الجزء 2 · صفحة 7
شرح الوقاية
للإمام الفقيه عبد اللطيف بن عبد العزيز بن أمين الدين الشهير بابن ملك الحنفي
توفي سنة (801هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 2 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل العلم أربح المتاجر، والمكاسب، وأرجح المفاخر، والمغالب، ونور بأنواره منابر المشارق والمغارب، وزين العالم بالعلماء زينة السماء بالكواكب، وهدى بهم كل خابط في مهاوي الهوى والغياهب، وأنقذ كل مسف على شفا حفرة من النار بالمثالب. والصلاة والسلام على أولى الوسائل والرغائب: محمد، المختص بمزايا العطايا والمراتب، وعلى آله أولى الدرجات العلى، والمناقب، وصحبه الذين بأيهم يحتذى يحتظى المطالب، ما جمع المغانم الكتائب، وجمع الرمال والكتائب بيت:
على أرواحهم تحف التحايا. . . . من الله الذي خلق البرايا
وبعد:
يقول عبداللطيف بن عبدالعزيز الضعيف، المشهور بابن الملك والمنصور من رب الفلك، يسر الله له أمله، وختم بالخير علمه، خطر في خلد الأغفر عند سماع ولدي جعفر مني كتاب الوقاية، رفيع الباب والراية مرتب موظب الباع والراية مهذب ب مذهب ليس لحسنه غاية، بيت معناه:
كالعيون يزيل داء .... والفاظ موردة الحدود
أن أشرحه شرحا يظهر خفاياه، ويخبر عن خباياه، يبين فوائد قيوده، ويعين قلائد عقوده، ويميز مواضع إجماله، و يرمز مواقع إهماله، موردا عقيب كل حكم دليله؛ لتكون المعرفة قوية وجليلة، تاركا أقوال من خالف أبا حنيفة: إمام الأئمة، فنعم الخليفة، إلا قول صاحبيه ذكرته مع الدليل؛ لكونهما معا بمنزلة العديل ومن أشار إليه المصنف بالنفي والتقييد، بينت الخلاف فيه؛ قصدًا إلى التقصييد، وليس تعريف الخلاف من تأليفه بمعتاد، بل بيان ما يختار للفتوى ويراد، والشرح ينبغي أن يكون هو المراد، موافقا لما صار من المتن المراد بيت:
فيه فوائد للأرباب يعرفها ...... أهل الفطانة والصفوة الخصوصي (
الجزء 2 · صفحة 9
إذ لم يسمع أنه له شرح وسط، يكون شرحه على ذلك النمط؛ وقد كان ذلك في أوان صرت فيه من العي في أوان، وحصل الأهواي و هوان، وصل سل إلى أعضائي توان)، وكشح عني أخوان الخوان، آه من يد الزمان الخوان وصار عمري في أخره خرابا، وفتح إلي كل وجع بابا،، فتأخرت زمانًا، هذا عن خاطري؛ لكونه حجابًا قويا في خـ في خاطري، ثم قلت لقلبي: لا تؤجل وإلى ما خطر من الخير اعجل،، إن أدركت إتمامه قبل إلمام منيتي فذلك غاية بغيتي ومنيتي، وإن لم أدركه، فالله أسال له [من يكمل أجري، ويجعلني في جنة تحتها الأنهار تجري، والمرجو ممن لزب على الإنصاف وكتب عن الاعتساف أن يرم فيه ما عثر من خلل؛ إذ الإنسان مجبول على سهو وزلل، حسبي الله إليه توكلت، وفي أموري عليه أتكل
(بسم الله الرحمن الرحيم، حمد من جعل أي: صير (العلم أجل) أي: أعظم (المواهب) جمع الموهبة، وهي مصدر، والمراد منها: الموهوب (الهنية) أصله الهنيئة قلبت الهمزة: ياء؛ فشددت، يقال: هنو الطعام يهنؤ هناءة، والمراد منها: موهبة ليست في عاقبتها التعب. (وأسناها) أي: أرفعها (وأعلى المراتب جمع مرتبة وهي المنزلة (السنية) أي: الرفيعة (وأسماها) أي: أعلاها (أحسن) خبر لقوله: حمد (ما) يفتتح به الكلام، وإنما كان أحسن؛ لأنه سبب لإتمام ما يبتدئ؛ لما روى أنه قال: كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بالحمد الله فهو أقطع
وفي رواية: «ببسم الله روي عن عائشة ا أنها أمرت خادمتها بأن ترفع ثوبها قطعة كرباس؛ فلما رفعت قالت: هل قلت عند الابتداء: بسم الله. قالت: لا؛ فأمرت أن تقطعها عن ثوبها، وتخيط ثانيا: بسم الله؛ وإنما كان العلم أجل المواهب، وأعلى المراتب؛ لأنه سبب للسعادة العظمى، وهي النجاة من الجهل في الدنيا، وسبب للسيادة العليا في العقبى وشكر من خص علم الأحكام والشرائع) جمع: شريعة، وهي ما شرع الله لعباده من الدين وفروعه، وهي أعم من الأحكام (بأنه) أي: علم الأحكام الجار والمجرور متعلق بقوله: خص (أقوى الوسائل) جمع: وسيلة، وهي ما تتقرب به إلى الغير (إليه) أي: إلى من خص، وإنما صار أقوى؛ لأن رعاية جميع ما يتوسل إليه من العبادات موقوفة على العلم، فيكون أقوى جميع ما يتوسل به إليه (والذرائع) جمع ذريعة، وهي الوسيلة (أيمن) أفعل تفضيل من اليمن بالضم، وهي البركة، يقال: يَمُن فلان على قومه، إذا صار مباركًا عليهم) (ما يستنجح به) فعل مجهول، يقال: استنجحت حاجته إذا
الجزء 2 · صفحة 10
قضيتها تنجيزا، أو يقال: نجح أمر فلان، أي: تيسر؛ فعلى هذا يكون معلوما (المرام) أي: المطلوب، وإنما صار الشكر أيمن؛ لأنه سبب لبركة ما يبتدئ من المطلوب، قال الله تعالى: لين شكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (فنحمده) جزاء شرط محذوف، يعني: إذا كان حمد الله، وشكره على ما وصفنا، فنحمده (حمدا لا انصرام) أي: لا انقطاع العدده، ولا انفصام) أي: لا انكسار لمدده) أي: لزيادته، فإن قلت: الظاهر أن نحمده إنشاء؛ ليكون المصنف من الحامدين، ولا يقدر إنشاء الحمد الغير المنقطع؟ قلت: نحمده إخبار، يعني: يخبر عن ثبوت حمد غير منقطع الله - تعالى، والمخبر عن ثبوت الحمد له يكون حامدا، فلا ضرورة إلى جعل الخبر إنشاء، على ما أنعم وأولى أي: أعطى (من نعمه الظاهرة) وهي حسن الصورة وتسوية الأعضاء، وقيل: هي البصر والسمع واللسان، وسائر الجوارح الظاهرة (والباطنة) وهي المعرفة وأكرم وأبلي) أي: اختير من قسمه جمع قسم، وهو النصيب (البادية) أي: الظاهرة، وهي الأموال الظاهرة والكامنة، أي: الخفية، وهي الأموال الباطنة، والأصح أن المراد من قوله من نعمه الظاهرة والباطنة، ومن قوله: من قسمه البادية والكامنة واحد تفنن في العبارة (وبصرنا) أي: جعلنا ذوي بصيرة، ومعرفة (بالصراط المستقيم أي: بالطريق المستقيم، وهي ملة الإسلام (ومنهج) أي: الطريق الواضح (الرشاد) وهو خلاف الغواية، والمراد منه ما عليه أهل السنة والجماعة، ويسر لنا الايتساء) أي: الاقتداء (بكرام) جمع كريم الأسلاف) جمع: سلف وهم آباؤه المتقدمون والأجداد في نشر الأحكام) أي: بسطها، الجار والمجرور متعلق بالايتساء وتبليغ الشرائع، والله ولي الإرشاد) أي: صاحبه ونصلي على رسوله وهو من معه كتاب، کموسى وعيسى، والنبي من ينبي عن الله، وإن لم يكن معه كتاب؛ كذا في الكشاف وعن هذا قال النبي: علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ولم يقل: كرسل بني إسرائيل، وقيل: الرسول هو الذي أوحي إليه بجبرائيل والنبي هو الذي أوحى إليه بملك آخر (محمد الهادي للخلق سواء السبيل) أي: عدله وهو [الصراط المستقيم (الموازي) أي: المحاذي علماء أمته لأنبياء بني إسرائيل) وهو إشارة إلى الحديث المذكور وعلى كرام صحابته) جمع: صحابي، وهو من صحب الرسول إضافة الكرام إلى الصحابة، إضافة الصفة إلى الموصوف بتأويل؛ وإنما لم يقل: وصحابته الكرام؛ رعاية للسجع (المستظلين بظلال سحابته) أراد بها الكنف؛ إذ السحابة سبب الراحة كالكنف يعني: المستريحين بظلال كنفه لا وجواره والملتجئين في الشدائد إلى النبي، ورعايته، أو المراد بالسحابة سخاوته، يعني بهم الداخلين في ظلال عطائه في الدنيا، ليس توصيفه
الجزء 2 · صفحة 11
بالكرام وبالمستظلين؛ لإخراج غيرهم، بل للمدح، وبيان شرفهم (صلاة) مفعول مطلق لقوله: نصلي (تترادف) أي: تتابع (إمدادها، ويتضاعف أعدادها، وبعد):
فإن الولد) أدخل الفاء على أن يكون إما مقدرة في بعد، يعني: أما بعد حمد الله، والصلاة على رسوله الأعز عبيد الله) وهو عطف بيان: للولد صرف الله أيامه فيما يحبه) أي: يحبه الله، أو الولد وبرضاه لما فرغ) لما بمعنى: حين، والعامل فيها: أحببت (من حفظ الكتب الأدبية) وهي الكتب التي يعرف منها علم الأدب، وهو عند السكاكي علم اللغة، والتصريف، والنحو والبلاغة، والمنطق، والعروض، (وتحقيق لطائف قسم (الفضل، ونكت جمع نكتة، وهي أن يضرب في الأرض بقضيب ويؤثر فيها، والمراد منها المعاني الدقيقة في العلوم العربية أحببت أن يُحفظ في علم الأحكام) أي: أحكام الشرع كتابا رائعا) أي: معجبا (ولعيون) أي: خيار (مسائل الفقه راعيا) أي: حافظا (مقبول الترتيب، وهو وضع كل شيء في مرتبته (والنظام) جمع: نظم، وهو جمع اللؤلؤ (مستحسنا عند الخواص والعوام فإن قلت: المدح يحصل باستحسان الخواص دون العوام؛ لأنهم ليسوا بأهل له كالأنعام لم يذكرهم) في هذا المقام؟
قلت: رعاية للسجع بلفظ النظام، وإشارة إلى أن استحسان المسائل بلغ مبلغا يدركه الجواهل كما يقال في ظهور شيء يراه الأعمى مبالغة، أو تقول]: المراد من العوام: من له أدنى حظ من العلوم وهم كالعوام بالنسبة إلى الخواص، وإنما ذكرهم للتعميم، كما قال الله تعالى: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) (وما ألفيت) أي: ما وجدت في المختصرات ما هذا شأنه أي مختصرا موصوفا بالصفة المذكورة (فألفت) أي: جمعت في رواية كتاب الهداية، وهو كتاب فاخر) أي: جيد وبحر مواج زاخر) أي ممتلئ كتاب جليل القدر، عظيم الشأن، زاهر الخطر أي مضيء القدر و المنزلة (باهر البرهان) أي: غالب الحجة على غيره، قد تمت حسناته) أي: منافعه، وعمت بركاته أي شملت زيادته كل واحد من الناس، وبهرت آياته) أي: ظهرت مسائله (مختصرا) مفعول: ألفت (جامعا لجميع مسائله) أي: مسائل الهداية (خاليا عن دلائله، حاويا) [أي: جامعاً] (لما هو أصح الأقاويل والاختيارات، وهذا وما قبله بمعنى المفعول وزوائد فوائد الفتاوى والواقعات، يعني: حاويا لفوائد الفتاوى التي كانت زائدة على مسائل الهداية، (وما) يعني: حاويا لما يحتاج إليه من نظم الخلافيات أي من مسائل المنظومة موجزا الفاظه نهاية الإيجاز، ظاهرا في ضبط معانيه مخايل بالرفع فاعل ظاهرا، أي: [ظاهرا] مظان (السحر، ودلائل الإعجاز عطف
الجزء 2 · صفحة 12
على قوله مخائل أي: ظاهرا فيه دلائل يستدل بها على كون هذا المختصر معجزا، كذا قيل، لكنه ضعيف؛ لأن المعجز هو كلام الله الخارج عن طوق البشر، وكلام غيره كيف يكون كذلك؟! بيت:
أكر ترس خلك در دين نبودي ..... بمعجز نسبتي شايت کردن (
بل يقال: ودلائل: بالجر عطف على السحر، يعني: مظان دلائل الإعجاز؛ ولكن يقال في مثل هذا البيان أن بعض الظن إثم، وطغيان (موسوما) يقال: وسمه، أي: أثر فيه أثر كي، يعني: أن المختصر مسمى (بوقاية الرواية الوقاية مصدر بمعنى الفاعل، أي: حافظ الرواية في مسائل الهداية، والله تعالى مسئول أن ينفع به أي بالمختصر (حافظيه) مفعول ينفع والراغبين فيه أي في المختصر (عامة) تمييز والولد الأعز: عبيد الله خاصة، إنه خير مأمول، وأكرم مسئول).
كتاب الطهارة
الكتاب: مصدر كالكتابة، بمعنى الجمع، والمراد به المكتوب وهو طائفة من المسائل الفقهية، وإضافته كإضافة: خاتم فضة، يعني: كتاب مسائل الطهارة، ويجوز أن يكون الإضافة بمعني: اللام
والطهارة بمعنى: النظافة مطلقا، مصدر من طهر بضم الهاء وفتحها، والمراد بها هنا: النظافة من النجاسات حكمية كانت، أو حقيقية، بدأ بالطهارة في البيان؛ لأنها شرط للصلاة من الأركان وهي ثانية الإيمان؛ كما قال الله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصلوة) والشرط مقدم على المشروط؛ وإنما اختارها من بين الشروط؛ لأنها أهم، وهذا التعليل أولى مما قالوا: الطهارة شرط لا يسقط بعذر بخلاف سائر الشروط؛ فلذا اختارها؛ لأن النية شرط للصلاة، لا تسقط بعذر، وإنما أفردها؛ لأنها مصدر، والأصل فيه أن لا يثنى ولا يجمع، ومن جمعها نظر إلى أنها] أنواع مختلفة؛ لأن طهارة الوضوء تحصل بإمرار الماء، والإصابة في المسح "، وطهارة الثوب يحصل بالغسل، وإزالة النجاسة، والتيمم نوع آخر. (قال الله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلوة) [يعني:] إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وأنتم محدثون ولما كانت الإرادة؛ سببًا للقيام، أقام المسبب مقامه (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الآية) وهي قوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ
الجزء 2 · صفحة 13
إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين فإن قلت: المفهوم من الآية أن مطلق القيام سبب للوضوء، فلم قيدته بالحدث؟.
قلت: لأن نفس القيام لو كان سببا لوجوب الوضوء)، لما فرغ //م) الإنسان عن الوضوء أبدا، ولوقع في الحرج، ولأنه ثبت أن النبي صلى صلوات خمس بوضوء واحد يوم الفتح، ولو كان القيام سببا لما فعله كذا، ولأن التيمم الذي هو بدل عن الوضوء معلق بالحدث، كما قال الله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنَّبًا فَأَظْهَرُوا وَإِن كُنتُم تَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم منْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) فقلنا: الوضوء معلق بالحدث؛ لأن التيمم بدل عن الوضوء، فيكونان متحدين في السبب، وما قاله بعض الشارحين من أن الحدث مناف للوضوء، فلا يصلح أن يكون سببا له، فمدفوع؛ لأن المنافاة بينهما لا بين الحدث ووجوب الوضوء، ونحن قائلون بالثاني لا بالأول. فإن قلت: المفهوم من آية التيمم أن مجرد الحدث سبب لوجوب التيمم، فلم لم يجعل في الوضوء كذلك، وقورن القيام إلى الصلاة) (إليه.
قلنا: لأن الوضوء ليس عبادة مقصودة؛ ولهذا لو نذر الوضوء لا يلزمه؛ وإنما هو وسيلة إلى عبادة مقصودة، فلا بد من القصد إلى المقصودة، فنقدر في آية التيمم أو جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ الْغَابِطِ) وقام إلى الصلاة، وإنما قدم الوضوء من بين الطهارات؛ لأن الله تعالى قدمه على الغسل من الجنابة، أو لأنه كثير الاستعمال، فاشتد الاحتياج) إلى بيانه، وهذه الآية دليل، وكان من حقه أن يؤخر عن المدلول في الإيراد وإنما قدمها تبركا.
ففرض الوضوء الفاء لتفسير والفرض، بمعنى المفروض، وهو ما ثبت بدليل قطعي وإضافته للبيان؛ إذ الفرض قد يكون من غير الوضوء.
غسل الوجه من الشعر) أي من منتهى منبت شعر الرأس، وهذا باعتبار الغالب؛ لأن حد الوجه في الطول: من مبتدأ سطح الجبهة إلى الذقن كان شعر أو لا.
إلى الأذن وأسفل الذقن وهو مجتمع لحييه، هذا هو حد الوجه؛ إذ المواجهة تقع بهذه الجملة، فإن قلت: على هذا ينبغي أن يكون الأذنان من الوجه؟
الجزء 2 · صفحة 14
قلت: الغالب سترهما بنحو العمامة، والقلنسوة، كما يستر الصورة)، فنقول: لا يجب غسل داخل الفم والأنف؛ لعدم المواجهة، وفي الشفة: خلاف، قيل: تبع للفم، لا يجب غسلها. وقال الفقيه أبو جعفر: ما انكيم بانضمام الفم، فيتبع للفم، وما ظهر فللوجه يجب غسله وأما العينان، فلا يجب غسل داخلهما؛ لعدم المواجهة، ولوقوع الضرر.
قوله: (إلى الأذن لا يصلح أن يكون غاية، لقوله: (من الشعر)، فلا بد أن يقدر، والأذن بعد قوله: (من الشعر فيكون في الكلام لف ونشر غير مرتب.
(وما بين العذارين، والأذن منه أي من الوجه، إنما ذكره مع انفهامه مما قبله؛ إشارة إلى خلاف أبي يوسف ففرض الوجه عنده من العذار إلى العذار، وما وراءه لا يجب غسله؛ لأن البشرة التي تحت الشعر في العذار، إذا لم يجب غسلها، فما وراءها وهو البياض أولى أن لا يجب.
لهما: أن ما تحت الشعر إنما لم يجب غسله؛ لاستتاره به، فخرج عن كونه وجها، ولا استتار فيما وراء العذار، فيجب غسله، وإن كان كوسجا يجب غسله اتفاقا
واليدين والرجلين) عطف على الوجه أي فرض الوضوء غسل اليدين والرجلين.
(مع المرفقين، والكعبين قيد بهما؛ لأن غسلهما غير واجب عند زفر؛ لأن المرفق والكعب وقعنا غايتين للغسل)، فلا يدخل فيه، كما في قوله تعالى: {أَتِموا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ (
ولنا: أن الغاية قد تدخل في الحكم، كما إذا حلف لا يتكلم إلى رجب، فعند أبي حنيفة: ينبغي أن لا يتكلم في رجب، وقد لا تدخل، فأدخلناها في حكم الغسل احتياطا في إقامة الفرض، والمرفق ملتقى عظم العضد والذراع، فلما وجب غسل جزء الذراع وجب غسل جزء العضد؛ لأن الفصل بينهما في الغسل حرج.
ومسح ربع الرأس) [ب//م]، هذا معطوف على: غسل، يعني: فرض الوضوء مسح ربع الرأس؛ لحديث المغيرة، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اكتفى بمسح الناصية في وضوئه، وهي ربع الرأس، فإن قلت: المدعى ربع غير معين، والدليل يدل على ربع معين، وهو الناصية، فلا يتوافقان. قلت: الحديث ورد بيانا لمجمل) الكتاب، والإجمال كان في المقدار دون المحل؛ لأنه معلوم أنه الرأس، فلو كان المراد منه عين الناصية، يلزم نسخ الكتاب بخبر الواحد)
الجزء 2 · صفحة 15
فإن قلت المجمل ما لا يمكن العمل به إلا ببيان، والعمل بهذا ممكن، بحمله على الأقل؛ لتيقنه، فلا يكون مجملا
قلت: لا يمكن المسح على شعرة إلا بزيادة عليها، وهي غير معلومة، فيتحقق الإجمال، وفي المحيط: لو مسح رأسه ببلل كفه) بعد استعماله في عضو آخر، فالصحيح أنه يجوز؛ لأن القربة تتأدى بالماء دون البلل، فحصل المسح ببلة غير مستعملة، ولو مسح رأسه ببلل أخذه من لحيته، لا يجوز؛ لأن ما أخذه من اللحية جزء من المستعمل إلا أن الماء لا يظهر حكم استعماله ما دام على العضو، وإذا أزيل المغسول بالأخذ ظهر حكم استعماله
فإن قلت: الفرض ما يكفر جاحده، وجاحد هذا المقدار لا يكفر. قلت: الجاحد من لا يكون مُؤوّلًا، وموجب الربع أو الأقل مؤول والتأويل شبهة قوية تمنع " التكفير
(واللحية) أي: ربع اللحية؛ لأن ما تحت اللحية لما سقط غسله؛ لتعسره وجب مسحه كالجبيرة، والممسوح لا يجب استيعابه، فيقدر بالربع، كمسح الرأس.
(وسنته) أي: سنة الوضوء للمستيقظ غسل يديه إلى الرسغين) بضم الراء، وسكون السين المهملة، وبالغين المعجمة، منتهى الكف عند المفصل.
ثلاثا) قبل إدخالهما الإناء لأنهما آلة التطهير، فيبدأ بتنظيفهما، فإن قلت: هذا يدل على وجوبه؛ لأن ما لا يتوسل به إلى الواجب إلا به فهو واجب كوجوبه
قلت: طهارة العضو حقيقة وحكما يدل على عدم الوجوب، أما حقيقة فظاهر، وأما حكما؛ فلأنه لو أدخل يده في الإناء، لا يتنجس، فيثبت ما دونه وهو السنة.
اعلم أن قيد المستيقظ يحتمل أن يكون اتفاقيا؛ لما ذكره في المحيط: أن غسلهما في ابتداء الوضوء سنة على الإطلاق لكن ذكر في الكفاية هذا الغسل المسنون ينوب عن الغسل المفروض، كالفاتحة فإنها واجبة في الصلاة، بحديث يدل على تعينها، ونائبة عن القراءة المفروضة، حيث تجوز الصلاة بها، وإن لم يقرأ غيرها، ويحتمل أن يكون شرطا؛ لأن احتمال تنجس اليد كان للمستيقظ؛ إذ من عادتهم أنهم كانوا ينامون بلا استنجاء، حتى لو نام مستنجيا بالماء لا يسن غسلهما.
الجزء 2 · صفحة 16
(وتسمية الله ابتداء) أي: سن في ابتداء الوضوء ذكر اسم الله قال صاحب الهداية: وقع في مختصر القدوري: أن التسمية سنة لكن الأصح أنها مستحبة؛ لأن السنة ما واظب عليه رسول الله، ولم يشتهر مواظبته على التسمية
والسواك) أي: [استعماله)، وهو: اسم للخشبة المرة المعينة للاستياك؛ وإنما سن لأنه كان يواظب عليه مع تركه أحيانا، وعند فقده يعالج بالإصبع، وفي الخلاصة ينال بالأصبع ثواب السواك، وفي زاد الفقهاء: أنه سنة حالة المضمضة، تكميلا للإنقاء).
والمضمضة بمياه، والاستنشاق بمياه كرر قوله: بمياه نفيا لقول الشافعي: أنه يمضمض ويستنشق بماء واحد؛ لما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - فعل كذا ه)، ولنا: أنهما عضوان فيفردان بالماء كسائر الأعضاء، وما رواه محمول على قلة الماء.
وتخليل اللحية) أي: إدخال أصابعه فيها بعد التثليث من أسفل إلى فوق؛ لأنه عليه السلام كان يفعل كذا) كذا في الكفاية.
والأصابع) أي: تخليل بعضها في بعض؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: خَلَّلُوا أَصَابِعَكُمْ قبل أن تتخللها النار هذا إذا وصل الماء في أثنائها، فإن لم يصل بأن كانت منضمة، فالتخليل واجب، وفي النوازل: يجب إيصال الماء إلى ما تحت [//م] الأظفار إن كان حضريا؛ لأن في أظفاره دسومة يمنع وصول الماء إليه، وفي أظفار القروي طين، فلا يمنع.
وتثليث الغسل)؛ لمواظبته عليه - صلى الله عليه وسلم - ومسح كل الرأس مرة)؛ لأنه للفرض والأذنين بمائه) أي: بماء الرأس، قيد به؛ نفيا لقول إكمال الشافعي: أنه يمسحهما بماء جديد لما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - فعل كذا، ولنا: ما روى أنه - صلى الله عليه وسلم - اغترف غرفة من ماء، فمسح بها رأسه وأذنيه، فيحمل ما رواه) على أنه لم يبق في كفه بلة، وفي المستصفى: كيفيته أن يضع من كل من اليدين ثلاثة أصابع على مقدم رأسه، ولا يضع الإبهام والسبابة، ويجافي بين كفيه ويمدهما إلى القفاء، ثم يضع كفيه على ه) مؤخر رأسه، ويمدهما إلى المقدم)، ثم يمسح ظاهر أذنيه بإبهاميه، وباطنهما بمسبحتيه، وفي التبيين شرح الكنز الأظهر في كيفيته أن يضع كفيه و أصابعه على مقدم رأسه، ويمدها إلى قفاه، ثم يمسح أذنيه بإصبعيه، ولا يكون الماء مستعملا بهذا.
الجزء 2 · صفحة 17
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الأذنان من الرأس أي: حكمهما حكم الرأس، وإنما يكون ذلك، إذا مسحهما بماء مسح به الرأس.
فإن قلت: لمَ لم يجعل الحديث بيانا على أن وظيفتهما المسح، فلا يدل على أنهما ممسوحتان بماء الرأس
قلت: لو كان المراد هذا، لقال: يمسح الأذنان، وهو أخصر، وعبارته - صلى الله عليه وسلم - تشعر معنى الجزئية، ولا يراد منه الجزئية من حيث الخلقة؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - مبعوث لبيان الأحكام لا الحقائق، وظاهر أنه لا يراد منه الجزئية من حيث المحل؛ فالمراد منه الجزئية من حيث الماء. والنية): أي: نية المتوضئ رفع الحدث في كون الوضوء مفتاحا للصلاة، سنة، وعند الشافعي شرط حتى لو توضأ للتعليم، لا تجوز به الصلاة عنده، وتجوز عندنا، قيدنا بقولنا: في كونه مفتاحا؛ لأن النية في كون الوضوء قربة شرط اتفاقا، وفي الكفاية: النية في التوضؤ بنبيذ التمر، أو بسؤر الحمار شرط، كما في التيمم)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: لا عمل إلا بالنية ولنا: أن الله تعالى: أمر بغسل هذه الأعضاء، ولم يشترط النية، فلو شرطناها لزدنا على النص بخبر الواحد؛ فيحمل ما رواه على نفي الفضيلة، وفي رواية القدوري هي مستحبة؛ لأنه إن نوى في وضوئه يكون قربة، وإلا فلا، وإتيان الفعل على وجه القربة أولى)
وترتيب نص عليه) أي: الترتيب على ما هو مذكور في النص سنة. والولاء) بكسر الواو، وهو أن يغسل العضو الثاني قبل الجفاف في هواء معتدل؛ وإنما صارا سنتين؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - واظب عليهما.
ومستحبه) أي: مستحب الوضوء التيامن) وهو البداية باليمين في غسل اليدين والرجلين لما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - يحب التيامن في شأنه كله
ومسح الرقبة) لأنه - صلى الله عليه وسلم - مسح عليها وناقضه) أراد من نقض الوضوء إخراجه عما هو المطلوب منه، وهو استباحة الصلاة.
ما خرج) بحذف المضاف أي خروج ما خرج من السبيلين) أراد به سبيل الحدث؛ لأن العرف الشرعي يستعمله فيه كلمة عامة يتناول المعتاد وغيره؛ فإن قلت على هذا كان ينبغي أن يكون الريح الخارجة من قبل المرأة، أو ذكر الرجل [ناقضة)) مع أنهم قالوا: غير ناقضة؟
الجزء 2 · صفحة 18
قلت فيه اختلاف المشايخ، ومن قال: إنها غير ناقضة، أراد مما خرج كل نجس خرج فالريح الخارجة من قبل المرأة، أو الذكر غير نجسة؛ لأنها تنبعث من محل النجاسة؛ إلا أن تكون مفضاة، وهي التي صار سبيلاها واحدًا فالريح الخارجة منها إن كانت منتنة تنقض وإلا فلا، والمراد من الخروج الظهور، [ب//م) حتى لا ينتقض بنزول البول إلى قصبة الذكر؛ فلو نزل إلى القلفة انتقض؛ لأنها في حكم الخارج؛ ولهذا قال بعض مشايخنا يجب إيصال الماء إلى داخل الجلد، وهو الصحيح، وفي المحيط: لو كان مجبوبا فظهر البول من مخرجه؛ فإن كان قادرا على إمساكه، وإرساله متى شاء ينقض وضوءه، وان كان لا يقدر لا ينقض ما لم يسل؛ لأنه حينئذ في مكانه.
أو غيره إن كان نجسا) بفتح الجيم، عين النجاسة وسال إلى ما يطهر) على صيغة المجهول بتشديد الهاء؛ أي إلى موضع يجب تطهيره في الجملة، أي في الوضوء، أو الغسل احترز به عما إذا قشرت نقطة في العين، فسال الصديد، بحيث لم يخرج من العين لا ينقض؛ لأن تطهير أو غيره إن كان نجسا) بفتح الجيم، عين النجاسة وسال إلى ما العين غير واجب.
قوله: إلى ما يطهر متعلق بقوله: سال) يفهم منه: أنه إذا كان له جراحة منبسطة بحيث يضر غسلها، فإن خرج الدم، وسال على الجراحة ولم يتجاوز إلى موضع يجب غسله لا ينقض الوضوء؛ كذا في المشكلات، قال صدر الشريعة: قوله: إلى ما يُطهر) متعلق بقوله: خرج) لا بقوله: سال)؛ لأنه إذا فصد وخرج دم كثير، وسال بحيث لم يتلطخ رأس الجرح ينتقض عندنا، مع أنه لم يسل إلى موضع يلحقه حكم التطهير؛ بل خرج إلى موضع يلحقه حكم التطهير؛ إلى هنا كلامه.
جراحة منبسطة بحيث يضر غسلها، فإن خرج الدم، وسال على الجراحة ولم يتجاوز إلى موضع يجب غسله لا ينقض الوضوء؛ كذا في المشكلات، قال صدر الشريعة: قوله: إلى ما يُطهر) متعلق بقوله: خرج) لا بقوله: سال)؛ لأنه إذا فصد وخرج دم كثير، وسال بحيث لم يتلطخ رأس الجرح ينتقض عندنا، مع أنه لم يسل إلى موضع يلحقه حكم التطهير؛ بل خرج إلى موضع يلحقه حكم التطهير؛ إلى هنا كلامه.
فيه؛ وإنما يستقيم على ما في بعض النسخ، وهو أو من غيره، يعني: أو خرج من غير السبيلين، ضمير غيره عائد إلى السبيل الكائن في السبيلين، فيكون وسال عطفا تفسيريا لقوله: خرج، مع أن قوله: أو غيره فيه تسامح؛ لأن غير ما خرج من السبيلين ن لا ينقض الوضوء،
الجزء 2 · صفحة 19
وإنما ينقض إذا خرج من البدن، إنما تسامح لظهور أن الخارج من غير البدن لا ينقض وضوء البدن، فيكون قوله: وسال) معطوفا على: كان، وفي الخانية: إذا تبين الخنثى أنه رجل، أو امرأة، فالفرج الآخر بمنزلة الجرح لا ينتقض بما يظهر حتى يسيل.
والقيء): أي: ناقضه القيء، ولما كان له أنواع فصل بقوله: دما رقيق إن ساوى البزاق)؛ لأنه اجتمع الحظر والإباحة، فرجح جانب الحظر، قيد بقوله: رقيقًا)؛ لأنه لو كان علقا لا ينقض ما لم يملأ الفم؛ لأنه ليس بدم، وقيد بالمساواة؛ لأنه إن غلبه البزاق) لا ينقض؛ لأنه في حكم الهالك، هذا في الدم الصاعد من الجوف، وإن نزل من الرأس ينقض، وإن لم يساو البزاق.
أو مرة) عطف على قوله: دما)، وهي ليست بدم، وإنما هي سوداء محترقة، أو طعامًا، أو ماء، أو علقا أي: دما جامدا إن ملا الفم) وحده أن يمنعه من الكلام، هذا قيد للجميع غير الدم؛ لقول رضي الله عنه حين عد الأحداث أو دسعة يملأ الفم؛ أي: دفعة من القيء.
لا بلغما) يعني: لا ينقض قيئه بلغما.
أصلا): أي سواء كان نازلا من الرأس، أو صاعدًا من الجوف وسواء كان قليلا، أو كثيرًا؛ لأنه لزوجته لا يتداخل النجاسة [//م] كالسيف الصقيل ونقض صاعد من الجوف ملأ الفم، عند أبي يوسف)؛ لأنه صار نجسا بمجاورة نجس، قيد بقوله: صاعد؛ لأن النازل من الرأس غير ناقض اتفاقا وهو) أي: أبو يوسف يعتبر الاتحاد في المجلس يعني: إذا قاء في مجلس واحد قليلا قليلا، بحيث لو جمع كان ملا الفم، يكون ناقضا عنده؛ لأن اتحاد المجلس جامع للمتفرقات، كما أن [تلاوة] آية سجدة يتحد باتحاد المجلس ومحمد) يعتبر الاتحاد في السبب) وهو الغثيان لجمع) أي: لأجل جمع ما قاء قليلا قليلا)، وهذا) قيد لكلا القولين، ذكر في الكافي: الأصح قول محمد؛ لأن الأصل أن يضاف الفعل إلى السبب
اعلم أن الخلاف فيما إذا اتحد المجلس دون السبب، أو السبب دون المجلس، أما إذا اتحدا يجمع اتفاقا، أو تعددا لا اتفاقا
الجزء 2 · صفحة 20
وما ليس بحدث بأن يكون القيء قليلا، أو الدم، ونحوه غير سائل اليس بنجس) حتى لو أخذ قيحا من داخل الجراحة بقطنة، فألقاه في الماء لا ينجسه عند أبي يوسف، وعن محمد أنه ينجسه؛ لأنه نجس لا أثر للسيلان في النجاسة، فإذا كان السائل نجسًا، فغير السائل كذا فبعض المشايخ أخذوا قول محمد احتياطا، وبعضهم أخذوا قول أبي يوسف، وهو مختار المصنف؛ رفقا بالناس خصوصا في حق أصحاب القروح
ونوم مضطجع): أي: واضعا جنبه على الأرض ومتكئ على أحد وركيه ومستند إلى ما) أي: إلى شيء لو أزيل عنه لسقط)؛ لأن الغالب في هذه الهيئات استرخاء مفاصله وإنما [//] لم يسقط؛ لأجل السند، فصار بمنزلة المضطجع وفي الخانية: لو مال النائم جالسا، فإن انتبه قبل أن يزول مقعده من الأرض لا ينتقض، وإن انتبه بعدما زال انتقض سقط، أو لم يسقط.
انتقض سقط، أو لم يسقط. لا غير) أي: لا ينقض الوضوء نوم غير ما ذكر، وهو النوم قائما، أو قاعدًا، أو راكعا أو ساجدا، وفي المحيط: إنما لا ينقض نوم الساجد إذا كان رافعا بطنه عن فخذيه جافيًا عضديه عن جنبيه، وإن كان ملصقا بفخذيه معتمدًا على ذراعيه، فعليه الوضوء، وفي الخانية: إن نام جالسًا على رأس التنور، وقد أدلى رجليه انتقض وضوؤه؛ لأنه سبب لاسترخاء مفاصله.
والإغماء): وهو كون العقل مغلوبا، فيدخل فيه السكر، وحده: أن يدخل في مشيه تحرك وهو الأصح.
والجنون): وهو كون العقل مسلوبًا، وعن هذا قيل: صح الإغماء على الأنبياء دون الجنون؛ لأن الغفلة الحاصلة فيهما أكثر مما في النوم فينقضانه بالطريق الأولى.
وقهقهة مصل): وهي ما يكون مسموعًا له ولجيرانه، قيد بها؛ لأن ضحكه، وهو ما كان مسموعًا له دون جيرانه، يفسد الصلاة دون الوضوء، وتبسمه، وهو ما لا يكون مسموعا كان مسموعا له دون جيرانه، يفسد الصلاة دون الوضوء]، وتبسمه وهو ما لا يكون مسموعا له لا يفسد شيئًا منهما بالغ) قيد به؛ لأن قهقهة الصبي في الصلاة لا ينقض، وأما قهقهة النائم في الصلاة، فالصحيح أنه لا يكون حدثًا، وكذا قهقهة المغتسل يركع ويسجد احترز به عن صلاة الجنازة، وسجدة التلاوة، فإن القهقهة فيهما لا تنقض؛ وإنما شرط ما ذكر؛ لأن انتقاض الوضوء
الجزء 2 · صفحة 21
بالقهقهة ثبت بالحديث، وهو قوله عليه السلام: إلا من ضحك منكم قهقهة، فليعد الوضوء والصلاة على خلاف القياس، والمصلون في ذلك الوقت كانوا متصفين بالصفات المذكورة فيقتصر على مورده)، أو يقال: إنما لم ينقض وضوء الصبي؛ لأن فعله لا يوصف بالجناية، فعمل فيه بالقياس، ولم ينتقض وضوء النائم؛ لأن القهقهة إنما جعلت حدثا؛ لقبحها في موضع المناجاة، وسقط ذلك بالنوم، وأما وضوء المغتسل، فإنما لم ينتقض؛ لأنه حصل في ضمن الاغتسال، وليس بوضوء قصدي معمول لاستباحة الصلاة والوضوء في الحديث مذكور مطلق، فيصرف إلى الكامل وفي الخانية: لو قهقه الإمام ب//م] متعمدا، ثم قهقه المأموم، لا ينتقض وضوء المأموم؛ لأن صلاة الإمام فسدت، ولفسادها فسدت صلاة المأموم، ولو سلم الإمام بعد التشهد متعمدا، ثم قهقه المأموم انتقضت طهارته؛ لأن سلام الإمام لا يخرج المقتدي عن الصلاة، ولو سلم المقتدي قبل سلام الإمام بعد التشهد، ثم قهقه لا وضوء عليه؛ لأنه صح خروجه عن الصلاة قبل خروج الإمام.
والمباشرة الفاحشة) يعني: إذا ماس بدنه بدن المرأة مجردين عن القميص وانتشر آلته، وتماس الفرجان ينتقض وضوءه إلا عند محمد)؛ لأن الوضوء إنما يجب لخروج شيء، وهنا غير معلوم، ولهما: أن خروجه مخفي، والمباشرة الفاحشة سببه، فأقيم مقامه احتياطا ودودة خرجت) أو حصاة من دبر تنقض الوضوء؛ لأن ما عليها من البلة حدث في السبيلين، وإن كان قليلا، قيد بالدودة؛ لأن الذباب إذا طار ودخل في الدبر، وخرج من غير بلة لا ينقض، وكذا إن أدخل العود في دبره، وطرفه في يده) إذا لم يكن عليه بلة، فلا وضوء، كذا في النهاية ... لا التي خرجت من الجرح يعني: إذا خرجت دودة من رأس الجرح لا ينقض ولا لحم سقط منه) يعني: لو سقط لحم من رأس الجرح لا ينقض؛ لأن الدودة، واللحم الساقط طاهران، وما عليهما من النجاسة قليل، وهو معفو؛ لكونها من غير السبيلين ولا مس المرأة) أي: لا ينقض وضوء المرأة مسها بشرة الرجل) بشهوة، أو غيرها، المصدر مضاف إلى فاعله)، ويجوز أن يضاف إلى مفعوله، أي: لا ينقض وضوء الرجل مس بشرة المرأة والذكر) أي: لا ينقض مسه بباطن الكف)، أما الأول: فلما روت عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقبل بعض نساءه ثم يخرج إلى الصلاة)، وأما الثاني: فلما روي أنه عليه السلام قال لمن سأله: أنتوضأ من مس الفرج؟ قال: «لا)، وقال الشافعي: ينقض؛ لأن مسها سبب خروج المذي، فيدار الحكم عليه؛ ولقوله عليه السلام: «من مس ذكره فليتوضاً،
الجزء 2 · صفحة 22
قيدنا بوضوء الماس؛ لأن وضوء الممسوس لا ينقض اتفاقا، وقيدنا بالبشرة - وهي ظاهر جلد الإنسان؛ لأن مس الشعر، أو الظفر، أو السن لا ينقض اتفاقا، وقيدنا بباطن الكف؛ لأن المس بظاهره، أو بالاصابع لا ينقض اتفاقا.
وفرض الغسل المضمضة والاستنشاق؛ لقوله: إنهما فرضان في الجنابة سنتان في الوضوء قالوا: لو شرب الماء قبل أن يمضمض لا ينوب عن المضمضة، إن كان يمص مصا؛ لأن الماء لا يصل إلى كل الفم، وينوب عنها إن كان يعب عبا، العب شرب الماء من غير مص، كشرب الحمار، والدواب. وغسل البدن) لقوله تعالى: وإِن كُنتُمْ جُنَّبًا فَاطَهَرُوا والإظهار: غسل جميع البدن؛ لأن التكليف والمبالغة إنما يكون به، إلا أن ما تعذر إيصال الماء إليه كداخل العينين ساقط في الغسل وفي الخلاصة: لو بقي العجين في الظفر فيبس فاغتسل لا يجزئ، ولو بقي الدرن جاز.
لا دلکه هذا نفي لقول مالك، هو يقول الدلك شرط، كما كان شرط في تطهير الثوب، ولنا: أن الدلك متمم، فيكون مستحبا، وليس البدن كالثوب؛ لأن النجاسة تخللت فيه دون البدن، وفي الإسرار: الدلك شرط عنده في الوضوء أيضا).
وسنته أن يغسل يديه وفرجه، ويزيل نجسا إن كان على بدنه؛ لئلا يزيد بإصابة الماء، ثم يتوضأ إلا [رجليه]) استثناء متصل، أي: يغسل أعضاء الوضوء إلا رجليه؛ لأن غسلهما قبل إضافة الماء على رأسه غير مفيد؛ لأن المغتسل يحتاج إلى غسلهما ثانيا، والشرع لم يأمر بما لا يفيد، حتى لو كان قائما على لوح لا يؤخر غسل قدميه؛ [//م] لأن فيه فائدة.
اعلم أن تطهير الجنابة منجز في رواية عن أبي حنيفة، حتى لو تمضمض يجوز له التلاوة، وعدم تجزئه بالنسبة إلى الصلاة، فعلى هذه الرواية: يغسل رجليه إن كان في مجمع الغسالة؛ لأن غسلهما حينئذ مفيد؟ لأنه يكون طاهرا، ثم يفيض الماء) أي: يصبه على كل بدنه ثلاثا، ثم يغسل رجليه لا في مكانه أي مكان مجتمع الماء المستعمل؛ لأنه غير طاهر وليس على المرأة نقض ظفيرتها، ولا بلها إذا ابتل أصلها)؛ لقوله لأم سلمة: يكفيك إذا بلغ الماء أصول شعرك)، قيد بالمرأة؛ لأن الرجل يجب عليه نقض ظفيرته؛ لأن حلق الشعر للمرأة مثلة دون الرجل، قيد بالظفيرة، وهي المفتولة؛ لأنها لو كانت منقوضة يجب إيصال الماء إلى جميع شعرها.
الجزء 2 · صفحة 23
فإن قلت: غسل جميع البدن واجب بالآية، والشعر منه فكيف جاز العمل بالخبر المنافي للنص؟
قلت: النص متناول لما هو من البدن من كل وجه، والشعر من البدن؛ نظرًا إلى أصوله، ومنفصل عنه؛ نظرًا إلى أطرافه، فعملنا بأصله في حق من لا يلحقه الحرج، وبأطرافه في حق من يلحقه الجرح عملا بالشبهين، وفي القنية: وضع الجنب إحدى رجليه على الأخرى في الغسل يطهر السفلى بماء العليا، بخلاف الوضوء؛ لأن البدن في الجنابة، كعضو واحد ه) وموجبه أي ما يوجب الغسل إنزال مني ذي دفق وشهوة) وصفه بوصفين نفيا لقول الشافعي؛ لأن المني كيف ما كان يوجب الغسل عنده لقوله عليه السلام: في المني الغسل، ولنا قوله عليه السلام: إذا لم تكن تحذف الماء فلا تغتسل والحذف - وهو الدفق - إنما يكون بشهوة، وفي القنية لو أنزل الصبي مع الدفق، وكان سبب بلوغه، فالظاهر أنه لا يلزمه الغسل.
عند الانفصال) يعني: كون المني متصفا بوصفين شرط عند الانفصال عن صلبه، قيد به؛ لأن اتصافه بهما شرط عند الخروج أيضًا، عند أبي يوسف)، ثمرة الخلاف تظهر فيمن انفصل المني عن مكانه بشهوة، وأخذ رأس العضو حتى سكنت شهوته، فخرج بلا شهوة يجب الغسل عندهما، لا عنده)، وفيمن اغتسل قبل أن ينام، أو يمشي، أو يبول، ثم خرج بقية المني، يجب غسل ثانيا عندهما، لا عنده وفي المحيط لو بال وخرج من ذكره مني إن كان منتشرا؛ فعليه الغسل؛ لأن ذلك دلالة خروجه عن شهوة وإن كان منكسرا؛ فعليه الوضوء.
ولو في نوم) يعني: إنزال المني موجب ولو في حالة النوم واليقظة، وفي النوادر: لو وجد رجل وامرأة بللا في الفراش فلا يعرف من أيهما هو؟ فإن كان أصفرا، وعريضًا، فعليها الغسل وإن كان طويلا، أو أبيض، فعليه الغسل، ولو احتلم فنزل، ولم يظهر الماء على رأس الإحليل لا غسل عليه، ولو احتلمت ولم يخرج الماء إلى ظاهر فرجها، فعليها الغسل؛ لأن فرجها بمنزلة الفم، وعليها تطهيره، فأعطي له حكم الخروج.
وغيبة حشفة) أي: موجبه استتار حشفة وهي ما فوق الختان في قبل) أي: فرج المرأة أو دبر) من رجل وامرأة على الفاعل والمفعول) به؛ لأن نزول) المني خفي، فأقيم السبب وهو الإيلاج مقام المسبب؛ وإنما وجب على المفعول به، وإن لم يكن الإيلاج سببا لنزول مائه احتياطا؛
الجزء 2 · صفحة 24
لأن بعض الطبيعة الخبيثة يجد من دبره لذة كالمرأة، وإنما لم يقل موجبه التقاء الختانين كما قال غيره؛ لأنه لا يتصور في الدبر
ورؤية المستيقظ المني) وهو ماء أبيض غليظ ينكسر منه الذكر أو المذي) [ب//م) وهو: ماء رقيق يضرب إلى البياض، يخرج عند ملاعبة الرجل أهله، يعني: إن نام رجل واستيقظ، ووجد على فخذه، أو فراشه بللا، أو مذيا.
وإن لم يحتلم أي لم يتذكر أنه احتلم، أو تذكر، فعليه الغسل، أما في المني فظاهر، وأما في المذي؛ فلاحتمال أنه كان منيا؛ فصار رقيقا بحرارة البدن، قيد بالمني، أو المذي؛ لأنه لو رأى وديا، وهو بالدال المهملة ماء غليظ يتبع البول، فلا غسل عليه، وتفسير المياه الثلاثة مروي عن عائشة، قيد بالمستيقظ؛ لأن المغمى عليه لو أفاق، أو السكران لو [صحا])، ثم وجد منيا، أو مذيا، فلا غسل عليه؛ لأن النائم يجد من النوم راحة يهيج ج منها الشهوة، والإغماء، والسكر ليس من أسباب الراحة، كذا في الخانية)، وقيد بالرؤية لأنه لو لم يرهما، فلا غسل عليه، وإن تذكر احتلاما، وفي الخانية: إنما يجب الغسل، إذا كان ذكره ساكنا حين نام، وأما إذا كان منتشرا فما رآه بعد الانتباه يكون من آثار ذلك الانتشار، فلا يلزمه الغسل إلا أن يكون أكثر رأيه أنه مني، فيلزمه الغسل.
وانقطاع الحيض والنفاس يعني الغسل واجب عند الانقطاع اعلم أن في عبارته تسامحا؛ لأن الانقطاع لا يوجب الغسل؛ لأنه طهارة، ومن المحال أن يوجب الطهارةُ الطهارةَ، وإنما [يوجبه] خروج الحيض، فأسند الوجوب إلى الانقطاع؛ لأن فائدة الغسل تظهر فيه، كما أن الطهارة لم تجب ما لم ينقطع البول، لعدم الفائدة؛ لأن البول لا يوجيه.
أما وجوبه في الحيض فلقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ بتشديد الطاء، أي: يغتسلن، وكون الغسل غاية لمنع الحق والواجب وهو القربان يدل على وجوبه، وأما وجوبه للنفاس؛ فللإجماع لا وطئ) أي: لا يوجب وطئ بهيمة بلا إنزال) النقصان في السببية.
وسن الغسل للجمعة) أي: لصلاة الجمعة عند أبي يوسف، وليوم الجمعة عند الحسن، والأول أصح؛ لأن الصلاة أفضل من الوقت.
الجزء 2 · صفحة 25
وثمرة الخلاف تظهر فيمن اغتسل يوم الجمعة، ثم أحدث وتوضأ، وصلى الجمعة، لا يسن غسله عند أبي يوسف، خلافا للحسن. والعيدين، والإحرام وعرفة) أي: سن الاغتسال في هذه الأشياء؛ لاغتساله فيها، وفي عدها إشارة إلى أن الغسل فيما إذا بلغ الصبي بالسن، أو أسلم الكافر غير مسنون، بل مستحب.
ويجوز الوضوء بماء السماء والأرض، كالمطر، والعين) لف ونشر مرتب وإن تغير بطول المكث، أو غير أحد أوصافه شيء طاهر) يفهم منه أنه لو غير الاثنين لا يجوز، وفي النهاية المنقول عن الأساتذة أنه يجوز الوضوء بالمتغير بطاهر، وإن تغير كل أوصافه؛ ولهذا كانوا يتوضؤون من حوض صغير تغير لون مائه وطعمه، وريحه من أوراق الأشجار وقت الخريف من غير نكير يوافقه ما ذكر في الينابيع: لو نقع الحمص، أو الباقلاء وتغير لونه، وطعمه، وريحه، يجوز به الوضوء، كالتراب، والأشنان)، والصابون، والزعفران و) يجوز بماء جار) وهو): ما يذهب بتبنة، والأصح أنه ما يعده الناس جاريا، فيه نجس، لم ير أثره أي طعمه أو لونه أو ربحه لأنه لا تستقر مع جريانه، وفي المحيط: لو كانت العذرة على السطح في مواضع لا يتنجس بها ماء المطر؛ لأنه جار، ولو كان عند الميزاب يتنجس ولو تنجس حوض، فدخل الماء فيه وخرج، قيل: لا يطهر ما لم يخرج مثل ما في الحوض ثلاث مرات، فيصير ذلك بمنزلة غسله ثلاث مرات، والأصح. أنه يطهر، وإن لم يخرج مثلها ما فيه)؛ لأن الماء الجاري لما اتصل به صار في حكم الجاري، وكذا حوض الحمام إذا انصب فيه الماء، واغترف الناس منه
وبماء في جانب غدير لا يحركه بتحريك جانبه) الآخر الذي نجس ماؤه المراد بالتحرك المنفي تحركه بالارتفاع والانخفاض ساعة تحرك الطرف الآخر [/]، لا التحرك بالتموج؛ لأن ذلك يكون وإن كثر الماء، وفيه إشارة إلى علة عدم تنجسه؛ لأن أثر) التحريك باليد مع قوته، إذا لم يصل إلى الطرف الآخر، فسراية النجاسة مع ضعفها، كيف يصل إليه، وإشارة أيضًا إلى أنه لا يجوز التوضؤ من الطرف الذي وقع فيه نجاسة مرئية كانت أو غيرها، وقيل: يجوز إذا كانت غير
الجزء 2 · صفحة 26
مرئية، فعلى هذا: إذا غسل وجهه في حوض كبير فسقط ماء وجهه في الماء، فرفع الماء من موضع الوقوع قبل التحريك، يجوز، ومشايخ بخاري اختاروا هذا، كذا في المحيط.
وبماء) أي: يجوز الوضوء بماء مات فيه حيوان مائي المولد) وهو ما يكون تولده ومثواه في الماء كالسمك والضفدع بكسر الدال قيد بمائي المولد)؛ لأنه لو كان مولده في غير الماء، وهو يعيش في الماء، كالبط، فإنه] يفسد الماء بموته.
اعلم أن قيد فيه أكثري؛ لأن الحكم فيما مات في الخارج فألقي في الماء، كذلك في الصحيح؛ لأن المنجس وهو الدم معدوم أو ما) معطوف على قوله: حيوان يعني: يجوز الوضوء بماء مات فيه ما ليس له دم سائل، كالبق جمع البقة، وهي البعوضة، كذا في الصحاح والذباب لقوله عليه السلام: موت ما ليس له دم سائل في الماء لا يفسده، وفي الخانية: كذا الضفدع البرية، لا يفسده، ولو كانت عظيمة لها دم سائل، يفسد لا) بماء) الرواية فيه بقصر)) ماء، أي: لا يجوز الوضوء بماء اعتصر من شجر، أو ثمر) لأنه ليس بماء مطلق، قيد بالعصر؛ لأن الماء الذي قطر من الكرم، يجوز التوضؤ به، وكذا الماء الذي خرج من الفواكه بلا عصر، أو طبخ ولا بماء) أي: لا يجوز الوضوء بماء زال) طبعه وهو كونه سيالا منبتا مرويًا يغلبه غيره أجزاء) إن وافق المخلوط الماء في الأوصاف الثلاثة، كالماء المأخوذ بالتقطير من لسان الثور، وإن وافقه في وصفين، كماء البطيخ، فإنه يوافقه في اللون، والريح، أو في وصف كاللبن، فإنه يوافقه في الريح يعتبر الغلبة في الوصف المخالف، لا الغلبة في الأجزاء، فيحمل عليه ما ذكر في المتن، أو غير أحد أوصافه شيء طاهر، هذا إذا كان المخلوط مائعا، وإن كان جامدا يعتبر فيه الثخن والرقة بدليل ما ذكر في الفتاوى الظهيرية من أن الماء إذا اسود بالزاج، يجوز الوضوء إن جرى الماء على أعضائه.
أو بالطبخ) بعدما خلطه غيره؛ لأن صفة الإطلاق، إنما تزول عن الماء بكثرة الأجزاء الممتزج، أو بكمال الامتزاج، وهو بالطبخ، وهذا إذا لم يقصد به زيادة التطهير، وإن قصد به، كالسدر والأشنان يجوز بعد الطبخ أيضًا، إلا إذا غلب على الماء، فصار كالسويق، كذا في الخانية.
كالأشربة، والخل، وماء الباقلاء وفي صحاح الجوهري: إذا شدّدت اللام: قصرت، وإذا خففت مددت والمرق) إن كان المراد من الأشربة: [الأشربة] المتخذة من الشجر كشراب الديباس ومن الخل الخل الخالص كانا نظيرين لماء اعتصر، وكان ماء الباقلاء والمرق نظيرين بماء
الجزء 2 · صفحة 27
زال طبعه، وإن كان المراد من الأشربة: المخلوطة بالحلو، كالدبس المخلوط بالماء وبالخل: الخل المخلوط بالماء، كانت الأربعة كلها نظير الماء المزال طبعه، فيكون الأشربة، والخل نظير المزال بغلبة الأجزاء، وماء الباقلاء، والمرق نظير المزال بالطبخ، والمراد) بماء الباقلاء: ماء ثخن بالطبخ، وأما إذا رق يجوز الوضوء به، كذا في الخانية.
ولا بماء راكد) أي: لا يجوز الوضوء بماء ساكن وقع فيه نجس إلا إذا كان عشرة أذرع في عشرة فيجوز منه الوضوء؛ لأنه كثير اعتبر فيه عدد العشرة دون غيره؛ لأن العشرة أدنى ما ينتهي إليه نوع عدد.
اعلم أن ما سبق [ب/م] في حد الماء الكثير الراكد من عدم تحركه بتحريك الآخر)، كان قول المتقدمين، وما ذكر هنا قول المتأخرين، فالمصنف أورد كليهما، وفي فتاوى الولوالجي: المعتبر فيه ذراع الكرباس، وهي سبع مشتات ليس فوق كل مشت أصبع قائمة، لا ذراع المساحة، وهي سبع مشتات فوق كل مشت أصبع قائمة؛ لأن الأول أليق توسعة للناس.
وفي المحيط الأصح أن يعتبر في كل زمان ومكان ذراعهم، وفي الخلاصة: إن كان الحوض مدورًا يعتبر أن يكون حول الماء ثمانية وأربعون ذراعا، وإن كان طويلا كماء الخندق، بحيث لو بسط تكون عشرا في عشرا يجوز التوضؤ منه، وفي المحيط: هذا هو الأصح؛ لأن اعتبار العرض ينجسه واعتبار الطول: لا ينجسه، فلا ينجس بالشك، وان انشعب من الكبير حوض صغير، فوقع فيه نجاسة لا يجوز التوضؤ منه، وإن اتصل ماؤه بماء الحوض الكبير.
ولا ينحسر) أي: لا ينكشف أرضه بالغرف، وهو أخذ الماء باليد أراد به الغرف للاغتسال؛ لأن اختصاص الاغتسال بالحياض، وعن محمد أنه الغرف للتوضؤ وهذا هو المختار؛ لأنه أوسط ولا بماء) أي: لا يجوز الوضوء بماء استعمل لقربة) بأن توضأ للصلاة، أو مس المصحف، أو غيرهما كدخول المسجد، أو توضأ على وضوء، أو رفع حدث بأن توضأ محدث؛ للتبرد، أو للتعليم؛ لأن الحدث نجاسة حكمية، فإذا زالت بالماء يفسده، والماء ما دام على [العضو لا يكون مستعملا، وبعد الزوال يصير مستعملا، وقال سفيان الثوري): لا يصير مستعملا ما لم يصر مستقراً في مكان، وفي النوادر: لو غسل يده للطعام، أو منه صار الماء مستعملا؛ لأنه أقام به قربة
الجزء 2 · صفحة 28
، وفي القنية: لا أحفظ رواية في ماء وضوء الصبي، فمن جعل صلاته حقيقة جعله مستعملا، ومن جعلها تخلقا، أو اعتيادا فلا، وفي التهذيب على مذهب الشافعي: أنه غير طهور، وكل إهاب) أي: جلد غير مدبوغ ه) دبغ طهر)؛ لقوله عليه السلام: أيما إهاب دبغ فقد طهر)، والدباغة هي إزالة النتن والرطوبات من الجلد، ثم إن كانت بالقرظ ونحوه يطهر ولا يعود نجسا بإصابة الماء والقرظ [هو] الورق المدور وهو ورق السلم يدبغ به وقيل هو قشر البلوط، وإن كانت بالتراب، أو بالشمس يطهر، وإذا أصابه الماء، هل يعود نجسا، فعن أبي حنيفة فيه روايتان، إلا) جلد الخنزير، والآدمي أما الخنزير؛ فلنجاسة عينه، وأما الآدمي؛ فلكرامته، وعن أبي يوسف: إذا ذبح الخنزير يطهر جلده بالدباغة، كذا في الخلاصة.
وما طهر جلده بالدبغ طهر بالذكاة الشرعية بأن يكون مقرونا بالتسمية، ويكون الذابح من أهل الذبح حتى لو كان الذابح مجوسيا لا يطهر وكذا لحمه، وإن لم يؤكل وفي هذه الرواية ضعف؛ لأن حرمة أكل اللحم فيما سوى الآدمي دليل النجاسة، والصحيح أن اللحم نجس، وإنما طهر جلده بالذكاة؛ لأن بين الجلد واللحم جلدة رقيقة تمنع تنجس الجلد باللحم، كما ذكر في الخانية: من أنه إذا صلى، ومعه لحم السباع أكثر من قدر الدرهم، وقد ذبحت لا تجوز صلاته، كذا ذكر الناطفي)، والفقيه أبو جعفر.
وما لا، فلا) أي: وما لا يطهر جلده بالدبغ لا يطهر بالذكاة وشعر الميتة وعظمها، وعصبها، وحافرها، وقرنها، وشعر الإنسان وعظمه طاهر)؛ لأن الحياه لا تحل في هذه الأشياء، فلا يحلها الموت، فلا ينجس ويجوز صلاة من أعاد سنه إلى فمه، وإن جاوز قدر الدرهم)، اختلف في السن أنه عظم أو عصب؟ قالو: العظم لا يحدث في البدن بعد الولادة، وفي العصب روايتان، وعلى ظاهر [//م] [المذهب وهو الصحيح أن السن طاهر، وقد جاء في رواية شاذة عن محمد أن السن المنفصل من الحي نجس؛ فإن زاد على قدر الدرهم يفسد قيد بسن نفسه؛ لأنه لو كان من غيره يفسد اتفاقا؛ لأن من نفسه إذا استحكمت في مكانها صارت كأنها، لم يزل منه.
الجزء 2 · صفحة 29
***
فصل
في الآبار
بئر فيها نجس، أو مات فيها حيوان كبير، أو صغير وانتفخ، أو تفسخ في البئر، قيد بالانتفاخ، أو التفسخ؛ لأنه حينئذ تحصل منه البلة النجسة؛ فلهذا قالوا: لو إذا وقع ذنب الفأرة فيها ينزح الماء كله، وإذا أخرج قبل الانتفاخ لا يجب نزح كل الماء؛ لأنه لم يبق شيء من أجزائه في البئر، وكانت نجاسته بسبب المجاورة، وقد ورد فيها آثار بحسب مقدار الحيوان أو مات آدمي أو شاة أو كلب ينزح كل مائها)؛ لما روي أن زنجيا مات في بئر زمزم فأمر ابن عباس بنزح الماء كله قيد بالموت؛ لأن الآدمي لو أخرج حيا، ولم يكن على بدنه نجاسة لا ينزح شيء؛ لأنه طاهر لاقى طاهرا، وكذا الكلب إذا أخرج حيا، ولم يكن على بدنه نجاسة، ولم يدخل فمه في الماء لا ينجس الماء؛ لأنه ليس بنجس العين في الصحيح، وفي القنية والذي صح) عندي من الروايات أنه ليس بنجس العين عنده، ونجس العين عندهما، وذكر القدوري: إن كان الآدمي محدثًا نزح أربعون، وإن كان جنبا ينزح كله؛ لأن حكم الحدث أخف، وفي مختصر قاضي خان: لو وقع الحائض بعد انقطاع الدم وليس على أعضائها نجاسة، وهي كالرجل الجنب، وإن وقعت فيه قبل انقطاع) الحيض، وليس على أعضائها نجاسة، وهي كالرجل الجنب، وإن وقعت فيه قبل انقطاع الحيض، وليس على أعضائها نجاسة، وهي كالرجل الطاهر إذا انغمس لتبرد؛ لأنها لا تخرج عن الحيض بهذا الوقوع، فلا يصير الماء مستعملا إن أمكن، وإلا) أي: إن لم يمكن نزح كل مائها بأن كان البئر معينا فنقدر ما فيها) أي: ينزح قدر ما في البئر من الماء، بأن يرسل فيها قصبة ويجعل المبلغ الماء علامة، ثم ينزح منها مثلا عشر دلاء، ثم يعاد القصبة، فينظر كم انتقص؛ [فينزح لكل قدر منها عشر دلاء)، وعن محمد: ينزح إلى ثلاث مائة، والأصح أن يؤخذ بقول رجلين لهما بصارة في أمر الماء فإن قالا: نزح ذلك القدر من البئر يؤخذ به، وهو الأشبه بالفقه، قال الله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
الجزء 2 · صفحة 30
وفي نحو حمامة أو دجاجة ماتت فيها) أي: في البئر ينزح أربعون إلى ستين)؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري في دجاجة ماتت في البئر، أنه قال: ينزح منها أربعون، ولم ينكر عليه أحد.
وفي نحو و فأرة) بالهمزة، أو عصفور، عشرون إلى ثلاثين)؛ الحديث أنس رضي الله عنه أنه قال في الفأرة إذا ماتت فأخرجت من ساعته ينزح منها عشرون دلوا)، وانعقد عليه إجماع الصحابة). طعن بعض الشافعية في هذا، وقالوا: ما أكيس دلو أبي حنيفة، حيث ميز الماء النجس من الطاهر؟
قلنا: هذا طعن في السلف من الصحابة والتابعين، فنقول لهم ما أكيس قرعة الشافعي، حيث ميز المحق من المبطل في البينات إذا تعارضت وفي المحيط عن محمد في الفأرتين ينزح عشرون، وفي الثلاث أربعون، وإن كان) الفأرتان هيئتهما كهيئة الدجاجة ينزح أربعون)، وعن أبي يوسف في أربع فأرات ينزح عشرون دلوا، وفي الخمس إلى تسع: أربعون وفي العشرة: كله، فإن قلت: مسائل الآبار ثابتة بخلاف القياس والنص ورد في الفأرة والدجاجة، والآدمي، وأنتم الحقتم بها ما يشاكلها؟
قلت بعدما استحكم هذا الأصل، صار كالذي ثبت على وفق القياس في حق التفريع عليه كالإجارة ونحوها من العقود التي يأبى القياس جوازها، ولو ذهب ماء البئر الذي فيه النجاسة، ثم عاد يطهر؛ لأنه صار بمنزلة النزح، وفي رواية عن محمد: لا يطهر، كذا في المحيط.
والمعتبر الدلو الوسط)؛ لأن المطلق ينصرف إلى المعتاد، وهو الوسط، وقيل: المعتبر في كل بئر دلوها؛ لأنه أيسر عليهم [ب//م) وما جاوزه أي جاوز الوسط احتسب به أي بالدلو الوسط، مثلا إذا كان دلو عظيم يسع فيه عشر من الوسط، ينزح منه اثنان في الفأرة وينجس البئر من وقت الوقوع إن علم ذلك، وإلا) أي: إن لم يعلم فمذ يوم وليلة إن لم ينتفخ يعني يحكم على نجاستها، وإعادة صلاة مؤداة من مائها؛ لأن عدم الانتفاخ دليل على قرب زمانه فيقدر بيوم وليلة؛ إذ ما دون ذلك ساعات ومنذ ثلاثة أيام ولياليها إن انتفخ عند أبي حنيفة؛ لأن الانتفاخ دليل التقادم فيقدر) وقوعه بثلاثة أيام، ولياليها) لأنها لا ينتفخ إلا بالأيام وأقلها ثلاثة هذا في الوضوء، وأما في حق غيره) فيحكم بنجاستها في الحال من غير إسناد، حتى إذا غسلوا الثياب بمائها، لا يلزم غسلها على الصحيح، كذا في التبيين
الجزء 2 · صفحة 31
وقالا: منذ وجد) يعني: يتنجس البئر زمان وجوده، ولا يعيد شيئا من صلاته، ما لم يتيقن أنه توضأ منها، وهو فيها؛ لأن طهارة البئر متيقنة، ووقع الشك في نجاستها، واليقين لا يزول بالشك، قيد بالبئر؛ لأنه لو رأى في ثوبه نجاسة أكثر من قدر الدرهم، ولا يدري متى أصابته، لا يعيد شيئًا من صلاته اتفاقا؛ لأن النجاسة في الثوب يطلع عليها صاحبه، أو غيره، فإذا لم يشعر به علم أنها أصابته للحال) ولا كذلك البشر؛ لأنها مخفية عن الأعين لا يدرى ما فيها
وسؤر الآدمي، والفرس، وكل مأكول طاهر) اتفاقا؛ لأن لعابهم، كلحومهم طاهر، فإن قلت: ينبغي أن يتنجس سؤر الجنب؛ لسقوط الفرض به؟
قلنا: في أصح الروايتين عن أبي حنيفة أن الفرض لا يسقط، وفي رواية: يسقط، ولكن لا يصير الماء مستعملا؛ للحرج، ذكر شيخ الإسلام): أنه لو وقالا: منذ وجد) يعني: يتنجس البئر زمان وجوده، ولا يعيد شيئًا من صلاته، ما لم يتيقن أنه توضأ منها، وهو فيها؛ لأن طهارة البئر متيقنة، ووقع الشك في نجاستها، واليقين لا يزول بالشك، قيد بالبئر؛ لأنه لو رأى في ثوبه نجاسة أكثر من قدر الدرهم، ولا يدري متى أصابته، لا يعيد شيئًا صلاته اتفاقا؛ لأن النجاسة في الثوب يطلع عليها صاحبه، أو غيره، فإذا لم يشعر به علم أنها أصابته للحال) ولا كذلك البشر؛ لأنها مخفية عن الأعين لا يدرى ما فيها. من
وسور الآدمي، والفرس، وكل مأكول طاهر) اتفاقا؛ لأن لعابهم،، فإن قلت: ينبغي أن يتنجس سؤر الجنب؛ لسقوط) كلحومهم الفرض به؟
قلنا: في أصح الروايتين عن أبي حنيفة أن الفرض لا يسقط، وفي رواية: يسقط، ولكن لا يصير الماء مستعملا؛ للحرج، ذكر شيخ الإسلام: أنه لو شرب الخمر يتنجس سؤره فإن ابتلع ريقه ثلاث مرات، طهر فمه، وروي عن أبي حنيفة: أن سؤر الفرس مكروه كلحمه؛ لأن كراهة لحمه لاحترامه؛ لأنه آلة الجهاد، لا لنجاسته والكلب) أي: سؤر الكلب والخنزير وسباع البهائم نجس)، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الماء الذي يكون بالفلاة ويشرب منه الكلاب والسباع فقال له: إذا بلغ الماء قلتين لم يحتمل خبثا). ولولا أن سؤرها نجس؛ لما صح هذا
الجواب، والهرة) أي سؤر الهرة والدجاجة المخلاة) أي: غير المحبوسة وسباع الطير، وسواكن البيوت كالفأرة، والحية، والخنفساء، وغيرهما مكروه)، أما الهرة فلأنها؛ لم تؤمن من أن
الجزء 2 · صفحة 32
يكون في فمها نجاسة، فيكره كما يكره الوضوء بالماء الذي أدخل الصبي يده فيه، هذا إذا لم تأكل الفأرة، ولو أكلتها ينجس سؤرها، ولو مكثت ساعة، ثم شربت لا ينجس؛ لأنها غسلت فمها بلعابها، ولعابها طاهر عند أبي يوسف)، والنجاسة وإن كانت لا تزول إلا بالصب عنده لكن حكم بزوالها بدون الصب؛ للضرورة، وعند محمد ينجس الماء، وإن مكثت ساعة؛ لأن النجاسة لا تزول إلا بالماء عنده، فإن قلت: ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ بسور ر الهرة ولو كان مكروها لما فعله.
قلت: يحتمل أن يكون فعله لبيان الجواز قيد بالمخلاة؛ إذ لو كانت محبوسة لا يكره قيل: المراد بكونها محبوسة أن تحبس في موضع لتسمن، فيكون رأسها، وعلقها خارج البيت، فلا يمكنها أن تجول في عذرات نفسها، وقال شيخ الإسلام: إذا لم يمكن أن تأكل عذرات غيرها لا يكره؛ لأنها لا تحول إلى عذرات نفسها، وأما سباع الطير؛ فلأنها تأكل الميتات فلا يؤمن من أن يكون على منقارها نجاسة ومنقارها كان طاهرا، فلا يتنجس بالشك، وأما سواكن البيوت؛ فلأنها لا تجتنب النجاسة، فلا يؤمن من أن يكون على أفواهها نجاسة، ولم يعتبر نجاسة سؤرها؛ لسقوطها بضرورة [الطواف
والحمار) أي: وسؤر الحمار والبغل مشكوك في طهارته، وقيل: في طهوريته، وهذا هو الأصح؛ لأنه لو مسح [//م] رأسه بسور الحمار، ثم وجد الماء المطلق لا يجب غسل رأسه، ولو كان الشك في طهارته لوجب احتياطا، وإنما يشك في سؤره؛ لتعارض الأدلة لما روي عن ابن عباس: سؤر الحمار طاهر
وعن ابن عمر: أنه نجس، ولم يترجح دليل النجاسة، لثبوت الضرورة إذ الحمار تربط في الأفنية تشرب من الآنية، وأما البغل، فمن نسل الحمار، وكان بمنزلته، هذا إذا كانت أمه حمارًا، ولو كانت رمكة يكون سؤره طهورا لا مشكوكا؛ لأن الولد يتبع الأم، كذا في الغاية، وفي الفتاوى الصغرى من المشايخ من فرق بين سؤر الحمار الذكر وسور الأنان، وقال: سؤر الذكر نجس؛ لأنه يشم بول الأتان فيتنجس فمه
يتوضأ به ويتيمم) احتياطا؛ ليرتفع الحدث بيقين إن عدم غيره) أي: لا تجوز صلاته، غير المشكوك، وفي الخانية لو اكتفى بأحدهما وصلى المراد به أن لا تخلو الصلاة الواحدة عنهما دون
الجزء 2 · صفحة 33
الجمع بينهما في حالة واحدة حتى لو توضاً بسور حمار فصلى ثم أحدث فتيمم فصلي تلك الصلاة جاز، كذا في الكفاية.
والعرق معتبر بالسؤر) أي: عرق كل شيء يعتبر بسؤره في الطهارة والنجاسة والكراهة، فإن قلت: كان ينبغي أن يقول: والسور معتبر بالعرق؛ لأن الكلام في السؤر لا في العرق قلت لما كانا متولدين من أصل واحد، لا مفاضلة لأحدهما على الآخر، صلح أن يكون كل مقيسا، ومقيما عليه) فإن عدم الماء إلا نبيذ التمر) وهو: ماء ألقي فيه التمر، ليصير حلوا قال أبو حنيفة) أي: أمر بالوضوء فقط) لأنه عليه السلام توضأ بنبيذ التمر، قيد بقوله: إلا بنبيذ التمر لأنه لو كان معه سؤر الحمار يتوضأ بسؤر الحمار ويتيمم ولا يلتفت إلى نبيذ التمر؛ لأن سؤر الحمار كان طهورا في الأصل، وإنما صار مشكلا بسؤر الحمار، ونبيذ التمر
ما كان طهورا في الأصل
وأبو يوسف بالتيمم فحسب؛ لأنه ليس بماء مطلق، وأصح الروايتين عن أبي حنيفة كما قال أبو يوسف وهو المختار ومحمد بهما) أي: أمر بالجمع بين الوضوء والتيمم احتياطا، قيد بنبيذ التمر؛ إذ في غيره من الأنبذة تيمم اتفاقا؛ لأن نبيذ التمر مخصوص من القياس بالأثر، فلا يقاس عليه غيره، وفي الحقائق الاغتسال على هذا الخلاف والخلاف في النبيذ الغير المسكر، فإن كان مسكرا لا يجوز الوضوء به اتفاقا، وفي غير المطبوخ أيضًا؛ إذ لو كان مطبوخا لا يجوز التوضؤ به اتفاقا، وإن لم يشتد؛ إذ النار غيرته، ولم يبق في معنى المنزل من السماء.
باب التيمم
هو) وهو مبتدأ خبره ضربة لمحدث، وجنب، وحائض، ونفساء لم يقدروا على استعمال الماء) أي: ما يكفي لطهارته والجملة: صفة لمحدث، ولما بعده البعده ميلًا) وهو أربعة آلاف خطوة، الجار والمجرور مع ما عطف عليه متعلق بقوله: لم: لم يقدروا، وعن الكرخي يتيمم إذا فارق بحيث لا يسمع أهل الماء صوته صوته والأول هو): المختار في تعيين المقدار) أو لمرض)
الجزء 2 · صفحة 34
يعني: المريض إذا وجد الماء، وخاف زيادة المرض إن استعمله، جاز له التيمم أو برد) أي: إذا خاف الجنب إن اغتسل أن يقتله البرد أو يمرضه في المصر، أو خارجه، جاز له التيمم عند أبي حنيفة، وقالا: لا يتيمم في المصر لأن أحكام الشرع تبتنى على ما عم لا على ما شد، وتحقق هذه الحالة في المصر نادرة، فلا يعتبر وله أنه عاجز عن استعمال الماء البارد فصار كالمريض، قيدنا بالجنب؛ لأن المحدث لو خاف الهلاك من البرد، ولو توضأ لا يباح له التيمم، وقيد بالبرد؛ لأن التيمم لعلة المرض جائز اتفاقا.
أو عدو، أو عطش يعني لو خاف المحدث على نفسه، أو ماله من العدو، أو السبع أن يصل إلى الماء جاز له التيمم، وفي النهاية فعليه الوضوء والإعادة بعد زوال العذر؛ لأن العذر جاء من قبل العباد، كالمحبوس في السجن إذا وجد التراب الطاهر يتيمم، وصلى فإذا خرج، يعيدها أو عدم آلة من الدلو، والحبل، أو خوف فوت صلاة العيد في الابتداء) أي: في ابتداء الشروع، الجار والمجرور متعلق بالمبتدأ، يعني: التيمم في الابتداء؛ لخوف فوت صلاة العيد جائز، يتيمم ويشرع فيها] اتفاقا
وبعد الشروع متوضئا، والحدث للبناء يعني: إذا شرع في صلاة العيد متوضئا، ثم سبقه الحدث، وخاف أنه لو توضأ تفوته صلاة العيد، جاز له أن يتيمم؛ للبناء عند أبي حنيفة، خلافًا لهما، قيد بالمتوضئ؛ لأنه لو شرع بالتيمم وسبقه الحدث جاز له التيمم اتفاقا؛ له: [البقاء) أسهل من الابتداء، وكان الشروع في الابتداء بالتيمم جائزا، كالبناء أولى، ولهما: أن المبيح للتيمم خشية قوات صلاة العيد وقد أمن بالشروع مع الإمام فإذا سبقه الحدث صار لاحقا، واللاحق يصلي بعد فراغ الإمام، فيمكنه أن يتوضأ، ويقضي ولا يفوت أو صلاة الجنازة) يعني: يجوز التيمم في المصر؛ لخوف فوت صلاة الجنازة إن توضأ
لغير الولي) قيد به؛ لأنه لا يجوز التيمم للولي؛ لأنه ينتظر، فلا فوت في حقه، وفي المحيط: كذا السلطان لا يتيم؛ لما ذكرنا، وهو مختار صاحب الهداية، وذكر في الذخيرة: يجوز للإمام التيمم؛ لأن الانتظار فيها مكروه وهو مختار شمس الأئمة، وفي النهاية: لو كان جنبا فتيمم، وصلى عليها يجوز؛ لأن صلاة الجنازة دعاء، لكن إيجاب التيمم؛ لكونها مسماة باسم الصلاة
الجزء 2 · صفحة 35
لا لفوت الجمعة) أي: لا يجوز التيمم لفوت الجمعة؛ لأن الظهر أصل في يوم الجمعة، وهي مما يقضى والوقتية)؛ لأن للوقتية خلفا، وهو القضاء، فلم يتحقق فوتها
ضربة لمسح وجهه، وضربة ليديه مع مرفقيه كيفيته: أن يضع بطن كفه اليسرى على ظهر كفه اليمنى، ويمد على رؤوس الأصابع حتى يمسح المرفق ثم يديرها إلى بطن الساعد، ويمدها إلى الكف، ثم) يضع بطن كفه اليمنى على ظهر كفه اليسرى، ويفعل كما فعل باليمني وفي الخلاصة: لو شلت كلا يديه يمسح وجهه وذراعيه على الحائط). على كل طاهر) متعلق بقوله: ضربة من جنس الأرض، كالتراب والرمل، والحجر) والزرنيخ، وغيرها ولو بلا نقع) يعني: وإن لم يلتصق بيديه غبار.
وعليه) معطوف على قوله على كل طاهر يعني: يجوز التيمم بالغبار بأن نَفَضَ] ثوبه، وأمر يديه عليه، ولو أصاب وجهه وذراعيه غبار، ولم يمر يديه عليه لا يجوز،) قيد به مع انفهامه مما قبله نفيا؛ لقول أبي يوسف؛ لأن التيمم بالغبار غير جائز عنده؛ لأنه تراب من وجهه، ولهما: أن الغبار تراب رقيق فكما جاز التيمم بالخشن منه جاز بالرقيق، وفي المحيط: لا يجوز التيمم بالرماد)، فإذا اختلط بالتراب)، فإن غلب التراب عليه يجوز، وإلا فلا، ولا يجوز بالزجاج المتخذ من الرمل وشيء آخر؛ لأنه ليس من جنس الأرض)، وفي المحيط: لو تيمم بالخزف، يجوز في ظاهر الرواية؛ لأنه طين خالص، وبالذهب المسبوك لا يجوز ولو تيمم اثنان من مكان واحد جاز؛ لأنه ما صار مستعملا؛ لأن التيمم إنما يتأدى بما التزق بيده لا بما فضل، ولو تيمم بالطين جاز في الصحيح، إلا إذا كان مغلوبا بالماء وفي التجنيس: لا يجوز التيمم بالملح المائي؛ لأنه ليس من جنس الأرض، وبالملح الجبلي لا يجوز في رواية؛ لأنه يذوب.
مع قدرته على الصعيد) أي: قدرة المتيمم على ضربة الصعيد، قيد به؛ لأنه لو لم يقدر عليه يجوز بالغبار اتفاقا
بنية أداء الصلاة)؛ لأن التراب ملوث، وإنما يصير مطهرا بإرادة الصلاة، وذلك بالنية، بخلاف الماء فإنه مطهر طبعا، فلم يحتج في تطهيره إلى النية، أراد بالصلاة: [//م) القربة المقصودة، حتى لو تيمم الدخول المسجد أو لمس المصحف لا يجزئه أن يصلي به؛ لأنه ليس بقربة مقصودة، ولا من جنس أجزاء الصلاة حتى يكون ذلك نية للصلاة، ولو تيمم لسجدة التلاوة)
الجزء 2 · صفحة 36
، أو لقراءة القرآن جاز له أن يصلي بذلك التيمم، كذا في المحيط، الجار والمجرور متعلق بقوله: ضربة)
فلا يجوز هذا تفريع لقوله: بنية تيمم كافر لإسلامه) وعند أبي يوسف: يجوز؛ لأن الإسلام رأس العبادات، ولهما: أن المنوي في التيمم ينبغي أن يكون قربة لا تصح بدون الطهارة، والإسلام صحيح بدونها). قيد بالإسلام؛ لأن الكافر لو تيمم لصلاة، لا يجوز اتفاقا؛ لأنه ليس بأهل لها
وجاز وضوءه) أي: وضوء الكافر بلا نية، حتى لو توضأ كافر لم يرد به الإسلام فأسلم، فهو متوضئ، خلافا للشافعي؛ لأن النية شرط عنده، وإن نوى لا يجوز عنده؛ لأن النية لغو.
ويصح في الوقت وقبله؛ لأن النصوص الواردة في التيمم لم يفصل بين وقت ووقت وبعد طلبه من رفيق له ماء منعه الجملة صفة رفيق، حتى إذا صلى بعد المنع، ثم أعطاه ينتقض تيممه الآن، فلا يعيد ما قد صلى، وقبل طلبه جاز عند أبي حنيفة؛ لأن في الطلب من الرفيق ذلا، وفيه بعض الحرج خلافًا لهما) يعني قالا: لا يجوز إلا بعد منع الرفيق الماء؛ لأن الماء مبذول عادة، فلا بد من الطلب، وليس في سؤال ما يحتاج إليه مذلة، وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل بعض حوائجه من غيره، وفي الكافي: إن كان عنده أنه لا يعطيه تيمم، وإن شك في الإعطاء، وتيمم وصلى، فأعطاه يعيد؛ لأنه ظهر أنه كان قادرا)، وإن منعه قبل شروعه، وأعطاه بعد فراغه لا يعيد؛ لأنه لم يتبين أن القدرة كانت ثابتة، وما يحمله الحجاج من ماء زمزم يمنع جواز التيمم، وما ذكر من الحيلة أنه يهبه لرفيقه، ثم يستودعه إياه فليس بشيء؛ لأنه قادر على استعماله بالرجوع في الهبة
ويصلي به أي: بتيممه ما شاء من فرض ونفل)؛ لأنه طهارة مطلقة ظن، فيجوز كما في الوضوء، وقال الشافعي: يتيمم لكل فرض؛ لأن طهارته ضرورية عنده.
وينقضه) أي: التيمم ناقض الوضوء، وقدرته على ماء كاف لطهره) أي: لوضوئه لقوله:: التراب طهور ما لم يجد الماء أي: ما لم يقدر على الماء، والقدرة تكون بالإباحة، حتى لو قال مالك الماء للمتيممين: أبحت لكل منكم قدر ماء يكفي لوضوء فسد تيممهم، ولو قال: أبحت لكم جميعا لا يفسد.
الجزء 2 · صفحة 37
لا ردته، فيبقى تيمم مسلم ارتد - العياذ بالله - ثم أسلم) أي: لا ينقض التيمم ردة المتيمم هذا نفي لقول زفر: فإنها تنقضه عنده؛ لأن الكفر ينافيه، فيستوي فيه الابتداء والبقاء، فإن قلت: النية ليست بشرط عنده فكيف ينافيه الكفر؟
قلت الكلام في المنوي؛ لأنه لو لم يكن منويا لا ينافي الخلاف، أو نقول عدم جوازه للكافر عنده لا لاشتراط النية، بل لأن الشارع جعل التراب طهورا للمسلم لا للكافر)، وبالارتداد ارتفعت الطهورية، وهذا الكلام منه على قول من يرى فيه وجوب النية، كما حكم أبو حنيفة في المزارعة على قولهما، ولنا أن الطهارة حصلت له، فاعتراض الكفر لا ينافيها كالوضوء.
وندب لراجيه) أي: لمن يرجو الماء تأخير صلاته آخر الوقت)؛ ليقع الصلاة بأكمل الطهارتين. قيد بالرجاء؛ لأنه لو لم يرج لا يستحب تأخيرها، وإن تيقن وجود الماء في آخر الوقت فتيمم، فصلى في أوله، جاز إن كان بينه وبين الماء مقدار ميل، كذا في شرح القدوري
ويجب طلبه أي طلب الماء على المسافر. قدر غلوة) وهي: مقدار ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة لو ظنه أي: الماء. قريبا وإلا، فلا) أي: إن لم يغلب على ظنه أن يقربه ماء، لا يجب عليه طلب الماء؛ لأن العدم ثابت حقيقة؛ فلا يزول حكمه بالشك، ولو نسيه) أي: الماء.
مسافر في رحله وضعه بنفسه، أو غيره [ب/ /م) بأمره، وكان مما ينسى عادة، فصلى متيمما ثم ذكره) أي: الماء في الوقت، أو بعده لم بعد) صلاته
إلا عند أبي يوسف قيد بالنسيان؛ لأنه لو ظن أن ماءه فني، فتيمم، وصلى، ثم ظهر أنه لم يفن يعيد اتفاقا، وقيدنا بوضعه، أو بوضع غيره بأمره؛ لأنه لو وضعه غيره، وهو لا يعلم ذلك لا يعيد اتفاقا وقيدنا يقولنا: وكان مما ينسى عادة؛ لأنه لو كان الماء في إناء على ظهره فنسيه، فتيمم يعيد اتفاقا؛ لأنه مما لا ينسى عادة، وإن كان الماء معلقا على الآكاف، فإن كان راكبا والماء في مؤخرة الرحل، أو سائقا والماء في مقدم الرحل يجزئه، وإن كان في مؤخره لا يجزئه اتفاقا، كذا في الكفاية؛ لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاهُ فَتَيَمَّمُوا فَإِنَّه واجد الماء في نفس الأمر، ولهما: أن المراد بقوله: فلم تجدوا لم تقدروا على الماء، والناسي غير قادر لعجزه عن استعماله بعذر سماوي، ويقال بمنزلة الإنسان رحل، ومنه نسي الماء في رحله، كذا في المغرب، وفي شرح البخاري: الرحل هو مسكن الرجل، وما استصحبه من الأثاث وغيره.
الجزء 2 · صفحة 38
باب المسح على الخفين
جاز بالسنة) أي: بالسنة المشهورة، وهي حديث المغيرة من أنه لا مسح على خفيه فقلت نسيت غسل القدمين؟ فقال: بهذا أمرني ربي؛ إنما قال: جاز؛ لأن الغسل أفضل؛ وإنما قال: بالسنة ليتناول القول والفعل والحديث مختص بالقول.
للمحدث دون من وجب عليه الغسل) يعني: لا يمسح الجنب على الخفين، قال مولانا حميد الدين تصويره غير محتاج إليه؟ لأن الموضع موضع النفي، وفي الكفاية صورته: ليس جوربين مجلدين، ثم أجنب ليس له أن يشدهما، ويغسل سائر جسده مضطجعًا، ويمسح عليهما، قال فخر الإسلام: المسح جاز في الوضوء دون الجنابة؛ لأنه يمكن الجمع بين غسل الأعضاء، والمسح في الوضوء، ولا يمكن الجمع بين غسل جميع البدن والمسح؛ فلا يتحقق معنى) الرخصة حينئذ، فلا يشرع، هذا ينبهك على أن التصوير تكلف كذا في المستصفى
خطوطا) نصب على الحال أي مخطوطا، بأصابع مفرجة)؛ لما روي عن علي ه: رأيت النبي لا يمسح على ظاهر خفيه خطوطا بالأصابع، وفيه إشارة إلى أنه يفرج أصابعه، وفي المستصفى، قوله: خطوطا: شرط السنة، لا شرط الجواز، حتى لو مسح بظهر الكف جاز، وفي الذخيرة المسح برؤوس الأصابع يجوز إن كان الماء متقاطرًا، ولو نسي المسح، فأصاب المطر ظاهر خفيه حصل المسح؛ لأن الشرط إصابة الماء دون آلته، كما لو أصاب الماء رجليه. يبدأ من أصابع الرجل إلى الساق لما روي أنه فعل كذا ولو بدأ من الساق، ومد إلى الأصابع، أو مسح ظهر القدم عرضا جاز، وصار تاركًا للسنة.
على ظاهر خفيه متعلق بقوله: جاز، وفي بعض النسخ، وهو على الخفين جائز بالسنة؛ فعلى هذه النسخة يكون على ظاهر خفيه: بدلا من قوله: على الخفين، قيد بالظاهر نفيا لقول مالك؛ فإنه يمسح باطنه أيضًا لما روي أنه: مسح أعلى الخف وأسفله، ولنا: قول علي ه: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح على ظاهر خفيه دون باطنهما، وفي الخانية: لو قطعت الرجل من الكعب لا يمسح؛ لأن غسل محل القطع واجب عندنا؛ فيجب عليه غسل الرجل الأخرى، ولو لم يكن له إلا رجل واحد، فلبس عليها الخف جاز له أن يمسح ح. أو جرموقيه) وهو ما يلبس فوق الخف وساقه
الجزء 2 · صفحة 39
أقصر منه، وإن كان من الكرباس ونحوه، جاز المسح عليهما إن كانا بحيث يصل بلل المسح إلى الخف الداخل)، وفي الكافي: اعلم أن المسح على الجرموقين، إنما يصح إذا لبس الخفين على طهارة كاملة، ولم يكن مسح عليهما مع كونهما صالحين لذلك، فلبس الجرموقين عليهما، وقال الشافعي:: لا يجوز المسح على الجرموقين وإنما قيدنا بالقيود المذكورة؛ لأنه [//م] لو كان مسح على الخفين، أو أحدث بعد لبسهما، ثم لبس الجرموقين، لا يجوز المسح عليهما اتفاقا، وإن لم يكن خفاه صالحين للمسح؛ لخرقهما يجوز على الجرموقين اتفاقا، يفهم مما ذكر في الكافي أنه يجوز المسح على الخف الذي تحته ما يلبس من الكرباس المجرد؛ لأن الخف الغير الصالح للمسح إذا لم يكن فاصلا مانعا، فلأن لا يكون الكرباس فاصلا أولى، وفي الخلاصة: الخف على الخف كالجرموق
أو جوربيه الثخينين) وهو ما يستمسك على الساق من غير ربط ولا يرى ما تحته؛ لما روي أنه لا مسح على جوربيه)، قيده به؛ لأن الجورب لو كان رقيقا لا يجوز المسح عليهما أو المنعلين بالتخفيف، وسكون النون يقال: جورب منعل، إذا وضع الجلد على أسفله كالنعل أو المجلدين [يقال: جورب مجلد إذا وضع الجلد على أعلاه وأسفله اعلم أن المذكور في المتن قولهما، وقال أبو حنيفة: لا يجوز المسح على الجوربين؛ لأن المأمور به غسل الرجلين، وعدل عنه إلى الخفين والجورب ليس في معناهما؛ لأنه لا يمكن مواظبة المشي عليهما، وروي أن أبا حنيفة رجع إلى قولهما قبل موته بثلاثة أيام.
ملبوسين) حال من خفيه، أو جوربيه على ظهر تام عند الحدث) هو ظرف لقوله: تام قيد به احترازا عن ظهر ناقص، كوضوء المعذور إذا لبس الخف، ثم خرج الوقت، لا يجوز المسح عليه، أو كان الوضوء بنبيذ التمر، فلا يجوز المسح على خف لبس عليه؛ لنقصانه، وقيد بقوله: عند الحدث؛ لأنّ تمامه مشروط بأن يكون عند اللبس عند الشافعي)، حتى لو توضأ، وغسل إحدى رجليه، ولبس الخف، ثم غسل الرجل الأخرى ولبس الخف الآخر جاز المسح عندنا، خلافا له، لأن المسح ثبت مخالفا للقياس)،، فيراعي جميع ما ورد به النص، وهو اللبس على طهارة كاملة، ولنا أن الخف مانع حلول الحدث بالقدم فيراعي كمالها وقت المنع.
لا على عمامة) أي: لا يجوز المسح على عمامة وقلنسوة وبرقع بضم الباء، والقاف، وهو الخمار وقفازين) بضم القاف، وتشديد الفاء: تثنية قفاز، وهو ما يلبسه النساء في أيديهن حفظا لها؛ لأن المسح لدفع الحرج، ولا حرج في نزع هذه الأشياء.
الجزء 2 · صفحة 40
وفرضه) أي: فرض المسح قدر [ثلاث]) أصابع اليد في كل رجل حتى لو مسح على إحدى رجليه مقدار أصبعين، وعلى الآخر مقدار أربع أصابع لا يجوز، ولو مسح بأصبع واحدة ثلاث مرات بمياه جاز، ولو مسح بالإبهام والسبابة إن كانتا مفتوحتين جاز؛ لأن ما بينهما مقدار أصبع آخر؛ وإنما اعتبرت من اليد؛ لأنها آلة المسح، وأكثر أصابعها قام مقام كلها، وفيه احتراز عما قاله الكرخي: المعتبر أصابع الرجل، كما في الخرق
ومدته) أي مدة المسح للمقيم يوم وليلة، وللمسافر: ثلاثة أيام ولياليها) لقوله: يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها
من حين الحدث) يعني: يبتدئ مدة المسح من وقت الحدث بعد اللبس؛ لأن الخف يمنع سراية الحدث إلى القدم)، فيعتبر مدته منه، وقيل: من وقت المسح وقيل: من وقت اللبس؛ لأن جواز المسح بسبب اللبس فتعتبر مدته منه؛ ولكن هذا القول يؤدي إلى أنه إذا مضى يوم وليلة على المقيم، ولم يحدث يجب أن ينزع الخف، ولا يمسح عليه، وقول من قال: يعتبر مدته من وقت المسح يؤدي إلى أنه إذا لبس خفيه، وأحدث، ولم يمسح عليهما، ثم أغمي عليه أسبوعا يمسح، وليس كذلك، فما ذكر أولا يكون أولى
وينقضه ناقض الوضوء)؛ لأنه بدل عن الغسل، فينقضه ناقض أصله، كالتيمم
ونزع الخف) لم يقل: نزع الخفين إشارة إلى أن نزع أحدهما ناقض؛ لأنه لا جمع بين المسح والغسل، وكذا إذا دخل الماء على أحد خفيه، وبلغ الماء [إلى الكعب يجب عليه غسل الرجل الأخرى)، ب //م) وإن لم) يبلغ لا يجب.
ومضي المدة وفي الخانية: إذا انقضت مدة مسحه في الصلاة، ولم يجد ماء، فالأصح أنه يمضي على صلاته؛ لأنه لو قطعها يتيمم؛ لأن الواجب في هذه الصورة غسل الرجلين فقط، ولا حظ للرجلين من التيمم.
وبعد أحد هذين) أي: بعد نزع الخف أو مضي المدة يجب على المتوضئ غسل رجليه فحسب وليس عليه إعادة الوضوء لأن الناقض هو الحدث السابق، لا مضي المدة، ونزع الخف، وإنما أضيف النقض إليهما مجازا؛ لأن عمل الحدث يظهر عندهما، وقد ثبت الانتقاض في الكل، لكنه
الجزء 2 · صفحة 41
غسل البعض ولم يغسل الرجلين، فيجب غسلهما، كما لو توضأ، وأخر غسل رجليه فإنه لا يجب تجديد الوضوء، كذا هنا.
وخروج أكثر العقب) بكسر القاف مؤخر القدم إلى الساق نزع)؛ لأن ما فوق الكعب من الخف لا اعتبار له، فإذا خرج [العقب)، أو أكثره عن موضعه يكون في حكم الظاهر، فيسري الحدث إليه، وفي الكفاية: إذا كان صدر القدم في موضعه والعقب يدخل ويخرج لسعة الخف لا ينقض مسحه، وفي المستصفى: هذا يشير إلى أن مسألة المتن فيما إذا أراد نزع الخف قصدًا، فنزع بعض القدم، ثم بدأ له فتر که.
ويمنعه) أي: المسح خرق يبدو منه أي: يظهر من ذلك الخرق قدر ثلاث أصابع الرجل أصغرها بالجر: بدل من أصابع، يعني: إذا وقع الخرق في الخف غير مقابل للأصابع، فإنما يمنعه عن المسح إذا كان بحيث يظهر منه قدر ثلاث أصابع الرجل صغارها بكمالها، وأما إذا وقع الخرق في مقابلة الأصابع، فالمعتبر فيه ظهور ر ثلاث أصابع مما وقعت في مقابلة الخرق لا ظهور مقدار ثلاث) أصابع؛ لأن كل أصبع أصل في موضعها؛ فلا يقدر بغيرها؛ كذا في الفتاوى الظهيرية، وإنما قدر بثلاث أصابع؛ لأن الأصابع أصل في القدم حتى تجب بقطعها الدية، وللأكثر حكم الكل، وفي الخانية: هذا) إذا كان الخرق في غير موضع العقب، وإن كان في موضعه لا يمنع ما لم يظهر أكثر العقب، والخرق فوق الكعب لا يمنع إذ لا عبرة للبسه، ولو كان كعبه مكشوفا مقدار ثلاث أصابع لا يمسح، ولو بقي من الأقطع من ظهر القدم قدر ثلاث أصابع، فلبس فوق الخف يمسح عليه، وإن بقي مما يلي العقب قدر ثلاث أصابع لا يمسح؛ لأن ذلك ليس) بموضع المسح، وفي المحيط الخرق الكبير إذا كان ما تحته مرئيا يمنع، وإن لم يكن بأن كان الخف صلبا لا يمنع، وإن كان يبدو حال المشي لا حال وضع القدم يمنع؛ لأن الخف للمشي لا ما دونه أي: لا يمنع المسح إذا كان الخرق لا بحيث يبدو منه قدر ثلاث أصابع
ويجمع خروق خف) يعني: إذا كان في خف واحد خروق، بحيث لو جمعت كانت مقدار ثلاث أصابع، لا يجوز المسح، ثم الخروق التي تجمع ما يدخل فيه المسألة وما دونها، لا يعتبر إلحاقا له بمواضع الخرز لا خفين) أي: لا يجمع الخروق من خفين؛ لأن الخرق في أحدهما لا تمنع قطع السفر بالآخر، فاعتبر كل خف على حدة.
الجزء 2 · صفحة 42
ويتم مدة السفر ماسح سافر قبل تمام يوم وليلة) يعني: المقيم إذا سافر بعدما أحدث قبل استكمال مدة المقيم تتحول) مدته إلى مدة السفر، ولو سافر بعده لا تتحول؛ لأنه مسافر، فيتمم مدته ويتمهما إن أقام قبلهما) أي: قبل يوم وليلة، يعني: إذا كان مسافرا، ثم أقام قبل يوم وليلة، أتم مدة الإقامة، وينزع) الخف إن أقام بعدهما) أي: بعد يوم وليلة، لأنه صار مقيمًا، فلا يمسح أكثر من يوم وليلة.
ويجوز المسح على جبيرة وهي: العود التي يجبر بها العظم
المكسور محدث) إنما لم يشترط فيها الطهارة، كما شرطت في الخف؛ لأن الجبيرة تربط حال الضرورة، فاشتراط الطهارة فيها مفضي إلى الحرج وفي الكفاية هذا إذا كان يضره المسح على الجراحة [//م]، وإلا فلا يجوز المسح على الجبيرة)، وفي المحيط لو ضره المسح على الجبيرة سقط فرض الطهارة، فصار بمنزلة من ليس له إلا رجل واحدة، ويكتفي بالمسح على أكثر الجبيرة في الصحيح
ولا يبطله السقوط) أي: لا يبطل المسح سقوط الجبيرة إلا عن برء) أي: برء الجراحة حتى لو سقط في الصلاة استقبل، أي: استأنف لأنه قدر على الأصل فيبطل البدل، قيد بالبرء؛ لأنها لو سقطت لا عن برء لا يبطل المسح؛ لقيام العذر، وفيه إشارة إلى أن هذا المسح غير مؤقت، ولو سقطت الجبيرة من غير برء ثم أعادها، لا يلزمه إعادة المسح، ولو نزع الخفين بعد المسح يلزمه غسل الرجلين فعرفنا أن المسح على الجبيرة، كالغسل لما تحتها.
باب الحيض
هو دم ينفضه رحم بالغة وهي بنت تسع سنين، احترز: به عن الصغيرة؛ لأن الدم الذي تراه ليس بحيض لا داء بها احترز: به عما ينقضه الرحم بمرض؛ فإنه لا يكون حيضًا، وكان ينبغي أن يقيد بعدم الولادة؛ لأن ما رأته بعدها لا يكون حيضًا، بل يكون نفاسا، وبعدم سن الإياس، وهو ستون سنة عند أكثر المشايخ، وخمسة وخمسون عند مشايخ بخاري و خوارزم، وهو خمسون سنة على ما يفتى به في زماننا؛ لأن ما رأته بعده لا يكون حيضًا في ظاهر المذهب والمختار أنها إن
الجزء 2 · صفحة 43
رأت بعده دما قويا، كالأسود، والأحمر القاني كان حيضا، وبطل الاعتداد بالأشهر قبل التمام وبعده لا، وإن رأت صفرة، أو غيرها، فهو استحاضة.
وأقله) أي: أقل الحيض ثلاثة أيام لا بد فيه من إضمار؛ لأن الدم ليس ثلاثة أيام، فالتقدير: أقل مدة الحيض؛ هذا إذا رفعت: ثلاثة أيام، وإن نصبته يكون ظرفًا في محل الرفع؛ فلا حاجة إلى تقدير: مدة ولياليها) وفي شرح القدوري للزاهدي: يعتبر الأيام والليالي باعتبار الساعات، حتى لو رأت وطلع نصف قرص الشمس، وانقطع في الرابع)، وقد طلع دون نصفه، فليس بحيض، تتوضأ وتقضي الصلاة، وإن طلع نصفه تغتسل ولا تصلي أي: لا تقضي صلاتها؛ لأنه ثبت أنه دم حيض
وأكثره عشرة أيام لقوله: أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام
والطهر المتخلل بين الدمين وهو مبتدأ خبره: حيض في مدته) أي: مدة الحيض سواء كان الطهر غالبا على الدمين، أو مغلوبا، أو مساويًا، وما رأت من لون فيها أي في المدة من الحمرة، والكدرة وغيرهما سوى البياض الخالص حيض) أما الأول: فلأن الطهر فاسد؛ لكونه أقل من مدته، فلا يعتد به، فيكون في حكم الدم؛ لكونه محفوفًا، وأما الثاني: فلما روي عن عائشة أنها جعلت ما دون البياض الخالص حيضا، وفي المصفى: إنما يعتبره الصفة حالة الرطوبة، حتى لو رأت بياضا خالصا على الخرقة، فإذا يبس اصفر، لا تعتبر تلك الصفرة، فلا يكون حيضًا يمنع الصلاة والصوم، ويُقْضَى هو) أي: الصوم). فإن قلت: وجوب القضاء يقتضي سبق وجوب الأداء، ولو لم يكن واجبا، عليها فكيف وجب القضاء؟
قلت: ذكر في التقويم: أن الآدمي خلق والحقوق واجبة عليه، ولكن سقطت؛ لعذر لا) هي) أي: لا تقضي الصلاة؛ لأن قضاءها حرج.
ودخول المسجد منصوب معطوف على الصلاة والطواف) بالبيت فإن قلت: إذا كان دخول المسجد حراما، فالطواف أولى، فما الحاجة إلى ذكره؟
قلت: ذكره، دفعا لمن يتوهم أن الوقوف لما لم يمنع عن الحائض، مع أنه أقوى أركان الحج، فلا يمنع الطواف، أو ليعلم أنها إذا
حاضت بعد الدخول [ب//م) لا تطوف لقوله: «الطواف صلاة.
الجزء 2 · صفحة 44
واستمتاع ما تحت الإزار) وهو ما بين السرة والركبة، وإنما منع من الاستمتاع منها بالتفخيذ؛ لأن وطئها حرام، والاستمتاع بما يدانيه ربما يوقعه فيه، فيحرم.
ولا تقرأ هي) أي: الحائض آية، أو ما دونها عند الكرخي
وهو المختار، وعند الطحاوي) يحل ما دون آية، هذا إذا قصدت القراءة، فأما إذا علمت الصبيان حرفًا حرفًا، أو قالت: الحمد لله رب العالمين: شكرا للنعمة فلا بأس [به]).
كجنب ونفساء) أي: كما لا تجوز القراءة لهما لقوله: لا تقرأ الحائض، ولا الجنب شيئًا من القرآن، وفي العيون الجنب إذا قرأ الفاتحة على سبيل الدعاء لا بأس به؛ هذا إشارة إلى أن حكمها يتغير بقصده، بخلاف المحدث متعلق بقوله لا يقرأ، يعني: تجوز القراءة لمحدث؛ لأن الحدث لا يحل الفم حتى يجب غسله، بخلاف الجنابة والحيض، فإنهما يحلان الفم واليد حتى يجب غسلهما.
ولا يمس هؤلاء) أي: الحائض والنفساء، والجنب، والمحدث مصحفا إلا بغلاف متجاف)؛ لأن المتصل به تبع له، فيأخذ حكمه، وقيل: يجوز بغلاف مشرز؛ لأن مسه ليس مس القرآن حقيقة، وهذا هو القياس، والأول أقرب إلى التعظيم وكره) المس بالكم)؛ لأنه تابع للحامل، فلا يكون حائلا، ألا ترى أنه لو بسط كمه على النجاسة وسجد عليه، لا يجوز، وقيل: لا بأس به، لأن المس هو المباشرة باليد من غير حائل؛ ولهذا لا تثبت حرمة المصاهرة بالمس بحائل، والأول هو الصحيح
وأما مس كتب الشريعة لأهلها، فجائز بالكم؛ لأنه ضرورة ولا درهما) أي: لا يمس هؤلاء درهما، فيه سورة) وكذا الحكم لو كان فيه آية، وإنما ذكر السورة؛ لأن العادة على أن يكتب سورة الإخلاص على الدرهم، إلا بصرة) وهي الكيسة، وحل وطئ من قطع دمها لأكثر الحيض أو النفاس قبل الغسل، وإن كان الدم سائلا؛ لأنه يكون استحاضة، ويحكم بانقطاع دم الحيض.
دون من قطع لأقل منه يعني: إذا انقطع لأقل من أكثر الحيض، أو النفاس لا يحل وطؤها قبل الغسل، وفي المحيط هذا إذا انقطع بعد تمام عادتها؛ لأنه لو انقطع قبله لا يقربها زوجها حتى تمضي عادتها؛ لاحتمال بطلان الانقطاع بمعاودة الدم، ولكنها تغتسل، وتصلي احتياطا؛ لأن الانقطاع طهر.
الجزء 2 · صفحة 45
إلا إذا مضى وقت تسع فيه الغسل، والتحريمة) يعني: من انقطع لأقل منه عند تمام العادة لا يحل وطؤها، إلا إذا اغتسلت، أو مضى من الوقت قدر أن تقدر فيه على الاغتسال والتحريمة، فإذا مضى هذا القدر، تجب عليها الصلاة بلا اغتسال؛ فيحل وطؤها، وفي المحيط هذا إذا كانت مسلمة، وكانت نصرانية، وانقطع لأقل من عشرة، ولم يبق من الوقت مقدار ما تغتسل فأسلمت يأتيها زوجها بدون الاغتسال؛ لأن الغسل غير واجب عليها؛ فخرجت من الحيض بالانقطاع؛ ولكنها لا تقرأ القرآن ما لم تغتسل؛ لأنها بمنزلة الجنب، ولو كانت جنبا؛ فأسلمت يجب عليها الغسل؛ لأن الجنابة مستمرة توجد بعد الإسلام، والانقطاع غير مستمر؛ لأنه يحتمل عود الدم، فافترقا، وفي الكفاية: قالوا: زمان الغسل من الطهر في حق صاحب العشرة، ومن الحيض فيما دونها، حكي أن خلف بن أيوب أرسل ابنه من بلخ إلى بغداد للتعلم؛ فأنفق عليه خمسين ألف درهم؛ فلما رجع قال له: تعلمت؟ قال: تعلمت هذه المسألة أن زمان الغسل من الطهر في حق صاحب العشرة، ومن الحيض فيما دونها؛ فقال: والله ما ضيعت سفرك، ولكن ما قالوه في حق القربان وانقطاع الرجعة وجواز التزوج بزوج آخر لا في حق جميع الأحكام ألا ترى أنها إذا طهرت عند غيبوبة الشفق فاغتسلت عند الفجر الكاذب ثم رأت الدم في الليلة السادسة عشر بعد زوال الشفق فهو طهر تام بالإجماع، وإن لم يتم خمسة عشر من وقت الاغتساله
وأقل الطهر خمسة عشر يوما)؛ لما روي عن إبراهيم النخعي) هكذا؛ فالظاهر أنه سمع من صحابي، وذا سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن المقادير لا تعرف عقلا.
ولا حد لأكثره) أي: أكثر الطهر [//م)، ما دامت تري الطهر تصوم وتصلي، وإن استغرق عمرها؛ إلا إذا استمر بها الدم؛ فاحتيج إلى نصب العادة، بأن بلغت ورأت ثلاثة أيام دما وسنة أو سنتين طهر، ثم استمر بها الدم، قال الإمام المرواني: طهرها ما رأت، وحيضها ثلاثة أيام، وقال الإم الإمام الميداني: طهرها ستة أشهر إلا ساعة؛ لأن أقل المدة التي يرتفع بها الحيض.
ستة أشهر، وهو أقل مدة الحمل؛ فنقصنا منه ساعة، وقال الإمام الحاكم الشهيد: طهرها شهران والفتوى عليه؛ لأنه أيسر.
وما نقص) وهو: مبتدأ خبره فهو استحاضة، أي: الدم إذا نقص عن أقل الحيض، أو زاد على أكثره) وهو عشرة أو أكثر النفاس) وهو: أربعون يوما. أو على عادة عرفت بحيض) يعني:
الجزء 2 · صفحة 46
إذا زاد الدم على عادتها المعروفة في الحيض وجاوز العشرة أو نفاس) يعني: إذا زاد الدم على عادة عرفت بنفاس
و جاوز الأربعين، أو على عشرة حيض من بلغت مستحاضة) حيض: بالجر عطف بيان لعشرة، يعني: المبتدأة التي بلغت مستحاضة، حيضها من كل شهر عشرة أيام، والباقي استحاضة؛ فيكون طهرها عشرين يوما أو على أربعين نفاسها بالجر عطف بيان الأربعين يعني: إذا لم يكن للمرأة عادة، فنفاسها أربعون)، والزائد عليها استحاضة.
أو ما رأت حامل الدم في أيام عادتها، ولو في حال ولادتها قبل خروج الولد فهو استحاضة، لا يمنع صلاة وصوما، ووطنا فهي في حكم الطاهرة لقوله لا: توضئي وصلي، وإن قطر الدم على الحصير).
ومن لم يمض عليه وقت فرض) أي: وقت فرض يمضي عليه إلا وبه حدث) أي: الحدث الذي ابتلي به من استحاضة، أو رعاف، أو نحوهما من سلسل البول، وانفلات الريح، يتوضأ) خبر لقوله: ومن لم يمض
لوقت كل صلاة مفروضة، حتى لو توضأ لصلاة العيد، لا ينتقض بزوال وقتها، بل له أن يصلي الظهر؛ كذا في شرح الجامع)، هذا تعريف لصاحب العذر، لكنه بيان لبقائه لا ابتدائه؛ لأن المذكور في الغاية شرح الهداية المعذور في الشرع هو الذي استغرق عذره من سيلان الدم، ونحوه وقت صلاة في الابتداء، ولا يخلو وقت صلاة عنه في البقاء، قال الإمام الزاهدي ليس المراد به دوام وجوده وقت صلاة کامل، بل المراد به أن لا يوجد في الوقت ساعة خالية عن الحدث يمكنه الوضوء، وأداء الفريضة، وفي الجامع الكبير للبزدوي: شرط صيرورته معذورا استيعاب السيلان، وقت صلاة كامل في الابتداء؛ اعتبارا بطرف] الثبوت بطرف السقوط؛ فإن المستحاضة لا يتم سقوطها، حتى ينقطع في الوقت كله).
ويصلي به فيه) أي: بالوضوء في ذلك الوقت، ما شاء من فرض ونفل وينقضه) أي: ينقض وضوء صاحب العذر خروج الوقت اعلم أن الناقض في الحقيقة هو الحدث السابق، وإنما لم يعتبر في الوقت الضرورة الحاجة إلى الأداء؛ فلما خرج عمل عمله، لأن الوضوء كان صحيحا فانتقض.
الجزء 2 · صفحة 47
لا دخوله نفي لقول زفر فإنه ينتقض عنده بدخول الوقت لا خروجه؛ لأن طهارته غير معتبرة قبل الوقت لعدم الحاجة إلى الأداء، فينتقض بدخوله ومعتبرة بعد الدخول لحاجته، فلا ينتقض بخروجه، فإن قلت: إذا لم تكن الطهارة معتبرة قبل الوقت عنده، فكيف يصفه بالانتقاض؟
قلت: أراد أنها غير معتبرة للوقتية، لا أنها غير معتبرة أصلا؛ بل هي معتبرة في حق النوافل، وقضاء الفوائت ولنا أن دخول الوقت دليل الحاجة، فلا ينتقض به الخروج دليل زوال الحاجة، فينتقض به وتقديم الطهارة على الوقت جائز؛ لأن العزيمة أن يشتغل المكلف كل الوقت بالأداء، وهي إنما تحصل بتقديم الطهارة.
فيصلي) هذا تفريع على ما قبله يعني إذا كان خروج الوقت ناقضا، لا دخوله يصلي.
من توضأ قبل الزوال إلى آخر وقت الظهر)؛ لعدم الناقض ب//م)، وهو الخروج، وعنده ينتقض بدخول وقت الظهر)
لا بعد طلوع الشمس إن توضأ قبله يعني: لا يصلي بعد طلوع الشمس من توضأ قبله عندنا لخروج الوقت، ويصلي عند زفر؛ لعدم الناقض، وهو الدخول، وأما حكم ثوب المعذور؛ فقد ذكر في التبيين بأنه لا يجب غسله ما دام العذر قائما، وقيل: إذا أصابه خارج الصلاة يغسله؛ لأنه قادر على أن يشرع في ثوب طاهر، وفي الصلاة لا يمكنه، فسقط اعتباره
والنفاس دم يعقب الولد، ولا حد لأقله) أي: أقل النفاس؛ فإنها كما ولدت إذا رأت دما ساعة، ثم انقطع عنها كانت ما رأت نفاسا، فتصلي، لا خلاف في هذا بين أصحابنا، وإنما الخلاف فيما إذا وجب اعتبار أقل النفاس في انقضاء العدة، بأن قال لها: إذا ولدت، فأنت طالق فقالت انقضت عدتي أي مقدار يعتبر لأقل النفاس مع ثلاث حيض، عند أبي حنيفة، يعتبر أقله بخمسة وعشرين يوما، وعند أبي يوسف بأحد عشر، وعند محمد بساعة؛ كذا في مبسوط شيخ الإسلام)، وفي المحيط: لو ولدت ولم تر دما، فهي نفساء عند أبي حنيفة، وطاهرة عند أبي يوسف ثمرة الخلاف يظهر: في حق وجوب الغسل).
وأكثره أربعون يوما)؛ لأنه لا وقت للنفاس أربعين يوما
الجزء 2 · صفحة 48
وهو) أي: النفاس لأم التوأمين وهما ولدان من بطن واحد لا يكون بين ولادتهما ستة أشهر، من) الولد الأول خلافا لمحمد فإنه قال: النفاس من الولد الأخير؛ لأن النفاس حكم تعلق بالولادة، كانقضاء العدة، والولد الأخير يعتبر في العدة، فكذا في النفاس، ولهما: أن دم الحامل إنما لم يكن حيضًا؛ لأنها ليست من الرحم؛ لأن فمها ينسد بالحبل، وقد انفتح بخروج الولد الأول فيكون نفاسا.
وانقضاء العدة من الولد الأخير إجماعا)؛ لأن انقضاء العدة متعلق بفراغ الرحم، ولا فراغ مع بقاء الولد وسقط يرى بعض خلقه كالشعر، والظفر، ولد) أي: في حكم الولد، وهو خبر لقوله: سقط.
فتصير هي به أي: المرأة بذلك السقط نفساء، والأمة أم الولد، ويقع المعلق من الطلاق والعتق بالولد) يعني: إن قال: إن ولدت، فأنت طالق، تطلق بخروج سقط ظهر بعض خلقه وتنقضي العدة به) أي: بذلك السقط
باب الأنجاس
أي: باب بيان أنواع الأنجاس، وهو جمع نجس بكسر الجيم وهو الذي أصابته نجاسة). اعلم أن الخبث يطلق على الحقيقي والحدث على الحكمي، والنجس عليهما.
يطهر بدن المصلي، وثوبه، ومكانه عن نجس) بفتح الجيم مرئي بزوال عينه قيل: يشترط الغسل بعد زوال العين ثلاثا؛ لالتحاقه بغير المرئي، وقيل: مرتين؛ لأنه التحق بنجس غير مرئي غسل مرة.
وإن بقي أثر يشق زواله لقوله: «لا يضرك بقاء أثره). وتفسير المشقة أن يحتاج إلى شيء آخر؛ لقلع [الأثر سوى الماء، كالخرص، والصابون وما أشبه ذلك.
بالماء) متعلق بزوال عينه وبكل مائع مزيل طاهر كالخل، ونحوه وقال محمد لم يجز بغير الماء؛ لأنه يتنجس بأول الملاقاة، والنجس لا يفيد الطهارة، لكن ترك هذا القياس في الماء؛ للضرورة،
الجزء 2 · صفحة 49
ولهما: أن هذا طاهر يزيل عين النجاسة وأثرها، فوجب أن يفيد الطهارة كالماء، بل أولى، فإن الخل أقلع للنجاسة من الماء.
وعما لم ير): معطوف على قوله عن نجس مرئي، أي: يطهر الأشياء المذكورة عن نجس غير مرئي كالبول، والخمر، بغسله ثلاثًا وعصره): أي: وبعصره.
في كل مرة بحيث لو عصر بعده لم يسل منه، ويعتبر فيه قوة الغاسل ولو لم يبالغ في عصره؛ صيانة للثوب لا يطهر، كذا في الخانية، وعن محمد العصر في المرة الثالثة كاف، وفي الكفاية، والمحيط عن أبي يوسف ومحمد لو جرى الماء على ثوب نجس [//م]، ثم غلب ظنه أنه طهر، جاز بلا عصر
إن أمكن) عصره. وإلا): أي: إن لم يمكن عصره، كالكوز والبساط
يغسل ويترك إلى عدم القطرات، ثم [و] ثم هكذا)، يعني: ثم) يغسل، ويترك، ثم يغسل، ويترك إلى عدم التقاطر، وخفه): معطوف على قوله: بدن المصلي
عن ذي جرم جف): أي: عن نجس غير رطب له جرم، كالروث والدم، سواء كان جسده من نفسه، أو من غيره، فلو مشى على بول، ثم على تراب فالتصق به فجف فمسحها بالأرض يطهر.
بالدلك بالأرض) لأن الخف صلب لا يتداخله نجاسة، فيبقى رطوبتها على ظاهره، فإذا جفت النجاسة عادت الرطوبة إلى جرمها، فيطهر بزوالها إذا دلكه بالأرض.
وجوزه أبو يوسف في رطبه إذا بالغ) يعني: قال أبو يوسف: يطهر الخف [من النجاسة الرطبة إذا مسحه بالتراب، وبالغ في مسحه؛ لأنه يجذب رطوبتها، ويصير كالتي جفت.
وبه يفتى)؛ لعموم البلوى)، قيد بالخف؛ لأن الثوب لا يطهر بالجفاف اتفاقا، وقيد بقوله: ذي جرم، لأنه لو لم يكن له جرم، كالخمر لا يطهر بالدلك اتفاقا، وعما لا جرم له): معطوف على ذي جرم، أي: يطهر خف المصلي عن نجس لا جرم له بالغسل فقط) رطبا كان أو يابسا؛ لأن أجزاء النجاسة يتشرب فيه، ولا جاذب يجذبها
الجزء 2 · صفحة 50
وعن المني) معطوف على قوله عن نجس مرئي، أي: يطهر بدن المصلي، وثوبه عن المني رطبا كان، أو يابسا.
بغسله أو فرك يابسه الفرك هو الحك باليد حتى يتفتت، وبه يطهر محله؛ لما روي أنه قال: اغسليه رطبا وافركيه يابسا وعن أبي حنيفة: أنه يطهر في حق جواز الصلاة، حتى لو أصابه ماء عاد نجسا، والأول أصح)، وفي النهاية لو كان في رأس ذكره نجاسة لا يطهر بالفرك). وفي التبيين: هذا إذا انتشر على رأس الذكر المني، وأما إذا خرج على سبيل الدفق يطهر بالفرك، وعن الفضلي: أن مني
المرأة لا يطهر بالفرك؛ لأنه رقيق، وكذا إذا كان مني الرجل رقيقا لمرض، وفي الخانية الصحيح أنه لا فرق، ولو أصاب المني شيئًا له بطانة فنفذ إليها، فالصحيح أنه يطهر
والسيف): أي: يطهر السيف الصقيل ونحوه)، كالمرآة والسكين بالمسح: لما صح أن الصحابة كانوا يقتلون الكفار بسيوفهم، بالمسح: لما صح أن الصحابة كانوا يقتلون الكفار ثم يمسحونها، ويصلون معها، قيدنا بالصقيل؛ لأن المحل لو بسيوفهم، كان خشنا، أو منقوشا لا يطهر بالمسح.
والبساط): أي: يطهر البساط النجس بجري الماء عليه ليلة) بأن جعل في نهر وترك فيه ليلة، وفي فتاوى العصر: لو تنجس النطع ويضره الغسل، فمسحه بخرقة مبلولة ثلاث مرات طهر
والأرض): أي: يطهر الأرض والآجر المفروش باليبس وذهاب الأثر): أي: أثر النجاسة، قيد بالأرض؛ لأن البساط لا يطهر باليبس، وإن ذهب أثر النجاسة إلا بالغسل، وقيد بالمفروش؛ لأن الموضوع على الأرض لا يطهر إلا بالغسل، وقيد باليبس؛ لأن الأرض لو لم تجف لا تطهر إلا إذا صب عليها الماء، بحيث لم يبق للنجاسة أثر
للصلاة لا للتيمم): أي: يجوز الصلاة عليهما لا التيمم؛ لأن المكان كان طاهرا وطهورًا لقوله: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فإذا أصابته النجاسة ارتفع الوصفان، فلما وجد دليل على طهارته حين جف، وهو قوله: أيما أرض جفت فقد ذكت أي: طهرت جازت الصلاة عليه، ولم يوجد دليل على طهوريته فلم يجز التيمم.
الجزء 2 · صفحة 51
وكذا الخص، يعني بوارة وهو شيء يتخذ من القصب كالحائط وشجر، وكلاً قائم في أرض لو تنجس، ثم جف، وهو المختار) يعني: يطهر بالجفاف، وذهاب الأثر؛ لأنه متصل بالأرض، فأخذ حكمها. وما قطع منهما: أي من الشجر، والكلأ القائمين ب / /م] في الأرض يطهر.
بغسله فحسب) وفي الخانية الخشب إذا أصابته نجاسة، ثم أصابه المطر يطهر كالأرض إذا أصابتها النجاسة، ثم أصابها المطر.
وقدر الدرهم) وهو مبتدأ خبره عفو هذا شروع في تقسيم النجاسة إلى غليظة وخفيفة وبيان ما هو عفو بعد فراغه عن تطهيرها. [عن نجس مغلظ كبول، ودم و خمر، وخرء، دجاج، وبول حمار) أراد به بول ما لا يؤكل لحمه، لو طرح فيما قبله، قوله: كبول لكان أحسن، وفي شرح صدر القضاة أصاب الثوب خمرا، فصارت خلا في موضعه بأن يلقى عليه ملح ويبقى مقدار ما يتخلل، يجوز الصلاة به، وقيل:: لا يطهر إلا بالغسل
وهرة، وفأرة، وروث، وخشي) بكسر الخاء المعجمة، وسكون الثاء المثلثة، وهو ما يكون لذي ظلف هذا عند أبي حنيفة، وعندهما: الروث، والخثي خفيفتان؛ لاختلاف العلماء فيهما)، فإن مالكا يرى طهارتهما لعموم البلوى، وذكر في الإيضاح: الأرواث كلها طاهرة عند زفر، وعند محمد: الروث لا يمنع وإن كان كثيرا فاحشا، رجع إلى هذا القول حين قدم الري؛ لعموم البلوى.
وما دون ربع ثوب أراد به ثوبا تاما، أو أدناه، وهو ما يجوز به الصلاة، وقيل: قطعة منه كالكم، والدخريص، ولو أصاب ثوبا دهن نجس قليل فانبسط حتى صار ربع الثوب، لا يمنع عن الصلاة، كذا في المحيط
مما خف): أي من النجس الذي كان خفيفًا، كبول فرس، وما أكل): أي بول ما أكل لحمه): وإنما خف نجاسة عند أبي حنيفة لتعارض النصين فيه، وهو قوله: استنزهوا عن البول وأمره: قوما من عرنة بأن يلحقوا المرعى، ويشربوا من أبوال الإبل، وألبانها، فإن قلت: كيف يتحقق التعارض وحديث العرنيين منسوخ؟
قلت: صور التعارض قائمة، وهي يكفي، وعند أبي يوسف؛ لاختلاف العلماء؛ لأن محمدا قائل بطهارته.
الجزء 2 · صفحة 52
وخرء طير لا يؤكل، كالصقر، والشاهين عفو)؛ لأن صيانة الأواني عنه، متعذرة، فسقط اعتبار النجاسة، وإنما جعل مقدار الدرهم من المغلظة عفوا؛ لأن النجس القليل لا يمكن التحرز عنه، فقدروا بالدرهم أخذا عن موضع الاستنجاء؛ لأن الاستنجاء بالأحجار غير واجب، فعلم أنه سقط حكمه لقلة النجاسة، وجعل ما دون الربع في المخفف عفوا؛ لأن ربع الثوب لا يكون عفوا لأن الربع ملحق بالكل.
فإن زاد لا): أي: إن زاد المغلظ على قدر الدرهم، والمخفف على ما دون ربع الثوب، لا يكون عفوا بالإجماع. ويعتبر وزن الدرهم بقدر مثقال في الكثيف ومساحته: أي: يعتبر مساحته بقدر عرض کف) أراد به عرض معقر الكف، وهو داخل مفاصل الأصابع
في الرقيق): إنما ذكر المصنف هذا التوفيق؛ لأن محمدا ذكر في النوادر: الدرهم الكبير، واعتبره من حيث العرض، وذكره في كتاب الصلاة، واعتبره من حيث الوزن فوفق أبو جعفر بين كلامه بهذا، كذا في المحيط.
ودم السمك ليس بنجس)؛ لأنه ليس بدم حقيقة، بل السائل منه رطوبة متغيرة؛ ولهذا يبيض عند مقابلة الشمس والدم يسود بها، فلا يكون دما، وفي خزانة الأكمل: صلى رجل ومعه عنق شاة غير مغسول جاز؛ لأن الدم المسفوح ما سال منه، وما بقي لا بأس به، قيل: مرارة الشاة كبولها خفيفة، وعند محمد طاهرة).
ولعاب البغل، والحمار لا ينجس طاهرا)؛ لأنه إن كان الشك في طهوريته كان طاهرا بلا شك، وإن كان في طهارته، فلا ينجس به طاهر بالشك، وبول انتضح مثل رؤوس الإبر): جمع: الإبرة، وهي: المخيط ليس بشيء) فيجوز به الصلاة، ولو وقع هذا الثوب في الماء، فالأصح أنه ينجسه؛ لأن سقوط اعتبار النجاسة؛ إنما كان لدفع الحرج، ولا حرج فيه، وفيه إشارة إلى أن الجانب الآخر [//م) من الإبر معتبر، قال الهندواني ما ذكر في الكتاب قول محمد، وغيره من المشايخ، قالوا: لا يعتبر الجانبان؛ لدفع الحرج، وعن أبي يوسف: إذا انتضح شيء من البول يرى أثره لا بد من غسله، وإن لم يغسل حتى صلى، وهو بحال لو جمع كان أكثر من قدر الدرهم)، أعاد الصلاة، كذا في الجامع الصغير، للإمام المحبوبي).
الجزء 2 · صفحة 53
وماء ورد على نجس نجس كعكسه) أي كما إذا ورد النجاسة على الماء الاختلاط النجاسة)، لا) رماد قذر، وملح كان حمارًا): يعني: إذا صار الروث رمادا، والحمار كان ملحاء لوقوعه في المملحة لا ينجس؛ لأن العين تبدلت واستحالت إلى حقيقة أخرى، فتبدل وصفها، كما أن العصير إذا كان خمرا يتنجس، وإذا صار خلا طهر.
وفي القنية: أذيب القلى النجس لا يطهر بالإذابة، بل بالغسل ثلاثا بعدها.
ويصلي على ثوب بطانته نجسة لأنه استعمل طهارته، وهي ليست بنجسة، هذا إذا لم يكن مضربًا، وإن كان مضربا لا يجوز؛ لأنه ثوب واحد وعلى طرف أي يصلي على طرف بساط طرف آخر منه نجس تحرك أحدهما) أي: أحد الطرفين. بتحريك الطرف الآخر، أو لا): يتحرك بتحريكه؛ لأنه بمنزلة الأرض، وفيه احتراز عمن قال: إنما يجوز على الطرف الآخر، إذا لم يتحرك أحد الطرفين بتحريك الآخر وفي ثوب): أي: يصلي في ثوب طاهر) أي: يصل في ثوب
ظهر فيه ندوة ثوب رطب نجس لف فيه: أي: في ذلك الثوب الطاهر، اختلف المشايخ فيه فالأصح أنه لا يكون نجسا؛ لأنه بلة، والتحرز عنها متعذر)، لا) كما): أي: لا ندوة مثل ندوة ثوب [تقطر] شيء لو عصر) يعني: لو ظهر ندوته، بحيث يسيل الماء لو عصر لا يصلي فيه أو وضع رطبا) أي: يصلي في ثوب وضع حال كونه رطبا على ما طين، بتشديد الياء، على صيغة المجهول.
بطين فيه سرقين، ويبس): الثوب الموضوع عليه، ويجوز أن يكون معطوفا على ما طين وإليه الإشارة في لفظ] الخلاصة: ولو طين بالسرقين السقف ويبس، فوضع عليه منديل مبلول لا يتنجس، وفي الظهيرية السرقين اليابس إذا ألقته الريح في الثياب الرطبة لا إذا لم ير أثره، والريح إذا مرت بالعذرات، وأصابت الثوب المبلول، فالصحيح أنه ينجس، ولو استنجى بالماء ولم يمسحه بالمنديل حتى فسا، أي: خرج الريح من الدبر)، وعامة المشايخ على أنه لا ينجس ما حول المخرج، ولو ابتل السراويل بالعرق أو الماء، ثم فسا يتنجس.
أو تنجس): أي يصلي على ثوب تنجس طرف منه فنسيه، وغسل طرفًا آخر بلا تحري أي: لا يشترط التحري في غسل طرف من الثوب فيصرف الغسل إلى الموضع المستحق كحنطة بال
الجزء 2 · صفحة 54
عليها حمر)، جمع: حمار، إنما ذكر؛ لأن بوله نجاسة مغلظة تدوسها فغسل، أو ذهب بعضها، فيظهر ما بقي)؛ لمكان الضرورة.
فصل
في الاستنجاء
الاستنجاء): وهو مسح موضع النجو، مبتدأ خبره: سنة. من كل حدث): خارج
غير النوم والريح): وإنما استثناهما من الحدث؛ لأن فيهما مظنة الخروج من السبيلين بنحو حجر يمسحه حتى ينقيه بلا عدد سنة) قيد بقوله: بلا عدد؛ لأن عدد] الثلاث واجب عند الشافعي؛ لقوله: ولتستنج بثلاثة أحجار، ,,,,والامر للوجوب ولنا قوله عليه السلام: «من استجمر - أي استنجى - فليوتر) ومن لا فلا حرج
يدبر بالحجر الأول، ويقبل بالثاني: هذا بيان كيفية الاستنجاء في الصيف والشتاء، الإدبار: الإذهاب إلى جانب الدبر، والإقبال ضده ويدبر): بالباء الموحدة، وفي بعض النسخ بالياء المثناة [تحت]، وهو سهو فاعرفه. بالثالث صيفًا): أي: في الصيف؛ لأن الخصية فيه مدلاة، فلا يقبل بالأول؛ احترازًا عن تلوثها، ثم يقبل، ثم يدبر مبالغة في التنظيف.
ويقبل الرجل بالأول، ويدبر بالثاني والثالث شتاء)؛ لأن في الشتاء غير مدلاة، فيقبل بالأول؛ لأن الإقبال أبلغ في التنقية، ثم يدبر مرتين بحجرين للمبالغة، قيد بالرجل؛ لأن المرأة في الصيف والشتاء [تُدْبِرُ] [ب//م]؛ لئلا يتلوث فرجها، وكيفية الاستنجاء أن يأخذ الذكر بشماله ويمره على جدار، أو حجر، أو مدر، ولا يأخذ الحجر بيمينه؛ لأنه لا نهى عن الاستنجاء باليمين ولا يأخذ الذكر بيمينه)؛ لأنه عليه السلام نهى عن مس الذكر باليمين فيمسك مدرا بين عقبيه، ويمر الذكر بشماله، وإن تعذر ذلك أمسك الحجر بيمينه ولا يحركه، ويمر العضو عليه بشماله؛
الجزء 2 · صفحة 55
لأنه أهون من العكس، قلت: وفيما أشار إليه من إمساك الحجر عن عقبيه إحراج وتعسير وتلويث، وتضييق، وتكلف، وقال الله تعالى: {قُلْ ما أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ، بل يستنجي بجداره، ونحوه إن أمكن، وإلا فيأخذ الحجر بيمينه ويستنجي بيساره؛ لقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
وغسله): أي غسل موضع الاستنجاء بعد الحجر): أي: بعد استعماله أدب فيغسل يديه) تفسير للغسل، يعني: إذا أراد أن يستنجي بالماء يغسل يديه قبل الاستنجاء.
ثم يرخي المخرج بمبالغة)؛ ليظهر ما بداخله من النجاسة، إلا الصائم مخافة فساد صومه بوصول الماء إلى باطنه حتى قالوا: لا يتنفس حالة الاستنجاء ولا يقوم حتى ينشفه بخرقة. ويغسله): أي: المخرج. بباطن أصبع، أو أصبعين أو ثلاث: من يده اليسرى لا برؤوسها) أي: لا يغسل برؤوس الأصابع؛ كيلا يتلوث بالدخول، ثم يغسل يديه ثانيا)؛ لتزول الرائحة من اليد.
ويجب الغسل في نجس جاوز المخرج أكثر من [قدر] درهم)؛ لأن للبدن حرارة جاذبة أجزاء النجاسة، فلا يزيلها المسح، وإن كان المتجاوز أكثر من قدر الدرهم مع الذي في المخرج، لا يجب غسله، لأن المخرج كالباطن، وما عليه ساقط العبرة، وفي القنية: إذا أصاب المخرج نجاسة من خارج أكثر من قدر الدرهم، فالصحيح أنه لا يطهر إلا بالغسل
ولا يستنجي بعظم، وروث، ويمين؛ لورود النهي عن الاستنجاء بهذه الأشياء، وكره استقبال القبلة واستدبارها في الخلاء) وهو: بالمد، بيت التغوط؛ لقوله الا: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها»
اعلم أن استقبالها مكروه في الصحراء أيضًا، وإنما ذكر الخلاء؛ لأن فيه خلاف الشافعي، وهو يقول: الكراهية تختص بالصحراء؛ لأن في الخلاء ضيق الأبنية، ولزوم الحرج بذلك، وفي النهاية: يكره للمرأة أن تمسك ولدها نحو القبلة ليبول؛ هذا إذا كان ذاكرًا للقبلة، ولو غفل عنها، فاستقبلها فقضى حاجته لا يكره، وفي استدبار القبلة روايتان، ذكر صدر الإسلام جواز الاستدبار فيما إذا كان ذيله ساقطا على الأرض، وإن كان مرفوعًا فمكروه؛ لأن عورته نحو القبلة)، وفي الأجناس: المكروه استقبالها للتغوط ولو كان لإزالة الحدث لا يکره
الجزء 2 · صفحة 56
كتاب الصلاة
الوقت): الثابت للفجر من الصبح): الصادق، وهو) وهو: البياض المعترض) أي: المنتشر في الأفق إلى طلوع ذكاء) أي: الشمس، يعني: آخر وقته قبل طلوع الشمس، بدأ ببيان وقت الفجر، لأنه وقت لا اختلاف في أوله، ولا في آخره، أو لأنه أول النهار، بدأ محمد في الجامع الصغير: بوقت صلاة الظهر؛ لأنها أول صلاة فرضت بعد وقت القيلولة عادة.
وللظهر) أي: الوقت الثابت للظهر من زوالها إلى بلوغ كل شيء مثليه، سوى في الزوال وفي المبسوط: طريق معرفة فيء الزوالأن يُنْصَبَ عود في أرض مستوية، فما دام ظل العود في النقصان، فهو قبيل الزوال، وإذا وقف فهو في الزوال، وإذا أخذ الظل في الزيادة علم أن الشمس قد زالت، فعلى هذا: في عبارة المتن تسامح) أراد به في قبل الزوال، إنما استثنى في الزوال؛ لأنه قد يكون مثلا في بعض المواضع في الشتاء، وقد يكون مثلين ولو اعتبر المثل من عند ذي الظل، لما وجد الظهر عندهما عنده، هذا في المواضع التي لا تسامت الشمس رؤوس أهلها؛ لأن المواضع التي يقع فيها المسامتة يقدر [المثل من عند ذي الظل [//م]، هذا عند أبي حنيفة، وعندهما إلى بلوغ الظل مثله؛ لقوله عليه السلام: أمني جبرئيل، وصلى العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله» وله ما روي أته عليه السلام صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه»؛ فلما تعارضا أخذنا الثاني احتياطا، وعن أبي حنيفة: إذا صار ظل كل شيء مثله، يخرج وقت الظهر، وإذا صار مثليه يدخل وقت العصر، فعلى هذا بينهما وقت مهمل، كما بين الفجر والظهر.
وللعصر منه أي: الوقت الثابت للعصر من بلوغ الظل مثليه إلى [غيبتها])): أي: إلى زمان قبيل غروب الشمس وللمغرب منه) أي: الوقت الثابت للمغرب من غيبة] الشمس إلى مغيب الشفق)؛ لقوله الا: أول وقت المغرب [حين] تغرب الشمس، وآخر وقتها حين يغيب الشفق وهو): أي: الشفق الحمرة عندهما)؛ لما روي أنه لا قال: «الشفق هو الحمرة)، وعند أبي حنيفة): الشفق: هو البياض الذي يعقب الحمرة؛ لقوله الي: وآخر وقت المغرب إذا اسود الأفق»
الجزء 2 · صفحة 57
وبه): أي: بقولهما. يفتى)؛ لأنه أوسع للناس، وهو رواية عن أبي حنيفة وللعشاء منه أي: الوقت الثابت للعشاء من مغيب الشفق وللوتر): أي: الوقت للوتر. مما بعد العشاء إلى الفجر لهما)) هذا الذي ذكره قولهما، وقال أبو حنيفة: أول وقت الوتر إذا غاب الشفق، إلا أنه مأمور بتقديم العشاء، وهذا الخلاف فرع على الخلاف في صفتها، فالوتر واجب عنده والوقت إذا جمع بين واجبين، فهو وقت لهما، وإن أمر بتقديم أحدهما، وعندهما نفل فيدخل وقته بالفراغ عن الفريضة، وفائدة الخلاف تظهر فيمن صلى العشاء على غير وضوء، وتوضأ وأوتر، ثم تذكر أنه صلى العشاء على غير وضوء يعيد العشاء عنده دون الوتر؛ لأنه صلاها في وقتها، والترتيب يسقط بالنسيان، وعندهما: يعيدهما؛ لأنه صلاها قبل وقتها، فلزمه الإعادة.
ويستحب للفجر البداية مسفرًا): لقوله علي: أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر» بحيث يمكنه ترتيل أربعين آية، أو أكثر، ثم إعادته إن ظهر فساد وضوئه) يعني: حد الإسفار أن يبدأ الصلاة بعد انتشار البياض، وقرأ فيها أربعين آية أو أكثر ولا يعجل فيها، بل يقف بين كل كلمتين، فإذا فرغ منها، وظهر له سهو في طهارته، يمكنه أن يتوضأ، ويعيد الصلاة قبل طلوع الشمس، كذا فعله أبو بكر وعمر رضي الله عنهما).
والتأخير لظهر الصيف) يعني: يستحب تأخير الظهر في الصيف؛ لأنه لا: كان يؤخرها فيه، ويصلي في أول وقتها في الشتاء).
والعصر) أي: يستحب تأخير العصر في الصيف والشتاء. ما لم تتغير: أراد به تغير ضوؤها وقت صفاء الهواء، والصحيح: أنه أراد به تغير قرصها، بحيث لا يتحير فيه البصر، كذا: في الكفاية؛ لقوله: وقت العصر ما لم تصفر الشمس»، فذكر في الغاية: المراد به تأخير الشروع لا الأداء، لأنه إذا شرع قبل تغير القرص فأخر أداءه إلى التغير لا يكره؛ لأن الاحتراز عن الكراهة مع الإقبال على الصلاة متعذر فجعل عفوا.
وللعشاء) أي: يستحب تأخير العشاء إلى ثلث الليل): لقوله عليه السلام: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل)، وفي مختصر القدوري إلى ما قبل ثلث الليل)، وهذا يشير إلى أنه لا يستحب تأخيرها إلى ثلث الليل، والتوفيق بأن يكون التأخير إلى الثلث
الجزء 2 · صفحة 58
مستحبا في الشتاء، وإلى ما قبل ثلث الليل في الصيف؛ لغلبة النوم، وأما التأخير إلى نصف الليل فمباح، وإلى آخره مكروه.
وللوتر): أي: يستحب تأخير الوتر إلى آخره): أي: إلى آخر وقت العشاء. لمن وثق): أي: اعتمد بالانتباه فحسب): يعني: إذا لم يثق بالانتباه أوتر قبل النوم؛ لقوله الا: من خاف أن لا يقوم آخر الليل فليوتر في أوله، ومن [طمع] أن يقوم فليوتر آخر الليل، وذلك أفضل.
والتعجيل): أي: يستحب التعجيل لظهر الشتاء؛ لما روي أنه عليه السلام إذا كان في الشتاء بكر بالظهر، المراد [ب//م] من التعجيل: أن يكون الأداء في النصف الأول؛ كذا: في الأسرار.
والمغرب) أي: يستحب تعجيل المغرب في كل زمان لقوله علي: بادروا بالمغرب قبل اشتباك النجوم، أي: كثرتها، ويوم غيم) أي: سحاب يعجل العصر والعشاء)؛ لأن في تأخير العصر لا يؤمن معه الوقوع في الوقت المكروه، وتأخير العشاء يؤدي إلى تقليل الجماعة على اعتبار توقع المطر).
ويؤخر غيرهما) وهو: الفجر، والظهر والمغرب في يوم غيم؛ لأنه لو عجل الفجر يؤدي إلى تقليل الجماعة بسبب الظلمة، وكذا: يؤخر]) الظهر، والمغرب؛ لئلا يقع قبل الزوال، والغروب في يوم الغيم، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يؤخر الجميع في يوم الغيم؛ لأنه أقرب إلى الاحتياط؛ إذ أداء الصلاة قبل وقتها غير جائز، وبعده جائز.
فصل
في الأوقات التي تكره فيها الصلاة
ولا يجوز صلاة مفروضة وسجدة تلاوة وجبت في وقت غير مكروه وصلاة جنازة) حضرت في وقت غير مكروه، فأخرت إلى وقت مكروه عند طلوعها، وقيامها، وغروبها)؛ لأنها وجدت ت كاملة، فلا يتأدى ناقصة، قيدنا التلاوة والجنازة بما سمعت؛ لأن التلاوة لو وجدت في وقت مكروه، والجنازة وإن حضرت فيه يجوزان مع النقصان؛ لأنها وجبت ناقصة، فأديت كما وجبت أو يقال: المراد من الصلاة في قوله:] ولا تجوز صلاة [مطلقا]، فيدخل فيه النوافل،
الجزء 2 · صفحة 59
ويراد من قوله: لا يجوز: المنع؛ فيمتنع النوافل في هذه الأوقات؛ ولكنها تكره؛ وإنما منعت لقوله عليه السلام لا تصلوا في هذه الأوقات، وفي القنية: وقت الكراهية من نصف النهار إلى الزوال؛ لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة [نصف] النهار حتى يزول الشمس»، وما أحسن هذا! لأن النهي عن الصلاة فيه يعتمد تصورها) فيه.
إلا عصر يومه استثناء من قوله: لا تجوز؛ إنما استثناها؛ لأن العصر جائز في الوقت المكروه، وغير ممنوع عنها؛ لأنها وجبت ناقصة؛ فأديت كما وجبت قيل: المكروه هو و التأخير لا الأداء؛ لأنه مأمور به، ولا يستقيم إثبات الكراهة مع الأمر به، وقيل: الأداء مكروه أيضا.
وكره النفل إذا خرج الإمام لخطبة الجمعة؛ لما فيه من الاشتغال عن استماع الخطبة. وبعد الصبح يكره النفل، إلا سنته فإنها غير مكروهة، وبعد أداء العصر إلى أداء المغرب)؛ لأنه عليه السلام نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع أي: الشمس، وبعد العصر حتى تغيب، أي: الشمس، وإنما كرهت قبل أداء المغرب؛ لما فيه من تأخير المغرب، وهو مكروه
وصح) قضاء الفوائت وصلاة الجنازة وسجدة التلاوة في هذين الوقتين)) أي: بعد الصبح، وأداء العصر؛ لأن كراهية النفل فيهما لم يكن لمعنى فيهما، بل كانت لحق الفريضتين؛ ليكون الوقتان كالمشغول بهما دون غيرهما؛ وإنما اختصا بهذا الحكم؛ لأن لهما زيادة شرف على غيرهما؛ لورود الأحاديث في فضلهما؛ فظهر أثر هذا في مزاحمة النفل؛ لأن الفرض التقديري أقوى من النفل ثوابًا، ولم يظهر في الفرض والواجب فجازا في هذين الوقتين القضاء، أما الأول؛ فلأن الفرض الحقيقي، وهو قضاء الفرض أقوى من التقديري، وأما الثاني؛ فلأن الواجب ألحق بالفرض، والمراد [به]: الواجب بعينه؛ ولهذا جاز سجدة التلاوة فيهما؛ لأنها واجبة بإيجاب الله تعالى، ولم يجز ركعتا الطواف؛ لأنهما نافلتان) في ذاتهما، ووجوبهما لغيرهما، وهو ختم الطواف بالصلاة، وكذا لم يجز نفل شرع فيه، ثم أفسده؛ لأن وجوبه؛ لصيانة المؤدى عن البطلان؛ فبقي نفلا في ذاته؛ كذا في شرح الوافي.
ولا يجمع فرضان في وقت بلا حج) يعني: ما خلا عرفة، والمزدلفة، وقال الشافعي: يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بعذر السفر والمطر؛ لأنه الي جمع بينهما في سفره، ولنا قوله عليه السلام من جمع بين صلاتين [//م] في وقت واحد، فقد أتى بابا من الكبائر)، وتأويل
الجزء 2 · صفحة 60
ما روي أنه علي جمع بينهما فعلا؛ بأن أخر الظهر إلى آخر وقته، وأدى العصر في أول وقته، وفي الحقائق: المطر معتبر عنده عند دخول الوقت؛ حتى لو دخل الوقت، ثم أمطر لا يجوز الجمع والمراد به مطر يبل الثياب، والجمع للريح والظلمة والمرض لا يجوز اتفاقا.
ومن طهرت في وقت عصر، أو عشاء صلتهما) أي: العصر والعشاء فقط) أي: لا تصلي الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء، كما قال الشافعي، وهذا الخلاف بناءً على أن وقت الظهر، والعصر، ووقت المغرب والعشاء وقت واحد عنده)، ووقتان عندنا.
ومن هو أهل فرض) أي: صار أهلا للصلاة بأن كانت حائضا فطهرت في آخر وقته يقضيه) أي: يقضي ذلك الفرض لا من حاضت فيه يعني من حاضت في آخر وقته لا يجب عليها قضاء صلاة ذلك الوقت؛ لأن المعتبر في السببية آخر الوقت عندنا)، وعند الشافعي: أوله.
باب الأذان
هو سنة للفرائض فحسب احترز بالفرائض عن السنن [كصلاة] العيد والتراويح والوتر، وإن كان فرضًا عند أبي حنيفة؛ لكنه يؤدى في وقت العشاء فاكتفى بأذانه.
في وقتها) احترز به عن الأذان قبل الوقت وبعده لأجل الأداء، وأما الأذان بعد الوقت للقضاء فمسنون أيضًا.
فيعاد) الأذان لو أذن قبله أي: قبل الوقت لأن الأذان للإعلام بدخول الوقت قال أبو يوسف: يجوز الأذان للفجر في النصف الأخير من الليل؛ فلا يعاد لأن بلالا كان يؤذن بالليل)، ولنا قوله عليه السلام لبلال: «لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر) هكذا: ومد يده عرضا.
ويؤذن عالما بالأوقات؛ لينال الثواب الذي وعد للمؤذنين؛ لأن الثواب بالإعلام، وهو موقوف على العلم.
الجزء 2 · صفحة 61
مستقبل القبلة)؛ لأن [الملك] النازل فعل كذا، وأصبعاه في أذنيه؛ لأنه أبلغ في الإعلام يترسل فيه الجملة في موضع الحال؛ لقوله لالا لبلال: إذا أذنت فترسل، والترسل أن يفصل بين كلمات الأذان
روي أن رجلاً جاء إلى ابن عمر فقال: إني أحبك في الله؛ فقال: إني أبغضك في الله؛ فقال: لم؟ قال: لأنه بلغني) أنك تغني في أذانك).
ولا ترجيع) أي: يؤذن بلا ترجيع، وهو أن يخفض بالشهادتين، ثم يرجع ويرفع صوته، قال الشافعي: يرجع لما روي أنه لا أمر أبا محذورة بالترجيع، ولنا: أن الروايات متفقة على أن لا ترجيع في أذان بلال، وابن أم مكتوم).
ويحول وجهه في الحيعلتين أي في قوله: حي على الصلاة، وحي على الفلاح يمنة ويسرة)؛ لأن كلا منهما خطاب للقوم؛ فيواجههم به يمنة ويسرة؛ لأن الأذان مناجات فليستقبل فيهما القبلة، وأوسطه مناداة، فيواجه من يناديهم، وقيل: إذا كان وحده لا يحول جانبيه؛ لأنه لا حاجة إليه، والصحيح أنه يحول؛ لأن التحويل صار سنة للأذان، حتى قالوا في الذي يؤذن في أذني المولود، ينبغي أن يحول وجهه يمنة ويسرة عند هاتين الكلمتين، كذا: في المحيط.
ويستدير في صومعته إن لم يمكن التحويل مع الثبات بأن كانت] متسعة، بحيث لو حول وجهه مع ثبات قدميه في مكانه) لا يحصل الإعلام، فيستدير فيها، فيخرج رأسه من الكوة) اليمنى، ويقول: حي على الصلاة، ثم يذهب إلى الكوة اليسرى، ويخرج رأسه ويقول: حي على الفلاح.
ويقول بعد فلاح الفجر) أي: بعد قوله: حي على الفلاح في أذانه الصلاة خير من النوم مرتين؛ لما روي أن بلالا يؤذن بالصلاة، فوجد النبي - صلى الله عليه وسلم -[ب/ /م] راقدا؛ فقال عليه السلام: الصلاة خير من النوم مرتين؛ فقال له: «ما أحسن هذا! اجعله في أذانك»)
والإقامة مثله) أي: مثل الأذان في الكلمات، وذكرها مثنى مثنى لكن يحدر فيها في الإقامة أي: يذكر كلماتها بسرعة ويقول بعد فلاحها) أي: بعد فلاح الإقامة قد قامت الصلاة مرتين ظرف: ليقول ولا يتكلم فيهما أي في أثناء الأذان والإقامة؛ لأن كلا منهما ذكر معظم، كالخطبة، فيكره التكلم في خلاله، قال الإمام التمرتاشي: لا يحول] في الإقامة إلا لأناس ينتظرون
الجزء 2 · صفحة 62
واستحسن المتأخرون تثويب الصلاة كلها)؛ لزيادة غفلة الناس، فلما يقومون عند سماع الأذان والتثويب: هو الإعلام بعد الإعلام بعد الإعلام، وبتثويب كل بلدة على ما تعارفوا إما بالتنحنح، أو بقوله: الصلاة، وفي التبيين: يقعد المؤذن في الفجر قدر ما يقرأ عشرين آية، ثم يثوب، ثم يقعد كذلك، ثم يقيم، وكرهه المتقدمون؛ لما روي أن عمر رضي الله عنه أتاه مؤذن مكة [فيؤذنه] ... بالصلاة فانتهره وقال أليس في أذانك ما يكفينا
ويجلس بينهما) أي: بين الأذان والإقامة في الصلوات كلها إلا في المغرب هذا الاستثناء إنما يصح على قول أبي حنيفة؛ فالفصل [عنده] في المغرب يكون بسكتة مقدار ثلاث خطوات، وقالا: بجلسة مقدار أن يتمكن مقعده من الأرض بحيث يستقر كل عضو في موضعه؛ لأن السكتة لا يقع بها الفصل؛ لأنها موجودة بين كلمات الأذان؛ فيفصل بينهما بجلسة، وله: أن الجلسة، وإن قلت يؤدي إلى تأخير المغرب، فيكتفي بأدنى الفصل، وهو السكتة)، قال الإمام الحلواني: الخلاف في الأفضيلة، حتى لو جلس جاز عند أبي حنيفة.
ويؤذن للفائتة ويقيم؛ لأنه ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى الفجر غداة ليلة التعريس بأذان وإقامة
وكذا) يؤذن لأولى الفوائت) أي: للصلاة الأولى: منها، ويقيم. ولكل من البواقي يأتي بهما، أو بها يعني: هو مخير في الفوائت الباقية إن شاء أذن لكل منها وأقام؛ ليكون القضاء على حسب الأداء، وإن شاء اقتصر على الإقامة، لما روي أنه لا أذن، وأقام لكل صلاة» وروي أنه عليه السلام أذن للأولى، وأقام لكل صلاة]، وفي الكفاية: هذا إذا قضى الفوائت بجماعة في مجلس، وإن قضاها في مجالس يشترط لكل أذان وإقامة.
وجاز أذان المحدث؛ لأنه ذكر الله، فيستحب فيه الوضوء وكره إقامته) أي: إقامة المحدث؛ لأنه يصير داعيا إلى ما لا يجيب بنفسه، وداخلا تحت قوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ.
ولم يعادا) أي: أذان المحدث وإقامته؛ لخفة الحدث. وكره أذان الجنب، وإقامته؛ لأنه ممنوع من دخول المسجد، والأذان والإقامة يفعلان في المسجد، أو فيما هو في حكمه، فلا تعاد) هي) أي: إقامة الجنب.
الجزء 2 · صفحة 63
بل هو) أي: [بل] يعاد أذانه؛ لأن تكرار الأذان مشروع في الجملة، كما في الجمعة، وأما تكرار الإقامة فغير مشروع أصلا كأذان المرأة) أي: كما يعاد أذان المرأة، وهو مكروه؛ لأنها إن رفعت في أذانها صوتها، فقد باشرت منكرًا، وإن لم ترفع فقد [أخلت] الإعلام.
والمجنون ن والسكران؛ لعدم الاعتماد على أذانهما، لأنهما لا يهتمان أمر دينهما، والأذان أمر ديني فيكره مباشرة من لا يهتم أمر دينه
ويأتي بهما المسافر)؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لابني أبي مليكة): إذا سافرتما أذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما سنا»). روي أنه عليه السلام [قال]: «من أذن وأقام في أرض قفر صلى به الملائكة»، ومن صلى بغير أذان وإقامة لم يصل معه إلا ملكاه، ولو اكتفى بالإقامة جاز).
والمصلي) أي: يأتي بهما المصلي في المسجد جماعة)؛ الأنهما] سنة إقامة الصلاة جماعة أو في بيته) أي: يأتي بهما المصلي في بيته في مصر) لأن المنفرد مندوب أن يؤدي الصلاة على هيئة الجماعة؛ ولهذا كان الأفضل أن يجهر القراءة في الجهرية.
وكره تركهما [للأَوَّلَيْنِ] أي: ترك الأذان والإقامة للمسافر والمصلي في المسجد جماعة، وأما ترك واحد منهما، فلم يذكره فنقول: كره ترك واحد منهما للمصلي في المسجد جماعة، ولم يكره للمسافر، فيجوز له الاكتفاء بالإقامة.
لا للثالث) أي: لا يكره تركهما للمصلي في بيته؛ لما روي أن ابن مسعود) صلى مع جماعة في بيته؛ فقيل له: ألا تؤذن؛ فقال: [//م] أذان الحي يكفينا، وإن كان في قرى ولم يكن فيها مسجد، فمن صلى في بيته حكمه حكم المسافر.
ويقوم الإمام، والقوم عند حي على الصلاة، ويشرع عند قد قامت الصلاة) أي: عند أول لفظتي الإقامة، ليكون مسارعة في العبادة، وتصديقا للمؤذن في إخباره عن قيام الصلاة، وقال أبو يوسف: يشرع عند الفراغ من الإقامة، وهذا أعدل؛ لأن معنى: قد قامت الصلاة قرب قيام الصلاة؛ ليتبادروا إلى الجماعة، ولا يلزم من تأخير الشروع تكذيب المؤذن)، وفي الخانية من سلم المؤذن في أذانه، أو المصلي، أو القارئ، فعند أبي حنيفة يرده في قلبه، وعند د محمد: يرده بعد الفراغ عما كان فيه، وعند أبي يوسف: لا يرده قبل الفراغ، ولا بعده، وهو الصحيح.
الجزء 2 · صفحة 64
باب: شروط الصلاة
هي طهر بدن المصلي من حدث وهو: النجاسة الحكمية وخبث) وهو: النجاسة الحقيقية. وثوبه ومكانه) يعني: يجب على المصلي أن يقدم طهارة هذه الأشياء؛ لأن تطهير الثوب؛ لما وجب بقوله تعالى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وجب تطهير بدنه ومكانه بدلالة النص لأنهما ألزم للمصلي؛ إذ لا وجود بدونهما، بخلاف الثوب ثم المعتبر في طهارة المكان ما تحت القدم، حتى لو افتتح الصلاة، وتحت قدميه نجاسة أكثر من قدر الدرهم،، لم تجز صلاته، ولا يفترق الحال بين أن يكون جميع موضع القدمين نجسا، وبين أن يكون موضع الأصابع؛ لأن القدم وموضع الأصابع شيء واحد، وكان الشيخ محمد بن الفضل يقول: إذا كان موضع إحدى القدمين طاهرا، وموضع الأخرى نجسا، فوضع قدميه في ذلك الموضع، لم تجز صلاته وإذا رفع التي موضعها نجس، وقام على الأخرى، جازت صلاته كذا: في التتمة، وإن كان في موضع سجوده، فيجوز عند أبي حنيفة في رواية، كذا: في الخلاصة.
وستر عورته بالرفع معطوف على طهر؛ لقوله تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ يعني: ما يستر عورتكم عند كل صلاة، كذا: قاله ابن عباس،، والأول من باب إطلاق الحال على المحل؛ لأن أخذ عين الزينة غير مراد؛ فيكون محلها مرادًا، والثاني من إطلاق اسم المحل على الحال، وفي التبيين الصحيح أن ستر عورته عن نفسه ليس بشرط حتى لو كان محلول الجيب، فنظر لر إلى عورته لا يفسد، وفي خزانة الأكمل: أم فتبين أنه صلى بغير طهارة لا يلزمه الإخبار بذلك؛ لأنه ما سكت عن معصية، بل عن خطأ معفو، وهذا أصح؛ لأن الإمام إذا) لم يعلم فساد صلاته لا تفسد صلاة المقتدي.
واستقبال القبلة) لقوله تعالى: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ أي: جهة البيت
والنية) لقوله عليه السلام: إنما الأعمال بالنيات والعورة للرجل من تحت سرته إلى تحت ركبتيه) لقوله الا: عورة الرجل ما دون سرته حتى تجاوز ركبته.
أي: ستر العورة للأمة مثل ما كان عورة [للرجل] وللأمة مثله
الجزء 2 · صفحة 65
مع ظهرها وبطنها؛ لأن النظر إليهما سبب الفتنة، وما سوى ذلك من بدنها ليس بعورة؛ لقول عمر رضي الله عنه للإماء: اكشفن رؤوسكن لا تتشبهن بالحرائر وكن تخدمن الضيفان كاشفات الرؤوس مضطربات الثديين والمكاتبة، وأم الولد، كالأمة.
وللحرة) أي: العورة للحرة بدنها إلا الوجه والكف، والقدم لقوله عل: بدن الحرة كلها عورة إلا وجهها، وكفيها وقدميها، وفيه إشارة إلى أن ظهر كفها عورة، وفي المنتقى: تمنع الشابة عن كشف وجهها؛ لئلا يؤدي إلى الفتنة، وأما القدم فعورة في رواية عن أبي حنيفة؛ للحديث السابق، وفي رواية عنه: أنه ليس بعورة، وهي أصح؛ لأن المرأة مبتلاة بإبداء قدميها في مشيها؛ إذ ربما لا تجد الخف، والنظر إلى النساء على أربع مراتب في وجه: يجوز النظر إلى جميع أعضائها، وهي النظر إلى زوجته وأمته، وفي وجه: يجوز النظر إلى الوجه والكفين، وهو النظر إلى المرأة التي لا يكون محرما لها، ويأمن كل واحد منهما على نفسه، فلا بأس بالنظر عند الحاجة، وفي وجه: يجوز النظر إلى الصدر، والساق والرأس، والساعد، وهو النظر إلى امرأة ذي رحم، أو ذات رحم محرم، مثل الأخت والأم والعمة والخالة، وأولاد الأخ، والأخت وامرأة الأب وامرأة الابن وأم المرأة، سواء كان من قبل الرضاع، أو من قبل النسب، وفي وجه: لا يجوز النظر إلى شيء، وهو أن يخاف أن يقع في الإثم إذا نظر من تفسير أبي الليث.
وكشف ربع ساقها وهو مبتدأ وخبره: يمنع. وبطنها، وفخذها) وهو مع الركبة عضو واحد.
ودبرها وشعر نزل من رأسها قيد به احترازًا عما قيل: المراد من الشعر ما على الرأس، فإنه عورة كرأسها، وأما النازل فليس في حكم الرأس، فلا يكون عورة والمختار: ما ذكر في المتن؛ لأن العورة من الشعر لو كان ما على الرأس لجاز النظر إلى صدغ الأجنبية وذؤابتها وهو ممنوع؛ لأنه يؤدي إلى الفتنة.
وربع ذكره منفردا) قيد به احترازًا عما قيل: إنه مع الخصيتين عضو واحد؛ لأن الإيلاد يتعلق بهما، لكن الأولى: [أن]) الذكر وحده عضو واحد، ألا ترى أن الخصيتين اعتبر في الدية عضوا على حدة فكذا في العورة، وفي المحيط: ذكر رالكرخي أن في السوأتين، يعتبر قدر الدرهم، وفيما عدا ذلك: الربع كالذي في النجاسة الغليظة، يعتبر قدر الدرهم، وفي الخفيفة: يعتبر الربع
الجزء 2 · صفحة 66
لكن الصحيح: ما ذكر في المتن؛ لأنه لو اعتبر في الدبر قدر الدرهم، والدبر لا يكون أكثر من قدر الدرهم، فهذا يقتضي جواز الصلاة، وإن كان جميع الدبر مكشوفا، قدر وهذا تناقض
والأنثيين يمنع لأن للربع حكم الكل، ل، وفي التبيين: ثدي المرأة حالة النهود تبع لصدرها، ومتى كبرت يعتبر عضوا على حدة، وكل من الإليتين عضو على حدة، وما بين سرة الرجل وعانته عضو على حدة).
اعلم أن انكشاف ما دون الربع عفو، إذا كان في عضو واحد، وإن كان في عضوين أو أكثر، وجمع وبلغ ربع أدنى عضوا منها يمنع جواز الصلاة، كما لو انكشف شيء من شعرها، ونصف ثمن فخذها، ونصف ثمن أذنها لو جمع يبلغ ربع الأذن يكون مانعا؛ كذا: في شرح الزيادات.
وعادم مزيل النجس صلى معه أي مع النجس. ولم يعد) إذا وجد ثوبا طاهرا؛ لأنه أدى كما وجب عليه، فلا يطالب بالإعادة، فإن صلى عاريًا، وربع ثوبه طاهر لم يجز)؛ لأن ربع الشيء يقوم مقام الكل، فيجعل كأنه كله طاهر في موضع الضرورة).
وفي أقل من ربعه) يعني: لو كان الطاهر أقل من ربع الثوب الأفضل صلاته فيه أي في ذلك الثوب، علم من قيد الأفضل أن له أن يومئ عاريًا قائما، أو قاعدًا، والقعود وإنما كان الصلاة فيه أفضل؛ لأنه أقرب إلى الستر؛ ولأن فرض الستر عام لا يختص بالصلاة، وفرض الطهارة يختص بها، فإن قلت: كيف جاز الإيماء، وفي الصلاة في الثوب ترك فرض واحد، وهو إزالة النجاسة، وفي الإيماء ترك الفروض، وهو ستر العورة، والقيام، والركوع والسجود، قلنا: الإيماء خلف عن الأركان والفوائت إلى خلف كلا فوات، فإن قلت: القاعد يأتي بالأركان، وهو أولى من أدائها بالإيماء، قلنا في الإيماء نوع قصور، لكن مع احتراز الطهارة، وفي الجانب الآخر إتيان بها مع استعمال النجاسة، وفيه نوع قصور أيضًا يستويان ومن عدم).
ومن عدم ثوبًا فصلى قائمًا) أي: عريانا بركوع وسجود، صح وقاعدا مومنا ندب؛ لما روي أنه انكسرت السفينة لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرجوا من البحر عراة، وصلوا قعودا بإيماء، ولأن الإيماء خلف عن الركوع والسجود، وفي القعود إتيان بالستر من وجه، وإتيان بالأركان من وجه، فيكون أولى من القيام الذي فيه ترك الستر من كل وجه.
الجزء 2 · صفحة 67
وقبلة خائف الاستقبال يعني: الخائف عن استقبال القبلة لمكان العدو [//م] أو المرضه وليس بحضرته من يوجهه. جهة قدرته) يعني: يصلي إلى أي جهة قدر. فإن جهلها) أي: اشتبه عليه القبلة.
وعدم من يسأله تحرى) أي: طلب جهة القبلة باستعمال غالب ظنه لما روي أن الصحابة لا تحروا وصلوا ولم ينكر عليهم رسول الله، قيل: قوله تعالى: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ أي: قبلة الله نزل في الصلاة حالة الاشتباه، قيد بقوله: وعدم من يسأله؛ لأنه لو وجد من يسأله أمر القبلة لا يجوز التحري، بل يجب الاستخبار، فلو لم يكن حاضرًا عنده لا يجب عليه أن يطلبه، هذا إذا كان المخبر من أهل هذا الموضع؛ لأنه لو كان مسافرا مثله لا يلتفت إلى قوله؛ لأنه يقول باجتهاده غالبا، ولا يلزم عليه ترك اجتهاده باجتهاد غيره
وفي الخلاصة: إذا لم يسأله وتحرى وصلى فإن أصاب القبلة جاز؛ لأن السؤال مجاز لإصابة القبلة، فإذا أصاب سقط فرضية السؤال، وإلا فلا، ولو سأله ولم يخبره وتحرى وصلى، ثم أخبره بأنه لم يصب، لا إعادة عليه وفي التحفة لو كان يعرف الاستدلال بالنجوم على القبلة، لا يجوز له التحري؛ لأنه فوقه قيد باشتباه القبلة؛ لأنه لو أشبه عليه الأواني، فإن كان ظاهرها غالبا يتحرى، وإلا لا يتحرى هذا في حالة الاختيار، وأما في حالة الاضطرار، فيتحرى للشرب دون الوضوء بل يتيمم من الخلاصة.
ولم يعد إن أخطأ بعدما صلى بالتحري، وإن علم به) أي: بخطئيه هذا شرط جزاؤه استدار. مصليا) أي: حال كونه في الصلاة أو تحول رأيه إلى أخرى) أي: ظنه إلى جهة أخرى.
استدار في الصلاة إلى جهة القبلة)؛ لأن أهل قباء لما بلغهم نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة استداروا في الصلاة إليها، واستحسنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فصار كنص نزل بخلاف الاجتهاد؛ ولأن العمل واجب بالاجتهاد فيما يستقبل بلا نقض المؤدى قبله؛ لأن تبدل الاجتهاد كنسخ النص، فيبقى المؤدى على الصحة.
وإن شرع في الصلاة بلا تَحَرِّ، لم يجز وإن أصاب)؛ لأنه كان مأمورا بالتحري لا بإصابة القبلة؛ لأنها ليست في وسعه، فلم يأت بما أمر به
الجزء 2 · صفحة 68
وإن تحرى كل أي: كل واحد منهم جهة بلا علم حال إمامهم) يعني لو صلى قوم في ليلة مظلمة بالجماعة، وتحروا القبلة، وتوجه كل واحد منهم إلى جهة تحريه، ولم يعلم أحد أن الإمام إلى أي جهة تحرى وهم خلفه أي: والحال أن الجماعة خلف الإمام
جاز) أداء الكل لأن القبلة في حقهم جهة التحري، وهذه المخالفة غير مانعة لصحة الاقتداء)، كما في جوف الكعبة، قال صدر الشريعة في قوله: وهم خلفه تساهل؛ لأن كلامنا فيما إذا لم يعلم أحد أن الإمام إلى أي جهة توجه، فكيف يعلم أنه خلف الإمام؟، وأقول: معنى قوله: وهم خلفه: أنهم خلفه أي: في نفس الأمر، لا أنهم خلفه في علمهم.
لا لمن علم حاله يعني: لا تجوز صلاة من علم [منهم] حال إمامه؛ لأنه اعتقد أن إمامه على الخطأ أو تقدمه بصيغة الماضي، أي: تقدم إمامه لترك فرض المقام، أقول: هذه المسألة معلومة من المسألة السابقة؛ فلا يطابق ما ادعاه من أنه في نهاية الإيجاز.
ويصلي قصد قلبه صلاته بالنصب مفعول: قصد بتحريمتها) الباء فيه متعلق بيصل أراد بها تكبيرة الافتتاح؛ لأن بها يحرم في الصلاة ما يباح قبلها، يعني: ينبغي أن لا يفصل بين النية وتكبيرة الافتتاح بعمل ينافيها، كشراء الحطب، ونحوه، ولو لم يكن ينافيها لا يضره كالوضوء، والمشي إلى المسجد، وفيه نفي لما قاله الكرخي من أنها يجوز بنية متأخرة إلى أن يركع كالصوم؛ لأن أول الجزء من الصلاة إذا خلا عن النية لا يكون عبادة، فكذا بواقيها، بخلاف الصوم؛ لأن أول جزء اليوم [ب//م غير معلوم فاكتفى بالنية المتأخرة، وأما النية المتقدمة على التكبير، فكالقائمة عنده إذا لم يفصل.
] والقصد مع لفظه أفضل يعني: الأفضل أنيشتغل قلبه بالنية، ولسانه بالذكر، ولا معتبر باللسان في تعيين الصلاة إذا لم يقارنه نية، وفي القنية: لو شرع في الفرض، وشغله الفكر في التجارة لا يعيد، ولم ينقص أجره؛ لأنه لم يكن بتقصير منه ولو ترك النية سهوا، فصلاته تجزئه؛ لأن السهو في الصلاة معفو عنه.
ويكفي للنفل، والتراويح، وسائر السنن نية مطلق الصلاة وفي التجنيس: هذا على ظاهر الرواية، والاحتياط أن ينوي متابعة الرسول عليه السلام
الجزء 2 · صفحة 69
وللفرض شرط تعيينه أنه ظهر، أو عصر؛ لاختلاف الفروض، ولو نوى الظهر، ولم يقل ظهر الوقت، لا يجزؤه؛ لأنه ربما كان عليه ظهر آخر، فلا يتعين، ومنهم من يقول: يجزؤه؛ لأن مطلق النية مصروف إلى ظهر الوقت؛ لأنه أصلي والفائتة عارضي، والمطلق ينصرف إلى الأصلي دون العارضي، ولو نوى فرض الوقت يجوز إلا في الجمعة؛ لأن العلماء اختلفوا في فرض الوقت في ذلك الوقت
لا نية عدد ركعاته أي: لا يشترط نية أعداد ركعات الفرض؛ لأنه لما) نوى الفرض فقد نوى عدد ركعاته
وللمقتدي نية صلاته، واقتدائه بالإمام؛ لأنه بنى صلاته على صلاة الإمام، فلا بد من التزامه، حتى لو لحقه ضرر الفساد من جهة الإمام كان ضررًا ملتزما، قيل: متى انتظر تكبير الإمام، ثم كبر كفاه عن نية الاقتداء، إلا أن الصحيح: ما ذكرنا؛ لأن الانتظار قد يكون بحكم [العادة) فما لم يقصد الاقتداء لا يصير مقتديًا، وفي الخانية: الأحسن أن يقول: نويت أن أصلي مع الإمام ما يصليها، ولو نوى الجمعة، ولم ينو الاقتداء، جوزه بعض المشايخ؛ لأن الجمعة لا يكون إلا مع الإمام)
باب صفة الصلاة
فرضها التحريمة)؛ لقوله تعالى: وَرَبَّكَ فَكَبَرْ المراد به: تكبيرة الافتتاح بالنقل عن أئمة التفسير، فيكبر قائما، حتى لو أدرك الإمام وهو راكع فكبر وهو إلى الركوع أقرب فسدت صلاته؛ لأن القيام فرض حالة الافتتاح، كما بعده، كذا في التجنيس)، وذكر في المحيط: هذا في الفرض، ولو افتتح التطوع قاعدًا مع القدرة على القيام، جاز؛ لأن القيام في التطوع ليس بفرض، ولو أدرك الإمام، وهو راكع فكبر قائما، وهو يريد تكبيرة الركوع، جازت صلاته؛ لأن نيته لغت بقي التكبير حالة القيام، أراد من الفرض هنا ما لا تجوز الصلاة بدونه لا [أنه] ركن؛ لأن التحريمة شرط لا ركن، وفائدته تظهر فيمن كبر، وغمس في الماء، ورفع، فصلى بالإيماء، تجوز صلاته، وإن كان حالة التكبير غير متوضئ ولو كان ركنا لما جاز كذا: في الكفاية.
الجزء 2 · صفحة 70
والقيام) لقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} أي: مطيعين، والمراد به: القيام في الصلاة بإجماع المفسرين.
والقراءة)؛ لقوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ والأمر للوجوب، فالقراءة خارج الصلاة غير واجبة بالإجماع)، فيجب في داخلها والركوع والسجود)؛ لقوله تعالى: {أَرْكَعُوا وَاسْجُدُوا بالجبهة والأنف به أخذ أي بهذا القول أخذ المتأخرون وأفتوا به، ولم يجيزوا الاقتصار على الأنف، كما لم يجز على الخد والذقن، وروي عن أبي حنيفة: أن الاقتصار على الأنف، وهو ما صلب منه جائز من غير عذر مع الإساءة؛ كما جاز الاقتصار على الجبهة؛ لأن الاقتصار على الأنف جائز عند العذر في الجبهة اتفاقا؛ فلولا أنه عضو يتأدى به هذا الركن لما أجزأ عنه، كالخدين، والذقن، وروى أسد [//م] عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز إلا من عذر، وهو قولهما، وعليه الفتوى؛ لأن الجبهة أصل في السجود؛ ولهذا جاز الاقتصار عليها إجماعا، والأنف تبع لها يتعلق به الكمال، والتبع لا يقوم مقام الأصل إلا عند الضرورة، بخلاف الخدين والذقن؛ لأنه لا يتعلق بهما أصل السجدة ولا كمالها؛ فلم ينب فيه مطلقا.
والقعدة الأخيرة قدر التشهد؛ لقوله عليه السلام لابن عمر له: «إذا رفعت رأسك من السجدة الأخيرة، وقعت قدر التشهد، فقد تمت صلاتك، علق تمام الصلاة بها؛ فيكون مفروض، فإن قلت: لا يلزم من الإتمام فرضيتها؛ لأن الصلاة تكون ناقصة بترك الواجب.
قلت: أراد به الإتمام من جهة الأركان، لا الإتمام من جهة الصفة؛ لأنه علق الإتمام بالفعل دون قراءة التشهد وهي واجبة، فإن قلت: كيف يثبت بخبر الواحد الفرضية؟ قلت: هذا بيان لمجمل الكتاب والفرضية ثابتة به لا بالخبر.
والخروج بصنعه) أي: بفعل المصلي، وهو فرض عند أبي حنيفة، خلافا لهما، له أن الخروج من فروع الدين، كالحج، وخروج الحاج منه كان فرضا بفعله، فكذا المصلي، ولهما: أن الخروج من الصلاة قد يكون بفعل هو معصية، كالحدث العمد والقهقهة فيها، فلا يجوز وصفه بالفرض، والمراد بالصفة: الصفة المنافية للصلاة، وذلك مثل أن يضحك قهقهة، أو يحدث عمدًا، أو يتكلم أو يذهب، فائدة: الخلاف تظهر في المسائل المشهورة المسماة باثني عشر، وهي: أنه إذا رأى المتيمم الماء إلى آخره في المتن).
الجزء 2 · صفحة 71
وواجبها قراءة الفاتحة، وضم سورة، ورعاية الترتيب فيما تكرر) أي: في فعل متكرر في ركعة واحدة، حتى لو ترك السجدة الثانية، فقام إلى الركعة الثانية، لا تفسد صلاته قيد بقوله تكرر؛ لأن ما شرع غير مکرر فيها، كالركوع؛ فإن ترتيبه على السجود فرض، حتى لو ركع بعد السجدة لا يعتد بالإجماع،، كذا: في الكفاية، اعترض عليه: بأن الترتيب بين الأركان واجب أيضًا؛ حتى لو ركع قبل القراءة يسجد للسهو، وذكر في الذخيرة مراعاة الترتيب بين الأركان واجبة عند الأئمة الثلاثة، خلافا لزفر، فإنها فريضة عنده، فلا حاجة إلى قوله: فيما تكرر، ويجوز أن يراد مما تكرر ما تكرر في الصلاة احتراز عما لا يتكرر فيها على سبيل الفرضية كتكبيرة الافتتاح، والقعدة الأخيرة، فإن مراعاة الترتيب في ذلك فرض.
والقعدة الأولى، والتشهدان في القعدتين، نص عليه): في المحيط، وذكر في الهداية: أن التشهد في القعدة الأولى: سنة، وفي الثانية: واجبة؛ لأن القعدة الأخيرة لما كانت فرضًا كانت [قراءة التشهد واجبة، فالقعدة الأولى: لما كانت واجبة كانت قراءة التشهد فيها سنة؛ لأن الأقوال زين الأفعال، وكانت] أحط مرتبة منها، لكن المصنف لم يأخذ بها؛ لأن قوله عليه السلام لابن مسعود: «قل التحيات لله»، يفيد الوجوب في كليهما
ولفظ السلام، وقنوت الوتر، وتكبيرات العيدين، وتعيين الأوليين للقراءة، وتعديل الأركان وهو الطمأنينة في الركوع والسجود والجهر، والإخفاء فيما يجهر ويخفي؛ لمواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - على هذه الأشياء من غير ترك).
وسن غيرها) أي: غير الواجبات والفرائض كرفع اليدين للتحريمة، ونشر أصابعه، وتكبير الركوع، وتسبيحه، وغيرها.
أو ندب) كالنظر إلى موضع سجوده، وكظم فيه عند التثاؤب، وإخراج كفيه من كميه عند التكبير، ودفع السعال ما استطاع، والقيام حين قيل: حي على الفلاح.
اعلم أن الندب والأدب متقاربان يطلق أحدهما مكان الآخر، فإذا أراد الشروع كبر حاذفًا حال من الضمير في كبر، أراد بالحذف: أن لا يأتي بالمد في همزة الله ولا في باء أكبر، بعد رفع يديه
الجزء 2 · صفحة 72
ظرف لقوله: كبر غير مفرج أصابعه، ولا ضام بالجر وتشديد الميم عطف على: مفرج، ولا: زيدت للتأكيد، وفيه رد لمن زعم بكل واحد منهما.
ماسا بإبهاميه شحمتي أذنيه) لما روي أنه عليه السلام فعل كذا: حين كبر وقال الشافعي: يرفع يديه إلى منكبيه لما روي أنه لا فعل كذا، وعلى هذا الخلاف تكبيرة القنوت والأعياد والجنازة، وما ذكرناه أولى؛ لأنه قد يكون خلف الإمام أصم، وأعمى، يجهر بالتكبير؛ ليسمع الأعمى، ويرفع اليد ليرى الأصم، وما ذكره كان في زمان البرد، وأيديهم تحت ثيابهم، وإذا رفع يديه بلغ كماه شحمتي أذنيه، فاكتفى بذلك؛ الحصول الإعلام [ب/ /م].
والمرأة ترفع يديها حذاء منكبيها؛ لأن هذا أستر لها، وعن أبي حنيفة: أنها ترفع يديها حذاء أذنيها؛ لأن كفيها ليس بعورة، فإن أبدل التكبير بالله أجل، أو أعظم، أو الرحمن أكبر، أو لا إله إلا الله) وفي الخانية: لو قال: الله، ولم يزد عليه يكون شارعا)
أو بالفارسية) أي: لو أبدل التكبير بالفارسية أو قرأ عاجزا عن العربية بها) أي: بالفارسية قيد بالعجز بناءً على قولهما، لأن القراءة بالفارسية في الصلاة جائزة عند أبي حنيفة، وإن كان يحسن العربية؛ لأن القرآن هو المعنى والفارسية تدل على معناه؛ فيكون جائزا في حق الصلاة خاصة؛ لأن المناجاة حالة دهشة قيل: جوزها أبو حنيفة بالفارسية فقط؛ لقربها من العربية، والصحيح أنها جائزة بأي: لسان كان؛ لأن المعنى لا يختلف باختلاف اللغات، وعندهما: إذا لم يعجز عن العربية لا يكتفي بقراءتها؛ لأن القرآن اسم للمنزل بالعربي، وإنما جوزت للعاجز عن العربية إذا تيقن بأنه معنى العربية من غير أن يزيد عليه شيئًا، أما إذا زاد على طريق التفسير تفسد صلاته بالإجماع؛ لأنه غير مقطوع به، وذكر في الهداية والمحيط: لا خلاف في أنه لو قرأ بالفارسية لا تفسد صلاته؛ وإنما الخلاف في أن القراءة بالفارسية هل تنوب مناب القراءة بالعربية؟ وقال الإمام قاضي خان يفسد صلاته بالقراءة بالفارسية عندهما، وفي الفضيلة: الخلاف فيما إذا جرى على لسانه من غير قصد، أما من تعمد ذلك يكون زنديقا، أو مجنونا، والمجنون يداوى، والزنديق يقتل، وروي أنه رجع إلى قولهما، وهو الصحيح، وعليه الاعتماد).
الجزء 2 · صفحة 73
أو ذبح، وسمى بها أي: بالفارسية جاز) سواء عجز عن العربية، أو لا؛ فإنها جائزة اتفاقا، وأما الأذان بالفارسية، فإن علم الناس أنه أذان جاز، وإلا فلا، وفي التشهد بالفارسية فعن أبي حنيفة روايتان).
وباللهم اغفر لي لا يعني: إن بدل التكبير باللهم اغفر لي، لا يجوز؛ لأنه مشوب بحاجته، ولم يكن تعظيما خالصا لله، وكذا: لو قال: إنا لله، ولو قال]: اللهم، قيل: يجزؤه؛ لأن معناه: يا الله، وقيل: لا يجزؤه؛ لأن معناه: يا الله) أمنا بخير.
ويضع يمينه على شماله تحت سرته لقول علي له: إن من [السنة أن يضع المصلي يمينه على شماله تحت سرته، والسنة إذا أطلقت تنصرف في الأغلب إلى سنة رسول الله، وهذا قول محمد، وقال أبو يوسف: يأخذ شماله بيمينه كلاهما متمسكان بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -
والمختار: أن يضع، ويأخذ رسغها بالخنصر والإبهام؛ ليكون عملا بالحديثين)، وقال الشافعي: يضع يديه على الصدر؛ لأنه موضع نور الإيمان، فحفظه بيده أولى.
كالقنوت) أي: كما يضع يمينه على شماله حالة الثناء في القنوت.
وصلاة الجنازة، ويرسل في قومة الركوع، وبين تكبيرات العيد)) لأن الوضع سنة قيام فيه ذكر مسنون؛ لأنه إنما شرع؛ مخافة اجتماع الدم في رؤوس الأصابع، وإنما يخاف ذلك حال القراءة)؛ لأن السنة فيها تطويلها، وليس بين التكبيرات ذكر مسنون فيرسل فيها، والقومة من الركوع، وإن كان فيها ذكر مسنون؛ لكن خصت من هذا الأصل؛ لعدم امتدادها، وفي التنجيس: لا يرسل يديه بعد التحريمة، بل يضعهما؛ لأنه قيام فيه ذكر مسنون). ثم يثني) أي: يقرأ: سبحانك اللهم وبحمدك ... إلخ عقيب الافتتاح؛ لما روي أنه عليه السلام إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم ......... إلخ ولو أدرك الإمام بعدما اشتغل بالقراءة جهرا، أو سرا لا يأتي بالثناء، ولو أدركه في الركوع يكبر قائما، ويترك الثناء ويكبر ويركع؛ لئلا يفوت عنه إدراك الركعة، ولو أدركه في السجود يكبر، ويأتي بالثناء)، ثم يكبر ويسجد، كذا: في الأمالي.
ولا يوجه) أي: لا يقرأ: إِنِّي وَجَهْتُ ... الآية، وقال الشافعي: يوجه، لما روى على رضي الله عنه أنه عليه السلام إذا كبر قال: إني وَجَهْتُ وَجْهِي ...
الجزء 2 · صفحة 74
ولنا: ما روت عائشة أنه لا إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم ... إلخ».
ويتعوذ للقراءة) يعني: أنه تبع للقراءة لقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْوَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} أي: إذا أردت القراءة.
لا للثناء) يعني: عند أبي يوسف أنه [//م] تبع للثناء؛ لأن الاستعاذة عند القراءة كانت لدفع وسوسة الشيطان، والمصلي أحوج من القارئ إليه فيقوله المسبوق) إذا قام لقضاء ما فاته؛ لأنه قارئ
لا المؤتم) يعني: لا يتعوذ المقتدي؛ لأنه ليس بقارئ، وعند أبي يوسف: يتعوذ لأنه يأتي بالثناء)
ويؤخر) التعوذ عن تكبيرات العيدين لتكون متصلة بالقراءة، وعند أبي يوسف: يتعوذ قبل التكبيرات؛ لأنه تبع للثناء
ويسمي) أي: يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في أول الصلاة عند أبي حنيفة؛ لأن الصلاة فعل واحد؛ فيكتفي بالتسمية في أولها، وقالا: في أول كل ركعة؛ لأن كل ركعة بمنزلة صلاة مبتدأة، ولهذا لو حلف لا يصلي يحنث بإتمام ركعة، وفي الكفاية: التسمية في أول كل ركعة حسن بالاتفاق، وإنما الخلاف في وجوبها فيه؛ فعنده: لا يجب في الثانية كوجوبها في الأولى: وعندهما يجب لا بين) أي: لا يسمي بين الفاتحة والسورة)، وقال محمد يسمي في أول كل سورة؛ لأنه أقرب إلى متابعة المصحف، ولهما: أن البسملة أنزلت للفصل، وليست آية من أول كل سورة، ولا من آخرها.
ويسرهن) أي: يخفي الثناء والتعود والتسمية؛ لأن الجهر فيها بدعة، كما في الدعاء. ثم يقرأ الفاتحة وسورة، أو ثلاث آيات ويؤمن) أي: يقول الإمام: آمين بعد ولا الضالين سرا، كالمأموم، ثم يكبر للركوع) لأنه عليه السلام كان يكبر حين يهوي للركوع.
خافضا) أي: منحطا ويعتمد يديه على ركبتيه مفرجا أصابعه) لقوله عليه السلام لأنس إذا ركعت ضع يدك على ركبتيك، وفرج بين أصابعك». باسطا ظهره) أي: مسويا ظهره بعجزه غير رافع، ولا منكس رأسه) لأنه علي كان إذا ركع لا يخفض رأسه، ولا يرفعه.
الجزء 2 · صفحة 75
ويسبح ثلاثًا) لما روي أنه عليه السلام قال: من قال في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاثا، فقد تم ركوعه وهو أدناه) أي: أدنى الكمال لا الجواز، وعند أبي مطيع البلخي: تلميذ أبي حنيفة: لو نقص من ثلاث تسبيحات، لم يجز؛ لأنها ركن كالقيام، وعند محمد لو سبح مرة يكره
ثم يسمع) أي: يقول: سمع الله لمن حمده. رافعا رأسه) من الركوع ويكتفي به) أي: بالتسميع الإمام، وبالتحميد المؤتم) عند أبي حنيفة، وقالاً: يجمع بينهما)؛ لأنه عليه السلام جمع بينهما)، وله قوله عليه السلام: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، قولوا: ربنا لك الحمد»، قسم الأذكار بينهما، والقسمة يقطع الشرك.
والمنفرد يجمع بينهما) أي: يأتي بالتسميع حالة الارتفاع، وبالتحميد حالة الاستواء في أصح الروايتين عن أبي حنيفة، وروي عنه: أن المنفرد يأتي بالتسميع فقط؛ لأن الذكر) شرع حال الانتقال دون الاعتدال إظهارا لانحطاط رتبته، كما في القعدة بين السجدتين).
ويقوم مستويا، ثم يكبر ويسجد فيضع ركبتيه أولا ثم يديه) لأنه عليه السلام كان يفعل كذا، وفي الحقائق: هذا إذا كان المصلي حافيا، وإن كان ذا خف لا يمكن وضع الركبتين قبل اليدين، فإنه يضع يديه أولا، ويقدم اليمنى على اليسرى).
ثم وجهه بين كفيه ويديه حذاء أذنيه، ضامًا أصابعه مبديًا) حال من الضمير المستتر الراجع إلى المصلي، وكذا مجافيًا وموجها ضبعيه) بسكون الباء، أي: مظهرًا عضديه مجافيًا) أي: مباعدا بطنه عن فخذيه) في غير زحمة قيدنا به لأنه لو كان الصف مزدحما لا يبدي ضبعيه؛ خوفا من الإيذاء
موجها أصابع رجليه نحو القبلة، ويسبح فيه) أي: في سجوده ثلاثا فإن سجد على كور عمامته أي: دورها أو فاضل ثوبه، أو شيء يجد حجمه أي حجم ذلك الشيء وتستقر جبهته على ذلك الشيء، كما إذا سجد على الثلج المتلبد جاز، وإن لم يستقر لا) أي: لا يجوز كما إذا سجد على الرمل والذرة، فإن كانت منبسطة يجوز لوجود الاستقرار وكذا) يجوز لو سجد للزحام على ظهر من يصلي صلاته)؛ للضرورة لا) من لا يصليها) أي: لا يجوز لو سجد على ظهر] من لا يصلي صلاته، وهذا متناول لوجهين: إما أن لا يصلي أصلا، أو يصلي ولكن لا يصلي صلاته، لأن الإنسان لا يمكث في المسجد إلا للصلاة، غالبا، وفي الكفاية: لو سجد مصلي الجمعة على ظهر
الجزء 2 · صفحة 76
آخر؛ للزحام لا بأس به إن كان ركبتاه على الأرض، وإلا فلا يجزؤه، وفي المحيط: [ب/ /م] لو سجد على ركبتيه لا يجزؤه لأنه يكفيه الإيماء، ولو سجد على العجلة إن كان على ظهر البقرة لا يجوز؛ لأن السجود عليه كالسجود على ظهر البقرة)
والمرأة تخفض في سجودها، وتلزق بطنها بفخذيها) أي: تلصق وهذه الجملة بيان للجملة الأولى.
ويرفع رأسه من السجود مقدار ما يعد قاعدًا، وإن كان إلى الأرض أقرب لا يجوز؛ لأنه يعد ساجدًا، وهو مختار صاحب الهداية، وقال القدوري: مقدار ما يسمى رفعًا، وهو مختار صاحب المحيط، وقال شيخ الإسلام هذا القول أصح؛ لأن الواجب هو الرفع، فإذا وجد أدنى ما يتناوله اسم الرفع كان مؤديا لهذا الركن بخلاف الركوع؛ لأنه هو الميلان وانحناء الظهر، وإذا وجد بعض الانحناء يرجح الأكثر، فإن كان إلى الركوع أقرب كان راكعا، وإلا فلا.
اعلم أن رفع الرأس من الركوع والسجود فرض في رواية عن أبي حنيفة، وهو قول محمد، والصحيح من مذهبه: أنه ليس بفرض إلا أن الانتقال إلى السجدة من السجدة] بلا رفع غير ممكن، فشرط الرفع حتى لو سجد على لوح ونزع من تحت رأسه، فسجد على الأرض بلا رفع رأسه، يجوز.
مكبرا) ويجلس مطمئنا) أي: ساكنا بقدر تسبيحة. ويكبر ويسجد مطمئنا، ويكبر) بعدما اطمأن ساجدًا، ويرفع رأسه أولا، ثم يديه، ثم ركبتيه)؛ لما روي أنه عليه السلام كان يفعل كذا.
ويقوم مستويا بلا اعتماد على الأرض، ولا قعود) وقال الشافعي: يجلس جلسة خفيفة ثم ينهض معتمدا؛ لما روي أنه عليه السلام كان يفعل هكذا ولنا: ما روي أنه لا إذا رفع رأسه من السجود كان ينهض في الصلاة على صدور قدميه، وما رواه محمول على حالة العذر بسبب الكبر
والركعة الثانية كالأولى، لكن لا ثناء، ولا تعوذ، ولا رفع يد فيها) وقال الشافعي: يرفع يديه عند الركوع، وعند رفع الرأس)؛ لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل هكذا،، ولنا الحديث المشهور وهو قوله عليه السلام «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن عند افتتاح الصلاة، وقنوت الوتر وتكبيرات العيدين، وعند استلام الحجر، وعند الصفا والمروة، وعند الموقفين وعند الجمرتين، - أي:: الأولى: والوسطى –
الجزء 2 · صفحة 77
فإذا أتمها) أي: الركعة الثانية افترش رجله اليسرى، وجلس عليها ناصبًا يمناه موجها أصابعه) أي: أصابع رجله نحو القبلة واضعا يديه على فخذيه موجها أصابعه) أي: أصابع يده نحو القبلة مبسوطة احترز به عن قول الشافعي؛ لأن عنده يقبض الخنصر، والبنصر، والوسطى عن ن اليد اليمنى، ويرسل المسبحة لما روي أنه عليه السلام كان يفعل هكذا، ولنا: ما روت عائشة أنه عليه السلام كان يقعد القعدتين موجها أصابعه نحو القبلة»
وتشهد كابن مسعود) أي: كتشهد ابن مسعود، وهو التحيات الله، والصلوات والطيبات السلام عليك ... إلخ، قيد بتشهد ابن مسعود لأن الشافعي أخذ بتشهد ابن عباس، وهو قوله: التحيات المباركات الصلوات الطيبات الله، السلام عليك إلخ. . هذا من باب إطلاق
اسم البعض على الكل؛ لأن التشهد بعض التحيات. روي عن محمد أنه قال: أخذ بيدي أبو يوسف وعلمني التشهد، وقال: أخذ بيدي أبو حنيفة، وعلمني التشهد وقال: أخذ بيدي حماد وعلمني التشهد وقال: أخذ بيدي إبراهيم النخعي وعلمني التشهد، وقال: أخذ علقمة بيدي وعلمني التشهد وقال: أخذ بيدي ابن مسعود وعلمني التشهد وقال: أخذ بيدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلمني التشهد، وقال عليه السلام: «أخذ بيدي جبرئيل وعلمني التشهد).
ولا يزيد عليه أي: على التشهد في القعدة الأولى:) لأنه لا لا يزيد عليه ويقرأ فيما بعد الأوليين الفاتحة فقط، وهي أفضل)) لأنه عليه السلام قرأ في الآخرتين الفاتحة
وإن سبح، أو سكت جاز إلا أنه إذا أراد قراءة الفاتحة، فليقرأ على جهة الثناء لا القراءة، وبه أخذ بعض المتأخرين، [//م]، ولو قرأها على قصد الثناء لا ينوب عن القراءة؛ كذا في القنية، والأكثرون على أنها تنوب عن القراءة؛ لأن الفاتحة وجدت في محلها؛ فلا يتغير حكمها بقصده؛ ولهذا لو لم يقرأ في الأوليين، وقرأها على قصد الثناء في الأخريين، لا يجزؤه، وعن أبي يوسف: أنه لا يسكت)، وفي المحيط: إن ترك القراءة، والتسبيح في الأخريين لم يكن عليه حرج، ولا سجدة سهو إن كان ساهيا.
ويقعد كالأولى والمرأة تجلس على إليتها اليسرى مخرجة رجليها) وهي حال من ضمير: تجلس من الجانب الأيمن فيهما) أي: في التشهدين؛ لأنه أستر لها.
الجزء 2 · صفحة 78
ويتشهد [ويصلي]) على النبي عليه السلام، ويدعو بما يشبه القرآن) كقوله: رب اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات.
أو المأثورة من الدعاء) أي: المنقول بالأثر، كما روي عن أبي بكر أنه قال: يا رسول الله: علمني دعاء أدعو به في صلاتي؛ فقال: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرًا، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، إنك أنت الغفور الرحيم».
لا كلام الناس) أي: لا يدعو بما يشبه كلام الناس، وهو ما لا يستحيل سؤاله منهم نحو: أعطني كذا، ولو دعا به، فالصحيح: أنه يفسد صلاته إذا لم يقعد قدر التشهد، ولو دعا بعده يخرج عن الصلاة، ولا تفسد ه).
ثم يسلم عن يمينه) أي: جانب يمينه بنية من ثمة) يعني: ينوي بسلامه من في يمينه من البشر، والملك هذا على قول أبي حنيفة الآخر في تفضيل مؤمن البشر على الملائكة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة ثم عن يساره كذلك، والمؤتم ينوي إمامه في جانبه) يعني: إن كان الإمام في الجانب اليمنى ينويه، وكذا إن كان في يساره؛ وإنما خص الإمام بالنية مع دخوله في الحاضرين، لأنه أحسن إليه بأن يلتزم صلاته صحة وفسادًا، وفيهما إن حاذاه يعني: ينوي المؤتم الإمام في الجانبين إن قام في مقابله؛ لأنه ذو حظ من الجانبين، روي في الأخبار: أن الله - تعالى - إذا أنزل الرحمة على الجماعة ينزلها أولا على الإمام، ثم إلى من بحذائه في الصف الأول، ثم إلى الميامن، ثم إلى المياسر، ثم إلى الصف الباقي.
والإمام) ينوي بهما) أي: بالتسليمتين الجماعة [والحفظة] والمنفرد الملك فقط) يعني: ينوي المنفرد الحفظة؛ لأنه ليس معه سواهم.
فصل: في القراءة
يجهر الإمام في الجمعة والعيدين والفجر، وأولى العشاءين) أي: المغرب والعشاء أداء وقضاء لا غير)؛ لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جهر في هذه الصلوات والمنفرد خير) بين الجهر والإخفاء إن أدى) يعني: إن شاء جهر، وأسمع نفسه فيما يجهر فيها، وإن شاء أسر؛ لأنه غير محتاج إلى إسماع
الجزء 2 · صفحة 79
غيره؛ لكن الجهر أفضل؛ لأنه صلى على هيئة الجماعة، قال - عليه) السلام -: «من صلى على هيئة الجماعة صلت بصلاته صفوف من الملائكة»
وخافت حتما إن قضى؛ لأن الجهر مختص إما بالجماعة، أو بالوقت، ولم يوجدا في المنفرد إذا قضى وقيل: يتخير في القضاء أيضًا؛ لأن [القضاء] يكون على [وفق] الأداء، وهو الصحيح.
وأدنى الجهر [إسماع] غيره، وأدنى [المخافتة]) إسماع نفسه وهذا عند الهندواني؛ لأن مجرد حركة اللسان لا يسمى قراءة بدون الصوت، وهو الصحيح) احترز به عن قول الكرخي وهو أدنى الجهر: أن يسمع نفسه، وأقصاه أن يسمع غيره، وأدنى المخافتة: أن يصحح الحروف؛ لأن القراءة فعل اللسان؛ وذلك بإقامة الحروف دون السماع؛ ع؛ لأن السماع يحصل بالأذن، وهو فعل السامع لا فعل القارىء.
وكذلك كل ما يتعلق بالنطق كالطلاق، والعتاق والاستثناء، وغيرها): كالتسمية حتى لو طلق امرأته أو أعتق أمته، أو استثنى بأن قال له علي ألف إلا مائة، فإن صحح الحروف فيها، ولم يسمع نفسه لا يقع، ولا يصح الاستثناء على ما هو الصحيح)
فإن ترك سورة أوليي العشاء قرأها بعد فاتحة [ب//م] أخرييه)، وجهر بهما) أي: بالسورة والفاتحة، إن أم): وهو الصحيح؛ لئلا يؤدي إلى الجمع بين الجهر والمخافتة في ركعة واحدة، وهو غير مشروع، والجهر في الفاتحة في العشاء مشروع في الجملة، والإخفاء بالسورة في الجماعة في العشاء غير مشروع أصلا، وتغيير النفل وهو الفاتحة أولى من تغيير الواجب، وفي رواية عن أبي حنيفة، وهو مختار فخر الإسلام أنه يجهر بالسورة دون الفاتحة؛ لأن الفاتحة أداء والسورة قضاء، والأداء] يكون بحسب محله والفاتحة أداء؛ فتراعي صفتها، والسورة فائتة فتراعى بصفة الجهر، فتقضى كذلك، والقضاء ملحق بموضعه، فلا يجمع الجهر والمخافتة في ركعة واحدة تقديرا، وعن أبي حنيفة: أنه يخافت بهما؛ لأن الفاتحة [يخافت] فيهما، فيخافت بالسورة تبعا لها، اختلف في كيفية القضاء، قيل: يقدم السورة على الفاتحة؛ لأنها ملحقة بالقرأة في الأوليين؛ فكان تقديم السورة أولى، وقيل: يؤخر، وهو الأشبه، والأبعد من التغيير).
الجزء 2 · صفحة 80
ولو ترك فاتحتهما) أي: فاتحة أولى العشاء لم يعد) أي: لم يقرأ الفاتحة في الأخريين؛ لأنه لو قرأها فيهما يلزم تكرار الفاتحة في ركعة واحدة، وذا غير مشروع، وأما السورة فإنها شرعت مرتبة على الفاتحة، وقد قدر على ذلك؛ لأن المتراخي مرتب لا محالة.
فرض القراءة آية والمكتفي بها أي: بالآية القصيرة بدون قراءة الفاتحة جائز مسيء) لأنه ترك الواجب، وعندهما: لا يجوز ما لم يقرأ ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة؛ لأنه بدون ما ذكر لا يسمى قارئًا عرفا، وله: قوله تعالى: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ إلا أن ما دون الآية خارج إجماعا؛ ولهذا لا يحرم على الجنب قراءة، هذا إذا قرأ آية قصيرة، هي كلمات، أو كلمتان نحو قوله: كَيْفَ قَدَّرَ فلو قرأ آية هي كلمة كـ مُدْهَا مَتَانِ أو حرف كـ ص) اختلف المشايخ فيه ولو قرأ آية طويلة في ركعتين كآية الكرسي الأصح: أنه يجوز عنده)، وفي الحسامية: لو قرأ المغضوب بالذال والصمد بالسين، ولم يقدر على تصحيح لفظه صلى بلا قراءة)، وقيل: تجوز صلاته بتلك القراءة، لكنه لا يقتدي به غير
وسنتها في السفر عجلة) منصوب على الظرفية أي: وقت العجلة. الفاتحة وأي: سورة شاء وأمنة بالتحريك أي: وقت الأمن، ويجوز أن يكون أمنة وعجلة حالان من فاعل السفر أي: سنتها في سفر حال كونه عاجلا وآمنا.
نحو البروج، وانشقت) أي: يقرأ: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوج وإِذَا السَّمَاءُ أَنشَقَّتْ.
وفي الحضر استحسنوا طوال المفصل): وهو السبع السابع، سمي به؛ لكثرة فصوله، وهو من سورة محمد وقيل: من ق إلى آخر القرآن في الفجر، والظهر، وأوساطه أي: أوساط المفصل.
في العصر، والعشاء، وقصاره في المغرب، ومن الحجرات طوال إلى البروج، ومنها أوساط إلى لم يكن، ومنها) أي: ومن سورة: لم يكن قصار إلى الآخر) لما روي أن عمر الله أمر أبا موسى الأشعري هكذا.
وفي الضرورة بقدر الحال): قال الحلواني: المفصل من سورة البقرة إلى آخر القرآن.
وكره توقيت سورة لصلاة) مثل أن يقرأ: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ في صلاة الفجر يوم الجمعة، أي: تعيينها بحيث لا يقرأ فيها إلا تلك السورة سوى الفاتحة؛ لما فيها من هجران الباقي، وإيهام
الجزء 2 · صفحة 81
التفضيل، قال الطحاوي: هذا إذا اعتقد عدم الجواز بغيرها، وأما إذا اعتقد الجواز بغيرها، وإنما قرأها، لأنها أيسر عليه فلا يكره أخذ بقوله الشارحون في شروحهم، فلم يتعرضوا] له
أقول: اعتقاد عدم الجواز إن لم يكن مبتنيا على دليل فغير مشروع؛ لأنه يكون ناصباً للحكم من عنده؛ فكيف يكون مكروها؟) وإن كان مبتنيًا على دليل، فلا كراهة أيضًا؛ لأنه يكون باجتهاد والمجتهد يكون باجتهاده مأجورا، وإن كان مخطئا، فأي حاجة إلى هذا القيد، وفي المجرد: تعيين السورة مع القدرة على غيرها كراهة؛ لأنه يلزم الهجران من الباقي.
ولا يقرأ المؤتم): خلف الإمام بل يستمع، وينصت لقوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا.
قال المفسرون: [//م] هذا خطاب للمقتدين، ولو قرأ خلفه قال بعض المشايخ: يفسد صلاته لقوله: من قرأ خلف الإمام، فلا صلاة له، وقال محمد: لا يكره، وقالا: يكره.
وإن قرأ إمامه إن للوصل آية ترغيب، أو ترهيب) يعني: لا يسأل الجنة عند آية الترغيب ولا يتعوذ من النار عند آية الترهيب أو خطب، وصلى على النبي في خطبته؛ لأن الصلاة على النبي، مخل لفرض الاستماع؛ إلا أن يقرأ الخطيب: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ} فإنه يصلي السامع في قلبه ائتمارًا للأمر، ولا يحرك لسانه، هذا إذا قرب من الخطيب، وإن بعد، فالأحوط السكوت؛ لأنه وإن لم يقدر على الاستماع فقد قدر على الإنصات، فيجب عليه.
والجماعة سنة مؤكدة) أي: سنة تشبه الواجب في القوة، وأكثر المشايخ على أنها واجبة، وتسميته سنة؛ لأنه ثابت بالسنة؛ لكن إن فاتته جماعة لا يجب عليه الطلب في مسجد آخر، وفي التبيين: الصحيح: أن الجماعة تسقط بالمطر والطين والبرد الشديد، والظلمة الشديدة، ومن ترك الجماعة؛ لتكرار اللغة يكون عذرًا إذا لم يكن يواظب على تركها؛ لقلة مبالاته، وفي القنية: إذا اشتغل بتكرار اللغة فتفوته الجماعة لا يعذر، بخلاف تكرار الفقه ومطالعة كتبه، فإنه عذر في ترك الجماعة، قال: وجوابه الأول: فيمن واظب على ترك الجماعة تكاسلا، وقلة مبالاته بها، وجوابه الثاني: فيمن لا يواظب على تركها باشتغاله بالفقه؛ لنفعه للمسلمين وكلا الجوابين على هذا التفصيل حسن.
الجزء 2 · صفحة 82
والأولى: بالإمامة الأعلم بالسنة): أي: بأحكام الصلاة صحة وفسادا، حتى إذا عرض له عارض أمكنه إصلاح صلاته
ثم الأقرأ) أي: إن تساووا في السنة يؤمهم أكثرهم قرآنا وتحسينا لقراءته؛ لأن قراءته ركن في صلاته، والجماعة إليها أمس.
ثم الأورع) أي: أشدهم احترازًا عن الشبهات؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من صلى خلف عالم تقي، فكأنما صلى خلف نبي)
ثم الأسن) لقوله لابني أبي مليكة: «ليؤمكما أكبر كما سنا، وإن تساووا فيه فأحسنهم خلقا، أي: ألفة بالناس، وإن تساووا) فيه فأحسنهم وجها، أي: أكثرهم صلاة بالليل؛ فإن تساووا) فيه فأشرفهم نسبا؛ فإن تساووا فيه فأنظفهم ثوبا؛ فإن تساووا فيه يقرع، أو الخيار إلى القوم؛ كذا: في معراج الدراية.
فإن أم عبد، أو أعرابي) وهو من العرب من سكن في البادية، أو فاسق، أو أعمى، أو مبتدع، أو ولد الزنا كره؛ لأن الناس يكرهون الصلاة خلف هؤلاء، وفي تقديمهم تقليل الجماعة، هذا إذا كان من البصير من هو أفضل منه؛ فإن لم يكن يؤم الأعمى؛ لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استخلف ابن أم مكتوم بالمدينة حين خرج إلى غزوة تبوك؛ لأنه لم يكن أحد أفضل منه، وفي المحيط في صلاة الجمعة يقتدى بالفاسق، وأما في غيرها من المكتوبات، فلا بأس بأن يتحول إلى مسجد آخر، ولا يصلي خلفه ولا يأثم بذلك.
كجماعة النساء وحدهن أي: بدون الرجال؛ لأن جماعتهن لا تخلو عن ارتكاب محرم من زيادة الكشف، أو ترك مقام الإمام.
ويقف الإمام وسطهن لو فعلن؛ لأن ذلك أستر لها، وفي القنية: المرأة تصلي الإمامة الرجال في سجدة التلاوة دون الجنازة، ومعنى ما ذكر في المحيط من أن المرأة إذا أمت في صلاة الجنازة لا تعاد لأن صلاة الرجال فاسدة، وصلاتها صحيحة، فتسقط فرضية صلاة الجنازة بصلاتها، فلا تعاد، لأن إعادتها غير مشروع).
وكحضور الشابة كل جماعة إنما كره؛ لما في حضورها من خوف الفتنة.
الجزء 2 · صفحة 83
والعجوز) أي: كره حضور العجوز الظهر، والعصر لا الباقية) أي: لا يكره حضورها في الأوقات الثلاثة، والعيدين؛ إنما كره حضورها في الوقتين عند أبي حنيفة؛ لأن الفساق منتشرون في هذين الوقتين، وفرط الشبق قي قد يحملهم على رغبة العجائز، وأما في الفجر والعشاء فهم نائمون، وفي المغرب بالطعام مشغولون، وأما في العيدين؛ فلأن المصلى متسع فيمكنهن الاعتزال عن الرجال، وقالا: تخرج العجائز في الصلوات كلها؛ لقلة الرغبة فيهن، قيد بالعجوز؛ لأن الشابة ليس لها الخروج اتفاقا، قال الإمام المحبوبي: هذا الخلاف كان في زمانهم، [ب/ /م]، وأما في زماننا فيمنعن ن كلهن عن حضور الجماعات
ويقتدي المتوضئ الذي ليس معه ماء بالمتيمم)؛ لأن طهارة المتيمم طهارة مطلقة لا ضرورية؛ لأن التراب خلف عن الماء؛ إنما قيدنا المتوضئ به؛ لأنه لو كان معه ماء، لا يجوز اقتداؤه بالمتيمم.
والغاسل) أي: يقتدي الغاسل بالماسح)؛ لأن [الخف مانع عن سراية الحدث إلى القدم، وما حل الخف يزيله المسح، فاستوى الغاسل والماسح.
والقائم) أي: يقتدي القائم بالقاعد)؛ لما روي أنه لا، صلى آخر صلواته قاعدًا، والقوم خلفه قيام، وفي الحقائق: هذا في قاعد يركع ويسجد؛ لأنه لو كان يومئ والقوم يركعون ويسجدون لا يجوز الاقتداء، وفي المحيط: لا تجوز إمامة الخنثى المشكل لمثله، وإمامة الخنثى المشكل للنساء جائزة)، إن تقدمهن، وإن قام وسطهن فسدت صلاتهم؛ لوجود المحاذاة منهن، وفي الذخيرة إمامة الأحدب جائزة، وذكر التمرتاشي إن بلغ حدبه حد الركوع، فعندهما جائزة، كما تجوز إمامة القاعد بالقائم، وعند محمد: لا يجوز.
والمومئ بالموميء)؛ لاستوائهما في الحال، إلا أن يومئ المؤتم قاعدًا، والإمام مضطجعا؛ فحينئذ لا يجوز ز؛ لأن حال المستلقي في الإيماء دون حال القاعد، ألا يرى أنه لا يجوز التطوع بالإيماء مستلقيا، إذا كان قادرا على القعود.
والمتنفل بالمفترض)؛ لأن الحاجة في حقه إلى أصل الصلاة، وهو موجود في حق الإمام، فيتحقق البناء، قيد بهما؛ لأن اقتداء المفترض بالمتنفل غير جائز.
الجزء 2 · صفحة 84
فإن قلت: إذا اقتدى من قلد أبا حنيفة من قلد صاحبيه في الوتر يجوز، مع أنه اقتداء المفترض بالمتنفل
قلت: الصلاة متحدة ولا يختلف باختلاف الاعتقاد؛ ولأن إمامة الناذر غير جائز؛ لأن المنذور إنما يجب بالتزامه، فلا يظهر الوجوب في حق غيره؛ فيكون بمنزلة إمامة المتنفل بالمفترض، إلا إذا نذر أحدهما عين ما نذر به الآخر، بأن يقول مثلا: نذرت أن أصلي الركعتين اللتين نذرهما فلان فيجوز اقتداؤه للاتحاد، وأن إمامة الحالف الناذر غير جائزة، لقوة النذر.
لا رجل) أي: لا يقتدي رجل بامرأة وصبي)؛ لأن تأخر المرأة واجب، وصلاة الصبي نفل
وطاهر بمعذور) وفي التبيين: كذا: لا يجوز اقتداء معذور بمعذور، إن اختلف عذرهما، وإن اتحد جاز.
وقارئ بأمي، ولابس بعار، وغير مؤم بمؤم)؛ لأن صلاة الإمام في هذه الصورة ضعيفة، فلا يصح اتباع القوية بها.
ومفترض) أي: لا يصح اقتداء مفترض بمتنفل)؛ لأن وصف الفريضة موجود في المقتدي دون الإمام، والموجود لا يبنى على المعدوم، وفي التبيين:: إذا لم يجز الاقتداء في هذه المسائل، هل يصير شارعا في التطوع أم لا؟ فعندهما يصير شارعا؛ بناءً على أن الفرض إذا بطل ينقلب نفلا، وعند محمد لا يصير شارعا؛ لأن الفرضية إذا [بطلت] عنده يبطل أصل الصلاة والأشبه أن يقال: إذا فسد بفقد شرط الصلاة، كالطاهر خلف المعذور، لا يكون شارعًا، وإن كان الاختلاف بين الصلاتين يكون شارعًا، وثمرة الاختلاف تظهر في حق بطلان الوضوء بالقهقهة).
أن يصلي أحدهما الظهر، والآخر العصر، أو أحدهما ظهر الأمس، والآخر ظهر اليوم؛ لأن الاقتداء هو أن يبني تحريمته على تحريمة الإمام، ويجعل صلاته متحدة بصلاة الإمام، وتغاير الوصف مانع عن ذلك، وفي النوادر: رجلان افتتحا الصلاة معا، ونوى كل منهما أن يكون إماما لصاحبه، فصلاتهما تامة؛ لأن الإمامة تصح من غير نية؛ فلغت النية؛ فصار كل واحد شارعا في صلاة نفسه، وإن نوى كل واحد أن يأتم بصاحبه، فصلاتهما فاسدة؛ لأن كل واحد منهما قصد الاشتراك، ولم يصح لاستحالة كون كل واحد مؤتما، وإماما.
الجزء 2 · صفحة 85
والإمام لا يطيلها) أي: الصلاة ولا قراءة الأولى): أي: لا يطيل قراءة الركعة الأولى:) على الركعة الثانية إلا في الفجر)؛ لأن وقته وقت نوم وغفلة فشرع تطويل الأولى فيه؛ ليدرك الناس [//م] الجماعة، قيد بالأولى:؛ لأن إطالة الثانية على الأولى: مكروهة وفي النوافل إطالة الثانية على الأولى: غير مكروهة، هذا في الصلوات الخمس وأما في الجمعة والعيدين فيسوي بينهما، والإطالة بما دون ثلاث آيات غير مكروهة.
ويقيم) الإمام مؤتما توحد الجملة صفة: مؤتما أي: منفردا عن يمينه ولو كان معه امرأة، أو صبي يعقل كان جماعة؛ لأنهما من أهل الصلاة، ويقيم الصبي، كالبالغ.
ويتقدم) الإمام إذا زاد على الواحد والمرأة في حكم الاصطفاف كالعدم، حتى لو كان خلفه رجل واحد وامرأة، يقوم الرجل بحذاء الإمام، وفي قوله: يقيم، إشارة إلى أن الإمام يأمر الواحد بأن يقوم عن يمينه، وقوله: يتقدم مشيرًا إلى أنه لا يأمرهم بالتأخير عنه، وذلك أيسر.
وإن ظهر حدثه يعيد المؤتم) يعني: لو اقتدى بإمام، ثم علم أنه محدث يعيد المؤتم صلاته؛ لأن صلاة الإمام متضمنة صلاة المقتدي وفسادها يوجب فسادها.
ويصف الرجال) لقوله: ليلني منكم أولو الأحلام ثم الصبيان، ثم [الخناثي) بالفتح جمع: الخنثى كالحبالي جمع: الحبلي ثم النساء، فإن حاذته مشتهاة) أي: لو صلت امرأة عاقلة سواء كانت محرمة، أو حليلة مشتهاة في الحال، أو الماضي في جنب رجل لا حائل بينهما في صلاة مطلقة، أي: ذات ركوع وسجود مشتركة تحريمة، وأداء فسدت صلاته أطلق المحاذاة؛ ليتناول كل الأعضاء، أو بعضها حتى لو كانت على الدكان وهي دون قدر قامة الرجل]) [والرجل بحذائها على الأرض] فإن حاذت عضو منه عضوها يفسد؛ كذا في الخلاصة، وقيدنا بالمرأة؛ لأن محاذاة الأمرد المشتهى، لا تفسد في الأصح، وقيدنا المرأة بالعاقلة؛ لأن محاذاة المجنونة لا تفسد؛ الأن صلاتها ليست بصلاة]؛ كذا: في النهاية، وبالمشتهاة في الحال أو الماضي؛ ليدخل فيها العجوز؛ لأنها كانت مشتهاة، ويخرج عنها الصبية، وقيدنا بالمطلقة؛ لأن محاذاتها في صلاة الجنازة لا تفسد، وقيد بالاشتراك تحريمة وأداء؛ لأنه لو لم يثبت الاشتراك فيهما لا تفسد محاذاتها، والشركة في التحريمة أن يبني أحدهما تحريمته على تحريمة الآخر، وبنيا تحريمتهما على تحريمة ثالث، والشركة في الأداء أن يكون أحدهما إماما للآخر] فيما يؤديه، أو يكون لهما الإمام فيما
الجزء 2 · صفحة 86
يؤديانه، حتى يشمل الشركة بين الإمام والمأموم، والشركة قد يثبت في التحريمة دون الأداء، كما إذا كانا مسبوقين، وقاما لقضاء ما فاتهما، لا تفسد محاذاتهما، والشركة في الأداء قد توجد بدون الشركة في التحريمة، كما إذا سبق الإمام حدث فاستخلف آخر، فاقتدى أخر بالخليفة والشركة ثابتة في الأداء) بين المقتدي بالخليفة، وبين الإمام الأول، وكل من اقتدى به فيما يؤديه، ولا شركة بينهم في التحريمة؛ لأن المقتدي بالخليفة يبني تحريمته على تحريمة الخليفة)، والإمام الأول، ومن من اقتدي به ه لم يبنوا تحريمتهم على تحريمة الخليفة، ومع ذلك لو كانت المرأة من إحدى الطائفتين حاذت رجلا آخر من الطائفة الأخرى، تفسد صلواتهم؛ فعلى هذا كان الشركة في الأداء مغنيا عن ذكر الشركة في التحريمة، وفي المحيط لو حاذته في الذهاب للوضوء والرجوع عنه، لم تفسد صلاته استحسانا؛ لأنه لم يحصل أداء شيء من الصلاة بجنبها، وقيدنا بقولنا: لا حائل بينهما؛ لأنه لو كان بينهما حائل لا تفسد وحده في الطول أن يكون مقدار ذراع، وغلظه مثل غلظ الأصبع، والفرجة تقوم مقام الحائل، وأدناها قدر ما يقوم فيه رجل؛ وإنما قال: فسدت [صلاته]؛ لأن صلاتها غير فاسدة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أخروهن من حيث أخرهن الله، وحيث للمكان، ولا مكان يجب تأخرها إلا في الصلاة فيكون الرجل مأمورا بتأخيرها؛ فإذا حاذته ولم يتقدم عليها بخطوة، أو خطوتين يكون تاركا لفرض المقام، فتفسد صلاته، ولو لم يمكنه التقدم، فأشار إليها بالتأخر، فلم تتأخر، فسدت صلاتها لا صلاته؛ لأنها تركت فرض المقام؛ كذا: في الذخيرة. وفي ملتقى البحار: يشترط أن يؤدي ركنا محاذيه، وعند أبي يوسف: لو وقفت مقدار ركن فسدت، [ب/ /م]، وههنا شرط آخر، وهو أن تكون جهتهما متحدة حتى لو اختلفت لا تفسد؛ وإنما يتصور ذلك في جوف الكعبة، أو في ليلة مظلمة، وصلى كل واحد منهم بالتحري إلى جهة.
إن نوى إمامتها وإلا) أي: إن لم ينو إمامتها فسدت صلاتها)؛ لأن الاشتراك لا يثبت بلا نية.
صلى أمي بقارئ، وأمي، أو استخلف في الأخريين أميا) يعني: لو سبق الإمام حدث بعدما قرأ في الركعتين الأوليين، فاستخلف أميا فسدت صلاة الكل) عند أبي حنيفة، وقالا في المسألة الأولى: [صلاة الأميين] صحيحة؛ كما إذا أم العاري عراة، ولابسين، وفي المسألة الثانية: صلاة [القوم]) صحيحة؛ لأن القراءة في الأخريين غير واجبة؛ فاستخلاف الأمي والقارئ سواء، وله