الجزء 1 · صفحة 7
الكفاية في شرح الهداية
تأليف الإمام جلال الدين بن شمس الدين الكر لاني الخوارزمي الحنفي
المتوفى سنة (767) هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
الجزء الأول
الطَّهَارَاتِ - الصلاة
(خطبة الشارح)
الحمد لله الذي أسس على قواعد الكتاب والسنة مبادي الدين والإسلام، وشيد بالبراهين الواضحة والحجج القاطعة أركان الشرع والأحكام، وبعث إلى عباده رسلاً وأنبياء عليهم السلام للهداية والإرشاد، وأخلفهم علماء في إظهار شعائر الملة وإطفاء ناثرة الزيغ والإلحاد، ليستفرغوا مجهودهم في إعلاء كلمة الحق ورفع منار الدين ويستنفذوا وسعهم في إحياء سنة سيد الأنبياء والمرسلين، محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين، وعلى عترته وخلفائه الراشدين، وصحابته ومن تابعهم إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.
وبعد: فإن الكتب الجامعة في الفقه للأصول والفروع، المنطوية على لطائف نكت المعقول والمسموع، كثيرة لا يُحيط بها الغاية والحد، وجمة لا يستوعبها الإحصاء والحد، غير أن كتاب الهداية من بينها أجمع مصنف لأصول الواقعات وأمهات المسائل، وأحوى مجلد لعيون الرواية ومتون الدلائل، ثم إنه وإن كان شرحًا للبداية كاشفاً لمشكلاته، موضحًا لمعضلاته، إلا أن فيه غوامض أسرار محتجبة وراء
أستار، لا يكشف عنها من تحارير العلماء إلا من أوتي كمال التيقظ في التحقيق، وأكرم في استخراج بدائع الفقه ومحاسن النكت بالعناية الأزلية والتوفيق، والمحققون من مشايخنا شكر الله مساعيهم جمعوا له فوائد ترفع عنه الحجاب، وتكشف عن وجهه النقاب، غير أن بعضها في غاية الاختصار غير وافي لما في الكتاب، وبعضها قد جرى فيه نوع من الإطناب، فاقترح علي أن أجمع فيها ما يمس الحاجة إليه، وأنتخب ما هو الموثوق من بينها والمعول عليه، فأجبت إلى ذلك مستعينا بالله وهو المستعان في كل الأمور، ومحتسبا إياه فيما أزاوله وهو العليم بما في الصدور، وحين انتهى المجموع كافلاً بإيضاح ما استبهم في الهداية وأشكل، وكافيًا بما استصحبه جميع ما في الشروح من الأخصر والأطول، سميته الكفاية في شرح الهداية» أسأل الله تعالى أن يوفقني لمزيد العلم والعبادة، وأن يكرمني بحسن العاقبة فيختم لي بالخير والسعادة، إنه الميسر لكل عسير، وهو على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.
@
الجزء 1 · صفحة 9
(خُطْبَةُ المُصَنِّفِ)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْلَى مَعَالِمَ العِلْمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(شرح خطبة المصنف)
قوله: الحَمْدُ لله، الحمد هو الثناء على الجميل من نعمة وغيرها، يقال حمدت الرجل على انعامه وحمدته على حسنه وشجاعته، والتعريف فيه قيل هو نحو التعريف في أرسلها العراك وهو تعريف الجنس ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من أن الحمد ما هو والعراك ما هو من بين أجناس الأفعال، وقيل الاستغراق أي جميع المحامد لله تعالى والاختلاف معروف، وإنما خص إضافة الحمد إلى هذا الاسم لأنه يدل على غيره لأن الله اسم للموجود الحي الجامع لصفات الألوهية فيكون ذكره ذكر الصفات كلها معنى ولأنه أخص الأسماء للموجود الحي الجامع إذ لا يطلق على غيره لا حقيقة ولا مجازا فالإضافة إليه أولى.
قوله: مَعَالِمَ العِلْمِ، المعلم موضع العلم، قيل المراد بها الأصول التي يتوقف بها على الأحكام من نحو الجواز والفساد والحل والحرمة وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وإعلاؤها ظاهر حيث أوجب علينا الاتباع والإيتمار، قال الله تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم [الأعراف: (3)] {وَمَا آتَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: (7)] وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: (115)] {فَاعْتَبِرُوا يَأْوْلَى الْأَبْصَارِ [الحشر: (2)] وقيل المراد به العلماء، وإعلائهم أيضًا ظاهر، قال الله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ
@
الجزء 1 · صفحة 10
وَأَعْلَامَهُ، وَأَظْهَرَ شَعَائِرَ الشَّرْعِ وَأَحْكَامَهُ، وَبَعَثَ رُسُلًا وَأَنْبِيَاءَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: ((11)] حيث خصهم بالذكر ثانيا بعد دخولهم في ذكر الذين آمنوا إظهارا لزيادة درجاتهم عنده.
قوله: وَأَعْلَامَهُ، قيل المراد بها الأسباب الشرعية نحو دلوك الشمس وملك النصاب وشهود الشهر وشرف المكان للصلاة والزكاة والصوم والحج لأن العلم هو الأمارة والأسباب الشرعية أمارات لوجوب الأحكام في الحقيقة لأن الوجوب في الحقيقة مضاف إلى إيجاب الله تعالى وهو غيب عنا والله تعالى أقام الدلالات الظاهرة من نحو دلوك الشمس وغيره علمًا على إيجابه الغيبي تيسيرا للعباد وأعلاها من حيث أضاف الوجوب إليها، وقيل المراد بالأعلام العلماء الذين يقتدى بهم وله وجه حيث يطلق الأعلام ويراد بها العلماء في كثير من المواضع.
قوله: وَأَظْهَرَ شَعَائِرَ الشَّرْعِ، الشعائر بالهمزة كما في الصحائف جمع شعيرة وهي ما جعل علما على طاعة الله تعالى، قبل المراد بها ما يؤدي على سبيل الاشتهار كصلاة الجمعة والعيدين والخطبة وجمع العرفات والمزدلفة، والمراد من الشرع المشروع إذ لو كان المراد به الشارع لقال شعائره، ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون واضعا للظاهر موضع المضمر؟ قلت: فيه إطناب بلا ضرورة، وهذا قبيح في الكلام، والمشروع باطلاقه يتناول الأسباب والأحكام الشرعية، وهذا من قبيل إضافة البعض إلى الكل.
قوله: وَأَحْكَامَهُ، الحكم الأثر الثابت بشيء نحو الجواز والفساد، والإضافة للبيان كخاتم فضة لجواز إضافة الأحكام إلى غير المشروع كالنحو وغيره، فكان هذا من المصنف رحمه الله تعالى رعاية المناسبة بين التحميد والتصنيف على ما قيل ذكر التحميد متضمنا مضمون التأليف من شرط صحة التصنيف.
قوله: وَبَعَثَ رُسُلًا وَأَنْبِيَاءَ، بعث الرسل من أعلى النعم، والرسول هو النبي الذي
@
الجزء 1 · صفحة 11
- صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - إلى سُبُلِ الحَقِّ هَادِينَ، وَأَخْلَفَهُمْ عُلَمَاءَ إلى سُنَنِ سُنَنِهِمْ دَاعِينَ، يَسْلُكُونَ فِيمَا لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُمْ مَسْلَكَ الاجْتِهَادِ، مُسْتَرْشِدِينَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ وَلِيُّ الإِرْشَادِ، وَخَصَّ أَوَائِلَ المُسْتَنْبِطِينَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
معه کتاب کموسي عليه السلام، والنبي هو الذي ينبئ عن الله تعالى وإن لم يكن معه کتاب، كذا في الكشاف.
قوله: هَادِينَ، صفة للأنبياء، هداه الطريق أذهبه إلى المقصد وذلك لا يتحقق إلا من الله تعالى وإليه الإشارة في قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: (6)]، وهداه إلى الطريق أي أراه الطريق وهي وظيفة الرسل صلوات الله تعالى عليهم أجمعين.
قوله: وَأَخْلَفَهُمْ عُلَمَاءَ، من خلف فلان فلانا إذا جاء خلفه عدى بالهمزة إلى المفعول الثاني أي جاء بهم خلفهم وجعلهم خلفاء لهم فإن العلماء ورثة الأنبياء والوارث خليفة المورث، وعلماء جمع عالم كشعراء جمع شاعر، وهو من قبيل لابن وتامر، لأن العلم أمر يدل على أن صاحبه تعاطاه حتى أفضي إليه، وليس بجمع عليم، وإن كان يجيء في هذا كحكيم وحكماء.
قوله: يَسْلُكُونَ، من باب ترشيح الاستعارة لذكر الطريق أولا ولهذا قال مسلك الاجتهاد وعقبه بقوله مستر شدين.
قوله: فِيمَا لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُمْ، أي لم يرو عن الرسل والأنبياء من أثر الحديث إذا رواه.
قوله: وَخَصَّ أَوَائِلَ المُسْتَنْبِطِينَ، أراد بذلك والله أعلم أبا حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم إذ هم الحائزون قصبات السبق في مضمار استنباط الدلائل من النصوص والفائزون بدرجات الفضل في وضع المسائل على الخصوص وكل من بعدهم مقتدون على آثارهم مقتبسون من أنوارهم فلهم الدرجة العليا والرتبة القصوى رزقنا الله شفاعتهم، آمين رب
@
الجزء 1 · صفحة 12
بِالتَّوْفِيقِ حَتَّى وَضَعُوا مَسَائِلَ مِنْ كُلِّ جَلِيٌّ وَدَقِيقٍ، غَيْرَ أَنَّ الحَوَادِثَ مُتَعَاقِبَةُ الوُقُوعِ، وَالنَّوَازِلَ يَضِيقُ عَنْهَا نِطَاقُ المَوْضُوعِ، وَاقْتِنَاصَ الشَّوَارِدِ بِالاقْتِبَاسِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
العالمين، والاستنباط الاستخراج من نبط الماء من العين إذا خرج، ويستعمل الاستنباط في استخراج الوصف المؤثر من النصوص لما أن في الموضعين كلفة ومشقة، ولهذا عظمت به أقدار العلماء وارتفعت درجاتهم، ولما بين الماء والعلم من المشابهة إذ الأول سبب حياة الأشباح والثاني سبب حياة الأرواح، وإليه وقعت الإشارة في قوله تعالى: {وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مينا) [ق: ??] وقوله تعالى: {أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ} [الأنعام: (122)] أي كافرًا فهديناه فأطلق اسم الإحياء فيهما.
قوله: مِنْ كُلِّ جَلِيٌّ وَدَقِيق، أراد به المسائل القياسية والاستحسانية فإن البعرة إذا وقعت في البئر القياس أن تفسد الماء لوقوع النجاسة في الماء القليل، هذا دليل ظاهر دركه والاستحسان أن لا تفسد لأن آبار الفلوات ليست لها رؤوس حاجزة والمواشي تبعر حولها وتلقيها الريح فيها فجعل القليل عفوا للضرورة ولا ضرورة في الكثير، وهذا دليل خفي دركه.
قوله: غَيْرَ أَنَّ الحَوَادِثَ، جواب عما ترد شبهة على قوله: وضعوا مسائل من كل جلي ودقيق، أن المسائل إذا كانت كلها موضوعة فما بال من بعدهم يتصدى لاستنباط الدلائل ووضع المسائل أليس تكفي موضوعاتهم؟ فأجاب عنه وقال: نعم كذلك إلا أن النوازل تنزل ساعة بعد ساعة والحوادث تحدث حينا غبّ حين فلا يستوعب جميعها نطاق الموضوعات ولا يحوز كلها حزام المنصوصات فمست الحاجة لمن بعدهم إلى وضع المسائل على حسب تلك الحوادث والنوازل لكن بانيًا على ما أسسوه ومفرعًا على ما أصلوه فكانوا هم الواضعين كلها على التحقيق بعضها بالمباشرة وبعضها بالتسبيب لبيان الطريق فكان لهم الأجر المسمى والذكر المعلى.
قوله: وَاقْتِنَاصَ الشَّوَارِدِ بِالاقْتِبَاسِ مِنَ المَوَارِدِ، الاقتناص الاصطياد، والشوارد
@
الجزء 1 · صفحة 13
مِنَ المَوَارِدِ، وَالاعْتِبَارَ بِالأَمْثَالِ مِنْ صَنْعَةِ الرِّجَالِ، وَبِالوُقُوفِ عَلَى المَآخِذِ يُعَضُّ عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِدِ.
وَقَدْ جَرى عَلَيَّ الوَعْدُ فِي مَبْدَا بِدَايَةِ المُبْتَدِي أَنْ أَشْرَحَهَا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى شَرْحًا أَرْسُمُهُ بِهِ كِفَايَةِ المُنْتَهِي»، فَشَرَعْتُ فِيهِ وَالوَعْدُ يَسُوعُ بَعْضَ المَسَاغِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
جمع شاردة وهي النافرة من الشراد والشرود من حد ضرب يقال اقتبس منه نارًا وعلما أي استفاد، لما استعار الشاردة وهي الصيود النافرة والمتعسر إصابتها للمعاني الدقيقة المؤثرة المستخرجة من الأصول المتعب إدراكها بجامع تعسر الوصول ورشح تلك الاستعارة بالاقتناص، وجعل لفظ الاقتباس قرينة لها، وأراد بالموارد الأصول لما بين الماء والعلم من التشبه فكما أن المورد يستسقى منه الماء فكذلك الأصول يؤخذ منها المعنى المؤثر في حكم الفروع، أو كما أن الصيود النافرة يتيسر اصطيادها في الموارد فكذلك المعاني الشاردة تستفاد من الأصول التي هي كالموارد.
قوله: وَالاعْتِبَارَ بِالأَمْثَالِ مِنْ صَنْعَةِ الرِّجَالِ، أي وقياس الأحكام على نظائرها بالعلل المؤثرة من صنعة الكاملين في الرجولية الجامعين لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال لا من صنع كل أحد وجعل من عداهم كأنه ناقص في الرجولية.
قوله: وَبِالوُقُوفِ عَلَى المَآخِذِ يُعَضُّ عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِدِ، قال في المغرب: العض قبض بالأسنان من باب لبس وعض في العلم بناجذه إذا أتقنه والناجذ ضرس الحلم، أي إنما يتوصل إلى أيقان تلك الشوارد بالوقوف على مآخذ النصوص، والضمير في عليها للشوارد.
قوله: وَالوَعْدُ يَسُوعُ بَعْضَ المَسَاغِ، أي يجوز بعض التجويز، أي شرعت في شرح البداية الموسوم بكفاية المنتهي والحال أن الوعد الذي جرى لي يجوز ما اتصدى له لأن الخلف في الوعد مذموم شرعًا وإن كان صعوبة هذا الأمر تقتضي الامتناع عنه، هذا من
@
الجزء 1 · صفحة 14
وَحِينَ أَكَادُ أَنكِنُ عَنْهُ اتِّكَاءَ الفَرَاغِ تَبَيَّنْتُ فِيهِ نُبَذَا مِنَ الإطْنَابِ، وَخَشِيتُ أَنْ يُهْجَرَ لِأَجْلِهِ الكِتَابُ، فَصَرَفْتُ العِنَانَ وَالعِنَايَةَ إِلَى شَرْحٍ آخَرَ مَوْسُومٍ بِـ «الهِدَايَةِ، أَجْمَعُ فِيهِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى بَيْنَ عُيُونِ الرِّوَايَةِ وَمُتُونِ الدِّرَايَةِ، تَارِكًا لِلزَّوَائِدِ فِي كُلِّ بَابٍ، مُعْرِضًا عَنْ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الإِسْهَابِ، مَعَ مَا أَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى أُصُولٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهَا فُصُولٌ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المصنف رحمه الله تعالى هضم النفس وتعظيم شأن التصنيف.
قوله: أَنكِى عَنْهُ، ضمن الاتكاء معنى الفراغ فعداه بعن أي كنت متكنا عليه فلما انتهى كدت أستريح الفراغي عنه.
قوله: انكاء الفراغ، أي اتكاء متلبسًا بالفراغ.
قوله: نبذا، يقال في رأسه نبذ من شيب، وأصاب الأرض نبذ من مطر أي شيء يسير.
قوله: فَصَرَفْتُ العِنَانَ وَالعِنَايَةَ، العناية مصدر عنى بكذا إذا اهتم به.
قوله: بَيْنَ عُيُونِ الرِّوَايَةِ، عين الشيء خياره.
قوله: وَمُتُونِ الدِّرَايَةِ، متن الشيء بالضم متانة فهو متين أي صلب وقوي، ويقال رجل متين أي صلب وقوي، والمراد من متون الدراية هو المعاني المؤثرة والنكات المتينة التي لا تنقض.
قوله: في كُلِّ بَابٍ، أي في الرواية والنكت.
قوله: مَعَ مَا أَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى أُصُولٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهَا فُصُولٌ، فيه دفع توهم من يتوهم، أنه لما ترك الزوائد في كل باب وأعرض عن الإسهاب، لعله لم يأت بأصول ذات فوائد فقال
@
الجزء 1 · صفحة 15
لإِثْمَامِهَا، وَيَخْتِمَ لِيْ بِالسَّعَادَةِ بَعْدَ اخْتِتَامِهَا، حَتَّى إِنَّ مَنْ سَمَتْ هِمَّتُهُ إِلَى مَزِيدِ الوُقُوفِ يَرْغَبُ فِي الأَطْوَلِ وَالأَكْبَرِ، وَمَنْ أَعْجَلَهُ الوَقْتُ عَنْهُ يَقْتَصِرُ عَلَى الأَقْصَرِ وَالأَصْغَرِ، وَلِلنَّاسِ فِيمَا يَعْشُقُونَ مَذَاهِبُ، وَالفَنُّ خَيْرٌ كُلُّهُ.
ثُمَّ سَأَلَنِي بَعْضُ إِخْوَانِي أَنْ أُمْلِيَ عَلَيْهِمُ المَجْمُوعَ الثَّانِي، فَافْتَتَحْتُهُ مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ تَعَالَى فِي تَحْرِيرِ مَا أُقَاوِلُهُ مُتَضَرُّعًا إِلَيْهِ فِي النَّيْسِيرِ لِمَا أُحَاوِلُهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مع كونه محذوف الزوائد مشحون بالفوائد، هذا كما قيل في فساد البيع بالشرط وهو كل شرط يخالف مقتضى العقد وفيه نفع لأحد المتعاقدين أو للمعقود عليه وهو من أهل الإستحقاق يفسد البيع وإلا ففي كل قيد منه احتراز عما يضاده وجمع لما يوافقه، وكذلك في مسئلة المحاذاة ومن شرط المحاذاة أن تكون الصلاة مشتركة وأن تكون المرأة من أهل الشهوة وأن لا يكون بينهما حائل وأمثالها كما يعثر عليها في أثناء كلماته.
قوله: لِإِثْمَامِهَا (و) اخْتِتَامِها، يريد به شرحين، وفي بعض النسخ لإختتامهما. قوله: وَلِلنَّاسِ فِيمَا يَعْشُقُونَ مَذَاهِبُ، الشعر لأبي فراس، أوله:
عَلَيَّ لِرَبْعِ العَامِرِيَّةِ وَقْفَةٌ * تُمِلُّ عَلَيَّ الشَّوْقَ وَالدَّمْعُ كَاتِبُ
وَمِنْ عَادَتِي حُبُّ الدِّيَارِ لِأَهْلِهَا * وَلِلنَّاسِ فِيْمَا يَعْشَقُوْنَ مَذَاهِبُ
قوله: أقاوله، المقاولة القول ولكن فيها زيادة مزاولة ومقاساة ليست في القول لأنها
@
الجزء 1 · صفحة 16
إِنَّهُ المُيَسِّرُ لِكُلِّ عَسِيرٍ وَهُوَ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ، وَحَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
من باب المبالغة والمباراة لأن الفعل متى غولب فيه جاء أبلغ وأحكم مما إذا زاوله وحده الزيادة قوة الداعي إليه، المحاولة طلب الشيء بحيلة ومنه الحديث: «اللهم بك أحاول وبك أصاول»، روي أنه عليه السلام كان يقول هذا الدعاء عند لقاء العدو أي بنصرتك وتوفيقك أدفع عني كيد العدو وأطلب الوثوب عليهم، يقال فلان جدير بكذا أي خليق، والله أعلم.
@
الجزء 1 · صفحة 17
كِتَابُ الطَّهَارَاتِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: (6)] الآية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كِتَابُ الطَّهَارَاتِ
بدء بكتاب الطهارات لأن الصلاة عماد الدين وأعظم أركان الإسلام بعد الإيمان بالله تعالى فكانت أحق بالتقديم والطهارات شرطها ولا بد من تقديم الشرط على المشروط، وأنها أهم لأنها لا تسقط بعذر ما من الأعذار، بخلاف سائر الشروط من استقبال القبلة وستر العورة وطهارة الثوب والمكان، وذكر الطهارة بلفظ الجمع دون الواحد كما في الصلاة والزكاة نظرا إلى اختلاف أنواع الطهارة حدا وحقيقة، فإن طهارة الوضوء نفس إمرار الماء ونفس إصابته وفي الثوب غسله حتى يزيل النجاسة، وكذلك طهارة التيمم مخالفة لهما، أما الصلاة المطلقة فليست بمختلفة الحقائق إذ هي عبارة عن الأركان المعهودة وإن تنوعت من حيث الصفات بالفرض والواجب والنفل، وكذلك في الزكاة يجمع أنواعها قوله عليه الصلاة والسلام: هاتوا ربع عشور أموالكم» فكان المؤتى من كل أنواع المال ربع العشر فكانت شيئًا واحدا من حيث ربع العشر.
قوله: قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة: (6)] الآية، افتتح بآية الوضوء تبركا بكلام الله تعالى وإن كان الاصطلاح يقتضي أن يكون الدليل
@
الجزء 1 · صفحة 18
(فَفَرْضُ الطَّهَارَةِ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَمَسْحُ الرَّأْسِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مرتبا على المدلول أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وإنما جاء بإذا وهي تستعمل في الأمور الكائنة لا محالة دون إن وهي في الأمور المترددة لأن القيام إلى الصلاة من الأمور الكائنة لا محالة نظرًا إلى الإيمان، وقيل في الآية الالتفات والمشهور أن الالتفات في علم المعاني هو التعبير عن معنى بطريق من الثلاثة بعد التعبير عنه بآخر منها وغير المشهور أن يكون مقتضى الظاهر أن يعبر عنه بغيره منها، وقد عدل هنا عن الغيبة وهو «الذين آمنوا إلى الخطاب وهو قمتم فيكون من هذا الباب، وليس كما قيل لأن الغيبة والخطاب هنا كل واحد منهما في موضعه والعدول عنه خروج عن سنن العربية لأن ضمير الموصول يكون غائبا في الاستعمال الشائع، ولهذا نسب إلى مخالفة القياس قول علي رضي الله تعالى عنه: أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهُ، وكذلك الخطاب في قمتم في موقعه، إذ لا يقال: يا فلان إذا فعل، بل يقال: إذا فعلت، لأن المنادي في مقام المخاطب، وجميع ما ورد من الخطابات في القرآن بعد مثل هذا النداء، وكذا في كلام العرب على هذه الطريقة، ولا يسمع دعوى العدول في الكل فافهمه.
قوله: فَرْضُ الطَّهَارَةِ، الفرض لغة التقدير والقطع، قال الله تعالى: (سُورَةُ أَنزَلْنَهَا) [النور: 1] أي قدرنا وقطعنا الأحكام فيها قطعا، وفي الشرع عبارة عن حكم مقدر لا يحتمل زيادة ولا نقصانا ثبت بدليل لا شبهة فيه، والفرض ههنا المفروض كقوله تعالى: {هَذَا خَلْقُ الله) [لقمان: (11)] أي مخلوقه، والإضافة للبيان لأن المفروض قد يكون من الطهارة وغيرها أي مفروض الطهارة غسل الأعضاء الثلاث وهي الوجه واليد والرجل، وفي الكشاف: قرأ جماعة وأرجلكم بالنصب فدل على أن الأرجل مغسولة، فإن قلت: ما يصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح؟ قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهي عنه فعطفت على الثالث الممسوح لا ليمسح ولكن لينبه على وجوب الاقتصار في صب الماء عليها، وقيل إلى الكعبين فجيء بالغاية إماطة لظن ظان يحسبها ممسوحة لأن المسح لم يضرب له غاية في الشريعة، وعن علي رضي الله عنه: أنه أشرف على فتية. من قريش فرأى في وضوئهم تجوزا، فقال: ويل للأعقاب من النار، فلما سمعوا جعلوا يغسلونها غسلاً ويدلكونها دلكا، وعن ابن عمر [و] رضي الله عنهما: كُنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ قوم وأعقابهم بيض تلوح فقال: ويل للأعقاب من النار، وفي رواية جابر: ويل للعراقيب، وعن عمر أنه رضي الله عنه رأى رجلاً فتوضأ فترك باطن قدميه فأمره أن يعيد الوضوء وذلك للتغليظ عليه، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: لأن يقطعا أحبُّ إليَّ من أن أمسح على القدمين بغير خفين، وعن عطاء رحمه الله تعالى: والله ما علمت أن أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على القدمين، وقد ذهب بعض الناس إلى ظاهر العطف فأوجب المسح،
@
الجزء 1 · صفحة 19
بِهَذَا النَّيِّ، وَالغَسْلُ هُوَ الإِسَالَةُ وَالمَسْحُ هُوَ الإِصَابَةُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وعن الحسن رحمه الله تعالى أنه جمع بين الأمرين، وروي عن الشعبي رحمه الله تعالى: نزل القرآن بالمسح والغسل سنة، إلى هذا في الكشاف، ونظيره قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) الآية [الحج: (18)]، والجامع أن في كل واحد منهما مسحا إذ المتوضئ لا يقنع بصب الماء على الأعضاء حتى يمسحها في الغسل ويقال مسحت للصلاة أي توضأت، ولا يعتبر قول من رأى المسح على الرجل نظرا إلى ظاهر العطف لأن قراءة النصب تعارضه، ولو تكلف فقال قراءة النصب للعطف على محل المجرور وهو قوله: برؤوسكم، فقد ارتكب مجازا والعمل بالحقيقة أولى، وفيه عمل بالنص من كل وجه أيضًا لأن المسح بعض الغسل إذ المسح هو الإصابة والغسل هو الإسالة فكان الحمل عليه أولى، ولأن التطهر هو المقصود في الوضوء لقوله عزّ إسمه: {وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: (6)]، والغسل هو المطهر حقيقة وحكما فكان العمل به عند الاحتمال أولى، وقراءة الجرّ أيضًا تحتمل العطف على الأيدي وإن كان مجرورًا إذ يحتمل أن يكون الجر فيه للجواز فعلم أن القول بالمسح على الرجل تعسف وخروج عن القطع إلى الاحتمال ومخالفة للسنة المشهورة ومخالفة لعمل الصحابة رضي الله عنهم أيضًا.
قوله: بهذا النص، لأن هذا النص قطع وظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة سواء كان محدثا أو غير محدث، وعليه أصحاب الظواهر، فقالوا: الوضوء سببه القيام إلى الصلاة فكل من قام إليها فعليه أن يتوضأ، وهذا فاسد لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة فلما كان يوم الفتح صلى الخمس بوضوء واحد فقال له عمر رضي الله عنه: رأيتك اليوم فعلت شيئًا لم تكن تفعله من قبل، فقال: عمدًا فعلت يا عمر كيلا يحرجوا، ومذهبهم هذا يوجب أن من جلس فتوضأ ثم قام إلى الصلاة يلزمه وضوءا آخر فلا يزال كذلك مشغولاً بالوضوء لا يتفرغ للصلاة، وفساد هذا لا يخفى على أحد، كذا ذكره في المبسوط الإمام المحقق شمس الأئمة أبو بكر محمد بن سهل السرخسي رحمه الله تعالى، وقال أصحاب الطرد: سببه الحدث، لأنه يتكرر بتكرر الحدث، وهذا أيضًا فاسد لأن السبب ما يكون مفضيا إلى المسبب والحدث رافع للوضوء لا يفضي إليه فكيف يكون سببًا له، وعند الجمهور سببه الصلاة، لقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: (6)] يعني إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم لأجل الصلاة، لأن مثل هذا الكلام لإفادة اثبات الثاني للأول كما يقال إذا دخلت على السلطان فتزين، أي لأجل الدخول عليه، وإذا رأيت الأسد فخذ حذرك، ولأنه مضاف إليها وهي تدل على السببية لأنها تدل على الاختصاص فثبت أقوى وجوهه وذا في أن يكون سببا له فالمسبب حادث به، ولأن كون الطهارة شرط الصلاة يوجب أن يكون سبب وجوبها الصلاة لا غير قياسا على سائر الشرائط من استقبال القبلة وستر العورة والطهارة عن النجاسة الحقيقية، وهذا لأن شرط الشيء تبع له، وإنما يصير تبعا له أن لو وجب بسببه فلو وجب بسبب آخر يصير تبعا لمسببه لا لمشروطه، وإنما لم يجب على المتوضئ وإن تكرر سببه وهو الصلاة لأن فعل الوضوء غير مقصود بنفسه، وإنما المقصود حكمه وهو إباحة الصلاة فلما كان المقصود حاصلاً كفى ذلك كما في استقبال القبلة وستر العورة وتطهير الثوب إذا وجدت هذه الأفعال عند الشروع لا يشترط تجديدها فكذا هذا، فثبت بما ذكرنا أن سبب وجوب الوضوء هو الصلاة والحدث شرطه بدلالة النص وصيغته، أما الدلالة فلأنه ذكر التيمم بالتراب الذي هو بدل عن الماء معلقا بالحدث والنص في البدل نص في الأصل، لأنه لا يفارقه بشرطه وسببه، وذكر الغسل وهو أعظم الطهرين معلقا بالحدث فقال الله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وقال:
@
الجزء 1 · صفحة 20
وَحَدُّ الوَجْهِ مِنْ قِصَاصِ الشَّعْرِ إِلَى أَسْفَلِ الذَّقَنِ وَإِلَى شَحْمَتَي الأُذُنِ؛ لِأَنَّ المُوَاجَهَةَ تَقَعُ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ وَهُوَ مُشْتَقٌ مِنْهَا وَالمِرْفَقَانِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وَإِنْ كُنْتُم مَرْضَى} [المائدة: (6)] الآية، وأما الصيغة فقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ [المائدة: (6)] أي من مضاجعكم لأن القيام المطلق كان عن غير القيام مطلقا وهو الاضطجاع وهو كناية عن النوم والنوم دليل الحدث كما في قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُم مِنَ الْغَابِطِ) [المائدة: (6)] وهو كناية عن التمكن في المكان المطمئن للاستتار والتمكن فيه دليل الحدث، قال فخر الإسلام البزدوي رحمه الله تعالى في أوائل القياس واختير هذا النظم والله أعلم لأن الوضوء مطهر وضعا فدل على قيام النجاسة فاستغنى عن ذكره بخلاف التيمم، والصلاة سبب الوضوء والحدث شرطه فلم يذكر الحدث ليعلم أنه سنة وفرض فكان الحدث شرطا لكونه فرضًا لا لكونه سنة، فأما الغسل فلا يسن لكل صلاة بل هو فرض خالص فلم يشرع إلا مقرونا بالحدث، ولا يقال: أن الغسل سنة للجمعة فيثبت التنوع، لأنا نقول: المدعى أنه لا يسنّ لكل صلاة فلم يتجه نقضًا، أو نقول: كونه سنة لصلاة الجمعة غير مسلم لأن الغسل عند البعض لليوم لا للصلاة، وهذا مما اختاره فخر الإسلام البزدوي رحمه الله تعالى، وذكر في الكشاف فإن قلت: هل يجوز أن يكون الأمر شاملاً للمحدثين وغيرهم، لهؤلاء على وجه الإيجاب ولهؤلاء على وجه الندب؟ قلت: لا لأن تناول الكلمة لمعنيين مختلفين من باب الألغاز والتعمية.
قوله: مِنْ قِصاصِ الشَّعْرِ، في الديوان: قصاص الشعر بفتح القاف وقصاصه بضمها بمعنى، وهو منتهاه في الرأس وغايته.
قوله: وَهُوَ مُشْتَقٌ مِنْهَا، في الكافي: وخُطئ صاحب الهداية رحمه الله تعالى في قوله: وهو مشتق منها، حيث جعل الثلاثي مشتقا من المنشعبة، والأمر بالعكس، والمخطى مخطئ فقد قال صاحب الكشاف اشتقاق اليم من التيمم لأن المستنفعين به يقصدونه، واشتقاق
@
الجزء 1 · صفحة 21
وَالكَعْبَانِ يَدْخُلَانِ فِي الغَسْلِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، هُوَ يَقُولُ: الغَايَةُ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ المُغَيَّا كَاللَّيْلِ فِي بَابِ الصَّوْمِ. وَلَنَا أَنَّ هَذِهِ الغَايَةَ لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهَا، إِذْ لَوْلَاهَا لَاسْتَوْعَبَتِ الوَظِيفَةُ الكُلَّ، وَفِي بَابِ الصَّوْمِ لِمَدَّ الحُكْمِ إِلَيْهَا، إِذِ الاسْمُ يُطْلَقُ عَلَى الإِمْسَاكِ سَاعَةً،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
البرج من التبرج لظهوره.
قوله: لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهَا، الأصل في هذا أن الغاية قد تذكر لمد الحكم إليها وقد تذكر لإسقاط الحكم عما وراءها، وإنما يتبين ذلك بالنظر في صدر الكلام، إن كان صدر الكلام لا يتناول الغاية وما وراءها لو اقتصر على الصدر يعلم أن ذكر الغاية لإثبات الحكم ومده إليها فيجعل غاية الإثبات فلا يدخل تحت الإثبات، ومتى كان صدر الكلام يتناول الغاية وما وراءها لو اقتصر عليه يُعلم أن ذكر الغاية لقصر الحكم فيجعل غاية الإسقاط، فبقى الحكم الأول ثابتا في الغاية بصدر الكلام كأنه لم يذكر الغاية، والذي نحن فيه من قبيل الثاني لأن قوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ يتناول كل اليد من رؤوس الأصابع إلى الإبط فصار ذكر المرافق بحرف الغاية لإخراج ما وراء المرفق من أن يكون داخلاً تحت حكم الإسقاط فبقى حكم الغسل ثابتا في المرفق بصدر الكلام، وأما الصوم فهو من قبيل الأول لأنه يتناول الإمساك ساعة لغة وشرعا، حتى لو حلف لا يصوم فصام ساعة حنث، ولا يدخل محل الغاية تحت حكم الصدر لأن هذه الغاية لمد الحكم لما قلنا، وإنما دخلت الغاية في حكم الصدر إذا كانت لقصر الحكم لأنها دخلت في صدر الكلام و «إلى» تفيد معنى الغاية مطلقا، وأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل فلا يخرج عن الصدر بغير دليل، وإذا كانت لمد الحكم فلا يدخل من غير دليل، فإن قيل: دعوى غاية الإسقاط إنما تصح أن لو كانت الغاية لليد، بل هي غاية غسل اليد لأن المأمور به مقصودًا هو الغسل والغاية تكون لبيان المأمور به، ولأن المقصود من الكلام هو الفعل لا محل الفعل لأنه تبع، ولأن ذكر اليد وإرادة الكف غالب في الشرع وفي العرف، أما الشرع فكآية السرقة، وأما العرف فإنه إذا قيل عند الطعام اغسل يدك أو غسل فلان يده لا يراد بها إلا الكف فلا تثبت الزيادة عليها إلا بذكر الغاية فحينئذ كانت هذه الغاية غاية مد الحكم كما في الصوم، قلنا: دعوى غاية مد الغسل ساقطة أيضًا لفهم الصحابة رضي الله عنهم ذلك إلى الآباط في آية التيمم في الإبتداء وهو أهل اللسان فكان ذكر الغاية لإخراج ما وراءه فتبقى المرافق داخلة كما ذكرنا، أو لما اشتبهت حال هذه الغاية باعتبار أن من الغايات ما يدخل ويكون حرف «إلى» فيه بمعنى «مع» كما قال الله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: (2)] ومن الغايات ما لا يدخل وهو ظاهر كان هذا مجملاً في كتاب الله تعالى فبينه نبيه صلى الله عليه وسلم بفعله فإنه توضأ وأدار الماء على مرافقه ولم ينقل عنه ترك غسل المرافق في شيء من الوضوء، فلو كان ذلك جائزا لفعل مرة تعليما للجواز، كذا في المبسوط، وأما في باب السرقة عرف بقول النبي صلى الله عليه وسلم وضرب من المعقول وهو التعدى حصل من هذا القدر، وفي الكشاف: «إلى» تفيد معنى الغاية مطلقا، فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل، فما فيه دليل على الخروج قوله تعالى: {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةً} [البقرة: ???] لأن الإعسار علة الإنظار وبوجود الميسرة تزول العلة، ولو دخلت الميسرة فيه لكان منظرًا في كلتا الحالتين معسرا وموسرا، وكذلك أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ولو دخل الليل لوجب الوصال، ومما فيه دليل على الدخول قولك: حفظت القرآن من أوله إلى آخره، لأن الكلام مسوق لحفظ القرآن كله، ومنه قوله تعالى: مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا) [الإسراء: (1)] لوقوع العلم بأنه لا يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله، وقوله تعالى: إلى المرافق» و «إلى الكعبين لا دليل فيه على أحد الأمرين، فأخذ كافة العلماء بالاحتياط فحكموا بدخولها في الغسل وأخذ زفر رحمه الله تعالى بالمتيقن، وذكر في بعض الفوائد: ثم في الآية ذكر المرافق بلفظ الجمع والكعبين بلفظ التثنية لأن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي إنقسام الآحاد على الأحاد، كما يقال ركب القوم دوابهم، ولكل يد مرفق واحد فصحت المقابلة، ولو قيل: إلى الكعاب، فهم منه أن الواجب بإزاء كل رجل كعب واحد فذكر الكعبين بلفظ التثنية ليتناول الكعبين من كل
@
الجزء 1 · صفحة 22
وَالكَعْبُ هُوَ العَظْمُ النَّاتِيُّ، هُوَ الصَّحِيحُ، وَمِنْهُ الكَاعِبُ.
قَالَ: (وَالمَفْرُوضُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ، وَهُوَ رُبْعُ الرَّأْسِ، لِمَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
رجل، فإن قيل: يشكل بقوله تعالى: وَأَيْدِيَكُمْ - وَأَرْجُلُكُمْ، على ما ذكرتم ينبغي أن يكون الواجب على كل مكلف غسل يد واحدة ورجل واحدة، قيل له: جاز أن يكون الثابت بالنص غسل يد ورجل واحدة والأخرى بدلالة النص، أو يقال: الأصل ما ذكرنا ولكن يحتمل أن يكون الجمع مقابلا بالفرد كما قال زفر رحمه الله تعالى، فاحتطنا وقلنا بوجوب غسلهما، أو نقول: الأصل ما ذكرنا ولكن تخلف الحكم عنه بدليل خارجي وهو فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين، وتخلف الحكم عن الأصل في صورة لدليل لا يمنع التمسك به في صورة فقد ذلك الدليل، وقيل: إنما ذكر المرافق بلفظ الجمع والكعبين بلفظ التثنية لأن المرفق طرف العظم الذي يرتفق به أي يتكأ عليه وإنها في كل يد ثلاثة طرف، أحد عظمي الساعد وطرفا عظم العضد بخلاف الكعبين فإنهما العظمان الناتئان من جانبي القدم، قاله الأصمعي وعليه عامة الفقهاء.
قوله: هُوَ الصَّحِيحُ، احتراز عما ذكر هشام عن محمد رحمه الله تعالى أنه المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك، قال لأن الكعب اسم للمفصل ومنه كعوب الرمح والذي في وسط القدم مفصل وهو المتيقن به، وهذا سهو من هشام، لم يرد محمد رحمه الله تعالى تفسير الكعبين بهذا في الطهارة فإنما أراد في المحرم إذا لم يجد نعلين ليقطع خفيه أسفل من الكعبين، فأما في الطهارة فلا شك أنه العظم الناتئ المتصل بعظم الساق، وكذا في قوله صلى الله عليه وسلم: الصقوا الكعاب بالكعاب، كذا في المبسوط.
قوله: وَالمَفْرُوضُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ، أي المقدور على وجه الفرضية، لا يقال: هذا المقدار غير مقطوع به للاختلاف فكيف يكون فرضًا؟ لأنا نقول: الفرض على نوعين قطعي وهو كما ذكرت وظني وهو الفرض على زعم المجتهد كإيجاب الطهارة بالفصد والحجامة
@
الجزء 1 · صفحة 23
رَوَى المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ وَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَخُفَّيْهِ وَالْكِتَابُ مُجْمَلٌ فَالتَحَقَ بَيَانًا بِهِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي التَّقْدِيرِ بِثَلَاثِ شَعَرَاتٍ، وَعَلَى مَالِكِ فِي اشْتِرَاطِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عند أصحابنا، فإنهم يقولون يفترض عليه الطهارة عند إرادة الصلاة، وهذا من قبيل الثاني وقال الشافعي رحمه الله تعالى: المفروض أدنى ما يطلق عليه اسم الرأس إذ الباء في قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) للتبعيض، وقال مالك رحمه الله تعالى كله، لأن الباء صلة كما في قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ، وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: أكثر الرأس، لأن للأكثر حكم الكل.
قوله: وَالكِتَابُ مُجْمَلٌ، المجمل ما ازدحمت فيه المعاني فاشتبه المراد اشتباها لا يدرك بنفس العبارة بل بالرجوع إلى الاستفسار ثم الطلب ثم التأمل، وإذا عرف ذلك فنقول: الباء متى دخلت في آلة المسح تعدى الفعل إلى محله فتستوعبه لا الآلة، نحو مسحت رأس اليتيم بيدي، ومتى دخلت في محله تعدى الفعل إلى الآلة فيستوعبها لا المحل كما في الآية فيقتضي ممسوحية الرأس وهو مجمل يحتمل السدس والربع والثلث وغيرها، وما روى المغيرة صار بيانًا له، فإن قيل: المجمل ما لا يمكن العمل به قبل البيان وأمكن العمل به هنا لأنه يخرج عن عهدته بأدنى ما يطلق عليه اسم البعض، قلنا: لم يرد ذلك بل أراد بعضًا مقدرًا لأنه يحصل بغسل الوجه فلا يحتاج إلى ايجاب على حدة، أو نقول: المفروض في سائر الأعضاء غسل مقدر فكذا في هذه الوظيفة ولا يقال: حديث المغيرة ليس بدليل لأنه يدل على فرضية عين الناصية والمدعى قدر الربع، لأن الحديث يحتمل التعيين وبيان المقدار، ولو حملناه على التعيين يكون نسخا، ولو حملناه على البيان يكون بيانا، وخبر الواحد صالح للبيان لا للنسخ فحملناه على ما يصلح لا على ما لا يصلح، فإن قيل: حكم المسح في التيمم ثبت بقوله تعالى: فَامْسَحُوْا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: (6)]، ثم الاستيعاب فيه شرط، قلنا: أما
@
الجزء 1 · صفحة 24
الاسْتِيعَابِ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: قَدَّرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ اليَدِ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي آلَةِ الْمَسْحِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
على ظاهر رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى لا يشترط فيه الاستيعاب بهذا المعنى، وأما على ظاهر الرواية فقد عرفناه إما بإشارة الكتاب وهو أن الله تعالى أقام التيمم في هذين العضوين مقام الغسل عند تعذره، والاستيعاب في الغسل فرض فكذلك فيما أقيم مقامه، أو عرفناه بالسنة المشهورة وهو قوله صلى الله عليه وسلم لعمار رضي الله عنه: يكفيك ضربتان ضربة للوجه وضربة للذراعين والسباطة الكناسة فأراد المكان الذي ألقى القوم الكناسة فيه، فكان اطلاق اسم الحال على المحل، وإنما لم يقتصر في ايراد الحديث على قوله مسح على ناصيته مع كفايته للمدعى، لأن نقل الحديث بما يتلوه ويتعلق من الحكاية يوجب صحته ووكادته.
قوله: وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، قدره أصحابنا رحمهم الله تعالى بثلاث أصابع، وذكر في الأصل الفرض قدر ثلاث أصابع لأن الباء دخلت في المحل فتستوعب الآلة وهي غير مستوعبة عادة وحقيقة فيراد أكثرها، والأصل في اليد الأصابع إذ لو قطعها بلا كف يجب نصف الدية كما لو قطعها مع الكف ولم يجب حكومة العدل للكف كما لو انفرد والثلاث أكثرها فيقام الكل التقديري مقام الكل الحقيقي، وذكر ابن رستم رحمه الله تعالى في نوادره أنه إذا وضع ثلث أصابع ولم يمدها جاز في قول محمد رحمه الله تعالى في الرأس والخف جميعا ولم يجز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى حتى يمدها فيصيب البلة ربع رأسه، فالحاصل أن مسئلة الرأس مخمسة، قولان من أصحابنا وقول الشافعي وقول مالك وقول الحسن البصري رحمهم الله تعالى.
@
الجزء 1 · صفحة 25
قَالَ: (وَسُنَنُ الطَّهَارَةِ: غَسْلُ اليَدَيْنِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الإِنَاءَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وَسُنَنُ الطَّهَارَةِ، وجه التمسك بالحديث أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الغمس على وجه التأكيد، والنهي العاري عن التأكيد يقتضي التحريم فهذا أولى، فحرم الغمس قبل الغسل، والاجتناب عن المحرم واجب وبالغسل يصير مجتنبا فيجب بالنظر إلى أول الحديث وبالنظر إلى آخره لا، حيث أشار إلى توهم النجاسة، ومن شك في النجاسة يستحب غسلها ولا يجب، فاليقين لا يزول بالشك فقلنا بالأمر بينهما وهو السنة، ثم غسلهما وإن كان فرضا لكن تقديم غسلهما إلى رسغيه سنة، وينوب عن الفرض كالفاتحة تنوب عن الواجب بخبر التعيين وتنوب عن الفرض بالنص، وذكر الإناء في الحديث بناء على عادتهم، فلهم أتوار على أبواب المساجد يتوضئون منها، والشرط في الحديث يحتمل أنه خرج مخرج العادة لأن غسل اليدين أولاً سنة مطلقا، قال مولانا نجم الدين الزاهدي رحمه الله تعالى: فلما ظفرت بالرواية بحمد الله عن محمد رحمه الله تعالى في المحيط وتحفة الفقهاء وجمع نجم الأئمة البخاري رحمه الله تعالى أن غسل اليدين إلى الرسغ في ابتداء الوضوء سنة على الإطلاق زال الاشتباه بحمد الله، على أن توهم النجاسة في آلة التطهير شامل للكل فيكون الإستنان شاملاً، ويحتمل أن يكون شرطًا ولهذا قيد به في الإيضاح، وشرط في مختصر الكرخي وسائر شروح المختصر، وذكر في شرح الآثار: وإنما نهى لاحتمال تنجس اليد إذ عادتهم أن لا يستنجوا بالأحجار ولا بالماء، حتى لو نام مستنجيا لا حاجة إلى غسل اليدين.
قوله: قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الإِناء، حكي عن الفقيه أبي جعفر الهنداوني رحمه الله
@
الجزء 1 · صفحة 26
إِذَا اسْتَيْقَظَ المُتَوَضَّئُ مِنْ نَوْمِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسَنَّ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ وَلِأَنَّ اليَدَ آلَةُ التَّطْهِيرِ فَتُسَنُّ البِدَاءَةُ بِتَنْظِيفِهَا، وَهُذَا الغَسْلُ إِلَى الرُّسْغِ لِوُقُوعِ الكِفَايَةِ بِهِ فِي التَّنْظِيفِ.
قَالَ: (وَتَسْمِيَةُ اللهِ تَعَالَى فِي ابْتِدَاءِ الوُضُوءِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمَّ اللَّهَ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تعالى أن الإناء إذا كان صغيرا يمكنه رفعه يرفعه المتوضئ بشماله ويصبه على كفه اليمنى ويغسلها ثلاثا ثم يأخذه بيمينه ويصب الماء على كفه اليسرى ويغلسها ثلاثا ولا يدخل يده فيه، وإن كان كبيرا لا يمكن رفعه كالجب وشبهه، فإن كان معه كوز صغير يرفع الماء بالكوز ولا يدخل يده فيه ثم يغسل يديه على نحو ما بينا، فإن لم يكن معه كوز صغير أدخل أصابع اليد اليسرى مضمومة في الإناء ولا يدخل الكفّ ويرفع الماء من الجب ويصب على يده اليمنى ويدلك الأصابع بعضها ببعض فيفعل كذلك ثلاثا، ثم يدخل يده اليمنى بالغا ما بلغ في الإناء إن شاء، وقوله صلى الله عليه وسلم: لا يغمسن يده في الإناء محمول على ما إذا كانت الآنية صغيرة أو كبيرة ومعه آنية صغيرة، أما إذا كانت الآنية كبيرة وليس معه آنية صغيرة فالنهي محمول على الإدخال على سبيل المبالغة.
قوله: وَتَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي ابْتِدَاءِ الوُضُوءِ، اختلف في لفظ التسمية، قال الطحاوي رحمه الله تعالى يقول: بسم الله العظيم والحمد لله على الإسلام، وعن الوبري رحمه الله تعالى:: يتعوذ في ابتداء الوضوء ويبسمل للتبرك، والأفضل فيه أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم.
@
الجزء 1 · صفحة 27
وَالمُرَادُ بِهِ نَفْيُّ الفَضِيلَةِ، وَالأَصَحُ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ وَإِنْ سَمَّاهَا فِي الكِتَابِ سُنَّةً، وَيُسَمِّي قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَبَعْدَهُ، هُوَ الصَّحِيحُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وَالمُرَادُ بِهِ نَفْيُ الفَضِيلَةِ، لا نفي الجواز لئلا يلزم الزيادة على النص بخبر الواحد وهي نسخ، وهذا لأن الله تعالى أمر بالوضوء وهو غسل ومسح وما شرط التسمية فلو شرطناها بالخير لنسخنا النص به، ولأن قوله صلى الله عليه وسلم: من توضأ وسمى كان طهورا الجميع بدنه ومن توضأ ولم يسم كان طهورًا لأعضاء وضوئه، يقتضي وجود الوضوء بلا تسمية فحمل الأول على نفي الفضيلة ليعمل بها، ولما ثبت سنيتها للوضوء شرطت ابتداء لتكون للوضوء كله لا لبعضه، فإن قيل: هلا أوجبتموها كالفاتحة؟ قيل له: إنما جعلنا الفاتحة واجبة لمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم من غير الترك ولم ينقل نفس المواظبة فضلاً عن عدم الترك حتى قال في الكتاب والأصح أنها مستحبة لا سنة، إذ السنة لا تثبت بدون المواظبة، ولأن خبر الفاتحة ورد في الصلاة وإنها عبادة مقصودة، وهذا الخبر ورد في الوضوء وإنه ليس بعبادة أو ليس بمقصود، فانحطت رتبته عن الأول فأفاد السنة.
قوله: وَالأَصَحُ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ، لأن المواظبة لم تشتهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: وَإِنْ سَمَّاهَا فِي الكتاب، أي في مختصر القدوري، لأن لفظ المبسوط بلفظ الاستحباب.
قوله: هُوَ الصَّحِيحُ احتراز عن قولين آخرين قال بعضهم: يسمي قبل الاستنجاء ليقع الاستنجاء أيضا وهو سنة مع التسمية، وقال بعضهم: يسمي بعد الاستنجاء لأن قبله حال كشف العورة وذكر الله تعالى حال كشف العورة غير مستحب تعظيما لاسم الله تعالى، كذا في مبسوط شيخ الإسلام وفتاوى قاضي خان، ثم قال في فتاوى قاضي خان والأصح أن يسمي مرتين، والاختلاف في التسمية نظير الاختلاف في غسل اليد، فقال بعضهم يغسل يديه قبل الاستنجاء، وقال بعضهم بل يغسلهما بعد الاستنجاء، والأصح أن يغسلهما مرتين قبله وبعده.
@
الجزء 1 · صفحة 28
قَالَ: (وَالسَّوَاكُ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يُوَاظِبُ عَلَيْهِ وَعِنْدَ فَقْدِهِ يُعَالِجُ بِالإِصْبَعِ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَعَلَ كَذَلِكَ، وَالأَصَحُ أَنَّهُ مُسْتَحَبُّ.
قَالَ: (وَالمَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وَالسَّواك، أي استعماله، لأن السواك والمسواك اسم للخشبة المتعينة للاستياك، وذكر في المحيط أنه ينبغي أن يكون السواك من أشجار مرة لأنه يطيب نكهة الفم ويشدد الأسنان ويقوي المعدة، ويكون في غلظ الخنصر وطول الشبر، وليستاك عرضًا لا طولاً، فإن لم يجد فليتمسك بحديث علي رضي الله عنه: التشويص بالمسبحة والإبهام سواك، وأما وقته فذكر في كفاية البيهقي والوسيلة والشفاء أن السواك قبل الوضوء، وفي تحفة الفقهاء: زاد الفقهاء أنه سنة حالة المضمضة تكميلاً للإنقاء، وذكر في مبسوط شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ومن السنة حالة المضمضة أن يستاك.
قوله: كَانَ يُوَاظِبُ عَلَيْهِ، أي مع تركه أحيانًا بدليل أنه صلى الله عليه وسلم علم الأعرابي الوضوء ولم ينقل فيه تعليم السواك.
قوله: وَالمَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ، قيل المضمضة باليد اليمنى والاستنشاق باليد اليسرى، قال الزندويستي رحمه الله تعالى: الأولى أن يدخل إصبعه في فمه وأنفه والمبالغة فيهما سنة أيضًا، قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى: المبالغة في المضمضة إخراج الماء من جانب إلى جانب آخر، وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: المبالغة فيها الغرغرة، وقال الصدر الشهيد رحمه الله تعالى: المبالغة في المضمضة تكثير الماء حتى يملأ الفم فإن لم يملأ الفم يغرغر حينئذ والمبالغة في الاستنشاق أن يضع الماء
@
الجزء 1 · صفحة 29
لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَعَلَهُمَا عَلَى المُوَاظَبَةِ. وَكَيْفِيَّتهما أن يُمَضْمِضَ ثَلَاثًا، يَأْخُذُ لِكُلِّ مَرَّةٍ مَاءً جَدِيدًا، ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ كَذَلِكَ، هُوَ المَحْكِيُّ عَنْ وُضُوئِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ) وَهُوَ سُنَّةٌ بِمَاءِ الرَّأْسِ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْأَذْنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» وَالمُرَادُ بَيَانُ الحُكْمِ دُونَ الخِلْقَةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
على منخريه ويجذبه حتى يصعد.
قوله: لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَعَلَهُمَا عَلَى المُوَاظبة، ولا يقال: المواظبة تدل على الوجوب حتى قال أهل الحديث هما فرضان في غسل الجنابة والوضوء استدلالاً بالمواظبة، لأنا نقول: أنه صلى الله عليه وسلم كان يواظب في العبادات على ما فيه تحصيل الكمال كما كان يواظب على الأركان، وفي كتاب الله تعالى أمر بتطهير أعضاء مخصوصة والزيادة على النص لا تجوز إلا بما يثبت به النسخ، وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعرابي الوضوء ولم يذكرهما فيه مع أن فيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما موقوفا عليه ومرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «هما سنتان في الوضوء واجبتان في الغسل.
قوله: وَالمُرَادُ بَيَانُ الحُكْمِ، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يبعث لبيان الخلقة فثبت أنهما من أجزاء الرأس حكما، ولو كانتا من أجزائه حقيقة لسن إقامة وظيفتهما بماء واحد كسائر الأجزاء فكذا هذا، ولأن استيعاب الرأس بماء واحد سنة ولا يتم الاستيعاب بدونهما حيث جعلنا من الرأس، وهذا لأنه مسح زيد عن مسح مفروض فسن إقامة وظيفته بماء الرأس لا بماء جديد كالاستيعاب، وإنما لا يتأدى فرض المسح به لأنه ثبت بالكتاب وكونهما من الرأس ثبت بخبر الواحد فلا يتأدى به ما ثبت بالكتاب، كمن استقبل الحطيم بالصلاة لم يجز وإن كان من البيت، لأن فرضية استقبال القبلة ثبت بالنص وكون الحطيم من البيت ثبت بخبر الواحد، فإن قيل: لم لا يجعل الحديث بيانا لأن وظيفتهما المسح لا
@
الجزء 1 · صفحة 30
قَالَ: (وَتَخْلِيلُ اللَّحْيَةِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَرَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِذلِكَ، وَقِيلَ هُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللهُ -، جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةً وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللهُ، لِأَنَّ السُّنَّةَ إِكْمَالُ الفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ، وَالدَّاخِلُ لَيْسَ بِمَحَلَّ الفَرْضِ.
قَالَ: (وَتَخْلِيلُ الأَصَابِعِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - خَلَّلُوا أَصَابِعَكُمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الغسل من غير إثبات التبعية فكان الحديث بيانا أنهما من الممسوح؟ قلنا: لا يلزم من كون وظيفة الشيء المسح كونه من الرأس كالخف.
قوله: وَتَخْلِيلُ اللَّحْيَةِ، ذكر في الإيضاح وأما تخليل اللحية فليس بمسنون عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى هو مسنون، وكيفيته أن يخلل بعد التثليث من حيث الأسفل إلى فوق.
قوله: جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةً وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا الله، أي لو فعل لا ينسب إلى البدعة كما يبدع ماسح الحلقوم.
قوله: لِأَنَّ السُّنَّةَ إِكْمَالُ الفَرْضِ فِي مَحَلَّهِ، فإن قيل: يشكل بالمضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين؟ قلنا المضمضة والاستنشاق لتكميل وظيفة الوجه والفم والأنف من الوجه، وأما الأذنان فلما جعلنا من الرأس كان المسح في محل الفرض من وجه أيضًا.
قوله: وَتَخْلِيلُ الأصابع، يعني مبالغة في إيصال الماء لأن التخليل إنما يكون سنة بعد وصول الماء وقبله يكون فرضا.
قوله: لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: خَلَّلُوا أَصَابِعَكُمْ، في الكافي: كان ينبغي أن يكون واجبا نظرا إلى الأمر إلا أنه لا مدخل للوجوب في الوضوء لأنه شرط الصلاة فيكون تبعا لها، فلو قلنا بالوجوب هنا كما في الصلاة لساوى التبع الأصل، بخلاف النصين فيهما لظهور
@
الجزء 1 · صفحة 31
كَيْ لَا تَتَخَلَّلَهَا نَارُ جَهَنَّمَ وَلِأَنَّهُ إِكْمَالُ الفَرْضِ فِي مَحَلَّهِ.
قَالَ: (وَتَكْرَارُ الغَسْلِ إِلَى الثَّلَاثِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ: هُذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ، وَتَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ: هُذَا وُضُوءُ مَنْ يُضَاعِفُ اللَّهُ لَهُ الْأَجْرَ مَرَّتَيْنِ، وَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ: هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، فَمَنْ زَادَ عَلَى هُذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ، وَالوَعِيدُ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ سُنَّةٌ.
قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَفِّيْ أَنْ يَنْوِيَ الطَّهَارَةَ فَالنِّيَّةُ فِي الوُضُوءِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَرْضٌ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ فَلَا تَصِحٌ بِدُونِ النِّيَّةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
التفاوت هناك حيث يثبت التبع بثبوت الأصل ويسقط بسقوطه ولا كذلك هنا، والوعيد المذكور في الحديث متعلق بترك إيصال الماء، وكيفية التخليل أن يخلل بخنصر يده اليسرى فيبدأ بخنصر رجله اليمنى ويختم بخنصر رجله اليسرى.
قوله: فَمَنْ زَادَ عَلَى هُذَا، أي على التثليث، وعبارة أخرى أو زاد على الثلاث معتقدا أن كمال السنة لا يحصل بالثلاث أو نقص عنه معتقدا أن السنة هذا، فأما لو زاد الطمأنينة القلب عند الشك أو لنية وضوء آخر فلا بأس به، لأنه أمر بترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، كذا في المبسوط.
قوله: فَقَدْ تَعَدَّى، التعدى يرجع إلى الزيادة لأنه مجاوزة عن الحد، قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: (1)] والظلم يرجع إلى النقصان، قال الله تعالى: وَلَمْ تَظْلِمُ مِنْهُ شَيْئًا} [الكهف: (33)] أي لم تنقص.
قوله: فَالنِّيَّةُ فِي الوُضُوءِ سُنَّةٌ، هي أن ينوي إزالة الحدث أو إقامة إباحة الصلاة.
قوله: لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ، لأن العبادة فعل يؤتى بها تعظيما الله تعالى بأمره ويثاب عليه وهو
@
الجزء 1 · صفحة 32
كَالتَّيَمُّمِ، وَلَنَا: أَنَّهُ لَا يَقَعُ قُرْبَةٌ إِلَّا بِالنَّيَّةِ، وَلَكِنَّهُ يَقَعُ مِفْتَاحًا لِلصَّلَاةِ لِوُقُوعِهِ طَهَارَةٌ بِاسْتِعْمَالِ المُطَهِّرِ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ، لِأَنَّ التَّرَابَ غَيْرُ مُطَهِّرٍ إِلَّا فِي حَالِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
موجود في الوضوء، قال عليه الصلاة والسلام: الوضوء على الوضوء نور على نور يوم القيامة، فكان عبادة، والنية شرط صحة العبادة لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [البيئة: (5)] جعل الإخلاص وهو النية حالاً للعابدين والأحوال شروط وما لم ينو فما أخلصه عن الاستعمال للتبرد والتعليم أو العادة.
قوله: كَالتَّيَمُّم، يعني لو لم تشترط النية في الوضوء لما شرطت في بدله وهو التيمم، لأن البدل لا يفارق الأصل ولا تفرقه والنية لتحصيل العبادة ومتى لم تثبت في الأصل لا تثبت في البدل كإبدال المغصوب، وعكسه إبدال الكفارات.
قوله: وَلَنَا أَنَّهُ لَا يَقَعُ قُرْبَةٌ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، هذا قول بموجب العلة حيث التزم ما التزم الشافعي رحمه الله تعالى، يعني أن الوضوء لا يقع قربة إلا بالنية هذا مسلم، إلا أن الكلام فيما وراءه وهو أن استعمال الماء في أعضاء الوضوء هل يوجب الطهارة بدون النية أم لا؟ قلنا بأنه يوجب وذلك لأن أعضاء الوضوء محكومة بالنجاسة في حق الصلاة حيث أمرنا بالتطهير لحقها وهو لا يتحقق بدون النجاسة، إذ تطهير الطاهر محال والماء طهور بطبعه فإذا لاقى النجس طهره قصد المستعمل الطهارة أو لا، كالماء للإرواء والطعام للإشباع لأن استعمال آلة التطهير في محل قابل للتطهير يفيد الطهارة لا محالة، فإذا ثبتت الطهارة في أعضاء الوضوء بهذا الطريق كان مفتاحا للصلاة وإن لم ينو، لأن الوضوء جعل شرطا للصلاة بوصف كونه طهارة لا بوصف أنه قربة، بخلاف التيمم لأن التراب لم يعقل مطهرا فلا يكون
@
الجزء 1 · صفحة 33
إِرَادَةِ الصَّلَاةِ، أَوْ هُوَ يُنْبِئُ عَنِ القَصْدِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مزيلاً للحدث أصلاً، فلم يبق فيه إلا معنى التعبد وذلك لا يحصل بدون النية، فإن قيل: في الوضوء مسح والمسح غير مطهر بنفسه وضعا؟ قلنا: الماء مطهر بنفسه لا يفعلنا إلا أنه إذا قل حتى لم يكن سيالاً ضعف عن التطهير للنجاسة الحقيقية لأن تطهيرها في إزالة عينها، وفيما نحن فيه النجاسة ضعيفة لأنه حكمي دون العين فاستغنى عن الإزالة لإفادة الطهر فصار البلل كالسائل الذي يقدر على الإزالة في إفادة الطهر، كذا في الأسرار.
قوله: أَوْ هُوَ يُنْبِئُ عَنِ القَصْدِ، يريد به أن آية الوضوء ظاهرة المعنى في وجوب الغسل والمسح وليس فيه ما يدل على النية فكان اشتراط النية زيادة على النص، وذلك لا يجوز بالقياس وبخبر الواحد بخلاف التيمم فإنه عبارة عن القصد لغة، قال الله تعالى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ} [البقرة: (267)] أي لا تقصدوا، فكان اشتراط النية فيه ثابتا بالعبارة، فإن قيل: لا نسلم بأنه ليس في الآية ما يدل على النية بل فيها دليل على اشتراط النية، وذلك لأن وجوب حكم الغسل خرج مخرج الجزاء للشرط فيتقيد به فحينئذ يكون تقديره: فاغسلوا هذه الأعضاء للقيام إلى الصلاة، ولا يعني بالنية سوى أن غسل هذه الأعضاء للقيام إلى الصلاة، فكان هذا نظير قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَة) [النساء: (92)] فيشترط التحرير بنية هذه الكفارة، وإلا فلا يجوز تعلق الجزاء بالشرط فكذا هذا، قلنا: هذا مسلم فيما كان ذلك حكما غير شرط لحكم آخر، وأما إذا كان هذا الحكم شرطا لحكم آخر لا يشترط النية في هذا الشرط لأن الشرط يراعى وجوده مطلقا لا وجوده قصدًا، كما في قوله تعالى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: (9)] لما كان السعي شرطاً لأداء الجمعة لا يشترط في السعي نية أن يكون للجمعة حتى أنه إذا سعى بغير قصد أداء الجمعة وحضر الجمعة فأدى يجوز، فالحاصل أن المتوضي إذا نسى مسح الطهارة فأصابه المطر أو جرى الماء على أعضاء وضوئه أو علم الوضوء إنسانًا أو توضأ للتبرد هل يكون مفتاحا للصلاة؟ عندنا يكون وعند الشافعي رحمه الله تعالى لا يكون، والنية شرط
@
الجزء 1 · صفحة 34
(وَيَسْتَوْعِبُ رَأْسَهُ بِالمَسْحِ) وَهُوَ سُنَّةٌ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: السُّنَّةُ التَّثْلِيثُ بِمِيَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ اعْتِبَارًا بِالمَغْسُولِ، وَلَنَا: أَنَّ أَنَسًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةٌ وَقَالَ: «هَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». وَالَّذِي يُرْوَى مِنَ التَّثْلِيثِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ عَلَى مَا رَوَى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
للوضوء الذي هو قربة وعبادة بالاتفاق.
قوله: وَيَسْتَوْعِبُ رَأْسَهُ بِالمَسْحِ، وكيفيته أن يضع من كل واحدة من اليدين ثلاث أصابع على مقدم رأسه ولا يضع الإبهام والمسبحة ويجافي كفيه ويمدهما إلى القفا ثم يضع كفيه على مؤخر رأسه ويمدهما إلى المقدم ثم يمسح ظاهر أذنيه بإبهاميه وباطنهما بمسبحيه، كذا في المستصفى، وزاد في النهاية ويمسح رقبته بظهر اليدين حتي يصير ماسحا ببلل لم يصر مستعملا، قلت: هذا لبيان الأفضل، ويجوز أن يستوعب رأسه بالمسح بثلاث أصابع لأن الماء لا يعطى له حكم الماء المستعمل حال الاستعمال، نص على ذلك في المبسوط فقال: فكما أن في المغسولات الماء في العضو لا يصير مستعملا فكذا في إقامة السنة في الممسوح ولكن يجب أن يستعمل فيه ثلاث أصابع اليد في الاستيعاب ليقوم الأكثر مقام الكل حتى أنه لو مسح بإصبعيه بجوانبها الأربع لا يجوز في الأصح لعدم استعمال أكثر الأصابع.
قوله: وَالَّذِي يُرْوَى مِنَ التَّثْلِيثِ، هو ما روي عن عثمان وعلي رضي الله عنهما أنهما حكيا وضوء رسول الله عليه الصلاة والسلام فغسلا ثلاثا ومسحا بالرأس ثلاثا ثلاثا، قلنا: المشهور عنهما أنهما غسلا ثلاثا ومسحا بالرأس مرة واحدة، ولئن ثبت ما روي فمحمول على أن التكرار ثلاثا كان بماء واحد، وما روي أنه مسح مرة محمول على أنه استوعب الكل بالمرة الواحدة، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
قوله: وَهُوَ مَشْرُوعٌ، على ما روي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، روى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى إذا مسح ثلاثا بماء واحد كان مسنونا، فإن قيل: اليد صار
@
الجزء 1 · صفحة 35
الحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلِأَنَّ المَفْرُوضَ هُوَ المَسْحُ وَبِالتَّكْرَارِ يَصِيرُ غَسْلًا، وَلَا يَكُونُ مَسْئُونًا، فَصَارَ كَمَسْحِ الخُفْ بِخِلَافِ الغَسْلِ لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ التَّكْرَارُ. قَالَ: (وَيُرَتِّبُ الوُضُوءَ فَيَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِذِكْرِهِ وَبِالْمَيَامِنِ)، فَالتَّرْتِيبُ فِي الوُضُوءِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فَرْضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: (6)] الآيَةَ، وَالفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ. وَلَنَا: أَنَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مستعملا بالمرة الأولى فكيف يسن إمراره ثانيا وثالثا؟ ولهذا قلنا لو مسح رأسه بإصبع واحد ومده حتى صار قدر ثلاث أصابع لم يجز حتى يعيد إلى الماء عندنا خلافًا لزفر رحمه الله تعالى، لأن فرض المسح يتأدى بالإصابة، فإذا وضع الأصابع يتأدى الفرض فيأخذ حكم الاستعمال، قيل: على ما ذكرنا من رواية المبسوط لا يصير مستعملاً، وإنما لم يجز ذلك لأن الواجب أن يستعمل فيه ثلاث أصابع اليد على الأصح ولئن أخذ حكم الاستعمال لإقامة فرض آخر لا يأخذه في إقامة السنة لأنها تبع للفرض فلا يفصل عن الأصل، ألا ترى أنه يسن الاستيعاب بماء واحد.
قوله: وَالفَاء لِلتَّعْقِيب، أي مع الوصل فيقتضي غسل الوجه عقيب القيام إلى الصلاة، ويمنع تخلل عضو آخر بينهما تحقيقا للاتصال، فلما ثبت وجوب ترتيب غسل الوجه على القيام بمقتضى الفاء على ما ذكرنا ثبت الترتيب في سائر الأعضاء لعدم القائل بالفصل، فإن كل من كان قائلا بترتيب غسل الوجه على القيام قائل بترتيب سائر الأعضاء عليه، وكل من لم يقل ذلك لم يقل هذا، ولنا أن المأمور به غسل هذه الأعضاء لأنه عطف بعضها على بعض بالواو وهو المطلق الجمع بلا تعرض لمقارنة ولا ترتيب، والجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع فيقتضي تعقيب الجملة كأنه قال: فاغسلوا هذه الأعضاء الثلاثة، وذا لا يوجب الترتيب، وفي هذا عمل بالسنة ودلالة الإجماع والمعقول، أما السنة فهي ما ذكر أبو داؤد في سننه: أن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم فبدأ بذراعيه قبل وجهه، والخلاف فيهما واحد،
@
الجزء 1 · صفحة 36
المَذْكُورَ فِيهَا حَرْفُ الوَاءِ، وَهِيَ لِمُطْلَقِ الجَمْعِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ، فَتَقْتَضِي إِعْقَابَ غَسْلِ جُمْلَةِ الأَعْضَاءِ. وَالبُدَاءَةُ بِالمَيَامِنِ فَضِيلَةٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إِنَّ الله تَعَالَى يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى التَّنَعْلِ وَالتَّرَجُلِ».
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وروي أنه صلى الله عليه وسلم نسي مسح رأسه في وضوئه فتذكر بعد فراغه فمسحه ببلل كفه، وأما دلالة الإجماع فإنه لو انغمس في الماء بنية الوضوء أجزأه وإن لم يوجد الترتيب، وأما المعقول فإنهم وضعوا الفاء للترتيب مع الوصل، فلو قلنا بأن الواو يوجب الترتيب لكان تكرارا وهو خلاف الأصل إذ الأصل أن يكون كل كلمة موضوعة لمعنى خاص، ومن الدليل على كون الواو موضوعاً للجمع المطلق صحة قولهم: اشترك زيد وعمرو، بالواو دون الفاء، ولا معنى للافتراق هنا في الصحة وعدمها سوى أن الفاء للترتيب ولا يتصور الترتيب هنا فلم يصح الواو للجمع المطلق والمقام يستدعيه فصح.
قوله: وَالبُدَاءَةُ بِالمَيَامِنِ فَضِيلَةٌ، لأن التيامن ليس من خصائص الوضوء كالتسمية.
قوله: حَتَّى التَّنَعْلِ وَالتَّرَجُلِ، في المغرب: رَجَل شعره، أرسله بالمرجل وهو المشط، وترجل فعل ذلك بشعر نفسه، ومنه في تنعله وترجله، ونهى عن الترجل إلا غبا) وتفسيره بنزع الخف خطأ، وفي مبسوط شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ومن الناس من زعم أن المراد من الترجل نزع الخفين عن الرجل، ولكن ذلك خطأ محض لأن السنة في النزع أن يبدأ باليسار، والله أعلم.
@
الجزء 1 · صفحة 37
فَضْلُ فِي نَوَاقِضِ الوُضُوءِ
(المَعَانِي النَّاقِضَةُ لِلْوُضُوءِ: كُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَابِطِ} [المائدة: (6)] وَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فصل في نواقضِ الوُضُوءِ
هي جمع ناقضة، والنقض متى أضيف إلى الأجسام يراد به إبطال تأليفها، ومتى أضيف إلى غيرها يراد به إخراجه عما هو المطلوب منه، كذا ذكره القاضي الإمام ظهير الدين رحمة الله تعالى عليه، والمطلوب هنا من الوضوء استباحة الصلاة.
قوله: المعاني، العلل، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى معان ثلاث، قيل: ذكر المعاني احتراز عن ذكر لفظ مستعمل الفلاسفة كثيرا.
قوله: مَا يَخْرُجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ، أي خروج ما يخرج منهما، لأنه علة الانتقاض وهي عبارة عن المعنى.
قوله: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَابِطِ، وهو المطمئن من الأرض، واستعمل للحدث مجازا، لأنه يقضى في مثل هذا الموضع تيسيرًا، فقد أمر بالتيمم عند عدم الماء للجائي من الغائط فيكون ناقضا للوضوء ضرورة، لأن التيمم لا يجب على المتوضي لأن الأمر بالتيمم عند عدم الماء أمر بالتوضي عند وجوده دلالة، ووجوبه دليل على الانتقاض ضرورة.
@
الجزء 1 · صفحة 38
وَسَلَّمَ -: مَا الحَدَثُ؟ قَالَ: «مَا يَخْرُجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ، وَكَلِمَةُ «مَا عَامَّةٌ فَتَتَنَاوَلُ المُعْتَادَ وَغَيْرَهُ. وَالدَّمُ وَالقَيْحُ إِذَا خَرَجًا مِنَ البَدَنِ فَتَجَاوَزَا إِلَى مَوْضِعِ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ، وَالقَيْءُ مِلْءَ الفَمِ) وَقَالَ: الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ الله -: الخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ لَا يَنْقُضُ الوُضُوءَ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَاءَ فَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَلِأَنَّ غَسْلَ غَيْرِ مَوْضِعِ الإِصَابَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وَكَلِمَةُ مَا عَامَّةٌ فَتَتَنَاوَلُ المُعْتَادَ وَغَيْرَهُ، فيه نفي لقول مالك رحمه الله، فإن غير المعتاد كدم الاستحاضة لا ينقض الطهارة عنده، وقوله صلى الله عليه وسلم: «كل ما يخرج من السبيلين» ليس بمجرى على عمومه، إذ الريح الخارج من القبل والذكر ليس بناقض، كما قال في آخر هذا الفصل.
قوله: إِذَا خَرَجًا مِنَ البَدَنِ فَتَجَاوَزَا، شرط الخروج لأن نفس النجاسة غير ناقض ما لم توصف بالخروج، إذ لو كان نفسها ناقضا لما حصلت الطهارة لشخص ما، وشرط التجاوز وإن كان الخروج إنما يتحقق بالتجاوز احترازًا عما يبدو لأن ذلك لا يسمى خارجا، وزفر رحمه الله تعالى ظن البادي خارجا وقال فيه بانتقاض الطهارة فيجب الاحتراز عنه.
قوله: حُكْمُ التَّطْهِير، أي حكم هو تطهيره كما يقال علم الطب، والمراد أن يجب تطهيره في الجملة في الحدث أو الجنابة حتى لو سال الدم من الرأس إلى ما لآن من الأنف انتقض الوضوء، إذ الاستنشاق فرض في الجنابة، بخلاف البول إذا نزل إلى قصبة الذكر ولم يظهر، لأن هناك النجاسة لم تصل إلى موضع يلحقه حكم التطهير، وعن هذا قلنا إذا كان في عينه قرحة ووصل الدم منها إلى جانب آخر من عينه فلا ينقض وضوءه، لأنه لم يصل إلى موضع يجب غسله في الجملة.
قوله: قَاءَ فَلَمْ يَتَوَضَّأ، وكان من عادته صلى الله عليه وسلم الوضوء عقيب كل حدث،
@
الجزء 1 · صفحة 39
أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ، فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ، وَهُوَ المَخْرَجُ المُعْتَادُ، وَلَنَا: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَم سَائِلٍ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأُ وَلِيَيْنِ عَلَى صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ»،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وروي أنه قاء فغسل فمه، فقيل له: ألا تتوضأ وضوءك للصلاة؟ فقال: هكذا الوضوء من القيء، ذكره محلى بالألف واللام فيصرف إلى الجنس فيشمل القليل والكثير، وإنما يصرف إلى المعهود إذا كان متعينا، أما لو كان محتملا فلا، والمعهود هنا تردد بين أن يكون قليلاً أو كثيرا، على أنا لو حملناه على الجنس يندرج تحته المعهود فكانت الفائدة أعم.
قوله: أَمْرٌ تَعَبدِي، أي تعبدنا الله تعالى وكلفنا غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس عند خروج الحدث من السبيلين من غير أن يدركه العقول، لأن الأعضاء غير متصفة بالنجاسة إذ علة الاتصاف قيام النجاسة ولم توجد بل قامت بمحل آخر فلا يوجب تنجس موضع آخر، لأن العلة معنى يحل بالمحل فيتغير به المحل الذي يقوم به العلة لا غيره فتبقى طاهرة كما كانت، والأمر بالتطهير وهي طاهرة اثبات الثابت وإزالة المزال وكلاهما محال، فيقتصر على مورد الشرع لأن شرط القياس أن يكون الحكم في الأصل على وفق القياس، لأنه لو كان بخلافه كيف يقتضي القياس ثبوته في محل آخر مع أنه ينفيه في الأصل.
قوله: وَلَنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ»، أي يجب لاقتضاء الجار والمجرور الفعل، وتعين الوجوب لأنه إخبار وهو أكد من الأمر المقتضي للإيجاب.
قوله: أَوْ رَعَفَ، قال العلامة المطرزي رحمه الله تعالى): رعف سال رعافه، وفتح
@
الجزء 1 · صفحة 40
وَلِأَنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ مُؤَكِّرٌ فِي زَوَالِ الطَّهَارَةِ، وَهَذَا القَدْرُ فِي الْأَصْلِ مَعْقُولُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
العين هو الفصيح الاستدلال بالحديث من وجوه أحدها: أنه صلى الله عليه وسلم أمرنا بالانصراف، ولا يباح الانصراف بعد الشروع إلا بعد الانتقاض لأن المضي واجب، والثاني: أنه أمر بالوضوء، وهو للوجوب والوضوء الواجب لا يكون إلا من الحدث، والثالث: أنه أمر بالبناء، وأدنى درجات الأمر الإباحة والجواز، ولا جواز للبناء إلا بعد الانتقاض، لا يقال: جاز أن يكون الأمر بالانصراف لغسل ما أصاب من الرعاف أو القي بدنه أو ثوبه، ويكون المراد بالوضوء الغسل، وقد أريد بالوضوء غسل الفم في قوله صلى الله عليه وسلم: هكذا الوضوء من القيء، لأنا نقول: لا يجوز لوجهين، أحدهما: جواز البناء بدليل قوله: وليبن» فإن الانصراف لغسل الثوب أو البدن عن القيء والرعاف يفسد بالاتفاق، والثاني: الاستدلال بالأمر بالتوضئ، فإن مطلق الوضوء ينصرف إلى المعهود في الشرع، إذ كل متكلم يتكلم باصطلاحه، فدل الإطلاق من مبين الشرع على أنه أراد الوضوء الشرعي، ويؤيده ما ذكر في رواية أخرى: «أو أمذى وعن المذي لا يجب إلا الوضوء الشرعي، فكذا عن غيره لأن الأمر واحد، والنبي عليه الصلاة والسلام إنما عبر عن غسل الفم بالوضوء على طريق المشاكلة لجواب سائل قال له حين قاء فغسل فمه ألا تتوضأ وضوءك للصلاة؟، فإن قلت: قوله صلى الله عليه وسلم: «وليبن ليس للوجوب فكذا قوله: «فلينصرف وليتوضأ» ليناسب أحكام المعطوفات؟ قلنا: القرآن في النظم لا يوجب القران في الحكم، وترك الأصل في جملة بدليل الإجماع لا يدل على تركه في جملة أخرى ولا إجماع ثمه، واعتبر بقوله تعالى: كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: (141)] والثاني للوجوب والأول للإباحة.
قوله: وَلِأَنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ مُؤَكِّرٌ فِي زَوَالِ الطَّهَارَة، وهذا التعليل يتوقف على مقدمات، إحداها بيان معلولية النص الوارد في الأصل أي السبيلين فنقول: هو معلول لأنه تعدى إلى الثقبة التي تحت السرة، فإن الرواية منصوصة بأن الإنسان إن طعن في السرة فخرج
@
الجزء 1 · صفحة 41
وَالاقْتِصَارُ عَلَى الأَعْضَاءِ الأَرْبَعَةِ غَيْرُ مَعْقُولٍ، لَكِنَّهُ يَتَعَدَّى ضَرُورَةَ تَعَدِّي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
البول أو العذرة انتقضت الطهارة عند الشافعي رحمه الله تعالى، فثبت أنه معلول ولا تعدى بلا تعليل، والثانية: بيان العلة في الأصل فهي الخارج النجس، لأن الحكم إنما يتعلق بالمخرج أو بالخارج، أو بالنجس، أو بواحد غير معين، أو بالمجموع، أو بالخارج والمخرج، أو بالمخرج والنجس، أو بالخارج والنجس، لا يجوز الأول لأن المحال لا تدخل تحت التعليل لئلا ينسد باب التعليل وهو مفتوح، فما يؤدي إلى انسداده فهو مردود، ولأن المخرج لا يرى علة فلو تعلق الانتقاض به لكان منتقض الطهارة في كل الأحوال، ولا يتعلق بالخارج فالبزاق والمخاط لا ينقضان، ولا يتعلق بالنجس لما مر في المخرج، ولم يضف إلى واحد غير معين لأن كل معين لما لم يصلح للإضافة لا يصلح أحدها ضرورة، وبما مر عُرف بطلان باقي الوجوه سوى الوجه الأخير فتعين مرادا، والثالثة: بيان التأثير فنقول: إنه مؤثر إذا ظهر أثره في موضع من المواضع، لأنه صلى الله عليه وسلم قال: توضئي وصلي فإنها دم عرق انفجر أوجب الطهارة لمعنى النجاسة وعلقه بالانفجار وله أثر في الخروج، الرابعة: بيان أن العلة موجودة في الفرع فنقول: هي موجودة فيه، ولهذا استويا في تنجس الثوب بإصابتهما، فلم يبق من بعد إلا التعدية من الأصل إلى الفرع لوجود العلة المشتركة، فإن قيل: سلمنا أن الخارج النجس علة لانتقاض الطهارة وهو معقول أي مدرك بعقولنا، إذ الطهارة مع النجاسة ضدان فلما اتصف بالنجاسة زالت الطهارة ولكن الاقتصار على الأعضاء الأربعة غير معقول، فكان ينبغي أن يغسل محل النجاسة أو كل البدن كما في الحيض والنفاس والجنابة؟ قلنا: ما هو معقول يجب تعديته لأنا كلفنا بالاعتبار وتعدية الأحكام، وما هو غير معقول وهو الاقتصار على الأعضاء الأربعة لا يمتنع تعديته ضمنا وضرورة، وهذا لأنه لا يخلو إما أن يتعدى وحده أو مع لازمه، لا يجوز الأول إذ لا وجود للشيء بدون لازمه، ولأن من شرط صحة القياس أن يتعدى الحكم الثابت في الأصل بلا تغير، حتى إذا ثبت الحكم في الأصل بصفته ولازمه لا يجوز تعديته بدونهما فتعين تعديته بصفته ولازمه وإن كانت مخالفة للقياس، وفي الأصل أعني الخارج من السبيلين الحكم مشتمل على أمر معقول إصالة وهو زوال الطهارة وغير معقول تبعا وضمنا وهو الاقتصار على الأعضاء الأربعة، لأنه ثبت مرتبا عليه فكان تبعا فيجب أن يثبت الحكم في الفرع على وفاق ذلك مشتملاً على أمر معقول وغير معقول لئلا يلزم تغير حكم النص في الفرع، وهذا كسقوط الجودة في باب الربا يتعدي إلى غير المنصوص عليه ضرورة تعدي وجوب التسوية لوجود العلة وهي القدر والجنس أو الطعم مع الجنس، مع أنه يلزم منه تعدية أمر غير معقول وهو استواء الجيد والرديء، لكن لما كان ضمنا وضرورة لم يعبأ به، كذا هنا، وهذا لأن الشيء متى ثبت في ضمن غيره لا يعطى له حكم نفسه، وإنما يعطى له حكم المتضمن كالوكالة الثابتة في ضمن الرهن، فإنها تلزم وإن كانت من العقود الجائزة وكذا نية الإقامة من شرطها ثبوت المدر ثم يصير الجندي مقيما في الفيافي بنية إقامة الأمير في المصر، وهذا كثير النظير، على أن الاقتصار معقول، لأن الأصل أن يغسل كل الأعضاء لأن كله موصوف بالحدث لأنه لا يتجزأ في حق جواز أداء الصلاة، إذا ثبت في البعض ثبت في الكل، ولأن الصفة متى ثبت في البعض يتصف الكل به كالعلم والإرادة فإنهما قائمان بالقلب ويوصف الذات بهما، فإن قيل: على ما ذكرت ينبغي أن يتصف كل البدن بالنجس عند إصابة النجس بعضه، فيجب تطهير كله عند وجوب تطهير بعضه؟ قلنا: هذا معارضة في موضع الإجماع فلا يرد، ولأن غسل المخرج لما وجب، إذ القيام بين يدي الرب سبحانه تعالى مستصحباً للقذر إساءة في الأدب، وجب غسل الباقي، لأن غسل البعض دون البعض مخل بالزينة كغسل بعض الثوب الوسخ، والتزيين هو المطلوب فيجب غسل كل البدن تحقيقا لمعنى التزيين، إلا أنه اقتصر على هذه الأعضاء الأربعة دفعا للحرج فيما يكثر وقوعه ويعتاد تكراره، وأقر على القياس فيما لا حرج فيه وهو الحيض والنفاس والجنابة.
@
الجزء 1 · صفحة 42
الأَوَّلِ، غَيْرَ أَنَّ الخُرُوجَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالسَّيْلَانِ إِلَى مَوْضِعِ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ، وَبِمِلْءِ الفَمِ فِي القَيْءِ لِأَنَّ بِزَوَالِ القِشْرَةِ تَظْهَرُ النَّجَاسَةُ فِي مَحَلَّهَا فَتَكُونُ بَادِيَةٌ لَا خَارِجَةٌ، بِخِلَافِ السَّبِيلَيْنِ، لِأَنَّ ذُلِكَ الْمَوْضِعَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ، فَيُسْتَدَلُّ بِالظُّهُورِ عَلَى الانْتِقَالِ وَالخُرُوجِ، وَمِلْءُ الفَمِ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ إِلَّا بِتَكَلَّفٍ، لِأَنَّهُ يَخْرُجُ ظَاهِرًا فَاعْتُبِرَ خَارِجًا، وَقَالَ: زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَلِيلُ القَيْءِ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ، وَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ السَّيَلَانُ عِنْدَهُ، اعْتِبَارًا بِالمَخْرَجِ المُعْتَادِ، وَلِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «القَلْسُ حَدَثٌ»، وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَيْسَ فِي القَطْرَةِ وَالقَطْرَتَيْنِ مِنَ الدَّمِ وُضُوءٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ سَائِلًا وَقَوْلُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ عَدَّ الأَحْدَاثَ جُمْلَةٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: غَيْرَ أَنَّ الخُرُوج، جواب السؤال مقدر وهو أن يقال: شرط صحة القياس أن لا يتغير حكم الأصل ولم يوجد، إذ في الأصل وهو الخارج من السبيلين استوى القليل والكثير، وفي الفرع لا؟ قلنا: مناط الحكم في الأصل والفرع هو الخروج، والخروج إنما يتحقق بالانتقال عن موضع النجاسة، وفي الأصل يحصل بمجرد الظهور، لأن ذلك الموضع ليس موضع النجاسة، فإذا ظهرت علم أنها انتقلت إلى موضع آخر، وفي الفرع لا يتحقق الخروج إلا بالسيلان، لأن تحت كل جلدة رطوبة فإذا زالت كانت بادية لا خارجة، كالبيت إذا انهدم كان الساكن ظاهرا لا منتقلا عن موضعه.
قوله: وَبِملء الفم، معطوف على قوله بالسيلان، وهو أن يكون بحيث لو لم يتكلف لخرج، وقيل: أن يمنعه من الكلام، وقيل: أن يزيد على نصف الفم، كذا في النهاية.
قوله: لَيْسَ فِي القَطْرَةِ وَالقَطرَتَيْنِ، أراد به القلة وسماها قطرة لأنه على عرضية التقاطر ويدل عليه قوله: إلا أن يكون سائلاً.
@
الجزء 1 · صفحة 43
أَوْ دَسْعَةً تَمْلَأُ الفَمَ، وَإِذَا تَعَارَضَتِ الأَخْبَارُ يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ - عَلَى القَلِيلِ، وَمَا رَوَاهُ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى الكَثِيرِ، وَالفَرْقُ بَيْنَ المَسْلَكَيْنِ قَدْ بَيَّنَّاهُ، وَلَوْ قَاءَ مُتَفَرِّقًا بِحَيْثُ لَوْ جُمِعَ يَمْلَأُ الفَمَ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللهُ - يُعْتَبَرُ اتَّحَادُ المَجْلِسِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: أَوْ دَسْعَةٌ تَمْلَأُ الفم، الدسعة القيئة، يقال: دسع إذا قاء ملأ الفم، وأصل الدسع الدفع، ولو كان ما دونه حدثا عنده لم يحل له السكوت عند بيان الجملة، فثبت أنه كان يراه حدثا بهذا القيد.
قوله: وَإِذَا تَعَارَضَتِ الأَخْبَارُ يُحْمَلُ، لأن الأصل في الأدلة الأعمال وفي الحمل ذلك.
قوله: يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، وهو قاء فلم يتوضأ على القليل، وهو الظاهر من حاله صلى الله عليه وسلم، لأن الكثير نتيجة كثرة الأكل وهو عليه الصلاة والسلام كان بمعزل عن ذلك، ولأنه حكاية حال فلا عموم له، والقليل مراد بالإجماع فلم يبق الكثير مرادا، أو أنه صلى الله عليه وسلم لم يتوضأ عن القيء في فوره ذلك، وغسل فمه وقال: «هكذا الوضوء من القيء أي لأجل القيء نفسه، فإن الزيادة تجب عند إرادة الصلاة، أما غسل الفم عن النجاسة فيجب حال القيء، ويدل عليه ما روي في رواية أخرى أنه صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ، والفاء يوجب التعليق به كقولك: سقاه فأرواه.
قوله: وَمَا رَوَاهُ زُفَرُ رَحِمَهُ اللهُ عَلَى الكَثِيرِ، لأن القلس مصدر قلس إذا قاء ملأ الفم، ذكره في المغرب.
قوله: وَالفَرْقُ بَيْنَ المَسْلَكَيْنِ، أي بين السبيلين وغيرهما قدمناه، وهو قوله: غير أن الخروج يتحقق بالسيلان، إلى آخره.
قوله: فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللهُ - يُعْتَبَرُ اتَّحَادُ المَجْلِسِ، لأن لاتحاد المجلس
@
الجزء 1 · صفحة 44
يُعْتَبَرُ اتَّحَادُ السَّبَبِ وَهُوَ الغَثَيَانُ، ثُمَّ مَا لَا يَكُونُ حَدَثًا لَا يَكُونُ نَجَسًا، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجَسٍ حُكْمًا حَيْثُ لَمْ تَنْتَقِضْ بِهِ الطَّهَارَةُ وَهُذَا إِذَا قَاءَ مِرَّةً أَوْ طَعَامًا أَوْ مَاءً،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أثر في جمع المتفرقات، ولهذا تتحد الأقوال المتفرقة في النكاح والبيع وسائر العقود باتحاد المجلس، وكذلك التلاوات المتعددة لآية السجدة تتعدد بتعدد المجلس وتتحد باتحاده وعند محمد رحمه الله تعالى اتحاد السبب وهو الغثيان، أي إذا قاء ثانيا قبل سكون نفسه من الهيجان والغثيان كان السبب متحدا، وإن قاء بعده كان السبب مختلفا، لأن لاتحاد السبب أثر أيضًا في اتحاد الحكم، ولهذا لو جرح إنسانا جراحات ومات منها قبل تخلل البرء يتحد الموجب، ومتى تخلل البرء يختلف الموجب، وكذا لو مرض العبد في يد البائع فبرئ فباعه فمرض في يد المشتري إن كان هذا المرض بالسبب الذي في يد البائع يتمكن من الرد، وإلا فلا، وكذلك البول في الفراش والسرقة والإباق، وذكر في الكافي والأصح قول محمد رحمه الله تعالى، لأن الأصل إضافة الأحكام إلى الأسباب، وإنما ترك في بعض الصور للضرورة كما في سجدة التلاوة، إذ لو اعتبر السبب لا يبقى التداخل لأن كل تلاوة سبب، وفي الأقارير اعتبر المجلس للعرف، وفي الإيجاب والقبول لدفع الضرر.
قوله: وَهُوَ الصَّحِيحُ، احتراز عن قول محمد رحمه الله تعالى فإنه نجس عنده، والمذكور في الكتاب قول أبي يوسف رحمه الله تعالى خاصة، حتى إذا أخذ ذلك بقطنة والقى في الماء لا يتنجس الماء عند أبي يوسف رحمه الله تعالى، وكذا إذا أصاب ثوبه منه أكثر من قدر الدرهم منع الصلاة عند محمد رحمه الله تعالى، وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى لا، ثم بعض مشائخنا رحمهم الله تعالى أخذوا بقول محمد رحمه الله تعالى احتياطا، وبعضهم أخذوا بقول أبي يوسف رحمه الله تعالى، وهو اختيار المصنف رحمه الله تعالى رفقا بالناس خصوصا في حق أصحاب القروح.
@
الجزء 1 · صفحة 45
فَإِنْ قَاءَ بَلْغَمًا فَغَيْرُ نَاقِضٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةً وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ: أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللهُ - نَاقِضٌ إِذَا كَانَ مِلْءَ الفَمِ، وَالخِلَافُ فِي الْمُرْتَقِي مِنَ الجَوْفِ، أَمَّا النَّازِلُ مِنَ الرَّأْسِ فَغَيْرُ نَاقِضِ بِالْاتَّفَاقِ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ، لِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللهُ - أَنَّهُ نَجِسٌ بِالمُجَاوَرَةِ، وَلَهُمَا أَنَّهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: فَإِنْ قَاءَ بَلْغَمًا، إلى آخره، قال الإمام المحبوبي رحمه الله تعالى في الجامع الصغير: هذا الاختلاف يرجع إلى اختلافهم أن البلغم طاهر أم نجس؟ عندهما طاهر، وعند أبي يوسف رحمه الله نجس، وحكي عن الإمام أبي منصور الماتريدي رحمه الله تعالى قال: ليس هذا اختلاف حجة بل اختلاف صورة، فتصور لأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى أن البلغم يهيج من جوانب الفم فأجابا أنه طاهر، وتصور لأبي يوسف رحمه الله تعالى أنه يهيج من البطن ويعلو منه فأجاب بأنه نجس، وفي المبسوط: فأبو يوسف رحمه الله تعالى يقول: البلغم إحدى الطبائع الأربع فكان نجسا كالمرة والصفراء، وقالا: البلغم بزاق والبزاق طاهر ومعنى هذا أن الرطوبة في أعلى الحلق ترق فيكون بزاقا، وفي أسفله يتنجس فيكون بلغما، وبهذا تبين أن خروجه ليس من المعدة بل من أسفل الحلق وهو ليس بموضع النجاسة، والبلغم هو النخامة، وقال صلى الله عليه وسلم لعمار رضي الله عنه: «ما نخامتك ودموع عينك والماء الذي في ركوتك إلا سواء».
قوله: وَلَهُمَا أَنَّهُ لَزِجٌ لَا تَتَخَلَّلُهُ النَّجَاسَةُ، فإن قيل: ينقض هذا ببلغم يقع في النجاسة ثم
@
الجزء 1 · صفحة 46
لَزِجٌ لَا تَتَخَلَّلُهُ النَّجَاسَةُ، وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ قَلِيلٌ، وَالقَلِيلُ فِي القَيْءِ غَيْرُ نَاقِضِ (وَلَوْ قَاءَ دَمًا وَهُوَ عَلَى يُعْتَبَرُ فِيهِ مِلْءُ الفَمِ لِأَنَّهُ سَوْدَاءُ مُحْتَرِقَةٌ) وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ - اعْتِبَارًا بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ، وَعِنْدَهُمَا إِنْ سَالَ بِقُوَّةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يرفع، يحكم بنجاسته؟ قلنا: لا رواية في هذه المسئلة، ولئن سلم فالفرق بينهما أن البلغم ما دام في الباطن يزداد ثخانته فتزداد لزوجته فإذا انفصل عن الباطن تقل ثخانته فتقل لُزُوجَتَهُ، وإذا قل لزوجته ازدادت رفته، ولرقته جاز أن يقبل النجاسة بخلاف ما إذا كان في باطنه، وكان الطحاوي رحمه الله تعالى يميل إلى قول أبي يوسف رحمه الله تعالى، حتى كان يكره للإنسان أن يأخذ البلغم بطرف ردائه ويصلي معه، كذا في الفوائد الظهيرية.
قوله: وَلَوْ قَاءَ دَمًا وَهُوَ عَلَى، أي غليظ منجمد، ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى في الجامع الصغير: فأما إذا كان الدم منجمدا كالعلق لم ينقض الوضوء حتى يملأ الفم، لأن ذلك ليس بدم وإنما هي مرة سوداء، وبهذا يعلم أن موصوف السوداء المرة في قوله: لأنه سوداء محترقة، ثم السوداء المحترقة تخرج من المعدة وما يخرج من المعدة لا يكون حدثا ما لم يكن ملء الفم.
قوله: فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ، أي يعتبر فيه ملء الفم أيضًا، وقول أبي يوسف رحمه الله تعالى مضطرب، منهم من يجعله مع أبي حنيفة رحمه الله تعالى ومنهم من يجعله مع محمد رحمه الله تعالى، كذا في مبسوط شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
قوله: اعْتِبَارًا بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ، وأنواع القيء خمسة: الطعام، والماء، والمرة، والصفراء، والسوداء، كذا ذكره الإمام المحبوبي رحمه الله تعالى.
قوله: وَعِنْدَهُمَا إِنْ سَالَ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ، أي خرج بقوة نفسه لا بقوة البزاق، وفي الأصل:
@
الجزء 1 · صفحة 47
نَفْسِهِ يَنْتَقِضُ الوُضُوءُ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا لِأَنَّ المِعْدَةَ لَيْسَتْ بِمَحَلَّ الدَّمِ، فَيَكُونُ مِنْ قُرْحَةٍ فِي الجَوْفِ وَلَوْ نَزَلَ مِنَ الرَّأْسِ إِلَى مَا لَانَ مِنَ الْأَنْفِ نَقَضَ بِالاتِّفَاقِ) لِوُصُولِهِ إِلَى مَوْضِعِ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ فَيَتَحَقَّقُ الخُرُوجُ، وَالنَّوْمُ مُضْطَجِعًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بزق فخرج منه دم فالحكم للغالب، وإن استويا أحبُّ إليَّ أن يتوضأ أخذا بالفقه، كذا ذكره التمرتاشي رحمه الله تعالى.
قوله: وَالنَّوْمُ مُضْطَجِعًا، وفي المبسوط: أما نوم المضطجع فناقض للوضوء، وفيه طريقان، أحدهما: أن عينه حدث بالسنة المروية فيه، لأن كونه طاهرا ثابت بيقين ولا يزول اليقين إلا بيقين مثله، وخروج شيء منه ليس بيقين فعرفنا أنه حدث، والثاني: أن الحدث مما لا يخلو عن النائم عادة، فإن نوم المضطجع يستحكم فيسترخي به مفاصله، وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء» وما هو ثابت عادة كالمتيقن به، وكان أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه يقول: لا ينتقض الوضوء بالنوم مضطجعًا حتى يعلم بخروج شيء منه، فكان إذا نام أجلس عنده من يحفظه، فإذا انتبه سأله، فإذا أخبره بظهور شيء منه أعاد الوضوء، وفي الأسرار: قال علماؤنا رحمهم الله تعالى: النوم لا يكون حدثا في حال من أحوال الصلاة، وكذلك قاعدا خارج الصلاة، إلا أن يكون متوركًا، لأن التورك جلسة تكشف عن مخرج الحدث، غير أن اليقظان يمنعه، فلما نام وزال قوة منعه والمسكة كانت زائلة بالجلسة تحقق الاستطلاق، وفي الذخيرة النوم مضطجعا إنما يكون حدثًا إذا كان الاضطجاع على غيره، فأما إذا كان الاضطجاع على نفسه لا يكون حدثاً، حتى أن من نام واضعًا إليتيه على عقبيه، وصار شبه المنكب على وجهه
@
الجزء 1 · صفحة 48
أَوْ مُتَّكِنًا أَوْ مُسْتَنِدًا إِلَى شَيْءٍ لَوْ أُزِيلَ عَنْهُ لَسَقَطَ لِأَنَّ الْاضْطِجَاعَ سَبَبُ لِاسْتِرْخَاءِ المَفَاصِلِ فَلَا يَعْرَى عَنْ خُرُوجِ شَيْءٍ عَادَةٌ، وَالثَّابِتُ عَادَةً كَالمُتَيَقَّنِ بِهِ، وَالإِنْكَاءُ يُزِيلُ مُسْكَةَ اليَقَظَةِ، لِزَوَالِ المَقْعَدِ عَنِ الْأَرْضِ، وَيَبْلُغُ الاسْتِرْخَاءُ غَايَتَهُ بِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الاسْتِنَادِ، غَيْرَ أَنَّ السَّنَدَ يَمْنَعُهُ مِنَ السُّقُوطِ، بِخِلَافِ النَّوْمِ حَالَةَ القِيَامِ وَالقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا هُوَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
واضعا بطنه على فخذيه، لا ينقض وضوءه.
قوله: أَوْ مُتَّكِنًا، أي على أحد وركيه.
قوله: أَوْ مُسْتَنِدًا إِلَى شَيْءٍ، في الكافي: ولو نام مستندا إلى شيء لو أزيل لسقط لا ينقض في ظاهر المذهب، وعن الطحاوي رحمة الله عليه أنه ينقض، فإن نام قاعدًا فسقط روي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه قال: إن انتبه قبل أن يصل جنبه إلى الأرض، لم ينقض وضوءه، لأنه لم يوجد شيء من النوم مضطجعًا وهو الحدث، بخلاف ما إذا انتبه بعد السقوط، لأنه وجد شيء من النوم حال الاضطجاع.
قوله: لَوْ أُزِيلَ عَنْهُ لَسَقَطَ، متعلق بقوله مستندًا.
قوله: لِأَنَّ الْاضْطِجَاعَ سَبَبُ الاسْتِرْخَاءِ، أي على وجه الكمال
: وَالثَّابِتُ عَادَةً كَالمُتَيَقَنِ بِهِ، أي يدار الحكم على سببه، كما في السفر مع المشقة وكاستحداث الملك مع شغل الرحم في حق وجوب الاستبراء، وكالتقاء الختانين في حق وجوب الغسل، وكالبلوغ مقام كمال العقل.
قوله: مُسْكَة اليَقَظَة، أي التماسك الذي يكون لليقظان.
قوله: فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، إذا نام على هيئة السجود أو قائما أو راكعا خارج الصلاة،
@
الجزء 1 · صفحة 49
الصَّحِيحُ، لِأَنَّ بَعْضَ الاسْتِمْسَاكِ بَاقٍ، إِذْ لَوْ زَالَ لَسَقَطَ، فَلَمْ يَتِمَّ الِاسْتِرْخَاءُ، وَالأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، إِنَّمَا الوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا، فَإِنَّهُ إِذَا نَامَ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ففيه اختلاف المشائخ رحمهم الله تعالى، وذكر ابن شجاع: أنه إنما لا يكون حدثا في هذه الأحوال في الصلاة، فأما خارج الصلاة يكون حدثًا، وفي ظاهر الرواية لا فرق بينهما لبقاء الاستمساك، وعن علي بن موسى القمي رحمه الله تعالى أنه قال: لا أعرف في هذه المسئلة رواية منصوصة عن أصحابنا المتقدمين، ولكن على قياس مذاهبهم ينبغي أن يقال: إذا نام ساجدًا على الصفة التي هي سنة السجود، بأن كان رافعا بطنه عن الأرض، مجافيا لمرفقيه عن جنبيه، لا يكون حدثاً، ولو نام قاعدًا ووضع إليتيه على عقبيه، وصار شبه المنكب على وجهه، قال أبو يوسف رحمه الله تعالى عليه الوضوء، كذا في المبسوطين، وفي النهاية وروي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه قال: لو تعمد النوم في حالة السجود ينقض وضوءه، وإن غلبته عيناه لم ينقض.
قوله: لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا، الحديث، التمسك بالحديث من ثلاثة أوجه، الأول: النص على النفي فمن أوجب فقد خالف، والثاني: إنما الاثبات المذكور نفي ما عداه، والثالث: التعليل وهو استرخاء المفاصل، فأخبر بالتعليل أن عينه ليس بحدث ولم يرد به أصل الاسترخاء بل أراد نهايته، إذ أصل الاسترخاء موجود في الركوع والسجود، لأنه نتيجة النوم والنوم موجود في كل الأحوال، فلو حمل آخر الحديث على أصل الاسترخاء لتناقض
@
الجزء 1 · صفحة 50
مُضْطَجِعًا اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ، وَالغَلَبَةُ عَلَى العَقْلِ بِالْإِغْمَاءِ، وَالجُنُونُ) لِأَنَّهُ فَوْقَ النَّوْمِ مُضْطَجِعًا فِي الاسْتِرْخَاءِ، وَالإِغْمَاءُ حَدَثُ فِي الْأَحْوَالِ كُلَّهَا، وَهُوَ القِيَاسُ فِي النَّوْمِ إِلَّا أَنَّا عَرَفْنَاهُ بِالْأَثَرِ، وَالْإِغْمَاءُ فَوْقَهُ فَلَا يُقَاسَ عَلَيْهِ، وَالقَهْقَهَةُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ ذَاتِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ) وَالْقِيَاسُ أَنَّهَا لَا تَنْقُضُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجِ نَجَسٍ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ حَدَثًا فِي صَلَاةِ الجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التَّلَاوَةِ وَخَارِجِ الصَّلَاةِ، وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَلَا مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ قَهْقَهَةٌ فَلْيُعِدِ الوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ جَمِيعًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الأول والآخر، ولصار كأنه قال: لا وضوء على من استرخت مفاصله وإنما الوضوء على من استرخت مفاصله، ومتى حملناه على نهايته صار كأنه قال: إذا وجد استرخاء المفاصل على النهاية، بأن زال التماسك من كل وجه وجب الوضوء، ونهايته فقدت في القيام والركوع والسجود إذ بعض التماسك باق وإلا سقط، فإن قيل: إنما لقصر الحكم على الشيء، أو لقصر الشيء على الحكم، فعلى هذا يوجب قصر الوضوء على النائم مضطجعا، وليس كذلك لانتقاضه بسائر الأحداث وبالنوم متكنا ومستندا؟ قلنا: المراد القصر عليه من بين أنواع النوم قاعدا وقائما وغيرهما، والنوم متكنا ومستندًا في معنى النوم مضطجعا فيدخل في حكم المضطجع بدلالة النص.
قوله: وَالجُنُونُ، بالرفع عطفا على الغلبة، لأن العقل في الإغماء يكون مغلوبا وفي الجنون يكون مسلوبا.
قوله: وَالإِغْمَاءُ فَوْقَهُ، لأن في النوم إذا نبه انتبه وفي الإغماء لا، وكذلك السكر يكون ناقضا كالإغماء.
قوله: وَالقَهْقَهَة، أي قهقهة بالغ.
@
الجزء 1 · صفحة 51
وَبِمِثْلِهِ يُتْرَكُ القِيَاسُ، وَالأَثَرُ وَرَدَ فِي صَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهَا، وَالقَهْقَهَةُ مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ وَلِجِيرَانِهِ، وَالضَّحْكُ مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ دُونَ جِيرَانِهِ، وَهُوَ عَلَى مَا قِيلَ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ دُونَ الوُضُوءِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وَبِمِثْلِهِ يُتْرَكُ القِياسُ، لأن الخبر تعين بأصله، وإنما دخلت الشبهة في نقله، والرأي محتمل بأصله في كل وصف على الخصوص، فكان الاحتمال في الرأي أصلا وفي الخبر عارضا، أو نقول: المراد من قوله: بمثله، أي بمثل هذا الحديث الذي عمل به الصحابة والتابعون، وكان راويه من المعروفين بالتقدم والاجتهاد كأبي موسى الأشعري رضي الله عنه، يترك القياس، وقال في الأسرار والمشهور ما روى أبو العالية مرسلاً، ورواه مستندا إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رجلا دخل في المسجد وفي بصره سوء فمر على بئر فيها خصفة، إلى أن ذكر حديث الضحك، ثم قال: ورواه أيضًا أسامة بن زيد عن أبيه، فهو وإن ورد بخلاف القياس لكن لما ثبت برواية العلماء المشهورين وعمل به الصحابة والتابعون وجب رد القياس به، وذكر في مبسوط شيخ الإسلام وروى أبو حنيفة رحمه الله تعالى عن منصور بن زاذان عن الحسن عن معبد الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وأصحابه خلفه، فجاء أعرابي وفي بصره سوء، أي ضعف، فوقع في ركية، فضحك بعض أصحابه، الحديث، ثم قال: فإن قيل: التعلق بهذا لا يصح، لأنه روي أنه وقع في ركية ولم يكن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ركية؟ قلنا: ليس في خبر الجهني أنه كان يصلي في المسجد، فيجوز أن يقال بأنه كان يصلي في غير المسجد، وفي الموضع الذي يصلي فيه ركية وأما قهقهة النائم في الصلاة فقد ذكر فخر الإسلام رحمه الله تعالى في العوارض: والصحيح أنه لا يكون حدثا ولا تفسد صلاته، لأن القهقهة جعلت حدثًا لقبحها في موضع المناجاة، وسقط ذلك بالنوم ولا يبطل الصلاة لأن النوم يبطل حكم الكلام، وذكر في المحيط القهقهة من النائم في الصلاة لا تنقض الوضوء، وفيه أيضًا: المغتسل من الجنابة قهقه في صلاته بطلت صلاته دون طهارته، فله أن يصلي من غير وضوء، وقيل: تبطل طهارة الأعضاء، وفي قهقهة
@
الجزء 1 · صفحة 52
(وَالدَّابَّةُ تَخْرُجُ مِنَ الدُّبُرِ نَاقِضَةٌ، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ رَأْسِ الجُرْحِ أَوْ سَقَطَ اللَّحْمُ لَا تَنْقُضُ وَالمُرَادُ بِالدَّابَّةِ الدُّودَةُ وَهُذَا لِأَنَّ النَّجَسَ مَا عَلَيْهَا، وَذَلِكَ قَلِيلٌ، وَهُوَ حَدَثُ فِي السَّبِيلَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا، فَأَشْبَهَ الجُشَاءَ وَالفُسَاءَ، بِخِلَافِ الرِّيحِ الخَارِجَةِ مِنْ قُبْلِ المَرْأَةِ وَذَكَرِ الرَّجُلِ لِأَنَّهَا لَا تَنْبَعِثُ عَنْ مَحَلَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الساهي عن الصلاة والباني في الطريق بعد الوضوء، روايتان.
قوله: وَالمُرَادُ بِالدَّابَّةِ الدُّودَةُ، إنما فسرها بها، لأنه لو طار الذباب في الدبر ودخل ثم خرج من غير بلة، لا ينقض الوضوء.
قوله: لِأَنَّ النَّجَسَ مَا عَلَيْهَا، لا يقال: هذا تناقض، لأنه قد سبق أن ما لا يكون حدثا لا يكون نجسا، لأنا نقول: لعله ذكره بناءً على قول محمد رحمه الله تعالى، والأول قول أبي يوسف رحمه الله تعالى خاصة، ولو كان الأول قول الكل كما ذكره في الجامع الصغير مروي ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما ومحكي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى، ولم يرو عن غيرهما خلاف ذلك فحل محل الإجماع، نقول تقدير قوله: النجس ما عليها، النجس لو كان لكان ما عليها، وبهذا يندفع التناقض، فإن قيل: القليل في غير السبيلين إنما لم يكن حدثا لعدم الخروج، وهذا قد خرج فكان كالسبيلين؟ قلنا: الخروج فيه مقدر بالسيلان فدار الحكم عليه، فلم يجعل حدثًا وإن وجدت حقيقة الخروج تيسيرًا، وهو كالجشاء فإنه ليس بحدث وإن خرج معه ريح منتنة، والفساء حدث لأنه خارج من السبيلين وإن كان قليلاً.
قوله: فَأَشْبَهَ الجُشَاءَ وَالفُسَاءَ، لفٌ ونشر، وذكر الإمام التمرتاشي رحمه الله تعالى: واختلف أن الريح عينها نجس أم نجس بسبب مرورها على النجاسة؟ وثمرته تظهر فيما لو خرج منه الريح وعليه سراويل مبتلة، من قال أن عينها نجس يقول يتنجس السروايل، ومن قال لا يتنجس عينها وتنجسها بالمرور عليها يقول لا يتنجس السراويل، كما لو مر الريح
@
الجزء 1 · صفحة 53
النَّجَاسَةِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ مُفْضَاةً يُسْتَحَبُّ لَهَا الوُضُوءُ لِاحْتِمَالِ خُرُوجِهَا مِنَ الدُّبُرِ (فَإِنْ قُشِرَتْ نُفْطَةٌ فَسَالَ مِنْهَا مَاءً أَوْ صَدِيدٌ أَوْ غَيْرُهُ، إِنْ سَالَ عَنْ رَأْسِ الجُرْحِ نَقَضَ، وَإِنْ لَمْ يَسِلْ لَا يَنْقُضُ) وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَنْقُضُ فِي الوَجْهَيْنِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ -: لَا يَنْقُضُ فِي الوَجْهَيْنِ، وَهِيَ مَسْأَلَهُ الخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، وَهَذِهِ الجُمْلَةُ نَجِسَةٌ لِأَنَّ الدَّمَ يَنْضَجُ فَيَصِيرُ قَيْحًا ثُمَّ يَزْدَادُ نُضْجًا فَيَصِيرُ صَدِيدًا ثُمَّ يَصِيرُ مَاءً، هَذَا إِذَا قَشَرَهَا فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ، أَمَّا إِذَا عَصَرَهَا فَخَرَجَ بِعَصْرِهِ لَا يَنْقُضُ، لِأَنَّهُ مُخْرَجٌ وَلَيْسَ بِخَارِجِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بنجاسة ثم مرت تلك الريح على ثوب مبتل، فإنها لا ينجسه.
قوله: لِاحْتِمَالِ خُرُوجِهَا مِنَ الدُّبُرِ، أي لا يجب لعدم التيقن، وفائدة الاحتمال تظهر في مسئلة أخرى أيضًا، وهي أن المفضاة إذا طلقها زوجها ثلاثا وتزوجت بزوج آخر ودخل بها الزوج الثاني لا تحل للأول ما لم تحبل، لاحتمال أن الوطي كان في دبرها لا في قبلها، كذا في الفوائد الظهيرية، فإن قيل على تعليل الاحتمال ينبغي أن يجب عليها الوضوء احتياطا؟ قلنا: كونها متوضئة كان ثابتا بيقين واليقين لا يزول إلا بيقين مثله، فلا يجب الوضوء لكون الأصل ثابتا بيقين، كالمتوضي إذا شك أنه أحدث أم لا، لا يجب الوضوء.
قوله: فَخَرَجَ بِعَصْرِهِ لَا يَنْقُضُ، وذكر في المحيط: عصرت القرحة فخرج منها شيء كثير، وكانت بحال لو لم يعصرها لا يخرج منه شيء، ينقض الوضوء، وكذا ذكر في الغيائية والذخيرة، ولكن قال في الذخيرة وفيه نظر، وفي الفتاوي الظهيرية مثل ما ذكر في الهداية، والله أعلم.
@
الجزء 1 · صفحة 54
(فَضْلُ فِي الغُسْلِ)
(وَفَرْضُ الغُسْلِ: المَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ وَغَسْلُ سَائِرِ البَدَنِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللهُ - هُمَا سُنَّنَانِ فِيهِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ» أَيْ مِنَ السُّنَّةِ، وَذَكَرَ مِنْهَا المَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ، وَلِهَذَا كَانَا سُنَّتَيْنِ فِي الوُضُوءِ، وَلَنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَهَّرُوا} [المائدة: (6)] وَهُوَ أَمْرٌ بِتَطْهِيرِ جَمِيعِ البَدَنِ، إِلَّا أَنَّ مَا يَتَعَذَّرُ إِيصَالُ المَاءِ إِلَيْهِ خَارِجٌ عَنِ النَّصَّ، بِخِلَافِ الوُضُوءِ، لِأَنَّ الوَاجِبَ فِيهِ غَسْلُ الوَجْهِ، وَالمُوَاجِهَةُ فِيهِمَا مُنْعَدِمَةٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فصل في الغسل
قوله: فَرْضُ الغُسْلِ المَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ، أطلق اسم الفرض على المجتهد فيه هنا، واحترز عن ذلك في أول الكتاب فقال: والكعبان والمرفقان تدخلان في الغسل، لأن ظاهر النص هنا يتناول المضمضة والاستنشاق، لأنه أمر بالمبالغة في التطهير وذلك إنما يكون بإيصال الماء إلى ما أمكن إيصاله إليه.
قوله: لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ، أي عشر خصال من السنة، قيل خمس منها في الرأس وخمس في الجسد، فالتي في الرأس: الفرق والسواك والمضمضة والاستنشاق وقص الشارب، والتي في الجسد الختان وحلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار والاستنجاء بالماء، كذا ذكره الإمام المحبوبي رحمة الله عليه في الصوم من الجامع الصغير.
قوله: إِلَّا أَنَّ مَا يَتَعَذَّرُ إِيصَالُ المَاءِ إِلَيْهِ خَارِجٌ، كداخل العينين، لما في غسلهما من
@
الجزء 1 · صفحة 55
وَالمُرَادُ بِمَا رُوِيَ حَالَةَ الحَدَثِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: إِنَّهُمَا فَرْضَانِ فِي الجَنَابَةِ سُنَّتَانِ فِي الوُضُوءِ».
قَالَ: (وَسُنَتُهُ أَنْ يَبْدَأَ المُغْتَسِلُ فَيَغْسِلَ يَدَيْهِ وَفَرْجَهُ، وَيُزِيلَ نَجَاسَةٌ إِنْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ إِلَّا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ المَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَسَائِرِ جَسَدِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَتَنَحَّى عَنْ ذُلِكَ الْمَكَانِ فَيَغْسِلَ رِجْلَيْهِ) هُكَذَا حَكَتْ مَيْمُونَةُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - اغْتِسَالَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا يُؤَخِّرُ غَسْلَ رِجْلَيْهِ لِأَنَّهُمَا فِي مُسْتَنْقَعِ المَاءِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الضرر والأذى، ولهذا لم يجب غسلهما عن النجاسة الحقيقية، فأما المضمضة والاستنشاق فيمكن من غير مشقة، ولهذا افترض غسل الأنف والفم عن النجاسة الحقيقية فيفترض في الجنابة، كذا في مبسوط شيخ الإسلام رحمة الله تعالى عليه.
قوله: وَيُزِيلَ النَّجَاسَةَ، في النهاية والأصح أن يقال: ويزيل نجاسة، وذكر وجه كونه أصح ثم قال: إلا أن الرواية بالألف واللام، وفي الفوائد الكرمانية: ويزيل نجاسة بدون الألف واللام، لأنها عست أن تكون وعست أن لا تكون، فذكرها منونة أولى، ولهذا قال: إن كانت ولم يقل: إذا كانت، وذلك لأن حرف التعريف إما أن تكون للعهد ولا عهد هنا، أو الجنس وأدناه غير مراد لأن أقل من الذرة لا يكون مرادًا، وكذا أعلاه لعدم تصور جميع النجاسات على بدن الإنسان، قلت: يصح أن يكون اللام لتعريف الحقيقة المعهودة في الذهن ويندرج تحته القليل من النجاسة والكثير منها، وحكم الإزالة لا يختلف فيهما فيكون المعرف هو الأليق بهذا المقام.
قوله: ثُمَّ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، هذا احتراز عما روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن الجنب يتوضأ ولا يمسح رأسه، لأنه لا فائدة في المسح لوجود إسالة
@
الجزء 1 · صفحة 56
المُسْتَعْمَلِ، فَلَا يُفِيدُ الغَسْلُ حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَى لَوْحٍ لَا يُؤَخِّرُ، وَإِنَّمَا يَبْدَأُ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الحَقِيقِيَّةِ كَيْ لَا تَزْدَادُ بِإِصَابَةِ المَاءِ، (وَلَيْسَ عَلَى المَرْأَةِ أَنْ تَنْقُضَ ضَفَائِرَهَا فِي الغُسْلِ إِذَا بَلَغَ المَاءُ أُصُولَ الشَّعْرِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِأُمِّ سَلَمَةَ - - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا -: «أَمَا يَكْفِيكِ إِذَا بَلَغَ المَاءُ أُصُولَ شَعْرِكِ وَلَيْسَ عَلَيْهَا بَلْ ذَوَائِبِهَا هُوَ الصَّحِيحُ، لِمَا فِيْهِ مِنَ الحَرَجِ، بِخِلَافِ اللَّحْيَةِ، لِأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي إِيصَالِ المَاءِ إِلَى أَثْنَائِهَا.
قَالَ: (وَالمَعَانِي المُوجِبَةُ لِلْغُسْلِ إِنْزَالُ المَنِي عَلَى وَجْهِ الدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الماء من بعد، وذلك يعدم معنى المسح، والصحيح ظاهر الرواية، لما روي أنه صلى الله عليه وسلم توضأ وضوءه للصلاة إلا رجليه، والوضوء يشمل الغسل والمسح.
قوله: وَلَيْسَ عَلَيْهَا بَلُّ ذَوَائِبِهَا هُوَ الصَّحِيحُ، احتراز عما روي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنها تبل ذوائبها ثلاثا، مع كل بلة عصرة، لقوله عليه الصلاة والسلام: «ألا قبلوا الشعر»، والصحيح الأول، لأنها تحتاج إلى النقض والظفر ثانيا، وفيه حرج، حتى أن المرأة إن لم تحرج في إيصال الماء إلى أثناء الشعر، بأن كانت منقوضة الشعر، يفترض عليها إيصال الماء إلى أثناء الشعر، لأن شعرها من بدنها نظرًا إلى أصوله، وليس منها نظرًا إلى رؤوسه، فيعمل بالشبهين في حق من يلحقه الحرج ومن لا يلحقه، ولا يخالف الخبر النص، لأنه يتناول ما هو من البدن من كل وجه، والرجل إن ضفر كالعلوي والترك يجب إيصال الماء إليه احتياطا، وقال بعضهم: لا يجب النقض للأتراك والعلويين.
قوله: وَالمَعَانِي المُوجِبَةُ لِلْغُسْلِ، ذكر في مبسوط شيخ الإسلام رحمه الله تعالى سبب وجوب الاغتسال إرادة ما لا يحل فعله بسبب الجنابة عند عامة المشائخ، وعند بعضهم: السبب هو الجنابة، وهذا الخلاف مثل الخلاف الذي بيناه في نواقض الوضوء.
@
الجزء 1 · صفحة 57
مِنَ الرجل والمراة حالة النوم واليقظة وعند الشافعي - رحمه الله - خُرُوجُ المَنِي كَيْفَمَا كَانَ يُوجِبُ الغُسْلَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: المَاءُ مِنَ المَاءِ أَي الغُسْلُ مِنَ المَنِي، وَلَنَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّطْهِيرِ يَتَنَاوَلُ الجنب، وَالجَنَابَةُ فِي اللُّغَةِ خُرُوجُ المَنِي عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ، يُقَالُ أُجْنِبُ الرَّجُلُ إِذَا قَضَى شَهْوَتَهُ مِنَ المَرْأَةِ، وَالحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى خُرُوجِ المَنِي عَنْ شَهْوَةٍ، ثُمَّ المُعْتَبَرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ انْفِصَالُهُ عَنْ مَكَانِهِ عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللهُ - ظُهُورُهُ أَيْضًا اعْتِبَارًا لِلْخُرُوجِ بِالمُزَايَلَةِ إِذِ الغُسْلُ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا، وَلَهُمَا أَنَّهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وَالجَنَابَةُ فِي اللُّغَةِ خُرُوجُ المَنِي عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ، أي الجنابة حالة تحصل عند خروج المني على وجه الشهوة
قوله: وَالحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى خُرُوجِ المَنِي عَنْ شَهْوَةٍ، لأن قوله صلى الله عليه وسلم: الماء من الماء عام لا يمكن اجراؤه على العموم، لأنه يتناول المذي والودي، والمني عن شهوة وعن غير شهوة فيراد به أخص الخصوص، والمني عن شهوة مراد بالإجماع، فلا يبقى غيره مرادا.
قوله: وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللهُ ظُهُورُهُ أَيْضًا، أي على وجه الشهوة.
قوله: إِذِ الغُسْلُ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا، أي بالمزايلة والخروج، وقد شرطت الشهوة في أحدهما بالإجماع فكذا بالآخر قياسًا، وفائدته تظهر فيمن استمتع بالكف، فلما انفصل المني عن مكانه عن شهوة أمسك ذكره حتى سكنت شهوته، ثم سال أو احتلم فأمسك ذكره حتى سكنت شهوته فسال منه مني، أو نظر إلى امرأة بشهوة فزال المني عن مكانه عن شهوة، فأمسك ذكره حتى سكنت شهوته ثم سال بعد ذلك، أو اغتسل قبل أن يبول
@
الجزء 1 · صفحة 58
مَتَى وَجَبَ مِنْ وَجْهِ فَالِاحْتِيَاطُ فِي الإِيجَابِ، وَالتِقَاءُ الخِتَانَيْنِ مِنْ غَيْرِ إِنْزَالٍ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ وَتَوَارَتِ الحَشَفَةُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ثم سال منه بقية المني، يجب الغسل عندهما خلافا له، ولو بال المجامع ثم اغتسل أو نام فخرج شيء، لا يجب إجماعا.
قوله: مَتَى وَجَبَ، أي الغسل من وجه نظرا إلى حالة الانفصال.
قوله: فالاحتياط في الإيجاب، فإن قيل: دار الغسل بين الوجوب وعدمه فلا يجب بالشك؟ قلنا: جهة الوجوب راجحة لأن الموجب أصل، إذ الخروج بناء على المزايلة بالشهوة، وعدم الخروج بالشهوة بعد المزايلة من العوارض النادرة فلا اعتبار لها.
قوله: وَالتِقَاءُ الخِتَانَيْن، أي مع تواري الحشفة، والختان موضع القطع من الذكر والأنثى، والتقاؤهما كناية عن الإيلاج لطيفة، والحشفة رأس الذكر.
قوله: مِنْ غَيْرِ إِنْزَالٍ، قيد به لرد قول من يشترط الإنزال مع التقاء الختانين لا للشرط، لأن أحدهما إذا كان كافيا لإيجاب الغسل كان عند انضمامهما أولى، وذكر في المبسوط وإذا التقى الختانان وغابت الحشفة وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل، وهو قول المهاجرين كعمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم، وأما الأنصار كأبي بن كعب وحذيفة وزيد بن ثابت رضي الله عنهم قالوا: لا يجب الاغتسال بالإكسال ما لم ينزل، وبه أخذ سليمان الأعمش، لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: «الماء من الماء»، ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا التقى الختانان وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل والأصح أن عمر رضي الله عنه لم يسوغ للأنصار هذا الاجتهاد، حتى قال لزيد: أي عدو نفسه ما هذه الفتوى التي ظهرت عنك؟ فقال: سمعت عمومتي من الأنصار يقولون كذلك، فجمعهم عمر رضي الله عنه فسألهم فقالوا: كنا نفعل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نغتسل، فقال: أو كان يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: لا، فقال: ليس بشيء، وبعث إلى عائشة رضي الله
@
الجزء 1 · صفحة 59
وَجَبَ الغُسْلُ، أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ وَلِأَنَّهُ سَبَبُ الْإِنْزَالِ، وَنَفْسُهُ يَتَغَيَّبُ عَنْ بَصَرِهِ، وَقَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ لِقِلَّتِهِ فَيُقَامُ مَقَامَهُ، وَكَذَا الإِيلَاجُ فِي الدُّبُرِ لِكَمَالِ السَّبَبِيَّةِ، وَيَجِبُ عَلَى المَفْعُولِ بِهِ احْتِيَاطًا، بِخِلَافِ البَهِيمَةِ وَمَا دُونَ الفَرْجِ لِأَنَّ السَّبَبِيَّةَ نَاقِصَةٌ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عنها فسألها، قالت: فعلت ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واغتسلنا، فقال عمر لزيد: لئن عُدت إلى هذا لأدبتك، ولا يعارض هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: الماء من الماء لأن الماء موجود في الإلتقاء تقديرا، لأنه سبب الإنزال، إذ الغالب في مثله الإنزال وهو مغيب عن بصره، وربما يخفى عليه الإنزال لقلته، فأقيم السبب الظاهر وهو الإلتقاء مقام الإنزال، فيكون الماء موجودًا تقديرا فيجب الغسل بالحديث، فكان هذا منا قولاً بموجب العلة، ولأنه لما قام مقام الإنزال في حق وجوب الحد فلأن يقوم مقامه في حق وجوب الاغتسال أولى، ولهذا احتج علي رضي الله عنه على الأنصار، فقال: يوجبون الرجم ولا يوجبون صاعا من الماء.
قوله: وَنَفْسُه، أي نفس الإنزال يتغيب عن بصره.
قوله: لِكَمَالِ السَّبَبِيَّةِ، لأنه سبب لخروج المني غالبا، كالإيلاج في القبل، لاشتراكهما لينا وحرارة وشهوة، حتى أن الفسقة رجحوا قضاء الشهوة من الدبر على قضاء الشهوة من القبل، كما في قصة قوم لوط عليه السلام.
قوله: وَيَجِبُ عَلَى المَفْعُولِ بِهِ احْتِيَاطًا، هو علة وجوب الغسل، لأن الغسل مستحب، لأن وجوب الغسل بدون الإنزال فيه على قولهما ظاهر، لأنهما سويا السبيلين في إيجاب الحد، ففي هذا أولى، وكذلك على أصل أبي حنيفة رحمه الله تعالى، لأنه لم يوجب الحد فيه للاحتياط في درء الحد، وههنا الاحتياط في الإيجاب فيجب الغسل إجماعا.
@
الجزء 1 · صفحة 60
قَالَ: (وَالحَيْضُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: (222)] بِالتَّشْدِيدِ، (وَ) كَذَا (النَّفَاسُ) لِلْإِجْمَاعِ.
قَالَ: «وَسَنَّ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ وَالعِيدَيْنِ وَعَرَفَةَ وَالإِحْرَامِ نَصَّ عَلَى السُّنِّيَّةِ، وَقِيلَ: هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ مُسْتَحَبَّةٌ، وَسَمَّى مُحَمَّدُ الغُسْلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ حَسَنًا فِي الأَصْلِ، وَقَالَ: مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ -: هُوَ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَنْ أَتَى الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ»
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وَالحَيْضُ، أي رؤية الدم أو خروج الدم، لأنَّ الدم إذا حصل نقض الطهارة الكبرى، ولم يجب الغسل مع سيلان الدم لأنه ينافيه، فإذا انقطع أمكن الغسل فوجب لأجل ذلك الحدث السابق، وأما الانقطاع فهو طهارة فلا يوجب الطهارة، كذا في شرح مختصر الكرخي رحمه الله تعالى، ووجه التمسك بقوله تعالى: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: (222)] بالتشديد، هو أن حق الزوج ثابت في حال انقطاع الحيض، وهو ممنوع التصرف في ملكه قبل الاغتسال، فلو لم يجب لما منع، لأن بالمباحات والتطوعات لا يمنع، ألا ترى أن له حق نقض صومها إذا كان تطوعا، وليس له حق النقض إذا كان فرضًا، وههنا قد منع عن القربان فعلم أنه واجب، ولأنه منع من القربان إلى غاية فيحرم عليها التمكين ضرورة، ويجب عليها التمكين إذا طلبه منها، لأن حقه ثابث حال انقطاع الحيض، وهو لا يتوصل إليه إلا بالغسل، وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به، يجب كوجوبه ومتى ثبت فيما دون العشرة ثبت فيها ضرورة، إذ وجوب الاغتسال هنا باعتبار الدم المخصوصة وقد وجد ثمه، ولما احتيج إلى الاغتسال للقربان فلأن يحتاج إليه للصلاة أولى، لشدة احتياجها إلى الطهارة، ألا ترى أنه يحل وطي الجنب والمحدث ولا يحل صلاتهما.
قوله: وَكَذَا النَّفَاسُ لِلْإِجْمَاعِ، وهو بناء على نص ورد فيه، واكتفوا به عن نقله، أو
@
الجزء 1 · صفحة 61
وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَبِهَا وَنَعِمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ وَبِهَذَا يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ أَوْ عَلَى النَّسْخِ، ثُمَّ هُذَا الغُسْلُ لِلصَّلَاةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللهُ - وهُوَ الصَّحِيحُ لِزِيَادَةِ فَضِيلَتِهَا عَلَى الوَقْتِ وَاخْتِصَاصِ الطَّهَارَةِ بِهَا، وَفِيهِ خِلافُ الحَسَنِ، وَالعِيدَانِ بِمَنْزِلَةِ الجُمُعَةِ لِأَنَّ فِيهِمَا الاجْتِمَاعُ فَيُسْتَحَبُّ الاغْتِسَالُ دَفْعًا لِلتَّأَنِّي بِالرَّائِحَةِ، وَأَمَّا فِي عَرَفَةَ وَالْإِحْرَامِ فَسَنُبَيِّنُهُ فِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قاسوه على دم الحيض، لأنه أقوى، لأنه يثبت بنفس السيلان، بخلاف الحيض.
قوله: فَبِهَا وَنَعِمَتْ، الباء متعلق بفعل مضمر، أي فبهذه الخصلة أو الفعلة يعني الوضوء ينال الفضل، ونعمت أي نعمت الخصلة هي، وسئل الأصمعي رحمه الله تعالى فقال: أظنُّه يريد فبالسنة أخذ، كذا في الفائق.
قوله: أَوْ عَلَى النَّسخ، فدليل النسخ ما ذكر في المبسوط، هو ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها وابن عباس رضي الله عنهما قالا: كان الناس عُمَّال أنفسهم وكانوا يلبسون الصوف ويعرقون فيه، والمسجد قريب السمك، فكان يتأذى بعضهم برائحة البعض، فأمروا بالاغتسال لهذا، ثم انتسخ هذا حين لبسوا غير الصوف وتركوا العمل بأيديهم، والمراد نسخ الوجوب لا الشرعية كقوله: نسخت الزكاة كل صدقة، ونسخ صوم رمضان كل صوم.
قوله: وَفِيهِ خِلَافُ الحَسَنِ، وفائدة الخلاف فيما إذا اغتسل يوم الجمعة ثم أحدث فتوضأ وصلى الجمعة، عند أبي يوسف رحمه الله تعالى لا يكون مقيما للسنة، وعند الحسن يكون مقيما، وفي مبسوط شيخ الإسلام: إذا اغتسل من الجنابة قبل طلوع الفجر، ولم يحدث حتى صلى الجمعة بذلك الاغتسال، فإنه على قول محمد رحمه الله تعالى ينال فضل الاغتسال، وعلى قول أبي يوسف رحمه الله تعالى لا ينال، ذكر فيه محمدا مكان الحسن بن زياد، والاغتسال في الحاصل أحد عشر نوعا، خمسة منها فريضة: الاغتسال من
@
الجزء 1 · صفحة 62
المَنَاسِكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: وَلَيْسَ فِي المَذْيِ وَالوَدْيِ غُسْلٌ وَفِيهِمَا الوُضُوءُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «كُلُّ فَحْلٍ يُمْذِي وَفِيهِ الوُضُوءُ وَالوَدْي الغَلِيظُ مِنَ البَوْلِ يَتَعَقَّبُ الرَّقِيقَ مِنْهُ خُرُوجًا فَيَكُونُ مُعْتَبَرًا بِهِ، وَالمَنِيُّ خَائِرٌ أَبْيَضُ يَنْكَسِرُ مِنْهُ الذَّكَرُ، وَالمَذْيُّ رَقِيقٌ يَضْرِبُ إِلَى البياضِ يَخْرُجُ عِنْدَ مُلَاعَبَةِ الرَّجُلِ أَهْلَهُ، وَالتَّفْسِيرُ مَأْثُورٌ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
التقاء الختانين، ومن إنزال الماء، ومن الاحتلام، ومن الحيض والنفاس، وأربعة منها سنة: الاغتسال يوم الجمعة ويوم عرفة وعند الإحرام والعيدين، وواحد منها واجب وهو غسل الميت، وآخر مستحب وهو غسل الكافر، إذا أسلم يستحب له أن يغتسل، به أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من جاءه يريد الإسلام، وهذا إذا لم يكن جنبا، وإن كان جنبا ولم يغتسل حتى أسلم فقد قال بعض مشائخنا لا يلزم الاغتسال، لأن الكفار لا يخاطبون بالشرائع، والأصح أنه يلزمه، لأن بقاء صفة الجنابة بعد إسلامه كبقاء صفة الحدث في وجوب الوضوء، كذا في المبسوط
قوله: وَلَيْسَ فِي المَدْيِ وَالوَدْيِ غُسْلٌ وَفِيهِمَا الوُضُوء، فإن قيل: ما معنى قول محمد رحمه الله تعالى في الكتاب في الودي الوضوء، ولا يتصور انتقاض الطهارة بالودي، لأنه إنما يخرج على إثر البول وقد وجب الوضوء به؟، قلنا: إنما ذكره ليتبين أن الواجب به انتقاض الطهارة لا الاغتسال، لتصور انتقاض الطهارة، كذا في مبسوط شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، أو نقول: الوضوء بالبول لا ينافي وجوبه بالودي بل يجب به أيضًا، حتى إذا حلف لا يتوضأ من الرعاف، فبال ثم رعف ثم توضأ، فإنه يحنث في يمينه، فعلم أن كل واحد موجب للوضوء، إلا أنه يكتفي بالوضوء مرة عن الكل، وروي عن خلف بن أيوب، كتب إلى محمد بن الحسن
@
الجزء 1 · صفحة 63
بَابُ المَاءِ الَّذِي يَجُوزُ بِهِ الوُضُوءُ وَمَا لَا يَجُوزُ بِهِ
الطَّهَارَةُ مِنَ الأَحْدَاثِ جَائِزَةٌ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَالْأَوْدِيَةِ وَالعُيُونِ وَالْآبَارِ وَالبِحَارِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: (48)] وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «المَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي البَحْرِ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالحِلُّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
رحمة الله تعالى عليه يسأله عمن رعف أنفه ثم بال: أن الوضوء يكون من الثاني أو من الأول؟ فكتب إليه أن الوضوء يكون منهما، وهكذا روي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى في غير رواية الأصول، أو نقول: فائدته تظهر في حق سلس البول، فإنه إذا توضأ للبول ثم أودي حال بقاء الوقت، تنقض طهارته بالودي، والله أعلم.
باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز به
قوله: الطَّهَارَةُ مِنَ الأَحْدَاثِ، الخبث يطلق على الحقيقي، والحدث يطلق على الحكمي، والنجس يشملهما، وتقييد الأحداث ليس للاختصاص بها، فإن الأخباث تشارك الأحداث في هذا المعنى، لكن لما سبق بيان الطهارتين الكبرى والصغرى وما ينقضهما، احتاج إلى بيان ما يحصل به هاتان الطهارتان، وهو الماء المطلق، فصار على هذا التحقيق الألف واللام فيها للعهد، أي الطهارة من الأحداث التي سبق ذكرها من الحيض والنفاس والجنابة وغيرها، ثم وجه التمسك بقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: (48)] في حق ماء السماء والأودية ظاهر، وأما في حق ماء العيون والآبار فإما أن أصل المياه كلها من السماء، قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنبِيعَ فِي الْأَرْضِ) [الزمر: (21)]، أو يصرف وجه تمسك الآية إلى ماء السماء، ويصرف وجه تمسك قوله عليه
@
الجزء 1 · صفحة 64
مَيْتَتُهُ وَمُطْلَقُ الِاسْمِ يَنْطَلِقُ عَلَى هَذِهِ المِيَاهِ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ بِمَا اعْتُصِرَ مِنَ الشَّجَرِ وَالثَّمَرِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ وَالحُكْمُ عِنْدَ فَقْدِهِ مَنْقُولُ إِلَى التَّيَمُّمِ، وَالوَظِيفَةُ فِي هُذِهِ الْأَعْضَاءِ تَعَبُّدِيَّةٌ فَلَا تَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِ المَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا المَاءُ الَّذِي يَقْطُرُ مِنَ الكَرْمِ فَيَجُوزُ التَّوَضُقُ بِهِ لِأَنَّهُ مَاءٌ يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ عِلَاجِ، ذَكَرَهُ فِي جَوَامِعِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللهُ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الصلاة والسلام: «الماء طهور إلى غيره، والطهور البليغ في الطهارة، وفي المغرب وما حكي عن ثعلب أن الطهور ما كان طاهرا في نفسه مطهرا لغيره، إن كان هذا زيادة بيان لنهايته في الطهارة، فصواب حسن، وإلا فليس فعول من التفعيل في شيء، وقياس هذا على ما هو مشتق من الأفعال المتعدية، كقطوع ومنوع غير سديد.
قوله: وَمُطْلَقُ الاسْمِ يَنْطَلِقُ عَلَى هُذِهِ المِيَاءِ، المطلق هو المتعرض للذات دون الصفات، لا بالنفي ولا بالإثبات.
قوله: وَلَا يَجُوزُ بِمَا اعْتُصِرَ، بالقصر لا بالمد لأنه ليس بماء حقيقة، وفيه إشارة إلى جواز التوضي بما خرج بنفسه، كالماء الذي يقطر من الكرم.
قوله: وَالحُكْمُ عِنْدَ فَقْدِهِ مَنْقُولُ إِلَى التَّيَمُّمِ، أي نقل التطهير عند عدم الماء المطلق إلى التيمم بالنص، فيجب، ومن ضرورته عدم الجواز بهذه المائعات.
قوله: وَالوَظِيفَةُ فِي هَذِهِ الأَعْضَاءِ تَعَبدِيَّةٌ، هذا جوال اب إشكال يرد على قوله: والحكم عند فقد الماء المطلق منقول إلى التيمم، بأن يقال سلمنا بأن الماء الذي اعتصر من الشجر والثمر ليس بماء مطلق، ولكن هو في معنى الماء المطلق، كما ألحقه أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى بالماء المطلق في إزالة النجاسة الحقيقية، فيجب أن يكون في الحكمية كذلك، فأجاب عنه وقال: إن من شروط صحة القياس أن لا يكون حكم الأصل معدولا
@
الجزء 1 · صفحة 65
وَفِي الكِتَابِ إِشَارَةٌ إِلَيْهِ حَيْثُ شَرَطَ الاعْتِصَارَ.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ بِمَاءٍ غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَأَخْرَجَهُ عَنْ طَبْعِ المَاءِ كَالأَشْرِبَةِ وَالخَلِّ وَمَاءِ البَاقِلًا وَالمَرَقِ وَمَاءِ الوَرْدِ وَمَاءِ الزَّرْدَجِ لِأَنَّهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
به من القياس، وإنه هنا معدول عنه، وذلك لأن أعضاء المحدث طاهرة حقيقة، لعدم إصابة النجاسة الحقيقية، وحكما لأنه لو صلى حامل محدث أو جنب تصح صلاته، ولو كان نجسا لما صحت، كما لو كان معه دم، وتطهير الطاهر محال لأنه إثبات الطهارة أو إزالة النجاسة، والطهارة ثابتة فلا يمكن إثباتها، لأن الحاصل لا يحصل والنجاسة زائلة فلا يمكن إزالتها، لأن المزال لا يزال، وغير المطلق ليس في معنى المطلق من كل وجه حتى يلحقه به دلالة، لأن الماء المطلق لا يبالي بحبسه ويوجد مجانا، والمقيد يبالي بحبسه ويعز وجوده، بخلاف النجاسة الحقيقية، فإن إزالتها بالماء المطلق معقول المعنى، فيعدي إلى غيره من المائعات بجامع الإزالة الحسية.
قوله: وفي الكتاب، أي في مختصر القدوري، الباقلي إذا شدَّدت اللام قصرت وإن خففت مدت الواحدة باقلاة وباقلاءة، كذا في الصحاح، وماء الزردج هو ما يخرج من العصفر المنقوع فيطرح ولا يصبغ به.
قوله: كَالأَشْرِبَةِ وَالخَلَّ، إن كان المراد من الأشربة الأشربة المتخذة من الشجر كشراب الريباس، ومن الخل الخل الخالص كانا من نظير المعتصر من الشجر والثمر، وكان ماء الباقلي والمرق نظير الماء الذي غلب عليه غيره، فكان من صنعة اللف والنشر، وهو أن تلف شيئين ثم تفسرهما ثقة بأن السامع يرد إلى كل واحد منهما كقوله تعالى: {وَمِن رَّحْمَتِهِ
@
الجزء 1 · صفحة 66
لَا يُسَمَّى مَاءً مُطْلَقًا، وَالمُرَادُ بِمَاءِ البَاقِلًا وَغَيْرِهِ مَا تَغَيَّرَ بِالطَّبْنِ، فَإِنْ تَغَيَّرَ بِدُونِ الطَّبْنِ يَجُوزُ التَّوَضُقُ بِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
جعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ} [القصص: (73)]، وإن كان المراد من الأشربة الأشربة المخلوطة بالماء كالدبس والشهد المخلوط به، ومن الخل الخل المخلوط بالماء، كانت الأربعة كلها نظير الماء الذي غلب عليه غيره.
قوله: لَا يُسَمَّى مَاءً مُطلَقًا، إذ لا يفهم بمطلق اسم الماء، ولهذا صح نفي اسم الماء عنه فيقال: فلان لم يشرب الماء، إن كان شرب ماء الباقلا والمرق، ولو كان ماء حقيقة لما صح نفيه، لأن الحقيقة لا تسقط عن المسمى، وبطلان صفة الإطلاق بغلبة الممتزج وهي بكثرة الأجزاء، أو بكمال الامتزاج وهو بطبخ الماء بخلط الطاهر كماء الباقلا والمرق، أو بتشرب النبات الماء حتى بلغ الامتزاج مبلغا يمتنع خروج الماء عنه إلا بعلاج، والامتزاج بالطبخ إنما يمتنع الوضوء به إذا لم يكن مقصودًا للغرض المطلوب من الوضوء وهو التنظيف كالأشنان والصابون إذا طبخا بالماء، إلا إذا غلب ذلك على الماء فيصير كالسويق المخلوط، لزوال اسم الماء عنه، والامتزاج: الاختلاط بين الشيئين حتى يمتنع التمييز، ويتوضأ بماء الزعفران واللبن والزردج إن لم يطبخ ولم يغلب الماء، خلافا للشافعي رحمة الله عليه، وإن غلب لم يجز بغلبة الممتزج، ولا يتوضأ بماء يسيل من الكرم لكمال الامتزاج، ذكره في المحيط، وقيل: يجوز، لأنه خرج من غير علاج، بخلاف ما اعتصر من شجر أو ثمر لكمال الامتزاج، لأنه لا يخرج منه إلا بعلاج وهو العصر.
قوله: مَا تَغَيَّر بالطبخ، عني بالتغير الثخونة، حتى إذا طبخ ولم يثخن بعد بل رقة الماء فيه باقية جاز الوضوء به، ذكره الناطفي، كذا في فتاوي قاضي خان رحمه الله تعالى.
@
الجزء 1 · صفحة 67
قَالَ: (وَتَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِمَاءٍ خَالَطَهُ شَيْءٌ طَاهِرٌ فَغَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ، كَمَاءِ المَد وَالمَاءِ الَّذِي اخْتَلَطَ بِهِ اللَّبَنُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ أَوِ الصَّابُونُ أَوِ الْأَشْنَانُ) قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ: أَجْرَى فِي المُخْتَصَرِ مَاءَ الزَّرْدَجِ مَجْرَى المَرَقِ، وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللهُ - أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَاءِ الزَّعْفَرَانِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، كَذَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: فَغَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ، فيه إشارة إلى أنه إذا غير الإثنين أو الثلاثة من الأوصاف لا يجوز التوضي به، وذكر في النهاية أن المنقول عن الأساتذة أنه يجوز، حتى أن أوراق الأشجار وقت الخريف تقع في الحياض فيتغير ماؤها من حيث اللون والطعم والرائحة ثم إنهم يتوضؤون منها من غير نكير، ولكن ذكر في أول تتمة الفتاوى ما يوافق الإشارة المذكورة في الكتاب، وهو أنه سئل الفقيه أحمد بن إبراهيم الميداني رحمه الله تعالى عن الماء الذي يتغير لونه لكثرة الأوراق الواقعة فيه حتى يظهر لون الأوراق في الكف إذا رفع الماء منه، هل يجوز التوضي به؟ قال: لا، ولكن يجوز شربه وغسل الأشياء به، أما جواز شربه وغسل الأشياء به فلأنه طاهر، وأما عدم جواز التوضي به لأنه لما غلب عليه لون الأوراق صار ماء مقيدا كماء الباقلي، قال صاحب النهاية لما تغير لون الماء ههنا بوقوع الأوراق الكثيرة لا بد أن يتغير طعمه أيضًا، فحينئذ كان الوصفان من الماء زائلين فصار موافقا لما أشار إليه في الكتاب، فإن قيل: ينبغي أن لا يجوز به الوضوء إذا غير أحد أوصافه لقوله عليه الصلاة والسلام: إلا ما غير طعمه أو لونه أو رائحته؟ قيل: معناه إلا ما غير والمغير نجس، فيكون المعنى لا ينجسه شيء ما إلا مغير نجس، والنص ورد في الماء الجاري، والحكم فيه أنه لا يجوز استعماله حيث ترى فيه النجاسة أو يوجد طعمها أو ريحها، فإن هذه المعاني تدل على قيام النجاسة.
@
الجزء 1 · صفحة 68
اخْتَارَهُ النَّاطِفِيُّ وَالإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ الله -: لَا يَجُوزُ التَّوَضُّرُّ بِمَاءِ الزَّعْفَرَانِ وَأَشْبَاهِهِ مِمَّا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ مَاءٌ مُقَيَّدٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ مَاءُ الزَّعْفَرَانِ بِخِلَافِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ لِأَنَّ المَاءَ لَا يَخْلُو عَنْهَا عَادَةً، وَلَنَا أَنَّ اسْمَ المَاءِ بَاقٍ عَلَى الإِطْلَاقِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ اسْمٌ عَلَى حِدَةٍ، وَإِضَافَتُهُ إِلَى الزَّعْفَرَانِ كَإِضَافَتِهِ إِلَى البِئْرِ وَالعَيْنِ، وَلِأَنَّ الخَلْطَ القَلِيلَ لَا مُعْتَبَرَ بِهِ لِعَدَمِ إِمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ، كَمَا فِي أَجْزَاءِ الأَرْضِ فَيُعْتَبَرُ الغَالِبُ، وَالغَلَبَةُ بِالأَجْزَاءِ لَا بِتَغَيَّرِ اللَّوْنِ هُوَ الصَّحِيحُ، فَإِنْ تَغَيَّرَ بِالطَّبْخِ بَعْدَ مَا خُلِطَ بِهِ غَيْرُهُ لَا يَجُوزُ التَّوَضُقُ بِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي مَعْنَى المُنَزَّلِ مِنَ السَّمَاءِ إِذِ النَّارُ غَيَّرَتْهُ إِلَّا إِذَا طُبِخَ فِيهِ مَا يُقْصَدُ بِهِ المُبَالَغَةُ فِي النَّظَافَةِ كَالأُشْنَانِ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّ المَيِّتَ قَدْ يُغْسَلُ بِالمَاءِ الَّذِي أُغْلِيَ بِالسِّدْرِ، بِذَلِكَ وَرَدَتِ السُّنَّةُ، إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ ذَلِكَ عَلَى المَاءِ فَيَصِيرُ كَالسَّوِيقِ المَخْلُوطِ لِزَوَالِ اسْمِ المَاءِ عَنْهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ونحوه، كذا في المغرب.
قوله: وَإِضَافَتُهُ إِلَى الزَّعْفَرَانِ، الإضافة نوعان إضافة تعريف وإضافة تقييد، وعلامة إضافة التقييد قصور الماهية في المضاف كأن قصورها قيده كيلا يدخل تحت المطلق، بيانه أنه لو حلف لا يصلي يحنث بصلاة الظهر لأنها صلاة مطلقة، وإضافتها إلى الظهر للتعريف، ولا يحنث بصلاة الجنازة، لأنها ليست بصلاة مطلقة وإضافتها إلى الجنازة للتقييد، وقد ذكرنا ما تبطل به صفة الإطلاق ويتقيد الماء به.
@
الجزء 1 · صفحة 69
وَكُلُّ مَاءٍ وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ لَمْ يَجُزِ الوُضُوءُ بِهِ قَلِيلًا كَانَتِ النَّجَاسَةُ أَوْ كَثِيرًا) وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ -: يَجُوزُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرُ أَحَدُ أَوْصَافِهِ لِمَا رَوَيْنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ -: يَجُوزُ إِذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا، وَلَنَا حَدِيثُ المُسْتَيْقِظُ مِنْ مَنَامِهِ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلَنَّ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ مِنْ غَيْرِ فَضْلٍ، وَالَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - وَرَدَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ وَمَاؤُهَا كَانَ جَارِيًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وَكُلُّ مَاء، المراد منه الدائم الذي لم يكن عشرا في عشر كالأواني والآبار.
قوله: قَلِيلًا كَانَتِ النَّجَاسَةُ أَوْ كَثِيرًا، من قبيل ملحفة جديد، وعليه قوله تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: (56)]، ثم وجه التمسك بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ما قاله صاحب الأسرار: أن مطلق النهي يوجب التحريم وفساد الفعل شرعًا، ولا فصل في الحديث بين دائم وغير دائم فهو على العموم، إلا أن يصير في حكم الجاري كالبحر وما لا يخلص بعضه إلى بعض، فإن قيل: جاز أن يكون النهي للأدب وللتنزيه؟ قلنا: مطلق النهي يقتضي الحرمة مع عرائه عن التأكيد، فكيف وقد أكد بالنون الثقيلة؟ ولأنه لو كان كذلك لما قيده بالدائم، فإن الجاري يشاركه في ذلك المعنى، لأن البول في الماء الدائم كما هو ليس بأدب، كذلك البول في الجاري ليس بأدب أيضًا، فلا تبقى حينئذ لقيد الدائم فائدة.
قوله: وَرَدَ فِي بِثْرِ بُضَاعَةَ، الباء في بضاعة تكسر وتضم، كذا في الصحاح، وفي المغرب: بالكسر لا غير، عن الغوري، وهي بئر قديمة بالمدينة وكان ماؤها كثيرًا فقيل إنه ثمان في ثمان.
قوله: وَمَاؤُهَا كَانَ جَارِيًا، ذكرت عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت قناة ولها منفذ
@
الجزء 1 · صفحة 70
ففِي البَسَاتِينِ، وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - ضَعَفَهُ أَبُو دَاوُدُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إلى بساتينهم وتستقي منه خسمة بساتين أو سبعة، والحال يدل عليه، فإن ماء البئر إن لم يكن قناة يتغير بالجيف، فإن قيل: العبرة عندنا لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، فكيف خص عموم قوله عليه الصلاة والسلام: الماء طهور لا ينجسه شيء بسببه، وهو وروده في بئر بضاعة؟ قلنا: الأحاديث الموجبة للتنجيس، مثل حديث المستيقظ، وحديث ولوغ الكلب وحديث النهي عن البول في الماء الدائم منعت عن اعتبار عموم اللفظ فوجب التخصيص بالسبب ضرورة، فإن قيل: لما تبين أنه مختص بالسبب لا يستقيم تمسك الشيخ رحمه الله تعالى في أول الباب بعمومه؟ قلنا: قوله: ومطلق الاسم يـ اسم يطلق على هذه المياه، قضية مسلمة ثم في قوله صلى الله عليه وسلم: الماء طهور ثبت كون الماء الجاري طهورا بعبارة النص وكون غيره طهورًا بدلالة النص، إذ كون الماء الجاري طهورا لكونه ماء مطلقا لا لكونه جاريا، فثبت هذا الحكم في المياه كلها بعبارة النص ودلالته، فيصح التمسك بعمومه في أول الباب، وهذا نظير التمسك في حرمة الضرب والشتم وسائر ما فيه أذى بعموم قوله تعالى: فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُنّ} [الإسراء: ??] دلالة، وإن كان الثابت بالعبارة حرمة التأفيف بعمومه، وهو التكلم لهما بكلمة أف على سبيل التضجر، ونظائره كثيرة.
قوله: وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، أراد به قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا بلغ الماء قلتين لا يحتمل خبنا الحديث، القلة اسم لجرة تحمل من اليمن، تسع فيها قربتان وشيء، وفي المغرب وقدر الشافعي رحمه الله تعالى القلتين بخمسة قرب، وأصحابه بخمس مائة رطل وزنا، كل قربة مائة رطل.
قوله: ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُد، ووجهه أنه قال في كتابه: بلغني بإسناد لا يحضرني من ذكره، ومثله دون المراسيل، لأن المرسل يقطع القول بأنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آية إتقانه، وقوله بإسناد لا يحضرني على عكسه، والمراسيل عنده ليست بحجة فهذا أولى، وعن علي بن المديني أستاذ محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى: أن حديث
@
الجزء 1 · صفحة 71
أَوْ هُوَ يُضْعَفُ عَنِ احْتِمَالِ النَّجَاسَةِ، وَالمَاءُ الجَارِي إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةُ جَازَ الوُضُوءُ مِنْهُ إِذَا لَمْ يُرَ لَهَا أَثَرُ، لِأَنَّهَا لَا تَسْتَقِرُّ مَعَ جَرَيَانِ المَاءِ وَالأَثَرُ هُوَ الرَّائِحَةُ أَوِ الطَّعْمُ أَوِ اللَّوْنُ، وَالجَارِي مَا لَا يَتَكَرَّرُ اسْتِعْمَالُهُ، وَقِيلَ مَا يَذْهَبُ بِتِبْنَةٍ.
قَالَ: (وَالغَدِيرُ العَظِيمُ الَّذِي لَا يَتَحَرَّكُ أَحَدُ طَرَفَيْهِ بِتَحْرِيكِ الطَّرَفِ الآخرِ، إِذَا وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي أَحَدٍ جَانِبَيْهِ جَازَ الوُضُوءُ مِنَ الجَانِبِ الآخرِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ) إِذْ أَثَرُ التَّحْرِيكِ فِي السَّرَايَةِ فَوْقَ أَثَرِ النَّجَاسَةِ، ثُمَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ – رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ يَعْتَبِرُ التَّحْرِيكَ بِالاغْتِسَالِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللهُ -،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
القلتين مما لا يثبت، وهكذا ذكر أبو داود، ولأن ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهما أمرا بنزح ماء بئر زمزم، ولو كان هذا صحيحًا لاحتجوا عليهما به، فعلم بأنه شاذ في حادثة تعم بها البلوى فيرد كخبر الوضوء مما مسته النار، وفي متنه اضطراب، روي إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثا، وروي إذا بلغ الماء أربعين قلة، والقلة اسم مشترك بين هامة الرجل ورأس الجبل والجرة، فلا يصير حجة إلا ببيان.
قوله: أَوْ هُوَ يُضْعَفُ عَنِ احْتِمَالِ النَّجَاسَةِ، يريد أنه لقلته يضعف عن احتمال الخبث ومقاومته، كما يقال فلان لا يحتمل الضرب، وفلان لا يحتمل أذي الناس وهذه الدابة لا تحتمل هذا المقدار من الحمل، وهذه الأسطوانة لا تحتمل ثقل السقف فلا يتعين ما ذهب اليه محملاً.
قوله: وَالغَدِيرُ العَظِيمُ الَّذِي لَا يَتَحَرَّكُ أَحَدُ طَرَفَيْهِ بِتَحْرِيكِ طَرَفِهِ الآخَرِ، المراد من تحرك أحد طرفيه هو أن يتحرك بالارتفاع والانخفاض ساعة تحريكه.
@
الجزء 1 · صفحة 72
وَعَنْهُ التَّحْرِيكُ بِاليَدِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِالتَّوَضُةِ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الحَاجَةَ إِلَى الاغْتِسَالِ فِي الحِيَاضِ أَشَدُّ مِنْهَا إِلَى التَّوَضُّةِ، وَبَعْضُهُمْ قَدَّرُوا بِالمَسَاحَةِ عَشْرًا فِي عَشْرِ بِذِرَاعِ الكِرْبَاسِ تَوَسُّعَةٌ لِلْأَمْرِ عَلَى النَّاسِ، وَعَلَيْهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وَعَنْهُ بِالتَّحْرِيك باليد، لأن التحريك بها أخف، فكان أولى توسعة على الناس.
قوله: وَعَنْ مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِ بِالتَّوَضُةِ، لأن التحريك بالوضوء أخف من التحريك بالاغتسال، ومبنى الماء في حكم النجاسة على الخفة دفعا للضرورة، فإن القياس أن يتنجس الكثير، لأن الجزء الذي لاقاه النجاسة يتنجس بالملاقاة، فيتنجس الجزء الذي يجاوره، ثُمَّ وثُمَّ حتى يصير الكل نجسا، كما في غير الماء من المائعات، لكن سقط حكم النجاسة تخفيفًا، فلما اعتبر التخفيف في أصل الماء يعتبر التخفيف في التحريك.
قوله: وَوَجْهُ الأَوَّلِ أَنَّ الحَاجَةَ إِلَى الاغْتِسَالِ فِي الحِيَاضِ أَشَدُّ، فيكون اختصاص الاغتسال بالحياض أكثر، فالتقدير بما يختص بها أولى وأجدر.
قوله: وَبَعْضُهُمْ قَدَّرُوا بِالمَسَاحَةِ عَشْرًا فِي عَشْرٍ، وهو أبو سليمان الجوزجاني رحمة الله تعالى عليه، وذراع الكرباس سبع قبضات، فإنه أقصر من ذراع المساحة وهو سبع قبضات لكن بإصبع قائمة في المرة السابعة، كذا في الفوائد الكرمانية، وذكر صاحب النهاية: أن ذراع الكرباس دون ذراع المساحة، وقد ذكر الشيخ الإمام ظهير الدين إسحاق بن أبي
@
الجزء 1 · صفحة 73
الفَتْوَى، وَالمُعْتَبَرُ فِي العُمْقِ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يَنْحَسِرُ بِالاغْتِرَافِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَقَوْلُهُ فِي الكِتَابِ: جَازَ الوُضُوءُ مِنَ الجَانِبِ الْآخَرِ، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَنْجُسُ مَوْضِعُ الوُقُوعِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ إِلَّا بِظُهُورِ أَثَرِ النَّجَاسَةِ فِيهِ كَالمَاءِ الجَارِي.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بكر الولوالجي رحمه الله تعالى في الفصل الأول من كتاب الصلاة من فتاواه فقال: فالمعتبر فيه ذراع الكرباس دون ذراع المساحة، وهي سبع مشتات ليس فوق كل مشت أصبع قائمة، وذراع المساحة سبع مشتات فوق كل مشت أصبع قائمة، وفي المحيط والأصح أن يعتبر في كل زمان ومكان ذراعهم ولم يتعرض للكرباس ولا المساحة، وجعل في فتاوى قاضي خان الصحيح ذراع المساحة، وقال: لأن ذراع المساحة أليق بالممسوحات.
قوله: لَا يَنْحَسِرُ بِالاغْتِرَافِ هُوَ الصَّحِيحُ، إنما قاله نفيًا لما ذكره المعلى أن المعتبر قدر ذراعين، وحكي عن أبي بكر بن حامد أنه قال: قدر مشائخنا رحمهم الله تعالى بأربع أصابع مفتوحة، ثم إذا لم يتنجس كله هل يتنجس شيء منه؟ فهذا على وجهين: إن كانت النجاسة مرئية لا يتوضأ من الجانب الذي وقعت فيه النجاسة، وقال بعضهم: يتنجس مما حول النجاسة بمقدار حوض صغير وهو أربع أذرع، وما وراءه طاهر، وإن كانت غير مرئية بأن بال فيه إنسان أو اغتسل فيه جنب حكي عن مشائخ العراق: لا فرق بين النجاسة المرئية وغير المرئية، ومشائخ بخارى وبلخ فرقوا بين المرئية وغيرها فقالوا: في غير المرئية يتوضأ من الجانب الذي وقعت فيه النجاسة بخلاف المرئية، ويُبتنى على هذا ما إذا غسل وجهه في حوض كبير فسقط غسالة وجهه في الماء فرفع الماء من موضع الوقوع قبل التحريك قالوا: على قول أبي يوسف رحمه الله تعالى لا يجوز ما لم يتحرك الماء، وبه قال أبو جعفر
@
الجزء 1 · صفحة 74
قَالَ: (وَمَوْتُ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ فِي المَاءِ لَا يُنَجِّسُهُ كَالبَقٌ وَالذُّبَابِ وَالزَّنَابِيرِ وَالعَقْرَبِ وَنَحْوِهَا)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ الله -: يُفْسِدُهُ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَا بِطَرِيقِ الكَرَامَةِ آيَةُ النَّجَاسَةِ، بِخِلَافِ دُودِ الخَلِّ وَسُوسِ الثَّمَارِ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةٌ، وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِيهِ: «هَذَا هُوَ الحَلَالُ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَالوُضُوءُ مِنْهُ وَلِأَنَّ المُنَجِّسَ هُوَ اخْتِلَاطُ الدَّمِ المَسْفُوحِ بِأَجْزَائِهِ عِنْدَ المَوْتِ، حَتَّى حَلَّ المُذَكَّى لِانْعِدَامِ الدَّمِ فِيهِ وَلَا دَمَ فِيهَا، وَالحُرْمَةُ لَيْسَتْ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الأستروشني رحمه الله تعالى وغيره من مشائخ بخارا رحمهم الله تعالى، جوزوا ذلك وتوسعوا فيه لعموم البلوى، كذا في المحيط.
قوله: وَمَوْتُ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، أي دم سائل، وذكر الزنابير بلفظ الجمع دون غيره، لأن فيه أنواعا شتى.
قوله: لَا يُنَجِّسُه، حكم في هذه المسئلة بعدم التنجس وفي الثانية بنفي الإفساد، لأن الموت في المسئلة الأولى في غير معدنه فيتوهم التنجس فناسب نفيه، وفي الثانية الموت في معدنه فلا يتوهم تنجسه بواسطة الضرورة، لكن احتمل تغير صفة الماء فنفاه بقوله: لا يفسده.
قوله: وَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وهو فيما رواه سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن إناء فيه طعام أو شراب يموت فيه ما ليس له دم سائل، قال عليه الصلاة والسلام: هذا هو الحلال أكله وشربه والوضوء به، كذا في المبسوطين.
قوله: حَتَّى حَلَّ المُذَكَّى لِانْعِدَامِ الدَّم فيه، فإن قيل: ذبح المجوسي يريق ولا يطهر،
@
الجزء 1 · صفحة 75
مِنْ ضَرُورَتِهَا النَّجَاسَةُ كَالطَّينِ.
قَالَ: (وَمَوْتُ مَا يَعِيشُ فِي المَاءِ فِيهِ لَا يُفْسِدُهُ، كَالسَّمَكِ وَالضَّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ -: يُفْسِدُهُ إِلَّا السَّمَكُ لِمَا مَرَّ، وَلَنَا أَنَّهُ مَاتَ فِي مَعْدِنِهِ فَلَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ كَبَيْضَةٍ حَالَ مُتَّهَا دَمًا، وَلِأَنَّهُ لَا دَمَ فِيهَا، إِذِ الدَّمَوِيُّ لَا يَسْكُنُ المَاءَ، وَالدَّمُ هُوَ المُنَجِّسُ. وَفِي غَيْرِ المَاءِ قِيلَ: غَيْرُ السَّمَكِ يُفْسِدُهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وجرح الصيد يطهر ولا يريق، والأهلي بالذبح يحل وإن لم يسل الدم بعارض؟ قلنا: الحكم يتعلق بالسبب وهو الذكاة الشرعية لا بنفس الإراقة، وذبح المجوسي غير ذكاة شرعا، والجرح في الصيد قام مقام الذكاة ضرورة، وما لم يرق بعارض لا يعتبر، فدار الحكم مع سبب الإراقة تيسيرًا، كالمشقة والسفر والعقل والبلوغ، فلما صارت الذكاة مبيحة مطهرة لأنها سبب إراقة الدم وقامت مقامها، صار الموت منجسا، لأنه سبب خلط الدم بغيرها بذهاب قوى الطبائع التي كانت تمتاز بقوتها في معادنها عن غيرها، فصارت النجاسة معقولة المجاورة الدماء النجسة، والطهارة معقولة بسيلان الدماء النجسة قبل الفساد، وما لا دم له فحال الحياة والموت بالتذكية وعدمها سواء.
قوله: كَبَيْضَةٍ حَالَ مُحَهَا دَمًا، أي تغير صفرتها دما، يعني لو صلى وفي كمه تلك البيضة تجوز الصلاة معها، لأن النجاسة في معدنها، بخلاف ما إذا صلى وفي كمه قارورة فيها دم، لا تجوز صلاته، لأن النجاسة ليست في معدنها.
قوله: قِيلَ: غَيْرُ السَّمَكِ يُفْسِدُهُ وهو قول نصر بن. يحيى ومحمد بن سلمة وأبي
@
الجزء 1 · صفحة 76
لِانْعِدَامِ المَعْدِنِ، وَقِيلَ: لَا يُفْسِدُهُ لِعَدَمِ الدَّمِ، وَهُوَ الْأَصَح
ـــــــــــــــــــــــــــــ
معاذ البلخي وأبي مطيع رحمهم الله تعالى، وقيل: لا يفسده وهو قول أبي عبد الله البلخي ومحمد بن مقاتل رحمهما الله تعالى، كذا في المحيط.
قوله: الانْعِدَامِ المَعْدِنِ، في الكافي: وما ذكر في الهداية لعدم المعدن تعليل بالعدم وهو غير صحيح، وتأويله أن الموجب للتنجس وهو الدم موجود، إذ اللون لون الدم والرائحة رائحتها، والمانع وهو المعدن مفقود، وإنما لم يفسد الماء لأن المانع موجود فلم يعمل الموجب، والأصح هو القول بعدم الفساد، وجعل شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى التعليل الثاني وهو قوله: ولأنه لا دم فيه، أصح، فإن ما يسيل من هذه الحيوانات ليس بدم، لأنه إذا شمس يبيض والدم إذا شمس يسود، ويستوي أن ينقطع أو لم ينقطع إلا على قول أبي يوسف رحمه الله تعالى، فإنه يقول إذا انقطع في الماء أفسده بناءً على قوله: أن الدم نجس، وهو ضعيف، فإنه لا دم في السمك إنما هو ماء أجن، ولو كان فيه دم فهو مأكول فلا يكون نجسا كالطحال والكبد، وعن محمد رحمه الله تعالى أن الضفدع
@
الجزء 1 · صفحة 77
وَالضَّفْدَعُ البَحْرِيُّ وَالبَرِّيُّ فِيهِ سَوَاءٌ، وَقِيلَ: البَرِّيُّ مُفْسِدٌ لِوُجُودِ الدَّمِ وَعَدَمِ المَعْدِنِ، وَمَا يَعِيشُ فِي المَاءِ مَا يَكُونُ تَوَالُدُهُ وَمَثْوَاهُ فِي المَاءِ، وَمَائِيُّ المَعَاشِ دُونَ مَائِيِّ المَوْلِدِ مُفْسِدُ.
قَالَ: (وَالمَاءُ المُسْتَعْمَلُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي طَهَارَةِ الْأَحْدَاثِ خِلَافًا لِمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللهُ، هُمَا يَقُولَانِ: إِنَّ الطَّهُورَ مَا يُطَهِّرُ غَيْرَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَالقَطُوعِ، وَقَالَ زُفَرُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إِنْ كَانَ المُسْتَعْمِلُ مُتَوَضَّنًا فَهُوَ طَهُورٌ، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إذا تفسخت في الماء كرهت شربه، لا للنجاسة لكن لأن أجزاء الضفدع فيه، والضفدع غير مأكول، كذا في المبسوط.
قوله: وَالضَّفْدَعُ البَحْرِيُّ وَالبَرِّيُّ فِيهِ سَوَاءٌ، الضفدع المائي ما يكون بين أصابعه سترة دون البري، كذا في الفتاوى الظهيرية.
قوله: فِي طَهَارَةِ الأَحْدَاثِ، قيد بالأحداث لما أنه يطهر الأنجاس فيما روى محمد عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، قال في المحيط واختلفوا في طهارة ماء المستعمل، قال محمد هو طاهر، وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وعليه الفتوى.
قوله: وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ للشافعي في الماء المستعمل أقوال ثلاثة، أظهر أقواله كما قاله محمد رحمة الله عليه أنه طاهر غير طهور، وقال في قول: طاهر ومطهر وقال في قول: إن كان المستعمل محدثا فهو طاهر غير طهور، وإن كان متوضنا فهو طاهر طهور، وهو قول زفر رحمه الله تعالى، وقال مالك رحمه الله تعالى: طاهر وطهور، إلا أنه أحبُّ إليَّ أن يتوضأ بغيره، لما أن عنده إذا وقعت في الماء نجاسة حقيقية، ولم يتغير طعمه
@
الجزء 1 · صفحة 78
طَهُورٍ، لِأَنَّ العُضْوَ طَاهِرُ حَقِيقَةٌ، وَبِاعْتِبَارِهِ يَكُونُ المَاءُ طَاهِرًا لَكِنَّهُ نَجِسٌ حُكْمًا، وَبِاعْتِبَارِهِ يَكُونُ المَاءُ نَجِسًا، فَقُلْنَا بِانْتِفَاءِ الطَّهُورِيَّةِ وَبَقَاءِ الطَّهَارَةِ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللهُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ -: هُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ، لِأَنَّ مُلَاقَاةَ الطَّاهِرِ الطَّاهِرَ لَا تُوجِبُ التَّنَجُسَ، إِلَّا أَنَّهُ أُقِيمَتْ بِهِ قُرْبَةٌ، فَتَغَيَّرَتْ بِهِ صِفَتُهُ كَمَالِ الصَّدَقَةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللهُ: هُوَ نَجِسٌ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الحَدِيثَ، وَلِأَنَّهُ مَاءً أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ الحُكْمِيَّةُ، فَيُعْتَبَرُ بِمَاءٍ أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ الحَقِيقِيَّةُ، ثُمَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولا لونه ولا ريحه، لم يتنجس.
قوله: عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ، فكان هذا كسور الحمار، لما تعارضت الأدلة بعضها يوجب الطهارة وبعضها يوجب النجاسة خرج من أن يكون طهورًا وبقي طاهرا، بخلاف ما إذا لم يكن محدثا لأنه لم يتحول إلى الماء شيء، لا من حيث الحقيقة ولا من حيث الحكم، فكان هذا وغسل ثوب طاهر سواء.
قوله: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةً وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: هُوَ نَجِسٌ، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة الحديث، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سوى بين النجاسة الحكمية والحقيقية، فإنه كما نهى عن البول كذلك نهى عن الاغتسال دل أن الاغتسال فيه يوجب النجاسة كالبول، لا يقال: إنما نهى الجنب عنه، لأنه لا يخلو عن المني وهو نجس، لأنه قد يخلو والجنب جنب وإن غسل فرجه والنهي يتناوله في هذه الحالة.
قوله: وَلِأَنَّهُ مَاءٌ أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ الحُكْمِيَّةُ، لأن عضو الجنب والمحدث له حكم
@
الجزء 1 · صفحة 79
فِي رِوَايَةِ الحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ - أَنَّهُ نَجِسٌ نَجَاسَةَ غَلِيظَةٌ اعْتِبَارًا بِالمَاءِ المُسْتَعْمَلِ فِي النَّجَاسَةِ الحَقِيقَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ - رَحِمَهُ اللهُ - وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنَّهُ نَجِسٌ نَجَاسَةٌ خَفِيفَةٌ، لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ.
قَالَ: (وَالمَاءُ المُسْتَعْمَلُ: هُوَ مَا أُزِيلَ. بِهِ، أَوِ اسْتُعْمِلَ فِي البَدَنِ عَلَى وَجْهِ القُرْبَةِ)، قَالَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: وَهُذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
النجاسة في الشرع، حتى منع من جواز الصلاة ولذلك أطلق اسم التطهير لقوله تعالى: وإن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: [(6)] والتطهير عبارة عن إزالة النجاسة، وقد أزيلت تلك النجاسة بالماء فانتقل حكم النجاسة إليه كما في الحقيقية، فإن قيل: بالأعضاء حكم النجاسة والحكم لا يقبل التحول إلى الماء؟ قلنا: لو لم يلحق بالعين في حق الإزالة لما ثبت حكم الإزالة ولما تغير صفة الماء كما في الثوب الطاهر، وقد تغير بالإجماع أو بالدلائل التي قلنا، فثبت أنه تحول إليه ما كان بالعضو حكمًا، ولا يثبت ذلك إلا أن يعتبر ذلك الحكم بعين حله، فإن قيل: هذا إنما يتحقق في المحدث والجنب، فأما المتوضئ إذا توضأ ثانيا بنية القربة فلا، لأنه لم يكن بأعضائه من النجاسة الحكمية حتى تزول من أعضائه وينتقل إلى الماء؟ قلنا: لما نوى القربة فقد أراد به طهارة على طهارة ونورا على نور على ما جاءت به الأخبار، ولا يكون طهارة جديدة حكمًا إلا بإزالة النجاسة حكمًا، فصارت الطهارة على الطهارة وعلى الحدث سواء حكما، كذا في الأسرار.
قوله: وَالمَاءُ المُسْتَعْمَلُ هُوَ مَا أُزِيلَ بِهِ حَدَثُ، بأن يتوضأ متبردًا وهو محدث، أو استعمل في البدن على وجه القربة، بأن يتوضأ وهو طاهر بنية الطهارة.
قوله: وَهُذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللهُ، أي كون الماء مستعملا بأحدهما قول أبي يوسف رحمه الله تعالى، وقيل هو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى أيضا، وذكر في مبسوط شيخ الإسلام قالوا يجب أن يكون قول أبي حنيفة كقول أبي يوسف رحمهما الله تعالى،
@
الجزء 1 · صفحة 80
وَقِيلَ: هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللهُ - أَيْضًا، وَقَالَ: مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ الله -: لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إِلَّا بِإِقَامَةِ القُرْبَةِ لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ بِانْتِقَالِ نَجَاسَةِ الأَيَّامِ إِلَيْهِ وَإِنَّهَا تُزَالُ بِالقُرَبِ، وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللهُ - يَقُولُ: إِسْقَاطُ الفَرْضِ مُؤَكِّرٌ أَيْضًا فَيَثْبُتُ الفَسَادُ بِالأَمْرَيْنِ، وَمَتَى يَصِيرُ المَاءُ مُسْتَعْمَلًا؟ الصَّحِيحُ أَنَّهُ كُلَّمَا زَايَلَ العُضْوَ صَارَ مُسْتَعْمَلًا، لِأَنَّ سُقُوطَ حُكْمِ الِاسْتِعْمَالِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقد دلت مسائل نقلت عنهم، قال في كتاب الحسن قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إن غمس رجل جنب أو غير متوضئ يديه إلى المرفقين أو إحدى رجليه في ماء في إجانة لم يجز أن يتوضأ منه، لأنه سقط فرضه عنه، وذكر أبو يوسف رحمه الله تعالى في نوادر المعلى: رجل في يديه قذر فأخذ الماء بفمه وصبه على يده فغسلهما لم يطهرها، لأنه قد صار الماء مستعملا حين أخذ الماء بفمه وهو جنب وعنده الماء المستعمل نجس، وقال محمد رحمه الله تعالى في صلاة الأثر: طهر اليد إذا لم يرد به المضمضة، كذا في النهاية.
قوله: لأن الاسْتِعْمَالَ بِانْتِقَالِ نَجَاسَةِ الآثام، والإثم قذر لقوله عليه الصلاة والسلام: من أصاب من هذه القاذورات فليستتر بستر الله) إلا أن هذه النجاسة لا يظهر حكمها ما دامت على البدن بمعارضة طهارة الإيمان، فإذا انتقلت إلى محل لا معارض له ظهر حكم النجاسة وانتقل الذنب من الكرامة، وإنما يستوجبها بنية التقرب، والحدث ليس بشيء حتى ينتقل إلى الماء، وإنما هو عبارة عن منع أداء الصلاة.
قوله: الصَّحِيحُ أَنَّهُ كُلَّمَا زَايَلَ العُضْوَ، ذكر في المحيط: أن الماء إنما يأخذ حكم الاستعمال إذا زائل البدن، والاجتماع في مكان ليس بشرط، هذا هو مذهب أصحابنا رحمهم
@
الجزء 1 · صفحة 81
قَبْلَ الإِنْفِصَالِ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةً بَعْدَهُ، وَالجُنُبُ إِذَا انْغَمَسَ فِي البِئْرِ لِطَلَبِ الدَّلْوِ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللهُ - الرَّجُلُ بِحَالِهِ، لِعَدَمِ الصَّبِّ، وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَهُ لِإِسْقَاطِ الفَرْضِ، وَالمَاءُ بِحَالِهِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الله تعالى، وقال: وما ذكر في شرح الطحاوي أن الماء إنما يأخذ حكم الاستعمال إذا زايل البدن واستقر في مكان فذاك قول سفيان الثوري وإبراهيم النخعي رحمهما الله تعالى وبعض مشايخ بلخ، وهو اختيار الطحاوي، وبه كان يفتي ظهير الدين المرغيناني، أما مذهب أصحابنا ما ذكر، وعن هذا قلنا: أن من نسي مسح رأسه فأخذ ماء من لحيته ومسح به رأسه لا يجوز، وفي نظم الزندويسي أن عند مشائخ بخاري يصير الماء مستعملا وإن كان في الهواء، حتى قالوا: لو أصاب ثوبه يتنجس، وفي الفتاوى الظهيرية: اتفق علماؤنا أن الماء الذي تأدت به القربة ما دام مترددًا في العضو لا يُعطى له حكم الاستعمال، فإذا زايل العضو ولم يصل إلى الأرض ولا إلى موضع يستقر فيه بل هو في الهواء إذا نزل على عضو إنسان وجرى فيه لم يصر متوضئا.
قوله: وَالجُنُبُ إِذَا انْغَمَسَ فِي البِئْرِ لِطَلَبِ الدَّلْوِ، أراد به الجنب الذي ليس في بدنه نجاسة من المني وغيره، فيه إشارة إلى أنه لو انغمس للاغتسال يفسد الماء عند الكل.
قوله: وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَهُ، أي في الماء الذي هو ليس بجار ولا هو في حكم الجاري، حتى أنه لا يشترط في الماء الجاري والحياض الكبيرة، وروي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أن الصب شرط في الثوب أيضًا، وهو قول الشافعي رحمة الله تعالى عليه.
@
الجزء 1 · صفحة 82
لِعَدَمِ الْأَمْرَيْنِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كِلَاهُمَا طَاهِرَانِ الرَّجُلُ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الصَّبِّ، وَالمَاءُ لِعَدَمِ نِيَّةِ القُرْبَةِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ – رَحِمَهُ اللَّهُ -: كِلَاهُمَا نَحِسَانِ المَاءُ لِإِسْقَاطِ الفَرْضِ عَنِ البَعْضِ بِأَوَّلِ المُلَاقَاةِ، وَالرَّجُلُ لِبَقَاءِ الحَدَثِ فِي بَقِيَّةِ الأَعْضَاءِ، وَقِيلَ: عِنْدَهُ نَجَاسَةُ الرَّجُلِ بِنَجَاسَةِ المَاءِ المُسْتَعْمَلِ، وَعَنْهُ أَنَّ الرَّجُلَ طَاهِرُ، لِأَنَّ المَاءَ لَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ الاسْتِعْمَالِ قَبْلَ الإِنْفِصَالِ، وَهُوَ أَوْفَقُ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: لِعَدَمِ الأَمْرَيْنِ، وهما اسقاط الفرض ونية التقرب، ثم إنما قدم قول أبي يوسف رحمه الله تعالى ولم يوسطه كما هو حقه لزيادة احتياجه إلى البيان بسبب ترك أصله في هذه المسئلة، بأن كان يجب أن يتنجس الماء على مذهبه كما قاله أبو حنيفة رحمه الله تعالى، لأن الماء يصير مستعملاً عنده بسقوط الفرض وقد سقط الفرض وإن لم ينو، فكأنه إنما ترك أصله في هذه المسئلة لضرورة الحاجة إلى طلب الدلو، فلم يسقط الفرض كيلا يصير الماء نجسا فيفسد البئر، ونظيره ما روي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه قال: إذا أدخل الجنب أو المحدث يده في الإناء ليغترف الماء لا يزول الحدث عن يده كيلا يفسد الماء للحاجة إلى الإغتراف، فكذا هذا، فأما محمد رحمه الله تعالى مر على أصله حيث جعل الماء طاهرا لعدم نية القربة، والرجل طاهرا لأن الماء بطبعه طهور من غير نية.
قوله: وَالرَّجُلُ لِبَقَاءِ الحَدَث، قال الصدر الشهيد رحمه الله تعالى: والصحيح أنه نجس نجاسة الجنابة، لأنه بأول الملاقاة صار الماء مستعملاً، وكذا في قوله الثاني صار الماء مستعملاً لسقوط الفرض فتنجس الرجل به.
قوله: وَهُوَ أَوْفَقُ الرِّوَايَاتِ، لأن جميع البدن في حكم عضو واحد في حكم الاغتسال والماء ما دام على العضو لا يعطى له حكم الاستعمال، فإذا انفصل عن الماء انفصل العضو طاهرا وصار الماء مستعملا فيتنجس، فعلى القول الأول لا تجوز الصلاة ولا قراءة القرآن
@
الجزء 1 · صفحة 83
قَالَ: (وَكُلُّ إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ، وَجَازَتِ الصَّلَاةُ فِيهِ وَالوُضُوءُ مِنْهُ، إِلَّا جِلْدَ الخِنْزِيرِ وَالآدَمِيٌّ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وعلي القول الثاني تجوز قراءة القرآن ولا تجوز الصلاة، وعلى القول الثالث يجوز كلاهما، وتسمى هذه المسئلة مسئلة بحط الجيم من النجس أي كلاهما نجسان، والحاء من الحال أي كلاهما بحالهما عند أبي يوسف رحمه الله تعالى، والطاء من الطاهر أي كلاهما طاهران عند محمد رحمه الله تعالى، قال القدوري: كان شيخنا أبو عبد الله الجرجاني رحمه الله تعالى يقول: الصحيح عندي من مذهب أصحابنا رحمهم الله تعالى أن إزالة الحدث توجب استعمال الماء، ولا معنى لهذا الخلاف، إذ لا نص عنهم على هذا الوجه، يعني أن الماء إنما يكون مستعملاً عند أبي يوسف رحمه الله تعالى بأحد الأمرين اسقاط الفرض ونية القربة، وعند محمد رحمه الله تعالى نية القربة، ولا يجوز أن يؤخذ هذا الاختلاف من مسألة البئر، قال الكرخي رحمه الله تعالى: ويمكن تخريجها بأن يقال: إن محمدا إنما لم يحكم بنجاسة ماء البئر لمكان الضرورة، كما قلنا في الجنب والمحدث إذا أدخل يده في الإناء للإغتراف لا يصير الماء مستعملاً بلا خلاف لمكان الضرورة، فإن الإنسان عسى لا يجد إناء صغيرًا ولا يمكنه صب الماء على يده من الإناء الكبير فيضطر إلى الإدخال وقامت اليد مقام الإناء الصغير، وأبو يوسف رحمه الله تعالى لم يعتبر تلك الضرورة في البئر فوقع الاختلاف وههنا لا ضرورة، فثبت حكم الاستعمال عند اسقاط الفرض بلا خلاف، ولا يصح الاستدلال بمسألة البئر على اثبات الخلاف ههنا، لوجود الفارق على ما ذكرنا، كذا في المحيط والفوائد الظهيرية.
قوله: إلَّا جِلْدَ الخِنْزِيرِ وَالآدمي، التقديم في موضع التعظيم كقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّبِقُونَ أُوْلَبِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: ?? - ??] وأما في موضع الإهانة فالتعظيم
@
الجزء 1 · صفحة 84
«أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ وَهُوَ بِعُمُومِهِ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ- رَحِمَهُ اللهُ فِي جِلْدِ المَيْنَةِ، وَلَا يُعَارَضُ بِالنَّهْيِ الْوَارِدِ عَنِ الانْتِفَاعِ مِنَ المَيْنَةِ بِإِهَابٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْنَةِ بِإِهَابٍ. لأَنَّهُ اسْمٌ لِغَيْرِ المَدْبُوعِ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
في تأخيره، كقوله تعالى: {لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ) [الحج: (40)].
قوله: وَهُوَ بِعُمُومِهِ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، لأن النكرة إذا اتصفت بصفة عامة تعم كقولهم: أي عبيدي ضربك فهو حر، يعتق كلهم إذا ضربوه، فإن قيل: الحديث متروك الظاهر لأنه يتناول جلد الخنزير والآدمي ولا يطهران بالدبغ؟ قلنا: جلد الخنزير لا يندبغ فلا يطهر، لأن شعره غليظ ينبت من لحمه ولأنه نجس العين كالخمر، وجلد الآدمي إن احتمل طهر لكن لا يحل سلخه ودبغه إحتراما له كشعره، وفي النهاية وقال بعض الناس إن كان جلد ما يؤكل لحمه يطهر بالدباغ لحديث ميمونة رضي الله عنها، وهو ما روي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: أنه مر بشاة لميمونة فقال: هلا انتفعتم بإهابها؟ فقيل: إنها ميتة، فقال: إنما حرم من الميتة أكلها، وإن كان جلد ما لا يؤكل لحمه لا يطهر بالدباغ، لقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: (3)]، وجعل هذا القول قول الشافعي رحمه الله تعالى في مبسوط شمس الأئمة السرخسي، واستدل مالك بحديث عبد الله بن عكيم الليثي رضي الله عنه قال: أتانا كتاب رسول الله صلي الله عليه وسلم قبل موته بسبعة أيام، وفي رواية بشهر أو شهرين، وكان فيه: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب، وقلنا الإهاب اسم للجلد الذي لم يدبغ، كذا قال الأصمعي، والدليل عليه أيضًا ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تخطب وتمدح أباها فقالت: رحم الله أبا بكر قرر الرءوس على كواهلها والدماء في
@
الجزء 1 · صفحة 85
وَحُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - فِي جِلْدِ الكَلْبِ، وَلَيْسَ الكَلْبُ بِنَفْسِ العَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ حِرَاسَةٌ وَاصْطِيَادًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أهبها، كذا في مبسوط شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
قوله: وَحُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي جِلْدِ الكَلْبِ، التخصيص بجلد الكلب يوافق رواية الأسرار ويخالف رواية المبسوط، لما أن عنده على تلك الرواية كل ما لا يؤكل لحمه لا يطهر جلده بالدباغ، فقاس على جلد الخنزير والآدمي.
قوله: وَلَيْسَ الكَلْبُ بِنَجِسِ العَيْنِ، هذه مسئلة اختلفت فيها روايات المبسوط، ذكر في باب الحدث منه الإنتفاع به مباح في حالة الاختيار، فلو كان عينه نجسا لما أبيح الإنتفاع به، ثم ذكر في أوائل باب الوضوء والغسل منه في بيان مسئلة سؤر الكلب فقال: والصحيح من المذهب عندنا أن عين الكلب نجس، ثم قال: وبعض مشائخنا يقولون عينه ليس بنجس، ويستدلون عليه بطهارة جلده بالدباغ، وذكر أيضًا في كتاب الصيد منه في مسئلة بيع الكلب في التعليل وبهذا تبين أنه ليس بنجس العين، وفي مبسوط شيخ الإسلام: وأما جلد الكلب فعن أصحابنا فيه روايتان في رواية يطهر بالدباغ، وفي رواية لا يطهر، وهو الظاهر من المذهب وفي فتاوى قاضي خان رحمه الله تعالى: إذا وقع في البئر كلب أو خنزير ومات أو لم يمت أصاب الماء فم الواقع أو لم يصب ينزح ماء البئر كله، أما الخنزير فلأن عينه نجس والكلب كذلك، ولهذا لو ابتل الكلب وانتفض وأصاب ثوبا أكثر من قدر الدرهم أفسده، وفي المحيط: الكلب إذا وقع في الماء فأخرج حيا إن أصاب فمه الماء يجب نزح جميع الماء، وإن لم يصب فمه الماء فعلى قولهما يجب نزح جميع الماء، وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: لا بأس به، وقال: وهذا إشاره إلى أن عين الكلب ليس بنجس.
قوله: أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ حِرَاسَةٌ وَاصْطِيَادًا، فإن قيل: يشكل هذا بالسرقين فإنه نجس
@
الجزء 1 · صفحة 86
بخلاف الخنزير لأنهُ نَجِسُ العَيْنِ، إِذِ الهَاء في قوله تَعَالَى: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام: (145)] مُنْصَرِفُ إِلَيْهِ لِقُرْبِهِ، وَحُرْمَةُ الانْتِفَاعِ بِأَجْزَاءِ الْآدَمِيٌّ لِكَرَامَتِهِ، فَخَرَجَا عَمَّا رَوَيْنَا، ثُمَّ مَا يَمْنَعُ النَّتْنَ وَالفَسَادَ فَهُوَ دِبَاعٌ، وَإِنْ كَانَ تَشْمِيسًا أَوْ تَتْرِيبًا، لِأَنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهِ فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ غَيْرِهِ، ثُمَّ مَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدَّبَّاغِ يَطْهُرُ بِالزَّكَاةِ، لِأَنَّهَا تَعْمَلُ عَمَلَ الدَّبَّاغِ فِي إِزَالَةِ الرُّطُوبَةِ النَّحِسَةِ،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
العين ثم إنه ينتفع به إيقادًا وتقوية للزراعة، قيل: هذا الإنتفاع بالاستهلاك وهو جائز في نجس العين كالاقتراب من الخمر للإراقة.
قوله: بخلاف الخنزير، وفي المبسوط وأما جلد الخنزير فقد روي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه يطهر بالدباغ أيضًا، وفي ظاهر الرواية أنه لا يحتمل الدباغ فإن له جلودا مترادفا بعضها فوق بعض كما للآدمي، وإنما لم يطهر لعدم احتمال المطهر وهو الدباغ.
قوله: مُنْصَرِفٌ إِلَيْهِ لِقُرْبِهِ، ولا يقال: ينصرف إلى المقصود في الكلام وهو المضاف، نحو لقيت ابن عمرو وخدمته، لأن في صرفه إلى الخنزير عملا بهما لاشتماله على اللحم، ولا ينعكس.
قوله: ثُمَّ مَا يَمْنَعُ النَّيْنَ وَالفَسَادَ، إلخ، هذا عندنا، وعند الشافعي رحمه الله تعالى لا يكون دباغا إلا بما يزيل الرطوبات النجسة، وذلك باستعمال الشب والقرظ والعفص، وذكر في الخلاصة: حتى أن جلد الميتة إذا يبس ثم وقع في الماء القليل لا يفسده.
قوله: مَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدَّبَّاغِ يَطْهُرُ بِالزَّكَاةِ، وهذا اختيار بعض المشايخ رحمهم الله تعالى، وعند بعضهم إنما يطهر جلد الحيوان بالذكاة إذا لم يكن سؤره نجسا، كذا في النهاية.
قوله: لِأَنَّهَا تَعْمَلُ عَمَلَ الدَّبَّاغِ فِي إِزَالَةِ الرُّطُوبَة، والذكاة في تسييل ما هو نجس فوقه، لأن الدبغ يزيل بعد الاتصال والذبح يمنع الاتصال، وهذا فيما إذا وجدت إزالة
@