الجزء 1 · صفحة 7
المستصفى في شرح النافع
للإمام أبي البركات حافظ الدين عبدالله بن احمد بن محمود النسفي الحنفى
توفي سنة (710هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
كتاب الطهارة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الطهارة
اعلم أن مدار أمور الدين متعلق بالاعتقادات والعبادات، والمعاملات، والمزاجر، والآداب.
والاعتقادات خمسة أنواع: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر.
والعبادات خمسة: الصلاة والزكاة والصوم والحج، والجهاد. والمعاملات خمسة: المعاوضات المالية، والمناكحات والمخاصمات والأمانات، والشركات.
والْمَزَاجِرُ خمسة: مزجرة قتل النفس كالقصاص، ومزجرة أخذ المال، ومزجرة هتك الستر ومزجرة ثَلْب العرض، ومزجرة خلع البيضة.
والآداب أربعة الأخلاق والشَّيمُ الحسنة، والسياسات والمعاشرات.
فالعبادات، والمعاملات والمزاجر من قبيل ما نحن بصدده دون القسمين
الجزء 1 · صفحة 9
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الآخرين. وقدم في سائر كتب الفقه العبادات على المعاملات، والمزاجر لكونها أهم
من غيرها، ثم الصلاة قُدِّمَتْ على غيرها لأنها تالية الإيمان، وثانيته بالنص والخبر.
[أما النص فقوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلوة} [البقرة:] وأما الخبر فما روي عن النبي الله أنه قال: «بني الإسلام عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ»] ثم قدمت الطهارة هنا على الصلاة، لأنها شرطها والشرط مُقَدَّم على المشروط طبعاً وكل ترتيب أوجب طبعاً فيوجب وضعاً وخصها بالبداية دون سائر الشروط لأنها أهم من غيرها لأنها لا تسقط بعذر من الأعذار بخلاف سائر الشروط وقد استقصى الله تعالى في بيان هذا الشرط ما لم يستقص في بيان غيرها من الشرائط.
وقال: كتاب الطهارات ولم يقل: كتاب الطهارة كما قال: كتاب الصلاة وكتاب الزكاة وكتاب الصوم وهَلُمَّ جرًّا لتعدد الطهارة واختلافها من طهارة الصغرى والكبرى والحدث والخبث والجنب والثوب والبدن والطهارة بالماء والتراب.
الجزء 1 · صفحة 10
قال الله تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَأَغْسِلُوا وجوهكم}. [المائدة:]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أما الصلاة فليست بمختلفة لذاتها وصلاة الجنازة ليست بصلاة حتى لو حلف لا يصلي فصلى صلاة الجنازة لا يحنث لما عرف في الجامع أن الصلاة عبارة عن القيام والقراءة والركوع والسجود. أما مواضع الضرورة فمستثناة عن قواعد الشرع.
والطهارة في اللغة النظافة، وفي الشرع: عبارة عن غسل أعضاء مخصوصة بصفة مخصوصة. فإن كان أهل اللغة يعرفونها فالاسم لغوي فإن كانوا لا يعرفونها فالاسم شرعي فيه معنى اللغة.
فإن قيل: المصدر لا يُنَنيَّ ولا يُجْمَعُ.
قيل: جمعها باعتبار الحاصل بالمصدر، وذلك سائغ كما يُجْمَعُ العلم والبيع.
قال الله تعالى: {يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلوة [المائدة:] الآية.
اعلم أن المصنف الله عنه، ابتدأ بآية من كتاب الله تعالى تبرُّكاً به وإن كان من حق الدليل أن يكون مُؤَخَّراً عن المدلول في الإيراد ولأن الأحكام إنما تُؤَخرُ من الأصول وكانت الأحكام فرعاً لها وكل ترتيب أوجب طبعاً فَيُوجَبُ وضعاً.
والأصول ثلاثة: الكتاب وتتبعه شريعة مَنْ قبلنا والسنة وتتبعها الآثار، والإجماع ويتبعه ما تعامل الناس، والقياس أصل رابع ويتبعه التحري، واستصحاب الحال كذا ذكره الإمام بدر الدين الكردري رحمه الله.
الجزء 1 · صفحة 11
.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ثم شرع في الآية ففيها مباحث.
قال الأستاذ الكبير والعلامة: «يا» حرف نداء و «أيُّ» منادى مفرد و «ها» مُقْحَمَةٌ للتنبيه. وقوله: الذين آمنوا صفةٌ وتفسير لـ «أيّ» لأنها مُبْهَمَةٌ ثم كلمة «أي» وإن كانت نكرة يراد بها جزء ما يضاف إليه لكنها وُصِفَتْ بصفة عامة فيتعمم كسائر النكرات في موضع الإثبات وقد عرف في موضعه، «إذا» اسم للوقت وهو ملازم للظرفية بخلاف الوقت وفيها معنى الشرط، ولهذا دخل الفاء في جوابه. وقمتم معناه أردتم القيام لأن إرادة الشيء سبب له وطريق إليه كما في قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [النحل:] كما قال محمد رحمه الله في الجامع: «إذا صلى الرجلُ» أي أراد الصلاة. وكقول الناس: إذا دخلت على الأمير فَتَزَيَّن». ثم قوله: «قمتم» مخاطبة. وقوله: «آمنوا» مغايبة وهذه الصيغ تُسمى التفاتا في علمي المعاني والبيان وقد يكون من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة، وقد جمع امرء القيس ثلاث التفاتات في ثلاثة أبيات.
تطاول ليلك بالإثمد .......... ونام الْخَلِيُّ ولم تَرْقَدِ
وبات وباتت له ليلة ...... كليلة ذي العائر الأرمَدِ
وذلك من نباء جائني .... وَخُبَرْتُهُ عن أبي الأسود
الجزء 1 · صفحة 12
.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ثم يختص مواقعة بفوائد. ومما اختص به هذا الموضع أنه لو قال: آمنتم يختص بالذين كانوا حاضرين من مؤمنين في عصر النبي ا ا فذكر بلفظ المغايبة ليدخل تحته كل من آمن إلى قيام الساعة. هكذا قاله الشيخ الإمام شمس الدين الكردري رحمه الله وقال أيضا ذكر في باب الوضوء إذا قمتم وفي باب الجنابة وإن كنتم جنباً» لأن إذا يدخل على أمر كائن أو منتظر لا محالة وأن يدخل على معدوم على خطر الوجود.
والقيام إلى الصلاة من الأمور اللازمة بالنظر إلى إسلامه، أما الجنابة من الأمور العارضة وبظاهر الآية استدل أصحاب الظواهر، وقالوا سبب وجوب الطهارة القيام إلى الصلاة
وهذا فاسد، لأن النبي صلى خمس صلوات بوضوء واحد فقال له
الجزء 1 · صفحة 13
..
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عمر رضي الله عنه رأيتك اليوم تفعل شيئاً لم تكن تَفْعَلُهُ» فقال «عمداً فعلت كيلا تحرَّجوا» وقال: أهل الطرد سببه الحدث لدورانه معه وجوداً وعدماً وهذا فاسد لأن السبب ما يكون مفضياً إلى الشيء، والحدث رافع لها فكيف يكون الحدث سبباً لها؟
وعندنا سبب وجوب الطهارة الصلاة والحدث شرطه لأنها تنسب إليها وتقوم بها وهي شرطها فتعلّق بها حتى لم يجب قصداً لكن عند إرادة الصلاة. والحدث شرطه بمنزلة سائر الشروط للصلاة. وأما الجواب عن تعلق أصحاب الظواهر بالآية فمذكور في أصول الفقه لفخر الإسلام البزدوي رحمه الله في أوائل القياس. فليطلب ثمه.
ثم ذكر «الْمَرَافِق» بلفظ الجمع، والكعبين بلفظ التثنية لأن مقابلة الجمع بالجمع يقتضي انقسام الآحاد على الآحاد، ولكل يد مِرْفَقٌ فصحت المقابلة.
ولو قيل إلى الكعاب لكان الواجب غسل كل رِجْلٍ إلى كعب واحد فذكر بلفظ التثنية ليتناول الكعبين من كل رجلٍ.
فإن قيل: ما ذكرتم من المقابلة موجود في قوله: وأيديكم وأرجلكم فكان ينبغي
الجزء 1 · صفحة 14
الآية.
ففرض الطهارة: غسل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أن يغسل يد واحدة ورجل واحدة.
قال الأستاذ رحمه الله: يحتمل أن يكون الجمع مقابلاً بالفرد كما هو مذهب البعض ويحتمل أن يكون مقابلاً بالجمع كما هو مذهبنا فاحتطنا، وقلنا: بوجوب غسل كل يد ورجل أو نقول الأصل ما ذكرنا ويجوز أن يُتْرَكَ الأصلُ كما في قوله تعالى: {حَفِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} [البقرة:] بدليل خارجي وقد دَلَّ الدليل هنا وهو فعل النبي الله و إجماع المسلمين. وتخلف الحكم عن الأصل في صورة لدليل لا يمنع التمسك به في صورة فقد ذلك الدليل.
قوله: «الآية».
بالرفع والنصب الرفع على معنى الآية بتمامها أي مقروءة، والنصب على معنى أتمم.
قوله: ففرض الطهارة».
الفاء» للتفسير، والفرض بمعنى المفروض، والطهارة فيها الفروض والسنن وغيرهما فأضاف لذلك.
والفرض في اللغة: عبارة عن التقدير والقطع. قال الله تعالى: {سُورَةُ أَنزَلْنَهَا وَفَرَضْنَهَا} [النور:] أي قدرناها وقطعنا الأحكام فيها قطعاً.
وفي الشرع: عبارة عن حُكْمِ مقدر لا يحتمل زيادة ولا نقصاناً ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه وقد بَيَّنا تفسير الطهارة.
الجزء 1 · صفحة 15
.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والغسل: هو الإسالة والمسح هو الإصابة. قال الشاعر:
فيا حُسنَها إِذ يَغسِلُ الدمعُ كحلَها ......... وإذ هيَ تُدْرِي دمعها بالأَنَامِلُ
ثُمَّ قَيَّد الأعضاء بكونها ثلاثة أكثر من ثلاثة فإن اليد تشتمل على أعضاء وهي كثيرة غير أن الأصل في الأشياء وإن كانت كثيرة إذا دخلت تحت خطاب واحد تجعل كشيء واحد كما قال الله تعالى: {يَتَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة:] ومعلوم أن الرسول بَلَّغَ البعض قبل ورود الآية وقد خاطبه بقوله فما بلَّغْتَ رسالته وما طريقه إلا أن الكل دخل تحت خطاب واحد فصار كشيء واحد، فإذا دخل النقصُ في بعضه فكأنه لم يفعل ذلك الأمر أصلاً هكذا أفاد الأستاذ ناقلا عن شيخه رضي الله عنه وعلى هذا الأصل قال محمد رحمه الله في الزيادات: «إن الجمع بين غسل القدم والمسح على الخف لا يجوز لأن الرجلين في حكم وجوب الغسل كعضو واحدٍ لأن الله تعالى جَمَعَهُمَا في الأمر بالغسل ولذلك يجوز نقل البلة من عضو إلى عضو في الجنابة لأن مجموع البدن في حكم شيء واحد لدخوله تحت خطاب واحد وهو قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَ طَهَرُوا} [المائدة:].
فإن قيل: ينبغي أن يجوز نقل البلة من اليد إلى اليد ومن الرجل إلى الرجل في الوضوء.
قال الأستاذ رحمه الله: اليدان والرّجلان شيئان حقيقة وشيء واحد حكماً فعملنا بالشبه الأول فيما ذكرت وبالشبه الثاني فيما ذكرنا ولم نعمل على عكس هذا
الجزء 1 · صفحة 16
لأنَّ مُحكم الكتاب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لدلالة العادة، فإن العادة جاريةٌ في نقل البلَّةِ في الغُسْلِ دون الوضوء والله أعلم.
فإن قيل: ما الحكمة في غسل هذه الأعضاء.
قيل: الحكمة في وجوب غسل هذه الأعضاء من وجوه:
أحدها: أن الله تعالى لما أمرهم بالقيام إلى الصلاة التي هي مقام المناجاة ومحلُّ القرب أمرهم بتطهير هذه الأعضاء الظاهرة ليذكرهم تطهير باطنهم من الحقد والحسد والكبر وسوء الظن بالمسلم ونحوها.
والثاني: أمر بغسل هذه الأعضاء تكفيراً لما ارتكبوا بهذه الحواس من الإجرام وقد وردت الأخبار في كون الوضوء مكفّراً لِلْمَاثم.
والثالث: أمر بغسل هذه الأعضاء لأن العبد إذا توجّه بخدمة ملكه يجب أن يُجَدِّدَ نظافته وأيسرها تنقية للأطراف التي تنكشف كثيراً ومتى أبصرت نقية من الدرن نظيفةً من الوسخ قبلها القلبُ واستحسنها العقل والله تعالى شرعَ لنا ديناً وذكر أنه فطرة الله التي فطر الناس عليها فشرع ما استحسنوه في عقولهم وارتضوه فيما بينهم.
والرابع هذه الأعضاء وسائل إلى استيفاء نعم، عظمة، أما اليد فبها يتناول يقبض والرجل فبها يمشي وبها يصل إلى مقاصده وأما الوجه والرأس فيها محل الحواس ومجمعها التي بها يعرف عظم نعم الله من نحو العين والأنف والفم والأذن التي بها البصر والشم والذوق والسمع التي بها يكون التلذذ والتشهي فأمر بغسل هذه الأعضاء شكراً لما يتوسل بها إلى هذه النعم.
قوله: «لأن محكم الكتاب».
الجزء 1 · صفحة 17
..
ـــــــــــــــــــــــــــــ
اعلم أن الكتاب ينقسم إلى ثمانين قسماً: الخاص والعام، والمشترك، والمؤول، والظاهر، والنص والمفسر، والمحكم، والخفي والمشكل والمجمل، والمتشابه والحقيقة، والمجاز، والصريح والكناية والاستدلال بعبارة النص، وإشارته، ودلالته واقتضائه. وكل قسم منها ينقسم إلى أربعة أقسام معرفة معناه لغةً ومعرفة معناه شريعة ومعرفة أحكامها ومعرفة ترتيبها.
فالْمُحْكَمُ ما أحكم مراده على احتمال النسخ والتبديل هكذا ذكره المُحققون رحمهم الله، وهذا النص يحتمل النسخ فقال شيخنا رحمه الله: يحتمل أنه إنما ذكره لما أن الشرائع لا يحتمل النسخ بعد وفات نبينا محمد الله، وقيل: إن المحكم ما لا يحتمل إلا وجهاً واحداً كذا ذكره في الميزان والظاهر أنه المراد.
فإن قيل قوله: وأرجلكم يحتمل المسح وإليه ذهبت الروافض وبيان الاحتمال أن هذه الآية قُرِئَتْ بِقِرَاءَتَيْنِ بالجر والنصب، فمن قرأ بالجر فهو يعطفه على الرأس وهو ممسوح فكذا ما كان معطوفاً عليه كذلك القراءة بالنصب عطف على الرأس من حيث المحل فإن الرأس محله من الإعراب النصب وإنما صار مجروراً لدخول حرف الجر فيه وهو كقول القائل:
مَعَاوِيَ إنا بشر فأسجح ......... فلسنا بالجبال ولا الحديد
وقراء {يَاجِبَالُ أَولِي مَعَهُ وَالطَّير} [سب:] بالنصب والرفع.
قيل: القراءة بالنصب تنصيص على الأمر بالغسل لأنه عطفٌ على الأيدي والعطف
الجزء 1 · صفحة 18
...
ـــــــــــــــــــــــــــــ
على المحل لا يجوز في موضع يؤدي إلى الالتباس وإنما ذلك في موضع لا يؤدي إلى الاشتباه كما في البيت والقراءة بالجر عطف على الأيدي أيضاً وإنما صار مجروراً بالمجاورة كما قيل: جُحر ضب خرب أي خرب ولا يقال: الأتباع بالمجاورة مع حرف العطف لم يتكلم به العرب لأنا نقول: الجر بحكم الجوار جائز مع حرف العطف أيضاً قال الله تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} [الواقعة:] إلى قوله {وَلَيه طير فنا يشتهون} الواقعة:] ولحم الطير مما لا يطاف به. وقال الفرزدق:
فَهَلْ أَنْتَ إِنْ مَانَتْ أَتَانَّكَ رَاكِبٌ إِلَى ...... آلِ بِسْطَامِ بْنِ قَيْسٍ فَخَاطِبٍ
ذكر فخاطب مجروراً المُجَاوَرَةِ بسطام وهو في محل الرفع ولأن النبي صلى الله عليه وسلم واظب عليه وأمر مَنْ علَّمه الوضوء أو نقول لَمَّا كان يحتمل ما ذكرنا ويحتمل ما ذكرتم صار كالمجمل فيتوقف على البيان وقد روي أن النبي الله صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ وغسل رجليه وقال هذا وضوء لا يقبل الله تعالى الصلاة إلا به فيكون بياناً لما في الآية.
وذكر في الكشاف ه: إن الأَرْجُلَ من بين الأعضاء الثلاثة يغسل بصب الماء عليها وكانت مظنة للإسراف المذموم فعطِفَتْ على الثالث الممسوح لا لِتُمْسَحَ ولكن لينيَّة على
الجزء 1 · صفحة 19
تناول غسل هذه الأعضاء بالأمر فاقتضى الفرضية.
والمرفقان والكعبان تدخلان في الوجوب عندنا،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها، وقيل إلى الكعبين فجيء بالغاية إزالة لظن ظان يحسبها ممسوحة لأن المسح لم يُضْرَبْ له غاية وهذا يبطل قول من قال: إن قراءة النصب تحمل على حالة التخفُّفِ وقراة الجر على ما إذا كانتا باديتين.
قوله: تناول هذه الأعضاء بالأمر».
قيد بالأمر ولم يقتصر على قوله: تناول لأن بمجرد تناول نص المحكم لا يثبت الفرضية إذ غير الأمر من تصاريف الكلام لا يوجب الفرضية إلا إذا كان أخباراً في معنى الأمر.
قوله: والمرافق والكعبان.
ينبغي أن يكون بلفظ الجمع ليكون موافقاً للآية كذا قاله الإمام بدر الدين رحمه الله وقال أيضاً ذكر المرافق والكعبين بعد ذكر فرائض [الطهارة يُشيرُ إلى أنَّ غسلهما واجب للاختلاف، وصرَّح في المبسوط أنه فريضة وما ذكره في المبسوط محتمل على ما نقرره من بعد إن شاء الله.
والمرفق بكسر الميم وفتح الفاء وعلى العكس مجتمع طرفي الساعد والعضد، والكعب: هو العظم الناتي المتصل بعظم الساق، ويقال: جارية كاعب إذا نتا صدرها وروى هشام عن محمد رحمه الله أنه قال:
الجزء 1 · صفحة 20
خلافاً لزفر رحمه الله لأن الحد لا يدخل في المحدود، ولنا أن المرافق
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إنه المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك وهذا سهو من هشام لم يُورِدْ محمد رحمه الله تفسير الكعب بهذا في الطهارة وإنما أراد في المحرم إذا لم يجد نعلين أنه يقطع خفيه أسفل من الكعبين، فأما في الطهارة فلا شك أنه العظم الناتي كما فسره في الزيادات.
قوله: لأن الحد لا يدخل في المحدود».
كالليل في باب الصوم وكمن قال لآخر: بعت منك هذه الأرض إلى هذا الحائط لا يدخل تحت البيع، ولنا أن الغاية قد تذكر لمد الحكم إليها وقد تذكر لقصر الحكم عليها وإنما يَتَبَيَّنُ ذلك بالنظر في صدر الكلام إن كان صدر الكلام لا يتناول الغاية وما وَرَاءَهَا يعلم أنَّ ذكر الغاية لمد الحكم إليها فيجعل غاية الإثبات فلا يدخل تحت الإثبات ومتى كان صدرُ الكلام يتناول الغاية وما وَرَاءَهَا لو اقتصر عليه يُعلم أن ذكر الغاية لقصر الحكم فيُجعل غاية الإسقاط فصار في معنى الاستثناء فبقي الحكم ثابتاً في الغاية بصدر الكلام وها هنا صدر الكلام وهو قوله عز وجل وأيديكم» يتناول
الجزء 1 · صفحة 21
والكعاب حد الإسقاط فلا يدخل تحت الإسقاط بعد تناول اسم اليد والرجل إياهما.
والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كل اليد من رؤوس الأصابع إلى الإبط فصار ذكر المرفق مقروناً بكلمة «إلى» لإخراج ما وراء المرافق فخرج ما وراء المرفق من أن يكون داخلاً تحت الحكم وبقي الحكم ثابتاً في اليد مع المرفق بصدر الكلام لا بذكر الغاية ويمتنع ثبوته بذكر الغاية إذ هو غاية الإخراج لا غاية الإثبات.
وأما الصوم فإنه يتناول إمساك ساعة لغة وشريعة حتى لو حلف لا يصوم فصام ساعة حَيْثَ، وكذا اسم الأرض يتناول أدنى ما ينطلق عليه اسم الأرض وكانت الغاية فيهما لِمَدَّ الحكم فلا يدخلان ويحتمل أن تخرّج هذه النكتة على طريقة القلب وهو أن يقول: بلى الحد لا يدخل تحت المحدود فلا يدخل تحت الإسقاط وهو في الحقيقة قول يوجب العلة وهذا الوجه ضعيف لأن فيه بيان ضعف كلام الخصم لا إثبات مذهبنا والوجه الأول يقتضي إثبات مذهبنا وإبطال مذهب الخصم ولأنه لو أريد به ذلك لخلا.
قوله: «بعد تناول اسم اليد والرّجل إِيَّاهُمَا.
عن الفائدة وعلى الوجه الأول فيه بيان أنه من غاية الإسقاط لا من غاية الإمداد.
قوله: مقدار الناصية».
يشير إلى أن الفرض يتأدى بأي ربع كان من الْقِذَال والفودين
الجزء 1 · صفحة 22
ناصيته» وهو قدر ربع الرأس، أو مقدار ثلاثة أصابع.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: «أو مقدار ثلاثة أصابع.
معطوف على قوله «مقدار الناصية لأن في القدر المفروض عندنا اختلافا.
قال بعضهم: ثلاثة أصابع وهو ظاهر الرواية عن أصحابنا رحمهم ا الله لأن الله تعالى قال: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة:] والباء إذا دخلت في آلة المسح كان الفعل متعدياً إلى محله كما يقول مسحت رأس اليتيم بيدي، وإذا دخلت في محل المسح بقي الفعل متعدياً إلى الآلة كما في الآية وتقديره وامسحوا أيديكم برء وسكم فلا يقتضي استيعاب الرأس لأن الاستيعاب ضرورة إضافة الفعل إليه وهو غير مضاف إليه فلا يقتضيه لكنه يقتضي وضع آلة المسح وذلك لا يستوعبه عادةً أو غير ممكن فيصير المراد به أكثر اليد، والأصل في اليد الأصابع، والثلاث أكثرها فأقيم الكل التقديري مقام الكل الحقيقي، وقال بعضهم: المفروض مقدار الناصية بالحديث.
فإن قيل: لم سمى المجتهد مفروضاً والمفروض ما ثبت بدليل لا شبهة فيه والاختلاف يورث الشبهة.
قلنا: الجواب عنه من وجوه:
الجزء 1 · صفحة 23
.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أحدها أن يقول: إنه أراد بالمفروض المقدّر لأن الفرض عبارة عن التقدير لغة. قال الله تعالى: {سُورَة أَنزَلَتَها وفرضتها} [النور: أي قدرناها وقال: قد فرض الله لكم أي قدر.
والثاني: أراد به المفروض عندنا إلا أنه المفروض في نفس الأمر حتى ينتفي الجواز عند عدمه كما يقول: إن تعديل الأركان فرض عند أبي يوسف رحمه الله وقراءة الفاتحة فرض عند الشافعي رحمه الله والقعدة فرض على رأس كل شفع في النوافل عند محمد رحمه الله تعالى.
والثالث: إنا ندعي أن الذي تثبت فرضيته بالنص وهذا بخبر الواحد ولا يلزم من هذا أن يكون مقدار الناصية فرضاً وهو المنقول عن شمس | الأئمة الكردري رحمه الله حتى لو
أنكر فرضية مسح الرأس مطلقاً يُكْفَرُ ولو أنكر الربع أو غير ذلك لا يكفر. فإن قيل: الحديث يقتضي بيان عين الناصية لا المقدار فلم يوافق الدليل المدلول والموافقة شرط بينهما كما بين الشهادة والدعوى.
قال مولانا الأستاذ رضي الله عنه الحديث يحتمل معنيين التعيين وبيان المقدار وقد عرف أن خبر الواحد يصلح مُبيِّناً لِمُجْمَلِ الكتاب والبيان في موضع الإجمال يكون ولا إجمال في المحل لأن الرأس معلوم وإنما الإجمال في المقدار أنه الثلث أو الربع وفعله يصير بياناً له.
فإن قيل: لِمَ قلتم إنه مجمل في حق المقدار والمجمل ما لا يمكن العمل به قبل البيان وقد أمكن العمل به قبل البيان ها هنا لأنه لما كان المراد به مطلق البعض يخرج عن العهدة بأدنى ما ينطلق عليه اسم البعض كما قلنا في الركوع والسجود.
قلنا: مطلق البعض غير مراد بالإجماع إذ ذلك يحصل بغسل الوجه فلا حاجة إلى
الجزء 1 · صفحة 24
فصل
وسنن الطهارة: غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إيجاب على حدة فعلم أن المراد به بعض مقدَّر لأن المفروض في سائر الأعضاء غسل لا أدنى ما ينطلق عليه اسم البعض ولا الكل فكذا هذا ولأن المسح على أدنى ما ينطلق عليه اسم البعض لا يتصور إلا بزيادة وما لا يمكن إقامة الفرض إلا به يصير فرضاً وهذه وجوه الثلاثة في مبسوط خواهر زاده كذا قرره شيخنا رضي الله عنه.
قوله: وسنن الطهارة».
قال الإمام المعروف بخواهر زاده رحمه الله حد السنة ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل المواظبة من غير ترك ويُؤْمَرُ بإتيانها ويُلامُ على تركها وهي تتناول القولي والفعليَّ، والطهارة محلٌّ لهذه السنن فيكون مضافاً إلى محله.
قوله: غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء»
قال الشيخ رضي الله عنه غسل اليدين فريضة، أما تقديم غسلهما إلى الرسغين فسنة لكنه ينوب عن الفرض حتى لا يجب عليه غسلهما ثانياً، وهذا كالفاتحة فإنها تنوب عن الواجب بخبر التعيين وعن الفرض بالنص، وذكر الإناء بناء على عاداتهم لأنه كان لهم أتوار على أبواب المساجد يتوضؤون منها وفي ديارنا الإجانات في الحمامات
الجزء 1 · صفحة 25
إذا استيقظ المتوضاء من نومه، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بمنزلة ذلك وكيفية الغسل في الإناء إن كان الإناء صغيراً يأخذه بشماله ويصب الماء على يمينه ثلاثاً ثم يأخذ بيمينه ويصب على الْيُسْري كذلك، وإن كان كبيراً كالْحُبِّ إن كان معه صغير يفعل كما ذكرها وإن لم يكن يُدخل أصابع يده اليسرى مضمومة في الإناء ويصب على كفه اليمنى ويدلك الأصابع بعضها ببعض حتى تطهر ثم يدخل اليمنى في الإناء ويغسل اليسرى، فالنهي محمول على الإناء الصغير فلا تدخل اليد أصلاً وفي الكبير على إدخال الكف.
قوله: «إذا استيقظ المتوضيء من نومه
يحتمل أن يكون هذا الشرط وقع اتفاقاً وأن غسل اليدين أولاً سنة مطلقاً ويدل عليه أنه لم يقيد بهذا الشرط في شروح المبسوط وعَلَّلَ الإمامُ خواهر زاده فقال: وإنما سُنَّتْ البداية بهما لأنه لو كان على يديه نجاسة حقيقية يجب غسلهما أولاً كيلا يتنجس وجهه متى غسل وجهه قبل غسل يديه فكذا إذا كان به حدث أو توهم نجاسة حقيقية كيلا يتنجس وجهه بالغسل ويحتمل أن يكون شرطاً ولهذا قيد بهذا في الإيضاح وشرح
الجزء 1 · صفحة 26
وتسمية الله تعالى في ابتداء الوضوء سنة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مختصر الكرخي وسائر شروح المختصر وذلك في شرح الأثار إنما نهي لأن عادة العرب أن لا يستنجوا بالأحجار ولا بالماء فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى لاحتمال تنجس اليد إما إذا نام مُسْتَنجِياً بالأحجار أو بالماء فلا حاجة إلى غسل اليدين، والتمسك بالحديث أن قوله فلا يَغْمِسَنَّ نهي، والنهي العاري عن ا التأكيد يقتضي التحريم، فكيف وقد أكد بالنون فيحرم الغمس حتى قبل الغسل حتى لو غمس قبل الغسل يصير مرتكباً المحرم، والاجتناب عن الْمُحَرَّمِ واجب، وبالغسل يصير مجتنباً فيكون
الجزء 1 · صفحة 27
والسواك سنة،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قصدية وخبر التسمية ورد في الوضوء وأنه ليس بعبادة أو غير مقصودة فا دة فانْحَطَّتْ رتبته عن الأول فأفاد السنة ولا يقال بأن النص الوارد في الوضوء يقتضي الفرضية وهو قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلوة [المائدة: كالنص الوارد في الصلاة مع أن أحدهما ورد في التبع والآخر ورد في الأصل لأنا نقول: ظهر انحطاط رتبة التبع هناك حيث يثبت بثبوتها ويسقط بسقوطها ولا كذلك ها هنا وإنما شرطنا الشهود في النكاح مع أن النصوص المقتضية للجواز مطلقة وهو قوله تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم} [النساء:] وقال وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاة ذَلِكُمْ} [النساء: وَأَنكِحُوا الأَيْمَى منكر [النور: لما أن قوله لا نكاح إلا بشهوده مشهور، تلقته الأمة بالقبول فتجوز الزيادة بمثله على أن النصوص مخصوصة بالإجماع فيجوز تخصيصه بخبر الواحد.
فإن قيل: المدعى كون التسمية سنة في الابتداء ولا دلالة عليه في الحديث.
قلنا: لما ثبت أنها سنة للوضوء وهو اسم من أوله إلى آخره فيشترط في الابتداء ليكون للوضوء كله لا لبعضه.
قوله: والسواك سنة.
المراد استعمال السواك وهو المسواك على حذف المضاف لا من الالتباس
الجزء 1 · صفحة 28
لقوله صلى الله عليه وسلم الولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء».
والمضمضة والاستنشاق في الوضوء سنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلهما، وليسا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والتمسك به أن كلمة الولاء لامتناع الشيء لوجود غيره يعني امتنع الأمر لوجود المشقة، والمشقة إنما تكون أن لو كان واجباً والواجب يشتمل على السنة والندب فإذا امتنع الوجوب بعارض بقي سنة ليكون مقتضى الأمر ثابتاً بقدر الإمكان أو يقول في الحديث بيان أنه سنة وزيادة الولا العارض، والعارض وهي | المشقة منع الزيادة فبقي سنة أو يقال: إنما لم يأمر لاستلزامه المشقة فالمقتضي للأمر موجود لكنه لم يأمر لعارض المشقة فقضية هذا أن يكون الأمر ثابتاً إذا عُدمت المشقة ولا مشقة في السنة فيكون الأمر ثابتاً والتقريب ظاهر أو يقال بعبارة أخرى الحديث يشير إلى أن السواك مرغوب ومحمود غاية ونهاية ووجد المعنى الداعي إلى كونه مأموراً به ومشروعاً على صفة يترتيب عليها المشقة وهي العقاب على تقدير الترك وقد امتنع لمانع فبقيت شرعيته إذا خلا عن هذه الصفة وفي كونه مشروعاً على وجه السنة إخلاءه عن المشقة فيكون سنة أو نقول هذا الكلام دال على أنه مرغوب فيه، فأما أن يدل على كونه سنة أو على كونه مستحبا وقد دل الدليل على أنه سنة وهو مواظبة النبي أو لأنها أقوى الأمرين والأصل في كل ثابت كماله وهذا أوضح الوجوه والله أعلم.
قوله: «فَعَلَهُمَا».
الجزء 1 · صفحة 29
وتخليل اللحية سنة، وفي رواية مستحب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الذي يمسح به الرأس أو يكونا ممسوحين كالرأس وعلى التقديرين فهو إخبار من الشارع فصار كالأمر الصادر منه والتقريبُ ما مر.
فإن قيل: فعلى ما ذكرت ينبغي أن يكون مسحهما فريضة كمسح ربع الرأس.
قلنا: أريد به إلحاقهما بكل الرأس ومسح كل الرأس سنة في الصحيح من الرواية وإن أريد به الربع فإنما يكون فريضة أن لو صح إثبات الفرضية بمثل هذا الخبر ولا يصح لأنه في حيز الأحاد.
فإن قيل: كيف يصح إلحاقهما بالكل والفرض يتأدى بكل طرف من أطراف الرأس ولا يتأدى بهما.
قلنا: فرضية المسح بالرأس ثبتت بالكتاب وكونهما من الرأس ثبت بخبر الواحد وما ثبت بالكتاب لا يتأدى بما ثبت بخبر الواحد كفرضية التوجه إلى الكعبة لا يتأدى بالتوجه إلى الحطيم وإن كان من البيت بخبر الواحد وكذا التيمم لا يجوز من أرض نجسة بعد ما يبست ويجوز الصلاة عليها لهذا المعنى كذا ذكره الإمام المعروف بخواهر زاده رحمه الله.
قوله: وتخليل اللحية سنة».
ذکر فخر الإسلام رحمه الله في المبسوط وتخليل اللحية مستحب وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما سنة فإنه صح أن النبى صلى الله عليه وسلم أخذ كفا من الماء فخلل به فقال: بهذا أمرني ربي وأبو حنيفة لحيته رضي الله عنه يقول: لم يثبت هذا عندي إلا
الجزء 1 · صفحة 30
وتخليل الأصابع سنة، مبالغة في إيصال الماء إليها، لقوله صلى الله عليه وسلم خللوا أصابعكم قبل أن تخللها النار.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مرة وبهذا لا يطلق اسم السنة عليه وتفسيره ما قال في معاني الأخبار خلل أصابعه إذا أدخل بعضها في بعض وخلل لحيته إذا أدخل أصابعه فيها وكيفيته أن يخلل من حيث الأسفل إلى الفوق وهو المنقول عن شمس الأئمة الكردري رحمه الله
قوله: وتخليل الأصابع.
أي أصابع اليدين والرجلين والتخليل إنما يكون سنة بعد وصول الماء، كذا ذكره الإمام المعروف بخواهر زاده رحمه الله.
قوله: مبالغة في إيصال الماء إليها».
من الرواية وتقديره وتخليل الأصابع لأجل المبالغة في إيصال الماء إليه سنة لقوله صلى الله عليه وسلم «خلوا أصابعكم قبل أن تخللها نار جهنم الحديث، وإنما حملنا على هذا
الجزء 1 · صفحة 31
وتكرار الغسل إلى الثلاث سنة، لأن النبي لما غسل أعضاءه ثلاثاً ثلاثاً قال هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لأنه لو كان دليلاً على المدعي لكان ينبغي أن يقول ولقوله ولكان الواجب أن يؤخرا عن النص، والتمسك بالنص أنه أمر فينبغي أن يكون فرضاً إلا أنه تَقَاعَدَ عن إفادة الفرضية لما أنه من الأحاد، فأما أن يكون واجباً أو سنة لا يجوز الأول لأنه صلى الله عليه وسلم علم الأعرابي الوضوء ولم يعلمه التخليل فلو كان واجباً لعلمه فتعين الثاني والله أعلم.
قوله: لَمَّا غسل ثلاثاً».
روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي توضأ مرةً مرةً وقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، ثم توضأ مرتين مرتين، وقال: هذا وضوء من يضاعف الله تعالى له الأجر مرتين، ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ووضوء خليل الله إبراهيم صلوات الله عليه فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم أي زاد على أعضاء الوضوء أو نقص عنها أو زاد على الحد
الجزء 1 · صفحة 32
ويستحب للمتوضيء أن ينوي الطهارة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المحدود أو نقص عنه أو زاد على الثلاث معتقداً أن كمال السنة لا يحصل بالثلاث، فأما إذا زاد لطمأنينة القلب عند الشك أو بنية وضوء آخر فلا بأس به فإن الوضوء على الوضوء نور على نور وقد أمر بترك ما يريبه إلى ما لا يريبه كذا في المبسوط والتعدي يرجع إلى الزيادة لأنه مجاوزة عن الحد قال الله تعالى: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة:، الطلاق: الآية، والظلم يرجع إلى النقصان. قال الله تعالى: {وَلَمْ تَظْلِم مِنْهُ شَيْئًا} [الكهف:] أي لم ينقص.
قوله: ويستحب للمتوضيء أن ينوي الطهارة.
المستحب ما يكون مدعوا إليه على طريق الاستحباب دون الحتم، والإيجاب قال فخر الإسلام رحمه الله يُغنى من النية إرادة الصلاة أو عبادة لا تستغني عن الطهارة وموضع الخلاف أن المتوضيء إذا نسي مسح رأسه فأصابه المطر أو جرى الماء على أعضاء وضوءه أو علم الوضوء إنساناً فالحاصل أن النية شرط للوضوء الذي هو قربة وعبادة بالاتفاق وإنما الخلاف في الوضوء الذي هو غير منوي هل يكون مفتاحاً للصلاة أم لا؟
الجزء 1 · صفحة 33
لأن عند الشافعي النية للطهارة فرض وعندنا مستحب لقوله عليه الصلاة والسلام «الأعمال بالنيات».
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: الأن عند الشافعي رحمه الله النية في الوضوء فرض.
وتأثيره أن الأداء على وجه لا شبهة فيه أولى من الأداء على وجه فيه شبهة، والنية وإن لم يكن فرضاً عندنا فهي فرض عنده لدليل لاح له ولم يثبت مقتضى دليله لكن يورث شبهة إذ هي دلالة الدليل مع: تخلف المدلول وهذا معنى قول المشايخ رحمه الله احترازاً عن الوقوع في الخلاف أو يقال لما تحقق الاختلاف فيه فقلنا: بالاستحباب ليكون باعثاً له على الإتيان ليخرج عن العهدة بيقين.
قوله صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنيات يحتمل أن يكون هذا الحديث حجة للشافعي رحمه الله وبدل عليه أنه لم يذكر في بعض النسخ وعندنا مستحب ووجه التمسك على هذا الظاهر لأنه يقتضي أن يكون جميع الأعمال مُلصقاً بالنية إما حقيقة أو حكماً.
والأول ليس بمراد لوجودها حسا بدون النية والحكم نوعان: حكم الدنيا: وهو
الجزء 1 · صفحة 34
...
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الجواز، وحكم العقبي وهو الثواب، ومسمى الحكم يشملهما فيكونان مرادين غاية الأمران يقال: إنهما مختلفان والحكم ثبت بطريق الاقتضاء ولا عموم له لكن المقتضى عنده أو يقال: المراد به اعتبار الأعمال بالنيات أو الأعمال بالنيات معتبرة كما اله عموم. في قوله صلى الله عليه وسلم الطلاق بالرجال ولم يرد به اعتبارها حقيقة لما ذكرنا فتعين اعتبارها شرعاً واعتبارها شرعاً إنما يكون بالنية ويحتمل أن يكون حجة لنا ويدل عليه أنه ذكر في عامة النسخ.
وعندنا مستحب فلولا أن المراد هذا لما أعاد ثم نقول: لما كان المراد به حكم الأعمال بالنيات وهو نوعان؛ الجواز وهو حكم الدنيا والثواب وهو حكم العقبى وهما مختلفان لأن الجواز يتعلق بركنه، وشرطه والثواب يتعلق بصحة عزيمة وهو الإخلاص فإن من توضأ بماء نجس ولم يعلم به حتى صلى ومضى على ذلك ولم يكن مقصراً لم يجز في الحكم لفقد شرطه واستحق الثواب لصحة عزيمته، وإذا صلى رياءً شمعة يجوز في الحكم ولم يستحق الثواب لفقد الإخلاص، وإذا صار مختلفين صار الاسم بعد صيرورته مجازاً مشتركاً فلا يجوز أن يكونا مرادين وإنما يراد به أحدهما إذا دل الدليل كما هو الحكم في سائر الأسماء المشتركة وقد دل الدليل على إرادة الثواب وهو الإجماع فسقط الآخر من أن يكون مراداً أو يقال: ثبوت الحكم بهذا الطريق يكون بطريق الاقتضاء إذ هو جعل غير المذكور مذكوراً تصحيحاً للمذكور ولا عموم له لأنه من صفات النظم وهو غير منظوم، وتمامه يعرف في موضوعه وقد أريد به الثواب إجماعاً فتنحى الآخر وإذا ثبت بما ذكرنا أنه غير متعرض للجواز بل هو متعرض للثواب
الجزء 1 · صفحة 35
ويستوعب رأسه بالمسح،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيكون دالاً على أن النية مرغوب فيها استجلاباً للثواب فيكون مستحبا أو يقال: المراد به إما جواز الأعمال أو فضيلتها ولا يجوز أن يكون الأول مراداً لأنه يؤدي إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد لأن الله تعالى أمر بغسل هذه الأعضاء مطلقاً، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم عَلَّمَ الأعرابي الوضوء ولم يذكره النية فلو كانت واجبة لبينها فتعين الثاني.
فإن قيل: الوضوء طهارة شرعية لعدم النجاسة على الأعضاء حقيقة وحكماً فلا يحصل بدون النية كالتيهم، أو يقال: إنه عبادة لأنه فعل يأتيه العبد باختياره تعظيماً الله تعالى ويثاب عليه فلا ينفعل بدون النية.
قلنا: أعضاء الوضوء محكومة بكونها نجسة لأنه أمر بالتطهير وهو لا يتحقق بدون النجاسة والماء طهور بطبعه، فإذا لاقى النجس طهره قصد به أو لا، كالماء والطعام في الإرواء والإشباع والوضوء شرع عبادة وغير عبادة فما شرع عبادة يفتقر إلى النية وما لا فلا.
وإنما شرطت النية في التيمم لأن التراب لم يُعقل مطهراً إلا في حال إرادة قربة مخصوصة وبعد صحة الإرادة يستغنى عن النية فالشافعي رحمه الله نظر إلى المحل ونحن نظرنا إلى الآية.
قوله: ويستوعب رأسه بالمسح».
وكيفيته أن يضع من كل واحدة من اليدين ثلاثة أصابع على مقدم رأسه ولا يضع الإبهام والسبابة ويجافي بين كفيه ويمدهما إلى القفاء ثم يضع كفيه على مؤخر رأسه ويمدهما إلى المقدم ثم يمسح ظاهر أُذُنَيْه بإبهاميه وباطنهما بمسبحتيه.
الجزء 1 · صفحة 36
لأن عند البعض استيعاب الرأس بالمسح فرض.
ويرتب الوضوء، فيبدأ بما بدأ الله تعالى بذكره وبالميامن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم
توضأ هكذا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: «لأن عند بعضهم.
أراد به مالكاً رحمه الله فإنه يقول: «الباء» صلة كقوله تعالى: {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} [المؤمنون:] فيصير تقديره وَامْسَحُوا رُءُوسَكُمْ» وقد بينا وجه الدلالة فيما تقدم.
قوله: «فيبدأ».
الفاء» لتفسير الترتيب والهاء في بذكره راجع إلى ما تعلق الشافعي بقوله تعالى: {فَاغْسِلُوا} [المائدة:] والفاء» للتعقيب بلا فصل وهذا يقتضي تقديمه على سائر الأعضاء تحقيقاً للاتصال والجواب أن حرف الفاء» إنما يقتضي ذلك إذا دخلت على غير الأفعال الاختيارية، أما إذا دخلت على الأفعال الاختيارية فلا على أن ذلك يقتضي تعقيب الجملة كأنه قال: حصلوا هذه الجملة عند القيام إلى الصلاة إذ الواو
الجزء 1 · صفحة 37
وعند الشافعي رحمه الله الترتيب فرض
فصل في بيان نواقض الوضوء
كل ما خرج من السبيلين
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لمطلق الجمع كمن قال الآخر إذا أُخرجت من الدار فاشتر خبزاً ولحماً وفاكهة» يفهم منه مطلق تحصيل هذه الجملة دون الترتيب كذا ها هنا ثم ذكر هنا أن النية والترتيب والاستيعاب مستحب وذكر في شروح المبسوط أنها سنة والله أعلم.
فصل في بيان نواقض الوضوء
البيان الإظهار والنواقض: جمع ناقضة والنقض متى أضيف إلى الأجسام. يراد به إبطال تأليفها ومتى أضيف إلى غيرها يراد به إخراجها عما هو المطلوب منها كذا ذكره القاضي الإمام ظهير الدين رحمه الله.
كلمة «كل» وضعت لعموم الأفراد فيتناول المعتاد وغير المعتاد كدم الاستحاضة.
قوله: من السبيلين.
يتناول الدبر والذكر وفرج المرأة.
قوله: «ما خرج».
الجزء 1 · صفحة 38
ينقض الوضوء لقوله تعالى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ الْغَابِطِ} [المائدة:] والدم، والقيح إذا خرجا من البدن فتجاوزا إلى موضع يلحقه حكم التطهير.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أراد به خروج ما خرج لأن ما خرج عين ليس بمعنى فلا يكون علة الانتقاض لأن العلة عبارة عن معنى يحل بالمحل لا عن اختيار.
والغائط: الموضع المطمئن الذي يقصد للحاجة وإنما صار اسماً للحاجة لأنها تقتضي في مثل هذا المكان تستراً عن عين الناس.
قوله: والدم والقيح.
اعلم بأن الأحكام ثبت بالنص وبمعنى النص فذكر أولاً ما ثبت بالنص ثم ذكر الدم والقيح وهو ثابت بمعنى النص.
قوله: إذا أخرجا من البدن وتجاوزا».
شرط الخروج لأن نفس النجاسة غير ناقض ما لم يوصف بالخروج إذ لو كان نفسها ناقضاً لما حصلت الطهارة لشخص ما.
وشرط التجاوز وإن كان الخروج إنما يتحقق بالتجاوز احترازاً عما يبدو لأن ذلك إنما يسمى خارجاً عادةً.
قوله: «حكم التطهير».
من إضافة الجنس إلى النوع كقوله تعالى: {وَحَبَّ الْحَصِيدِ} [ق:] وكما يقال: علم الطب أي حكم هو تطهير، والمراد به أن يجب تطهيره في الجملة في الحدث أو الجنابة حتى لو سال الدم من الرأس إلى قصبة الأنف انتقض به الوضوء بخلاف البول إذا نزل قصبة الذكر لأن هناك النجاسة لم يصل إلى موضع يلحقه حكم التطهير، وفي وصلت النجاسة إلى موضع يلحقه حكم التطهير فإن الاستنشاق في الجنابة فرض، وفي الوضوء سنة كذا في المبسوط
الجزء 1 · صفحة 39
والقيء إذا كان ملء الفم، وعند الشافعي رحمه الله الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء، لما روي أن النبي لقاء فغسل فمه وقال هذا. ا هو الوضوء من القيء، ولنا حديث ابن أبي مُلَيْكَةَ عن عائشة رضي الله عنها ترفعه من قاء أو رعف في صلاته، فلينصرف، وليتوضأ، وليبن على صلاته،، ما لم يتكلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ترفعه».
أي أسندت إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال المطرزي: رعف سال رعافة وفتح العين هو الفصيحوالاستدلال بالحديث من وجوه:
أحدها: أنه أمر بالبناء وأدنى درجات الأمر الإباحة والجواز ولا جواز للبناء إلا بعد الانتقاض فدل الحديث على جواز البناء بفحواه وعلى الانتقاض بمقتضاه.
الجزء 1 · صفحة 40
والنوم مضطجعاً أو متكئاً، أو مستنداً إلى شيء، لو أزيل لسقط، لقوله صلى الله عليه وسلم إنما الوضوء على من نام مضطجعا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والثاني: أنه أمر بالوضوء والأمر للوجوب.
والثالث:: أنه أباح ولا يباح الإنصراف بعد الشروع إلا بعد الانتقضاء، والجواب عما تعلق به الخصم أن المراد والله أعلم منه القليل، لأن الكثير لا يليق بحاله إذ هو ينشأ من كثرة الأكل وكيف يظن به ذلك مع أن أغلب أحواله الجوع، ولأنه حكاية حال فلا عموم له، ولأنا تُسلم أن الوضوء من القيء هذا، وهو غسل الفم عن النجاسة حال القيء وإنما يجب الزيادة إذا أراد الصلاة وإنما شرط ملء الفم وهو أن يكون بحال لو لا تكلفه لخرج لأن الفم له حكم الظاهر والباطن حقيقة وحكماً لأنه إذا فتح فَاهُ يكون ظاهراً وإذا سدَّ يكون باطناً وإذا تمضمض لا يفسد صومه وإذا ابتلع ريقة لا يفسد صومه وإذا ثبت الحكم في القيء من الانتقاض وعدمه ثبت في غيره بدلالة الإجماع وقد عرف.
فإن قيل: غسل غير موضع النجاسة لا يهتدي إليه العقل فينبغي أن يقتصر على مورد النص.
الجزء 1 · صفحة 41
..
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قلنا: خروج النجاسة مؤثر في زوال الطهارة لأن الطهارة مع النجاسة ضدان وهذا القدر معقول والاقتصار على الأعضاء الأربعة غير معقول فلما تعدى الأمر المعقول تعدى في ضمنه ما هو غير معقول كسقوط قيمة الجودة في باب الربا، قوله صلى الله عليه وسلم إنما الوضوء على من نام مضطجعاً أول الحديث لا وضوء على من نام في الصلاة قائماً أو راكعاً أو ساجداً إنما الوضوء على من نام مضطجعاً.
قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: إنما لحصر الشيء في الحكم أو الحصر الحكم في الشيء لأن كلمة. إن» للإثبات وكلمة «ما» للنفي فيقتضي إثبات
الجزء 1 · صفحة 42
والغلبة على العقل بالإغماء، والجنون، لأنهما فوق النوم.
والقهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود وعند الشافعي رحمه الله لا ينقض
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المذكور ونفي ما عداه ولا يقال: الحكم لم ينحصر ها هنا لانتقاضه بغير النوم، كالبول والغائط ونحوهما.
قلنا: حصر الوضوء المعلّق بالنوم في النوم بصفة الاضطجاع وإنما وجب الوضوء على المتكيء والمستند لاستوائهما المنصوص عليه فى المعنى المنصوص عليه وهو استرخاء المفاصل فثبت الحكم فيها بدلالة النص هكذا أفاد شيخنا رضي الله تعالى عنه.
قوله: «والجنون».
برفع النون لأن العقل في الإغماء يكون مغلوباً وفي الجنون يكون مسلوباً ويجوز بالجر أي بطريق الجوار.
قوله: «لأنه فوق النوم.
لأن الغفلة الحاصلة بقليل الإغماء والجنون أكثر من الغفلة الحاصلة بكثير النوم لأن النائم إذا نبه ينتبه ولا كذلك المجنون والمغمى عليه فإذا وجب الوضوء بالنوم فبالإغماء والجنون أولى. يقرره أن الوضوء في النوم باعتبار أنه واسترخاء المفاصل لأن عند ذلك يخرج ظاهراً فأقيم السبب الظاهر وهو النوم مقام الخروج وقد وجد هذا وزيادة في الجنون والإغماء فيلحقان به دلالة.
قوله: والقهقهة في كل صلاة».
الجزء 1 · صفحة 43
كما قبل الشروع في الصلاة، ولنا حديث الأعرابي الذي في عينيه سوء، فتردى في بئر عليها خصفة فضحك بعض من خلف رسول الله فقال ألا ضحك منكم قهقهة، فليعد الوضوء والصلاة جميعاً، والأخذ بالحديث من الواحد أولى من الأخذ بالقياس.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
القهقهة ما يكون مسموعاً له و لجيرانه بدت أسنانه أو لم تبدو والضحك: ما يكون مسموعاً له دون جيرانه، والتبسم: ما لم يكن مسموعاً له.
فالقهقة تفسد الصلاة والوضوء والضحك يفسد الصلاة دون الوضوء، والتبسم لا يفسد الصلاة ولا الوضوء، وإنما قيد بذات ركوع وسجود احترازاً عن صلاة الجنازة وسجدة التلاوة، والقياس ما قاله الشافعي رحمه الله لأنه لو كان حدثاً لكان حدثاً خارج الصلاة كسائر الأحداث ونحن نقول: الضحك في غير الصلاة ليس في معنى الضحك في الصلاة لأن حال الصلاة حال المناجاة مع الله تعالى فتعظم الجناية منه بالضحك في حالة المناجاة، وصلاة الجنازة ليست بصلاة مطلقة فلا تكون مناجاة، وكذلك سجدة التلاوة والمخصوص عن القياس لا يلحق به ما ليس في معناه من كل وجه.
وإنما كان الأخذ بالخبر أولى لأن الخبر يقين بأصله وإنما دخلت الشبهة في نقله والرأي يحتمل بأصله في كل وصف على الخصوص وكان الاحتمال في الرأي أصلاً وفي الحديث عارضاً ولأن الوصف في النص كالخبر والرأي والنظر فيه كالسماع والقياس بالعمل به والوصف ساكت عن البيان والخبر بيان بنفسه، وكان الخبر فوق الوصف في الإبانة، والسماع فوق الرأي في الإصابة ولهذا قدمنا خبر الواحد على
الجزء 1 · صفحة 44
..
ـــــــــــــــــــــــــــــ
التحري في القبلة، ولأن الخبر يصلح أصلاً للقياس ولا ينعكس الأمر.
فإن قيل: الخبر إنما يكون مقدماً على القياس إذا كان مسنداً، فأما إذا كان مرسلاً فلا، وهذا الحديث مرسل.
قلنا: أما دعوى الإرسال فممنوع لأن أبا حنيفة رضي الله عنه روى عن منصور عن الحسن عن معبد الجهني الحديث. ولإن سلمنا الإرسال فنقول: المراسيل
الجزء 1 · صفحة 45
فصل
وفرض الغُسل: المضمضة والاستنشاق وغسل سائر البدن لقوله تعالى {وَإِن كنتُم جنبًا فَا طَهَرُوا} [المائدة:] وقد أمكن الإطهار بالمضمضة والاستنشاق
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كالمسانيد خصوصاً إذا رواه الأئمة واشتهر بين الصحابة رضي الله عنهم. تردّى أي سقط ومنه المتردّية، الْخَصَفَةُ: وعاء التمر وينبغي أن يقال: خبر الواحد بالإضافة ومعناه خبر الراوي الواحد.
فصل [في الغسل]
الفصل مهما وصل ينون ومهما فصل لا ينون لأن الإعراب لا يستحق إلا بعد العقد
والتركيب على ما عرف في المفصل
قوله: فرض الغسل.
أي مفروضه ذَكَرَ المصدر وأراد به المفعول كما يقال: «هذا الدرهم ضرب الأمير» أي مضروبه وهذا الثوب نسج اليمن أي منسوجه. وذكر في الكشاف المصدر يذكر ويراد به الزمان والمكان والفاعل والمفعول.
السائر الباقي يقال: سائر الناس الباقيهم، ومنه السؤر الجنب يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الأجناب كذا ذكر في الكشاف ومنه التَّطَهرُ والإطهار الاغتسال.
قوله: «وقد أمكن الاطهار» إلى آخره.
ترك بعض المقدمات وتقدير النص يتناول ما أمكن غسله من البدن، وقد أمكن
الجزء 1 · صفحة 46
وسنة الغُسل أن يبدأ المغتسل، فيغسل يديه وفرجه ويزيل النجاسة إن كانت على بدنه،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بهذا فيجب، لأن قوله تعالى: {فَأَطَهَرُوا} [المائدة:] معناه: أبدانكم. والبدن: اسم للظاهر والباطن إلا أن الباطن سقط بالإجماع لعدم الإمكان لئلا يلزم تكليف ما ليس في كما يسقط عن الظاهر إذا كان به جراح أو عدم الماء. وباطن الأنف والفم يمكن الوسع غسله فإنهما يغسلان عادة وعبادة نفلاً فى الوضوء، وفرضاً في الجنابة والنجاسة الحقيقية. ولا يقال: إدخال الماء في العينين ممكن ولا يجب غسلهما، لأنا نقول: كما أن المتعذر منفي بقوله تعالى {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:] فكذا المتعسر منفي بقوله تعالى {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٌ} [الحج:] وفي غسلهما من الحرج ما لا يخفى فإن العين شحم لا يقبل الماء وقد كُفَّ بصر من تكلف له من الصحابة كابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم ولهذا لا يغسل العين إذا اكتحل، بكحل نجس والرواية في الأسرار.
قوله: «فيغسل».
الفاء للتفسير.
قوله: «ثم يزيل النجاسة».
على التنكير لقوله تعالى فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلِ} [غافر:] لأنه عسى يكون وعسى لا يكون ولذلك قال: إن كانت ولم يقل إذا كانت كذا حكى الإمام بدر الدين الكردري رحمه الله عن شيخه عن صاحب الهداية رحمه الله وذلك لأنه إن كانت معرفة فأما أن تكون الألف واللام فيه للعهد أو للجنس لا يجوز الأول لما أنه لا معهود لأن العهد أن تذكر شيئاً ثم تعاوده، ولأن قوله: إن كانت يأباه ولا يجوز الثاني أيضاً لأنه إما أن يراد به كل الجنس وهو محال بمرة، وإما أن يراد به أقله وهو غير مراد أيضاً،
الجزء 1 · صفحة 47
ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، إلا رجليه ثم يفيض الماء على رأسه، وسائر جسده ثلاثاً، كذا روت ميمونة عن النبي لا لا لا لها ثم يتنحى عن ذلك المكان، فيغسل رجليه،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لأنه قليل وهو عفو لا يجب غسله.
قوله: ثم يتوضأ وضوءه للصلاة إلا رِجْلَيْهِ».
يعني لا للطعام لأن الوضوء للطعام يكون غسل اليدين إلى الرسغين كما في قوله صلى الله عليه وسلم الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وفي هذا إشارة إلى أنه يمسح رأسه خلافاً لما يقوله البعض. ذكر في المبسوط في ظاهر الرواية أنه يمسح رأسه في الوضوء وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه لا يمسح.
فإن قيل: ما الفائدة في هذا ويجب عليه غسل البدن؟
قيل في هذا: إعمال للنص الموجب للوضوء والنص الموجب للغسل.
قوله: «ثم يَتَنَحَّى». بعد قوله: هكذا فعله رسول الله له يتوهم أنه غير منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس كذلك بل هو منقول عنه يُعرف بالنظر في المبسوط وشروح المختصر يتنحى أي يتباعد.
الجزء 1 · صفحة 48
لأنهما كانتا في مستنقع الماء المستعمل.
وليس على المرأة أن تنقض ضفائرها في الغسل إذا بلغ الماء أصول الشعر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: «مستنقع الماء».
مجتمعه وتأثير التعليل المذكور في المتن أنهما لما كانا في مجتمع الماء المستعمل يجب غسلهما ثانياً فلا يفيد الغسل الأول فلا يشتغل به لأن الإشتغال بما لا يفيد وهو سفة والشرع لا يرد به.
قوله: وليس على المرأة إلى آخره.
الأصل في النساء أن لا يذكرن لأن مبنى حالهن على الستر. ولهذا لم يذكرن في القرآن حتى شكون فنَزَل قوله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب:] الآية، كذا ذكره فخر الإسلام رحمه الله في الجامع الصغير إلا إذا كان الحكم مخصوصاً بهن كهذه المسألة، وكما ذكر في الجامع الصغير: امرأة صَلَّتْ ساقها مكشوف. وكما في مسألة المحاذات.
وأما قوله: امرأة تمتعت فضحت بشاة فجوابه تعرف في الجامع الصغير، وأما بيان ما قلنا: إن هذه المسألة مخصوصة بالنساء لأنهن المخصوصات بالضفائر ويكره لهن حلق الشعر وشرع لهن القصر في الحج وفي تخصيص المرأة إشارة إلى أن الحكم في الرَّجُلِ بخلافها. كذا ذكره حسام الدين الأخسيكتي. الضفيرة: الذوابة
الجزء 1 · صفحة 49
لقوله لتلك المرأة إذا بلغ الماء شؤون رأسك أجزاكِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والمرأة ألم سلمة ذكر في الهادي: السُّؤْنُ غلط وقع من الكاتب لأن الشؤن ما تحت الجلد ولا يمكن إيصال الماء إليه وقيل: الصواب شَوَى رأسك ونقل شيخنا عن الصدر الإمام برهان الدين رحمه الله أن الصحيح من الرواية رحمه الله شوى رأسك
الجزء 1 · صفحة 50
فصل
المعاني الموجبة للغسل:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولكن لفظ الرواية في شروح المبسوط أُشْؤُنَ رأسك. وقال الإمام المعروف بخواهر زاده وصاحب المحيط رحمهما الله: شؤن الشعر أصول الشعر فعلى هذا معناه شؤن شعر رأسك.
فإن قيل في هذا نسخ الكتاب بخبر الواحد لأنها مأمورة بالاطهار بالنص وقد أمكنها النقض فيجب كالرجل.
قيل: الأمر يتناول تطهير البدن والشعرُ ليس من البدن من كل وجه بل هو متصل بالبدن نظراً إلى أصولها ومنفصل عنه نظراً إلى رؤوسها فعملنا بالاتصال في حق من لم يلحقه الحرج وهو الرجل وبالانفصال في حق من يلحقه الحرج وهي المرأة حتى قال لا بعضهم: يجب النقض على الأتراك والعلويين لهذ.
فصل [في موجب الغسل]
قال الأستاذ الكبير رحمه الله: السلف يريدون بالمعاني العلل واجتنبوا عنها احترازاً عن لفظ الفلاسفة حتى استعمله أبو جعفر الطحاوي رحمه الله وكفى بهذا
الجزء 1 · صفحة 51
إنزال المني على وجه الدفق والشهوة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تنبيهاً لمن ينتحل الإسلام وكأنهم اتبعوا السنة فإنها وردت بلفظة المعنى دون العلة. قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى معاني ثلاث أراد بها العلل ولهذا قال: بإحدى معاني ثلاث بدون التاء، ثم سبب وجوب الغسل الصلاة أو إرادة ما لا يحل فعله مع الجنابة لأن الصلاة خدمة وهي تقتضي أن يكون الخادم منظف الثياب مُنقَّى الأطراف إلا أنها توجبه بشروط كالإسلام والبلوغ والتقاء الختانين وغيره فأضيف الوجوب إلى الشرط مجازاً كقولهم: صدقة الفطر لأن السبب يتعلق به الوجود والوجوب والشرط يضاف إليه الوجود فشارك الشرط السبب في الوجود.
قوله على وجه الدفق والشهوة.
احتراز عن قول الشافعي رحمه الله فإن خروج المني كيف ما كان يوجب الغسل
الجزء 1 · صفحة 52
من الرجل والمرأة، لقوله صلى الله عليه وسلم الماء من الماء، فهموا من ذلك إيجاب الاغتسال من إنزال المني.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عنده وإنما شرطنا الشهوة لأن الغسل يجب على الجنب بالنص، والجنب من به إنزال المني على وجه الشهوة ولأن قوله الماء من الماء عام لا يمكن إجراؤه على العموم لأنه يتناول المذي والودي والمني عن شهوة وعن غير شهوة فيراد به أخص الخصوص، والمني عن شهوة مراد بالإجماع فلا يبقى غيره مراد، ثم النص يقتضي وجوب الغسل عند إنزال المني لأن الجار والمجرور ظرف يقتضي فعلاً أو معنى فعل تقديره الغُسل من المني ثابت أو متحقق وهذا إخبار من الشارع وهو آكد. من الأمر فيفيد الوجوب ثم المعتبر عندهما انفصاله عن معدنه وهو الصلب على وجه الشهوة، وعند أبي يوسف رحمه الله الشهوة شرط عند خروجه من رأس العضو أيضا.
قال: ونعمل بقول أبي يوسف رحمه الله إذا كان في بيت إنسان فاحتلم مثلاً ويستحيي من أهل البيت أو خاف أن يقع في قلبهم ريبة بأن طاف حول أهل بيته.
الجزء 1 · صفحة 53
والتقاء الختانين من غير إنزال الحديث عائشة رضي الله عنها ترفعه إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: من غير إنزال.
قيد به مع أن الالتقاء مع الإنزال موجب أيضاً لكن هذا البيان أن الالتقاء نفسه كافٍ لوجوب الغسل ردًّا لقول الأنصار والأعمش والختانان ختان الرجل وختان المرأة بناء على عاداتهم أنهم يختنون النساء، قال النبي ختان الرجل سنة وختان النساء مكرمة أي في حق الزوج لأن جماع المختونة ألد أو يكون على طريق التغليب كالعُمَرَيْنِ وَالْقَمَرَيْنِ، قال الشاعر:
الشَّمْسُ طَالِعَةٌ ليست بكاسِفَةٍ ......... تُبكي عليك نُجُومُ الليل والقمر
أراد به الشمس والقمر. والختان موضع القطع من الذكر، والأنثى والتقاؤهما كناية عن الإيلاج كذا في المغرب، وتوارت أي غابت والحشفة رأس الذكر وإنما
الجزء 1 · صفحة 54
والحيض لقوله تعالى {وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:] بتشديد الطاء
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ذكر هذا سدا لباب المجاز لئلا يتوهم متوهم أن المراد مماسة الفرجين وفيه نفي قول الشافعي رحمه الله فإن عنده يجب الغسل إذا تحاذى الفرجان.
فإن قيل: قوله الماء من الماء» يقتضي عدم وجوب الغسل بالتقاء.
قلنا: تقدير الحديث الغسل من المني واجب أو ثابت إما تحقيقاً أو تقديراً، وفي التقاء وُجد الماء تقديراً إذ الغالب في مثل هذا الإنزال وقد يخفى عليه أثر الإنزال لقلته أو لغيبته فأقيم السبب الظاهر مقام الإنزال فيكون الماء موجوداً تقديراً فيجب الغسل بالحديث فكان هذا مِنَّا قولاً لِمُوجب العلة ولأنه لَمَّا قام هذا الفعلُ مقام الإنزال في حق وجوب الحد لأن يقوم مقامه في حق وجوب الاغتسال أولى، وبهذا احتج عَلِيٌّ رضي الله عنه على الأنصار فقال: توجبون الرجم ولا توجبون صاعاً من الماء
قوله: «والحيض».
أراد به رؤية الدم أو خروج الدم لأن الدم إذا حصل نقض الطهارة الكبرى ولم يجب الغُسْلُ مع سيلان الدم لأنه ينافيه فإذا انقطع أمكن الغُسْل فوجب لأجل ذلك الحديث السابق، فأما الانقطاع فهو طهارة فلا توجب الطهارة كذا ذكره في شرح مختصر الكرخي، وقال أستاذنا رحمه الله المراد منه الخروج من الحيض لأن الخروج مستلزم للحيض فقد وجد الاتصال بينهما فصحت الاستعارة.
ثم وجه التمسك بالنص أن حرمة القربان موقتة إلى غاية الاغتسال، والاغتسال لو لم يكن واجباً عليها تصير الحرمة مطلقةً وهو نقض المشروع، فلا يجوز ووجه
الجزء 1 · صفحة 55
وكذا النفاس، لأنه أقوى من الحيض.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
اخر أن وهو حق الزوج ثابت في الحال أي حال انقطاع الحيض وهو ممنوع عن التصرف في ملكه للاغتسال فلو لم يكن الاغتسال واجباً لما صح المنع لأن المباحات والتطوعات لا تصير ممنوعاً، ألا ترى أن له حق نقض صومها إذا كان تطوعاً وليس له حق نقض الصوم إذا كان فرضاً، وها هنا قد منع عن القربان فعلم أنه واجب وهذا معنى ما استدل به أبو نصر البغدادي رحمه الله حيث قال: منع الزوج من الوطاء لأجل الاغتسال فلولا أنه واجب وإلا لم يمنع الزوج عن حقه الواجب لأجله، وكان شيخنا رضي الله عنه يستدل به من حيث إنه إخبار، وإخبار شارع اكد. من الأمر لأن وجود المأمور به ليس بشرط لصحة الأمر ووجود الخبر به شرط لصحة الأخبار، ولأنه أنهى حرمة القربان إلى غاية فيقتضي وجود الغاية ليتحقق كونها مغيَّاة إليها.
فقلنا بالوجوب لنحمله على الوجود ويؤيده قوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ [البقرة:] وآخر أن الزوج لما منع عن القربان إلى غاية فيحرم عليها التمكن ضرورة ويجب عليها التمكن إذا طلبه منها لما قلنا إن حقه ثابت حال انقطاع الحيض وهي لا يتوصل إليها إلا بالغسل، وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به يجب كوجوبه، وإذا ثبت هذا فيما دون العشرة ثبت فيها لأنا نعلم أن وجوب الاغتسال هنا باعتبار خروج الدم وقد وجد في العشرة فيثبت الحكم فيها بدلالة النص.
قوله: لأنه أقوى من الحيض.
إذ هو يثبت بنفس السيلان بخلاف الحيض قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:] أمر بغسل الأعضاء الأربعة عند القيام إلى الصلاة فمن زاد على هذا فقد زاد
الجزء 1 · صفحة 56
والغسل للجمعة والعيدين والإحرام سنة سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن مالك رحمه الله وجوب الغسل يوم الجمعة، لقوله من شهد الجمعة فليغتسل. ولنا قوله تعالى إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلوة [المائدة: الآية.
وليس في المذي، والودي غسل،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
على النص بخبر الواحد وأنه نسخ فلا يجوز وإنما لم يقل بالوجوب لأنه قال في حديث آخر من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت ومن اغتسل فهو أفضل.
قوله: وليس في المذي والودي غسل.
إنما ذكرهما ها هنا لأنهما يشابهان المني وهذا لأن المني خائر أبيض يخرج منه دفقاً وينكسر منه الذكر ويخلق منه الولد والمذي رقيق يضرب إلى البياض يخرج عند ملاعبة الرجل أهله والودي رقيق يخرج بعد البول وتفسير المياه مأثور عن عائشة رضي الله عنها.
الجزء 1 · صفحة 57
وفيهما الوضوء لحديث المقداد أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب في المذي الوضوء، المذي:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وفيهما الوضوء».
فإن قيل: قد استفيد وجوب الوضوء بقوله: كل ما خرج من السبيلين فأي فائدة في إعادته.
قيل: هذا إثبات بعد النفي لتأكيد النفي الأول كقوله تعالى: {مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا ملك كريم} [يوسف:] وقوله تعالى: {يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ} آل عمران:] كذا قاله الشيخ الإمام بدر الدين الكردري رحمه الله.
فإن قيل: لَمَّا وجب الوضوء بالبول السابق فأي فائدة في وجوبه بالودي.
قال الأستاذ علامة الورى: الجواب عن هذا من وجوه:
أحدها ما ذكره شمس الأئمة الحلواني رحمه الله أن المراد به نفي الاغتسال.
والثاني أن وجوب الوضوء بالبول لا ينافي وجوبه بالودي وقد ذكره شمس الأئمة الحلواني أن من بال ثم بال ثم بال يجب الوضوء بالمرة الثانية والثالثة كما يجب بالأولى إلا أن الوضوء الواحد يكفي للكل يدل عليه ما ذكر في نوادر ابن سماعة أن من حلف لا يتوضأ من الرعاف فبال ثم رعف ثم توضاً فإنه يحنث في يمينه فعلم بأن كل واحد
الجزء 1 · صفحة 58
ما يخرج عقيب ملاعبة الرجل أهله والودي ما يخرج عقيب البول.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
موجب للوضوء إذ لو لم يكن الرعاف موجباً لَمَا حنث في يمينه لتقدم البول، وكذا لو حلف لا يغتسل من فلانة فجامع امرأة غير فلانة ثم جامع فلانة واغتسل حنث في يمينه ويكون الاغتسال منهما.
والثالث ما ذكر في مبسوط فخر الإسلام البزدوي رحمه الله ولا يظهر حكمه بعد البول إلا أن يتخلل بينهما وضوء يبول فيتوضأ ثم يخرج الودي ويجب فيه الوضوء.
والرابع فائدته تظهر فيمن به سلسل البول إذا أودى في الوقت يتوضأ.
والخامس أن الإشكال إنما يرد على هذا فأما على ما فسره في الخزانة والخصاف والنظم أن الودي أن يجامع ثم يبول ويغتسل ثم خرج منه شيء لَزِجٌ فلا.
والسادس ما ذكره الإمام خواهر زاده أن الوضوء يجب في الودي لو تصوّر الانتقاض به كما يقول في بعض مسائل المزارعة ويجوز في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله أي يجوز لو كان يرى جوازها، وفي الوجهين الآخرين نوع ضعف لكني تتبعتُ السلف في إيرادهما.
قوله: والودي يخرج عقيب «البول.
يحتمل أن يكون هذا تفسيراً له وفيه تنبيه على أن الغُسل لا يجب به لأن في المذي لَمَّا لم يجب الغسل مع أنه أشبه منه بالمني فلأن لا يجب فيه أولى وأحرى، ويحتمل
الجزء 1 · صفحة 59
فصل
والطهارة من الأحداث جائزة بماء السماء والأودية، والعيون والآبار، وماء فصلا لبحار، لقوله تعالى {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:].
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أن الودي لما كان صفته هذا يكون من توابع البول فيكون حكمه حكم البول وإلى هذا الوجه أشار في الزاد وغيره من الشروح ..
فصل [في المياه]
اعلم أن الخبث يقع على الحقيقي، والحدث يُطلق على الحكمي، والنجس يشملهما وتقييد الإحداث ليس للاختصاص بها فإن الأخباث تشارك الأحداث في هذا المعنى لكنه لَمَّا تقدم بيان الطهارتين الكبرى والصغرى وما ينقضهما فاحتاج إلى بيان ما تحصل به هاتان الطهارتان وهو الماء المطلق فصار على هذا التحقيق الألف واللام فيها للعهد أي الطهارة من الأحداث التي سبق ذكرها من الحيض والنفاس والجنابة وغيرها.
قوله: «بماء السماء».
لقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:] والطهور ما يطهر غيره والأودية والعيون والآبار من ماء السماء أيضاً قال الله تعالى: وأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ
الجزء 1 · صفحة 60
والغسل المعتاد بالماء المطلق، لقوله و الماء طهور لا ينجسه شيء، إلا ما غير لونه، أو طعمه، أو ريحه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا [الرعد:] وقال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنبِيعَ في الأَرْضِ} [الزمر:].
قوله: والغسل المعتاد بالماء. المطلق.
اعلم أنه لا بد من إدراج مقدمات ليتم الاستدلال به وهو أن يقال أمر بالغسل الآلة التي يحصل بها الغسل والأمر مطلق والمطلق ينصرف إلى المعتاد، فيقتضي والمعتاد الغسل بالماء المطلق وهذه المياه مطلقة فينصرف الأمر إليه والمطلق في اصطلاح أصول الفقه المتعرّض للذات دون الصفات لا بالنفي ولا بالإثبات، والمراد به هنا ما يسبق إلى أفهام الناس بمطلق قولنا: الماء ويقال: المطلق ما لا يحتاج في تعرف ذاته إلى شيء آخر، والمقيد ما لا يتعرف ذاته إلا بالقيد، كذا قاله الأستاذ الكبير رحمه الله وقال: الطهور البليغ في الطهارة، وقال ثَعْلَب: الطهور ما كان طاهراً في
الجزء 1 · صفحة 61
ولا تجوز بماء اعتصر من الشجر، والثمر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
نفسه ومطهراً لغيره. قال المطرزي: إن كان هذا زيادة بيان لنهايته فصواب وإلا فليس فعول من التفعيل في شيء وقياس هذا على ما هو مشتق من الأفعال المتعدية كقطوع غير سديد وفيه كلام ذكره الزجاجي
قوله: ولا يجوز بماء اعتصر من الشجر والثمر.
الأصل في هذا أن التوضي بالماء المطلق جائز ما دامت صفة الإطلاق باقية ولم يخالطه النجاسة، فإذا بطلت صفة الإطلاق لا يجوز التوضي به لأن الحكم عند فقده منقول إلى التيمم وبطلان صفة الإطلاق بغلبة الممتزج أو بكمال الامتزاج وغلبة الامتزاج بكثرة الإجراء وكمال الامتزاج بطبخ الماء بالخلط الطاهر أو بتشرب النبات الماء حتى يبلغ الامتزاج مبلغاً ي يمتنع خروج ا الماء منه إلا بعلاج والامتزاج بالطبخ. إنما يمتنع التوضي به إذا لم يكن ذلك الامتزاج مقصوداً للغرض المطلوب من التوضي وهو التنظيف كالأشنان إذا طبخ بالماء فإنه يجوز التوضي، به لأن هذا الامتزاج مقصود للغرض المطلوب من التوضي وهو التنظيف والامتزاج هو الاختلاط بين الشيئين بحيث يشيع أحدهما في الآخر حتى يمتنع التمييز إذا عرفنا هذا فنقول: لا يجوز التوضي بماء اعتصر من الشجر والثمر لكمال الامتزاج لأنه لا يخرج منه إلا بعلاج وهو العصير ويجوز بالماء الذي يقطر من الكرم لأنه يخرج من غير علاج ولا يجوز بالخل
الجزء 1 · صفحة 62
لأنه ليس بماء مطلق.
والطهارة عن الحدث ثبتت بخلاف القياس، لطهارة الأعضاء، حقيقة وشرعاً، وتطهير الظاهر محال، فاتقصر على مورد النص.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والأشربة والمرق وماء الباقلاء يعني المطبوخ بالباقلاء لكمال الامتزاج ويجوز بماء الزعفران يعني إذا لم يطبخ بالزعفران لعدم كمال الامتزاج فلو غلب الزعفران على الماء بأن كانت أجزاؤه أكثر لا يجوز لغلبة الممتزج.
قوله: بماء اعتصر.
بالعصر كذا سمعت من شيخي رحمه الله والتقييد بالاعتصار يدل على أنه لو انعصر بنفسه يجوز التوضي به.
قوله: «لأنه ليس بماء مطلق».
لأنه لا يفهم بمطلق قولنا: الماء.
قوله: والطهارة عن الحدث.
جواب لإشكال وهو أن يقال إن لم يكن ماء مطلقاً ومنصوصاً عليه لكن الحكم يثبت فيها بطريق القياس كما قالا في الأخباث فنقول: القياس إنما يستقيم أن لو كان الحكم في الأصل ثابتاً على وفاق القياس وليس كذلك فإن الأعضاء طاهرة حقيقةً وشرعاً أما حقيقة فلأنها لم تصبها النجاسة الحقيقية، وأما حكماً فلأنه لو صلى حامل محدث أو جنب تصح صلاته ولو كان نجساً لما جازت الصلاة معه كما لو كان معه دم وتطهير الطاهر محال لأن التطهير إما إثبات الطهارة كالتعليم إثبات العلم أو إزالة النجاسة، والطهارة ثابتة فلا يمكن إثباته لأن الحاصل لا يمكن تحصيله والنجاسة زائلة فلا يمكن إزالتها لأن إزالة المزال محال. وإذا كان على خلاف القياس فيقتصر على مورد النص لما عرف أن كل حكم ثبت بخلاف القياس غيره عليه لا يقاس إلا إذا كان في معناه من
الجزء 1 · صفحة 63
ولا يجوز بماء غلب عليه غيره فأخرجه عن طبع الماء
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كل وجه فحينئذ يثبت بالدلالة لا بالقياس وليس في معناه لأن الماء المطلق لا يعز وجوده ويوجد مجاناً والمقيد يعز وجوده ويبالي بخبثه ولا يوجد مجاناً.
قوله: «فأخرجه عن طبع الماء».
خرج مخرج التفسير لقوله: غلب عليه غيره وإنما لا يجوز لأنه صار شيئاً آخر فلهذا لا يستعمل إلا مضافاً فيقال: ماء الباقلاء.
فإن قيل: مثل هذه الإضافة موجودة فيما ذكرت من المياه المطلقة لأنه يقال:: ماء الوادي وماء العين. قلنا: إضافته إلى الوادي والعين إضافة تعريف لا تقييد لأنه يتعرف ماهيته بدون هذه الإضافة ويفهم بمطلق قولنا: الماء، بخلاف ماء الباقلاء وأشباهه فإنه لا يتعرف ماهيته بدون ذلك القيد ولا ينصرف الوهم إليه عند الإطلاق ولهذا صح نفي اسم الماء عنه فيقال: فلان لم يشرب الماء وإن كان شرب ماء الباقلاء والمرق، ولو كان ماء حقيقة لما صح نفيه لأن الحقيقة لا يسقط عن المسمى أبداً ويكذَّب نافيها وهذا كما يقال: صلاة الجمعة ولحم الإبل وصلاة الجنازة ولحم السمك تأمل تفهم.
قوله: وماء الباقلاء».
يريد به إذا كان مطبوخاً.
الجزء 1 · صفحة 64
كالأشربة والخل وماء الباقلاء، والمرق، لأنه لا يسمى ماء مطلقاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: «كالخل».
إذا كان خلاً قد خُلط بالماء فهو من قبيل ما غلب عليه غيره ولو كان خالصاً فهو من قبيل ما اعتصر من الثمر.
ثم رُوعِيَتْ صنعة اللف والنشر التي من أنواع علمي المعاني والبيان. فقوله: ولا يجوز بما اعتصر ولا يجوز بماء غلب عليه غيره لف
قوله: «كالأشربة إلى قوله: والمرق.
نشر ونظيره قوله تعالى: {وَمِن رَّحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ} [القصص:] كذا قاله الشيخ العلامة بدر الدين رحمه الله.
من الشجر كشراب الديباس ومن الثمر كالرمان والعنب وقال والأشربة المتخذة من الشجر كشراب الديباس أيضاً رحمه الله.
القسم الأول مقابل بالرقيق حتى تناوله مطلق قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:] كما تناول الرقيق مطلق قولِ الرجل: كل مملوك لي حر.
والقسم الثاني مقابل بالمكاتب فإن الملك فيه ناقص كما انتقص ماهية الماء في الأشربة فإذا لم يتناوله مطلق الآية فلا يجوز التوضي به.
والقسم الثالث وهو ما إذا كان الخلط شيئاً طاهراً مقابل بالمدبّر إذ الملك فيه كامل والرق ناقص بدليل حل الوطء ويتناوله مطلق الآية من حيث إن المخالط شيء طاهر وهذا لا يؤثر في وصف الماء من حيث القلع وإثبات وصف الطهارة بل يزداد تأثيره بهذا، كذا قرره الشخ الإمام بدر الدين رحمه الله في فوائده للمختصر.
الجزء 1 · صفحة 65
ويجوز الطهارة بماء خالطه شيء طاهر فغيَّر أحد أوصافه كماء المد والماء الذي يختلط به الأشنان أو الصابون أو الزعفران لأن الخلط إذا كان قليلاً طاهراً لا يمكن صون الماء عنه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[قوله: «خالطه ما يزيد في التطهير كالصابون والأشنان إلا إذا صار غليظاً لا يمكن تسييله على العضو فإنه لا يجوز به الطهارة لزوال اسم الماء عنه ومعناه. وهذا في حال غير الضرورة.
أما عند الضرورة يجوز التوضؤ به وإن تغير لونه أو طعمه بامتزاج غيره بأن وقعت أوراق الأشجار فى الحياض حتى تغير لونه لأنه لا يمكن صون الحياض عنها وكذا الماء الكدر لأن الماء غالب على التراب إلاّ إذا صار الماء غليظاً هذا إذا كان الخلط على وجه لا يزول عنه اسم الماء ومعناه.
فأما إذا صار مغلوباً به فهو ملحق بالماء المقيد غير أنه يعتبر الغلبة أولاً من حيث اللون ثم من حيث الطعم ثم من حيث الأجزاء فنقول ينظر إن كان شيئاً يخالف لونه لون الماء كاللبن إن غلب لون الماء يجوز التوضؤ به وإلا فلا، وإن كان يوافق لونه لون الماء كالبطيخ إن غلب طعم ذلك الشيء لا يجوز التوضؤ به وإن كان شيئاً لا يظهر طعمه في الماء فإن العبرة فيه بكثرة الأجزاء إن غلب أجزاء الماء يجوز وإلا فلا هذا ما تلخص من الزاد فاحفظه]
قوله: «فغير أحد أوصافه».
هي اللون والطعم والريح، فإن غَيَّرَ أحد الأوصاف يبقى طاهراً وإن غير الاثنين فعلى إشارة هذا الكتاب لا يجوز به الوضوء لكن الرواية الصحيحة بخلاف هذا، كذا نقله شيخنا عن شيخه العلامة.
فإن قيل: ينبغي أن لا يجوز به الوضوء إذا غيّر أحد أوصافه لقوله صلى الله عليه وسلم إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه».
الجزء 1 · صفحة 66
وكل ماء دائم وقعت فيه نجاسة، لم يجز الوضوء به،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قيل: معناه إلا ما غَير. والمغير نجس فيكون المعنى لا ينجسه شيء ما إلا مغير نجس لأن النص عندنا ورد في الماء الجاري والحكم فيه أنه لا: يجوز استعماله حيث يرى فيه النجاسة أو يوجد طعمها أو ريحها فإن هذه المعاني تدل على قيام النجاسة. والماء وإن لم ينجس بالنجاسة فالنجاسة بعينها لا تظهر بالماء إلا أن تتلاشى فيسقط حكمها دفعاً للحرج، كذا أشار في الأسرار.
قوله: وكل ماء وقعت فيه النجاسة».
ذكر الماء المطلق أولاً ثم ما يخالطه شيء طاهر وهو على نوعين ثم ما يخالطه شيء
الجزء 1 · صفحة 67
قليلاً كان أو كثيراً، لقوله صلى الله عليه وسلم يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسلن فيه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
نجس والمراد من الماء المذكور هنا الدائم الذي لم يكن عشراً في عشر كالأواني والآبار.
قوله: «قليلاً كان أو كثيراً».
قال الشيخ رضي الله عنه يحتمل أن يكون القليل والكثير صفة الواقع فيكون الخلاف حينئذ بيننا وبين مالك رحمه الله لأنه يقول: إن كانت النجاسة قليلةً بأن لم يظهر لونه أو طعمه أو ريحه لا يتنجس الماء وإن كانت كثيرة يتنجس، ويحتمل أن يكونا صفتي الماء فحينئذ يقع الخلاف بيننا وبين الشافعي رحمه الله وقوله: كثيراً على زعم الشافعي رحمه الله القلتان. وهو
قوله: صلى الله عليه وسلم «لا يبولن» إلى آخره.
الجزء 1 · صفحة 68
..
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وجه التمسك به ما قاله صاحب الأسرار: أن مطلق النهي يوجب التحريم وفساد الفعل شرعاً ولا فصل في الحديث بين دائم ودائم فهو على العموم إلا أن يصير في حكم الجاري كالبحر وما لا يخلص بعضه إلى بعض.
فإن قيل: ينبغي أن يجوز به الوضوء لإطلاق قوله صلى الله عليه وسلم الماء طهور». قيل: الحديث ورد في بئر بضاعة وكان ماؤه جارياً في البساتين وهذا
الجزء 1 · صفحة 69
من الجنابة فالأمر بحفظ الماء الراكد دل على تأثر الماء به.
والماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة، جاز الوضوء منه، إذا لم ير لها أثر، لأن النجاسة لا تستقر مع جريان الماء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لأنه لو لم يكن كذلك لوقع التناقض بينه وبين قوله ل الله لا يبولن أحدكم في الماء الدائم».
فإن قيل: يحتمل أن يكون النهي للأدب أو للتّنْزيهِ
قيل: لمطلق النهي يقتضي الحرمة إذا عري عن التأكيد فكيف وقد أكد ولأنه لو كان كذلك لما صح التقييد بالماء الدائم فإن الجاري يشاركه في ذلك المعنى فلأنه لو حمل على ذلك لم يقع الفرق بين توهم النجاسة وبين حقيقتها فإن المستيقظ إذا أدخل يده في الإناء قبل الغسل، فإن ذلك يكره ولا يتنجس الماء ولهذا كان غسله قبل الإدخال سنة فلو قلنا: بعدم التنجس هنا لاسْتَوَتْ النجاسة الحقيقية والمتوهمة ولأنه نهاه عن الاغتسال فيه مع شدة الاحتياج إليه لأنه مأمور به فلو لم يتأثر به الماء لَمَا كان في النهي فائدة.
قوله: والأمر بحفظ الماء».
إنما قال: ذلك مع أنه عليه السلام لم يأمر به لأن النهي عن الشيء أمر بضده
عند عامة المشايخ كذا ذكره في مختصر اللامشي
قوله: «إذا لم ير لها أثر».
في هذا إشارة إلى أن النجاسة إذا كانت مرئية لا يتوضأ من جانب الوقوع، والأثر هو اللون والطعم والرائحة.
الجزء 1 · صفحة 70
والغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر إذا وقعت أحد جانبيه: جاز الوضوء من الجانب الآخر، لأن الظاهر أن النجاسة نجاسة في لا تصل إليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والجاري: ما يذهب بِتِبْنَةٍ، وقيل: ما يعده الناس جارياً، وقيل: ما لا يتكرر استعماله قال الشيخ الإمام بدر الدين رحمه الله: الغدير من غدر أي ترك فعيل بمعنى مفعول أي المتروك من ماء المد وقال رحمه الله: المراد بتحريك الطرف الآخر أنك إذا حركته يتحرك الطرف الآخر في ساعتك ولا يعتبر موج الماء لأن ذلك يكون وإن كثر الماء وإلى هذا أشار في المحيط، وقال في الأسرار يعنون تحركة الاستعمال، لا بطبعه فإن الماء مائع سَيَّالٌ يخلص بعضه إلى بعض بالاضطراب الذي يقع فيه وإن كان كثيراً، والتحرك إما بالتوضي أو بالاغتسال على اختلاف الأقوال، وفي قوله: جاز الوضوء من الجانب الآخر إشارة إلى تنجس موضع الوقوع كذا في الهداية.
قوله: «لا تصل إليه».
لأن أثر التحريك في السراية فوق أثر النجاسة.
النَّفْسُ: بسكون الفاء؛ الدم والتخلل: النفوذ كذا في الديوان، وتقرير النكتة: أن الميتة حرام بالنص وهو قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة: والحرمة: لا لكرامته آية النجاسة فيكون الميتة نجسة وقد تخللت أجزاؤها في الماء فيتنجس الماء لكنا نقول: الحرمة ليست من ضرورتها. النجاسة كالطين قوله صلى الله عليه وسلم إذا
الجزء 1 · صفحة 71
وموت ما ليس له نفس سائلة في الماء لا ينجسه، كالبق، والذباب والزنابير، والعقارب، وقال الشافعي رحمه الله يفسده لتحلل أجزاء الميتة في الماء، ولنا قوله صلى الله عليه وسلم إذا وقع الذباب في طعام أحدكم فأمقلوه ثم انقلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، وإنه ليقدم الداء على الدواء،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقع الذباب الحديث، ذكر في المغرب إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه ثم انقلوه فإن في أحد جناحيه سما وفي الآخر شفاء هكذا في الأصول.
وأما فامقلوه ثم انقلوه فمصنوع لكن قد صحت الرواية في المصابيح والمبسوط كما ذكر في النافع وذكر في المغرب، معنى الحديث اغمسوه في الطعام
الجزء 1 · صفحة 72
ولو أفسد الطعام لكان فيه إضاعة له وقد منع من الإضاعة، وأدلة الشرع لا تتناقض. وموت ما يعيش في الماء لا يفسده كالسمك، والضفدع، والسرطان، لأن هذه الأشياء لا دم لها، لأن الحرارة خاصية الدم، ولو كان لها دم لأَنْطَفَتْ بدوام السكون في الماء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ليخرج الشفاء كما أخرج الداء وذلك بإلهام الله تعالى كما في النحل والنمل.
واختلفت في معنى الداء:
قال بعضهم: إن فيه داءً حقيقةً وشفاءً حقيقةً عَلِمَهُ النبي صلى الله عليه وسلم وَأَعْلَمَنَا وإِن لم يبين لنا ماهية ذلك الداء.
وقال بعضهم: المراد داء الكبر والترفع من استباحة ما أباحته الشريعة وأحلته السنة، فالنبي ما هو أمر بمقلة دفعاً للتكبر والترفع وقهراً لنفس الأمارة بالسوء، والتمسك به أن من المعلوم أن الذباب إذا مقل في الطعام الحار يموت من ساعته ولو كان موته يوجب تنجساً لكان هذا أمراً بالتضييع، وقد نهانا عن إضاعة المال وفيه إثبات التناقض وهو لا يليق بأدلة الشرع لأنه أمارة الجهل، والحديث وإن ورد في الذباب لكنه يثبت الحكم في أخواتها بدلالة النص أو بأحاديث أخر أو بالإجماع.
قوله: وموت ما يعيش في الماء فيه.
في بعض النسخ لم يذكر كلمة فيه» والشيخ شمس الأئمة الكردري رحمه الله أثبتها لتكون المسألة مجمعاً عليها، لأنه إذا مات في دنّ الْخَلَّ، قيل: يفسد، قيل: لا يفسد بناء على أن علة عدم التنجس موته في معدنه عند البعض، وعند البعض كونه مما لا دم لها، ومائي المعاش هو الذي يكون توالده ومثواه في الماء وتقرير الدليل أن
الجزء 1 · صفحة 73
والماء المستعمل لا يجوز استعماله في طهارة الأحداث وعليه الإجماع،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الحرارة من خاصية الدم، ولو كان لها دم لكان لها حرارة لأن طبيعته لا ينفك عنها ولو كان لها حرارة لانْطَفَتْ بدوام السكون في الماء المضاده بين الطبيعتين لأن الماء بارد رطب والدم حار رطب.
وذكر فخر الإسلام البزدوني في مبسوطه ما يعيش في الماء لا تكون له دم على التحقيق بل تكون له رطوبات فيه حمرة تشبه الدم لأن الدموي لا يقدر أن يعيش في الماء لأن الدم يخنقه ألا ترى أنه لا يكون طبعه طبع الدم فإنه يبيض عند الشمس والدم يسود عند الشمس ولا يكون فيه حرارة بل برودة
قوله: «في طهارة الأحداث».
قيد بها لما أنه يجوز إزالة الأخباث به على رواية عن أبي حنيفة رحمه الله على ما سيجيء في باب الأنجاس إن شاء الله تعالى.
قوله: وعليه الإجماع».
ذكر فخر الإسلام في المبسوط أجمع أصحابنا أن الماء المستعمل في الوضوء والاغتسال لا يجوز استعماله في طهارة الأحداث ثانياً لكن اختلفوا في طهارته ونجاسته فعلم بهذا أنه أراد به اتفاق علماء الثلاثة أو أراد به ما إذا كان المستعمِلُ مُحدِثاً فإنه طاهر غير طهور عند زفر وأحد قولي الشافعي رحمهما الله ولم يعد ذلك الخلاف
الجزء 1 · صفحة 74
وإنما الخلاف في نجاسته والمستعمل كل ماء أزيل به حدث أو استعمل في البدن على جهة القربة.
وكل إهاب دبغ فقد طهر، وجازت الصلاة فيه، والوضوء منه،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
خلافاً لما أن هذا كالمجمع عليه كذا أشار فخر الإسلام في الجامع الصغير. قوله: «وإنما الخلاف في النجاسة
فعند أبي حنيفة نجس نجاسة غليظة، وعند أبي يوسف خفيفة، وعند محمد طاهر غير مطهر، والفتوى على قوله كذا في الزاد.
قوله: «أو استعمل في البدن على وجه القربة.
بأن كان متوضئاً فيتوضأ مرة ثانيةً ليكون نوراً على نور وهذا عند أبي يوسف رحمه الله لأن الفساد عنده يثبت بالأمرين وعند محمد رحمه الله بإقامة القربة فحسب، وهذا الخلاف يظهر فيما إذا أسال الماء على الأعضاء على وجه التبرد يجوز التوضي بذلك الماء المستعمل لو جمع عند محمد خلافاً لأبي يوسف وإنما. يأخذ الماء حكم الاستعمال إذا زَايَلَ العضو واستقر في مكان كذا اختاره الصدر الشهيد رحمة الله عليه.
قوله: وكل إهاب دبغ فقد طهر.
ليس موضعه ها هنا لكنه وقع بطريق الاستطراد لأن في بعض الكلام إشارة إليه وهو قوله: «الوضوء منه
الجزء 1 · صفحة 75
لقوله صلى الله عليه وسلم أيما إهاب دبغ فقد طهر، إلا جلد الخنزير والآدمي لقوله تعالى أَوْ لَحْمَ خِنزِيرِ فَإِنَّهُ رِجْسُ [الأنعام:] والكناية تنصرف إلى مكنى الأقرب وهو الخنزير لا اللحم، وكذا عضو الآدمي محرم للتكريم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الإهاب: اسم لغير المدبوغ كذا في المغرب. أي نكرة يراد بها جزء ما يضاف إليه وقد وصفت بصفة عامة فتعم كذا قاله شيخنا رحمه الله.
قوله: «إلا جلد الخنزير».
قال الشيخ الإمام بدر الدين رحمه الله: قدم الخنزير على الآدمي في موضع استثناء وإن كان الأحق تقديم الآدمي لأنه مكرَّم مشرف والخنزير مُهَانٌ، وتقديم المشرف أحق. قال الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّباِقُونَ أُولَيكَ الْمُقَرَبُونَ} [الواقعة:] لما أن هذا الموضع موضع الإهانة كما في قوله تعالى: {طَيِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَجِدُ [الحج:] الآية، أخر المساجد لما أنه ذكر لفظ التهديم.
قوله: والكناية تنصرف إلى أقرب المكنى.
الأقرب.
الكناية ما استير المراد به مثل ألفاظ الضمير، وإنما سمي بها لأن المراد منها لا يعلم إلا بالصريح المتقدم عليها وصرفها إلى أقرب المكنيات أبين للمراد فينصرف إليه قال الله تعالى: {وَأَشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [النحل:].
الجزء 1 · صفحة 76
وشعر الميتة وعظمها طاهر، وقال الشافعي رحمه الله نجس لأنه من أجزاء الميتة، ولنا قوله تعالى وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَتَنا النحل: ....
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فإن قيل: الكناية كما تنصرف إلى المكنى الأقرب تنصرف إلى المقصود في الكلام، والمقصود في الكلام هو المضاف كما يقال: لقيتُ ابن عباس وخَدَمْتُه وقال الله تعالى وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم:، النحل:].
قيل: لما تعارض الأصلان فصرفه إلى ما فيه إعمال الأصلين أولى من الصرف إلى ما فيه إعمال أحدهما، وفي الصرف إلى الخنزير إعمالهما إذ هو مشتمل على اللحم وغيره ولا كذلك اللحم.
قوله: «شعر الميتة».
أراد بها ما سوى الخنزير لأن شعره نجس الصوف للغنم، والوبر للإبل، والشعر للمعز، والأثاث ما يُتَّخَذُ من الثياب والأمتعة كذا في شرح التأويلات.
الجزء 1 · صفحة 77
مطلقاً وهذه الأشياء ليست بميتة، لأن الميتة اسم ما زالت الحياة عنها لوجود التضاد بين الموت والحياة والمحل لا يخلو عن أحد الضدين ولا حياة في الشعر، لعدم الحس والحركة وإنما فيه النمو كما في النبات والنامي لا يسمى حيا فلا يكون ميتة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: «مطلقاً».
يعني ذكر مطلقاً فيكون شاملاً للمقادير أجمع، فيتناول شعر الحي وغيره والآية خرجت مخرج الامتنان والامتنان إنما يكون بالطاهر لأن استعمال الشيء النجس مكروه شرعاً وطبعاً.
قوله: «لأن الميتة ما زالت الحياة عنها.
قال الأستاذ: مولانا حميد الدين الموت صفة وجودية عندنا. قال الله تعالى: {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَةَ} [الملك:] والعدمي لا يوصف بكونه مخلوقاً فتعريفه بزوال الحياة وهو أمر عدمي لا يصح، وإنما يصح على قول الفلاسفة، فإنهم يقولون: السكون عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك والضدان صفتان وجوديتان يتعاقبان على موضع واحد يستحيل اجتماعهما.
قوله: والمحل».
أي المحل الذي له ضدان وإلا قد يخلوا المحل عن الضدين بأن كان له أضداد لأن من شأن الضدين أن يجوز ارتفاعهما بخلاف النقيضين. وإنما فيه النمو جواب الإشكال وهو أن يقال: جزء نام بحياة الأصل فكان حيًّا كالأذن وسائر الأطراف فنقول: النمو
الجزء 1 · صفحة 78
فصل
وإذا وقعت في البئر نجاسة نزحت لشيوع النجاسة في أجزاء الماء لأن وجوب التحرز عن النجاسة واجب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لا يدل على الحياة الحقيقة كنمو النبات وإنما يدل على الحياة النامية وهو مجاز.
وأما قوله تعالى: {وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَكُمْ} [البقرة:] يحتمل أن يكون قال: ذلك بناءً على أخذ الميثاق، والمراد بقوله تعالى: {مَن يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس:] الآية ردها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بدن حي حساس كذا في الكشاف وذكر الإمام المعروف بخواهر زاده أنه أراد به أصحاب العظام.
فصل في مسائل الآبار
مسائل الآبار مبنية على أتباع الآثار إذ القياس فيها أحد الشيئين:
إما ما قاله بشر: إنه يُطَم رأس البئر ويحفر في موضع آخر لأنه وإن نزح ما فيها يبقى الطين والحجارة نجساً.
وإما ما نقل عن محمد فإنه قال: اجتمع رأيي ورأي أبي يوسف أن ماء البئر في حكم الماء الجاري لأنه ينبع من أسفله ويؤخذ من أعلاه فلا يتنجس بوقوع النجاسة فيه كحوض الحمام إذا كان يصب من جانب ويؤخذ من جانب لم يتنجس بإدخال اليد النجسة ثم قلنا: وما علينا لو أمرنا بنزح بعض الدلاء ولا يخالف السلف، قال الشيخ رحمه الله.
قوله: «نُزِحَتْ».
أي البئر والمراد ماؤها أطلق اسم المحل على الحال كقولهم جرى النهر» و «سال الميزاب وإنما حملنا على هذا لأن بنزح النجاسة لا يطهر البئر فلا يتم جواب المسألة.
قوله: «نُزِحَتْ».
لبيان حكم المسألة.
الجزء 1 · صفحة 79
وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به يجب كوجوبه ونزح ما فيها من الماء طهارة لها. فإن ماتت فيها فأرة، أو عصفور، أو صعوة، أو سودانية، أو سام أبرص، نزح منها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وكان نزح ما فيها طهارة لها».
يشير إلى أنه لا يحتاج إلى غسل الأحجار وغير ذلك.
قوله: وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به يجب كوجوبه».
أي الشيء الذي لا يتوصل إلى الواجب إلا بذلك الشيء يجب ذلك الشيء كوجوب ذلك الواجب، والضمير في «به يرجع إلى الموصول وكذا المستكن في «يجب»، والضمير في كوجوبه يرجع إلى الواجب وهو التحرز عن النجاسة، فالتحرز عن النجاسة واجب ونحن لا نصل إلى هذا الواجب إلا بنزح جميع الماء الشيوع النجاسة في أجزاء الماء فيجب نزح جميع الماء لا لِذَاتِهِ بل لنصل بواسطته إلى التحرز عن النجاسة وهذا كالمقتضى فإنه جعل غير المذكور مذكوراً تصحيحاً للمذكور، وهنا جعلنا غير الواجب واجباً لنصل إلى الواجب كمن قال لعبده: اصْعَدِ السطح» كان مأموراً بنصب السُّلَّم، وكالمأمور بالتوضي مأمور بتحصيل الدلو والرشا والاستقاء وهذا، لأن الشيء إذا ثبت ثبت بما هو من لوازمه وضروراته». كذا قرّره شيخنا رحمه الله.
ذكر في المغرب السودانية طويرة طويلة الذنب على قدر قبضة الكف، وفيه سام أبرص من كبار الوزغ وفيه أحسنت إليه حسب الطاقة وعلى حسبها أي قدرها.
قوله: «فيها».
قيَّد بالوقوع في البئر لأنها لو وقعت في جُبِّ أهريق الماء كله كذا في المبسوط.
الجزء 1 · صفحة 80
ما بين عشرين دلواً إلى ثلاثين، بحسب كبر الدلو وصغره.
وإن ماتت فيها حمامة، أو دجاجة، أو سنور نزح منها ما بين أربعين دلواً إلى ستين لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وإن كان آدمياً نزح ماء البئر كله، لحديث الزنجي الذي مات في بئر زمزم فأمر عبد الله بن عباس رضي الله عنه وابن الزبير بنزح ماء البئر كله، وكذلك الشاة والكلب.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ما بين عشرين إلى ثلاثين.
العشرون بطريق الإيجاب والثلاثون بطريق الاستحباب وهذا بعد إخراج الفأرة حتى لو نُرح عشرون دلواً وهي فيها لم يطهر لأن علة النجاسة قائمة كذا في المبسوط. قوله: «بحسب كبَرِ الدلو وصِغَرِها.
قال الإمام بدر الدين رحمه الله: الكبير ما زاد على الصاع والصغير ما دون الصاع. وفي المبسوط لشيخ الإسلام خواهر زاده رحمه الله قدر هذا الدلو بالصاع. فلو جاؤوا بدلو عظيم يسع عشرون صاعاً فاستقوه به مرة واحدة أجزأه وإليه أشار في الكتاب حيث قال: بدلو عظيم.
قوله: الحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
مراده في المسألتين فإنه ذكر فخر الإسلام في المبسوط روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه سئل عن فأرة تموت في البئر. قال يُنْزَحُ منها عشرون دلواً.
الجزء 1 · صفحة 81
وإن انتفخ الحيوان فيها أو تفسخ نزح جميع ما فيها، صغر الحيوان أو كبر، لأن أجزاء الميتة شاعت في الماء.
وعدد الدلاء يعتبر بالدلو الوسط المستعمل في الآبار لأن الوسط إلى العدل أقرب فإن نزح منها بدلو عظيم قدر ما يسع فيه من الدلاء الوسط المستعمل للآبار
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وذكر في الهداية روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال «في الدجاجة إذا ماتت في البئر ينزح منها أربعون دلواً، ثم إن كان هذا مرفوعاً فظاهر، وإن كان موقوفاً عليه فهو كالمرفوع لأنه من المقادير.
فإن قيل: قد مر أن مسائيل الآبار مبنية على اتباع الآثار دون القياس والنص ورد في الفأرة والدجاجة والآدمي وقد قيس ما يعاد لها بها.
قلنا: بعد ما استحكم هذا الأصل صار كالذي ثبت على وفاق القياس في حق التفريع عليه كما في الإجارة وغيرها من العقود التي يأتي القياس بجوازها. قوله: «لأن الوسط إلى العدل أقرب.
يحتمل أن يكون أقرب بمعنى القريب كما في قوله: الناقص والأشج أعدلا بني مروان، كأنك قلت: عادلاً بني مروان.
الجزء 1 · صفحة 82
احتسب به لحصول، المقصود وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه لا يجوز، لأن بتواتر الدلاء يصير الماء في معنى الماء الجاري.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وإنما قلنا: إنه قريب إلى العدل لأنه دلَّ الدليل على أنه يُنزح بالكبير لأنه أحوط لكن فيه بعض الحرج، ودل الدليل على أنه يُنْزَحُ بالصغير لإطلاق ما روينا لكن فيه ترك الاحتياط لجواز أن يبقى فيه أجزاء النجاسة وقد تعارض الدليلان والأصل في التعارض الجمع»، فالعدل أن يجمع بين الدليل على وجه يكون العمل بهما من كل وجه لكنه لا يمكن، والوسط قريب إليه لأنه ذو حظ من الجانبين إذ هو أكبر من الصغير كما أن الكبير أكبر منه وأصغر من الكبير كما أن الصغير أصغر منه، ويقال: لما كان الكبير والصغير جهةً في العدل على ما ذكرنا كانا قريبين إلى العدل، فالوسط يكون أقرب منهما إليه ضرورة، وعلى هذا يجري الأقرب على حقيقته أو يكون معنى قوله: لأن الوسط إلى العدل أقرب أن الوسط عدل كما ذكر في شرح التأويلات في قوله تعالى: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَيذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَنِ} [آل عمران:] أي هم ألزم على الكفر وأقبل له مع وجود الكفر منهم حقيقة لا على القرب إليه قبل الوجود كما قال الله تعالى: {إِنَّ رحمت اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف:] أي هي لهم لا على القرب إليه قبل الوجود.
قوله: «أحتسب به».
قال المطرزي: احتسب بالشيء اعتد به وجعله في الحساب.
قوله: الحصول المقصود.
وهو نزح قدر الواجب. والجواب عن كلام الحسن رحمه الله أن الشرع لما أمر
الجزء 1 · صفحة 83
وإن كانت البئر مَعِيناً لا تنزح ووجب نزح ما فيها، أخرجوا مقدار ما فيها وعن محمد رحمه الله أنه قال: ينزح منها مائتا دلو إلى ثلاثمائة دلو.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بنزح الدلاء المقدرة تعلق الحكم به وسقط اعتبار الجريان ولأن معنى الجريان متحقق هنا إلا أن ذلك جريان في ساعات وهذا في ساعة واحدة والمقصود متحقق وهو انفصال النجس عن الطاهر فوجب ترتيب حكمه عليه.
قوله: «وإن كانت البئر معيناً.
قال الجوهري: ماء معين أي معيون مفعول مِن عِنْتُ الماء إذا استنبطته، وفي المغرب معين أي ذات عين جارية من قولهم عين معيونة والقياس أن يقال: معينة لأن البئر مؤنثة وإنما ذكرها حملاً على اللفظ وتوهم أنه فعيل بمعنى مفعول.
قوله: «لا تنزح».
جملة فعلية وقعت تفسيراً لقوله: معيناً أي لا يمكن نزحها.
قوله: «وجب نزح ما فيها».
جملة حالية.
قوله: «أخرجوا».
جواب المسألة.
وإنما ذكرت هذا وإن كان يعرفه من له أدنى لب لأنه ذكر في بعض شروح المختصر فوجب. وتوهم أنه جواب المسألة ولم يذكر أخرجوا وهو غلط وقع من الكاتب. وطريق معرفته أن ترسل قصبة في الماء ويجعل لمبلغه علامة ثم يترح عشر دلاء مثلاً ثم ينظر كم انتقص فإن انتقص العُشر عُلم أن في البئر مائة دلو.
الجزء 1 · صفحة 84
وإن وجد في البئر فأرة ميتة أو نحوها ولا يُدرى متى وقعت، ولم تنتفخ أعادوا
صلاة يوم وليلة، إذا كانوا توضؤوا منها، وغسلوا كل شيء أصابه ماؤها، وإن كانت انتفخت أو تفسخت، أعادوا صلاة ثلاثة أيام ولياليها في قول أبي حنيفة رحمه الله وقالا ليس عليهم إعادة حتى يتحققوا متى وقعت، لأن الشك وقع في إفساد ما مضى والوقوع من الحوادث فيضاف إلى أقرب الأزمان وجوداً، ولأبي حنيفة رحمه الله أن الوقوع سبب للموت أو التفسخ فيضاف الحكم إلى السبب الظاهر غير أنه قدر باليوم والليلة احتياطاً فيما لم يتفسخ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: «لأن الشك وقع في فساد ما مضى».
يعني أن الماء كان طاهراً بيقين فيما مضى وقد وقع الشك في النجاسة، واليقين لا يزول بالشك». أو يقال: النجاسة متيقن بها في الحال وفي الماضي مشكوك فلا يثبت النجاسة في الماضي بالشك.
قوله: «والوقوع من الحوادث».
كأنه جواب عن كلام الخصم وهو أن يقال: الموت فيه والانتفاخ دليل تقدم الوقوع فقال: «الوقوع من الحوادث فيضاف إلى أقرب الأزمان وجوداً» لأن «الأصل في الحوادث العدم» وهو كمن رأى في ثوبه نجاسة لا يدري متى أصابته.
وكذا إذا مات المسلم وله امرأة نصرانية فجاءت مسلمة بعد موته وقالت: أسلمتُ قبل موته، وقالت الورثة أسلمت بعد موته فالقول لهم، وله أن الموت وجد عقيب سبب ظاهر فيضاف إليه وإن احتمل أن يكون الموت بغيره لأن السبب الموهوم
الجزء 1 · صفحة 85
فصل
وسؤر الآدمي وما يؤكل لحمه طاهر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لا يعتبر في مقابلة السبب الظاهر، كمن رأى إنساناً ميتاً وفي عنقه حَيَّةٌ مُلْتَوِيَةٌ يغلب على ظننا أن الحية نَهَشَتْهُ فقتلته كذا ذكره شمس الأئمة الكردري رحمه الله.
وكمن جرح إنساناً فلم يزل صاحب فراش حتى مات فإنه يضاف الموت إلى الجُرْح حتى يؤاخذ الجارح وإن احتمل الموت بشيء آخر. كذا ذكره في المبسوط.
وكذا إذا وجد القتيل في محلة يضاف القتل إلى أهل المحلة وإن احتمل أنه قُتِلَ في موضع آخر ثم حمل إلى هذا الموضع.
وإذا ثبت هذا فنقول: وقوع الحيوان في الماء سبب لموته عادة فوجب إضافة الموت إليه ومتى أضفنا إليه ثبت تقدم الوقوع ظاهراً لأن الحيوان لا يموت في الماء كما وقع، ولا بد له من اضطراب ومعالجة بساعات فقدرنا ذلك بيوم وليلة لأن ما دون ذلك ساعات لا يمكن ضبطها ومتى كانت منتفخة دل ذلك على بعد العهد فقدرنا ذلك بثلاثة أيام لأن أدنى حد التقادم ثلاثة أيام. ألا ترى أن من دفن قبل أن يصلي عليه صُلِّي على قبره في ثلاثة أيام.
وأما مسألة الثوب فقد قيل على الخلاف وفي مسألة الميراث المرأة تحتاج إلى الاستحقاق والظاهر لا يصلح حجة له وإنما يصلح للدفع والورثة هم الدافعون.
فصل في السؤر
السؤر بقية الماء الذي يبقيها الشارب في الإناء ثم استعير لبقية الطعام وغيره.
والأَسْاَرُ أنواع أربعة؛ طاهر ومكروه ومشكوك ونجس.
والأصل أن ينظر إلى اللعاب وما يكون لعابه طاهراً يكون طاهراً، وما يكون نجساً يكون نجساً، وعلى هذا فاعتبر ونعني من المكروه أنه طاهر لكنَّ الأولى أن
الجزء 1 · صفحة 86
...
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يتوضأ بغيره والكراهة إنما تثبت باحتمال النجاسة بخلاف الطاهر أو بسقوط حكم النجاسة لضرورة تمكن الاحتراز عنها في الجملة إذا ثبت هذا فنقول: سؤر الآدمي على الإطلاق طاهر والجنب والحائض والكافر والمسلم فيه سواء لقوله صلى الله عليه وسلم من شرب من سؤر أخيه كتب له عشر حسنات.
وأما سؤر من شرب الخمر فمستثنى لأن الكراهة لعارض.
فإن قيل: ينبغي أن يكون سؤر الجنب نجساً على قول أبي يوسف رحمه الله لوجوب إسقاط الفرض.