الجزء 1 · صفحة 7
حاشية الطحطاوي على الدر المختار
للعلامة أحمد بن محمد الطحطاوي المصري الحنفي
توفي سنة (1231هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرَّحْيم
مقدمة العلامة الطحطاوي
الحمد لله المنعم على البار والمفاخر يؤتي الحكمة من يشاء ومن يعطاها فقد أعطي الحظ الوافر والصلاة والسلام على سيدنا محمد ذي المناقب والمفاخر، وعلى آله وأصحابه الذين هم قدوة للأول والآخر.
وبعد ... فقد كنت في سابق الزمان أخطر الله بقلبي أن أكتب بعض تقييدات على الدر المختار شرح تنوير الأبصار فشرعت في ذلك مع علمي بأني لست أهلاً لما هنالك، وليس لمثلي أن يحوم حول تلك المسالك؛ لقلة البضاعة وطمس القلب بعدم الطاعة، وكتبت إلى قريب من باب المسح على الخفين وأهملتها، فلما أراد الله تعالى بقراءتي هذا الكتاب.
ثانيا: شرعت معتمدًا على الله تعالى في إتمامها وتسهيل مرامها، وأرجو من الله تعالى أن يلهمني الصواب والسداد وأن يتمها على أعلى المراد بحوله وقوته أنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير، وما كان فيها من صواب فمن المنقولات، ومن خطأ فهو من كثير الزلات ومعتمدي في ذلك على ما كتبه المحقق الفهامة والمدقق العلامة الشيخ إبراهيم الحلبي - جزاه الله تعالى خيرًا وطيب ثراه وجعل الجنة متقلبه ومأواه - وربما اطلعت على الأصل الذي نقل منه فلا أترك ذكره أدبا معه، بل أذكر عبارته معزية إليه وإلى أصلها، وربما اختصرت بعض عبارات مطولة فيه، والله المسؤول أن يبلغني المأمول، وأن يجعله من التام المقبول.
وها أنا أذكر بعض سنداتي في الفقه فمن أخذت عنه الفقه شيخي وبركتي شيخ الوقت الشيخ محمد الحريري - حفظه الله تعالى - عن الشيخ حسن المقدسي، عن الشيخ سليمان المنصوري عن الشيخ عبد الحي عن الشيخ حسن الشرنبلالي، عن الشيخ علي المقدسي، عن الشيخ أحمد بن يونس الشهير بالشلبي، عن الشيخ
الجزء 1 · صفحة 9
عبد البر بن الشحنة عن الشيخ كمال الدين بن الهمام عن قارئ الهداية، عن السيرامي، عن جلال الدين عن أبي الفضل عبد العزيز بن محمد بن نصر البخاري عن صاحب «الكنز») عن عبد الستار الكردري عن صاحب الهداية، عن الشيخ علي البزدوي، عن السرخسي، عن الحلواني، عن القاضي علي النسفي عن أبي بكر محمد بن الفضل البخاري عن الإمام أبي عبد الله السيذموني بضم السين وفتحها بعد الياء موحدة مفتوحة، ثم ذال معجمة ساكنة بعدها ميم مضمومة آخره نون، نسبة إلى قرية من قرى بخارى، عن أبي حفص البخاري عن أبيه، عن محمد، عن أبي حنيفة النعمان عن حماد بن سليمان عن إبراهيم بن يزيد النخعي، عن علقمة، عن ابن مسعود، عن النبي الله وشرف وكرم عن جبريل عن الله تبارك وتعالى.
الجزء 1 · صفحة 10
بسم الله الرحمن الرحيم
قال المصنف: بسم الله الرحمن الرحيم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قال الشارح: قوله: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) الباء تجيء لمعان كما في القاموس فمن معانيها الإلصاق سواء كان حقيقيًا نحو أمسكت بزيد أو مجازيًا نحو مررت، به والتعدية نحو: {ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ} [البقرة: (17)] والاستعانة نحو: كتبت بالقلم، ونجرت بالقدوم، والسببية نحو: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} [العنكبوت: (40)] والمصاحبة نحو اهي بِسَلَمِ} [هود: (48)] ومنه باء البسملة؛ والمراد المصاحبة التركيبية والظرفية نحو: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بب1در} [آل عمران: ???] والبدل نحو: فليت لي بهم قوما إذا ركبوا، والمقابلة نحو اشتريت بألف والمجاوزة كعن، وقيل: يختص ذلك بالسؤال نحو: فَسْتَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: (59)].
وقيل: لا يختص نحو: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْعَمَمِ} [الفرقان: (25)] والاستعلاء نحو: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِطَارِ} [آل عمران: (75)]؛ لأن مادة الأمانة تتعدّى بعلى قال تعالى: هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ} [يوسف: (64)] والتبعيض نحو: عينا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} [الإنسان: (6)] والقسم نحو: أقسم بالله، والغاية نحو: أحسن بي؛ أي: أحسن إليّ والتوكيد وهي الزائدة وتكون زيادة واجبة كأحسن بزيد؛ أي: أحسن زيد أو غالبة، وهي في فاعل كفى، نحو: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [الرعد: (43)] فالياء مشتركة بين هذه المعاني كما هو ظاهر تعداد صاحب «القاموس هذه المعاني لها، ولم يذكر سيبويه لها إلا الإلصاق، فالياء في المعاني مجاز عنده وقيل: جميع معانيها لا تفارق الإلصاق، انتهى خادمي
الجزء 1 · صفحة 11
أقول: إن صاحب القاموس» لم يلتزم ذكر المعاني الحقيقية، ثم وضع الباء للإلصاق شخصي لوضع عام لموضوع له خاص؛ لأن نفس الباء بخصوصها معناها هنا الإلصاق بين مدخولها ومتعلقها، وقد استحضر الإلصاق الجزئي الذي هو معنى الحرف الذي هو الباء بمطلق إلصاق وهو كلي عام مشترك بين جميع أفراد الإلصاق، فالوضع شخصي لاعتبار اللفظ حين الوضع على الوجه المخصوص، وكونه عامًا لكون آلته التي هي مطلق الإلصاق عامة، وكون الموضوع له خاصا لكون المعنى جزئيًا، ولهذا لم تكن الباء اسما؛ لأن معاني الأسماء كلية، والحاصل أن الباء لفظ جزئي موضوع لمعنى جزئي، وآلة الوضع كلية.
ثم الاسم ما أبان عن مسمى، قال في القاموس»: سما يسمو ارتفع، فهذا مناسب لمذهب البصريين من أنه مشتق من السمو وهو الارتفاع؛ لأنه يدل على مسماه فيرفعه ويظهره، وفي لفظ اسم لغات متعددة ذكرها الأشموني وغيره والهمزة فيه للوصل، والأصل فيها أن تثبت خطا كغيرها من همزات الوصل، ولكن تحذف في إضافة اسم الجلالة خاصة لكثرة الاستعمال، وقيل: ليوافق الخط اللفظ، وقيل: لا حذف أصلاً؛ وذلك لأن الأصل سم أوسم بكسر السين أو فتحها فلما دخلت الباء سكنت السين تخفيفا؛ لأنه لو بقيت مكسورة للزم وقوع كسرة بعد كسرة ولو بقيت مضمومة لوقعت ضمة بعد كسرة وكلاهما ثقيل هكذا حكاه النحاس وهو حسن، ولو أضيف إلى غير الجلالة تثبت نحو: باسم الرحمن.
قال أبو البقاء: ولو قلت لاسم الله أو باسم ربي أثبت الألف ونحوه مما أضيف إلى غير الجلالة من أسماء الباري نحو باسم الخالق، وقيل: يجوز: حذفها إذا أُضيف إلى غير الجلالة من أسماء الباري، وقيل: هذا الحذف مخصوص بما في الابتداء، وأما الوسط فلا نحو قوله تعالى: (أقرأ بِاسْمِ ربك)} العلق: (1) {و) سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ ([الأعلى: 1] وفيه نظر لما عرفت أن
الجزء 1 · صفحة 12
الكلام عند الإضافة إلى الجلالة فقط، واسم لفظ جزئي موضوع لما أنبأ عن المسمي ملحوظا کونه مسمي به مشتق من السمو عند أهل البصرة، ومن الوسم عند أهل الكوفة وهو من قبيل الاشتقاق الأصغر؛ وذلك لأن الاشتقاق إن اعتبر فيه الموافقة في الحروف الأصول مع الترتيب كضرب وضارب يسمى اشتقاقا أصغر.
أو بدون الترتيب نحو: جبذ وجذب فصغير أو المناسبة فيهما؛ أي: في الحروف والمعنى نحو ثلب وثلم فأكبر ويعتبر في الأصغر موافقته في المعنى، وفي الآخرين مناسبته والمناسبة أعم ولا بد في الاشتقاق من تغير ما بحركة أو حرف بزيادة أو نقصان، ثم لفظ اسم عند البصريين ناقص واوي من الأسماء المحذوفة الأعجاز كيد ودم؛ إذ أصله سمو بضم السين وكسرها، فلما كثر استعماله أريد تخفيفه في الطرفين فعمدوا إلى الآخر فوجدوا الحركات الإعرابية متعاقبة عليه مع ثقلها فحذفوه ونقلوا حركته إلى الميم، ثم عمدوا إلى الأول فحذفوا حركة السين دون السين لئلا يجحفوا بالكلمة، ثم اجتلبوا همزة الوصل للسكون، فإن اجتلبوا همزة الوصل للسكون، فإن الابتداء بالساكن وإن لم يمتنع في نفسه، بل هو موجود في غير العربية كلغة العجم كما نقله السيد الشريف عن لغتهم، لكنه أمر جائز في لغة العرب؛ لكونها على غاية الإحكام.
وفي الابتداء بالساكن نوع بشاعة كالوقف على الحركة مع إمكان السكون ومن ادعى الامتناع مطلقًا للتجربة فمردود بما قدمناه والحذف من آخر اسم اعتباط؛ أي: غير قياسي كما صرح به في «الشافية» وحرّكت الهمزة بالكسرة؛ لأنها حركة السين في الأصل مطلقًا؛ لأن من يضمها يجعل أصلها كسرة كما قيل.
وعند الكوفيين لفظ اسم واوي الفاء إذ أصله وسم حذفت واوه إذ كثيرًا ما تحذف الواو في أوائل الكلمة كزنة ودية وعدة؛ إذ أصل زنة مثلاً وزن حذفت الواو وعوض عنها تاء التأنيث في آخره فهو من الأسماء المحذوفة الأوائل، ثم
الجزء 1 · صفحة 13
أتى بهمزة الوصل عوضًا عنها، ورجح مذهب البصريين بتصريف لفظ لاسم تصغير أو جمع تكسير.
وبمجيء الفعل منه يقال: أسماء وأسامي وحمي وحميت وكل منها يرد الأشياء إلى أصولها ولو كان من الوسم كما قال الكوفي؛ لقيل: أوسام وأواسم ووسيم ووسمت وأصل أسماء أسما وبالواو قلبت الواو همزة لوقوعها بعد ألف الجمع، وأصل أسامي أسامو قلبت الواو ياء لوقوعها بعد كسرة، وأصل سمي سميو، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء، واسم في هذه الجملة مجرور بالباء سواء كانت أصلية أو زائدة.
وعلى الأول المتعلق إما فعل أو اسم جامد كابتدائي وتأليفي أو مشتق كأنا بادئ والفعل، إما عام أو خاص والاسم كذلك والفعل أيضًا إما ماض أو مضارع أو أمر، وعلى الجميع محل اسم الله نصب على المفعولية وعلى الثاني أعني الزائد، فالاسم مبتدأ به مرفوع بضمة مقدرة والخبر محذوف؛ أي: اسم الله الرحمن الرحيم مبتدأ به مثلاً والذي اختاره صاحب الكشاف وتبعه عليه صاحب التلخيص والتفتازاني، قيل: وهو الذي اختاره عامة المفسرين وجمهور الشارحين تعلق لفظ الباء في باسم الله بأقرأ مقدر بعده وفيه خمسة أمور: كون المتعلق فعلاً، وكونه خاصا، وكونه مضارعًا، وكونه محذوفًا، وكونه مؤخرًا عنها.
أما كونه فعلاً فلأنه أصل في العمل، والأولى العمل بالأصل مهما أمكن، وهناك وجوه أخر لتقدير الفعل وأما كونه خاصًا فلأن الأولى أن يقدر الفعل مناسبًا لما جعلت التسمية مبدأ له، وأما كونه مضارعا؛ فلأن المقام مقام حكاية فعل القراءة مثلاً الملابسة لها البسملة الصادرة عنه؛ أي: عن المتكلم في الحال مع تجدده الاستمراري على وجه أخصر ومفيد هذا المعنى هو الفعل المضارع، وأما كونه محذوفًا فللتخفيف لكثرة دورانه في ألسنة الخاصة والعامة
الجزء 1 · صفحة 14
كما في حذف حرف النداء في مثل: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا [يوسف: (29)] وأما كون المتعلق مؤخرة فلتخصيص القراءة بالتبرك باسمه تعالى مثلاً: (والله) أصله إله من أله قال في القاموس: أله إلاهة وألوهة وألوهية عبد عبادة، ومنه لفظ الجلالة ولفظه عربي كما هو عند عامة أهل العربية، ونقل عن أبي زيد البلخي أنه سرياني؛ إذ أصله لاها فعرّب وقيل: الله، وقيل: عبراني، وعلى الأول هو علم من الأعلام الغالبة.
قال المحقق الشريف في حاشية الكشاف: الإله قبل حذف الهمزة وبعدها علم لتلك الذات المعينة إلا أنه قبل الحذف أطلق على غيره تعالى إطلاق النجم على غير الثريا وبعده لم يطلق على غيره أصلاً.
واستدل صاحب الكشاف على كونه علمًا أصليًا بأنه يوصف ولا يوصف به، تقول: إله واحد ولا تقول: شيء إله، وهو علم شخص على التحقيق موضوع للدلالة على ذات واجب الوجود بملاحظة صفاته الجزئية الشريفة، وهو غير مشتق كما قيل؛ لأن في الاشتقاق معنى الحدوث؛ لاقتضائه تقدم المشتق منه على المشتق وذا ليس بجائز في أسمائه تعالى ولا يخفى أن الاشتقاق لا يقتضي التقدم الزماني على الذات حتى يلزم الحدوث على أن تخلف الدلالة اللفظية عن مدلولها جائز، وعلى كل حال فهو موهم، وفي مثل هذا الموضع يلزم الاحتراز عن الموهم.
وقيل: إنه مشتق من أله ألوهية بمعنى عبد كما مر أو من أله بمعنى تحير؛ لأن العقول تتحير في معرفته ذاتًا أو من ألهت بمعنى سكنت؛ لأن القلوب تتطمئن لذكره أو من أله إذا فزع؛ لأنه يفزع إليه بالتضرع، وهو يجير ويؤمن أو من أله الفصيل إذا أولع بأمه إذ العباد يولعون بالتضرع إليه في الشدائد، أو من وله إذا تحير وتخبط عقله وحبه حبًا شديدًا أو من ألهت بالمكان إذا اقمت به؛ إذ كل موجود قائم به تعالى أو من الألهية القدرة على الاختراع وأصل الله إله ككتاب وإمام؛ فحذفت الهمزة اعتباطاً عوّض عنها الألف واللام في الصحيح.
الجزء 1 · صفحة 15
وقيل: قياسًا يعني أدخل الألف واللام للتفخيم، فصار الإله ثم حذفت الهمزة بعد نقل حركتها إلى ما قبلها وهو اللام ثم حذفت الكسرة اعتباطا قصدًا للتخفيف بالسكون، أو ليكون الادغام قياسيًا ثم أدغمت اللام الأولى في الثانية، ثم فخم وعظم إن فتح ما قبله نحو قال الله، أو ضم نحو قالوا: اللهم، ورقق إن كسر نحو بسم الله وفيه أقوال أخر واختير لفظ الجلالة من: بين سائر الأسماء لكونه أشهر في الألسن وأدور في الاستعمال وهو العلم المنبئ عن ذاته تعالى وضعًا، وباعتبار كونه مستجمعًا لجميع الصفات يصلح علة للحكم؛ أي: التبرك بذكره تعالى ودلالة الجلالة على الذات بطريق الدلالة المطابقية وعلى سائر الصفات بطريقة الالتزام.
والرحمن من الرحمة وهي لغة الرقة والانعطاف، وقيل: إرادة الخير، وقيل: رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم، وقد تستعمل في الرقة المجردة وفي الإحسان المجرد وهى بسكون الحاء وتحرك، وهو اسم فاعل بناه على أن الصفة المشبهة اسم فاعل عند أهل الصرف كما نقل عن التفتازاني، وبعضهم جعلها قسما مقابلاً لاسم الفاعل كما هو عند النحاة.
وقد ذكر في الاشتقاق»: إنه من رحم بضم العين، إما بعد النقل وإما ابتداء كما قيل وفي عبارة أهل الصرف أن فعلان لم يجئ من فعل بضم العين، بل من فعل بكسر العين وفي عبارة بعضهم أنه يجيء من جميع الباب لكنه مختص بفعل بمعنى الجوع والعطش ونحوهما.
والرحيم قيل هو بمعنى الرحمن، وهو ذو الرحمة، مثل: ندمان ونديم، وقيل مختلفان فمنهم من ذهب إلى أبلغية الرحمن وهو مختار الزمخشري إذ الرحمن عام للمؤمن والكافر وجميع الحيوانات، والرحيم مختص بالآخرة فيكون للمؤمن فقط، فالرحمن خاص اللفظ؛ أي معناه يتعلق بالمؤمن غيره، والرحيم عام اللفظ يطلق على الله وغيره خاص المعنى بالمؤمن في الآخرة
الجزء 1 · صفحة 16
فقط، ومنهم من جعل الرحيم أبلغ لقوله: يا رحيم الدنيا ورحمن الآخرة» (?) الأول باختصاصه به تعالى وإطلاقه على مسيلمة تعنت، ورجح وبأن زيادة الحروف تدل على زيادة المعنى، وقيل: الأظهر أن جهة المبالغة فيهما مختلفة فمبالغة فعلان من حيث الاستيلاء والغلبة ومبالغة فعيل من حيث التكرار والمراد بالرحمن المحسن المنعم وهذا الإطلاق مجاز لغوي؛ ولهذا يقال: إن أسماءه تعالى إنما تؤخذ باعتبار الغايات فهو من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللازم؛ إذ الرقة مقتضية للإحسان على ما في عبارة بعضهم ومن قبيل ذكر السبب وإرادة المسبب كما في عبارة بعض آخر، وليس المراد باللزوم ما لا ينفك أبدًا، بل ما يصح به الانتقال في الجملة وإلا فقد توجد رقة قلب من غير إحسان وتأتي الأحكام الشرعية في البسملة.
أما الوجوب فكما في ابتداء الذبح ورمي الصيد والإرسال إليه، لكن لا تشترط البسملة، بل يكفي مجرد الذكر كما في البحر» بشرط كونه خالصا عن شوب حاجة الذاكر وغيره وفي بعض الكتب أنه لا يأتي بالرحمن الرحيم؛ لأن الذبح ليس بملائم، للرحمة وكما في ابتداء الفاتحة في كل ركعة، كما في سجود السهو من القنية حتى يلزمه السهو بتركها وتبعه ابن وهبان قائلاً: إنه قول الأكثر، وحاصل حجتهم أن حديث كون البسملة جزء من الفاتحة ليس بأقل أن يكون خبراً واحداً، والوجوب يثبت بخبر الواحد فصارت من الفاتحة عملاً؛ لكن الأصح أنها سنة.
وأما الندب بالمعنى الأعم للسنة والمستحب، فأما السنة فكما ذكر آنفا على الأصح كما في البحر سواء كانت البسملة في الجهرية أو السرية، فما في المنية» من أن الإمام إذا جهر لا يأتي بها غلط فاحش مخالف لكل
الجزء 1 · صفحة 17
الروايات كقول من قال: أنه يسمي إلا في الركعة الأولى، وكقول «القنية»: إنها واجبة بين السورة والفاتحة حتى يلزمه بتركها السهو كما في «البحر» لكن الشرط هنا البسملة لا مطلق الذكر، وكما في ابتداء الوضوء قبل الاستنجاء وبعده إلا حال الانكشاف وفي محل نجاسة فيسمي بقلبه ولو نسيها فسمى في خلاله لا تحصل السنة، بل المندوب كما في السراج الوهاج ولفظه إذا نسي التسمية في أول الطهارة أتى بها إذا ذكرها قبل الفراغ حتى لا يخلو الوضوء منها كما في أكثر الكتب من عبارة تدل على عدم الإتيان بها مما لا ينبغي.
وكما في ابتداء الأكل، لكن لو نسي في ابتدائه ثم ذكرها في خلاله تحصل السنة في باقيه لا فيما فات وليقل: بسم الله أوله وآخره كما في «البحر» عن ابن الهمام والفرق أن الوضوء عمل واحد بخلاف الأكل فإن كل لقمة فعل مبتدأ كما في الزيلعي كما في أكثر المواضع من الإشعار بحصول السنة في الجميع ليس على ما ينبغي.
وأما المستحب فكما بين السورة سواء كانت القراءة جهرا أو سرًا صرح به في «الذخيرة» وفي المجتبى» أنه حسن عند أبي حنيفة ورجحه ابن الهمام وتلميذه الحلبي، وعند أبي يوسف وهو رواية عن الإمام ليس بسنة ولا مستحب، ولكن الاتفاق على عدم الكراهة كما في البحر» وكما في بداية كل كتاب وفي سائر كل أمر ذي بال كما في بعض الرسائل، ولعل الظاهر أنه من قبيل السنة لقوة دليله واتفاق العلماء لا سيما صاحب الحل والعقد عليه مع شهادة أسلوب النظم القديم.
فإن قيل: استنباط الحكم الشرعي من الأدلة إنما هو منصب المجتهد، قلت: هذا مشترك بين من ذهب إلى استحبابه وإلى سنيته على أن الذي يختص بالمجتهد إنما هو القياس وقد فقد من بعد أربعمائة من الهجرة كما نقله الحموي في القول البليغ واستخراج الأحكام من نحو الخفي والمجمل والمشكل والمشترك.
الجزء 1 · صفحة 18
وأما فهم الأحكام من نحو الظاهر والنص والمفسر، فليس بمختص به بل يقدر عليه العلماء الأعم منه وكما في ابتداء قراءة القرآن بعد التعوذ عند بعض.
وأما المكروه فكما في أكل الشبهات قيل: ومنه الإتيان بها في شرب الدخان عند الجمهور ومنه ابتداء صورة براءة دون اثنائها وقيده بعض مشايخنا بما إذا وصل قراءتها بالأنفال أما إذا ابتدأها فتسن التسمية.
وأما المباح فكما في ابتداء المشي والقعود والقيام؛ لأن البسملة إنما تطلب لما فيه شرف صونًا عن اقتران اسم الله تعالى بالمحقرات وللتيسير على العباد فإن جيء بها في محقرات الأمور على وجه التعظيم والتبرك لا بأس به، فلا ينبغي إتيانها؛ لأنك قد عرفت أنه هو فيما له شرف شأن فإن قيل: قد وقع في بعض الكتب أنها لا تسن في نحو الصلاة والحج والأذكار، والدعوات مع أنها مما فيه شرف عظيم شرعًا وعرفًا، قلت: قيل في جوابه عن جواهر العمودي أنها مشتملة على الذكر أو هي نفس الذكر فلا تحتاج إلى ذكر آخر، لكن أورد عليه القرآن فإنه مشتمل على الذكر مع أن السنة إتيانها فيه أقول لعلها فيه ثابتة بنص على خلاف قياس فلا يقاس عليه غيره، وقد يمنع وجود الذكر في جميع القرآن، بل الأكثر عدمه والحكم في الجنس بحسب أكثر أفراده.
وأما الحرام فكما في ابتداء المحرم، بل قد يكفر، قال في «الخلاصة»: إن قال بسم الله عند شرب الخمر أو عند أكل الحرام أو عند الزنا يكفر؛ ولعل المراد بالحرام ما هو حرام قطعي سواء في ضمنه الحرام لعينه أو لغيره، وكأن الوجه فيه استلزام حله واستحلال ما ثبتت حرمته قطعا كفر، إذ إيراد التسمية إنما يتصور فيما فيه إذنه تعالى ورضاه؛ لأن التبرك باسمه تعالى والاستعانة به لا يتصوران فيما ليس فيه رضا الله تعالى ويؤيده ما في آخر الصيد من هذا الكتاب ونصه ورأيت بخط ثقة سرق شاة فذبحها بتسمية، فوجدها صاحبها هل تؤكل؟ الأصح لا؛ لكفره بتسميته على الحرام القطعي بلا تملك ولا إذن
الجزء 1 · صفحة 19
فيه وفيه أيضًا وجد شاة مذبوحة هل تحل أم لا؟ ومقتضى ما ذكرنا لا تحل؛ لوقوع الشك في أن الذابح ممن تحل ذكاته أم لا وهل سمى الله تعالى عليها أم لا، انتهى.
فإن قيل ما الوجه في عدم كفره بالتسمية عند أكل المغصوب، والظاهر أن ثبوت حرمته قطعي أيضًا، قلت بعد تسليم أنه قطعي لا نسلم كونه في مرتبة المسروق؛ إذ الجزاء في الغصب بعد الضمان غايته التعزير عند بعض.
وأما جزاء المسروق فالحد بقطع اليد على أنهم قالوا في الغصب: أن الغاصب يملكه من وقت الغصب ولا يحل له التناول والانتفاع على المفتى به قبل أداء الضمان أو رضا مالكه بأدائه أو إبرائه أو تضمين القاضي فشرط الحل وجود أحد هذه الأربعة؛ لأن الحل قضية أخرى غير الملك كما في «الدرر» عن الهداية و الكافي وسائر الكتب المعتبرة وظاهر أن السرقة ليست كذلك، فما في الوصايا التركية لتقي الدين محمد البركوي من تخصيص الكفر بالحرام لعينه بناء على لزوم تحقير اسمه تعالى استدلالاً بعدم الكفر في الغصب، مما لا ينبغي أن يتأمل فيه على أن هذه العلة تجري في الحرام القطعي مطلقًا، ويحرم قراءة البسملة؛ أي: بتمامها على الجنب والحائض إلا إذا قصد التيمن والذكر كما في البحر عن المحيط فإن قيل على هذا يلزم جواز الصلاة بها فقط؛ لأنها آية على هذا التقدير قلت: إنها وإن كانت آية متواترة، لكن فيها خلاف ففيها شبهة وفرض القراءة فرض بيقين فلا يسقط بما فيه شبهة.
تتمة:
قال في «الفصول»: من سمع اسما من أسمائه تعالى يجب عليه أن يعظمه، وإن كان غير ظاهر؛ أي بأن ذكر بالضمير بنحو: وإن لم يعظمه حين سمع لا يمكن قضاؤه.
وفي بعض الكتب إذا كتب اسم الله تعالى اتبع بالتعظيم بنحو: وكذا
الجزء 1 · صفحة 20
يحافظ على كتب الصلاة والسلام على رسول الله لها ولا يسأم من تكراره، وإن لم يكن في الأصل ويصلي بلسانه أيضًا، وكذا الترضي والترحم على الصحابة والعلماء ويكره الاقتصار على الصلاة دون السلام وبالعكس.
ونقل الإسقاطي في حاشية مسكين عدم كراهة الإفراد أقول لعل المنفية التحريمية والمثبتة التنزيهية فيحصل التوفيق ويكره الرمز بالصلاة والترضي بالكتابة، بل يكتب ذلك كله بكماله.
وفي بعض المواضع عن التتارخانية من كتب بالهمزة والميم يكفر؛ لأنه تخفيف وتخفيف الأنبياء كفر بلا شك ولعله إن صح النقل فهو مقيد بقصده، وإلا فالظاهر أنه ليس بكفر وكون لازم الكفر كفرًا بعد تسليم كونه مذهبًا مختاراً محله، إذا كان اللزوم بينا نعم الاحتياط في الاحتراز عن الإيهام والشبهة والبسملة آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور ليست من الفاتحة ولا من كل سورة وهو الصحيح من المذهب وذكر الدليل صاحب البحر انتهى الكل من الخادمي على البسملة ببعض زيادة واختصار، وفي أبي السعودي محشي مسكين.
تتمة:
روي عن علي أنه نظر إلى رجل يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: جودها فإن رجلاً جودها فغفر له، والحكم فيها خارج الصلاة أنها مندوبة في كل أمر مندوب، واتفقوا على جواز كتبها أول كتب العلم والرسائل كذا في «رياض الطالبين للسيوطي واعلم أن التعبير بالجواز بالنظر إلى الكتابة؛ إذ هو قدر زائد على التلفظ الذي هو سنة فلا يرد أن كتب العلوم أمر ذو بال واختلف في كتابتها في أول ديوان الشعر، فمنعه جماعة واختار الكافيجي الجواز إن كان في الديوان مواعظ أو حكم أما قصيدة يرفعها الشاعر فلا قبيل إلى كتابتها فيها.
ذيل:
أقل التسمية بسم الله وأكملها بسم الله الرحمن الرحيم
الجزء 1 · صفحة 21
حمْدا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (حَمدًا) مفعول مطلق لأحمد مقدرًا واختيار الجملة الفعلية لدلالتها على التجدد والاستمرار فكلما حدثت نعمة حدث في مقابلتها ثناء على الله تعالى، وأتي بالحمد بعد الإتيان بالبسملة عملاً بحديث الحمدلة أيضًا، فإن قيل حديث البسملة معارض لحديث الحمدلة؛ لأن الابتداء بأحدهما يفوت الابتداء بالآخر؛ إذ الابتداء ليس له استمرار حتى يمكن إتيانهما معا فيه، قلت: هذا التعارض إنما يأتي في الدليلين إذا تساويا في القوة مع اتحاد الحكم في كل والمحل والزمان.
فإذا أمكن التوفيق من جهة الحكم بأن حمل كل حديث على حكم فلا تعارض أو كان المحل غير متحد أو الزمان كذلك فكذلك، وهنا يمكن أن يقال أن الزمان غير متحد هنا بأن يقال: المراد بالابتداء هنا العرفي، وهو ما تقدم أمام المقصود بالذات فيسع البسملة والحمدلة أو المراد بالابتداء في البسملة الحقيقي كما في أسلوب الكتاب المجيد لا سيما في السور التي جاء في أوائلها الحمد لله وفي الحمدلة الإضافي فيمنع اتحاد الدليلين في المحل.
فإن قلت: إن حديث البسملة متعدد ورواته كذلك وحديث الحمدلة ليس كذلك فلم لم تترجح البسملة قلنا لا ترجيح لكثرة الدليل عندنا، كما لا ترجيح لكثرة الشهود إجماعا، وكذا لا يرجح بكثرة الرواة مالم تبلغ حدا لشهرة وبالجملة الاعتبار عندنا إلى القوة لا إلى العدد انتهى من الخادمي بتصرف.
والحمد هو ا الثناء على الجميل الاختياري على قصد التعظيم سواء كان في مقابلة نعمة أم لا هذا معناه لغة وفي العرف فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعمًا فالنسبة بين الحمدين عموم وخصوص من وجه، والشكر لغة هو الحمد عرفا وعرفًا صرف العبد جميع ما أنعم الله تعالى به عليه لما خلق لأجله، فالنسبة بين الشكرين عموم وخصوص مطلق وبين الشكر والحمد اللغويين ما: بين الحمدين،، وبين الحمد والشكر العرفيين هو ما: بين الشكرين، وبين الحمد اللغوي والشكر العرفي عموم وخصوص مطلق، وبين الحمد
الجزء 1 · صفحة 22
لَكَ يَا مَنْ شَرَحْتَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
العرفي والشكر اللغوي بتساءٍ فثبت أن النسب بين الحمدين والشكرين ست منها ثلاث عموم وخصوص مطلق واثنتان عموم وخصوص من وجه وواحدة تساو، وهو المعبر عنه في نظم سيدي علي الأجهوري بالترادف حيث قال:
إذا نسبًا للحمد والشكر رمتها بوجه له عقل اللبيب يوالف فشكر لذي عرف أخص جميعها وفي لغة للحمد عرفا يرادف عموم لوجه في سواهن نسبة وذي نسب ست لمن هو عارف
انتهى، أفاده بعض مشايخي ثم إن حمدًا مصدر بدل عن اللفظ بفعله وعامله حينئذ لا يذكر قال في الخلاصة: والحذف حتم مع آت بدلاً) ولم يكن مؤكدًا؛ لأن عامل المؤكد لا يحذف على ما فيه قال في «الخلاصة»: وحذف عامل المؤكد (امتنع والفرق بين البدل والمؤكد بالقصد، وقولنا في تعريف الحمد العرفي: فعل ينبئ إلى آخره بحث فيه بأن الإنباء عن الشيء لا يستلزم تحققه فضلاً عن قصده ولا شك إن قصد التعظيم معتبر في الحمد العرفي، فالأحسن أن يبدل ينبئ بـ يقصد»، حموي عن «حواشي الفنري» على المطول، انتهى أبو السعود.
قوله: (لَكَ) عدل عن الغيبة إلى الخطاب تلذذا بخطابه واستحضارًا له تعالى، وهذا المقام عظيم وهو مقام الإحسان المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم أن تعبد الله كأنك تراه» (?) قوله: (يَا مَنْ) أبهم المنادى تعظيمًا قوله: (شَرَحْتَ) أي: وسعت؛ فالمراد بالشرح التوسيع وهو كناية عن قبولها لما يرد عليها من الخيرات، ويطلق الشرح على الكشف ومن ذلك سمي شراح المتون؛ لأن
الجزء 1 · صفحة 23
صُدُورَنَا بِأنْوَاعِ الهِدايَة سَابقًا، وَنَوَّرْتَ بَصَائِرَنَا بِتَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ لاحقاً،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عادة الشروح وكشف ما في المتون قوله: (صُدُورَنَا) أي: قلوبنا، فأطلق المحل وأراد الحال فيه، والضمير فيه وفيما بعده يحتمل رجوعه لمعاشر المسلمين على أن المراد مدلول هذه الألفاظ الآتية اللغوي، ويحتمل معاشر الحنفية بناء على أن المراد الكتب المعلومة المؤلفة في المذهب.
قوله: (بأنواع) أي: بجزئيات الهداية، وليس المراد النوع المنطقي قوله: (الهداية). هي الدلالة مطلقا سواء وصلت أو لا، وهذا عند الإطلاق والخلو عن القرائن وإن قيدت بقرينة تدل على الإيصال أو عدمه عمل بها والهداية يحتمل أن المراد بها هنا المعنى اللغوي فالهداية إلى الصلاة نوع، وإلى الحج نوع، وإلى الزكاة نوع ويحتمل أن المراد الكتاب المسمى بهذا الاسم؛ فالمراد بالأنواع: جزئيات الأحكام الفرعية.
قوله: (سابقا) حال من مصدر شرحت؛ أي: جعلت صدورنا قابلة للخيرات حال كون الشرح سابقا، أو صفة لذلك المصدر، ثم إن أريد بالهداية الدلالة؛ فالمراد بالسبق التقدير الأزلي؛ أي: قدرت شرح صدورنا بأنواع الهداية أولاً، وإن أريد الكتاب المعلوم؛ فالمراد بالسبق السبق الزماني؛ لأن الهداية سابق تأليفه على الكتب بعده قوله: (وَنَوَّرْتَ بَصَائِرَنَا) أي: جعلت في بصائرنا نورا معنويًا يدعو إلى الفلاح والخير والبصائر جمع بصيرة، قال بعضهم: هي نور في القلب يدرك بها المعاني كما أن البصر يدرك به الأمور الحسية.
قوله: (بِتَنْوِيرِ الأَبْصَارِ) من إضافة المصدر إلى مفعوله؛ أي: بتنويرك أبصارنا لاحقا، والباء بمعنى مع؛ أي: نورت بصائرنا مع تنوير الأبصار، ويحتمل أن الباء للسببية؛ أي: نورت بصائرنا بسبب تنوير الأبصار، ثم يحتمل أن المراد به الكتاب المعلوم الذي هو من هذا الشرح وهو لاحق بالنسبة لما قبله من المؤلفات؛ يعني: أن الله تعالى نور بصائرنا بسبب تعاطينا هذا الكتاب، وتوصلنا به إلى أحكام الله ولا شك أن الهداية إلى العمل بما في هذا المؤلف سبب لتنوير البصائر، ويحتمل أن المراد المدلول اللغوي، فيكون تنوير الأبصار
الجزء 1 · صفحة 24
وَأَفَضْتَ عَلَيْنَا مِنْ أَشِعَةِ شَرِيْعَتِكَ المُطَهَّرَةِ بَحرًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
سببًا لتنوير البصائر، وقد يقال: إنه لا يتسبب تنوير البصائر عن تنوير الأبصار، وقد يجاب بأنه لما نوّر الأبصار تنويرًا مخصوصا، فصارت لا تنظر إلا ما يرضيه نورت البصائر التي في القلوب وكل الحوادث مداها من النظر.
قوله: (وَأَفَضْتَ عَلَيْنَا) أي: وسعت وأعطيت قوله: (مِنْ أَشِعَّةِ) جمع شعاع والإضافة من إضافة المشبه به إلى المشبه أي: أفضت علينا من شريعتك التي هي كالأشعة في النور أو شبه الشريعة بالشمس بجامع الاهتداء والنفع والأشعة تخييل والشريعة فعيلة بمعنى مفعولة؛ أي: مشروعة فقد شرعها الله تعالى حقيقة والنبي مجازًا والشريعة والملة والدين شيء واحد، فهي شريعة لكون الله شرعها والشريعة في الأصل الطريق تورد للاستقاء، فأطلقت على الأحكام المشروعة لبيانها ووضوحها؛ وللتوصل بها إلى ما به الحياة الأبدية وملة؛ لكونها أمليت علينا من النبي وأصحابه ودين للتدين بأحكامها؛: للتعبد بها وقال الحلبي: الأليق بالإفاضة والبحر أن يعبر بشآبيب، وهي دفعات المطر لكنه على هذا الأليق تفوت نكتة التنبية على أنها نور يهتدى بها كنور الشمس.
قوله: (المطَهَّرَةِ) أي من الشبه والزيغ قوله: (بَحرًا) البحر اسم للمحل الذي يجري فيه الماء من بحر الماء الأرض إذا شقها، فأطلق اسم المحل، وأريد الحال، وهذا اللفظ يحتمل أن يراد به الكتاب المعلوم الذي ألفه العلامة محرر المذهب الشيخ زين بن نجيم.
ومعنى التركيب حينئذ أن الله تعالى أفاض على معاشر الحنفية، وأنعم عليهم بهذا المؤلف المسمى بهذا الاسم الذي فيه من أحكام الشريعة ما لا يحصى، وهو حقيق بهذا الاسم؛ إذ هو مع ذلك واسع العبارة وأوضحها خال عن طلاقة الألفاظ وصعوبة المعاني، ويحتمل أن يراد بالبحر الرائق: الأحكام الشرعية التي وصلت إلينا، ويكون المقام مقام تجريد؛ لأن البحر الرائق على هذا هو الشريعة كأنه جرد من الشريعة أحكامًا مشبهة بالبحر الرائق الخالص من
الجزء 1 · صفحة 25
رَائِفًا، وَأَغْدَقْتَ لَدَيْنَا مِنْ بِحَارٍ مِنَحِكَ الموفّرَة نَهْرًا فَائِقًا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المكدرات هذا إذا أريد بالبحر أحكام الشريعة لا بالنظر للمذهب، وإن أريد به الأحكام القاصرة على أهل المذهب فالشريعة عامة للأحكام المذكورة عند الجميع؛ إذ ما أفاضه الله على أهل المذهب من الأحكام أحكام حسنة واضحة خالصة من الاعتراض والتردد والأوهام مشبهة بالبحر الرائق، ولا غرابة في ذلك فإن أهل كل مذهب يمدحون مذهبهم لاتباعهم له، رزقنا الله تعالى حب الجميع بفضله وكرمه ويحتمل أن يراد بالشريعة كل ما شرعه الله تعالى، ولو لغير هذه الأمة وبالبحر الأحكام المشروعة على لسانه.
قوله: (رَائِقا) أي: صافيًا قوله: (وَأَغْدَقْتَ) في «القاموس» غدقت العين کفرحت غزرت، انتهى، فمعنى أغدقت أغزرت وأكثرت، انتهى حلبي قوله: (لَدَيْنَا) أي: عندنا؛ أي: أكثرت لنا قوله: (مِنْ بِحارِ مِنَحِكَ) الجار والمجرور متعلق بأغدقت والإضافة من إضافة المشبه به إلى المشبه؛ أي: أكثرت لنا من منحك التي هي كالبحار في العظمه، والكثرة، وعمومها للخاص والعام، والمنح العطايا وفي القاموس» منحه كمنعه وضربه أعطاه، انتهى.
قوله: (الموفّرة) أي: الوافرة الكثيرة، قوله: (نَهِرًا فَائِقًا) النهر اسم للمحل الذي يجري فيه الماء، ثم أطلق على الماء الجاري من إطلاق اسم المحل على الحال فيه، ثم يحتمل أن يراد بـ «النهر الكتاب المسمى بهذا الاسم تأليف الشيخ عمر بن نجيم أخي الشيخ زين، والمعنى عليه أن الله أعطى لنا عطاياه الكثيرة هذا المؤلف حيث وفق هذا الحبر لتأليفه فإنه كتاب جليل، ويحتمل أن يراد بالنهر الفائق: الأحكام الشرعية المشبهة به لكثرة انتفاع الناس بكل؛ ولأن الماء به حياة الناميات، كذلك الأحكام بها حياة الأرواح ونجاتها من العذاب ولك حينئذ في المنح احتمالان إبقاؤها على المعنى اللغوي وهو العطايا والإشارة إلى الكتاب المعلوم الذي ألفه المصنف على هذا المتن، والنهر الفائق الأحكام التي ذكرت فيه، ولا يصح أن يراد
الجزء 1 · صفحة 26
وَأَتْمَمْتَ نِعْمَتَكَ عَلَيْنَا حَيْثُ يَسَّرْتَ ابْتِدَاء تَبييض هَذَا الشَّرْحِ المُخْتَصَر تِجَاه وَجْهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بـ «المنح الكتاب المعلوم والنهر كذلك؛ لأن النهر ليس مأخوذاً من «المنح» لأنه إما سابق عليها في التأليف أو مقارن لها والإضافة في «منح» أن جعلت اسمًا للكتاب على معنى أنه هو الذي وفق مؤلفها لجمعها حتى صارت ملجأ للمفتي ونافعة للمبتدي والمنتهي.
قوله: (وَأَتْمَمْتَ) أي: أكملت قوله: (نِعْمَتَكَ) وأي: إنعامك، أو ما أنعمت به قوله: (عَلَيْنَا) الضمير للمؤلف وحده نظرًا إلى عود ثواب الانتفاع به إليه فقط، وأتى بضمير العظمة للتحدث بالنعمة وهو جائز عند الفقهاء والمحدثين، أو الضمير لمعاشر الحنفية باعتبار الانتفاع به وهذا حسن ظن من الشيخ، ويدل على أن الخطبة ألفت بعد ابتدائه هذا الكتاب، بل على أنها متأخرة عنه بتمامه؛ لأنه يبعد أن يبيض ابتداءه في الروضة، ثم يشرع في الخطبة ثم يتمه قوله: (حَيْثُ) الحيثية للتعليل؛ أي: لأنك يسرت، أو للتقييد؛ أي: أتممت وقت تيسير ابتداء إلى آخره والأول أولى قوله: (يَسَّرْتَ) أي: سهلت.
قوله: (ابتِدَاء تبييض ... إلخ) يفهم منه أن المؤلف سوده أولاً ثم ابتدأ تبييضه في الروضة المأنوسة في مسجده الا الله والتبييض في عرف المؤلفين رقم المؤلف محررًا بعد كتبه أولاً غير محرر غالبًا، والإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله.
قوله: (هَذَا الشَّرْحِ الإشارة إلى ما في الذهن من الألفاظ المتخيلة الدالة على المعاني، وهذا هو الأولى من الأوجه السبعة المشهورة، والشرح بمعنى الشارح؛ أي: المبين والكاشف أو جعل الألفاظ شرحًا مبالغة.
قوله: (المختصر) الاختصار تقليل اللفظ مع تكثير المعنى، وقيل: مطلقا والأول هو المراد، واختصاره إما من خزائن الأسرار» الذي سوده المؤلف وبيض الجزء الأول منه كما يأتي، أو من كتب المذهب قوله: (تجاه) أي: مقابلة، وقوله: (وَجْهِ) أي: ذات النبي الله الله فأطلق الجزء وأراد الكل وخص
الجزء 1 · صفحة 27
منْبَعِ الشَّرِيعَةِ وَالدُّرَرِ، وَضَجِيعَيه الجَليلين أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، بَعْدَ الإِذْنِ
الوجه لكونه أشرف أعضاء الإنسان، وكل ذاته وجزء من أجزائه شريف.
قوله: (منبعِ الشَّرِيعَةِ أي: محل نبع الشريعة؛ أي: محل ظهور الأحكام فشبه بالمحل الذي ينبع منه الماء النافع بجامع الانتفاع بكل والاحتياج أو ما شبهت الشريعة بالماء تشبيهًا مضمرًا في النفس، وذكر المنبع تخييل وتقدم في الشريعة قريباً قوله: (وَالدُّرَرِ) أي: الأحكام والفوائد المشبهة بالدرر في النفاسة والانتفاع وفيه إشارة إلى الكتاب المسمى بـ «الدرر».
قوله: (وَضَجِيعيه) معطوف على منبع؛ أي: وتلقاء وجه ضجيعيه؛ أي: المضاجعين له، تثنية ضجيع بمعنى مضاجع كخليط بمعنى مخالط والمضاجع هو الذي يضطجع بحذاه آخر بلا فاصل وأطلق عليهما ضجيعين لقربهما منه.
قوله: (الجَليلين) أي: العظيمين بمعنى المعظمين؛ أي: اللذين عظمهما الله تعالى ويجب علينا تعظيمهما، أو المعظمين لله ورسوله، فجليل فعيل بمعنى مفعول أو بمعنى فاعل قوله: (أَبِي بَكْرٍ وَعُمَر) بدلان من ضجيعيه وقد ابتدأ الشارح تبييض هذا المختصر في الروضة ثم تجاه الكعبة؛ أي: فالبدء الحقيقي كان في الروضة والإضافي كان في الكعبة كما يأتي الإشارة إليه آخر الخطبة إن شاء الله تعالى.
قوله: (بَعْدَ الإِذْن) متعلق بقوله: يسر؛ أي أن التيسير للابتداء بعد الإذن منه - صلى الله عليه وسلم - وناهيك بكتاب ألف بإذنه - صلى الله عليه وسلم - وبما يحصل فيه من النفع لمن يعاينه، وهذا الشرح حقيق بالمدح كيف لا ولم ينسج على منواله من أهل المذهب ناسج بل البعض مولع بنقل الخلاف والأقوال ولا يميز ضعيفها من قويها، والبعض مولع بالاستدلال لأقوال أهل المذهب ومخالفهم، والبعض بسط في العبارة كل البسط حتى أفرط، وهذا المؤلف قد ارتكب الشيخ فيه اختصارًا غير مخل مع ذكر الأقوال المعتمدة فإما أن يقتصر على قول واحد، وإما أن يذكر قولين
الجزء 1 · صفحة 28
منه - صلى الله عليه وسلم -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كلاهما صحيح ولم يتعرض لكثرة الاستدلال لأن المقلد لا يطالب بدليل، إذ إقامة الدليل من وظيفة المجتهد فينبغي الاعتناء بما أذن النبي صلى الله عليه وسلم بتأليفه فهذه مزية عظيمة ومنقبة كريمة.
ولقد وقع لمؤلف الأصل مزية عظيمة وهو أنه ألف هذا المتن أثر ما وقع له من رؤيا دخول صاحب الرسالة الله منزله بغرة المحروسة فقام له مستقبلاً واعتنقه عجلاً وألقمه الا الله و لسانه الشريف، وهو يمشي بوسط منزله حتى صعد السرير الذي ينام عليه الشيخ وألقم، ولد المؤلف الشيخ صالح «محشي الأشباه ثديه الشريف فتأليفه أيضًا مصطحب بآثار النبوة، فانظر لتأليف هذا المتن والشرح وذلك من كامل إخلاص مؤلفيهما ونرجو من الكريم إتمام هذه الكتابة ببركة الرسول الله.
قوله: (مِنْهُ) أي: من منبع الشريعة بالتبييض لهذا المؤلف قوله: () أفاد الخادمي فيما تقدم كراهة إفراد أحدهما عن الآخر عندنا، ونقل الأسقاطي عن منية «المفتي أن الاقتصار على الصلاة لا يكره، وقال: إن الكراهة في الاقتصار مذهب المحدثين فلعل في المسألة قولين، ثم رأيت الحلبي في شرح التحرير» أفاد أن القول بالكراهة ضعيف، حيث قال: ثم إن المصنف ختم هذه الصفات المادحة للنبي بالصلاة عليه.
ثانيًا: عودًا على بدء لما عنده من الشغف بذلك، ويحق له وليقرنها بالسلام عليه كما اقترنا في الأمر بهما في الكتاب العزيز، فيخرج عن عهدة ما قيل من كراهة إفرادها عنه وإن لم يكن ذلك صحيحًا كما بيناه في كتابنا حلية المجلى وصلى مصدره تصلية، وقد سمع في قول الشاعر: تركت القيان وعزف القيان وأدمنت تصلية وابتهالاً وإنما تركه أكثر أهل اللغة؛ لأنه مصدر قياسي وعنايتهم بالسماعي، انتهى إسقاطي والصلاة اسم مصدر واشتهر أنها من الصلة؛ لأنها صلة بين العبد وربه
الجزء 1 · صفحة 29
وهذا يقتضي أن أصلها وصل، فدخلها القلب المكاني بتأخير الفاء عن اللام ثم الإعلال بقلب الواو ألفًا، ودخل في صلة بحذفها وتعويض التاء عنها أو أنه اشتقاق كبير، ولا يضر فيه اختلاف ترتيب الحروف والصلاة لغة الدعاء؛ أي: ولو من الملائكة وليست صلاتهم مقصورة على الاستغفار على التحقيق، واعترض هذا ابن هشام بأنه لو جعل مكان صلى دعا لانعكس المعنى؛ لأن المعنى حينئذ دعا عليه وهو مبني على أن المترادفين لا بد من جريان أحدهما مجرى الآخر وفيه خلاف عند الأصوليين.
وفي الاصطلاح: الرحمة تختلف باختلاف ما تسند إليه، فهي من قبيل المشترك اللفظي، واعترضه ابن هشام بأنه ليس لنا فعل يختلف معناه باختلاف المسند إليه، إذا كان الإسناد حقيقيًا واختار أنها مشترك معنوي موضوعة لمطلق العطف.
ثم هو في كل شيء بحسبه ورده الدماميني بإيراد أفعال كثيرة تختلف معانيها باختلاف الإسناد ومع ذلك هو حقيقي مثل: أعربت معدة البعير تغيرت وأعربت الثيب أفصحت عن مرادها، وأعربت الشيء إذا نطقت به معربًا وغير ذلك، وهذه الجملة خبرية لفظًا إنشائية معنى وهو الحق؛ لأن الوارد صيغة طلب من الشارع، حيث قال تعالى: صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا [الأحزاب: (56)].
وقول يس إنها خبرية معنى أيضًا لا يتم مع ما ورد، وقيل: معنى الصلاة المغفرة أفاده بعض مشايخي.
قوله: (وسلم) السلام التحية؛ أي: بكلامه القديم بأن يسمعه ذلك أو بإرسال ملك، كما كان يقع له إن جبريل كان يأتي ويقول له: ربك يقرئك السلام أو التحية بالإتحاف بالنعم فيرجع إلى الصلاة قوله: (عليه) تنازعه صلى وسلم. وأعمل الثاني وحذف من الأول لدلالة الثاني عليه.
الجزء 1 · صفحة 30
وعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ حَازُوا مِن مِنَحِ فَتْحِ كَشْفِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعلى آله) (?) أتى بعلى ردًا على من منع الفصل بينه وبين آله بعلى واستدلوا بحديث موضوع: (لا تفصلوا ببيني وبين آلي بعلى) والآل في مقام الدعاء كل مؤمن تقي كما أفاده الملوي، وقيل: مطلقًا؛ لأن المطلوب في الدعاء التعميم، وأما في مقام الزكاة ففي تفسيره خلاف بين المذاهب، وهم خمسة عندنا كما يبين فى الزكاة إن شاء الله تعالى.
قوله: (وَصَحْبِهِ) هو اسم جمع لصاحب بمعنى الصحابي؛ أي: لا بالمعنى اللغوي، وهو من بينك وبينه مواصلة ومداخلة، ولا بمعنى الصاحب الذي هو بمعنى التابع المقلد لغيره كأصحاب الأئمة والصحابي كل مسلم رأى النبي أو رآه النبي ومات على ذلك، وعن بعض الأصولين خلاف ذلك والأول هو الصحيح، انتهى منح.
وفي (الأنموذج) إن أصحاب النبي لا يقاربون عدة الأنبياء وفي «الألفية» أنه مات عن مائة ألف وأربعة وعشرين ألفا من الصحابة
قوله: (اللذين حَازُوا) أي: جمعوا قوله: (من منح) أي: عطايا قوله: (فَتْح) مصدر فتح ضد أغلق ويطلق الفتح على الماء الجاري وعلى النصر؛ أي: من منح نصره أو منحه المشبهة بالماء الجاري لكثرتها.
قوله: (كَشْفِ) الكشف الإظهار كما في القاموس» والمعنى حازوا من عطايا
الجزء 1 · صفحة 31
فَيْضِ فَضْلِكَ الْوَافِي حَقَائِقَا.
قال المصنف: وَبَعْد:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
نصره، الكشف بمعنى الكاشف؛ أي: المظهر فهو مصدر أريد به اسم الفاعل. قوله: (فَيْضِ) يقال: فاض الماء إذا كثر، قوله: (فَضْلِكَ) الفضل ضد النقص جمعه فضول، كما في «القاموس» والمراد الإنعام قوله: (الوَافِي) أي: التام قوله: (حَقَائِقًا) من حق والحق ضد الباطل، وهو أحد إطلاقات له ذكرها في «القاموس أي: حازوا من عطايا نصره تعالى الكاشف الذي سببه كثرة إحسانه تعالى الوافي أمورًا محققة وفي ذلك إشارة إلى أسماء كتب معلومة في المذهب نقل عنها المؤلف وغيره وهي المنح» و «الفتح» و «الكشف» و «الفيض» و «الوافي» و «الحقائق».
قال الشارح: قوله: (وَبَعْد) هو ظرف مقطوع عن الإضافة مبني على الضم إن نوى معنى المضاف إليه ومنصوب، إن نوى لفظه والعامل فيه إما المقدرة أو الواو لنيابتها عنها.
فائدة:
قال السيوطي في "شرح عقود الجمان" قال ابن الأثير: الذي أجمع عليه المحققون وعلماء البيان أن فصل الخطاب هو أما بعد؛ لأن المتكلم يفتتح كلامه في كل أمر ذي شأن بذكر الله وتحميده، فإذا أراد أن يخرج منه إلى الغرض المسوق له فصل بينه وبين ذكر الله تعالى بأما بعد، وصح «أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فقال: أما بعد» أخرجه الشيخان واختلف في أول من نطق بها.
فروى الديلمي في مسند الفردوس) عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أول من قال أما بعد داود وهو فصل الخطاب» انتهى
الجزء 1 · صفحة 32
فَيَقُولُ فَقِير رَحْمَةِ ذِي اللُّطْفِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بحروفه، أفاده بعض المشايخ قوله: (فَيَقُولُ) أدخل الفاء في جواب أما المقدرة أو الواو ولنيابتها عنها.
والقول يأتي لمعان مختلفة باعتبار ما يعدّى به، فإذا عدي بالباء كان بمعنى الحكم، وإذا عدي بعن كان بمعنى الرواية، وإذا عدي بفي كان بمعنى الاجتهاد، وإذا عدي باللام كان بمعنى الخطاب، وإذا عدي بعلى كان بمعنى الافتراء، والعرب تستعمل القول في غير الكلام فتقول: قال بيده؛ أي: أخذ وقال: برأسه أي أشار وقال برجله أي مشى وتستعمل بمعنى ذكر، انتهى غنيمي عن «الكشاف».
قال الحموي: وبقي استعمالان آخران وهما استعماله بمعنى الإطلاق، ومنه قولهم مقدمة العلم تقال على كذا؛ أي تطلق وبمعنى الحمل ومنه قولهم الجنس يقال على كذا؛ أي: يحمل ويعدى في كل منهما بعلى، انتهى أبو السعود ويقول: إذا بني للمفعول صيغته يقال وهذا اللفظ مشترك بين معان ثلاثة القول والقيلولة والإقالة وجمعها الشاعر في قوله:
أقول لظبي مر بي وهو رائع ... أنت أخو ليلى فقال يقال
فقلت أفي ظل الأراكة والنقا ... يقال ويستظل فقال يقال
فقلت يقال المستجير بأرضكم ... إذا ما جنى ذنبًا فقال يقال
قوله: (فَقِير) صيغة مبالغة أو صفة مشبهة؛ أي كثير الفقر أو دائمه والفقر من كسرت فقار ظهره، وهى العقد اللاتي في سلسلة ظهره؛ والمراد المحتاج قوله: (رَحْمَةِ) أي: لإنعام وهو الظاهر أو لإرادتها؛ لأنها إذا أريدت كانت، والإضافة بمعنى اللام.
قوله: (ذي) أي: صاحب ولا يستعمل إلا في ذي شرف بخلاف صاحب قوله: (اللُّظفِ) في القاموس» لطف بالضم رفق ودنا والله لطيف أوصل لك مرادك بلطف واللطيف البر بعباده المحسن إلى خلقه بإيصال المنافع إليهم برفق
الجزء 1 · صفحة 33
الخَفِيّ، مُحَمّد عَلَاءُ الدِّين، الحَسْكَفِي، ابنُ الشَّيْخ عَلِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولطف، أو العالم بخفيات الأمور ودقائقها، فيحتمل أن المراد الرفق والدنو؛
أي: القرب المعنوي، أو ذي إيصال المرادات، أو ذي البر والإحسان.
قوله: (الخَفِيّ) أي: الظاهر فإنه من أسماء الأضداد، فإن لطفه تعالى لا يخفى على كل شخص وفي كل شخص، أو المراد الخفي عن العبد بأن يدبر له الأمر من غير تعان منه ومشقة ويهيئ له أمور دنياه وآخرته من حيث لا يحتسب والله على كل شيء قدير.
قوله: (مُحَمّد) بدل من فقير ولا يقال: يلزم أن يكون إثبات الفقر له غير مقصود أصلاً؛ لأن المبدل منه في نية الطرح؛ لأنا نقول: المراد بكون المبدل منه في نية الطرح أنه غير مقصود بالذات هنا، وإنما ذكر توطئة وتمهيد إذا المقصود بالذات ذكر الاسم لا إظهار الفقر، أو يقال: هو مطروح من حيث عمل العامل، أو هو عطف بيان فيكون إثبات الفقر لنفسه مقصودًا بالذات أفاده بعض المشايخ.
قوله: (عَلَاءُ الدِّين) لقبه الله الله تعالى عنه؛ أي: معلي الدين ورافعه من حيث الحث على أوامره ونواهيه فعلاً، وتركا أو معلي أهل الدين؛ أي: دين الإسلام، بمعنى أنه ناصرهم ومظهر لهم الحق وإنما كان معليًا لهم؛ لأنهم حيث عملوا بأمره ونهيه علوا دنيا وأخرى هذا بالنظر للمعنى اللغوي والعلمي لا يلزم فيه ملاحظة ذلك وليس هذا باسم أبيه؛ لأنه سيصرح به بعد.
قوله: (الحَسْكَفِي) وجد في بعض النسخ بالصاد وعليه فهو نسبة إلى حصكفى مدينة بديار بكر، كما في لب اللباب قوله: (ابن) بالرفع صفة لمحمد أو خبر لمبتدأ محذوف ويكتب بالألف؛ لأنه لم يقع بين علمين قوله: (الشَّيْخ) يطلق على من طعن في السن لغة وفي الاصطلاح على صاحب الرتبة العلم وإن كان صغيرًا في السن وهو المراد هنا، وهذا الوصف من قبيل تعظيم الوالدين وهو حسن. قوله: (علي) هو من الأسماء المشتركة قال: الشارح في الحظر
الجزء 1 · صفحة 34
الإمام بجامع بَني أُمَيَّة].
قالَ المُصَنِّف: [ثُمَّ المُفْتِي بِدِمَشْقَ المَحْمِيَّة الحَنَفِي: لَمَّا بَيَّضْتُ الجُزْءَ الأَوَّلَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والإباحة: وجاز التسمية علي ورشيد وغيره من الأسماء المشتركة ويراد في حقه غير ما يراد في حقنا؛ لكن التسمية بغير ذلك في زماننا أولى؛ لأن العوام تصغره عند النداء كذا في «السراجية» انتهى وعلي بن الشيخ محمد بن الشيخ علي بن الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ محمد بن الشيخ جمال الدين بن الشيخ حسن بن الشيخ زين العابدين الحصني الدمشقي والخطيب الحنفي، انتهى در منتقى».
قوله: (الإمام) يحتمل أنه صفة للمؤلف، وهو الكثير في مثل هذه التراكيب ويحتمل أنه وصف لأبيه والمراد به الذي يقتدى به في الصلوات الخمس قوله: (بجامع) متعلق بالإمام والباء بمعنى في، وهذا المسجد صرف على عمارته الأموية ألف كيس وزيادة وكان فيه ألف مرخم وألف نجار ذكره السيوطي في «مشتهى العقول قوله: (بَنِي أُمَيَّة) أمية جدهم الأعلى من ذريته أبو سفيان الصحابي وابنه معاوية ومنتهى جندهم ستمائة ألف.
قال الشارح: قوله: (ثُمَّ المُفْتِي إلى آخره أفاد بثم أن الإفتاء لم يجتمع له مع الإمامة وإنما تأخر عنها وتفيد ثم وضعي المهلة والتراخي وانظر هل في الواقع كذلك أم الإفتاء تولاه بعد الإمامة بغير مهلة.
قوله: (بِدِمَشْقَ) هي مدينة الشام وفيها كسر الميم وفتحها والصرف وعدمه باعتبار البقعة، و المكان قوله: (المحمية) أصلها المحموية اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء، والمحمية؛ أي: المصونة بصيانة الله وناهيك بالأحاديث الواردة في مدح الشام.
قوله: (الحَنَفِي) الغالب أن الوصف في مثل ذلك يرجع إلى المتقدم ويحتمل أنه وصف لأبيه والحنفي من تعبد على مذهب النعمان بن ثابت له رضي الله عنه وعن سائر الأئمة قوله: (لمَّا بَيَّضْتُ الجملة إلى آخر الكتاب في محل نصب
الجزء 1 · صفحة 35
مِن خَزَائِنِ الأَسْرَار، وبَدَائِعِ الأَفْكَار، فِي شَرْحِ تَنْوِيرِ الْأَبْصَار، وَجَامِعِ البحار،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مقول القول أو كل جملة من الكتاب محلها نصب بناء على أن جزء المقول له محل أو ليس له محل وهما قولان.
قوله: (مِن خَزَائِن «الأسْرَار اسم للشرح الذي كتب مسودته أولاً؛ أي: أسرار الفقه وأحكامه وتفاريعه فشبه الفقه بالأسرار بجامع المحافظة على كل قوله: (وبَدَائِعِ الأَفْكَار») أي: أفكار المجتهد الأعظم التي قواها بالسنة والكتاب أو من بدائع أفكاره من حيث حسن التركيب وبديع الوضع وهذا المعنى قبل جعله علمًا.
وأما بعد جعله علمًا فهو جزء اللفظ لا يدل على شيء من الموضوع له كالزاي من زيد لا تدل على شيء من زيد والأفكار جمع فكر وهو حركة النفس وجولانها في المعقولات؛ أي تعقلها بالهيئة المخصوصة التي يريدها الله تعالى.
قوله: (فِي شَرْحِ) إن كانت من جزء العلم فلا يبحث عن الظرفية؛ لأن العلم وأجزاءه لا يعللان وأما قبل العلمية فيقال الأولى حذف في لأن «خزائن الأسرار هي نفس الشرح وظاهر الظرفية يقتضي المغايرة.
قوله: (تَنْوِير الأَبْصَار) اسم لهذا المتن وتنوير الأبصار؛ أي: إنارتها يقال: أنار الشيء واستنار؛ أي أضاء والتنوير الإضاءة كما في «المختار» «منح».
قوله: (وَجَامِعِ البِحَار» جمع الشيء المنفرد فاجتمع وبابه قطع والبحار جمع بحر، وأراد بالبحار المتون الذي جمع هذا المتن غالب مسائلها، انتهى منح وظاهره أن في العبارة مضافًا محذوفًا.
الجزء 1 · صفحة 36
قَدَّرْتُه فِي عَشَرَة مُجَلَّدَاتٍ كِبَار، فَصَرَفْتُ عَنَانَ العِنَايَةِ نَحْوَ الاخْتِصَارِ، وَسَمَّيْتُه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قَدَّرْتُه فِي عَشَرَة) أي: هذا الشرح المسمى بـ «خزائن الأسرار فالشيخ - رضي الله عنه - لما بيض من هذا الشرح الجزء الأول نظر إلى باقيه بالنسبة إلى ما بيضه وجد الذي بيضه بمقدار العشر من المسودة فيلزم أن يكون الكتاب عند تمامه عشرة أجزاء عادة، وظاهر العبارة أنه لم يبيض من هذا الشرح الذي هو خزائن الأسرار إلا جزءا واحدًا، ثم يحتمل أنه لم يبيض باقيه ويحتمل أنه بيضه بعد ذلك بنفسه أو أن غيره بيضه.
قوله: (مُجَلَّدَاتٍ) جمع مجلد واسم المفعول من غير العاقل إذا جمع يجمع جمع تأنيث كمخفوضات ومرفوعات ومنصوبات، والمراد أجزاء وإنما قال: مجلدات؛ لأن العادة أن الجزء يوضع في جلد على حدة.
قوله: (كِبَار) جمع كبير؛ أي: عظام؛ أي: أنها عشرة مجلدات ومع ذلك لم تكن تلك المجلدات صغيرة ولا وسطا وإنما هي كبار قوله: كبار قوله: (فَصَرَفْتُ) عطف على قدرته: أي أنه لما رآه بتقديره إذا جلد يكون كما ذكر ذلك داعيًا وحاملاً لصرف عنان العناية نحو الاختصار.
قوله: (عَنَانَ) هو مقود الدابة وهو بكسر العين وأما بفتحها فنواحي السماء قوله: (العِنَايَةِ) أي: الاجتهاد من عنى بالشيء إذا حصلت فيه محافظة ورغبة فشبه الاجتهاد بدابة كفرس لها عنان تشببها مضمرًا وذكر العنان تخييل والصرف ترشيح.
قوله: (نَحْوَ الاخْتِصَار) أي جهة الاختصار فالنحو بمعنى الجهة كما هو أحد إطلاقاته والاختصار تقليل اللفظ وتكثير المعنى، ولا شك أن هذا الشرح مختصر بالنسبة إلى خزائن الأسرار قوله: (وَسَمَّيْتُه) أي: هذا المختصر المأخوذ من الاختصار أو الشرح المتقدم في قوله: تبييض هذا الشرح، وسمى يتعدّى إلى مفعولين الأول بنفسه والثاني بحرف الجر كما هنا أو بنفسه كما في سميت ابني محمدا.
الجزء 1 · صفحة 37
بِالدُّرِّ المُختار فِي شَرْحِ تَنْوِير الأَبْصَار»، الذِي فَاقَ كُتُبَ هَذَا الفَنَّ فِي الضبط والتضحيح والاخْتِصَارِ، وَلَعَمْرِي]. قال المُصَنِّف: [لَقَدْ أَضْحَت رَوْضَةُ هَذَا العِلْمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بـ «الدُّرِّ المُخْتَار») قال ابن حجر: إن أسماء الكتب من حيز علم الجنس والعلوم من حيز علم الشخص، واشتهر هذا الكلام بين الأفاضل ونوقش بأنه إن نظر لتعدد الشيء بتعدد محله فكلاهما علم جنس.
وإن نظر للاتحاد العرفي فعلم شخص، وأما التفرقة فهي تحكم وترجيح من غير مرجح أفاده بعض المشايخ والدر الجوهر وهو اسم جنس يصدق على القليل والكثير قوله: (المُخْتَار) أي: الذي من اطلع عليه اختاره وآثره على غيره قوله: (فِي شَرْحِ ... إلخ) قد تقدم ما يتعلق به.
قوله: (الذي ... إلخ) نعت لتنوير الأبصار؛ لأنه نسبة للمصنف بعد الأوصاف الآتية وفيه أن تنوير) (الأبصار في هذا التركيب جزء علم وجزء العلم لا يوصف، فالأولى حينئذٍ أن يكون خبر المبتدأ محذوف هو ضمير يعود عليه، أو النعت له بالنظر لذاته قبل دخوله في العلم وفيه نظر قوله: (فَاقَ) أي: علا وحسن قوله: (هَذَا الفَنِّ) أي: الفقه والإشارة إلى المستحضر ذهنا المنزل منزلة المحسوس.
قوله: (فِي الضَّبْطِ) أي: التحرير والمحافظة على جمع الفروع المحتاج إليها قوله: (والتَّصْحِيح) أي: ذكر الأقوال المصححة أو تصحيح التراكيب قوله: (والاخْتِصَار) فهو مع كونه جامعا للفروع مصحح للألفاظ مختصر قوله: (وَلَعَمْرِي) أي: لحياتي هذا ليس بيمين وأقسم الله به في قوله تعالى: لَعَمْرُكَ إنَّهُمْ لَفِي سَكَرِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر: ??] وقال بعضهم إنه على تقدير مضاف؛ أي: ولرب حياتي.
قال الشارح: قوله: (لَقَدْ) اللام داخلة على جواب القسم وقد للتحقيق قوله: (أَضْحَت) أي صارت وإن كان أصله الدخول في الضحى.
قوله: (رَوْضَةُ هَذَا العِلْمِ) شبه العلم ببستان فيه روضة تشبيها مضمرًا في
الجزء 1 · صفحة 38
به مُفَتَّحَةِ الأَزْهَار، مُسَلْسَلَةَ الأَنْهَار، مِن عَجَائِبِهِ ثَمَرَات التَّحْقِيق
ـــــــــــــــــــــــــــــ
النفس، وذكر الروضة تخييل والروضة المحل الذي فيه الأشجار والمياه.
قوله: (هَذَا العِلْم) أي: علم الفقه فأل فيه للعهد قوله: (به) أي: بتنوير الأبصار قوله: (مُفَتَّحَةَ الأَزْهَار) أي: أنها خرجت من أكمامها وأزيل غشاؤها بسبب هذا المؤلف؛ أي: أزيل ما فيها من الخفاء، وإنما عبر بمادة التفعل ليدل على المبالغة والإضافة من إضافة ما كان صفة؛ أي: أزهارها مفتحة والذي فتح هو المصنف مجازا والله تعالى حقيقة.
قوله: (الأَنْهَار) جمع زهر نور الأشجار والمراد بالأزهار المسائل الفقهية شبهها بالأزهار بجامع النفاسة في كل ومعنى كونها تفتحت به أن مسائله به حصلت وقربت لسهولة مأخذه ولطافة تراكيبه.
قوله: (مُسَلْسَلَةَ الأَنْهَار) الإضافة من إضافة ما كان صفة؛ أي: أنهارها مسلسلة أي الأنهار الكائنة فيها، مجراة قال الحلبي في جامع اللغة: تسلسل الماء في الحلق جري؛ والمراد بالأنهار المسائل فيكون، المشبه واحد في هذا وما قبله أو المراد بالأنهار التراكيب فشبهها بالأنهار بجامع العذوبة في كل والانتفاع.
قوله: (مِن عَجَائِبِهِ) أي هذا المتن؛ أي مما يتعجب منه أن التحقيق المذكور فيه الذي هو كالثمرات يختار عن غيره فقوله: (ثَمَرَات التَّحْقِيق) من إضافة المشبه به إلى المشبه وهذا كناية عن فخامة هذا المؤلف وبراعته حتى أن تحقيقه فاق تحقيقات من قبله.
ويحتمل أن يشبه التحقيق بشجرة لها أثمار تشبيها مضمرا في النفس وذكر الثمرات تخييل؛ والمراد بالثمرات المسائل، والتحقيق يطلق على ذكر الشيء على الوجه الحق وإثبات الشيء بدليل، والثاني لا يظهر هنا؛ لأن الأدلة ليس ذكرها من وظيفة أرباب المتون وفي الأول بحث، وهو أن هذا مختصر من الكتب قبله ولا شك أن أربابها قد ذكرت المسائل فيها على الوجه الحق، فما
الجزء 1 · صفحة 39
تَخْتَارُ، وَمِنْ غَرَائِبِهِ ذَخَائِرُ تَدْقِيق تُحَيِّر الأَفْكَار، لِشَيْخِ شَيْخِنَا شَيْخُ الإِسْلَامِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
معني اختيار هما من هذا المختصر دون غيره مع التساوي ذلك. في والجواب أن نقول: إن هذا المختصر لما كانت ألفاظه واضحة خالية عن التكرار والنفع فيه أكثر من غيره صار يرغب فيه وتختار تحقيقاته، فإذا أراد الإنسان المراجعة يختاره ويعتمد على ما ذكر فيه دون غير، ويحتمل أن من في قوله: (من عجائبه تعليلية؛ أي: إن تحقيقاته (تَخْتَارُ) لأجل كون هذا المؤلف عجيبًا في سبكه، وترتيبه، وتركيبه، وعجائب جمع عجيبة فعيلة بمعنى فاعلة؛ أي: توقع الغير في العجب أو مفعولة؛ أي: معجبة؛ أي: واقع عليها الإعجاب.
قوله: (وَمِنْ غَرَائِبِهِ) أي: من مسائله الغريبة فغرائب جمع غريبة والإضافة للبيان أو من إضافة الخاص إلى العام؛ لأن في مسائله ما لم يكن غريبًا والأول أمدح قوله: (ذَخَائِرُ) جمع ذخيرة بمعنى مذخورة ومحفوظة، والذخيرة الشيء النفيس الذي يحافظ عليه ويبقى.
قوله: (تَدْقِيق) الإضافة من إضافة المشبه به إلى المشبه؛ أي: تدقيق كالذخائر في المحافظة عليه، والتدقيق ذكر الشيء على وجه الدقة واشتهر أن التدقيق ذكر الدليل بعد الدليل وهذا ليس بمراد ويحتمل أن تدقيق مصدر يراد به اسم المفعول؛ أي مدقق كالذخائر؛ أي كلام مدقق كالذخائر وهذا
الوجه يجري في ثمرات التحقيق.
قوله: (الأفكار) جمع فکر، وتقدم الكلام عليه؛ والمراد بالأفكار: أصحابها؛ أي: أن النفوس تحتار فيها؛ أي: في صنيعه فيها وكيفية أخذه وجمعه لها، وليس المراد أنها مشكلة تتحير النفوس في إدراكها؛ فذلك ليس بمدح قوله: (لِشَيْخِ شَيْخِنَا) قال المحشي: متعلق بمحذوف نعت لتنوير الأبصار أو حال منه؛ أي: الكائن أو كائنا انتهى وبين الشارح» و «المصنف واسطة، وهو الشيخ عبد النبي الخليلي.
قوله: (شَيْخُ الإِسْلَامِ) أي: شيخ أهل الإسلام؛ أي: أفضلهم في عصره
الجزء 1 · صفحة 40
مُحَمَّد بن عَبْدِ الله التَّمَرْتَاشِي الحَنَفِي الغَزِّي، عُمْدَةَ المُتَأَخْرِينَ الْأَخْيَارَ، فَإِني أَرْوِيهِ عَنْ شَيْخنا الشَّيخ عَبْدِ النَّبِي الخَلِيلي، عَنِ المُصَنَّف الغزّي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أو شيخ الإسلام حقيقة والمعنى أنه مظهر أحكام الإسلام ومبينها والإضافة لتشريف المضاف فالسبب في مشيخته الإسلام قوله: (مُحَمَّدَ بنِ عَبْدِ الله بن
أحمد الخطيب بن محمد الخطيب بن إبراهيم الخطيب، انتهى منح».
قوله: (التَّمَرْتَاشِي) نسبة إلى التمرتاش نقل صاحب مراصد الإصلاع» في أسماء الأماكن والبقاع أن تمرتاش بضمتين وسكون الراء وتاء وألف وشين معجمة قرية من قرى خوارزم انتهى قوله: (الغَزّي) نسبة إلى غزة البلد المعلوم قوله: (عُمْدَةَ المُتَأَخْرِين) أي: ما يعتمد عليه المتأخرون الموجودون زمنه، بحيث أنهم يرجعون إليه عند التوقف قوله: (الأَخْيَارَ) جمع أخير بمعنى
الكرام الأتقياء.
قوله: (فَإِني أَرْوِيه علة لما استفيد من شرحه هذا المتن، فإن شرحه له يقتضي تلقيه له عن أشياخه غالبًا؛ والمراد بالرواية هنا: ما يعم الدراية، والرواية نقل اللفظ والدراية تفاهم المعنى والضمير راجع للتنوير؛ أي: أروي تنوير الأبصار وهذه الرواية ظاهرة بالنسبة إلى شيخه وإلى المنصف، وأما عن ابن نجيم وعمن في سنده فلا يظهر؛ لأن هذا المتن لم يكن موجودًا في زمنهم ويجاب بأن المروي ما فيه من الأحكام التي تتغير بصور العبارات لا بخصوص هذا اللفظ المؤلف للمصنف أفاده الحلبي، ويحتمل أن الضمير راجع للعلم المعهود الذي هو علم الفقه المعبر عنه فيما تقدم بقوله: لقد أضحت روضة هذا العلم أو للفن المتقدم في قوله: كتب هذا الفن.
قوله: (عَنْ شَيْخِنا) النون للمعظم نفسه تحدثًا أو المراد هو وأقرانه قوله: (الخَلِيلي نسبة إلى الخليل سميت البقعة باسم الحالّ فيها قوله: (عَنِ المُصَنَّف) متعلق بمحذوف حال؛ أي حال كون الشيخ عبد النبي راويًا له عن المصنف، وجرت العادة غالبًا بإطلاق المصنف على مؤلف «المتن» والمؤلف
الجزء 1 · صفحة 41
عَنِ ابْنِ نُجَيْمِ المِصْرِي بِسَنَدِهِ]. قال المصنِّفُ: [لى صَاحِب المَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، بِسَنَدِهِ إِلى النَّبِي صلى الله عليه وسلم المُصْطَفَى المُخْتَار، عَنْ جِبريل،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أعم من ذلك، والمصنف هو محمد بن عبد الله وقد تقدم الكلام عليه. قوله: (عَنِ ابْنِ نُجَيْم) هو صاحب البحر» و «الأشباه» وشارح «المنار» وله الفتاوى وله الرسائل العديدة واسمه زين وصاحب النهر أخوه واسمه عمر. قوله: (المِصْرِي) نسبة إلى مصر القاهرة قوله: (بِسَنَدِهِ) أي: راويًا لهذا العلم بسنده؛ أي: ملتبسًا بسنده عن شيخه عن شيخه وهكذا.
قال الشارح: قوله: (إِلى صَاحِب المَذْهَبِ) أي إلي أن يتصل السند بصاحب المذهب، وإنما جعل الإمام صاحب المذهب لكونه الذي أنشأه؛ بل هو أول من فتح باب الاجتهاد.
قوله: (بِسَنَدِهِ) أي: الإمام الموصل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد ذكر الشعراني في الميزان سند الأئمة الأربعة وقدم الإمام، فقال الإمام أبو حنيفة: عن عطاء عن بن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن جبريل عن الله ثم أعقبه بالإمام مالك، فقال الإمام مالك: عن نافع عن بن عمر عن النبي عن جبريل عن الله ثم أعقبه بالإمام الشافعي فقال الشافعي عن مالك إلى آخر السند ثم أعقبه بالإمام أحمد بن حنبل عن الشافعي عن مالك إلى آخر السند.
قوله: (المُصْطَفَى) أصله مصتفو قلبت التاء طاء لوقوعها أثر حرف الإطباق، وقلبت الواو ألفًا لتحركها مع انفتاح ما قبلها من الصفوة وهو الخلوص، والاصطفاء الاختيار؛ لأن الإنسان لا يصطفى إلا إذا كان خالصًا طيبًا.
قوله: (المُخْتَار) هو بمعنى ما قبله وهذان أسمان من أسمائه قوله: (عَنْ جِبريل) أي: النبي راويا ذلك عن جبريل ومعناه مطيع الله، وعلم أنه ملك لا شيطان بوحي إلهامي من الله تعالى أو بعلامات، كما فعلت خديجة حين رأته وكشفت رأسها فامتنع الوحي فلما استترت جاء فهذا مما يتميز به
الجزء 1 · صفحة 42
عَنِ الله الوَاحِدِ القَهَّارِ، كَمَا هُوَ مَبْسُوط فِي إِجَازَتِنَا بِطُرُق عَدِيدَةَ، عَنِ المَشَاي المُتَبَحْرِين الكِبَار].
قال المصنف: [وما كان في الدُّرَر» و «الغُرَر» لَمْ أَعْرُه إِلَّا مَا نَدَر،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الوحي من الشيطان، وفيه كلام غير ذلك ذكره صاحب «المواهب». قوله: (كَمَا هُوَ) متعلق بأرويه؛ أي أرويه بسندي هذا كما هو؛ أي: السند مطلقًا مبسوط؛ أي: موسع في إجازتنا؛ أي فهذا المذكور هنا من جملة سندات متعددة للشيخ وقد علمت أن الضمير راجع للسند مطلقًا قوله: (فِي إِجَازَتِنَا) بالإفراد وفي نسخة بالجمع، يحتمل أن الشيخ جمع إجازاته من مشايخه بالفقه وبسط العبارة فيها بذكر السند والإجازات جمع إجازة أصله أجواز، نقلت حركة الواو إلى الجيم فتحركت الواو بحسب الأصل وانفتح ما قبلها باعتبار الآن قلبت ألفًا ثم حذفت الألف وعوض عنها تاء التأنيث.
قوله: (بِطُرُق عَدِيدَة) متعلق بمبسوط؛ أي: مبسوط بسطا مصورًا بذكر طرق عديدة فالباء للتصوير وشبه السند بطريق بجامع التوصل في كل قوله: عَنِ المَشايخ متعلق بطرق والمشايخ جمع شيخ وهو أحد جموعه المشهورة قوله: (المُتَبَحْرِيَن) جمع متبحر والمتبحر كثير العلم، وإنما عبر به إشارة إلى أنه لم يأخذ إلا عمن عانى العلم واجتهد فيه قوله: (الكبار) أي: العظام في العلم فيرجع إلى ما قبله والخطب محل إطناب
قال الشارح: قوله: (وما كان في «الدُّرَر» و «الغُرَر») جملة استئنافية قصد بها بيان أن هذا الكتاب منقول من كتب المذهب المعتمدة غير أن بعض الكتب نقل منها كثيرًا كـ «الدّرر» و «الغرر» لملا خسرو، ولم ينسب إليها لكثرة نقله منها وبعض الكتب ليس النقل منها كالنقل عن «الدرر» و «الغرر» في الكثرة فينسب إليها.
قوله: (لَمْ أَعْزُه) أي: لم أنسبه؛ أي: لم أبين أنه منقول منها، فالعزو يأتي بمعنى الإبانة كما تدل عليه عبارة صاحب القاموس» قوله: (إِلَّا مَا نَدَر) أي:
الجزء 1 · صفحة 43
وَمَا زَادَ عَنْ نَقْلِهِ عَزَوْتُه لِقَائِلِهِ، رومَا لِلْاخْتِصَار، وَمَأْمُولِي مِنَ النَّاظِرِ فِيهِ أَنْ يَنْظُر بِعَيْنِ الرِّضَا والاسْتِبْصَار، وأَنْ يَتَلافَى تَلَافَهُ بِقَدْرِ الإِمْكَان،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ما قل لكونه في مقام تصحيح قول درج عليه المؤلفون، فيعده من جملتهم لتقوية التصحيح أو لغير ذلك قوله: (عَنْ نَقْلِهِ) أي: عن نقل «الدّر» أي: نقلي منها فهو مصدر مضاف إلى المفعول.
قوله: (عَزَوْتُه لِقَائِلِهِ) هذا من مزيد الديانة وعدم ادعاء الرياسة والعلم قوله: (روما) أي: قصدا للاختصار علة لقوله: لم أعزه إلا ما ندر؛ أي أن النقل حيث تكرر عن الدّر تركت العزو لها؛ لأجل قصد الاختصار.
قوله: (فيه) أي: في هذا الشرح الذي قدم اسمه بقوله وسميته «الدر المختار قوله: (بِعَيْنِ الرِّضَا: أي: بالعين الدالة على الرضا ولا ينظر بعين المقت فإن من نظر بها تبين له الحق باطلاً، كما قال الشاعر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا
أو إنه شبه الرضا بإنسان له عين تشبيها مضمرًا في النفس وذكر العين تخييل قوله: (والاسْتِبْصَار السين والتاء زائدتان؛ أي والإبصار؛ والمراد بالإبصار: التبصر والتأمل قوله: وأَنْ يَتَلافَى) أي: يتدارك ذكر السعد في المطول أن التلافى التدارك وفي القاموس تلافاه تدارکه انتهى.
قوله: (تَلَافهُ) أي: تلفه وعيبه؛ أي وأن يتدارك تلفه ونقصه بإصلاحه بقدر الإمكان والتلاف وقع التعبير به لغير المصنف، وقد ذكره الإمام ابن الفارض في «الكافية» بقوله:
وتلافي إن كان فيه ائتلافي ... بك عجل به جعلت فداكا
ويحتمل أن الألف إشباع وهو لغة قوم، كما قاله القنية» وإن استبعده الزيلعي وخصه بالشعر قوله: (بِقَدْر (الإمكان متعلق بيتلافي؛ أي: يتدارك عيبه بقدر إمكانه وتداركه بإصلاحه، إما بتغيير لفظ أو تقديمه أو تأخيره فيكون هذا اعتذارًا من المصنف وإقراراً بصفات العبودية، وأنه لا يسلم من الزلل والخطأ
الجزء 1 · صفحة 44
أَوْ يَصْفَحَ لِيَصْفَحَ عَنْهُ عَالِمُ الإِسْرَار وَالإضْمَارِ، وَلَعَمْرِي إِنَّ السَّلَامَة من هَذَا الخطر لأمر يَعُزُّ عَلَى البَشَرِ وَلَا غَرْوَ].
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وهو إذن من الشارح بالإصلاح ويحمل هذا على من فيه أهلية وملكة، كما يدل عليه قوله فيما بعد؛ لكن بعد الوقوف.
قوله: (أَوْ يَصْفَحَ) أي: يسامح ويبقيه على حاله إن لم يكن فيه أهلية فالمقام فيه توزيع وفي بعض النسخ بالواو فالمراد أنه يتدارك نقصه ويصفح؛ أي: يسمح ولا يشيع هذا العيب، قوله ويحتمل فتح الهمزة من أسر؛ لعل الظاهر أن يكون من أسرار، كما لا يخفى انتهى.
قوله: (الإسْرَار) بكسر الهمزة مصدر أسرّ وهو ضد الإعلان فهو حينئذ بمعنى الإضمار؛ أي: الإخفاء ويكون العطف عطف مرادف؛ والمراد أنه عالم بما يسره الإنسان وما يضمر، فهما مصدران مراد بهما اسما المفعول، قال الحلبي: ويحتمل فتح الهمزة من أسر ويكون جمع سر انتهى؛ أي: بمعنى مسر؛ أي: مخفي، والأولى أن يقول: بدل الإضمار الإظهار؛ ليكون في كلامه من المحسنات البديعية صنعة الطباق وهو الجمع بين لفظين متقابلي المعنى.
قوله: (وَلَعَمْرِي) تقدم ما فيها، وهذه العبارة بلفظها وقعت لصاحب «النهر» في الخطبة قوله: (الخَطر) أي: الذي هو التلاف والنقص الذي سببه غالبًا النسيان والغفلة، ومن غير الغالب قد يكون لسوء الفهم والخطر الأمر العظيم.
قوله: (لأمر) خبر إن قوله: (يَعُزُّ) على وزن يقل أو يمل كما في «القاموس والمادة تأتي بمعنى العسر؛ أي: بعسر وبمعنى القلة؛ أي: يقل ويندر، وبمعنى الضيق؛ أي: يضيق على البشر، وبمعنى العظمة؛ أي: يعظم عليهم فلا يحصلونه أفاد هذه المعاني صاحب القاموس» وكل صحيح قوله: (عَلَى البَشَر) اسم جنس والبشر ظاهر البشرة وهو ما ظهر من الجسد والجن ما اختفى من الاجتنان وهو الاستتار
قوله: (وَلَا غَرْوَ) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء المهملة مصدر غرا من
الجزء 1 · صفحة 45
قال المصنف: [فإِنَّ النِّسْيَان مِنْ خَصَائِصِ الإِنْسَانِيَّة، وَالخَطَأَ وَالزَّلَلِ مِنْ شَعَائِرِ الآدمِيَّة، وَأَسْتَغْفِر الله
ـــــــــــــــــــــــــــــ
باب عدا بمعنى، عجب والفعل من عجب بوزن علم والمصدر بفتح الجيم؛ أي: لا عجب أفاده الحلبي؛ أي: لا عجب من كون السلامة منه قليلة وعسرة.
قال الشارح: قوله: فإِنَّ النِّسْيَان) الفاء تعليلية؛ أي: لأن النسيان الذي هو سبب التلاف المتقدم قوله: (مِنْ خَصَائِصِ الإِنْسَانِيَّة) أي: خاص بالإنسان لا يتجاوزه إلى غيره كما أن الحفظ من خصائصها، وما سمي الإنسان إلا لنسيه فهو من النسيان، فأصله على ذلك إنسيان تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا فاجتمعت ساكنة مع الألف وحذفت وقيل: معناه المتحرك من ناس إذا تحرك، وقيل من الإنس فعلى الأول والأخير قاصر على بني آدم، وعلى الثاني عام والمراد أن التلاف والنقص الذي هو ناشئ عن النسيان لا يستغرب، فإن النسيان خاص بالإنسان وانظر إلى قول الله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: (115)].
قوله: (وَالخَطَأ) هو من تتمة العلة السابقة والخطأ وقوع الشيء لا عن قصد، والزلل مصدر زل عطف تفسير على الخطأ، أو يراد بالزلل ما كان عن قصد فيكون العطف للمغايرة.
قوله: (مِنْ شَعَائِر) أي علامات حلبي عن القاموس» وإنما عبر هنا بشعائر وفيما تقدم بخصائص؛ لأن النسيان من خصائص الإنسان والخطأ والزلل يكون منه ومن غيره حتى من الملائكة، كما وقع لإبليس بناء على أنه منهم وهاروت وماروت على ما قيل وقوله: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا) [البقرة: (30)] وكنظر بعض الملائكة إلى مقامه في العبادة وأما الجن فذلك أكثر حالهم.
قوله: (وَأَسْتَغْفِر الله) أي: أطلب من الله غفران ذنبي وغفران ما وقع مني الخطأ من في هذا التأليف، فالسين والتاء للطلب والغفران محو الذنب من الصحيفة أو ستره مع بقائه فيها قولان من الغفر وهو الستر، وقيل: للجمع
الجزء 1 · صفحة 46
مُسْتَعِيذا بِهِ مِن حَسَدٍ يَسُدُّ بَابَ الإِنْصَاف، وَيَرُدُّ عَن جَمِيلَ الْأَوْصَافِ]. قال المصنف: [أَلَا وَإِنَّ الحَسَدَ حَسَكٌ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الكثير من الناس جم غفير لسترهم وجه الأرض.
قوله: (مُسْتَعِيذًا) أي متعوذًا ومتحصنًا فالسين والتاء زائدتان؛ أي متحصنًا بقلبي أو هما للطلب والاستغفار محله اللسان والتحصن محله القلب، أو محل كل اللسان والحال منتظرة أو مقارنة والمقارنة في كل شيء بحسبه قوله: (به) أي: بالله والباء للتعدية.
قوله: (مِن حَسَدٍ) هو تمني زوال نعمة الغير وإيصالها لنفسه أو لغيره، أو الزوال مطلقا وهو داء عظيم يأكل الحسنات كما تأكل الحطب النار، وربما أدى صاحبه إلى الكفر؛ لأنه يؤول به إلى الاعتراض على الله تعالى قوله: (يسد) من سد کمد يمد؛ أي: يحول بينه وبين الإنصاف، يقال: جراد سد؛ أي: كثير سد الأفق.
قوله: (بَابَ الإِنْصَاف) أي: يعمي صاحبه عن الإنصاف المشبه بالباب بجامع الوصول في كل فإن الإنصاف يتوصل به إلى الخير أو شبه الإنصاف ببيت، وإثبات الباب له تخييل؛ والمراد عدم الإنصاف بالكلية والإنصاف العدل.
قوله: (وَيَرُدُّ عَن جَمِيل الأَوْصَافِ) عن زائدة ويرد بمعنى يصرف؛ أي: يصرف جميل الأوصاف إلى قبيحها، بحيث إذا رأى وصفا حسنًا جعله قبيحًا، ولم يوجد في القاموس» تعدية ردّ بعن، بل ذكر أنه متعد بنفسه، ويقال: رده عليه؛ أي: لم يقبله ويحتمل جعل عن بمعنى على بحيث يكون المعنى أنه يرد على المحسوس جميل أوصافه، وأن يكون المعنى أن الحسد يرد الحاسد عن جميل الأوصاف التي يحق أن تفعل إلى قبيحها، أو المراد جميل أوصاف المحسود والإضافة في جميل الأوصاف بمعنى من، وهذه العبارة وقع مثلها لصاحب المنح في خطبته ووقعت لابن الشحنة في خطبة شرحه لمنظومة ابن وهبان.
قال الشارح قوله: (ألا) أداة استفتاح يستفتح الكلام بها؛ ليتفطن المخاطب لما يلقى إليه قوله: (حَسَكُ) أي: كالحسك، والحسك شوك
الجزء 1 · صفحة 47
مَنْ تَعَلَّقَ بِهِ هَلَكَ، وَكَفَى لِلْحَاسِدِ ذَمَّا آخِرَ سُورَةِ الفَلَقِ فِي اضْطِرَامِهِ بِالفَلَقِ، لِلَّهِ در ...
ـــــــــــــــــــــــــــــ
السعدان والسعدان نبت من أفضل مراعي الإبل قاموس انتهى حلبي وهذا من التشبيه البليغ فهو على حذف الأداة أو تجري فيه استعارة على طريقة السعد.
قوله: (مَنْ تَعَلَّقَ بِهِ ... إلخ) يشير إلى وجه الشبه، فإن الحسد إذا تعلق بإنسان أهلكه؛ لأنه يأكل حسناته كما يأكل الحطب النار، لا سيما إذا كان الشخص ملازمًا له وبين حسد وحسك الجناس اللاحق، وهو اختلاف اللفظين بحرفين بعيدي المخرج.
قوله: (وَكَفَى لِلْحَاسِدِ الجار والمجرور متعلق بذما.
وقوله: (ذما) تمييز مبين لإبهام النسبة محول عن فاعل كفى؛ أي: كفى ذم آخر السورة للحاسد والمفعول حينئذ محذوف؛ أي: كفى المعتبر أو الحاسد هو المفعول واللام زائدة وهو معمول كفى؛ لأنه يتعدى بنفسه؛ أي: وكفى الحاسد ذم آخر سورة الفلق؛ أي ذم الله له في آخرها وفي نسخة ما في آخر وقوله: آخر بالرفع فاعل كفى، وهو قوله تعالى: {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} [الفلق: (5)] وذمه من حيث إن الله تعالى أسند إليه الشر، وأمر نبيه أن يستعيذ بالله منه، وأي ذم أعظم من ذلك.
قوله: (فِي اضْطِرَامِهِ) متعلق بكفى أو في بمعنى مع؛ أي: كفاه الذم مع الاضطرام ونظيره قال: ادخلوا في أمم أي مع أمم، والاضطرام اشتعال النار فيما يسرع اشتعالها فيه كما في جامع اللغة حلبي، وهو بالميم لا بالباء فمعنى اضطرامه اشتعاله؛ أي: الاشتعال الواقع به شبه شدة تحسره لفوات غرضه بالاشتعال (بالقَلَقِ)؛ والمراد التعب والنصب، وشبه القلق بالنار بجامع الإيذاء في كل.
قوله: (الله) جار ومجرور خبر مقدم قوله: (در) مبتدأ مؤخر؛ أي: در الحسد مملوك لله تعالى والدر اللبن، وهو إذا أعجبهم شخص نسبوا دره لله
الجزء 1 · صفحة 48
الحَسَدِ مَا أَعْدَلَه بَدَأَ بِصَاحِبِهِ فَقَتَلَهُ. وَمَا أَنَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تعالى تعظيما له، ففي الكلام استعارة شبه الحسد بفارس عظيم بجامع تأتي القتل من كل تشبيهًا مضمرًا في النفس، وذكر الدر تخييل، فإن قلت إن الحسد مذموم فلا معنى لنسبة دره لله تعالى؛ لأنه لا يضاف له إلا ما كان عظيما، قلت: إن مدحه ليس من كل جهة بل من حيثية قتل صاحبه
قال شيخنا محمد عبادة العدوي نقلاً عن الملوي: الدر في الأصل اسم لصوت حلب اللبن، ثم أطلق على اللبن فالمعنى لله لبن ذلك، ثم ضمن معنى التعجب، انتهى.
وفي التصريح: الدر مصدر در پدر بكسر الدال كناية عن الفعل الممدوح الصادر منه، وإنما أضيف إلى الله تعالى قصد الإظهار والتعجب منه؛ لأن الله تعالى منشئ العجائب، انتهى المراد منه.
قوله: (مَا أَعْدَلَهُ) ما تعجيبية؛ أي: أتعجب من العدل الذي وقع منه بقتل صاحبه قوله: (بَدَأ) الظاهر قراءته بالهمز؛ أي: إنه ابتدأ بقتل صاحبه؛ والمراد أنه ضره، فضرر الحسد عائد على الحاسد والمحسود؛ لكنه يأتي على الحاسد أولاً.
قوله: (بِصَاحِبِهِ) أي: المتصف به ونسبة القتل إليه مجاز من الإسناد إلى السبب، وجملة (بَدَاً ... إلخ) استئنافية قصد بها التعليل لقول ما أعدله.
قوله: (وَمَا أَنَا ... إلخ) ما يحتمل أنها حجازية وأنا اسمها وبآمن خبرها، ويحتمل أنها تميمية وأنا مبتدأ، وهذا بيت من قصيدة ابن وهبان، قال ابن الشحنة في شرحه الكيد الخديعة والمكر والحسود فعول من الحسد، ثم قال: وسبب هذا أنه ابتلي بما ابتليت به من حسد الحاسدين وكيد المعاندين، فبعضهم استنكر عليه والبعض قال: أنه مسبوق إليه انتهى مختصرًا، وقد وقع للشارح مثل ذلك.
الجزء 1 · صفحة 49
من كَيْدِ الحَسُوْدِ بِآمِنٍ وَلَا جَاهِل يَزْرِي وَلَا يَتَدَبَّر]. قال المصنف: [وَلله دَرُّ القَائِل:
هُمْ يَحْسِدُوني وَشَرُّ النَّاسِ كُلُّهُم ... مَنْ عَاشَ فِي النَّاسِ يَوْماً غَيْرَ مَحْسُود
قوله: (مِن كَيْدِ) مصدر مضاف لفاعله؛ أي قهر الحسود إياي والجار والمجرور متعلق بآمن قوله: وَلَا جَاهِل عطف على الحسود؛ أي: وما أنا من کيد جاهل موصوف بما ذكر بأمن أيضًا قوله: (يَزْرِي) من باب ضرب فهو ثلاثي ويتعدى بعلى ومعناه عاب؛ أي: يعيب عليّ تأليفي وتحريري أو من أزرى، فيكون رباعيًا بمعنى تهاون أي يتهاون بي؛ أي: يستخف ويستحقر بي، انظر الحلبي. قوله: (وَلَا يَتَدَبَّر) أي: لا ينظر في عاقبة الأمور.
قال الشارح: قوله: (وَلله دَرُّ القَائِلِ) تقدم ما في هذا التركيب قوله: (هم) أي: الحساد المعلومون عند الشاعر ذهنا قوله: (هُمْ يَحْسدوني) بضم السين أصله بنونين نون الرفع ونون الوقاية حذفت إحداهما تخفيفا، وهل المحذوفة نون الرفع أو الوقاية؟ قولان والأصح الأول.
قوله: (وَشَرُّ النَّاسِ) اسم تفضيل وسائر العرب تسقط الألف منه، وكذا خير إلا بني عامر فإنهم يقولون: هذا أخير منه، وكذا شر الناس كما في «المصباح» وهو لا يثنى ولا يجمع؛ لأنه في معنى أفعل وأما قول الشاعر:
الأبكر الناعي بخيري بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد
فإنما ثناه؛ لأنه أراد خيري فحققه مثل ميت وأميت، وهين وأهين، قاله في الصحاح: وأفعل التفضيل على غير بابه؛ لأن الكافر أشر من غير المحسود أو المعنى أن ذلك من أشر الناس قوله: أشر الناس قوله: (كُلُّهم) تأكيد للناس قوله: (مَنْ عَاشَ) خبر شر قوله: (فِي النَّاسِ) أي: مع الناس قوله: (يَوْماً) أي: في يوم يحتمل أن يراد به القطعة من الزمن وإن قلت ويحتمل أن المراد اليوم المعلوم وهو المتبادر
قوله: (غَيْرَ مَحْسُود) صفة لليوم والأصل محسود فيه فحذف الجار،
الجزء 1 · صفحة 50
إذ لا يَسُود سَيِّد بِدُون وَدُود يَمْدَح
فاتصل الضمير أو أنه منصوب على الحال من فاعل عاش؛ أي: وشر الناس من عاش حال كونه غير محسود في يوم من الأيام وعليه فلا حذف ولا إيصال، وهذا الكلام من الشاعر خرج مخرج المبالغة؛ والمراد أن من لم يحسد من شرار الناس؛ لأنه لا يحسد إلا صاحب المفاخر والخصال الحميدة، ومن لم يحسد فجميع صفاته ذميمة نعوذ بالله تعالى.
قوله: (إذ لا يَسُود علة المفهوم وشر الناس؛ لأنه إذا كان شر الناس من لم يحسد نتج أن خير الناس من يحسد، وإنما كان ذلك سببًا في سيادته؛ لأن المدح يترتب عليه الرئاسة والسؤدد والقدح فيه يترتب عليه الحلم والتحمل والصفح، وذلك سبب في السيادة أيضًا، ويسود؛ أي: يصير ذا سؤدد وفخار
وأصله يسود كينصر نقلت حركة الواو إلى ساكن قبلها فسكنت الواو.
قوله: (سَيد) في كلامه استعمال السيد في غير الله تعالى وهو جائز بلا كراهة مطلقا سواء كان مقرونا بأل أم لا، وسيد القوم رئيسهم وأكرمهم ويطلق على الحليم الذي لا يستفزه الغضب وعلى المتولي للسواد؛ أي: الجماعة الكثيرة وينسب لذلك، فيقال سيد القوم ولا يقال سيد الثوب وسيد الفرس، ولما كان من شرط المتولي للسواد أن يكون مهذب النفس، قيل لكل من كان فاضلاً في نفسه: سيد، وأصله سويد بوزن فعيل وكريم، فاستثقلت الكسرة على الواو فحذفت، فاجتمعت الواو، وهي ساكنة والياء فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء، وقيل أصله سيود بوزن فعيل بسكون الياء وكسر العين وهو مذهب البصريين، وقيل بفتح العين وهو مذهب الكوفيين؛ لأنه لا يوجد فعيل بكسر العين في الصحيح إلا صقيل اسم امرأة، والعليل محمول على الصحيح فتعين
الفتح قياسًا على عيطل ونحوه، كما أفاده في المصباح» وذكره بعض المشايخ.
قوله: (بدون) أي: بغير وهو أحد إطلاقات لها، وتأتي بمعنى المكان الأدنى وهو الأصل فيها قوله: (وَدُود) أي: شخص ودود فهو صفة لموصوف محذوف، والودود المحب أو المحبوب قوله: (يَمْدَح) أي: يثني بالصفات
الجزء 1 · صفحة 51
وَحَسُوْد يَقْدَح؛ لِأَنَّ مَنْ زَرَعَ الإِحَنِ، حَصَدَ المحن فاللتيم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الحسنة قوله: (وَحَسُوْد) عطف على ودود وهو روح العلة؛ لأن المقام فيه والأول لازم لهذا؛ لأن الحسود إذا وجد يلزم وجود الودود؛ لأن الحسود يحسد الشخص على الصفات الحسنة، وفي الناس من يهواه لأجلها ويمدحه عليها.
قوله: (يَقْدَح) أي: يذم قوله: لأَنَّ مَنْ زَرَعَ) تعليل لما استفيد من الكلام السابق وذلك؛ لأن قدح الحسود إذا كان سببًا في سيادة المحسود الموجبة لكمده كان زرعه الحسد منتجًا له حصاد المحن والبلايا، والإحن احنة جمع بالكسر فيهما الحقد، هي، انتهى حلبي عن «القاموس ويحتمل أنه تعليل لقوله سابقًا، ألا وإن الحسد حسك من تعلق به هلك فالمحصود الهلاك الموجود عند التعلق قوله: (زَرَعَ) أي: تعاطى الإحن؛ أي: الأحقاد والحسد فشبه الحقد بشيء يزرع تشبيها مضمرًا في النفس، وذكر الزرع تخييل.
قوله: (المحن) أي: البلايا فعلى ما قاله المحشي: المحن زيادة السيادة الموجبة لكمد الحاسد وعلى الثاني هي الهلاك، وعلى كل ففي المقام استعارة بالكناية شبه المحن التي هي جمع محنة بمعنى بلية بالزرع الذي يحصد تشبيها مضمرًا في النفس، وذكر الحصد تخييل.
قوله: (فَاللئيم) اللام للجنس وهو مرتبط بقوله: ومأمولي من الناظر فيه أن ينظر بعين الرضا والاستبصار وأن يتلافى ... إلخ، أو يصفح. إلخ، والمعنى أن بعد ما ذكرته لك الناس قسمان لئيم وكريم فأما اللئيم يعيب ويفضح؛ أي ولا اعتداد به قال الشاعر:
إذا رضيت عني كرام عشيرتي فلا زال غضبانا علي لئامها
والكريم يصلح وإصلاحه أن يتدارك التلاف أو يصفح كما تقدم، ويحتمل أنه متعلق بقوله: إذ لا يسود سيد ... إلخ، فالودود الكريم والحسود اللئيم، فإفضاح اللئيم قدحه وإصلاح الكريم، مدحه وحينئذ ففي العبارة لف ونشر مشوش الأول وهو قوله فاللئيم للثاني وهو قوله وحسود والثاني وهو قوله
الجزء 1 · صفحة 52
يَفْضَح، وَالكَرِيم يُصْلِح]. قال المصنف: [لَكِن يَا أَخِي بَعْدَ الوُقُوف عَلَى حَقِيْقَة الحَالِ، والاطلاع عَلَى مَا حَرَّرَه المُتَأَخِّرُون كَصَاحِبِ البَحْرِ) وَ (النَّهْرِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والكريم راجع للأول وهو قوله ودود ... إلخ.
قوله: (يَفْضَح بفتح الياء والضاد من باب منع قوله فافضاح هكذا الأصل ولعل الحامل له على ذلك مزاوجة إصلاح وإلا ففعله ثلاثي، كما صرح بعد في قوله من باب منع ولم يذكر في الصحاح ولا في «القاموس» أفضح رباعيًا إلا لازمًا بمعنى بدأ لا بمعنى أبدى فليراجع، انتهى مصححه قوله: (وَالكَرِيم) أي: جنس الكريم قوله: (يُصْلِح) أي: يصلح الفساد فهو متعد أو المعنى يوقع الإصلاح ويحققه فهو بمنزلة اللازم، وكذا يقال في يفضح.
قال الشارح: قوله: (لكن ... إلخ) استدراك على قوله: والكريم يصلح لما كان الإذن بالإصلاح مطلقًا استدرك عليه بقوله: لكن يا أخي بعد الوقوف، فقوله: بعد الوقوف ظرف ليصلح أفاده الحلبي؛ أي: يصلح بعد وقوفه وإطلاعه على هذه الكتب، ولا يصلح بمجرد الخطور بالبال ويصح على ذلك أن يكون متعلقًا بقوله: وأن يتلافي، تلافه، ويحتمل أن يكون متعلقا بقوله: سابقًا فصرفت عنان العناية نحو الاختصار؛ أي: إنما اختصر به بعد الوقوف على حقيقة الحال؛ أي: حال المسائل ومعرفة ضعيفها من قويها ويدل لذلك قوله: مع تحقيقات سنح إلى آخره ويدل للأول قوله: ويأبى الله العصمة لكتاب غير كتابه ... إلخ.
قوله: (الوُقُوف) أي: العثور والاطلاع قوله: (عَلَى حَقِيْقَة الحَال) أي: على معرفة كون الحال الصادرة منك أيها المصلح حقًا قوله: (المُتَأَخِّرُون) أي من أرباب المذهب وليسوا في زمن واحد وجعلهم متأخرين بالنسبة لمن قبلهم قوله: (كَصَاحِبِ البَحْرِ)) أدخلت الكاف الشرنبلالي، والواني وابن المصنف الشيخ صالحًا وغيرهم وصاحب البحر» الشيخ زين.
قوله: (وَالنَّهْرِ») عطف على البحر؛ أي: وكصاحب «النهر» الذي هو
الجزء 1 · صفحة 53
وَالفَيْضِ وَالمُصنف
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الشيخ عمر أخو الشيخ زين وهما ولدا نجيم مصريان ألف «النهر» بعد موت أخيه، وتعقبه في كثير من المسائل، واعتذر أخوه بما اعتذر به الشارح سابقا عن نفسه، حيث قال: ولعمري أن السلامة من هذا الخطر أمر يعز على البشر.
قوله: (وَالمُصَنِّف) أي: الغزي؛ أي: وبعد الإطلاع على ما حرره المصنف في هذا المتن وغيره فإن المصنف له مؤلفات عديدة منها هذا «المتن» واشرحه) ومنظومة في الفقه سماها تحفة الأقران» وشرحها أيضًا وسماه مواهب الرحمن» وحاشية على الدرر و الغرره توفي قبل إكمالها وشرح «الكنز» وصل فيه إلى كتاب الإيمان وتوفي أيضًا قبل إكماله وشرح زاد الفقير في الفقه» و «شرح الوقاية وجمع مجلدين من فتاواه، ورتب فتاوي قارئ الهداية وفتاوي شيخه العلامة زين بن نجيم وفتاوي شيخه العلامة ابن عبد العال وشرح «يقول العبد العقيدة وشرح مختصر المنار في الأصول» وشرح «المنار» أيضًا وشرح منظومة ابن وهبان و له رسائل كثيرة معتبرة منها رسالة أصحاب رسول الله العشرة المبشرين بالجنة ورسالة في عصمة الأنبياء» ورسالة في دخول الحمام ورسالة في لفظ جوّزتك بتقديم الجيم على الزاي، هل ينعقد به النكاح كما يقع من كثير من العوام؟ ورسالة في القضاء ورسالة في الكنائس» و «رسالة في المزارعة ورسالة في الوقوف بعرفة ورسالة في الكراهية وهل إذا أطلقت تنصرف إلى كراهة التحريم أو كراهة التنزيه؟ ورسالة في حرمة القراءة وراء الإمام ورسالة في عدم جواز نكاح ما زاد على أربع نسوة» و «رسالة في مشكلات مسائل وشرحها، وله منظومة في التصوف» ورسالة أيضًا فيه وشرحها و رسالة في الجواهر واليواقيت وله أيضًا معين المفتي على جواب المستفتي كتاب عظيم وله شرح على منظومته في التوحيد» و «رسالة في الإيمان باللغة الأعجمية ورسالة في جواز الاستنابة في الخطبة» و «رسالة في علم الصرف وشرح القطر» و «رسالة في أحكام الدروز والأرفاض وغير ذلك.
الجزء 1 · صفحة 54
وَجَدْنَا المَرْحُومِ وَعَزْمِي زَادَه وَاَخي زَادَه وَسَعْدِي أَفَنْدِي وَالزَّيْلَعِي وَالأَكْمَل وَالكَمَال
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وفي كتاب «المناسخات للعلامة الشيخ الطالوي ما نصه وممن لقيت في خاتمة مطافي في جوبي البلاد وتطوافي وقد أنخت بغزة هاشم مطايا الهمم الرواسم من العلماء الأعاظم والأفاضل الأفاخم علّامة زمانه الشيخ محمد بن شيخ الإسلام عبد الله بن شيخ الإسلام الشيخ أحمد بن محمد الخطيب التمرتاشيي - تفقه رحمه الله تعالى - على الشيخ زين بن نجيم، وعلى الشيخ أمين الدين بن عبد العال وقد تفقه عليه جماعة منهم ولده الشيخ صالح صاحب التصانيف المعتبرة، منها حاشيته على الأشباه والنظائر وشرح الوقاية» و «منظومة في الفقه» و «شرح البردة وغير ذلك.
وتفقه عليه ولده الآخر العلامة الشيخ محفوظ شقيق الشيخ صالح المذكور وكان من العلماء الصالحين وفي غاية من عدم مخالطة الناس بحسب الإمكان، وممن أخذ عن الشيخ علاء الدين الغزي والشيخ أحمد الغزي وغيرهم من غزة هاشم ومن القدس إلى غير ذلك - رحم الله الجميع ـ انتهى من خط بعض المشايخ ودفن بغزة هاشم، وتوفى أوائل رجب سنة ست بعد الألف كذا بخط ولده الشيخ محفوظ بظاهر المنظومة المسماة بتحفة الأقران للمؤلف وقد بلغ من السن خمسا وستين سنة، انتهى من خط بعض الفضلاء، قوله: وممن أخذ عن الشيخ ... إلخ، هكذا في الأصل، ولعله ممن أخذ عنه الشيخ ... إلخ، وقوله عقب ذلك وغيرهم الأولى، وغيرهما، كما لا يخفى، انتهى مصححه.
قوله: (وَجَدْنَا المَرْحُوم) هكذا في النسخ بالإضافة إلى نون العظمة، ولعله أحد أجداده، المحررين، وتقدم ذكر بعضهم نقلاً عن شرحه للملتقى قوله: (وَعَزْمِي زَادَه) هو محشي «الدّر»، وزاده معناه بلغتهم ابن، إلا أن من قاعدة لغة غير العرب تقديم المضاف إليه على المضاف قوله: (وأخي زاده) أي: وابن أخي وهو تركيب اشتهر به هذا الإمام.
قوله: (وَالأَكْمَل) هو صاحب العناية شارح الهداية.
قوله: (وَالكَمَال) هو محمد ابن عبد الواحد بن عبد الحميد الإسكندري مولدا
الجزء 1 · صفحة 55
وابن الكَمَال مَعَ تَحْقِيقَاتِ سَنَحَ بِهَا البَال].
ـــــــــــــــــــــــــــــ
السيواسي منتسبا الشهير بابن الهمام، وهو لقب والده العلامة عبد الواحد المذكور كان قاضي سيواس البلد الشهير ببلاد الروم وهو من بيت العلم والقضاء، قدم القاهرة وولي خلافة الحكم بها عن القاضي الحنفي بها ثمة .... [ثم ولي قضاء الحنفية بالأسكندرية وتزوج بنت القاضي المالكي يومئذ فولدت له المصنف]. ومدحه الشيخ بدر الدين الدماميني بقصيدة بليغة شهد له فيها بعلو المرتبة في العلم وحسن السيرة في الحكم، ثم رغب عنها ورجع إلى القاهرة وأقام بها مكبا على الاشتغال في العلم إلى أن مات كذا ذكر لي المصنف ـ رحمه الله - وأما المصنف فمناقبه في تحقيق العلوم المتداولة معلومة معروفة مشهورة ومآثره في بذل المعروف والفضائل على ضروب محفوظة مأثورة، فاكتفينا يقرب العهد بمعرفته عن بسط القول هنا في ترجمته، انتهى ذكره تلميذه ابن أمير حاج في شرحه لتحريرها.
قوله: (مَعَ تَحْقِيقات) قال الحلبي: حال مما حرره؛ أي: مصاحبًا ما حرره هؤلاء الأئمة لتحقيقات ... إلخ وعلى جعل الاستدراك راجعا لصرفت يكون المعنى صرفت عنان العناية بعد الوقوف والإطلاع على المحررات مصاحبًا للتحقيقات، والتحقيق مصدر بمعنى اسم المفعول؛ أي: محققات وهو أعم من إثباتها بالدليل، ومن ذكرها على الوجه الحق، ويصح أن يكون قوله: مع تحقيقات متعلقا بقوله: سابقا، وما كان في «الدرر» و «الغرر» لم أعزه وما زاد عن نقله عزوته، فلما كان يوهم أنه لم يأت من عنده بشيء أصلاً، قال: مع تحقيقات ... إلخ قوله: (سَنَحَ بِهَا البَال) في القاموس» سنح بكذا عرض به ولم يصرح، انتهى.
قال الشارح: فكأن هذه التحقيقات لعزتها ودقتها عند البال والقلب يضن؛ أي: يبخل أن يصرح بها أفاده الحلبي قلت والمراد في نحو ذلك الابتكار؛ أي: مع تحقيقات ابتكرها البال واخترعها؛ لأن الغالب أنه لا يضن إلا بالمبتكر، وأما المنصوص فيطلع على محلاته عند الضن به فأطلق اللازم وهو
الجزء 1 · صفحة 56
قال المصنف: [وَتَلَقَّيْتُهَا عَنْ فُحُولِ الرِّجَالِ، وَيَأْبَى الله
ـــــــــــــــــــــــــــــ
التعريض وأراد ملزومه وهو الابتكار، ونسبة السنوح للبال مجاز والتعريض، إنما هو للنفس لا للبال فإن قلت: إن التحقيقات لا دخل لها في الفقه من نحو الشارح نفعنا الله به، فإن أمثاله ليسوا مجتهدي مذهب، ولا فتوى، ولا من أهل القياس أيضًا؛ لأن القياس مفقود من بعد الأربعمائة.
وقد نص هو قريبًا على أن الفقهاء في نحو هذا الزمان يتبعون المسطور من غير ترجيح، حيث قال في آخر الخطبة: وأما نحن فعلينا إتباع ما رجحوه وما صححوه، كما لو أفتوا به في حياتهم، وقد قيلت هذه المقالة قبله فما بالك به؟ ويمكن الجواب بأن يقال: أن تحقيقاته من حيث جمعه للنظائر، وذكر المعتمد ودفع الإشكالات بألطف عبارة، إما بالعدول عن العبارات المعترضة، أو بتقدير مضاف كما يقع له كثيرًا، أو يتمشى على القول بأن العبرة لقوة المدرك، ويكون الله تعالى أهله لذلك والله أعلم.
قوله: (وَتَلَقَّيْتُهَا) أي: تلك التحقيقات بمعنى المحققات قوله: (عَنْ فُحُولِ الرجال) جمع فحل وهو القوي، وفي القاموس قال: الفحل الذكر من كل حيوان، وقال فحول الشعراء الغالبون بالهجاء من هجاهم.
قال الحلبي: وأورد أن بين الجملتين تنافيًا فإن البال إذا ابتكر هذه التحقيقات جميعها فكيف يكون متلقيًا لها جميعها عن فحول الرجال، وقد يجاب بأنه على تقدير مضاف؛ أي: سنح ببعضها البال وتلقيت بعضها عن فحول الرجال، انتهى.
قوله: (وَيَأْبَى الله يأبى بمعنى يمتنع فهو لازم لا يتعدى إلا بمن كقوله تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَ} [طه: (116)] وكقوله تعالى: فَقُلْنَا يَتَعَادَمُ ... [طه: (117)] ولا ينحل المعنى في تركيب الشارح صحيحًا؛ لأن معناه حينئذ امتنع الله العصمة، إلا أن يقال أن العصمة منصوب على نزع الخافض؛ أي: من العصمة؛ أي من إيجادها وهو مقصور على السماع هكذا قرر، والذي
الجزء 1 · صفحة 57
العِصْمَة لِكِتابِ غَيْرَ كِتَابِهِ، وَالمُنصِف مَنِ اعْتَفَر قَلِيلَ خَطَأ المَرْءِ فِي كَثِير صَوَابِهِ،
في «القاموس» أبى الشيء يأباه ويأبيه إباء وإباءة بكسرهما كرهه، انتهى فهو متعد دائما.
وقوله: {إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ} [الحجر: (31)] أي: كره كونه من الساجدين وحذف من الآية الأخرى للعلم به قوله: (العِصْمَة) أي: الحفظ عن الخطأ أو الخلل وهذا من الشارح اعتذار عما طغى به قلمه أو سبق إليه فهمه، كأنه يقول: إن هذا الكتاب اختصرته واعتنيت به بعد وقوفي على الحقيقة وبعد اطلاعي على الكتب المذكورة ووضعت فيه تحقيقات، ومع ذلك لا يسلم من بعض الخلل فإن ذلك من خصوصيات الكتاب العزيز فلا يعترض عليه حينئذ، فإن كان هناك شيء فيصلحه الكريم أو يعفو.
قوله: (قَلِيلَ خَطَأ) أي: خطأ المرء القليل فهو من إضافة الصفة للموصوف، وعبر بأخطاء إشارة إلى أن ذلك واقع لا عن اختيار فالإثم مرفوع والثواب ثابت قوله: (فِي كَثِير صَوَابِهِ أي في صواب المرء الكثير؛ أي: ستر القليل من الخطأ المظروف في الصواب الكثير؛ أي: المتخلل في أثنائه فقوله: في كثير متعلق بخطأ ويحتمل أن في بمعنى مع؛ أي: الخطأ القليل المصاحب لكثير من الصواب أو أن في سببية ويكون حينئذ الجار والمجرور متعلقا باغتفر؛ أي غفر الخطأ القليل بسبب الصواب الكثير، والمعاني الثلاثة متقاربة والمراد بالصواب الصدق المطابق للواقع باعتبار ما عند هذا المجتهد، وأما في الواقع ونفس الأمر فموكول إلى الله تعالى، وكذا يقال في الخطأ ولا شك أن من أغضى عن قليل الخطأ ملاحظًا لكثير الصواب منصفاً حيث رجح الكثير على القليل، لا سيما وهذا القليل خطأ قد رفع الله تعالى في الآخرة الإثم عنه، وهو في مثل هذه المحلات يثاب عليه؛ لأنه قد رام الصواب كما قال الشاطبي:
وسلم لإحدى الحسنيين إصابة والأخرى اجتهاد رام صوبًا فأمحلا
الجزء 1 · صفحة 58
وَمَع هَذَا فَمَنْ أَتْقَنَ كِتَابِي فَإِذا فَهُوَ الفَقِيه المَاهِرٍ، وَمَنْ ظَفَرَ بِمَا فِيهِ، فَسَيَقُول بملء فِيه: كَمْ تَرَكَ الأَوَّلُ لِلآخِرِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وَمَع هَذَا: أي: مع ما حواه من التحريرات والتحقيقات، انتهى حلبي، قلت: والأولى جعله مرتبطًا بقوله: ويأبى الله؛ أي: مع كونه غير محفوظ من الخلل فمن أتقنه كما تقول فلان بخيل، ومع ذلك هو أحسن حالاً من فلان.
قوله: (فَهُوَ الفَقِيه) الجملة خبر من قرنت بالفاء، لعموم المبتدأ فأشبه الشرط والفقيه مراده به من يحفظ الفروع الفقهية ويصير له إدراك في الأحكام المتعلقة بنفسه وغيره، وسيأتي الكلام على معنى الفقه لغة واصطلاحًا.
قوله: (المَاهِر) أي: الفائق غيره قوله: (وَمَنْ ظَفَرَ) أي: فاز بما فيه، وظفر بكسر الفاء يتعدى بنفسه وبالباء كما هنا، وبعلى كما دلت عليه عبارة «القاموس (قوله: (بما فيه أي من الفروع والأحكام بالاشتغال به مطالعة أو تدريسا.
قوله: (فَسَيَقُول) إنما أتى بالسين؛ لأنه إنما يظهر له ذلك عند السؤال أو المناظرة مع الإخوان غالبًا؛ لأن العادة جارية بأن الاستحضار يأتي في نحو هذه المواطن وأن التنفيس زائد فيقول: لإنه في حال الإطلاع يرى فيه ما لم يرى في غيره.
قوله: (بملء فيه) الملء بفتح الميم المصدر وبكسرها ما يملأ به الشيء، والمقصود من ذلك أنه يقول ذلك القول ناشئًا منه عن يقين وصدق لا عن كذب، فكأنّ المتكلم بالصدق امتلأ فمه به بحيث لا يكون للقول الكذب فيه مدخل، وعلى قراءته بالكسر يصير المعنى فسيقول بكلام يملأ فمه.
قوله: (كَمْ) خبرية للتكثير وهو مفعول لترك قوله: (الأَوَّلُ) المراد به من سبق الشارح من المصنفين قوله: (لِلآخِرِ) يعني أن المتقدمين أغفلوا أشياء
الجزء 1 · صفحة 59
وَمَن حَصَّلَهُ فَقَد حَصَّلَ لَهُ الحَظَّ الوَافِر، لأَنَّهُ هُوَ البَحْرِ؛ لَكِن بِلَا سَاحِل وَوَابِل القطر، غَيْرَ أَنَّه مُتَوَاصِل بِحُسْنِ عِبَارَات، وَرَمْزِ إِشَارَات
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كثيرة فنبه عليها المتأخرون؛ لتجدد الحوادث بتجدد الأزمان قوله: (وَمَن حَصَّلَهُ) هو بمعنى ما قبله؛ أي: حصل ما فيه قوله: (الحَقِّ) النصيب قوله: (الوَافِر):أي الكثير؛ أي من الفقه ومن الثواب: أي: إن حسنت النية قوله: (لأنَّه) تعليل للجمل الثلاث، قبله والضمير يرجع إلى الكتاب.
قوله: (البَحْر) أي: المتسع وفي الكلام استعارة على مذهب السعد أو على حذف الأداة قوله: لَكِن بِلا سَاحِل تأكيد للمدح بما يشبه الذم، وفيه مبالغة عظيمة للممدوح كأنه سردت صفاته فوجدت كلها جميلة إلا كونه كذا، والحال أن المستثنى ليس بعيب فتمت صفاته جميلة كاملة كقوله:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
والساحل ما ينتهي إليه البحر، وفي القاموس الساحل ريف البحر وشاطئه مقلوب؛ لأن الماء سحله؛ أي قشره ونحته وكان القياس مسحولاً، انتهى المراد منه قوله: (وَوَابِل القَطر) الوابل الكثير فهو من إضافة الصفة للموصوف؛ أي: المطر الوابل.
قوله: (غَيْرَ أَنَّه مُتَوَاصِل فيه أيضًا تأكيد المدح بما يشبه الذم فكأنه قال: هو مطر كثير ولا عيب فيه غير تواصله، وتتابعه وهذا مما لا يعد عيبًا وهذا من الشيخ تحدّث بنعمة الله عليه.
قوله: (بِحُسْنِ عِبَارَات) متعلق بمحذوف حال من كتابي؛ أي: حال كون كتابي ملتبسًا بحسن عبارات ويصح أن يكون راجعًا للتحقيقات؛ أي: هذه التحقيقات لا غموض فيها، بل ملتبسة بعبارات حسنة والعبارات جمع عبارة مصدر بمعنى اسم المفعول؛ أي: معبر به مأخوذ من عبر الرؤيا إذا فسرها، ويسمى اللفظ عبارة؛ لأن به تفسير المعنى.
قوله: (وَرَمْزِ إِشَارَات) أي: وإشارات كالرمز والتشيبه بجامع الخفاء في
الجزء 1 · صفحة 60
وَتَنْقِيح مَعَاني، وَتَحرِير مَبَاني، وَلَيْسَ الخَبَرُ كَالعِيَان، وَسَتَقَرُّ بِهِ بَعْدَ التَأمُّل العينان]. قال المُصَنِّف: [فَخُذْ مَا نَظَرْتَ مِن حُسْنِ رَوْضِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كل؛ أي: إشارات خفية كالرمز، والرمز أعم من الغمز ومن الهمز؛ لأن الهمز بالشفة والشارب والغمز بهما وبالعين والرمز أعم من ذلك كذا قال بعضهم قوله: (وَتَنْقِيح مَعَاني) الإضافة من إضافة الصفة للموصوف؛ أي: معاني منقحة؛ أي: محررة.
قوله: (وَتَحرِير مباني) تحرير مصدر بمعنى اسم المفعول؛ أي: مباني محررة والمباني جمع مبنى ما تبنى عليه الكلمة من الحروف، فمرجع المباني للألفاظ وحينئذ فهو عين قوله بحسن عبارات والخطب محل إطناب.
قوله: (وَلَيْسَ الخَبَرُ ... إلخ) أي: أن هذا منّي في خطبة هذا الكتاب خبر والخبر يحتمل الصدق والكذب وبعد إطلاعك على التأليف المذكور تعاين ما ذكرته لك، ويتحقق عندك بالمشاهدة؛ لأن الخبر ليس كالعيان فهو تعليل لمحذوف قوله: (كَالعِيَان) بكسر العين المهملة المعاينة والمشاهدة قوله: (وَسَتَقَرُّ بِهِ) أي: تفرح فقرار العين كناية عن ذلك وهو ضد زيغها.
قوله: (بَعْدَ التَأمُّل) أي: التفكر فيه والتدبر في معانيه، وإنما عبر بالسين دون سوف للإشعار بأن ذلك يحصل بعد التأمل بقرب، والظرف متعلق بتقر قوله: (العينان) فاعل تقر تثنية عين المراد بها الباصرة هنا وأطلق العين وأراد النفس، وإنما أضيف إليها القرار بمعنى الفرح إليها لظهوره فيها كالرضا والسخط، فهو من إطلاق اسم الجزء على الكل.
والعين في اللغة وردت لمعانٍ نحو خمسة وعشرين معنى بينت في كتب اللغة.
قال الشارح قوله: (فَخُذْ) أيها الواقف على هذا الكتاب والفاء للسبية؛ أي: أنه يتسبب عن هذا الشرح حيث كان بهذه الصفة أخذه كما سيأتي قوله: (مَا نَظَرْتَ) أي الذي نظرته فما اسم موصول قوله: (مِن حُسْنِ) بيان لما
الجزء 1 · صفحة 61
الأَسْمَى، وَدَعْ مَا سَمِعْتَ عَنِ الحَسَنِ وَسَلْمَى:
خُذْ مَا نَظَرْتَ وَدَعْ شَيْئًا سَمِعْتَ بِهِ ... في طَلْعَةِ الشَّمْسِ مَا يُغْنِيْكَ عَنْ زُحَل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وإضافته لما بعده من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: من روضه الحسن والضمير في روضه للكتاب
قوله: (الأَسْمَى) صفة للروض، وهو أفعل تفضيل بمعنى الأعلى؛ أي: الأعلى من غيره من المؤلفات، وفي الكلام استعارة شبه عبارته الحسنة بالروض بجامع النفاسة وتعلق النفوس بكل، والقرينة إضافة الروض إلى الضمير.
قوله: (عَنِ الحَسَنِ) قال المحشي: الظاهر أنه بضم الحاء فالمعنى دع الحسن الصوري المحسوس وانظر إلى حسن روض هذا الشرح الأعلى قدرا، انتهى ويصح فتح الحاء؛ أي الحسن؛ أي المحبوب حسن الوجه؛ أي: لا تجعل همتك ذلك فيكفيك ما نظرت إليه من روض هذا الشرح.
قوله: (وَسَلْمَى) اسم محبوبة أنثى وليس المراد التخصيص؛ بل إنما أتى بسلمى المؤنث لمقابلة الحسن المذكر؛ ولأجل القافية وعلى كل حال فهما سجعتان وليسا بشعر، ويصح أن يقال: الحسن المحب وسلمى المحبوبة؛ أي: دع ذلك بمعنى أنك لا تفعل كفعلهما، أو لا تشتغل بحديثهما عن ذلك، وليس المراد سلمى المشهورة التي قال فيها عاشقها:
وليت سلمى في المنام ضجيعتي لدى الجنة الخضراء أو في جهنم
فإن محبها عمرو بن أبي ربيعة؛ ومراد الشارح بذلك الاهتمام بهذا الشرح الاعتناء به قوله: (خُذ ... إلخ) هذا بيت شعر من البسيط الذي أجزاؤه مستفعلن فاعلن أربعًا قوله: (مَا نَظَرْتَ أراد به الكتاب قوله: (به) أي: بمدحه كالحسن وسلمى مثلاً.
قوله: (فِي طَلْعَةِ) خبر مقدم وما يغنيك مبتدأ مؤخر والمعنى أن طلعة الشمس؛ أي طلوعها يكفيك عن نور الكواكب المسمى بزحل، فكأنه نزل كتابه منزلة الشمس بجامع الاهتداء بكل ونزل غيره منزلة زحل، ولا شك أن
الجزء 1 · صفحة 62
هَذَا وَقَدْ أَضْحَت أَعْرَاضُ المُصَنِّفِين أَغْرَاضُ سِهَام أَلْسِنَةِ الحُسَّادِ، وَنَفَائِسَ تَصَانِيفِهِم مُعَرَّضَة بِأَيْدِيهِم تُنْتَهَبُ فَوَائِدُهَا، ثُمَّ تَرْمِيهَا بِالكَسَادِ:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
نور الشمس والاهتداء به لا يكون لغيرها من الكواكب، وزحل أحد الكواكب السيارة التي هي السبع جمعها الشاعر على ترتيب السموات كل كوكب في سماء بقوله:
زحل شري مريخه من شمسه ... فتزاهرت لعطارد الأقمار
قوله: (زُحل) بكسر اللام مشبعة لضرورة النظم قوله: (هَذَا ... إلخ) هو اقتضاب قريب من التخلص؛ لأنه في سياق التأليف وهذا مفعول لمحذوف؛ أي: أعلم هذا. قوله: (أَعْرَاضُ) جمع عرض بكسر العين محل المدح والذم
قوله: (أَغْرَاضُ) خبر أضحى؛ أي: كالأغراض فهو تشبيه بليغ والأغراض جمع غرض، وهو الهدف الذي يرمى بالسهام، فكما أن الغرض يرمى بالسهام كذلك أعراض المصنفين ترمى بالقول الكاذب وشاع استعمال الرمي في نسبة القبائح كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} [النور: (6)].
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ} [النور: (4)] وبين الأعراض والأغراض الجناس المضارع قوله: (سِهَام ألسنة) من إضافة المشبه به إلى المشبه أي: أعراضًا للألسنة التي هي كالسهام أو شبه قول اللسان العنيف بالسهم بجامع الإيذاء.
قوله: (وَنَفَائِسَ) إضافته إلى ما بعده من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: تصانيفهم النفيسة قوله: (مُعَرَّضَة) بالنصب خبر لأضحى بتسليطه على نفائس أو بالرفع، ويكون من عطف الجمل أو الواو للحال قوله: (تُنْتَهَبُ فَوَائِدُهَا) خبر ثان عن نفائس وفاعل تنتهب الحساد قوله: (ثُمَّ تَرْمِيهَا بِالكَسَاد) والمعنى أنهم بعد انتهاب فوائدها يهجرونها كالسلعة الكاسدة التي لا تروج وعلى هذا، ففيه استعارة مكنية حيث شبه التأليف بالسلع الكاسدة بجامع عدم الاعتناء بكل.
الجزء 1 · صفحة 63
أَخا العِلْمِ لَا تَعْجَلَ بِعَيْبِ مُصَنَّفٍ ... وَلَمْ تَتَيَقَّن زَلَّةٌ مِنْهُ تُعْرَفُ
فَكَمْ أَفْسَدَ الرَّاوِي كَلَامًا بِعَقْلِهِ ... وَكَمْ حَرَّف الأَقْوَال قَوْمٌ وَصَحْفُوا
وَكَمْ نَاسِخُ أَضْحَى لِمَعْنَى مُغَيْرًا ... وَجَاءَ بِشَيء لَم يَرِدْهُ المُصَنِّف
وَمَا كَانَ قَصْدِي مِن هَذَا أَنْ يُدْرَجَ ذِكْرِي بَيْنَ المُحَرِّرِين، مِنَ الْمُصَنِّفِينَ وَالمُؤَلِّفين.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أَخا العِلْمِ) أي: يا أخي في العلم وخصه له المقصود هنا، ويحتمل أن المراد أخا العلم نفسه، وإضافته إلى العلم إشارة إلى ملازمته له وحذاقته، وفضله كأنه هو والعلم من صلب واحد قوله: (بِعَيْبِ) مصدر مضاف إلى مفعول وإن جعل العيب اسما للشيء يوجب الذم فهو على تقدير مضاف؛ أي: بذكر عيب قوله: (وَلَمْ تَتَيَقَّن جملة حالية قوله: (منه) متعلق بتعرف؛ أي لم تتيقن بزلة معروفة منه، فلا تبني الذم على التوهم.
قوله: (فَكم) خبرية للتكثير مفعول مقدم لأفسد؛ أي: أفسد الراوي كلاما كثيراً قوله: (بِعَقْلِهِ) الباء للآلة؛ أي: أن عقله هو الآلة في الإفساد قوله: (وكم حرّف) التحريف التغيير كما في القاموس» والتغيير تبديل لفظ بلفظ أو حرف بحرف ويأتي بمعنى صرف الشيء عن وجهه والمعنى أنهم يتأولونها بمعنى غير المراد منها.
قوله: (وَصَحَّفُوا) عطف على حرفوا من التصحيف، وهو الخطأ في الصحيفة كما في القاموس فالعطف للمغايرة إن أريد بالتغيير التغيير بالقول، وإن أريد ما هو أعلم من القول ومن الخطأ في الصحيفة فهو عطف خاص قوله: (وَجَاءَ ... إلخ) جملة مؤكدة لقوله: مغيرًا؛ لأنه إذا غير المعنى المراد لزمه الإتيان بشيء لم يرده المصنف، فإن قلت أن الشيخ ينقل ا الألفاظ، ولا تعلق له بالمعنى فلا يظهر.
قوله: (أَضْحَى لِمَعْنَى مُغَيّرا أجيب بأن تغيير المعنى تابع لتغيير اللفظ قوله: (وَمَا كَانَ قَصْدِي مما يدل على أن الخطبة متأخرة من التأليف قوله: (من هذا) الإشارة إلى تأليف الكتاب قوله: (ذِكْرِي) مصدر مضاف لمفعوله.
قوله: (وَالمُؤلّفين) عطف الرديف وإن خص المصنفون بأصحاب المتون
الجزء 1 · صفحة 64
قال المصنف: [بَل القَصْدُ رِيَاضِةُ القَرِيحَة وَحِفْظُ الفُرُوعِ الصَّحِيحَة، مَعَ رَجَاء الغُفْرَان، وَدُعَاء الإِخْوَان، وَمَا عَلَيَّ مِن إِعْرَاضِ الحَاسِدِينَ عَنْهُ حَالَ حَيَاتِي، فَسَيَتَلَقُونَه بِالقَبُول إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى بَعْدَ وَفَاتِي، كَمَا قيل:
تَرَى الفَتَى يُنْكِر فَضْلَ الفَتَى ... لُؤْمًا وَخُبْنًا، فَإِذَا مَا ذَهَبَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المؤلفون بأصحاب الشروح مثلاً كان العطف للمغايرة.
قال الشارح: قوله: (رِيَاضةُ) أي: تهذيب النفس وتشحيذ الذهن قوله: (القَرِيحَة) أي: الذهن وهو القوة المعدة لاكتساب الآراء، والقريحة في الأصل أول ما يستنبط من ماء البئر، ثم أطلق على كل مستنبط من العلم، ثم أطلق على آلة الاستنباط.
قوله: (وَحِفْظُ الفُرُوعِ) مصدر مضاف لمفعوله؛ أي: حفظي لها؛ أي: أن المقصود بهذا المولف حفظ الفروع على وجه سهل قوله: (مَعَ رَجَاء الغُفْرَان) مصدر مضاف لمفعوله قوله: (وَدُعَاء (الإِخْوَان) مصدر مضاف لفاعله، والرجاء مسلط عليه، والإخوان جمع أخ في غير النسب وأخو النسب يجمع على أخوة كذا ذكره بعضهم، والحق أن إخوان يأتي جمعًا لأخ مطلقا، كما نقله شيخنا السجاعي في حاشيته علي بن عقيل.
قوله: (مِن إِعْرَاض الحَاسِدِين) المفوت لقصده وهو رجاء الغفران ودعاء الإخوان قوله: بَعْدَ وَفَاتِي الظرف متعلق بيتلقونه، وأخبار المؤلف بهذا لما علم من حسن هذا التأليف مع الإخلاص، وشأن من كان كذلك القبول من المحب والحاسد.
قوله: (تَرَى) رأى علميّة؛ لأن الإنكار لا يحس بحاسة البصر، والفتى مفعول أول وجملة ينكره مفعول ثان قوله: (الفَتَى) يطلق على من بلغ الثلاثين؛
والمراد الشخص.
قوله: (لُوْمًا وَخُبْنًا) مصدران حالان من فاعل ينكر؛ أي: حال كونه لئيما أو مفعول لأجله.
الجزء 1 · صفحة 65
لَجَّ بِهِ الحِرْصُ عَلَى نُكْتَة ... يَكْتُبُها عَنْهُ بِمَاء الذَّهَبِ
فَهَاكَ مُؤَلَّفاً مُهَذَّباً لمُهِمَّات هَذَا الفَنِّ]. قال المصنف: [مُظْهِرًا لِدَقَائِقِ اسْتَعْمَلْتُ الفِكْرَ فِيهَا إِذَا مَا جَنَّ اللَّيْلُ مُتَحَرِّيا أَرْجَحَ الأَقْوَال وَأَوْجَزِ العِبَارة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لَجَّ) في الحلبي بالجيم من اللجاج وهو الخصومة كما في «القاموس» وضمنه معنى اشتد فعداه بالباء قوله: (نُكْتَة) أي: مسألة دقيقة، وإنما سميت الدقيقة نكتة؛ لأنه عند استخراجها من الذهن ينكت بالعود في الأرض كما هو دأب المتفكر فهو من باب الكناية. قوله: (مُهَذَّباً) بصيغة اسم المفعول؛ أي مخلصًا والحشو والتطويل والأقوال الضعيفة وقوله: (المُهِمَّات) متعلق بمؤلفًا والمهمات جمع مهمة، ما يهتم بتحصيله ويصح أن يقرأ بصيغة اسم الفاعل.
قال الشارح: قوله: (اسْتَعْمَلْتُ) أي: أعملت فالسين والتاء زائدتان، وعبر به إشارة إلى الاعتناء والاجتهاد قوله: (فيها) أي: في تحريرها قوله: (جَنَّ) أي: ستر الأشياء بظلمته والمادة تدل على الاستتار كالجن والجنان والجنين والجنة وإنما خص الليل لكونه محل الأفكار غالبًا، وفيه يذكو الفهم لقلة الحركة فيه وعادة العلماء يتلذذون بالسهر في التحرير للمسائل كما قال التاج السبكي:
سهري لتنقيح العلوم الذ لي ... من وصل غانية وطيب عناقِ
وتمايلي طربًا لحل عويصة ... في الذهن أبلغ من مدامة ساقي
وصرير أقلامي على صفحاتها ... أحلى من الدوكاه والعشاق
وألذ من نقر الفتاة لدفها ... نقري لألقي الرمل عن أوراقي
قوله: (مُتَحَرِّيا) حال من التاء في استعملت والتحري بذل المجهود لنيل المقصود قوله: أَرْجَحَ الأَقْوَال الإضافة إلى معنى من، وهذا باعتبار غالب ما وقع له وإلا فقد يذكر قولين مصححين أو يذكر الصحيح دون الأصح.
قوله: (وَأَوْجَز العِبَارة أي: أخصر العبارة والإضافة على معنى من أو من
الجزء 1 · صفحة 66
مُعْتَمِدًا فِي دَفْعِ الإِبْرَاد أَلْطَف الإِشَارَةِ، فَرُبَّمَا خَالَفْتُ فِي حُكْم أَو دَلِيلِ، فَحَسْبُ مَنْ لَا اطْلَاعَ لَهُ وَلَا فَهُمَ عُدُولاً عَنِ السَّبِيلِ، وَرُبَّمَا غَيَّرت تَبَعًا لِمَا شَرَحَ عَلَيْهِ المُصَنِّف كَلِمَة أَوْ حَرْفًا، وَمَا دَرَى أَنَّ ذَلِكَ لِمُحْتَةٍ تَدُقُّ عَنْ نَظَرِهِ وَتَخْفَى.
قال المصنف: [وَقَدْ أَنْشَدَنِي شَيْخِي الحَبْرُ
إضافة الصفة للموصوف قوله: (مُعْتَمِدًا حال أيضًا مترادفة أو متداخلة؛ أي: معوّلاً قوله: (ألطف الإشارة أي: الألطف من الإشارة كتغيير لفظ معترض بآخر قوله: (أو دَلِيْل) أي: بأن يعلل المسألة بغير ما علل به غيره قوله: (فَحَسْبُ) بصيغة الفعل؛ أي: ظن قوله: (مَنْ لَا اطْلَاعَ لَهُ) أي: على ما اطلع عليه المؤلف قوله: (وَلَا فَهم أي ولا إدراك لما قصدته من دفع الإيراد.
قوله: (عُدُولاً) أي: ميلاً مفعول ثان لحسب والأول محذوف؛ أي: فحسب المخالفة وفي نسخة فحسبه بالضمير فيكون المفعول الأول الضمير قوله: (أَوْ حَرْفًا) الحرف يطلق على إطلاقات طرف الشيء وشفيره وحده، وأعلى الجبل وأحد حروف التهجي والناقة الضامرة أو المهزولة أو العظيمة، ومسيل الماء، وعند النحاة ما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل والوجه ومنه قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْ} [الحج: (11)] أي: وجه واحد وهو أن يعبده على السراء لا الضراء أو على شك أو على غير طمأنينة من أمره؛ أي: لا يدخل في الدين متمكنا، ونزل القرآن على سبعة أحرف؛ أي: سبع لغات من لغات العرب وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه، أو أنه جاء على سَبْعَةٍ قراءات أو عَشَرَةٍ أو أكْثَرَ، ولكن المَعْنَى هَذِهِ اللُّغَاتُ السَّبْعُ مُتَفَرِّقَةٌ في القُرْآنِ. أفاده في القاموس».
قوله: (وَمَا دَرَى) مترتب على محذوف؛ أي: فاعترض قوله: (أَنَّ ذَلِكَ) أي: المذكور من المخالفة في الحكم أو الدليل أو تغيير الكلمة أو الحرف قوله: (لنكتة) هي دفع الإيراد أو بيان الحكم قوله: (وَتَخْفَى) عطف تفسير.
قال الشارح: قوله: (أَنْشَدَنِي) الإنشاد نقل كلام الغير، والإنشاد إحداث کلام من عنده قوله: (الحَبْرُ) بفتح الحاء وكسرها من التحبير وهو التزيين؛ لأنه
الجزء 1 · صفحة 67
السَّامِي وَالبَحْرُ الطَّامِي، وَاحِدُ زَمَانِهِ وَحَسَنَةُ أَوَانِهِ، شَيْخُ الإِسْلَامِ الشَّيْخ خَيْرُ الدِّينِ الرَّمْلِي أَطال الله بَقَاءَهُ:
قُلْ لِمَن لَم يَرَ المُعَاصِرَ شَيْئًا ... وَيَرَى لِلْأَوَائِلِ التَّقْدِيما
إِنَّ ذَلِكَ القَدِيم كَانَ حَدِيقًا ... وَسَيَبْقَى هَذَا الْحَدِيث قَدِيما
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يزين الألفاظ والدروس بتقريره وتحريره.
قوله: (السَّامِي) أي: العالي على أقرانه قوله: (الطَّامِي) أي: كثير الماء.
قوله: (وَاحِدُ) أي: الواحد في زمانه؛ أي المنفرد بالصفات الجميلة.
قوله: (وَحَسَنَةُ أَوَانِهِ) أي: الحسنة في أوانه؛ أي: الذي أحسن الله به على الخلق في أوانه والأوان والزمان شيء واحد.
قوله: (الرَّمْلِي) نسبة إلى الرملة بلدة بفلسطين، وبها توفي وله التآليف العديدة النفيسة.
قوله: (أَطال الله بَقَاءَهُ) أي: حياته فإن قلت هذا الدعاء مما لا فائدة فيه؛ لأن الأجل لا يتقدم ولا يتأخر أجيب بأن المراد بذلك: البركة فيه، أو يكون الزيادة في البقاء معلقة على الدعاء، وقد ورد أن صلة الرحم تزيد في العمر، وكذا الطاعة فيحمل على نحو ذلك وفي الشرعة وشرحها ما يفيد كراهة الدعاء بذلك.
قُلْ لِمَنْ لَمْ يَرَ المُعَاصِرَ شَيْئًا ... وَيَرَى لِلأَوَائِلِ التَّقْدِيما
قوله: (شَيْئًا) أي: شيئًا يعتد به قوله: (وَيَرَى) أي: يعتقد عطف على جملة النفي قوله: (التَّقْدِيما) أي: رتبة التقدم أي: يرى لهم الفضل بسبب تقديمهم.
إِنَّ ذَلِكَ القَديم كَانَ حَدِيثًا ... وَسَيَبْقَى هَذَا الحَدِيث قديما
قوله: (إِنَّ ذَلِكَ) الجملة مقول القول قوله: (وَسَيَبْقَى ... إلخ) أي: سيتقادم عهده وتمضي عليه الأزمنة، والمعنى أن هذا القديم قد وصف بالحدوث وقد اعتمدتموه، ونسبتم لصاحبه الفضل فلأي شيء تهجرون تأليف المعاصر وترمونه بالحدوث مع استوائه ومن قبله في هذا الوصف، ومرور
الجزء 1 · صفحة 68
عَلَى أَنَّ المَقْصُود؛ وَالمُرَادِ مَا أَنْشَدَنِيهِ شَيْخِي وَبَرَكَتِي وَوَلِبِّي رَأْسُ المُحَقِّقِين والنقاد، محَمَّد أَفَنْدِي المَحَاسِني]. قال المصنف: [وَقَدْ أَجَاد:
لِكُلِّ بَنِي الدُّنْيَا مُرَادٌ وَمَقْصَدٌ ... وَإِنَّ مُرَادِي صِحْةٌ وَفَرَاغُ
لأبلُغَ فِي عِلْمِ الشَّرِيعَة مَبْلَغَا ... يَكُونُ بِهِ لِي فِي الجِنَانِ بَلَاغُ
الزمان على شيء لا يوجب له الفضل.
قوله: (عَلَى ... إلخ) بمنزلة الاستدراك على ما يتوهم، قوله: فهناك ... إلخ من أنا لمراد مدح نفسه وتأليفه وأن المقصود الشهرة بالتأليف قوله: (وَبَرَكَتِي)، والبركة اتساع الخير.
قوله: (وَوَلِيِّي) فعيل بمعنى فاعل؛ أي متولي نعمتي؛ والمراد بالنعمة نعمة العلم التي هي من أعظم النعم
قوله: (أَفَنْدِي) يستعمل هذا اللفظ بمعنى العظيم قوله: (المَحَاسِني) بالنون نسبة إلى المحاسن وهي الصفات الجميلة.
قال الشارح: قوله: (لِكُلِ بَنِي الدُّنْيَا الجار والمجرور خبر مقدم، وحذفت نون الجمع للإضافة، وأضيفوا إلى الدنيا لحبهم وتعظيمهم لها كما يعظم الإنسان أمه.
قوله: (مُرَادٌ وَمَقْصَدٌ) التنوين للتكثير؛ فبعض أولاد الدنيا يقصد جمعها، وبعضهم الرياء وبعضهم السمعة وغير ذلك.
قوله: (صِحَّةٌ) أي: من الأمراض قوله: (وَفَرَاعُ) أي: من الشواغل فالعطف للمغايرة قوله: (الأبلُغَ) علة لكون الصحة والفراغ مرادا له قوله: (مَبْلَغًا) أي: بلاغًا قوله: (يَكُونُ بِهِ) أي: بذلك المبلغ قوله: (فِي الجِنَانِ) وهي سبع بعضها فوق بعض أو هي كالدوائر أعظمها أعلاها أو أوسطها. قوله: (بَلَاغُ) أي: إيصال لمراتب عالية والبلاغ اسم مصدر والمصدر
الجزء 1 · صفحة 69
فَفِي مِثْل هَذَا: فَلْيَتَنَافَس أُولُو النُّهَى وَحَسْبِي مِنَ الدُّنْيَا الغَرُورِ بَلَاغُ
فَمَا الفَوْزُ إِلَّا فِي نَعِيمٍ مُؤبَّدٍ ... بِهِ العَيْسُ رَعْدٌ وَالشَّرَابُ يَسَاعُ
قال المصنف: [مُقَدِّمَة:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
التبليغ قوله: (فَفِي مِثْل هَذَا الفاء دالة على التعليل وهو علة للعلية قوله: (هَذَا) الإشارة إلى البلاغ في الجنة قوله: (فَلْيَتَنَافَس) أي: يغالب والمراد الاجتهاد.
قوله: (أُولُو النُّهَى) أي: أولو العقول وخصهم بذلك؛ لأن الانتفاع إنما يكون لهم وأل في النهي للكمال قوله: (وَحَسْبِي) مبتدأ؛ أي: كافي قوله: (مِنَ الدُّنْيَا) أي: من أعراضها سميت بهذا الاسم لدناءتها أو لدنوها، وهي السماء والأرض وما بينهما أو العالم بأسره قوله: (الغَرُور) فعول يستوي فيه المذكر والمؤنث؛ أي: الغارة.
لأبلُغَ فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ مَبْلَغا ... يَكُونُ بِهِ لِي فِي الجَنَّةِ بَلَاغُ
قوله: (بلاغ) خبر حسبي بمعنى كفاية، والمراد أنه يكفيه قليل من حطام الدنيا ويجتهد فيما يترتب عليه النعيم المؤبد والسرور الدائم، وبينه وبين بلاغ الذي في البيت قبله الجناس التام الخطي واللفظي. فَمَا الفَوْزُ إِلَّا فِي نَعِيمٍ مُوبَدٍ بِهِ العَيْشُ رَغْدُ وَالشَّرَابُ يَسَاغُ قوله: (فَمَا الفَوْزُ) علة لقوله: ففي مثل هذا فلينافس، والفوز الظفر بالمطلوب والظفر بفتح الفاء قوله: (إِلَّا فِي نَعِيمٍ) المستثنى منه محذوف والتقدير فما الظفر مطلوب ومستحسن في شيء قوله: (به) أي: بالنعيم؛ أي: بسببه قوله: (العَيْشُ) يطلق بمعنى المعيشة قوله: (رَغْدٌ) بسكون الغين المعجمة؛ أي: واسع طيب كما في القاموس» انتهى حلبي قوله: (وَالشَّرَابُ يَسَاعُ) أي: يسهل دخوله في الحلق وفي العبارة تجريد وذلك؛ لأن رغد العيش وسهولة الشراب نعيم.
قال الشارح: قوله: (مُقَدِّمَة) بكسر الدال أي: نفسر هذه الألفاظ المذكورة مقدمة لغيرها لما فيها من تعريف الفقه لغة واصطلاحًا وفضله وغير
الجزء 1 · صفحة 70
حَقٌّ عَلَى مَنْ حَاوَلَ عِلْمًا مَا أَنْ يَتَصَوَّرَه بِحَدِّه أَوْ رَسْمِهِ، وَيَعْرِفُ مَوْضُوعَهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ذلك، هذا إذا أخذت من المتعدي وإن أخذت من اللازم فمعناها: متقدمة على غيرها لحسنها الذاتي ويصح فيها فتح الدال؛ أي: قدمها المؤلف على الشروع في المقصود أو أن الطالب إذا علم ما احتوت عليه مما له دخل في المقصود يقدمها على غيرها، وعلى كل فهي خبر لمبتدأ محذوف أو مبتدأ محذوف الخبر.
قوله: (حَقِّ) بفتح الحاء بمعنى ثبت وأن يتصور فاعله، وأما بضمها فمعناه أخذ وشرع، ولا يلائم المقام هذا المعنى إلا أن يؤول بمعنى طلب كما أفاده حواشي الرحبية ويصح قراءته مصدرًا؛ أي: إن تصور العلم المشروع فيه بحده أو رسمه ... إلخ حق؛ أي: واجب صناعة، لأجل أن يكون على بصيرة بما هو قادم عليه قوله: (عَلَى مَنْ حَاوَلَ: أي: أراد محاولته؛ أي: الشروع فيه قوله: عِلْمًا مَا) أي: أيُّ علم كان فزيادة ما لتأكيد العموم المستفاد من التنكير.
قوله: (أَنْ يَتَصَوَّرَه) أي: يدرك هذا العلم قوله: (بِحَدِّه) الحد ما كان بالذاتيات كتعريف الإنسان بأنه حيوان ناطق، والرسم ما كان بالعرض كضاحك واعترضه المحشي بأن تصور العلم بحده هو غاية العلم لا مقدمته؛ لأن حقيقة العلم المحدودة بالحد إما الجزئيات أو إدراكها أو القوة التي تدرك، وليس واحد من هذه الثلاثة مقدمة شروع، بل إنما يعلم الجزئيات بعد إدراكها بالمكان؛ وذلك بعد الفراغ من تعانيه ومقدمة الشروع هو تصوره بالرسم؛ أي بأعراضه فالأولى أن لو اقتصر على الرسم.
قوله: (وَيَعْرِفُ مَوْضُوعَهُ بقى مما يطلب معرفته في مقدمة الشروع ستة: الواضع، والاسم، وحكم الشارع وتصور المسائل، والفضيلة، والنسبة فالأربعة التي في الشرح تكفل ببيانها.
وأما بيان الستة فواضعه الإمام أبو حنيفة ولا الله واسمه «الفقه» وحكم الشارع فيه وجوب تحصيل المكلف ما لا بد منه إلى آخر ما ذكره الشارح بعد
الجزء 1 · صفحة 71
وَغَايَتِهِ وَاسْتِمْدَادِهِ، فَالفِقْهُ لُغَةٌ: العِلْمُ بِالشَّيء، ثُمَّ خُصَّ بِعِلم الشَّرِيعَةِ، وَفَقِهَ بِالكَسْرِ
فِقْهَا: عَلِمَ، وَفَقُهَ بِالضَّم فَقَاهَة: صَارَ فَقِيها وَإِصْطِلَاحَا عِنْدَ الأُصُولِيِّين: العِلْمُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
في قوله: واعلم أن ... إلخ، ومسائله كل جملة موضوعها فعل المكلف، و محمولها أحد الأحكام الخمسة نحو هذا الفعل واجب مثلاً والفضيلة كونه أفضل العلوم سوى الكلام والتفسير والحديث وأصول الفقه والنسبة هو إصلاح الظاهر كنسبة العقائد والتصوف إصلاح الباطن، انتهى حلبي.
قوله: (وَغَايَتِهِ وَاسْتِمْدَادِهِ) وإنما حق بيان هذه الأشياء؛ ليكون الطالب على بصيرة، انتهى «بحر) قوله: (العِلْمُ بِالشَّيء) كذا نقله صاحب «البحر» عن ضياء الحلوم، وأصرح منه ما نقله بقوله: فالفقه لغة الفهم تقول منه فقه الرجل بالكسر وفلان لا يفقه وأفقهتك الشيء، ثم خص بعلم الشريعة، انتهى ونقله عن الصحاح.
قوله: (بِعِلم الشَّرِيعَة) الباء داخلة على المقصور عليه قوله: (وَفَقُهَ بِالضَّمِ) أي: ضم القاف، قال صاحب البحر»: والحاصل أن الفقه اللغوي مكسور القاف في الماضي والإصطلاحي مضمومها فيه كما صرح به الكرماني انتهى، ويفهم من البحر» فرق آخر هو أن مصدر المكسور فقها وفقه وفقهانًا، ومصدر المضموم فقاهة فقط.
قوله: (العِلْمُ ... إلخ) اعترض بأن التعريف عين المعرف فيلزم عليه تعريف الشيء بنفسه، وأجيب بالفرق بالإجمال والتفصيل، فدلالة الحد على أجزاء الماهية بطريق التفصيل ودلالة لمحدود عليها بطريق الإجمال نقله أبو السعود عن الرهاوي.
قوله: (العِلْمُ) هو مقابل للظن عند الأصوليين وهو الذي جزم به السعد في شرح العقائد» آخرًا، وإذا علمت ذلك، فقوله: العلم منظور فيه ووجهه أن الفقه ظني؛ لأن أدلته ظنية فلا يصح الحكم عليه بأنه علم، وأجيب بأنه لما كان ظن المجتهد موجبًا عليه وعلى مقلديه العمل بمقتضاه كان لقوته بهذا
الجزء 1 · صفحة 72
بالأحكام الشَّرْعِيَّة الفَرْعِيَّة المكْتَسَب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الاعتبار قريبًا من العلم، فعبر بالعلم عن الظن تجوزًا وتعقب هذا الجواب بأن فيه ارتكاب مجاز دون قرينة؛ فالأولى ما ذكره في التحرير من ذكر التصديق الشامل للعلم والظن بدل العلم ذكره في البحر» ويؤخذ من كلام المحشي الجواب، وهو أن إطلاق العلم على الظن شاع حتى صار حقيقة عرفية فالتعريف مبني عليه، وأطلق العلم على الظن؛ لأنه قريب منه ومجاور له مجاورة معنوية فالعلامة المجاورة المعنوية.
قوله: (بالأحكام المراد بها: المجموع من النسب، والمراد بعلم النسب الملكة التي يقتدر بها على إدراكها وإطلاق العلم عليها شائع، كما نقله في «البحر» عن التلويح وليس المراد بالأحكام التصديقات؛ لأنها علوم فينحل المعنى حينئذ العلم بالعلوم الشرعية، وليس المراد أيضًا بالحكم هنا: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين طالبًا جازمًا، أو غير جازم، أو طلب الترك جازمًا، أو غير جازم، أو التخيير كالإيجاب والندب والتحريم والكراهة والإباحة؛ لأنه لو أريد ذلك لكان قوله: الشرعية ضائعًا فهمها من الحكم الذي هو الخطاب المذكور؛ لأنه لا يكون إلا شرعيًا، وإنما قيد العلم بكونه بالأحكام لإخراج العلم بالذوات والصفات والأفعال.
قوله: (الشَّرْعِيَّة) قيد بها لإخراج الأحكام المأخوذة من العقل كالعلم بأن العلم حادث والمأخوذة من الحس كالعلم بأن النار محرقة، والمأخوذة من الاصطلاح كالعلم بأن الفاعل مرفوع، انتهى حلبي.
قوله: (الفَرْعِيَّة) عدل عن قول النسفي وغيره العملية لما أورد عليه أنه إن أراد بالعمل عمل الجوارح فالتعريف غير جامع، إذ يخرج عنه العلم بوجوب النية وتحريم الزنا ونحو ذلك، وإن أريد ما يعم عمل القلب وعمل الجوارح فالتعريف غير مانع إذ يدخل فيه جميع الاعتقاديات، فمن عدل عن ذكر العملية إلى الفرعية لم يتوجه عليه الإيراد أصلاً، انتهى قوله: (المكْتَسَب) صفة للعلم ومعنى المكتسب المتحصل من الأدلة.
الجزء 1 · صفحة 73
مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلية وَعِنْدَ الفُقَهَاءِ حِفْظُ الفُرُوعِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مِنْ) أَدِلَّتِهَا شمل الدلائل الأربعة الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، ومعنى حصول العلم من الدليل أنه ينظر في الدليل، فيعلم منه الحكم فيخرج بذلك علم المقلد فعلمه، وإن كان مستندًا إلى قول المجتهد المستند إلى علمه المستند إلى دليل الحكم، لكنه لم يحصل من النظر في الدليل، وإذا علمت أن التقييد بالمكتسب لإخراج المقلد تعلم ضعف ما ذكره بعضهم من أن التقييد به للبيان لا للاحتراز.
قوله: (التَّفْصِيلية) قال الكمال في تحريره: تصريح بما علم التزاما وبيانه كما في «جمع الجوامع أن اكتساب الأحكام لا يكون من غير أدلتها التفصيلية، انتهى أبو السعود.
تنبيه:
خرج بقوله: من أدلتها أيضًا المفيد للاستدلال العلم الحاصل بالضرورة كعلم جبريل والرسول - عليهما السلام - فإنه لا يسمى فقها، ولم يذكر علم الله تعالى؛ لأنه لا يوصف بضرورة ولا استدلال واختلف في علم النبي صلى الله عليه وسلم الحاصل عن اجتهاد هل يسمى فقها؟ والظاهر أنه باعتبار أنه دليل شرعي للحكم لا يسمى فقها وباعتبار حصوله عن دليل شرعي يصح أن فقها يسمى اصطلاحًا، انتهى بحر».
يؤخذ من التعريف أن الفقيه عند الأصوليين لا يطلق حقيقة إلا على المجتهد ونحوه.
قوله: (حِفْظُ الفُرُوعِ) فلو وقف على الفقهاء فالمراد من حصل من علم الفقة شيئًا، وإن قل ولو وقف على المتفقهة، فالمشتغل به قاله في «الروض: فإطلاق الفقية على المقلد الحافظ للمسائل حقيقة عندهم بدليل انصراف الوقف والوصية للفقهاء إليه وسواء كان يحفظ الفروع بدلائلها أو لا، قال في «التحرير»: أن الشائع إطلاقه على من يحفظ الفروع مطلقا سواء كانت بدلائلها
الجزء 1 · صفحة 74
وَأَقَلُّه ثَلَاث {. قال المصنف: [وَعِنْدَ أَهْلِ الحَقِيقَة: الجَمْعُ بَيْنَ العِلْمِ وَالعَمَلِ لِقَوْلِ الحَسَن البَصْرِي: إِنَّمَا الفَقِيه المعْرِضِ عَنِ الدُّنْيَا الزَّاهِد فِي الآخِرَة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أولا، انتهى «بحر».
والمراد بالمقلد هنا: هو الذي لم يبلغ درجة الاجتهاد لا العامي كذا ذكره شيخنا انتهى أبو السعود، ولكن أنت خبير بأن العامي إذا كان يحفظ ثلاثة فروع قيل له فقيه بدليل ما ذكره الشارح بعد.
قوله: (وَأَقَلُّه) أي: الحفظ بمعنى المحفوظ قوله: (بثَلاث) أي: ثلاثة فروع، قال في المنتقى وأقله ثلاثة أحكام، انتهى بحر»، ومنه يستفاد أنه إذا كان يحفظ فروض الوضوء وإن جاهلاً بما عداها يقال له فقيه وإن فسق بترك ما يجب تعلمه غير الوضوء، قال المصنف مع الشارح» في باب الوصية للأقارب وغيرهم أوصى بثلث ماله إلى الفقهاء دخل فيها من يدقق النظر في المسائل الشرعية، وإن علم ثلاث مسائل مع أدلتها، كذا أدلتها، كذا في «القنية» حتى قيل من حفظ ألوفًا من المسائل لم يدخل تحت الوصية.
قال الشارح: قوله: (وَعِنْدَ أَهْل الحَقِيقَة الحقيقة لب الشرعية وليست الحقيقة خارجة عن الشرعية ولا الشرعية خارجة عن الحقيقة، ومن ادعى ذلك يخشى عليه الكفر.
قوله: (البَصْرِي) من كبار التابعين الا الله ومناقبه شهيرة وفضائله كثيرة قوله: (إِنَّما الفَقِيه) صدر كلامه هل رأيت فقيها قط كما في البحر» قوله: (المعرض عَنِ الدُّنْيَا) أي: عن لذاتها وكثير حلالها قوله: (الزَّاهِد فِي الآخِرَة) لم تكن عبادته لقصد النعيم فيها بل هو زاهد في نعيمها وإنما عبد الله لذاته لا خوفا من ناره، ولا طمعًا في جنته وهؤلاء إذا طلبوا الجنة يكون طلبهم لا للتلذذ بل لرؤية الحق تبارك وتعالى، كما قال بعضهم:
ليس قصدي من الجنان نعيما غير أني أريدها لأراك
الجزء 1 · صفحة 75
البَصِيرُ بِعيُوب نَفْسِه وَمَوْضُوعَهُ: فِعْلُ المَكَلَّفِ ثُبُوتاً أَو سَلْباً، وَاسْتِمْدَاده مِنَ الكِتاب وَالسُّنَّة وَالإِجْمَاع
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (البَصِيرُ بِعيُوب نَفْسِه الخفية والظاهرة من سمعة ورياء وحب رياسة وعجب، وإذا كان بصيرًا بها دفعها عنها؛ لأن البصير لا يستقر على المعايب والزلات وخصت النفس لكونها محل الشرور.
قوله: (تُبُوتاً) كصحة وافتراض أو سلبًا كليس بصحيح، وليس بفرض ونحو ذلك من حل وحرمة ووجوب وندب ففعل غير المكلف ليس من موضوعه، وضمان المتلفات ونفقة الزوجات عليه.
إنما يخاطب بأدائها الولي لا الصبي والمجنون كما يخاطب صاحب البهيمة بضمان ما أتلفته حيث فرط في حفظها، فينزل فعلها في هذه الحالة منزلة فعله، وأما صحة عبادة الصبي كصلاته وصومه المثاب عليهما، فهي عقلية من باب ربط الأحكام بالأسباب، ولهذا لم يكن مخاطبًا بها، بل ليعتادها فلا يتركها بعد بلوغه إن شاء الله تعالى وقيدنا بحيثية التكليف؛ لأن فعل المكلف لا من حيث التكليف ليس من موضوعه كفعله من حيث أنه مخلوق لله تعالى.
ولا يرد عليه الفعل المباح والمندوب لعدم التكليف فيهما؛ لأن اعتبار حيثية التكليف أعم من أن تكون بحسب الثبوت كما في الوجوب والتحريم، أو بحسب السلب كما في بقية الأحكام فإن تجويز الفعل أو الترك يرفع الكلفة عن العبد، انتهى بحر».
قوله: (وَاسْتِمْدَاده) السين والتاء زائدتان؛ أي ومأخذه «بحر» قوله: (مِنَ الكِتاب وشريعة من قبلنا تابعة للكتاب قوله: (وَالسُّنَّة) أقواله وأفعاله وتقريراته، وأما أقوال الصحابة فتابعة للسنة «بحر».
قوله: (وَالإِجْمَاع) أي: إجماع من يعتد بإجماعه نحو الصحابة ـ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - وأما تعامل الناس فتابع للإجماع، كأن يقول لصانع
الجزء 1 · صفحة 76
وَالقِيَاسِ، وَغَايَتُهُ الفَوْز بِسَعَادَةِ الدَّارَيْن]. قال المصنف: [وَأَمَّا فَضْلَهُ
الخفاف: أصنع من مالك خفّا من هذا الجنس بهذه الصفة بكذا بأجل شهرًا مثلاً، فهو سلم وبدون الأجل يصح استحسانًا للإجماع الثابت بالتعامل، انتهى أبو السعود.
قوله: (وَالقِيَاس) ويتبعه التحري واستصحاب الحال، والمراد بالقياس: القياس المستنبط من الثلاثة مثال القياس المستنبط من الكتاب، قياس حرمة اللواطة على حرمة الوطء في حالة الحيض الثابتة بقوله تعالى: قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: ???] والعلة هي: الإيذاء.
وأما القياس المستنبط من السنة: فكقياس حرمة قفيز من الحمص بقفيزين منه، على حرمة قفيز من الحنطة بقفيزين منها الثابتة بقوله للهلال: «الحنطة بالحنطة مثلاً بمثل يدا بيد والفضل ربًا (?) بناء على أن العلة هي: الجنس والقدر.
وأما المستنبط بالإجماع فأوردوا لنظيره قياس الوطء الحرام على الحلال في حرمة المصاهرة، كقياس حرمة وطء أم المزنيّة على حرمة وطء أم أمته التي وطئها، والحرمة في: المقيس عليه ثابتة بالإجماع ولا نص فيه، بل النص ورد في أمهات النساء من غير اشتراط الوطء كما في شرح التنقيح» أبو السعود.
قوله: (وَغَايَتُهُ):أي: ثمرته والعلة الغائية المترتبة عليه قوله: (الفَوْز) أي: الظفر قوله: (بِسَعَادَةِ الدَّارَيْن) أي: الدنيا بنفع الخلق وعلو المرتبة وحياته وموت غيره كما قال: الناس موتى وأهل العلم أحياء، وفي الآخرة بالشفاعة فيمن أحب، وبالنظر إلى وجهه الكريم والخلود في المقيم العظيم.
قال الشارح: قوله: (وَأَمَّا فَضْلَهُ) أي: الفقه ورد في الحديث الشريف: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم إن الله وملائكته وأهل الأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر
الجزء 1 · صفحة 77
فَكَثِيرٍ شَهِيرٍ، وَمِنْهُ مَا فِي الخُلَاصَة) وَغَيْرِها: النَّظَرُ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا مِنْ غَيْرِ سَمَاع أَفْضَل مِن قِيَام الليْلَ، وَتَعَلُّم الفِقْه أَفْضَل مِن تَعَلَّم بَاقِي القُرْآن، وَجَمِيعُ الفِقْه
لَا بُدَّ مِنْه]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يصلون على معلم الناس الخير».
قوله: (فَكَثِير شَهير) لأنه وسيلة إلى البر والتقوى الذي يستحق به الكرامة عند الله تعالى والسعادة الأبدية، انتهى تعليم المتعلم قوله: (وَمِنْهُ) أي: من الفضل قوله: (النَّظَرُ) أي: بالبصر قوله: (فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا) أي: أصحاب؛ أي: أصحاب المذهب، والمراد كتب الفقه قوله: (مِنْ غَيْرِ سَمَاع) أي: من المعلم فالسامع أولى بهذا القدر، حلبي.
قوله: (أَفْضَل مِن قِيَام الليل وذلك لأنه ربما كان على خطأ فلا ثمرة فيه بخلاف النظر فيعقبه معرفة الأحكام وهل يشترط الفهم مع النظر يحرر قوله: (وَتَعَلُّم الفِقْه) المراد ما زاد على قدر حاجته لنفع غيره، والذي يكون بقدر الحاجة فرض عين.
قوله: (أَفْضَل مِن تَعَلَّم ... إلخ) لأن تعلم الفقه حينئذ فرض كفاية، وتعلم القرآن سنة، والفرض أفضل من السنة، وفيه نظر فإن حفظ القرآن بتمامه فرض كفاية، أو لأن الفقه يحتاج إلى جميعه لحدوث الوقائع في كل باب منه بخلاف القرآن، فالفرض فيه آية والواجب الفاتحة وثلاث آيات
قوله: (وَجَمِيعُ الفِقْه لَا بُدَّ مِنْه) أي: ولو على سبيل الكفاية؛ أي: بخلاف القرآن فإنه لا يفترض تعليم جميعه كالفقه، ولا كفاية وفيه ما قدمناه قوله: (لا بد) أي: لا غنى، وبد لا تستعمل إلا منفية، بلا، والمعنى أن الفقه بأنواعه لا بد منه للناس فيفترض معرفة الطهارة والصلاة والصوم عموما، ومعرفة الزكاة، والحج والنكاح والطلاق والعتاق والإيمان لمن ابتلي بها وهكذا جميعه بخلاف القرآن.
الجزء 1 · صفحة 78
قال المصنف: [وَفِي المُلْتَقَط وَغَيره عَنْ مُحَمَّد لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُل أَنْ يَعْرِفَ بِالشِّعْرِ وَالنَّحْو لِأَنَّ آخِرِ أَمْرِهِ إِلَى المَسْأَلَة وَتَعْلَيم الصبيان، وَلَا بِالحِسَابِ، لِأَنَّ آخِر أَمْرِه إِلَى مَسَاحَةِ الأَرَضِين، وَلَا بِالتَّفْسِير، لأنَّ آخِر أَمره التَّذْكِيرِ وَالقَصَصِ، بَلْ يَكُونَ عِلْمُه فِي الحَلَال وَالحَرَامِ، وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنَ الْأَحْكَامِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قال الشارح قوله: (أَنْ يَعْرفَ بِالشِّعْرِ) أي: يشتهر به قوله: (إلى المسألة) أي: السؤال من الناس بأن يمدح من لا يستحق المدح للدنيا الفانية، وقد يدم من لا يستحق الذم لعدمها، قال تعالى: {وَالشُّعَرَاهُ يَتَّبِعُهُمُ الْعَادُونَ الله أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} [الشعراء (224) - (225)] أي: في كل واد من أودية الكلام ويهيمون.
قوله: (وَتَعْليم الصبيان) أي: هذا العلم بالأجرة قوله: (وَلَا بِالحِسَاب) أي: ولا بعلم الحساب الذي هو العلم المشهور الهوائي والغباري قوله: (أمره) أي: أمر المشتهر بذلك قوله: (مَسَاحَة) أي: أن يكون مساحا للأرضين؛ لأن المساحة أكثر ما تحتاج إلى الضرب والحساب فيقدم فيها الأعرف قوله: (التَّذْكِيرِ) أي: الوعظ قوله: (وَالقَصَص) قال الحلبي: الأنسب أن يكون بفتح القاف ليكون عطفه على التذكير عطف مصدر على مصدر، وإن جاز أن يكون بكسرها جمع) قصة.
قوله: (بَلْ يَكُون عِلْمُه) أي: معظم علمه فلا ينافي أن معرفة طرف من العلوم للتوصل لفهم السنة والكتاب مطلوب ويثاب عليه إن حسنت نيته قوله: (في الحَلَال) أي: في تعلم الحلال والحرام، واقتصر على التصريح بهما مع أن الأحكام خمسة؛ لأنهما ركناها ومعظمها أو لأن الباقي يرجع إليهما، وأدخل باقي الأحكام بقوله: وما لا بد منه من الأحكام.
قوله: (مِنَ الأحكام) بيان لما ذكر السيوطي في تبييض الصحيفة في مناقب الإمام أبي حنيفة ما نصه روى الخطيب في تاريخه» عن أبي يوسف قال: قال أبو حنيفة لما أردت طلب العلم جعلت أتخير العلوم، وأسأل عواقبها، فقيل لي: تعلم القرآن فقلت: لعله إذا تعلمت القرآن وحفظته فما
الجزء 1 · صفحة 79
كَمَا قيل:
إِذَا مَا اعْتَزَّذُوعِلْمٍ بِعِلْمٍ ... فَعِلْمُ الفِقْهِ أَوْلَى بِاعْتِزَاز
فَكَم طِيْب يَفُوحٍ وَلَا كَمِسْك ... وَكَم طَيْر يَطِيرُ وَلَا كَبَازِ
يكون آخره، قالوا: تجلس في المجلس ويقرأ عليك الصبيان والأحداث ثم لا تلبث أن يخرج منهم من هو أحفظ منك أو من يساويك فتذهب رياستك.
قلت: فإن سمعت الحديث وكتبته حتى لم يكن في الدنيا أحفظ مني، قالوا: إذا كبرت حدثت واجتمع عليك الأحداث والصبيان، ثم لم تأمن أن تغلط فيرمونك بالكذب، فيصير عارًا عليك في عقبك، قلت: لا حاجة لي في هذا، ثم قلت: أتعلم النحو؟ فقلت: إذا تعلمت النحو والعربية ما يكون آخر أمري.
قالوا: معلمًا فأكثر رزقك ديناران إلى ثلاثة قلت وهذا العاقبة له، قلت: فإن نظرت في الشعر فلم يكن أشعر مني ما يكون أمري؟ قالوا تمدح هذا، فيهب لك أو يحملك على دابة، أو يخلع عليك خلعة، وإن حرمك هجوته فصرت تقذف المحصنات فقلت: لا حاجة لي في هذا.
فقلت: فإن نظرت في الكلام ما يكون آخره قالوا: لا يسلم من نظر في الكلام من مشعات، الکلام فيرمي بالزندقة قلت: فإن تعلمت الفقه؟ قالوا: تسأل وتفتي الناس وتطلب لقضاء وإن كنت سائمًا، قلت: ليس لي في العلوم أنفع من هذا، فلزمت الفقه وتعلمته، انتهى.
قوله: (كَمَا قِيْل) الكاف للتعليل؛ لقوله: بل يكون علمه .. إلخ، كما في قوله: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنَكُمْ} [البقرة: ???] قوله: (مَا اعْتَزَ) ما زائدة واعتز بمعنى افتخر قوله: (بِعِلْم) أي: بسبب علمه الذي حصله وهذا عام قوله: (فَعِلْمُ) الجملة جواب إذا قوله: (أَوْلَى) أي: أحق وأجدر.
قوله: (بِاعْتِزَاز) أي باعتزاز صاحبه به قوله: (فَكم) كم للتكثير وشبه العلوم بالطيب وهو تشبيه حسن قوله: (يَفُوح) أي: يعبق قوله: (وَلَا كَمِسْك) لا داخلة على محذوف والكاف في محل نصب نعت لمصدر مقدر والتقدير ولا
الجزء 1 · صفحة 80
قال المصنف: [وَقَدْ مَدَحَهُ الله تَعَالَى بِتَسْمِيَتِه خَيْرًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: (269)] وَقَدْ فَسَّر الحِكْمَة زُمْرَةَ أَرْبَابٍ التَّفْسِير بِعِلْم الفِقهِ الَّذِي هُوَ: عِلْمُ الفُرُوعِ، وَمِنْ هُنَا قيل:
وَخَيْرُ عُلُوْمِ عِلْمُ فِقْهِ لِأَنَّه يَكُون إِلَى كُلِّ المَعَالِي تَوَسَّلا
فَإِنَّ فَقِيها وَاحِدًا مُتَوَرِّعا عَلَى أَلْفِ ذِي زُهْدٍ تَفَضَّلَ وَاعْتَلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يفوح ذلك الطيب فوحانًا كفوحان المسك، بل المسك أشد فوحانًا وقد شبه الفقه بالمسك. قوله: (وَلَا كَبَازِ) أي: ولا يطير طيرانًا كطيران البازي، بل هو أشد وذكر بعضهم أن العقاب أشد طيرانًا؛ لأنه قد يقطع مسافة الدنيا في يوم واحد هو حادّ البصر لا يطيق الرائحة الطيبة ينظر الجيفة من مسافة أربعمائة ميل، وأنشد بعضم في مدح الفقه قول:
الفِقْهُ أَفْضَلَ شَيْءٍ أَنْتَ ذَاخِرُه مَنْ يَدْرُس الفِقْهِ لَمْ تَدْرُس مَفَاخِرَه
فَأَجْهِدَ لِنَفْسِكَ مَا أَصْبَحْتَ تَجْهَلُه فَأَوَّلُ العِلْمِ إِقْبَالِ وَآخِرُه
وكفى بلذة العلم والفقه والفهم داعيًا وباعثًا للعاقل، انتهى من التعليم. قال الشارح: قوله: (بِقَوْلِهِ) بدل من قوله: بتسميته، أو متعلق بقوله: بتسميته والأولى بوصفه بأنه خير كثير، انتهى.
قوله: (وَمِنْ هُنَا) أي: من مدح الله إياه حيث سماه خيرًا قوله: (وَخَيْرُ علوم خبره مقدم وعلم فقه مبتدأ مؤخر قوله: (إِلَى كُلِّ المَعَالِي) متعلق بتوسلاً، والمعالي المراتب العالية جمع معلاة محل العلو، وفي نسخة العلوم ولا يظهر؛ لأنه ليس وسيلة لها قوله: (تَوَصَّلا) أي وسيلة ووصلة وذلك لأنه به سعادة الدارين.
قوله: (فَإِنَّ فَقِيها) علة لقوله: لأنه يكون فهو علة للعلة قوله: (مُتَوَرِّعا) أي: متجنبًا لبعض الحلال خوف الوقوع في الشبهات، والمتقي من اتقى الشبهات خوف الوقوع في الحرام والعلم ولا ينفع إلا مع الورع، روى بعضهم
الجزء 1 · صفحة 81
حديثا في هذا الباب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من لم يتورع في تعلمه ابتلاه الله تعالى بأحد ثلاثة أشياء: إما أن يميته في شبابه أو يوقعه في الرساتيق أو يبتليه بخدمة السلطان "فمهما كان طالب العلم أورع كان علمه أنفع والتعلم له أيسر الفوائد له أكثر.
ومن الورع أن يتحرز عن الشبع، وكثرة النوم، وكثرة الكلام فيما لا ينفع، وأن يتحرز عن أكل طعام السوق إن أمكن؛ لأن طعام السوق أقرب إلى النجاسة والخباثة وأبعد عن ذكر الله تعالى وأقرب إلى الغفلة؛ ولأن أبصار الفقراء تقع عليه ولا يقدرون على الشراء، فيتأذون بذلك فتذهب بركته.
ومن الورع أن يتحرز عن الغيبة وعن مجالسة المكثار، فإن من يكثر الكلام معك يسرق عمرك ويضيع أوقاتك، ومن الورع أن يتجنب أهل المعاصي والفساد والتعطيل، فإن المجاورة مؤثرة لا محالة، وأن يجلس مستقبل القبلة وأن يكون مستنا بسنة النبي انتهى من تعليم المتعلم.
قوله: (عَلَى أَلْفِ) متعلق بقوله: اعتلى ويقدر نظيره لتفضل قوله: (ذي زُهْدٍ)؛ أي: صاحب زهد والإضافة فيه للجنس؛ أي على ألف من أصحاب الزهد والزهد في الشيء ضد الرغبة فيه كما في القاموس».
قوله: (تَفَضَّل) عبر بالتفعل إشارة إلى الكثرة، ومثله يقال في الاعتلاء؛ والمراد ألف مجردون من الفقه، وحينئذ لا معنى لتخصيص الألف بالذكر إلا
الجزء 1 · صفحة 82
وَهُمَا مَأْخُوْذَان مِمَّا قِيْلَ لِلْإِمَامِ مُحَمَّد الفَقِيه:
تَفَقَّهُ فَإِنَّ الفِقْهِ أَفْضَل قَائِد ... إِلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَأَعْدَل قَاصِد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أن يكون المقصود به المبالغة، ويحتمل أن المراد بالفقيه: المشتغل به أخذا وتدريسًا فيما هو من فروض الكفاية، أو المندوب منه إذا تصدى لنفع الخلق فإنه أفضل من الفقيه الزاهد المتجانب للخلق؛ لأن نفعه بزهده قاصر على نفسه ونفع الفقية متعد.
قوله: (وَهُمَا) أي: هذان البيتان قوله: (مَأْخُوْذَان) أي: معناهما مأخوذ مما قيل ... إلخ، والأخذ من البيت الأول والثالث ظاهر ووجهه من الثاني أن تخصيص الأمر بالاستفادة منه يدل على أنه خير العلوم وأفضلها قوله: (لِلْإِمَام) أي: خوطب به؛ لأن القول إذا تعدى باللام كان معناه الخطاب قوله: (مُحَمَّد) ابن الحسن تلميذ الإمام وعليه عمدة المذهب قوله: (تَفَقَّه) قبله كما في تعليم المتعلم.
تعلم فإن العلم زين لأهله ... وفضل وعنوان لكل المحامد
وبعده هذا البيت الثاني في الشرح وهو وكن مستفيدًا وبعده البيت الأول وهو تفقه ... إلخ وبعده.
هو العلم الهادي إلى سنن الهدى ... هو الحصن ينجي من جميع الشدائد
وبعده البيت الأخير فأنت ترى الشارح قد حذف من الأبيات وقدم وأخر والأمر سهل.
قوله: (قَائِد) أي: موصل قوله: (وَالتَّقْوَى) عطف تفسير؛ والمراد بالتقوى: ما يتقى به النار أو عطف خاص إن أريد بالبر الإحسان، فيصدق بالورع.
قوله: (وَأَعْدَل قَاصِد) القاصد القريب كما في «القاموس» أي: أعدل طريق مقرب إلى الله تعالى وإلى المقصود والقصد استقامة الطريق والاعتماد وضده الإفراط.
الجزء 1 · صفحة 83
وَكُنْ مُسْتَفِيدا كُلَّ يَوْمٍ زِيَادَة مِنَ الفِقْهِ وَاسْبَح فِي بُحُورِ الفَوَائِد
فَإِنَّ فَقِيْها وَاحِدًا مُتَوَرِّعًا أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِد
قال المصنف: [وَمِنْ كَلَامِ عَلِيٌّ:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يَوْم) المراد به القطعة من الزمان أو المراد به بياض النهار؛ لأنه لا ينبغي الانهماك في ذلك كل الانهماك حتى يؤدي إلى السأم قوله: (زِيَادَة) مصدر مراد به اسم المفعول؛ لأن الفائدة المزيد لا الزيادة، وإن تلازما قوله: مِنَ الفِقْهِ) متعلق بزيادة أو بمستفيدًا.
قوله: (وَاسْبَح) السباحة قطع الماء عوما شبّه الأخذ في أسباب الفوائد بالسباحة استعارة تصريحية، واشتق من السباحة اسبح بمعنى خذ في الأسباب قوله: (فِي بُحُور الفَوَائِد) من إضافة المشبه به إلى المشبه؛ أي: الفوائد التي كالبحور.
قوله: (فَإِنَّ فَقِيْها علة للجمل الثلاث قبله قوله: (مُتَوَرِّعًا) وفسر في «القاموس الورع بالتقوى ومما أنشد في الورع:
يا طالب العلم باشر الورع وجانب النوم واحذر الشبعا
وداوم الدرس لا تفارقه العلم بالدرس قام وارتفع
انتهى من التعليم قوله: (أَشَدُّ) أي: أقوى قوله: (عَلَى الشَّيْطَان) أل للجنس أو للعهد؛ والمراد: إبليس لعنه الله تعالى والشيطان من شاط؛ بمعنى احترق، أو من شطن؛ بمعنى بعد البعد غوره في الكفر والخبث.
قوله: (مِنْ أَلْفِ) متعلق بأشد؛ والمراد ألف عابد من غير فقه؛ لأن الشيطان يلعب بالعابد الجاهل حتى يفسد عبادته، ويظن أنه قد أحسن الصنع، بخلاف الفقيه المتورع فإنه قد عرف مكايد الشيطان وحيله وخدائعه، فيتجنبها ويجنبها الناس بتحذيره وهدايته.
قال الشارح: قوله: (وَمِنْ كَلَامِ عَلِيٌّ) خبر مقدم.
الجزء 1 · صفحة 84
مَا الفَضْلُ إِلَّا لِأَهْلِ العِلْمِ أَنَّهم عَلَى الهُدَى لِمَنِ اسْتَهْدَى أَدِلَّاءُ
وَوَزْنُ كُلِّ امْرِئٍ مَا كَانَ يُحْسِنُهُ وَالجَاهِلُونَ لِأَهْلِ العِلْمِ أَعْدَاءُ
وقوله: مَا الفَضْلُ ... إلخ مبتدأ مؤخر وهو معطوف على قوله: مما قيل للإمام محمد؛ أي: وهما مأخوذان من كلام علي أيضًا قوله: (ه) وتعبير البعض عنه بـ كرم الله وجهه - لأن ذلك الوجه الشريف لم يسجد لصنم قط، أو ثمان على ما قيل وهو أول من أسلم من الصبيان بل أسلم وهو ابن سبع قوله: (مَا الفَضْلُ: أي: الزيادة في مراتب الخير والترقي.
قوله: (إِلَّا لِأَهْلِ العِلْم) أي: العلم المخصوص، وهو علم الحلال والحرام، فأل للعهد ويؤخذ ذلك من قرينة المقام، ودليله قوله: أنهم على الهدى وهذا الوصف في الفقهاء أكثر من غيرهم قوله: (أَنَّهم) بفتح الهمزة على ... حذف لام العلة؛ أي: لأنهم أو جملة استئنافية والمقصود منها التعليل.
قوله: (عَلَى الهُدَى) متعلق بأدلاء وكذا قوله: لمن استهدى، والمراد بالهدى المهتدى به، فالمراد به اسم المفعول: أي: أنهم أدلاء على الأحكام التي يهتدى بها؛ والمراد بالهدى الإيصال إلى سبيل الخير؛ والمراد أنهم يدلونه على أسبابه.
قوله: (اسْتَهْدَى) السين والتاء للطلب؛ أي طلب الهداية بمعنى الدلالة قوله: (وَوَزْنُ) أي: قدر كل امرئ أي حسنه بما كان يحسنه أفاده البيضاوي، فقدر الصانع على مقدار حسن صناعته ومن أحسن علوم الآداب فقدره على قدرها ومن أحسن علم الفقه فقدره عظيم لعظمه الحاصل أن من أحسن شيئًا ما فقامه على قدره.
قوله: (وَالجَاهِلُون) مبتدأ، وأعداء، خبر، ولأهل العلم متعلق بأعداء، قال في تعليم المتعلم: أنشدنا الشيخ الإمام ظهير الدين مفتي الأئمة حسن بن علي المعروف بالمرغيناني - رحمه الله تعالى - شعرا:
الجاهلون فموتي قبل موتهم والعالمون فإن ماتوا فأحياء
الجزء 1 · صفحة 85
فَفُرْ بِعِلْمٍ وَلَا تَجْهَل بِهِ أَبَدَا ... النَّاسُ مَوْتَى وَأَهْلُ العِلْمِ أَحْيَاءُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الشاعر - رحمه الله تعالى:
أخو العلم حي خالد بعد موته ... وأوصاله تحت التراب رميم
وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى ... يظن من الأحياء وهو عديم
وقال آخر:
أرى الجهل قبل الموت موتًا لأهله وأجسامهم قبل القبور قبور
وإن امرأ لم يحي بالعلم ميت فليس له حين النشور نشور
وسبب العداوة من الجاهل عدم معرفة الحق، إذا أفتى عليه أو رأى منه ما يخالف رأيه ورؤية إقبال الناس عليه قوله: (بِعِلم) التنوين للتعظيم وهو العلم المعهود.
قوله: (وَلَا تَجْهَل بِهِ) من جملة الجهل به تعاطي أسباب الجهل والنسيان کالکسل، ويتولد الكسل من كثرة البلغم وكثرة البلغم من كثرة شرب الماء، وكثرة شرب الماء من كثرة الأكل والخبز اليابس يقطع البلغم، وكذلك أكل الزبيب على الريق ولا يكثر منه حتى لا يحتاج إلى شرب الماء فيزيد البلغم، والسواك يقلل البلغم ويزيد في الحفظ والفصاحة فإنه سنة سنية يزيد في ثواب الصلاة وقراءة، القرآن وكذا القيء يقلل البلغم والرطوبات، وطريق تقليل الأكل التأمل في منافع قلة الأكل وهو الصحة والعفة والإيثار شعر:
فعار ثم عار ثم عار ثم عار ... سقام المرء من أجل الطعام
ويبغض الله تعالى الأكول ومما يورث النسيان المعاصي، وكثرة الذنوب، والهموم والأحزان في أمور الدنيا، وكثرة الاشتغال، والعلائق، وأكل الكزبرة الخضراء أو التفاح الحامض، والنظر إلى المصلوب، وقراءة ألواح القبور، والمرور بين قطار الجمال، وإلقاء القمل الحي على الأرض، والحجامة على نقرة القفا.
ومما يورث الحفظ الجد والمواظبة، وتقليل الغذاء، وصلاة الليل،
الجزء 1 · صفحة 86
وقراءة القرآن نظرًا وهي أفضل من الغيب لقوله صلى الله عليه وسلم: أفضل أعمال أمتي قراءة القرآن» نظرا لكونها جمعت بين عبادتين القراءة والنظر في السطور، ولعل محل ذلك ما إذا تساوت القراءة غيبًا حضورًا في الخشوع والحفظ، والكثرة، أما لو كانت القراءة بالغيب أكثر وحضوراً أو حفظا أو قراءة فهي أفضل، وليراجع ومما يورثه أيضًا كثرة الصلاة على النبي الله وشرب العسل، وأكل الكندر مع السكر، وأكل إحدى وعشرين زبيبة حمراء كل يوم على الريق يورث الحفظ ويشفي من كثير من الأمراض والأسقام وكل ما قلل البلغم والرطوبات فإنه يزيد في الحفظ، انتهى تعليم المتعلم.
ويحتمل أن قوله: ولا تجهل به أي لا تتعاطى أسباب الجهل معه، فالباء للمصاحبة فيكون حثًا على التقوى، فأمره بالفوز بالعلم وبأن يلزم معه التقوى، ولا يفعل أفعال الجهال فإنه حينئذ يكون عمله وبالاً عليه، وندامة وحسرة، فإن ذنب العالم عظيم.
قوله: (النَّاسُ مَوْتَى) أي: كالموتى؛ أي لا يعتد بهم لعدم نفعهم وإنما عبر بالناس إشارة إلى أن أهل العلم لاسيما العاملون بالنسبة إلى الناس قليل جدا؛ والمراد بالناس العوام؛ ولذلك قال الإمام محمد بن الحسن: لو كان العوام كلهم عبيدي لأعتقتهم ونزلت عن ولائهم.
قوله: (أَحْيَاءُ) أي: ينتفع بحياتهم فوجودهم رحمة ونور كيف لا وهم ورثة الأنبياء، واعلم أن طالب العلم لا ينال العلم ولا ينتفع به إلا بتعظيم العلم وأهله وتعظيم الأستاذ وتوقيره، وقيل: ما وصل من وصل إلا بالحرمة، وما سقط من سقط إلا بترك الحرمة.
قال علي: «أنا عبد من علمني حرفًا إن شاء باع، وإن شاء أعتق». ويحكى عن الخليفة هارون الرشيد أنه بعث ابنه إلى الأصمعي ليعلمه