الجزء 1 · صفحة 7
شرح الجامع الصغير
للإمام شمس الأئمة أبي بكر محمد بن أبي سهل أحمد السرخسي الحنفي
توفي سنة (483هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمة الله عليه:
اعلم بأن الجامع الصغير تأليف محمد بن الحسن. وكان سبب تأليفه أنه لما فرغ من تصنيف الكتب طلب منه أبو يوسف رحمة الله عليهما أن يؤلف كتابا فيه ما حفظه عنه مما رواه له عن أبي حنيفة رحمة الله عليه، فجمع هذا يجمع الكتاب ثم عرضه على أبي يوسف، فقال: «نعما حفظ عني أبو عبد الله، إلا أنه أخطأ في ثلاث مسائل». فقال محمد رحمه الله: «أنا ما أخطأت ولكنك نسيت الرواية». والمسائل الثلاثة التي تحاورا فيها نبينها في مواضعها. وذكر علي القُمّي أن أبا يوسف مع جلال قدره كان لا يفارق هذا الكتاب في حضر ولا سفر، وأن عليا" الرازي كان يقول: من فهم هذا الكتاب فهو أفهم أصحابنا، ومن حفظه فهو أحفظ أصحابنا، وأن المتقدمين من مشايخنا كانوا لا يقلدون أحدًا القضاء حتى يمتحنوه بهذه المسائل؛ فإن حفظها قلدوه القضاء، وإلا أمروه بالحفظ.
قال رضي الله عنه: وكان شيخنا الإمام يقول: «لا ينبغي لأحد أن يتهاونَ بهذا الكتاب ويقول: "إن أكثر مسائله مذكورة في المبسوط". وهذا؛ لأن مسائل
هذا الكتاب تنقسم ثلاثة أقسام قسم لا يوجد لها رواية إلا ههنا، وقسم يوجد ذكرها في الكتب ولكن لم ينص فيها أن الجواب قول أبي حنيفة أم قول غيره، الله وقد نص ههنا في جواب كل فصل على قول أبي حنيفة رحمه وقسم ذكرها أعاد ههنا بلفظ آخر، واستفيد من تغيير اللفظ فائدة لم يكن ذلك مستفادا باللفظ المذكور في الكتب.
قال رضي الله عنه ومراده بالقسم الثالث: ما ذكر الفقيه أبو جعفر الهندواني في تصنيف سماه كشف الغوامض، حتى ذكر في المسألة الأولى من الكتاب أنه قال هنا: يضيف إليها ركعة أخرى، بعد ما قال في الكتب: «عليه أن يضيف إليها ركعة أخرى». فلولا ما ذكر هنا لكان يظن ظان أن المراد بكلمة "على الوجوب، فزال ذلك الاشتباه بما ذكر هنا وبين أن المراد الاستحباب دون الوجوب. ولكن هذا تكلف؛ فقد نص في الكتب على أن لا يلزمه القضاء إذا أفسده، وهذا الظن يزول بذلك التنصيص، فلا يبقى إلا تفاوت في العبارة وأحد من المتبحرين في العلم لم يتكلف لذلك في تفسير كلام الله الذي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ فصلت] حتى لم يشتغلوا به في قوله: ءَامَنتُم بِهِ) البقرة
الجزء 1 · صفحة 9
(] وقال في موضع آخر: ءَامَنتُمْ لَهُ} طه]، وقال في موضع: (خَطَيّكُمْ} البقرة] وفي موضع خَطِيئَتِكُمْ الأعراف]، وقال في موضع: (فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} البقرة] وفي موضع: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزَا) الأعراف]، وقال في موضع: بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) البقرة] وفي موضع يَظْلِمُونَ) الأعراف]. فلا يكون من باب النصيحة والتبحر في المعنى الاشتغال بمثله في كلام محمد بن الحسن رحمة الله عليه.
فالصواب أن يترك هذا القسم فيُحَقَّق المعنى فيما هو من خاص مسائل هذا الكتاب، ويؤخر الكلام فيما هو معاد من الكتب. فلا نذكر مما أمليناه في الكتب إلا نكتة وجيزة. فإن جاد الخاطر بشيء من المعاني ما لم يوجد ذكرها في الكتب نذكرها هنا إن شاء الله تعالى. ثم بدأ فقال:
كتاب الصلاة
(أخبرنا محمد بن الحسن) وهذا لفظ أبي سليمان وأبي حفص، (عن يعقوب بن إبراهيم الأنصاري) وهو اسم أبي يوسف القاضي، عن أبي حنيفة النعمان بن ثابت، أنه قال في الرجل يصلي الظهر خمسًا فيقعد في الرابعة قدر التشهد يضيف إليها ركعة أخرى، ثم يتشهد ثم يسلم، ثم يسجد سجدتي السهو،
ثم يتشهد ثم يسلم). وإنما وضع المسألة في صلاة الظهر من بين سائر الصلوات؛ لأنها هي الأولى على لسان الناس، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتلي بهذه الحادثة في صلاة الظهر؛ فقد صح أنه صلى الظهر خمسًا، فاستحسن بداية الكتاب بمسألة فيها نص.
وهي تنقسم قسمين؛ إما أن يكون قعد في الرابعة ثم قام على ظن أنها الرابعة. فإن كان قعد ثم قام فتذكَّر قبل أن يقيّد الركعة بالسجدة فعليه أن يعود ليكون خروجه عن الصلاة بالتسليم كما هو المشروع. بيانه في قوله صلى الله عليه وسلم: «فتحليلها التسليم». ولا يسلم قائمًا كما هو، وإن كان لو فعل جازت صلاته ولكنه يعود فيقعد ثم يسلم؛ لأن التسليم في حالة القيام غير مشروع في الصلوات المطلقة. وهذا لأن ما دون الركعة ليس لها حكم الصلاة، فإن الصلاة تشتمل على أركان تجتمع تلك الأركان في ركعة ومنها السجدة.
فما لم يسجد لا يصير مصليا النافلة، فلا يستحكم خروجه من الفريضة، ولهذا لو قام المسبوق إلى القضاء ثم عاد الإمام إلى سجود السهو قبل أن يقيد المسبوق الركعة بالسجدة عاد إلى متابعته.
فأما إذا قيد الركعة بالسجدة ثم تذكر فإنه يضيف إليها ركعة أخرى؛ لأنه قد تم خروجه من الفريضة؛ لأن الفرض لا يكون خمس ركعات، ومن ضرورة استحكام الشروع في النافلة الخروج من
الجزء 1 · صفحة 10
الفريضة والركعة الكاملة لا تحتمل الرفض. فإذا تعذر عليه العود إلى الفريضة قلنا: يضيف إليها ركعة أخرى لتصير شفعاء فالاقتصار على ركعة واحدة في النفل غير مشروع على ما قال ابن مسعود رضي الله عنه: «ما أجزت ركعةً قط». ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البتيراء؛ وهي الركعة الواحدة ولما رأى عمر رضي الله عنه سعد بن أبي وقاص يوتر بركعة قال: «ما هذه البتيراء؟ اشفعها أو لأؤدبنك».
فإذا أضاف إليها ركعة أخرى تشهد وسلم ثم سجد سجدتي السهو؛ وهذا استحسان. وفي القياس لا يسجد للسهو؛ لأنه تمكن له السهو في الفريضة وقد أدى بعدها صلاة أخرى، ولا يمكن إيجاب سجود السهو عليه؛ لتمكن النقصان في النافلة من حيث إنه شرع فيها من غير قصد، فإن هذا النقصان وجد من أولها إلى آخرها، ومثله لا يوجب الخبر بسجود السهو، كما لو تطوع في الأوقات المكروهة ساهيا. وجه الاستحسان أن التحريمة باقية ما لم يسجد، وقد تمكن له السهو في هذه التحريمة بخروجه من الفريضة لا على وجه المسنون، وشروعه في النفل لا على وجه المسنون؛ ولهذا يسجد سجدتي السهو بعد التحلل بالسلام. وهو نظير الاستحسان المذكور في المسبوق إذا لم يتابع الإمام في سجود السهو أنه يسجد إذا فرغ من القضاء وسلم استحسانًا.
والمعنى يجمعهما؛ فقد صار منفردًا هناك بالأفعال بعدما لزمه سجود السهو في حالة الاقتداء، وههنا صار متنفلًا بعدما لزمه سجود السهو في الفريضة.
والأصح أن هاتين الركعتين لا يحتسب بهما من السنة المشروعة بعد الظهر؛ لأنه أذاهما لا عن قصد، والسنة عبارة عن طريقة سلكها رسول الله عليه السلام. وقد كان رسول الله يتطوع بركعتين بعد الظهر قصدًا، وندب إلى أدائهما، فما صار مؤدى لا عن قصد منه لا يكون في معنى المسنون، بل يأتي بالسنة بعدهما.
وإن لم يضف إليها ركعة أخرى ولكنه قطعها لم يلزمه قضاء شيء عندنا، وعند زفر رحمه الله يلزمه قضاء ركعتين بناءً على الشارع في الصلاة على ظن أنها عليه، ولو جاء" إنسان واقتدى به بعدما أضاف إليها ركعة أخرى قبل أن يسلم فعلى الرجل قضاء ركعتين في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وعليه قضاء ست ركعات في قول محمد رحمه الله؛ لأنه تابع الإمام في التحريمة فيكون ملتزما ما أداه الإمام بهذه التحريمة، وهي ست ركعات. وهما يقولان: الإمام صار مشغولاً بأداء النفل، ومن ضرورة صحة التنفل منه استحكام الخروج عن الفريضة، وبعدما صار خارجًا من الفريضة على وجه لا يعود فيها لا يتصور
الجزء 1 · صفحة 11
اقتداء الرجل به فيها، وإنما اقتداؤه في التطوع خاصة، فعليه قضاء ركعتين لهذا.
ولو كانت هذه الحادثة في صلاة العصر فقد زعم بعض مشايخنا أنه لا يضيف إليها ركعة أخرى؛ لأنه يكون مشتغلا بعد العصر بركعتين، وذلك منهي.
قال رضي الله عنه: والأصح عندي أنه يضيف إليها ركعة أخرى؛ لأنه لو قطعها كان مبطلا عمله. وقد قال الله: (وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُمْ) (محمد]. والمنهي عنه أداء التطوع بعد العصر قصدًا، فأما من] صار شارعا فيه بغير قصد فعليه أن يتمه، كما لو افتتح التطوع يوم الجمعة فخرج الإمام بعدما صلى ركعة أتمها بركعة أخرى، وإن كان التطوع بعد خروج الإمام منهيًا عنه.
وأما إذا لم يقعد في الرابعة حتى قام إلى الخامسة: فإن تذكر قبل أن يقيد الركعة بالسجدة عاد فتشهد وسلم وسجد للسهو؛ لأن ما دون الركعة يحتمل الرفض، ولا يستحكم به الخروج عن الفريضة كما بينا. وإن قيد الركعة بالسجدة فقد فسد ظهره عندنا وعلى قول الشافعي رحمه الله: لا يفسد؛ فإن عنده ما زاد سواء كانت ركعة أو ما دونها لا يعتد بها فيرفضها. واستدل بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمسا، ولم ينقل أنه قعد في الرابعة، ولا أنه أعاد صلاته.
ولكنا نقول: الركعة الواحدة في حكم الاستحكام بمنزلة صلاة كاملة، وبالسجدة الواحدة تستحكم الركعة؛ لأنها شرعت مكررة في كل ركعة، فلا يتوقف الاستحكام على التكرار. وهذه الركعة نافلة، فمن ضرورة استحكامها الخروج عن الفريضة؛ لأن بين الفرض والنفل منافاة. وقد صار خارجا منها قبل الإتمام، فإن القعدة الأخيرة من جملة الفرائض، وإن اختلفوا أنها من الأركان أو من أسباب التحلل والأصح أنها من الأركان؛ فإن النبي عليه السلام لما علم ابن مسعود رضي الله عنه التشهد قال له: «إذا قلت هذا أو فعلت فقد تمت صلاتك». والمراد بالفعل القعدة؛ فعرفنا أن الصلاة لا تتم إلا بها، فإذا خرج منها قبل التمام على وجه لا يمكنه العود إليها فسدت صلاته. وتأويل الحديث أن النبي عليه السلام كان قعد في الرابعة فإن الراوي قال: «صلى الظهر خمسا والظهر اسم للصلاة بجميع أركانها، ومن أركانها القعدة.
ثم عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تنحل التحريمة حين فسدت صلاته بناءً على أصله أن للصلاة جهةً واحدة، فإذا فسدت تلك الجهة صار خارجا منها. وعلى قول أبي يوسف وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة لا تنحل التحريمة وإن فسدت الفريضة، ولكن لا يبقى أصل الصلاة فيضيف إليها ركعة أخرى
الجزء 1 · صفحة 12
ويسلّم، فيكون نفلا ست ركعات وإن لم يقعد في الرابعة؛ لأن القعدة في كل شفع
إنما تفترض إذا لم يضم إليه شفعًا آخر، فأما إذا ضَم فلا، وهذا استحسان على قولهما، ثم يصلي الظهر وقد بينا هذا في كتاب الصلاة. واختلفت الروايات في أنه متى تفسد الفريضة. فقد رُوي عن أبي يوسف أنه كما وضع الجبهة على الأرض فسدت الفريضة، وهو إحدى الروايتين عن محمد. وعنه في رواية أخرى أنه ما لم يرفع رأسه لا تبطل الفريضة، حتى لو سبقه الحدث في هذه السجدة فعلى هذه الرواية عن محمد يمكنه إصلاح صلاته؛ لأن هذه السجدة قد انتقضت بسبق الحدث فيها، فيذهب فيتوضأ ثم يعود فيقعد، بمنزلة ما لو تذكر قبل أن يسجد؛ وفي الرواية الأخرى لا يمكنه إصلاح صلاته، ولكن كما وضع جبهته فقد صار ساجدًا، وفسد ظهره باستحكام الركعة النافلة بسجدة.
وهذه هي المسألة التي] ذكر فيها قول محمد لأبي يوسف فقال: «زه" أصلاة فسدت يصلحها الحدث؟ أي لو لم يسبقه الحدث لا يتمكن من إصلاح صلاته؛ فبسبق الحدث كيف يتمكن من إصلاح صلاته؟
(قال في رجل فاتته صلاة يوم وليلة أو أقل من يوم وليلة فصلى صلاة دخل وقتها قبل أن يبدأ بما فاته: أنه يستقبل " فإن فاته أكثر من صلاة يوم وليلة فصلى صلاة قبل ما فاته أجزاء) وهذا لأن مراعاة الترتيب بين الفوائت وفرض الوقت واجب عندنا ما لم تدخل الفوائت في حد التكرار. وعند الشافعي رحمه الله مستحب. قال رضي الله عنه: واعتمادنا فيه على حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من فاته صلاة الفجر فذكرها وهو مع الإمام في الظهر أتم صلاته، ثم صلى الفجر، ثم أعاد الظهر». وهذا تنصيص على وجوب مراعاة الترتيب، وعلى أنه بفساد صلاة الوقت بتذكر الفائتة لا يصير خارجا من الصلاة كما هو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف رحمة الله عليهما؛ لأنه أمره بإتمام الصلاة مع الإمام. ومما لم نذكره في كتاب الصلاة في هذه المسألة أن مراعاة الترتيب بين الصلوات مشروع وقنا وفعلا. أما وقنا فظاهر، وأما فعلا فلأن الظهر والعصر بعرفات اجتمعا في حق الحاج في وقت واحد ثم لو بدأ بالعصر قبل الظهر لم يجزه، فكذلك هنا لو فاته مراعاة الترتيب وقنا فيلزمه مراعاة الترتيب فعلا؛ لأن وقت التذكر وقت للفائتة. قال عليه السلام: «فليصلها إذا ذكرها». وهو وقت لفرض الوقت بالنصوص الظاهرة، فإذا اجتمعا في وقت واحد لزمه مراعاة الترتيب فيما بين الفوائت وفرض الوقت كما] يجب مراعاة الترتيب فيما بين الفوائت لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم شغل عن أربع صلوات يوم الخندق الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فقضاهن] بعد هوي" من الليل ورتب، ثم قال:
الجزء 1 · صفحة 13
«صلوا كما رأيتموني أصلي». وعند كثرة الفوائت كما يسقط مراعاة الترتيب فيما بين الفوائت على ما ذكره ابن رشتم في نوادره عن محمد: أن من فاتته صلاة شهر فصلى ثلاثين فجزاء ثم ثلاثين ظهرا حتى قضى الصلوات بهذه الصفة جازت صلاته. وهذا لأن هذا الترتيب في ضمن مراعاة الترتيب بين الفوائت وفرض الوقت، فإذا سقط ما هو الأصل سقط ما في ضمنه. وإنما سقط مراعاة الترتيب عند كثرة الفوائت بخلاف ما قاله بشر بن غياث لأنه لو اشتغل بالفوائت فاته فرض الوقت عن وقته، وليس من الحكمة تدارك ما فات بتفويت مثله وهو نظير سقوط مراعاة الترتيب عند ضيق الوقت؛ إلا أن هناك إذا خرج ذلك الوقت وجب مراعاة الترتيب؛ لأن الوقت قد اتسع واختلف مشايخنا ههنا؛ فزعم بعضهم أنه لو قضى بعض الفوائت حتى قل ما بقي منه عاد مراعاة الترتيب لانعدام معنى المسقط، بمنزلة الناسي إذا تذكر.
قال رضي الله عنه: والأصح عندي أنه لا يعود، لأنه سقط عنه مراعاة الترتيب بسبب في هذه الصلوات والساقط يكون متلاشيا، فلا يتصور عوده، فأما النسيان أو ضيق الوقت ما سقط مراعاة الترتيب، حتى أنه مع القدرة على أداء الكل في الوقت لا يلزمه مراعاة الترتيب. وحد الكثرة على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: إذا صارت الفوائت سنا بخروج وقت السادسة وعلى ما ذكره ابن سماعة عن محمد رحمه الله: إذا دخل وقت السادسة سقط مراعاة الترتيب؛ لأن السادسة قد لزمته، حتى لو أداها بعد دخول وقتها كان مؤديا للفرض وجميع الوقت في حكم ساعة واحدة. فعلى هذه الرواية إن المعتبر الزيادة على يوم وليلة بالساعات. والصحيح ما ذكر في ظاهر الرواية أن المعتبر زيادة على يوم وليلة بالصلوات حتى تصير واحدة من الفوائت مكررة، وذلك لا يحصل إلا بخروج وقت السادسة، والذي قال أن بدخول وقت السادسة قد لزمته الصلاة غير صحيح. فالصحيح أن المذهب عندنا أن الوجوب يتعلق بآخر الوقت، وقد بينا هذا في كتاب الصلاة. ولا إشكال أن الفوائت لا تتحقق إلا بخروج الوقت، والمُسقط للترتيب كثرة الفوائت، فلهذا لم تسقط مراعاة الترتيب إلا بعد خروج السادسة. وعلى قول زفر كثرة الفوائت لا يكون إلا بعد شهر؛ فإن ما دون الشهر في حكم القريب، والشهر وما زاد عليه في حكم البعيد. فإذا كان ما فاته أقل من صلاة شهر كان عليه مراعاة الترتيب وإن كانت صلاة شهرٍ أو أكثر فحينئذ تسقط مراعاة الترتيب.
(قال في الذي لا دم له مثل العقرب ونحوها يموت في تؤرِ الماء: لا يفسد الماء) وهذا توشع في العبارة؛ فما من حيوان من الحيوانات السفلية إلا ولها دم، ولكن مراده الدم السائل، فإن النجس شرعًا
الجزء 1 · صفحة 14
الدم السائل؛ لأن النجس ما هو المحرم. إنما عرفنا حرمة الدم شرعًا، والشرع حزم الدم المسفوح. قال: (أَوْدَما مسفوحا وهو السائل، وأباح الدم الذي ليس بمسفوح وهو الكبد والطحال. قال عليه السلام: أحلت لنا ميتنان ودمان». ولهذا لو طلى وجه الخف بالطحال يجوز الصلاة فيه، وكذلك الدم الذي يبقى في اللحم يكون طاهرا،] حتى إذا طبخ قبل أن يغسل يباح تناوله وإن احمر القدر منه، ولو أصاب الثوب يجوز الصلاة فيه إلا في رواية شاذة عن أبي يوسف أنه جعل ذلك عفوا في التناول دون الثوب؛ لإمكان التحرز عنه في الثوب. وعلى هذا قلنا: المذكى يكون طاهرا سواء كان مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم؛ إلا ما يكون نجس العين كالخنزير، لأنه لما سال منه الدم المسفوح بالذكاة فقد تميز الطاهر من النجس. إذا ثبت هذا فنقول: ما ليس له دم سائل لا يتنجس بالموت، فلا ينجس ما مات فيه، وما فيه دم سائل يتنجس بالموت فيتنجس ما مات فيه، وسواء مات في الماء أو في غير الماء خُلق منه كدود الخل وسوس الثمار، أو لم يُخلق منه، لحديث سلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فيما ليس له دم سائل يموت في طعام أو شراب فهو الحلال أكله وشربه والوضوء به».
قال في الضفدع والسمك والسرطان ونحوها مما يعيش في الماء يموت في الحب أنه لا يفسد شيئًا لأنه ليس في هذه الحيوانات دم سائل، فإنما يسيل منها ماء ملون وليس بدم؛ لأن من طبع الدم إذا شمس اسود، وما يسيل من ا حيوانات الماء إذا شُمَسَ ابْيَضُ، وإذا لم يكن فيها دم سائل لم يتنجس بالموت، فلا ينجس ما مات فيه. وقيل: الماء معدن هذه الحيوانات، والشيء في معدنهلا يأخذ حكم النجاسة. قال الله تعالى: (مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنا خَالِصًا سَابِغَا) النحل]. ولهذا قلنا: إن من صلى وفي كُمّه بيضة مذرة فحال مُحها دما يجوز صلاته، بخلاف ما إذا صلى وفي كمه قارورة مشدودة الرأس فيها دم. والطريق الأول أصح؛ فإنه كما لا يتنجسُ الماء بموت هذه الحيوانات فيها، لا يتنجس غير الماء، مثل: اللبن والعصير والخل. وذلك مروي عن محمد رحمة الله عليه؛ قال: «لو مات في ماء فصب ذلك الماء في الخل لم يفسده، فكذلك إذا مات في الخل». وقد ظن بعض أصحابنا أن موت ما سوى السمك في غير الماء مفسد بخلاف الماء؛ لإمكان التحرز عنه في غير الماء؛ وهو. غلط. وأشار الطحاوي إلى أن الطافي من السمك يفسد الماء القليل. وهو غلط، فليس في الطافي شيء سوى أنه غير مأكول، فيكون بمنزلة الضفدع والسرطان في أنه لا يفسد الماء.
ويستوي في الضفدع أن يكون بريًا أو بحريًا. هكذا روي عن محمد؛ إلا أنه قال: «إذا لبثت في الماء لم يحل شربه، لا لنجاسته؛ بل لتفرق أجزاء الضفدع فيه، والضفدع غير مأكول». وعن أبي يوسف قال في
الجزء 1 · صفحة 15
الضفدع البري: «إذا كان سمينا فمات في الماء يفسد الماء، وإن كان مهزولا لا يفسد؛ لأنه لا دم في المهزول من الضفدع، وإنما هي كجلدة تثب». وأما طير الماء إذا مات في الماء القليل فإنه يفسده في الصحيح من الجواب؛ لأن له دما سائلًا، وهو غير مائي الأصل، إنما هو مائي المعاش ولا اعتماد على ما يروى بخلاف هذا عن أبي حنيفة رحمه الله.
(قال) في دم السمك يصيب الثوب أكثر من قدر الدرهم فلا بأس به لأن ما يسيل من السمك ليس بدم، وإنما هو ماءً آجن، ويسمى دما لكونه بمنزلة الدم وهو دم الآخرين. ولئن كان ما يسيل من السمك دما فهو مأكول، والدم المأكول لا يكون نجسًا كالكبد والطحال. وقد روي عن أبي يوسف أنه] قال في الكتاب في السمك التي تُقطع فيسيل منها ماء فاحش: «إذا أصاب الثوب أكثر من قدر] الدرهم لا تجوز الصلاة به. وهذا ضعيف فالكبير من السمك كالصغير في أنه لا يشترط فيه الذكاة، فلو كان فيه دم سائل لكان يشترط فيه الذكاة للحل حتى يتميز الطاهر من النجس.
(قال في النَفِطَةِ تَقَشَّرُ فيسيل منها ماء أو قيح أو صديد أو دم، قال: إن سال عن رأس الجُرح نقض الوضوء، وإن لم يسل لم ينقض والنفطَةُ شبه الجُدَرِي تبدو على الكف ويسمى المَجْلُ. من أهل اللغة من يقول النفطة على قياس الرمنة ومنهم من يقول النفْطَة على قياس الروْثَة، ومن الفقهاء من يروي النفطة، وهو محتمل أيضًا؛ فالنفطة العلامة، وما يبدو على الكف يشبه ذلك. وقوله: تَقَشَّر أي تَتَقَشر. قال الله تعالى: (تَكَادُ تَمَيَّنُ) الملك] أي تتميز. ثم الحاصل أن ما يخرج عن رأس الجرح فإن لم يسل لم ينقض الوضوء استحسانًا. وفي القياس ينقض الوضوء سال أو لم يسل اعتبارًا بما يظهر على رأس الإحليل فإنه ينقض الوضوء سال أو لم يسل. وإنما استحسنًا لحديث ابن عباس رضي الله عنه قال في الدم يخرج من رأس الجرح: «إن سال نقض الوضوء، وإن لم يسل لم ينقض الوضوء»، وفي الحديث المرفوع: «الوضوء من كل دم سائل»؛ ولأن ما سال فقد فارق مكانه فيأخذ حكم النجاسة، وما لم يسل عن رأس الجرح لم يفارق مكانه ولكن تَقَشَّرَ جلده فلا يأخذ حكم النجاسة فلا ينقض الوضوء.
وحد السيلان أن ينحدر عن رأس الجرح. وروي عن محمد أنه قال: «إذا علا على رأس الجرح وصارَ أكثر من رأس الجرح ينقض الوضوء»؛ ولكن هذا ضعيف. فإن من وخز إبرة في إصبعه لا شك أن ما يخرج من الدم أكثر من رأس الإبرة ولم يقل أحدٌ بأنه ينقض الوضوء. ثم يستوي أن ينزل من الجرح ما يكون نضيجا كالقيح والصديد وما لا يكون نضيجًا كالدم؛ لأن الكل نجس؛ فإذا خرج إلى موضع يلحقه حكم التطهير يكون ناقضًا للوضوء، وكذلك إذا خرج منه الماء في ظاهر الرواية ينقض الوضوء. وذكر
الجزء 1 · صفحة 16
الحسن بن زياد في الماء الخارج عن الجرح لا ينقض الوضوء؛ لأنه بمنزلة العَرَق، والعرق ليس بنجس. ولكن الأصح ما ذكر في ظاهر الرواية؛ لأنه دم رقيق تم نضجه فيكون لونه كلون الماء؛ فإذا كان نجسا ينقض الوضوء.
(قال في الدابة التي تخرج من الجرح ويسقط بعض اللحم: لا ينقض الوضوء، بخلاف الدابة التي تخرج من الدبر والمراد الدود؛ لأن الدابة التي تخرج من رأس الجرح استحالت من اللحم، فخروجها" كسقوط اللحم، واللحم ليس بنجس، وسقوطه لا ينقض الوضوء مع الدابة لو خرجت، بخلاف الدابة التي تخرج من الدبر؛ لأنها استحالت من العذرة، فخروجها كخروج العذرة، ولأن الدابة التي تخرج من الدبر لا تخلو عن قليل بلة تكون معها، فتلك البلة لو خرجت بانفرادها لانتقض الوضوء، فكذلك مع الدابة لو خرجت من الجرح لا تنقض الوضوء، لأنه ليس بسائل، فكذلك مع الدابة. وكان الخليل بن أحمد يعبر عن هذه ويقول: «بلة خرجت راكبةً فيكون حكمها" في الموضعين كبلة خرجت راجلة».
(قال في الفلس: لا ينقض الوضوء حتى يملأ الفم) وفي القياس ينقض وإن كان ما دون ملء الفم اعتبارًا بالخارج من السبيلين؛ وهو قول زفر تركنا القياس لحديث علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال] فيما عد الأحداث: «أو تسعة تملأ الفم»، ولأن القليل يتحقق فيه الضرورة والبلوى، فإن من ملأ الفم من الطعام إذا صلى لا بد من أن يعلو شيء يسير من حلقه. وما لا يستطاع الامتناع عنه يكون عفوا؛ ألا ترى أنه يسير سيرا شيء لا ينقض الوضوء، ومع الجشاء يخرج شيء يسير، ولهذا خبث ريحه. وأما الفساء" ينقض الوضوء. كل ذلك آية أن الشيء القليل الذي لا ينقض الوضوء لا يكون نجسا. كذا ذكر الكرخي معتبرًا كل ما ينقض خروجه الطهارة فهو نجس بنفسه، وما لا يكون ناقضا للوضوء لا يكون نجسًا. فإن حكم الحدث والنجاسة واحد، وهو وجوب التطهير. فاعتبار أحدهما بالآخر يكون قياسًا صحيحًا.
(فإن قلس ملء الفم طعامًا أو مِرَّةً أو ماءً نقض الوضوء) والفلس: القيء، ولكنه متى خرج بالغثيان واضطراب النفس سُمّى فَلْسًا. والقياس أن لا ينقض، لأنه ليس بخارج، فإن الأشياء السيالة لا تسيل بطبعها إلى فوق إلا بدافع يدفعها أو بجاذب يجذبها، والمُخْرَج لا يكون حدثًا. ولكن تركنا القياس بالسنة، وهو ما روي عن زيد بن علي عن آبائه رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الفلس حدّث». وقوله: «أو تشعه تملأ الفم" يدل على هذا، وأصح الأقاويل في حد ملء الفم؛ أن يزيد على نصف الفم؛ لأن للأكثر حكم الكمال.
الجزء 1 · صفحة 17
وفيه حكاية علي بن يونس العابد رحمه الله أن ابنته سألته عن الوضوء من القيء القليل فأمرها بالوضوء قال: فنمت فرأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: «لا يا علي حتى يكون أكثر من نصف الفم». فلما انتبهت قلت: «إن فتواي تُعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فعزمتُ أن لا أفتي بعد ذلك أبدا. ويستوي في القلس أن يكون طعامًا أو مرةً أو صفراء أو دما أو ماء، إلا على قول الحسن بن زياد رحمه الله أنه قال: «إذا شرب الماء فقاءه من ساعته لا ينتقض وضوءه، لأنه مخرج كما شربه طاهرا». وهذا غلط فإنه يتنجس بوصوله إلى موضع النجاسة فيخرج نجسًا، فيكون ناقضا للوضوء، وإنما هذا فيما ينزل من الرأس، أنه إذا استعط فيخرج بعدما وصل إلى جوف رأسه فإنه لا ينقض، لأن الرأس ليس بموضع النجاسة، وروي عن أبي يوسف رحمة الله عليه قال: «إذا خرج السعوط من جانب الفم فهو ناقض للوضوء؛ لأنه ما لم يصل إلى الجوف لا يخرج، وإذا خرج يخرج من جانب الفم فهو ناقض للوضوء».
(وإن قلس ملء الفم بلغما لم ينتقض الوضوء في قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: ينقض الوضوء كالمرة والطعام سواء. قيل: جواب أبي يوسف فيما يعلو من الجوف وجوابهما فيما ينزل من جوف الرأس، وهذا غلط؛ فإن ما ينزل من الرأس طاهر في قولهم جميعا على ما قال النبي عليه السلام لعمار بن ياسر: «ما نخامتك ودموع عينيك والماء الذي في ركوتك إلا سواء». وروي أن النبي عليه السلام تنخّم، فأخذ بطرف ثوبه، فدلكه فدل أنه طاهر. وخروج الطاهر لا يكون ناقضا للوضوء؛ ألا ترى أنه لو خرج من جانب الأنف وهو مخاط لا ينقض الوضوء، فكذلك إذا خرج من جانب الفم.
وإنما الخلاف فيما يعلو من الجوف، وأبو يوسف يقول: البلغم إحدى الطبائع الأربع، فيكون نجسا كالصفراء والسوداء، وهذا لأنه مستحيل من الغذاء إلى فساد. هما يقولان: البلغم كالبزاق وإن كان كثيرًا، ثم البزاق طاهر، فكذلك البلغم. ومعنى هذا الكلام أن القيء يخرج من موضع النجاسة، فإن بخار الطعام يعلو من المعدة؛ فما ينعقد منه في أسفل الحلق يكون نجسًا، وهو القيء، وما ينعقد منه في أعلاه يكون رقيقًا، وهو البلغم كالبزاق. ثم البزاق طاهر، وكذلك البلغم.
وإن خرج الدم من حلقه روي عن محمد أنه لا ينقض الوضوء ما لم يملأ الفم؛ لأنه نوع من أنواع القيء. وعند أبي حنيفة وأبي يوسف ينقض الوضوء قليلا كان أو كثيرًا؛ لأن المعدة ليست بموضع الدم، فإنما يسيل الدم من قرحة تكون فيها، ثم يخرج مع القيء ما كان نجسا. وقد وصل إلى موضع يلحقه حكم التطهير، ولأنا إنما لم نجعل القليل من القلس حدثًا لأجل البلوى والضرورة، وذلك لا يوجد في الدم؛
الجزء 1 · صفحة 18
فإن الإنسان لا يقيء الدم إلا نادرًا. وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمة الله عليه قال: «هذا إذا كان الدم رقيقًا، أما إذا كان مُتجمّددًا كالعَلَق لا ينقض الوضوء حتى يملأ الفم؛ لأن ذلك ليس بدم وإنما هي مرة سوداء».
(قال في رجل صلى العصر وهو ذاكر أنه لم يُصَلّ الظهر فصلاته فاسدة، إلا أن يكون صلاها في آخر وقت العصر) فالمذهب عندنا أن آخر وقت العصر في حكم مراعاة الترتيب تغير الشمس. وعلى مذهبه إن كان يتمكن من أداء الصلاتين قبل تغير الشمس وجب مراعاة الترتيب وإلا فلا. وعلى مذهبنا إذا كان يتمكن من أداء الظهر قبل تغير الشمس، ويقع العصر كله أو بعضه بعد تغير الشمس وجب مراعاة الترتيب. وإذا كان يتمكن من أداء الصلاتين قبل غروب الشمس إلا أنه لا يتمكن من الفراغ من الظهر قبل تغير الشمس سقط مراعاة الترتيب؛ لأن بعد تغير الشمس لا يجوز أداء شيء من الظهر. وقد ذكرنا هذه المسألة في كتاب الصلاة أن بعد تغير الشمس ليس بوقت لأداء الصلوات إلا عصر يومه، واعتمادنا في ذلك على ما رويعن النبي عليه السلام أنه قال: «لا يدخل وقت صلاة ما لم يخرج وقت صلاة أخرى»، فما لم تغرب الشمس لا يدخل وقت المغرب، فلا يخرج وقت صلاة العصر.
(قال في رجل صلى الفجر وهو ذاكر أنه لم يوتر، قال: صلاة الفجر فاسدة إلا إذا صلاها في آخر الوقت بحيث يخاف فوت الفجر، فحينئذ أجزاء، وعندهما الوتر لا يُفسد الفجر) ولا خلاف بين العلماء أن الوتر يقضى بعد طلوع الفجر. ومن العلماء من يقول بأن الوتر لا يقضى بعد طلوع الفجر، لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: لا وتر بعد طلوع الفجر». واعتمادنا في ذلك حديث ليلة التعريس أن النبي عليه السلام لما انتقل من خلال الوادي بدأ فأوتر؛ وإنما كان ذلك بعد طلوع الشمس. وأما تأويل ما رووا من] النهي تأخير الوتر إلى ما بعد الصبح لا ينفي القضاء، ومن مشايخنا من بنى هذه المسألة المذكورة في الكتاب على اختلافهم في الوتر، فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله: الوتر واجب؛ فيكون في حكم مراعاة الترتيب بمنزلة الفريضة، وعندهما الوتر سنة فلا تجب مراعاة الترتيب بين الواجب والسنة. ففي هذه المسألة على سبيل الابتداء هما يقولان: إن الوتر أضعف من الفجر؛ ألا ترى أنه لا يكفر جاحده، ولا يؤدى بجماعة إلا في الوقت الذي يؤدى التطوع فيها، ولا] يؤذن له ولا يقام. وإنما تجب مراعاة الترتيب بين المستويين في القوة لا بين القوي والضعيف. أما أبو حنيفة رحمه الله احتج بما روي عن النبي عليه السلام: «من نام عن وتر أو نسي فليصل إذا ذكره، فإن ذلك وقته»، ذكر في الوتر ما ذكر في المكتوبة ومراعاة الترتيب يدل على وجوب القضاء والوتر في ذلك كالعشاء. ولا يبعد أن يُفسد الضعيف القوي؛ ألا ترى
الجزء 1 · صفحة 19
أن من قعد في آخر الصلاة وعليه سجدة التلاوة فعاد إلى سجدة التلاوة ارتفعت القعدة، والقعدة فريضة والسجدة واجبة، ومع هذا ارتفعت الفريضة بالواجبة.
(وقال في صلاة الليل: إن شئت صلّ بتكبيرة ركعتين، وإن شئت أربعًا، وإن شئت سنًا. وقال أبو يوسف ومحمد صلاة الليل مثنى مثنى، وأما صلاة النهار إن شئت صلّ بتكبيرة، ركعتين، وإن شئت أربعًا. ويكره الزيادة على الأربع في صلاة النهار بتسليمة واحدة أما الكلام في صلاة النهار: فإن شاء تطوع بركعتين وإن شاء بأربع، لحديث عمارة بن رويبة أن النبي عليه السلام كان يواظب على أربع في صلاة الضحى. وقال فيما رواه عن ربه جل جلاله: «عبدي، صلّ لي في أول النهار أربع ركعات] أكفيك آخره». قيل: المراد به صلاة الضحى.
والأفضل الأربع بتسليمةٍ واحدة عندنا لما فيها من معنى الوصل، وذلك في العبادة أفضل. وعند الشافعي الأفضل ركعتان بتسليمة؛ لما فيها من زيادة التكبير والتسليم. وأصل هذه المسألة التطوع قبل الظهر؛ وقد بيناها في كتاب الصلاة. وأما التطوع بالليل: فما بعد المغرب في حكم الليل، لكن الأفضل هو التهجد. قال الله تعالى: {وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةَ لَكَ} الإسراء]. والتهجد إنما يكون بعد النوم، فإن ذلك أشق على البدن وسئل النبي عليه السلام عن أفضل الأعمال فقال: «أحمزُها» أي أشقها على البدن.
ثم إن شاء صلى ركعتين بتسليمةٍ واحدة، وإن شاء أربعًا، وإن شاء ستّا، وفي کتاب الصلاة يقول: وإن شاء ثمان ركعات. وهذا لما روي أن النبي عليه السلام كان يصلي بالليل خمس رکعات سبع ركعات تسع ركعات، إحدى عشرة ركعة ثلاث عشرة ركعة. والذي خمس ركعات ركعتان صلاة الليل وثلاث وتر، والذي سبع ركعات: أربع صلاة الليل وثلاث وتر، والذي روي تسع رکعات ست صلاة الليل وثلاث وتر، والذي روى إحدى عشرة ركعة ثمان صلاة الليل وثلاث، وتر، والذي روى ثلاث عشرة ركعات ثمان صلاة الليل وثلاث وتر وركعتان سنة الفجر. وكان يصل بعض هذه الصلاة بالبعض في الابتداء، ثم ميز البعض عن البعض هكذا ذكره حماد بن سلمة، وفرق بين صلاة الليل وصلاة النهار في كراهية الزيادة على الأربع، باعتبار أن الأثر جاء في صلاة الليل دون النهار وعلينا الاتباع خصوصا في العبادات، وليس في ظ] ذلك معنى معقول سوى أن بالنهار يحتاج الناس إلى أن يكلموه ويعاملوه، فإذا استكثر من الركعات بتسليمة ربما يتضرر من ينتظره؛ فتكره الزيادة على الأربع بتسليمة واحدة دفعا للضرر. وهذا المعنى لا يتأتى في الليل فيأتي بالركعات ما شاء بتسليمة واحدة ولكن بشرط أن يقعد على رأس الركعتين.
الجزء 1 · صفحة 20
والأفضل في صلاة الليل هو الأربع عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما مثنى مثنى، لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «صلاة الليل مثنى مثنى وفي كل ركعتين فسلّم». ولأن الصحابة اتفقت على التراويح في ليالي رمضان وجعلوا كل ركعتين بتسليمة واحدة، فدل أن المثنى أفضل أبو حنيفة رحمه الله احتج بحديث عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن قيام رسول الله في ليالي رمضان فقالت: قيامه في رمضان وغيره سواء كان يصلي أربعا لا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعا لا تسأل عن طولهن وحسنهن، ثم يوتر بثلاث ركعات. ولأنا أجمعنا أن الأفضل. هو. الأربع في صلاة النهار،
فكذلك في صلاة الليل وبل أولى؛ لأن الإنسان تميل نفسه إلى النوم، فمتى سلم على رأس الركعتين قلما يرغب إلى الشفع الثاني، فإذا عزم على الأربع أتمها لا محالة. وإنما اتفقت الصحابة في التراويح في ليالي رمضان لأن ذلك أيسر على البدن، وكل ما يشترك فيه الناس يعتبر فيه اليسر، ولا شك أن ما يشق على البدن فهو أولى. فأما تأويل قول النبي عليه السلام: «وفي كل ركعتين فسلّم» أي تشهد؛ لأن التشهد يسمى سلاما لما فيه من السلام قال رضي ا الله عنه: السنن كلها تطوعات، ولهذا لم يذكر محمد بن الحسن لفظة السنن للسنن المعروفة؛ لأن فيه زيادة التعظيم، لما فيه من متابعة رسول الله عليه السلام، وهذا كالإمارة والخلافة والملك؛ فإن الكل في حق الولاية على السواء، ولكن ترجحت لفظة الخلافة؛ لأن فيه زيادة التعظيم لما فيه من متابعة رسول الله عليه السلام. والذي يعتقد الفرضية في الكل إذا صلى تجوز صلاته، والذي يعتقد الفرضية في البعض، والتطوع في البعض، إذا صلى لا تجوز صلاته إلا إذا اقتدى بالإمام. فحينئذ تجوز صلاته؛ لأنه لا بد له من أن يعتقد الفرضية أو بطريق المتابعة. أما الذي يعتقد الفرضية في الكل إذا أم قومًا لا يصح اقتداؤهم به في صلاة الفجر والظهر؛ لأن قبل هاتين الصلاتين صلاة مثلهما، وقد أداهما على نية الفرضية، فبعد ذلك اقتداؤهم به يكون في معنى اقتداء المفترض بالمتنفل، واقتداء المفترض بالمنتقل لا يجوز. وهذا لا يكون في غيرهما من الصلاة، إلا إذا كان من: عادته أن يصلي قبل العصر أربعا وقبل العشاء أربعًا، فحينئذ لا يجوز؛ لأنه صلى قبل هاتين الصلاتين صلاة مثلهما وقد أداهما على وجه الفرضية؛ فبعد ذلك اقتداؤهم به يكون في معنى اقتداء المفترض بالمتنفل، واقتداء المفترض بالمتنفل لا يجوز. قال في سؤر الكلب لا يجوز التوضي (به وقال الزهري: «يجوز و] التوضي به إذا لم يجد ماءً غيره». وقال الأوزاعي: انجس في الإناء، طاهر في المستنقع». وقال مالك: «طاهر في الأحوال كلها». مالك يقول: إنما أمرنا بغسل الإناء تعبدا كالمحدث يغسل أعضاءه تعبدا. ولأنا أُمرنا بغسل الإناء بطريق العقوبة قلعا وزجرًا عن عادتهم المألوفة في اقتناء الكلاب. علماؤنا احتجوا بالحديث، وهو ما روي عن عطاء بن
الجزء 1 · صفحة 21
يسار عن النبي عليه السلام أنه قال: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن تغسلوه ثلاث مرات. وفي رواية عبد الله بن المغفل قال: أن تغسلوه سبعًا وعفّروا" الثامنة بالتراب». قوله: طهور إناء أحدكم؛ تنصيص على تنجس الإناء، لأن الغسل إنما شرع لإزالة النجاسة، لا بطريق العقوبة والتعبد فإن الجمادات لا يلحقها حكم التطهير؛ لأنه لا يلحقها حكم الحدث. وقوله: "عفّروا الثامنة بالتراب" بيان المبالغة في التطهير من النجاسة، فثبت أن الماء نجس فلا يطهر به الثوب والبدن، ومن عدم الماء ففرضه التيمم.
(قال في سؤر الحمار يتوضأ به ويتيمم لتعارض الأدلة فيه. وهو ما روي عن النبي عليه السلام أنه سمى الحمار رجسًا، حتى أمرهم بإكفاء القدر من فهذا دليل على نجاسته. وأمر أبجر بن غالب بالتناول من لحمه حتى قال: «لم يبق لي من مالي إلا حميرات»، فقال عليه السلام: «كل من سمين مالك». فهذا دليل على طهارته، وسؤره يتحلَّب من لحمه، ولحمه نجس؛ فاشتبه الحكم فيه لتعارض الخبرين أو لاختلاف الصحابة فيه. فإن ابن عمر رضي الله عنه كان يقول: «إنه نجس». وابن عباس رضي الله عنه كان يقول: «يعتلف التبن والقت " فيكون سؤره طاهرًا». ولأن سؤره إن اعتبر بعرقه يكون طاهرا،
وإن اعتبر بلبنه بكون نجسًا، وكل واحدٍ منهما يتحلب من لحمه ولحمه نجس إلا أنه ثبت طهارة السؤر باعتبار البلوى مع حرمة اللحم كما في الهرة، وأصل البلوى موجود ههنا، ولكنه دون الهرة في البلوى فإن الحمار يُربط في صحن الدار ولا يدخل في المضايق فلوجود أصل البلوى قلنا: لا نحكم بنجاسته، ولكون البلوى فيه متقاعدًا قلنا: لا نحكم بطهارته، فبقي مشكوكا فيه. والأدلة الشرعية يجوز أن تتعارض على سبيل التساوي، والحكم فيها الوقف والأخذ بالاحتياط. ولا يقال في استعمال هذا الماء ترك الاحتياط من وجه؛ لأنه لو كان نجسا لتنجس العضو، وهذا لأن في إحدى الروايتين سؤره طاهر، وإن لم يكن مطهّرًا على الإطلاق. هكذا قال محمد ثلاث مياه لو غمس فيها الثوب تجوز الصلاة فيه الماء المستعمل، وسؤر الحمار وبول ما يؤكل لحمه». فلا يرد السؤال على هذه الرواية التي تقول: لا يُحكم بنجاسة العضو به مطلقا.
ثم حكم النجاسة أخف من حكم الحدث، فيترجح جانب الحدث من هذا الوجه، ويؤمر باستعماله ولا يعتبر تيممه. ولكنا نقول: ثم يتيمم بعده احتياطا. وهذا الترتيب مستحب عندنا، وعند زفر واجب، حتى لا يجوز التيمم قبل التوضي، على قوله: لا يخاطب باستعمال الماء فلا يعتبر تيممه. ولكنا نقول:
الجزء 1 · صفحة 22
الاحتياط في الجمع بينهما لا في الترتيب؛ لأنه إن كان طاهرًا ففرضه التوضي، وإن كان نجسا ظ ففرضه التيمم، وبالجمع بينهما يتم الاحتياط، سواء قدم هذا أو ذاك.
(قال فيمن توضأ بماء في إناءنظيف فتوضأ به إنسان بهذا الماء: لا يجزيه) وهذا اللفظ كالمتفق عليه؛ فإنهم قالوا في رجلين في سفر ومعهما ماء مقدار ما يتوضأ به أحدهما يتوضأ أحدهما بالماء والآخر] يتيمم، ولم يقل أحد أنه يتوضأ به أحدهما، ثم الآخر يتوضأ به. واختلفوا فيمن كان في السفر معه ماء مقدار ما يكفيه لبعض أعضائه، فقال علماؤنا: يتيمم ولا يتوضأ به.
وقال من خالفنا: يتوضأ به فيما قدر، ثم يتيمم. ولم يقل أحد أنه يستعمله في بعض الأعضاء ثم يتيمم فيما بقي. وقالوا فيمن كان معه في السفر ماء مقدار ما يكفيه للوضوء ولكنه يخاف على نفسه العطش أنه يتيمم ويمسك الماء للعطش، لولا أن الماء يتغير بالاستعمال في الوضوء، وإلا ينبغي أن يتوضأ به ثم يمسكه للعطش. وقد جرت العادة بصب الغُسالات في الحضر والسفر مع أن الماء من أعز الأشياء في السفر؛ فدل أن الماء يتغير بالاستعمال في الوضوء، وقد اختلف العلماء واختلفت الروايات في الماء المستعمل في نجاسته وطهارته، وقد بينا في كتاب الصلاة.
(قال في الذي لا يجد من الماء إلا نبيذ التمر: يتوضأ به ولا يتيمم) والمذكور ههنا قول أبي حنيفة الأول، واعتمد فيه على حديث علي وابن عباس رضي الله عنهما، قالا: نبيذ التمر طهور من لم يجد الماء». وقد بينا اختلاف العلماء واختلاف الروايات في كتاب الصلاة. والذي جوز أبو حنيفة رحمه الله التوضي به الرقيق الذي يسيل على الأعضاء ويكون حلوا. فأما ما] يكون ثخينا كالرُّب" لا يجوز التوضي به عند أحد. وإذا كان مشتدا فهو السكر، وهو حرام، لا يجوز أن يتوضأ به إلا على قول الأوزاعي؛ فإنه يجوز به التوضي وإن كان مسكرًا، فإن كان مطبوخا ذكر الكرخي أنه يجوز التوضي به عند أبي حنيفة رحمه ا الله وإن كان مسكرًا، لأنه يجوز شربه. قال رضي الله عنه: الأصح عندي أن لا يجوز التوضي به حلوا كان أو مرا؛ لأن النار غيرته. ومن أصل علمائنا أن الماء إذا تغير بالطبخ لا يجوز التوضي به، وإن كان يجوز شربه، كماء الباقلاء. إذا طبخ في الماء شيء ما يقصد به المبالغة في النظافة كالإذخر والصابون فحينئذ يجوز التوضي به إلا أن يكون ثخينا فحينئذ لا يجوز؛ لأنه بمنزلة السويق المُخَوَّض. فإذا كان الحكم هكذا في الماء المطلق فما ظنك في نبيذ التمر!
وأما إذا اختلط الماء بشيء من الطاهرات ولم يُطبخ كماء الزعفران فإنه يجوز التوضي به عندنا وكذلك
الجزء 1 · صفحة 23
ماء الزرْدَج، وهو مروي عن أبي يوسف. وعلى قول الشافعي: إذا غلب على الماء ما غيَّر لونه فذلك يمنع جواز التوضي إلا الجص والطين والكبريت بخلاف ما إذا طبخ؛ فإن النار قد غيرته، فيخرج من أن يكون في معنى الماء المنزل من السماء وقد وصف الله تعالى الماء المنزل من السماء بكونه طاهرًا، وهذا لأن بين الماء وبين النار مغايرة من المضادة، فيكون مبدلا للماء الذي اختلط به غيره، فأما قبل الطبخ لم يوجد ما يكون مبدلا فيبقى حكمه على حاله.
(وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يجوز أن يتوضأ بشيء من الأنبذة إلا نبيذ] | التمر خاصة والحسن والأوزاعي يجوّزان التوضي بنبيذ الزبيب أيضا، وابن أبي ليلى يجوز التوضي بماء العنب إذا لم يكن مشتدا بناء على أصله أن المخصوص عن القياس يجوز أن يقاس عليه غيره. فأما عندنا المخصوص عن فأما القياس لا يقاس عليه غيره، ولا يلحق به إلا إذا كان في معناه من كل وجه. العنب ليس في معنى نبيذ التمر من كل وجه ألا ترى أن ماء العنب إذا اشتد يصير خمرا، ونبيذ التمر إذا اشتد لا يصير خمرًا؛ فلهذا أخذنا في سائر الأنبذة بالقياس وقلنا: لا يجوز التوضي بشيء منها.
(قال في سؤر سباع الطير وما يكون في البيت من الفأرة والحية والهرة وأشباهها أكره أن يتوضأ به، وإن توضأ به أجزأه وهذه ثلاث مسائل، والقياس في الكل: أن لا يجوز التوضي به؛ لأن سؤره يتحلب من لحمه، ولحمه حرام، فيكون نجسا بمنزلة سؤر سباع الوحش؛ ولكنه استحسن. أما في سؤر سباع الطير فللاستحسان فيه وجهان أحدهما أنها تشرب بمنقارها وهو] عظم جاف. وعلى رواية عن أبي يوسف أنه كان يفصل بينهما: ما يفتش الجيف وما لا يفتش الجيف، فقال فيما يفتش الجيف لا يجوز التوضي بسؤره؛ لأن منقارها لا يخلو عن نجاسة عادةً، ولكنا نقول: الأصل فيه الطهارة، فتوهم النجاسة يوجب الكراهة، ولا يزيل صفة الطهارة؛ كما في الدجاجة المخلاة، ووجة آخر للاستحسان: أن البلوى تحقق في سؤرها، فإنها تنقض من الهواء وتشرب من الأواني، ولا يمكن صون الأواني عنها، ولهذا قلنا: إن بول الفأرة إذا أصاب ثوب إنسان أكثر من قدر الدرهم يمنع جواز الصلاة؛ لأن معنى البلوى معتبر في دفع نجاسة السؤر دون البول، كما في الحمار والهرة، وجعل محمد بن مقاتل الرازي خُزء الفأرة بمنزلة بولها، حتى لو طحن وقُرٌ مِن الحنطة وفيها شيء من خرء الفأرة لم يحل" تناول شيء من ذلك. وأكثر مشايخنا على أن ذلك عفو؛ لأن البلوى تتحقق في خرءها خصوصا في الطعام. وللبلوى أثر؛ فلا بأس بتناول ذلك الطعام وإن كان فيها شيءٌ يسير من ذلك، ولهذا استحسنوا في الهرة أيضًا، فإن معنى البلوى متحقق في سؤرها، وإلى ذلك أشار صاحب الشرع حتى أصغى لها الإناء وقال: «إنها من الطوافين عليكم والطوافات». ثم أخذ
الجزء 1 · صفحة 24
أبو يوسف بظاهر هذا الحديث وقال: «لا بأس بالتوضي به». وأبو حنيفة ومحمد قالا: إن توضأ به، أجزاء ولكنه مكروه». وفي كتاب الصلاة يقول: «إن توضأ بغيره أحب إلي». وذكر الطحاوي قول محمد مع قول أبي يوسف، وهو الأصح. وإنما قلنا بالكراهة لأن النبي عليه السلام أمر بالغسل من ولوغ الهرة مرة، وقال: «الهرة سبع. فذلك دليل الكراهة. ثم ذكر الطحاوي أن الكراهة عندهما لأجل حرمة اللحم، وسؤرها يتحلب من لحمها. وذكر الكرخي أن الكراهة عندهما لأنه يأكل الجيف فلا يخلو لسانها عن نجاسة قليلة، وإنما تشرب بلسانها. وهذا أوجه؛ لأنه لو كان لأجل حرمة اللحم لكان يحكم بنجاسته كما في الكلب، فإن البلوى الذي يتحقق في الهرة يتحقق في الكلب أيضًا. وذكر في النوادر أنه إذا صلى وهو حامل الهرة فذلك مكروه عند أبي حنيفة لمعنيين؛ أحدهما: حمل ما لا يحتاج إليه في الصلاة، والثاني: كراهة سؤره. وأبو يوسف اعتبر المعنى الأول. وبهذا يتبين جهل العوام أنهم يتركون الهرة لتدخل تحت لحافهم وتلحسهم ولا يغسلون ذاك الموضع، وذلك مكروه عند أبي حنيفة رحمه الله، ويُضعون الطعام بين يدي الهرة، فتأكل" بعضه فيرفع الجاهل ذلك فيأكله؛ وذلك مكروه، ويظن أنه أكرم الخبز.
قال في الرجل يصلي في المسجد ركعة من صلاة الظهر ثم يُقام للظهر في ذلك المسجد يصلي ركعة أخرى ثم يسلم، ثم يدخل مع الإمام في صلاته أما إذا أقيمت للصلاة قبل أن يقيّد الركعة بالسجدة، قطعها ودخل مع الإمام ليكون محرزا ثواب تكبيرة الافتتاح؛ وهذا لأن ما دون الركعة ليس لها حكم الصلاة، وقد بيناها. أما إذا أقيمت بعدما قيدها بالسجدة أتمها بركعة أخرى؛ لأن الركعة الكاملة لها حكم الصلاة فلا تحتمل الرفض، ولو قطعها كان مبطلا عمله، ولا حاجة إلى الإبطال؛ لأنه يمكنه أن يشفعها بركعة أخرى، ثم يسلم ليكون متطوعًا بركعتين، ثم دخل مع الإمام. كذلك إذا قام إلى الثالثة فقبل أن يقيدها بالسجدة أقيمت للصلاة، يعود ويسلم ويدخل مع الإمام لإدراك فضيلة الجماعة. فأما إذا قيد الثالثة بالسجدة أتمها، لأنه أدى أكثر الصلاة، وللأكثر حكم الكل؛ فإذا أتمها يدخل مع الإمام بنية النفل؛ لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال لأبي ذر رضي الله عنه: «كيف بك إذا ابتليت بأمراء السوء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها؟»، فقال: الله ورسوله أعلم.
فقال: «صل وحدك ثم صل معهم، واجعل صلاتك معهم سبحة»؛ أي نافلة.
وهكذا الجواب في العصر والعشاء؛ إلا أن في العصر لا يدخل مع الإمام لكراهة التنفل بعد العصر، ولكنه يخرج من المسجد، لأنه لو جلس طال مخالفة الإمام، وربما يتهمه الناس، فيخرج من المسجد تحرزا عن التهمة، (ولو كان هذا في صلاة الفجر وقد صلى ركعة قطعها لأنه لو شفعها تمت صلاته فتفوته فضيلة
الجزء 1 · صفحة 25
الجماعة، فقلنا بأنه يقطعها لمراعاة هذه الفضيلة. فلا يقال في هذا القطع إبطال العمل؛ لأنه لا يقطعها على قصد الإبطال، وإنما يقطعها ليؤديها على أكمل الوجوه. وإن كانت الركعة الثانية قيدت" بالسجدة أتمها؛ لأنه أدى أكثر الصلاة، وللأكثر حكم الكمال. فإذا أتمها لا يدخل مع الإمام لكراهة التنفل بعد الفجر. وكذلك في صلاة المغرب إذا كان صلى ركعة قطعها؛ لأنه لو صلى ركعة أخرى يصير مؤديا أكثر الصلاة، ولأنه يصير مؤديا ركعتين قبل المغرب، وذلك منهي عنه، فلهذا يقطعها، وإن كان قيد الثانية بالسجدة أتمها، لأنه أدى أكثر الصلاة، ثم لا يدخل مع الإمام لكراهة التطوع بثلاث ركعات. ولم يذكر في الكتاب أنه إذا شرع في الأربع قبل الظهر، ثم أقيمت للصلاة وصلى ركعة أو ركعتين ماذا يصنع؟ قال الشيخ الإمام رضي الله عنه: كان أستاذنا يحكي عن أستاذه القاضي الإمام أنه قال: لا يقطع بخلاف المكتوبة؛ لأنه ما قطعها على وجه الفساد، وإنما قطعها ليؤديها على أكمل الوجوه. وهذا معدوم في التطوع؛ لأن بالشروع التزمه، فعليه أن يتمها؛ وهذا لأن الأربع قبل الظهر بمنزلة صلاة واحدة. وإنما يظهر هذا بمسألتين: ذكره ابن سماعة عن محمد في نوادره: «أن امرأة لو شرعت في الأربع قبل الظهر فخيرها زوجها فأتمت الأربع؛ لا تبطل خيارها ولا تبطل حق الرجعة، بخلاف سائر التطوعات». قال رضي الله عنه: ثم وجدت رواية عن أبي حنيفة رحمة الله عليه في بعض الأمالي لأبي يوسف رحمه الله أنه يقطعها ويدخل مع الإمام فرجعت إلى هذا القول باعتبار أن التطوع لا يكون ألزم من المكتوبة. وإذا سلم على رأس الركعتين فعلى ما هو المذهب لا يلزمه شيء في قول أبي حنيفة ومحمد خلافًا لأبي يوسف؛ وهذا ظاهر. قال رضي الله عنه وكان شيخنا الإمام رحمه الله يقول: «عندي الأوجه ههنا: أن يقضي بركعتين؛ لما قلنا إن هذا الأربع في حكم صلاة واحدة». وقد ورد أثر في قضاء هذه الأربع قبل الشروع فيها على ما روي عن النبي عليه السلام قال: «من فاتته قبل الظهر قضاها بعد الظهر». فبعد الشروع أولى أن يقضي ما لم يؤد منها بعد الفراغ من المكتوبة.
(قال في رجل ينتهى إلى الإمام والناس في صلاة الفجر ولم يصل ركعتي الفجر: إن خشي أن تفوته ركعة من الجماعة، ويدرك ركعة، يصلي ركعتي الفجر عند باب المسجد، ثم يدخل المسجد فيصلي مع القوم) وهذا لأن ركعتي الفجر من أقوى السنن، قال عليه السلام: «صلوهما فإن فيهما الرغائب»، «صلوهما وإن طردتكم الخيل عنهما». وقال عليه السلام ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها». وقيل في تأويل قوله تعالى: (وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْهَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا الإسراء () أن المراد ركعتا الفجر؛ لأنه تشهدهما ملائكة الليل وملائكة النهار. ولو اشتغل بهما لم يعبه الجماعة، لأن إدراك الركعة في الصلاة
الجزء 1 · صفحة 26
كإدراك الصلاة، قال عليه السلام من أدرك ركعة من الفجر فقد أدرك الصلاة». ولكنه يصليهما خارج المسجد، لأنه كان متنقلا في المسجد مع ا اشتغال الإمام بالفريضة، وذلك مكروه؛ لما فيه من مخالفة الإمام. ولكن هذا إذا كان عند باب المسجد موضع يصلى فيه، أما إذا لم يكن موضع يصلى فيه لا بد من أن يصليهما في المسجد، إلا إذا كان الإمام في الشتوي فهو يصلي في الصيفي أو على العكس ذلك. فإن كان المسجد واحدًا فلا بأس بأن يقف في ناحية من الصفوف عند سارية من سواري المسجد لحديث أبي عثمان النَّهْدِي قال: كان عمر رضي الله عنه يفتتح صلاة الفجر فيدخل داخل المسجد، ويصلي ركعتي المسجد عند بعض السواري، ثم يدخل معهم. وقد روي ذلك عن ابن مسعود عنه. وإن خاف أن لا يدرك شيئًا مع الإمام يدخل مع الإمام. لأن أداء الصلاة بالجماعة أهم من أداء السنة، لما روي أنصاحب الشرع صلى الله عليه وسلم ندب إلى أداء السنة وذكر الوعيد بترك الجماعة فقال: «لقد هممت أن استخلف من يصلي بالناس، وأنظر إلى من لم يحضر الجماعة، فأمر الفتيان بأن يحرقوا بيوتهم». وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «عليكم بالجماعة فإنها من سنن الهدى، ولو صليتم في رحالكم كما فعل هذا المتخلف لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم». فلهذا قلنا أنه يشتغل بإحراز فضيلة الجماعة. ولم يذكر فصل أنه إذا كان يرجو إدراك القعدة كيف يصنع؛ وظاهر ما ذكر في الكتاب يدل على أنه يدخل مع الإمام، لأنه قال: «وإن خاف أن لا] يدرك شيئًا من الصلاة مع «الإمام». وكان أبو جعفر الهندواني رحمه الله يقول: على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله يصلي ركعتي الفجر، لأن إدراك التشهد عندهما كإدراك الركعة بدليل مسألة الجمعة». وحكي عن الفقيه إسماعيل الزاهد أنه كان يقول: ينبغي أن يفتتح ركعتي الفجر، ثم يقطعهما ويدخل مع الإمام حتى يلزمه بالشروع، فيتمكن من القضاء بعد الفجر». ولكن هذا ليس بقوي؛ فإن ما وجب بالشروع لا يكون أقوى من المنذور. وذكر في زيادات الزيادات أن المنذور لا يؤدى بعد الفجر قبل طلوع الشمس، ثم هذا أمر بافتتاح الصلاة على قصد أن يقطعها ولا يتمها، وهذا غير مستحسن شرعًا». (فإذا صلى مع الإمام ولم يصل ركعتي الفجر، لا يقضيهما بعد طلوع الشمس في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. وقال محمد رحمه الله: أحب إلي أن يقضيهما إذا ارتفعت الشمس) وقاس هذا بما لو فاتته مع الفريضة. وأبو حنيفة وأبو يوسف قالا: القياس أن لا يُقضى شيء من السنن بعد فوات الوقت؛ لأن القضاء لإسقاط ما يكون دينا في ذمته، والسنن لا تكون دينا في الذمة. ولكن المقصود منها متابعة رسول الله عليه السلام وطريقته، وهذا لا يكون بعد فوات الوقت؛ إلا أنا تركنا القياس فيما إذا فاتته مع المكتوبة بالسنة وهو حديث ليلة التعريس؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتي الفجر بعدما أذن بلال، ثم
الجزء 1 · صفحة 27
صلى الفجر. والمخصوص من القياس لا يقاس عليه غيره ولا يلحق به إلا إذا كان في معناه من كل وجه، وهذا ليس في معنى ما ورد الأثر فيه]؛ لأن هناك توجد المتابعة فعلا فإنها مؤداة قبل المكتوبة، وههنا لم يوجد فعلا ولا وقنا قال الله رضي عنه: كان شيخنا الإمام يقول: «الخلاف بينهما قريب؛ فإن محمدا رحمه الله يقول: أحب إلي أن يقضي، وإن لم يفعل لا شيء عليه. وهما يقولان ليس عليه أن يقضي، وإن فعل فلا بأس به.
(قال: ويكبر مع الانحطاط في الصلاة لما روي عن رسول الله صلى الله ا عليه وسلم أنه كان يكبر حين يهوي. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر عند كل خفض ورفع، وفي رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: مع كل خفض ورفع، وما كان يعمل بخلاف ما يروي. والذي رُوي أن عثمان رضي الله عنه كان لا يتم التكبير، تأويله أنه كان لا يتم التكبير جهرًا كما. هو عادة بعض الناس، فإنهم يفتتحون التكبير جهرًا ويتمونه خفية. وقد قال عمار بن ياسر: «لو لم يكن لعلي رضي الله عنه من الفضيلة سوى أنه أحيا هاتين التكبيرتين لكانت كافية». يعني تكبيرتي الركوع والسجود؛ لأن بعض الناس تركوهما. وقد أتى بهما علي رضي الله. وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: ذكرني هذا الفتى صلاة رسول الله عليه السلام: كان يكبر مع كل خفض ورفع». (قال: ويقول سمع الله لمن حمده مع الرفع]) " لحديث حذيفة أن النبي عليه السلام كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده»، ولأن الناس توارثوا هذا الذكر خلفًا: سلف مع الرفع. ويحذف التكبير حذفا)؛ لحديث إبراهيم النخعي موقوفا عليه ومرفوعا إلى النبي عليه السلام: «الأذان جزم والإقامة جزم والتكبير جزم ولأن المد في أوله لحن من حيث الدين؛ فإنه ينقلب بالمد استفهاما، وفي آخره لحن من حيث اللغة؛ فإن أكبر " على ميزان "أفعل" وهذا مما لا يحتمل المد، إلا أنه يذكر بالتفخيم؛ لأنه إحدى اللغتين.
(قال في امرأة صلت وربع ساقها مكشوفة: إنها تعيد الصلاة) لأن ستر] العورة من شرائط الصلاة. قال الله تعالى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ) الأعراف] يعني ستر العورة لأجل الصلاة، لا لأجل الناس؛ ولهذا خُص المسجد بالذكر. والناس في الأسواق أكثر منهم في المساجد، ثم المرأة عورة مستورة، إلا أن المستثنى من بدنها الوجه والكف والقدم في إحدى الروايتين. والساق عورة بالإجماع، ثم قليل الانكشاف لا يمنع جواز الصلاة لحديث عمر بن أم سلمة قال: «كنت أؤم الصبيان وعلي إزار متخرق، وكانوا يقولون لأمي: غطي عنا است ابنك». يدل أن قليل الانكشاف لا يمنع جواز الصلاة باعتبار الضرورة والبلوى؛ فإن كل أحد لا يجد ثوبا جديدا في كل وقت، والكثير يمنع لانعدام البلوى فيه. ثم
الجزء 1 · صفحة 28
قدر أبو حنيفة رحمة الله عليه الحد الفاصل بين القليل والكثير بالربع؛ لأن للربع حكم الكمال في بعض الأحوال، كما في مسح الرأس. وكذلك في العادة من رأى وجه إنسان استجاز من نفسه أن يقول: رأيتُ فلانا، وإن رأى وجهه فحسب. ثم إذا كان هو الربع؛ جعل بمنزلة انكشاف ذلك العضو. وإذا كان المكشوف ما دون الربع، يوجب الكراهة إن كانت تعلم بذلك. وروى عن أبي يوسف رحمه الله أنه قال: لا تعيد الصلاة إلا إذا كان المكشوف هو النصف) وروي عنه في الأمالي: لا تعيد الصلاة إلا إذا كان المكشوف قليلا. ولو كان المكشوف كثيرًا إذا قوبل بالمستور كان المكشوف قليلا. ولو كان المكشوف هو النصف، فعلى هذه الرواية جعله بمنزلة انكشاف أكثر العضو أخذا بالاحتياطوترجيحا للمعنى المفسد على المعنى المجوّز. وروي عنه في الأمالي: «المفسد انكشاف أكثر العضو وعند المساواة لا تتحقق الكثرة». وذكر الكرخي أن التقدير عندهما بالربع في الساق والصدر والرأس ونحوها من العورة الخفيفة، أما في العورة الغليظة التقدير بالدرهم؛ وقاس هذا بالنجاسة الغليظة والخفيفة؛ لأن في الخفيفة التقدير بالربع وفي الغليظة بالدرهم. قال الشيخ: هذا غير صحيح؛ لأن جميع السوءة مقدر بالدرهم، فما قاله ينبغي أنها إذا صلت وجميع سوأتها مكشوفة تجوز صلاتها حتى ينكشف معها شيء آخر؛ وهذا بعيد.
(قال في الرجل في السفر وفي رَحْلِهِ ماء فنسي وتيمم، ثم تذكر بعد الفراغ من الصلاة تجوز صلاته عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف يتوضأ ويعيد الصلاة) أبو يوسف يقول: إن نسيان الماء في السفر أمر نادر؛ لأن الماء من أعز الأشياء في السفر، والنادر لا حكم له، وإنما يعتبر النسيان فيما تعم به البلوى؛ ألا ترى أنه لو كان الماء معلقا في عنقه، أو كان موضوعًا بين يديه، أو على ظهره فتيمم وصلى ثانيا لا تجوز صلاته وقاس هذا على المكفّر بالصوم؛ فإن من كفر بالصوم وله مال لا يجوز صومه، وشرط الجواز في الموضعين في كتاب الله تعالى واحد؛ وهو عدم الوجود، وبالنسيان لا يخرج من أن يكون واجدا للمال، هما يقولان: الناسي غير مخاطب باستعمال الماء كالمريض والمسافر إذا كان له ماء ولكن يخاف على نفسه العطش جاز له أن يتيمم، فكذا هذا. وبيان الوصف أن التكليف على حسب وسعه، وليس في وسعه دفع النسيان، ولا استعمال الماء مع النسيان. يوضحه: أنه عدم آلةً الوصول إلى الماء، وهو العلم به فيكون معذورًا، كمن كان على رأس البئر وليس معه آلة الاستقاء، يجوز له التيمم، بخلاف ما إذا كان الماء معلقا في عنقه أو على ظهره؛ لأن هناك لم يتحقق العجز. وبخلاف المكفر بالصوم؛ فإن المانع من الجواز ثُمَّ وجود المال في ملكه دون القدرة؛ ألا ترى أنه لو عرض له إنسان مالا فأبى أن يقبل يجوز، صومه وبالنسيان لا يخرج عن ملكه. وههنا المانع عن الجواز هو القدرة على استعمال الماء دون الملك؛ ألا ترى لو عرض له إنسان ماء، فأبى أن
الجزء 1 · صفحة 29
يقبل لا يجوز له أن يتيمم، وبالنسيان تنعدم القدرة على استعمال الماء، فدل على التفريق بينهما.
وذكر المعلى في كتابه: العاري إذا كان له ثوب مدفون بالقرب منه، فنسيه وصلى عريانا أنه على هذا الاختلاف وقد زعم بعض مشايخنا أن هناك إذا تذكر جاز عندهم جميعا، وبعضهم فرقوا بين الموضعين بأن العاري يترك فرض الستر لا إلى الخلف، والمتيمم ترك الطهارة بالماء إلى خلف وهو التيمم. والأصح ما ذكره، المعلى فإنه مع النسيان غير مخاطب بستر العورة. والدليل على التسوية بينهما ما ذكره محمد في النوادر، فقال: لو أن رجلين كانا في سفر ومع أحدهما إناء فيه ماء، فقال لصاحبه: انتظرني حتى أتوضأ ثم أدفع إليك، وجب عليه الانتظار وليس له أن يصلي بالتيمم ولو كان يخاف خروج الوقت. وكذلك لو كان مع أحدهما ثوب فقال لصاحبه: انتظرني حتى أصلي ثم أدفع إليك، فعليه الانتظار وليس له أن يصلي عريانا وإن خاف خروج الوقت، فيظهر بهذا التسوية بين الفصلين.
(قال في الرجل يقرأ السجدة من بين السورة إذا كان معها آية أو آيتان فإنه لا بأس بذلك وقد ذكر في كتاب الصلاة ما يدل على كراهة قراءة آية السجدة وحدها. وتأويل ذلك: إذا كان يعتقد فيها زيادة الفضيلة؛ فأما إذا كان لا يعتقد زيادة الفضيلة فلا بأس بقراءة آية السجدة وحدها، لأن قراءة آي من بين الآيات كقراءة سورة من بين السور. وقد صح في الحديث أن النبي عليه السلام ربما كان يقرأ في خطبه آيةً واحدة، نحو قوله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمَا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ البقرة] ولكن يستحب له أن يقرأ معها آية أو آيتين؛ فإن ذلك أدل على المعنى، وأبعد أن يُعتقد في آية السجدة زيادة الفضيلة.
(قال: وأكره أن يقرأ السورة ويدع آية السجدة في غير الصلاة لأن في ترك آية السجدة هَجْرُ بعض القرآن، وليس ذلك من أعمال المسلمين. قال الله تعالى: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَنرَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا) الفرقان]، ولأنه فرار عن التزام السجدة وذلك ليس من أخلاق المؤمنين. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال: (إذا قرأت القرآن فاقرأ على نحوه». وقوله "هذا في غير الصلاة لبيان أن هذه الكراهة في الصلاة أشد؛ أي "هذا جوابي في غير الصلاة. وقد لا يكون القارئ مستجمعا شرائط السجدة فلأن أكره هذا في الصلاة - والقارئ مستجمع شرائط السجود فيها كان أولى، إلا أنه إذا كان] بالقرب من القارئ قوم يتحدثون أو يظن أنهم يسمعون ولا يسجدون فلا بأس بأن يخفي آية السجدة؛ لأن هذا يرجع إلى النصح للمسلمين والتحرز من تأثيمهم وذلك مندوب إليه.
(وقال في الأنين في الصلاة إذا كان من ذكر الجنة والنار فليس يقطع الصلاة، وإن كان من وجع أو
الجزء 1 · صفحة 30
مصيبة يقطع (الصلاة) لما روي أن النبي عليه السلام كان إذا افتتح التهجد شمع لجوفه أزيز كأزيز المزجل من شدة الغليان. وقيل في تأويل قوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ) التوبة] أنه كان يتأوه في الصلاة حتى يُسمع أنينه في ميل، ولأن الأنين من ذكر الجنة والنار زيادة خشوع، والخشوع زينة الصلاة، وإذا كان من وجع أو مصيبة فهو تألم وتوجع وذلك ليس من أعمال الصلاة في شيء، ولأن الأنين من ذكر الجنة والنار تعرض لسؤال الجنة والتعوّذ من النار ولو صرّح وقال: "اللهم إني أ الجنة، وأعوذ بك من النار" لم يضر؛ فكذلك إذا تعرض لذلك" بأنينه. وإذا كان من وجع أو مصيبة فهو تعرض لإظهار الوجع والألم. ولو صرح ذلك وقال: "أعينوني فإني مصاب"، "أدركوني فإني وجيع فسدت صلاته، وعن أبي يوسف رحمه الله قال: «إذا كان بحرفين نحو قوله: آه؛ لم يضر في الحالين. وإن كان بثلاثة أحرف نحو قوله: أوه؛ تفسد صلاته». وهو بناء على أصله في أن الكلام القاطع للصلاة بثلاثة أحرف. وقد بيناه في مسألة التأفيف في كتاب الصلاة. وعن محمد رحمه الله قال: إن كان بحيث لا يملك نفسه لم يضره ذلك في الوجهين؛ لأن ما لا لا يستطاع الامتناع عنه عفو كالتنحنح والتنفس، وإن كان بحيث يمكن الامتناع تفسد صلاته في الوجهين».
(وفي البكاء في الصلاة إذا كان يخرج الدمع من عينيه من غير صوت لبكائه فلا يضره ذلك لأن خروج الدمع كخروج العرق، وذلك لا يضر المصلي، على ما روي أن النبي عليه السلام عرق في صلاته فَسَلْتَ جبينه بيده. (وأما إذا كان بصوت فإن كان من ذكر الجنة والنار لم يضره) لقوله عليه السلام:
طوبى للبكائين في الصلاة». وقد كانت الصحابة يبكون في تهجدهم بالليل. وفيه نزل قوله تعالى: (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ} الإسراء]. (وإن كان من وجع فهو مفسد الصلاته) وهذا كالأنين.
(وقال في رجل يسلم حين يفرغ من صلاته أنه ينوي بالتسليمة" الأولي من عن يمينه من الرجال والنساء والحفظة وقد بينا في كتاب الصلاة أنه يتحلل بتسليمتين عن يمينه وعن يساره. هكذا روى ابن مسعود أن النبي عليه السلام كان يسلم عن يمينه حتى يُرى بياض خده الأيمن، وعن يساره حتى يرى بياض خده الأيسر. وفي رواية: عن يمينه حتى يرى بياض خده الأيسر، وعن يساره حتى يرى بياض خده الأيمن؛ يحكي شدة التفاته. وهذا لأنه يخاطب في التسليمة الأولى من] عن يمينه فيقول: "السلام عليكم"، (وكذلك عن يساره) فكما يخاطبهم بلسانه يلتفت إليهم بوجهه وينويهم بقلبه؛ لأن الكلام بالنية يصير عزيمة. قال عليه السلام: إن الله تعالى وراء لسان كل متكلم؛ فلينظر أحدكم ما يقول». ثم بدأ ههنا بذكر بني آدم، وفي كتاب الصلاة بدأ بذكر الحفظة. فمن أصحابنا من يقول ما ذكر في كتاب الصلاة على
الجزء 1 · صفحة 31
قول أبي حنيفة الأول؛ فإنه كان يفضل الملائكة على بني آدم وما ذكر ههنا بناءً على قوله الثاني فقد رجع إلى تفضيل بني آدم على الملائكة. وهذه مسألة فيها كلام بين أهل الأصول والمذهب عند أهل السنة والجماعة تفضيل البشر على الملائكة والمعتزلة يقولون بتفضيل الملائكة على البشر، ولكن لا معنى للاشتغال به ههنا. قالوا: وعندنا لا يوجب الترتيب والترتيب في النية لا يتحقق؛ فإن من سلم على قوم لا يمكنه أن ينوي الرجال أولا ثم النساء ثم الصبيان، ولكن مراده في الموضعين أنه يجمعهم في نيته، وإنما ينوي إذا كان خلفه النساء، أما إذا لم يكن فلا معنى لنية النساء. ويحكى عن الحاكم الشهيد رحمه الله أنه كان يقول: ينوي من يشاركه ومن لا يشاركه في الصلاة؛ فعلى هذا ينوي النساء». فأما في ظاهر الرواية لا ينوي إلا من يشاركه في الصلاة؛ لأنه قال: من عن يمينه ومن عن يساره، وإنما يفهم منه الحضور خاصة والسلام الذي يعم الكل فهو سلام التشهد على ما قال عليه السلام: «إذا قال المصلي: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ أصاب كل عبد صالح من أهل السماء والأرض». فأما في سلام التحلل إنما يخاطب من يشاركه من الحاضرين، فينويهم أيضًا، وعلى ما قاله الحاكم: «المنفرد ينوي الرجال والنساء؛ فأما على ظاهر المذهب المنفرد لا ينوي الرجال والنساء، وإنما ينوي الحفظة فقط». وليس المراد بالحفظة الكرام الكاتبين فحسب، بل جميع من معه من الملائكة، قال الله تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله) الرعد]. قال ابن عباس رضي الله عنه: «هم خمس من الملائكة يكونون مع كل واحد، وفي بعض الروايات مد ذلك إلى مائة وستين ملكًا. والمقتدي أيضا ينوي كما ينوي الإمام. فإن كان الإمام في جانب الأيمن نواه في التسليمة الأولى، وإن كان في جانب الأيسر نواه في التسليمة الثانية) وإن كان بحذائه ينوي في التسليمة الأولى عند أبي يوسف؛ لأنه لما استوى الجانبان ترجح الجانب الأيمن. قال عليه السلام: «الأيمنون». وكان الله تعالى يحب التيامن في كل شيء حتى في تنقله وترجله يعني ترجيل الشعر، وعند محمد ينويه في التسليمتين؛ لأن له حظا. من الجانبين فينويه في التسليمتين جميعا.
ولا يحتاج المقتدي إلى رد سلام الإمام ففي التسليمتين جواب سلامه، فإن من سلم على غيره فلا فرق أن يقال في جوابه عليكم السلام، وبين أن يقول السلام عليكم.
(قال: وكان أبو حنيفة رحمه الله يكره عد الآي والتسبيح في الصلاة) لأن ذلك ليس من أعمال الصلاة. وقال عليه السلام: «إن في الصلاة لشغلا» أي: لشغلا" للمصلي بأعمال الصلاة؛ فلا ينبغي أن يشتغل بغيرها. ثم السلف يختلفون في عد الآي في غير الصلاة؛ فمنهم من كان يكره ذلك. وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه لما رأى من يفعل ذلك قال: «أتُنبئون الله بما لا يعلم». وابن مسعود رضي الله عنه لما
الجزء 1 · صفحة 32
رأى من يفعل ذلك قال عند ذلك: «استغفر مستغن عن عد الآي والتسبيح. فإذا كره بعضهم في غير الصلاة عرفنا أنه مكروة في الصلاة. وعن أبي يوسف في الأمالي: «أنه لا بأس بذلك منها فأنت
في التطوع». واستدل بحديث صلاة التسبيح؛ فقد ذكر عدد التسبيحات في كل] ركن؛ إلا أنا نقول: ليس المراد من ذلك العقد بالأصابع أو العد بخيط يمسكه بيده، وإنما المراد حفظ ذلك بقلبه حتى يتيقن أنه أتى بذلك العدد؛ وعندنا لا بأس بذلك.
(قال يعقوب: صليت المغرب يوم عرفة فقمت فسهوت أن أكبر، فكبَّرَ أبو حنيفة) وهذا بيان أن المقتدي لا يدع التكبير في دبر الصلاة في أيام التشريق وإن تركه الإمام ساهيًا أو متعمدا، بخلاف سجود السهو، فإن الإمام إذا ترك لا يأتي به المقتدي؛ لأن سجود السهو مؤدى في حُرمة الصلاة، ولهذا كان التشهد والتسليم مشروعًا بعده، وإن من اقتدى بالإمام فيه يصح اقتداؤه، وإن المسبوق يتابع الإمام فيه، والمقتدي يتبع الإمام فيما يكون مؤدى في حرمة الصلاة، فلا يأتي به إذا تركه الإمام. فأما التكبير فغير مؤدى في حرمة الصلاة؛ ولهذا لا يسلم بعده. ولو اقتدى بالإمام في حالة التكبير لم يصح اقتداؤه به، فلا يترك بترك الإمام بمنزلة التسليمة في حق المحرم وبمنزلة سجدة التلاوة في غير الصلاة فإن التالي إمام السامعين، ثم لا يسجدون السجدة إن تركها التالي لأنها لا تؤدى إلا في تحريمة مشتركة، ثم طعنوا عليه في هذا اللفظ: "صليتُ بهم المغرب يوم عرفة. فقالوا: المغرب يؤدى بعد غروب الشمس، وما بعد غروب الشمس ليلة النحر لا يوم عرفة ولكن هذا بعيد؛ فقد سمى سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب وتر النهار، ولا يقال وقتها بالنهار. ثم مراده بذكر اليوم الوقت؛ يعني صليت بهم وقت المغرب بعرفة، قال الله تعالى: (وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَيذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيَا إِلَى فِئَةٍ (الانفال)؛ والمراد به الوقت. وكان ذكر هذا اللفظ لبيان أن ما بعد غروب الشمس وقت الوقوف بعرفة، وهو مذهبنا؛ فإن وقت الوقوف يمتد إلى طلوع الفجر. وقالوا في ذكر هذا الفصل على سبيل الحكاية فوائد؛ منها: بيان منزلته عند أستاذه؛ حيث قدمه واقتدى به. ومنها: بيان حشمة الأستاذ في قلبه؛ فإنه لما علم أن المقتدي به أستاذه سها عما لا يسهو المرء عن مثله عادةً وهو التكبير ومنها: مثابرة أستاذه إلى الستر عليه، حيث كبر ليتذكر هو فيكبر. وكذا ينبغي أن تكون المعاملة. بين أستاذ وتلميذ؛ يعني أن التلميذ يعظم أستاذه، والأستاذ يستر عليه عيوبه، ويواري زلته بجهده. وفيه بيان أنه يؤتى بالتكبيرات يوم عرفة؛ وهو مذهب الكبار من الصحابة عمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم على ما بينته.
(وقال التعريف الذي يصنعه الناس: ليس بشيء) يعني اجتماعهم بعد الزوال يوم عرفة في
الجزء 1 · صفحة 33
مساجدهم والاشتغال بالدعاء تشبيها بالواقفين بعرفة، فإن من الناس من يقول: إن ذلك سنة. ويروون عن ابن عباس رضي الله عنه أنه عرف بالبصرة، وأبو حنيفة رحمه الله قال: هذا ليس بشيء؛ أي ليس بشيء مسنون.
فإن النبي عليه السلام لم يفعل ذلك حين كان بالمدينة، وكذلك الخلفاء الراشدون لم يفعلوا ذلك، وليس ذلك من عوازم الأمور، ولكنها من المحدثات. قال عليه السلام: «خير الأمور عوازمها، وشر الأمور محدثاتها، وقال: «من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد». ولو أنهم فعلوا ذلك تشبيها بالواقفين، فلا بد من أن يكشفوا رؤوسهم أيضًا تشبيها بالمحرمين، ولا يقول أحد بذلك؛ فإنه يكون تشبيها بما يفعله النصارى في بيعهم وكنائسهم. ثم لو] فعلوا ذلك لطافوا] بمساجدهم أيضًا تشبيها بالطائفين بالبيت، وسعوا في أسواقهم تشبيها بالذين يسعون بين الصفا والمروة. وإن كان الذين هم بعرفات لا يتشبهون بأهل البلدان في صلاة الجماعة فكيف أهل البلدان يتشبهون بهم في الوقوف بعرفة؛ فإن كل واحدة منهما عبادة مختصة بمكان، فلا تكون عبادة في غير ذلك المكان. وتأويل الحديث الذي روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه. جمع الناس بالبصرة المشورة أو أمر حزبه لا أن يكون على قصد التشبه بالواقفين بعرفة. فبهذه المسألة تبين جهل العوام في خروجهم إلى بعض الأمكنة التي كانت تغرًا فيما سبق على وجه التشبه بالغزاة التي كانوا يخرجون إليها في ذلك الوقت؛ فإنه قد خرج ذلك الموضع من أن يكون تغرًا الآن، فلا معنى لهذا الخروج والتشبه.
(وقال في رجل صلى ولم ينو أن يؤم النساء فجاءت امرأة فدخلت في صلاته خلفه ثم جاءت فقامت إلى جنبه أنها لا تفسد صلاته عليه، ولا تجزئها صلاتها) وقال زفر: تفسد عليه صلاته وأصل ذلك أن اقتداء المرأة بالإمام لا يصح إذا لم ينو إمامتها عندنا. وعلى قول زفر يصح بمنزلة اقتداء الرجل بالرجل؛ فإن الرجل أهل إمامة الرجال والنساء جميعا. وقاس بصلاة الجمعة وصلاة العيد وصلاة الجنازة؛ فإن اقتداء المرأة يصح في هذه الصلوات سواء ينوي أو لا ينوي إمامتها. ولكنا نقول: الرجل يلحق صلاته فساد من جهة المرأة باقتدائها به فيمكنه التحرز عنه بنيته كالمقتدي لما كان يلحقه فساد من جهة الإمام أمكنه التحرز عن ذلك بنيته وهو أن لا ينوي الاقتداء به. وبيان ذلك أن المحاذاة في صلاة مشتركة تفسد صلاة الرجل، فلو صححنا اقتداء المرأة بالرجل إذا لم ينو إمامة النساء أدى إلى أن تقدر كل امرأة على إفساد صلاة الرجل متى ـ وفيه من الضرر ما لا يخفى، فيُرفع قلنا: لا يصح اقتداؤها به إلا أن يلتزم ذلك بنيته، ولا يوجد مثل ذلك في اقتداء الرجل به ولا في صلاة الجنازة؛ فالمحاذاة فيها لا تفسد صلاة الرجل.
الجزء 1 · صفحة 34
واختلف مشايخنا في صلاة الجمعة والعيدين؛ فمنهم من قال لا يصح اقتداؤها به فيهما ما] لم ينو إمامتها، لرفع الضرر. ومنهم من ذلك؛ لأن المرأة لا تقدر على أداء هاتين الصلاتين وحدها ولا بجماعة صحح النساء، فإنما تقصد بالاقتداء إحراز هذه الفضيلة لا إفساد صلاة الرجل، فجوزنا به دفعا للضرر عنها بخلاف سائر الصلوات. وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله قال: إذا قامت بجنبه واقتدت به لا يصح اقتداؤها، وإذا قامت خلفه واقتدت به ولا يحاذيها أحدٌ من الرجال صح اقتداؤها، فإن لم ينو إمامتها" ثم إذا جاءت وقامت إلى جنبه فسدت صلاتها لا صلاة الرجل. وهذا قوله الأول، فأما قوله الآخر: إذا لم ينو إمامتها لا يصح اقتداؤها به في الوجهين جميعا ولا تفسد صلاة الرجل؛ لأن المحاذاة لم توجد في صلاة مشتركة، وإن نوى إمامتها صح اقتداؤها في الوجهين جميعا، وفسد صلاة الرجل وصلاتها لأنها وإن قامت إلى جنبه في الابتداء فالمفيد هو المحاذاة في صلاة مشتركة وذلك لا يكون إلا بعد صحة اقتدائها به، ثم بفساد صلاة الإمام تفسد صلاتها.
(وقال في الرجل تفوته العشاء فيصليها بعدما طلعت الشمس ويؤم فيها قوما أنه يجهر بالقراءة، وإن صلى وحده خافت) ومن المشايخ من قال: يخافت في الوجهين جميعا؛ لظاهر قوله عليه السلام: «صلاة النهار عجماء».
يعني ما يؤدى بالنهار من الصلوات فليس فيها قراءة مسموعة ولأن الجهر بالقراءة سنة في وقتٍ مخصوص فلا تقضى بعد فوات ذلك الوقت، كالتكبيرات في أيام التشريق. وحجتنا في ذلك حديث ليلة التعريس فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الفجر بعد طلوع الشمس وجَهَرَ فيها بالقراءة، وحديث الخندق فإنه قضى الظهر والعصر بعد هوي من الليل ولم يجهر فيهما بالقراءة. ثم القضاء بصفة الأداء أنه تدارك لما فاته من الأداء، وإنما يحصل التدارك إذا أداها بصفته والمراد بقوله عليه السلام: صلاة النهار عجماء»؛ الصلوات المؤداة في وقتها بالنهار مع أن هذا غير مجرى على ظاهره؛ فالإمام يجهر بالقراءة في صلاة العيدين والجمعة، وإنما يؤديها بالنهار.
(وقال في الجمعة بمنى إن كان الإمام من أهل مكة جمع، وكذلك الخليفة أو أمير الحجاز إذا كان مسافرًا، فأما إذا كان الإمام غير الخليفة وغير أمير الحجاز - يعني أمير الموسم وهو مسافر فلا جمعة عليه. وقال محمد رحمه الله: ليس بمنى جمعة على كل حال لأن منى من جملة القرى. وقال عليه السلام: «لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع». ولهذا لا يُعيَّد بمنى، فكذلك لا يُجمع بها. وقاس (بعرفات أنه لا يجمع فيها) في أيام الموسم، كما لا يجمع بها في غير أيام الموسم؛ فكذلك ههنا. ولأبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما
الجزء 1 · صفحة 35
الله طريقان؛ أحدهما أن منى فناء مكة فإنه من الحرم فتجوز إقامة الجمعة في فناء المصر، كما تجوز إقامة الجمعة في جوف المصر على ما قال في نوادر الصلاة أن الإمام إذا خرج مع الناس يوم الجمعة إلى بعض الأفنية من المصر يصلي بهم الجمعة في ذلك الموضع جاز، إلا أن في أيام الموسم يُجمع في جوف مكة فلا يُجمع في فنائها، وفي أيام الموسم لا يُجمع في جوف مكة فيجمع في فنائها. وإنما يفعل ذلك من يكون مقيمًا بمكة أو من يكون له ولاية على أهل مكة كالخليفة وأمير الحجاز؛ فأما أمير الموسم ليس بمقيم بمكة ولا له ولاية على أهلها، وإنما فوض إليه أمر المناسك. وأداء الجمعة ليس من ذلك في شيء، ولا جمعة عليه لأنه مسافر. وبهذا اللفظ يتبين أن على الخليفة الجمعة في كل مصر يكون فيه] في يوم الجمعة إذا كان يدور في ولايته. وإنما لا يُعيد لأنهم لا يتفرغون لذلك في وقت صلاة العيد، فإنهم مشغولون بالرمي والذبح والحلق والرجوع إلى مكة للطواف. وأما عرفات ليس من فناء مكة فإنها من الحل. والطريق الآخر أن منى يتمصر في أيام الموسم؛ لأن بها أبنية وأسواق مركبة وسلطان وقاض فيأخذ حكم المصر، ولا يوجد ذلك في غير أيام الموسم، بخلاف عرفات فإنها فضاء ليس فيها أبنية فلا تأخذ حكم المصر وإن اجتمع الناس فيها.
قال في الإمام يصلي بعرفات الظهر والعصر بغير خطبة: إنه يجزيه) وقال مالك لا يجزيه؛ لأن هذا الجمع إنما عُرف بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الصلاة وكذلك الخلفاء الراشدون بعده، فلا يجوز أداؤها إلا بتلك الصفة بمنزلة صلاة الجمعة، ولكنا نقول: هذه خطبة وعظ وتعليم لبعض ما يحتاج إليه المرء في ذلك الوقت؛ فتركها لا يمنع جواز الصلاة كالخطبة في العيدين. وكذا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب بعرفات وقد خطب في العيدين، ثم حمل فعله هناك على السنة والتعليم لا على أنه شرط الصلاة؛ فكذلك ههنا. وأما في الجمعة الخطبة قائمة مقام شرط الصلاة على ما جاء في الحديث: «إنما قصرت الجمعة لمكان الخطبة». ألا ترى أنه إذا لم يخطب يصلى في هذا الوقت أربع ركعات. وههنا الخطبة لا تقوم مقام شيء من الصلاة؛ فإنه إن كان مقيما يصلي الظهر والعصر أربع ركعات في هذا الموضع كما في غيره من المواضع، وإن كان مسافرا صلى ركعتين في هذا الموضع كما في غيره. فلهذا قلنا بأن ترك الخطبة لا يمنع جواز الجمع بين الصلاتين ههنا.
(قال في المرأة تريد أن تمر بين يدي المصلي: يدرأها، وإن مرت لم يقطع الصلاة وعلى قول أصحاب الظواهر تفسد صلاته بمرور المرأة بين يديه لقوله عليه السلام: تقطع المرأة الصلاة والكلب والحمار». ولكن عائشة أنكرت هذا الحديث حين بلغها، وقالت: يا أهل العراق والشقاق والنفاق قرنتمونا
الجزء 1 · صفحة 36
بالكلاب والحمير؛ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل وأنا قائمة بين يديه معترضة" كاعتراض الجنازة، إذا سجد حبست رجلي وإذا قام مددتها». وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أم سلمة فأراد عمر بن أم سلمة أن يمر بين يديه، فأشار عليه فوقف، ثم أرادت زينب بنت أم سلمة أن تمر فأشار عليها فلم تقف؛ فلما فرغ قال: هي أ أغلب». ولم يستقبل الصلاة لمرورها بين يديه. وفي هذا دليل على أنه يدرأ المار بالإشارة ولا يعالجه بيده إن لم يقف، بخلاف ما يقول بعض الناس أنه يقاتله؛ لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قام أحدكم يصلي فمر مار بين يديه فليدرأه، وإن أبي فليقاتله فإنه شيطان». ولكن تأويله كان هذا في وقت كان العمل مباحًا الصلاة، ثم نسخ بقوله تعالى: (قُومُواْلِلَّهِ قَنِتِينَ) البقرة]، والأصل في درء المارة قوله عليه السلام: «لا يقطع الصلاة شيء وادرءوا ما استطعتم».
وأصح الأقاويل أن المصلي إذا كان في المسجد لا ينبغي لأحد أن يمر بين يديه وبين. حائط القبلة، وكذلك إذا كان يُصلَّى في الصحراء إلى حائط أو إلى سترة، فإن لم يكن بين يديه شيء فلا ينبغي أن يمر في موضع سجوده؛ لأنه حريم المصلي، ولا بأس أن يمر فيما وراء ذلك. وإن أراد المرور في موضع سجوده درأه بالإشارة؛ لأنه ارتكاب المأثم فمنعه. قال عليه السلام: «لو علم المار بين يدي المصلي ما عليه لوقف ولو أربعين». فيدرأه ولا يعالجه باليد لقوله عليه السلام: «إن في] الصلاة لشغلا».
(قال: يجهر الإمام في العيدين والجمعة للتوارث والرواية. فقد روى أبو] واقد الليثي أن النبي عليه السلام قرأ في العيدين بـ”قاف" و"اقتربت" وأبو هريرة روى أنه قرأ في الجمعة سورة الجمعة والمنافقين، والنعمان بن بشير روى أنه قرأ في الجمعة والعيدين سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الأعلى] وهَلْ أَتَنكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ) (الغاشية.]. ففي هذا كله دليل على أنه جهر بالقراءة بحيث سمعوا منه ثم الجهر سنة الصلاة بالجماعة، والجماعة شرط أداء هذه الصلوات فلا بد من أن يكون ما هو السنة بالجماعة مشروعًا فيها، وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاف في وقت النهار بمكة؛ فإن المشركين و] كانوا يؤذونه إذا جهر ويلغون في قراءته، وأما إقامة الجمعة والعيدين فكان بالمدينة بعد الهجرة فكان لا يوجد ذلك المعنى فيها، فلهذا جهر فيها بالقراءة. (ولا) يجهر في الظهر والعصر بعرفات إلا على قول مالك؛ فإنه يقول: إنها مؤداة في جمع عظيم فيجهر فيها بالقراءة كالجمعة والعيدين. ولكنا نقول: لم يُرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الجهر بالقراءة فيها، ولو كان مسنونا لأتى به ولو أتى به لنقل؛ فإنه صلاها بمحضر أكثر الصحابة. ثم أداء هاتين الصلاتين في هذا اليوم في هذا الموضع كأدائهما في سائر الأيام وفي سائر المواضع. فكما لا
الجزء 1 · صفحة 37
يُجهر بالقراءة فيهما في غير هذا اليوم وفي غير هذا فكذلك في هذا اليوم بخلاف الجمعة؛ فإنه دخلها التغير.
(قال: لا بأس بأن يصلي الرجل إلى ظهر الرجل وهو قاعد ومعه قوم يتحدثون) لحديث ابن عمر رضي الله عنه أنه إذا أراد أن يصلي في الصحراء أمر عكرمة أن يجلس بين يديه، وكان يصلي إلى ظهره، وفي الحديث أن النبي عليه السلام صلى إلى ظهر بعير؛ أي جعله سترةً يمر الناس وراءه. ولأن الصف الأول يصلون إلى ظهر الإمام، والصف الثاني يصلون إلى ظهر الصف الأول فعرفنا أنه لا بأس بأن يصلي الرجل إلى ظهر غيره. وإنما المكروه أن يصلي إلى وجه غيره على ما روي أن عمر رضي الله عنه رأى إنسانًا يصلي إلى وجه غيره فعلاهما بالذرة، وقال للمصلي: أتستقبل الصورة في صلاتك. وقال للقاعد أيستقبل المصلي وجهك. قال أبو يوسف رحمه الله في الأمالي حين روى هذا الحديث: وأما أنا فأعلمهما إذا كانا جاهلين، وأؤدبهما إذا كانا عالمين. وفي قوله: ومعه قوم يتحدثون؛ إشارة إلى أنه لا بأس بأن يصلي وإن كان بالقرب منه قوم يتحدثون. وقد كره بعض الناس ذلك] لما روي أن النبي عليه السلام نهى أن يصلي الرجل وعنده قوم يتحدثون أو نائمون وتأويل ذلك عندنا أنهم إذا رفعوا أصواتهم على وجه يخاف المصلي أن يزل في القراءة عن ولولتهم. وفي النائمين أيضًا يُخاف أن يظهر منه صوت - من النائم- فيبتلى هو بالضحك في صلاته ويخجل النائم إذا انتبه. فإن كان لا يخاف ذلك فلا بأس به.
(قال في رجل صلى تطوعًا وقد افتتح قائما ثم يعيى: لا بأس بأن يتوكأ على عصاه أو على حائط) لأن الصحابة كانوا يفعلون ذلك في تهجدهم بالليالي. ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حبلا ممدودا فقال: لمن هذا؟ فقيل: لفلانة تصلي بالليل؛ فإذا أعيت اتكأت فقال: «التصل" فلانة بالليل ما استطاعت فإذا أعيت فلتنم». ثم إن كان يفعل ذلك من علة فلا بأس به
لأن الاتكاء ينقص من القيام. فلا بأس بأن يقعد عند العذر) فلا بأس بالاتكاء أيضًا. (وإن فعله من غير عذر فلا بأس به عند أبي حنيفة رحمه الله) لأن عنده لو قعد في صلاته بعدما افتتحها قائمًا جاز، فالاتكاء أجوز. (وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يكره ذلك لأن عندهما لو قعد من غير عذر لا تجوز صلاته، فإذا اتكأ كره له ذلك، ولا يمنع ذلك جواز الصلاة؛ لأن الاتكاء ينقص من القيام ولا يعدم أصل القيام بخلاف القعود، وإنما لم يجوز ذلك إذا قعد من غير عذر؛ لأن الشروع ملزم كالنذر ولو نذر أن يصلي قائما لم يجز أن يؤديها قاعدا من غير عذر. فكذلك إذا شرع فيها قائما وأبو حنيفة رحمه الله يقول: لو افتتح الصلاة في الابتداء قاعدًا من غير عذر كان جائزا؛ فالبقاء عليها أجوز. وهذا لأن بالشروع يلتزم ما باشر وما لا صحة لما باشر إلا به، ولا صحة للركعة الأولى إلا بالركعة الثانية فتلزمه الركعة الثانية، ولكن الركعة
الجزء 1 · صفحة 38
الأولى صحت بدون القيام في الركعة الثانية بدليل أنه لو قعد قدر التشهد جازت صلاته فكانت صفة القيام فيها نظير الشفع الثاني. فكما لا يلزمه الشفع الثاني بالشروع في الشفع الأول لا يلزمه صفة القيام في الركعة الثانية بالقيام في الركعة الأولى. بخلاف النذر فهو التزام بالتسمية فلزمه ما سمى، حتى لو نذر أن يصلي ركعتين. كان له أن يصلي قاعدًا في قول أبي حنيفة رحمه الله. هو الصحيح من الجواب.
(وقال في رؤث الفرس وروث الحمار والروث كله سواء، إذا أصاب ثوب إنسان أكثر من قدر الدرهم لم تجز الصلاة فيه، وكذلك إذا أصاب الخف أو النعل. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يجزيه إلا إذا كان كثيرًا فاحشا وكان مالك رحمه الله يقول: روث ما يؤكل لحمه طاهر؛ فإنه وقود أهل المدينة يستعملونه استعمال الحطب. وكان الشبان من الصحابة يترامون الجلة" في منازلهم، ولو كان نجسا لما كانوا يمسونها. والدليل على نجاسته حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي عليه السلام طلب منه أحجارا لاستنجاء فأتاه بالحجرين والروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، فقال: «إنها رجس». وفي رواية: ركس. وقال زفر رحمه الله: بول ما يؤكل لحمه مقدر بالكثير الفاحش، وبول ما لا يؤكل لحمه مقدر بالدرهم؛ لأن كل واحدٍ منهما مستحيل من الغذاء يكون في الحيوان إلى نتن وفساد. وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله التقدير فيها بالكثير الفاحش؛ لأن بين العلماء اختلافا في نجاسته، وما يكون في نجاسته اختلاف خف حكمه، وفي النجاسة الخفيفة التقدير فيه بالكثير الفاحش، كما قلنا في بول ما يؤكل لحمه. وقال أبو حنيفة رحمه الله: التقدير في الكل بالدرهم؛ لأنه منصوص على نجاسته، ولا يعارضه نص آخر حتى يدل على طهارته، وما يكون بهذه الصفة يتغلظ فيه حكم النجاسة كالبول والخمر. بخلاف بول ما يؤكل لحمه؛ لأن هناك نص آخر يدل على طهارته وهو حديث العرنيين." ولكن لا يصح ما قاله: فإنه لا يعارضه نص آخر. ورُوي عن محمد رحمه | الله أن الروث إذا أصاب الخف أو النعل لا يمنع جواز الصلاة وإن كان كثيرًا فاحشا. ورجع إلى هذا القول حين كان بالري وكان الخليفة فيها ورأى الطرق مملوءا من الروث، ورأى للناس فيه حرجا في الخفاف والنعال. ولكن لا اعتماد على هذا؛ فإن البلوى في بول الحمار أكثر مما في الروث فإنه يترمش ويصيب الثوب. ومع هذا، التقدير بالدرهم. لأنه قال في الكتاب: (بول الحمار والفرس ليسا سواء؛ فإن بول الحمار إذا أصاب الثوب أكثر من قدر الدرهم يمنع جواز الصلاة، وبول الفرس لا يمنع جواز الصلاة إلا أن يكون كثيرًا فاحشا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وعند محمد لا يمنع جواز الصلاة وإن كان كثيرا فاحشا) لأن لحم الفرس مأكول عند أبي يوسف ومحمد، وبول ما يؤكل لحمه طاهر عند محمد، وعندهما نجس نجاسة خفيفة لتعارض الآثار فيه. وهو ما روي عن النبي عليه
الجزء 1 · صفحة 39
السلام أنه قال: «استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه».
فهذا دليل نجاسته وأمر العرنيين بشرب أبوال الإبل دليل طهارته فلتعارض الآثار فيه خَفْ حكمه، فيكون التقدير فيه بالكثير الفاحش. وأما الكلام في بول ما يؤكل لحمه قد بينا في كتاب الصلاة عن أبي حنيفة رحمه الله.
(قال في الخف والنعل يصيبه الروث أو العذرة أو الدم أو المني فيبس فحته، يجزيه) أما الكلام فنقول إنه نجس لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال لعمار بن ياسر: «إنما يغسل الثوب من خمس؛ البول والغائط والقيء والدم والمني». أما المني ما دام رطبا لا يطهر إلا بالغسل سواء أصاب الثوب أو الخف) وكذلك في القياس إذا يبس، فإنه دم نضج فيكون حكمه حكم الدم، وفي الاستحسان يطهر بالفرك إذا أصاب الثوب، وبالحت" إذا أصاب الخف أو النعل؛ لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال لعائشة رضي الله عنها في المني إذا أصاب الثوب إن رأيتيه رطبًا فاغسليه، وإذا رأيتيه يابسا فافركيه». وفيه إشكال؛ فإن الفحل لا يمني حتى يُمْذي، والمذي لا يطهر إلا بالغسل رطبا كان أو يابسًا إلا أنا نقول: هو مغلوب بالمني ههنا، وجرم المني ينشفه إلى نفسه بعد اليبس ثم يزول بالفرك والحنّ فتجوز الصلاة فيه. وعند أبي يوسف ومحمد يحكم بطهارة ذلك الموضع بعد الفرك. وعن أبي حنيفة الله روايتان أظهرهما أن بالفرك تتقلل النجاسة ولا تثبت صفة الطهارة لذلك الموضع على الإطلاق، حتى إذا أصابه ماء بعد ذلك كان الماء نجسا. وهو نظير الكلام في الأرض النجسة إذا جفت، وقد بيناه في كتاب الصلاة.
قال: ولم يذكر في المبسوط إذا أصاب المني البدن فيبس أنه هل يطهر بالحتّ. قال بعض مشايخنا يطهر؛ لأن البلوى في البدن أكثر منه في الخف والنعل. فإذا قلنا في الخف والنعل أنه يظهر بالحثّ لأجل البلوى ففي البدن أولى. وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: لا يطهر إلا بالغسل. وهذا أوجه؛ لأن لين البدن ورطوبته يمنع جرم المني من نشف النجاسة، فاليابس منه على البدن كالرطب لا يطهر إلا بالغسل.
فأما غير المني من النجاسات نوعان: مُسْتَجْسَدة وغير مستجسدة كالخمر والبول، وما تصيبه نوعان؛ رقيق كالثوب والبساط وكثيف كالجلد. فأما غير المستجدة من النجاسات لا تزول إلا بالغسل سواء أصاب الخف أو الثوب رطبا كان أو يابسا؛ لأنه ليس لها جرم وإنما هي مجرد بلة ينشفها ما أصابها فلا يخرجها إلا الماء. وقال بعض المتأخرين أنه إذا مشى على بول ثم مشى على الرماد أو على الرمل فالتصق
الجزء 1 · صفحة 40
به وجف ثم مسحه على الأرض أنه يطهر، وما التصق به بمنزلة الجرم لتلك النجاسة. وهذا أصح؛ لأنه فرق بين أن يكون النجاسة منها أو من غيرها. وفي حديث أم سلمة قالت: يا رسول الله إني ربما أمشي على الموضع النجس، ثم أمشي على الموضع الطاهر. فقال: «الأرض يُطهر بعضها بعضا»." فأما النجاسة المستجسدة ما دامت رطبة لا تظهر إلا بالغسل سواء أصابت الخف أو الثوب؛ لأن المسح بالأرض لا يزيلها، بل يكثرها. وروي عن أبي يوسف رحمه الله قال: إذا مشى على الروث ثم مسح خفه بالأرض لم يبق فيه أثر النجاسة ولا رائحتها، ثم صلى فيه جازت صلاته واعتبر] البلوى فيه؛ وهو صحيح فأما بعد البيس فإن كانت أصابت الثوب أو البساط لا يطهر إلا بالغسل أيضًا؛ لأن أجزاء النجاسة تتداخل في أجزائه لأنه متخلخل فلا يخرجه إلا الماء الذي يدخل في أجزائه فيخرج النجاسة ثم يخرج الماء على أثره بالعصر. وإن أصابت الخف أو النعل ففي القياس لا يطهر إلا بالغسل أيضًا. وهو قول زفر رحمه الله؛ لأنها وإن جفت فبعض أجزائها تتداخل فيها، ولهذا التصقت به وبقيت عليه فلا يطهر إلا بالغسل كما في الثوب والبساط. وفي الاستحسان وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: يطهر بالمسح بالأرض؛ لأن صلابة الجلد تمنع دخول النجاسة في أجزائها ولكنها تكون على طاهر، وبعد الجفوف جرم النجاسة تنشف ما التصق من البلة بالجلد؛ فإذا نه بالأرض فقد تميز الطاهر من النجس فيجوز الصلاة فيه بمنزلة النجاسة تصيب السيف أو السكين فمسحه بالتراب حتى لم يبق أثرها كان ذلك أطهر له من الغسل بالماء والأصل فيه قول النبي عليه السلام: «إذا أتى أحدكم المسجد فليقلب نعليه فإذا رأى فيها أذى فليمسحها بالأرض فإن ذلك طهور لها».
(قال في بعرة أو بعرتين من بعر الإبل أو من بعر الغنم تسقطان في البئر لا يفسد الماء) وفي القياس يفسد؛ لأن البئر في حكم الإناء فإنه يخلص بعضه إلى بعض، فلو وقع ذلك في الإناء كان مفسدا فكذلك في البئر. وجه الاستحسان أن فيه ضرورة وبلوى في البئر؛ فإن عامة الآبار في الفيافي." والمواشي تستقي ماء الآبار غالبا فتبعر على شفيرها فتهب الريح به فتلقيه في البئر. فلو قلنا إن القليل منه مفسد للماء أدى إلى الحرج، والحرج منفي شرعًا. فلدفع الضرورة قلنا: إن القليل منه عفو ومثل هذا الحرج لا يوجد في الإناء؛ فأخذنا فيه بالقياس حتى إذا تحقق مثله في الإناء كان عفوا على ما قاله محمد بن مقاتل الرازي في البعرة تنزل في المحلب أنه يُرمى بالبعرة ويُشرب اللبن لأجل البلوى؛ لأنه لا يمكن حلبها بدون أن تبعر في المحلبة. ومثل هذا البلوى لا يوجد في البئر؛ فأخذنا بالقياس في البئر إذا كان البعر فيه كثيرًا فاحشا.
وفي حد الكثير أقاويل بعضهم قالوا: إذا غطى ربع وجه الماء. وقال بعضهم: إذا غطى جميع وجه
الجزء 1 · صفحة 41
الماء. وقال بعضهم: إن كان] لا يخلو كل دلو من بعرة أو بعرتين فهو كثيرٌ فاحش وإلا فلا. وقال بعضهم: إذا كان بحال يستكثره الناظر. قيل: هذا مروي عن أبي حنيفة رحمه الله. وقال بعضهم: إذا كانت ثلاثا فهو كثير فاحش. وهذا أوجه؛ فإن محمدا رحمه الله ذكر بعرة أو بعرتين، وسكت عن ذكر الثلاث، فسكوته عن ذكر الثلاث دليل على أن الثلاث كثير. وأصح الروايتين أن الرطب واليابس سواء لأن الماء فيه يترطب إذا وقع في الماء، ولأن ما عليه من الرطوبة رطوبة الأمعاء. وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أن هذا الاستحسان في اليابس دون الرطب؛ فإن الرطب ثقيل لا تهب به الريح فلا يتمكن من البلوى مثل ما يتمكن في اليابس وأخثاء البقر، لأن لها صلابة واستمساكا. وأما روث الحمار والفرس فيستوي فيها القليل والكثير لأنه ليس لها صلابة، فيتداخل الماء في أجزائها فيتنجس ثم يخرج، وذلك في حكم النجاسة المائعة. وكذلك المتفيّت من البعرة على ظاهر الرواية. وروي عن أبي و] يوسف رحمه الله أن القليل من ذلك كله عفو في البئر؛ وهذا هو الأوجه فإن معنى البلوى يتحقق في ذلك كله، وهو في] المتفتت أظهر.
(قال في محرم صلى الظهر بعرفة في منزله ثم أتى الإمام وصلى العصر معه: إنه لا يجزيه. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يجزيه) وأصل المسألة أن الإمام شرط في الجمع بين الظهر والعصر بعرفة في قول أبي حنيفة رحمه الله. وفي قولهما ليس بشرط. ثم إن عند أبي حنيفة رحمه الله الإمام شرط في الصلاتين جميعًا بمنزلة الإحرام بالحج. وعند زفر الإمام والإحرام شرط في العصر خاصة دون الظهر؛ لأن الظهر مؤدى في وقته المعهود فلا يشترط فيه ههنا ما لا يشترط في غيره من المواضع، وإنما وضع التغير في العصر لأنه صار مؤدى على غير وقته المعهود فإذا كان مستجمعا للشرائط عند أداء العصر جازت صلاته، وأبو حنيفة رحمه الله يقول: من شرط صحة العصر في هذا الموضع فعله جمعا بالإمام. قال: فهي مع العصر في هذا الموضع بمنزلة الخطبة مع الصلاة في الجمعة، وهناك يشترط الإمام لأداء الجمعة، وتشترط الخطبة؛ فكذلك ههنا. ثم هذا شرط الجمع بين الصلاتين في هذا الموضع والجمع يحصل بأدائهما لا بأحدهما فيشترط الإمام والإحرام فيهما.
(قال في قوم صلوا على جنازة ركوبًا في القياس يجزيهم، وفي الاستحسان لا يجزيهم وجه القياس أن الصلاة دعاء وثناء وليس فيها من أركان الصلاة شيء] كالقراءة والركوع والسجود، ودعاء النازل والراكب سواء، ثم القيام في سائر الصلوات إنما يكون ركنا إذا تعقبه ركوع وسجود؛ ألا ترى أن العاجز عن الركوع والسجود لا يلزمه القيام وليس ههنا ركوع وسجود فلا يكون القيام ههنا ركنا أيضًا. وجه الاستحسان هو أن الصلاة على الجنازة عُرفت قربة بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أداها إلا
الجزء 1 · صفحة 42
قائمًا، فمن أداها لا بتلك الصفة لا يقع موقع الجواز منه، وهي صلاة إلا أنه لم يشرع فيها الركوع والسجود لكي لا يقع شبيها بالعبادة للميت الذي هو أمام المصلي. وهذا المعنى لا يوجد في القيام والركن في هذه الصلوات شيئان؛ القيام والتكبير. فكما أنه لو ترك التكبيرات من غير عذر لم تجز صلاته فكذلك إذا ترك القيام.
(وقال في الرجل يركع قبل الإمام ثم يدركه الإمام وهو راكع، أو سجد قبل الإمام فيدركه الإمام وهو ساجد: إنه يجزيه ولكنه منهي عن هذا الفعل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام إمامًا ليؤتم به فلا تختلفوا عليه». وقال: «إني امرؤ قد بدنت فلا تبادروني بركوع ولا سجود». وإن فعل ذلك أجزأه عندنا. وعند زفر لا يجزيه؛ لأن الأول من الركوع والسجود غير معتد به؛ لأنه سبق به إمامه، وما بعده بناء عليه فلا يكون. وقاس بما لو رفع رأسه قبل أن يركع الإمام. ولكنا نقول: الجزء الأول غير معتد به كما قال؛ إلا أن الإمام حين أدركه وهو راكع فاستدامته الركوع في هذه الحالة كالإنشاء؛ لأن الاستدامة فيما يستدام بمنزلة الإنشاء. وقد وجدت المشاركة بينه وبين الإمام في الركوع؛ وذلك يكفي للجواز كما لو ركع بعد ركوع الإمام بخلاف ما إذا رفع رأسه قبل أن يركع الإمام فإن هناك لم توجد المشاركة بينهما في شيء من الركوع.
(قال: الأذنان من الرأس يمسح مقدمهما ومؤخرهما مع الرأس) لأنهماعلى الرأس. ومن يشكل عليه هذا فلينظر إلى آذان الفيل والسنور. ومن فَغَرَ فاه يزول عظم الوجه عن عظم الرأس، ويبقى عظم الأذن مع الرأس. فعرفنا أن الأذنين من الرأس. فإن قيل: لو اكتفى بالمسح بالأذن لم تجزئه الطهارة. قلنا: لأنهما من الرأس وليسا برأس، كما أن الواحد من العشرة وليس بعشرة، والولد من الجارية وليس بجارية والمفروض هو المسح بالرأس فلا يتأدى ذلك بمسح الأذنين، ولا يكون الأذنان من الرأس لأنه ثبت بخبر الواحد ونوع من الاجتهاد، فلا يتأدى به ما ثبت بالنص، كما لو استقبل الحطيم في صلاته لم تجز صلاته لأن كون الحطيم من البيت ثبت بخبر الواحد. والخبر الوارد في الأذنين ما رواه ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه وأذنيه وقال: «الأذنان من الرأس»." فإما أن يكون المراد به الإخبار بالخلقة فهذا ظاهر محسوس، أو يكون مراده الإخبار بأنه ممسوح كالرأس وهذا بعيد. فإن المساواة بين العضوين في الطهارة لا يدل على أن أحدهما من الآخر، فعرفنا أن مراده أنهما يمسحان مع الرأس مقدمهما ومؤخرهما بالماء الذي يمسح به الرأس ولا يأخذ لهما ماءً جديدًا، وإن غسل مقدمهما مع الوجه ومؤخرهما مع الرأس أجزاء؛ لأن الغسل مسح وزيادة، إلا أن الأول أفضل لأن المشروع فيهما المسح
الجزء 1 · صفحة 43
كالرأس.
(قال في رجل عطس في الصلاة فقال له رجلٌ ير.: يرحمك الله، في الصلاة: إن هذا كلام لحديث معاوية بن حكم قال صليت خلف الرسول صلى الله عليه وسلم فعطس بعض القوم، فقلت له: يرحمك الله؛ الحديث إلى أن قال: فقال لي رسول الله عليه السلام: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء] من كلام الناس». فقد جعل قوله: يرحمك الله من كلام الناس مفسدا للصلاة. ولأنه خاطبه بلفظه، فيكون متكلما إياه بمنزلة ما لو سلم على غيره في الصلاة
أو سلم إنسان على المصلي فرد عليه بقوله: وعليكم السلام. فإن ذلك يكون مفسدا للصلاة. وفيه حديث ابن مسعود رضي! الله عنه حين قدم من الحبشة وسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة؛ الحديث إلى أن قال: «إن الله تعالى يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث أن لا يتكلم في الصلاة». وكذلك لا يرد عليه بالإشارة في الصحيح من المذهب؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد على ابن مسعود بالإشارة، ولأنه إن أشار بيده فقد قال عليه السلام: «كفوا أيديكم في الصلاة»، وإن أشار بلسانه كان متكلما إياه. والذي يُروى في حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى مسجد قباء، افتتح الصلاة، فجعل الأنصار يأتونه ويسلمون عليه وهو يشير عليهم." تأويل ذلك إنما يشير عليهم بالكف عن السلام على المصلي، لا أنه يشير إليهم برد السلام. وذلك لا بأس به عندنا بمنزلة المشير على المار بين يديه ليقف. وعن محمد قال: العاطس في الصلاة إذا خاطب نفسه فقال: يرحمك الله. لم يضره ذلك؛ لأنه ما يكلم غيره، وإنما يدعو لنفسه فهو بمنزلة قوله: اللهم ارحمني.
(قال في الرجل الكافر يموت وله ولي مسلم: أنه يغسله ويتبعه ويدفنه ولا يصلي عليه وفي كتاب الصلاة ذكر الأب خاصة. واللفظ المذكور ههنا أوسع. وهو الأصح؛ لأن الأب وغيره من الأقارب سواء في ذلك. فسر الطحاوي في المختصر وقال: «يغسل المسلم ذا قرابته من الكفار». أما إذا كان هناك قوم من قرابته من الكفار فالأولى أن يخلي بينه وبينهم ليصنعوا به ما يصنعون بموتاهم، وإن لم يكن له من يقوم بذلك سوى هذا القريب المسلم فإنه يغسله؛ لأنه مأمور بالمصاحبة بالمعروف مع أبيه المشرك وبصلة القرابة من كان. وليس من المصاحبة أن يتركه جزرًا للسباع. وكما يكون منهيا عن تضييعه في حياته فكذلك بعد موته. والغسل سنة الموتى من بني آدم. بيانه في حديث آدم عليه السلام حين غسله الملائكة قالوا لولده هذه سنة موتاكم يا بني آدم. فعرفنا أن الكافر يغسل كما يغسل المسلم؛ لأنه من بني آدم. الأصل فيه حديث علي رضي الله عنه حين مات أبوه أبو] طالب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عمك الضال قد
الجزء 1 · صفحة 44
مات فماذا تأمرني به؟ فقال: اذهب واغسله وكفنه وواره، ولا تُحدث حدثا - حتى تلقاني ي». قال: فلما أتيته دعا لي بدعوات ما أحب أن يكون لي بها حمر النعم" فعرفنا أنه يغسله ويدفنه ولا يصلي عليه لأنه ما كان من المصلين في حال حياته، والصلاة على الميت دعاء له بالرحمة وشفاعة له، والكافر ليس بأهل لذلك.
ولا نعني بقولنا: يغسله، كغسل المسلم من حيث البداية بالوضوء والتيامن؛ بل يغسل كما يغسل سائر النجاسات. ولهذا لا يكون الغسل طهارة له، حتى إن صلى وهو حامل كافرًا مينا قد غسل لم تجز صلاته بخلاف المسلم. ويتبع جنازته لحديث الحارث بن ربيعة أن أمه ماتت نصرانية فاتبع جنازتها في نفر من الصحابة. وفي حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه أن رجلا سأله فقال: إن أمي ماتت كافرة، فماذا أصنع بها؟ قال: اتبع جنازتها وادفنها. إلا أنه إن كان خلف الجنازة قوم من الكفار فلا ينبغي للمسلم أن يخالطهم؛ فيكثر سوادهم، ولكنه يمشي ناحية أو يمشي أمام الجنازة أو يركب ليكون مباينا للمشركين، والمسلم مأمور بذلك.
(قال في الرجل يقرأ آية السجدة خلف الإمام: لا يسجد الإمام ولا هو ولا واحد من القوم في الصلاة، ولا إذا فرغوا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. وقال محمد رحمه الله سجدها هو ومن قد سمعها بعد الفراغ من الصلاة) أما في الصلاة فلأنه لو سجد التالي وحده كان مخالفا للإمام
ولو سجد الإمام صار التبع متبوعا والمتبوع تبعًا، ولو سجدها الإمام واقتدى به التالي كان خلاف موضوع سجدة التلاوة؛ فإن التالي إمام للسامعين. هكذا قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وأما بعد الفراغ فمحمد يقول: السبب الموجب للسجدة هو التلاوة أو السماع، وقد وجد، فإنه ليس في حق المقتدي أكثر من أنه ممنوع عن القراءة خلف الإمام؛ وبهذا لا تخرج التلاوة من أن تكون سببًا كالجنب، إلا أن حرمة الصلاة تمنعهم من أدائها فيها فيسجدون إذا فرغوا كما لو سمعوا من رجل ليس معهم في الصلاة وهما يقولان: هذه سجدة صلاتية؛ فلا يمكنه أداؤها خارج الصلاة كما لو تلاها الإمام ولم يسجد في صلاته. وبيان الوصف: أن سببها تلاوة من يشاركهم في الصلاة؛ بدليل أن المقتدي لو فتح على الإمام لم يفسد صلاته، بخلاف ما لو فتح على الإمام غير المصلى. فإذا ثبتت المشاركة بينهم في حكم التلاوة ثم وجب بتلاوة الإمام لا يؤدى بعد الفراغ من الصلاة، فكذلك ما وجب بتلاوة المقتدي؛ بخلاف ما إذا سمعوا ممن ليس معهم في الصلاة، فإن سببها تلاوة من لا يشاركهم في الصلاة، ف] تكون تلك السجدة صلاتية. ولأن الإمام يحمل عن المقتدي موجب السهو والتلاوة، ثم سهو المقتدي يتعطل ولا يوجب عليه ولا على الإمام السجدة؛ فكذلك تلاوته. وهذا بخلاف الجنب، فإنه غير ممنوع من تلاوة قدر الموجب
الجزء 1 · صفحة 45
للسجدة وهو ما دون الآية، والمقتدي ممنوع من ذلك.
(فإن سمعوا ممن ليس معهم فسجدوا في الصلاة لم تجزهم لأن هذه السجدة ليست بصلاتية فإن سببها تلاوة في غير الصلاة، وأداء ما ليس من أعمال الصلاة في حرمة الصلاة لا يجوز؛ (فعليهم أن يسجدوها إذا فرغوا) لأنها وجبت عليهم بتفرد السبب. جاء في الحديث: «السجدة على من سمعها». (ولا يفسد صلاتهم) باعتبار أن زيادة سجدة ليست من صلاتهم كزيادة ركعة. وجه ظاهر الرواية أن ما دون الركعة غير معتبر في إفساد الصلاة، وقد بيناها في المسألة الأولى من الكتاب، وهذا يبتني على اختلافهم في سجدة الشكر؛ فعند محمد السجدة الواحدة عبادة مقصودة ولهذا جعل سجدة الشكر مسنونة، وعند أبي حنيفة وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف سجدة الشكر غير مسنونة، والسجدة الواحدة بمنزلة الركوع في أنه ركن من أركان الصلاة، ولا تكون عبادةً مقصودة؛ فزيادتها لا تفسد الصلاة.
(وإن قرأها الإمام فسمعها رجل ليس معهم في الصلاة ثم دخل معه في الصلاة؛ فإن كان اقتداؤه بالإمام قبل أن يسجد الإمام سجد معه بمنزلة ما لو كانت التلاوة والسماع بعد الاقتداء، وإن كان اقتداؤه بعدما سجد الإمام فليس عليه أن يسجد لأنه شريك الإمام في هذه الصلاة، وهذه السجدة صلاتية في حق الإمام فتكون صلاتية في حقه، فلا يمكنه أن يسجدها بعد الفراغ ولا في الصلاة؛ لأنه يكون مخالفًا لإمامه. بخلاف ما إذا لم يقتد به) فإنها سماعية في حقه لا صلاتية.
(قال: وكان أبو حنيفة رحمه الله يرى السجدة واجبة) يعني سجدة التلاوة. وهو قول أصحابنا؛ فإن الله تعالى جعل سجدة التلاوة علامة الإيمان لقوله تعالى: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِايَتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا) السجدة] إلى آخره. وجعل ترك السجدة علامة عدم الإيمان لقوله تعالى: (فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) الانشقاق] الآية. وأمرنا بالسجود لقوله تعالى: (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا النجم]، وَأَسْجُدْ وَاقْتَرِب العلق (]؛ ومطلق الأمر يقتضي الوجوب. في الحديث أن رسول الله عليه السلام قال: «إذا تلا ابن آدم آية السجدة وسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول: أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرتُ بالسجود فلم أسجد فلي النار». والحكيم إذا حكى غير الحكيم ولم يعقبه بالنكير كان ذلك دليل تصويبه فدل أن ابن آدم مأمور بالسجود عند التلاوة.
(قال: وكان أبو حنيفة رحمه الله يكره إذا دخل رجل مسجدًا قد أُذن فيه أن يخرج حتى يصلي) لأن
الجزء 1 · صفحة 46
المؤذن يدعو الناس إلى أن يجتمعوا فيه للصلاة بالجماعة، فعلى من حضر أن لا يغيب، ولأن الذهاب بعد استماع النداء من عمل الشيطان. قال عليه السلام: «إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله خصاص - قال؛ الحصاص: الضراط كحصاص الحمار»، والمؤمن منهي عن التشبه به. ولأن المؤذن يدعو إلى الله تعالى؛ قال الله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ) فصلت) قيل: المراد المؤذنوالإعراض عمن يدعو إلى الله تعالى مذموم. (وإن كان الرجل قد صلى هذه الصلاة فلا بأس بأن يخرج ما لم يأخذ المؤذن في الإقامة) لأنه غير داخل في دعاء المؤذن ههنا، فإن المؤذن إنما يدعو من يؤدي المكتوبة إذا حضر، وهذا يؤدي النافلة ولا بأس بأن يخرج بعد أدائه كما قبله. فإذا أخذ في الإقامة فلا ينبغي أن يخرج حتى يصلي في الظهر والعشاء) لأنه لو خرج اتهمه الناس، ولأنه يقبح أن يخرج من عند قوم قاموا إلى الصلاة وقد أمر بأن يكون من المصلين معهم. وقد قال عليه السلام للرجلين: «إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد قوم فصليا معه واجعلا صلاتكما معه سبحة»؛ أي نافلة. فلهذا يدخل مع الإمام بنية التطوع. (وفي الفجر والعصر والمغرب يخرج وإن أخذ المؤذن في الإقامة وقد بينا أنه ممنوع من إعادة هذه الصلوات بالجماعة؛ فلو جلس في المسجد طال مخالفته الإمام، ولو خرج من المسجد كان مخالفته في لحظة، فهو أولى من الوجهين.
(قال: الأفضل للمؤذن أن يجعل إصبعيه في أذنيه، وإن لم يفعل فحسن) لحديث عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: رأيتُ بلالا يؤذن في صومعته وقد جعل إصبعيه في أذنيه يتبع فاه من ههنا وههنا وقدماه مكانهما. وقال عليه السلام لبلال: «إذا أذنت فاجعل إصبعك في أذنيك فإنه أندى" لصوتك».
والمقصود بالأذان إعلام الناس، وجعل الإصبعين في الأذنين أزيد في قوة صوته فيكون أمد في الإعلام فهو أفضل. وإن لم يفعل فحسن، لأن الأصل حاصل. ولم يذكر في حديث الرؤيا الذي هو أصل في الأذان الملك جعل إصبعيه في أذنيه، وعن أبي يوسف قال: الأحسن عندي أن يجعل إصبع يده اليمني في أذنه؛ فإن ذلك أمد لصوته. وقال عليه السلام: «يُستغفر للمؤذن مدى صوته أي كل من يسمع صوته.
(وقال في التثويب الذي يثوب الناس في الفجر بين الأذان والإقامة حي على الصلاة مرتين وحي على الفلاح مرتين حسن وكان يكره التثويب في العشاء وسائر الصلوات سوى الفجر) أما معنى التثويب: العود إلى الإعلام بعد الإعلام الأول. مشتق من قوله ثاب المريض إلى نفسه إذا برأ، ومنه سمي الثواب ثوابا؛ لأنه منفعة العامل يعود إليه. وقد كان التثويب الأول: "الصلاة خير من النوم". جاء في الحديث عن عكرمة عن ابن عمر رضي الله عنهما أن بلالا أذن للفجر، ثم جاء إلى حجرة عائشة رضي الله عنها وقال: «الصلاة الصلاة يا رسول الله». قالت عائشة: «رسول الله عليه السلام نائم». فقال بلال «الصلاة
الجزء 1 · صفحة 47
خير من النوم». فانتبه رسول الله عليه السلام واستحسن ذلك وأمره أن يجعله في أذانه. وروي أنه كان يذكر ذلك في أذانه بعد قوله حي - على الفلاح وروي أنه كان يقول بعد الفراغ من الأذان والأول أشهر وعليه عمل الناس. ا ثم روي عن زيد بن أسلم أن رسول الله عليه السلام قال لبلال: «ثوب في صلاة الفجر، ولا تثوّب في صلاة العشاء». وسمع ابن عمر رضي الله عنه أن مؤذنا ثوب في صلاة العشاء فقال: «أخرجوا هذا المبتدع من المسجد». فأما التثويب الذي ذكره في الكتاب فهو شيء أحدثه علماء الكوفة بعد عهد الصحابة وهو حسن قال عليه السلام: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن».
وإنما استحسنوا ذلك لأن الناس قد ازدادت لهم الغفلة والكسل، ولا يقومون للصلاة عند الأذان عادةً، فزيد في الإعلام بين الأذان والإقامة "حي على الصلاة" مرتين، و"حي على الفلاح مرتين وفسر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمه الله أنه يؤذن للفجر ثم يصلي ركعتي الفجر ثم يثوب، ثم يقعد بقدر ما يقرأ عشرين وأكثر، ثم يقيم. إلا أن المتقدمين من العلماء جعلوا هذا في أذان الفجر خاصةً؛ لأنها تؤدى في وقت النوم والغفلة بخلاف سائر الصلوات، ولهذا اختصت بتطويل القراءة في الركعة الأولى على الثانية. وأما المتأخرون من مشايخنا استحسنوا التثويب الثاني وهو العود إلى الإعلام بعد الإعلام الأول في جميع الصلوات لزيادة الكسل والغفلة للناس في زماننا. إلا أن التثويب في كل بلدة ما يتعارف به أهلها؛ إما بالتنحنح أو يقول المؤذن الصلاة الصلاة فإن المقصود الزيادة في الإعلام، وذلك يحصل بما يتعارفونه. (وقال يعقوب: لا أرى بأسًا للأمير أن يقال له قبل الصلاة: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته حي على الصلاة حي على الفلاح الصلاة يرحمك الله وذكر الواقدي عن محمد بن إبراهيم بن موسى التميمي عن أبيه قريبا من هذه، فأخذ به أبو يوسف وقال: إن للأمراء زيادة اهتمام واشتغال في أمور المسلمين، ولهم رغبة في أداء الصلاة بالجماعة، فلا بأس بأن يُخصوا بالتثويب كيلا تفوتهم الصلاة بالجماعة. وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه في آخر عمره لما كثر اشتغاله نَصَبَ من يؤذنه بالصلاة. إلا أن الآثار في هذا الباب لم تشتهر. وعاب محمد على أبي يوسف حيث خص الأمراء بالتثويب، وإنما استبعد ذلك لأن الصلاة بالجماعة يستوي فيها الأمير وغيره، ولأن السلام عليه وهو نائم أو مشغول ليس عمل المسلمين. وفي الحديث أن مؤذن بيت المقدس أذن، ثم جاء إلى باب عمر رضي عنه حيث كان، فانتهره عمر وقال: «ألم يكن في أذانك ما يكفينا؟» فلهذا لم يستحسن محمد تخصيص الأمير بالتثويب.
(وقال في رجل صلى وقرأ في الأوليين بالسورة ولم يقرأ بفاتحة الكتاب: إنه لا يعيد الفاتحة في الأخريين. وإن قرأ بالفاتحة في الأوليين ولم يزد على ذلك قراءة سورة فعليه أن يقرأ السورة في الأخريين)
الجزء 1 · صفحة 48
وهذا لأن الأخريين محل الفاتحة أداء فلا يكون محلا لها قضاء. لأنه إن قرأ مرة واحدة وقع عن المسنون، وإن قرأ مرتين كان خلاف المشروع، فتكرار الفاتحة بركعة واحدة غير مشروع، وأما الأخريان ليستا بمحل السورة أداء فيكون محلا لها قضاء. وهذا لأن المستحق عليه قراءة الفاتحة والسورة في الصلاة، لأن الآثار وردت بتعيين ذلك في الأوليين؛ فإذا انعدم التعين بقي أصل الواجب، فيجب عليه قراءة السورة في] الأخريين، لأنه أدى الأوليين بصفة الأخريين فيؤدي الأخريين بصفة الأوليين. ولهذا قال في الكتاب: يجهر. وقد روي ذلك عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه ترك القراءة في الأوليين من العشاء، فقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب وسورة، وجَهَرَ. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه ترك القراءة في ركعة من صلاة المغرب فقضاها في الثالثة وجَهَرَ ولأن القضاء بصفة الأداء، والإمام في أداء هذه القراءة يجهر، فكذلك في قضائها يجهر. ثم في ظاهر الرواية يجهر بالسورة والفاتحة جميعًا. وروى ابن سماعة عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أنه. يجهر بالسورة خاصة؛ لأنه في الفاتحة فيؤدي فيراعي صفة أدائها في الأخريين، وفي السورة هو قاضي فيجهر بها كما يجهر بأدائها في محلها. وروى هشام عن محمد رحمه الله أنه لا يجوز أن يجهر؛ لأنه لا يجهر بالفاتحة في هذه الركعة. فلو قلنا بأنه يجهر بالسورة لاختلف صفة القراءة في قيام واحد، وذلك غير مشروع وجه ظاهر الرواية أن قراءة السورة واجبة، وقراءة الفاتحة في الأخريين ليست بواجبة، فيترجح مراعاة صفة ما هو واجب، وإذا كان يجهر بالسورة جهر بالفاتحة أيضًا لكيلا تختلف صفة قراءته في قيام واحد. وروي عن أبي يوسف في الأمالي أنه لا يقضي السورة فيالأخريين لقوات محلها؛ فإن ما يكون سنة في محلها يكون بدعة في غير محلها.
(وقال في مؤذن أذن وهو على غير وضوء وأقام على ذلك: إنه يجزيهم، ولا يعيدون الأذان والإقامة لما روي أن بلالا ربما أذن قبل أن يتوضأ، ولم. ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، ولأن الأذان ذكر والمحدث غير ممنوع عن شيء من الأذكار. وإذا ثبت هذا في الأذان ثبت كذلك في الإقامة، لأن الأذان لا يتصل به إقامة الصلاة فيمكنه أن يتوضأ بعد أذانه. والمقصود به الإعلام، وذلك لا يختلف بالحدث والطهارة. فأما المقصود من الإقامة إقامة الصلاة، وينبغي أن تتصل الإقامةبالافتتاح، وذلك لا يحصل من المحدث. وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمة الله عليه أنه كره الأذان والإقامة للمحدث؛ لأنه يدعو الناس إلى أن يتهيئوا للصلاة، فإذا لم يكن هو متهيئا فكيف يدعوهم، أي في قوله تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ البقرة]. (وإن كان أذن وهو جنب فأحب إلي أن يعيد، وإن صلوا أجزأهم وكذلك إن أقام وهو جنب أما الجواز لحصول المقصود وهو الإعلام، ولأنهم إن صلوا بغير أذان أجزأهم." وأما
الجزء 1 · صفحة 49
استحسان الإعادة فلأن الأذان ذكرٌ مُعظم؛ لأنه من شعائر الدين فيكون الجنب ممنوعًا عن ذلك، بخلاف المحدث، بمنزلة قراءة القرآن. ولأن موضع الأذان مسجد وما يكون متصلا بالمسجد المنارة، والجنب ممنوع عن دخول المسجد، والمحدث لا يُمنع عن ذ ولهذا يستحب إعادة أذان الجنب، وفي كتاب الصلاة ذكر أن الجنب إذا خطب يوم الجمعة أجزأهم ولم يذكر استحباب الإعادة. فظن بعض أصحابنا أن بينهما فرقا؛ ولا فرق بينهما في الحقيقة بل يستحب الإعادة في الموضعين. إلا أن الخطبة تعلق بها جواز الصلاة فذكر حكم الجواز هناك، ولا يتعلق بالأذان حكم الجواز للصلاة، فلهذا ذكر استحسان الإعادة ههنا.
(وقال في المرأة تؤذن أحب إلي أن يعاد، وإن صلوا أجزأهم) لأن أذان النساء لم يكن في المتقدمين فكان من جملة المحدثات، ولما لم يفوضإلى واحدة منهن الأذان حين يحضرن الجماعات فبعد انتساخ الجماعة أولى. ثم المؤذن مندوب إلى أن يرفع صوته ويشهر نفسه ولهذا يعلو المنارة، والمرأة] منهية عن رفع الصوت لأن في رفع صوتها فتنة، وعن تشهير النفس فإنها مأمورة بأن تكون في بيتها وراء الحجاب؛ فلهذا استحب إعادة أذانها حين وقع لا على وجه المسنون، ولكن إذا صلوا أجزأهم بمنزلة ما لو صلوا بغير أذان، ويحصل أصل المقصود بأذانها وهو الإعلام.
(وقال: إذا خطب الإمام يوم الجمعة بتسبيحة واحدة أجزاء. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجزيه حتى يكون كلامًا يسمى خطبة) لأن الشرط للصلاة هي الخطبة، و] قول المرء: سبحان الله والحمد الله لا يكون خطبة. ألا ترى أن المتكلم بهذه لا يسمى خطيبًا، ولا يسمى كلام الخطبة في العادة. وأبو حنيفة رحمه الله يقول: المفروض ما هو المنصوص في كتاب الله وهو الذكر. قال الله تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ) الجمعة). والذكر يحصل بتسبيحة وتحميدة فيتادي به الفرض، وما وراء ذلك إلى أن يسمى خطبة التكميل، فتركه لا يمنع جواز الصلاة. ثم استدل بحديث عثمان رضي الله عنه فإنه حين استخلف فصعد المنبر وقال: الحمد الله، فأرتج عليه فقال: إن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا يُعدان لهذا المقام مقالا، وأنتم إلى إمام فعّال أحوج منكم إلى إمام قؤال وسأعد لكم بعدها إن شاء الله، فقال: الله أكبر، ما شاء فعل؛ فنزل وصلى. واقتدى به من بقي من كبار الصحابة، فكان ذلك اتفاقاً. امنهم على جواز الصلاة بهذا القدر من الكلام. وإن الحجاج حين أتى العراق فصعد المنبر فقال: الحمد الله. فأريج عليه فقال: أيها الناس قد هالتني كثرة رؤوسكم وإحداقكم إلي بأعينكم فنسيت الخطبة، وإني لا أجمع بين العي" والشح، إن لي غنما في بني الله عنه: كانت له عشرة آلاف من الغنم. قال: فإذا قضيتم فلان قال رضي الصلاة فانتهبوها. ثم نزل وصلى واقتدى به عدد من الصحابة وكبار التابعين.
الجزء 1 · صفحة 50
ثم قوله "الحمد الله" كلمة وجيزة، ولو فتشت معانيها بلغ مقدار الخطبة والزيادة. فالمتكلم بذلك بمنزلة المتكلم بجميع ما يشتمل عليه معنى هذه الكلمة، ولو تكلم بجميع ذلك كان يتأدى به شرط جواز الصلاة، فكذلك هنا، ولكن هذا إذا قال: "الحمد الله على قصد الخطبة. وأما إذا جلس على المنبر فعطس فقال: الحمد الله، يريد الحمد الله للعطاس ثم نزل وصلى لم يجزه ذلك. وهو مروي أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن اشتراط الخطبة ههنا كاشتراط التسمية لحل الذبيحة، وهناك إنما يتأدى ذلك الشرط بقوله: باسم الله، إذا أراد التسمية على الذبيحة كما أشار إليه في كتاب الصيد، فكذلك هنا.
(قال في المستحاضة إذا توضأت في وقت العصر: أجزأها حتى يدخل وقت المغرب وهذا لأن طهارة المستحاضة تتوقت بوقت الصلاة، قال عليه السلام: «المستحاضة تتوضأ لكل صلاة». أي لوقت كل صلاة، ويذكر الصلاة ويراد به الوقت. قال عليه السلام: إن للصلاة أولا وآخرا». أي الوقت. ثم في تقدير طهارتها] بالصلاة بعض الجهالة والحرج؛ لأن الناس يتفاوتون في أداء الصلاة، فمنهم مطوّل لها، ومنهم غير مطول، فقدرنا طهارتها بالوقت دفعا للحرج، ولأن المواقيت في الأصل مشروعة ليمكن أداء الصلاة فيها، ثم تنتقض طهارتها بخروج الوقت عندنا في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله زفر رحمه الله بدخول الوقت. وقد روي عن أبي يوسف رحمه الله بهما؛ يعني أيهما وجد انتقضت الطهارة. وإنما يتبين هذا الخلاف فيما إذا توضأت في وقت الفجر ثم طلعت الشمس تنتقض طهارتها عندنا، وعند زفر لا تنتقض. (ولو توضأت بعد طلوع الشمس ثم زالت لم تنتقض طهارتها عند أبي حنيفة ومحمد ما لم يخرج وقت الظهر وعند أبي يوسف وزفر تنتقض طهارتها بدخول وقت الظهر؛ لأن تجديد الطهارة إنما يلزمها عند الحاجة إلى ذلك، وإنما يحوجها إلى الوضوء وجوب الصلاة عليها وذلك بدخول الوقت لا بخروج الوقت. وجه قول أبي حنيفة ومحمد أن إبقاء طهارتها مع وجود ما يناقضها وهو الحدث لأجل الحاجة والضرورة وهذه الحاجة تبقى ما بقي الوقت، وبخروج الوقت ترفع هذه الحاجة. فلهذا تنتقض طهارتها بخروج الوقت. وأما دخول الوقت يحوجها إلى الطهارة لأداء الصلاة، ولا يكون ناقضا لطهارتها. ثم ما قلنا أقرب إلى التوسع في حق صاحب العذر؛ فإن من به جرح سائل إذا كان بيته بعيدا عن المسجد الجامع يحتاج أن يتوضأ في بيته قبل الزوال لكيلا تفوته الجمعة. فلو قلنا بأنه تنتقض طهارته بزوال الشمس تعذر عليه أداء الجمعة؛ لأنه إن انتظر الزوال في بيته حتى يتوضأ فاتته الجمعة وربما لا يتمكن من أن يتوضأ في غير بيته فلهذا جوزنا أداء الجمعة بهذه الطهارة. (قال: وكذلك المرأة التي طلقها زوجها فينقطع عنها الدم بعد طلوع الشمس؛ فإن زوجها يملك الرجعة حتى يمضي وقت الظهر كله) والمراد إذا كان أيامها دون العشرة
الجزء 1 · صفحة 51
وخلاف زفر ههنا لا يتحقق؛ فإن عنده الزوج يملك رجعتها ما لم تغتسل وإن مضى عليها وقت صلاة كامل. ولم ينقل عن أبي يوسف في هذا الموضع أنه تنقطع الرجعة بزوال الشمس والأصح أنه لا خلاف ههنا؛ لأن انقطاع الرجعة بوجوب الصلاة دينا في ذمتها حتى يكون ذلك بمنزلة الحكم بطهارتها، وذلك لا يكون إلا بعد خروج الظهر.
وقال في الإمام يقرأ آية الترغيب أو آية الترهيب: أيتكلم الذي خلفه بشيء؟ قال: يستمع وينصت وقد حفظ أبو حنيفة رحمه الله لسانه هذا في الجواب، فلم يقل: إنه لا يسأل الله الجنة ولا يتعوذ من النار، ولكن قال: يستمع وينصت. فحصل بهذا الجواب ما هو المقصود وهو الأحسن، وإنما قال لأنهم عند قراءة القرآن أمروا بالاستماع والإنصات، وعلى ذلك وعدوا الرحمة. قال الله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوالَهُ، وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} الأعراف].
ثم المقصود الوعظ والتذكير وذلك يحصل بالاستماع. وهذه النكتة تتضح في الخطبة، وكذلك في القرآن فالمقصود من ذلك العمل. قال ابن مسعود رضي: «أُنزل القرآن للعمل به، فاتخذ الناس تلاوته عملا». وإنما يتمكن المرء من العمل به إذا تأمل فيما يسمع وذلك بالاستماع والإنصات. إلا أنه روي عن أبي يوسف بالتهجد بالليل لا بأس للمصلي إذا قرأ آية الترغيب أن يسأل الله تعالى الجنة، وإذا قرأ آية الترهيب أن يتعوذ بالله من النار؛ لحديث حذيفة أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيت عنده ليراقب صلاته. قال: فافتتح الصلاة وقرأ الفاتحة ثم افتتح سورة البقرة، فما مر بآية رحمة إلا وقف وسأل الله تعالى الجنة، وما مر بآية عذاب إلا وقف وتعوذ بالله من النار، وما قرأ مثلا إلا وقف وتفكر وتدبر، وكان فراغه منها بعد طلوع الفجر. فلأن في التطوع الأمر أوسع فلا بأس بأن يأتي بما هو دليل الخشوع. وأما في الفرائض لا يزيد على ما هو المشهور. ولم ينقل عن أحدٍ من كبار الصحابة أنه فعل شيئًا من] ذلك عند تلاوة رسول الله عليه السلام، ولا عند خطبته.
(وقال في الرجل يقرأ آية السجدة في مجلسه فيسجدها ثم يقرأها ولم يسجدها حتى يقرأها مرةً أخرى فليس عليه إلا سجدة واحدة لأن جبريل صلوات الله عليه كان] ينزل بآية السجدة فيقرأها على رسول الله عليه السلام ثم يقرأها رسول الله عليه السلام على الصحابة وكان لا يسجد لذلك إلا مرة واحدة. وعن أبي عبد الرحمن السلمي معلم الحسن والحسين رضي الله عنهما أنه كان يكرر آية السجدة في التعليم مرارًا ولا يسجد إلا مرة واحدة. وهكذا نقل عن أبي موسى الأشعري حين كان] يقرأ القرآن في مسجد البصرة.
الجزء 1 · صفحة 52
ولأن السبب واحد وهو حرمة التلاوة والمتلو، واحد وبتكرارها لا يختلف السبب ولا يتجدد، لأن مبنى السجدة على التداخل ألا ترى أن الأصم إذا تلا آية السجدة يلزمه السجدة، والسامع إذا سمع من غيره يلزمه بمجرد السماع، ولو تلا السامع يلزمه سجدة واحدة. وقد وجد في حقه التلاوة والسماع، فدل أن مبنى السجدة على التداخل، فإذا اجتمعت التلاوة في مجلس واحد تداخلت فيه سجدة واحدة. هذا ضعيف؛ فإن التداخل في العقوبات والحدود، وههنا يستوي بين ما إذا أعاد التلاوة بعد التلاوة بعد ما سجد أو قبله) فعرفنا أن الطريق هو الأول وهو اتحاد السبب.
ولم يذكر في الكتاب حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قال: من سمع ذكر النبي عليه السلام ينبغي له أن يصلي عليه، على ما قال عليه السلام: «لا تَجْفُوني بعد موتي. قيل: يا رسول الله وكيف تُجفي؟ قال: «أن أذكر في موضع فلا يصلى عليّ». ثم إذا سمع ذكره مرارا في مجليس واحد فقد زعم بعض مشايخنا أنه ينبغي له أن يصلي في كل مرة، وفرق بينه وبين سجدة التلاوة؛ لأن ذلك حق رسول الله عليه السلام كما أشار: «لا تجفوني» ولا تداخل في حقوق العباد فأما سجدة التلاوة تجب لحق الله تعالى خالصا. الله عنه: فالأصح عندي أن لا فرق بينهما؛ فإن السبب واحد كما في التلاوة، ثم في الصلاة على النبي معنى حق الله تعالى كما جاء في الحديث: يقول الله تعالى: من صلى عليك مرةً صليت عليه عشرا».
وفي تشميت العاطس لم يذكر شيء في المبسوط؛ فإن من عطس ينبغي أن يشمته السامع، فإذا عطس مرارًا يكفيه في التشميت مرة واحدة أم لا. قال بعض مشايخنا: ينبغي أن يشمته في كل مرة؛ لأن ذلك حق العاطس. والأوجه أن يقول تشميته إلى الثلاث ثم يدعه. هكذا روي عن عمر رضي الله عنه أنه شمت العاطس في مجلسه ثلاث مرات ثم قال: قم فانتشر فإنك مزكوم.
فقد أشار بعد الثلاث إلى اتحاد السبب وهي العلة، إلا أنه إنما يسن عليه في الثلاث تشميته إلى الثلاث ثم يترك ذلك.
(وإن قرأ آية التلاوة فسجدها ثم قام وذهب ثم جاء فقرأ ثانية، وكذلك إن لم يسجدها أولًا حتى ذهب، ثم جاء فقرأ سجد سجدتين) لأنه بالذهاب قد انقطع حكم مجلسه، فإذا عاد انعقد له مجلس آخر، وإنما كانت تلاوته في المرة الثانية تكرارًا لاتحاد المجلس؛ فباختلاف المجلس يخرج من أن يكون تكرارًا، ولهذا جعلنا الأقارير في مجليس واحد كإقرار واحد بخلاف ما إذا اختلف. فلذا خرجت التلاوة الثانية باختلاف المجلس من أن تكون تكرارا. ويتجدد السبب بتجدد المجلس؛ فيتجدد الوجوب، كما لو تلا آية
الجزء 1 · صفحة 53
أخرى في المجلس الأول يلزمه سجدة أخرى لاختلاف المجلس. وقد روي هذا إذا بعد، ذلك الموضع؛ فأما إذا كان بالقرب منه فعاد إلى ذلك الموضع فقرأها تكفيه سجدة واحدة استحسانًا، لأن ما دام بمرأى العين من ذلك الموضع فكأنه في ذلك الموضع ألا ترى أنه في المسجد لو كزر آية السجدة في نواحيها مرارا لم تلزمه إلا سجدة واحدة، وكذلك ههنا. ولكن في ظاهر الرواية قال: المسجد في حكم مكان واحد بدليل صحة الاقتداء بالإمام فيه وإن كان بعيدا منه، بخلاف مكان آخر. ألا ترى أن المخيرة إذا قامت وذهبت ثم عادت فاختارت نفسها لم يجز ذلك سواء كانت بالقرب من ذلك المكان أو بعدت عنه.
(وقال في الرجل يؤم القوم ويقرأ في المصحف فصلاته فاسدة. وقال أبو يوسف ومحمد صلاته تامة وكره هذا الصنع لأنه تشبه بصنع أهل الكتاب. لما روي أن ذكوان مولى عائشة كان يؤمها في شهر رمضان، وكان يقرأ من المصحف. ولأنه ليس فيه إلا حمل المصحف بيده ولو حمل شيئًا آخر بيده جازت صلاته، وكذلك إذا حمل المصحف؛ إلا أنه يكره ذلك لما فيه من التشبه بأهل الكتاب.
وقد نهينا عن ذلك، فإن الله تعالى وصف هذه الأمة في التوراة والإنجيل فقال: أناجيلهم في صدورهم يقرأون عن ظهر القلب، وأهل الكتاب أناجيلهم في حجورهم في تعبدهم فيكره التشبه بهم بالقراءة من المصحف، ولأبي حنيفة رحمه الله طريقتان؛ أحدهما أن حمل المصحف وتقليب الأوراق والنظر فيه والتفهم عمل كثير وذلك مفسد للصلاة بمنزلة الرمي بسهم؛ فإن أخذ القوس وتثقيف السهم عليها والمد ليرى به عمل كثير، فيكون مفيدا للصلاة، والحرف الآخر أنه يتلقن من المصحف، ولو تلقن من المعلم تفسد صلاته، فكذلك إذا تلقن من المصحف ألا ترى أن من. حفظ شيئا من ا المصحف يسمى في الناس صحفيا؛ فإن من لا يحسن قراءة شيء عن ظهر القلب أجزته بغير قراءة بمنزلة الأمي. وتأويل حديث عائشة رضي الله عنها أن من يؤمها كان يقرأ في المصحف عن ظهر القلب. ومعنى قول الأول كان يقرأ من المصحف" خارج الصلاة؛ أي كان لا يمكنه أن يقرأ جميع القرآن عن ظهر القلب. ولم يذكر في الكتاب ما إذا كان المصحف موضوعًا بين يديه وينظر فيه أو ينظر في المكتوب على المحراب، فعلى قياس الطريقة الأولى لأبي حنيفة رحمه الله تجوز صلاته ههنا؛ لانعدام العمل الكثير، وعلى قياس الطريقة الثانية لا يجوز؛ لأنه يتلقن من المصحف، وإما إذا كان يحفظ عن ظهر القلب وهو مع ذلك ينظر في المكتوب على المحراب ويقرأ فلا إشكال أنه تجوز صلاته، ولم يذكر أيضا أنه يتأمل في المكتوب على المحراب مما سوى القرآن حتى يفهم ذلك من غير أن يقرأ بلسانه هل تجوز صلاته، فالصحيح أنه تجوز؛ لأنه وإن فهم ذلك بالنظر فيه لا يكون متكلما. والمفسد للصلاة هو الكلام؛ وزعم بعض أصحابنا أن على قياس قول محمد
الجزء 1 · صفحة 54
ينبغي أن تفسد صلاته على ما روي عنه فيمن حلف أن لا يقرأ كتاب] فلان. وقد بينا ذلك في كتاب الأيمان. ولكن الأصح هو الفرق بينهما؛ لأنه اعتبر العادة ههنا لأن مقصود الحالف الامتناع عن قراءة كلماته لكيلا يقف على أسراره، وذلك يحصل بالنظر فيه والتفهم، ولا يوجد مثل ذلك ههنا.
(وقال في الرجل يفتتح الصلاة بالفارسية ويقرأ فيها بالفارسية، أو ذبح وسمى بالفارسية وهو يحسن العربية: يجزيه في ذلك كله. وقال أبو يوسف ومحمد لا يجزيه إلا في الذبيحة، وإن كان لا يحسن العربية أجزاء) أما في الذبيحة فلأن الشرط تسمية الله تعالى على الخلوص وبأي لسان سمي يصير مسميا، ألا ترى أنه بأي لسان آمن كان مؤمنًا. وفي التلبية عند الإحرام روايتان عن أبي يوسف؛ في إحدى الروايتين يصير محرمًا بأي لسان لبي؛ لأن المقصود إظهار إجابة الداعي، وفي رواية أخرى جعل التلبية عند الإحرام بمنزلة التكبير عند افتتاح الصلاة فلا يجزيه بغير العربية إذا كان يحسن ذلك. وكذلك الخطبة في الجمعة والقراءة في الصلاة. ومذهبهما استحسان لقوله عليه السلام: «لا يقبل الله تعالى صلاة امري حتى يضع الطهور مواضعه ويستقبل القبلة ويقول الله أكبر». ولأن الفرض قراءة القرآن في الصلاة، وقد وصف الله تعالى القرآن بأنه عربي مبين وقال: (إِنَّا جَعَلْتَهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا) الزخرف]، وقال: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْءَ انَّا أَعْجَمِيًّا فصلت (] الآية؛ فإذا قرئ بلسان آخر لم يكن ممتثلا للأمر بمنزلة ما لو أذن بالفارسية لا يكون ذلك أذانا، كذلك ههنا. ولأن الإعجاز في مراعاة النظم والمعنى، فإذا قدر عليهما لم يتأد الفرض إلا بهما، وإن عجز عن أحدهما يتأدى الفرض بالآخر بمنزلة المومئ في الصلاة تقام إشارته مقام الركوع والسجود عند العجز والقياس ما قاله أبو حنيفة رحمه الله، لأن شرط الشروع في الصلاة ذكر الله تعالى على سبيل التعظيم، وذلك حاصل بأي لسان كان ثم ركن الصلاة قراءة القرآن؛ فبأي لسان كان فقد قرأ القرآن. قال الله تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَى هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَنْ بَلَغَ (الأنعام]، ومعلوم أنها تبلغ كل فريق بلسانهم ولا يجوز أن يُدعى أن كلام الله يختص بلغة العرب؛ فإن كلام الله تعالى غير محدث ولا مخلوق والألسنة: كلها محدثة. وكذلك الإعجاز فيالمعنى، والقرآن حجة في حق الناس كافة، ولا يظهر عجز العجم عن الإتيان بمثل القرآن بلغة العرب؛ فإنه كما يعجز عن ذلك يعجز عن شعرٍ من أشعار العرب؛ وإنما يظهر عجز العجم عن الإتيان بمثل القرآن بنظمه ومعناه. وإذا ثبت أن الإعجاز في المعنى يتحقق منه قراءة المعجز بالفارسية فيتأدى به فرض القراءة واعتبار لغة العرب لإكمال القراءة مراعاة لغة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلا جرم تكره القراءة بالفارسية لمن يقدر على القراءة بالعربية. وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمه الله أنه إذا أذن بالفارسية وعلم الناس أنه أذان فإنه يجوز، وإنما يعيد الأذان إذا لم يعلم الناس؛ لأن المقصود
الجزء 1 · صفحة 55
لا يحصل وهو الإعلام. وكان أبو سعيد البردعي يقول: إنما يجوز أبو حنيفة القراءة بالفارسية خاصة دون غيرها من الألسنة] لقرب الفارسية بالعربية على ما جاء في الحديث: «السان أهل الجنة العربية والفارسية». والأصح أن ذلك يجوز عندنا بأي لسانٍ كان بعد أن يكون مقطوع القول بأن ما أتى به هو المعنى، ولهذا لا تجوز الصلاة بتفسير القرآن ولا بما هو تأويله؛ لأن ذلك غير مقطوع به. ولو اعتاد القراءة بالفارسية وأراد أن يكتب كتاب المصحف بالفارسية يمنع من. ذلك. قال رضي الله عنه: وكان شيخنا الإمام يحكي عن أستاذه الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل" أنه استفتي عن هذه المسألة أن من كتب القرآن بالفارسية هل يمنع عنه على قول أبي حنيفة، فكتب في جوابه: إن جعل ذلك في آية أو آيتين لم يمنع عنه، وإن أراد أن يفعل ذلك في جميع القرآن يمنع عنه أشد المنع وأخلق بصاحبه أن يكون مجنونا أو زنديقا؛ فإن كان مجنونا يعمل به معاملة المجانين من الحبس والقيد، وإن كان زنديقا فدواؤه السيف؛ والله أعلم.
(قال في الرجل يفتتح الصلاة بلا إله إلا الله: إنه يجزيه. وهو قول محمد رحمه الله. وقال أبو يوسف إن كان يحسن التكبير لم يجزه) وفي كتاب الصلاة قال: إن كان يحسن التكبير ويعلم أن الصلاة تفتتح بالتكبير." وهو الصحيح أنه يشترط الأمران جميعًا عند أبي يوسف؛ لأن صاحب الشرع جعل افتتاح الصلاة بالتكبير. فقال: " وتحريمها التكبير»، فلا يتأدى الفرض إلا به. وألفاظ التكبير عند أبي يوسف أربعة؛ الله أكبر، والله الأكبر، والله كبير، والله الكبير. وهذا لأن في العبادات البدنية يُعتبر فيه مورد الشرع ولا يشتغل لطلب المعنى فيه؛ ولهذا لا يجوز إقامة السجود مقام الركوع، وكذلك لا يجوز إقامة غير التشهد مقام التشهد ولا إقامة ألفاظ غير الأذان مقامها، وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله قالا: الفرض ذكر اسم الله تعالى. قال الله تعالى: (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى الأعلى]. وقد بينا أن الذكر ما ثبت بالنص؛ فأما التكبير بمعنى الإكمال، لا أن مراعاة لفظ التكبير ركن ثم التكبير عبارة عن التعظيم. قال الله تعالى: (وَرَبَّكَ) فَكَتر) المدثر) (]؛ أي فعظم. وقال: (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} يوسف]؛ يعني أعظمنه. وذكر الله تعالى على سبيل التعظيم يحصل بكلمة الشهادة؛ فكان ممتثلا للأمر. ولم يذكر في الكتاب أنه هل يُكره الافتتاح بغير لفظ التكبير. والأصح أنه لا يُكره لهذا المعنى. ولما روي عن مجاهد قال: كان الأنبياء يفتتحون الصلاة بلا إله إلا الله. ونبينا من جملتهم صلوات الله عليه وعليهم، فدل أنه كان يفتتح بهذه اللفظة أحيانًا، ولو كان مكروها لما فعل ذلك. وفي الأذان إنما لا يجوز تغيير الألفاظ؛ لأن المقصود لا يحصل وهو الإعلام. وفي التشهد روايتان عن أبي حنيفة رحمه الله. إحدى الروايتين يجوز أن يأتي بالتشهد بعبارة أخرى، وفي الرواية الأخرى لا يجوز ذلك؛ لأن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان رسول الله عليه السلام يعلمنا التشهد كما
الجزء 1 · صفحة 56
يعلمنا سورةً من القرآن وكان يأخذ علينا بالواو والألف. ثم محمد وافق أبا حنيفة في التغيير إلى لفظةٍ أخرى من العربية، ووافق أبا يوسف في التغيير إلى لغة أخرى سوى العربية؛ لأن للعربية من الفضيلة ما ليس لسائر الألسنة.
(وإن افتتح بقوله: اللهم اغفر لي، لم يجزه لأن هذا دعاء وسؤال. والواجب عليه ذكر اسم الله تعالى على سبيل التعظيم وذلك لا يحصل بالسؤال. قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يأتي عن ربه جل جلاله: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين». فدل أن السؤال غير الذكر. ثم قال محمد: معنى التعظيم لا يتم إلا بذكر الاسم والصفة حتى إذا قال الله“ لا يصير شارعا في الصلاة ما لم يذكر مع الصفة فيقول "أجل" أو "أعظم“. وقال أبو حنيفة رحمه الله: معنى التعظيم يتم بقوله "الله"؛ فيصير شارعا في الصلاة. واختلفوا على قوله فيما إذا قال: اللهم. فقال نحويو البصرة: هذا الميم بدلّ عن ياء النداء؛ معناه يا الله فيصير به شارعًا في الصلاة. وقال نحويو الكوفة: هذا الميم إشارة إلى السؤال؛ معناه يا الله، امنا، أي اقصد إلينا بخير، فعلى هذا لا يصير به شارعًا عنده؛ وهو الأوجه.
(وقال في الرجل يستفتح الرجل وهو في الصلاة: فهو كلام يفسد به الصلاة، وإن فتح على الإمام لم يكن (كلامًا أما المصلي إذا فتح على غير المصلي، أو غير المصلي إذا فتح على المصلي تفسد صلاته؛ لأنه تعليم وتعلّم، وذلك ليس من أعمال الصلاة ولأن المستفتح كأنه يقول لصاحبه: بعد هذا ماذا فذكّرني، والآخر كأنه يقول: بعد هذا هذا، أقرأ، فخذ مني. ولو صرحا بذلك فسدت صلاتهما. فكذلك إذا أتيا بما يدل عليه. وهو القياس في فتح المقتدي على إمامه، ثم تركناه وأخذنا بالسنة. وهو ما روي أن النبي عليه السلام قرأ سورة المؤمنين في صلاة الفجر فأسقط حرفًا، فلما فرغ قال: ألم يكن فيكم أبي؟» فقال: نعم يا رسول الله. فقال: «هلا فتحت عليّ». فقال: ظننت أنها نسخت. فقال: «لو نُسخت لأنبأتكم به». وقال علي رضي الله عنه: «إذا استطعمك الإمام فأطعمه»، أي إذا استفتحك الإمام فافتح عليه. ولأن القراءة مشتركة بين الإمام والمقتدي؛ فبقراءة الإمام تصح صلاة المقتدي، وهو بالفتح عليه يسعى إلى إصلاح صلاته فلا يكون مفيدا لصلاته، وزعم بعض أصحابنا أنه عند الفتح على إمامه ينوي القراءة بالفتح على الإمام. وهذا بعيد؛ فإن القراءة خلف الإمام منهي عنه للمقتدي، والفتح على الإمام رُخص له فيه، فكيف يدع نية ما رخص له فيه وينوي المنهي عنه؟ ولكنه ينوي الفتح عليه؛ إلا أنه لا يعجل بذلك ولا يزيد على قدر المحتاج إليه لقول ابن مسعود رضي الله عنه: إذا استفتحك الإمام فافتح عليه وهو مليم، يعني أحوجك إلى ذلك.
الجزء 1 · صفحة 57
(وقال في الرجل يجيب إنسانًا بكلمة لا إله إلا الله وهو في الصلاة يريد جوابه فهو كلام. وهو قول محمد رحمه الله. وقال أبو يوسف رحمه الله: لا يكون كلامًا لأن ما جرى على لسانه ذكر الله تعالى، وذكر الله تعالى لا يكون مفسدا للصلاة؛ فلو فسدت الصلاة إنما تفسد بنيته ومجرد النية لا تفسد الصلاة، كما لو نوى أن يتكلم. وهما يقولان هو يخاطبه فيكون مكلما له، والكلام مفسد للصلاة. ودليل الوصف قوله عليه السلام: «من سبح الله من غير غضب ولا عجب كتبت له عشر حسنات». وإنما جُعِلَ مُسبحًا إذا لم يقصد التعجب ولا قضاء حق الغضب. فههنا إذا قصد الجواب كان مجيبا ومعنى كلامه لا إله إلا الله ما أبعد ما أخبرتني، أو ما أقبح ما صنعه فلان، أو ما أقدر فلان على صنعه، ولو صرح بشيء من هذا تفسد صلاته؛ فكذلك إذا أتى بما يدل عليه.
ثم من الشعر ما هو ذكر كقول القائل:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
تبارك ربنا الأحد الوحيدله الآلاء والمجد المجيد
ولو أنشد شيئًا من ذلك لا شك بأنه تفسد صلاته؛ فهذا مثله.
(وقال: لا يؤم القاعد الذي يومئ القوم قيامًا يركعون ويسجدون ولا قعودا يركعون يسجدون، ويؤم القوم الذي يومئون مثله لأن صلاة المقتدي تبتني على صلاة الإمام، وصلاة الإمام تتضمن صلاة المقتدي. قال عليه السلام: الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن». ويضمن الشيء فيما هو مثله أو فوقه يتأتى، وفيما دونه لا يتأتى. وكذلك بناء الضعيف على أساس القوي، ولا يكون بناء القوي على أساسالضعيف. فمتى كان حال المقتدي مثل حال الإمام أو دون حال الإمام يصح اقتداؤه به، ومتى كان أعلى من حال الإمام لا يصح اقتداؤه به؛ فالذي يقدر على الركوع والسجود ليس له أن يصلي بالإيماء بحال من الأحوال، وكان حاله فوق حال الإمام. وكذلك الذي يقدر على الإيماء قائمًا أو قاعدا ليس له أن يومئ مضطجعًا بحال فتكون حاله أعلى من حال من يومئ مضطجعا، فلا يصح اقتداؤه به. وبهذا يقع الفرق لأبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله بين هذا وبين اقتداء القائم بالقاعد الذي يركع ويسجد؛ لأن ترك القيام مع القدرة عليه يجوز في بعض الروايات وهو التطوع، فكان حال القاعد قريبا من حال القائم فيجوز اقتداء القائم بالقاعد ومحمد رحمه الله أخذ بالقياس هناك، وقال: حال المقتدي أعلى من حال الإمام؛ فإن أداء المكتوبة قاعدًا مع القدرة على القيام لا يجوز. وزفر رحمه الله في الفصول كلها يُجوّز الاقتداء ويقول: معنى البناء المشاركة في
الجزء 1 · صفحة 58
التحريمة، و] اقتداء كل واحد منهما بصاحبه.
(وقال في الرجل يؤم القوم في ليلة مظلمة فتحرى القبلة فصلى إلى ناحية ووجهه إلى المشرق وتحرى طائفة منهم القبلة. ووجوههم نحو دير القبلة، وتحرى طائفة منهم فصلوا ووجوههم نحو المغرب، وطائفة منهم وجوههم نحو القبلة: فصلاتهم جميعا تامة إذا كانوا لا يعلمون بحال إمامهم لأن عند الاشتباه وانقطاع الأدلة الواجب هو التحريمة، والجهة التي يؤدي إليها تحري كل واحد بمنزلة القبلة في حقه على ما قال علي رضي الله عنه: «قبلة المتحري جهة قصده». ولأن التكليف على حسب وسعه، وليس في وسعه أكثر من ذلك، فكان كل واحد منهم مصليا إلى القبلة عنده مؤديا لما تكلف فتجوز صلاتهم. وكونه مخالفا لإمامه في الجهة لا يمنع صحة اقتدائه به كما لو صلوا في جوف الكعبة، إلا أنها سواء يعلم أن إمامه يصلي إلى غير جهته أو لا يعلم فهو لا يعتقد الخطأ في صلاته، فصح اقتداؤه به والأصل فيه قول الله تعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَقَمْ وَجْهُ الله) البقرة] وفي مثل هذا نزلت هذه الآية على ما جاء في الحديث عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: كنا أصحاب رسول الله عليه السلام في سفر في ليلة مظلمة، أو قال في يوم ذي ضباب فاشتبهت علينا القبلة فتحرى كل واحد منا وصلى إلى جهة، وجعل بين يديه علامة؛ فمنا من أصاب ومنا من أخطأ، ثم سألنا رسول الله عليه السلام فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال عليه السلام: «أجزتكم صلاتكم».
(وقال في الأمي يصلي بقوم يقرءون وبقوم لا يقرءون: فصلاته وصلاتهم فاسدة. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: صلاة الأمي الإمام ومن كان بحاله جائز لأنه اقتدى به من هو في مثل حاله ومن هو أعلى حالا منه فتجوز صلاته وصلاة من هو في مثل حاله؛ بمنزلة القارئ إذا أم العراةواللابسين، أو صاحب الجرح السائل أم من هو في مثل حاله والأصحاء، أو المومن يؤم من هو في مثل حاله ومن يركع ويسجد، فإنه تجوز صلاة الإمام وصلاة من هو في مثل حاله؛ فهذا مثله ولأبي حنيفة رحمه الله حرفان: أحدهما: أن اقتداءهم جميعًا بالإمام صحيح لاستواء حالهم عند التكبير. ثم الإمام يحمل عن القارئ فرض القراءة حتى صح اقتداؤه به. وعجز عن الوفاء بما يحمل حين جاء أوان القراءة، ففسدت صلاته. وبفساد صلاة الإمام تفسد صلاة جميع القوم بخلاف ما استشهدا به؛ فإن الإمام لا يتحمل عن المقتدي الطهارة ولا ستر العورة ولا الركوع والسجود. ولا يلزم على هذا أن القارئ لو اقتدى بالأمي بنية التطوع لا يلزمه القضاء، ولو صح شروعه في صلاته للزمه القضاء، قلنا: وجوب القضاء في التطوع باعتبار وجوب الإتمام وباعتبار كونه جانيًا في الإفساد ومبطلا عمله، وذلك لا يتحقق ههنا؛ لأنه شرع في صلاة يعلم أنه لا يمكنه
الجزء 1 · صفحة 59
إتمامها والحرف الآخر: أنهم لما اجتمعوا على قصد أداء الصلاة بالجماعة فالأمى قادر على أن يجعل صلاته بقراءة بأن يُقدِّم القارئ فيقتدي به ليكون قراءة الإمام له قراءة. فحين تقدم بنفسه فقد ترك أداء الصلاة بالقراءة مع القدرة على ذلك، فتفسد صلاته. ثم بفساد صلاته تفسد صلاة جميع القوم بخلاف ما استشهدا به. فصاحب العذر هناك لا يتمكن من إزالة العذر بتقديم من لا عذر له ولا يدخل على هذا ما إذا كان القارئ والأمي يصلي كل واحدٍ منهما وحده؛ فإن هناك لم يظهر منهما رغبة في أداء الصلاة بالجماعة، فلا يعتبر وجود القارئ في حق الأمي، وههنا قد ظهر منهم الرغبة في ذلك.
(وقال في رجل يؤم قومًا فيقرأ بهم في الركعتين الأوليين ثم أحدث فيقدم في الركعتين الأخريين أُميًا فصلاتهم فاسدة) وقال زفر رحمه الله: تجوز صلاتهم؛ لأن فرض القراءة في الركعتين الأوليين، وقد أتم القارئ ذلك، وليس في الأخريين قراءة مفروضة، فيكون الأمي والقارئ فيهما سواء في الصلاحية للاستخلاف. ولكنا نقول: آخر الصلاة كأولها في الحكم، والأمي لا يصلح خليفة له في أول هذه الصلاة، فكذلك في آخرها. واشتغاله باستخلاف من لا يصلح أن يكون خليفة له يفسد صلاته وصلاة جميع القوم، كما استخلف أميًا. والقراءة ركن في الصلاة؛ قال عليه السلام: «لا صلاة إلا بقراءة». فكل صلاة افتتحها القارئ لا يتمها إلا أن يكون قادرًا على هذا الركن؛ لأنه ركن جميع الصلاة وإن كان يؤدى في محل مخصوص وكذلك لو سبقه الحدث بعدما و] رفع رأسه من آخر السجدة وهو في التشهد. وإن سبقه الحدث بعدما تشهد فاستخلف أميا ليسلم بهم فعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تجزيهم صلاتهم واختلف المشايخ على قول أبي حنيفة رحمه الله. وكان الفقيه أبو جعفر الهندواني يقول: ينبغي على قياس قوله أن تجزيهم أيضًا؛ لأن استخلاف من لا يصلح للإمامة يكون صنعا من جهته، وهو قاطع للصلاة، فيكون بمنزلة ما لو تكلم أو قهقه والأصح أن عنده أن المغير للفرض إذا وجد قبل التسليم جعل كالموجود في أول الصلاة، بدليل نية الإقامة. وقد وجد ههنا ما هو المغير للفرض، وهو استخلاف الأمي. فأما نفس" الاستخلاف ليس بصنع مفسد للصلاة ولا قاطع لها. ألا ترى أنه لو استخلف قارنا بقيت التحريمة حتى يسلم بهم. القارئ فإذا ثبت أن المغير ههنا ما هو المغير للفرض كان اعتراضه بعد التشهد كاعتراضه في وسط الصلاة عند أبي حنيفة رحمه الله فتفسد صلاتهم.
(وقال في رجل يصلي أربع ركعات تطوعًا لا يقرأ فيهن شيئا: يعيد الركعتين) والأصل في هذا أن نقول: إن القراءة فرض في الصلاة. قال عليه السلام: «لا صلاة إلا بقراءة». وكل شفع من التطوع صلاة على حدة؛ لأنها تشتمل على. أركان الصلاة وشرائطها، فيجوز الاقتصار عليهما. فإذا افتتح الشفع الأول
الجزء 1 · صفحة 60
وترك القراءة فيهما فسدت صلاته لتركه ما هو الركن. ثم بفساد الصلاة يصير خارجًا منها في قول محمد رحمه الله، كما لو أفسدها بكلام أو حدث، فلا يصح شروعه في الشفع الثاني، وعليه قضاء الشفع الأول خاصة. هكذا في إحدى الروايتين عن أبي حنيفة رحمه الله. وفي رواية أخرى لا يصير خارجًا من أصل الصلاة بالفساد ولكن شروعه في الشفع الثاني حصل بصفة الفساد، ومن أصله أن مجرد الشروع بصفة الفساد لا يوجب القضاء، كما لو شرع في صوم يوم النحر؛ فلهذا لا يلزمه إلا قضاء الشفع الأول. وأما عند أبي يوسف لم تتحلل التحريمة ولزمه الشفع الثاني بالشروع ولو كان بصفة الفساد، وقد ترك القراءة فيها أيضًا، فيلزمه قضاء أربع ركعات عنده.
وهذه المسألة في الحاصل على ثمانية أوجه:
أحدها ما بينا.
والثاني: أن يقرأ في الأوليين ولا يقرأ في الأخريين. فعليه قضاء ركعتين) بالاتفاق؛ لأنه أتم الشفع الأول، وصح شروعه في الشفع الثاني، وقد أفسدها بترك القراءة، فعليه قضاء هذا الشفع.
والثالث: (أن يقرأ في الأخريين دون الأوليين. فعليه قضاء ركعتين) بالاتفاق؛ لأن عند محمد شروعه في الشفع الثاني لم يصح. وهو إحدى الروايتين عن أبي الله. حنيفة رحمه وفي الرواية الأخرى وهو قول أبي يوسف رحمه الله لم تتحلل التحريمة وصار شارعًا في الشفع الثاني، وقد أداها كما التزم قضاء الشفع الأول الذي أفسدها بترك القراءة.
والرابع: (أن يقرأ في إحدى الأوليين وإحدى الأخريين. فعليه قضاء أربع ركعات في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. وفي قول محمد رحمه الله عليه قضاء ركعتين) لأن عنده قد انحلت التحريمة بترك القراءة في ركعة] من الشفع الأول، فلا يصح شروعه في الشفع الثاني، بمنزلة ما لو ترك القراءة في ركعة من الفجر وعند أبي يوسف رحمه الله لو ترك القراءة فيهما لم تتحلل التحريمة، فإذا ترك في إحداهما أولى، وصح شروعه في الشفع الثاني، وقد أفسد كل شفع بترك القراءة، فعليه قضاء الشفعين. فأما عند أبي حنيفة رحمه الله فقد قال في الكتاب عليه قضاء أربع ركعات.
فهذه من المسائل الثلاث التي جرت المحاورة فيها بين أبي يوسف و محمد رحمهم الله حين عرض عليه هذا الكتاب؛ فقال أبو يوسف: ما رويت لك عنه أنه يقضي أربع ركعات وإنما رويت لك أن يقضي ركعتين. وقال محمد بل رويت لي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه يقضي أربع ركعات. وقيل: القياس ما حفظ
الجزء 1 · صفحة 61
أبو يوسف رحمه الله؛ لأن ترك القراءة في ركعة من الأوليين کتركه فيهما في إفساد الصلاة، فيكون شروعه في الشفع الثاني بصفة الفساد، وذلك لا يوجب القضاء. وما حفظ محمد رحمه الله هو الاستحسان على قول أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن كل شفع يتأكد بوجود القراءة في ركعة وإن كان يفسد بترك القراءة في ركعة فإن من العلماء من يقول: يتأدى فرض القراءة بالقراءة في ركعة وهو قول الحسن فظاهر قول النبي عليه السلام: «لا صلاة إلا بقراءة يدل على هذا فإن بوجود القراءة في ركعة تصير الصلاة بقراءة. فنحن وإن تركنا العمل بهذا الظاهر لقيام الدليل فقد بقي ظاهره معتبرًا في حكم التأكيد. والفاسد إذا تأكد يلتحق بالصحيح في الحكم، بمنزلة البيع الفاسد يتأكد بالقبض، فيكون مفيدا للملك، والنكاح الفاسد يتأكد بالدخول، فيكون مفيدا لحكم النسب والعدة. وههنا لما تأكد كل شفع بوجود القراءة في ركعة جعل الشروع الذي هو بصفة الفساد بعد التأكيد بمنزلة ما لو كان الشروع بصفة الصحة في وجوب القضاء عند الإفساد. ولهذا لزمه قضاء الشفعين.
والخامس: أن يقرأ في إحدى الأوليين فقط. فعلى قول محمد رحمه الله عليه قضاء ركعتين، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله أيضًا؛ لأن شروعه في الشفع الثاني كان على وجه الفساد، ولم يتأكد بوجود القراءة في شيء منها. وعند أبي يوسف رحمه الله عليه قضاء أربع ركعات.
والسادس: أن يقرأ في إحدى الأخريين فقط. فلا إشكال على قول أبي يوسف أن عليه قضاء أربع ركعات وعلى قول محمد قضاء ركعتين. واشتبه قول أبي حنيفة رحمه الله، فمنهم من يقول: عنده عليه أربع ركعات لتأكد الشفع الثاني بوجود القراءة في ركعةٍ منها. والأصح أن عليه قضاء ركعتين؛ لأن الشفع الأول لم يتأكد بوجود القراءة في شيء منها، فلا يعتبر شروعه في الشفع الثاني في الإلزام سواء تأكد أو لم يتأكد.
والسابع أن يقرأ في الأوليين وإحدى الأخريين. فعليه قضاء ركعتين، وهو الشفع الثاني الذي أفسده.
والثامن: أن يقرأ في الأخريين وإحدى الأوليين. فعليه قضاء ركعتين أيضا، وهو الشفع الأول الذي أفسده بترك القراءة في ركعة. والشفع الثاني لا ينوب عن القضاء وإن أداها بصفة الصحة؛ لأنه بناها على تلك التحريمة، والتحريمة الواحدة لا تجمع الأداء والقضاء.
(قال: وكان أبو حنيفة رحمه الله يكره أن يُجعَل الآجر في القبر، ويستحب] اللبن والقصب لأن
الجزء 1 · صفحة 62
استعمال الآجر لإحكام البناء، والقبر مع ما فيها للبلى، فلا يستعمل فيه ما يؤدي إلى إحكام البناء. وهذا فيما يلي الميت. فأما فيما وراء ذلك لا بأس باستعمال الآجر؛ لأنه استعمال الآجر في الدكان لا في القبر. ولأن الآجر يُطبخ بالنار، ويُكره إدخال النار في القبر، فكذلك استعمال ما يُطبخ بالنار في القبر. والأول أولى، لأنه جمع في كتاب الصلاة بين استعمال الآجر ورفوف الخشب؛ " ولا يوجد معنى النار في رفوف الخشب. ويحكى عن الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل" رحمه الله أنه كان يقول: لا بأس بذلك كله في ديارنا ببخارى، لأن الغالب على الأراضي هو اللين والرخا، فينهار القبر لو لم يستعمل فيه ذلك. وكان يجوّز اتخاذ التابوت للميت. ويقول: لو اتخذوا تابوتا من حديد لم أر به بأسًا. وأما استحباب اللبن والقصب لما روي عن النبي عليه السلام أنه مر بالحافر يحفر قبرًا فرأى فُرجة، فأخذ مَدَرَةً فناولها فقال: «سدا بها تلك الفرجة، فإن الله يحب من كل صانع أن يحكم صنعته». والمدرة: قطعة من اللبن واستعمال القصب لما روي أنه جعل في قبر رسول الله عليه السلام حزمة من قصب. وقد أمر] بعض الصحابة بأن يهال عليه التراب، وقال: ليس أحد من جنبي بأولى بالتراب من الآجر. ثم] إن عامة المسلمين استحسنوا اتخاذ اللحد، والشق في الموضع الذي لا يمكن اللحد، واستعمال اللبن والقصب ليصير ذلك الموضع بمنزلة البيت له، ولكنه مخالف لبيوت الأحياء في الدنيا. قال عليه السلام: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن».
(قال في الرجل يجعل المسجد تحته السرداب، ثم يجعل بابه إلى الطريق ويعزله، أو يكون فوقه البيت فهذا المسجد يكون له، وله أن يبيعه، وإن مات فهو ميراث لورثته لأن الأصل في المساجد بيت الله الحرام، وذلك متحرز عن حقوق العباد أصلا، فما يكون في معناه يكون ملحقا به، وما لا يكون في معناه باعتبار بقاء حق العبد في أسفله وأعلاه لا يكون ملحقا به، فيبقى على خالص ملكه، ثم متخذ المسجد يجعل ذلك الموضع من ملكه الله تعالى خالصا، ولا يكون الخلوص مع بقاء حق العبد في أسفله أوأعلاه. قال عليه السلام فيما يأثره عن ربه جل جلاله من عمل لي عملا فأشرك فيه غيري فهو كله لذلك الشريك، وأنا منه بريء». وقد روي عن الحسن بن زياد رحمه الله أنه قال: إذا جعل الشفل مسجدًا وعلى ظهره بيت هو مسكن، فهذا مسجد ليس له أن يبيعه، بخلاف ما إذا جعل العلو مسجدا والشفل مسكنا؛ لأن المسجد ما يتأبد وذلك إنما يتحقق في السُّفْل دون العلو وقد روي عن محمد رحمها عكس هذا، قال: إذا جعل العلو مسجدًا والسفل مُسْتَغَلا جاز، وإذا جعل السفل مسجدا والعلو مستغلا لم يجز؛ لأن موضع المسجد معظم شرعًا، وينعدم معنى التعظيم إذا كان المستغل فوق المسجد. وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يجوز في الوجهين
الجزء 1 · صفحة 63
جميعا. رجع إلى هذا القول حين قدم بغداد ورأى ضيق المنازل بأهلها، فقال: سواء جعل العلو مسجدًا والسفل مسكنا أو على عكس ذلك فإنه يكون مسجدا ليس له أن يبيعه؛ فكأنه اعتبر فيه الضرورة والحاجة.
(قال: وكان أبو حنيفة رحمه الله يكره أن يجامع الرجل فوق المسجد، وأن يبول ويتخلى فوقه لأن لسطح المسجد من الحرمة ما لجوفه. ألا ترى أن المعتكف إذا صعد سطح المسجد لم يضره. ولا إشكال أنه تكره المجامعة] في جوف المسجد؛ لأنه يكره للجنب أن يدخل المسجد، فلأن يكتسب سبب الجنابة أولى. وفي البول والخلاء تلويث المسجد، وقد أمرنا بالتطهير للمساجد. قال الله تعالى: أن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّابِفِينَ) البقرة]، وقال رسول صلى الله عليه وسلم: «إن المسجد ليَنْزَوي من النخامة كما تَنْزَوي الجلدة في النار». فإذا كان التنخم في المساجد مكروها فما ظنك في الخلاء والبول. وإذا ثبت كراهية هذا في المسجد فكذلك في سطحه. (قال: وكان لا يرى بأسا أن يفعل ذلك فوق بيت فيه المسجد يعني أن كل مسلم مندوب إلى أن يتخذ مسجدا في بيته يصلي فيه النوافل والسنن ولكن لا يأخذ ذلك الموضع حكم المسجد؛ فإنه باق على ملكه يجوز له أن يبيعه. وإذا لم تكن له حرمة المسجد فلا بأس بالبول والمجامعة والخلاء فيه. ولم يذكر كراهة ذلك في المواضع المتخذة للصلاة على الجنازة. وقد قال بعض أصحابنا رحمة الله عليهم أجمعين: إن ذلك يُكره فيه كما في المساجد التي على القوارع وعند الحياض.
والأصح أنه ليس لهذا الموضع حرمة المسجد؛ فإنه لا بأس بإدخال الميت فيه. وقد أمرنا بتجنيب المساجد عن الموتى ما كان هذا إلا نظير الموضع المعد لصلاة العيد، وذلك لا يأخذ حكم المسجد، فهذا مثله. وأما المسجد الجامع فهو أعظم المساجد حرمة والمساجد المبنية على القوارع لها حرمة المسجد؛ إلا أن الاعتكاف فيها لا يجوز لأنه ليس لها إمام ومؤذن معلوم، ففيما سوى ذلك هي كسائر المساجد.
(وقال في رجل يجعل وسط داره مسجدا ويأذن للناس بالصلاة فيه: له أن يبيعه، فهذا مسكن، وإن مات يصير ميرانا لورثته) لأن هذا ليس في معنى بيت الله الحرام الذي ملكه محض حق الله، ولا يتوصل إليه أحد إلا بإذنه. فله أن يأذن للناس" من التطرق في ملكه ليصلوا إلى موضع المسجد. والمسجد ما لا يكون لأحد أن يمنع عنه أحدًا؛ قال الله تعالى: (سَوَاءٌ الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) الحج)، ولأنه لما لم يبين له طريقًا فقد بقيت شركة في الطريق، وذلك يمنع خلوص ذلك البقعة الله تعالى، فلهذا لم يكن مسجدا. (قال: وإن جعل أرضا له مسجدا فليس له بيعه، وإن مات لم يكن ميرانا) لأنه حرزه من ملكه وجعله خالصا لله تعالى، فهو كالعبد يعتقه ولأنه ليس له أن يمنع أ الدخول فيه لإقامة الصلاة، وتم التقرب منه بجعله معدًا
الجزء 1 · صفحة 64
لعبادة الله. قال عليه السلام: «من بنى الله تعالى مسجدًا ولو كمفحص قطاة بنى الله تعالى له بيتا في الجنة». وبعد تمام القربة لا يتمكن من الرجوع فيه. ثم عند أبي يوسف رحمه الله لا يشترط إقامة الصلاة فيه ليصير مسجدا، وعند محمد رحمه الله يشترط إقامة الصلاة فيه بالجماعة ليصير مسجدا، وعن محمد رحمه الله فيه روايتان: إحداهما هكذا، والثانية أنه يشترط إقامة الصلاة فيها، ولا يشترط الجماعة. وقد بينا هذا في كتاب الوقف
(وقال: لا ينبغي لأهل المسجد أن يُغلقوا باب المسجد) لما روي عن رسول الله عليه السلام أنه قال: (يا معشر بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا يطوف بهذا البيت أي وقت شاء من ليل أو نهار». فإذا كان لا يُمنع أحد من الدخول في المسجد الحرام ففي سائر المساجد أولى. وقال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن إذا خرجن تفلات»؛ يعني غير مطيبات. والذي يُغلق باب المسجد كأنه يمنع الناس منها، وذلك منهي عنه. الناس منها، وذلك منهي عنه. ثم الناس في إقامة القربة من الاعتكاف والصلاة بالليل والنهار في المسجد سواء، وفي إغلاق باب المسجد منع من يريد ذلك فيه مما هو حقه. وكان المتقدمون يكرهون شد المصاحف؛ فاتخاذ الشدة لها أولى لكيلا يكون ذلك في صورة المنع من قراءة القرآن، فهذا مثل ذلك أو فوقه؛ لأن المصحف ملك صاحبه، والمسجد ليس بملك لأحد. وكان شيخنا الإمام رحمه الله يقول: لا بأس في زماننا بإغلاق باب المسجد، فلا يفتح إلا في أوقات الصلاة؛ والتدبير فيها إلى أهلها، لأن الغلبة لأهل الفساد، فإذا لم يغلق باب المسجد ربما يدخل الداخل على قصد الفجور فيه، وربما يخاف على الإزار والحصير من السراق. والحكم يختلف باختلاف أحوال الناس. ألا ترى أن النساء كنّ يحضرن الجماعات ثم منعن من ذلك وكان صوابا، فكذلك إغلاق باب المسجد والتدبير في زماننا فيه إلى أهل المحلة كما في نصب الإمام والمؤذن.
(قال: ويُسجى قبر المرأة بثوب حتى يجعل اللبن على اللحد، ولا يُسجى قبر الرجل لما روي أن فاطمة رضي الله عنها أول من نُعش على جنازتها وشجي قبرها بثوب ومر علي رضي الله عنه بقوم يدفنون رجلًا وقد سجوا قبره بثوب فضرب بيده ونحى الثوب وقال: «لا تشبهوا ميتكم بالنساء».
ثم مبنى حال المرأة على الستر؛ فكذلك بعد الموت يبتني حالها على الستر فيُنعش على جنازتها ويسجّى قبرها حتى يجعل اللبن على اللحد. ولهذا استحسن بعض مشايخنا اتخاذ التابوت للنساء؛ فإنه أقرب للستر، وإلى التحرز عن مسها عند الوضع في القبر. فأما مبنى حال الرجل على الانكشاف، ولا يُسجى قبره بثوب كما لا يُنْعَش على جنازته؛ لأنه ممنوع من التشبه بالنساء في حياته، فلا يُشبه بهنّ أيضًا
الجزء 1 · صفحة 65
بعد موته، إلا أن يكون هناك ضرورة من ثلج أو مطر أو برد أو حرّ شديد يخاف أن يتأذوا به واضعوا الميت في القبر؛ فحينئذ لا بأس بأن يُسجّى بثوب لدفع الضرر عن الواضعين له في القبر.
(وقال: يُوجه الرجل في مرضه إلى القبلة، كما يوضع في اللحد) معناه إذا احتضر وقربت ميتته فإنه يُضجع على شقه الأيمن ووجهه إلى القبلة؛ لأنه أشرف على الموت، فهو كالميت وإليه أشار رسول الله عليه السلام في قوله: لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله». فكما أنه بعد الموت يوضع في لحده بهذه الصفة فكذلك بعدما احتضر. قال: وأما التوجه في الصلاة فيجعل وجهه نحو القبلة) وقد مر في كتاب الصلاة.
(وقال المريض يستلقي على قفاه يومئ إيماءً، ويكون رجلاه إلى القبلة) هكذا روي عن عمر وابن عباس رضي الله عنهما. ولأنه إذا استلقى على قفاه تقع إشارته إلى هواء الكعبة. وإذا اضطجع على جنبه الأيمن ووجهه إلى القبلة تقع إشارته إلى جهة رجليه، وذلك لا يكون لقبلة. ثم ما به من مرض إذا كان بعَرَض الزوال فإذا كان مستلقيًا على قفاه وقدر على الجلوس فجلس كما هو كان وجهه إلى القبلة، ولو قدر على القيام كان وجهه إلى القبلة. وأما بعدما احتضر فقد انقطع رجاء البرء فيضطجع على شقه الأيمن كما يوضع في اللحد. والذي روي أن النبي عليه السلام قال لعمران بن حصين: «فإن لم تستطع
فعلى جنب تومئ إيماء». يعني ساقطا على الأرض. قال الله تعالى: فَإِذَا وجَبَتْ جُنُوبُهَا} الحج] أي سقطت على الأرض. وقيل: إن العلة التي كانت فيه تمنعه عن الاستلقاء على قفاه؛ فلهذا أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاضطجاع على جنبه الأيمن. وبه نقول عند العذر.
(قال: ادعوا في الصلاة بكل شيء من القرآن وما يشبه الدعاء، وما لا يشبه الحديث لأن ما يشبه الحديث فهو حديثهم. وقال عليه السلام: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس؛ إنما هي للتسبيح والتهليل وقراءة القرآن». وقيل في تأويل قوله تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ و لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) الأعراف]، أي الاعتداء في الدعاء وهو أن يدعو في الصلاة بما يشبه الحديث. وأهل المدينة يقولون ما يجوز له أن يدعو به خارج الصلاة يجوز في الصلاة، لقوله تعالى: وَسْتَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ) النساء]. وقال عليه السلام: «وأما في السجود فاجتهد في الدعاء فإنه قمن" أن يستجاب لك». ولكنا نقول: هذا يدل على الأدب في الدعاء. وذلك مفروغ منه؛ إنما الكلام فيما يصلح من ذلك في الصلاة وما لا يصلح، والذي يصلح سؤال الجنة والتعوذ به من النار والدعاء بالمغفرة والرحمة لنفسه ولوالديه وللمؤمنين. والذي يشبه الحديث أن يقول: اللهم زوجني فلانة، اللهم اكسني ثوبًا، اللهم العن فلانا؛ فهذا ونحوه لا
الجزء 1 · صفحة 66
يشكل على أحد أنه من الحديث. فالذي روي عن النبي عليه السلام أنه قنت في صلاة الفجر وقال: «اللهم اشدد وطأتك على مُضَر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف، اللهم العن رَعلًا وذكوان وعُصَيَّة عصت الله» انتسخ ذلك بنزول قوله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءُ) آل عمران]؛ إذ كان في وقت كان الكلام مباحًا في الصلاة. والذي روي أن عليا الله عنه قنت في صلاته أيامًا يدعو على من ناوأه، فقد روي أن أبا موسى الأشعري لما بلغه ذلك منه كتب إليه: أما بعد، فإذا أتاك كتابي هذا فأعد صلاتك." فدل أنه كان معروفًا فيما بينهم أن مثله يقطع الصلاة.
(وقال في رجل دخل مسجدًا قد صلى أهله فيه: فلا بأس بأن يتطوع قبل المكتوبة إذا كان في الوقت (سعة لأن الوجوب لا يتقرر ما لم يتضيق الوقت. ولهذا لو مات قبل أن يتضيق الوقت لم تكن تلك المكتوبة دينا في ذمته. فلا بأس بأن يشتغل بالتطوع ثم بالمكتوبة؛ فإن التطوعات بعد المكتوبات مندوب إليها لجبر نقصان المكتوبة، وقبلها مندوب إليها لقطع طمع الشيطان عن المصلي، يقول: لما لم يطعني في ترك ما لم يكتب عليه فكيف يطيعني في ترك ما كتب عليه. وقيل: المراد بهذه المسألة الأربع قبل الظهر؛ وهو مسنون قد اشتهر فيه الأدلة. فكما أنه يندب إلى أداء ذلك إذا كان يصلي الفرض بالجماعة فكذلك إذا كان يصلي وحده، بل أولى؛ لأن الحاجة إلى الإكمال ههنا أظهر. وفي قوله: لا بأس، إشارة إلى أنه يجوز له أن يدع ذلك ويشتغل بالمكتوبة، وهو الذي وقع عند العوام إذا فاتتهم الجماعة لا يشتغلون بالأربع قبل الظهر. وقد استحسنه بعض المتأخرين من مشايخنا، يقولون: المنفرد كالمؤدي بالجماعة؛ فعليه أن يعجل ليلتحق بهم، وفي الاشتغال بالتطوع بعض التأخر، ثم الأربع قبل الظهر فاصل بين الأذان والإقامة.
(ومن دخل مسجدًا صلى فيه أهله يصلي بغير أذان ولا إقامة) ولا يشتغل] بالتطوع. ولكن الأصح أنه يُندب إلى أداء ذلك إذا كان في الوقت سعة، لأنها سنة قوية واظب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقتها باقي ما لميفرغ من المكتوبة؛ فلا يستحب له تركها مع التمكن من أدائها.
(قال في تكبير التشريق في دبر الصلاة من صلاة الفجر من يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر) أما البداية من صلاة الفجر من يوم عرفة فهو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين" وبه نأخذ، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل ما قلت وقال الأنبياء قبلي يوم عرفة "لا إله إلا الله والله أكبر. " ولأن التكبيرات في أدبار الصلوات لإظهار فضيلة وقت الحج، وركن الحج هو الوقوف، وذلك في يوم عرفة. (ثم قال ابن مسعود رضي الله عنه: إلى صلاة العصر من يوم النحر وبه أخذ أبو حنيفة رحمه الله) لأن الكبار من الصحابة مجمعون على هذا المقدار والجهر بالتكبيرات في أدبار
الجزء 1 · صفحة 67
الصلوات بخلاف المعتاد، فيؤخذ فيه بالمتيقن، ولما كانت البداية من يوم يؤدى فيه ركن الحج فالختم كذلك يكون في يوم يؤدّى فيه ركن الحج وهو الطواف؛ لأنها تؤدى في دبر الصلوات وإنما وقع التغير في أوقات بعض الصلوات في هذين اليومين يعني أن العصر يؤدى في وقت الظهر بعرفات، والفجر يؤدى يوم النحر بغلس (و] قال علي رضي الله عنه: إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق»، يكبر في العصر ويقطع وبه أخذ أبو يوسف ومحمد رحمهما الله) لقوله تعالى: (وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ) البقرة]؛ قيل: المراد أيام التشريق. ولأنا أمرنا بإكثار الذكر، قال الله تعالى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا) الأنفال].
ولأن بقاء أعمال الحج وهو الرمي يمتد إلى آخر أيام التشريق. وإحدى الروايتين عن عمر رضي الله عنه في القطع هكذا، وفي الرواية الأخرى قال: إلى صلاة الظهر من آخر أيام التشريق. ولم ينقل عن عثمان رضي الله عنه في القطع شيء.
واتفق ابن عباس وابن عمر وزيد وعائشة رضي ا الله أن البداية من صلاة الظهر من يوم النحر. وقد روي عن أبي يوسف رحمه الله أنه رجع إلى فقال: الناس في هذه التكبيرات تبع للحاج وهم يقطعون التلبية عند أول حصاة يرمونها من جمرة العقبة وقت الضحوة يوم النحر، ثم يأخذون في التكبير، فعلى الناس التكبير في الصلوات المؤداة بعدها، ثم قال عمر رضي الله عنه: إلى صلاة الفجر من آخر أيام التشريق. وقال ابن عباس رضي الله عنه: إلى صلاة الظهر. ولا يثبت عن عائشة وزيد في القطع شيء. (وصفة التكبير أن يقول: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر والله الحمد) هكذا توارث الناس التكبير والتوارث كالتواتر وفيه الجمع بين التكبير والتحميد والتهليل فيكون أبلغ الأذكار. (ثم هذا التكبير على المقيمين في الصلوات المكتوبات المؤداة في الجماعة المسنونة في الأمصار في قول أبي حنيفة رحمه الله. وعلى قولهما كل من صلى المكتوبة في هذه الأيام فعليه التكبير) وقالوا: هذه التكبيرات في حق سائر الناس بمنزلة التلبية في حق الحاج ولا يشترط المصر والإقامة والجماعة للتلبية" في حق الحاج، فكذلك التكبير في حق سائر الناس وأبو حنيفة رحمه الله استدل بقوله عليه السلام: «لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع»." والتشريق في اللغة التكبير. هذا نقل عن الخليل والنضر بن شميل.] وقد يُذكر التشريق بمعنى صلاة العيد فإما أن نحمل عليهما أو نقول: المراد ههنا هو التكبير بدليل ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: «لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع». فهذا العطف دليل على أن المراد بالتشريق التكبير. ولما سوى رسول الله عليه السلام بينه وبين في اشتراط المصر استدللنا على التسوية بينهما في اشتراط الجماعة والإقامة والذكورة. فقلنا: (لا) تكبير على النساء وإن صلين بجماعة)
الجزء 1 · صفحة 68
لأن جماعتهن منسوخة غير مسنونة. إلا أن يصلين بجماعة (الرجال فحينئذ يجب عليهن التكبير تبعًا. وكذلك المسافرون إذا اقتدوا بالمقيمين في المصر يجب عليهم التكبير كما تتأدى بهم الجمعة والعبيد بمنزلة الأحرار إذا صلوا بالجماعة في المصر؛ لأنهم في أداء الجمعة بهم بمنزلة الأحرار، فكذلك في وجوب التكبير عليهم.
(قال في العيدين يجتمعان في يوم واحد نشهدهما ولا نترك واحدا منهما) والمراد أن يكون يوم الفطر أو الأضحى يوم الجمعة، فإن يوم الجمعة عيد للمؤمنين باعتبار ما لهم فيه من وعد المغفرة والكفارة. وإنما يسمى يوم العيد لأن الله تعالى فيه عوائد بالإحسان إلى العباد والعوائد الفوائد والمزيد. واسم يوم الجمعة عند الملائكة يوم العطاء، ويوم المزيد. فعرفنا أنه ثم أعاد بعد هذا هذه المسألة. وقال: الأول سنة والآخر فريضة) وهو الظاهر من المذهب أن صلاة العيد سنة. وقد ذكر في الكتاب ما يدل على أنها واجبة؛ فإنه قال: ويُكره التطوع بالجماعة ما خلا قيام رمضان وصلاة الكسوف. وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: تجب صلاة العيد على المقيمين من أهل الأمصار؛ فهذا دليل الوجوب أيضًا. ووجه تلك الرواية أنها تؤدى بجمع عظيم وتختص بشرائط، ومنها الخطبة فتكون واجبة كالجمعة.
ووجه هذه الرواية ما روي عن النبي عليه السلام أنه لما علم الأعرابي الواجبات فقال: هل علي غيرهن؟ فقال: «لا؛ إلا أن تتطوع». ولم يذكر له في الواجبات صلاة العيد؛ فعرفنا أنها سنة ولكنها سنة قوية. وإنما هي من أعلام الدين. وما يكون بهذه الصفة من السنة فأخُذُها هدى وتركها ضلالة. ثم يشهدهما، لما روي أنهما اجتمعا على عهد رسول الله عليه السلام فشهدهما، وقال في خطبته بعد صلاة العيد: «يا أهل العوالي قد شهدتهم معنا خيرًا كثيرًا، فمن شاء منكم أن يقيم فيصلي معنا الجمعة فليفعل، ومن شاء منكم أن ينصرف فلينصرف». واجتمعا على عهد عثمان رضي الله عنه فشهدهما وخطب بمثل ما خطب رسول الله عليه السلام. وإنما أورد هذه المسألة لأن من العلماء من يقول: ليس عليه أن يشهدهما جميعا؛ فإنه يلحقه الحرج والمشقة بشهود المصلى ثم الجامع في يوم واحد، والحرج مدفوع. والمقصود من هذا الجمع تشهير أمر الدين، وذلك يحصل بالاجتماع في يوم واحدٍ مرةً واحدة. ثم قال بعضهم: يشهد الجمعة لقوتها، فهي] فريضة بكتاب الله تعالى. وقال بعضهم: يشهد صلاة العيد لأنها أسبق، ولأن الجمعة تتكرر في السنة ويوم الفطر أو الأضحى) لا يكون إلا مرة واحدة، والأصح ما قلنا؛ فإنهما لو كانا في يومين مختلفين عليه أن يشهدهما، فاجتماعهما في يوم لا يسقط أحدهما بالآخر، إذ لا منافاة بينهما.
قال: أدنى ما يكفن به المرأة في ثلاثة أثواب ثوبين وخمار، والرجل في ثوبين قال رضي الله عنه: واعلم
الجزء 1 · صفحة 69
بأن السنة في كفن الرجل ثلاثة أثواب)
لما روي عن النبي عليه السلام أنه كُفّن في ثلاثة أثواب بيض سحولية. وفي حديث آخر أنه كفن بيزدٍ وحُلة فالبرد ثوب واحد والحلة ثوبان. ولأن في حالة الحياة يخرج بثلاثة أثواب عادةً، فكذلك بعد الوفاة يكفن بثلاثة أثواب إزار وقميص ولفافة) لحديث ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله عليه السلام كفن في ثلاثة أثواب، منها قميصه. والشافعي رحمه الله قال]: إنه كُفّن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميصه. و ما رويناه أصح؛ فقد رُوي أنه لما أرادوا نزع قميصه عند الغسل نودوا من ناحية البيت: اغسلوا نبيكم وعليه قميصه؛ ففعلوا ذلك، ثم نزعوا قميصه وغسلوه وجففوه وكفنوه فيه. إلا أن بعض أهل الحديث يروي أنهم أصبحوا فوجدوا القميص مردودا على المشجب. قال الشافعي رحمه الله: فهذا يدل على أنه لم يقع به الرضا، ولكن هذه الروايات لم تستفض. وليس في الكفن عمامة في ظاهر الرواية وقد اسْتُحْسِن عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يُعقم الميت ويرسل ذنبه على وجهه. وليس في الكفن شيء يطرح في القبر من مَضْرَبة أو نحوه فيضجع الميت على ذلك. وفي بعض الآثار أن عائشة رضي الله عنها ما زالت بالصحابة حتى ألقوا عباءة كانت الرسول الله عليه السلام في قبره فأضجعوه عليه. ولكن هذا غير مستقيم فلا نأخذ به. وأدنى ما يكفن فيه الرجل ثوبان، لقول الصديق رضي الله عنه: «اغسلوا ثوبَي هذين وكفنوني فيهما». ولأنه في حال حياته قد يكتفي بالثوبين في ا والخروج إلى الناس الإزاروالرداء، فكذلك بعد الموت. ولا يجوز أن يكفن الرجل أو الصبي المراهق في ثوب واحد إلا عند الضرورة بأن لا يوجد غيره؛ لأنه في حال الحياة يُكره له أن يصلي في ثوب واحد وليس له على عاتقه شيء، فكذلك بعد الموت. وعند الضرورة لا بأس بذلك؛ لأن مصعب بن عمير حين استشهد كُفّن في ثوب واحد، وكذلك حمزة رضي الله عنه كُفّن في نَمِرَة وكان إذا غُطّي رأسه بدت رجلاه، وإذا غُطّي رجلاه بدا رأسه، فأمر رسول الل عليه السلام أن يغطي رأسه ويجعل على رجليه شيء من الإذخر. فإن كان صغيرًا لم يبلغ حد الشهوة فلا بأس بأن يكفن في خرقة أو خرقتين كما في حالة الحياة؛ فإنه ليس لبدنه حكم العورة.
(والسنة في المرأة أن تكفن في خمسة أثواب؛ درع وخمار وإزار ولفافة وخرقة) وهكذا روي عن أم عطية أن النبي عليه السلام ناولها ثوبا ثوبا في كفن ابنته حتى أتم خمسة، وآخرهن خرقة تربط على ثديها. ولأن مبنى حال المرأة على الستر وزاد في كفنها ليكون أستر لها. ثم جعلنا الزيادة ثوبين ليكون الكفن وترا لا شفعًا. وهي في حالة الحياة إنما تخرج في خمسة أثواب؛ إزار ودرع وخمار وملاءة ونقاب، فكذلك بعد الموت تكفن بخمسة أثواب. وفي ظاهر الرواية تربط الخرقة فوق الأكفان على ثدييها لكيلا ينتشر كفنها
الجزء 1 · صفحة 70
عند اضطراب ثدييها إذا حملت على الجنازة وعن زفر رحمه الله تربط الخرقة على فخذيها فوق الأكفان إذا كانت سمينة. والأولى أن تكون الخرقة بحيث تتصل من موضع الثديين إلى الفخذين فيربط بها في الموضعين ليكون أستر لها.
وأدنى ما تكفن المرأة بثلاثة أثواب؛ درع ولفافة وخمار، لأن صلاتها لا تجوز حالة الحياة إلا في ثلاثة أثواب، فيُكره تكفينها في أقل من ثلاثة أثواب وروى المعلى عن أبي يوسف رحمه الله قال: لا بأس بأن تكفن المرأة بالدرع واللفافة. فإن كانت صغيرة لم تبلغ حد الشهوة فلا بأس بتكفينها في خرقة أو خرقتين؛ لأنه ليس لبدنها حكم العورة. ثم ما يجوز للمرء لبسه في حال حياته يجوز أن يكفن فيه بعد موته. والأحسن في الكفن البياض، لحديث ابن عباس الله عنه أن الله تعالى خلق الجنة بيضاء، وأحب الثياب عند الله تعالى البيض، فليلبسها أحياؤكم، وكفنوا فيها موتاكم».
(وقال في الصبي يُسبى: فإن كان معه أبواه أو أحدهما لم يصل عليه إذا مات حتى يُقر بالإسلام وهو يعقل، أو يسلم من معه من أبويه لأنه تابع لهما في الدين. قال عليه السلام: كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه حتى يعرب عنه لسانه؛ إما شاكرًا وإما كفورا». والتبعية لم تنقطع حين يسبى معه أبواه أو أحدهما، ولا يحكم له بالإسلام ما لم يسلم أحدهما. فهو في دارنا بمنزلة أولاد أهل الذمة. وإن عقل وأسلم نفسه كان مسلما استحسانًا، لأنه قد أعرب عنه لسانه شاكرًا. وأسلم عليّ رضي الله عنه في صغره وهو] ابن عشر سنين، فصحح رسول الله عليه السلام إسلامه. فإذا مات بعدما حكم بإسلامه يصلى عليه؛ لأن الصلاة على الميت حق المسلم على المسلم. قال عليه السلام للمسلم على المسلم ست حقوق»، وذكر من الجملة الصلاة. (وإن لم يُسبَ معه واحدٌ من أبويه صلي عليه إذا مات لأن معنى التبعية قد انقطع بتباين الدارين فإن من في دار الحرب في حق من في دار الإسلام كالميت
وبعد انقطاع التبعية يُحكم له بالإسلام تبعًا للدار، بمنزلة اللقيط يوجد في دار الإسلام، فإذا مات يصلى عليه.
(قال في القراءة في الصلاة في السفر، سواء، يقرأ فاتحة الكتاب وأي سورة شاء) لحديث عقبة بن عامر أن النبي عليه السلام قرأ في صلاة الفجر في السفر المعوذتين. وعن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قرأ صلاة الفجر في السفر (قُلْ يَتأَيُّهَا الْكَافِرُونَ) الكافرون]، وقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} الإخلاص]. ومعلوم أن القراءة في صلاة الفجر أطول منه في سائر الصلوات. ولأن مبنى السفر على التخفيف ألا
الجزء 1 · صفحة 71
ترى أنه يسقط به شطر الصلاة، فلأن يسقط سنة تطويل القراءة أولى، إلا أنه مع هذا ينبغي أن يكون قراءته في الفجر أطول، فيقرأ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوج) البروج]، ووَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ) الطارق]، ونحو ذلك على ما ذكر في كتاب الصلاة اعتبارًا لحالة السفر بحالة الحضر في تطويل القراءة.
(أما في الحضر قال: يقرأ في الفجر في الركعتين جميعًا أربعين أو] خمسين او] ستين آية] سوى فاتحة الكتاب وفي كتاب الصلاة يقول: أربعين آية مع فاتحة الكتاب معناه سواها. وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله: قال ما بين ستين إلى مائة. وبكل ذلك ورد الأثر. روي أن أبا واقد الليثي تلقَّف سورة قاف من في رسول الله عليه السلام من كثرة ما قرأها في] صلاة الفجر. وروى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قرأ في صلاة الفجر الم تَنزِيلُ السجدة -]، وهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَنِ} الإنسان].
وجابر بن سمرة روى أنه قرأ الذاريات والمرسلات. ثم وفقوا بين روايات الكتب من أوجه؛ أحدها أنه مبني على الوقت في زمان الشتاء يقرأ مائة، وفي زمان الصيف لا يزيد على أربعين أو ستين؛ أو] على وقت فراغ القوم ووقت كثرة أشغالهم؛ أو على الإمام، فإن كان حسن الصوت يرغب الناس في سماع قراءته يقرأ مائة، وإن لم يكن بهذه الصفة لا يزيد على أربعين آية. وهذا لأن تكثير الجماعة مندوب إليه، وعلى الإمام التحرز عما ينفّر الناس عنه لما فيه من تقليل الجماعة.
(قال: وفي ركعتي الظهر يقرأ مثل ما يقرأ في الفجر) وفي المجرد يقول: يقرأ في الظهر مثل قراءته في الركعة الأولى في الفجر. وجه هذه الرواية حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سجد رسول الله عليه السلام في الظهر، فظننا أنه قرأ فيهما ألم تنزيل السجدة. ووجه الرواية حديث أنس رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قرأ في الظهر سورة عبس وإذَا الشَّمْسُ كُوّرَتْ التكوير]. (وأما في العصر والعشاء القراءة فيهما سواء) في ظاهر الرواية في الركعتين في العصر خمس عشرة آية. هكذا نُقل عن بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، قالوا: حَزَرنا ما قرأه رسول الله عليه السلام في الفجر بستين آية، وفي الظهر في الركعتين نصف ذلك ثلاثين آية، وفي العصر في الركعتين الأوليين بنصف ذلك خمس عشرة آية. والقراءة في العشاء مثل القراءة في العصر في ظاهر الرواية؛ لأن وقت العصر وقت يفرغ الناس من أشغالهم، ووقت العشاء وقت يفرغ الناس لنومهم. وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله: قال: يقرأ في العشاء مثل ما يقرأ في الظهر لاستواء هاتين الصلاتين في اتساع وقتيهما، وجواز التطوع قبلهما وبعدهما.
(قال: وفي المغرب دون ذلك) وقال في الأصل يقرأ بسورة ا بسورة قصيرة خمس آيات أو ست
الجزء 1 · صفحة 72
آيات. وقد روي أن النبي عليه السلام قرأ في المغرب (قُلْ يَتأَيُّهَا الْكَفِرُونَ) (الکافرون (]، و (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} الإخلاص]." وكتب عمر الله عنه إلى أبي موسى الأشعري: أن اقرأ في المغرب بقصار المفضل. ولأنا أمرنا بتعجيل المغرب، وفي تطويل القراءة بعض التأخر، والذي روي أن النبي عليه السلام قرأ فيها سورة الأعراف فتأويل ذلك أنه كان لبيان امتداد وقتها. وعلى هذا يحمل ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه] قرأ بسورة البقرة وصدر من آل عمران في صلاة الفجر، وعمر رضي الله عنه قرأ بسورة هود ويوسف حتى انتهى إلى قوله: (إنَّمَا أَشْكُوابَتِي وَحُزْنِي) يوسف] ثم خنقته العبرة فركع، وقرأ في الركعة الثانية (إذَا زُلْزِلَتِ) الزلزلة]؛ فإنما فعلا ذلك لبيان امتداد الوقت.
ويطيل القراءة في الركعة الأولى على الثانية في الفجر) للآثار التي رويناها. ولأن هذه الصلاة تؤدى في وقت نوم الناس وغفلتهم، فإذا طول القراءة في الركعة الأولى أدركوا الركعتين في الجماعة، فكان هذا أولى. فأما في سائر الصلوات ينبغي أن تكون القراءة في الركعتين سواء في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمة الله عليهما. (وقال محمد رحمه الله: أحب إلي أن يطيل الركعة] الأولى في الصلوات كلها اعتبارًا بصلاة الفجر لأن للناس حاجة إلى إدراك الركعة الأولى من سائر الصلوات مثل حاجتهم إلى إدراكها من صلاة الفجر.
والقياس ما قالا؛ لأن الركعتين في حكم الفرضية على السواء، إلا أنه يُطوّل القراءة في الركعة الأولى من صلاة الفجر لكونها مؤداة في وقت غفلة الناس.
ولا يوجد هذا المعنى في سائر الصلوات ولهذا خُصَّ أذان الفجر بالتثويب.
(وقال يعقوب: سألت أبا حنيفة رحمه الله عن الرجل يرفع رأسه من الركوع في الفريضة، أيقول: اللهم اغفر لي؟ فقال: يقول: ربنا لك الحمد، ثم يسجد) وقد أطرف في العبارة حيث لم يقل: لا؛ لأن النهي عن الاستغفار قبيح. ولكن بين ما ينبغي له أن يقول، فقال: يقول: ربنا لك الحمد وإنما أراد به المنفرد دون الإمام، فقد ثبت من أصل أبي حنيفة رحمه الله أن الإمام لا يقول: ربنا لك الحمد. ولا خلاف أن المنفرد يقول: ربنا لك الحمد واختلفت الروايات عن أبي حنيفة رحمه الله أن المنفرد هل يقول: سمع الله لمن حمده. وروى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمه الله: لا يقول ذلك. وهو إحدى الروايتين الله عن الحسن عنه. وفي الرواية الأخرى قال: يجمع بينهما، فيقول: سمع لمن حمده ربنا لك الحمد وجه الرواية الأولى أن هذه الكلمة تحث الناس على التحميد، وليس خلف المنفرد أحد، فلا معنى للاشتغال به، وإنما يشتغل
الجزء 1 · صفحة 73
بالتحميد خاصة. ووجه الرواية الأخرى أن المنفرد في حق نفسه بمنزلة الإمام فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يشتغل بالتحميد فيقول: ربنا لك الحمد. ولا يزيد على ذلك في الفرائض والذي يروى عن علي رضي الله عنه أن النبي عليه السلام كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ملأ السموات وملأ الأرض وملأ ما شئت من شيء بعد، أنت أهل الثناء والمجد، وكلنا لك عبدا هذا في التطوعات، لأن الأمر في التطوعات أوسع. أما في الفرائض لا يزيد على ما هو المشهور. وكذلك بين السجدتين يسكت في الفريضة. لأنه لم يشتهر فيها ذكر. والحاصل أنه ليس في القومة التي في الركوع والسجود ولا في الجلسة التي بين السجدتين ذكر، وإنما الذكر في حالة الانتقال. ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله: الإمام لا يقول: ربنا لك الحمد؛ لأنه في حالة الانتقال يقول: سمع الله لمن حمده. فلو قال بعده: ربنا لك الحمد، كان في حالة القيام لا في حالة الانتقال. وأبو يوسف ومحمد رحمهما الله استحسنا للإمام أن يجمع بين الذكرين لحديث علي وابن مسعود رضي الله عنهما. وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله أيضًا، أشار في كتاب الصلاة إليه في قوله: ويخفي الإمام التشهد والتعوذ وآمين وربنا لك الحمد.
(وقال في حمل الجنازة: تضع مقدمه على يمينك، ثم مؤخره على يمينك، ثم مقدمه على يسارك، ثم مؤخّره على يسارك. قال يعقوب: رأيت أبا حنيفة يصنع هكذا قال رضي ا الله عنه: واعلم بأن السنة أن يحمل الجنازة أربعة نفر من جوانبه الأربعة، لأنه أقرب إلى إكرام الميت وأبعد عن تشبيهه بحمل الأثقال.
والذي رُوي أن النبي عليه السلام حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين فإنما فعل ذلك لضيق الطريق أو لعلة أخرى. وعندنا لضيق الطريق أو لعوز] الحاملين؛ والعوز قلة الشيء مع الافتقار إليه في حالة الضرورة ولا بأس بأن يحمل الجنازة رجلان فيدخل أحدهما بين العمودين من مقدمها والآخر من مؤخرها. فأما عند عدم الضرورة ينبغي أن يحملها أربعة نفر ليكون أيسر على المتداولين. ومن أراد حملها من الجوانب الأربعة لحديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال: «من حمل الجنازة من جوانبها الأربعة كفرت له أربعون كبيرة». ولهذا قيل: ينبغي أن يحمل من كل جانب عشر خطوات وحكى أبو يوسف أن أبا حنيفة رحمه الله فعل هكذا؛ ومراده بيان تواضع أبي حنيفة رحمه الله، حيث باشر حمل الجنازة بنفسه. ثم يبدأ بالمقدم الأيمن، وذلك يمين الميت ويمين الحامل لأن النبي عليه السلام كان يحب التيامن في كل شيء حتى في الترجل والتنعل. ثم يتحول إلى الأيمن المؤخر؛ لأنه لو تحول إلى الأيسر المقدم احتاج إلى المشي أمام الجنازة، والمشي خلفها أولى، فيتحول إلى الأيمن المؤخر. ثم يمشي خلف الجنازة إلى المقدم أن الأيسر، ثم يختم بالمقدم الأيسر ليبقى بعد الفراغ خلف الجنازة. (ولا ينبغي يحملها على] أصل
الجزء 1 · صفحة 74
العنق لأنه يشبه حمل الأثقال، وإنما يحملها على كتفه ليكون أقرب إلى إكرام الميت.
وقال في إمام يصلي في مصلى الكوفة صلاة العيد فإن أحدث هو أو أحدث من خلفه يتيمم ويبني على صلاته أما قبل الشروع في الصلاة له أن يتيمم إذا خاف أن يفوته الصلاة لو اشتغل بالوضوء، لأن فرض الوضوء عنه ساقط، فإنه لا يتوصل به إلى أدائها إن اشتغل به. وإن أُسقط عنه فرض الوضوء جاز له أن يصلي بالتيمم كما لو كان مريضًا يستضر بالماء. وأما بعد الشروع في الصلاة إذا سبقه الحدث فإن كان افتتحها بالتيمم يتيمم ويبني على صلاته بالاتفاق. وإن افتتحها بالوضوء فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله كذلك؛ لأن البناء أسهل من الابتداء، فإذا جاز افتتاحها بالتيمم جاز البناء بطريق الأولى. وعند أبي يوسف ومحمد والحسن رحمهم لأنه لا يخاف فوت الصلاة، فإنه وإن فرغ الإمام من الصلاة يمكنه أن يتوضأ ويبني. ولكن أبو حنيفة رحمه الله قال: يخاف الفوت لكثرة الزحام؛ ربما يبتلى بمعالجة مفيدة للصلاة، وربما لا يصل إلى الجَبَّانة إلا بعد زوال الشمس فيفوته بمضي الوقت. ولهذا قال بعض مشايخنا هذا الجواب بناءً على جَبّانة الكوفة بأن كان بعيدا من الماء؛ أما ههنا في ديارنا الماء محيط بالمصلي، فيمكنه أن يتوضأ ويبني.
(وقال في رجل أم رجلًا واحدًا فأحدث الإمام وخرج من المسجد ليتوضأ: فالمأموم إمام استخلفه أو لم يستخلفه، نوى هو أم لم ينو) لأنه متعين للخلافة. فإنه لا يشارك الإمام في هذه الصلاة غيره. والاستخلاف والنية يحتاج إليه للتعين؛ فإذا كان هو متعيّنا لذلك تحولت الإمامة إليه بخروج الإمام من المسجد.
(وقال في رجل صلى بقوم فجاء رجل ودخل معه ثم أحدث الإمام فقد صح استخلافه وإن كان مسبوقا) لأنه شريك الإمام في هذه الصلاة، فيصلح أن يكون خليفة له، وإن كان غيره من المدركين أولى بذلك، لأنه أقدر على الإتمام منه. ثم يصلي هو بقية صلاة الإمام لأنه قائم مقامه. فإذا قعد قدر التشهد تأخر واستخلف مدركا ليسلم بهم، لأنه عاجز عن السلام لبقاء البناء عليه. (وإن قهقه أو أحدث أو تكلم أو خرج من المسجد متعمدا قبل أن يقدم غيره فسدت صلاته) البقاء البناء عليه، وقد عجز عن ذلك بما أحدثه (وأما صلاة القوم تامة) لأنه لم يبق عليهم البناء، ولو فعلوا شيئًا من ذلك بأنفسهم كانت صلاتهم تامة، فكذلك إذا فعله الإمام. (وإن كان الإمام الأول لم يحدث حتى قعد قدر التشهد في آخر صلاته ثم قهقه أو أحدث متعمدا فصلاته وصلاة المدركين تامة) لأنه لم يبق عليهم البناء. (إلا صلاة المسبوق في قول أبي حنيفة رحمه الله. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: لا تفسد صلاة المسبوق، ولكن يقوم إلى إتمام صلاته) لأن الإمام لما قعد قدر التشهد صار المسبوق في حكم المنفرد، ولهذا لا يتابع الإمام في السلام،
الجزء 1 · صفحة 75
ولكنه يقوم لإتمام الصلاة. فضحك الإمام وحَدَثه لا يؤثر في حقه؛ ألا ترى أنه لو تكلم في هذه الحالة أو سلم أو خرج من المسجد قام المسبوق لإتمام صلاته، فكذلك إذا أحدث وأبو حنيفة رحمه الله يقول: ما لم يقم المسبوق إلى القضاء لا تنقطع المشاركة بينه وبين الإمام. ألا ترى أن الإمام إذا تذكر سهوا أو تلاوة تابعه المسبوق فيهما، ثم الضحك والحدث العمد يفسد الجزء الذي لاقاه من الصلاة؛ لأنه ينعدم شرط الجواز بهما وهو الطهارة، وإذا فسد ذلك الجزء من صلاة الإمام يفسد مثله من صلاة المسبوق. إلا أن الإمام لم يبق عليه البناء فلا يضره ذلك. وقد بقي على المسبوق البناء، ففساد ذلك الجزء يمنعه من بناء ما بقي على ما مضى؛ فلهذا تفسد صلاته، بخلاف ما إذا تكلم الإمام أو سلم، لأن السلام منهي للصلاة. والكلام قاطع وليس بمفسد. ولهذا لو سلم أو تكلم كان على القوم أن يسلموا، وإذا ضحك الإمام أو قهقه فإن القوم يقومون ويذهبون من غير أن يسلموا. وإذا لم يكن الكلام والسلام مفسدا شيئًا من صلاة الإمام لا يكون مفسدا شيئًا من صلاة المسبوق أيضًا، فيبني على صلاته.
(وقال: لا بأس في الإعلام للناس بالجنازة) وقال في بعض الروايات: الأذان والمراد الإعلام. قال الله تعالى: (وَأَذَنْ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ) التوبة]، والمراد الإعلام، وقد طعن بعض المتغتين من أصحاب من يخالفنا في بعض مسائل هذا الكتاب منها هذه المسألة فقال: إن أبا حنيفة استحسن الأذان في الجنازة، فهلا استحسن الإقامة معها وإنما قال هذا. جهله وقلة من تأمله؛ حيث فهم بهذا اللفظ الأذان المعروف ومراد أبي حنيفة رحمه الله إعلام الأقارب والجيران ليؤدى حقه بالصلاة عليه على ما روينا أنه لما قبض رسول الله عليه السلام آذن الناس بعضهم بعضًا. ومرَّ رسول الله عليه السلام على قبر جديد فقال: «قبر من هذا؟» فقالوا قبر فلانة ماتت ليلا. فقال عليه السلام: «هلا آذنتموني بالصلاة عليها؟ فقالوا: خشينا عليك هَوَام الأرض. فقال عليه السلام: «لا تفعلوا هكذا، فإنه إذا مات منكم ميت آذنوني بالصلاة عليه، فإن صلاتي له رحمة وقربان». ولهذا استحسن بعض المتأخرين النداء في الأسواق للجنازة التي يرغب الناس في الصلاة عليها، وكره ذلك. بعضهم، لأنه يشبه عمل أهل الجاهلية، وقد نهينا عن ذلك. والأول هو الأصح، لأن أهل الجاهلية كانوا يبالغون في مدح ميتهم، فيتكلمون بما هو لغو وكذب، وذلك منهي عنه. قال عليه السلام من تعزّى بعزاء الجاهلية فأعضُوه بِهَن أبيه ولا تكنوا». فأما النداء لتكثير الجماعة المستغفرين وللميت بالصلاة عليه فلا بأس به. (قال في المسلم يقتله أهل الحرب أو أهل البغي أو قطاع الطريق بأي شيء قتلوه: فإنه لا يغشل) والأصل فيه شهداء أحد؛ فإن النبي عليه السلام قال: «زملوهم بكلومهم ودمائهم، ولا تغسلوهم، فإنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تشخُب دماء اللون
الجزء 1 · صفحة 76
لون الدم والريح ريح المسك». وعلى هذا اجتمعت العلماء إلا الحسن البصري رحمه الله، فإنه كان يقول: «الشهيد يغسل لأن الغسل سنة الموتى من بني آدم مشروع على وجه الإكرام، والشهداء أولى بذلك من غيرهم؛ وإنما لم يغسل شهداء أحد لأن الجراحات فشت في الصحابة رضي الله عنهم، وكان يشق عليهم غسل الموتى، وعُذروا لذلك». وهذا بعيد؛ فالحرج بالدفن يلحق أكثر من الغسل، ولم يُعذروا بترك الدفن. ثم لو كان ترك الغسل لهذا العذر لأمرهم النبي عليه السلام بأن ييجموا الشهداء؛ فإن فرض الغسل متى تعذر تحول الحكم إلى التيمم. كيف وقد قال عليه السلام: «فإنهم يبعثون وأوداجهم تشخب دمًا». في هذه إشارة إلى أن ما عليهم أثر العبادة، فلا يزال ذلك عنهم ليكون ذلك شاهدًا لهم يوم القيامة على قاتلهم. وبهذين المعنيين قلنا: كل من قتل في قتال أهل البغي أو أهل الحرب أو قطاع الطريق يعمم هذا الحكم في حقه. ثم جاء في الحديث أن زيد بن صوحان لما استشهد يوم صفين قال: لا تنزعوا عني ثوبا ولا تغسلوا عني دما، وازمسوني في التراب رمساء فإني رجل محجاج أحاج يوم القيامة على من قتلني. وبنحوه أوصى عمار بن ياسر حين استشهد وقال: فإني ألتقي ومعاوية بالجادة. ثم الأصل أن كل من قتل مظلومًا على وجه لم يجب عن نفسه بدل ما هو مال، فهو في معنى شهداء أحد، فلا يغسل بأي شيءٍ قُتِل، فإن شهداء أحد قد كان فيهم من قتل بالحجر والعصا، ثم لم يغسل رسول الله عليه السلام أحدًا منهم.
(ومن وجد في المصر قتيلا فإنه يغسل إلا أن يعلم أنه قتل بالحديد مظلومًا) لأنه إذا لم يُعلم كيف قتل فقد وجب فيه الدية والقسامة، فلم يكن في معنى شهداء أحد. والفقه في ذلك أن الشهيد بائع نفسه على ما قال الله تعالى: إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم} التوبة (] الآية. فإذا لم يستوجب عن نفسه بدلًا ما هو مال تحقق بذل نفسه لابتغاء مرضاة الله تعالى، فلا يغسل. وإذا وجب بدل ما هو مال يُقضى منه ديونه وينفذ وصاياه؛ فلم يتم بذل نفسه لابتغاء مرضاة الله تعالى، فكان في معنى المُرْتَث في حكم الشهادة فيغسل. وإذا علم أنه قتل بالحديد مظلومًا فالواجب على قاتله القصاص. والقصاص عقوبة زاجرة؛ فليس ببدل يسلم له من حيث إنه يقضى به ديونه وينفذ وصاياه، فلا يقدح ذلك في شهادته. والأصل فيه ما روي أن عثمان رضي الله عنه قتل في المصر مظلومًا ثم دفن ولم يغسل. " فكان ذلك اتفاقا ممن بقي من الصحابة أنه لا يغسل ومن يكون بمثل حاله من الشهداء.
(وقال فيمن قتل شهيدا وهو جنب: إنه يغسل. وقالا: لا يغسل) لأن صفة] الشهادة تمنع غسله إذا لم يكن جنبا للمعاني التي ذكرناها، وبقي موجودًا في حق الجنب. ألا ترى أنه لو استشهد وهو محدث لا يُوضّأ بعد الموت، فكذلك إذا كان جنبا لا يغسل بعد موته. وأبو حنيفة رحمه الله استدل بحديث حنظلة
الجزء 1 · صفحة 77
بن أبي عامر؛ فإنه استشهد يوم أحد فغسلته الملائكة. ثم سأل رسول الله عليه السلام أهله عن حاله فقالت: إنه أصاب مني، ثم سمع الهيعة" فأعجله ذلك عن الاغتسال، فاستشهد وهو جنب قال عليه السلام: «هو ذاك». وغسل الملائكة إياه من بين سائر الشهداء لتعليم بني آدم أن الجنب إذا استشهد يغسل كغسلهم آدم صلوات الله عليه. وهما يقولان كان ذلك لكرامة حنظلة لا لوجوب غسله؛ فإن الواجب يكون على الآدميين، فلا يسقط بفعل الملائكة. ولم يُعد رسول الله عليه السلام غسله. إلا أن أبا حنيفة رحمه الله يقول: معنى الكرامة له في مبادرة الملائكة بغسله ومباشرتهم ما كان واجبًا في حقه؛ ألا ترى أن سعد بن عنه لما مات قال عليه السلام: بادروا بغسل سعد كيلا تبادرنا به الملائكة كما بادرتنا بغسل حنظلة». ثم صفة الشهادة تمنع وجوب الغسل بالموت، فلا يسقط ما كان واجبًا؛ ألا ترى أن دم الشهادة لا يغسل عنه، ولو كان في ثوبه نجاسة أخرى يغسل، فكذلك ههنا الغسل الذي كان واجبا قبل صفة الشهادة لا يسقط بالشهادة. وإنما لا يغسل الشهيد لأنه جعل في حكم الأحياء في الغسل، وذلك يُبقي الغسل الواجب عليه بسبب الجنابة. وعلى هذا الخلاف الحائض أو النفساء إذا استشهدت ما بعد انقطاع الدم. فأما قبل انقطاع الدم ففيها روايتان عن أبي حنيفة رحمه الله في إحدى الروايتين تغسل لأنه تحقق انقطاع الدم حين استشهدت. وفي رواية لا تغسل لأن الغسل لا يجب عليها ما لم ينقطع الدم، فإذا كان الانقطاع بالموت فلو وجب الغسل إنما يجب بعد الموت، وصفة الشهادة تمنع غسلا يجب بعد الموت، بخلاف ما إذا كان الانقطاع في حالة الحياة.
(قال في خزء الدجاج إذا صلى الرجل وفي ثوبه منه أكثر من قدر الدرهم أعاد (الصلاة) وإن كان قدر الدرهم أو أقل لم يعد والدرهم أكبر] " ما يكون من الدراهم. وقال سفيان الثوري رحمه الله: خرء الدجاج طاهر بمنزلة خرء ما يؤكل لحمه. الطيور كالحمام ونحوه؛ وهذا لأن للناس فيه ضرورة وبلوى. من والدليل على نجاسته ما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول: «الدجاج رجس»؛ أي نجس. ولم يُرِد عَيْنه، فعرفنا أن مراده ما ينفصل منه، ثم خرء الدجاج أشبه الأشياء بالعذرة منظرًا ورائحة، ثم العذرة نجس نجاسة غليظة
ولا يعتبر البلوى فيها، فكذلك خرء الدجاج. وقال أبو يوسف رحمه الله في الأمالي وكذلك خرء البط والإوز.
(وقال في خرء الحمام والعصفور يقع في الإناء: إنه لا يفسد الماء) وهذا استحسان، والقياس فيه أنه مفسد، لأنه مستحيل من غذاء الحيوان إلى الفساد، فيكون نجسًا مفسدًا للماء. وجه الاستحسان ما روي
الجزء 1 · صفحة 78
عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه] خريت عليه حمامة فأخذ حصاةً ومسحها به، ثم صلى في ثوبه. وذَرَق على ابن عمر رضي الله عنه طائر، فقال بإصبعه هكذا ومسحه وصلى فيه. ولأن الحمام ترك في المساجد من لدن رسول الله عليه السلام إلى يومنا هذا حتى في المسجد الحرام مع علم الناس ما يكون منها، وقد أمرنا بتطهير المساجد. وقيل: إن سبب تركها ما روي عن أمامة الباهلي أن النبي عليه السلام شكر الحمامة بين يدي الصحابة، فقال: «إنها أوكرت على باب الغار حتى سلمت، فجازاها الله تعالى بأن جعل المسجد مأواها»." وما استحال خرؤها إلى نتن وخُبث رائحة فيكون بمنزلة استحالة الطين والحمأة. وبعض المتأخرين قالوا هذا في حمام يقل علفها، وإما إذا كان يكثر علفها ويَثْلِطُ ثَلْطِّاه فما ينفصل عنه نجس لخبث رائحته بمنزلة خرء الدجاج. والأصح أن كل
ذلك طاهر.
(وقال في خرء ما لا يؤكل لحمه من الطيور إذا أصاب الثوب فصلى فيه وذلك أكثر من قدر الدرهم إنه يجزيه، وقال محمد رحمه الله: لا يجزيه) والمراد منه البازي والصقر والشاهين، وما ينفصل من هؤلاء فوق ما ينفصل من الحمام. ومحمد رحمه الله اعتبر خرء ما لا يؤكل لحمه من الطيور بما لا يؤكل لحمه من السباع، وما ينفصل مما لا يؤكل لحمه من السباع يكون نجسا لا يعفى عنه أكثر من الدرهم؛ فكذلك ما ينفصل من الطيور. واختلف المشايخ في بيان قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. وكان أبو بكر الأعمش يقول: هو نجس، ولكن التقدير فيه بالكثير الفاحش لأجل البلوى؛ لأنها ترمي من الهواء، وقل ما يمكن صون الثياب عنها، فيكون بمنزلة ما يؤكل لحمه. بخلاف سباع الوحش، فإنها لا تخالط بني آدم، فلا يتحقق فيها البلوى. وأكثر مشايخنا على أنه طاهر عندهما حتى تجوز الصلاة في ثوب إن كان كثيرا فاحشاء لأن في حكم الخرء مأكول اللحم وغير مأكول اللحم سواء بدليل الطيورالبهائم، ثم ههنا خرء ما يؤكل لحمه طاهر، فكذلك خرء ما لا يؤكل لحمه من الطيور. وهذا لأنه ليس لما ينفصل من الطيور نتن ورائحة خبث، ولا يُنعى شيء من الطيور عن المسجد الحرام وسائر المساجد مأكولاللحم وغير مأكوله سواء؛ فعرفنا أن ما ينفصل من الكل طاهر.
(ثم ذكر حكم بول ما يؤكل لحمه أنه لا يفسد الثوب عند محمد رحمه الله وإن كان كثيرًا فاحشا) لأنه طاهر بدليل قصة العُزنيين أن النبي عليه السلام أمرهم بشرب أبوال الإبل. وعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله نجس) العموم قول النبي عليه السلام: «استنزهوا من البول»؛ الحديث. (ولكن التقدير فيه بالكثير الفاحش لأجل البلوى؛ وقد بيناه في كتاب الصلاة.
الجزء 1 · صفحة 79
وعلى هذا قال في شاة تبول في البئر: إنه ينزح ماء البئر كله لأنه نجس عندهما، والبئر في حكم النجاسة المائعة بمنزلة الإناء. (وعلى قول محمد لا ينزح) لأن عنده بول الشاة طاهر، فهو بمنزلة لبن أو خل يُصب في البئر.
(وقال في رجل صلى وفي ثوبه لعاب حمار أو بغل أكثر من قدر الدرهم أنه يجزيه) وقد بينا فيما سبق أن في سؤر الحمار يصيب الثوب أو البدن فيه روايتان. في رواية محمد هو طاهر، وإنما الشك في الوضوء خاصة. فعلى هذا لا إشكال أنه تجوز صلاته سواء كان كثيرًا فاحشًا أو أقل منه. وفي الرواية الأخرى ليس بطاهر، ولكن التقدير فيه بالكثير الفاحش لأجل البلوى. وهذا هو القياس، لأنه غير مأكول اللحم، ولعابه يتحلب من لحمه، ولعاب كل حيوان معتبر بلحمه. والبغل في ذلك بمنزلة الحمار، لأنه متولد من فرس وحمار، ولعابه كلعاب فرس وحمار يختلط أحدهما بالآخر. ولعاب الفرس في ظاهر الرواية طاهر. وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله مكروه بمنزلة اللحم. وفي ظاهر الرواية قال: حكم اللعاب أخف من حكم اللحم ألا ترى أن في لعاب الحمار لا يقطع القول بنجاسته، ولحمه حرام، ثم لحم الفرس مكروه، فلعابه يكون أخف حكما من لحمه، فيكون طاهرا، والخفة لتحقق البلوى والضرورة.
(وقال في العصفور والفأرة تقع في البشر وتخرج حين ماتت يستقى منها عشرون دلوا أو ثلاثون. وإن كانت دجاجة أو سنور فأربعون أو خمسون. وإن كانت شاة نزحت حتى يغلب الماء]) " والقياس في البئر أحد أمرين. إما أن يقال: لا يطهر بالنزح أبدا؛ وهو قول بشر رحمه الله؛ لأن البشر بمنزلة الإناء، فلا يمكن كبه ليغسل، وبعد نزح جميع الماء منه يبقى الآجر والطين نجسا أو لا يتنجس أصلا ورأساء لأن الماء ينبع من أسفله ويؤخذ من أعلاه، فيكون كالماء الجاري، والماء الجاري دفاع للنجاسة. وهكذا نقل عن محمد بن الحسن رحمه الله، قال: اجتمع رأبي ورأي أبي يوسف على أن ماء البئر في حكم الماء الجاري، ثم قلنا: وما علينا لو أمرنا بنزح عشرين دلوا ولا نخالف السلف. قد تركنا القياسين وقلنا: يتنجس بوقوع النجاسة فيه، ثم يظهر بالنزح. وفيه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال في الفأرة تموت في البئر:
ينزح عشرون دلوا. وعن علي رضي) الله عنه قال: «ينزح منها أربعون دلوا». وعن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير في الآدمي أنه ينزح جميع الماء، وبذلك أفتوا حين وقع الزنجي في بئر زمزم ومات. ثم في ظاهر الرواية جعله على ثلاث مراتب. وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله جعله على خمس مراتب، فقال: في المرتبة الأولى ينزح عشر دلاء وذلك في الحلمة، وفي الفأرة ينزح عشرون، وفي العصفور مثله،
الجزء 1 · صفحة 80
وفي الحمامة ينزح ثلاثون، وفي الدجاجة والسنَّور ينزح أربعون، وفي الشاة والآدمي ينزح ماء البئر كله. وهو مروي عن محمد رحمه الله أنه متى وجب نزح شيء من الماء فذلك لا يكون أقل من عشرين دلوا؛ فلهذا جعله على ثلاث مراتب. وقوله: "عشرون دلوا على سبيل الوجوب، وثلاثون على سبيل الاستحباب. وكذلك في قوله: "أربعين أو خمسين“؛ وهذا لأن الفأرة صغيرة، الجثة فلا يجاوزها من وجه الماء أكثر من عشرين دلوا، فإذا أخذ ذلك من وجه الماء تميز الطاهر من النجس. والدجاجة أثقل من الفأرة فتغوص في الماء أكثر مما تغوص الفأرة فيضاعف في النزح. والشاة والآدمي يغوص إلى قعر الماء ثم يطفو، فينزح جميع الماء حتى يغلبهم الماء.
(وإن كان شيء من ذلك قد انتفخ أو تفسخ نزح ماء البئر كله كيف ما كان) لأنه ينفصل منه بلة وهي نجسة نجاسة مائعة فتكون بمنزلة قطرة بول أو خمر تقع في البئر. واختلفت الروايات أنه متى يغلبهم الماء. وروي عن أبي حنيفة رحمه الله قال: إذا نزح مائة دلو فقد غلبهم الماء. وعن محمد رحمه الله قال: مائتي دلو إلى ثلاثمائة. والأوجه ما نُقل عن أبي حنيفة رحمه الله أنه ينظر فيه رجلان ممن لهما بصر في ذلك، فأي مقدار قالا: إنه ماء البئر، ينزح ذلك المقدار. وهذا أقرب إلى طريق الفقه.
(قال: وكان أبو حنيفة رحمه الله يكره أن يصلي الظهر جماعة يوم الجمعة في مصر في سجن أو في غير سجن، وإن صلوا أجزاهم الحديث علي رضي الله عنه أنه كره لأهل السجن أن يصلوا الظهر بالجماعة. ولأنه قد ظهر عادةالناس في إغلاق أبواب المساجد يوم الجمعة وقت الظهر مع أن كل محلة لا تخلو عن أصحاب عذر والعبيد والمرضى ولو تم أداء الظهر بالجماعة في هذا اليوم لما اجتمع الناس على تركها ولأن إقامة الجمعة في الأمصار من أعلام الدين، وقد أمرنا فيه بالتكثير، وفي أداء الصلاة بالجماعة في المساجد تقليل الجماعة. فأما في غير الأمصار هذا اليوم وسائر الأيام سواء يُصلى فيه الظهر بالجماعة؛ لأنه ليس على أهله إقامة الجماعة.
(قال في الإمام يصلي بقوم يوم الجمعة فنفر القوم عنه قبل أن يقيد الركعة بالسجدة: استقبل الظهر. وإن نفروا عنه بعدما قيدها بالسجدة أتمها جمعة. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: إذا افتتحوا بصفة الجمعة ثم نفروا عنه أتم صلاتهم جمعة في الوجهين) وقال زفر رحمه الله: إذا نفروا عنه قبل أن يقعد مقدار التشهد استقبل الظهر والقياس ما قاله؛ لأن الجماعة من شرائط أداء الجمعة كالوقت ثم خروج الوقت قبل التشهد مفسد للجمعة، فكذلك انعدام الجماعة وأبو يوسف ومحمد رحمة الله عليهما قالا: الجماعة شرط لتحريم الجمعة بمنزلة الخطبة؛ ثم الإمام لو سبقه الحدث بعدما تحرم فاستخلف من لم يشهد الخطبة صلى
الجزء 1 · صفحة 81
بهم الجمعة لوجود الشرط في حق من تحرم لهما، فكذلك إذا ذهب الجماعة بعد التحرم؛ بخلاف الوقت، فإنه مشروع للأداء، فكان شرط الأداء بمنزلة الطهارة. وأبو حنيفة رحمه الله يقول: الجماعة شرط التحرم كما قالا، ولكن التحرم لا يتأكد ما لم يقيد الركعة بالسجدة لما بينا فيما سبق أنه ليس لما دون الركعة حكم الصلاة، فإذا نفروا قبل أن يقيد الركعة بالسجدة كان بمنزلة ما لو نفروا قبل التحرّم وإنما قلنا: إنه يشترط التحرم؛ لأن المشاركة بين الإمام والجماعة في التحريمة لا في أداء الأفعال، فعرفنا أنه شرط صحة التحريمة؛ بخلاف الوقت فإنه معتبر لأداء الأفعال فيه. وفي الخطبة الجواب كذلك، لأن من لم يشهد الخطبة لما صح اقتداؤه بالإمام فقد التحق بمن شهد الخطبة، لأنه صار شريك الإمام في التحريمة للجمعة. والثابت بدليل حكمي كالثابت حقيقة فلهذا. صح استخلافه ألا ترى أنه لو أفسد صلاته كان له أن يستقبل الجمعة بهم، ولو لم يجعل كشاهد الخطبة حكما لم يجز له ذلك، ولأنه يتحرم لها ابتداء، والخطبة تشترط للتحرم. (ولو نفر الناس عنه قبل أن يدخل في الصلاة فلم يبق معه إلا العبيد والمسافرون صلى بهم. الجمعة، ولو لم يبق معه إلا النساء والصبيان صلى بهم الظهر) لأن الأصل أن كل من يصلح للإمامة في الجمعة يتم به نصاب الجمعة، والنساء والصبيان لا يصلحون للإمامة للجمعة، فلا يعتبر وجودهم في نصاب الجمعة، والعبيد والمسافرون يصلحون للإمامة للجمعة حتى لو أمر الإمام عبدا أو مسافرًا يخطب بالقوم ويصلي بهم الجمعة جاز ألا ترى أن الخليفة إذا كان يدور في ولايته فدخل مصرًا وصلى بأهله الجمعة جازت صلاتهم. وقد صلى رسول الله عليه السلام بمكة حين قدمها للفتح أو للحج وكان مسافرا. ومعلوم أن حال الإمام أعلى من حال القوم؛ فمن ضرورة كونه صالحًا للإمامة أن يكون صالحًا لانعقاد نصاب الجمعة. ولو كان حين نفر الناس عنه بقي ثلاثة من الرجال البالغين سواه أو أكثر صلى الجمعة، وذلك أدنى ما يكون) وهو قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. وقال أبو يوسف رحمه الله: إذا بقي معه اثنان صلى بهم الجمعة؛ لأن للمثنى حكم الثلاثة في الجماعة؛ ألا ترى أن الإمام يتقدمهما وهما يصطفان خلفه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الاثنان فما فوقهما جماعة». وهما استنبطا اشتراط الثلاثة سوى الإمام من كتاب الله تعالى؛ قال الله تعالى: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الجمعةِ) الجمعة)، وذلك يقتضي مناديا؛ وقوله: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله) (الجمعة] يقتضي ذاكرًا وهو الخطيب؛ وأدنى ما يتناوله قوله تعالى: (فَاسْعَوْا اثنان، فذلك أربعة نفر. ثم اشتراط الجماعة لاسم هذه الصلاة وهي الجمعة، فنشترط جمعا متفقا عليه. وأدنى الجمع المتفق عليه ثلاثة؛ فإن المثنى في اللغة صفة التثنية، وصفة الجماعة غير صفة التثنية. والشافعي رحمه الله يقول: يعتبر بقاء أربعين نفرا من الرجال البالغين المقيمين معه من الأحرار؛ لأن ميني أداء الجمعة
الجزء 1 · صفحة 82
على الظهور والإشهار. وما أظهر رسول الله عليه السلام الدعاء إلى الدين إلا بعدما تم أصحابه أربعون نفرا، ولكنا نستدل بقول تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَرَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوك قايتا) الجمعة]؛ جاء في التفسير أنه بقي مع رسول الله عليه السلام اثنا عشر من الرجال فحسب يصلي بهم الجمعة، فقال: «لو خرجتم كلكم لاضطرم الوادي عليكم نارا وصلى مصعب بن عمير الجمعة بالمدينة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مقدمه مع سبعة عشر نفرا. فتبين بهذا أن عدد الأربعين ليس بشرط لإقامة الجمعة.
(وقال في الرجل يصلي خلف الإمام الفجر فيقنت الإمام: إنه يسكت؛ وهو قول محمد رحمه الله. وقال أبو يوسف رحمه الله: يتابع الإمام في القنوت) وهذه من خواص مسائل هذا الكتاب. أبو يوسف يقول: القنوت في الفجر مختلف فيه العلماء، وقد اشتبه الأثر فيه في بعضها أن النبي عليه السلام قنت في صلاة الفجر، وفي بعضها ما زال يقنت في صلاته حتى فارق الدنيا؛ والمقتدي قد التزم متابعة الإمام، فعليه أن يتابعه فيما لم يظهر خطوه بيقين، وفي المجتهدات لا يظهر خطوه بيقين، فيتابعه ألا ترى أنه في تكبيرات العيد يتابعه ما لم يخرج عن أقاويل الصحابة رضي الله عنهم، وفي القنوت في الوتر إذا قنت الإمام بعد الركوع تابعه المقتدي في ذلك، لأنه مختلف فيه، فكذلك في قنوت الفجر. وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله قالا: القنوت في الفجر قد ثبت انتساخه، فإن الخلفاء الراشدين بعد رسول الله عليه السلام لم ينقل عن أحدٍ أنه أتى به، ولا تشخ بعد رسول الله عليه السلام، عرفنا أنه كان نُسخ في حال حياته بنزول قوله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءُ) آل عمران]. والمنسوخ لا يكون معمولا به والعمل به يكون خطأ؛ فلا متابعة على الخطأ، بخلاف عدد التكبيرات في صلاة العيد]، فقد اختلف الصحابة فيه على أقاويل، وكل واحدٍ منهم نقل أن النبي عليه السلام فعله، ولم يعرف المتقدم من المتأخر، فلا يثبت انتساخ شيء منه. وكذلك القنوت في الوتر أصله باق، واختلفت الروايات في محله، فكان مجتهدا؛ فلهذا تابع المقتدي فيه الإمام. ثم على قولهما إذا لم يقنت ماذا يصنع؟ قال مشايخنا رحمهم الله يجلس وينتظر الإمام حتى يسجد ويسجد معه؛ لأنه لو بقي قائما كان متابعًا للإمام في القنوت، والأصح أنه يسكت، ولا ينحط للسجود حتى يسجد الإمام. وعلى هذا الاختلاف إذا كبر الإمام في صلاة الجنازة التكبيرة الخامسة هل يتابعه المقتدي فيها؟ عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا يتابعه، لأنه ثبت انتساخه على ما روي عن الصحابة رضي الله عنهم؛ نظروا إلى آخر صلاة صلاها رسول الله عليه السلام على الجنازة، فوجدوه يصلي على جنازة امرأة كثر عليها أربع تكبيرات فاتفقوا، ولا متابعة في المنسوخ ثم على قول بعض مشايخنا: يسلم؛ لأن الإمام لما اشتغل بالبدعة فلا معنى للانتظار به والأصح أنه يسكت حتى يسلم الإمام فيسلم معه كيلا يصير مخالفا لإمامه فيما هو
الجزء 1 · صفحة 83
مشروع وهو السلام. وفي قول أبي يوسف رحمه الله يُكتر الخامسة مع الإمام؛ لأنه مجتهد فيه، والآثار فيه متعارضة، وهو قول ابن أبي ليلى ثم في هذه المسألة فائدتان. إحداهما: أن فيه بيان جواز الاقتداء بمن يقنت في صلاة الفجر، بخلاف ما يقول بعض المتأخرين: إن اقتداء حنفي المذهب بشفعوي المذهب لا يصح.
والأصح أنه يجوز إذا كان يقف مستويًا إلى القبلة، وإن كان ينحرف لم يجز اقتداؤه به؛ لأنه يعتقد الخطأ في صلاة إمامه. وقد بينا هذا في مسألة التحري. والثانية: أن في صلاة الوتر المقتدي يقنت كما يقنت الإمام، بخلاف ما يقول بعض المتأخرين: إن الإمام يقنت جهرًا، والمقتدي يسكت. والأصح أنه يقنت؛ فإن السكوت] في القنوت الذي هو مختلف فيه. وقال أبو يوسف رحمه الله أنه يقنت كما يقنت الإمام وأنه أولى، وإذا ثبت أنه يقنت كما يقنت الإمام لم يجهر الإمام في القنوت بمنزلة ثناء الافتتاح والتشهد، لما كان يأتي المقتدي بما] يأتي به الإمام بخلاف القراءة.
(وقال في رجل أدرك ركعة من الظهر مع الإمام ولم يدرك الثلاث: فإنه لم يصلّ الظهر في الجماعة) وهذه من خواص مسائل هذا الكتاب. وبيانها أنه لو كان حلف لا يصلي الظهر مع الإمام بالجماعة فأدرك ركعة معه، وقضى] ثلاث ركعات بعده لم يحنث في يمينه؛ لأن شرط حنثه أداء الظهر مع الإمام، والظهر أربع ركعات، وقد فاته أداء أكثرها مع الإمام، وللأكثر حكم الكمال. ولو فاتته الركعة وأدرك الثلاث يكون حانثًا في يمينه، لأنه أدى أكثر الصلاة مع الإمام، وللأكثر حكم الكل. وهذا لأن المسبوق فيما أدرك مع الإمام يكون مقتديا، وفيما يقضي هو كالمنفرد وقال محمد رحمه الله: قد أدرك فضيلة الجماعة وهذا أيضًا قولهما. وإنما خص قول محمد لأن الشبهة إنما وقعت على مذهبه لا على مذهبهما. بيانه فيما إذا] أدرك الإمام في التشهد في الجمعة. ثم الدليل على أنه أدرك فضيلة الجماعة ما روى ابن مسعود رضي الله عنه أنه أدرك الإمام في التشهد فقال: الحمد لله الحمد لله قد أدركنا الصلاة، وكبر. ولأنه إنما يصير مدركًا للإمام إذا شاركه في التحريمة، وذلك يحصل وإن أدرك الإمام في التشهد.
(وقال في الرجل والمرأة يموت أحدهما: إن الذي يصلي عليهما يقوم بحذاء الصدر) وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أنه يقوم بحذاء الوسط، ولكن إذا كان الميت امرأة فليكن إلى رأسها أقرب. وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يقوم على جنازة الرجل بحذاء الصدر، وعلى جنازة المرأة بحذاء الوسط. قال الطحاوي وهو قوله الآخر. وجه هذه الرواية ما روي أن أنس بن مالك رضي الله عنه صلى على جنازة امرأة فقام بحذاء وسطها، ثم لم يلبث جيء بجنازة رجل، فقام بحذاء الصدر، فقيل: يا أبا حمزة، أهكذا كان يفعل رسول الله عليه السلام؟ فقال: نعم. وجه رواية الحسن حديث جابر بن سمرة أن النبي عليه
الجزء 1 · صفحة 84
السلام صلى على جنازة امرأة فقام بحذاء وسطها. ووجه ظاهر الرواية أن الصدر موضع نور الإيمان؛ قال الله تعالى: (أَفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} الزمر]. وإنما يصلى عليه لإيمانه، والصدر موضع القلب، وهو أشرف الأعضاء في البدن، فالقيام بحذائه أولى. ثم الصدر هو الوسط في الحقيقة، فإنه فوقه الرأس، وما تحته البطن والرجل، وفي هذا المعنى الرجل والمرأة سواء.
(وقال في الرجل يحدث وهو راكع أو ساجد فيذهب ويتوضأ ويبني على ما صلاته: إنه لا يجزيه أن يعتد بالذي أحدث فيها لأن القياس أن ينتقض جميع أدى بالحدث، تركنا ذلك للأثر الوارد بالبناء على الصلاة، فيبقى انتقاض ذلك الركن الذي شابه الحدث على أصل القياس فإن انتقاض ذلك الركن يوجب إعادته، ولا يمنع البناء على الصلاة. فأما إذا تذكر وهو راكع سجدة من ركعة قبل هذه الركعة فَخَرَّ لها ساجدًا إنه يستحبُّ له إعادة الركوع، وإن لم يعد أجزأه) وعن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يجزيه في الوجهين. وهو صحيح على قوله؛ فإن القومة في الركوع والسجود فرض عنده بناءً على مذهبه في الاعتدال في الأركان، ولا يمكنه أن يأتي بذلك إلا بإعادة الركوع وعندهما تلك القومة ليست بفريضة ولكنه كره تركها فيستحب إعادة الركوع لأجلها عندهما. ثم الفرق بين الفصلين من وجهين أحدهما: أن تذكر السجدة في الركوع لا ينقض الركوع، لأن مراعاة الترتيب في أفعال الصلاة الواحدة ليس بشرط، فإذا لم ينتقض كان له أن يعتد به فأما سبق الحدث ناقض لذلك الركن من حيث إنه ينعدم به شرط جواز الصلاة وهو الطهارة. والثاني: أن تمام الركوع برفع الرأس منه، وبعد الحدث لا يمكن أن يجعل رفعه الرأس متمما لركوعه؛ لأن صلاته تفسد بذلك. فإن أداء شيء من الصلاة بعد سبق الحدث يكون مفسدا للصلاة، فيجب عليه إتمام هذا الركوع بعد الطهارة ولا يتمكن من ذلك إلا بالإعادة. فأما تذكر السجدة لا يمنع من أن يجعل رفع رأسه إتماما للركوع، لأن أداء شيء من الصلاة بعد تذكر تلك السجدة جائز. فإنه لو أَخَّرَ تلك السجدة إلى آخر صلاته أجزأه إلا أنه لم يقصد برفع الرأس إتمام ذلك الركوع فلهذا يُستحب إعادته. ومن حيث إن رفعه صالح لأن يُجعل إتماما لركوعه لا يجب إعادته.
(وقال في المؤذن: يَتَرَسَّل في] الأذان ويَخدر الإقامة) لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال لبلال: إذا أذنت فتَرَسُلْ، وإذا أقمت فاخذم»، أو قال: «فاحْدُرُ». لأن للناس حاجة إلى معرفة الفرق بين الأذان والإقامة؛ لأنهم إذا سمعوا الأذان لا يعجلون إلى القيام، وإذا سمعوا الإقامة عجلوا للحضور، فلا بد من أن يكون بينهما مخالفة في الصفة من ابتدائهما ليفرق الأذان من الإقامة. ثم المقصود من الأذان هو هو الإعلام والترسل أبلغ في الإعلام فهو أولى الوصفين بالأذان، والمقصود بالإقامة إقامة الصلاة والحدر
الجزء 1 · صفحة 85
أبلغ في ذلك.] ولو ترسل فيهما أو حدر فيهما أو ترسل في الإقامة وحدر في الأذان أجزأه؛ لأنه أتى بكلماتٍ على نظمها، وقد حصل ما هو المقصود، وما تركه زينة الأذان فلا يمنع الاعتداد بهما.
(قال: وكان يجلس بين الأذان والإقامة فيما سوى صلاة المغرب جلسة خفيفة. قال أبو يوسف رحمه الله: رأيت أبا حنيفة يؤذن للمغرب ويقيم ولا يجلس. وقال أبو يوسف ومحمد يجلس في المغرب جلسة خفيفة أحب إلينا) أما في سائر الصلوات لا خلاف أنه يكره أن يصل الأذان بالإقامة؛ لأن المقصود إعلام الناس بدخول الوقت ليتهيئوا للصلاة بالطهارة ثم يحضروا المسجد فيقيموا الجماعة، ولا يحصل هذا المقصود إذا وصل الأذان بالإقامة. ثم يفصل بينهما بالتطوع في الصلاة التي يتطوع قبلها أو بعدها مستحبًا أو مسنونا أو يفصل بينهما بالجلسة؛ لأنه يقوم للأذان والإقامة، فكما يفصل أحدهما من الآخر قولا ينبغي أن يفصل أحدهما من الآخر قيامًا، أما في المغرب اتفقوا أنه يفصل" الأذان من الإقامة، واختلفوا وراء ذلك. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله المستحب هو الفصل بينهما بالجلسة. وقد روي عن ابن عمر الله عنه أنه كان يفعل ذلك. وقاس المغرب بسائر الصلوات. وأبوحنيفة رحمه الله يقول: المستحب هو الفصل بينهما بالسكتة؛ لأنا أمرنا في المغرب بالتعجيل. قال عليه السلام: لا يزال أمتي بخير ما عجلوا المغرب وأخروا العشاء». وقال عليه السلام: بادروا بالمغرب اشتباك النجوم ولا تتشبهوا باليهود، فإنهم يصلون والنجوم مشتبكة». والفصل بالسكتة أقرب إلى التعجيل والمغرب ليس نظير سائر الصلوات؛ فإنه يكره التطوع بين الأذان والإقامة في المغرب بخلاف سائر الصلوات. وتأويل حديث ابن الله عمر رضي عنه أنه فعل ذلك لعذر أو غيره وبه نقول في حالة العذر بالجلسة. ثم الجلسة على قولهما مثل الجلسة بين الخطبتين والسكتة عند أبي حنيفة رحمه الله مقدار ما يتمكن فيه من قراءة ثلاث آيات أو آية طويلة.
وفي قول أبي يوسف رحمه الله: رأيتُ أبا حنيفة رحمه الله يؤذن؛ إشارةً منه إلى أنه كان يباشر الأذان والإقامة بنفسه. وهذا هو الأصل لمن يؤم، بخلاف ما يقوله بعض المتأخرين أن الأفضل أن يُفوّض فعل الأذان والإقامة إلى غيره، فإن النبي عليه السلام ما كان يباشر الأذان والإقامة بنفسه وإن كان يؤم. ولكنا نقول: في حقنا مباشرة ذلك بنفسه أولى، لأن المؤذن يدعو إلى الله تعالى، ومن يكون أعلى درجة منا فهو أولى الناس بذلك. وقد أذن رسول الله عليه السلام وأَمَّ في بعض الصلوات. وقد روي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: كنتُ مع رسول الله عليه السلام في سفر، فلما زالت الشمس أذن وأقام وصلى الظهر. وحين خرج رسول الله عليه السلام للصلح بين الأنصار استخلف عبد الرحمن بن عوف، ثم رجع بعدما فرغ من صلاة الفجر، فدخل حجرته وجمع أهله وأذن وأقام وصلى بهم الفجر. إلا أنه فوض ذلك إلى
الجزء 1 · صفحة 86
غيره في عامة الأوقات، كما أشار إليه في حديث الرؤيا قال لعبد الله بن زيد: «ألقها على بلال فإنه أندى صوتا منك».
(وقال في رجل صلى ركعتين تطوعًا وسها فيها، فلما سجد للسهو بعد السلام أراد أن يبني على تحريمته ركعتين أخريين ليس له ذلك، ولكن يصليها بتكبير (مستقل) لأن السلام محلّل، فإذا وُجد في غير محله عمل عمله في التحليل. ثم بالعود إلى سجدة السهو يصير عائدا إلى حرمة الصلاة، أو تبقى حرمة الصلاة على حسب ما اختلفوا فيه لضرورة أن يكون سجود السهو مؤدى في حرمة الصلاة والثابت بالضرورة يتقدر بقدر الضرورة، ولا ضرورة في حق الشفع الثاني، فلا تكون الحرمة ثابتة في حقه؛ فلهذا لا يوجبها إلا بتكبير مستقبل. وهذا بخلاف المسافر إذا صلى الظهر ركعتين وسجد للسهو ثم نوى الإقامة؛ فإنه يقوم ويتم صلاته، لأنه بالعود إلى سجدة السهو يصير عائدا إلى حرمة تلك الصلاة، ونية الإقامة في حرمة تلك الصلاة تجعل فرضه أربعًا ضرورة.
وههنا كل شفع من التطوع صلاة على حدة، فهو بالعود إلى سجود السهو يصير عائدا إلى حرمة تلك الصلاة، وليس من ضرورة تلك الحرمة الحرمة] في حق صلاة أخرى. يوضح الفرق أن الشفع الثاني لا يلزمه إلا بالقيام إليه، فلو قام إليه بعدما سجد سجود السهو جعل سجوده في وسط الصلاة باختياره؛ وذلك لا يجوز. فأما مسألة المسافر فقد صار فرضه أربعًا بمجرد نية الإقامة، وإنما يكون سجوده في خلال الصلاة باعتبار معنى حكمي، وهو تغير فرضه، وربما لا يكون له في ذلك اختيار بأن يصير مقيما بنية غيره، فلهذا يتم صلاته أربعًا.
(وقال في المصلي يسلم وعليه سجدة السهو فيجيء رجل ويدخل في صلاته بعد التسليم قبل العود إلى سجود السهو: فإن سجد الإمام كان الرجل داخلا في صلاته، وإن لم يسجد لا يصير داخلا في صلاته. وعلى قول محمد الله يصير داخلا في صلاته سجد الإمام أو لم يسجد) أصل المسألة أن رحمها من سلم وعليه سجود فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله يخرج من صلاته بالسلام، وحكم العود إلى حرمة الصلاة يتوقف على عوده إلى سجود السهو عند أبي حنيفة. وعند أبي يوسف رحمه الله يتوقف خروجه من الصلاة. فإن عاد إلى سجود السهو تبين أنه لم يكن خارجًا من الصلاة، كما لو سلم وعليه سجدة صلاتيه أو سجدة تلاوة وهو غير ذاكر لهما، وهذا لأنها واجبات تؤدى في حرمة الصلاة ولا يتصور العود إلى حرمة الصلاة بعد الحل إلا بتكبير مستقبل، وهو يؤدي سجود السهو في حرمة الصلاة بالاتفاق، فعرفنا أن التحليل لا يحصل بالسلام في حقه وحجتهما قول النبي عليه السلام تحليلها التسليم». وقد وجد