «لو أخذ الماء بكفه فتمضمض ببعضه واستنشق بالباقي جاز، وعلى خلافه لا يجوز.
ثم قيل: الحكمة في تقديمهما اختبار رائحة الماء وطعمه؛ كيلا يكون وضوؤه بما لا يجوز بسبب التغير؛ لأن اللون مشاهد فسُنَّا لاختبار الرائحة والطعم. وقيل: الاستنشاق بالشمال؛ لأن اليسار للأقذار
والسُّنَّة المبالغة فيهما إلا في حالة الصوم؛ بحديث لقيط بن صبرة - بكسر الباء - قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضُوءِ، قَالَ: أَسْبِعْ الْوُضُوءَ، وَخَلَّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالِغُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»، رواه الخمسة، وابن خزيمة وابن الجارود وصححه الترمذي
قوله: «ومسح الأذنين».
مذهب الشافعي: أنهما ليستا من الرأس ولا من الوجه، نقله النواوي
في شرح المهذب، ويؤخذ لهما ماءً جديدًا، ولو أمسك بعض أصابعه بمائه
الذي أخذه للرأس فمسح به أذنيه، صع. صَحَ معه، وقال الزهري: هما من الوجه فيغسلان معه
الجزء 1 · صفحة 43
وقال الشعبي، والحسن بن صالح ما أقبل منهما فهو من الوجه يغسل:
وما أدبر من الرأس يمسح معه واختاره إسحاق بن راهويه. وقال الأكثرون: هما من الرأس، قال ابن المنذر: رويناه عن ابن عباس، وابن عمر وأبي موسى، وبه قال عطاء، وابن المسيب، والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، والنخعي، وابن سيرين وابن جبير، وقتادة، ومالك. وهو قول أصحابنا.
قال أبو عيسى الترمذي: وهو قول أكثر العلماء من الصحابة فمن
بعدهم، وبه قال الثوري وابن المبارك، وأحمد.
وفي المحيط: ومسح الأذنين سُنَّة بماء الرأس
وفي المبسوط: «الأفضل أن يمسح ما أقبل من أذنيه مع الرأس، وإن غسل ما أقبل منهما مع الوجه جاز؛ لأنه مسح وزيادة، ولا يأخذ لهما ماءً جديدا».
ولنا: قوله تعالى: {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ} [الأعراف:]، قيل: المراد به الأذن.
وقوله في حديث أبي أمامة: الأَذْنَانِ مِنَ الرَّأْسِ»، رواه أبو داود، وابن ماجه والدارقطني، والبيهقي
وروي من رواية ابن عباس وابن عمر، وأنس وعبد الله بن زيد، وأبي هريرة، وعائشة
وذكر أبو الفرج بن الجوزي سبعة أحاديث أن الأذنين من الرأس، قال: وروي ذلك من طرق كثيرة فيها ضعف، فاقتصرنا على السبعة». وقال أبو بكر ابن العربي: ذكر الأذنين من الرأس ابن عباس)، والربيع بنت معوذ)، في وضوئه، وبيانهما أقوى من سكوت غيرهما.
وحديث ابن عباس إسناده جيد، قاله النواوي
ولا يخلو أن يكون المراد بذلك: الحقيقة والخلقة، وذلك مشاهد لا يحتاج إلى بيانه، وبعث لبيان الشرع والأحكام دون الخلق والحقائق، أو يكون المراد أنهما ممسوحان كالرأس، وهذا بعيد؛ فإن اتفاق العضوين في الفرض لا يوجب إضافة أحدهما إلى الآخر، فعلم أن المراد أنهما ممسوحان بالماء الذي أخذ للرأس.
وتأويل حديث عبد الله بن زيد: «أَنَّهُ أَخَذَ لأُذُنَيْهِ مَاءً خِلَافَ الْمَاءِ الَّذِي أَخَذَ لِرَأْسِهِ»: أنه لم يستعمله، أو أنه لم يبق] في كفه بلة، أو يحمل على الجواز لأن السُّنَّة لا تثبت بمرة واحدة وإذا كانتا من الرأس لا يؤخذ لهما ماء جديد كسائر أجزاء الرأس.
الجزء 1 · صفحة 44
وذكر الحاكم في المنتقى: لو أخذ غرفة فتمضمض، وغسل وجهه، قال: لا يجزئه، فإذا أقامهما بماء واحد كان المفروض تبعًا للمسنون فلا يجوز، وهنا يكون المسنون تبعا للمفروض فيجوز.
ويرد على من جعلهما من الوجه عدم لزوم مسحهما في التيمم، مع وجوب مسح جميع الوجه فيه وكان يمسحهما، ولم ينقل عنه غسلهما مع وجوب غسل الوجه.
وروي عن إسحاق بن راهويه: أن وعن الشيعة: لا يستحب مسحهما
من تركهما عمدًا لم تصح طهارته
وعن ابن سريج: أنه كان يغسل أذنيه مع وجهه، ويمسحهما مع رأسه ومنفردتين؛ احتياطا في العمل بمذاهب العلماء وقد غلط منغَلَّطه زاعمًا أن الجمع لم يقل به أحد؛ فإن الشافعي
استحب غسل النزعتين - وهما جانبًا الجبهة اللذان حف) عنهما الشعر ـ مع الوجه،
مع أنهما يمسحان في الرأس: قوله وتخليل اللحية
فيه أقوال أربعة:
القول الأول: أنه واجب يروى ذلك عن سعيد بن جبير، وابن
عبد الحكم من المالكية.
القول الثاني: أنه سُنَّة، وبه قال أبو يوسف والشافعي، ورواية عنمحمد
قال في خير مطلوب: وهو الأصح.
القول الثالث: أنه مستحب وفي المحيط أدب، وليس بمسنون، وهو قول أبي حنيفة، ومُحمَّد».
وقال القدوري في شرح مختصر الكرخي: هو سُنَّة عند أبي يوسف، جائز عند. أبي حنيفة ومُحمَّد»، وهو الذي ذكره صاحب الهداية. وقال فخر الإسلام في المبسوط: وتخليل اللحية مستحب عند أبي
حنيفة، وعندهما سُنّة وفي المفيد والمزيد هو من آداب الوضوء عندهما، وعند أبي يوسف
سُنَّة، وكذا في التحفة، والغنية.
وفي شرح الطحاوي الأفضل، تخليلها، وإن لم يفعل أجزأه.
الجزء 1 · صفحة 45
القول الرابع: لا يستحب قاله مالك في العتبية.
وصفته: أن يخللها بأصابعه من أسفلها وتفسيره: أن يدخل أصابع يديه
في خللها وهي الفروج التي بين الشعر ومنه الخليل؛ لدخول حبه فروج الجسم حتى بلغ القلب.
وجه الأول:: حديث أنس: «أَنَّهُ أَخَذَ كَفَّا مِنْ المَاءِ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ، فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ الكريمة، ثَمَّ قَالَ: هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي»، رواه أبو داود،
وليس فيه ذكر جبريل، والأمر للوجوب.
السُّنَّة: ووجه
حديث عثمان لهلهلهله: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ»،
قال الترمذي: حسن صحيح وجوه
قال أبو عمر ابن عبد البر: روي عنه أنه خلل لحيته في الوضوء من كلها ضعاف
قلت: العجب من أبي عمر كيف يقول هذا؟ وحديث عثمان صححه الترمذي كما تقدم.
وقال ابن أبي حاتم في كتاب العلل: سمعت أبي يقول: لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في تخليل اللحية حديث، فوافق أبا عمر.
ثم نظرنا فإذا الذي صححه الترمذي هو من حديث عامر بن شقيق عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن عثمان.
قال يحيى بن معين: عامر ضعيف وقال أبو حاتم: ليس بالقوي،
وليس من وائل بسبيل فعاد القول على الترمذي في تصحيحه حديثه.
وقال الطحاوي التيمم واجب فيه مسح البشرة قبل نبات اللحية في في الوضوء. فكذا عند جميعهم،
سقط الوجه، ثم بعده ولهما: أن السُّنَّة إكمال الفرض في محله كتخليل أصابع الرجلين، والمضمضة والاستنشاق؛ لأن الفم والأنف من الوجه من وجه، ولا كذلك ما تحت اللحية؛ لسقوطه بنبات اللحية.
وذكر أصحابنا أنه كان إذا خلل لحيته الكريمة شبك أصابعه كأنها أسنان مشط.
الجزء 1 · صفحة 46
وليس لذلك كله ذكر في كتب الحديث، وإنما ذكر ابن ماجه، والدارقطني عن ابن عمر وَشَبَكَ لِحْيَتَهُ بِأَصَابِعِهِ مِنْ تَحْتِهَا»، ولم يزد. وقال الدارقطني: الصواب أنه موقوف على ابن عمر
وذكر الرازي: كأنها أسنان مشط.
وتخليل الأصابع».
ذكر في الغنية والتحفة والمنافع أصابع اليدين والرجلين) وسكت الجمهور عن ذكر اليدين الحصول وصول الماء أثناء أصابعهما بغسل الوجه واليدين والرجلين. وتخليلهما يكون بالتشبيك بينهما وفي فر ·
الذخيرة: «تخليل الأصابع إذا كانت مضمومة وهو يتوضأ من الإناء قال المرغيناني: بماء متقاطر».
قلت: المراد وصول الماء إلى أثنائها لا نفس التخليل، ولهذا قال: وإن توضأ في الماء الجاري أو الحوض وأدخل رجليه الماء يجزئه ترك التخليل وإن كانت منضمة».
وفي جوامع الفقه للعتابي: تخليل أصابع الرجلين إذا كانت منضمة واجب».
والمراد بالتخليل ما ذكرناه. وفي شرح شيخ الإسلام): أن تخليلها قبل وصول الماء إلى أثنائها
فرض، وبعده سُنَّة.
وقال شمس الأئمة الحلوانى: سُنَّة مطلقا، وهو قول الشافعي وأحمد.
ومن الناس من قال: تخليل أصابع الرجلين فرض
وهو واجب في اليدين عند مالك.
وقال إسحاق بن راهويه: وكذا في الرجلين
وقال مالك: لا يلزم في الرجلين ذكره في العتبية؛ لأنها متلاصقة يشق إيصال الماء إليها، وإنها تجب عنده في الجنابة، وإذا كانت أصابع يديه ورجليه متلاصقة سقط ذلك كله فيها، ولم يلزم فصلها عنده
وقال في المبسوط: «لم يذكر تحريك الخاتم ونزعه، وذكر أبو سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني - عرض المأمون عليه القضاء فأبى ـ عن محمد: نزعه في الوضوء ليس بشيء، قال: والحاصل إن كان واسعا يدخل الماء تحته فلا حاجة إلى، نزعه ولا تحريكه وإلا يجب، نزعه، وفي التيمم يجب نزعه».
وفي المحيط: «إن كان ضيقًا ولم ينزعه جاز، والاحتياط في تحريکه.]
الجزء 1 · صفحة 47
وفيه أحاديث:
الأول: حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال]: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلَّلْ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ»، رواه ابن ماجه، وأحمد، والترمذي، وقال: حسن غريب، وضَعَّفه مالك.
الحديث الثاني: عن المستورد بن شداد قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم
تَوَضَّأَ فَخَلَّلَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصِرِهِ»، رواه أبو داود، وأحمد، وابن ماجه،
والترمذي، والبيهقي، وهو من حديث عبد الله بن لهيعة، وهو ضعيف. الحديث الثالث: عن عائشة لالها قالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُخَلِّلُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَيَقُولُ: خَلَّلُوا بَيْنَ أَصَابِعِكُمْ لَا يُخَلَّلُ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهَا بِالنَّارِ»، وهو ضعيف؛ لأنه من رواية عمر بن قيس قال البخاري: منكر الحديث، رواه الدارقطني، وقال: عمر بن قيس: ضعيف».
الحديث الرابع: حديث لقيط بن صبرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا تَوَضَّأْتَ
فَخَلَّلْ بَيْنَ أَصَابِعَ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ»، قال الترمذي: حسن صحيح الحديث الخامس: عن عثمان ل له: «أَنَّهُ خَلَّلَ بَيْنَ أَصَابِعَ قَدَمَيْهِ ثَلَاثًا، وَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَعَلَ كَمَا فَعَلْتُ»، رواه الدارقطني، والبيهقي، بإسناد جيد
الحديث السادس: عن أبي هريرة الله قال: قال: «خَلَّلُوا أَصَابِعِكُمْ لَا يُخَلَّلُهَا اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي النَّارِ»، في الدارقطني
وتحريك الخاتم وروى الدارقطني وغيره أنه: «كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ حَرَّكَ الخَاتَمَ»، وهو ضعيف
قال البيهقي: «والاعتماد على الأثر، روي عن علي، وابن عمر: أنهما كانا إذا توضئا حركا الخاتم.
والتخليل إنما يكون سُنَّة بعد وصول الماء إلى أثناء الأصابع - جمع ثني - بكسر الثاء المثلثة وسكون النون - وهو طي الشيء وداخله ـ أما قبله فيكون فرضًا.
والوعيد المذكور في الحديث بترك إيصال الماء إليها.
ووجهه أن الفرض لا يثبت به؛ لأنه من الآحاد لو صح، فلم يبق إلا الوجوب، أو السُّنَّة، والوجوب منتف؛ لأنه عَلَّم الأعرابي الوضوء، ولم يعلمه التخليل، فلو كان واجبًا لعلمه.
الجزء 1 · صفحة 48
ولأنه: «تَوَضَأْ مَرَّةً مَرَّةً»، من غير تخليل، فتعين له السنة. لا:
ولأنه إكمال الفرض في محله على ما تقدم.
وتكرار الغسل إلى الثلاث»).
حكى مُحمَّد بن جرير الإجماع على إجزاء الوضوء مرة مرة، وذكر صاحب الإبانة عن ابن أبي ليلى: أنه أوجب الثلاث. وحديث ابن عباس: «أَنَّهُ لا تَوَضَأَ مَرَّةً مَرَّةً»، رواه الجماعة إلا
مسلمًا، فدل على إجزائها.
وحديث عبد الله بن زيد بن عاصم - لا ابن عبد ربه -: «أَنَّهُ:
مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ»، رواه البخاري وغيره تَوَضَّأَ
وعن عثمان ه: «أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَائًا»، رواه البخاري، ومسلم المذهب. لَا
فالأول الفرض، والثاني: السُّنَّة والوضوء الثالث: كمال السُّنَّة، وهو
وقيل: والثانية والثالثة سُنَّة وقيل الثانية: سُنَّة، والثالثة: نفل، وقيل على العكس وعن أبي بكر الإسكاف: الثلاث فرض، كإطالة الركوع والسجود ذكره في مختصر البحر المحيط. السلا مِهِ،
وحديث عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن معاوية بن قرة عن ابن عمر أنه: تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، فَقَالَ: هَذَا وُضُوءُ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلاةَ إِلَّا وتَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ: هَذَا وُضُوءُ مَنْ يُضَاعِفَ اللهُ لَهُ الأَجْرَ مَرَّتَيْنِ، تَوَضَّأَ ثَلاثًا ثَلاثًا فَقَالَ: هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي».، تقدم.
وفي بعض طرقه: «وُضُوءُ خَلِيلِ اللهِ إِبْرَاهِيمَ» مكان: ((الأَنْبِيَاءِ».
وفي طريق أخرى: «المرسلين عن أبي حاتم، قال: عبد الرحيم متروك الحديث، وأبوه زيد العمي ضعيف - وهو منسوب إلى العم قيل كان إذا سئل شيء قال: أسأل قال: حتى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو زرعة: هو حديث يصح عم ولا واه ضعيف ـ وقال يحيى بن معين: ليس بشيء ـ وقال أبو زرعة: ومعاوية لم يلحق ابن عمر ـ وقد وثق زيدًا هذا أبو العباس [الحسن] سفيان. بن انتهى حديثه
وفي حديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ال فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ
الجزء 1 · صفحة 49
الطُّهُورُ؟ فَدَعَا بِمَاءٍ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ، وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَ أُذُنَيْهِ، وَبِالسَّبَّاحَتَيْنِ بَاطِنَ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ»، رواه أبو داود واللفظ له، والنسائي وابن ماجه
وقد ضعف هذا الحديث».
وفي بعض طرقه: «فقد أَسَاءَ وتَعَدَّى وَظَلَمَ. وقال أبو بكر بن العربي: عمرو بن شعيب (ضعيف)
وثبت في الصحيحين أنه قال: إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ. كما تقدم.
قال أبو محمد الأصيلي: هذا الحديث الثابت يدل أن هذه الأمة مخصوصة بالوضوء من بين سائر الأمم، فلا يثبت ما روي أنه: تَوَضَّأَ ثَلاثًا ثَلاثًا، فَقَالَ: هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، وهو حديث لا يصح قال أبو الحسن بن بطال والقاضي عياض كان أبو هريرة يتأوله على الزيادة على حد أعضاء الوضوء، ويتوضأ إلى نصف ساقيه، وإلى منكبيه، وهو شيء لم يتابع عليه والمسلمون مجمعون على أنه لا يتعدى بالوضوء ما حده الله ورسوله، ولم يجاوز موضع الوضوء، قط، نعم بالدوام عليه، فيكون قد كنى بالغرة عن نور الوجه وبهائه.
قلت: ومن يقول: الحدث يحل جميع البدن والاقتصار على الأعضاء الأربعة تخفيف ورخصة، لا يمنع أن تكون الزيادة مشروعة؛ لأخذه بالعزيمة وترك الرخصة.
قلت وحديث زيد العمي ليس فيه: «فقد تعدى وظلم، وحديث عمرو بن شعيب فيه: فقد تعدى وظلم، وليس فيه توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، فالذي ذكره في الكتاب مركب من حديثين كما ترى.
وقول الأصيلي: هذا الحديث يدل أن هذه الأمة مخصوصة بالوضوء، غير لازم؛ لجواز أن تكون] الغرة والتحجيل لهذه الأمة خاصة، وإن كان الوضوء موجودًا في غيرهم؛ لشرفهم وفضلهم على غيرهم.
ولقوله: «فقد تعدى وظلم تأويلات سبعة:
التأويل الأول: تعدى وأساء في الأدب بتركه السُّنَّة والتأدب بآداب الشرع، وظلم نفسه بما نقصها من الثواب بترداد المرات في الوضوء. التأويل الثاني: زاد على أعضاء الوضوء، أو نقص عنها.
الثالث: زاد على المحدود، أو نقص عنه كما ذكرناه.
الجزء 1 · صفحة 50
الرابع: زاد على الثلاث معتقدا أن كمال السُّنَّة لا يحصل بالثلاث.
وفي البدائع: هذا التأويل هو الصحيح ا، وفي المحيط، والتحفة والغنية لم يذكر غيره أما لو زاد على الثلاث لطمأنينة القلب عند الشك، أو بنية وضوء آخر، فلا بأس به؛ لحديث ابن عمر أنه كان يقول: «مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى كَتَبَ اللهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ» رواه أبو داود وابن ماجه، والبيهقي، والترمذي، وضعفه هو وغيره؛ لأنه من رواية عبد الرحمن بن زياد الأفريقي
والوُضُوءُ عَلَى الوُضُوءِ نُورٌ عَلى نُورٍ»، لم يذكر في كتب الحديث، وهومشهور في كتب الفقه.
ولا ينبغي أن يقال في الزيادة على الثلاث بنية وضوء آخر: لا بأس به إذا كانت الزيادة يؤجر عليها.
ثم قيل: التعدي يرجع إلى الزيادة على الوجه المذكور؛ لأنه مجاوزة الحد، قال الله تعالى: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ} الآية [البقرة:، الطلاق:]، والظلم يرجع إلى النقصان، قال تعالى: {وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا} [الكهف:]،
أي: لم تنقص. وقال في الحواشي: قال بعض المشايخ: إنه محمول على نفس الفعل وإن لم يكن ثَمَّ اعتقاد؛ فإن الزيادة على الثلاث لا تقع طهارة، ولا يصير مستعملا إلا إذا قصد به تجديد الوضوء».
فإن قيل: ذكر في الجامع: «أن ماء الرابعة في غسل الثوب النجس طهور، وفي العضو النجس مستعمل، فمقتضى ما ذكره ثمة يقع على طهارة، ويصير الماء به مستعملا.
قلت: ما ذكر هنا محمول على ما إذا نوى بها القربة، والدليل عليه أنه قال في العتابي: وماء الرابعة مستعمل في العضو النجس؛ لأن الظاهر هو القربة حتى يقوم الدليل بخلافه، وفي شرح النظم للنسفي فيه: «لأنه وجد فيه معنى القربة؛ لأن الوضوء على الوضوء نور على نور، فلهذا صار الماء مستعملا»، انتهى كلامه.
وذكر في المحيط، والإسيبجابي: أن ماء الرابعة لا يصير مستعملا إلا بالنية.
الخامس: قيل: فمن زاد على الْمُدِّ في الوضوء، وعلى الصاع في الغسل، أو نقص عن ذلك؛ لحديث أنس أنه: «كَانَ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ، وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، رواه البخاري ومسلم
السادس فمن زاد على الصلوات الخمس والوتر أو نقص عنها، وهذا بعيد جدا.
السابع: ما تقدم عن بعض المشايخ أنه محمول على نفس الفعل، وقد
الجزء 1 · صفحة 51
ذكرنا السؤال عليه والجواب عنه.
قوله: ويستحب للمتوضئ أن ينوي الطهارة.
النية - بكسر النون وتشديد الياء، وقد تخفف -: إرادة الصلاة بوضوء، أو عبادة لا تستغني عن الطهارة.
ومكان الخلاف التوضؤ للتبرد، أو للتعليم، أو سيلان الماء على أعضاء الوضوء من غير قصد ما ذكرناه.
فالحاصل: هي شرط صحة الوضوء الذي هو عبادة إجماعا، وبدونها هو مفتاح للصلاة عندنا، خلافًا لهم
ووافقنا الثوري، والأوزاعي، والحسن بن حي، ومالك في قول.
وقال القرطبي: وكثير من الشافعية على ذلك ثم ذكر في المحيط: أنها سُنَّة في الطهارة إلى أول الفصل حتى البداءة بالميامن، وكذا في البدائع، والتحفة، والغنية.
ووافقهم على ذلك صاحب الهداية، وخالف المختصر إلا بالميامن عن في البداءة
وفي المفيد وافق صاحب الهداية، والصحيح المذكور في المحيط. دليل من شرط النية فيه - وهم الأئمة الثلاثة -:
حديث: «الأعمال بالنية: يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري القاضي محمد
بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن علقمة بن وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وفي بعض طرقه: بالنَّيَّات». أخرجوه كلهم من حديث يحيى بن سعيد، رواه عنه الجم الغفير والخلق الكثير، وجميع طرقه عن يحيى بن سعيد.
والمشهور فيه أنه فرد من رواية عمر الي الله عن رسول الله، ومن رواية محمد.
علقمة عن عمر، ومن رواية مُحمَّد علقمة،، ومن رواية يحيى عن عن قال الترمذي: وروى عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد ـ وهو موثق - عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ» فوهموا فيه الثقة
الجزء 1 · صفحة 52
قال أبو يعلى الخليل بن عبد الله الحافظ القزويني: هو حديث غير محفوظ عن زيد بن أسلم بوجه فهذا مما أخطأ فيه الثقة وإنما من حروف الحصر.
وقوله: «الْوُضُوءُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ» الحديث رواه مسلم، والشطر بمعنى: النصف، أو البعض.
ولهم أيضًا: قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة:]. وقالوا: قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:]، أي: لأجل، الصلاة كما تقول: إذا جاء الشتاء فتأهب، أي: لأجله. وصار كالصلاة والزكاة والصوم والحج، والتيمم ـ قال الشافعي حمدالله: طهارتان أنَّى تفترقان» - وكذا في النذور، والكفارات، وسائر أنواع العبادات. ولنا: ما رواه البخاري ومسلم أنه علم الأعرابي الوضوء،، ولم يذكر له النية؛ لأنه علمه المجزئ والأعرابي كان جاهلا بالأحكام والوضوء، فلو كانت النية شرطًا لصحته لبينها له؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لايجوز.
مع أن النافي والمانع - لأن المانع من وراء المنع، وإنما يحتاج إلى
الدليل من يقصد الإثبات. - لا يحتاج إلى دليل.
وما رواه مسلم من حديث أم سلمة: «إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَحْيِي عَلَى رَأْسِكِ
ثَلَاثَ حَشَيَاتٍ، وَعَلَى سَائِرِ جَسَدِكِ، فَإِذَا أَنْتِ قَدْ طَهُرْتِ». وقد علّمها الغسل الكامل حيث ذكر الثلاث، وإلا فالحثية الواحدة كافية الحصول الطهارة، ولم يشترط لها النية.
وصار كإزالة النجاسة بالماء وستر العورة واستقبال القبلة، والقيام والركوع والسجود والمشي إلى الجمعة والأذان، والخطبة، وكذا المضمضة والاستنشاق في وجه [و] غسل الذمية بغير نية حتى حل وطؤها لزوجها المسلم وصحح إمام الحرمين عدم وجوب غسلها إذا أسلمت كما
لو كفّر ثم أسلم. ولو امتنعت زوجته المسلمة من غسل الحيض أوصل الماء إلى يديها، قهرا وحل له وطؤها، وليس لها فيه صنع، فكيف يكون لها فيه نية؟. وفي إعادتها له وجهان للشافعي.
غسله ووضوؤه دون تيممه في وجه، وفي وجه يصح والكافر يصح الكلأصحابه ومن من
قال: الوضوء لا يلزم بالنذر.
ولأن الماء طهور، وهو اسم للطاهر في نفسه المطهر لغيره، والمطهر: المثبت للطهارة كالْمُسَوِّد: هو
الجزء 1 · صفحة 53
المثبت للسواد وتطهير الطاهر محال، فلا بد من قيام النجاسة في المحل حقيقة أو حكمًا، فإذا لاقاها وأزالها طهر المحل، قصد ذلك أو لم يقصد، كالماء للإرواء، والطعام للإشباع.
ولأن الْمُطهِّر لا يقف كونه مطهرًا على قصد العبد.
وقوله: «إنما الأعمال بالنيات المراد بها ثوابها لا صحتها؛ لأنه
الذي يطرد؛ فإن كثيرًا من الأعمال توجد وتعتبر شرعًا بدونها. ولأن إضمار الثواب متفق على إرادته.
ولأنه يلزم من انتفاء الصحة انتفاء الثواب دون العكس، فكان ما ذهبنا إليه أقل إضمارًا، فهو أولى.
ممتنع.
ولأن إضمار الجواز والصحة يؤدي إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد، وهولأن العامل في قوله: «بالنية»، مقدر بإجماع النحاة)، ولا يجوز أ يتعلق بالأعمال»؛ لأنها رفع بالابتداء فيبقى بلا خبر فلا يجوز. فالمقدر إما، مجزئة أو صحيحة أو مثيبة بالنية فمثيبة أولى بالتقدير
لوجهين: أحدهما: أن عند عدم النية لا يبطل أصل العمل، وعلى إضمار الصحة
والإجزاء يبطل، فلا يبطل بالشك.
الثاني: قوله ولكل امرئ ما نوى يدل على الثواب والإجزاء؛ لأن
الذي له إنما هو الثواب، وأما العمل فعليه. وقوله: «الوضوء شطر الإيمان»، وقد عُرف من مذهبنا ومذهب الأشعري والأصوليين أن العمل لا مدخل له في الإيمان؛ لأنه عبارة عن دل عليه قوله تعالى: {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَدِقِينَ [يوسف:]، أي: مصدّق. وفي الحديث الثابت: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، التصديق
وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ .... » الحديث رواه البخاري وغيره أراد بالإيمان هنا الصلاة، كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمَنكُمْ} [البقرة:]، أي صلاتكم إلى بيت المقدس؛ لأن الوضوء ليس بعضًا للإيمان الحقيقي ولا شرطًا لصحته بخلاف الصلاة؛ فإنه شرط لصحتها، فكان إرادة الصلاة بالإيمان أولى، أو يحتمله، فيحمل عليه لما ذكرنا من الأدلة.
والجواب عن قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:]:
الجزء 1 · صفحة 54
الآية تتناول الأمر بالإخلاص في العبادة ودعوى العبادة في الوضوء ممنوعة.
ولأن العبادة إذا ذكرت مطلقة تنصرف إلى ما يكون مقصودًا في نفسه،
كاملا فى جنسه، لا إلى ما يكون شرطًا للعبادة، ووسيلة إليها. ولأن من اعتقد الإسلام فهو مخلص الله تعالى في جميع العبادات إذا لم يشرك بين الله تعالى في عبادته وبين غيره فيها، ولا في نيتها. والجواب عن تمسكهم بقوله تعالى: وإِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلوة: قلنا: اللام" تتعلق بالأمر بالغسل لا بالغسل.
ولأن مثل هذا التقدير إنما يكون باعتبار أنه هو الغالب والمقصود، لا أن الفعل لا يقع إلا له، ألا تري أن له أن يمس للتلاوة، ويفعل كل ما يحتاج إلى الطهارة.
المصحف به، ويسجد
ثم هو منقوض بقول الله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:]، أي ما يواري عوراتكم عند كل صلاة أي لأجلها.
وكذا قوله تعالى: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: و] أي: لأجل الصلاة.
وقوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَعِرٌ} [المدثر:] أي: لأجل الصلاة؛ إذ لا يجب تطهيرها لغيرها وقد تركت النية في جميع ذلك.
أوجه: وأما الفرق بين الوضوء، وبين الصلاة والزكاة والصوم والحج من ثمانية
الوجه الأول: أن الوضوء وسيلة وشرط لغيره والصلاة عبادة مقصودة، فلا يلزم من اشتراط النية للمقصود اشتراطها للوسيلة لرجحان المقصود على الوسيلة كالسعي للجمعة مع نفس الجمعة.
الوجه الثاني: أن الوضوء شرط للصلاة والحاجة إلى اشتراط النية في المشروط أكثر، بدليل اشتراط النية في الصلاة والصوم والحج، وعدم اشتراطها في أكثر شرائطها.
الوجه الثالث: أن مصلحة المشروط أكثر؛ لانضمام المصلحة الناشئة من الشرط إلى مصلحته فكانت صيانته عن التعطيل أولى؛ لما في عدمها من تعطيلهما.
الوجه الرابع: أن الصلاة والزكاة والصوم والحج من أركان الإسلام، والوضوء ليس كذلك، فلا يلزم إلحاقه بها.
الجزء 1 · صفحة 55
الوجه الخامس الصلاة يتكرر وجوبها في اليوم خمس مرات وتلزم
بالنذر قولاً، واحدًا وكذا، أخواتها، ولا كذلك الوضوء.
الوجه السادس: أن الحث على الإخلاص في الصلاة أكثر وأشد حتى لو صلى لغير الله تعالى أو قصد بالصلاة غرضًا. غير ابتغاء مرضات الله تعالى كان كافرًا، ولا كذلك غسل الأعضاء الأربعة لغرض غير الصلاة، ولهذا
صح الوضوء عندنا وعندهم في قول من الكافر دون الصلاة وأخواتها.
الوجه السابع: أن المشروط عندهم من النية استباحة الصلاة أو رفع الحدث أو أداء فرض الوضوء، أما كون الفعل لأجل الله تعالى فليس بشرط إجماعًا، ونية الإتيان بالصلاة لله شرط لصحتها فثبت أن إخلاص العبادة الله يشترط في الصلاة دون الوضوء.
الوجه الثامن أن الصلاة تنقسم إلى فرض ونفل على هيئة واحدة في أصلها، ولا يُحَصِّل أحدهما مقصود الآخر إلا نادرًا، وكذا تنقسم إلى أنواع كالصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، وإلى أداء وقضاء ونذر، ولا يتعين أحدهما بدون النية للزوم الترجيح بغير مرجح فمست الحاجة إلى نية التعيين، فيلزم أصل النية؛ لأنه يلزم من وجود المقيد وجود المطلق، وهذا المعنى معدوم في الوضوء.
وأما الجواب عن قول الشافعي: طهارتان أنَّى يفترقان» فالفرق بينهما من
عشرة أوجه:
الأول: أن التيمم في اللغة هو القصد، قال ابن السكيت صَعِيدًا [النساء:، المائدة:] أي اقصدوه وقال في الصحاح: تيممته أي: تقصدته
وقال الله تعالى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [البقرة:]، أي: لا تقصدوا
عدم النية ينتفي القصد فتنتفي ماهية، التيمم، بخلاف الوضوء، فإنه عبارة عن الوضاءة، وهي النظافة، فهي حاصلة بدون النية، ولهذا لما كان الصوم عبارة عن الإمساك في اللغة اعتبر في الشرع؛ لإنباء اللغة عنه،
وكذا الحج: القصد أو الزيارة في اللغة فاعتبر في الشرع، والصرف عبارة عن التصرف أو صريف الباب فاشترط قبض العوضين فيه ليتحصل المعنى اللغوي، وإلا يلزم النقل عن الحقيقة اللغوية بالكلية،
الجزء 1 · صفحة 56
وذلك خلاف الأصل.
الثاني: أن التيمم أضعف بدليل انتقاضه برؤية الماء، وبالردة على أحد وجوازه في حالة مخصوصة بخلاف الوضوء، فاشترطت
الوجهين عندهم في التيمم تقوية له.
الثالث: التيمم على خلاف القياس؛ لكونه ملونا مغيرا غير رافع للحدث عندهم، وعلى خلاف عندنا، فلو جوزناه بدون النية لزم كثرة مخالفة القياس، بخلاف الوضوء؛ لأنه استعمال المطهر، وهو معقول.
الرابع: أن الوضوء بغير نية يُحصّل بعض الغرض؛ لكونه رافعًا ومزيلا للنجاسة الحقيقية وتوهمها في البدن حاصل بخلاف التيمم.
الخامس: أن الفعل شرط في التيمم دون الوضوء حتى لو تعرض لمهب الرياح فيه ونوى لم يخرج عن العهدة ولو سال الميزاب على رأسه ونوى خرج عن العهدة، إجماعًا، فدل أن الحاجة إلى توقيفه أكثر.
السادس: أن الوضوء يصح من الكافر عندنا، وعندهم على وجه، بخلاف التيمم، فكانت الحاجة إلى مراعاة النية في الوضوء أقل.
السابع: لا يصلى عندهم بالتيمم المنوي إلا فريضة واحدة، فعند عدم
النية يكون أضعف فلا يفيد شيئًا، بخلاف الوضوء. الثامن: أن طهورية الماء أقوى من طهورية التراب، بدليل قوته على
إزالة النجاسة الحقيقية، والتيمم لا يزيل الحدث عندهم، فكان منعه بغير نية منعا لأقوى المؤثرين عن إفادته وأثره فافترقا.
التاسع: الواجب في التيمم مسح الوجه واليدين، وهو بدل عن غسلهما، ومغنٍ عن مسح بقية الأعضاء وغسلهما بالنية، فلولا وجود النية يلزم فوات بدل بقية الأعضاء وأصلها، فمست الحاجة إلى النية؛ لتكون قائمة مقام غسل بقية الأعضاء، ولا كذلك الوضوء.
العاشر: لو منعنا صحة الوضوء بدون النية يلزم تعطيل غسل الأعضاء الأربعة عن المقصود، وثَمَّ إنما يلزم تعطيل عضوين فكان ضرر منع
الجزء 1 · صفحة 57
هنا أقوى والتكليف بإعادته، أعسر فكان منفيا لزيادة الضرر.
ولم يشترط زفر والحسن بن حي النية فيهما.
وزعموا: أن بين الوضوء وبين سائر شروطها من إزالة النجاسة من البدن، والثوب، والمكان وستر العورة واستقبال القبلة فرقًا، وهو أن هذه الأشياء من باب التروك، فلا تفتقر إلى النية كترك الزنا، واللواطة ورد المغصوب، بخلاف الوضوء؛ فإن المأمور به إيجاد فعل لم يكن. وهذا إذا تأملته تجده لا شيء؛ لأن إزالة النجاسة الحالة في بدن المصلي وثوبه والمكان الذي يصلي فيه فعل مأمور بإيجاده والأمر طلب إدخال المصدر في الوجود، والزنا واللواط منهي عنهما، والمطلوب فيه إعدام المصدر، فكيف يسوي بين المأمور به والمنهي عنه؟ أن الطهارة ترك الحدث على ما أصلوه، مع فلا يفتقر إلى النية، وكذا الصوم ترك الأكل والشرب والجماع نهارًا. وجوابهم: أن الوضوء ليس ترك الحدث، بدليل الوضوء على الوضوء،
ذكره النواوي في شرحه للمهذب.
قلت: الوضوء على الوضوء ليس طهارة على الحقيقة؛ لتحصيل
الحاصل، وإنما جعل طهارة مجازًا في حق الأجر، ولهذا لم يجعل الغسل على الغسل مثله عندنا وعندهم على المذهب الصحيح المشهور القياس الذي ذكرناه.
قوله: ويستوعب رأسه بالمسح، وهو سُنَّة» ذكرها في المحيط، والبدائع والتحفة والغنية، والمفيد، وشروح المبسوط على ما ذكره في المنافع، وهو الصحيح، وهو مسح جميع] الرأس
وفي المحيط: «والمستحب فيه أن يضع من كل واحدة من يديه ثلاث أصابع على مقدم رأسه سوى الإبهام والسبابة ويجافي بين كفيه ويمدها إلى القفا، ثم يضع كفيه على مؤخر رأسه، ويمدهما إلى مقدمه، ثم يمسح كل أذن بكل إبهام وباطنه، بمسبحته والبداءة بمقدم الرأس سُنَّة. وفي رواية هشام عن مُحمَّد: يبدأ من هامته فيضع يديه عليها، ويمدهما إلى مقدم رأسه، ثم يعيدهما إلى قفاه وهو قول الحسن البصري والصحيح الأول.
وفي الينابيع والمسح أن يضع الخنصر والبنصر - بكسر أولهما والصاد فيهما) - من كل يد على مقدم الرأس من منبت الشعر، ويجرهما إلى نصف رأسه، ثم يرفعهما، ويضع الوسطيتين في وسط رأسه، ويجرهما إلى منبت الشعر من قفاه ثم يعيدهما إلى وسط رأسه، ثم يضع الخنصر والبنصر في
الجزء 1 · صفحة 58
وسط رأسه، ويمدهما إلى مقدم رأسه، ثم يعيدهما إلى وسط رأسه، ويمدهما إلى قفاه - هكذا ذكره فيه - ثم يدخل السبابة في أذنه، ويديرهما في زواياها، ويدير إبهامه من ورائها
وهو مرة واحدة، والتثليث مكروه. وقال الشافعي: سُنَّة.
لنا حديث عثمان متفق عليه أنه حكى وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ثلاثا إلا في مسح
رأسه وحديث علي: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً»، رواه الترمذي وصححه وعن عمرو بن يحيى: فَمَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ أَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً»،رواه البخاري داود
وعن ابن عباس: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ مَسْحَةً وَاحِدَةً»، رواه أبو، وقال: «أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أنها مرة واحدة».
وكذا حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني: «مَرَّةً وَاحِدَةً». وفي رواية عن عثمان أنه: «مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً»، رواه ابن ماجه، والدارقطني وابن ماجه عن سلمة بن الأكوع أنه: مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةٌ». قال البيهقي: وقد روي من أوجه غريبة عن عثمان تكرار المسح إلا أنه وهو المذهب، وفي قول: لا يكرر مسحه، وهو شاذ، وفي وجه أشذ: لا يكرره ولا مسح الأذنين.
خلاف الحفاظ ليست بحجة عند أهل المعرفة».
قال في الإمام: وكل ما جاء فيه ذكر الثلاث فهو من هذه القبيل
وجاء من طريق عامر بن شقيق أنه: «مَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلاثًا» عثمان وضوءه وعامر ضعفه يحيى بن معين
في حكاية
وقد تقدم من طريق إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله: وَمَسَحَ برَأْسِهِ ثَلَاثًا»، قال أحمد: هو شيخ مدني متروك الحديث، وقال يحيى: ضعيف.
وحديث عطاء بن أبي رباح مثله،، وهو منقطع بينه وبين عثمان. وعن أبي حنيفة والله من جهة أبي يوسف الله، وأبي يحيى [الحماني] عن خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي بن أبي طالب له، وفيه: «وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلاثًا، قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ»، أخرجه الدارقطني، وقال: خالف أبا حنيفة جماعة من الحفاظ مثل: زائدة بن قدامة، والثوري، وشعبة، وأبي عوانة، فرووه عن خالد بن علقمة: أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً». وأخرج النسائي عن عبد الله بن زيد - رائي النداء -: أنه: «غَسَلَ
الجزء 1 · صفحة 59
وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَهُ، مَرَّتَيْنِ ورِجْلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ.
فصل في سنن الطهارة وقد نُسب الوهم إلى سفيان بن عيينة [وخالفه] مالك، ووهيب، وسليمان بن بلال، وغيرهم، فرووه عن عمرو بن يحيى في مسح الرأس مرة، خرجه البيهقي
وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة الله الله: أن التثليث بماء واحد مسنون.
والصحيح الأول.
والشافعي رحم الله قاسه على الغَسْل.
قال صاحب المفيد والمزيد هذا فاسد الوضع؛ لأن المسح مبناه على التوسعة والتخفيف بخلاف الغسل، وإلحاق ما بناه على التيسير بما مبناه على التعسير فاسد في الوضع واعتبار المسح بالمسح هو الوجه كمسح الخف والجبيرة.
ولأن السُّنَّة شرعت لإكمال الفرض في محله وبالتثليث يصير المسح
غسلا، وغسل الممسوح مكروه.
وفي البدائع: التثليث في الغسل يفيد زيادة نظافة، وبتكرار المسح لا تحصل زيادة نظافة، ولأن تكراره يقربه إلى السيلان، فكان مخلا باسم المسح، والسُّنَّة الإكمال لا الإخلال.
وقال أبو الحسن بن بطال: قال جمهور العلماء: إن المسح مرة واحدة. وقال الترمذي: «والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله، ومن بعدهم. وقال أبو عمر ابن عبد البر: «كلهم يقول: مسح الرأس مسحه مرة واحدة» قوله: ويرتب الوضوء»
اعلم أن الترتيب في أعضاء الوضوء سُنَّة عندنا.
قال أبو الحسن بن بطال في شرح البخاري، وأبو بكر بن المنذر: روي ذلك عن علي وابن مسعود وابن عباس وقالوا لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك في الوضوء، وهو قول عطاء، وابن المسيب، ومكحول، والزهري وربيعة وداود والنخعي، وبه قال مالك، والليث، والثوري، والأوزاعي، والمزني
وحكاه البغوي عن أكثر العلماء.
الجزء 1 · صفحة 60
واختاره ابن المنذر، وصاحب البيان، وأبو نصر البندنيجي من أصحاب الشافعي، والأبهري من أصحاب مالك وقال الشافعي: هو شرط فيه قال أبو بكر الرازي: ولا يُروى عن أحد من السلف والخلف مثل قول الشافعي».
قلت: هو مأخوذ عليه في ذلك، فإنه قد قال به أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وقتادة، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وإليه ذهب أبو مصعب صاحب مالك، وحكاه عن صاحبه
واستدلوا بقوله تعالى: أَرْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج:].
وبقوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَارِ اللهِ} [البقرة:].
واستدلوا أيضًا: بتأخير غسل الرجلين عن مسح الرأس، وقالوا: لولا
وجوب الترتيب لما أخَّر غسلهما عن المسح، ولذكر مع المغسولات، وزعموا أنه أقوى دليل لهم على الترتيب
وقالوا: الواو للترتيب، ونقلوه عن الفراء من الكوفيين
وادعوا: أن الفاء تفيد البداءة بغسل الوجه.
وتعلقوا أيضًا بوضوئه مرتباً.
ولنا حجج:
الحجة الأولى: إجماع نحاة البصرة والكوفة على أن الواو العاطفة لمطلق الجمع دون الترتيب، وقد نص سيبويه عليه في سبعة عشر موضعا من الكتاب.
الحجة الثانية: قوله تعالى: {وَأَتِمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة:]، وجائز عند الجميع تقديم العمرة على الحج الحجة الثالثة: قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَواةَ وَاتُوا الزَّكَونَ، له أن يبدأ
بالزكاة ثم يصلي.
الحجة الرابعة: قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَنَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء:] له إعطاء الدية قبل التحرير.
ولا يفهم الآخر في العطاء أحد من قولنا: أعط زيدًا وعمرا دينارا، تقديم أحدهما على
الجزء 1 · صفحة 61
الحجة الخامسة: قوله تعالى في البقرة: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِةٌ []، وفي الأعراف: {وَقُولُوا حِظَةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَدَا []، والقصة واحدة فلو كانت للترتيب لتناقضتا.
الحجة السادسة تقول تقاتل زيد، وعمرو، مع امتناع الترتيب،
والاشتراك والمجاز على خلاف الأصل.
الحجة السابعة تقول: اختصم زيد، وعمرو ولا يجوز بالفاء، ولا بثُمَّ؛ لإفادتهما الترتيب ولا يجوز اختصم الزيدان كلاهما كالتأكيد إلا عند الأخفش، وهشام من الكوفيين؛ لأنه لا يكون إلا بين اثنين. الحجة الثامنة: تقول: المال بين زيد، وعمرو ولا يجوز غير الواو
فإن قيل: فقد قال امرؤ القيس: بَيْنَ الدَّخُول فحَوْمَل.
قيل له: ذُكر أن الدخول أماكن متفرق
الحجة التاسعة تقول: سيان قعودك وقيامك، مع امتناع الترتيب؛ لأن
السيَّ: المثل، والمماثلة لا تكون إلا بين اثنين.
وأما قول الشاعر: فسِيَّان حَرْبٌ أَو تَبُوءَ بمثله وقد يَقْبَلُ الصَّيمَ الذُّليلُ المُسَيَّرُ
و «أو» هنا بمعنى «الواو»، وهو شاذ؛ لأنه رآها تستعمل في الإباحة
نحو جالس الحسن أو ابن سيرين.
الحجة العاشرة: تقول: جمعت زيدًا وعمرًا، ولا يجوز بالفاء وغيرها
من حروف الترتيب، ومنه قول لبيد:
أُغْلِي السِّبَاءَ بكل أَدْكَنَ عَاتِقِ ... أَوْ جَوْنَةٍ قُدِحَتْ وفُضٌ خِتَامُها
والجونة: الخابية المطلية بالقار ومعنى: قدحت غرفت وقيل مزجت، وفض ختامها أي كسر، طينها ومعلوم أنها لا تقدح إلا بعد فض ختامها.
وفي الواو» نكتة بديعة لا توجد في سائر حروف العطف، وهي:
الجزء 1 · صفحة 62
أن دلالتها على الجمع أعم من دلالتها على العطف بيانها: أنها لا تخلو عن الجمع، وتخلو عن العطف كواو المفعول معه، وواو القسم؛ لأنها نائبة عن الباء، وهي للإلصاق، والشيء إذا لاصق الشيء فقد جامعه، وواو الحال لما فيها من معنى المصاحبة، وكذا قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، للجمع
دون العطف.
الحجة الحادية عشرة: قال أهل اللغة والنحو واو العطف في الأسماء المختلفة كواو الجمع في الأسماء المتماثلة، وذلك لا يفيد الترتيب الحجة الثانية عشرة: لو كانت للترتيب لكان قولنا: جاء زيد وعمرو عند مجيئهما معًا - كذبًا.
الحجة الثالثة عشرة: جاء زيد، وعمرو، وبعده يكون تكرارًا، وقبله أو معه نقضا
الحجة الرابعة عشرة من قال لامرأته: إن دخلت الدار وأنت طالق، يتنجز، ولو كان يحتمل الترتيب لما وقع ولصلح للجزاء كالفاء.
الحجة الخامسة عشرة: قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائر} [البقرة:]، فلو كانت الواو موضوعة للترتيب لما سألت الصحابة عن البداية.
الحجة السادسة عشرة: قال أبو بكر الرازي: لو قال: إن دخل فامرأته طالق، وعبده حر، وعليه صدقة كذا، فإذا دخل يلزمه ذلك كله في وقت واحد، ولا يلزمه أحدهما قبل الآخرين، فلو كانت للترتيب لزمه كذلك.
وفيه نظر؛ فإن الإنسان إذا قال لامرأته قبل الدخول بها: إن دخلت الدار فأنت طالق واحدة وواحدة فدخلت يقع واحدة لا غير عند أبي حنيفة الله فلو كان الأمر على ما ذكر لوقع ثنتان.
الحجة السابعة عشرة: قال العمار: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا، وَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً] عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ نَفَضَهَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ، أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ»، خرجه
البخاري. وعن عمار عن النبي: إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِب بِيَدَيْكَ عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ تَنْفُضهُمَا، ثُمَّ تَمْسَحَ بِيَمِينِكَ عَلَى شِمَالك، وَشِمَالك عَلَى يَمِينكَ، ثُمَّ تَمْسَحَ بوجهك، ولم يذكر مسح اليدين إلا قبل الوجه خرجه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي
فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الْأَرْضِ فَنَفَضَهَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ وَبِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ عَلَى الْكَفَّيْنِ، ثُمَّ
الجزء 1 · صفحة 63
مَسَحَ وَجْهَهُ».
فإذا ثبت جواز تقديم مسح اليدين في التيمم على الوجه، ثبت في الوضوء؛ لعدم القائل بالفرق.
فإن قيل: الفاء» للترتيب بصفة التعقيب وثم» للترتيب على وجه التراخي، فوجب أن تكون الواو للترتيب المطلق؛ لأن الأصل أن يكون لكل معنى حرف، وحينئذ لا يكون الجمع المطلق نفيًا للاشتراك.
قلت هذا قياس في اللغة والمختار أنه ممتنع، مع أنا نعارضه فنقول: وجب أن يكون للجمع المطلق؛ لأن الأصل أن يكون لكل معنى حرف كما ذكر، فحينئذ لا يكون الترتيب المطلق نفيًا للاشتراك.
فإن قيل: ما ذكرناه راجح؛ لأنه إذا جعل حقيقة في الترتيب المطلق،
أمكن جعله مجازًا في الجمع؛ للزومه إياه من غير عكس.
قلت: يجبر نقصه بزيادة الحاجة إلى التعبير عن العام.
والجواب عن تعلقهم بقوله تعالى: أَرْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الحج:]، حيث يشترط الترتيب فيها: لأنه يشترط لصحة الصلاة شرائط كثيرة لا يشترط شيء منها في الوضوء كستر العورة واستقبال القبلة، وطهارة البدن والمكان، والثوب إلى غير ذلك، فكذا الترتيب بخلاف الوضوء.
ولأنه يؤثر فيها المفسدات كالكلام، والأكل والشرب، والمشي، وكل فعل ليس من جنس الصلاة بخلاف الوضوء، فكذا لا يؤثر فيه ترك الترتيب. ولأن الماء طهور على ما نطق به النص، وأعضاء الوضوء قابلة للطهارة واستعمال المطهر يفيد حصول الطهارة وضعًا، فلو توقف على،
الترتيب لبطل عمله، ولزم إبطال كونه مطهرًا، وهو على خلاف الأصل. ولأن الترتيب في الوضوء يسقط بكثير من الأشياء كغسل المحدث والجنب، وبالنسيان على قول عندهم ولا كذلك الصلاة، فدل أن الحاجة إلى الترتيب في الصلاة أمس.
ولأن اشتراط الترتيب للوضوء يتضمن اشتراطه للصلاة ضرورة كونه
شرطًا لصحة الصلاة، فيلزم كثرة التوقف.
ولأن الترتيب في الصلاة غير معقول المعنى بيانه: أن الْمَعْنِي من عدم،
عقل المعنى: [أن] الإنسان لو نظر بعقله وأمعن بفكره لا يهتدي إلى المصلحة في اشتراطه؛ لأن تعلق
الجزء 1 · صفحة 64
المصلحة بالصلاة المرتبة مثله في غير المرتبة؛ لأن المصلحة فيهما تعظيم، الخالق وهما فيه سواء، فثبت أنه غير معقول، ولا يجوز القياس عليها لعدم تعقل المعنى.
وهكذا نقول في الحج؛ فإن اشتراط الترتيب في أفعاله غير معقول. وأما اشتراط تقديم الخطبة في الجمعة؛ فلأنا لو أخَّرناها ربما ينفضُ الناس؛ فتفوت وكذا الجمعة لها شرائط كثيرة مثل: الطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة وأمر الإمام والمصر، الجامع، وأربعين رجلًا عندهم إلى غير ذلك من الشروط المعتبرة فيها.
وأما قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ} [البقرة:]، فهو
دليل لنا على ما تقدم. ولا يوجب ترتيبًا فيما سيق من أجله؛ لأن المراد بهما أنهما من الشعائر ولا يتصور الترتيب في كونهما من الشعائر غير أن السعي لا ينفك عن ترتيب، فرجح الصفا بالذكر بخلاف الوضوء؛ فإنه يمكن غسل الأعضاء
كلها دفعة واحدة كما لو انغمس في الماء للوضوء أو الغسل وولأن الواو) لو كانت تفيد الترتيب لما جعل النبي علة الابتداء بالصفا بداءة الله تعالى به بالذكر.
وتقدم الجواب عن تأخير غسل الرجلين.
وأما الجواب عن تعلقهم بوضوئه وأنه لم يترك الترتيب فيه: ولم يرو عنه أيضًا ترك البداءة بغسل اليدين وترك المضمضمة والاستنشاق، وتقديم اليد اليمنى والرجل اليمنى والبداءة من رؤوس الأصابع، وأول الوجه وليس شيء من ذلك بشرط.
وأما تمسكهم بالفاء، فالجواب عنه: أن الفاء التي هي العاطفة، وهذه ليست عاطفة بل لجواب الشرط، ولو كانت للتعقيب فهي [التعقيب] الجملة بواسطة الواو، ولا ترتيب على ما ذكرنا.
وقال إمام الحرمين: صار علماؤنا إلى أن الواو للترتيب، وتكلفوا نقل ذلك، واستشهدوا بأمثلة فاسدة والذي يقطع به أنها لا تقتضي ترتيبا، ومن ادعاه فهو مكابر».
قال النواوي: وهذا الذي قاله الإمام هو الصواب المعروف لأهل العربية وغيرهم».
وقال إمام الحرمين أيضًا: «قالوا: عقب القيام بغسل الوجه بالفاء؛ لأنها للترتيب وهذا استدلال باطل، وكأن قائله حصل له ذهول واشتباه فاخترعه، وتوبع عليه تقليدًا، ووجه بطلانه: أن الفاء وإن
الجزء 1 · صفحة 65
اقتضت الترتيب، لكن المعطوف على ما دخلت عليه بالواو مع ما دخلت عليه كالشيء الواحد، فأفادت ترتيب غسل الأعضاء على القيام إلى الصلاة، لا ترتيب بعضها على بعض، وهذا مما يعلم بالبديهة، ولا شك أن السيد إذا قال لعبده: إذا دخلت السوق في (أ): «للتعقيب».
فصل في سنن الطهارة فاشتر لنا لحمًا وتمرًا، وخبزًا، لم يلزمه تقديم اللحم على التمر وغيره، بل كيف ما اشتراها كان ممتثلا بشرط أن يكون الشراء بعد دخول السوق، كما أنه يغسل الأعضاء بعد القيام إلى الصلاة، انتهى كلامه.
الحجة الثامنة عشرة: لو أراد تحصيل غسل الأعضاء الأربعة من غير قصد ترتيب مع التعليق بالشرط فليس لذلك عبارة إلا الفاء في أول الجملة؛ لكونه مرتبًا على الشرط، لا لكون بعضها مرتبًا على البعض، ولا يمكن التعبير عنها مفصلة إلا بالفاء في أولها فقد وجب «الفاء» في الموضع الذي لا يجوز فيه إرادة الترتيب، فكيف توجب الترتيب؟ وهذا واضح مكشوف،
فإن قيل: روى مسلم عن عدي بن حاتم: «أَنَّ رَجُلًا خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ، فَقَالَ: مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشِدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى، فَقَالَ: بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ»، فدل على
الترتيب.
تعارضه بما أخرجه النسائي وأبو دواد عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ»، فدل «الواو على عدم الترتيب.
ولا حجة لهم في قوله: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ، فَيَغْسِلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَغْسِلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ يَغْسِلَ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ، وَثُمَّ» الحديث.
فإنه متروك الظاهر من وجهين:
أحدهما أن كلمة ثم للتراخي، ولا يجب إجماعا.
والثاني: أنه لو بدأ بوجهه قبل يديه جاز إجماعًا.
ولأنه قد ضعفه أبو بكر الرازي وقال النواوي: وهو ضعيف غير معروف.
وقولهم: إنه تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةٌ، فقال: هَذَا وُضُوءُ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ
الجزء 1 · صفحة 66
إِلَّا بِهِ، والظاهر أنه كان مرتبا. قلنا والظاهر أنه كان بالمضمضمة والاستنشاق، واستيعاب مسح الرأس، ويقبل بدونهما، مع أنه ضعيف، وقد تقدم تضعيفه. ثم أعضاء الوضوء انقسمت إلى مكشوف غالبًا، وهو الوجه واليدان وإلى مستور غالبًا، وهو الرأس والرجلان فكانت البداءة بالمكشوف أولى؛ لأنه عرضة للتلوث، وقدم من ذلك الوجه لشرفه كتقديم اليمين على اليسار، ثم قدم الرأس على الرجلين؛ لأنه أشرف.
وقد حصرنا مدارك الخصم وأجبنا عنها فصلا فصلا.
قوله فيبدأ بما بدأ الله تعالى بذكره.
الفاء لتفسير الترتيب ذكره في المنافع، وهو الحق، يعني: تقديم الوجه على بقية الأعضاء، ثم اليدين ثم الرأس، ويؤخر الرجلين عن سائر الأعضاء.
وقيل معناه: هو البداءة من رؤوس أصابع اليدين والرجلين، وأن الترتيب قد عرف، وهذه مسألة مستقلة وليست لتفسير الترتيب وهو ضعيف لوجهين: أحدهما أنها لو كانت مستقلة لكانت بالواو كما ذكر سائر سنن الوضوء.
الثاني: أنهم يقولون في قوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ، وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينَ [المائدة:] إن الله سبحانه ما بدأ فيها من رؤوس الأصابع، بيانه أنه لما قال: {وَأَيْدِيَكُمْ، تناولت إلى الآباط، ولما قال: وَأَرْجُلَكُمْ، تناولت الأرجل إلى أعلى الأفخاذ، وإنما جاءت البداءة في الإسقاط لا في الإيجاب، فلم يكن لرؤوس أصابع اليدين والرجلين ذكر في البداءة بها أصلا، فثبت أن «الفاء» لتفسير الترتيب.
والبداءة من أول الوجه واليدين والرجلين سُنَّة، عُرف ذلك من فعله
وذكر في المحيط والتحفة أصابع اليدين والرجلين وفي جوامع الفقه للعتابي ذكر أصابع الرجلين خاصة. وقوله: «وبالميامن». وهي جمع الميمنة كالأيمن، وفي حديث عائشة ا: «كَانَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ فِي تَنَعْلِهِ وَتَرَجُلِهِ وَظُهُورِهِ»، رواه البخاري ومسلم وعن أبي هريرة أنه لا قال: «إِذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَؤُوا بِمَيَامِنِكُمْ»، خرجه - جمع أيمن -
أبو داود والترمذي بإسناد جيد، وفي أكثر طرقه: بِأَيَامِنِكُمْ إِذَا لَبِسْتُمْ وَإِذَا تَوَضَّأَتُمْ.، والأمر فيه محمول على الاستحباب. وعند الشيعة: تقديم اليمنى واجب وروي البيهقي وغيره: أن عليا الله بدأ بالشمال. وعن ابن مسعود أنه رخص في تقديم الشمال
الجزء 1 · صفحة 67
وعن عائشة: كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَلِطَعَامِهِ،
وَالْيُسْرَى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى»، صحيح، رواه أبو داود وغيره وعن أم عطية أن النبي الله قال للنسوة في غسل ابنته: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا
وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا»، رواه البخاري ومسلم
وعن أبي هريرة له أنه قال: إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأُ بِالْيُمْنَى، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأُ بِالشِّمَالِ، لتَكُنِ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ»، اتفقا عليه. وعن أنس له: «مِنَ السُّنَّةِ إِذَا دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلِكَ الْيُمْنَى، وَإِذَا خَرَجْتَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلِكَ الْيُسْرَى»، قال الحاكم أبو] عبد الله: «هو صحيح على شرط مسلم.
ويستحب تقديم اليسرى في الامتخاط والاستنجاء، ودخول الخلاء،
والخروج من المسجد، وخلع الخف والنعل والسروايل، وأشباه ذلك. وفي المغرب: رجل شعره: أرسله بالمشط وتَرَجَّل: فعل بشعر نفسه ذلك، ومنه: في تنعله وترجله
والموالاة سُنَّة؛ لمواظبته عليها وهي أن يغسل العضو الثاني قبل جفاف الأول.
ويصلي بوضوء واحد ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم يحدث.
وحكى أبو جعفر، وأبو الحسن بن بطال طائفة عن من
العلماء: وجوب
الوضوء لكل صلاة وإن كان على طهارة، منهم: ابن عمر، وعبيد عمير، وعكرمة وابن سيرين
وحكى أبو محمد ابن حزم هذا المذهب: عن عمرو بن عبيد وعن إبراهيم النخعي: لا يصلى بوضوء واحد أكثر من خمس وحكى أبو جعفر عن قوم: جواز الخمس للمسافر دون المقيم بن
وصلى خمسًا بوضوء واحد يوم الفتح، خرجه البخاري وعن عمرو بن عامر عن أنس له قال: «كَانَ لا يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: يُجْزِئُ أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثُ»، رواه
البخاري
مسألة: مريض عجز عن الوضوء والتيمم، يجب على عبده وجاريته أن
يوضئه، وبالعكس، بخلاف أحد الزوجين مع الآخر.
الجزء 1 · صفحة 68
والعاجز عن التطهير بالماء أو التراب المرض، أو سبع، أو عدو، أو عدم قدرة لا يصلي عند أبي حنيفة رحم الله، وهو رواية عن محمد الله، ويقضي إذا قدر.
وعند أبي يوسف وابن القاسم رحمهما الله: يصلي ويعيد
وعند مالك وابن نافع رحمهما الله: لا يصلي ولا يقضي
وعند الشافعي وأشهب رحمهما الله يصلي ولا يعيد، وقاسا على الصلاة بالنجاسة، وترك ستر العورة، واستقبال القبلة
و من آدابه: استقبال القبلة عنده إلا في الاستنجاء، وذلك أعضائه،: وإدخال خنصره في صماخ أذنه، وتقديم الوضوء على الوقت، وتحريك خاتمه، وأن لا يستعين بغيره في وضوئه بخلاف ملء الإناء، وقيل: لا يستعين فيه أيضًا.
وقد ثبت في الصحيحين أن أسامة لهل صبّ على النبي صلى الله عليه وسلم في وضوئه في حجة الوداع.
وصب المغيرة له على النبي الله في وضوئه في غزوة تبوك خرجاه. وحديث: «إِنَّا لَا نَسْتَعِينُ عَلَى الوُضُوءِ بِأَحَدٍ»، باطل، قاله النواوي،
أبي حنيفة، وفي نوادر أبي سليمان مع أبي يوسف، وسيذكر المصنف هذه المسألة مرة أخرى في باب التيمم.
لكن في الأحاديث الصحيحة أنه كان يتوضأ بغير استعانة بأحد. فيحمل الأول على الضرورة أو الجواز وتركه على الاستحباب
وأن لا يتكلم فيه بكلام الناس، وينشر الماء على وجهه بغير لطم، والجلوس في مكان مرتفع، وجعل الإناء الصغير على يساره، والكبير الذي يغرف منه على يمينه والجمع بين نية القلب وفعل اللسان، وتسمية الله تعالى عند غسل كل عضو. قال في شرح الطحاوي: يقول عند المضمضمة: اللهم أعني على تلاوة القرآن وذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وعند الاستنشاق: اللهم أرحني رائحة الجنة، وعند غسل وجهه: اللَّهُمَّ بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وعند غسل يده اليمنى: اللَّهُمَّ أعطني كتابي بيميني وحاسبني حسابا يسيرًا، وعند غسل اليسرى: اللَّهُمَّ لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري،
الجزء 1 · صفحة 69
وعند مسح رأسه وأذنيه: اللَّهُمَّ اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، عنقه: اللَّهُمَّ أعتق رقبتي من النار، وعند غسل رجليه: اللَّهُمَّ وعند مسح
ثبت قدمي على السراط يوم تزل الأقدام
وفي خير مطلوب ويصلي على النبي بعد غسل كل عضو مع الدعاء.
وأن يقول بعد الفراغ: اللَّهُمَّ اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، وأن يشرب شيئًا من فضل وضوئه مستقبل القبلة قائمًا، قيل: لا يشرب الماء قائما إلا في هذا وعند زمزم، وأن يملأ إناه بعد الفراغ، وأن يصلي ركعتين وأن يتوضأ لكل صلاة، وأن لا ينقص ماء وضوئه من مد، ذكر هنا
أكثر ذلك الزُّوْزَنِي، وبعضه في المحيط
ومن مكروهاته لطم الوجه بالماء، والإسراف فيه ولو كان على نهر والإقتار والتثليث بماء جديد في مسح الرأس، وقد تقدم، والاكتفاء فيه بمرة مرة، وقيل: لا يكره؛ لإتيانه بما أمر به.
ولا بأس بالتمسح بالمنديل بعد الوضوء - وبه قال مالك، وأحمد يروى عن عثمان له، والحسن بن علي، وأنس، ومسروق الله.
عَنْ عُثْمَانَ بْن عَفَّانَ الله قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ»، رواه مسلم). وعَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ الله، قَالَ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ أُنَاسًا يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَحَادِيثَ لَا أَدْرِي مَا هِيَ؟ إِلَّا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا غُفِرَ لَهُ
مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَمَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ نَافِلَةٌ». رواه مسلم. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لله أَنَّ النبي الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوِ الْمُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ
مَعَ الْمَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيَّا مِنَ الذُّنُوبِ»، رواه مسلم
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم (] قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا
الجزء 1 · صفحة 70
وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ [الْخُطَ. إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ»، رواه مسلم).
عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ، فَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ إِذا غَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ اللَّهِ إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»، رواه مسلم)
واستدل الشافعي الله على وجوب غسل المسترسل من اللحية: بقوله: «إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ»، فدل على أن الماء يكون في أطراف اللحية. قيل له: هذا يبطل ب) بقوله في مسح الرأس: «إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ»، ولا يكون الماء في أطراف شعر
وخَرَّت بالخاء لجميع رواة مسلم) إلا ابن أبي جعفر؛ فإنه رواه الرأس بلا خلاف.
بالجيم
فصل في نواقض الوضوء
النواقض: جمع ناقضة لا ناقض؛ لأنه لا يجمع على فواعل إلا المؤنث، وشذَّ فوارس وهوالك ونواكس في جمع فارس وهالك وناكس على
تأويل فرقة.
والنقض: إبطال التأليف في البناء والحبل والعهد، وهو في الوضوء تجوّز لبطلان المطلوب منهما وفي
وكلمة «كل» لعموم. الطاهر والنجس المعتاد، وغيره إلا الريح الخارجة من ذكر الرجل وفرج
فيتناول جميع ما يخرج من الدبر والقبل، المرأة على ما يأتي تفصيل ذلك.
وقال مالك: لا ينقض غير المعتاد كدم الاستحاضة، وسلس البول، والمذي، والحجر، والدود، والدم.
وقوله: «كل ما خرج من السبيلين».
الجزء 1 · صفحة 71
معناه خروج كل ما خرج؛ لوجهين:
أحدهما: أن الذي منهما عين وهي موجودة ولا نقض، وإنما حصل
النقض بخروجها.
في (ب): «فوقه».
الثاني: أن قوله: «كل ما خرج لا يصلح خبرا عن «المعاني»؛ لأن لا يخبر عنه بالجثة، فأضمر الخروج لذلك.
والغائط: هو المكان المطمئن من الأرض، وهو يقصد لحاجة الإنسان إما للإبعاد أو التستر عن أعين الناس حسب ما اختلفوا في ذلك. وكذا العَذِرَة في الأصل: فناء الدار سميت بذلك؛ لأن العذرة كانت
تلقى في الأفنية، فصار ذلك كناية عن قضاء حاجة الإنسان. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لله قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: «فَسَاءُ، أَوْ ضُرَاط»، متفق عليه
وحديث صفوان بن عسال وَلَكِنْ مِنْ غَائِطِ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ رواه البيهقي). وفي الترمذي والنسائي، وابن ماجه: «وَنَوم» ريح» وروي ريح مگان
عنه: الْوُضُوءُ مِمَّا يَخْرُجُ، وَلَيْسَ مِمَّا يَدْخُلُ. وفي
إسناده: شعبة مولى ابن عباس قال مالك، والنسائي: ليس بثقة.
وفيه الفضل بن مختار: منكر الحديث
وقال سعيد بن منصور: «إنما يحفظ من قول ابن عباس وفي المذي: فقال: «فِيهِ الوُضُوءُ» رواه البخاري ومسلم وفي دم الاستحاضة: وَتَوَضَّنِي لكُلِّ صَلَاةٍ وَإِنْ قَطَرَ عَلَى الْحَصِيرِ»،
خرجه أحمد، والنسائي وأما ما ذكره صاحب الهداية: قِيلَ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: وَمَا الْحَدَثُ؟ فَقَالَ: مَا يَخْرُجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ، فلا يعرف أصلا. قوله: والدم والقيح إذا خرجا من البدن وتجاوزا إلى موضع يلحقه حكم
التطهير - يعني: وجوبًا أو استحبابًا - والقي ملء الفم. وحاصل ذلك: أن الخارج النجس من
الجزء 1 · صفحة 72
غير السبيلين ينقض الوضوء عندنا قال في المحيط، وقاضي خان، والبدائع: هو مذهب العشرة
المبشرين بالجنة. وكذا ذكره شمس الدين سبط ابن الجوزي، وزاد ابن مسعود وابن
عمر وزيد بن ثابت وأبا موسى الأشعري وأبا الدرداء، وثوبان، وصدور
التابعين
قال ابن بطال في شرح البخاري وابن المنذر في الإشراف: مثل سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير وعطاء، والثوري، والحسن البصري، وابن المبارك، وإسحاق، والزهري، وأحمد، والحسن بن حي والأوزاعي في الطعام دون المِرَّة والماء.
قال الثوري، وابن حي، ومجاهد وزفر ظهور الدم وإن لم يسل، وقليل القيء ناقض للوضوء
قال ابن المنذر: «وقد روينا عن غير واحد أنهم كانوا يغتسلون من الحجامة، كعلي، وابن عباس، وابن سيرين وقال القاسم وسالم والشعبي والحكم وحماد: في القلس وضوء،
ذكره النسائي.
وقال مالك والشافعي: لا وضوء في الخارج من غير السبيلين لهما ما رُوي أن أنصاريًا رمي بسهم في فيه وهو يصلي، فنزعه،
حتى رمى بثلاثة أسهم فلم يقطع صلاته، فلما فرغ من صلاته، نبه رفيقه المهاجري فرأى ما حل بالأنصاري من الدماء، وقال: سبحان الله، هلا نبهتني في أول رمي، قال: كنت في سورة أقرأها فما أحببت أن أقطعها». فقد مضى في صلاته، ولو كان خروج الدماء ناقضًا لما مضى فيها. رواه البخاري تعليقا بغير إسناد، وأبو داود وحديث أنس: أنه: احْتَجَمَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى
غَسْلِ مَحَاجِمِهِ»، رواه الدارقطني
وحديث ثوبان: «فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أفريضة الوضُوءُ من القيء؟ قَالَ:
لَو كَانَ فَرِيضَةً لَوَجَدتهُ فِي الْقُرْآن».
ورُوي عنه: «أَنَّهُ قَاءَ فَغَسَلَ فَمَه، فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَتَوَضَّأُ وُضُوءَكَ
الجزء 1 · صفحة 73
لِلصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: هَكَذَا الْوُضُوءُ مِنْ الْقَيْءِ. النجاسة
من السبيلين أقبح؛ لأن الإنسان] يستحي
ولأن خروج بخروجها منهما بين الناس دون الفصد والحجامة.
ولأن العذرة والبول أسمج من الدم والقيء؛ لأن ذلك لا يخلو عن نتن ورائحة كريهة بخلاف الخارج من غيرهما.
ولأن الخارج منهما يحصل بمقتضى الطبيعة، وهي تدفع الفاسد، ولا
كذلك الخارج من غيرهما ولنا في المسألة اثنا عشر حديثا:
الحديث الأول: عَنْ عَائِشَةَ نَا قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَسْتَحَاصُ فَلَا أَظْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: «لَا، إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِالْحَيْضِةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكَ الدَّمَ، وتَوَضَّنِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ». أخرجاه في الصحيحين، وصححه الترمذي
وفي رواية أحمد وابن ماجه: وَتَوَضَّئِي عند كُلِّ صَلَاةٍ وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ
فأوجب الوضوء من الدم، ونبَّه على العلة بقوله: «عرق» فإن قالوا: قال اللالكائي: قوله: تَوَضَّنِي لِكُلِّ صَلَاةٍ من قول عروة وقال هشام: (قال أبي: ثُمَّ تَوَضَّنِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ قلنا: قد صححه الترمذي كما ذكرنا ثم لا يمكن أن يقول عروة هذا من قبل نفسه؛ لأنه عطف الأمر بالتوضؤ على الأوامر المتقدمة من قوله: «فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وتَوَضَّنِي لِكُلِّ صَلَاةٍ»؛ إذ لو كان قاله هو كان لفظه: ثم تتوضأ لكل صلاة فلما قال: «توضئي» شاكل ما قبله من أمره ولأن من أثبت الإسناد كان أولى. الحديث الثاني: عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: «أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَاءَ فَتَوَضَّأَ، فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: صَدَقَ أَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءَهُ»، رواه أحمد والترمذي. قال الترمذي: حديث حسين
في هامش: «فإن قيل: لا يلزم من التنصيص على العلة اعتبارها كما في قوله في حديث: «أما السن فإنه عظم وأما ظفر (كذا) فإنها مدي الحبشة»، فقد نص على العلة هنا في أنه لا تجوز الذكاة بالظفر لكونه
الجزء 1 · صفحة 74
مدي الحبشة ولم يعتبر هذا التنصيص، فعلم أن التنصيص على العلة لا يوجب اعتبارها وإذا كان كذلك فيكون التنصيص على العلة بقوله: دم «عرق لا أثر له في الاعتبار، فتبقى المعتبر هو الخروج من السبيلين لا غير، وحينئذ لا تنتقض الطهارة بخروج النجاسة من غيرهما والجواب عنه: أنا نقول الأصل أنه متى وجد التنصيص على العلة لزم اعتبارها، لأنه الله لو لم يعقل كان يلزمنا سواء عقلناه أو لم نعقل، فإذا أتى بالتعليل فلا يمكن حمله على عدم الفائدة فلو لم يعتبر العلة لزم إلغاء التنصيص بالكلية، وأما التنصيص في مدي الحبشة فعلى خلاف الأصل فلا ينتقض به أو أطلق الجنس وأراد بعضه وهذا غير ممتنع.
المعلم أصح شيء في هذا الباب. وقال أحمد: «حسين المعلم يجوده)
الحديث الثالث: عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ نَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا قَاءَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، أَوْ قَلَسَ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأَ، ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ مَا لَمْ
يَتَكَلَّمْ». رواه ابن ماجه والدارقطني طعنوا في أحد طريقيه بالإرسال والمرسل عندنا وعند مالك وأحمد حجة. فإن قيل: قوله: «ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ معطوف على الانصراف والتوضؤ والمعطوف يشارك المعطوف عليه في حكمه، والبناء ليس بواجب، اتفاقا بل الاستئناف أفضل عندنا، فوجب أن يكون المعطوف عليه من الانصراف والتوضؤ غير واجب أيضًا.
قيل له: عنه جوابان:
أحدهما: أن الوجوب خُصَّ منه الأخير على خلاف الأصل، ووجهه:
أنه لما أمر بالانصراف ربما ظن ظان أن ذلك مفسد لصلاته، فأمر بالبناء ليزيل هذا الظن ووهم بطلان التحريمة.
الثاني: وهو اختيار القاضي أبي زيد في الأسرار: أنه من باب عطف الجمل؛ لأنه مستقل مستند بنفسه، فلا تتغير به أحكام الجمل السابقة. الحديث الرابع: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ هِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَيْسَ فِي الْقَطْرَةِ وَلا الْقَطْرَتَيْنِ مِنْ الدَّمِ وُضُوءُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ دما
سَائِلًا». رواه الدارقطني الحديث الخامس: عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ له قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ ... » الحديث. وهو ضعيف؛ لأن فيه أبا بكر الداهري. الحديث السادس: عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم - وَقَدْ سَالَ مِنْ أَنْفِي
الجزء 1 · صفحة 75
دَمٌ -: «أَحْدِثْ لِمَا حَدَثَ بِكَ وُضُوءًا مِثْلَهُ».
الحديث السابع: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا رَعَفَ فِي
صَلَاتِهِ تَوَضَّأَ، ثُمَّ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ».
في (ب): «التحريم).
الحديث الثامن: عن عطاء عن ابن عباس الا الله مثله.
الحديث التاسع: عَنْ تَمِيمِ الدَّارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْوُضُوءُ
مِنْ كُلِّ دَم سَائِلِ»، خرجه الدارقطني الحديث العاشر: عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «الْقَلْسُ حَدَثُ» رواه الخلال.
الحديث الحادي عشر: عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم
رَخَّصَ فِي دَم الْجُبُونِ، وهي الدمَامِلُ».
والجِبْنَ والجِبْنَةُ: الدُّمَل، بكسر الجيم وسكون الباء.
وفي طريقه: بقية، وقد أخرج له مسلم. الحديث الثاني عشر: روى البيهقي، وصاحب المحيط عن النبي أنه بن عن سليمان بن
قال: «يُعاد الوضوء من سَبْعِ: مِنْ نَومِ غَالِبٍ، وَقَيءِ ذَارِعٍ، وَتَقْطَارِ بَولٍ، وَدَمٍ سَائِلِ، وَدَسْعَةٍ تَمْلأُ الفَمَ، وَالْقَهْقَهْةِ فِي الصَّلاةِ)، والحديث لا يصح وعن علي ـ حين عد الأحداث ـ: «أَوْ دَسْعَة فِيءٍ تَمْلأُ الفَمَ). وعن ابن عباس: إِذَا كَانَ القَيءُ يَمْلأُ الفَمَ أَوْجَبَ الوُضُوءَ).
قال الخطابي: «أكثر الفقهاء على انتقاض الوضوء بسيلان الدم، وهو أقوى في الاتباع).
ونقيسها على خروج الدم والقيح من الدبر والذكر، وانفتاح ثقبة تحت المعدة وخروج شيء منها، وعلى مس الذكر والمرأة مع خروج النجاسة من غير السبيلين، ولأن خروج النجاسة مؤثر في زوال الطهارة، وذلك أنها إذا خرجت إلى ظاهر البدن لا يبقى طاهرا؛ لزوال الطهارة عنه، إذ لو بقي طاهرًا لجمع بين الضدين وهذا القدر معقول حتى لو خرج منه ريح أو بول يقال: أحدث فلان ولا يقال أحدث دبره ولا ذكره؛ ولهذا قالت الشافعية في الوجهين: إن الحدث يحل جميع البدن، قال الشاشي: وهو الأصح،
الجزء 1 · صفحة 76
حتى لا أحد يجوز له مس المصحف ببطنه وظهره، والاقتصار على الأعضاء الأربعة تخفيف ورخصة؛ لكثرة تكرر الوضوء في كل يوم وليلة فأقيم غسل الأعضاء الأربعة الظاهرة مقام. غسل جميع البدن نفيًا للحرج، وتيسيرًا للأمر، ولهذا لما لم يكثر خروج المني والحيض والنفاس كثرة الحدث الأصغر وجب غسل جميع
البدن وإن كان خروجهما من جزء يسير من البدن، فإذا تعدى في السبيلين إلى غير موضع الخروج لما ذكرنا، يتعدى في غير السبيلين أيضًا بجامع ما ذكرنا، وإذا انتقضت الطهارة ولم يبق طاهرًا مطلقًا لم يبق أهلا للصلاة التي هي مناجاة الرب سبحانه فيجب تطهير البدن بالماء ليصير أهلا لها.
وأما حديث الأنصاري فلا حجة فيه لوجوه: أحدها: أنه تعليق، وهو ليس بحجة عندهم
الوجه الثاني: أن الدماء التي خرجت من ثلاثة أسهم أصابت ثوبه وبدنه، فلا تجوز الصلاة معها اتفاقًا، ولا يمكن إنكار ذلك، فإنه قد رآه المهاجري بالليل حتى هاله ما رأى من الدماء بثوبه وبدنه.
الوجه الثالث: أن هذا فعل واحد من الصحابة فلعله كان مذهبًا له، أو كان غير عالم بحكمه أو حصل له ذهول في ذلك الوقت عن كون الدم ناقضا للطهارة. وحديث أنس: من رواية سليمان بن أبي داود أبي أيوب، وهو
ضعيف، قاله أبو حاتم الرازي وأما حديث ثوبان فقد قال أبو الحسن الدارقطني: «لم يروه عن الأوزاعي غير عتبة بن السكن الحمصي وهو متروك الحديث. وأما ما روي عنه: أنه قاء وغسل فمه وقال: هكذا الوضوء من،
القيء»،، فغريب، فلا يعارض ما ذكرناه من إيجاب الوضوء من القيء. ويحمل على ما دون ملء الفم، ويكون اللام في «القيء» لتعريف
الحاضر مثل: يا أيها الرجل؛ توفيقًا بين الحديثين، ولا سيما وقد ذكر في
المغرب أن القلس: هو القيء ملء الفم
وأما الفروق التي ذكروها بين السبيلين وبين غيرها فضعيفة؛ فإن خروج الريح من الذكر والفرج أو خروج الحصاة منهما ليس أقبح من خروج القيء ملء الفم وخروج القيح والصديد السائلين من البدن
الجزء 1 · صفحة 77
وذلك معروف بالبديهة، وقد أوجبوا الوضوء من الأول دون الثاني.
ولأن الخروج من الأول لا يطلع عليه غيره غالبًا، ولا قبح عند الناس وقت ذلك الخروج، بخلاف خروج القيء ملء الفم وسيلان الصديد والقيح، فإنه فضيع المنظر، فكان قبيحًا معلومًا للناس ضرورة، فكانت المناسبة على العكس.
ولأن الخارج من السبيلين يتكرر خروجه، ويكثر انفصاله عن البدن، فمست الحاجة إلى العفو لما يلزم من الخروج في تكرار الوضوء في كل وقت، فإذا وجب الوضوء مع الحرج فعند عدمه أولى، مع دواعي التعظيم الله تعالى إلى الوضوء الحاصل من ذلك.
ولأن تعدي الكثير إلى أعضاء الوضوء أكثر؛ لأن الكثير يخرج بقوة
نفسه دون القليل. وأما إذا كان الدم على رأس الجرح ولم يسل، فلأن الخروج لم يتحقق بخلاف السبيلين، وذلك لأن الدم في معدنه ومكانه، والخروج عبارة عن الانتقال من الداخل إلى الخارج وفي السبيلين بالظهور، وقد انتقلت النجاسة عن محلها وخرجت.
ولأن النجاسة فيهما قد وصلت إلى مكان يلحقه حكم التطهير، بخلاف ظهور الدم حتى لو تجاوز رأس الجرح نقض هنا أيضًا.
ولأن في وجوب غسله على الجرح حرجًا.
ولأنه لا فائدة في غسله؛ إذ هو [معدنه لا يزول بالغسل، بخلاف السبيلين على ما مر.
والترجيح معنا] لوجوه أربعة:
الوجه الأول: أن أكثر الصحابة معنا على ما تقدم.
الوجه الثاني: أخبارنا مثبتة وأخبارهم، نافية، والمثبت أولى بالقبول. الوجه الثالث: أخبارنا أكثر وأصح وليس لهم خبر صحيح.
الوجه الرابع: ما صرنا إليه أحوط في الدين وباب العبادة. وقول ابن العربي في العارضة): وجوب الوضوء بالغائط والبول عبادة لا يعقل معناها حتى لا يلحق الخارج من غير السبيلين بهما، تعام عن الحق البين، ولا يشك أحد أن خروج العذرة والبول مؤثر في زوال الطهارة وانتقاضها، ولهذا لو انفتحت ثقبة تحت المعدة فخرجت العذرة نقض الوضوء، ولا بعد أن يدعي التعبد في ذلك، كدعواهم طهارة الكلب
الجزء 1 · صفحة 78
والخنزير مع الأمر بالغسل من ولوغ الكلب سبعا، ولهم في ذلك نظائر ودعاوى ممنوعة.
ثم إنه قال في قوله: «لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ): «يحمل
عليه البول والغائط؛ بأنه خارج معتاد، فينقض الوضوء كالصوت والريح،
فقد تناقض كلامه.
وفرق آخر بين القليل والكثير في القيء أن للاجتماع تأثير، ألا ترى
أن نصاب الزكاة إذا كان مجتمعًا وجبت الزكاة فيه، وإن ملكه متفرقًا لا تجب، وكذا سرقة النصاب جملة توجب القطع ولا توجبه إذا تفرق، هذا في الشرع، وكذا في الحس؛ فإن الإنسان لو وقع عليه جسم ثقيل وزن ألف رطل مثلا دفعة واحدة هلك تحته ولو سقط عليه بدفعات لا يهلك، فكان تأثير القيء ملء الفم إذا وجد دفعةً أقوى من تأثيره إذا وجد متفرقا، فلا يلزم من نقض القليل نقض الكثير.
قوله: «ملء الفم أن يكون بحال لا يمكن ضبطه إلا بتكلف؛ لأنه يخرج
ظاهرًا، فاعتبر خارجًا».علي
قال في المبسوط: ملء الفم: أن يعمه أو يمنعه من الكلام)، عن أبي الدقاق
رحمه الله.
وعن الحسن: إن كان يعجز عن إمساكه
وقيل: أن يزيد على نصف الفم. وقيل: نصف الفم.
وتسمية نصف الملء ملئًا بعيدة وكذا إذا زاد على النصف. عن علي بن يونس الله - وكان من زهاد بلخ - سألته ابنته، فقالت: إن خرج من حلقي. شيء؟ فقال لها: إن وجدت طعمه في حلقك فأعيدي الوضوء، ثم رأى النبي في المنام فقال: لا يا علي حتى يملأ الفم، قال: فاليت على نفسي أن لا أفتي بعد هذا أبدًا.
وفي الذخيرة: «إذا تبين أن الخنثى رجل أو امرأة، فالفرج الآخر منه بمنزلة القرحة لا ينتقض الخارج منه ما لم يسل، قال: وفي الكتاب قال: أحب إليَّ أن يعيد الوضوء».
وهو إشارة إلى أنه غير واجب وهو اختيار محمد بن إبراهيم الميداني. وأكثر المشايخ على إيجابه.
الجزء 1 · صفحة 79
والدم المساوي للريق ينقض استحسانًا كالغالب؛ لأن البصاق سائل بقوة نفسه، فكذا مساويه بخلاف الناقض؛ لأنه سائل بقوة الغالب.
ولو كان لون الريق أحمر، نقض وإن كان أصفر لا ينقض.
وفي الذخيرة: «خرج من أذنه قيح أو صديد بدون الوجع لا ينقض،
الوجع ينقض؛ لأنه دليل الجرح، هكذا فتوى الحلواني. ومع
وإذا كان في عينه رمد أو عمش تسيل منها الدموع، أمره بالوضوء لوقت كل صلاة قال: لأني أخاف أن يكون ما يسيل منهما صديدًا أو قيحا، ويكون في الجفون جرح ولو سال من صرته ماء أصفر نقض.
قراد أو علق مص عضوه فامتلاً: إن كان صغيرًا لا ينقض كالذباب والبعوض، وإن كان كبيرًا انتقض.
ولو ظهر بول المجبوب: إن كان يقدر على إمساكه متى شاء نقض، وإلا لا ينقض إلا بالسيلان؛ لأنه في مكانه
وفي المحيط: توضأ فرأى بللا سائلا من ذكره أعاد وضوءه، وإن لم يعلم ما هو مضى على صلاته؛ لأنه من وساوس الشيطان، وينضح فرجه بالماء؛ ليحيله عليه بالحديث، قيل: هذا قبل أن يجف البلل، [أما بعد ما جف البلل] ثم رآه أعاد؛ لأنه من البول لا من الماء). البلل]
ومن شك في بعض وضوءه: إن كان أول شك يغسله؛ لأنه تيقن
بالحدث وشك في زواله وإن كان يعتريه كثيرا لا يغسله.
وفي الذخيرة اختلفوا في قوله: إن كان أول شك، قيل: أول شك في عمره، وقيل: أول شك وقع في هذا الوضوء، وقيل: إن الشك لم يصر عادة له.
وإن كان الشك بعد فراغه لا يلتفت إليه.
ومن تيقن بالطهارة وشك في الحدث، أو تيقن بالحدث وشك في الطهارة، بنى على اليقين؛ لأن الشك لا يعارض اليقين.
الجزء 1 · صفحة 80
ومن تيقن أنه أحدث وتيقن أنه تطهر فشك في السابق منهما، يبني على الحالة التي كانت قبلهما، فهو الآن على ضدها على إلغاء الشك. إيضاحه: رجل عَلِمَ أنه كان قبل الفجر محدثًا، ثم طلع الفجر، فاجتمع له بعد الفجر أن توضأ وأحدث، ولم يتحقق السابق منهما، وأراد صلاة الصبح، قيل: له على إلغاء الشك أنت الآن متطهر، وذلك لأن الحدث اليقين قبل الفجر قد رفعه التطهر اليقين بعد الفجر والحدث الذي كان معه بعد الفجر لا يعلم هل هو قبل الطهارة المتيقنة أم بعدها؟ فيلغي الشك، ويبني على اليقين من الطهارة.
ولو علم أنه كان قبل الفجر متطهرًا، قيل له: أنت الآن محدث؛ لأن ذلك الطهر المتيقن قبل الفجر قد ارتفع بالحدث المتيقن بعده، والطهارة المتيقنة التي كانت بعده أيضًا يمكن أن تكون بعد الحدث فترفعه، أو قبله فلا تؤثر فيه، فبقي يقين الحدث على حاله فلهذه الدقيقة قيل له: أنت على الحالة المخالفة للسابقة أولا، ذكرها أبو المعالي، وهي موافقة للقواعد. باشر امرأته من غير حائل وانتشر ذكره لها انتقض وضوءه عندهما استحسانًا، وقال محمد: لا ينتقض إلا بخروج شيء. ولم يشترط في ظاهر الرواية مماسة الفرج للفرج، واشترطها في رواية الحسن، وهو الأظهر.
وجه القياس: إمكان الوقوف على الحقيقة بخلاف التقاء الختانين
ووجه الاستحسان: أن المباشرة الفاحشة لا تخلو عن خروج مذي غالبًا، وهو
والدم السائل في الجرح إذا لم يتجاوز إلى موضع يلحقه حكم التطهير
كالمتحقق ولا عبرة بالنادر. طاهر في الأظهر، وهو قول أبي يوسف الله،
رحمة الله وبه أخذ الكرخي وكذا كل ما لا ينقض الوضوء من القيء وغيره، خلا دم الاستحاضة، وما يظهر به حكم الحدث السابق بخروج الوقت وبه كان يفتي أبو عبد الله القلانسي
نصر، وأبو القاسم، وأبو الليث:، ومحمد بن سلمة،، وأبو
وعن محمد وأبو جعفر بن الحسن: أنه نجس، وبه كان يفتي أبو بكر الإسكاف،
وعلى الأول: لو امتلأ الثوب منه لا يمنع جواز الصلاة، كما يكون لأصحاب القروح يصيب ثيابهم مرة بعد مرة من غير تجاوز مكان العذر لا يمنع وإن كثر، روى ذلك أصحابنا عن ابن عمر، وحكوه عن أبي يوسف ق وعليه الفتوى.
الجزء 1 · صفحة 81
وفي الينابيع: «أقطر دهنًا في إحليله، ثم سال منه لا ينقض عند أبي حنيفة والا الله خلافًا لأبي يوسف الله، وعن محمد الله: أدخل حقنة في دبره ثم أخرجها لا وضوء عليه مع أنه لا تخلو عن خروج شيء معها من النجاسة، وكل شيء غيبه في دبره ثم أخرجه أو خرج بنفسه نقض وأفسد الصوم، وإن أدخل بعضه وطرفه خارج لا ينقض ولا يفسد الصوم». عمم ولم يفصل، ومراده غير الذكر إذا لم يكن عليه بله عند خروجه. و (قال)
في قاضي خان: فيه روايتان، والصحيح إذا لم يغب فيه تعتبر
البلة والرائحة؛ لأنه ليس بداخل من كل وجه حتى لا يفسد صومه
ولا ينتقض الوضوء بنزول البول إلى قصبة، الذكر وإلى القلفة ينتقض.
وهو مشكل في القلفة فإنهم قالوا: لا يجب إيصال الماء إليها في الجنابة؛ لأنها خلقة فأشبهت القصبة.
والريح الخارجة من ذكر الرجل وقبل المرأة لا ينقض الوضوء.
قال [] في المحيط: هذا حكاه الكرخي عن أصحابنا إلا أن تكون المرأة مفضاة وهي التي صار مسلك بولها ووطئها واحدًا، أو التي صار مسلك الغائط والوطء منها واحدًا، ولا يحل وطؤها إلا أن يعلم أنه لا يتجاوز، قبلها فحينئذٍ يستحب لها الوضوء؛ لاحتمال أنها خرجت من دبرها لا من قبلها. ولم يزد، قلت: أو منهما.
الدبر وفي المفيد والذخيرة عن مُحمَّد: أنه حدث في قبلها قياسًا على وعن الكرخي أن الريح لا تخرج من الذكر، وإنما ذلك اختلاج والخارجة من القبل طاهرة؛ لانبعاثها عن محل طاهر، وهو القبل وهذا يدلك على طهارة رطوبة الفرج، بخلاف مجرى البول والغائط؛ فإنه نجس.
وقال أبو حفص الكبير يجب في المفضاة، وقيل: إن كانت الريح منتنة تجب، وإلا فلا.
وفي البدائع: إذا كانت مفضاة فقد صار مسلك البول والوطء واحدًا، فيحتمل أن تكون خرجت من مسلك البول، فيستحب لها الوضوء ولا يجب؛ لأن الطهارة الثابتة بيقين لا تزال بالشك».
قلت: في هذا نظر؛ فإن الريح الخارجة منتنةً لا تكون من محل الوطء، فلا ينزل عن المباشرة الفاحشة. ؤ وفي الذخيرة: «والدودة الخارجة من قبل المرأة على هذه الأقوال
الأربعة، هكذا ذكره في نظم الزَّنْدَوِيسْتِي.
الجزء 1 · صفحة 82
وفي القدوري: توجب الوضوء، وفي الذكر لا ينقض وإن خرجت الدودة من الفم أو الأنف أو الأذن لا تنقض وذكر المرغيناني: أن القلس ما كان ملء الفم، والقيء دونه، قال: وقيل: على العكس، دل عليه قول محمد: «فإن قلس أقل من ملء فيه، وقول مجاهد وطاووس: «لا وضوء في القلس حتى يكون القيء»،
وقال خواهر زاده في مبسوطه: «القلس: ما يخرج من المعدة عند غثيان النفس واضطرابها، والقيء ما يخرج منها عند سكون النفس وقرارها، فكان القلس زيادة شدة ليست في القيء».
ثم الفم ظاهر من وجه وباطن من، وجه ظاهر حقيقة حتى لو فتح فاه كان ظاهرًا، وكذا شرعًا حتى وجب غسله في الجنابة وإن كان صائمًا فجعل ظاهرا.
وباطن حقيقة حتى لو ضم شفتيه كان، باطنًا، وكذا شرعًا حتى لم يحكم بوجوب غسله في الوضوء فجعل، باطنا فرجح وجه كونه باطنا في حق القليل، ورجح وجه كونه ظاهرًا في حق الكثير عملًا بالوجهين، وهو أولى من العكس؛ لأن الكثير يخرج قطعًا، فعدَّ خارجا دون القليل. وإن قاء قليلا قليلا بحيث لو جمع كان ملء الفم، على التفسير الذي تقدم:
فإن اتحد المجلس يجمع عند أبي يوسف الله؛ لأن المجلس جامع للمتفرقات كالعقود، والإقرار، والتلاوة المتكررة.
وعند محمد يجمع إن اتحد السبب، وتفسيره أن يكون القيء الثاني قبل سكون النفس من الهيجان والغثيان؛ لأن اتحاد السبب مؤثر في الجمع أيضًا، فإن العبد المبيع لو مرض في يد المشتري بالسبب الذي كان في يد البائع يرده، ويجعل الثاني عين الأول، وبغيره لا يرده ويجعل غير الأول. وفيه إشكال؛ فإن حُمَّاه لو كانت رِبْعًا في يد البائع وانقطعت،
ربعًا في يد المشتري يرده بها، وهنا قال: إذا عاد القيء بعد سكون النفس يجعل غير الأول ولا يجمع.
ويمكن أن يفرق بينهما: بأن الحمى أنواع كثيرة، فإذا انقطعت ثم عادت بعد الشراء بالنوع الذي كان في يد البائع، دل عود عينها أن البائع، دل عود عينها أن سبب العيب قائم لم يزل، وإذا جاء نوع آخر غير الأول دل على زوال الأول، أما القيء فشيء واحد، فإذا انقطع الغثيان ثم قاء ثانيًا فليس معنا ما يدل على أنه غير الأول، بخلاف الحمى على ما مر.
الجزء 1 · صفحة 83
وقال أبو علي الدقاق: يجمع كيف ما كان».
وحد السيلان أن يعلو فينحدر عن رأس الجرح، هكذا فسره أبو يوسف رحم الله، وإن علا على رأس الجرح وانتفخ ولم يتحدر لم ينقض.
وعن مُحمَّد الله: إن صار أكبر من رأس الجرح نقض والصحيح الأول؛ لأنه بادٍ لا خارج.
وإن نزل الدم إلى ما لان من الأنف أو إلى صماخ الأذن نقض. قال الحسن بن زياد الله: الماء والقيح والصديد طاهر بمنزلة الريق
والعرق والدمع والمخاط والنخامة واللبن لا ينقض الوضوء. والصحيح أن ذلك بمنزلة الدم؛ لأنه دم رقيق لم يتم نضجه، فكان لونه لون الماء، والدم نجس. وهذا بخلاف السبيلين؛ فإنه يستوي فيهما خروج النجس والطاهر فالنجس، كالبول، والعذرة والدم والمني بغير شهوة والمذي والودي. والطاهر]: كاللحم والدودة، والولد، والحصاة، والنواة، والريح من
الدبر؛ لأنه لا يخلو عن قليل من النجاسة، وخروجها ناقض وإن قلت. فإن قيل: قد اعتبرتم الفم باطنا في حق القليل حتى لا يتحقق الخروج بارتقائه إلى الفم، فإذا خرج من الفم تحقق الخروج، فوجب أن ينقض. قيل له: الفم له حكم الباطن فيما بينه وبين الباطن حتى لو بلع ريقه لا يفسد صومه وله حكم الظاهر فيما بينه وبين الظاهر حتى لو مج ماء بفمه أو أدخله. لفمه لا يفسد صومه، فإذا ارتقى القليل إلى الفم لا يتحقق الخروج؛؛ لأنه انتقال من الباطن إلى الباطن ثم إذا خرج من الفم لا يتحقق الخروج أيضًا؛ لأنه انتقال من الظاهر إلى الظاهر.
وفي الذخيرة: لو قطر قطرة من الدم نقض الوضوء
وقوله: «ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء»، المراد منها: ما يكون بعرضية القطر دل عليه قوله: إلا أن يكون دما سائلا»، أو يحمل على ما يقطر من أصول الأسنان ويتصل بالريق وهو مغلوب. مسألة حشا إحليله بقطنة أو ربط الجراحة، إن نفذ البلل إلى خارجها نقض، وإلا فلا.
وإن حشت المرأة فرجها بقطنة فابتل داخلها إن كانت على الشفرتين نقض، وإن كانت داخل الفرج فلا وضوء عليها. وقال أبو يوسف الله: إن علم أنه إن لم يحشه ظهر فإذا أخرج القطنة فهو محدث ساعة إخراجها. وإن أدخلت إصبعها في فرجها انتقض وضوؤها، لأنها لا تخلو عن بلة.
الجزء 1 · صفحة 84
لا ولو وصل المائع إلى الدماغ بالسعوط أو الوجور أو الإقطار ثم خرج ينقض؛ لأنه خرج من مكان طاهر وعن أبي يوسف: إن خرج من الفم نقض؛ لأنه لا يخرج منه إلا بعد وصوله إلى الجوف.
وذكر في الواصل إلى الدماغ من الأوجه الثلاثة إذا عاد إن كان تغير نقض، فلعله أراد بالتغير استحالته إلى نتن، وفساد فحينئذٍ يصير نجسًا. ولو غرز إبرة في يده، وظهر الدم أكثر من رأس الإبرة لم ينقض، وكان يميل إلى القول بالنقض ويراه سائلا، وكذا في فتاوى محمد بن عبد الله النسفي على ما ذكره في الذخيرة.
وإذا عُصرت القرحة فخرج منها شيء كثير ولو لم يعصرها لا شيء ينتقض وضوءه، في مجموع النوازل، قال: وفيه نظر.
واختاره القاضي عبد الجبار وقال: هو الأشبه. وفيه أيضًا يخرج جرح ليس فيه شيء من الدم والصديد، فدخل الحمام أو الحوض فدخل الماء الجرح وسال منه الماء لا ينقض
وذكر الإمام علاء الدين: أن من أكل خبزًا أو فاكهة ورأى أثر الدم
فيه من أصول أسنانه ينبغي له أن يضع إصبعه أو طرف كمه على ذلك الموضع، فإن وجد فيه أثر الدم انتقض وضوءه، وإلا فلا. ولو قاء بلغمًا صرفًا لا ينتقض عندهما؛ لأنه طاهر حتى كان ماء فم
النائم طاهرًا وإن انبعث من الجوف؛ لأنه يتولد من البلغم وهو طاهر، وإن مخلوطا بالطعام وغيره، وكان الطعام ملء الفم نقض لأجل الطعام عندهما.
وقال أبو يوسف رحمه الله: ينتقض المرتقي من الجوف خالطه الطعام أو كان وحده إذا ملأ الفم كالمرة والماء والطعام.
وقال في التحفة: «إن خالطه الطعام نقض اتفاقًا» ... وهو محمول على ما إذا كان الطعام غالبًا
ومنهم من قال: جواب أبي يوسف في الصاعد من الجوف وهو حدث اتفاقًا، وجوابهما في المنحدر من الرأس وليس بحدث، والصحيح على الخلاف. وإن قاء دمًا فالنازل من الرأس ناقض من غير شرط.
والصاعد من الجوف: إن كان علقًا لا ينقض ما لم يملأ الفم؛ لجواز أنه سوداء انجمدت، أو صفراء انعقدت أو بلغم احترق فصار كالطعام. وإن كان مائعًا فكذا عند مُحمَّد الله، وهو الأصح كأخواته الخارجة من المعدة الناقضة للوضوء.
الجزء 1 · صفحة 85
وعندهما ينقض وإن قل؛ لأنه من قرحة في الجوف، فلا يأخذ حكم الخارج من المعدة ناقضة كالدم الخارج من العروق. والدابة تخرج من الدبر تنقض الوضوء، فإن خرجت من رأس الجرح،
أو سقط منه اللحم لم ينقض قال: والمراد بالدابة: الدودة». نقل في هذا التفسير لفظ المبسوط، وإنما فسر الدابة بالدودة - وإن ولا كانت الدابة معلومة - لأن الذباب الذي ينزل في الجرح ثم يخرج ولا يكون متولدا منه لا ينقض فيوهم الفرق بينه وبين المتولد من اللحم، فإن زال هذا الوهم، والنجس ما عليها وهو يسير عفو في غير السبيلين، ناقض في السبيلين، فأشبه الجشاء والفساء.
«نفطة قُشرت - وفي لفظ مُحمَّد رحم الله: تقشرت، يقال: نفطت يده من العمل نفطًا أي: مجلت وفي المغرب: «النَّفِطَة - بوزن الكَلِمَة -: الجدري، والنَّفْطة تخفيف، وفي التهذيب: النفط ـ بغير هاء: بَثْر يخرج باليد من العمل ملآن ماءً نافع في كي» - فسال منها ماءً أو صديدًا أو غيره، إن سال عن رأس الجرح نقض، وإن لم يسل لم ينقض». [وقد تقدمت المسألة مستوفاة بما فيها من الخلاف فلا نعيدها.
قال: «وهذه الجملة نجسة». وقد ذكرنا خلاف الحسن فيها.
وقوله: «لأن الدم ينضج فيصير قيحا، ثم يزداد نضحًا فيصير صديدًا، ثم ماء» يصير
وقال غيره: إن الماء دم رقيق لم يتم نضجه، وقد تقدم. وقوله: «لأنه مخرج وليس بخارج».
وقد ذكرنا خلاف هذا من مجموع النوازل قبل هذا.
قوله: والنوم مضطجعًا أو متكنَّا أو مستندًا إلى شيء لو أزيل عنه لسقط». قال أبو الحسن ابن بطال: «أجمع الفقهاء أن النوم القليل لا ينقض الوضوء إلا المزني؛ فإنه خرق الإجماع، وجعل قليله حدثًا.»
[قلت: ومعه إسحاق بن راهويه وأبو عبيد، ذكر ذلك في العارضة. وقال: وكذلك أجمعوا أن نوم المضطجع ينقض الوضوء].
قلت: وعند أبي موسى الأشعري والنظام: لا ينقض، وبه قال لاحق بن حميد وعبيدة.
عن سعيد بن المسيب أنه كان ينام مضطجعًا ينتظر الصلاة، ثم يصلي ولا يعيد الوضوء وأحوال النائم ثلاث عشرة حالا نوم المضطجع، والمتورك على إحدى إليتيه والمستند والقاعد المتربع والماد رجليه، والمحتبي، والمتكئ، والمقعي شبه الكلب، والراكب والماشي، والقائم، والراكع والساجد.
أما نوم المضطجع والمتورك: فقد نص في المبسوط، والمحيط، والبدائع، والتحفة والغنية: أنه ناقض
الجزء 1 · صفحة 86
الوضوء وكذا المتكئ في المنافع
وذكر في الذخيرة: «أن النوم مضطجعًا إنما يكون حدثًا إذا كان اضطجاعه على غيره، أما إن كان على نفسه لا يكون حدثًا، قال: حتى أن من نام واضعًا إليتيه على عقبيه - شبه الكلب على وجهه - واضعا بطنه على فخذيه لا ينقض، كذا ذكر في كتاب صلاة الأثر عن مُحمَّد، وعن علي بن يزيد الطبري قال: سمعت مُحمَّدًا يقول: من نام متكئًا على وجهه لا ينتقض وضوءه. وقال أبو يوسف رحمه الله: اضطجاعه على نفسه وغيره سواء في انتقاض الوضوء»
ونوم المريض المضطجع في الصلاة ينقض الوضوء في الصحيح.
ونوم المتورك ملحق بالمضطجع؛ لزوال مقعده عن الأرض. وفي المستند إلى جدار أو سارية أو رحل، والمتكئ على يديه: ذكر حمدلله: أنه لو أزيل سنده إن سقط نقض وضوءه، وهو اختيار
الطحاوي القدروي في مختصر جمعه لابنه.
والصحيح رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله: أنه إذا كان مقعده على الأرض لا ينتقض وضوءه كيف ما كان.
وإلى هذا القول أشار القدوري في مختصر الكرخي الذي شرحه قال شمس الأئمة الحلواني
أبو الليث الحافظ وابن المبارك وعامة المشايخ رحمهم ونوم القاعد المتربع، والماد رجليه والمحتبي والمقعي شبه الكلب، والماشي، والقائم، والراكع لا ينقض، وكذا الساجد.
وعن أبي يوسف الله: إن تعمد النوم في سجوده نقض وأبطل صلاته؛ لأنه يزيل مِسْكَةَ اليقظة بلا ضرورة، وعن محمد الله في المقعي: أنه ناقض. والأصح الأول.
وفي الراكب: إن كانت الدابة عريانة لا ينقض في الاستواء، وكذا في الصعود، وفي الهبوط ينقض؛ لأن مقعده متجافٍ عن ظهرها، فيكون زائلا عن مستوى جلوسه.
وذكر في المبسوط لنقض نوم المضطجع طريقين أحدهما: أن عينه حدث بالسُّنَّة؛ لأن كونه طاهرًا ثابت بيقين، فلا يزال إلا بيقين مثله ولم يتيقن بخروج شيء، فلما جعل محدثًا عرف أن عينه حدث.
الطريق الثاني: أن استرخاء المفاصل تتحقق في هذه الحالة، وهو سبب لزوال مسكة اليقظة وزوالها طريق لخروج الريح غالبًا، فأقيم مقام الحدث باعتبار الغالب.