الجزء 1 · صفحة 7
المنهاج في فقه مذهب الأئمة الحنفية
للإمام عمر بن محمد الأنصاري العقيلي الحنفي
توفي سنة (596هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
مقدمة
الحمد الله الواحد القهار، العزيز الغفار، مكور الليل على النهار، تذكرة لأولي القلوب والأبصار، وتبصرة لذوي الألباب والاعتبار، الذي أيقظ من خلقه من اصطفاه، فزهدهم في هذه الدار، وشغلهم بمراقبته وإدامة الأفكار، وملازمة الاتعاظ والاذكار، ووفقهم للدأب في طاعته، والتأهب لدار القرار، والحذر مما يسخطه ويوجب دار البوار، والمحافظة على ذلك مع تغاير الأحوال والأطوار.
أحمده أبلغ حمد وأزكاه، وأشمله وأنماه، وأشهد أن لا إله إلا الله البر الكريم، الرؤوف الرحيم، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، الهادي إلى صراط مستقيم، والداعي إلى دين قويم، القائل: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدين، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى سائر النبيين، وآل كل وصحبه، وسائر الصالحين، ومن تبعهم صلاة دائمة بدوام السموات والأرضين.
أما بعد:
فإن علم الفقه من أجل العلوم، وأعظمها نفعاً، من حصل عليه وعمل به؛ فقد نجا في الدنيا والآخرة، وهكذا جاء الإسلام، فنظم علاقات الإنسان كلها مع نفسيه ومع الناس، تنظيمه لعلاقته مع الله سبحانه، في نسق واحد من الفكر.
ولقد عني علماؤنا بهذا العلم الجليل عناية دقيقة، فبذلوا الجهد في استنباط أحكامه من مصادرها، مع تقعيد القواعد والتفريع عليها، وفرضوا المسائل الافتراضية التي لم تكن قد وقعت، ثم وقع بعضها، وسيقع البعض الآخر؛ لأن الحوادث لا تتناهي.
ولقد هيا الله تعالى لهذه الشريعة السمحاء رجالاً يحملونها ويقومون عليها بالحفظ والعناية والتبليغ من زمن سيدنا محمد - إلى قيام الساعة، وقد تكفل الله تعالى بحفظ القرآن، وشريعته و إنا نحنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) سورة الحجر: الآية].
الجزء 1 · صفحة 9
فعلى المسلم أن يتعلم من الأحكام الشرعية التي تتعلق منها بحياته وشؤونه من عبادات ومعاملات بحسب ظروفه وأحواله، ومعرفتها تكون بعلم الفقه، وهو واحد من العلوم الشرعية الأساسية، ومن أكثرها ارتباطاً بحياة الإنسان، فهو محصور يكتب الفقه.
لذا نجد كبار علماء الأمة المتقدمين منهم والمتأخرين بذلوا جهدهم وطاقتهم، وصرفوا جل أوقاتهم في خدمة هذا العلم، فصنفوا فيه المصنفات، وشرحوا فيه المتون، فتركوا لنا ثروة علمية عظيمة امتلأت بها خزائن المكتبات والمتاحف فأفنوا حياتهم في دراسته والتأليف فيه، وأخص بالذكر علماء المذاهب الأربعة: (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة).
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: ((فاقتضت حكمة الله سبحانه أن ضبط الدين وحفظه، بأن نصب للناس أئمة مجتمعاً على علمهم ودرايتهم، وبلوغهم الغاية المقصودة في مرتبة العلم بالأحكام والفتوى من أهل الرأي والحديث، فصار الناس كلهم يعولون في الفتاوى عليهم، ويرجعون في معرفة الأحكام إليهم، وأقام الله من يضبط مذاهبهم ويحرر قواعدهم، حتى ضبط مذهب كل إمام منهم وأصوله، وقواعده وفصوله، حتى ترد إلى ذلك الأحكام، ويضبط الكلام في مسائل الحلال والحرام، وكان ذلك من لطف الله بعباده المؤمنين، ومن جملة عوائده الحسنة في حفظ هذا الدين)).
فمن هذا الباب، وشعوراً بفضل هؤلاء العلماء الأجلاء، وأهمية ما كتبوه والقوه، وحيا في العمل في مجال تحقيق المخطوطات؛ لكي نخرجها بحلة جديدة كي تصل الماضي بالحاضرة لتعم الفائدة، وبعد استشارات مشايخنا وأساتذتنا؛ وقع الاختيار على تحقيق كتاب جليل القدر، رفيع المقام والذكر، عظيم النفع والإفادة؛ ألا وهو: المنهاج في فقه الأئمة الحنفية، للإمام أبي حفص عمر بن محمد الأنصاري العقيلي الحنفي البخاري، المتوفى: (596هـ)، كونه يعود لمؤلف من كبار فقهاء الحنفية، وعلى درجة علمية رفيعة، حيث برع في اختيار العبارات، وتحرير المسائل الفقهية، والاهتمام بالتأصيل في المسائل.
والله أسأل أن يأخذ بأيدينا إلى كل ما هو صواب في خدمة دينه، وسنة نبيه ()، والحمد لله رب العالمين.
وفي الختام أنقل قول الإمام الخطابي - رحمة الله - القائل: ((وكل من عشر منه على حرف أو معنى يجب تغييره، فنحن نناشده الله في إصلاحه وأداء حق النصيحة فيه، وإن
الجزء 1 · صفحة 10
الإنسان ضعيف لا يسلم من الخطأ إلا أن يعصمه الله بتوفيقه، ونحن نسأل الله ذلك، وترغب إليه في دركه، إنه جواد وهوب)).
والله الموفق، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
الجزء 1 · صفحة 11
القسم الأول: الدراسة
المبحث الأول: التعريف بالمؤلف العقيلي
المطلب الأول: اسمه، ونسبه، ولقبه
المطلب الثاني: ولادته، ونشأته، وأسرته
المطلب الثالث: مكانته العلمية، ومؤلفاته، وثناء العلماء عليه
المطلب الرابع شيوخه، وتلاميذه، وأقرانه، ورحلاته
المطلب الخامس العصر الذي عاش فيه
المطلب السادس وفاته
الجزء 1 · صفحة 12
المبحث الأول: التعريف بالمؤلف العقيلي
المَطْلَبُ الأَوَّل: اسمه، ونسبه، ولقبه
أولا: اسمه:
هو عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن أحمد شرف الدين، أبو حفص، العقيلي، الأنصاري، جده لأمه شمس الدين أحمد بن محمد.
ثانياً: نسبه ونسبته:
عرف الْمُؤَلِّف من خلال المصادر التي ترجمت للإمام أنه (العقيلي الأنصاري، البخاري، الحنفي).
فالعقيلي: - يفتح العين نسبة إلى عقيل بن أبي طالب - رقة، وقيل: العقيلي منسوب إلى جد من أجداده.
الأنصاري: نسبة إلى الأنصار الذي ينتهي نسبه الشريف إلى عقيل بن جابر بن عبد الله الأنصاري الصحابي المعروف - 6 - 1).
البخاري: نسبة إلى مدينة بخاري: وهي إحدى أكبر مدن بلاد ما وراء النهر ولأنه عاش بها، وتوفي ودفن فيها، فتحها المسلمون سنة (90هـ)، بقيادة قتيبة بن مسلم الباهلي، وكانت مجمع الفقهاء، ومعدن الفضلاء، وينسب إليها كثير من العلماء، كمحمد بن إسماعيل البخاري، وابن سيناء وغيرهما، وما زالت بخاري قائمة إلى الآن في جمهورية أوزبكستان).
الحنفي: نسبة إلى مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت (المتوفى: 150هـ)، الذي نسب إليه مذهب الحنفية، والمؤلف - تجهر الله واحد منهم، وقد ذكر ذلك في كتابه (المنهاج) بقوله: ((علماؤنا، إمامنا الأعظم))).
وقد برع المؤلف في مذهبه، فعلم أصوله وفروعه، واطلع على أغلب مؤلفاته بدليل عرضه لمصادر المذهب أثناء العزو والنقل في كتابه (المنهاج).
ثالثاً: ألقابه وكنيته:
للإمام عمر بن محمد بن عمر العقيلي الأنصاري ألقاب منها: (أستاذ الخلف الصدر الكبير، مفتي الشرق والغرب، شرف الملة والدين، شيخ الإسلام، بقية السلف، تاج الإسلام
الجزء 1 · صفحة 13
والمسلمين، شرف الدين، إمام الأئمة، ظهر الشريعة، محيي السنة، فخر الأمة، علم الهدى، أفضل الأفاضل، ملك النظر والعلماء).
هذه الألقاب الكثيرة إنما تدل على علو مكانته، ورفعة قدره بين الناس؛ إذ كان من العلماء العاملين، كرس حياته في طلب العلم، فكان بحق فارساً في كل الميادين، فاستحق المدح والثناء بتلقيبه بأشرف الألقاب.
وأجمعت المصادر التي ترجمت له أنه يكنى بأبي حفص وأبي محمد، وجاء ذكر كنيته في النسخ الثلاث، وكل من ترجم له.
الجزء 1 · صفحة 14
المَطْلَبُ الثَّانِي:
في ولادته، ونشأته، وأسرته
أولاً: ولادته:
لم يكن للإمام العقيلي سيرة دقيقة مفصلة في كتب التاريخ تتناول مختلف جوانب حياته، كموضع ولادته، ونشأته، ومراحل طلبه للعلم، ومواقفه، بل كانت سيرة عزيزة متفرقة في بطون الكتب، تثني في مجملها على ورعه وتقواه، على الرغم من كثرة من ترجم له، ولا تذكره إلا بخير، لا يشبع نهم القارئ والباحث.
ولعل في طبيعة شخصية الإمام العقيلي الساكنة ما يبرر ذلك، فهو من علماء القرن السادس الهجري.
ثانياً: نشأته:
لم تذكر المصادر التي ترجمت له إلا الشيء اليسير عن نشأته، لكن المؤكد. أنه نشأ في مدينة بخارى ذات التاريخ العلمي العظيم، بلد العلم والعلماء، والتي كانت في تلك الفترة قبلة طلاب العلم عموماً، وطلاب الفقه الحنفي خصوصاً، حتى اشتد عوده، وشمر عن ساعد الجد، قطاف إلى منابع العلم لينهل من عذبها.
ثم ذهب إلى العراق والحجاز، وتلقى العلم على يدي العلماء الأجلاء حتى وصل إلى أعلى المستويات، فتكونت لديه ملكة الفقه والاجتهاد، واستجمع شرائط الإفتاء من العلم بالفقه أصلاً وفرعاً، وخلافاً ومذهباً، واكتملت لديه أدوات استنباط الأحكام، فصار أهلاً للفتوى.
الجزء 1 · صفحة 15
ثالثاً: أسرته:
الأسرة الشخص ومن حوله أثر في توجهه وميوله غالباً، فقد نشأ الإمام العقيلي في أسرة علمية مكنته وشجعته على السفر إلى العراق والحجاز الطلب العلم، حتى بلغ مرتبة عالية استحق من خلالها أن يكون عالماً، فقد نال ثقة الناس ورضاهم.
ومن أبرز العلماء والفقهاء من مشاهير هذه الأسرة الكريمة: حفيده: أحمد بن محمد بن أحمد العقيلي، الأنصاري البخاري، العلامة، شمس الدين، كان شيخاً، عالماً، ثبتاً، روى عن جده لأمه الإمام العلامة شرف الدين عمر بن محمد بن عمر العقيلي.
الجزء 1 · صفحة 16
المَطْلَبُ الثَّالِثُ:
مكانته العلمية، ومؤلفاته، وثناء العلماء عليه
أولاً: مكانته العلمية:
كان الإمام العقيلي - رحمة الله، إمام عصره في الفروع والأصول، وقد انتهت إليه رئاسة المذهب الحنفي في وقته، ويُعد الإمام العقيلي إماماً من أئمة العلم، والزهد والورع، وقد أثنى عليه الأئمة، وأجمع المترجمون له على جلالته وعلو شأنه، ومنزلته في الدين والعلم، كونه من كبار أعيان فقهاء حنفية بخاري وعلمائها، وله اليد الباسطة في المذهب والخلاف، فهو فقيه فاضل حنفي المذهب، من أهل بخارى، أحد المدرسين ببلده، موصوف بالزهد، والصلاح.
أما عن طبقة المؤلف بين فقهاء المذهب، فقد تبين أن الإمام العقيلي - رحمه الله- ضمن الطبقة الثالثة من طبقات الفقهاء، أي أنه من طبقة المجتهدين التي وضعت الأمس لنموه والتخريج فيه، والبناء على أقواله، وهي التي وضعت أسس الترجيح فيه، والمقايسة بين الآراء، وتصحيح بعضها، وتضعيف الآخر، وهي التي ميزت المنهج الفقهي للمذهب الحنفي.
ولعل من أهم الأسباب في اكتساب هذه المكانة العلمية ما يأتي:
1. أخذه عن الصدر الشهيد عمر بن عبد العزيز عن أبيه، وأخذه أيضاً عن جمال الدين حامد بن محمد الريغدموني.
2. كان من العلماء المتقدمين البارعين والمتميزين في مجال تخصصه، ولا سيما في الفتاوى، وله اليد الباسطة في المذهب والخلاف.
قال الإمام ابن عابدين الحنفي وأنت ترى كتب المتأخرين تفوق على كتب المتقدمين في الضبط والاختصار، وجزالة الألفاظ، وجمع المسائل؛ لأن المتقدمين كان مصرف أذهانهم إلى استنباط المسائل وتقويم الدلائل، فالعالم المتأخر يصرف ذهنه إلى تنقيح ما قالوه، وتبيين ما أجملوه، وتقييد ما أطلقوه، وجمع ما فرقوه، واختصار عباراتهم، وبيان ما استقر عليه الأمر من اختلافاتهم، وعلى كل فالفضل للأوائل (20).
الجزء 1 · صفحة 17
ثانياً: مؤلفاته:
يزخر البحر بالدور، وكلما عظم، كثرت وزادت، والاطلاع على بعضها مما يبهج الخاطر، ويسر الناظر، وبعد البحث وتتبع المصادر عثر على مؤلفين اثنين للمؤلف، هما:
1. الهادي في علم الكلام: مخطوط، اسم الناسخ: أحمد بن علي بن أمير حاج، تاريخ النسخ: 728هـ / 1327م، نوع الخط نسخ، عدد الأوراق: 69 ق، المقاس: 20.1 × 11.2سم، عدد الأسطر: 26 س، رقم الحفظ: 1343 فهرس مخطوطات في مكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض.
2. المنهاج وهو الكتاب الذي بين أيدينا.
والذي يبدو أن موروث هذا العلم الجليل أصابته معاول الهدم والإهمال، التي أضاعت كثيراً من المؤلفات، إما لطمرها في الخزانات، أو نهبها في الغزوات، ولم يكتب لها الظهور إلى وقتنا هذا.
ثالثاً: ثناء العلماء عليه:
كان للإمام العقيلي أطيب الذكر، وأعذب الثناء، حيث تبوأ مكانة عالية بين العلماء، وعلا كعبه بينهم، وسما قدره، وعظم شأنه، وساد أقرانه، واعترف بفضله القاصي والداني؛ لما عرف عنه من علم غزير، وخلق كريم، وورع، وزهد، وعفة، وتقوى، وصلاح.
وهذه بعض النقولات في الثناء على المؤلف تدل على مكانته وعلمه وإمامته، فقد تحلى بهيئة العلماء الأجلاء الصلحاء، مما جعله يحظى بهذا القبول في نفوس العلماء والتلاميذ، فقد قال أبو عبد الله محمد بن سعيد بن الدبيثي: ((فقيه فاضل حنفي المذهب، أحد المدرسين ببلده، موصوف بالزهد والصلاح)).
وقال الحافظ الذهبي: ((العلامة شرف الدين كان من كبار حنفية بخاري وعلمائها)).
وقال عنه الإمام الحافظ المعروف بابن النجار البغدادي: ((أبو محمد العقيلي الحنفي، من أهل بخاري، كان فقيهاً عالماً زاهداً).
وقال عنه أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الهندي: ((كان من أعيان فقهاء الملة الحنفية، وله اليد الباسطة في المذهب والخلاف، وله تصانيف حسنة منها المنهاج)).
الجزء 1 · صفحة 18
وقال عمر كحالة الدمشقي الله: ((فقيه، متكلم، من آثاره: منهاج الفتاوى في الفقه، والهادي في علم الكلام)).
وقد حظي المؤلف بالثناء من قبل بعض النساخ فيما سطروه على بعض النسخ من مخطوط كتابه (المنهاج)، وهذه بعض النقولات:
جاء في نسخة (أ) ما نصه: (كتاب المنهاج في مذهب الحنفية، تأليف الإمام العالم أبي حفص عمر الأنصاري العقيلي - رحمة الله)).
وجاء في نسخة (ب) ما نصه: كتاب المنهاج في فقه الحنفية، تصنيف الإمام، الهمام، الخبر، البحر، القمقام، سيدنا ومولانا الصدر الكبير الأجل، السيد الزاهد، شرف الدين)).
وجاء في نسخة (ج) ما نصه: ((كتاب المنهاج في فقه الأئمة الحنفية، تأليف الشيخ الإمام، بقية السلف، شيخ الإسلام أبي حفص، عمر الأنصاري العقيلي - رحمه الله)).
إنها سيرة تتضوع) طهراً وصفاء، تنزهت عن دنس الدنيا، وألقت عن كاهلها حطامها الفاني، وزهدت في زخرفها الزائف، رحم الله شيخنا التقي النقي الإمام شرف الدين العقيلي الأنصاري، وجمعنا به في عليين مع سيد المرسلين.
الجزء 1 · صفحة 19
المطلب الرابع:
شيوخه وتلاميذه وأقرانه ورحلاته
أولاً: شيوخه:
من المعلوم أن لكل عالم شيوخاً تلقى عنهم العلم، ولازمهم فترة من حياته، يستفيد من أخلاقهم، ويستزيد من علمهم.
والشيخ أبو حفص عمر الأنصاري العقيلي من العلماء الفضلاء في عصره، كيف لا وقد نشأ في بيت علم وفضل وفقه، إلا أن ذلك لا يمنع أن يأخذ العلم ويطلبه من العلماء الأجلاء والمشايخ الفضلاء، الذين لازمهم وتلقى منهم العلم فترة حياته؛ ليستزيد من علمهم ومعرفتهم، فقد ثنى الإمام العقيلي ركبتيه في مجالس العلماء، حتى برع في المذهب، فغدا إماماً في الفقه.
وأتكلم على أبرز شيوخه الذين أخذ عنهم العلم، وممن ذكرهم كل من ترجم:
1. جمال الدين حامد بن محمد الريغدموني (المتوفى: 518هـ).
2. محمد بن الفضل بن أحمد بن محمد أبو عبد الله الصاعدي الفراوي) 1 () المتوفى: 530هـ (
الجزء 1 · صفحة 20
3. الصدر الأجل الشهيد حسام الدين أبو المفاخر برهان الأئمة عمر ابن الصدر الماضي عبد العزيز عمر بن مازة (المتوفى: 536هـ).
4. الإمام الزاهد، نجم الدين، أبو حفص عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن علي بن لقمان النسفي (المتوفى: 537هـ)).
5. محمد بن عبد الرحمن علاء الدين البخاري (المتوفى: 546هـ)).
6. عمر بن محمد بن إسماعيل الإستريكي، أبو حفص، ثقة الدين (المتوفى: 576
ثانياً: تلاميذه:
النهر إذا اتسع، وجرى ماؤه، وطابت خيراته؛ ازداد رواده، وكثر طلابه ومن المعلوم أن عالماً جليلاً فاضلاً مثل الشيخ أبي حفص عمر الأنصاري العقيلي لا بد أن يكون له تلاميذ يأتون إليه؛ ليتلقوا العلم منه، ويتعلمون على يده، فتخرج على يديه جيل فقهي من علماء الملعب، انتفعوا ببركة علمه، وارتووا من كريم خلقه، إلا أن مصادر ترجمته التي وقفت عليها لم تذكر أسماء من تتلمذ على يديه، أو تلقى عنه إلا القليل منهم، أورد نبذاً عمن استطعت الوقوف عليهم، وهم:
أولاً: أحمد بن محمد العقيلي الأنصاري البخاري، العلامة، شمس الدين، كان شيخاً، عالماً، ثبتاً، روى عن جده لأمه الإمام العلامة شرف الدين عمر بن محمد بن عمر العقيلي، وتفقه عليه، وكان مخصوصاً بشرح الجامع الصغيرة المحمد بن الحسن، ونظمه نظماً حسناً، ومات ببخارى في الخامس من شهر رمضان، سنة سبع وخمسين وستمئة.
ثانياً: إمام الأئمة أبو الوجد محمد بن عبد الستار بن محمد، المعروف بشمس الأئمة الكردري العمادي الحنفي المتوفى ببخارى في تاسع محرم لسنة اثنتين وأربعين وستمئة، ودفن بسندمون على نصف فرسخ من البلد، وكان مولده ببراتقين قصبة من قصبات كركر من أعمال جرجانية خوارزم، ومن تصانيفه: الرد والانتصار لأبي حنيفة إمام فقهاء الأمصار»، «الحق المبين في دفع شبهات المبطلين»، «الدرة المنيفة في انتصار الإمام أبي حنيفة.
ثالثاً: المظفر بن المبارك بن أحمد البغدادي، أبو الكرم بن أبي السعادات، الفقيه الحنفي القاضي، أحد مدرسي مذهب أبي حنيفة، تفقه على والده، وولي الحسبة ببغداد، ثم عزل
الجزء 1 · صفحة 21
ودرس، وكانت له حلقة للمناظرة، ولد في ذي الحجة سنة ست وأربعين وخمسمئة، وتوفي في حادي عشر جمادى الآخرة (621)
رابعاً: عبد الرحمن بن عمر بن أبي نصر بن علي الغزال، أبو محمد، الواعظ البغدادي، الحنبلي، شهاب الدين، سمع الكثير بإفادة أبيه في صباه وبنفسه، وقرأ على الشيوخ، وكتب أكثر سماعاته بخطه، وتكلم في الوعظ، ولد في جمادى الآخرة، سنة أربع وأربعين وخمسمئة، وتوفي في ليلة الثلاثاء يوم النصف من شعبان سنة خمس عشرة وستمئة، ودفن يوم الثلاثاء بباب حرب.
خامساً: أحمد بن محمود بن أبي بكر نور الدين، أبو المحامد، الصابوني البخاري الفقيه الحنفي المتكلم (المتوفى: 580هـ) من تصانيفه: البداية مختصر الكفاية في أصول الدين»، و «الكفاية في أصول الدين»، و «عقائد الصابوني في الكلام، وملخص الكفاية في علم الكلام).
ثالثاً: أقرانه:
عاصر المؤلف رحمه الله تعالى كثير من العلماء والفقهاء، بعضهم كان من أهل بخارى التي كانت مجمع الفقهاء وموطن الفضلاء، وبعضهم كان من غيرها، وفيما يأتي ترجمة موجزة لبعض أقرانه:
1. عبد العزيز بن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن محمد بن جعفر بن علي الأسدي القاضي النسفي الحنفي قاضي بخارى (المتوفى: 533هـ)، له من الكتب: تعليقة في الخلاف، روضة الناصحين في شرح خطب الأربعين، السلم الدار السلام في بيان أحكام أركان الإسلام، فصول الفتاوى، كفاية الفحول في علم الأصول، مدارج الأفهام والأفواج في تفسير ثمانية أزواج فارسي.
2. أبو عمرو عثمان البيكندي: عثمان بن علي بن محمد بن علي البيكندي البخاري، مسند أهل بخارى، ولد في شهر شوال سنة (465هـ)، كان إماماً فاضلاً ورعاً، (المتوفى: 552هـ).
3. الإمام الفقيه الشيخ أسعد بن محمد بن الحسين الكرابيسي النيسابوري، جمال الدين، أبو المظفر الحنفي، كان فقيهاً فاضلاً أدبياً عالماً حسن الطريقة، له معرفة تامة بالفروع والأصول، من مصنفاته الفروق في الفروع الحنفية، وتفسير القرآن، (المتوفى: 570هـ)).
الجزء 1 · صفحة 22
4. أبو بكر الكاساني: أبو بكر بن مسعود بن أحمد الفقيه الحنفي، الأصولي، الملقب بعلاء الدين، وملك العلماء، من مؤلفاته: بدائع الصنائع، والسلطان المبين في أصول الدين، توفي بحلب سنة (587هـ)).
5. شيخ الإسلام المرغيناني علي بن أبي بكر بن عبد الجليل، الفرغاني، المرغيناني الحنفي، العلامة المحقق، أقر له أهل عصره بالفضل والتقدم، ومن مؤلفاته: بداية المبتدي، والهداية، وكفاية المنتهي، توفي سنة (593هـ).
6. فخر الدين قاضيخان الحسن بن منصور بن محمود بن عبد العزيز الأوزجندي الفرغاني الحنفي، الملقب بفخر الدين قاضيخان، ومن تصانيفه: شرح أدب القاضي للخصاف، شرح الجامع الصغير، شرح الجامع الكبير، الفتاوى، توفي سنة (592هـ)).
رابعاً: رحلاته:
تعد الرحلة في طلب العلم عند أهل العلم أمراً ضرورياً ومهماً في صقل شخصية الإنسان، وتنمية قدراته ومعارفه لما فيها من تلاقي الأفكار والآراء، وتحصل من خلالها الفوائد الكثيرة.
قال صاحب كشف الظنون عن الرحلة في طلب العلم:
((الرحلة في طلب العلم مفيدة، وسبب ذلك: أن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما ينتحلون من المذاهب تارة علماً وتعليماً وإلقاء، وتارة محاكاة وتلقياً بالمباشرة، إلا أن حصول الملكات عند مباشرة التلقين أشد تحكماً وأقوى رسوخاً، فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملكة ورسوخها، فالرحلة لا بد منها في طلب العلم؛ لاكتساب الفوائد والكمال بلقاء الشيخ ومباشرة الرجال)).
إلا أن مؤلف هذا الكتاب العالم الفاضل الشيخ أبو حفص عمر الأنصاري العقيلي، من خلال اطلاعي على كتب التراجم والأعلام التي ترجمت حياته العلمية وشيوخه، تبين لدي الله ارتحل في طلب العلم، لا سيما وقد أخذ العلم عن مشايخ من أهل سمرقند، وبخاري، ومكة، وإنما كان أغلب إقامته في مدينة بخاري، يطلب العلم، ويدرس فيها.
أولاً: الرحلة الأولى: إلى مكة شرفها الله:
الجزء 1 · صفحة 23
حج وحدث بمكة شرفها الله، فسمع منه هناك أبو محمد القاسم بن علي بن عساكر الدمشقي، وأبو الخير بدل بن أبي المعمر التبريزي (97).
ثانياً: الرحلة الثانية: إلى بغداد:
قدم بغداد حاجا في سنة ثمان وستين وخمسمئة، فحج وعاد).
ثالثاً: الرحلة الثالثة: إلى بغداد:
قدم بغداد حاجا في سنة ثمان وثمانين وخمسمئة، وحدث ببغداد من كتاب تنبيه الغافلين، لأبي الليث السمرقندي.
رابعاً: الرحلة الرابعة إلى بغداد: قدم بغداد حاجا مرة ثانية في شهر ربيع الأول من سنة تسع وثمانين وخمسمئة
المَطْلَبُ الخَامِسُ:
العصر الذي عاش فيه
عاش الإمام العقيلي - رحمه الله - تعالى في القرن السادس الهجري (596هـ) وصولاً في بلد كان يعج بالعلماء والحكماء، في ما وراء النهر ببخارى، وإن الفرد منا على بساطة قدره يتأثر بما يدور من حوله من أحداث على مختلف أنواعها، سواء أكانت سياسية، أم اقتصادية، أم اجتماعية، أم بيئية، أم تجاذبات فكرية، أم نزاعات مذهبية.
الجزء 1 · صفحة 24
وعاش أهم الأحداث التي مرت بها المدينة، لا سيما الاضطرابات والأحداث المقلقة، منها: غزو التتار بقيادة جنكيز خان لبلاد ما وراء النهر في تلك الفترة، ثم بعد ما يقرب من أربعين سنة بدأ الغزو المغولي الثاني بقيادة هولاكو على المشرق ثم دخل بغداد ووصل إلى الشام.
ومرجع المؤرخين والباحثين قديماً وحديثاً: كتاب «الأنساب» للإمام السمعاني، وكتاب الفند في ذكر علماء سمرقند للإمام النسقي.
ويحسب المصادر المترجمة له، لم أقف على شيء يدل على دور المؤلف في حادثة من الحوادث، والله أعلم.
المطلب السادس:
وفاته
وبعد حياة علمية زاهرة بالجد والاجتهاد والتأليف، ومسيرة من العلم والعمل، حتى استقر به أجله بعد كثرة الأسفار والتجوال من بلاده التي ولد فيها بخارى، توفي العلامة مولانا أبو حفص عمر الأنصاري العقيلي، وفاضت روحه الطاهرة إلى ربها ببخارى)، وقد كانت وفاته في القرن السادس الهجري، وقت صلاة الفجر من يوم الثلاثاء، الخامس من جمادى الأولى سنة ست وتسعين وخمسمئة ودفن عند القضاة السبعة ببخارى رحمه الله تعالى، وأسكنه فسيح جناته.
الجزء 1 · صفحة 25
هذا ما ذهب إليه وذكره الكفوي في كتائب أعلام الأخيار، واللكنوي في الفوائد البهية في تراجم الحنفية: أن وفاته كانت (سنة 596 هـ).
قال صاحب الجامع: أرخ القاري وصاحب الكشف وفاته سنة ست وسبعين وخمسمئة.
وقال صاحب ذيل تاريخ مدينة السلام: سمع منه القاضي أبو الكرم المظفر بن المبارك الحنفي، وعاد إلى بلده وكتب إلينا بالإجازة من هناك في سنة إحدى وتسعين وخمسمئة.
وقال أيضاً: وحدثني محمود بن أحمد بن الصابوني البخاري: أنه توفي ببخارى في شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين وخمسمئة، ودفن بمقبرة كلاباذ بها.
وما ذكره ابن النجار: أن العقيلي مات ببخارى في شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين وستمئة ودفن بمقبرة كلاباذ) هو تصحيف.
والراجح لدي ما ذهب إليه صاحب ذيل تاريخ مدينة السلام والكفوي واللكنوي، وهو الأكثر توثيقاً؛ لأن كل من ترجم له ذكر أنه قدم إلى بغداد أول مرة (سنة 568هـ) و (سنة 588هـ) وأخرى (سنة 589هـ).
المبحث الثاني:
التعريف بكتاب
المنهاج
المطلب الأول: دراسة عنوان الكتاب وتوثيق نسبته إلى مؤلفه.
المطلب الثاني: تاريخ نسخ الكتاب ومكانه وسبب تأليفه.
المطلب الثالث: أهمية وأثر الكتاب قيمن بعده.
الجزء 1 · صفحة 26
المبحث الثاني:
التعريف بكتاب المنهاج
المطلب الأول:
دراسة عنوان الكتاب وتوثيق نسبة الكتاب لمؤلفه
أولاً: دراسة عنوان الكتاب:
تعد صحة عنوان الكتاب من أهم أصول علم التحقيق وأركانه التي يجب على المحقق والباحث أن يبذل جهده المعرفة العنوان الصحيح للكتاب، والكتاب الذي نحن بصدد تحقيقه وبين أيدينا عنوانه «المنهاج».
وقد تم الاستدلال على إثبات العنوان بما يأتي:
1. أن مؤلفه قد نص على هذا الاسم في مقدمة كتابه حيث قال: فسميته المنهاج».
2. ثبوت العنوان في جميع النسخ المعتمدة في التحقيق، وهي ثلاث نسخ، ذكرت هذا العنوان في خطبة الكتاب وعلى الغلاف كذلك.
3. من خلال كتب التراجم والأعلام والمصادر، ذكروا عنوان الكتاب عند ذكرهم الترجمة المؤلف بـ (المنهاج)، إلا أن بعض من ترجم للمؤلف سماء (منهاج الفتاوى
الجزء 1 · صفحة 27
ولعل السبب في ذكر هذا الاسم هو أن المؤلف ذكر في مقدمته سبب التأليف: أن يكون غنية للمفتي في حوادث الناس.
4. فهارس المخطوطات مكتبة فيض الله أفندي، عنوان المخطوط المنهاج»، اسم المؤلف: أبو حفص عمر الأنصاري العقيلي، ومكتبة قونيا، ومكتبة مراد الملا في تركيا.
ومن خلال هذه الاستدلالات تبين صحة عنوان الكتاب كما ذكر في المقدمة وهو المنهاج»، وليس هناك أدنى شك في صحة ثبوت هذا العنوان، وأنه يتطابق مع مضمون الكتاب تطابقاً تاماً لما أشار إليه مؤلفه، فلا اجتهاد مع النص.
ثانياً: نسبة الكتاب إلى مؤلفه:
ذكرت أنفاً أن معرفة صحة عنوان الكتاب من أهم أصول وأركان علم التحقيق، فكذلك نسبة الكتاب إلى مؤلفه؛ لأنها من أهم ركائز التحقيق العلمي التي يجب على الباحث أن يبذل كل جهده في إثباتها وتوثيقها للمؤلف؛ كونها تعطي وتعزز الاطمئنان عند القارئ الكريم، وهي من أولويات البحث العلمي الرصين.
وقد توفر - بفضل الله من الأدلة ما يمكننا من الجزم بصحة نسبة هذا الكتاب إلى الإمام العقيلي، ومن ذلك:
1. قول أبي حفص عمر الأنصاري العقيلي في مقدمة الكتاب بقوله: (قسميته: المنهاج).
2. من خلال كتب التراجم والأعلام والمصادر الذين ذكروا عنوان الكتاب عند ذكرهم لترجمة المؤلف بـ (المنهاج).
3. من خلال النسخ التي اعتمدها وهي النسخة المفهرسة بعنوان: (كتاب المنهاج) في مذهب الحنفية، تأليف الإمام العالم أبي حفص عمر الأنصاري العقيلي والنسخ الأخرى بالعنوان الصريح المنسوب إلى المؤلف المنهاج».
4. وقد ذكر اسم المؤلف صريحاً في مقدمة الكتاب للمؤلف.
5. فهارس المخطوطات مكتبة فيض الله أفندي عنوان المخطوط «المنهاج» اسم المؤلف: أبو حفص عمر الأنصاري العقيلي، ومكتبة قونيا، ومكتبة مراد الملا في تركيا.
الجزء 1 · صفحة 28
6. وجدت فيمن أخذوا من هذا الكتاب المبارك مسائل في مؤلفاتهم أنهم يطلقون عليه اسم (المنهاج) في إحالاتهم، وتارة يضيفونه إلى مؤلفه فيقولون: (المنهاج للعقيلي).
ومن خلال هذا التوثيق تبين لدينا صحة نسبة الكتاب لمؤلفه الذي ألفه الإمام العالم أبو حفص عمر الأنصاري العقيلي البخاري، مما لا يدع شكا، إما بتصريح نسبته إليه، أو بنقل الأئمة اللاحقين عنه، وعلى هذا يكون اسم الكتاب يقيناً بلا ارتياب: (المنهاج).
المَطْلَبُ الثَّانِي:
تاريخ نسخ الكتاب ومكانه وسبب التأليف
أولاً: اسم الناسخ وتاريخ النسخ:
فإن الناسخ الذي فرغ من كتابة الكتاب قد حدد تاريخ انتهائه من النسخ من نسخة، فقال ما نصه: وافق الفراغ من كتابتها يحمد الله ومنه على أضعف عباد الله وأحوجهم إليه
الجزء 1 · صفحة 29
محمود بن أحمد بن محمد السراي الحنفي في العشرين من شهر جمادى الآخر غرة من شهور سنة اثنتي عشرة وثمانمائة، وحسبنا الله ونعم الوكيل)).
ثانياً: مكان التأليف:
أما مكان تأليف الكتاب فهو مدينة بخاري؛ كون المؤلف ممن سكن المدينة، ودرس ومات فيها.
ثالثاً: سبب التأليف:
1. تقيد العلم والمحافظة على الموروث العلمي للعلماء الأجلاء قبل دنو الأجل.
2. لقد أفصح العقيلي عن سبب تأليفه ما نصه: (أحبيت أن أجمع هذه الكتب وأدرج بعضها في بعض بأوجز لفظ وأوضح بيان، وأضم إليها من غيرها من الكتب من فروع أصحابنا شيئاً قليلاً، يتم به فائدة الكتاب).
3. ويكون غنية للمفتي في حوادث الناس.
4. أفصح المؤلف - رحمه الله - بقوله: (إذ به يتوصل الطالب إلى مقصوده، وهو معرفة الأحكام).
المطلب الثالث:
أهمية وأثر الكتاب فيمن بعده
أولاً: أهمية الكتاب العلمية:
يعد كتاب المنهاج للعقيلي من الكتب المهمة وسط كتب المذاهب الفقهية، فقد جمع شتات أصول المسائل المتفق عليها، والمختلف فيها في المذهب الحنفي، وأودعها في هذا الكتاب بطريقة سلسة خالية من التعقيد، بحيث يسهل على أتباع المذهب الوصول إليها مع الوقوف على أقوال أئمة المذهب الحنفي.
فالكتاب يحق مصدر رئيس، ومرجع هام في معرفة الخلاف بين أصحاب المذهب، وكذلك تظهر أهمية هذا الكتاب لكل فقيه ومستفت، فقد جمع المؤلف بين المسائل المتفق عليها، والمسائل المختلف فيها في المذهب، بل تستطيع أن تطلق على هذا الكتاب ما لا يسع الفقيه جهله».
الجزء 1 · صفحة 30
وقبل هذا وذاك فإن أصالة هذا الكتاب تنبع من ذات مصنفه، فالإمام العقيلي اشتهر بطول باعه، واتساعه ومهارته في الفقه، وجودة مصنفه.
كل ذلك وكثير غيره - مما قصرت عبارتي عن إدراكه وبيانه - يبرز بجلاء قيمة هذا الكتاب العلمية، وأهميته بين تصانيف المذهب.
كما تظهر أهمية الكتاب في إحياء فقه هذا الإمام الذي لا يعرفه إلا النزر من أهل العلم، وبيان لمكانته العلمية التي كان يتمتع بها في حياته.
ثانياً: أثر الكتاب فيمن بعده:
لقد أسهم العقيلي - رحمه الله - بكتابه المنهاج في إثراء الفقه الحنفي من خلال تعدد مصادره وتنوعها فيه، وبما ضمنه من آراء لكبار فقهاء الحنفية المتقدمين، وقد أدرك فقهاء الحنفية ما للكتاب من قيمة وأهمية علمية، فاستفادوا منه في مصنفاتهم، وتقلوا عنه في كتبهم، مما يدل على عظم مكانة هذا الكتاب، وقد تيسر لي الوقوف على بعض تلك النقول، أذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر والاستقصاء:
1. قال أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين العينتابي الحنفي بدر الدين العيني (المتوفى: 855هـ) ما نصه في البناية شرح الهداية:
وقال الإمام شرف الدين أبو حفص عمر بن محمد بن عمر الأنصاري العقيلي في كتاب المنهاج: وإن قال له علي كذا در هماً لزمه ما بينه.
2. قال زين الدين بن إبراهيم بن محمد المعروف بابن نجيم المصري (المتوفى: (970هـ) ما نصه في البحر الرائق شرح كنز الدقائق:
((قال العقيلي في المنهاج: حربية خرجت مسلمة، ثم خرج زوجها بأمان فطلقها: لا يقع، فإن أسلم الزوج أو صار ذميا ثم طلق؛ يقع عند محمد رحمة الله، وهو قول أبي يوسف الأول، وفي قوله الآخر لا يقع.
3. قال محمد بن علي بن محمد الحصني المعروف بعلاء الدين الحصكفي الحنفي (المتوفى: 1088هـ)، ما نصه في الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار: (حلف لا يحج فعلى الصحيح منه)، فلا يحنث بالفاسدة (ولا يحنث حتى يقف بعرفة عن الثالث)، أي: محمد، أو حتى يطوف أكثر الطواف) المفروض (عن الثاني)، وبه جزم في المنهاج للعلامة عمر بن محمد العقيلي الأنصاري.
الجزء 1 · صفحة 31
وقال أيضاً: وفي المنهاج: وإن وهب له ثوباً، فجعله صدقة الله تعالى؛ فله الرجوع للثاني، كما لو ذبحها من غير تضحية)؛ فله الرجوع اتفاقا.
4. قال شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن يونس بن إسماعيل بن يونس الشلبي (المتوفى: 1021هـ) في الحاشية على تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق المؤلف: عثمان بن علي بن محجن البارعي، فخر الدين الزيلعي الحنفي (المتوفى: 743 هـ) ما نصه: وقال الإمام شرف الدين أبو حفص عمر بن محمد بن عمر الأنصاري العقيلي البخاري في كتاب المنهاج: وإن قال: له علي كذا در هماً لزمه ما بينه.
5. قال العلامة عبد الكريم الخليفتي العباسي الحنفي (المتوفى: 1133هـ) في الفتاوى الكريمية والتحريرات العباسية ما نصه: قال العلامة الرملي في حاشية البحر» وكذا غير الأب عند عدمه ممن له حق الحضانة، كما في المنهاج الجلال الدين العقيلي الحنفي).
6. قال ابن عابدين، محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي الحنفي (المتوفى: 1252هـ) ما نصه في رد المحتار على الدر المختار: و به جزم في المنهاج للعلامة عمر بن محمد العقيلي الأنصاري، كان من كبار فقهاء بخاري، ومات بها سنة سبعين وخمسمئة، ولا يحنث في العمرة حتى يطوف أكثرها.
وأيضاً قال ما نصه: وفي حاشية الرملي على البحر عن المنهاج لأبي حفص العقيلي: نصراني مات، فجاء مسلم ونصراني، وأقام كل واحد منهما البيئة أن له على الميت ديناً، فإن كان شهود الفريقين ذميين، أو شهود النصراني ذميين؛ بدئ بدين المسلم.
وبعد، فإن هذه التقول ما هي إلا قطرة في بحر الاستفادة من كتاب علم الإمام العقيلي - رحمه الله رحمة واسعة، وجزاء عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
الجزء 1 · صفحة 32
المبحث الثالث:
التعريف بمنهج التحقيق
ونسخ المخطوط
المطلب الأول: منهج تحقيق الكتاب.
المطلب الثاني: وصف نسخ المخطوط.
المطلب الثالث: نماذج من المخطوط.
الجزء 1 · صفحة 33
المبحث الثالث:
التعريف بمنهج التحقيق
ونسخ المخطوط
المطلب الأول:
منهج تحقيق الكتاب
فقد سرنا في تحقيق هذا الكتاب على منهج كلية الإمام الأعظم الجامعة وانطلاقاً من قول الشيخ عبد الفتاح أبي عدة:
((إن الغاية من التحقيق: أن يقدم للقارئ نسخة صحيحة أو أقرب ما تكون إلى الصحة، لا تقديم نسخة بعينها، وملء الحواشي بذكر مغايرات سواها، ويكون فيها الغث والسمين، والغلط والصحيح، مما يقطع على القارئ فكره، ويشوش عليه فهمه))
ونذكر مفرداته فيما يأتي:
أولاً: الآيات القرآنية:
عزونا الآيات القرآنية إلى مواضعها من السور بذكر اسم السورة، ورقم الآية.
كما قمنا بإتمام الآيات التي اقتصر المؤلف على الاستشهاد منها هكذا السورة: الآية ()، ونضع الآية بين هلالين، ويخط مصحف المدينة، وإن كان المذكور جزءاً من آية نقول: من آية كذا.
ثانياً: تخريج الأحاديث والآثار الواردة في النص متبعاً الطريقة الآتية:
الجزء 1 · صفحة 34
1 - إن وجدنا الحديث بلفظ المؤلف نحيله مباشرة إلى مصدره الأصلي، سواء كان في كتب السنة، أو كتب الفقه، أو غيرها، وتذكر الكتاب والباب والجزء والصفحة ورقم الحديث.
2 - إذا كان الحديث في الصحيحين، أو أحدهما؛ نكتفي بذلك في التخريج، وإن لم يكن فيهما ولا في أحدهما؛ ففي السنن الأربعة، وتكتفي بها، أو أحدهما، وإلا ففي باقي كتب الحديث من المصنفات والمسانيد، والموطآت، وغيرها بحسب سنة الوفاة.
3 - بيان درجة الحديث إن وجدنا الدرجة، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفينا بتخريجه، وفي حال عدم وجود الحديث فيهما؛ تذكر كلام أيمة هذا الشأن من كتب الحديث، والتخريج، وغير ذلك مما وقفنا عليه.
4 - في حال ورد ذكر الحديث مرة ثانية، فإنا لا تذكر تخريجه، وتكتفي بالتخريج الأول له، والإشارة إليه بسبق تخريجه مع ذكر الصفحة.
5 - وضعنا الحديث بين علامات التنصيص هكذا (1، وميزنا الحديث بالخط الأسود الغامق.
ثالثاً: النص:
1 - نسخنا الكتاب اعتماداً على نسخة؛ لكونها أفضل النسخ التي عثرنا عليها، من حيث لا يوجد فيها سقط وكاملة، وقد بينا ذلك في وصف المخطوط.
2 - قمنا بمقابلة النسخ الثلاث (أ، ب، ج).
3 - قمنا بترقيم اللوحات في صلب النص المحقق، وجعلناه هكذا بين قوسين [] ورمزنا للوجه الأيمن هكذا [11]، والوجه الأيسر هكذا [1] ب].
4 - نسخنا المخطوط على وفق قواعد الرسم الإملائي المعاصر من دون الإشارة إلى ذلك، مع العناية بضبط علامات الترقيم (النقطة، والنقطتين، والشارحتين والفاصلة، والفاصلة المنقوطة، والاستفهام التي تعين القارئ على فهم النص وخدمته.
5 - قمنا بتحقيق الهمزة أينما سهلت بالضبط المعاصر مثلاً: (مسائل، السما .... إلى مسائل، السماء)، وكما (الزكوة)، كتبناها هكذا: الزكاة، وما في حكمهما دون الإشارة إلى ذلك؛ نظراً لكثرتها.
6 - ما أثبتناه في النص المحقق لأجل السقط ويوجب إثباته؛ الاستقامة المعنى، وضعناه بين معقوفتين هكذا [].
الجزء 1 · صفحة 35
7 - إذا كان في نسخة (أ) كلمة أو عبارة لا يستقيم بها المعنى؛ فإننا نثبت الصواب من النسخ الأخرى، ونضعه بين معقوفين هكذا []، وننبه على ذلك في الهامش، مع ذكر السبب بناء على المنهج المقرر في كلية الإمام الأعظم الجامعة.
8 - إذا كان في النسخة الأخرى تصحيف أو سقط، جعلناه في الهامش بين علامتين، وبينا ذلك بقولنا: في (ب): كذا وكذا، أو جملة: كذا وكذا» ساقطة من (ب)، وإن كانت لفظة واحدة؛ وضعنا هامشاً عليها وقلنا: لفظة «كذا»، أو جملة كذا»، أو حرف كذا ساقط من (ب) مثلاً.
9 - إذا كانت زيادة في إحدى النسخ ولا يقتضيها النص بحال؛ نضعها في الهامش ونقول: في (ب) زيادة «كذا».
10 - وثقنا النقول والمسائل من كتبها المختصة كل حسب اختصاصه، الحديث من كتب الحديث، والأصول من كتب الأصول، وهكذا .....
11 - توثيق الأقوال التي يعزوها المؤلف في كتابه إلى أصحابها، أو يذكرها من غير عزي من مصادرها الأصلية إن أمكن، وإلا فوثقنا من الكتب المتقدمة على عصر المؤلف، فإن لم نقف على القول في كتب المتقدمين؛ وثقنا من كتب المتأخرين.
12 - التعريف بالكتب الواردة في الكتاب ونسبتها إلى مؤلفيها في حال ورودها أول مرة، مع ذكر اسم الكتاب والمؤلف وتاريخ الوفاة دون بطاقة الكتاب فقد جعلناها في الفهرس حسب منهج الكلية مع رقمي الجزء والصفحة المنقول عنهما.
13 - التوثيق من معاجم اللغة بذكر الجزء، والصفحة، والمادة التي وردت فيها الكلمة.
14 - زيدت عبارة (الترضي والترحم على أئمة الحنفية في النسختين (ب، ج)، ولم يذكرها المؤلف في الأصل إلا قليلاً، دون الإشارة إلى ذلك في الهامش؛ لكثرتها حتى لا يثقله.
15 - بما أن الكتاب هو في الفقه الحنفي، فقد وثقنا من كتب الملعب قدر المستطاع، سواء كانت فقهية، أو أصولية، أو الألفاظ الغربية من باب تأكيد القول للمؤلف - رحمة الله.
16 - قمنا في بعض ا ض الأحيان بتوضيح المراد من كلام المؤلف قدر الإمكان.
17 - في حال كانت المسألة تحتاج إلى تعليق يفيد القارئ؛ تذكر التعليق معلقين على ذلك في الهامش.
18 - وضحنا القواعد والضوابط الفقهية والأصولية إن وجدت.
الجزء 1 · صفحة 36
19 - إذا اشتركت النسخ الثلاث في الخطأ، أثبتنا الصواب من الكتاب المنقول منه، فإن لم نجدا فمن كتب المذهب المعتمدة متى وجد، فإن لم يوجد؛ أثبتنا ما يتناسب مع سياق الكلام ومعناه بقولنا كما في المصادر المعتمدة في المذهب.
20 - وضعنا العناوين الرئيسة بشكل غامق لإبرازها.
21 - وضعنا أقواساً للنصوص الواردة في الكتاب، وهي الآتي: القوسين المزهرين) للآيات القرآنية. القوسين () للأحاديث النبوية، ولآثار الصحابة. القوسين (()) لتنصيص الكلام المنقول. القوسين:) لحصر الكتب.
22 - وضعنا صوراً لنسخ المخطوط، والصفحة الأولى والأخيرة من كل نسخة.
23 - قمنا بجعل بطاقة الكتاب في فهرس المصادر في آخر الكتاب؛ خشية إثقال الهوامش.
24 - أثبتنا المصادر حسب الوفيات، فقدمنا المتقدم وأخرنا المتأخر، وأثبتنا المصادر من بقية المذاهب كمالك والشافعي، وأحمد، من كتبهم المعتمدة مرتبة حسب الوفيات.
25 - وضعنا فواصل في الكتاب.
26 - عند تخريج المسائل كتبنا عبارة (المصدر نفسه إذا كان ذكر المصدر متتابع وبرقم الصفحة نفسها، وإذا اختلف رقم الصفحة وبقي التتابع للمصدر، كتبنا: (المصدر السابق) وذكرنا الفصل ورقم الصفحة.
27 - إذا كان الكتاب الذي نقل منه المؤلف مفقوداً؛ ذكرنا في الهامش: لم نجد الكتاب فيما بين أيدينا من الكتب، وتنقل المسألة من مصادر أخرى.
28 - تعريف عناوين كل كتاب من كتب المخطوط في اللغة والاصطلاح من المصادر المختصة، وجعلناها في الهامش.
29 - كما اتبعنا أسلوب الباحثين في مسألة (ينظر)؛ حيث إذا كان الموضوع مأخوذاً من عدة مصادر قلنا: ينظر.
رابعاً: الأعلام في النص:
ترجمنا للأعلام الذين وردت أسماؤهم في هذا الكتاب عند أول ذكر لهم فيه فقط باستثناء المعرف، فإن المعرف لا يعرف، فلا تعرف للأنبياء والرسل - صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين، والخلفاء الأربعة، وتعتمد في الترجمة على المصادر الخاصة بالمذهب الحنفي، إلا
الجزء 1 · صفحة 37
في حالة لم نجد في كتب الترجمة عند المتقدمين؛ ترجمنا من الكتب المعاصرة مثل: (الأعلام، معجم المؤلفين وغيرها).
خامساً: التعريف بالمصطلحات:
بينا المصطلحات والألفاظ الغربية عند أول ورودها، مستندين في ذلك على المعاجم، وكتب اللغة، والكتب المختصة بذلك.
سادساً: التعريف بالأماكن والبلدان:
عرفنا بالأماكن والبلدان التي وردت بالنص المحقق عند أول ذكرها، ولا نعيد تعريفها إذا تكررت، مبينين ذلك في الفهرس في نهاية البحث.
سابعاً: الكلمات الدعائية (صبغ الدعاء والترضي):
وضعنا كلمات (صلى الله عليه وسلم، والترضي، ورحمه الله) بين شارحتين هكذا - -.
ثامناً: الفهارس:
قمنا بعمل فهرس المصادر والمراجع، ثم المحتويات.
الجزء 1 · صفحة 38
المطلب الثاني:
وصف نسخ المخطوط
بعد التنقيب والبحث المتواصل في المكتبات والاطلاع على فهارس المخطوطات المعنية بالمخطوط، وبعد سؤال أهل الخبرة والاختصاص في هذا المجال، تم العثور على ثلاث نسخ خطية، وهي:
استطعنا - ولله الحمد - الحصول على ثلاث نسخ من كتاب المنهاج للإمام العقيلي، وهي على النحو الآتي:
النسخة الأولى: وقد رمزنا لها بالرمز.
- مكان وجودها دولة تركيا، نسخة محفوظة في مكتبة فيض الله أفندي تحت رقم (924)، فقه حنفي.
- ناسخها: محمود بن أحمد بن محمد السراي الحنفي.
- تاريخ النسخ: العشرين من شهر جمادى الآخر سنة اثنتي عشرة وثمانمائة هجرية.
- نوع الخط وصفته: نسخة حسنة خطها نسخ قديم ..
- عدد الأوراق: 203 ورقة.
- عدد الأسطر: 21 سطراً ..
- عدد كلمات السطر الواحد مختلفة تتراوح بين 16 - 18 كلمة ..
- قياسها: 15×21سم
المميزات لهذه النسخة:
- نسخة كاملة لا يوجد فيها سقط إلا في وسط المخطوط.
- يوجد عليها ختمان واضحان للقراءة.
- دخلت في ملك الفقير إلى الله حماد بن المرحوم أحمد بن محمد.
الجزء 1 · صفحة 39
- فيها ختم وقف من فيض الله أفندي بقسطنطينية سنة 1113هـ ونفس الختم موجود في اللوحة الأخيرة.
- كما أنها النسخة الوحيدة المؤرخة وتاريخها (812هـ).
- وضع علامة الدائرة بين الكلمات وهي من علامات الترقيم في القرن الذي كتبت في النسخة.
- وضع نقطة داخل الدائرة يدل على أن هذه النسخة مقروءة على الشيخ.
- الكتب والأبواب والفصول كتبت بخط أكبر وبالحمرة.
- في صفحة الغلاف فهرس لعناوين الكتب معنون بـ: (فهرس كتاب المنهاج في فقه الحنفية).
النسخة الثانية: وقد رمزنا لها بالرمز (ب)
- مكان وجودها في دولة تركيا، نسخة محفوظة في مكتبة مراد الملا تركيا.
- تحت رقم (1060)، فقه حنفي.
- ناسخها: لم يذكر.
- تاريخ: لم يذكر.
- نوع الخط وصفته: نسخ جيد، كتبت بالأسود والعناوين بالحمرة.
- عدد الأوراق: 169 ورقة.
- عدد الأسطر: 25 سطراً.
- عدد كلمات السطر الواحد مختلفة تتراوح بين 17 - 20 كلمة.
- قياسها: 15×20 سم.
المميزات لهذه النسخة:
- النسخة بحالة ممتازة.
- ذكرت فيها اسم الكتاب وترجمة المؤلف، وأضيف معلومات جديدة من أهمها: شيوخه وتلاميذه، وأهم الكتب التي اعتمد عليها المؤلف، وأثر الكتاب فيما بعده.
- وقف لأبي الخير أحمد الشهير بداماد زاده.
- في صفحة الغلاف: فهرست العناوين الكتب والفصول معنون به فهرست المنهاج.
الجزء 1 · صفحة 40
النسخة الثالثة: وقد رمزنا لها بالرمز (ج):
- مكان وجودها في دولة تركيا، نسخة محفوظة في مكتبة قونيا، تركيا تحت رقم.188)، فقه حنفي (
- الناسخ: لم يذكر.
- تاريخ النسخ: لم يذكر.
- نوع الخط وصفته نسخ جيد، كتبت بالأسود والعناوين بالحمرة.
- عدد الأوراق: 133 ورقة.
- عدد الأسطر: 31 سطراً.
- عدد كلمات السطر الواحد مختلفة تتراوح بين 17 - 20 كلمة.
- قياسها: 15×20 سم.
- في صفحة الغلاف فهرست العناوين الكتب والفصول معنون بـ فهرست المنهاج.
- كثرة السقط فيها والطمس والرطوبة والتأكل في بدايتها.
- وقف لمحمد فضلي بن الحاج إبراهيم العربي.
الجزء 1 · صفحة 41
القسم الثاني:
النص المحقق
خطبة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الحمد لله الخالق القديم الصمد العليم الرؤوف الرحيم، العزيز الكريم الذي لا تحيط به الأفكار، ولا تحويه الأقطار، ولا يهدم دعائم ملكه الليل والنهار، الذي له في كل ما رأته العيون، وأدركته الظنون، من قائم وقاعده وناطقي وجامده دلائل وشواهد، على أنه إله واحد، سبحانه تسبح له الطيور في أوكارها، والحيتان في أنهارها، والعمل في قرارها، والوحش في فلاتها، وإن من شَيْءٍ إِلَّا يسبح بحمده، ولكن لا تَفْقَهُونَ تَسبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا غَفُورًا).
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مقدر الأمور ومديرها، وخالق النسم ومصورها، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله أكرم من دب ودرج، وأفضل من هبط وعرج، بعثه رحمة للعالمين، وقدوة للمهتدين، فقام بأمره متعززاً بنصره حتى أعز الإسلام ورفع مناره، وأذل الشرك وأطفأ ناره، فصلوات الله عليه وعلى آله الكريمة أعراقهم، الشريفة أخلاقهم، ما أورق الأشجار، واختلف الليل والنهار، وسلم تسليماً كثيراً.
قال - رحمه الله تعالى - الشيخ العالم الأجل الأستاذ، شرف الملة والدين، شيخ الإسلام والمسلمين، بقية السلف، أستاذ الخلف، مفتي الشرق والغرب، أبو حفص عمر بن محمد بن عمر الأنصاري العقيلي - رحمه الله تعالى -.
الجزء 1 · صفحة 42
أما بعد:
فإن الله تعالى لما تعبد خلقه بالعمل بشرائع دينه، وأوجب عليهم طاعته في الانتهاء إلى أوامره، والكف عن زواجره؛ فأبان لهم الأحكام، ونصب لهم من الأعلام، ما يتوصلون به إلى معرفة الحلال والحرام، وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين، وإلى عبادته داعين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وختمهم بنبيه محمد -- خيرته من خلقه، فأنقذ به من الضلالة، وعلم به من الجهالة؛ {ليجزي الَّذِينَ أساؤوا بِمَا عَمِلُوا ويجزى الَّذِينَ أَحْسَنُوا بالحسنى).
ثم إن الله جل جلاله وله الحمد .... جعل سبيل الوصول إلى جميع ما تعبد به العلم، إذ كان القصد إلى أداء ما لا يعلم غير ممكن؛ فلذلك كان طلب العلم أقوى الفرائض بعد الإيمان بالله تعالى على ما قال النبي: طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) وخص العلماء من خلقه بفضائل زانهم بها، قال الله تعالى: إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَماء إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ)، وقال جل جلاله: [1/ 1] {شهد الله انه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط}، وقال: {بل هو ما ءايات بينات في صدور الذين أوتوا العلم}، وقال: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا النَّاسِ وَمَا يَعْقِلُها إلا العالمون) (13، الآية، فإذا كان هذا محل العلم؛ فأولى ما صرفت إليه الأشغال، وعلقت بنيله الآمال، علم أحكام الله تعالى؛ ليتوصل به إلى أداء فرائضه؛ فلأجل هذا كان أشرف العلوم علم الفقه، على ما قال الله تعالى: (يؤتي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِي خَيْرًا كَثِيرًا).
قال ابن عباس - ما عنه -: الحكمة معرفة الأحكام من الحلال والحرام وقال رسول الله -: مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفقهه في الدين، ولهذا اشتغل به أعلام الصحابة والتابعين، ثم جمع الله تعالى علم أحكام دينه بعد عهد الرسالة والصحابة لإمام الأئمة، وسراج الأمة، أبي حنيفة - رضي الله عنه - فجعله سراجاً لدينه، ومعدناً لعلم نبيه، وألقى مقاليد المعضلات إليه، وجعل الناس كلهم عيالاً عليه، ففصل العلم تفصيلاً، وذلل قطوفها) تذليلا، وخصه الله - سبحانه وتعالى - 100 بأصحاب جل في العلم أقدارهم، وبقى في الدين آثارهم، فصنفوا الكتب ودونوا وأوضحوا أحكام الله وبينوا.
ثم لما تراجع الزمان، وقصرت همم) الطالبين عن تحصيل كتبهم المبسوطة اختار رهط من كبار السلف أصول مسائل الكتب المبسوطة في كتب صغيرة حجمها، مشتملة على معاني
الجزء 1 · صفحة 43
كتب أصحابنا - يناير، نحو الفقيه أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، وغيره من السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين، تسهيلا على الطالبين.
ثم إني لما وجدت السلف مجمعين على أن كتاب «الجامع الصغير مشتمل على أمهات مسائل أصحابنا وأصولها، وأن الفقه كل الفقه فيما اختلف فيه أصحابنا فيما بينهم، وقد أودعها الفقيه الزاهد أبو الليث السمر قندي - رحمة الله - في كتاب مختلف الرواية، حتى رأيت عن بعض مشايخنا أنه لو لم يكن لأصحابنا كتاب سوى ما جمعه الفقيه أبو الليث في مختلف الرواية؛ لكفى به فخراً، ورأيت مشايخنا المتأخرين متفقين على أن الكتاب الذي جمعه أبو جعفر الطحاوي - رحمة الله - في الفقه مشتمل على أصول وفروع يفهم بها عامة مسائل الكتب المبسوطة، ووجدت المختصر) الذي جمعة الشيخ الإمام أبو الحسين القدوري - لأنه حاوي الجمل من الفقه - يتيسر) به جواب عامة الواقعات، ورأيت فوائد الشيخ أبي بكر [1/ ب] الرازي - رحمه الله -: كلها مجموعة في كتاب «الموجزة الذي جمعه حبيب بن عمر الفرغاني - رحمه الله -.
أحببت أن أجمع هذه الكتب، وأدرج بعضها في بعض، بأوجز لفظ وأوضح بيان، وأضم إليها من غيرها من الكتب من فروع أصحابنا شيئاً قليلاً؛ يتم به فائدة الكتاب، ويكون غنية للمفتي في حوادث الناس على أن يكون ترتيب الكتاب على ترتيب كتب أبي جعفر الطحاوي، والأبواب على ما يكون أيسر في تخريج المسائل تيسيراً على أهل العلم، قسميته المنهاج (10؛ إذ به يتوصل الطالب إلى مقصوده، وهو معرفة الأحكام.
والله - عز وجل - أسأل التسديد والعصمة عن الزلل، والتوفيق للإصابة في القول والعمل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الجزء 1 · صفحة 44
كتاب الطهارة
باب فرض الوضوء وسننه
قال الله تعالى: (يأيها الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قمتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاَغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إلى المرافق) الآية، ففرض الوضوء: غسل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس، والمرفقان، والكعبان يدخلان في فرض الغسل، وقال زفر: لا يدخلان.
والبياض الذي بين العذار والأذن من الوجه، وما زال عنه الشعر من الرأس، فحكمه حكم الرأس، لا حكم الوجه، وفي اختلاف زفر: ينبغي أن يمسح على لحيته قدر ثلاث أو أربع، لا يجزئه أقل منه عند أبي حنيفة - وزفر، وقال أبو يوسف: لا يجب، وعنه في رواية: أنه يمسح الكل.
وفرض المسح: مقدار الناصية، وروى المغيرة بن شعبة: «أن النبي - أتي سباطة قَوْمٍ، قَالَ وتوضأ، وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيتهِ وَخُفيه)، وأشار في كتاب الصلاة إلى أن المفروض قدر ثلاثة أصابع، ولو مسح ثلاثة أصابع وضعاً لا مداه أجزاء، وإن مسح بإصبع أو إصبعين مدَّا قدر ثلاثة أصابع؛ لا يجزئه، وقال زفر: يجزئه.
والأذنان من الرأس، يَمْسَحُ مُقَدَّمَهُمَا وَمُؤَخَّرَهُما بالماء الذي يَمْسَحُ به الرأس.
وسنن الطهارة:
غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء إذا استيقظ المتوضئ من نومه)، وتسمية الله تعالى في ابتداء الوضوء، والسواك، والمضمضة، والاستنشاق، ومسح الأذنين، واستيعاب جميع الرأس بالمسح، والاستنجاء بالأحجار، أو بغيرها من الأشياء الطاهرة التي تنقي، وليس فيه عدد مسنون، وإتباع الماء أفضل، وتخليل اللحية في قول أبي يوسف، وتخليل الأصابع، وتكرار العمل إلى الثلاث، والمرتين دونه في الفضيلة، ومرة مرة دون ذلك) في الفضل، وذلك كله جائز.
ويستحب أن ينوي الطهارة)، ويوالي، ويُرتب، ويبدأ (1/ 2) بما بدا الله تعالى به، وبالميامن، فإن فرق، أو قدم شيئاً على شيء؛ لم يكره، وإن ترك مسح الأذنين، أو المضمضة،
الجزء 1 · صفحة 45
والاستنشاق كره، ويمسح برأسه وأذنيه مرة واحدة، وفي المجرد عن أبي حنيفة - 10: ثلاثاً، وإن مسح مرة: أجزاء.
ويجوز أن يصلي بطهور واحد ما شاء من فرضي أو نقل ما لم يحدث، وليس على من نام أو أحدث حدثاً سوى البول والغائط استنجاء)، والاستنجاء من البول والغائط سواء، وما تعدى من البول والغائط مخرجه، فكان أكثر) من قدر الدرهم؛ لم يظهر إلا بالمائع.
ولا يستنجي بعظم، أو روث، أو طعام كالملح ونحوه، ولا بيمينه، ويكره استقبال القبلة بالفرج في الخلاء (200).
باب ما ينقض الوضوء وما لا ينقض وينقض
الوضوء ما يخرج من قبل، أو دير، أو قم بعد أن يملا)، وقال زفرة ينقضه ما دون ملء الفم أيضاً، وما يخرج) من الدم، والقيح، والصديد) والماء من نقطة، أو أي موضع ما خرج من البدن فزال عن مخرجه.
والغلبة على العقل بالإغماء والجنون، والنوم مضطجعاً، أو متكئا 110، أو مستنداً إلى شيء لو أزيل عنه سقط، وعن أبي يوسف: إن كان متمكناً من الأرض؛ لا ينقض.
والمُبَاشَرَةُ الفَاحِشَةُ التي يُصيب فرجه فرجها، وإن لم يخرج منه مذي إلا عند محمد (05)، والقهقهة في صلاة ذات ركوع وسجود حدث.
وإن قاء بلغماً، فلا شيء عليه، وقال أبو يوسف عليه الوضوء في ملء الفم، وإن قاء دماً، فعليه الوضوء وإن قل، وعن محمد: إن لم يملأ القم؛ لا ينقض الوضوء.
فرع: دابة سقطت عن رأس الجرح أو اللحم: لم تنقض الوضوء، وإن سقطت من الدبر نقصت).
ولا وضوء على من نام قائماً، أو راكعاً، أو ساجداً، أو جالساً، تعمدا أو لم يتعمد، وقال أبو يوسف: إن تعمد النوم في السجود؛ فعليه الوضوء. ولا وضوء على من مس شيئاً من بدنه، أو من غيره) من فرج، أو ما سواه، ولا من أكل شيئا مما مسته) النار.
ومن أيقن في الطهارة، وشك في الحدث، فهو على طهارته، ومن أيقن بالحدث، وشك في الطهارة؛ فهو على حدثه.
الجزء 1 · صفحة 46
باب الغسل
فرض الغسل المضمضة، والاستنشاق، وغسل سائر البدن. وسنة العمل: أن يبدأ المغتسل فيغسل يديه وفرجه، ثم يُزيل النجاسة عن بدنه إن كانت، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة إلا رجليه، ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثاً، ثم ينتحى عن ذلك المكان، فيغسل رجليه.
وإن اغتمس) ب) في الماء مرة أجزاء إذا تمضمض واستنشق.
وليس على المرأة أن تَنْقُضَ ضَفَائِرَهَا في الغسل إذا بلغ الماء أصول الشعر (
والمعاني الموجبة للغسل: إنزال المني على وجه الدفق والشهوة من الرجل والمرأة، والنقاء الختانين من غير إنزال، والحيض، والنفاس، وعلى المستحاضة إذا استكملت أيام أقرائها أو توهمت الغسل (2007).
وليس في المذي والودي غُسل، وفيهما الوضوء).
ومن احتلم ولم ير بللا؛ فلا غسل عليه حتى يستيقن أنه قد احتلم، فإن) جامع فاغتسل قبل أن يبول، ثم خرج منه بقية المني؛ فعليه الغُسل عِنْدَهُمَا، وقال أبو يوسف - رحمة الله - 01: لا غسل عليه).
المرأة إذا احتلمت ولم تر بللاً، هل يجب عليها الغسل أم لا؟ تنظرا إن كانت انتبهت وهي على قفاها؛ يجب عليها الغسل، وإن كانت انتبهت وهي على وجهها، أو يميناً، أو شمالاً، لا يجب عليها الغسل، وهذه المسألة ذكرها الفقيه أبو الليث في مقيداته (2007.
وكذا من احتلم وأمسك المني من فوره، ثم خرج المني) منه بعد ما سكنت شهوته، فعليه الغسل عندهما، وقال أبو يوسف: لا غسل عليه.
وأدنى ما يكفي من الماء في الغسل صاع، وفي الوضوء مد)، وإن أسبع بدونهما، أجزاء، والصاع ثمانية أرطال بالبغدادي مما يستوي كيله ووزنه، وقال أبو يوسف: خمسة أرطال وثلث رطل.
الجزء 1 · صفحة 47
ولا تقرأ القرآن حائض ولا جنب)، وفصل الطحاوي بين الآية وما دونها، ولا يأخذ المصحف ولا شيئاً فيه القرآن مكتوب نحو الدرهم، وإن أخذ صرة من الدراهم فيها سورة من القرآن، أو المصحف بغلافه؛ فلا بأس به، والذي على غير وضوء فكذلك.
ويجوز للجنب والحائض أن يذكر الله تعالى، ويدعو)، ويأكل ويشرب، لكن المستحب أن يغسل يده وقمه.
ولا يدخل المسجد جنب ولا حائض، فإن احتاج إلى ذلك تيمم ودخل.
وسنَّ رسول الله - - الغسل يوم الجمعة، والعيدين، والإحرام)، وعرفة وعن أبي يوسف: أن غسل يوم الجمعة للصلاة، وعن الحسن: أنه لليوم، فمن اغتسل أول النهار، ثم أحدث وتوضأ وصلى الجمعة؛ نال فضل الجمعة) عند الحسن، وعند أبي يوسف: لا، ولو اغتسل قبل الفجر، وصلى به الجمعة، نال الفضل عند أبي يوسف خلافاً للحسن.
باب ما يجوز به الطهارة، وما لا يجوز
الطهارة من الأحداث جائزة بماء السماء، والأودية، والعيون، والآبار، وماء البحار عذباً كان أو أجاجاً، أو متغيراً لونه أو رائحته؛ الطول المكث.
ويجوز التوضؤ بنبيذ (1/ 3) التمر، خاصة إذا لم يجد الماء عند أبي حنيفة، وهو قول زفر - رحمة لله، وقال أبو يوسف: لا يتوضأ به، ورواه نوح بن أبي مريم عن أبي حنيفة، وقال محمد: يتوضأ به ويتمم، وإن اشتدا فهو شكر، لا يجوز التوضؤ به، وإن طبخ فما دام حلواً؛ فهو على هذا الخلاف، والمشتد منه حرام عند محمد، وعن أبي حنيفة: أنه يجوز التوضؤ به.
ولا يجوز التوضؤ بما اعتصر من الشجر والثمر، وكذلك ماء الباقلاء، وماء الورد، والعرق، وماء الزردج)، ولا بماء غلب عليه غيره، فأخرجه عن طبع الماء، كالأشرية والخل).
ويجوز التوصل بماء خالطه شيء طاهر، فغير أحد أوصافه، كماء المد والسيل، والماء الذي اختلط به الأشنان، والصابون، والزعفران، واللبن، وإن غلب عليه غيرها صار الحكم للغالب).
الجزء 1 · صفحة 48
والماء المستعمل لا يجوز استعماله ثانياً في طهارة الأحداث، والماء المستعمل: كل ما أدى به فرض الطهارة، أو استعمل في البدن على وجه القرية وقال الطحاوي: أو تبرد به، قالوا: هذا سهو منه، أو تأويله: تبرد بنية الصلاة.
والماء المستعمل نجس عند أبي حنيفة وأبي يوسف (100)، وعند محمد: طاهر غير طهور، وهو رواية عن أبي حنيفة، وعنه أيضاً: إذا أصاب الثوب أكثر من قدر الدرهم؛ لا يجوز فيه الصلاة (400)، وقال أبو يوسف: يجوز ما لم يفحش، وقال زفر: إن كان المتوضئ محدثاً، وقال محمد: وإن كان المتوضئ طاهراً، فالماء المستعمل فيه طاهر وطهور (17016.
فرع: رجل أدخل رأسه في الماء، يريد به المسح، أو الخفين أجزاء المسح، ولم يفسد الماء عند أبي يوسف، وقال محمد: فسد الماء ولم يجزئه من المسح.
وكل ماء وقعت فيه نجاسة، لم يجز التوضؤ به؛ لأن النبي - عليه السلام - أمر بحفظ الماء من النجاسة فقال: لا يبولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلُ فِيهِ مِنَ الجنابة.
والخبر مشهور: إِذا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ منامه، فَلَا يَغْمِسَنَّ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلها ثلاثا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَينَ بَاتتْ يَدُهُ.
وأما الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة جاز الوضوء به إذا لم ير لها أثر لأنها لا تستقر مع جريان الماء.
والغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر، إذا وقعت النجاسة في أحد جانبيه، جاز الوضوء من الجانب الآخر، وعن أبي حنيفة تعان: أنه اعتبر التحريك بالاغتسال، وعن أبي يوسف: أنه اعتبر التحريك باليد، وعن محمد: أنه اعتبر التحريك بالتوضؤ، وعنه أنه قال: مقدار مسجدي هذا، وكان ثماناً في ثماني، [3/ ب] وعن جماعة من أصحابنا، مثل: أبي سليمان) والمعلى وغيرهما: عشر في عشر، وبه أفتى مشايخنا، وقال الشافعي: إذا كان الماء خمس قرب، كل قربة خمسون منا يجوز التوضؤ.
ومن كان معه في سفر إناءان، في أحدهما ماء نجس، فاشتبها عليه؛ خلطهما وتيمم، ولا يتحرى إلا في ثلاثة أوان الاثنان طاهران، وأكثر منها (65) والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 49
بَابُ مَا يُفسد الماء وما لا يفسد)
لا يفيد الماء موت ما ليس له دم سائل، كالبق، والبعوض، والذباب والعقرب، والزنبور، ولا موت ما يعيش في الماء، كالسمك، والضفدع، والسرطان.
وإذا وقعت في البئر نجاسة، من دم، أو خمر، أو بولي، أو عذرة، أو نحوها؛ نزحت، وكان نزح ما فيها من الماء طهارة لها.
وإن ماتت فيها فأرة، أو قارتان، أو عصفور، أو صعوة، أو سودانية (0)، أو سام أبرص نزع منها عشرين دلواً إلى ثلاثين دلوا، بحسب كبر الدلو وصغرها (400).
وإن ماتت فيها حمامة، أو دجاجة، أو سنور و نزح منها ما بين أربعين إلى ستين، وإن مات فيها كلب، أو شان، أو آدمي نزح منها) البشر كله (109).
وإن انتفخ الحيوان فيها أو تفسخ نزح جميع مائها في صغير الحيوان) 15 () 11 (وكبيره.
وعدد الدلاء يعتبر بالدلو الوسط المستعمل للآبار، و إن نزح منها بدلو عظيم قدر ما يسع من الدلاء [الوسط، احتسب به (413).
وإن كان البئر معيناً) لا تنزح، ووجب نزح مائها، أخرجوا مقدار ما كان فيها من الماء، وعن محمد: أنه ينزح منها ما بين مثني دلو إلى ثلاثمئة دلو وعن أبي يوسف: يحفر بجنبها حفيرة على قدر عمقها وطولها، ثم ينزح الماء من تلك البئر فيجعل في هذه، فإذا امتلأت مثل مكانها من تلك البشرة يحكم بطهارة الأولى، وعن أبي يوسف أنه يرسل فيه قصبة، ويجعل على موضع الماء علامة، ثم يُسرح منها عشرة دلاي، ثم يرسلها ثانية، فإن نقص منها شيره ترح منها مكان كل شبر عشراً.
وإذا كان الدلو الأخير متعلقاً في البشر، فأخذ رجل من البئر ماء فتوضأ به والدلو المتعلق تتقاطر فيها، فعلى قول أبي يوسف: لا يجوز التوضؤ بالماء الذي أخرجه، وقال محمد: يجوز.
وإذا وجدت دجاجة ميتة منتفخة في بئر يتوضأ منه 110 لا يدرى متى وقعت أعادوا صلاة ثلاثة أيام ولياليها، وفي غير المنتفخة: يوماً وليلة عند أبي حنيفة) 2 (وزفر وقالا: لا شيء [1/ 4] عليهم ما لم يتبين متى وقعت (2000). 103
الجزء 1 · صفحة 50
وفي الثوب: لا يُعيد صلاة ما لم يعلم، وهو بخلاف البئر (505).
و (الطاهر إذا اغتسل في البشر؛ أفسده، وإن انغمس فيه الطلب الدلو لم يفسده).
فرع: جنب اغتسل في ثلاثة آبار: أفسدها كلها، ولم يجزئه الغسل، قال (110) محمد - رحمة الله - يخرج من الثالثة طاهراً، والمياه الثلاثة مستعملة).
فرع: جنب دخل بئراً لطلب) (دلو)، ولم ينو الغسل، فانغمس فيها: قال في كتاب الصلاة: لا يفسد الماء، ولا يجزئه في (الغسل، وقال محمد: لا يفسد الماء، ويجزئه من الغسل، وقال أبو يوسف في الأمالي (7: يفسد [الماء) إلا أنه استحسن في الجنب إذا أدخل يده في الماء أنه لا يفسد إذا لم ينو الغسل، قال: وهكذا إذا أدخل رجله، إلا أن الرجل أفحش.
وإذا وقع شعر الإنسان أو الخنزير في بشره لم يفسده عند محمد، وعند أبي يوسف يفسده شعر الخنزير، ولم يرو عنه في شعر الإنسان (شيء 010.
فصل: سؤر الآدمي) طاهر، وإن كان مشركاً، أو جنباً، أو حائضاً، وكذا سور كل حيوان يؤكل لحمه)، إلا الدجاجة المخلاة، فإن سؤرها مكروه). وسور الكلب، والخنزير، وسباع البهائم كالأسد، والذئب، والنمر نجس، فإن ولغ ما لا يؤكل لحمه في إناء أهريق)، وغسل الإناء حتى يطهر، وفي الكلب سبع مرات أفضل، ويطهر) بالثلاث.
وسور سباع الطير، والدجاجة المخلاة، وما يسكن البيوت من الحشرات كالفأرة، والوزغة، والحيات والسنور مكروه، وقال أبو يوسف: لا يكره في السنور"، وذكر الطحاوي قول محمد مع أبي حنيفة، والصحيح أنه مع أبي حنيفة.
وسور الحمار والبغل مشكوك فيهما (2010)، يجمع بينه ... وبين التيمم وبأيهما) بدأ أجزاء، وقال زفر - رحمه الله: لا يجوز إلا أن يبدأ بالوضوء)
فرع: متيمم رأى في صلاته سؤر حمار: مضى على صلاته، ثم توضأ) وأعاد الصلاة، ولو رأى نبيذ تمر؛ فكذلك عند محمد، وقياس قول أبي حنيفة: أن يتوضأ به ويستقبل، وقال أبو يوسف: يمضي ولا شيء عليه.
وسور الفرس لا يكره في أحد الروايتين عن أبي حنيفة، وهو قولهما، وافي رواية: مكروه، وكراهته أنه إذا أصاب الثوب، وهو كثير فاحش؛ يكره فيه الصلاة، وكذلك يكره التوضؤ به.
الجزء 1 · صفحة 51
(فرع): بعرة أو بعرتان يسقطان في بئر: لم يتنجس، وإن كان كثيراً يتنجس، وتكلموا في حد الكثير، قيل: أن يأخذ ربع وجه ا الماء، وقيل: أن لا يخلو کل دلو منه، وقيل: ما استكثر الناظر 1900.
بَابُ النجاسات
[4/ ب] تطهير النجاسة واجب من بَدَنِ الْمُصَلِّي، وَثَوْبِهِ، والمكان الذي يُصَلِّي عليه، وكُل ما يخرج من بدن الإنسان مما يوجب خروجه الوضوء أو الغسل؛ فهو نجس كله.
والمني نجس، وهو الذي يَكُونُ منه الوَلَدُ يغسل رطبه، وإن جف؛ أجزأ فيه الفرك، والوَدْي والمذي نجس فالمذي يخرج لفكرة شهوة أو تلاعب، والودي الذي يخرج بعد البول.
ما لا يجب بخروجه الطهارة؛ فهو طاهر، مثل: البزاق، والمخاط) والدمع ()، والعرق، من حائض، أو جنب، أو غيرهما، والبلغم طاهر عند أبي حنيفة ومحمد.
والروث، والبعرُ، والخثي، وخُرْء الدجاجة، والبط: نجس، والكل سواء عند أبي حنيفة، إن أصابه أكثر من قدر الدرهم؛ لا تجوز صلاته كرجيع الإنسان، وقال أبو يوسف ومحمد الروث، والبعر والخثي: لا يمنع حتى يكون كثيراً فاحشاً، وقال زفر في روث ما لا يؤكل لحمه كقول أبي حنيفة، وفي روث ما يؤكل كقولهما، والكثير الفاحش عند أبي حنيفة ومحمد الربع، لحمه قيل: يعني: ربع كل شيء أصابه مثل: ربع [الذيل]) والكم أو نحوهما، ومثل ربع أي ثوب أصابه، وعن أبي يوسف شبر في شبر، وعنه ذراع في ذراع، وعن محمد: مقدار القدمين.
وخرء الحمام، والعصفور، وبول الخفافيش: ليس بنجس، وخُرْء الطير الذي لا يؤكل لحمه، و إن أصاب الثوب أكثر من قدر الدرهم؛ تجوز فيه الصلاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ذكر قول أبي حنيفة في الجامع الصغير»، وقول أبي يوسف في الأمالي»، وقال محمد: لا يجوز.
والدم المسفوح) من كل حيوان: نجس، إلا دم السمك.
الجزء 1 · صفحة 52
(فرع): فَأرَة ماتت في سَمْنِ جامد: فإنَّه يُرمى بها وما حَوْلَهَا، والباقي طاهر، وإن كان مائعاً؛ نجسه، ويُسْتَصْبَحُ به، أو يُدْبَغُ به الجِلْدُ، ثم يغسل.
والأبوال كلها نجسة، وأبوال الصبيان الذكور والإناث ممن لا يأكل الطعام والذين يأكلون الطعام سواء، وأبوال ما لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ من الحيوانات وما يُؤْكَلُ لَحْمُهُ: سَواءٌ [كلها] نجسة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد بول ما يؤكل لحمه: طاهر لا يُفسد البئر والثوب، وَيَحِلُّ شُرْبُه، وعندهما: يفسد البئر.
وإن أصاب الثوب منه كثيراً فاحشاً؛ يمنع جواز الصلاة، ولا يَحِلُّ شُرْبُهُ عند أبي حنيفة للتداوي ولغيره، وعند أبي يوسف: يُبَاحُ شُرْبُهُ لِلتَّدَاوِي خاصة.
فرع: نعل أو خُفٌ أصابه دم أو عذرة: إن كان يابساً فَمَسَحَهُ بالأرض وذهب أثره؛ يجوز عند أبي حنيفة، [1/ 5] وقال محمد: لا يجوز إلا الغسل، وإن كان رطباً؛ لا يجوز إلا غسله، وعن أبي يوسف في الأمالي»: أنه يجوز إذا مسحه بالأرض، رطباً كان أو يابساً، وفي الثوب لا يجوز إلا الغسل، وفي البول والخمر: لا يجوز إلا الغسل.
فرع): ثوب أصابه من لعاب ما لا يؤكل لحمه من الدواب جازت الصلاة فيه، وكذلك عرقها، وعن أبي يوسف: أنه إن كان كثيراً فاحشاً؛ لا يجوز، وهو قول زفر، ولو وقع اللعاب في الماء؛ يتوضأ به مع القدرة على الماء، وإن أصاب الثوب من ذلك الماء؛ فعلى الاختلاف.
فرع]: بول اتضح على الثوب مثل رؤوس الإبر: فذلك ليس بشيء.
وكل إهاب دبغ؛ فقد طهر، وجازت الصلاة فيه، إلا جلد الخنزير، والآدمي.
وشعر الميتة، وعظمُها، وقرنها، وصوفها: طاهر يجوز الصلاة معه، وعن محمد أن عظم الفيل نجس، وعن أبي حنيفة - الله عنه: أنه لا بأس به، وكذا عن أبي يوسف.
وإن سَقَطَ مِن رجل فأعاده؛ فعن محمد لا تجوز الصلاة معه إن كان أكثر من قدر الدرهم، وعن أبي يوسف: أنه إن كان سنه؛ جاز، وإن كان من غيره؛ لا يجوز، قال: وبينهما فرق، وإن لم يحضر في النجاسة الغليظة إن كانت أكثر من قدر الدرهم؛ تمنع جواز الصلاة، وقدر الدرهم وما دونه لا يمنع الجواز، قال الطحاوي: الدرهم أكبر ما يكون من الدراهم.
الجزء 1 · صفحة 53
وإن أصاب الأرض نجاسة وهي رطبة؛ فإن كانت الأرض رِخْوَةٌ؛ يُصَبُّ الماء عليها حتى يتسفل الماء فيها، وإن كانت صلبة متحدرة؛ يُصب الماء عليها حتى يتحدر، وإن كانت صلبة مُسْتَوِيَةٌ؛ لا تُغسل، بل [تحفر]) فيجعل أعلاها أَسْفَلَها.
[فرع]: أرض أصابتها نجاسة، فجفت وذهب أثرها، فصلى [عليها] إنسان: جازت صلاته، وقال زفر: لا يجوز، كالتيمم، وكالثوب، و البساط فإن أصاب الأرض ماء بعد ذلك، أو وقع من ذلك التراب في الإناء؛ هل يعود نجساً؟ فعن أبي حنيفة في هذا روايتان.
وإن صلى على مصلى مبطن ()، فقام على الظهارة وفي بطانته نجاسة؛ فسدت صلاته عند أبي يوسف، وجازت عند محمد، وقيل: الاختلاف فيه، فإن قول أبي يوسف فيما إذا كان مضرباً، وقول محمد: في غير المضرب.
وإن أَصَابَ الثوب نجاسة، وَخَفِي مَكَانُها؛ يغسل جميع الثوب.
ويجوز إزالة النجاسة عن الثوب بكل شيء ينعصر [بالعصر] كالخل، واللين وماء الورد، وما يتعصر من الشجر، والورق، وفي الدهن والسمن عن [5/ ب] أبي يوسف: روايتان، وقال محمد وزفر: لا يجوز إلا بالماء، وأما عن البدن فعن أبي يوسف روايتان: روي أنه يزول عنه بالخل وغيره من المائعات وروي) أنه لا يزول إلا بالماء كالحدث.
والنجاسة إذا أصابت المرأة أو السيف؛ اكتفي بمسحهما.
وتطهير النجاسة التي يجب غسلها على وجهين: فما كان منها عيناً مرثية؛ فطهارتها زوال عينها، إلا أن يبقى من أثرها ما يشق إزالته، وما ليس له عين مرئية فطهارته أن يُغسل حتى يغلب على ظن الغاسل أنه قد طهر.
باب المسح على الخفين
المسح على الخُفَّيْنِ جائز بالسنة من كل حدث موجب للوضوء، إذا لبس الخفين على طهارة كاملة ثم أحدث، أو لبس على طهارة رجليه، ثم أكملها بعد لبس الخفين قبل أن يُحدث، ثم أحدث بعد ذلك؛ فإنه إن كان مقيماً؛ يمسح يوماً وليلة، وإن كان مسافراً؛ يمسح ثلاثة أيام ولياليها سير الإبل، ومشي الأقدام)، وابتداء المسح عقيب الحدث لا يعتبر [فيه وقت] الطهارة، ولا وقت اللبس.
الجزء 1 · صفحة 54
والمسح على الخفين على ظاهرهما خُطوطاً بالأصابع، يبدأ من الأصابع إلى الساق، وفرْضُ ذلك: [قدر] ثلاث أصابع من أصابع اليد، لا يجوز أقل من ذلك.
وإن كان في أحد الخفين خَرْق في موضع واحد، أو في مواضع مختلفة، مقدار ما يخرج منه ثلاثة من أصابع الرجل؛ لا يجوز عليه المسح)، وإن كان أقل من ذلك؛ جاز.
ولا يجوز المسح على الخُفَّيْنِ لِمَنْ وَجَبَ عليه الغُسْل (9 وينقض المسح على الخفين ما ينقض الوضوء، وينقضه أيضاً نَزْعُ الخُفْ ومضي المدة، فإذا تمت المدة؛ نزع خُفَّيْهِ، وغسلَ رِجْلَيْهِ، وصَلَّى.
وإن نزع بعض القدم، فعن أبي حنيفة: أنه إن نزع أكثر العقب عن موضعه؛ فعليه غسل القدمين، وعن أبي يوسف أنه ما لم ينزع أكثر القدم؛ لم يجب عليه الغسل، وعن محمد: أنَّه إن بقي في الْخُفْ ما يمكن أن يمسح عليه؛ لا يجب) 6 () 5 (عليه العسل.
ومن ابتدأ المسح وهو مقيم، فسافر قبل تمام يوم وليلة؛ مسح إلى تمام ثلاثة أيام ولياليها، وإن سافر بعد تمام يوم وليلة؛ نزع خُفيه وغسل رجليه، ومن ابتدأ المسح وهو مسافر ثم أقام؛ فإن كان مسح يوماً وليلة أو أكثر؛ لزمه نزع الخفين) وإن كان مسح أقل من يوم وليلة؛ تَمَّ مَسْحُ يوم وليلة.
ومن لبس الجُرْمُوقَيْنِ على الْخُفَّيْنِ؛ جاز له أن يمسح عَلَيْهِمَا، وقَالَ الشافعي: لا يمسح، وإن مسح عليهما، ثم نزع أحد الجرموقين؛ قال في بعض كتب الصلاة عليه أن يمسح [1/ 6] على الخف [الطاهر)، وعلى الجرموق الآخر، وقال في بعض الكتب: يَنزِعُ الْجُرْمُوقَ الثاني، وَيَمْسَحُ على الْخُفَّيْنِ، وقال زفر: يمسح على الخُفَّ الذي نزع الجرموق، وعنه: ولا شيء عليه في الآخر.
ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفة، إلا أن يكونا مجلدين أو منعلين، وقالا: يجوز إذا كانا ثَخِينَيْنِ لا يَشِفَانِ الماء، وعن أبي حنيفة: أنه رجع في آخر عمره وقال: يجوز المسح على الجوربين.
ولا يجوز المسح على العمامة، والقلنسوة والبرقع، والقُفَّازَيْنِ.
الجزء 1 · صفحة 55
ويجوز المسح على الجبائر، وإن شَدَّها على غير وضوء؛ فإن سقطت لا عَنْ بُرْء، لا يبطل المَسْحُ، وإن سقطت عَنْ بُرء؛ بطل المَسْحُ، وإن ترك المسح على الجبائر؛ جاز، وعند أبي يوسف ومحمد إن لم يضره المسح؛ لم يجز ترکه.
فرع مستحاضة توضأت والدم سائل، وليست خفيها، ثم [أحدثت]: مسحت ما دامت في الوقت، فإذا خرج الوقت غسلت قدميها، وقال زفر: تمسح] كمال مدة المسح.
فصل: ماسح الخف إذا نزع خُفه: بعمل يسير، أو انقضت مدة مسحه بعد ما قعد قدر التشهد قبل أن يُسلّم، أو متيمم وجد الماء، أو [عار وجد ثوباً، أو أُمي تعلم سورة، أو القارئ استخلف أميا، أو مومئ قدر على الركوع والسجود أو طلعت الشمس المصلي الفجر، أو تذكر فائتة، أو مصلي الجمعة خرج وقتها، أو ماسح الجبائر إذا سقطت عن برء، أو مستحاضة برأت، وذلك كله بعد ما قعد قدر التشهد: [تفسد الصلاة عند أبي حنيفة، كما لو كان قبل القعود قبل التشهد، وقالا: لا تفسد كما لو كان بعد السلام، وعلى هذا الخلاف إذا اعترضت هذه الأحوال بعدما عاد إلى سجدتي السهو، ولو نزع خُفه بعمل كثير، أو تكلم، أو ضحك، أو أحدث متعمداً؛ فصلاته جائزة عندهم جميعاً.
باب التيمم
من لم يجد الماء وهو مسافر، أو خارج المصر، وبينه وبين المصر نحو ميل أو أكثر)، أو كان يجد الماء إلا أنه مريض، فخاف إن استعمل الماء اشتد مرضه، أو خاف إن اغتسل بالماء أن يقتله البرد أو يُمرضه، أو معه ماء في سفره يحتاج إليه لشفته، أو مع رفيقه ماء لا يعطيه ولا يبيعه بمثل ثمنه في ذلك المكان فإنه يتيمم بالصعيد، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز التيمم في المصر لِخَوْفِ الْبَرْدِ).
والتيمم ضربتان: يمسح [بِإِحْدَاهُمَا] وجهه، وبالأخرى يُمْنَاهُ إلى المرفق من ذراعه على أصابع يده اليسرى على راحته حتى يبلغ من [مرفقه] اليمني ثم يمر باطن إبهامه اليسرى على ظاهر [6/ ب] إبهامه اليمنى، ويفعل في يده اليسرى كذلك، فإن ترك شيئاً من ذلك، قليلا كان أو كثيراً؛ لم تجز صلاته.
ويجوز التيمم من الجنابة، والتيمم من الجنابة والحدث سواء.
الجزء 1 · صفحة 56
ويجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض، كالتراب، والرمل، والجص، والنُّورَة)، والكُحْل، والزرنيخ، والآجر المدقوق، والحجارة المدقوقة، والطين الأحمر والأخضر عند أبي حنيفة ومحمد وزفر، وقال أبو يوسف آخراً: لا يجوز إلا بالتراب والرمل.
وإن نفض ثوبه أو لبده وتيمم بغباره جاز عندهما، ولا يجوز عند أبي يوسف، وكذلك لو ضرب على حائط أو على صخرة، عليه غبار؛ جاز عند أبي حنيفة، ولا يجوز عند أبي يوسف إلا أن يكون اجتمع عليه غبار كثير يتبين على الكف.
والنية فرض في التيمم.
وإذا تيمم النصراني يريد الإسلام ثم أسلم؛ لم يكن متيمماً، وقال أبو يوسف: هو متيمم كما لو توضأ ثم أسلم؛ كان متوضئاً.
وينقض التيمم كل شيء يَنْقُضُ الوضوء، وينقضه أيضاً رؤية الماء إذا قدر على استعماله، فَإِن وَجَدَ الماء في صلاته؛ توضأ واستأنف الصلاة.
ولا يجوز التيمم إلا بصعيد طاهر.
ويُستحب لمن لا يَجِدُ الماء وهو يرجو أن يجده في آخر الوقت أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت، فَإِن وَجَدَ الماء وإلا تيمم، وإن لم يكن على طمع من وجود الماء؛ لا يؤخر.
ويصلي بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل والسنن.
و من كان به جُرح على مكان من جسده يضره الماء؛ وجب عليه الغسل؛ ذلك، وكذلك إذا كان في غسل سائر جسده سواه، ولم يكن. عليه أن يتيمم مع: غير موضع من جسده، إلا أن يكون الجراح والجُدَرِي) في أكثره فيتيمم، ولا يغسل بقية جسده.
ويجوز التيمم للصحيح في المصر إذا حضرت جنازة، والوليُّ غَيْرُه فخاف إن اشتغل بالوضوء أن تفوته الصلاة؛ يتيمم ويُصلي، وكذلك صلاة العيدين، إن اشتغل بالطهارة [تفوته] [صلاة العيد]؛ يتيمم ويصلي.
وإن أحدث في خلال الصلاة، وقد افتتح الصلاة بالوضوء؛ يتيمم عند أبي حنيفة، وقالا: لا يتيمم للبناء، وإذا خاف من شهد الجمعة، إن اشتغل بالطهارة فاتته؛ توضأ، فإن أدرك الجمعة؛ صلاها، وإلا صلى الظهر أربعاً وكذلك إن ضاق الوقت؛ فخشي إن توضأ فات الوقت؛ فإنه لا يتيمم، ولكنه يتوضأ ويُصلي الفائتة (13).
الجزء 1 · صفحة 57
فرع: مُسَافِرٌ نَسِي الماء في رَحْلِهِ فتيمم وصلى ثم تذكر: لم يُعد الصلاة عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف: يُعيد، وليس على المتيمم إذا لم يعلم أن بقربه ماءً أن يطلب الماء، فإن غلب على ظنه أن هناك ماء؛ لم يجز) له (0) أن يتيمم حتى يطلبه، فإن كان مع رفيقه ماء؛ طلب منه قبل أن يتيمم، فإن منعه [1/ 7] منه تيمم.
وإن تَيَمَّمَ مُسْلِمٌ، ثمَّ ارْتَدَّ عن الإسلام - وَالعِياذُ بِاللَّهِ، ثم أسلم؛ فهو على تيممه، وقال زفر: بطل (11تيممه.
ومقطوع اليد من المرفق يَمْسَحُ مَوْضِعَ القطع في التيمم، ويغسله في الوضوء وقال زفر: ليس عليه أن يتيمم.
[فرع: رجل صلى بمتيممين ومتوضئين، فعلم متوضئ بالماء ولم يعلم المتيممون: فصلاة المتوضئ فاسدة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال زفر: جائزة وعند محمد صلاة المتوضئين في الابتداء كانت فاسدة، بناءً على أن إمامة المتيمم للمتوضئين جائزة عندهما، فاسدة عند محمد.
فرع]: المحبوس في المخرج إذا لم [يقدر] على صعيد طيب ولا مكان نظيف يصلي فيه: لا يُصلي، وقال أبو يوسف بالإيماء، فإذا خرج؛ توضأ وقضى، وقول محمد مضطرب يُروى مع أبي حنيفة ويروى مع أبي يوسف.
المحبوس في السجن إذا لم يجد ماء يتيمم ويُصلي، ويعيد إذا خرج عند أبي حنيفة الآخر، وهو قولهما، وقال زفر: لا يُصلي ما لم يخرج، وهو قول أبي حنيفة الأول.
فرع: مسافر جنب اغتسل إلا لمعة لم يصبها ماء، فتيمم وصلَّى، ثم أحدث، ثم وجد ماء: إن كان يكفيه للمعة لا غير؛ غسلها به، وإن كان يكفي لأيهما شاء - الوضوء أو للمعة - ولا يكفي لهما؛ صرفه إلى اللمعة، فيتمم للحدث، فلو بدأ بالتيمم؛ قال في نوادر الصلاة: تجزئه بأيهما بدا، وقال في «الزيادات: لا يجزئه إلا أن يبدأ بغسل اللمعة، فما في النوادر) قول أبي يوسف، وما في الزيادات قول محمد.
باب الحيض
الجزء 1 · صفحة 58
هو الدم الخارج من الرحم الذي تصير المرأة به بالغة، وأقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها، فما نقص من ذلك فليس بحيض، وهو استحاضة، وقال أبو يوسف في الأمالي»: إن رأت يومين وأكثر من يوم الثالث؛ فهو حيض، ورواه عن أبي حنيفة.
وما تراه المرأة من الحمرة، والصفرة، والخضرة، والكدرة في أيام الحيض: حيض حتى ترى البياض خالصاً، وقال أبو يوسف: إن رأت الكدرة في أول أيامها لا يكون حيضاً.
والحيض يُسقط عن الحائض الصلاة، ويُحرم عليها الصوم، وتَقْضِي الصوم ولا تقضي الصلاة، ولا تطوف بالبيت، ولا يَأْتِيها زوجها، ولا تقرأ]) القرآن، ولا تمس المصحف إلا بغلاف.
فإن حاضت حين زالت الشمس؛ فليس عليها قضاء تلك الصلاة إلا عند إبراهيم النخعي، وإن حاضت في آخر الوقت، ولم يبق من الوقت [7/ ب] إلا قدر ما يُصلَّى ركعة (10 أو نحوه؛ فليس عليها قضاء تلك الصلاة عند أبي يوسف، وقال زفر: تقضي، كما لو حاضت بعد خروج الوقت، وأصل الاختلاف فيما إذا أفاق من الإغماء.
ويستمتع من الحائض ما عدا مئزرها، ويجتنب ما تحته عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد يجتنب شعائر الدم، وله ما سواه.
وإن طهرت وأيامها دون العشرة؛ لم يقربها حتى تَغْتَسِل أو يمضي وقت صلاة كاملة، وإن كان أيَّامُها عشرة وانقطع الدم؛ حل وطؤها قبل الغسل) وقال زفر: لا يحل.
والمستحاضة تردُّ إلى أيامها المعرفة، فإن ابتدأت مع البلوغ مستحاضة فحيضها عشرة من كل شهر، والباقي استحاضة.
[فصل: إذا تقدم حيضها على أيامها؛ فهو على ثلاثة أوجه: إن رأت في أيامها ما [يكون حيضاً، ورأت قبل أيامها ما لا يكون حيضاً، والكل لم يجاوز العشرة، فالكل حيض بالاتفاق، وإن رأت قبل أيامها ما يكون حيضاً، ولم تر في أيامها شيئاً، أو رأت فيها ما لا يكون حيضاً، أو رأت قبل أيامها ما لا يكون حيضاً وفي أيامها ما لا يكون حيضاً، ولو جمعا يكون حيضاً؛ قال أبو حنيفة: حالها موقوف؛ إن رأت في الشهر الثاني مثل ذلك؛ فهو حيض، وإلا فلا، وقال أبو يوسف ومحمد: يكون حيضاً، لكن عند أبي يوسف: تنتقل العادة بمرة واحدة، وعند محمد: إذا رَأَتْ قَبْل أَيَّامِهَا ما يكون حيضاً، ورأتُ في أَيَّامِهَا مَا يكون حيضاً، والكل لا
الجزء 1 · صفحة 59
يجاوز العشرة، فعن أبي حنيفة فيه روايتان في رواية: الرأي قبل أيامها موقوف، وفي رواية: الكل حيض، وهو قولهما.
فرع: امرأة كانت تحيض مرة ستاً ومرة خمساً، فاستحيضت: قال أبو يوسف: تبني على آخر ما رأت وتمضي عليه، و قال محمد: تنظر إلى ما توالى عليه من شيء فتمضي عليه، وهو قياس قول أبي حنيفة، بناء على اختلافهم في انتقال العادة بمرة عند أبي يوسف: تنتقل، وعندهما: لا.
فصل: الظُّهْرُ المُتَخَلَّلُ بينَ الدَّمَيْنِ: إذا كان أقل من خمسة عشر؛ لا يكون فاصلاً بين الدمين عند أبي يوسف، ويكون كالدم المتوالي، فإذا بلغ خمسة عشرة؛ يصير فاصلاً بينهما، وعند محمد الظهر إذا كانَ أَقل من ثلاثة؛ لا يُعْتَبَرُ، ويكون كالدم المتوالي، فإن بلغ ثلاثة أيام؛ فإن كان الطهر مثل الدمين أو الدمان أكثر؛ فهو كالدم المتوالي، وإن كان الظهر أكثر؛ يصير فاصلاً، ثم ينظر، إن أمكن أن يجعل أحد الدمين حيضاً؛ يجعل [1/ 8] حيضاً، وإلا فلا.
فصل: ودم الاستحاضة: هو ما تراه المرأة أقل من ثلاثة أيام، أو أكثر من عشرة محكمة حكم الرعاف، لا يمنع الصلاة والصوم والوطء.
و من به سلس البول، والرُّعَافُ الدائم، والجُرْحُ الذي لا يُرْقَ (0): يتوضؤون لوقت كل صلاة، فيصلون) بذلك الوضوء في الوقت ما شاءوا من الفرائض والنوافل، فإذا خرج [الوقت] كان عليهم استئناف الوضوء لصلاة أخرى.
ثم المستحاضة تُنتَقَضُ طَهَارَتُهَا بِخُرُوج الوقت عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: بدخول الوقت وخروج الوقت، وقال زفر: بدخول الوقت، لا بخروج الوقت، حتى إنها لو توضأت قبل طلوع الشمس؛ انتقضت طهارتها إذا طلعت الشمس، خلافاً لزفر، ولو توضأت حِينَ تَطْلُعُ الشمس؛ تبقى طهارتها حتى يذهب وقت الظهر عند أبي حنيفة ومحمد كالمرأة يطلقها زوجها، فينقطع عنها الدم حين تطلع الشمس، وأيامها أقل من عشرة أيام، وللزوج أن يراجعها حتى تغتسل أو يذهب وقت الظهر، وقال أبو يوسف وزفر: تنتقض طهارتها بزوال الشمس.
فصل: النفاس: هو الدم الخارج عَقِيبَ الولادة، فأما الذي تراه الحامل، وما تراه المرأة في حال ولادتها: استحاضة.
الجزء 1 · صفحة 60
وأقل النفاس: لا حد له، وعن أبي يوسف: أحد عشر يوماً، حتى لو ولدت ولم تردماً؛ كان نفاسها أحد عشر يوماً، وأكثر النفاس: أربعون يوماً، وما زاد على ذلك؛ فهو استحاضة.
فإن جاوز الأربعين، وقد كانت ولدت هذه المرأة قبل ذلك، ولها عادة معروفة في النفاس؛ رُدَّت إلى أيام عادتها، ولو لم تكن لها عادة؛ فابتداء نفاسها أربعون يوماً، ولو ولدت ورأت دماً، ثم طهراً)، ثم دماً؛ قال أبو حنيفة: كله نفاس ()، وإن رأت الدم يوماً في الابتداء، أو يوماً في آخر الأربعين، كما قال في الحيض: إذا رأت يوماً دماً، وثمانية ظهراً، ويوماً دماً: إنه حيض كله، وقال أبو يوسف ومحمد: إذا طهرت خمسة عشر يوماً، ثم رأت دماً؛ فالأول نفاس، والآخر حيض
وإن ولدت ولداً وفي بطنها ولد آخر؛ فالنفاس من الأول عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وانقضاء العدة بالثاني، وقال محمد وزفر النفاس من الولد الأخير.
[فرع: امرأة قالت: الله علي أن أصلي [8 / ب] أربع ركعات غداً ثم حاضت قال أبو يوسف عليها القضاء، وقال زفر: لا قضاء عليها، والله أعلم.
كتاب الصلاة
باب فرض الصلاة *
فرع: رَجُلٌ أسلم في دار الحرب، فمكث فيها أشهراً لا يدري أن عليه الصلاة، ثمَّ عَلِمَ: فلا قضاء عليه؛ لما مضى، ولو علم ولم يُصل؛ فعليه القضاء.
الجزء 1 · صفحة 61
ولو أسلم في دار الإسلام، ولم يعلم أن عليه الصلاة ثمَّ عَلِمَ؛ فعليه القضاء عند أبي حنيفة، وقالا هما في القياس سواء، لكن ندع القياس ونقول كما قال أبو حنيفة، وقد ارتفع القياس في الحاصل، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه إذا أسلم في دار الحرب؛ لا يجب عليه قضاء الصلوات إلا أن يخبره بذلك رجلان عدلان، أو رجل وامرأتان.
فرع: كَافِرُ أَسْلَمَ، أو صَبِيٌّ بَلَغَ، أو مجنون أفاق، أو مسافر أقام، أو حائض طهرت في آخر الوقت، أو بقي من الوقت مقدار ما يفتتح الصلاة: فعليهم قضاء تلك الصلوات.
باب المواقيت
أول وقت الفجر: حين يطلع الفجر الثاني، وهو المعترض في الأفق، و آخره حين مطلع الشمس.
وأول وقت الظهر: إذا زالت الشمس، وآخره: إذا صار ظلُّ كُلِّ شيء مِثْلَيْهِ، وقالا: حتَّى يصير ظل كل شيء مثله بعد في الزوال؛ وذلك إذا زالت الشمس وله ظل.
وأول وقت العصر: إذا خرج وقت الظهر، وآخر وقتها: ما لم تغرب الشمس.
فإذا غربت فهو وَقْتُ المغرب، وآخره ما لم يغب الشَّفَقُ: وَهُو البياض الذي في الأفق بعد الحمرة عند أبي حنيفة،) وقالا: هو الحمرة، وهو رواية أسد عنه.
و) أول وقت العشاء: إذا غاب الشفق، وآخر وقتها: ما لم يطلع ()) 7 () 6 (الفجر
وأول وقت الوتر: بعد العشاء، وآخره: ما لم يطلع الفجر.
والمستحب الإسفار بالفجر، وقال الطحاوي يبدأ بالتغليس وَيَخْتِمُ بِالأسْفَارِ، والإبراد بالظهر في الصيف، وتقديمها في الشتاء ()، وتأخير العصر، لكن لا يُصليها إلا والشمس بيضاء لم تدخلها صفرة، وتعجيل المغرب في الزمان كله، وتأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل).
ويُستحب في الوتر لمن يألف صلاة الليل أن يؤخر حتى يقوم، فإن لم يثق بالانتباه؛ أوتر قبل النوم.
وإذا كان يومُ غَيْم فالمستحب في الفجر والظهر [1/ 9] والمغرب: تأخيرها، وفي العصر والعشاء: تعجيلها.
الجزء 1 · صفحة 62
باب الأوقات التي تكره فيها الصلاة *
لا تجوز الصلاة عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها إلا عصر يومه، ولا عند قيامها من الظهيرة، ولا يُصَلِّي على جنازة، ولا يسجد لتلاوة، ولا يُصلي الطواف في هذه الأوقات.
وإن صلى من الفجر ركعة، ثم طلعت الشمس؛ استقبل الفجر إذا ارتفعت الشمس، وعن أبي يوسف: أنه يمكن حتى ترتفع الشمس، ثم يتم الصلاة.
ويكره أن يتنقل بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس (10 ولا بأس أن يُصلي في هذين الوقتين الفوائت، وصلاة الجنازة، وسجدة التلاوة إلا أن تتغير الشمس بعد العصر، ولا يُصلي ركعتي الطواف، ويكره أن يتنقل بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتي الفجر، ولا يتنقل قبل المغرب.
باب الأذان
الأذان سُنَّة للصلوات الخمس، والجمعة دُونَ مَا سِوَاهَا.
وصفة الأذان معروفة، ولا ترجيع فيه، ويزيد في أذان الفجر بعد قوله: حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين.
والإقامة مثل (0) الأذان إلا أنه يزيد فيها بعد الفلاح: قد قامت الصلاة مرتين.
ولا يثوّب في غير الفجر من الصلوات، والتثويب: هو زيادة الإعلام بين الأذان والإقامة: حي على الصلاة، حي على الفلاح، مرتين أو نحو ذلك، وقال أبو يوسف في الجامع الصغير: لا بأس بالزيادة للأمراء خاصة.
والأفضل للمؤذن أن يجعل إصْبَعَيْه في أذنيه، وإن لم يَفْعَلْ فحسن ويستقبل القبلة بالشهادة، ويُحوِّلُ وَجْهَهُ يَمِينًا وشمالا] للصلاة والفلاح وإن استدار في صَوْمَعَتِهِ فَحَسَن ويترسل في الأذان، ويَحْدُرُ في الإقامة.
ويكره أن يؤذن ويقيم على غير وضوء أو هو جنب، فإن أذن على غير وضوء وأقام؛ لا يُعيد.
الجزء 1 · صفحة 63
والجنب، والمجنون، والصبي الذي لا يعقل: إذا أذنوا؛ أحبُّ إليَّ أن يُعيدوا.
ولا يؤذن لصلاة قبل دخول وقتها، فإن فعل أعاد، وفي قول أبي يوسف الأول: لا يُعيد في الفجر خاصة.
وإن صلى في بيته بأذان؛ فحسن، وإن ترك؛ أجزأه.
وإن صلى في سفر بغير أذان وإقامة؛ كره، ويجزئه.
ومن سمع الأذان ولم يكن في صلاة؛ قال كما يقول المؤذن إلا قوله: حَيَّ على الصلاة حي على الفلاح؛ فإنه يقول مكان ذلك: لا حول ولا قوة إلا بالله، مرتين.
[9/ ب] ويؤذن للمغرب ويُقيم ولا يجلس عند أبي حنيفة، وروى عنه الحسن: أنه يقوم مقدار ما يقرأ ثلاث آيات من القرآن، ثم يقيم، وقالا: يجلس جلسة خفيفة.
باب شروط الصلاة التي تتقدمها
يجب على المصلي أن يقدم الطهارة من الأحداث والأنجاس على ما مر ومن لم يجد ما يُزيل النجاسة؛ صلى معها ولم يُعد الصلاة.
فصل: ويستر عورته، وعورة الرجل: ما تحت سرته إلى الركبة، والركبة عورة، وبدن المرأة الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وما كان عورةً مِنَ الرجل؛ فهو عورة من الأمة، وبطنها وظهرها عورة، وما سوى ذلك من بدنها فليس بعورة.
وأم الولد والمدبرة والمكاتبة: ليس عليهن تغطية رؤوسهن في صلواتهن.
فرع: امرأة صلت وربع ساقها مكشوف: فإنها تعيد، ولا تعيد في أقل من الربع عند أبي حنيفة ومحمد، وكذلك الشعر، والبطن، والفخذ، وقال أبو يوسف: لا تعيد) لو كان أقل من النصف، وإن ظهر من عورتها الغليظة قيل: إذا كان أكثر) من قدر الدرهم؛ لا يجوز بالإجماع، وقيل: إنه على هذا الخلاف.
ومن لم يجد ثوباً: صَلَّى عرياناً قاعداً يُومي للركوع والسجود، وإن صلى قائماً أجزاء، والأول أفضل.
الجزء 1 · صفحة 64
وإن وَجَدَ ثوباً مَمْلُوءاً دماً أو نجاسة أكثر من ثلاثة أرباعه؛ قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يُخير بين أن يُصلي فيه أو عرياناً، وقال محمد: لا يجزئه عُرْيَاناً، كما لو كَانَ رُبْعُهُ طَاهِراً.
فصل: ويستقبل القبلة إذا قام إلى الصلاة، لا يجوز له تركها مع العلم بها، إلا أن يشتد الخوف على نفسه من عدو، أو سبع، أو نحوه.
ومن كان في غير المصر؛ فلا بأس أن يُصلِّي على راحلته حيث كان وجهه، ولا يضره في ذلك أن يكون افتتاحه لغير القبلة، وهذا في النقل، دون صلاة الخمس والوتر، وفي المصر لا يُصلي على الدابة عندهم، وفي الإملاء» عن أبي يوسف: أنه يصلي بها في المصر أيضاً.
ومن كان معايناً الكعبة، أو مجتهداً في طلبها؛ فلا يجوز أن يُصلي إلا إليها عند المعاينة، وإلى ما أدى إليه اجتهاده إن كان مجتهداً، ومن صلى باجتهاده، ثم علم أنه صلى لغير القبلة؛ لم يُعد، وإن علم ذلك وهو في الصلاة؛ اسْتَدَارَ إلى القبلة [1/ 10] وبنى عليها.
وإن أم قوما في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ؛ فَتَحَرَّوا وصلَّى كل واحد إلى جهة، وكلهم خلفه لا يعلمون ما صنع الإمام أجزأهم، وإن لم يسأل من بحضرته؛ أعاد إن تبين الخطأ.
فصل: وينوي للصلاة التي يدخل فيها بنية لا يفصل بينها وبين التحريمة بعمل)، وقال الطحاوي: ينوي مخالطاً للتكبير، وإن نوى الفرض والتطوع جميعاً؛ قال أبو يوسف: يصير داخلاً في الفرض، وقال محمد: لا يصير داخلاً فيها.
باب صفة الصلاة
فرائض الصلاة ست: التحريمة، والقيام، والقراءة، والركوع والسجود، والقعدة الأخيرة مقدار التشهد.
وإذا دخل في صلاته؛ كبر ورفع يديه مع التكبير، ناشراً أصابعه، حتى يحاذي بإبهاميه شحمة أُذنيه.
وإن قال بدلاً عن التكبير: الله أجل، الله أعظم، أو: الرحمن أكبر؛ أجزاه عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا يجزئه إن كان يحسن التكبير، وعن أبي حنيفة: أنه إذا قَالَ: الله، ولم يزد عليه؛ جاز، وإن قال: اللهم اغفر لي؛ لم يجز.
الجزء 1 · صفحة 65
وإن افتتح بالفارسية، أو قرأ في صلاته بالفارسية، أو تشهد، أو خطب بالفارسية؛ جاز عند أبي حنيفة، كالتسمية عند الذبح، وقالا: إن كان يُحْسِنُ بالعربية لا يجزئه، وعن أبي حنيفة: أنه لو أذن بالفارسية: أجزأه.
روى الحسن عن أبي حنيفة: أنه ينبغي أن يكبر () مع الإمام، لا يسبقهم ولا يسبقونه، وقالا: [لم يكبر حتى يفرغ ا الإمام، وفي ا التسليم عنه روايتان.
ويعتمد بيده اليمنى على اليسرى، ويضعهما تحت السرة، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك) ()، ولا إله غيرك، وقال أ أبو يوسف: أحَبُّ إِلَيَّ أن يزيد: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ... إلى قوله: وما أنا من المشركين، ويُقدِّم أيهما شاء، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ويُسِرُّ بهما عند أبي حنيفة، و ليس عليه أن يعيدها في كل ركعة، وعن أبي يوسف: أنه يقول في كل ركعة.
ولا يتعوذ المأموم، ولا يقول: بسم الله الرحمن الرحيم.
ثم يقرأ فاتحة الكتاب وسورة معها، أو ثلاث آيات من أي سورة شاء، وإذا قال الإمام: ولا الضالين؛ قال: آمين، ميرا، ويقولها [القوم) ويُخْفُونَها).
ثم يكبر ويركع، ويعتمد بيديه على ركبتيه، ويُفرِّج أصابعه، ويبسط ظهره، ولا يرفع رأسه ولا يُنَكِّسُه، ويَقُول في ركوعه: سُبْحَان ربي العظيم، [10/ ب] ثلاثاً، وذلك أدناه، ثم يرفع رأسه، ويقول: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه، ويقولُ المؤتم: ربَّنَا لك الحمد، ولا يقولها الإمام عند أبي حنيفة، وقالا: يقول، وقال في الجامع الصغير: (قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة عن الرجل يرفع رأسه من الركوع في الفريضة؛ أيقول: اللهم اغفر لي؟ قال: يقول: ربنا لك الحمد، ويسكت، وكذلك بين السجدتين يسكت)).
فإذا استوى قائماً؛ كبر وسجد واعتمد بيده على الأرض، ووضع وجهه بين كفيه، ويسجد على أنفه وجبهته، فإن اقتصر على أحدهما؛ جاز ويكره، وقالا: لا يجوز الاقتصار على الأنف إلا بعذر.
وإن سجد على كور) عمامته، أو فاضل ثوبه؛ جاز)، ويُبْدِي ضَبْعَيْه ويُجافي بطنه عن فخذيه، ويوجه أصابع رجليه نحو القبلة، ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً وذلك أدناه، ثم يرفع رأسه ويكبر.
الجزء 1 · صفحة 66
فإذا اطمأن قاعداً؛ كبر وسجد، فإذا اطمأن ساجداً؛ كبر واستوى قائماً على صدور قدميه، ولا يعتمد بيديه على الأرض، ويحذف التكبير حذفاً.
ويفعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الأولى، إلا أنه لا) يستفتح، ولا يتعوذ، ولا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى، فإذا (13) رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الثانية؛ افترش رجله اليسرى فجلس عليها، ونصب اليمنى نصباً، ووجه أصابعه نحو القبلة، ووضع يديه على فَخِذَيْهِ، وبسط أصابعه ويتشهد، والتشهد: التحيات الله، والصلوات، والطيبات إلى قوله: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ولا يزيد على هذا في القعدة الأولى.
ثم ينهض مكبراً معتمداً بيديه على الأرض، ويقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب خاصة، وإن شاء سبح، وإن شاء] سکت
وإذا) جلس في آخر الصلاة؛ جلس كما يجلس في الأولى، وتشهد وصلى على النبي - -، ودَعَا بما شاء مِمَّا) يُشبه ألفاظ القرآن والأدعية المأثورة، ولا يدعو بما يُشْبِهُ كلام الناس، ثمَّ يُسلّم عن يمينه ويقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ويُسلم عن يساره مثل ذلك. وينوي في كل واحدة من التسليمتين من في الجهة التي يُسلّم إليها من الرجال، والنساء، والحفظة وينوي المأموم كذلك.
ويدخل الإمام مع أهل الجهة التي هو فيها، وإن كان تلقاء وجهه؛ نواه عن يمينه.
والمرأة إذا سجدت تحتفز، وتلصق بطنها وفخذيها وعضديها وبجنبيها]، وتجلس للتشهد على اليتهَا الْيُسْرَى من الجانب الأَيْمَنِ؛ وذلك أستر لها، ولا تنتصب كانتصاب الرجل).
ويجهر بالقراءة في الفجر، وفي الركعتين الأوليين [1/ 11] من المغرب والعشاء إن كان إماماً، ويُخفي الإمام القراءة فيما بعد الأوليين، وإن كان منفرداً؛ فهو بالخيار) (0): إن شاء جهر و أسمع نفسه، وإن شاء خافت.
ويخفي الإمام في الظهر والعصر، ولا يقرأ المأموم خلف [إمامه] جهراً أو سراً).
وينبغي للمصلي أن يخشع]، فيكون منتهى بصره في قيامه إلى موضع سجوده، وفي ركوعه إلى قدميه، وفي سجوده إلى أرنبة] أنفه، وفي قعوده إلى حجره)، وفي [التسليمة] الأولى إلى كيفه الأيمن، وفي التسليمة الثانية إلى كيفه الأيسر، ولا يرفع رأسه إلى السماء، ولا يُطَاطِئه.
الجزء 1 · صفحة 67
والوثر ثلاث ركعات لا يفصل بينهن بسلام، ويقنت في الثالثة قبل الركوع في كل السنة، ويقرأ في كل ركعة من الوتر بفاتحة با الكتاب وسورة، ويستحب أن يقرأ {سبح اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) و (قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ)، و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) فإذا أراد أن يقنت؛ كبر ورفع يديه، ثم يرسلهما، ثم يقنت في قولهم، ثم رأى أبو يوسف رفع اليدين في الدعاء في الوتر، ولا يقنت في صلاة غيرها.
وليس في شيء من الصلوات قراءة سورة بعينها لا يجوز غيرها، ويكره أن يتخذ سورة بعينها لصلاة لا يقرأ غيرها.
وأدنى ما يجوز من القراءة في الصلاة ما يتناوله اسم القرآن عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز أقل من ثلاث آيات أو آية طويلة.
فصل: ومن أراد الدخول في صلاة غيره؛ احتاج إلى نيتين: نية الصلاة، ونية المتابعة.
والجماعة سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وأولى الناس بالإمامة: أعلمهم بالسنة، فإن تساووا فأقرؤهم، وإن تساووا فأورعُهم، فإن تساووا فَأَسَنَّهم.
ويكره تقديم العبد، والأعرابي، والفاسق، وولدا الزنا، والأعمى وإن تقدموا؛ جاز، وينبغي للإمام أن لا يُطوّل بهم القراءة.
ولا يوم الغلام حتى يحتلم أو يبلغ ثمان عشرة سنة عند أبي حنيفة وزفر، وعندهما: خمس عشرة سنة، ولا يوم الرجلُ الرجلَ في بيته أو في سلطانه إلا بإذنه.
ويكره للنساء أن يصلِّينَ وحدَهُنَّ جَمَاعَةً، فإن فعَلْنَ؛ وقفت الإمام) وسطهن.
ولا يجوز للرجال أن يقتدوا بامرأة.
ويصف الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء، ويكره للنساء حضور الجماعات، ولا بأس بأن تخرج العجوز في الفجر، والمغرب، والعشاء.
ولا يُصلي الطاهر خَلْفَ مَن به سلس البول، ولا الطاهرات خلف المستحاضة، ولا القارئ خلف الأمي، ولا المكتسي خَلْفَ العُريان، وَيَجُوزُ أن يؤم المتيمم المتوضئين، [11/ ب) والماسح على الخفين الغاسلين، ويصلي القائم خَلْفَ القاعد، ولا يصلي الذي يركع ويسجد خلف المومئ، وقال محمد: لا يصلي القائم خلف القاعد، ولا المتوضئ خلف المتيمم،
الجزء 1 · صفحة 68
ولا يصلي المفترض خلف المتنقل، ولا من يُصلي فرضاً خَلْفَ من يصلي فرضاً آخر، ويصلي المتنقل خلف المفترض.
أعاد الصلاة، ومن صلى مع ومن اقتدى بإمام، ثمَّ عَلِمَ أنَّه على غير طهارة؛ أ واحد؛ أقامه عن يمينه، وإن كان اثنين؛ تقدم عليهما.
فصل: ويُكره للمصلي أن يعبث بثوبه أو بجسده ()، ولا يُقلب الحصى، إلا أن لا يمكنه من السجود، فيُسَويه مرة واحدة ولا يتخصرُ، ولا يفرقع أصابعه، ولا يُسدل ثوبه، ولا يَعْقِصُ شعره ولا يُغطي فاه، ولا يلف ثوبه، ولا يتثاوب، وإن ظهر عليه شيء من ذلك؛ كظم ووضع يديه على فيه.
ولا يغمض عينيه ولا يبزق، ولكنه يأخُذه في كُم فإن فعل دفته، ولا يلتفت ولا يُقْعِي.
ويكره أن يُصلي الإمام على دكان والناس أسفل منه، أو يكونوا هم على الدكان والإمام أسفل منهم.
ويكره أن يصلي الرجل خلف الصف وحده، إلا أن لا يجد فرجة في الصف، ويكره أن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، وعن أبي يوسف: أنه لا يجزئه ويكره أن يرفع رأسه قبل الإمام.
ولا يرد السلام بلسانه ولا بيديه ()، ولا يتربع إلا من عذر، ولا يأكل ولا يشرب.
ويكره عد الآي والتسبيح في الصلاة عند أبي حنيفة، وقالا: لا بأس في المكتوبة والتطوع، ولا بأس بقتل العقرب في الصلاة.
ويؤدب الرجل ولده على الطهارة والصلاة إذا [عَقَلَهُمَا]، ولا يجب عليه الفرائض منهما ولا من غيرهما حتى يبلغ.
وبكره من الرجلين إلى القبلة في النوم وغيره عمداً.
ولا يقضي المرتد شيئاً من الصلوات الفائتة، ولا شيئاً مما يعتد به سواها بارتداده لمن لم يزل كافر.
باب القراءة في الصلاة
الجزء 1 · صفحة 69
يقرأ في السفر بفاتحة الكتاب فسورة إن شاء، ويقرأ في الحضر في الفجر بِأَرْبَعِينَ آية، أو خَمْسِينَ، أو ستين، سِوَى فَاتِحَةِ الكتاب، وكذلك في الظهر أو دونه، وفي العصر والعشاء دون ما في الظهر، وفي المغرب دون ذلك.
ويطول الركعة الأولى من الفجر على الثانية، وركعتا الظهر [سواء] وقال محمد: أَحَبُّ إِلَيَّ أن يُطول الركعة الأولى على الثانية في الصلوات كلها.
وإن قرأ في العشاء في الأوليين سورة سورة، ولم يقرأ فاتحة الكتاب؛ لم يُعد في الأخريين، وإن قرأ الفاتحة في الأوليين، [1/ 12] ولم يزد عليها قراءة السورة في الأخريين، وجهر، وعن أبي يوسف: أنه لا يعيد في المسألتين، وعن الحسن: أنه يعيد في المسألتين.
فرع رجل فاتته العشاء، [فصلاها بعد طلوع الشمس، إن أم فيها؛ جهر، وإن كان وحده؛ خافت.
فرع: إمام قرأ من المصحف فصلاته فاسدة، وقالا: تامة ويكره.
(فرع): أمي صلى بقوم أميين، وبقوم قارئين؛ [فَصَلَاتُهُمْ) فاسدة عند أبي حنيفة، وقالا: صلاة الإمام ومن لا يقرأ تامة، كالعاري إذا صلى بعراة ولا بسين، وصاحب العذر بأصحاء وأصحاب الأعذار، والناسي إذا صلى بقوم يعلمون بحاله وبمن لا يعلم صلاته جائزة)، ومن بمثل حاله، ولا تجوز صلاة الباقين، وعند زفر: صلاتهم كلهم تامة.
فرع]: أمّيّ صلى ركعة ثم تعلم سورة: فسدت صلاته، وقال أبو يوسف: لا تفسد)، وكذلك إمام قدَّم في الأخريين أمياً، وقد قرأ في الأوليين: فسدت صلاته، وقال أبو يوسف: لا تفسد، وإن قدم بعد القعود قدر التشهد؛ فقد مر الخلاف) 4 (فيه
(فرع): إمامٌ حُصِر فقدم غيره أجزاه، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجزئه.
[فرع: رجل صلى أربع ركعات تطوعاً لم يقرأ فيهن شيئاً: قضى ركعتين عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: أربعاً، فإن قرأ في إحدى الأوليين وإحدى الأخريين؛ قضى أربعاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: ركعتين، وإن قرأ في الأوليين فقط؛ قضى الأخريين لا غير، ولو قرأ في الأخريين لا غير؛ قضى الأوليين، وقول زفر مثل قول محمد.
الجزء 1 · صفحة 70
وإن قرأ في صلاته بشيء في التوراة والإنجيل؛ لا يجزئه، وقال أبو يوسف: إن قرأ ما في التوراة والإنجيل من التسبيح والتهليل؛ لا تفسد، وقيل: على قياس قول أبي حنيفة: إذا وافق القرآن من المعنى؛ يجزئه.) من خلفه ويسكت) يستمع.
فرع: إمام قرأ آية الترغيب والترهيب: فإنه ي وكذلك الخطبة، وكذلك إن صلى على النبي، وتفسير قوله: «لا يُصَلَّى بَعْدَ صَلاةٍ مِثْلُها يعني ركعتين بقراءة، وركعتين بغير قراءة، والله أعلم بالصواب.
باب الإمام أين يُستحب له القيام؟ *
لا بأس بأن يكون مكان الإمام في المسجد، وسجوده في الطَّاقِ، ويُكْرَهُ أن يقوم في الطاق.
ولا بأس بأن يُصلي إلى ظهر رجل قاعد يَتَحَدَّث، وأن يُصلي وبين يَدَيْهِ مصحف [مُعلَّق]، أو سيفٌ مُعَلَّق، أو يُصلي على بساط فيه تصاوير، ولا يسجد على التصاوير، ويكون سجوده دون وسادة عليها [12/ ب] تصاوير، ويكره فوق رأسه في السقف أو بين يديه أو بحذائه تصاوير، أو صورة معلقة، ولا تفسد صلاته، وتكره التصاوير في الثوب، ولا يكره في البساط.
وإن مرت امرأة بين يديه؛ لم تقطع صلاته، ويدرؤها من غير أن يقاتل) ويكره للمار أيضاً.
(فرع): رَجُلٌ ركع أو سجد قبل الإمام، فأدركه الإمام في الركوع أو في السجود أجزاء، وقال زفر: لا يجزئه، كما إذا لم يدركه.
فرع: رجل انتهى إلى الإمام وهو راكع، فكبر ووقف قائماً حتى رفع الإمام رأسه من الركوع، وأمكنه الركوع: لم يعتد بذلك، وقال زفر: يكون مدركاً للركعة، كما لو أدركه في القيام ولم يركع معه.
فرع: رَجُلٌ أحدث في رُكُوعِهِ، أو في سُجُودِهِ: توضأ وبنى، ولا يعتد بالذي أحدث فيه.
الجزء 1 · صفحة 71
وإن تذكر وهو راكع أو ساجد أن عليه سجدة، فَانْحَط من ركوعه فَسَجَدَهَا، أو رفع رأسه من سجودها وسجدها؛ فَإِنَّهُ يُعيد الركوع والسجود، وإن لم يعد؛ أجزأه، وقال زفر: لا يجزئه، وفي قياس قول أبي حنيفة: إن لم يرجع إلى القيام الذي بعد الركوع؛ لا يجوز؛ لأنه فرض عنده.
باب النوافل
السنة في الصلاة: أن يُصلي ركعتين بعد طلوع الفجر، وأربعاً قبل الظهر، وركعتين بعدها، وأربعاً قبل العصر، وإن شاء ركعتين، وركعتين بعد المغرب وأربعاً قبل العشاء، وأربعاً بعدها، وإن شاء ركعتين، وأربعاً قبل الجمعة، وأربعاً بعدها، وعن أبي يوسف: [ستا) بعدها، وإن ترك شيئاً من ذلك؛ فلا قضاء عليه، إلا ركعتي الفجر عند محمد خاصة قال: أحب إلي أن يقضيهما إذا ارتفعت الشمس.
ويكره للإمام التطوع في مكانه، ولا يكره للمأموم.
وَيُكْرَهُ التَّطوع في المسجد والنَّاسُ في الجماعة.
ونوافل النهار: إن شاء صلى ركعتين بتسليمة واحدة، وإن شاء أربعاً بالليل والنهار أفضل عند أبي حنيفة، وعندهما: مثنى وأربعاً بالنهار، والزيادة على ثمان ركعات بتسليمة واحدة مكروه، وفي النهار: يكره الزيادة على الأربع بتسليمة واحدة.
والقراءة واجبة في جميع ركعات النقل، وجميع الوتر.
و من دخل في صلاة نفل ثم أفسدها؛ قضاها، وكذلك الصوم.
وإن افتتح الظهر، ثمَّ عَلِمَ أنه قد صلاها؛ مضى فيها، وإن أفسد؛ فلا شيء عليه، وقال زفر عليه القضاء، وكذلك الصوم.
وإن صلى أربع ركعات، وقعد في الأوليين، ثم أفسد الأخريين؛ قضى ركعتين.
وإن افتتح التطوع أربع ركعات، ثم تكلم؛ قضى ركعتين، وعن [1/ 13] أبي يوسف: أنه إن نوى مئة ركعة؛ لزمته، وعنه: أنه إن نوى أربع ركعات؛ لزمه) وأكثر منه: لا يلزمه.
الجزء 1 · صفحة 72
وإن دخل في التطوع، ثم أقيمت الصلاة؛ أتم الشفع، ودخل في صلاة الإمام. ويُصَلِّي النافلة قاعداً مع القدرة على القيام، وإن افتتحها قائماً ثم قعد؛ جاز عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز.
فصل: ويستحب أن يجتمع الناس في رمضان بعد العشاء، فيصلي بهم إمامهم خمس ترويحات، كل ترويحة بتسليمتين، ويجلس بين كل ترويحتين مقدار ترويحة ثم يوتر بهم جماعة، ولا يصلي الوتر بهم جماعة في غير شهر رمضان.
والمقيم والمسافر سيان في الوتر، وكذا المرأة والرجل، ولا يوتر على الراحلة.
فصل: رجل صلى ركعة تطوعاً راكباً، ثم نزل؛ يبني، وإن صلى ركعة نازلاً، ثم ركب استقبل، ومن افتتح التطوع قائماً، ثم أقعى؛ لا بأس بأن يتوكأ على عصاً أو حائط أو يقعد، وقال أبو يوسف ومحمد: إن فعل من غير عذر؛ لم يجز.
والمصلي تطوعاً قاعداً: إن شاء احتبى عند القراءة، وإن شاء تربع، وقال زفر: يجلس كما في التشهد، وعن أبي يوسف أنه يُصلي متربعاً؛ فإذا أراد أن يركع، ضم رجليه وركع، وفي رواية: يركع وهو متربع أو محتب، ثم ينقض تربعه، ثم يسجد.
فرع: رجل صلى التطوع أربع ركعات، لم يقعد في الثانية: فهو فاسد في القياس، وهو قول محمد وزفر، وفي الاستحسان جائز، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
وإذا افتتح التطوع عند طلوع الشمس، ثم أفسدها؛ فعليه القضاء، وقال زفر: لا شيء عليه، ولو قال: الله علي أن أصلي ركعتين على غير وُضُوء، أو بلا قِرَاءَة، قال أبو يوسف: يلزمه الصلاة بوضوء وبقراءة، وقال زفر: لا يجب شيء، وعن محمد: أن قوله: بغير وضوء؛ لا يصح، وبغير قراءة يصح.
ولو قال: الله علي أن أصلي ثلاث ركعات؛ لزمه أربع، وقال زفر: ركعتان، ولو قال: ركعة؛ فعليه ركعتان عند أبي يوسف، وقال زفر: لا يجب شيء.
فرع: رجل أتى مسجداً قَدْ صَلَّى فيه: لا بأس بأن يتطوع قبل المكتوبة ما بدا له ما دام في الوقت.
إذا دخل مع الإمام ينوي التطوع، ثم أفسدها، ثم دخل معه فيها ينوي تطوعاً آخر؛ لم يكن عليه قضاء الأول إذا فرغ من هذه، [13/ ب] وقال في «الزيادات»: لا يسقط عنه الأول،
الجزء 1 · صفحة 73
قيل: ما ذكر في كتاب الصلاة قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وما ذكر في زيادات الزيادات قول محمد، ولو نوى قضاء الأول؛ يكون قضاء عنه إلا عند زفر.
باب الجماعة
الجماعة: سُنَّةٌ مُؤَكَّدة، لا يرخص لأحد فيها التخلف عنها إلا من عُذْرٍ ومرض أو غيره)، وإن زاد على واحد؛ فهي جماعة في غير جمعة، ولو صلى معه صبي يعقل الصلاة؛ كانت جماعة.
ومن شغل عن الجماعة؛ جمع بأهله في منزله.
وإذا فسدت صلاة الإمام؛ فسدت صلاة القوم، وينبغي أن يقوم الرجل حيث يكون أَقْرَبَ إلى الإمام. 195
ومن سبح في صلاته يريد به إصلاح صلاته أو صلاة إمامه؛ فلا بأس، مثل أن يشغله أحد، أو أن يَقْعُدَ إمامه في موضع القيام، أو يقوم في موضع القعود، أو يترك فعلاً واجباً عليه.
فرع: رَجُلٌ صَلَّى رَكْعَةً من الظُّهْرِ، ثمَّ أُقِيمَتْ: يُصَلِّي ركعة أخرى، ثم يدخل مع الإمام، وإن كان قد صلى ثلاثاً؛ أتمها ثم دخل مع الإمام، و التي يصلي. معهم نافلة، وإن صلى من الفجر ركعة، ثم أقيمت قطع ودخل. معهم.
فرع): رَجُلٌ دخل مسجداً قد أُذْنَ فيه؛ يُكْرَهُ له أن يخرج ما لم يأخُذ في الإقامة، فإن أَخَذَ فيها؛ لم يَخْرُجُ حتى يصليها تطوعاً، وإن كانت العصر، أو الفجر، أو المغرب؛ خرج ولم يصل.
فرع: رَجُلٌ انتهى إلى الإمام في الفجر ولم يصل ركعتي الفجر، فخشي أن يَفُوتَهُ رَكْعَةٌ ويُدرك الأُخْرَى؛ فإنَّه يُصلّي رَكْعَتَي الفجر عند باب المسجد، وإن خَشِيَ فَوْتَهُمَا؛ دخل مع الإمام (400).
فرع): رَجُلٌ أدرك ركعة من الظهر في جماعة، ولم يُدرك الثلاث؛ فَإِنَّهُ لم يصل الظهر في جماعة، وقال محمد: قد أدرك فضل الجماعة.
ولو أحدث الإمام والمسجد ملان، وصف خارج المسجد، فخرج وقدم رجلاً ممن هو خارج المسجد؛ فصلاتهم فاسدة، وقال محمد: تامة.
الجزء 1 · صفحة 74
وإذا صلى المغرب في منزله، ثم دخل مع الإمام؛ لزمه أربع ركعات إن سلم على الثلاث، وإن لم يُسلم؛ شفعها بالرابعة.
فرع]: إمام فنت في الفجر؛ لم يتابعه المقتدي عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يتابعه.
وإذا سلم وعليه سجدة التلاوة قد نسيها، فدخل رجل في صلاته صح سجده
الإمام أم لا، وإن كان عليه سجود؛ لا يصح اقتداؤه إلا أن يسجد الإمام، وقال زفر: يصح وإن لم يسجد الإمام.
بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّلاة
[1/ 14] رجل أنَّ في صلاة، أو تأوه، أو بكى فَارْتَفَعَ بُكَاؤُهُ؛ فَإِن كَانَ مِن ذكر الجنة أو النار؛ لم يقطعها، وإن كان من وجع أو مُصِيبَةٍ؛ قطعها، وعن أبي يوسف: أن قوله: أوه؛ يُفسد الصلاة إلا أن يكون من خوف النار.
وإن نفخ في صلاته نفخاً يُسمع؛ فسدت صلاته عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف أولاً: لا يفسد إلا أن يريد به التأفيف، ثم رجع وقال: صلاته تامة ولو أراد التأفيف.
وإن تكلم في صلاته عامداً أو ساهياً؛ فسدت صلاته.
فرع: رجل عطس، فقال له رجل في الصلاة: يَرْحَمُك الله، أو استفتح رجل ففتح عليه في صلاته، أو أجاب رجلاً في صلاته بـ لا إله إلا الله: فهذا كلام، وإن افتتح على الإمام؛ لم يكن كلاماً.
وإن أخبر بخبرٍ يَسُوءُه، فَاسْتَرْجَعَ وأراد جوابه؛ فسدت صلاته، وإن أخبر بما يسره، فقال: الحمد الله، أو: سبحان الله، وأراد جوابه فكذلك، وقال أبو يوسف: صلاته تامة. كما لو لم يرد جوابه.
وإن لسعه شيء، أو أصابه وجع، فقال: بسم الله؛ فسدت صلاته في قياس قول أبي حنيفة، ولا يقطع عند أبي يوسف.
وإن أوعد إنساناً بعذاب فقال: أعوذ بالله، يُريد به التعوذ؛ فسدت صلاته.
الجزء 1 · صفحة 75
فرع): رجل سجد على النجاسة جازت صلاته عند أبي حنيفة، كما لو كانت) النجاسة في موضع يديه، وقالا: لا يجزئه، وهو قول زفر، كما لو كانت في موضع قيامه، وهو رواية أخرى عن أبي حنيفة، فإن أعادها على مكان طاهر؛ جاز عند أبي يوسف، خلافاً لزفر.
وإذا كان خلفه صف من النساء؛ فصلاة من خلف النساء فاسدة، وإن قامت امرأة في الصف؛ أفسدت صلاة من عن يَمِينِهَا وَيَسَارِهَا ومن خلفها، وإن قامت امرأتان؛ أفسدنا صلاة أربعة، والثلاث صلاة خمسة في رواية عن أبي يوسف، وهو قول محمد في المرأتين، والثلاث عند محمد: يُفسدن صلاة ثلاثة ثلاثة إلى آخر الصفوف، وهو رواية عن أبي يوسف في المرأتين.
فرع: رجل افتتح الظهر وصلى ركعة، ثم افتتح العصر أو التطوع: فقد نقض الظهر، وإن افتتح الظهر بعدما صلّى منها ركعة فهي هي، ويجتزئ بتلك الركعة.
فرع: رجل ظَنَّ أنَّه أَحْدَثَ، فخرج من المسجد، ثمَّ عَلِمَ أَنَّه لم يُحدِث: فإنَّه يستقبل، فإن لم يكن خرج من المسجد؛ صَلَّى مَا بَقِيَ).
باب قضاء الفوائت
ومن فانته صلاة؛ قضاها إذا ذكرها، وقدمها على صلاة الوقت، فإن قدم صلاة الوقت؛ لم يجز، إلا أن يخافَ فَوْتَ [صلاة] الوقت، فيُقدم صلاة الوقت ثم يقضيها.
وإن [14/ ب] فاتته صلوات؛ رتبها في القضاء كما وجبت في الأصل، إلا أن تزيد الفوائت على سنة صلوات فيسقط الترتيب فيها، وبالنسيان، وضيق الوقت أيضاً.
فرع): رجل صَلَّى الظهر وهو ذَاكِرُ أنَّه لم يصل الفجر، لكن لم يعلم بوجوب الترتيب لم يجز، وقال زفر: يجوز.
وإن صلى الفجر وهو ذاكر أنه لم يُوتر؛ لم يجز، وقالا: يجوز، وعن أبي حنيفة: أن الوتر فرض، وعنه: أنه واجب، وعنه: سنة، وهو قولهما.
ومن ترك صلاة، ثم صلى شهراً وهو ذاكر لها؛ لم يعد إلا المتروكة، وقالا: يُعيدها وخمساً () بعدها، وقال زفر: يُعيد صلاة الشهر كله.
الجزء 1 · صفحة 76
فرع: رجل ترك الظهر والعصر من يومين مختلفين)، لا يدري أيهما أول؛ يتحرى، فإن لم يكن له رأي؛ يُصلي الظهر، ثم العصر، ثم الظهر، عند أبي حنيفة، وقالا: ليس عليه إعادة الظهر، وإن كانت ثلاث صلوات من ثلاثة أيام؛ قضاها كيف شاء كمن فاتته صلاة فذكرها بعد أيام، ثم صلى وهو ذاكر لتلك الصلاة؛ أجزأه.
ومن فاتته صلاة من يوم ولا يدري أي صلاة هي؛ يُعيد صلاة يوم وليلة، وقال محمد بن مقاتل: يصلي أربعاً، يقعد في الثانية والثالثة والرابعة، ولا يقضي المرتد شيئاً من الصلوات.
باب الحدث
ومن سبقه الحدث انصرف، فإن كان إماماً؛ استخلف وتوضأ وبنى على صلاته ما لم يحدث شيئاً يُفسد الصلاة، فإن فعل ما لا بد منه مثل المشي إلى وضوئه، والاعتراف من الإناء؛ لم يضره.
ولا يبني في موضع آخر إلا أن يكون إمامه قد خرج من الصلاة، فليس عليه قراءة ولا سهو فيما يقضي.
وكذلك إن نام خلف الإمام حتى فرغ الإمام، فإنه يبدأ بما نام عنه، ولا قراءة عليه ولا سهو، والاستئناف للمحدث أفضل.
وإن نام فاحتلم، أو جُنَّ، أو أغمى عليه، أو قهقه؛ استأنف (201)، و الإمام الْمُحْدِثُ على إمامته ما لم يَخْرُجُ من المسجد، أو يَقُومُ غَيْرُهُ بمكانه.
وإن سبقه الحدث بعد التشهد؛ توضأ وسلم، وإن تعمد الحدث في هذه الحالة، تمت صلاته.
وإن قهقه قبل السلام؛ تمت صلاته، وعليه الوضوء لصلاة أخرى، وقال زفر: لا وضوء عليه، وإن خَشِي أن يبتدره الحدث فانصرف، استأنف عند أبي حنيفة وزفر، وقال أبو يوسف: يبني.
ومن قدم مسبوقاً فضحك بعدما تشهد أو أحدث مُتَعَمِّداً، أو تَكَلَّم، أو خرج من المسجد؛ فسدت صلاته، وصلاة من خلفه تامة عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: [1/ 15] تفسد صلاة من خلفه.
الجزء 1 · صفحة 77
وإن لم يحدث الإمام، وقعد قدر التشهد، ثم ضحك، أو أحدث متعمداً قبل أن يسلم؛ فسدت صلاة المسبوقين عند أبي حنيفة، وقالا: لا تفسد، كما لو تكلم الإمام أو سلم.
وإِنْ قَدَّمَ مُدْرِكاً لأول صلاته، ونام عن ركعة؛ لا ينبغي له أن يتقدم، وإن تقدم؛ ينبغي أن يومئ ليمكثوا حتى يصلي ركعة، وإن صلى بقية صلاته أولا بالقوم، ثم ركعته؛ جاز وقال زفر: لا يجزئه.
ومَنْ قَدَّمَ صبياً، أو جنباً، أو امرأة؛ فسدت صلاته وصلاة القوم، وقال زفر: تجوز صلاة المرأة وصلاة النساء، وبه أخذ محمد بن مقاتل.
وإن انتضَحَ على الْمُصَلِّي بول أَكْثَرَ من قَدْرِ الدَّرْهَم؛ ينحرف ويغسل ويستأنف عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف يبني إن لم يقدر أن يلقيه، وعن أبي يوسف: أنه لو وضع يده على قدر ولم يتعمد، فلزق به أكثر من قدر الدرهم؛ غسل وبني.
فرع: رجل أمَّ رَجُلًا واحداً فأحدث فخرج: فالمأموم إمام، نوى أو لم ينو.
بَابُ السَّهو
سجود السهو [يجب] بترك فعل مسنون، كالقعدة الأولى، أو إدخال فعل في الصلاة ليس منها، كالقعود في غير موضع القعود، أو ترك فعل)، فإن كان المتروك ذكراً؛ لم يجب سجود السهو إلا في أربعة أشياء: كالقراءة، والتشهد، والقنوت، وتكبيرات العيد، ويقضي الفعل المتروك، فإن لم يقض حتى خرج من الصلاة؛ فسدت صلاته إلا القعدة الأولى وسجدة التلاوة، وأما الذكر فلا يقضى إذا فات عن موضعه، إلا القراءة خاصة - على ما مر في بابها - وتكبيرات العيد، فإنه يقضي في ركوع تلك الركعة التي هو فيها.
وإن جهر فيما يُخافت، أو خافت فيما يُجْهَرُ؛ فعليه السهو، وعن محمد: أنه لا يجب إلا أن يكون مقدار ما يتعلق به جواز الصلاة، وفي نوادر الصلاة: لا يجب لمخافتة في موضع الجهر، إلا أن يكون ذلك أكثر من فاتحة الكتاب، قيل: الجواز الأول قول أبي حنيفة خاصة، وسجود السهو كله بعد السلام في الزيادة والنقصان، فمن أدركه قبل السلام الثاني؛ فقد أذرك الصلاة).
الجزء 1 · صفحة 78
ومن [قام] (ساهياً عن القعدة الأولى؛ لم يعد، فإن تذكر في قيامه: إن كان إلى القعود أقرب؛ عاد إلى القعدة فجلس وتشهد، وإن كان إلى القيام أقرب؛ لم يعد ويسجد للسهو].
و إن سها عن القعدة الثانية حتى قام؛ عاد فتشهد وسلم وسجد للسهو] ومن سها مراراً؛ يَكْفِيهِ سَجْدَتَانِ.
وإن سها المقتدي؛ فلا سجود عليه، وإنما يجب بسهو الإمام، أو على [15/ ب] من يُصلّي وَحْدَه.
ولا يقوم المسبوق إلى قضاء ما سبق حتَّى يُسلم الإمام وينتظر؛ فإن سجد للسهو؛ سجد معه اتباعاً، وإن قام إلى قضاء ما سبق به، ثم سجد إمامه للسهو؛ عاد فسجد معه، وعلى المسبوق أن يسجد للسهو فيما يقضي.
وإن سلم المسبوق ساهياً؛ بنى على صلاته وسلم وسجد للسهو، وإذا شك في الصلاة ولم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً؟ فإن كان أول ما عَرَضَ له؛ استأنف الصلاة، وإن بقي هذا كثيراً؛ تحرى وبنى عليه، وإن لم يكن له رأي؛ بني على اليقين.
ومن صلَّى الظهر خمساً، وقعد في الرابعة قدر التَّشَهدِ؛ يُضِيفُ إليها ركعة أخرى، وإن لم يُضف؛ فلا شيء عليه، وقال زفر: يقضي ركعتين، وقد مر.
ولو انتم به رجل بنية التطوع فيها؛ لم يلزمه إلا هاتين الركعتين عند أبي يوسف، وعند محمد يلزمه ست ركعات، وإن لم يقعد في الرابعة قدر التشهد: إن تذكر قبل أن يسجد؛ رجع إلى القعدة، وإن قيد الخامسة بسجدة؛ بطل فرضه، وصار نفلاً يضيف إليها سادسة، وعند محمد بطلت صلاته، ولم تصر نفلاً، أصله.
إذا افتتح حين تطلع الشمس، ثم ضحك أو ترك القراءة في ركعة من الفجر، ثم ضحك، أو لم يقرأ في ركعتين من المغرب، ثم ضحك، أو تذكر فائتة، ثم ضحك؛ فعليه الوضوء في ذلك كله عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد: لا وضوء عليه.
فرع: رجلٌ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ تطوعاً، فَسَهَا [فيهما]، فسجد للسهو، ثم أراد أُخْرَيَيْن: لم يَيْنِ.
فرع: رجل سلم يريد به قطع الصلاة، وعليه سهو: فعليه أن يسجد للسهو، ومن ذكر سجدة من ركعة؛ سَجَدَها، ثم تشهد، فسلم وسجد للسهو، وإن ذكر أنه ترك سجدة
الجزء 1 · صفحة 79
من كُلِّ ركعة وهو في الظهر، أو العصر، أو العشاء؛ سجد أربع سجدات، وتشهد، وسلم، وسجد للسهو.
بَاب صلاة المريض
إذا عجز المريض عن القيام، أو خاف زيادة العلة بقيامه؛ صلى قاعداً يركع ويسجد، وإن لم يستطع الركوع والسجود؛ يومئ إيماء قاعداً، ويجعل السجود أخفض من الركوع، وإن لم يستطع؛ استلقى على ظهره، وجعل رجليه إلى القبلة، وأوما بالركوع والسجود.
وإن استلقى على جنبه ووجهه إلى القبلة وأوماً؛ جاز وإن لم يستطع الإيماء برأسه؛ أخر الصلاة. 215
ولا يومئ بعينيه، ولا بحاجبيه، ولا بقلبه، وعن الحسن: أنه يومئ بعينه، فإن لم يستطع؛ سقط، وقال زفر: إن لم يستطع [1/ 16] بعينيه؛ يومئ بقلبه.
وإن عجز عن الركوع والسجود، وقدر على القيام؛ صلى قاعداً يومئ، وإن صلى قائماً بإيماء؛ أجزاه، ولا يستحب له ذلك.
فإن صلى الصحيح بعض صلاته قائماً، ثم مرض؛ أتمها قاعداً يركع ويسجد، وإن لم يستطع؛ يومئ، فإن لم يستطع القعود؛ أتمها مستلقياً.
وإن صلى المريض بعض صلاته بإيماء، ثمَّ قَدر على الركوع والسجود؛ استأنف، وإن صلى بعضها قاعداً، ثم [صح؛ أتمها قائماً، وقال محمد: يستأنف.
ولا يَؤُمُ الْقَاعِدُ الذي يومئ بقوم) يركعون ويسجدون، ولا قوماً قعوداً يركعون ويسجدون، ويؤم قوماً يومنون مثله، وقال زفر: جاز ذلك كله.
وإن رفع إلى وجه المريض وسادَة: إن كان يومئ للركوع والسجود؛ أجزأه، وإلا لم يجزئه.
ومن أغمي عليه خمس صَلَوَاتٍ فما دونها؛ قضى إذا صح، وإن فاته بالإغماء أكثر من ذلك لم يقضه، وعن أبي حنيفة شاذًا: أنه يعتبر أكثر من يوم وليلة بالساعات، وعن محمد: يعتبر ست صلوات فصاعداً، ولا عبرة بالساعات.
ومن نام عن صلاة أو نسيتها؛ فعليه قضاؤها وإن طال.
الجزء 1 · صفحة 80
ومن صلى في السفينة قاعداً وهو يستطيع القيام؛ جاز، كما إذا صلى قائماً عند أبي حنيفة، ولا يجوز عندهما، كما لو كانت السفينة مربوطة، وَإِنْ كَانَت واقفة صلَّى قائماً، وإن دارت السفينة؛ استدار إلى القبلة.
باب صلاة المسافر
رجل خرج من الكوفة إلى المدائن: قصر وأفطر، يقصر في مسيرة ثلاثة أيام ولياليها سير الإبل، ومشي الأقدام، ولا يعتبر بالسير في الماء.
وفرض المسافر: ركعتان ()، فمن أتم فقد أساء وخالف السنة، فإن كان قعد في الثانية قدر التشهد؛ أجزاء، وإلا؛ لم يجز، وهذا في أي سفر كان من طاعة أو غيرها، والرجال والنساء في ذلك سواء، ومن لم يزل في أسفاره - من تاجر، أو جمال، أو مكار، أو فتح ومن لم يخرج قبل ذلك قط في القصر سواء.
وإن نوى الإقامة في موضع الإقامة خمسة عشر يوماً فصاعداً؛ أتم الصلاة، وإن كان أقل من ذلك؛ لم يتم.
وإن دخل بلدة و لم ينو أن يقيم خمسة عشر يوماً؛ قصر، وإنما يقيم لانتظار قافلة، أو وجود رفقة، يقول: غداً أخرج، أو بعد غد أخرج، حتى بقي على ذلك سنين؛ يصلي ركعتين)، ويكون مقيماً بالنية، ولا يكون مسافراً بالنية حتى تجاوز بيوت المصر، فإن خرج من مصره مسافراً بعد زوال الشمس؛ يصلي صلاة السفر، وإن سافر في آخر الوقت، ولم يبق من الوقت إلا قدر ما يصلي ركعة أو نحوها؛ [16/ ب] يُصلي صلاة السفر أيضاً، إلا في قول زفر فإنه يُصلي أربعاً، وإن قدم من السفر وقد بقي من الوقت قليل أو كثير؛ صلى أربعاً.
وإذا دخل العسكر في أرض الحرب، أو حاصروا أهل البغي في دار الإسلام أو حاصروا في البحر، ونووا الإقامة خمسة عشر يوماً؛ لم يتموا] الصلاة إلا في قول زفر: فإنَّهم يتمون إن كانت لهم قوة وشوكة، وإن نزلوا في مفازة، ليس هناك بنيان، ونووا الإقامة؛ فعن أبي يوسف روايتان.
الجزء 1 · صفحة 81
والمسافر إذا اقتدى بالمقيم؛ صلى أربعاً، وإذا اقتدى به في الفائتة؛ لم تجز صلاته، وإن اقتدى المقيم بالمسافر؛ أتم صلاته إذا سلم الإمام، والمستحب أن يقول: أَتِمُّوا صلاتكم فإنا قوم سفر، وإذا دخل المسافر مِصْرَهُ؛ أتم الصلاة وإن لم ينو المقام، ومن كان له وطن، فانتقل واستوطن غيره، فدخل وطنه الأول؛ لم يتم الصلاة.
وإذا نوى المسافر أن يقيم بمكة ومنى خمسة عشر يوماً؛ لم يتم الصلاة (2016). ومن فاتته صلاة في السفر؛ قضاها في الحضر ركعتين، ومن فاتته صلاة في المصر في الإقامة؛ صلاها في السفر أربعاً)، والجمع بين الصلاتين في السفر يجوز فعلاً، ولا يجوز وقتاً.
والعبد مقيم بِإِقَامَةِ مَوْلاهُ، مُسافر بسفره، وكذلك المرأة مع زوجها، وكذلك كل من لزمته طاعة غيره من إمام أو أمير جيش.
ولا يجوز أن يصلي ماشياً أو مقاتلاً، ومن لم يستطع النزول عن الدابة المطر، أو طين، أو عدو؛ أو مؤوا على دوابهم، وإن استطاعوا النزول، ولم يقدروا على القعود؛ أموا قياماً على الأرض، فإن قدروا على القعود، ولم يقدروا على السجود؛ نزلوا وصلوا قعوداً بإيماء، وإن أو مؤوا والدواب سائرة؛ جاز إن لم يقدروا أن يوقفوها، وإن صلوا جماعة على الدواب وصفوا؛ جاز إن لم يكن بينهم طريق، وإن لم يقدروا ا على الانحراف إلى القبلة؛ جاز أن يُصلُّوهَا! إلى غيرها.
فصل: وإن سلم المسافر على رأس ركعتين، فنوى) الإقامة وعليه سهو؛ فصلاته تامة، وسقط عنه السهو، وهذا قطع [للصلاة]) عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد وزفر: يتم أربعاً، كما لو نوى الإقامة في سجدتي السهو؛ أتم، وعليه سجدتا السهو إلا في قول زفر.
فرع: مسافر صلى ركعتين بغير قراءة، ثم نوى الإقامة: فعليه أن يصلي ركعتين بقراءة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد وزفر: يستقبل [1/ 17] أمير الموسم إذا كان من غير أهل مكة، وقد استعمل عليها، وقد وطن نفسه على الإقامة فإنه يجمع بمنى]، وكذلك إذا كان الخليفة و أمير الحجاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا جمعة بمنى.
فرع): مسافر أم مسافرين، فنام منهم رجل حتى فرغ الإمام من صلاته، ثم استيقظ وأحدث ودخل مصره وتوضأ؛ يُصلي ركعتين، وقال زفر: أربعاً، كما لو تكلم.
فرع مسافر صلَّى من العصر ركعة، ثم غربت الشمس، ثم نوى الإقامة؛ فعليه ركعتان، وقال زفر: أربع، كما لو نوى الإقامة ثم غربت الشمس.
الجزء 1 · صفحة 82
باب سجدة التلاوة
سجود التلاوة في القرآن أربع عشرة سجدة: الأولى في آخر الأعراف، والأخيرة في آخر سورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ).
والسجود [واجب] على التالي والسامع، سواء قصد سماع القرآن أو لم يقصد، وعليه قضاؤها وإن طال، فلو تلاها الإمام؛ سجدها وسجد المأموم معه.
ومن سمع منه خارج الصلاة؛ فإن دخل السامع في صلاة الإمام بعدما سجدها الإمام؛ سقط عنه، وإن دخل معه قبل أن يسجدها؛ سجد () معه، وإن لم يدخل معه؟ سجدها.
وإن تلاها المأموم؛ لم يسجد الإمام ولا المأموم، وقال محمد: يسجدها من قرأها وسَمِعَها إذا فرغوا.
وإن سمعوا وهم في الصلاة سجدة من رَجُل ليس معهم في الصلاة؛ لم يسجدوها في الصلاة، وسجدوها بعد الصلاة، وإن سجدوا في الصلاة؛ لم تجزئهم، ولم تفسد صلاتهم، وأعادوها بعد الصلاة، وفي «النوادر»: أنه تفسد.
ومن قرأها وسجد لها، ولم يسجدها حتى كررها في مجلسه؛ تكفيه سجدة واحدة، وإن قرأها، ثم ذهب، ثم قرأها؛ سجد سجدتين، ومن قرأها وسجد لها، ثم صلى في مكانه وقرأها؛ يسجدها.
وإن لم يكن سجد للأولى، فسجدها في صلاته؛ أجزأته عنهما، وقال في نوادر الصلاة: السجدة الأولى على حالها.
وإن تلاها في الركعة الأولى، ثم أعادها في الثانية؛ تكفيه سجدة واحدة عند أبي يوسف، كما لو أعادها في الركعة الأولى، وعند محمد: عليه سجدة أخرى.
وإن قرأها على الدابة؛ سجدها عليها بإيماء، ولو قرأها على الأرض؛ لم يجز أن يسجدها على الدابة، ولو قرأها على الدابة ونزل ثمَّ رَكِبَ؛ يجزئه أن يسجدها عليها عند أبي يوسف، وقال زفر: [17/ ب] لا يجزئه.
الجزء 1 · صفحة 83
وإن تلاها بِالْفَارِسِيَّةِ؛ فعلى من سَمِعَها أن يسجدها، فهم أو لم يفهم، عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف في الإملاء»: لا يجب إلا على من فهم.
وَيُكْرَهُ] أَنْ يَقْرَأُ السُّورَةَ في الصلاة أو غيرها ويدع آية السجدة)، ولا بأس بأن يقرأ آية السجدة وحدها، وَالْمُسْتَحَبُّ أن يقرأ قبلها آية أو آيتين.
ومن أراد السُّجُودَ؛ كَبَّرَ ولم يرفع يديه، وسجد وكبر ورفع رأسه ولا تشهد عليه ولا سلام.
بَابُ الجُمعة **
الجمعة فريضة على كل حر بالغ، صحيح العقل والنفس، وليس على النساء، والمسافرين، والمرضى، والعبيد، والزمني، ولا على الأعمى وإن وجد قائداً عند أبي حنيفة، وقالا: إن وجد قائداً؛ عليه الجمعة.
وإن حضر واحد من هؤلاء الجمعة وصلى: أجزأته، وهي الفريضة وإن صلى الظهر في منزله؛ قال زفر: الظهر الذي صلاها في منزله هي الفريضة وأما الصحيح إذا صلى الظهر في منزله؛ كرة وأجزاء، فإن أدرك الجمعة بعد ذلك؛ بطل ظهره، والجمعة هي الفريضة، وقال زفر: ظهره الصحيح كان فاسداً، إلا أن يكون صلاها بعدما فرغ الإمام من الجمعة.
وإن توجه إليها والإمام في الجمعة؛ انتقض ظهره عند أبي حنيفة، وقالا: إن لم يدرك الجمعة لا ينتقض.
وينبغي لمن يحضر الجمعة أن يغتسل، ويمس طيباً إن كان عنده، ويلبس أحسن ثيابه، فإن لم يغتسل؛ فلا شيء عليه.
وشرائط الجمعة خمس: المصر، والجماعة، والخطبة، والإمام، والوقت.
فصل [المصر: تصح إقامة الجمعة في مصلى المصر الجامع، كما تصح في المصر، ولا تجب إلا على من كان في المصر وربضه، وعن أبي يوسف: أنه يجب على كل من يمكنه الإتيان إلى الجمعة والرجوع إلى أهله في اليوم ولا بأس بإقامة الجمعة في المصر في مسجدين، ولا تجمع فيما هو أكثر من ذلك، هكذا رواه محمد بن الحسن في نوادر الصلاة»، وفي الإملاء عن أبي يوسف: أنه لا يجوز أن يجمع في مسجدين في مصر واحد، إلا أن يكون بينهما نهر
الجزء 1 · صفحة 84
كالمصرين، وإن لم يكن بينهما نهر؛ فالجمعة لمن سبق منهما، وعلى الآخرين أن يُعيدوا الظهر أربعاً، فإن صلى أهل المسجدين معاً؛ كانت صلاتهم جميعاً فاسدة ... .
فصل: لا تجوز الجمعة إلا بثلاثة سوى الإمام، وعن أبي يوسف: مثنى سوى الإمام، [1/ 18] وعن محمد: مثل قول أبي يوسف.
وإن افتتح الإمام الجمعة، فذهب الناس؛ فإنه يفتتح الظهر عند أبي حنيفة، كما لو ذهبوا قبل الافتتاح، وقالا: يجزئه الجمعة، وإن ذهبوا بعدما صلى ركعة؛ [بني] على الجمعة إلا في قول زفر، وإن ذهبوا إلا المسافرون والعبيد، أو إلا ثلاثة منهم؛ بنى على الجمعة، ولا يُصلُّون الظهر يوم الجمعة جماعة في مصر في مسجد أو في سجن، فأما أهل القرى؛ فمن هو في موضع لا جمعة فيه؛ ينبغي أن يصلوا جماعة.
فصل: الخطبة: ويخطب الإمام على الطهارة خطبتين قائماً، مستقبل القوم، مستدبراً القبلة، يفصل بينهما بجلسة خفيفة، فإن خطب جنباً أو قاعداً أجزأهم وقد أساء، وإن اقتصر على ذكر الله تعالى، أو تسبيحه، أو نحوها؛ جاز عند أبي حنيفة وقالا: لا بد من ذكر طَوِيلٍ يُسمى خطبة.
وينبغي للقوم أن يُنصتوا للخطبة، ويستقبلوا الإمام بوجوههم.
ويكره أن يُصلى والإمام يخطب، ويجتنب مستمع الخطبة من الكلام وغيره ما يجتنب في الصلاة، وإن كان في موضع لا يسمع؛ كان محمد بن سلمة يختار السكوت، و [نصير] بن يحيى يقرأ القرآن في نفسه.
ويكره أن يتكلم بعدما خرج الإمام قبل أن يأخذ في الخطبة، وبعدما فرغ منها قبل أن يدخل في الصلاة، وقالا: لا بأس به، والأذان الذي يكره بعده البيع: الأذان بين يدي الخطبة، وقال بعضهم: الأذان الأول.
فصل: الإمام: [لا تجوز] (الجمعة إلا بذي سلطان، أو نائبه، وإن كان عبداً، أو مسافراً.
إذا مر الخليفة أو والي البلد بمصر مسافراً، وصلى الجمعة بهم؛ تجزئهم، وقال زفر: لا يجزئهم.
الجزء 1 · صفحة 85
ومن أدرك الإمام يوم الجمعة؛ صَلَّى معه ما أدرك، وبني عليها الجمعة، وإن كان أدرك في التشهد، أو في سجود السهو، وقال محمد: إن لم يدرك الركعة الثانية؛ بني عليها الظهر، لا بد له من القعود في الثانية مقدار التشهد.
ومن زحمه الناس، فلم يقدر أن يُصلي مع الإمام حتى فرغ الإمام؛ صلى وحده بلا قراءة، ولو ركع مع الإمام الركوع الأول خاصة؛ فكذلك، ولو ركع مع الإمام في الأول، ولم يستطع أن يسجد، ثم ركع في الأخيرة وسجد؛ جاز عند أبي يوسف ويعيد الركعة الأولى بركوع وسجود، وقال زفر: فسدت صلاته.
فصل: الوقت: إذا افتتح الجمعة، ثم تذكر أن عليه صلاة الفجر، وخاف [18/ ب] أن تفوته الجمعة، لكن يُدرك الظهر في وقته؛ يقطع الجمعة، ويصلي الفجر، ثم الظهر، عند أبي حنيفة وأبي يوسف، كما لو كان بحيث لو صلى الفجر يدرك الجمعة، وقال محمد: يمضي على الجمعة، كما لو كان بحال لو صلى الفجر تفوته الجمعة والظهر عن وقته.
فصل: ويجهر الإمام بالقراءة فيها وفي العيدين، ولا يجهر بالظهر والعصر بعرفات، وليس عليه قراءة سورة بعينها.
ويكره أن يدوم على سورة بعينها، وقال الطحاوي: يستحب أن يقرأ سورة الجمعة، وسورة المنافقين.
باب صلاة العيدين
تكبيرات العيد تسعة عندنا، وهو قول عبد الله بن مسعود: خمس في الأولى مع تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع، وأربع في الثانية مع تكبيرة الركوع، يُوالي بين القراءتين (400)، ويتعوذ عند أبي يوسف بعد ثناء الافتتاح، ثم يكبر، ثم يقرأ، وقال محمد يكبر تكبيرات العيد، ثم يتعوذ، ثم يقرأ.
ويرفع يديه في تكبيرات العيد سوى تكبيرتي الركوع، وعن أبي يوسف: لا يرفع إلا في تكبيرة الافتتاح.
الجزء 1 · صفحة 86
ويستحب في الفطر أن يطعم الإنسان شيئاً من الحلوى؛ من تمر، أو زبيب أو نحوهما، قبل الخروج إلى المصلى، ويغتسل، ويتطيب، ويستاك، وأن يضع فطرته في مصرفها، ثم يتوجه إلى المصلى، ولا يكبر جهراً عند أبي حنيفة، وعندهما: يكبر في طريق المصلى. 237
وذكر الطحاوي: أنه يجهر للتكبير، ولم يذكر الخلاف.
وينبغي له أن يتخذ طريقاً في انصرافه من مصلاه غير الطريق الذي ذهب فيه إلى المصلى، والإمام وغيره فيما ذكرنا سواء.
وإذا حلت الصلاة بارتفاع الشمس؛ دخل وقتها إلى الزوال، وإذا زالت الشمس؛ خرج وقتها.
ولا يتطوع قبل صلاة العيد، وإن شاء أن يُصلي بعده؛ صلى أربعاً، ويخطب بعد الصلاة خطبتين يُعلم الناس فيها صدقة الفطر وأحكامها.
ومن فاتته صلاة العيد مع الإمام؛ لم يقضها، وقد أساء إن ترك لغير عذر.
وتجب صلاة العيد بما تجب به صلاة الجمعة، وتصح بما تصح به الجمعة) إلا الخطبة؛ فإنه إن تركها الإمام فقد أساء، وصلاة العيد ماضية، ويقرأ فيها ما شاء من القرآن.
ومن أدرك الإمام وهو راكع، فخاف إن كبر أن يرفع رأسه؛ كبر للافتتاح، ثم يكبر للركوع، ثم يكبر تكبير العيد في ركوعه، فإن رفع الإمام رأسه من الركوع اتَّبعه وقطع التكبير، وإن أدرك الإمام في الثانية اتَّبعه، وفي الأول يقرأ، ثم يكبر [1/ 19] إن كان يرى تكبير ابن مسعود) في عامة الروايات، وفي نوادر الصلاة يكبر، ثم يقرأ).
فإن غم الهلال على الناس، وشهد عند الإمام برؤية الهلال بعد الزوال؛ صلى من الغد، فإن صدر عُذر منع الناس. من الصلاة في اليوم الثاني لم يصلها بعده. 239
ويستحب في يوم الأضحى أن يغتسل ويتطيب، ويؤخر الأكل حتى يفرغ من الصلاة، وإن أكل؛ لم يكره، ويتوجه إلى المصلى وهو يُكبر، وإن ترك لعذر؛ فوقتها من اليوم الثاني، والثالث كذلك، ولا يُصليها بعد ذلك.
عِيدَانِ اجْتَمَعًا في يومٍ؛ فَالأَوَّلُ سُنَّةٌ، والآخر فَرِيضَةٌ، وَلا يُتْرَكُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، والصلاة بعرفات بغير خطبة [تجزئه].