الجزء 1 · صفحة 6
الكافي في شرح الوافي
للإمامِ شَيخ الإسلام العَلامَةِ أَبي البَرَكَاتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَحْمُودٍ حافظ الدين النسفي
المتوفى 710 هـ رحمه الله تعالى
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 7
المجلد الأول
كتاب الطهارة. كتاب الصلاة
كتاب الطهارة
الجزء 1 · صفحة 8
كتاب الطهارة
الطهارة فرض.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فرض الوضوء: غسل وجهه.
الفرضُ لُغة: التقدير والقطع، قال الله تعالى: ورَةٌ أَنزَلْنَهَا وَفَرَضْنَهَا} [النور: 1]، أي قدرناها، وقطعنا الأحكام فيها قطعا.
وفي الشرع: عبارة عن حكم مُقدَّرٍ لا يحتمل زيادة ونقصان، ثبت بدليل لا شبهة فيه. ويُقال لما يفوتُ الجَوازُ بقوته.
والفرض هنا بمعنى: المفروض.
وآية الوضوء تَدُلُّ على فَرْضِيّة ما تناولته، أما على التأويل الثاني: فظاهر، وكذا على الأول؛ لأن هذا النص قطعي.
والوضوء بالضَّمِّ الْمَصْدَرُ، وبالفتح: ما يُتَوَضَّأُ به، مأخوذ من الوضاءة، وهي النظافة.
وفي الشرع يُراد به: نظافة مخصوصة.
وسبب وجوبه: الصَّلاةُ؛ لقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: 6]، أي للصلاة، كما يُقال: إذا رأيتَ الأسد فخُذْ حِذْرَك، أي للأسد.
ولأنه يُضاف إليها، وهي تَدلُّ على السببية؛ لأنها تدلُّ على الاختصاص، فيثبت أقوى وجوهه، وذا في أن تكونَ سَبَبًا له؛ إذ الْمُسَبَّب حادث به.
وشرطه: الحَدَثُ؛ لأنه تعالى ذكر التَّيَمُّمَ مُعلَّقًا بالحدث، والنَّصُّ فِي البَدَل نَص في الأصل؛ لأنه لا يُفارِقُه بشرطه وسبه، وذكر الغسل - وهو أعظمُ الطَّهرين - مُعلَّقًا بالحدث، ولا يصلح أن يكون سببًا له؛ لأن أدنى دَرَجاتِ السَّبَبِ أَن يَكُونَ مُلائِمًا للمُسبّب مُفضيا إليه، والحَدَثُ مُنافٍ له، فَأَنَّى يَصلُحُ سَبَبًا له!؟
وركنُه: غَسل كذا، ومَسحُ كذا.
وحكمه: حِلُّ الصَّلاةِ.
والغسل: الإسالة، والمسح: الإصابة، قال:
فيا حسنها إذ يَعْسِلُ الدَّمعُ كُحلها وإذ هي تذري دمعها بالأنامل
الجزء 1 · صفحة 9
وهو: من قصاص شعره إلى أسفل ذَقَنِه، وإلى شحمتي) الأُذُنِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وهو: من قصاص شعره إلى أسفل ذَقَنِه، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن؛ لأن الوجه اسم لما يُواجه الناظر إليه، والْمُوَاجَهَةُ تَقَعُ بما ذكرنا.
غير أن إدخال الماء في العينين ليس بشرط للحرج، فقد كُفَّ بَصَرُ من تَكَلَّف ذلك، كابن عمر وابن عباس رضى اللهُ عَنْهُمْ.
وخُطى صاحب الهداية رحمه الله في قوله: وهو مشتق منها؛ حيث جَعَل الثلاثي مشتقا من المنشعبة)، والأمر بالعكس، والمُخطّى مُخطئ، فقد قال صاحب الكشاف»: اشتقاق اليم من التيمم؛ لأن المُستنفعين به يقصدونه، واشتقاق البرج من التبرج؛ لظهوره.
الجزء 1 · صفحة 10
وما بين عذاره وأُذُنِه منه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والبياض الذي بين) ن العذار وشحمة الأذن: من الوجه، حتى يَجِبُ غَسله عندهما، خلافًا لأبي يوسفَ رَحِمَهُ الله؛ لأن البشرة التي نبت عليها الشَّعْرُ لا يَجِبُّ إيصال الماء إليها، فما هو أبعد أولى.
وقالا: إنما لم يَجِب ثَمَّ: لأنه استتر بالشعر، ولا شعر هنا، فبقي على ما كان.
الجزء 1 · صفحة 11
ويديه ورجليه مع مرفقيه وكعبيه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وغسل يديه مع مرفقيه ورجليه مع كعبيه، خلافًا لزفرَ رَحمَهُ اللهُ في الغايتين؛ لأن الغاية لا تدخل تحت الْمُغَيّا، كقوله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ [البَقَرَةِ: 187].
ولنا: أن الغاية متى كانت لإسقاط ما وراءها: تدخُلُ، ومتى كانت لمد الحكم إليها لا تدخل، وهذه لإسقاط ما وراءها؛ إذ لو اقتصر على {وَأَيْدِيَكُمْ} [المَاشِدَة: 6] ولنا: أن الغاية متى كانت لإسقاط ما وراءها: تدخُلُ، ومتى كانت لمد الحكم إليها لا تدخل، وهذه لإسقاط ما وراءها؛ إذ لو اقتصر على {وَأَيْدِيَكُمْ} [المَاشِدَة: 6]
لتناول إلى الآباط؛ لأن اليد اسم لهذه الجملة، فبقيت الغاية داخلة بمطلق الاسم، وفي الصوم لمد الحكم إليها؛ إذ الصوم يتناول إمساك ساعة، فإن من حلف لا يَصومُ: يحنث بصوم ساعة، فلم تدخل.
والكعب العظم الناتي؛ لأنه المفهومُ إِذا قِيلَ: ضَرَب كَعَبَ فُلانٍ.
وروى هشام عن محمد: أنه الْمَفْصِلُ الذي في وَسَط القَدَمِ عند مَعقِدِ الشَّراكِ؛ لأن الكعب اسم للمفصل، ومنه: كُعوب الرمح، والذي في وسط القدم مفصل، وهو متيقن به.
وهذا سهو من هشام؛ لم يرد محمد رحمه الله تفسير الكعب بهذا في الطهارة، وإنما أراد في المحرم إذا لم يجد نعلين يقطعُ خُفَّيه أسفل من كعبيه، وأما في الطهارة: فهو العظم الناتي، كما فسره في «الزيادات».
لأن ما توحّد من خَلْق الإنسان تذكر تثنيته بعبارة الجمع، وما كان مثنى بعبارة التثنية، فلما قال: {إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6]) ا دلَّ أنه مثنى في كل رجل، وذلك العظمُ الناتي، ولو أريد به ما ذكر لقال: لى الكعا، كالمرافق.
الجزء 1 · صفحة 12
و مسح رُبع رأسه ولحيته ر.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ومسح ربع رأسه، وقال الشافعي رحمه الله: أدنى.، ما يُطلق عليه الاسم؛! م، إذ الباء في قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] للتَّبعيض.
وقال مالك رَحِمَهُ اللهُ: كله؛ لأن الباءَ صِلة، مثل: فامسحوا بوجوهكم.
قلنا: الباء متى دخلت في آلة المسح تعدى الفعل إلى محله، فيستوعبه لا الآلة، نحو: مَسَحتُ رأس اليتيم بيدي، ومتى دخلت في محله تعدى الفعل إلى الآلة، فيستوعبها لا المحل، كما في الآية، فيقتضي ممسوحية بعض الرَّأْسِ، وهو مُجمَلٌ يحتمل السُّدُسَ والرُّبعَ والثُّلُثَ وغيرها.
وما رَوى الْمُغِيرَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَسَح على ناصيته: صار بيانًا له.
ولا يُقالُ: الْمُجمل ما لا يُمكنُ العمل به قبل البيان، وأمكن العمل به هنا؛ لأنه يَخْرُجُ عن عهدته بأدنى ما ينطلق عليه اسم البعض.
قلنا: لم يرد ذلك؛ لأنه يحصل بغسل الوجه، فلا يحتاج إلى إيجاب على حدة. ولا يُقال: حَديثُ الْمُغيرة ليس بدليل؛ لأنه يَدُلُّ على فَرْضِيَّةِ عَينِ النَّاصِيةِ، والْمُدَّعَى قَدْرُ الربع: لأن الحديث يحتمل التعيين وبَيانَ الْمِقدار، ولو حملناه على التعيين يكون نسخا، ولو حملناه على المقدار يكون بيانًا، وخبر الواحد صالح للبيان لا للنسخ، فحملناه على ما يصلح، لا على ما لا يصلح.
ولا يُقال: حَديثُ الْمُغيرة ليس بدليل؛ لأنه يَدُلُّ على فَرْضِيَّةِ عَينِ النَّاصِيةِ، والْمُدَّعَى قَدْرُ الربع: لأن الحديث يحتمل التعيين وبَيانَ الْمِقدار، ولو حملناه على التعيين يكون نسخا، ولو حملناه على المقدار يكون بيانًا، وخبر الواحد صالح للبيان لا للنسخ، فحملناه على ما يصلح، لا على ما لا يصلح.
وذكر في «الأصل»: الفرضُ قَدْرُ ثَلاثِ أصابع؛ لأن الباء دخلت في المحل، فتستوعب الآلة، وهي غير مستوعبة عادةً وحقيقة، فيُراد أكثرها، والأصل في اليد الأصابع؛ إذ لو قطعها بلا كفٌ يَجِبُ نِصفُ الدِّيةِ، كما لو قطعها مع الكف، ولم تجب حكومة العدل للكف، كما لو انفرد، والثلاث أكثرها، فيُقام الكل التقديري مُقامَ الكل الحقيقي.
ولحيته، أي وربع لحيته، وعن أبي يوسف رَحِمَهُ اللَّهُ: كلها؛ لأنها قامت مَقامَ ما تحتها، وذا يُغسل كله، وعنه: لا يَجِبُ مسح شيء منها؛ إذ وظيفته الغسل، وسقط ذلك بنباتها، فسقط أصلا، كاليد المقطوعة.
لنا: أن هذه وظيفة انتقلت إلى الشَّعْرِ، فَيُقَدَّرُ بالربع، كمسح الرَّأْسِ.
وإيصال الماء إلى ما استرسل من الشعر عن الذَّقَن: لا يَجِبُ؛ لأنه ليس من الوجه، خلافًا للشافعي رحمه الله.
الجزء 1 · صفحة 13
وسنته: غسل يديه إلى رُسْغَيه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وسنته: غَسل يديه إلى رُسْغَيهِ أَوَّلا؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذا استيقظ أَحَدُكُم من منامه فلا يَعْمِسَنَّ يده في الإناء حتى يغسِلَها ثَلاثًا. فإنه لا يدري أين باتت يده).
نهى عن الغمس على وجه التأكيد، والنهي العاري عنه يقتضي التحريم؛ فهذا أولى، فحرم الغمس قبل الغسل، والاجتناب عن المُحرَّم واجب، وبالغسل يَصيرُ مجتنبا، فَيَجِبُ بالنظر إلى أوّل الحديث، وبالنظر إلى آخره: لا؛ حيث أشار إلى تَوَهُم النَّجاسة؛ إذ معناه: لا يدري أين باتت يده من مَكانٍ طَاهِرٍ أو نَجِسٍ، ومن شَكٍّ في النجاسة يُستحبُّ غَسلها ولا يَجِبُ، فاليقين لا يَزولُ بالشَّك، فقلنا بأمر بينهما، وهو السنة.
ولأن اليد آلة التطهير؛ لأنه يُطهِّرُ أعضاءه بها، فسُنَّ الابتداء بتطهير هما؛ ليحصل بهما التطهير، ولهذا يغسلهما إلى الرسغ؛ لأن الكفاية تحصل به في التطهير.
ثم غسلهما وإن كان فرضًا لكن تقديم غسلهما إلى رُسْغَيهِ سُنَّةٌ، وينوب عن الفرض، كالفاتحة تنوب عن الواجب بخبر التَّعيين. وعن الفرض بالنص.
وذكر الإناء في الحديث: بناءً على عادتهم، فلهم أنوار على أبواب الْمَساجِدِ يتوضؤون منها.
والشرط في الحديث يحتمل أنه خَرَجَ مَخرَجَ العادة؛ لأن السنية لا تتقيد به.
وقيل: إنما نهى لاحتمال تنجس اليد؛ إذ عادتهم أن لا يستنجوا بالأحجار والماء، حتى لو نام مستنجيا لا حاجة إلى غسل يديه.
وكيفيته: أن يَأْخُذَ الإناء بشماله ويَصُبَّ على يمينه ثلاثًا، ثم يَأْخُذَ بيمينه ويَصُبَّ على اليسرى كذلك، وكذا إن كان كبيرًا كالحب ومعه إناء صغير، وإِلَّا يُدخِلُ أصابع يده اليسرى مضمومة في الإناء، ويَصُبُّ على كَفَّه اليمنى، ويَدلُكُ الأصابع بعضها ببعض حتى تطهر، ثم يُدخِلُ اليُمنى في الإناء ويغسلُ اليُسرى.
وهذا إذا لم يكن بيده نجاسة، فالنهي محمول على الإناء الصغير، فلا يُدخل يده أصلا، وفي الكبير على إدخال الكف.
الجزء 1 · صفحة 14
وتسمية الله تعالى ابتداء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وتسميته تعالى ابتداء؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا وضوء لمن لم يُسم) والْمُراد نفي الفضيلة لا نفي الجواز؛ لئلا يَلزَمَ الزِّيادة على النص بخبر الواحد، وهي نسخ؛ وهذا لأنه تعالى أمر بالوضوء، وهو غسل ومسح، وما شرط التسمية، فلو شرطناها بالخبر لنسخنا النص به.
ولأن قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من تَوضَّأ وسَمّى كان طهورًا لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يُسم كان طهورًا لأعضاء وضوءه): يقتضي وجود الوضوء بلا تسمية، فحمل الأول على نفي الفضيلة؛ ليُعمل بهما.
ولما ثبتت سنيتها للوضوء شرطت ابتداء؛ لتكون للوضوء كله لا لبعضه.
ويسمي قبل الاستنجاء وبعده احتياطا.
الجزء 1 · صفحة 15
والسواك).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والسواك، أي استعماله؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واظب عليه)، والمواظبة مع التَّركِ مرة تدل على السنة، وهنا قد ترك.
ويكون من شَجَرٍ مُر، في غِلَظ الخنصر، وطُولِ الشَّبر.
ولا تقوم الإصبع مقام الخشبة حال وجودها، فإن لم تُوجد تقومُ مَقامَها؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَل كذلك.
الجزء 1 · صفحة 16
والْمَضمَضَةُ بمياه، والاستنشاق بمياه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والمضمضة بمياه، والاستنشاق بمياه؛ لأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واظب عليهما.
وقال الشافعي رحمهُ اللهُ: يَأْخُذُ كفا من الماء يُمضمض ببعضها، ويستنشق بالبعض، ثم يَفْعَلُ ثانيًا وثالثًا كذلك.
لنا: أنهما عُضوان منفردان، فيأخُذُ لكل ماء على حدة، كسائر الأعضاء.
والْمُبالغة فيهما سُنَّةٌ أيضًا؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما، وهي في المضمضة بالغرغرة، وفي الاستنشاق بالاستنثار.
الجزء 1 · صفحة 17
ومسح أُذنيه بماء الرأس.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ومَسْحُ أُذنيه بماء الرأس، وقال الشافعي رحمهُ اللَّهُ: يُؤْخَذُ لهما ماءٌ جَديدٌ؛ لأنهما ليسا من الرأس، حتى لا يتأدّى بهما وظيفةُ الرَّأْسِ.
ولنا: قوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: الأذنان من الرأ، أُريد به بيان الحكم؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يُبعث لبيان الخلقة، فثبت أنهما من أجزاء الرأس حكمًا، ولو كانا من أجزائه حقيقةٌ لسُنَّ إقامة وظيفتهما بماء واحد، كسائر الأجزاء، كذا هنا.
ولأن استيعاب الرأس بماء واحِدٍ سُنَةٌ، ولا يَتِمُّ الاستيعاب بدونهما؛ حيث جعلتا من الرأس؛ وهذا لأنه مسح زيد على مسح مفروض، فسُنَّ إقامة) وظيفته بماء الرَّأْسِ لا بماء جديد، كالاستيعاب.
وإنما لا يتأدى فرض المسح به لأنه ثبت بالكتاب، وكونهما من الرأس بخبر الواحد، فلا يتأدّى به ما ثبت بالكتاب، كمن استقبل الحطيم بالصلاة: لم يجز، وإن كان من البيت؛ لأن فرضية استقبال الكعبة ثبتت بالن، وكون الحطيم من البيت بخبر الواحد.
الجزء 1 · صفحة 18
وتخليل لحيته وأصابعه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وتخليل لحيته؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: نَزَل علي جبريلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَأْمُرني أن أخلل لحيتي إذا تَوضَّأْتُ».
وقيل: هو سُنّة عند أبي يوسف رحمه الله، جائز عندهما، أي لو فعل لا يُبدع ولا يُكْرَهُ؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَل مَرَّةً، فدل ذلك على الجواز لا على السنة.
ولأن السنة إكمالُ الفَرضِ في محله، وباطِنُ الشَّعْرِ لا يَجِبُ إيصال الماء إليه، فلم يُسَنَّ تَخليلُه، كَشَعْرَ الرَّأْسِ.
وأصابعه؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَلَّلوا أصابعكم حتى لا يتخللها نارُ جَهَنَّمَ)
وينبغي أن يكون واجبا؛ نظرًا إلى الأمر، إلا أنه لا مدخل للوجوب في الوضوء؛ لأنه شرط الصَّلاةِ، فيكون تبعا لها، فلو قلنا بالوجوب هنا كما في الصلاة: لساوى التَّبع الأصل، بخلاف النَّصين فيهما؛ لظهور التفاوت هناك، حيث يثبتُ التَّبع بثبوت الأصل، ويسقط بسقوطه، ولا كذلك هنا.
ولأنه إكمال الفرض في محله؛ إذ ما بين الأصابع من أجزاء الرجل واليد، وإيصال الماء إلى كل الأجزاء فرض.
الجزء 1 · صفحة 19
وتثليث الغسل ونيته.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وتثليث الغسل؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما تَوضَّأَ ثَلاثًا ثَلاثًا قال: «هذ وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي، فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم، أي زاد على الثلاث أو نقص عنه معتقدا أن السنّة هذا، فأما لو زاد لطمأنينة القلب عند الشَّك، أو بنية وضوء آخر: فلا بأس به؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَر بترك ما يريبه إلى ما لا يريبه ..
ونيته، فينوي رفع الحدث أو إقامة الصلاة.
وقال الشافعي رحمه الله: فرض؛ لأنه عبادة؛ لأنها فعل يُؤتى به تعظيما الله تعالى بأمره، ويُثاب عليه، وهو موجود في الوضوء، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الوضوء على الوضوء نُورٌ على نُورٍ يوم القيامة.
والعبادة لا تكون إلا بالإخلاص بالنص، وما لم ينو. فما أخلصه عن الاستعمال للتبرد أو التعليم أو العادة.
ولو لم تشترط النية في الوضوء لما شرطت في بدله، وهو التَّيَمُّمُ؛ لأن البدل لا يُفارِقُ الأصل ولا يفوقه، والنية لتحصيل العبادة، ومتى لم تثبت في الأصل لا تثبت في البدل، كأبدال الغُصوب، وعكسه أ، وعكسه أبدال الكفارات.
ولأن المأمور به الوضوء للصلاة؛ لقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 16، أي للصلاة، نحو: إذا جاء الشتاء فتأهب، أي للشتاء، فلو توضأ للتبرد لم يأت بالأمر).
ولنا: أن النية شرط لتَقَعَ عِبادة ويصير مؤتمرًا بأمر الله تعالى، ولكن بلا كونه عبادة تحصل) طهارة هي) شرط الصَّلاةِ؛ لأنه استعمل الْمُطَهِّرَ فِي مَحَلَّ قابل للتطهير؛ لأن أعضاء الوضوء محكومة بالنجاسة؛ إذ معناها المنع من إقامة الصلاة، وهو ثابت، وإنما يزول) بالماء.
ولأنه أمر بالتطهير، وذا لا يتحقق بلا نجاسة؛ وهذا لأن الماء خُلق مطهرا، وهو ما يحصل به الطهارة، فإذا أصاب الأعضاء طهرها وإن لم يقصد، كالماء والطعام في الإرواء والإشباع، وكما يطهر عن النجاسة الحقيقية قصد أو لا، وكما يحصل في الجامع إذا سعى إليه قصد أو لا.
وإذا حصل سقط الأمر؛ لأنها عبادة غير مقصودة، حتى لا يَصِحُ النَّذر به، بل المقصود منه التمكن من الصَّلاة بما يُسمّى طهارة، فمتى) طهرت الأعضاء بأي سبب كان سقط الأمر، كالسعي لما كان غير مقصود، وإنما المقصودُ تَمكُنُ الجُمُعَة، فإذا تمكن منها بلا سعي، أو بسعي لا للجمعة: سقط الأمر.
بخلاف التيمم؛ فإن التراب غير مُطهِّرٍ إلا في حال إرادة الصلاة، وإذا أرادها صار طهورًا، وتحصل الطهارة باستعماله بلا نية، كالماء.
فالشافعي رَحِمَهُ اللهُ نَظَر إلى المحل وقال: إن النية شرعت في الخلف؛ لأنه لم يُعقل اتصافُ المحل بالنجاسة، فشرطها في الأصل.
ونظرنا إلى الآلة وقلنا: إنما شُرطت ثَمَّ: لأن الآلة ما أُعِدَّت للتطهير، فلا يتعدى إلى الأصل؛ لأن الماء مُعَدٌ للتطهير، ولأن التَّيَمُّمَ يُنبِئُ عن القصد، قال الله تعالى: وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [البقرة: 26، ففي لفظه ما يَدُلُّ على اشتراط النية فيه، فشرطناها، ولا كذلك الوضوء؛ فإنه غسل ومسح، وذا يتحقق بلا نية، فاشتراطها يكون زيادة على النص.
الجزء 1 · صفحة 20
ومسح كل ل الرأس مرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ومسح كل رأسه مرّةً، وهو أن يَضَعَ أصابع يديه على مقدم رأسه، وكَفَّيه على فَوْدَيه، فَيَمُدَّهما إلى قفاه.
وقال الشافعي رحمه الله: السُّنَّةُ أَن يَمْسَحَ ثَلاثًا، يَأْخُذُ لكل مرة ماء، وهو رواية عن أبي حنيفة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ اعتبارًا بالمغسول؛ إذ الرأس أحد أعضاء الوضوء، فسُنَّ تَثليث وظيفته، كسائر الأعضاء، أو المسح أحد قسمي الوضوء، فسُنَّ تثليثه، كالغسل.
ولنا: روايةُ الخَتَنَين: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوضَّأ ومَسَحَ برأسه مرّةً واحدةً.
وما رُوي أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأ ومَسَحَ برأسه ثَلاثًا): محمول على ما إذا بَدَأ بمقدم رأسه، ثم جَرَّ أصابعه إلى مُؤَخَّر رأسه، ثم رَدَّها إلى مُقدَّم رأسه، ثم جَرَّها ثانيا؛ تحقيقا للاستيعاب بماء واحد.
وهو مشروع، فقد روي عن أبي حنيفة رَحِمَهُ اللهُ: ثَلاث مرات بماء واحد في المجرد».
ولأنه مسح، فلا يُسَنُّ فيه التثليث، كالتيمم ومسح الخف.
ولأن التثليث يُقربه من الغسل، ولو بَدَّله به كُرِه، فكذا إذا قربه منه، بخلاف الغسل؛ لأن التكرار يُحققه.
الجزء 1 · صفحة 21
والترتيب المنصوص، والولاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والترتيب المنصوص، كما ذُكر في النص.
وقال الشافعي رحمهُ اللهُ تَعَالَى: فرض؛ لأن الفاء للوصل والتعقيب، فتقتضي وصل غسل الوجه بالقيام إلى الصَّلاة، وتمنع تخلل عُضو آخر بينهما؛ تحقيقا للاتصال كقوله: إن دَخَلْتَ الدَّارَ فأنت حر.
ولنا: أن المأمور به غسل هذه الأعضاء؛ لأنه عطف بعضها على بعض بالواو، وهو لمطلق الجمع، بلا تعرضِ مُقارنة وترتيب، والجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظه، فيقتضي تعقيب الجملة، كأنه قال: فاغسلوا هذه الأعضاء، وذا لا يُوجِبُ الترتيب، كذا هذا.
والولاء، وقال مالك رَحِمَهُ اللهُ: فرضٌ؛ لِمُواظبته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليه، قُلنا: هي لبيان السُّنَّةِ؛ إذ المأمور به الوضوء بلا شرطه، فالزيادة نسخ.
الجزء 1 · صفحة 22
ومُستحَبُّهُ): التَّيَامُنُ، ومسحُ رَقَبَتِه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ومُستحَبُّه: التَّيَامُنُ؛ لأن الله تعالى يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي كُلِّ شيءٍ.
ومسح رقبته؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عليها.
الجزء 1 · صفحة 23
ويَنقُضُه: كل ما خرج من السبيلين، وغيرهما إن سال نجسا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ويَنقُضُه: كلُّ) ما خرج من السبيلين.
النقض: إبطال التأليف في الأجسام، وفي غيرها: إخراجه عما هو المطلوب منه. و عامة تتناوَلُ الْمُعتاد وغيره، كدم الاستحاضة، بخلاف ما يقوله مالك رَحِمَهُ اللهُ، وَالْمُرَادُ خُروجُ مَا يَخْرُجُ؛ لأنه علة الانتقاض، وهي عبارة عن المعنى، ولهذا قالُوا: المعاني الناقضة.
و (من السبيلي يَنتظِمُ الذَّكَرَ والدُّبُرَ والقُبُلَ).
والأصل فيه: قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ [النِّسَاء: 43]، وهو المطمئن من الأرض، واستعمل للحدث مجازا؛ لأنه يُقضى في مثل هذا الْمَوضِعِ تَسْتُرًا.
فقد أمر بالتيمم عند عدم الماء للجائي من الغائط، فيكون ناقضًا للوضوء؛ ضَرورة أن التَّيَمُّمَ لا يَجِبُ على المُتوضّى، ولأن الأمر بالتيمم عند عدم الماء أمر بالتوضؤ عند وجوده دلالة، ووجوبه دليل على الانتقاض ضرورة.
وغيرهما إن سال نَجِسًا، أي تجاوز إلى موضع يَلْحَقُهُ حُكمُ التَّطهير في الحَدَث أو الجنابة، حتى لو سال الدم إلى ما لان من الأنف انتقض الوضوء؛ إذ الاستنشاق فرض في الجنابة، سُنّةٌ في الوضوء، بخلاف نُزولِ البَولِ إِلى قَصَبَة الذَّكَر، وتَقَشُرِ نَفِطَةٍ في العين، وسيلان مائها؛ لأن حكم التطهير لا يلحق هنا.
الجزء 1 · صفحة 24
والقيء مل الفم، مرة، أو عَلَقًا، أو طعامًا، أو ماء)، لا بَلغَمًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والقيء ملء الفم، مرةً أو عَلَقًا أو ماءً، لا بَلغَمًا، وقال الشافعي رَحِمَهُ اللهُ: مَا خرج من غيرهما لا يَنقُضُ الوضوء؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاء فلم يتوضأ، ورُوِي أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ قاء فغسل فمه، فقيل له: ألا تتوضَّأُ وضوءك) للصلاة؟ فقال: «هكذا الوضوء من القيء)، ذكره.، مُحلَّى بالألف واللام، فينصرفُ! إلى الجنس، ويَسْمَلُ القليل والكثير.
وإنما ينصرف إلى المعهود إذا كان متعينا، أما لو كان محتملا: فلا، والمعهود هنا تردد بين أن يكون قليلا وكثيرًا، على أنا لو حملناه على الجنس يندرج تحته المعهود، فكانت الفائدة أعم.
ولأن غسل غير موضع إصابة النجاسة تعبدي؛ لأن الأعضاء غيرُ مُتَّصِفة بالنجاسة؛ إذ عِلَّةُ الأَنصافِ قِيامُ النَّجاسة، ولم تُوجد بل قامت بمحلَّ آخَرَ، فَلا تُوجِبُ تَنجُسَ موضع آخَرَ؛ لأن العِلَّةَ مَعَنِّى يَحُلُّ) بالمحل، فيَتَعَيَّن به المحل الذي تقوم به العِلة لا غيره، فتبقى طاهرة كما كانت.
فالأمر بتطهيرها وهي طاهرة: إثبات الثابت أو إزالة المُزالِ، وكلاهما محال، فيقتصر على مورد الشَّرع؛ لأن شرط صحة القياس أن يكون الحكم في الأصل على وفق القياس؛ لأنه لو كان بخلافه كيف يقتضي القياسُ ثُبوته في محلَّ آخَرَ مع أنه ينفيه في الأصل!
ولنا: قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «الوضوء من كل دم سائل، أي يَجِبُ؛ لاقتضاء الجار والمجرور الفعل، وتعيين) الوجوب: لأنه إخبار، وهو أكد من الأمر المقتضي للإيجاب.
وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من قاءَ أو رَعَف في صلاته: فَلْيَنصرف، وليتوضأ، وَلْيَبنِ على صلاته ما لم يتكلم)، أمر بالوضوء، وهو للوجوب؛ لانتفاء الخيرة عن المأمور بالنص، واستحقاق الوعيد التاركه.
ولأنه أمر بالبناء، وأدنى درجاته الجواز، ولا يجوز البناء إلا بعد الانتقاض، فَدَلَّ على جواز البناء بفحواه، والانتقاض بمقتضاه.
ومطلق الوضوء ينصرف إلى المعهود في الشرع؛ إذ كل متكلم يتكلم باصطلاحه، فدل الإطلاق. من مبين الشرائع على أنه أراد به الوضوء الشرعي.
ولأنه ذكر في رواية أخرى: «أو أمذى، وعن الْمَذْي لا يَجِبُ إِلا الوضوء الشرعي، فكذا عن غيره؛ لأن الأمر واحِدٌ، وهو جَوابٌ عمن يقولُ: إنه يُحمل على الندب، حتى يعمَل النَّص في القليل والكثير.
فإن قلت: الأمر للوجوب إذا عَرِي عن القرائن الصارفة عنه، ولم تُوجد؛ إذ الأمر بالبناء ليس للوجوب، والأصل في القضايا الاتحاد.
قلنا: الأصل في القضايا الاستقلال، والقران في النظم لا يُوجِبُ القِران في الحكم، وترك الأصل في جملة بدليل الإجماع لا يَدلُّ على تركه في أُخرى، ولا إجماع ثُمَّ.
واعتبر بقوله تعالى: كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَعَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الْأَنْعَامِ: 141]، فالثاني للوجوب، والأول لا.
ولأن خروج النَّجاسةِ مُؤثر في زوال الطهارة، وهذا القَدْرُ في الأصل معقول، والاقتصار على الأعضاء الأربعة غير معقول، لكنه يتعدى ضرورة تعدِّي الأول، فهذا التعليل يتوقف على مقدمات.
إحداها): بيان معلوليةِ النَّص الوارد في الأصل، أي السبيلين، فنقول: هو معلول؛ لأنه تعدى إلى الثقبة التي تحت السرة، ولا تعدي بلا تعليل.
والثانية: بيانُ العِلة في الأصل، فهي الخارج النَّجِسُ؛ لأن الحكم إما أن يتعلَّقَ بالمخرج، أو بالخارج، أو بالنجس، أو بواحد غير مُعيَّن، أو بالمجموع، أو بالخارج والْمَخْرَج، أو بالمخرج والنَّجَسِ، أو بالخارج النَّجِسِ.
لا يجوز الأوَّلُ؛ لأن المحال لا تَدْخُلُ تحت التعليل؛ لئلا ينسد باب القياس، وهو مفتوح، فما يُؤدِّي إلى انسداده فهو مردود.
ولأن المخرج لا يُزايله، فلو تعلَّق الانتقاض به لكان منتقض الطهارة في كل الأحوال.
ولا يتعلق بالخارج، فالبزاق والْمُخاط لا يَنقُضان
ولا يتعلق بالنَّجَس؛ لما مر.
ولم يُضف إلى واحد منهما؛ لأن كلَّ مُعيَّن) لما لم يصلح للإضافة لا يصلح أحَدُها ضرورة.
وبما) مرَّ عُرِف بطلان باقي الوجوه سوى الوجه الأخير، فتعين مرادًا.
والثالثة: بيانُ التَّأثير، فنقول: إنه مُؤثر؛ إذ ظَهَر أَثَرُه فِي مَوضِع مِن الْمَواضِع؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «توضئي وصَلِّي؛ فإنها دم عرق انفَجَر)، أوجب الطَّهَارَةَ لِمَعنى النجاسة، وعلقه بالانفجار، وله أثر في الخروج.
والرابعة: بيان أن العلة موجودة في الفرع، فنقول: هي موجودة فيه، ولهذا استويا في تنجس الثوب بإصابتهما، فلم يبق من بعد إلا التَّعدية من الأصل إلى الفرع؛ لوجود العلة المشتركة.
فإن قيل: سلَّمنا أن الخارج النَّجِسَ عِلَّةٌ لا نتقاض الطهارة، وهو معقول، أي مُدرَك بعقولنا؛ إذ الطهارة مع النَّجاسة ضدّان، فلما اتَّصف بالنجاسة زالت الطهارة، لكن الاقتصار على الأعضاء الأربعة غير معقول؛ لأنه كان ينبغي أن يغسِلَ محَلَّ الخُروج أو كل البدن، كما في الحيض والنفاس والجنابة.
قلنا: ما هو معقول يَجِبُ تَعَدِيتُه؛ لأنا كلفنا بالاعتبار وتعدي الأحكام، وما هو غير معقول - وهو الاقتصار على الأعضاء الأربعة - لا تمتنِعُ تَعدِيتُه ضمنا وضرورة.
وهذا لأنه لا يخلو إما أن يتعدى وحده أو مع لازمته. لا يجوز الأول؛ إذ لا وجود للشيء بدون لازمته، ولأن من شرط صحة القياس أن يتعدى الحكمُ الثَّابِتُ في الأصل بلا تغيير، فمتى ثبت الحكم في الأصل بصفته ولازمته: لا يجوز تعديته بدونهما، فتعين تعديته بصفته ولازمته، وإن كانت مخالفة للقياس.
وهذا كسقوط الجودة في باب الربا: يتعدّى إلى غير المنصوص عليه؛ ضرورة تعدي وجوب التسوية بتعدي العلة إلى القدر والجنس، أو الطعم والجنس، مع أنه يلزم منه تَعدِيةٌ أمر غير معقول، وهو استواء الجيد مع الرديء، لكن لما كان ضمنا وضرورة: لم يعبأ به، كذا هنا؛ وهذا لأن الشَّيء متى ثبت في ضمن غيره لا يُعطى له حكم نفسه، وإنما يُعطى له حكمُ الْمُتضمن، كالوكالة الثابتة في ضمن الرهن، فإنها تلزم وإن كانت من العقود الجائزة.
وكذا نية الإقامة، من شرطها بُيُوتُ الْمَدَرِ، ثم يصير الجندي مقيما في الفيافي بنية إقامة الأمير في المصر، ومثله كثير بثيرٌ).
على أن الاقتصار معقول؛ لأن الأصل أن يغسل كل الأعضاء؛ لأن كله موصوف بالحدث؛ لأنه لا يتجزأ في حق أداء الصلاة، وهذا من متعلقاته، فإذا ثبت في البعض ثبت في الكل.
أو لأن الصفة متى ثبتت في البعض يَتَّصِفُ الكل به، كالعلم والإرادة، فإنهما قائمان بالقلب، وتُوصَفُ الذَّاتُ بهما.
ولأن غَسَلَ الْمَخْرَجِ لما وَجَب - إذ القِيامُ بين يدي الرَّبِّ جَلَّ وعزَّ مُستصحِبًا للقذر إساءة في الأدب - وَجَب غَسل الباقي؛ لأن غسل البعض دون البعض يُخِلُّ بالزينة، كغسل بعض الثوب الوسخ، والتَّزينُ مطلوبٌ، فَيَجِبُ غَسْلُ كُلَّ البَدَنِ؛ تَحقيقا لمعنى التَّزين، إلا أنه اقتصر على هذه الأعضاء دفعًا للحرج فيما يكثر وقوعه ويُعتاد تكراره، وأقر على القياس فيما لا حرج فيه، وهو الحيض والنفاس والجنابة.
فإن قيل: شرط صحة القياس أن لا يتغير حكم الأصل، ولم يُوجد؛ إذ في الأصل استوى القليل والكثير، وفي الفرع لا.
قلنا: هما سيان، غير أن الخروج إنما يتحقق بالانتقال عن موضع النَّجاسة، وفي الأصل يحصل بمجرد الظهور؛ لأن ذلك الموضع ليس مَوضِعَ النَّجاسةِ، فإِذا ظَهَرت علم أنها انتقلت من موضع آخر، وفي الفرع لا يتحقق الخروج إلا بالسيلان؛ لأن تحت كل جلدة رطوبة، فإذا زالت كانت بادية لا خارجة، كالبيت إذا انهدم كان الساكن فيه ظاهرا لا منتقلا عن موضعه.
وبملء الفم في القيء، وهو أن يكون بحيث لو لم يتكلف الخرج؛ لأن للفم حُكم الظاهر والباطن حقيقة وحكمًا؛ لأنه إن فتح فاه ظهر، وإن سَدَّه لا، وإن تمضمض لم يفسد صومه؛ واعتبر خارجًا، وإن ابتلع بزاقه لم يفسد أيضًا؛ واعتبر باطنا.
وقال زفرُ رَحمَهُ اللَّهُ: لَا يُشترَطُ السَّيَلانُ ومَلء الفم، كالسبيلين والحكمي، أي النَّومِ والإغماء ولقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «القَلَسُ حدث» مُطلقا.
وقال الخليل: القَلَسُ: ما خَرَج من الحلق ملء الفم أو دونه، والمُراد به حدث شرعي؛ لأنه إنما بعث لتعليم الشرائع لا أمر) يحدث؛ لأنه مَعلومٌ حِيًّا.
ولنا: قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء حتى يسيل)، أي عن رأس الجُرح، وهذه عبارة عن القلة، وسمّاه قطرةٌ: لأنه على عَرَضِيته.
وعن عليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه عد الأحداث فقال: أو دَسْعةً تملأ الفم.
والدَّسْعةُ: القيئة، يُقالُ: دَسَع إذا قاء ملء الفم، وأصلُ الدَّسْعِ: الدفع، ولو كان ما دونَه حَدَثًا عنده لم يَحِلُّ له السكوت عند بيان الجملة، فثبت أنه كان يراه حَدَثًا بهذا القيد.
والأصل في التعارض التوفيق، فيُحملُ ما رواه الشافعي رحمه الله على القليل، وهو الظاهر من حاله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام؛ لأن الكثير ينتجه) كثرة الأكل، وهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنها بمنجاة، ولأنه حكاية حال، فلا عُموم له، والقليل مُراد بالإجماع، فلم يبق الكثير مُرادًا "، أو أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يتوضأ عن القيء في فوره ذلك.
وقوله: «هكذا الوضوء من القيء»: أي لأجل القيء نفسه، فإن الزيادة تَجِبُ عند إرادة الصلاة.
أما غسل الفم عن النجاسة: فَيَجِبُ حال القيء، ويَدُلُّ عليه ما رُوي في روايةٍ أُخرى أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاءَ فتوضأ، والفاء: تُوجِبُ التَّعلق بـ به، كقولك: سقى فأروى.
و ما رواه زفر) رحمه الله محمول على الكثير؛ لأن القَلَسَ مَصْدَرُ: قَلَس: إذا قاء ملء الفم، ذكره في «المغرب»، وقد مر الفرق بين السبيلين وغيرهما.
الجزء 1 · صفحة 25
والسَّبَبُ يَجْمَعُ الْمُتَفَرِّقَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والقيء الْمُتَفَرِّقُ يُجمَعُ إن اتَّحَد السَّبَبُ، أي إذا قاءَ ثانيا قبل سُكون نفسه من الهيجان والغَثَيانِ: كان السَّبَبُ مُتَّحِدًا، وإن قاء بعده كان السَّبَبُ مُختلِفًا؛ لأن اتحاد السَّبَبِ مَظِنَّةُ اتحادِ الحكم، ولهذا لو جرح إنسانًا جراحات، ومات منها قبل تخلل البُرءِ: يَتَّحِدُ الْمُوجَبُ، ومتى تخلل البرء يختلفُ.
وكذا لو مرض العبد في يد البائع، فبرئ، فباعه، فمَرِضَ فِي يَد الْمُشتَري. إن كان هذا المرض بالسبب الذي في يد البائع: يتمكن من الرد، وإلا لا، وكذا البول في الفراش، والسرقة، والإباق.
وعند أبي يوسف رَحِمَهُ اللهُ: يُجْمَعُ إِن اتَّحَد الْمَجْلِسُ؛ لأن اتِّحَادَ الْمَجْلِسِ مَظِنَّةٌ اتحاد ما يحتوي عليه المَجلِسُ، أصله: اتحاد التلاوة عند اتحادِ الْمَجْلِسِ، وَتَعدُّدُها عند تعدده، والغَثَيانُ أمرٌ مُبطَّنٌ لا يُوقَفُ عليه، فأُدير الحكم على المجلس.
والأصح قول محمد رحمه الله؛ لأن الأصل إضافة الأحكام إلى الأسباب، وإنما تُرِك في بعض الصُّورِ للضرورة، كما في سجدة التلاوة، إذ لو اعتبر السَّبَبُ لا يبقى التَّداخل؛ لأن كل تلاوة سَبَبٌ في السجدة، وفي الأقارير اعتبر الْمَجْلِسُ للعرف، وفي الإيجاب والقبول لدفع الضَّرَرِ.
الجزء 1 · صفحة 26
وما لم يكن حدثًا لم يكن نجسا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وما لم يكن حدثا لم يكن نجسًا، أي القليل من القيء وغيره إذا لم يكن حدثًا لم يكن نجسًا عند أبي يوسف رَحِمَهُ اللهُ، وعند محمدٍ رَحِمَهُ اللهُ: نَجِسٌ، حتى لو أخذ تلك القطرة الدم بقطنة وألقاها في البئر. عند محمد: يتنجس، وعند أبي يوسف: لا، وكذا إذا أصاب ثوبه منه أكثر من قدر الدرهم: مَنع الصَّلاةَ عند محمد رحمه الله، وعند أبي يوسف: ل، وهو الصحيح؛ لأنه ليس بنجس حكمًا؛ إذ لم تنتقض به الطهارة، فيكون طاهرا حكمًا، فلم يُوجد النَّاقِضُ، وهو الخارج النَّجِسُ.
هذا إذا قاء مرة أو طعامًا أو ماءً، فإن قاء بَلغَمًا: لا يَنقُضُ إن علا من جوفه أو نَزَل من رأسه، وقال أبو يوسف رَحِمَهُ اللهُ: نَقض إن ارتقى من جوفه ملء الفم؛ لأنه نَجِسٌ بمجاورة النَّجِسِ، فَأَشبَه طَعَامًا يَخْرُجُ.
لهما: أنه صقيل يتعلَّق بأطراف معدته، وهو بُزاق حقيقة، والبزاق طاهر؛ لأن الرطوبة في أعلى الحلقِ تَرِقُ فتصير بزاقًا، وفي أسفله تَعْلُظُ فَتَصِيرُ بَلغَمًا، وبه تبين أنه لم يخرج من المعدة، بل من أسفل الحلق، وهو ليس بموضع النجاسة.
ولو قاء دما وهو عَلَى: يُعتبر ملء الفم؛ لأنه ليس بدم حقيقة، بل هي سوداء محترقة، وإن كان مائعا سائلا، بأن خرج بقوة نفسه لا بقوة البزاق: نقض ولو كان قليلًا؛ لأن المعدة ليست بموضع الدَّم، فيكون خارجا من قرحة في الجوف، فكان كالخارج من سائر العروق، فإن سال بقوة نفسه إلى موضع يَلحَقُهُ حُكمُ التطهير: نَقض، كالسائل من جرح في الظاهر.
و قال محمد رحمه الله: ملء الفم شرط؛ لأنه أحد أنواع القيء، فاعتبر بسائر أنواعه.
الجزء 1 · صفحة 27
والدَّمُ، ولو مخلوطا بالبزاق إن غلبه أو ساواه (؟).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وإن برق فخرج في بزاقه دم. فإن غَلَب البزاقُ: لا يَنقُضُ؛ لخروج الدَّمِ بِقُوَّة البزاق، وإن غَلَب الدَّمُ: نَقض وإن لم يملأ الفم؛ لخروجه بقوة نفسه، وإن استويا: نقض؛ احتياطاً.
الجزء 1 · صفحة 28
والنُّومُ مُضطجعًا أو متوركًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والنوم مضطجعا أو متوركًا؛ لأنه سبب خُروج النجاسة باسترخاء الْمَفاصِلِ وَزَوالِ مسكة اليقظة، ولن تزول مسكة اليقظة إلا في الاضطجاع أو التَّورُّكِ؛ لأن مَعدِنَ خُروج النجاسة متجافٍ عن الأرض.
ولو نام مستندا إلى شيء لو أُزِيل لسقط: لا يَنقُضُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وعن الطحاوي: أنه ينقُضُ؛ لأنه إذا كان بهذه الصفة وُجِد زَوالُ التَّمَاسُكِ من كل وجه؛ لأنه لم يقعد بقوة نفسه، وإنما قعد بقوة الأسطوانة، فَيَنتقِضُ وضوءه.
وقال الشافعي رحمهُ اللهُ: النُّومُ يَنقُضُ الوضوء، إِلا النَّومَ فَاعِدًا مُمكِّنَا مَقَعَدَه من الأرض، وقال مالك رحمه الله: إن أطال النَّوم قـ قاعدًا نقض.
لنا: قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ليس على من نام قائما أو قاعدًا أو راكعا أو ساجدًا: الوضوء، إنما الوضوء على من نام مضطجعًا؛ فإنه إذا اضطَجَع استرخت مفاصله».
فنحتج بالنفي، وبـ نم؛ لأنها لإثبات المذكور ونفي ما عداه.
وبالتعليل، وهو استرخاء الْمَفاصل، فأخبر بالتعليل أن عينه ليس بحدث، ولم يرد به أصل الاسترخاء بل نهايته؛ إذ أصل الاسترخاء موجود في الركوع والسجود؛ لأنه نتيجة النوم، والنُّومُ موجود في كل الأحوال.
فلو حمل آخر الحديث على أصل الاسترخاء: لتناقض الأوَّلُ والآخِرُ، ولصار كأنه قال: لا وضوء على من استرخت مفاصله، إنما الوضوء على من استرخت مفاصله، ومتى حملناه على نهايته صار كأنه قال: إذا وجد استرخاء الْمَفاصِل على النهاية، بأن زال التماسك من كلَّ وَجهِ: وَجَب الوضوء، ونهايته فقدت في القيام والركوع والسجود؛ لأن بعض التماسك باق، وإلا سقط.
الجزء 1 · صفحة 29
والإغما، والجنون، والشكر، وقهقهة مُصل بالغ، ولو عند السلام)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والإغماء، والجنون، والسكر؛ لأنها سبَبُ خُروج النَّجاسة بواسطة الغفلة وزوال الْمُسْكَةِ، فَتُقَامُ مُقامَ خُرُوجِ النَّجاسة.
وحده هنا: أن يدخُل في بعض مشيته تحرُّك؛ لأنه تزولُ المُسكة به.
وقهقهة مُصل بالغ، ولو عند السلام، خلافًا للشافعي رَحِمَهُ اللهُ؛ لأن انتقاض الوضوء بخارج) نجس أو بدليله، ولم يُوجد، ولو كان حدثًا لكان حدثًا خارج الصلاة، وفي صلاة الجنازة وسجدة التلاوة، كسائر الأحداث.
ولنا: قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من ضَحِك منكم في صلاته حتى قَرْقَر: فليعد الوضوء والصلاة»، فتركنا القياس بالسُّنّة؛ لأنها أقوى؛ لأنها تصلح أصلا له، ولا ينعكس، ولأن الشبهة فيها في التبع، وفيه في الأصل.
وليست القهقهة خارج الصَّلاةِ كالقهقهة فيها؛ إذ حالة الصَّلاةِ حالة المُناجاة مع الله تعالى، فتعظمُ الجناية بها في حالة المناجاة.
وصلاة الجنازة ليست بصلاة مُطلقة، حتى لا يحنث بها في يمينه لا يُصلّي، وكذا سجدة التلاوة، والمخصوص عن القياس لا يُلحق به ما ليس في معناه من كل وجه
وكذا قهقهة الصبي في الصلاة لا تَنقُضُ وضوءه؛ لأن فعله لا يُوصَفُ بالجناية، فيُعمل فيه بالقياس.
وإن ضحِكَ بعدما قعَد قَدْرَ التَّشهدِ يَنقُضُ، خلافًا لزفر؛ لأنها لا تُفْسِدُ الصَّلاةَ، فلا تُفسد الوضوء.
وقلنا): القهقهة حدث في الصلاة، ولا تفصيل في الأخبار، وحرمة الصلاة باقية.
والضَّحِكُ: ما سمعه بنفسه دون جيرانه.
والقهقهة: ما سمعها جيرانه.
والتبسم: ما لم يكن مسموعا له
والضَّحِكُ يُبْطِلُ الصَّلاةَ لا الطهارة، والتَّبسم لا يُبْطِلُهما.
الجزء 1 · صفحة 30
خرجت دودة أو حَصاةٌ من الدبر: يُنقض.
ومن رأس الجُرح، أو خَرَجَ عِرْقُ مَدَني، أو سَقَط منه لحم: لا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
خرجت دودة أو حَصاةٌ من الدبر: يُنْقَضُ.
ومن رأس الجُرح، أو خَرَجَ عِرقُ مَدَني، أو سَقَط منه لحمٌ: لا؛ لأن عَينَ السَّاقِطِ طاهرة، وما عليها من البلة قليل، وهو حدث في السبيلين لا في غيرهما.
وما ذكر في «الهداية»: أن النَّجِس ما علي: لا يصح إلا على رواية محمد، كما ذكرنا من قبل.
فإن قيل: القليل في غيرهما إنما لم يكن حدثًا؛ لعدم الخروج، وهنا قد خرج، فكان كالسبيلين.
قلنا: الخروج فيه) مُقدَّر بالسيلان، فدار الحكم عليه، فلم يجعل) حدثًا وإن وجدت حقيقة الخروج؛ تيسيرًا، وهو كالجشاء، فإنه ليس بحدث وإن خرج معه رِيحٌ منتنة، والفساء حدث؛ لأنه خارج من السبيل وإن كان قليلًا.
واختلفوا أن عَينَ الرِّيحِ الخارجة من الدُّبُر نجسة أو طاهرة، قيل: نجسة، وقيل: طاهرة، إلا أنها تتنجس بمرورها على النجاسة، حتى لو خرجت الرِّيحُ وسراويله مبتلة: تتنجس عند من يُنجِّسُ عينها، وعند من لا يُنجِّسُ عَينَها: لا.
والريح الخارجة من القبل أو الذَّكَرِ لا تَنقُضُ؛ لأنها لا تنبعثُ عن محلَّ النَّجاسة، ولهذا لا تَخْرُجُ مُنتنة، فيكون اختلاجا، حتى لو كانت المرأة) مُفضاة - وهي التي اتَّحد مَسلَكُ بَولها وغائطها، وخرجت من قبلها رِيحٌ مُنينةٌ: يُستحَبُّ لها الوضوء؛ لجواز أن تكون من محل النَّجاسة، ولا يَجِبُ؛ لعَدَمِ التَّيَقُنِ.
فإن قيل: ينبغي أن يَجِبَ الوضوء في الريح مُطلَقًا؛ لأن قولَه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين سُئل عن الحدث: «ما يَخْرُجُ من السبيلين): عام، والعبرة في المنصوص لعين النَّص لا لمعناه.
قلنا: روي عن محمد رحمه الله: أنه يَجِبُ الوضوء، وقيل: إن كانت مُفضاةٌ يَجِبُ، وإلا لا، ولأن الدليل العقلي يَصلُحُ مُخصصًا عند الجمهور، فَنَخُصه به؛ لأن الأمر بالتطهير يستدعي سَبْقَ التَّنجس، وإلا يكون إثبات الثابت.
الجزء 1 · صفحة 31
قشرت نقطة، فسال منها ماء أو صديدٌ عن رأس الجُرح: نقض، وإن علا فرفعه. إن كان بحيث لو تركه سال: نقض، وإلا لا).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قشرت نقطة، فسال ماء أو صديد عن رأس الجُرح: نقض، وإن عَلا فَرَفَعه. إن كان بحيث لو تركه سال: نقض، وإلا لا.
قشرت: أُزيل قشرها، والنفطة - بفتح النون وكسرها -: الجُدري).
والأعيان الخارجة منها نجسة؛ لأن اللون الأصلي للدم الحمرة، وبعد النضج صار قيحا، ثم يزداد فيصير صديدًا، ثم يصير ماءً. وعن أبي حنيفة رحمه الله: إذا خَرَجَ ماء صافٍ لا يَنقُض.
هذا إذا قشرها فخرج بنفسه، فإن عصرها فخرج بعصره: لا يَنقُضُ؛ لأنه مُخرَج لا خارج، كذا في «الهداية»، وذكر في المحيط»: عُصِرت القرحة فخرج منها شيء كثير، وكانت بحال لو لم يعصرها لا يَخْرُجُ منها شيء: يُنقُضُ الوضوء، وحَمْلُ ما ذكر فيها على القليل يأباه التعليل.
الجزء 1 · صفحة 32
والْمُباشَرَةُ الفاحشة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والْمُباشرة الفاحشة، بأن يُباشِرَها مُتجرِّدين وانتشرت آلته، ولاقى فرجه فرجها.
وعند محمد رحمه الله: لا يَنقُضُ؛ لتيقنه بعدم الخروج، فصار كالتقبيل.
لنا: أن المُباشرة مع الانتشار سبب للمذي غالبًا، فقام مقامه احتياطا.
الجزء 1 · صفحة 33
لا مس الذَّكَرِ، والْمَرأَة ف
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لا من الذَّكَرِ والمَرأة، وقال الشافعي رَحِمَهُ اللهُ: إِنْ مسَّ الذَّكَرَ يبَطنِ الكَفَّ، أو مس بشَرةَ الْمَرأَةِ: نَقض، ومالِكُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى شَرَط الشَّهوة؛ لأنه سَبَبُ الْمَذْي.
لنا: أن إقامة السَّبَبِ مُقامَ الْمُسبَّبِ إنما يكون إذا كان غالبا، وفي الوقوف على العلة الحقيقية حَرَجٌ، وقد فُقدا، أما المُباشرة الفاحشة: فسبب للخروج غالبًا.
الجزء 1 · صفحة 34
فَرْضُ الغُسلِ): الْمَضمَضَةُ، والاستنشاق، وغسلُ بَدَنِه، لا دَلْكُه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فَرْضُ الغُسلِ: الْمَضمَضَةُ، والاستنشاق، خلافًا للشافعي رَحِمَهُ اللهُ؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَشْرُ من الفطرة، أي السُّنَّةِ، وذَكَر: الْمَضمضة، والاستنشاق، وقص الشَّارِبِ، وفَرْقَ الرَّأْس، والسواك، ونتف الإبط، وحَلْق العانة، وقَلْمَ الأظفار، والختان، والاستنجاء.
ولأنه طهارة حكمية، فسُنا فيه، كالوضوء، بل أولى؛ لأن غسل الوجه منصوص فيه، وفي الاغتسال دخل تبعًا.
ولنا: قوله تعالى: {فَاطَهَّرُوا} [المائدة:، أي فاغسلوا أبدانكم، والبدن يتناول الظاهر والباطن، إلا أن ما لا يُمكن إيصال الماء إليه من الباطن سقط اعتباره للضرورة كما سقط عن الظاهر إذا كان به جراح أو عدم الماء، وقد أمكن إيصال الماء إليهما بلا ضرورة، فهما يُغسلان عادة وعبادة، نقلا في الوضوء، وفرضا عن النجاسة الحقيقية.
بخلاف الوضوء؛ فالواجب فيه غسل الوجه، وهو ما يُواجِهُ النَّاظِرَ، وَالْمُوَاجَهةُ لا تقع بباطن الفم والأنف.
والاعتبار بالعين ساقط؛ لأن الحرج مدفوع بالن، ولا يُمكِنُ غَسْلُها) إلا بحرج؛ لأنه شحم لا يقبل الماء، ولهذا لا يَجِبُ غَسْلُها عن النجاسة.
ومرويه محمول على حال الحدث؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنهما فرضان في الجنابة، سنتان في الوضوء).
وغسل بدنه، لا دلكه، خلافًا لمالكٍ رَحِمَهُ اللهُ، لأن المأمور به التطهير، فشرط الدلك زيادة على النص.
الجزء 1 · صفحة 35
وسُنتُه: غَسل يديه وفرجه، ونجاسة لو كانت، ثم يتوضَّأُ، مُؤخِّرًا غَسْلَ رِجلَيه، ثم يُفيضُ الماء على بدنه ثلاثًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وسنتُه: غَسل يديه وفرجه، ونجاسة لو كانت؛ لئلا تزيد بإصابة الماء.
ثم يتوضأ، مُؤخِّرًا غَسَلَ رِجليه؛ لأن غسلهما قبل إفاضة الماء على رأسه وهما في مستنقع الماء المستعمل: لا يُفيد، حتى لو أفاد بأن كان قائما على لوح أو حجَرٍ -: لا يُؤخِّرُ غَسَلَ رِجليه).
ويمسح رأسه في ظاهر الْمَذْهَبِ، خلافًا للحَسَن رَحمَهُ اللهُ؛ لما رُوي في اغتسال رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنه تَوضّأ وضوءه للصَّلاة، ثم أفاض الماء على رأسه وسائر جسَدِه ثَلاثًا، والوضوءُ يَسْمَلُ الغَسَلَ وَالْمَسحَ.
ثم يُفيضُ الماء على رأسه وسائِرِ جَسَدِه ثَلاثًا لما رَوَينا.
الجزء 1 · صفحة 36
ولا تَنقُضُ امْرَأَةٌ ضَفيرتها إذا ابتل أصلها، ولا يَجِبُ) بل ذوائبها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولا تَنقُضُ الْمَرأةُ ضفيرتها إذا ابتل أصلها، أي إذا بَلَغ الماءُ أُصولَ شَعْرِها؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَكفِيكِ إِذا بَلَغ الماءُ أُصولَ شَعَرِكِ».
ولا يَجِبُ بل ذوائبها، وعن أبي حنيفة رحمهُ اللهُ: أَنها تَبَلُّ ذَوائِبَهَا ثَلاثًا، مع كل بلةٍ عَصْرَةٌ؛ لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «ألا فَبُلُوا الشَّعَرَ، والصحيح هو الأوَّلُ؛ لأنها تحتاج إلى النقض والضَّفْرِ ثانيا، وفيه حرج، بخلاف اللحية؛ لأنه لا حرج في إيصال الماء إلى أثنائها، فيجب إيصال الماء إلى أثناء الشعر
حتى إن المرأة إن لم تُحرج في إيصال الماء إلى أثناء) الشَّعر، بأن كانت منقوضة الشَّعْرِ: يُفترض عليها إيصال الماء إلى أثناء الشعر؛ لأن شَعْرَها من بَدَنها نظرًا إلى أصولها، وليس منها نظرًا إلى رؤوسها، فَنَعْمَلُ بالشَّبَهين في حق من يلحقه الحرج ومن لا يلحقه.
ولا يُخالِفُ الخبرُ النَّصَّ؛ لأنه تناول ما هو من البدن من كل وجه.
والرَّجُلُ إِن ضَفَر. كالعلوي والتُّركِ: يَجِبُ إيصال الماء إليه احتياطاً.
الجزء 1 · صفحة 37
وفرض عندَ مَني ذِي دَفْقٍ، وشهوة عند الانفصال، ولو في نوم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وفرض. عند مني ذي دفق وشهوة عند الانفصال، ولو في نوم، ولم يقل: من: لأن سبَبَ وُجوبِ الغُسلِ الصَّلاةُ، أو إرادة ما لا يَحِلُّ مع الجنابة، والإنزال والالتقاء شرط.
والشهوة ليست بشرط عند الشافعي رحمه الله، حتى لو حَمَل شيئًا فَسَبَقه مني: يَجِبُ عنده؛ لإطلاق قولِه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: الماء من الماء»، أي الغُسل من المني واجب؛ إذ هو إخبار جار مجرى الأمر.
ولنا: أن الغُسل وجب على الجنب بالنّصّ، وهو في اللغة: من قام به جنابة، وهي حالة تحصل عند خروج المني على وجه الشهوة.
وما ذكر في «الهداية» مُؤوَّلٌ بهذا، وإلا لا يستقيم.
وهو المراد بالحديث؛ إذ هو تناول البول، والوَدْيَ، وَالْمَذْيَ، وَالْمَنِيَّ عن شهوة وعن غير شهوة، والكل غير مُراد إجماعًا، فهو عام لم يُمكن إجراؤه على العموم، فيُراد به أخص الخصوص؛ لما عُرِف، والْمَني عن شهوة مراد إجماعًا، فسقط غيره.
ثم العبرة عندهما لانفصال المني عن مكانه على وجه الشهوة، لا لظهوره على وجه الشهوة، وعند أبي يوسف رحمه الله: لظهوره أيضًا؛ لأن الغُسل تعلَّق بالخروج والمزايلة، فتُشترط) الشَّهوة عند الظهور كما شُرطت عند الانفصال؛ إذ الشهوة شرط، فشرط كمالها؛ إذ الأصل في كل ثابت كماله، وذا باعتبارها في الحالين؛ لأنه لو اعتبر في إحداهما دون الأخرى لا يَجِبُ الغُسل بالشك.
ولهما: أنه متى وَجَب نظرًا إلى الشهوة عند الانفصال: فالاحتياط في الإيجاب؛ إذ المعتبر وجود أصل الشهوة لا نهايتها؛ لأنها قيد.
وفائدته تظهر فيمن استمتع بالكف، فلما انفصل المني عن مكانه عن شهوة أَمسك ذكره حتى سكنت.
أو احتكم فأمسك ذكره حتى سكنت شهوته، فسال منه مني.
أو اغتسل قبل أن يبول، ثم سال منه بَقِيَّةُ الْمَني: يَجِبُ الغُسل عندهما، خلافًا له.
ولو بال فاغتسل، أو نام. فخرج مني: لا يَجِبُّ إجماعًا.
الجزء 1 · صفحة 38
لا مدي وودي)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لا مَذي ووَدْي؛ لحديث عليَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال: كُنتُ فحلًا مَذَاءٌ، فَأَمَرَتِ الْمِقداد حتى سَأَله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: «كل فحل يُمذي، وفيه الوضو.
والوَدْي: بول غَلِيظٌ، فيُعتبر برقيقه.
والمني: ماء دافقٌ، خَائِرُ، أَبْيَضُ، يَنكَسِرُ منه الذَّكَرُ.
والْمَذْيُّ: رَقِيقٌ يَضْرِبُ إلى البياض، يَخْرُجُ عند مُلاعَبةِ الرَّجُلِ أهله.
وذكر في المُختصر بعد نفي الاغتسال: فيهما الوضو، وهو تأكيد؛ لأنه استفيد بـ (ما خرج من السبيلي، كقوله تعالى: {فَيَئُوسُ قَنُوطٌ} [فصلت: 49].
فإن قلت: ما فائدة إيجاب الوضوء بالوَدْي وقد وجب بالبول؟
قلت: فائدته فيمن به سلس البول وخرج الوَدْي في الوقت، أو يُحمل على أنه بال فتوضأ، ثم خرج الوَدْي، وتَمامُ التَّقرير لأمثاله مذكور في شرحي للنافع».
الجزء 1 · صفحة 39
وتواري حَشَفةٍ (في قبل أو دبر، على الفاعل والمفعول به، بخلاف البهيمة، والميتة، وما دون الفرج.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وتواري حشفة في قبل أو دبر، على الفاعل والمفعول به، أي يَجِبُ عند تَوارِي حشفة؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا التقى الختانان وتوارت الحَشَفَةُ: وَجَبِ الغُسلُ، أَنزَل أو لم ينزل»، أي ختانُ الرَّجُلِ والمَرأة؛ لأنهم يختنون النِّساء، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ختانُ الرَّجُلِ سُنَّةٌ، وختانُ النِّساءِ) مكرمة، أي في حق الزوج؛ إذ جماعُها الذ.
أو يكون على التغليب، كالعُمرين، والقمرين.
والختانُ: مَوضِعُ القطع من الذكر والأنثى.
والتقاؤهما: عبارة عن الإيلاج.
و اتوارت»: أي غابت، وذكره لئلا يتوهم أن الْمُرَادَ مُماسَةُ الفَرجَين.
ولا يُعارِضُ هذا الحَديثُ قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الماء من الماء»؛ لأن الماء موجود في الالتقاء تقديرا؛ لأنه سبب الإنزال؛ إذ الغالب في مثله الإنزال، وهو مُغيَّب عن بصره، وربما يخفى عليه الإنزال لقلته، فأقيم السَّبَبُ الظاهر - وهو الالتقاء - مقام الإنزال احتياطاً.
فإن قلت: أي فائدة في قوله: ربما يخفى عليه الإنزا، وقد حصل المقصود بقوله: هو مُغيَّب عن بصر؛ لأنه كاف لإقامة الغير مقامه.
قلتُ: إنما احتيج إلى هذه الزيادة: لئلا يعترض عليه أنه وإن كان غائبا عن بصره. إلا أنه يُمكنُ الوقوف عليه، فاحتيج إلى هذه الزيادة لدفع هذا الاعتراض.
وما ذكرناه مؤثر؛ لأن هذا الفعل أقيم مقام الإنزال في حق وجوب الحد، فلأن يقوم مقامه في الاغتسال) أولى، وبهذا احتج علي رضي الله عنه على الأنصار فقال: تُوجِبون الرجم) ولا توجبون) فيه صاعا من الماء!
والسببية موجودة على الكمال في الإيلاج في الدبر؛ لأنه سبب لخروج الْمَنِي غالبًا، كالإيلاج في القبل؛ لاشتراكهما لينا وحرارة وشهوة.
ويَجِبُ على المفعول به وإن لم يكن سببا لنزول مائه: احتياطا.
بخلاف البهيمة، والميتة، وما دون الفرج، فإنه لا يَجِبُ الغُسلُ في هذه الْمَوَاضِعِ ما لم يُنزل؛ لأنه لا يغلب الإنزال هنا، فلا يكون هذا الفعل سببا للإنزال على الكمال، فلا تقوم مقامه.
الجزء 1 · صفحة 40
احتلم) ولم ير بللا: لا غُسل عليه، فإن لم يحتلم، لكنه استيقظ فوَجَد مَدْيًا: يَجِبُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
احتلم ولم ير شيئًا: لا غُسل عليه؛ لأنه تفكر في النوم، فهو كالتفكر في اليقظة بلا إنزال.
فإن لم يحتلم، لكنه استيقظ فوجد على فَخِذه أو فِراشِهِ مَدْيَا: يَجِبُ الغُسلُ عندهما، خلافًا لأبي يوسف؛ لأن خُروج الْمَذْيِ مُوجِبُ للوضوء لا للغسل.
وقالا: نُوجِبُه بالمني، لكن من طبعه أن يَرِقَّ بإصابة الهواء، فالظَّاهِرُ أَنه مَني رَقَّ قبل أن يستيقظ.
الجزء 1 · صفحة 41
وحيض، ونفاس.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وحيض، أي انقطاعه؛ لأنه يُلازِمُه، ولا يصح أن يُؤوَّلَ بخُروج دم الحيض؛ لأن عنده: لا يَجِبُ الغُسل، وإنما يَجِبُ عند الانقطاع، وكذا النفاس على هذا.
وتمسكوا بقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطَّهَّرْنَ [البَقَرَة: 222] في وجوب الغسل بالحيض.
ووجهه: أن حق الزوج ثابت في حال) انقطاع الحيض، وهو ممنوع ع التصرف في ملكه للاغتسال، فلو لم يجب لما منع؛ لأن بالمباحات والتطوعات لا يُمنع؛ ألا ترى أن له حق نقض صوم التطوع لا الفرض.
ولأنه منع عن القربان إلى غاية، فيحرم عليها التمكين ضرورة، ويَجِبُ عليها التمكين إذا طلبه منها، لأن حقه ثابت حال انقطاع الحيض، وهي لا تتوصل إليه إلا بالغسل، وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به يَجِبُ كوجوبه.
ومتى ثبت فيما دون العشرة ثبت فيها ضرورة؛ إذ وجوب الاغتسال هنا باعتبار الدم المخصوصة، وقد وُجِد ثُمَّ.
ولما احتيج إلى الاغتسال للقربان. فلأن يُحتاج إليه للصلاة أولى؛ لشدة احتياجها إلى الطهارة؛ ألا ترى أنه يَحِلُّ وطء الجُنُبِ وَالْمُحدِثِ وَلا تَحِلُّ صَلَاتُهما ..
ونفاس للإجماع، وهو بناءً على نص وَرَد فيه، واكتفوا به عن نقله، أو قاسوه على دم الحيض؛ لأنه أقوى؛ لأنه يثبت بنفس السيلان، بخلاف الحيض.
الجزء 1 · صفحة 42
وسُنَّ للجمعة، والعيدين، والإحرام، وعرفة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وسن غُسل الجمعة، والعيدين، والإحرام، وعَرَفَةَ، سَنَّه ه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقال مالِكُ رَحِمَهُ اللهُ: يَجِبُ غُسلُ الجُمُعَةِ؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من أَتى الجُمُعة فليغتسل، أَمْر، وهو للوجوب.
ولنا: قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من تَوضَّأ يومَ الجُمُعة فيها ونعمت، ومن اغتسل فالغُسل أفضل، الباءُ مُتعلقة بفعل مضمر، أي: فبهذه الخصلة -يعني: الوضوء - ينال الفضل.
و نعمت»: أي نعمت الخصلة هي، فحذف المخصوص بالمدح، ذكره في «الفائق».
وبهذا تحمل ما رواه على الاستحباب؛ لأن الأمر يجيء للندب أيضًا، كقوله تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ [الحج: ??]، فحمل عليه لئلا يكون زيادة على النص؛ إذ هي نسخ، أو ليعمل الحديثان.
فإن قلت: كيف يُحمل على الندب وقد جاء في روايةٍ أُخرى: «غُسل يوم الجمعة فريضة على كل من احتلم؟
قلنا: هذا الحديث إن لم يكن ثابتًا حمل ذلك على الندب، وإن كان ثابتا حمل على الانتساخ، ولهذا قالت عائشة وابن عبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: كَانَ النَّاسُ عُمَالَ أَنفُسِهِم، وكانوا يلبسون الصُّوفَ ويعرقون فيه، والْمَسجِدُ قَريبُ السَّمْك، فكان يتأذى بعضهم برائحة البعض، فأمروا بالاغتسال لهذا، ثم نسخ حين لبسوا غير الصُّوفِ وتركوا العمل بأيديهم.
ثم هذا الغسل لليوم عند الحسن بن زياد؛ إظهارا لفضيلته؛ لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: سيد الأيام يوم الجمعة، وعند أبي يوسفَ رَحِمَهُ اللهُ: للصلاة، وهو الصحيح، لأنها مؤداة بجمع عظيم، فلها من الفضيلة ما ليس لغيرها.
حتى إن من اغتسل يومَ الجُمُعَةِ فَأَحدَث، وصَلَّى الجمعة بوضوء. عند الحسن: يكون مقيما للسنة، وعند أبي يوسف: لا، ولو اغتسل قبل الصُّبح وصَلَّى الجُمُعَةَ به: نال فضل الغُسل عند أبي يوسف، وعند الحسن: لا.
الجزء 1 · صفحة 43
ووجب للميت.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ووجب للميت؛ لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: للمُسلم على المُسلِم سِتَّةُ حقوق»، منها: أن يُغسله بعد موته.
الجزء 1 · صفحة 44
وندب لمن أسلم ولم يكن جنبًا، وإلا لزم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وندب لمن أسلم ولم يكن جنبا، وإلا لزم.
ندب غسل الكافر إن أسلم ولم يكن جنبًا، وإن كان جُنُبًا لَزِمه؛ لأن بقاء صِفَةِ الجنابة بعد إسلامه كبقاء صفة الحدث في وجوب الوضوء.
الجزء 1 · صفحة 45
أقلف اغتسل ولم يُدخل الماء داخل الجلدة: جاز.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أقلف اغتسل ولم يُدخل الماء داخل الجلدة: جاز؛ لأنه خلقة.
بات المياة
الجزء 1 · صفحة 46
يتوضأ بماء السَّماءِ، والعين، والبحر، وإن غَيَّر طاهر لونه، أو طعمه، أو ريحه أو أنتن بالمُكث.
لا بماء تغيَّر بكثرة الأوراق، أو بالطبخ، أو اعتصر من شجر أو ثمر، أو غلب عليه غيره أجزاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يتوضأ بـ ماء السماء، والعين، والبحر.
وإن غَيَّر طاهِرٌ لونه أو طعمه أو ريحه، أو أنتن بالمكث.
لا بماء تغيَّر بكثرة الأوراق، أو بالطبخ، أو اعتصر من شَجَرٍ أو ثَمَرٍ، أو غَلب عليه غيره: أجزاء.
الأصل: أن التوضو بالماء المُطلق جائز بالنص والخبر.
والْمُطلَقُ: الْمُتعرِّضُ للذات دون الصفات، لا بالنفي والإثبات.
وأريد به هنا: ما يسبق إلى الأفهام بمطلق قولنا: لما، كماء السَّمَاءِ وَالْمَدِّ ونحوهما.
وإضافته إلى البئر للتعريف لا للتقييد؛ إذ يُفهم بمطلق قولنا: لما.
فإذا بطلت صفة الإطلاق لم يتوضأ به، كالأشربة، والخل، وماء الباقلا، والْمَرَقِ، وماء الورد؛ لأنه لا يُسمّى ماءً مُطلقا؛ إذ لا تنصرفُ أفهامنا إليه عند الإطلاق، ولهذا يُقال: لم يشرب الماء، وإن شَرِب الْمَرَقَ، ولو كان ماءً حقيقة لما صح نفيه؛ لأن الحقيقة لا تسقط عن الْمُسمّى.
والحكم عند فقد الماءِ الْمُطلق منقول إلى التيمم، قال الله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا [النِّسَاء: 43].
والوظيفة في هذه الأعضاء تعبدية، أي ثبتت بخلاف القياس، فلا يتعدى إلى غير المطلق؛ وهذا لأن أعضاء المُحدثِ طاهرة حقيقة؛ لعدم إصابة النجاسة الحقيقية، وحكما؛ لأنه لو صلّى حامِل مُحدِث أو جُنُب: تَصِحُ صَلاتُه، ولو كان نَجِسًا لما صحت، كما لو كان معه دم.
وتطهير الطاهر مُحال؛ لأنه إثبات الطهارة أو إزالة النجاسة، والطهارة ثابتة، فلا يُمكن إثباتها؛ لأن الحاصل لا يحصل، والنَّجاسة زائلة، فلا يُمكن إزالتها؛ لأن الْمُزال لا يزال.
وليس في معناه من كل وجه حتى يُلحق به دلالة؛ لأن الماء الْمُطلَقَ لا يُبالى بخبثه، ويُوجَدُ مَجَانًا، والْمُقيَّدُ يُبالي بخبثه، ويَعِزُّ وُجوده.
وبطلان صفة الإطلاق: بغلبة الممتزج، وهي بكثرة الأجزاء.
أو بكمال الامتزاج، وهو بطبخ الماء بالخلط الطاهر، كماء الباقِلَاءِ وَالْمَرَقِ.
أو بتشرب النَّبات الماء حتى يَبْلُغَ الامتزاجُ مَبْلَغَا يَمتَنِعُ خُروجُ الماء عنه إلا بعلاج.
والامتزاج بالطبخ إنما يمنع الوضوء به إن لم يكن مقصودًا للغرض المطلوب من الوضوء، وهو التنظيف، كالأشنان والصابون إذا طبخا بالماء، إلا إذا غلب ذلك على الماء، فيصير كالسويق المخلوط؛ لزوال اسم الماء عنه.
والامتزاج: الاختلاط بين الشَّيئين حتى يمتنع التمييز.
ويتوضأ بماء الزَّعْفَرانِ واللَّبَنِ والزَّرْدَجِ إن لم يُطبخ ولم يغلب الماء، خلافًا للشافعي رحمه الله، فإِن غَلَب: لم يَجُز؛ لغَلَبَةِ الْمُمتزج.
ولا يتوضأ بماء يسيل من الكرم؛ لكمال الامتزاج، ذكره في «المحيط»، وقيل: يجوز؛ لأنه خرج من غير علاج، بخلاف ما اعتصر من شَجَرٍ أو ثَمَرٍ؛ لكمال الامتزاج؛ لأنه لا يخرج منه إلا بعلاج، وهو العصر.
الجزء 1 · صفحة 47
وبماء قليل دائم فيه نجس.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وبماء قليل دائم فيه نَجَسٌ.
وقال مالك رحمه الله: يُتوضأ به ما لم يتغير أحد أوصافه؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الماء طهور لا يُنجسه شيء، إلا ما غَيَّر لونه أو طعمه أو ريحه.
وقال الشافعي رحمه الله: يجوز إن كان قلتين، أي خمسمائة رطل؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذا بَلَغ الماء قلتين لم يحمل خَبَيًّا، أي لا يقبل نجاسة.
ولنا:: قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا استيقظ أحدكم. الحديث، نهى. عن إدخال يده في الإناء لتوهم النجاسة، مع أنه محتاج إليه؛ لأنه مأمور بالتطهير، فثبت أن النجاسة القليلة منجسة للماء الدائم، وإلا لم يكن لهذا الاحتياط حالَ التَّوهُم مَعنى.
وإدخال مثل هذا اليد في الإناء لا يُغير الطعم واللون والريح.
ولم يفصل بين القلتين وما دونهما، فيكون حجة عليهما.
وقولُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يَبولَنَّ أَحَدُكم في الماء الدائم، ولا يغتسلَنَّ فيه من الجنابة»، والغُسل عن الجنابة لا يُغيّر طعمًا ولا لونا ولا ريحًا، فلولا تَنجُسُه بوقوع النجاسة بكل حال لم يكن للنهي فائدة.
ولا فصل في الحديث بين دائم ودائم، فهو على العموم، إلا أن يصير في حكم الجاري، كالحوض الكبير.
ولأن الماء الذي يُغتسل فيه يكون أكثر من قلتين ظاهرا.
فإن قيل: النَّهي يحتمل التنزية.
قلنا: مُطلَقُه يُوجِبُ التَّحريم، وفَساد الفعل شرعًا، خصوصًا على أصل الشافعي رحمهُ اللهُ إِذا عَرِي عن التأكيد، فكيف وقد أكد!
ولأنه لو كان كذلك لما قيد بالدائم، فالجاري يُشاركه فيه.
ولأنه نهاه عن الاغتسال مع شدة الاحتياج إليه؛ لأنه مأمور به، فلو لم يتأثر الماء به لم يفد النهي.
ولأن القياس في الكثير أن يتنجس؛ إذ الجزء الذي لاقته النَّجاسة يتنجَّسُ بملاقاة النجاسة إياه، وإذا تنجس ذلك الجزء تَنجس الذي يُجاوِرُه، ثم وثم، حتى يتنجس الكل، لكن تركنا القياس في الكثير للضرورة؛ لأن صونَ الكَثير بالأواني غير ممكن، ولا ضرورة في القليل؛ لإمكان صونه بالأواني، فعملنا فيه بالقياس.
و ما رواه مالك ورد في بئر بضاعة - بالكسر عن الغُوري، وعن الجوهري: تُكسر وتضم، وكان ماؤه كثيرًا، فقيل: إنه ثمانٍ في ثمانٍ، وعن محمد رَحِمَهُ اللهُ: أَنه حَدَّ الكثرة بهذا، أو كان جاريًا، فقد ذكرت عائشةُ رَضَ اللَّهُ عَنْهَا: أنها كانت قناةٌ، ولها مَنفَةٌ إلى بساتينهم، ويُسقى منه خمسة بساتين أو سبعة، والحال يدلُّ عليه؛ فإن ماء البئر إن لم يكن قناة يتغير بالجيف.
وما رواه الشافعي رحمهُ اللهُ ضعيف؛ فقد قال في كتابه»: بلغني بإسناد لا يَحْضُرُني من ذكره.
ومثله دون الْمُرسَل؛ لأن الْمُرْسِلَ يَقطَعُ القول بأنه من رسول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو آية إتقانه، وقوله: إسناد لا يَحْضُرُن على عكسه
والمراسيل عنده ليست بحجة، فهذا أولى.
وعن أستاذ البخاري علي بن المديني أنه قال: لم يصح هذا الحديث.
ولأن ابن. عباس وابن الزُّبَيرِ اللَّهُ عَنْهُمْ أَمَرا بنزح ماء: بئرِ زَمْزَمَ، ولو كان هذا صحيحًا لاحتجوا عليهما به، فعلم بأنه شاذ في حادثةٍ تَعُمُّ بها البلوى، فيُرَدُّ، كخبر الوضوء مما مَسَّتَه النَّارُ.
وفي متنه اضطراب. روي: «إذا بلغ الماء أربعين قلة».
والقلة: اسم مشترك بين القامة، ورأس الجبل، والجرة، فلا يَصيرُ حُجَّةٌ إلا ببيان.
وقوله: ا يحتمل خَبَثً: أي قل، وصار بحيث يتحفظ) في القلال، م يحتم: أي ضعف عن احتمال الخبث، ويَنجُسُ، كما يُقال: مالُ فُلانٍ لا يحتمل السَّرَفَ، أي لقلته، إلا أنه ضعيف؛ لأن القِلَّةَ لا تُحَدُّ بالقلال.
الجزء 1 · صفحة 48
ويتوضأ بماء جار - تحقيقا أو تقديرًا - فيه نجس لم يُرَ أثره.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ويتوضأ بماء جار - تحقيقا أو تقديرا - فيه نَجَسٌ لم يُرَ أَثَرُه؛ لأنه لا يستقِرُّ مع جَرَيانِه.
والأثرُ: الطَّعم، أو الرائحة، أو اللون.
والجاري: ما يَذْهَبُ بتبنة.
والجاري تقديرًا: كالغدير العظيم الذي لا يتحرَّك أحدُ طَرَفَيه بتحريك طرفه الآخر، أي بحركة الاستعمال في ساعته، لا بعد المكث بطبعه؛ إذ الماء سيالٌ، يَخْلُصُ بعضه إلى بعض بالاضطراب الذي يقع فيه، ولو كثيرًا.
والتحريك يُعتبر بالاغتسال في رواية عن أبي حنيفة رحمه الله؛ إذ الحاجة إلى الغسل في الحياض أكثر من الحاجة إلى الوضوء؛ إذ هو يكون في البيوت غالبا، وعنه: بالتحريك بالوضوء؛ لأنه أخَفُ، ومبنى الماء في حكم النجاسة على الخفّة؛ دفعا للحرج.
وقدره عامة المشايخ بالعشر في العشر بذراع المساحة، وهو سبع قبضات لأنه من الممسوحات، وذراع المساحة فيها أليق، وقيل: بذراع الكرباس؛ توسعة للأمر على الناس؛ لأنه أقصر من ذراع المساحة بإصبع، والأصح: أن يُعتبر في كل مكان وزمان ذراعهم.
والصحيح في العمق: أن يكون بحال لا يظهرُ ما تحته بالاغتراف، وقدره البعض بأربعة أصابع مفتوحة.
ثم إذا لم يتنجس كله هل يتنجسُ مَوضِعُ الوُقوع؟
إن كانت مرئية تنجس، وإلا لا، وعند مشايخ العراق: تنجس فيهما.
الجزء 1 · صفحة 49
وموت ما لا دم له فيه، كالبق، والذُّباب، والزنبور، والعقرب) والسَّمَكِ، والضَّفْدِعِ: لا يُنجِّسُه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وموت ما لا دم له فيه، كالبق، والذُّباب، والزنبور، والعقرب، والسَّمَكِ، والضَّفْدِعِ والسَّرَطانِ: لا يُنجِّسُه، خلافًا للشافعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي غَير السَّمَك؛ لأنه مُحرَّمٌ لا لكرامته، وذا آيه نجاسته؛ ليكون أدلَّ على الاجتناب الذي يُوجِبُه التحريم، بخلاف دود الخل يموتُ فيه، وسوس الثمار تموتُ فيها؛ لأن فيه ضرورة؛ لأن القول بالنجاسة بموت هذه الأشياء يُفضي إلى أن لا يَحِلَّ خل وعصير، وهو قبيح.
ولنا: ما رُوي أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِل عن إناء فيه طَعام أو شَرَابٌ، يَموتُ فيه ما ليس له دم سائلة، فقال: «هو الحلال أكله، وشربه، والوضوء به».
ولأن الْمُنجِّسَ اختلاط الدم المسفوح بأجزائه عند الموت، حتى حَلَّ الكَبِدُ والطحال وهما دمان: لأنهما جامدان، وحَلَّ السَّمَكُ والجَرَادُ وَالْمُذكَّى: لَعَدَمِ الدَّمِ ولا دم فيها.
والتحريم لا للاحترام فيما يُعتاد أكله يَدلُّ على النجاسة، وما لا دم له فحرمته لا للموت، بل لأنها خبيثة أو غير مُغذّية، كما حرم أكل التراب ولا موت فيه، وإذا لم يوجب الموت التحريم لم يُوجب التنجيس؛ لأن النَّجاسة تَثَبِّتُ صِفَةٌ مُؤكَّدةً للحرمة، فلا تثبت قبلها.
فإن قيل: ذبح المجوسي يُرِيقُ ولا يُطهِّرُ، وجَرحُ الصَّيدِ يُطهِّرُ ولا يُرِيقُ، والأهلي بالذبح يَحِلُّ وإن لم يسل دم لعارض.
قلنا: الحكم تعلق بالسَّبَب، وهو الذكاة الشرعية، لا بنفس الإراقة، وذبح المجوسي غير ذكاة شرعًا، والجَرحُ في الصيد قام مَقامَ الزَّكاة ضرورة، وما لم يُرَق بعارض لا يعتبر، فدار الحكم مع سبب الإراقة تيسيرًا، كالمشقة، والسَّفَه، والعقل، والبلوغ.
فلما صارت الذكاة مبيحة مطهرة لأنها سبب إراقة الدماء، وقامت مقامها: صار الموتُ مُنجِّسًا؛ لأنه سَبَبُ خَلْطِ الدَّمِ بغيرها بذهاب قوى الطبائع التي كانت تمتاز بقواها في معادنها عن غيرها، فصارت النجاسة معقولة بمجاورة الدماء النجسة، والطهارة معقولة بسيلان الدماء النَّجِسةِ قبل الفساد.
وما لا دم له فحال الحياة والموت والتذكية وعدمها: سواء.
وإن مات في غير الماء السَّمَكُ: لا يُنجِّسُه، وغيره كالضفدع المائي، والكلب المائي، والسرطان. قيل: يُفْسِدُه؛ لعدم الْمَعْدِنِ، ووُجودِ الدَّم، وإنما لا يُنجِّسُ الماء: لأنه مَعدِنُه، والشَّيءُ فِي مَعدنه لا يُعطى له حكمُ النَّجاسة، كمن صلَّى وفي كُمِّه بَيضةٌ حال محها دما: صَحَت صَلاتُه، ولو صلّى وفي كُمِّه قارورة بول لم تَصِحٌ.
وما ذكر في «الهداية»: لعَدَمِ الْمَعْدِن: تعليل بالعدم، وهو غير صحيح، وتأويله: أن الْمُوجِبَ للتنجس - وهو الدَّمُ - مَوجود؛ إذ اللُّونُ لَونُ الدَّمِ، والرائحة رائحتها، والمانع - وهو الْمَعْدِنُ - مَفقود.
وإنما لم يفسد الماء: لأن المانع موجود، فلم يعمل الْمُوجِبُ، وقيل: لا يُفْسِدُه، وهو الأصح؛ لأن الْمُوجِبَ للتنجس إنما هو الدَّمُ، وهو معدوم؛ لأن الدَّمَ يَسْوَدُّ بالتشميس، وهو يبيض.
وسيل محمد رحمه اللهُ عن ضفدع مات في الخل هل يتنجس؟ قال: لا؛ لأنه لو مات في الماء، ثم صُب الماء في الخَل: لا يَفْسُدُ، فعلم بأنه لو وقع فيه بنفسه لا يَنجُسُ.
وقد علل بالعدم فيها أيضًا، و، ووجه تصحيحه: ما ذكرنا أ ما أن العِلةَ مُتَّحِدة، وهي الدَّمُ وهو في مثله يجوز، كقول محمد رحمه اللهُ في وَلَد الغصب: لم يُضمن؛ لأنه لم يُغصب.
والضفدع البحري والبري سواء، وقيل: البري مُفسِد.
وما يعيش في الماء: ما يكون مولده ومثواه فيه.
ومائيُّ الْمَعاشِ لا غيرُ: مُفسِد.
الجزء 1 · صفحة 50
والماء المستعمل لقربة أو رفع حدث: طاهر) غير مطهر ف.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والماء المستعمل لقربة أو رفع حدث: طاهر غير مُطهِّرٍ، خلافًا لمالك والشافعي رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لأنه ماء طاهر استُعمل في عُضو طاهر، فبقي كما كان، كما لو غُسل به ثوب طاهر.
وما قيل: إن الطهور ما يُطهِّرُ غيره مرّةً بعد أخرى، كالقطوع: فغير مُثبت في القواني، وقال صاحِبُ الكَشَّافِ وصاحِبُ الْمُغرِبِ»: وما حُكِي عن ثَعْلَبٍ أن الطهور ما كان طاهرا في نفسه مُطهرا لغيره. إن كان هذا زيادة بيان البلاغته في الطهارة كان شديدا، ويَعضُدُه قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءَ لِيُطَهِّرَكُم به} [الأنفال:، وإلا فليس عو من التفعيل في شيء، وقياسه على ما هو مشتق من الأفعال المتعدية، كقطوع ومنوع: غير سديد.
والطهور يجيء صفة، نحو: ماء طهور، واسما، كقولك لما يتطهر به: طهور، كالوضوء لما يتوضأ به، ومصدرًا، نحو: تَطهَّرتُ طهورًا حَسَنًا، نحو: وضوءا حَسَنًا، ومنه: قولُه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لا صَلاة إلا بطهور»)، أي بطهارة.
وقال زفر رحمه الله - وهو أحد قولي الشافعي -: إن كان المُستعمِل مُتوضّنًا: فطاهِرُ مطهر، وإلا فطاهر غير مطهر؛ لأن العضو طاهر حقيقة، حتى لو صلّى حامِل مُحدِث أو جُنُب: جازت صلاته، وباعتباره يكون الماء طاهِرًا مُطَهِّرًا، لكنه نَجِسٌ حُكمًا حتى لم تجز صلاته، وباعتباره يكونُ نَجِسًا، فقلنا بانتفاء المُطهر به وبقاء الطهارة؛ عملا بالشَّبَهين، ولا يُعكس؛ إذ فيه ترك العمل بأحدهما.
وقال محمد رحمه الله - وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله، وهو ظاهِرُ الرواية، وعليه الفتوى: طاهر غير مطهر؛ لأن ملاقاة الطاهر الطاهر لا يُوجِبُ التَّنجُسَ؛ لأن الماء إذا استعمل في محل فأقصى أحواله أن يصير في مثل حال المحل، وأعضاء الْمُحدِثِ طاهر؛ لما مر، ولكن لا يَحِلُّ أداء الصَّلاةِ ببَدَنِ مُحدث، فالماء المستعمل في هذا المحل يصير بهذه الصفة، فإذا أصاب الثوب جازت صلاته فيه، ولو توضأ به لم تَجُز صلاته؛ لأنه لما أُديت به قربةٌ تَغيَّرت صِفَتُه، كمال أُدي به زَكَاةٌ يَصِيرُ وَسِخًا، وَحَرُم تَناوُلُهُ لَغَنِيٌّ وهاشمي، وأُبيح للفقير ضرورة، كما حَلَّت الميتة، فكذا الماء لم يبقَ مُطهرا.
وقال الحسن: نَجِسُ نَجاسة غليظة، وهو رواية عن أبي حنيفة رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لا يبولَنَّ أحَدُكم في الماء الدائم، ولا يغتسلَنَّ فيه من جنابة) نهى عن الاغتسال في الماء الدائم بنهي على حدة، فثبت أنه كالبول في التنجيس.
ولا يُقال: إنما نهى الجنب عنه، وهو لا يخلو عن المني وهو نجس: لأنه قد يخلو، والجُنُبُ جُنُب وإن غَسَل فرجه، والنهي يتناوله في هذه الحالة.
ولأن فيه تعليق الحكم بالنجاسة دون الجنابة، فلا يثبت إلا بدليل فوقه.
ولأنه ماء أزيلت به نجاسة حكميّة، فيُعتبر بما) أزيلت به نجاسة حقيقية، بل أولى؛ إذ القليل من الحقيقية عفو، ومن الحكمية لا.
وقال أبو يوسف - وهو رواية عن أبي حنيفة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: نَجِسٌ نَجاسة خفيفة للاختلاف في نجاسته، والضرورة؛ إذ صَونُ الثياب عنه مُتعذِّرُ، فَخَفَّ حُكمُه.
وإنما يصير مستعملا: بإقامة قربة، بأن يتوضَّأَ مُتوضّى ناويا الوضوء، أو رفع حدث، بأن يتوضَّأَ مُحدِثٌ مُتبرِّدًا، وقال محمد رحمه الله: بالأول لا غير.
ولو اغتسل طاهر متبردًا: لم يصر مستعملا إجماعًا.
لمحمد: أن الاستعمال بانتقال نجاسة الآثام إليه، وإنها تُزالُ بالقرب، كما وَرَد في الحديث: «من توضأ فأحسن الوضوء خَرَجت خطاياه، حتى تخرج من تحت أظفاره».
وقالا: إسقاط الفرض موثر أيضًا؛ لأنه لما غَسَل الأعضاء وقد حَلَّ فيها ما يَمْنَعُ الصَّلاةَ: تحول ذلك المانع إلى الماء، وصار نظير تحول الآثام.
وإنما يَأْخُذُ حكم الاستعمال إذا زال عن البدن؛ لأن سقوط حكم الاستعمال قبل الانفصال لضرورة التطهير، مع أن الاستعمال ثبت حقيقة، ولا ضرورة بعد الانفصال.
وقيل: الاجتماع في مكان شرط؛ لأن صَونَ الثَّيابِ عنه مُتعدِّرُ، فتحققت الضرورة.
جنب انغمس في البئر للدلو، ولا نجاسة على بدنه:
فعند أبي يوسف رَحِمَهُ اللهُ: الرَّجُلُ بحاله جُنُبٌ؛ إذ الصَّبُّ شرط عنده لإسقاط الفرض، ولم يُوجد، والماء بحاله؛ لأنه لا نجاسة عليه حقيقة، وإنما يتغير بإسقاط الفرض أو إقامة القربة، ولم يُوجد.
وعند محمد رحمه الله: هما طاهران. الرَّجُلُ لأنه وصل إلى الماء، وهو مطهر بذاته بلا نية وشرط صب، فصار كما لو وقع في ماء جارٍ أو أصابه مطر، والماء بحاله طاهر؛ لأن المغير عنده قصد القربة، ولم يُوجد.
وصاحب الهداية» عَلَّل بالعدم هنا، والتصحيح قد اندرج فيما ذكرنا.
وعند أبي حنيفة رحمه اللهُ: كلاهما نجسان. الماء لإسقاط الفرض عن البعض بأول الملاقاة، والرَّجُلُ لبقاء الحدث في باقي الأعضاء.
وقيل: نجاسة الرَّجُلِ عنده لنجاسة الماء المُستعمل.
وفائدة الخلاف: تَظهَرُ في تلاوة القرآن.
وعنه: أن الرَّجُل طاهِرُ؛ لأن الماء لا يَأْخُذُ حكم الاستعمال قبل الانفصال، وهو أوفق الروايات عنه.
الجزء 1 · صفحة 51
ومسألة البئر: حَط.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ومسألة البئر: ح، أي ضابطها، فالجيم: من النجس، أي عند أبي حنيفة رَضيَ اللَّهُ عَنْهُ: كلاهما نجسان، والحاء من الحال، أي كلاهما بحالهما عند أبي يوسف رحمه الله، والطَّاءُ: من الطاهر، أي كلاهما طاهران عند محمد رحمه الله.
وقيل: لا خلاف بين أصحابنا أن إزالة الحدث تُوجِبُ استعمال الماء.
وإنما لم يحكم محمد رحمه الله باستعمال الماء في مسألة البئر: للضرورة؛ فإنهم لو جاؤُوا بمن يَطلُبُ دَلْوَهم لا يُمكنهم أن يُكلّفوه الاغتسال) أولا، وهذا كما لو أدخل جنب يده في إناء لا يصير الماء مستعملا للضرورة؛ لأنه عسى لا يَجِدُ إناء صغيرًا، ولا يُمكنه صب الماء على يده من الإناء الكبير، فيُضطر إلى الإدخال، حتى لو أدخل رجله أو رأسه في إناء صار مُستعملا؛ لعدم الضرورة.
الجزء 1 · صفحة 52
أدخل رأسه (؟) أو خُفّه في إناء للمسح: جاز، ولو مد إصبعه لمسح: لا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أدخل رأسه أو خُفَّه في إناء للمسح: جاز؛ لأنه يتأدّى بالبلل، ولا يَصيرُ الماء مستعملا؛ لأنه إنما يصيرُ مُستعملا بالإسالة، والمسحُ حَصَل بالإصابة، والماء إنما يَأْخُذُ حُكم الاستعمال إذا زايل العضو، والْمُصاب لا يُزايِلُ العُضو، فلا يَأْخُذُ حكم الاستعمال.
وعند محمدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لم يجز؛ لأن الماء صار مُستعملا بنية التقرب.
ولو مَدَّ إصبعه لمسح رأسه: لا، أي مسح رأسه بإصبع واحدة، ومدها حتى صار كربع الرأس: لم يجز.
وعند زفر رحمه الله: يجوز؛ لأن الماء لا يظهر له حكم الاستعمال ما دام في محله، وكلُّ الرَّأْسِ في كونه محلَّ المسح شيء واحد، ولهذا سُنَّ الاستيعاب، ومتى ظَهَر حُكمُ الاستعمال بالملاقاة يقع الاستيعاب بالماء المستعمل.
وقلنا: إن فرض المسح يتأدّى بالإصابة، فإذا زال عن محل الفرضِ ظَهَر حُكمُ الاستعمال، فأما الاستيعاب: فتابع للفرض، فلا يظهر في حقه حكم الاستعمال.
الجزء 1 · صفحة 53
كل إهاب دبغ طهر)، إلا جلد الخنزير والآدمي.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وكل إهاب دبغ طهر)، فتجوز الصلاة فيه والوضوء منه.
إلا جلد الخنزير والآدمي، خلافا لمالك في جلد الميتة؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب)، وللشافعي رحمه الله في جلد الكلب؛ لأنه نَجِسُ العَينِ، فإن سُوْرَه نَجِسٌ، وبدَنَه نَجِسٌ، حتى لو أصابه الماء ثم أصاب ثوبا: يتنجس.
لنا: عُموم قوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: أَيُّما إهاب دبغ فقد طهر»)؛ لأن «أيا» نكرة وصفت بصفة عامة، فتعم، كقوله: لا أتزوج امرأةً إلا امرأة كوفية، والإهاب اسم لغير المدبوغ، فلا مُعارضة؛ إذ من شرطها اتحاد المحل، والكلب ليس بنجس العين؟ لأنه ينتفع به حراسة واصطيادا، فكان كالفهد، فيطهر بالدباغ.
فإن قيل: الحديث متروك الظاهر؛ لأنه يتناول جلد الخنزير والآدمي، ولا يطهران بالدباغ.
قلنا: جلد الخنزير لا يندبعُ، فلا يَطهُرُ؛ لأن شَعْرَه غَلِيظٌ يَنبُتُ من لحمه.
ولأنه نَجِسُ العَينِ، كالخمر؛ إذ الهاء في قوله تعالى: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الْأَنْعَام: 145]: منصرف إليه؛ لأن الكناية تنصرف إلى أقرب المُكنَى، ولا يُقالُ: تَنصَرِفُ إلى المقصود في الكلام، وهو المُضافُ، نحو: لَقِيتُ ابن عمرو وخَدَمتُه؛ لأن في صرفه إلى الخنزير عملا بهما؛ لاشتماله على اللحم، ولا ينعكس.
وجلد الآدمي إن احتمل الدباغ طهر، لكن لا يَحِلُّ سلخه ودبغُه وابتذاله؛ احتراما له، كشعره.
والدباغ): ما يَمْنَعُ النَّتْنَ والفساد، ولو تشميسًا أو تتريبا، وعند الشافعي: يُشترط استعمال الشَّن ونحوه.
وجلدُ سَبْعِ لا يُؤكَلُ، وما يَطهُرُ بالدَّبغ: يَطهُرُ بالذَّكاة، خلافًا للشافعي رَحِمَهُ اللَّهُ؛ لأن الجلد تبع اللحم.
لنا: أن الدبغ مطهر؛ لأنه يُزيلُ الرُّطوبات والدماء النجسة، والذَّبح في تسييل) ما هو نجس فوقه؛ لأن الدبغ يُزيل بعد الاتصال، والذَّبْحُ يَمْنَعُ الاتصال.
ولحمها نجس في الصحيح، كذا ذكر في الأسرار»، وذكر في «الهداية»: وكذلك يطهر لحمه وإن لم يكن مأكولا.
الجزء 1 · صفحة 54
وشعر الإنسان والميتة وعظمهما: طاهران.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وشعر الإنسان والميتة وعظمهما: طاهران، خلافا لمالك رحمهُ اللهُ في عظم الميتة، وللشافعي رحمه الله فيهما؛ لأن شعر الميتة وعظمها من أجزائها؛ لأنهما ناميان بحياة الأصل، فتنجسا بالموت، كالأذن وغيره، والحيُّ يَتأَلَّمُ بما يُصِيبُ العظم، وذا يَدُلُّ على الحياة.
ولكنا لا نُسلّم موتهما؛ إذ الموتُ إنما يحلُّ الحي، ولا حياة فيهما؛ لأن الحي لا يتألم بقطعهما إذا لم يتصل أثر الفعل باللحم، كقص الظُّفُرِ، وقطع طَرَفٍ من الشعر، وجلدة تموت من الآدمي.
والنمو لا يَدلُّ على الحياة الحقيقية، كنمو النبات.
والمراد بإحياء العظام في النص: رَدُّها إلى ما كانت غَضَةٌ رَطْبَةٌ فِي بَدَنِ حَيَّ حساس، أو: أصحاب العظام.
وقولهم: الموتُ زَوالُ الحياة، مع أنه وجودي داخل تحت الخلق بالنص: مؤول، أي الموت حالةٌ يَلزَمُ منه زوال الحياة.
وقال الشافعي رحمه اللهُ في شعر الإنسان وعظمه: إنه لا ينتفع بهما، ولا يُباعان، فيكونان نجسين، كالخمر والخنزير.
قلنا: إنه مكرم، وانتِفاعُهما وبيعهما دليل إهانته، فحرما للكرامة لا للنجاسة.
الجزء 1 · صفحة 55
أعاد سنه: جازت صلاته، وإن زاد على الدرهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أعاد سنه: جازت صلاته معه، وإن زاد على الدرهم، وقال محمد رحمه الله: لا يجوز؛ لأن ما أبين من الحي ميت، فكان هذا مُجرَّدَ وضع النجاسة، وقال أبو يوسف رحمه الله: تجوز؛ لأنها إذا وضعت مكانها جعل كأنها لم تزل.
فإن قيل: أليس إنَّ عظم الإنسان طاهر عندنا، فأنّى يُتصوَّرُ الخِلافُ؟
قلنا: على ظاهر الْمَذْهَبِ - وهو الصَّحِيحُ -: لا يُتصوَّرُ الخِلافُ، وهذا الخِلافُ على الرواية التي جاءت أن عظم الإنسان نَجِسُ.
فصل في الآبار
الجزء 1 · صفحة 56
تنزح لك و البئر بوقوع نجس.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تنزح البئر بوقوع نجس.
مسائل الآبار تُبنى على اتباع 1 الآثار؛ إذ القياس فيها أحد شيئين:
إما أن تطم البشر؛ لأنه وإن نزح ما فيها بَقِي الطَّينُ نَجِسًا.
وإما ما تقل عن أبي يوسف ومحمدٍ رَحِمَهُمَا الله: أن ماءها في حكم الجاري؛ لأنه ينبع من جانب ويُؤخَذُ من جانب، فلا يتنجس بوقوع نجس، كحوض الحَمامِ إِذا صُبَّ من جانب ويُؤخَذُ من جانب: لم) يتنجس بإدخال يد نجسة فيه، ثم قلنا: وما علينا لو أمرنا بنزح بعض الدلاء ولا نُخالِفُ السَّلَفَ!
وقوله: نزح البئ: أي ما في البئر من النجاسة والماء؛ إطلاقا لاسم المحل على الحال.
الجزء 1 · صفحة 57
لا يتعرتي ابل وغنم، وخُرِءِ حَمام) وعصفور.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لا يبعرتي إبل وغنم، القِياسُ: أن تُنجِّسَها البَعْرةُ؛ لوقوع نجاسة في ماء قليل، فصارت كالوعاء.
وجه الاستحسان: أن آبارَ الْمَفاوِزِ ليست لها رؤوس حاجزةٌ، وَتَنزِلُ حولها إبل وغنم وتَبعَرُ، فتلقيها الريحُ في البئر، فلو نجسناها لحرج النَّاسُ؛ ولأنه شيء صلب، فلا يُخالطه الماء، وإذا كثرت تماست، فيُصيب الماء باطنها فيُنجسه.
ولا ضرورة في الكثير أيضًا، وهو ما يستكثره الناظر في الصحيح، وقيل: ما يَأْخُذُ ثلث وجه الماء، وقيل: رُبعَه.
وهذا في المفازة، فلو كانت في مصر، أو وقعت في وعاء. فعلى الأول: تُنجسه؛ لعدم الضرورة، وعلى الثاني: لا.
ولا فضل بين الرطب واليابس، والصحيح والْمُنكَسِرِ، وَالرُّوثِ والخني والبَعْرِ؛ لثبوت الضرورة في الكل.
وقيل: الرَّطْبُ والْمُنكَسِرُ، والرَّوتُ والخني: مُفسِد؛ نظرًا إلى الثاني.
شاة تبعرُ في المحلب بَعْرةً أو بَعْرتين: يُرمى البَعْرُ، ويُشْرَبُ اللَّبَنُ، كذا عن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
ولأن فيه ضرورة؛ فالعنز لا يُمكنُ أن تُحلَبَ من غير أن تَبعَرَ.
وخرء حمام وعصفور، وعند الشافعي رحمه الله: يُفْسِدُه، وهو القياس؛ لأنه مستحيل إلى فساد، كخرء الدجاج والبط.
ولنا: أنا أجمعنا على اقتناء الحمامات في المساجد، فهذا دليلٌ طَهَارَةِ ما يَكونُ منها؛ لأنا أُمرنا بتطهيرها، ولو كانت نجسة لما جاز اقتناؤها فيها.
الجزء 1 · صفحة 58
وبول ما يُؤكل نجس، ولا يُشرَبُ) أصلا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وبول ما يُؤكَلُ نَجِسٌ، فلا يُشرَبُ أصلا، فيُنزح الكل بوقوعه، وعند محمد رحمهُ اللهُ: طَاهِرُ، فلا يُنزح إلا إذا غلب على الماء، فيصير كالخل الغالب على الماء؛ لأنه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمر العربيين بشرب أبوال الإبل وألبانها، فقد أباح البول كما أباح اللبن، ولو كان نجسًا لما أباح؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله تعالى لم يَجْعَل شِفَاءَكم فيما حرم عليكم).
ولهما: قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «استنز هوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه»، فالبول عام يتناول بول ما يُؤكَلُ وما لا يُؤكَلُ، والعامُ الْمُتَّفَقُ على قبوله أولى من الخاص المُختلف في قبوله؛ لأن متنه أقوى، فصار كعام الكتاب، والخاص من خبر الواحد.
ولأنه ذكر في رواية أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الألبان دون الأبوال.
والحديث حكاية حال، فمتى دار بين كونه حُجةٌ وغير حُجَّةٍ سَقط الاحتجاج به.
على أنه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَصَّهم بذلك لأنه عَرَف شفاءهم فيه بطريق الوحي، ولا يُوجَدُ مِثْله) في زماننا، حتى لو تعيّن الحَرامُ مَدفعا للهلاك الآن يَحِلُّ، كالميتة والخمر عند الضرورة.
ولأنه علم موتهم مرتدين وَحْيًا، ولا يبعد أن يكون شفاء الكافر في نجس، والحَديثُ مُختص بنا؛ لكاف الخطاب.
ولأن المُحرَّمَ وَالْمُبِيحَ إِذا وَرَدًا جُعِلَ الْمُحَرِّمُ آخِرًا نَاسِخًا؛ لئلا يَلْزَمَ النَّسِخُ مَرَّتَين. ولأن فيه مثلة، وهي منسوخة)، فتبين به أنه ") كان في بدء الإسلام.
ثم عند أبي حنيفة رحمه الله: لا يَحِلُّ شُربه للتداوي وغيره؛ لأن الحرمة ثابتة، فلا يُعرض عنها إلا بتيقن الشَّفاء، ولم يُوجد تَيقُنُ شِفاء غيرهم؛ لأن المرجع فيه إلى الأطباء، وقولهم ليس بحجة قطعية، وجاز أن يكونَ سَبَبَ شِفاء قوم دون قوم؟ لاختلاف الأمزجة.
وعند أبي يوسف رَحِمَهُ اللهُ: يَحِلُّ للتداوي؛ لقصة العربيين لا لغيره؛ وهذا لأنه لو كان حرامًا لما حل أصلا بالحديث.
وعند محمد رحمه الله: يَحِلُّ للتداوي وغيره؛ لأنه طاهر عنده.
الجزء 1 · صفحة 59
وبموت نحو فأرة: عشرون دلوا وسط، ونحو حمامة: أربعون.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وبموت نحو فأرة: عشرون دَلوا وسَطًا؛ لما روي عن النَّبِيِّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنه قال في فأرة وقعت في بئر فماتت فيه، فأخرجت من ساعته: «يُنزَحُ عِشرون دَلوا أو ثلاثون»، فالعشرون بطريق الإيجاب، والثلاثون بطريق الاستحباب.
وهذا بعد إخراج الفأرة، فلو نزح عشرون دلوا قبل إخراجها لم تطهر.
ويُعتبر الدلو الوسط؛ لأن السَّلَفَ أَطلقوا ذلك، فينصرف إلى المعتاد الوسط، وقيل: دلو تلك البئر، وعن أبي حنيفة رحمهُ اللهُ: دَلو تَسَعُ صَاعًا؛ لِيَتَمَكَّنَ كُلُّ من النزح.
ونحو حمامة: أربعون أو خمسون في ظاهر الرواية، كذا عن الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (لكن الأقَلُّ يَجِبُ، والأكثر يُندَبُ.
ولو نزح بدلو عظيم مرة: جاز؛ الحصول المقصود، وهو مَيْزُ النَّجِسِ عن الطَّاهِر.
الجزء 1 · صفحة 60
وكله بنحو شاة، وانتفاخ حَيَوانِ، وتَفسُّخِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وكله: بنحو شاة؛ لأن زِنجِيَّا وَقَع في بئر زَمْزَمَ، فَأَمَرَ ابنُ عَبّاس وابنُ الزُّبَيرِ بنزح كله).
فإن قيل: مسائل الآبار ثبتت بخلاف القياس؛ فإنه لو وقعت فأرة في حُبّ أُرِيق كله، والنَّصُّ وَرَد في الفارة والدَّجاجة والآدمي، وألحقتُم ما يُشاكلها، كالعصفور، والصعوة، والسودانية، والسنور، والحمامة، والشاة، والكلب. بها.
قلنا: بعدما استحكم هذا الأصل صار كالذي ثبت على وفق القياس في حق التفريع عليه، كالإجارة ونحوها من العقود التي يأبى القياس جوازها.
وإن انتفخ حيوان أو تفسخ: نُزح كلُّ ما فيها، صغر أو كبر؛ لانتشار البلة في أجزاء الماء، وتلك البله نجسة، كقطرة من خمر، ولهذا لو وَقَع ذَنَبُ فأرةٍ نُزح كلُّه؛ لأن مَوضِعَ القطع منه لا يَنفَكُ عن نجاسة.
ومتى وَجَب نزح كل الماء، وكلما نزحوا نبع من أسفله مثل ما نزحوا أو أكثر. فعلى قول أبي حنيفة رَحِمَهُ اللهُ: يَجِبُ نَرْحُ قَدْرِ ما يَغْلِبُ على ظنهم أنه جميع الماء عند ابتداء النزح، وعنه: أنه يُنزَحُ مائنا دلو.
والأصح: أن يُؤخَذَ بقول رَجُلين لهما بصارة في أمر الماء، فأي مقدار قالا إنه في البئر: يُنزَح ذلك القَدْرُ، وهو أشبه بالفقه؛ إذ الرجوع إلى أهل البصر أصل في كثير من الصور، كما في الحَكَمين، والشاهدين، وتقويمِ الْمُتلَفِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَسْتَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النَّحْل: 43].
الجزء 1 · صفحة 61
ولا تطهر ما دام الدلو الأخير في هوائها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولا تطهر ما دام الدلو الأخير في هوائها، حتى لم يجز لأحد أن يتوضاً منها؛ لأن الماء النَّجِسَ مُتَّصِل بماء البئر حكمًا؛ بدليل أن التقاطر فيه جُعِل عفوًا، ولولا الاتصال الأفسد ماء البئر؛ لوقوع النَّجَسِ فيها، فصار بقاء الاتصال حكمًا كبقائه حقيقة، بأن لم يُفصل عن وجه الماء، وذا يَمْنَعُ التَّوضُو، فكذا هذا.
وقال محمد رحمه الله: يجوز؛ لأن الماء الطاهر ميز من الماء النجس، فكأنه نُحي عن رأس البئر.
الجزء 1 · صفحة 62
فأرة منتفخة أو متفسخة، ولم يُدر وقت وقوعها: تُنجِّسُها مُذْ ثَلاثٍ، وإلا مُذْ يوم وليلة)).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يوم وليلة، فيُعيدُ صَلاةَ ثلاثة أيام ولياليها إن انتفخت أو تفسخت، وإن لم تنتفخ ولم تتفسح): يُعيدُ صَلاة يوم وليلة.
وقالا: لا يُعيد شيئًا من صلاته ما لم يتيقن أنه توضأ منها وهي فيها، وهو القياس؛ لأنه تيقن بطهارة البئر فيما مضى، وشَلَّ في النجاسة، واليقين لا يزول بالشك، كمن رأى في ثوبه نجاسة لم يعلم متى أصابته. لا يُعيد شيئًا من الصلوات لهذا.
وله: أنه ظهر لموت الفارة سبب، وهو وقوعها في البئر، فيُحال بموتها على الوقوع وإن احتمل الموت بغيره؛ لأن الموهوم لا يُعتبر بمقابلة الظاهر، كمن جرح إنسانًا ولم يزل صاحب فراش حتى مات. يُضافُ موته إلى الجرح؛ لأنه السَّبَبُ الظاهر، وان احتمل بغيره، وكذا لو وجد قتيل في محلّةٍ يُضافُ القتل إلى أهلها وإن احتمل أنه قتل في موضع آخر ثم حمل إلى هنا.
غير أنه لا يموتُ كما وقع ظاهِرًا). فلا بُدَّ من التقدير بمدة، فقدرنا الموت بلا انتفاخ بيوم وليلة؛ إذ ما دون ذلك ساعات لا يُمكنُ التَّقدير بها؛ لتفاوتها، والموت مع الانتفاخ بثلاثة أيام؛ لأنه دليل تقادم العهد.
وأدنى حد التَّقَادُمِ: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؛ فإن مَن دُفِن قبل أن يُصلّى عليه صلي على قبره إلى ثلاثة أيام؛ لأنه لم يتفسخ ظاهِرًا؛ لقرب العهد، ولا يُصلّى بعدها؛ لأنه تفسخ ظاهرًا.
ومسألة الثوب. قيل: على هذا الخلاف، فعند أبي حنيفة رحمه الله: إن كانت النجاسة يابسة: يُعيدُ صَلاةَ ثلاثة أيام، وإلا صلاة يوم وليلة.
ولئن سلّم فالفرق واضح؛ إذ الثَّوبُ يَقَعُ بصَرُه عليه كل وقت، فلو كانت فيه نجاسة فيما مضى لرآها، والبئر غائب عن بَصَره، والْمَوضِعُ مَوضِعُ الاحتياط (.
فصل في الأسار وغيرها
الجزء 1 · صفحة 63
والعرق يعتبر بالسور.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
العرق يُعتبر بالسور.
عرق كل شيء مُعتبر بسوره نجاسة وطهارة، وحرمة وكراهة؛ لأنهما يتولدان من اللحم، فَأَخَذ أحدهما حكم صاحبه.
ولا ينتقض بعرق الحمار؛ لأن فيه روايتين، ولأنه خُصَّ بركوبه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معروريا، والحَرُّ حَرُّ الحجاز، والثَّقَلُ ثِقَلُ النُّبُوَّةِ، فَلا بُدَّ أَن يَعرَقَ الحِمارُ.
والأسارُ أنواع أربعة: طاهر، ونَجِسٌ، ومكروه، ومشكوك.
والأصل: أن يُنظر إلى اللعاب، فإن كان لُعابه طاهرا كان سُوره طاهِرًا، وإن كان نَجِسًا كان نَجِسًا، وإن كان مكروها كان مكروها، وإن كان مشكوكا كان مشكوكا.
والمكروه: ما كان طاهرا، لكن الأولى أن يُتوضّاً بغيره، والكراهة تثبت باحتمال النجاسة، بخلاف الطَّاهِر، أو بسقوط حكم النَّجاسة لضرورة يُمكنُ الاحتراز عنها في الجملة.
الجزء 1 · صفحة 64
وسُؤرُ الآدمي، والفرس، وما يُؤكَلُ: طَاهِرُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وسور الآدمي والفرس وما يُؤكَلُ: طَاهِرُ؛ لأن المُختلط به اللعاب، وقد تولد من لحم طاهر؛ لأن لحم الآدمي طاهر؛ لطهارة غذائه، وإنما لا يُؤكَلُ لكرامته، لا لنجاسته.
ويستوي الجنب والحائض والكافر وغيرهم؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ لا يَنجُسُ.
ونجاسة الكافر في اعتقاده، فلا تُؤثر في نجاسة الأعضاء؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنزَلَ وفد ثقيف في المسجد، فلو كان النَّص مُجرى على ظاهره لَمَا أَنزَلهم في الْمَسْجِد).
فإن قيل: يَنبغي أن يكونَ سُورُ الجُنُبِ نَجِسًا؛ لإسقاط الفرض عند من يقول بنجاسة الماء المستعمل.
قلنا: لا نحكم بنجاسة الماء نفيا للحرج؛ إذ لو حكم بنجاسته لاحتاج كلُّ جُنُبٍ وحائض إلى إناء على حدة، وفيه من الحرج ما لا يخفى.
وسُورُ الفَرَسِ طاهر عندهما؛ لأنه مأكول عندهما، وكذا عنده في الصحيح، وإن روي عنه أنه مشكوك، ورُوي أيضًا: أنه مكروه، كلحمه؛ لأن كراهة لحمه عنده لاحترامه لا لنجاسته؛ لأنه آلة الجهاد، وحرمة اللحم للاحترام لا تُوجِبُ نَجاسة السُّورِ، كسور الآدمي.
الجزء 1 · صفحة 65
والكلب، والخنزير، وسباع البهائم نجس
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وسؤر الكلب والخنزير وسباع البهائم: نَجِسُ.
أما الكلب: فلقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُعْسَلُ الإناء من ولوغ الكلب ثلاثا» ولسانه يلاقي الماء دون الإناء، فلما تنجس الإناء مع أن لسانه لم يلاقه. فلأن يتنجس الماء - مع أن لسانه لاقاه - أولى.
ولا يُقال: جاز أن يُؤمر بالغسل تعبدًا، كما أُمر المُحدث بالوضوء: لأن الغسل تعبدا لم يُشرع إلا في طهارة الصَّلاةِ، فإنه يَقَعُ الله تعالى عبادة، وغسل الإناء لا يَقَعُ عبادة، فالجمادات لا يلحقها حكم العبادات؛ لأنها باعتبار نجاسة الآثام، والجمادات ليست بأهل لها.
ولأن الغَسَلَ تَعبدًا أينما وَجَب وَجَب في غير موضع الإصابة، وهنا وَجَب في موضع النَّجاسة، فدل أنه لإزالة النجاسة.
ولا يُقال: الحجر الذي استعمل في رمي الجمار يُعْسَلُ ويُرمى ثانيا لإقامة القربة به: لأن الحجر آلة الرمي، وقد تتغير الآلة بنقل نجاسة الآثام إليها، كمال الزكاة، والماء الْمُستعمل.
وهذا الحديثُ حُجَّةٌ على مالك، حيث يقول بطهارة سؤره؛ لأنه لا يتغيَّرُ طَعمُ الماء ولونه وريحه.
وسؤر الخنزير عنده كسور الكلب.
وعلى الشافعي رحمهُ اللهُ، فإنه يقولُ: يُعْسَلُ سبعًا إحداهن بالتراب؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا وَلَغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا إحداهن بالتراب»).
قلنا: هو محمول على ابتداء الإسلام؛ قَلْعًا لهم عما ألفوا من مُخالطة الكلاب، كما أُمر بكسر الدنان حين حُرِّم الخَمرُ، ثم نُسخ ما ثبت تغليظا لقطع العادة لما تركوا العادة، كما في الخمر.
ولأنه قال في رواية: «وعَفَروا الثامنة بالتراب»، ولا يَجِبُ ذلك بالإجماع.
ولأنه خبر غَرِيبٌ وَرَد في أمر عام بخلاف القياس،
وراويه غير فقيه؛ لأنه أبو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مع أنه كان يقول بالثلاث، واضطَرَب مَتنه، فلا يُقبَلُ.
وما طعنوا في قولنا: إنه يُغسل من بوله ثَلاثًا، وهو أشَدُّ من سؤره. أن بَولَه وعَرَقَه كلعابه.
قلنا: إن صحت الرواية عنهم فظاهر، وإن لم تصح فكذلك؛ لأن بوله لا يكونُ أقوى من بول الخنزير، والثلاث تكفيه، فكذا هنا.
وأما الخنزير: فلأنه نَجِسُ العَينِ؛ لقوله تعالى: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأَنْعَامِ: 145] والرجسُ: النَّجَسُ، والكناية تعود إلى الخنزير.
وأما سباع البهائم: ففيه خلاف الشافعي رحمه الله؛ لأن عَيْنَهَا طَاهِرُ؛ لجواز الانتفاع بها اختيارًا)، وجواز بيعها، فيكونُ سُؤرُها طَاهِرًا، كسور الهرة.
وحرمة التَّناوُلِ الفَساد في طبعها، لتوهم التَّعدِّي إلى المتناول، لا لنجاستها.
وقلنا: لحمها نَجِسٌ، واللُّعابُ يَتولَّد منه، فيكونُ نَجِسًا، والهرة تَقرُبُ منا، فأُبيحت ضرورة، كالميتة، والسباع لا تقرب منا، فلا ضرورة.
الجزء 1 · صفحة 66
والهرة)، والدَّجاجةِ الْمُخَلَّاةِ)، وسباع الطَّيرِ، وسواكن البيوت مكروه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وسورُ الهِرة، والدَّجاجةِ الْمُخَلَّاةِ، وسباع الطير، وسواكن البي: مكروه.
أما الهرة: ففيها خلافُ أبي يوسف والشافعي رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَان يُصغي الإناء للهرة فتشرب منه، ثم يتوضَّأُ به، ولو كان مكروها لما توضأ به.
ولهما: قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الهَرَةُ سَبْعٌ)، وَالْمُرَادُ بَيَانُ الحُكمِ لَا بَيَانُ الحقيقة؛ لأنه ما بعث لبيانها. ولأنها ظاهرة لا تحتاج إلى البيان؛ لأنها تقهَرُ الحَشَراتِ، وسُمِّي السَّبُعُ سَبْعًا لهذا؛ لأن التركيب يَدُلُّ على القهر والغلبة
والحكم أنواع: نجاسة السور، وكراهته، وحرمة اللحم.
ثم لا يخلو إما أن يُراد به الحُكمُ الأوَّلُ، أو الثاني، أو الثالث، أو الأولان، أو الآخران، أو الطرفان، أو المجموع.
لم يجز غير الثاني والثالث والخامس؛ لانتفاء النجاسة إجماعا، أو لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الهرة ليست بنجسة، إنما هي من الطوافين والطوافاتِ عليكم».
وكذا الثالث؛ لأنها ثابتة بنهيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أكل كل ذي ناب من السبا، فتعين الثاني أو الخامس، وأيا ما كان يَحْصُلُ الْمَرَامُ.
فإن قيل: هذا إنما يستقيم إن لو كان هذا الحديث واردا بعد تحريم السباع.
قلنا: حُرمة لحم السباع قبل وروده إن كانت ثابتة: فظاهر.
وإلا: لا تكون الحرمة من لوازم كونه سَبْعًا، فلا يُمكن جعله مَجازا عنها؛ لأنه ذكر الملزوم وإرادة اللازم.
على أن حُرمة اللحم لم ترد من هذا الحديث؛ لأن فيه حَمْلًا على الإعادة لا على الإفادة، سابقا أو مسبوقا.
والحديث محمول على ما قبل التحريم.
ثم قال الطحاوي: كراهته لحرمة اللحم؛ لأن اللُّعَابَ يَتولَّدُ منه، وقَضِيْتُه تَنجِّسُ سورها، إلا أن الضرورة أبطلت النجاسة، فبقيت الكراهة؛ لأنه لو كان طاهِرًا بنفسه لَمَا تعلق طهارته بضرورة الطَّوفِ؛ إذ ما يسقط بالضرورة حرمات أصلية، كأكل الميتة ونحوها، وهذا يدلُّ على أنه إلى التحريم أقرب.
وقال الكرخي رَحِمَهُ اللهُ: كراهته لتناول الجيف، فلا يخلو فمه عن نجاسة غالبا، لكنه غير متيقن، فقلنا بالكراهة، كما في يد الصبي.
وهذا يُشير إلى أنه كراهة تنزيه، وهو الأصح والأقرب إلى موافقة الأثر.
ولو أكلت فأرة وشربت من إناء على فورها: تنجس الماء إجماعا، وإن مكثت ساعة ثم شربت: لا يتنجس عندهما، خلافا لمحمد رحمه الله؛ لأنها إذا مكنت ساعة فقد غسلت فمها بلعابها، ولعابها طاهر، وإزالة النجاسة بما سوى الماء جائزة، فشربت بعده وفمها طاهر.
وقال أبو يوسف رَحِمَهُ اللهُ: النَّجاسة وإن كانت لا تزول عندي إلا بصب الماء عليها. لكن في مثل هذا الموضعِ حَكَمْتُ بالزَّوال بلا صب للضرورة.
وقال محمد رحمه الله: إزالة النجاسة بما سوى الماء غير جائز عندي، فبقي فمها نجسًا كما كان، وهو كمن شرب الخمرَ يَطهُرُ فمه بتَردُّد البزاق.
وأما الدجاجةُ الْمُخَلَّاةُ: فلأنها تُفتش الأنجاس، فمنقارها لا يخلو عن قدر، ولكن لو توضأ به جاز؛ لأنه تيقن بطهارة منقارها وشَكٍّ في نجاستها، والشَّكُ لا يُعارِضُ اليقين، فأثبتنا الكراهة للاحتمال.
ولو كانت محبوسة: لم يُكره، وهي أن تُحبَسَ في بيت وتُعلف هناك؛ لأنها لا تُفتش نجاسة نفسها عادةً، ولا تَجِدُ غيرها، فأمن عن تفتيش النجاسة، وقيل: أن يُجعل لها بيت، ويكون رأسها وعَلَفُها وماؤها خارج البيت، بحيث لا يَصِلُ مِنقارها إلى ما تحت قدميها؛ لأنها ربما تُفتِّش نجاستها، فهي والْمُخَلَّاةُ سواء.
وأما سباعُ الطَّيرِ، كالصقر والبازي والشاهين: فنجس قياسا؛ لنجاسة لحمها، كسباع البهائم، وفي الاستحسان: طاهر؛ لأنها تشرب بمنقارها، وهو عظم طاهر، وسباع البهائم تَشرَبُ بلسانها، وهو مُبتل بلعابها، وهو مُتولّد من لحمها، وهو نجس، فيسيل شيء من لعابها إلى الماء، فيتنجس.
وإنما كره: لأنها تُخالِطُ الْمَيْتَاتِ والنَّجاسات، فأَشبَهت الدجاجةَ الْمُخَلَّاةَ، حتى لو تيقن أنه لا نجس على منقارها لا يُكره.
وأما سَواكِنُ البيت: كالحية والفارةِ والوَزَعَةِ: فَنَجِسٌ قِياسا؛ لأنها تشرب بلسانها، وهو رَطْب بلعابها، ولعابها من لحمها، وهو حرام، لكنه طاهر مكروه استحسانا؛ لأن الضرورة التي وقعت الإشارة إليها في الهرة موجودة هنا؛ فإنها تَسكُنُ البُيوتَ، فلا يُمكنُ صون الأواني عنها.
الجزء 1 · صفحة 67
والحمار والبغل: مشكوك، توضأ به وتيمم عند عدم الماء، وأيهما قدَّم جاز.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وسُورُ الحِمارِ والبغل: مشكوك، ثم قيل: الشَّكُ في طهارته؛ إذ لو كان الشَّكُ في مطهريته لكان طاهِرًا، فيكونُ السُّورُ مُطهِّرًا ما لم يغلب اللعاب على الماء؛ إذ اختلاط الطاهر بالماء لا يُخرجه عن المطهرية ما لم يصر مغلوبًا.
وقيل: الشَّك في مطهريته؛ إذ لو وُجِد ماء لا يَجِبُ غَسل رأسه، ولو كان الشَّكُ في طهارته لوجب غسل رأسه احتياطاً؛ لتوهم النجاسة، وهو الصحيح، وعليه الجمهور، لأن عَرَقَه ولَبَنَه طاهران، فسُوره أولى.
ونَصَّ محمد رحمهُ اللهُ فِي النَّوادِر»: أن سُورَهُ طَاهِرُ.
وسبَبُ الشَّك: تَعارُضُ الخبرين في إباحة لحمه وحرمته، فقد روي أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهى عن أكل لحوم الحُمُرِ الأهلية.
وروي عن أبجر بن غالب. أو غالب بن أبجر - أنه قال: لم يبق من مالي إلاحميرات، فقال رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُل من سمين مالك».
ولم يتعارض الخبران في سؤر الهرة؛ إذ قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الهَرَةُ سَبْعٌ»: لا يقتضي نجاسة السور؛ لما مرّ، فلا يُعارِضُ قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الهِرةُ ليست بنجسة).
أو الأثرين .. فعن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنه نَجِسُ وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنه طاهر (")، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فبقي مشكلا.
والحمار من وجه يُشبه الهرةَ؛ لِمُخالطته؛ لأنه يُربط في الدور والأفنيةِ، فَيَشْرَبُ من الأواني، كالهرة، ومن وجه يُشبه الكلب؛ لِمُجانبته؛ لأنه لا يَلِجُ الْمَدَاخِلَ وَالْمَضايق كالهرة، فلو انتفت الضرورة أصلا لكان سُؤرُه نَجِسًا كالكلب، ولو تحققت الضرورة فيه حسب تحققها في الهرة. لوجب الحكم ببقائه على صفة الطهارة والطهورية، فإذا تحققت الضرورة من وجه دون وجه بقي مُشكلا، فلا ينجس الماء به بالشبهة، ولم يزل الحدث به؛ للشبهة، ولا يُؤكل لحمه عند الشبهة.
وقيل: تَعارُضُ الخبرين لا يقتضي الإشكال؛ إذ مُقتضاه تغليبُ الْمُحرّم على المبيح؛ لما عُرِف، فَيَحْرُمُ لحمه، ويتنجَّسُ لُعابه، فيتنجَّسُ الماء.
قلنا: عن أبي حنيفة رحمه الله: أنه نجس؛ ترجيحا للحرمة.
وقوله في «الهداية»: النَّجاس: مُشكل؛ لأن عَدْلًا لو أخبر بطهارة الماء، وآخَرُ بنجاسته: حكم بطهارته، فكيف تترجَّح النَّجاسة هنا!؟ وعنه قيل: إن تَعارُضَ الأثرين لا يقتضي الإشكال؛ إذ مقتضاه الطهارة.
والبغل متولد من الحمار، فأَخَذ حكمه.
توضأ به وتيمم عند عدم الماء، وأيهما قدَّم جاز، وعند زفرَ رَحمَهُ اللهُ: يَجِبُ تقديم الوضوء؛ لأن شرط جَوازِ التَّيَمُّمِ عدَمُ ماء واجب الاستعمال، ولم يُوجد؛ لأنه وجب استعماله.
ولنا: أنه إن كان مُطهّرًا فالتيمم لغو، تقدَّم أو تأخر، وإن لم يكن مُطهّرًا: فالتَّيَمُّمُ حق في الحالين، فلا معنى لشرط التقديم، والجمع بينهما لقطع الاحتمال، وذا ينقطع بنفس الجمع بلا ترتيب.
الجزء 1 · صفحة 68
فإن لم يجد إلا نَبِيذَ التَّمْرِ يَتِيمَّمُ فقط (؟).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فإن لم يجد إلا نبيذ التمر: تَوضّأ به ولم يتيمم؛ لحديث ليلة الجن، فإنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما رجع من مخاطبة الجِنِّ قال لابن مسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أمعك ماء؟»، قال: لا، إلا نبيذ التمر، فقال عَلَيْهِ السَّلَامُ: «تمرةٌ طَيِّبة، وماء طهور»، وتوضأ به.
وعن أبي حنيفة رحمه الله في قوله المرجوع إليه: يتيمم ولا يتوضأ، وهو قول أبي يوسف والشافعي ومالك رحمهم الله.
لأنه منسوخ بآية التَّيمم؛ لأن ذلك كان بمكة، والآية نزلت بالمدينة. وقد نقل الحكم من الماء المُطلق إلى التراب، فكان نسخا لحكم النبيد؛ إذ لو كان ثابتا لقيل: لم تجدوا ماء ولا نبيذ تمر فتيممو، فلما ترك هذا الترتيب عُلم أنه منسوخ.
ولا يُقال: إنما تُرِك لأن نبيذ التمر ماء؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وماءٌ طَهُورُ»: لأنه لو كان ماء حقيقة لم يترتب استعماله على الماء؛ إذ لا ترتيب في استعمال جنس المياه.
وتسميته ماءً مَجاز، كما سماه تمرا مع أنه ليس بتمر؛ لأنه مائع مشروب.
هذا إذا علم التاريخ، فإن لم يُعلَم: جُعِل كأنهما وَرَدا معا، ويُعمل بالأقوى منهما، وهو النص.
وقال محمدٌ رَحمَهُ اللهُ: يَتَوَضَّأُ ويَتِيمَّمُ؛ لأن في الحديث اضطرابا، فعن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعودٍ وعَلْقَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أنه لم يكن مع رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلتَند).
وفي التاريخ جهالة، فقيل: نُسخ، وقيل: لا، فوجب الجمع بين الوضوء والتَّيَمُّمِ احتياطا.
قلنا: يحتمل أنه لم يكن معه وقتَ مُفاوضةِ الجِنِّ؛ لما روي عن عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه رأى قوما بالرُّط فقال: ما أشبه هؤلاء بالذين رأيتُهم ليلة الجن!
وليلةُ الجِنِّ كانت غير واحدةٍ، فَأَنَّى تَصِحُ دَعوى النسخ!؟
والحديث مشهورٌ ثَبَت بطرق أربعة.
روى عمر بن سعيد، عن أبي لهيعة، عن قيس بن الحجاج، عن حبيش، عن ابن عباس، عن ابن مسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم.
روى أبو سعيد، عن حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن ابن مسعودٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ.
روى العباس بن الفضل، عن الحسين بن عبد الله، عن معاوية بن محمد، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعودٍ رَضَ اللَّهُ عَنْهُمْ ".
روى محمد بن زكريا، عن سليمان بن داود، عن شريك، عن أبي فزارة، عن أبي زيد، عن ابن مسعودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وعملت به الصحابةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وبالمشهور يزاد على الكتاب.
والاغتسال به يجوز في الأصح؛ لأن المخصوص عن القياس بالنَّص يُلحق به ما هو في معناه من كل وجه، ولو لم تزل الجنابة به لزالت بالتيمم، والتَّيَمُّمُ غَيْرُ مُزيل للحدث هنا، فكيف يُزيل الجنابة!؟
والنبيذ الذي اختلف فيه: أن يكونَ حُلوا، رَقِيقًا يَسيل على العضو، فإن كان غليظاً كالدبس: لم يجز الوضوء به، وإن غلا واشتدَّ: يُتوضَّأُ به عنده، وقيل: لا يجوز إجماعا.
هذا إذا كان نيا، فإن طبخ أدنى طبخة يُتوضَّأُ به مرا أو حلوا عنده، وقيل: لا، وقيل: إن كان حلوا يتوضَّأُ به، كماء طبخ مع الصابون، وإن اشتدَّ لا؛ لأنه نجس في رواية عنه.
ولا يتوضأ بما سوى نبيذ التمر، خلافًا للبعض، لأنه ثبت بخلاف القياس، فجرى غيره على قضية القياس، والله أعلم بالصواب.
باب التيم
الجزء 1 · صفحة 69
باب التيم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هو لغة: القصد، قال الشاعر:
وما أدري إذا يممتُ أرضًا أريد الخير أيهما يليني
وشريعة: القصد إلى الصعيد لإزالة الحدث.
والأصل في شرعيته قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النِّسَاء: 13].
الجزء 1 · صفحة 70
يتيمم لبعده ميلًا عن ماء، أو لخوف عدُو، أو عطش، أو مرض، أو برد.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يَتيمم لبعده ميلًا عن ماء، وهو ثُلُثُ فَرْسَخ: ثلاثة آلاف ذراع إلى أربعة آلاف.
وقال زفر رحمه الله: إن كان بحيث يصل إلى الماء قبل خروج الوقت: لا يتيمم، وإن كان بالعكس: يتيمم وإن كان الماء قريبًا منه؛ لأنه شرع لضرورة الحاجة إلى أداء الصلاة في الوقت.
ولنا: أن النَّصَّ يقتضي إباحة التيمم لعادم الماء، وهو عادم للماء، إلا أن المسافة القريبة غير مبيحة إجماعا، والبعيدة مبيحة إجماعا، ففصلنا بينهما بالميل؛ لأنه يلحقه الحرج بسبب الدخول في المصر لو كانت المسافة ميلًا.
ولا معتبر بخوف قوتِ الصَّلاةِ؛ لأنه بناءً على تقصيره حيث أخره إلى هذا الوقت، فلا يتيمم إذا كان الماء قريبا منه.
أو لخوف عَدُوٌّ، أو عَطَش على نفسه أو دابته؛ لعجزه عن استعمال الماء حكمًا.
أو مرض بأن خاف اشتداد مرضه لو استعمل الماء؛ لقوله تعالى: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى. إلى قوله: {فَتَيَمَّمُوا [النِّسَاء: 43]، ولأن ضرر زيادة المرض أقوى من ضَرَر) زِيادَةِ ثَمَنِ الماء؛ إذ هذا يرجع إلى نفسه، وذا إلى ماله، والمال وقايةُ النَّفس، وذا يُبيحُ التَّيمم، فهذا أولى.
وسواء كان ذلك الضَّرَرُ باستعمال الماء، أو بالتحرك للاستعمال؛ لتحقق العجز فيهما.
وعند الشافعي رحمه الله: إنما يتيمم إن خاف تلف نفس أو عُضو.
وهو مردود؛ لإطلاق قوله تعالى: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى [النِّسَاء: 43]، وزيادةُ المَرَضِ كخوف الهلاكِ في إباحة الصَّلاةِ قاعدًا أو مُومِيًا، فكذا في حكم التيمم.
أو برد، أي إن خاف الجُنُبُ أو الْمُحدِثُ إن اغتسل أو توضأ أن يقتله البرد أو يُمرِضَه: يَتِيمَّمُ، سواء كان خارج المصر أو فيه.
وعندهما: لا يتيمم فيه؛ لأنه نادر في المصر، فلم يُعتبر.
وله: أن العجز ثبت حقيقةً، فيُعتبرُ؛ ألا ترى أن المُسافِرَ يَتِيمَّمُ لخَوفِ الهَلاكِ مع وجود الماء، فكذا المُقيم؛ لأن الحرج شامل لهما، ولهذا لو عدم الماء في المصر يتيمم، كما لو عدم في السفر، ذكره في «الأسرار».
الجزء 1 · صفحة 71
مستوعبا) وجهه ويديه مع مرفقيه، بضربتين، ولو جنبًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مستوعبا وجهه ويديه مع مرفقيه بضربتين، فالتَّيَمُّمُ ضربتان، يَمْسَحُ بضربة وجهه، وبضربة يديه إلى مرفقيه؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: التَّيَمُّمُ ضَربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين).
فهو حجة على ابن سيرين بأنه ثَلاثُ ضَرَباتٍ.
وعلى الأوزاعي والشافعي رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى بأنه إلى الرُّسْغَين.
وعلى الزهري بأنه إلى الآباط.
وعلى مالك بأنه إلى نصف الذراع.
والاستيعاب شرط فيه كالوضوء، حتى لو لم ينزع الخاتم ولم يُخلل الأصابع: لم يجز.
ويَنفُضُ يديه مرة، وعن أبي يوسفَ رَحِمَهُ اللهُ: مَرتَين، ولا خلاف في الحقيقة؛ لأنه إن تناثر ما التصق بكفيه من التراب بنفضةٍ يُكتفى بها، وإلا نفض نَفْضَتين؛ لأن الواجب المسح بكف موضوع على الأرض، لا استعمال التراب؛ لأن استعماله مثلة.
وينبغي أن يَضَعَ بطن كفه اليُسرى على ظهر كفه اليمنى، ويمسح بثلاثة أصابع أصغرها - ظاهر يده اليمنى إلى المرفق، ثم يمسح باطنه بالإبهام والمسبحة إلى رؤوس الأصابع، ثم يفعل باليد اليسرى كذلك.
وعن أبي حنيفة رحمه الله: أن الاستيعاب ليس بشرط، حتى لو مسح أكثر الذراعين والكف: جاز.
ولو جنبا، أي الجُنُبُ والحائِضُ والنفساء والمُحدِثُ فِي التَّيمم: سواء؛ لقوله تعالى: أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ النِّسَاء: 4، فقد ذكر نوعي الحدث عند وجود الماء، ثم ذكر نوعي الحدث عند عدمه، وأمر بالتيمم لهما بصفة واحدة.
الجزء 1 · صفحة 72
بطاهر من جنس (س) الأرض، وإن لم يلتصق بيديه، وبالغبار مع قدرته على الصعيد.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بطاهر من جنس الأرض، كالتراب، والرمل، والحجر، والنُّورة، والكحل، والزرنيخ، والآجر، ولو غير مدقوق.
لا بما ينطبع ويلين، أو يحترق، كالنقدين، والحديد، والرصاص، والزجاج، ونحو الحنطة والملح والرماد.
وقال أبو يوسف آخرًا والشافعي رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لا يجوز بغير التراب؛ لقوله تعالى: صعِيدًا طَيِّبًا [النساء: 43]،)، أي ترابًا منبتا، قاله ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما،، وقال تعالى وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} [الْأَعْرَافِ: 58].
فتبين أن الطَّيِّبَ متى جُعِل وصفًا للأرض كان عبارة عن الإنبات؛ لأنها خُلقت لذلك، فكان طيبها في إنباتها؛ لأن طيبة كل شيء ما يليق به.
وفيه إظهار كرامة الإنسان؛ فإنه مخلوق من تراب وماء، فخُصا بكونهما مُطهرين.
وكان أبو يوسفَ رَحِمَهُ اللهُ يَقولُ أولا: لا يجوز إلا بالتراب والرمل؛ لما روي أن قومًا سَأَلُوا رَسُولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقَالُوا: إِنَّا نَسكُنُ هذه الرمال، ولا نَجِدُ الماء شهرا، وفينا الجنب والحائِضُ والنفساء، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عليكم بأرضكم».
ولنا: أن الصعيد وجه الأرض ترابًا أو غيره، قال الزجاج: لا أعلَمُ اختلافا بين أهل اللغة فيه، وقال تعالى: {صَعِيدًا زَلَقً الكهف: 4، أي حَجَرًا أَمْلَسَ؛ لأن التُّرابَ لا يَكُونُ زَلَقًا.
والطيب: اسم للمُنبَتِ، والحلال، والطاهر، وأليق المعاني هنا الطاهر؛ لأنه شرع للتطهير، قال الله تعالى: {وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المَاشِدَة: 1].
أو هو مراد؛ إذ الطهارة شرط إجماعًا، فلم يبق غيره مرادًا؛ لأن الاسم متى احتمل معاني مختلفة وتعيَّن واحِدٌ: بَطَل الباقي أن يكون مُرادًا؛ إذ الْمُشْتَرَك لا عُموم له.
ولا يجوز تقييد إطلاق الآية بخبر الواحد؛ لأنه نسخ، فكيف بالأثر! بل نحاجه بالظاهر، ونَدَعُ) قوله به.
وإن لم يلتصق بيديه شيء، أي لا يُشترط استعمال جزء من الصعيد، حتى لو وضع يده على صخرة لا غبار عليها جاز، خلافا لمحمد رحمهُ اللَّهُ، لقوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صعِيدًا طيبا لنساء: 13] بلا فصل بين ما عليه غبار أو ليس عليه غبار.
وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا غبار عليه.
قُلتُ: لابتداء الغاية هنا.
وبالغبار مع قدرته على الصعيد، أي إن نقض ثوبه أو لِبْدَه، وَتَيَمَّم بغُبَارٍ وَقَع على يديه جاز، وإن قدر على الصعيد.
وعند أبي يوسف رحمه الله: يجوز عند العجز لا عند القدرة)؛ لأن الغبار ليس بتراب خالص، ولكنه تراب من وجه، فجاز عند العجز لا القدرة، كالإيماء.
وقالا: هو تُراب رقيق، فكما جاز بالخَشِن منه بكل حال. فكذا بالرقيق منه.
الجزء 1 · صفحة 73
ناويا استباحة الصلاة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ناويا استباحة الصلاة.
النية شرط، وهي: أن يَنوِي الطَّهارة لقربة لا تأدّى بلا طهارة، أو استباحة الصلاة.
ولا يُشترط نية التيمم للحدث أو للجنابة، وقيل: لا بد من التمييز، فينوي رفع الحدث أو الجنابة، كالصلاة شرط لها التعيين.
لنا: أنها شرطت لتصير طهارة، وقد حصلت، ولهذا لو تيمم للفرض جاز النفل به.
وقال زفرُ رَحِمَهُ اللهُ: النية ليست بشرط فيه، كالوضوء؛ لأنه خلفه، فلا يُخالفه.
ولنا: أن التراب مُلوّث بذاته، وإنما صار مُطهّرًا إذا نوى قربة مخصوصة، والماء خلق مطهرا، فإذا استعمله في المحل النَّجِسِ طَهَّره، وإن كان نَجِسًا حُكمًا.
والخَلَفُ قد يُفارِقُ الأصل لاختلاف حالهما؛ ألا ترى أن الوضوء يحصل بأربعة أعضاء، بخلاف التَّيمم، وسُنَّ التكرار في الأصل دون الخلف!
الجزء 1 · صفحة 74
تيمم كافر للإسلام: لم يصح، بخلاف وضوئه لا للإسلام.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تيمم كافر للإسلام: لم يصح، خلافًا لأبي يوسفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى؛ لأنه نَوى قُربةٌ مقصودة تصح منه، فيصح؛ إذ الإسلام رأسُ القُرَبِ، واعتبار سائر القُرب به، بخلاف تيممه للصلاة؛ لأنها لا تصح منه، وبخلاف التَّيمم من الْمُسلِم لدخول الْمَسْجِدِ، ومس المصحف، وقراءة القرآن؛ فإنه لم تجز الصَّلاة به عند العامة؛ لأنها ليست بقربة مقصودة.
ولهما: أن التراب إنما شرع مُطهَّرًا عند إرادة قربة مقصودة لا تصح بلا طهارة، والإسلام يصح بدونها، فصار كمُسلِم تيمم بنية الزكاة والصوم، بخلاف التَّيمم لسجدة التلاوة وصلاة الجنازة؛ لأنهما لا تصحان بلا طهارة.
بخلاف وضوئه لا للإسلام، أي توضأ كافر لم يرد به الإسلام، فأسلم: فهو متوضى، خلافًا للشافعي رحمه الله؛ لأن النية شرط الوضوء عنده.
الجزء 1 · صفحة 75
ولا يَنقُضُه رِدَة، بل ناقض الوضوء، وقُدرة ماء، لا نبيذ تمر، ولو في صلاة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولا تَنقُضُه الردة، خلافًا لزفرَ رَحمَهُ اللهُ تَعَالَى؛ لأنه عبادة، فيُنافيه الكفر، ويبطل به، كالصوم والصلاة، فإن من صلى ثم ارتد بطلت صلاته، حتى لو أسلم في الوقت يُعيدها.
وهذا لأن ما يرجع إلى الأهلية أو المحلية فالابتداء والبقاء فيه سواء، كالْمَحْرَمية في النكاح، فإنَّ امرأةً لو طاوعت ابن زوجها يبطل النكاح، ولو طاوعته قبله لا يَحِلُّ للأب تزوجها.
فإن قيل: الفعل إنما يصير عبادة بالنية، وهي ليست بشرط عنده.
قلنا: الكَلامُ فِي الْمَنْوِي؛ إذ في غيره لا خلاف.
ولنا: أن التيمم صح وأفاد حكمه، وهو الطهارة، والحال حال بقاء الطهارة، والكفر اعترض على صفة الطهارة للمتيمم، فلا يُبطله، كما لو ارتد بعد الوضوء فإنه يبقى طاهرا.
وهذا الوصف حال عدم الماء للمتيمم. مثله إذا حصل بالوضوء، بخلاف الصومِ والصلاة؛ لأن حكمهما بعد الفراغ عنهما الثواب، والكُفرُ يُنافيه، والسَّبَبُ لا يبقى بدون الحكم.
فأما التيمم: فله حكمان: الثواب والطهارة عن الحدث، والثَّوابُ إِن بَطَل بالردة فالطهارة عن الحدث لم تبطل؛ لأن الكفرَ لا يُنافيها، فبقي التَّيَمُّمُ؛ إذ السَّبَبُ يبقى ببقاء أحد الحكمين؛ ألا ترى أنه لو توضأ بنية الصَّلاةِ ثم ارتدَّ: يَبطُلُ الثَّوابُ، وتبقى الطهارة، كذا هنا.
وإنما لا يصح ابتداء التيمم من الكافر: لأنه جُعِل) طهورًا بشرط إرادة عبادة لا صحة لها إلا بالطهارة، وإرادة العِبادة من الكافر لا تصح، وفي حالة البقاء لا حاجة إلى الإرادة.
بل ناقض الوضوء؛ لأنه خَلَفُه، فيكون أضعف منه، فما يَنقُضُ الأقوى يَنقُضُ الأدنى بالطريق الأولى.
وقدرة ماء)؛ لأن القدرة هي المُراد بالوجود الذي هو غاية طهورية التراب في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «التَّرابُ طَهُورُ الْمُسلِمِ ولو إلى عَشْرِ حِجَجٍ ما لم يجد الماء، والطهورية صفة ترجع إلى المحل، فالابتداء والبقاء فيه سواء.
وخائِفُ السَّبْعِ والعَدُو والعطش: عاجز حكمًا.
والنائم قادر تقديرًا عند أبي حنيفة رحمه الله، حتى لو مر نائِمٌ على ماء بَطَلَ تَيَمُّمُه عنده؛ لأنه عجز عن استعمال الماء بعذر من العباد، فلا يُعتبر، فصار كاليقظان، ولأن النوم باطن لا يُوقَفُ عليه، فيتعلَّق الحُكمُ بالسَّبَب الظاهر، وهو المرور على الماء.
وقيل: لا ينتقض اتفاقا؛ لأنه لو تيمم وبقربه ماء لا يَعلَمُ به: جاز تَيَمُّمُه اتفاقا.
والْمُراد ماء " يكفي للوضوء؛ لأنه وإن كان نكرة في موضع النفي - وهو عام -. إلا أنه لم يُمكن إجراؤه على العموم؛ إذ وُجود ماء نجس أو مُحتاج إليه لعطشه: غير مراد، فيُراد به أخَصُّ الخصوص، وهذا الماء مراد إجماعا، فسقط غيره.
والبقاء معتبر بالابتداء.
أو نبيذ تمر، ولو في صلاة؛ لأنه كالماء عنده حال عدم الماء، فيقطع صلاته، كما لو رأى الماء في أثناء صلاته، وعند أبي يوسفَ رَحِمَهُ اللهُ: يُتِمُّ صَلاته ولا يُعيدُ؛ لأنه ليس بمطهر عنده، وعند محمدٍ رَحِمَهُ اللهُ يُتِمُّ ويُعيد؛ لأنه كسور الحمار عنده.
وقدرة الماء ليست بناقضة؛ لأنها ليست بخارج نجس، وإنما الناقص الحدث السابق، ولكن عَمَلُه يَظْهَرُ عندها، فأُضيف إليها مجازا.
وعند الشافعي رحمهُ اللهُ: إِذا وَجَد الماء في خلال صلاته يمضي فيها؛ لأن حرمة الصَّلاةِ تمنعه من استعمال الماء، فلم يكن واجدًا حكمًا، كما لو كان بينه وبين الماء مانع، أو كان على رأس البئر وليس معه آلة الاستقاء.
ولنا: أن طهارة التيمم انتهت بوجود الماء، فلو أتم صلاته لأتمها بلا طهارة، وذا لا يجوز، وحرمة الصَّلاةِ إنما تمنعه من استعمال الماء إن لو بقيت، ولم تبق هنا؛ لأن الحديث أنهى طهوريته إلى غاية وجود الماء.
الجزء 1 · صفحة 76
ندب تأخيرُ الصَّلاةِ لراجي الماء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ندب تأخير الصلاة لراجي الماء إلى آخر الوقت، فلعله يَجِدُ الماء فيُؤدِّيها بأكمل الطهارتين، كطامع الجماعة، وإن لم يَرجُ: تيمم في الوقت المُستحب؛ لأنه لا يُفيدُ التأخير.
وعند مالِكِ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَتِيمَّمُ في وَسَط الوقت؛ لأنه خَيْرُ الأمور.
الجزء 1 · صفحة 77
وصح الفَرْضَين، وقبل الوقت، ولخوف فوت صلاة جنازة لم يكن وليها)، أو صلاة عيد ابتداء وبناء، لا لفوت الجمعة والوقت.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وصح لفرضين، وقبل الوقت، خلافًا للشافعي رَحِمَهُ اللَّهُ؛ لأن التيمم عنده بدَلُ الوضوء لإباحة الصلاة مع قيام الحدث؛ لأنه مُلوّث في نفسه لا مطهر ورافع، حتى لو رأى الماء عاد حكم الحدث الأوَّلِ، فصار كطهارة المستحاضة.
وعندنا: الصعيد بدل عن الماء لرفع الحدث؛ لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صعِيدً [النساء: 13]، أي فاقصدوا الصعيد عند عدم الماء، فثبت أن البدلية بين الصعيد والماء، فاحتيج إلى أن يُعرَفَ حُكمُ الماء ليثبت للصعيد الذي هو بدل؛ إذ البدل له حكمُ الْمُبْدَلِ عند عدمه، كالصوم له حكم الإعتاق في الكفارة، والشهر له حكم القرء في العدة.
ولولاه لما صح بدلًا، وحُكمُ الماء أنه طهور، أي مفيد للطهارة عن الحدث إذا استعمله مطلقا لا ضرورة، فكذا الصعيد الذي هو بدل عنه له هذا الحكم؛ ليستقيم بدلا.
وللمتوضئ أن يُصلي بوضوء واحِدٍ ما شاء، فكذا للمتيمم أن يُصلِّي بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل.
ولخوف قوتِ صَلاة جنازة لم يكن وليها، أو صلاة عيد ابتداء وبناء، لا لفوت الجمعة والوقت.
الأصل: أن كل ما يفوتُ لا إلى بدل يُؤدّى بالتيمم مع وجود الماء، وكل ما يفوتُ إلى بدل لا، وصلاة الجنازة والعيد تفوتان لا إلى بدل؛ لأنهما لا تقضيان، فتحقق العجز.
وقال الشافعي رحمه الله: لا يُتيمم لهما؛ لأنهما يُقضيان عنده، فلا يتحقق العجز.
والوَلِيُّ لا يَتِيمَّمُ لصلاة الجنازة؛ لأنه لا يخافُ الفوت؛ إذ ليس لغيره حق الصَّلاةِ على الجنازة، ولو صلّى غيره له حق الإعادة.
ولو شرع في صلاة العيد ثم أحدث: لم يتيمم عند أبي يوسف ومحمدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لأن المُبيحَ خَشِيةُ الفَوتِ، واللاحق آمِنٌ؛ فإنه يتوضَّأُ ويُتِمُّ صَلاته بعد فراغ الإمام.
وعنده: يتيمم؛ إذ البقاء أسهل من الابتداء، فلما جاز افتتاح العيد بالتيمم فلان يجوز البناء به أولى، ولأن خوف الفوت قائم؛ إذ اليوم يومُ زَحْمةٍ، فلم يُؤْمَن لو رَجَع إلى الماء أن يعتريه ما يُفْسِدُ صَلاته، أو لا يصل إلى الماء حتى تزولَ الشَّمسُ، فتفوته بمضي الوقت.
ولا خلاف أنه إذا شرع بالتيمم يتيمم ويبني؛ لأنا لو أوجبنا الوضوء لفسدت صلاته برؤية الماء، فلا يُمكنه الإدراك.
وكذا لو شرع بالوضوء ويَخافُ زَوالَ الشَّمس لو اشتغل بالوضوء. فإنه يتيمم اتفاقا، وإن لم يخف ويرجو إدراك الإمام) قبل الفراغ: لم يتيمم إجماعا، وإن لم يرجُ: فهو موضع الخلاف.
وقيل: هذا الجواب في جبانة الكوفة، فإن الماء بعيد، وفي ديارنا الماء محيط بالْمُصلّى، فلا يتيمم للابتداء والبناء؛ لأنه لا يخافُ الفوت.
ولا يتيمم للجمعة وإن خاف الفوت؛ لأنها تفوتُ إلى الظهر الذي هو فرض الوقت.
وأطلق لفظ الخلف على الظهر هنا في «الهداية» مع أنه ليس بخَلَفٍ؛ لأن أربع رَكَعَاتٍ لا تكونُ خَلَفًا عن ركعتين: لما أنه خَلَفٌ عن البعض، أو: لأنه يتصور بصورة الخلف.
وكذا إن خاف فوت الوقت لو توضأ: لا يتيمم؛ لأنه يفوتُ إلى خَلَفٍ، وهو القضاء.
الجزء 1 · صفحة 78
نسي الماء في رحله، وصلى بالتيمم: لم يُعد.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
نسي الماء في رحله، وصلّى بالتيمم فذكره لم يُعد، وقال أبو يوسف: يُعيد.
والخلاف فيما إذا وضعه بنفسه أو وضعه غيره بأمره، ولو وضعه غيره وهو لا يَعلَمُ به جاز التيمم اتفاقا، وقيل: الخلاف في الكل.
وذكره في الوقت وبعده سواء.
له: أنه واجد للماء؛ لأنه في رحله، وهو في يده وملكه، فلو ثبت العدم لثبت بالنسيان وهو يُضادُّ الذكر لا الوجود، ولأنه نسي ما لا يُنسى عادة؛ إذ الماء أهم الأشياء للمسافر، فأُنزل عالما.
كما لو كان الماء على ظهره أو مُعلَّقا في عنقه.
ولأنه تيمم) قبل طلب الماء في معدنه، فلم يجز، كما لو تيمم في عُمران قبل طَلَبِ الماء؛ لأن رَحْلَ الْمُسافِرِ لا يخلو عن الماء غالبا، كالعمران.
ولهما: أنه لا تكليف بلا قدرة بالنص، ولا قدرة بلا علم، ولا علم مع النسيان، والوُجُودُ الْمَذكورُ في النَّص القدرة؛ إذ لو وجد الماء وليس معه دلو جاز التيمم، وإذا لم يقدر لم يُخاطب باستعماله، وإذا لم يُخاطب صار وجوده كعدمه، كالمريض، بل هو أعجز منه؛ فإن المريض لو تكلف يُمكنه استعمال الماء، بخلاف الناسي.
وماء الرحل لا مادة له، فلا يَفضُلُ عن الحاجة، فوَقَع التَّعارُضُ، فَسَقَط فرض الطلب.
بخلاف العمران، والنسيان لا يُضادُّ الوجود، لكن يُضادُّ العِلم، وبدونه لا يقدِرُ.
ولو كان الماء مُعلَّقًا في عُنُقه: فممنوع، ولئن سُلّم فلأنه نسي ما لا يُنسى عادة.
ولو صلّى عاريا وفي رحله ثوب لا يعلم به. قيل: هو على هذا الخلاف، ولئن كان مُتَّفَقًا: ففرضُ السَّترِ يفوتُ لا إلى خَلَفٍ، والوُضُوءُ إِلى خَلَفٍ.
ولو كفر بالصوم ونَسِي رَقَبَةٌ في ملكه. فممنوع، ولئن سلّم فتفسير الوجود في الكفارة الملك، حتى لو عُرض عليه رَقَبَةٌ: له أن لا يقبل فيُكفر بالصوم، وبالنسيان لم يفت ملكه.
وتفسير الوجود هنا القدرة، حتى لو عُرض عليه الماء لم يجز التيمم، وبالنسيان زالت القدرة، فجاز التيمم.
ولا يلزم ما لو كان عالما بالماء فظَنَّ أنه نفد؛ لأن القدرة على الاستعمال ثابتة؛ لعلمه به، فلا يفوت بظنه، وعليه التفتيش، فإذا لم يفعل لم يجز التَّيمم، بخلاف ما نحن فيه.
ولا يلزم من نسي الحدث فصلى بلا طهارة؛ لأنا جَعَلنا نسيان الماء سببا لعجزه عن استعماله، والعجز يجعل التراب طهورًا، وبحال من الأحوال لم تجز صلاة بلا طهارة.
الجزء 1 · صفحة 79
يطلب الماء غَلُوةٌ إِن ظَنَّ قُربَه، وإلا لا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يطلب الماء غَلُوةٌ إِن ظَنَّ قُربه، وإلا لا.
مُسافِرٌ غَلب على ظنه أن بقربه ماءً: وَجَب الطَّلَبُ بِقَدْر غَلوة، أي ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة، ولا يَبْلُغُ ميلًا؛ لأن فيه إضرارًا به وبرفقته.
ولا يَجِبُ الطَّلَبُ بِغَير غَلَبَةِ ظَنَّ أو إخبار.
وقال الشافعي رَحمَهُ اللهُ: يَجِبُ الطَّلَبُ في كل الأحوال؛ لأن تَوهُم الوُجودِ بالطلب ثابتٌ، فَوَجَبِ الطَّلَبُ لِيَنتَفِي الوَهْمُ.
ولنا: أن العدمَ ثابت حقيقةً وظاهرا؛ لقوات الدليل الدال على الوجود من حيث الظاهر؛ إذ الظاهر في المفاوز عدم الماء، بخلاف العُمرانات؛ فإنه لو تيمم قبل الطَّلَبِ فيها لم يجز؛ لأن العدم وإن كان ثابتا حقيقة. لكنه لم يثبت ظاهِرًا؛ لقيام الدليل عليه، وهو العمارة؛ إذ قيامها بالماء.
وكذا لو غلب على ظنه، أو أخبره مُخبر؛ لأن غالِبَ الرَّأْيِ كَالْمُتحقق في حق وُجوبِ العمل، ولهذا وجب العمل بأخبار الآحاد، والأقيسة، والآي الْمُؤوَّلة والمخصوصة، والبينات.
فإن قيل: لو كان غالِبُ الرَّأي كالمُتحقق هنا لوجب التأخير فيما إذا غلب على ظنه أنه يَجِدُ الماء في آخر الوقت.
قلنا: عن أبي حنيفة وأبي يوسفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: أَن التَّأخِيرَ حَتْمٌ، ولأن غَلَبَةَ ظَنَّهُ ثُمَّ أنه سيصير بقرب الماء، وهنا غَلَبَةُ ظنه أنه بقرب الماء.
الجزء 1 · صفحة 80
مع رفيقه ماء، وظَنَّ أنه يُعطيه: لم يتيمم)، وإلا تيمم، فإِن شَلَّ، وتيمم وصلَّى فسأله، فأعطاه: يُعيد، وإن مَنَعه قبل شروعه، وأعطاه بعد فراغه: لا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مع رفيقه ماء، وظَنَّ أنه إن سأله يُعطيه): لم يَجُز التيم، وإن كان عنده أنه لا يُعطيه: تيمم.
فإن شَكٍّ في الإعطاء وتيمم وصلّى، فسأله فأعطاه: يُعيد؛ لأنه ظهر أنه كان قادرا.
وإن منعه قبل شروعه، وأعطاه بعد فراغه: لم يُعِ؛ لأنه لم يتبين أن القدرة كانت ثابتة.
وإن أبى أن يُعطيه إلا بثمن المثل. إن لم يكن معه ثَمَنُه: تيمم؛ للعجز، وإن كان: لم يتيمم؛ لأن القدرة على بَدَل الماء كالقدرة على عينه، كما أن القدرة على ثَمَن الرقبة كالقدرة على عينها في المنع من التكفير.
وإن لم يبع إلا بغبن فاحش، أي بضعف قيمته: تَيَمَّم؛ لأن تَحمُّلَ الضَّرَرِ غَيْرُ واجب، كقطع موضع النَّجاسة حال عدم الماء.
الجزء 1 · صفحة 81
القدرة على الماء الفاضل عن حاجته تَمْنَعُ التَّيمم وتَرفَعُه.
وأغلَظُ الحَدَثين أهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
القدرة على الماء الفاضل عن حاجته الأصلية تَمْنَعُ التَّيَمُّمَ وَتَرفَعُه.
وأغلَظُ الحَدَثين أهم.
الجزء 1 · صفحة 82
جنب اغتسل، وبقي لمعة، وفَنِي ماؤُه: تيمم، فإن أحدث تيمم للحدث.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
جنب اغتسل وبقي لمعة، وفني ماؤه: تيمم؛ لبقاء الجنابة؛ لأنها لا تتجزأُ زَوالا وثبوتا.
فإن تيمم ثم أحدث: تيمم للحدث؛ لأن تيممه للجنابة متقدم على الحدث، فلم يَجُز عن الحَدَث المُتأخر، كما لو اغتسل عن الجنابة ثم أحدث. عليه أن يتوضأ، ولم يجز الاغتسال عن الحَدَث الْمُتأخر.
الجزء 1 · صفحة 83
فإن وَجَد ماءً كَفاهما: صَرفه إليهما، وإن كَفى مُعيَّنا صَرفه إليه، وإن كَفى غيرَ عَينٍ صرفه إلى اللمعة، وأعاد تيممه للحدث.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فإن تيمم فوجد ماء يكفيهما: صرفه إليهما؛ لانتقاض تيممه للجنابة والحدث؛ لقدرته على الأصل فيهما.
وإن كَفَى مُعيَّنا: صَرَفه إليه، والتيمم للآخر باق.
وإن كفى واحِدًا غيرَ عَينٍ مُعيَّنٍ: صَرَفه إلى اللمعة؛ لأنه أهم، وأعاد تيممه للحدث عند محمد رحمه الله؛ لقدرته على الماء، ووجوب صرفه إلى الجنابة لا يُنافي قدرته على صرفه إلى الحدث.
الجزء 1 · صفحة 84
ولو صرفه إلى الوضوء جاز، وتيمم لجنابته.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولهذا لو صرفه إلى الوضوء: جاز، وتيمم لجنابته اتفاقا، وعند أبي يوسفَ رَحِمَهُ اللهُ: لا يُعيد؛ لأنه مُستحَقُّ الصَّرفِ إلى اللمعة، والمُستحَقُّ بجهة كالمعدوم.
فإن لم يكن تيمم للحدث قبل وُجود هذا الماء، فتيمم قبل غسل اللمعة للحدث: لم يجز عند محمد رحمه الله، وعند أبي يوسف رحمه الله: يجوز، والأَوَّلُ أصح.
الجزء 1 · صفحة 85
وإن لم يكفِ وَاحِدًا: بَقِي تَيَمُّمُهما.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وإن لم يكفِ وَاحِدًا بَقِي تَيَمُّمُهما.