الجزء 1 · صفحة 7
شرح الجامع الصغير للعتابي
للإمام الفقيه أبي نصر أحمد بن محمد بن عمر العتابي الحنفي
توفي سنة (586هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله الموجود بذاته، المحمود بصفاته الذي من توكل عليه كفاه، ومن التجأ إليه تولاه.
والصلاة على رسوله سيد المرسلين الداعي إلى سبيل الله خير السبل، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
باب ما ينقض الوضوء وما لا ينقض
محمد، عن يعقوب، عن أبي حنيفة رحمة الله عليهم أجمعين: فِي رَجُلٍ قلس أقل من ملء فيه مرة، أو طعامًا، أو ماء: لا ينقض الوضوء، وكذلك كل جراحة كالنفطة والبشرة ? إذا تقشرت وظهر على رأسها شيء ولم يسل: لا ينقض الوضوء، وقال زفر رحمه الله: ينقض.
هو قاسه على الخارج من السَّبِيلَيْن وعلى الحدث الحكمي؛ كالإغماء، والقهقهة، والنوم مضطجعا يستوي فيه القليل والكثير، كذا هذا.
ولنا: الفرق، وهو أن الحدث اسم لخارج نجس، والخروج هو الانتقال عن محله إلى محل يلحقه حكم التطهير.
وفي الجراحة إذا كان ذلك الشيء قليلا لم ينتقل عن محله، فلم يكن خارجا، وكذلك قليل القيء ليس بخارج؛ لما نبين.
بخلاف السَّبِيلَيْنِ؛ لأن رأس العورة ليس محلا للنجاسة فبظهور شيء من النجاسة دل على انتقاله عن محله فكان خارجا.
بخلاف النوم والإغماء؛ لأنه إنما كان حدثا؛ لكونه سببا لخروج النجاسة من السَّبِيلَيْن وذلك يستوي فيه القليل والكثير.
وإن قلس ملء فيه، أو سال الدم عن رأس الجرح: نقض الوضوء عندنا.
خلافا للشافعي رحمه الله.
هو احتج بما روي أن النبي عليه السلام: «قاء فلم يتوضأ».
الجزء 1 · صفحة 9
ولنا: ما روت عائشة رضي الله عنها وعن أبيها عن النبي عليه السلام أنه قال: «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيَيْنِ عَلَى صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ ? و مذهبنا مذهب العشرة المبشرين بالجنة.
وقوله عليه السلام: «الْقَلْسِ حَدَثُ 5 فيحمل ما رواه الخصم على القيء أقل ملء الفم، وما رويناه على القيء ملء الفم توفيقا بين الأخبار؛ صيانة لكلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن التناقض دل عليه ما روي أنه عليه السلام عد الأحداث ومن جملتها قال: «أو دَسْعَة تَمْلأُ الْفَمَ» ? أراد به القيء.
وحد ملء الفم: ما لا يمكنه الإمساك إلا بكلفة ومشقة؛ لأن به يوصف بالخروج؛ وهذا لأن الفم ظاهر من وجه حقيقة وحكما، أما حقيقة إذا فتح فاه يصير ظاهرا، وأما حكما فإنه إذا دخل في فم الصائم شيء: لا يفسد صومه، وباطن من وجه حقيقة وحكما، أما حقيقة إذا ضم فاه يصير باطنا.
وأما حكمًا، فإنه إذا دخل البزاق حلقه لم يفسد صومه، فاعتبرنا ظهوره حال كون القيء ملء الفم، واعتبرنا بطونه حال كونه أقل من ملء الفم عملا بهما جميعا.
وإن قاء قليلا قليلا بحيث لو جمع صار ملء الفم:
فأبو يوسف رحمه الله: يعتبر اتحاد المجلس للجمع.
ومحمد رحمه الله: يعتبر اتحاد السبب.
يعني إذا قاء ثانيا قبل سكون النفس من الغثيان كان السبب متحدا، وإن قاء ثانيا بعد سكون النفس كان السبب مختلفا.
ثم قليل القيء وما لم يسل عن رأس الجرح إذا لم يكن حدثا لا يكون نجسا حتى لو امتلأ منه الثوب لا يمنع جواز الصلاة، مروي عن ابن عمر رضي الله عنه، محكي عن أبي يوسف رحمه الله.
والبلغم لا ينقض الوضوء بكل حال عند أبي حنيفة ومحمد رحمة الله عليهما إن كان صعد من الجوف، أو نزل من الرأس، وقال أبو يوسف رحمه الله: إن صعد من الجوف ملء الفم نقض؛ لأنه خرج عن محل القيء فلا يخلو عن النجاسة.
وإن صعد من الجوف وهو علق لا ينقض ما لم يكن ملأ الفم؛ لأن العلق يكون في المعدة فصار كالمرة، وإن كان مائعا خرج بقوة نفسه لا بقوة البزاق ? نقض الوضوء عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وإن قل؛ لأن المعدة ليس بمحل الدم، فالظاهر أنه خرج من عرق أو جراحة.
الجزء 1 · صفحة 10
وعند محمد رحمه الله: لا ينقض ما لم يكن ملء الفم؛ لأنه خرج من المعدة فكان له حكم القيء.
دابة سقطت من الدبر: نقضت الوضوء، وإن سقطت من اللحم: لا تَنْقُضُ وكذلك الجشأ لا يَنْقُضُ؛ لأن ما تجاوره من النجاسة قليل، وذلك عفو في غير السَّبِيلَيْنِ، لا في السَّبِيلَيْنِ. الريح إذا خرجت من قبل المرأة، أو من ذكر الرجل: لا تَنْقُضُ الوضوء؛ لأنه اختلاج طاهر إذ هو ليس محل مخرج الريح عادة. ولو كانت مفضاة ? يستحب لها أن تتوضأ؛ لأنه يحتمل أنها ريح خرجت من دبرها لا من قبلها فتتوضأ احتياطاً.
باب المستحاضة
المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة، وتصلي به ما شاءت من الفرائض والنوافل ما بقي الوقت ما لم تحدث حدثا آخر؛ لقوله عليه السلام: «المستحاضة تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ».
وقال الشافعي رحمه الله: تتوضأ لكل صلاة مكتوبة، وتصلي ما شاءت من النوافل؛ لقوله عليه السلام: «المستحاضة تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ لِكُلِّ صَلَاةٍ».
وإنا نقول: اللام تحتمل الوقت كقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ الإسراء: ?أي لوقت دلوك ? الشمس، وما رويناه مفسر، وما رواه مجمل فنحمل المجمل على المفسر.
وأصل هذا: أن طهارة المستحاضة متى وقعت للحدث الذي ابتليت به، وأنه لا ينتقض بذلك الحدث في الوقت، وينتقض بحدث آخر، وكذلك بخروج الوقت عند علمائنا الثلاثة رحمهم الله.
وعند زفر رحمه الله: ينتقض بدخول الوقت لا غير.
وعند أبي يوسف رحمه الله: ينتقض بالدخول كما ينتقض بالخروج.
وثمرة الخلاف تظهر في موضعين
أحدهما: إذا توضأت قبل طلوع الشمس، ثم طلعت الشمس: ينتقض عندنا؛ لوجود خروج وقت الصلاة.
وعند زفر رحمه الله: لا ينتقض؛ لعدم دخول وقت الصلاة.
والثاني: إذا توضأت قبل الزوال، ثم زالت الشمس: لا ينتقض عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله؛ لعدم خروج وقت الصلاة.
الجزء 1 · صفحة 11
وعند أبي يوسف وزفر رحمهما الله: ينقض بالدخول.
زفر رحمه الله يقول: طهارتها مقدرة بوقت الصلاة؛ لقيام الوقت مقام الأداء، فلو لم ينتقض بدخول وقت الطهر تبقى الطهارة إلى أن يذهب وقت الطهر فتزداد المدة على وقت صلاة.
وإنا نقول: الشرع إنما أسقط اعتبار الحدث باعتبار الحاجة إلى أداء الصلاة؛ لكن الشرع أقام الوقت مقام الحاجة إلى أداء الصلاة بدليل أن لها أن تطيل الصلاة من أول الوقت إلى آخره فتبقى طهارتها ما بقي الوقت فكان خروج الوقت دليل زوال الحاجة إلى الأداء، فكان هو دليل انتقاض الطهارة لا دخول الوقت.
وأما قوله: بأنه تزداد المدة على وقت الصلاة.
قلنا: نعم؛ لكن جميع الوقت لما قام مقام الأداء، والوضوء يسبق الأداء لا محالة فلا بد أن يسقط اعتبار الحدث قبل الوقت لتتمكن من الوضوء قبل الأداء حكما.
وفي سائر الصلوات لا يمكن القول به؛ لأن دخول الوقت لا ينفك عن خروج وقت آخر، وبالخروج لا تبقى الطهارة، فعلى هذا إذا توضأ صاحب العذر يوم العيد الصلاة العيد له أن يصلي الظهر بتلك الطهارة عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وهو الصحيح؛ لأن صلاة العيد سنة فصارت كصلاة الضحى فبدخول وقت الظهر لا يتحقق خروج وقت الصلاة.
دل عليه: أن المرأة إذا كانت عادتها في الحيض أقل من عشرة، فطلقها زوجها طلاقا رجعيا، ثم انقطع دمها عن الحيضة الثالثة عند طلوع الشمس يوم العيد فإن الزوج يملك مراجعتها حتى تغتسل، أو يذهب وقت الظهر، أشار إلى أن بدخول وقت الظهر لا يخرج وقت صلاة، إذ لو خرج لا نقطع حق الرجعة.
ولو أن صاحب العذر صلى الظهر، ثم توضأ للعصر، ثم دخل وقت العصر: ليس له أن يصلي العصر بتلك الطهارة بالإجماع، وهو الصحيح؛ لأنه وجد خروج وقت الصلاة، والله أعلم.
باب ما يجوز به الوضوء وما لا يجوز
سور الكلب نجس لا يتوضأ به بحال، ويغسل الإناء من ولوغه ثلاثًا عندنا كما في بوله.
وعند الشافعي رحمه الله: سبعا.
الجزء 1 · صفحة 12
وهو اتبع ظاهر الحديث أن النبي عليه السلام أمر بغسل الإناء من ولوغه سبعًا ?. قلنا: كان ذلك في الابتداء حين ألفوا الكلاب، بالغ في التشديد قلعا لهم عن العادة المألوفة.
دل عليه: أنه عليه السلام قال: «وَعَفْرُوا الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ».
وسؤر الحمار مشكل؛ لاختلاف الآثار فيه، ولأن اعتباره بلحمه يوجب نجاسته، واعتباره بعرقه يوجب طهارته، فإن عرقه طاهر نص عليه محمد رحمه الله في كتاب الصلاة فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يركب الحمار مَعْرُورِيًّا والحر حر الحجاز.
وكذا لبنه طاهر ولا يؤكل فما كان نجسا لا يطهر بالشك، وما كان طاهرا لا يتنجس به بالشك.
ولو وقع في الماء القليل صار هو مشكلا.
وحكمه أنه: يجمع بينه وبين التيمم فبأيهما بدأ أَجْزَاهُ.
وقال زفر رحمه الله: لا يجزئه ما لم يُقدِّم الوضوء على التيمم ليصير عادمًا للماء عند التيمم، والصحيح قولنا؛ لأنه إن كان نجسا فلا يمنع التيمم، وإن كان طاهرا فالتيمم ضائع.
وروى الكرخي. عن أبي أبي حنيفة رحمهما الله: أن سؤره نجس؛ لأن لعابه لا يخلو عن قليل دم. وإن لم يجد شيئًا من ذلك لكن وجد نبيذ التمر، قال أبو حنيفة رحمه الله: يتوضأ به ولا يتيمم، وقال أبو يوسف: يتيمم ولا يتوضأ، وقال محمد رحمه الله: يجمع بينهما.
أبو حنيفة رحمه الله ترك القياس بحديث ليلة الجن، قال عليه السلام لابن مسعود رضي الله عنه: «هل معك ماء؟ فقال: لا إلا نبيذ التمر في إدارة، فقال: تمرة طيبة وماء طهور، فتوضأ به ?.
وأبو يوسف رحمه الله: ادعى النسخ بآية التيمم.
ومحمد رحمه الله لما جهل التاريخ جمع بينهما احتياطاً.
وفي الغُسل به على قول أبي حنيفة رحمه الله اختلاف المشايخ.
وروى نوح بن أبي مريم أن أبا حنيفة رحمه الله رجع إلى قول أبي يوسف رحمه الله.
وروي عن أبي جعفر الهندواني أنه قال: لا بأس بأن يغتسل به الجنب في السفر، وهذا إذا كان حلوا، أما إذا غلا واشتد فقد صار سكرًا فيكون حرامًا بِالْإِجْمَاعِ بين أصحابنا رحمهم الله فلا يجوز التوضؤ به.
الجزء 1 · صفحة 13
وإن طبخ أدنى طبخة وقد غلا واشتد: فلا يجوز التوضؤ به.
أما عند أبي يوسف رحمه الله: فلا يُشكل.
وأما عند محمد رحمه الله: فلأنه حرام.
وأما عند أبي حنيفة رحمه الله: فحلال شربه.
واختلف المشايخ فيه رحمهم الله على قوله في التوضؤ به
بعضهم قالوا: يجوز.
وذكر الشيخ الإمام أبو سهل شمس الأئمة السرخسي ? رحمه الله في صلاة الأصل
أنه لا يجوز التوضؤ به.
وسؤر سباع الطير نحو البازي، والباشق ونحوه، وسكان البيت؛ كالهرة، والفأرة والحية مكروه، وقال أبو يوسف رحمه الله: لا يكره سؤر السنور خاصة؛ لحديث أبي قتادة أن النبي عليه السلام: «كان يُصْغِي لَهَا الْإِنَاءَ فتشرب منه، ثم يتوضأ به».
ولهما: قوله عليه السلام: «الهرة سبع ... أراد في حق الحكم.
وحديث أبي قتادة محمول على أن تلك الهرة في بيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم تكن تأكل الفأرة عرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطريق الوحي ذلك، أو لأن هذا مما يعرف معاينة؛ لأن من الهرات ما لا تأكل الفأرات.
وما ذكر في هذا الكتاب بلفظ الكراهة المراد به التحريم، هكذا ذكر محمد ابن الحسن رضي الله عنه.
فإن أكلت الفأرة وشربت الماء على الفور ينجس الماء بالاتفاق.
وإن لحست فمها بلُعَابِهَا، ثم شربت: لا يتنجس عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
أما عند أبي حنيفة؛ فلأن النجاسة تزول بسائر الْمَائِعَاتِ عنده كالماء.
وعند أبي يوسف رحمه الله وإن كانت لا تزول إلا بصب الماء؛ لكن هنا حكم بالزوال لاجل الضرورة
وعند محمد رحمه الله ينجس الماء؛ لأن عنده النجاسة لا تزول بشيء من الْمَائِعات سوى الماء فبقي فمها نجسا كما كان، فإذا شربت تنجس الماء.
الجزء 1 · صفحة 14
وأما سؤر الفرس، فعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: غير مكروه.
اعتبارًا بلحمه عندهما.
وعن أبي حنيفة رحمه الله: روايتان، في رواية مكروه.
اعتبارا بلحمه عنده.
وفي رواية: غير مكروه؛ لأن لحمه إنما يكره لكرامته؛ لكونه آلة للجهاد فلا يدل على كراهة سؤره؛ كسور الآدمي.
والماء المستعمل لا يجوز التوضؤ به؛ لأنه غير طهور، إلا عند زفر رحمه الله، واختلفوا فيه:
قال الحسن - وهو رواية عن أبي حنيفة رحمهما الله -: نجس نجاسة غليظة؛ كالبول.
وقال أبو يوسف - وهو رواية عن أبي حنيفة رحمهما الله ـ: طاهر غير طهور.
وإنما يصير الماء مستعملا إذا زال عن العضو واجتمع في مكان، أما ما دام على العضو لا يأخذ حكم الاستعمال؛ لمكان الضرورة.
وكذلك إذا زال وتلاشي ولم يجتمع في مكان لا يأخذ حكم الاستعمال.
ثم. عند محمد رحمه الله: لا يصير الماء مستعملا إلا بـ بإقامة القربة.
وعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله بها، وبإسقاط الفرض أيضًا.
والخلاف إنما يظهر فيما إذا توضأ الْمُحْدِث، أو اغتسل الجنب للتبرد أو للتعليم، فعند محمد رحمه الله: لا يصير مستعملا؛ لعدم نية القربة.
وعندهما يصير مستعملا؛ لوجود إسقاط الفرض.
ولو جدد الوضوء به قربة يصير مستعملا بالإجماع بين أصحابنا رحمهم الله؛ وهذا بناءً على أن الجنب أو المُحْدِث إذا وقع في البئر، أو دخل لطلب الدَّلْوِ وَانْغَمَسَ:
فعند محمد رحمه الله: يخرج من البئر طاهرا، والماء طاهر؛ لأنه لم يصر مستعملا؛ لانعدام نية القربة.
وعند أبي يوسف رحمه الله: الماء بحاله والرجل بحاله؛ لأن عنده لا تزول النجاسة والحدث عن البدن إلا بصب الماء عليه ولم يوجد، وإذا لم يزل الحدث لا يصير الماء مستعملا.
الجزء 1 · صفحة 15
وعند أبي حنيفة رحمه الله: كلاهما نجسان؛ لأن الماء صار مستعملا بأول الملاقاة، فلا يكون مزيلا للحدث، فبقي نجسا كما كان، والله أعلم.
باب التيمم
مسلم تيمم ثم ارتد - نعوذ بالله تعالى من عذابه - ثم أسلم: لم يبطل تيممه عندنا. وقال زفر رحمه الله: يبطل؛ لأنه عبادة فتبطل بالكفر.
ولنا: أن بالردة يبطل ثواب التيمم لا الطهارة الحاصلة به؛ كما لو اعترض ذلك على الوضوء.
نصراني تيمم يريد الإسلام، ثم أسلم لم يصح تيممه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وقال أبو يوسف رحمه الله: يصح؛ لأن شرط صحته نية العبادة وقد وجدت.
هما يقولان: شرط صحته نية عبادة لا تصح بدون الطهارة؛ كالصلاة، وسجدة التلاوة، والإسلام يصح بدون الطهارة.
نصراني توضأ لا يريد به الإسلام، ثم أسلم: يصح وضوءه عندنا.
وعند الشافعي رحمه الله: لا يصح.
وهذا بناءً على أن الوضوء ليس بعبادة عندنا فيصح من الكفار، وعنده عبادة فلا تصح من الكافر. التيمم لصلاة العيد قبل الشروع فيها لا يجوز للإمام؛ لأن القوم ينتظرونه.
وهل يجوز لِلْمُقْتَدِي؟
فإن كان الماء قريبا بحيث لو توضأ لا يخاف فوات الصلاة: لا يجوز له التيمم.
وإن كان الماء بعيدًا بحيث يخافُ فوت الصلاة: جاز له التيمم. والتيمم لصلاة الجنازة جائز أيضًا.
ولو أحدث بعد الشروع، أو أحدث الإمام جاز له التيمم للبناء عند أبي حنيفة رحمه الله إن لم يكن عنده ماء، وعندهما لا يجوز التيمم للبناء؛ لأنه لو ذهب وتوضأ يأمن الفوات؛ لأنه لاحق فيمكنه القضاء بعد فراغ الإمام.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أن خوف فوت الصلاة قائم؛ لأنه يوم ازدحام، فقلما يسلم من أمر تنتقض به صلاته.
الجزء 1 · صفحة 16
مسافر في رَحْلِهِ ماء قد نسيه أو لا يعلم به - بأن وضع غيره الماء فِي رَحْلِهِ بغير علمه - فتيمم وصلى، ثم ذكره، أو علم به فإنه لا يعيد الصلاة في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وقال أبو يوسف رحمه الله: يعيد؛ لأن الرحل موضع الماء غالبا فيفترض عليه الطلب، فإذا لم يطلب: لم يجز له التيمم؛ كما لو ترك الطلب في العمرانات.
ولهما: أن الرحل ليس معدن الماء، وإنما يوضع فيه قدر ما يحتاج إليه للشرب عادة فلا يفترض عليه الطلب والذكر في الوقت وبعده سواء، والله أعلم.
باب النجاسة تقع في الماء
عقرب، أو ذباب، أو نحوه؛ كالسمك، والضفدع مما يعيش في الماء يموت في تور الماء، أو في الجب: لم يفسده.
لقوله: «إذا وقع الذباب في طعام أحدكم فَامْقُلُوهُ ?، ثم انقلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء» ? وإنه لتقدم الداء على الدواء والذباب بِالْمَقْل في الطعام الحار يموت لا محالة، فلو كان يُنجسه لما أمر به، ولأن الحيوان إنما ينجس بسبب الدم، وهذه الحيوانات ليس لها دم سائل، بدليل أنها تعيش في الماء، ولو كان لها دم سائل لخنقها الماء.
وكذلك بعرة، أو بعرتان من بعر الإبل، أو الغنم تسقطان في بئر: لم تفسداه استحسانا؛ لأن الآبار في الفلوات ليست لها رؤوس حاجزة، فيكون القليل عفوا؛ لأن الشرع ورد بالعفو عن القليل في الجملة بخلاف الكثير.
وذكر البعرتين إشارة إلى أن الثلاث كثير فيفسده.
ولم يفصل بين الرطب واليابس، والصحيح والمنكسر، والروث والبعر.
وبعضهم فرقوا:
وقالوا: بأن الرطب والمنكسر والروث يفسده وإن قل؛ لأن اليابس صلب وعليه رطوبات الأمعاء ودسوماتها يابسة فلا يداخلها الماء ولا كذلك الرطب.
ولو وقع في بئر المصر بَعْرَة أَوْ بَعْرَتَان يابستان، فعلى قياس من علل أنه صلب لا يدخله الماء لا ينجس إذا لم يمكث فيه كثيرًا، والأحوط أنه ينجس؛ لأنه لا ضرورة هنا.
الجزء 1 · صفحة 17
وروي عن أبي حنيفة رحمه الله: أنه إذا وقعت بَعْرَة أَوْ بَعْرَتَانِ فِي الْمِحْلَب عند الحلب لا يفسده، وهذا إشارة إلى القول الأول.
خُرْءُ الْحَمَامِ، وَالْعُصْفُورِ: ليس بنجس عندنا.
خلافا للشافعي ?؛ لأن الناس اعتادوا اقتناء الحمامات في المساجد.
بول ما يؤكل لحمه طاهر عند محمد حتى لو وقع في الماء، أو أصاب الثوب: لا يفسده، ويباح شربه كالماء.
لحديث الْعُرَنِينَ ? أن قومًا مِنْ عُرَنَةً جاؤا إلى المدينة فأسلموا فَاجْتَوَوْهَا؛ أي: مرضت بطونهم وانتفخت، فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخرجوا إلى إبل الصدقات، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، ففعلوا فصحوا أباح النبي - صلى الله عليه وسلم - شرب البول، ولو كان نجسا لما أباح.
وعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله نجس نجاسة خفيفة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالتنزه عن البول مطلقا بقوله عليه السلام: «استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه فيقدر في الثوب بالكثير الفاحش.
ولو وقعت قطرة منه في الماء أفسدته، غير أن عند أبي يوسف رحمه الله يباح شربه للتداوي لا غير؛ لحديث العربيين.
وعند أبي حنيفة: لا يباح أصلا؛ لأن حديث العربيين انتسخ؛ لأن في الحديث أنهم قتلوا الراعي وساقوا إبل الصدقات فأخذوا، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقطع أيديهم عرف بالوحي أن شفائهم وَسَمَل أَعْيُنِهِمْ، وقد نسخ ذلك بِالْإِجْمَاعِ، أو لأن النبي لا الله كان في ذلك.
عصفور، أو فأرة، أو نحوه ماتت في بئر فأخرجت حين ماتت ينزح منها عشرون دلوا، أو ثلاثون، وإن انتفخ وتفسخ ينزح ماء البئر كله
هكذا روى أنس رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وفي الحَلَمَةِ، والفأرة الصغيرة عشرة دلاء، وإن كانت دجاجة، أو سنورا: فأربعون أو خمسون، وثلاث فأرات بمنزلة السنور، وإن كانت شاة أو آدميا: يُنزح حتى يغلبهم الماء؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنه أن زنجيا وقع في بئر زمزم ومات فيه فأمر بنزحه ونزح الماء كله ?.
الجزء 1 · صفحة 18
وقوله: ينزح حتى يغلبهم الماء، يعني: حتى يطهر العجز بأن ينبع من عينه. وروي عن أبي حنيفة رحمه الله في تفسير غلبة الماء: أنه إذا نزح ثلاثمائة دلو والماء ينبع فقد غلبهم الماء.
وروي عن أبي حنيفة رحمه الله: أنه يفوض إلى رأي المبتلى به، يعني: ينظر فيه رجلان من أهل البصيرة فأي مقدار قالا؛ ينزح ذلك المقدار.
وعن أبي يوسف رحمه الله: أنه يقدر الماء بخشبة طويلة، ثم ينزح الدلاء، ثم ينظر كم نقص من الماء فينزح كله بحساب ذلك، والله أعلم.
باب النجاسة تصيب الثوب والخف والنعل
دم السمك ليس بنجس؛ لأنه ليس بدم حقيقة؛ لِأَنَّهُ يَبْيَضُ إِذا شُمِس والدم الحقيقي يسود إذا شُمس إلا رواية عن أبي يوسف رحمه الله أنه نجس نجاسة خفيفة. روث الحمار، وأخثاء البقر نجس نجاسة غليظة عند أبي حنيفة رحمه الله حتى لو زاد على قدر الدرهم يمنع جواز الصلاة؛ لأن نجاسته مقطوع بها بدلالة الإجماع، فصار كنجو الكلب.
وعندهما نجاسة خفيفة
خففت لمكان البلوى حتى لا يمنع ما لم يكن كثيرًا فاحشا.
وعن محمد رحمه الله: أنه لما رأى بلوى الناس في الأرواث في الري أفتى أن الكثير الفاحش لا يمنع.
و مشايخ بخاري على قياس قوله: افتوا في طين بخارى أنه لا يمنع وإن كان كثيرا فاحشا مختلطا بِالْعَذِرَاتِ؛ لمكان البلوى.
وزفر وافق أبا حنيفة رحمهما الله في غير مأكول اللحم، ووافقهما في مأكول اللحم.
والكثير الفاحش مقدر عند محمد رحمه الله بالربع من الشيء الذي أصابه نحو الْكُمْ، وَالذَّيْلِ، وَالدَّخْرِيصِ.
وعند ابي يوسف رحمه الله شبر في شبر.
بول الحمار إذا زاد على قدر الدرهم: يمنع.
الجزء 1 · صفحة 19
هما فرقا بين بوله وروثه، وقالا في الروث بلوى تعم؛ لأنه يبقى على وجه الأرض فأوجب ذلك خفة في نجاسته، بخلاف البول؛ لأن الأرض تنشفه.
وبول الفرس لا يمنع ما لم يفحش؛ لأن نجاسته مختلف فيها؛ فعند محمد رحمه الله: طاهر فأوجب ذلك خفة فيها.
وخرء الدجاج يمنع إذا زاد على قدر الدرهم؛ لأنه يستحيل إلى نتن، بخلاف خُرْء الْحَمَامِ.
خف أصابه روت، أو عذرة، أو دم، فيبس فَحَكَهُ: أجزأه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وقال محمد رحمه الله: لا يجزئه إلا الغسل.
قياسا على الرطب في الخف، وقياسًا على اليابس في الثوب؛ لأن في الرطب لا يجزئه إلا الغسل عندهم.
إلا رواية عن أبي يوسف رحمه الله: أنه إذا مسحه على سبيل المبالغة يطهر؛ لمكان البلوى.
وفي الثوب لا يجزئه إلا الغسل وإن يبس بالإجماع.
هما فرقا، وقالا: الجلد صلب فلا يتشرب فيه إلا قليل، ثم يعود ذلك إلى جرم النجاسة إذا يبست؛ لأن يبوسة الجرم تجذبه، بخلاف الثوب؛ لأنه لين فتدخل فيه رطوبات النجاسة.
والبول والخمر في الخف لا يطهر إلا بالغسل؛ لأنه لا جاذب لهما.
وعلى قياس قول أبي يوسف رحمه الله: إذا مسحه في التراب حتى جف وذهب أثره، أو التصق به التراب عند المشي وجف ومسحه على الأرض: يطهر.
وَالْمَنِيُّ إِذا يبس فَحَكَهُ: أجزأه فِي الْخُفَّ والثوب جميعا، خُرء ما لا يؤكل لحمه من الطيور نجس نجاسة خفيفة؛ لأنه يَدْرِقُ فِي الْهَوَاءِ فكان فيه خفة للبلوى.
الجزء 1 · صفحة 20
وعن محمد رحمه الله: أنه نجس نجاسة غليظة.
ولو وقع في الماء أفسده، وقد قيل: لا يُفسده؛ لتعذر صون الأواني عنه، بخلاف خرء الدجاج.
وعن محمد رحمه الله: أن الهرة إذا اعتادت رمي البول على الثياب وغيره يجعل عفوا للضرورة، وصار كبول الفأرة.
ثوب أصابه لعاب الحمار، أو البغل: لا ينجسه؛ لأنه مشكل فلا ينجس به الطاهر.
البول إذا انتضح على الثوب مثل رؤوس الإبر: فلا يضره؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه فجعل عفوا، والله أعلم.
باب انكشاف العورة
عورة الرجل ما بين السرة إلى الركبة، والركبة عورة عندنا، والسُّرَّة ليست بعورة وعند الشافعي رحمه الله على عكس هذا.
وبدن المرأة الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وفي القدمين والذراع روايتان، ثم قليل الإنكشاف ليس بمانع، والكثير مانع.
فأبو حنيفة رحمه الله ومحمد رحمه الله قدرا الكبير بالربع، أراد به ربع العضو كربع الساق، وربع الفخذ، وربع الظهر، وربع البطن، وربع الشعر الذي يواري الرأس.
وفي الشعر الْمُسْتَرْسِل روايتان، في حق النظر عورة، وغسله في الجنابة موضوع؛ لأن في نقضه حرجا بالنساء، بخلاف شعر الرجال واللحية فإنه لا حرج فيه.
وأبو يوسف رحمه الله قدر الكبير بالزيادة على النصف؛ ليكون المستور بمقابلة المكشوف قليلا، وفي النصف عنه روايتان، والعورة الغليظة على هذا الاختلاف.
ومنهم من قدر الغليظة بالدرهم اعتبارًا بالنجاسة الغليظة، والأول أصح؛ لأن التغليظ فيه أبلغ.
الجزء 1 · صفحة 21
والذكر بانفراده عورة، والأُنثيان كذلك، وقد قيل بالضم، والأول أصح.
الجنب والحائض لا يقرأن آية وما دونها، ولا يمسان المصحف واللوح والدرهم الذي فيه القرآن مكتوب إلا أن يكون بغلاف، أو الدرهم في صُرَّة؛ لأن الجناية حلت اليد والفم.
وأطلق الطحاوي. رحمه الله ما دون الآية. للتعليم.
والْمُحْدِث يقرأ ولا يمس؛ لأن الحدث حل اليد دون الفم.
والمصحف المجلد إن لم يكن مشرزًا ?: يحل أخذه؛ لأنه بمنزلة الغلاف، وإن كان مشرزا: لا يحل.
وفي الأخذ بالكم روايتان عن محمد رحمه الله.
ولم ير عامة مشايخنا بأسًا في دفع المصحف واللوح للصبيان وإن لم يكونوا على الوضوء.
للضرورة، ولأنهم غير مخاطبين بالطهارة.
وَيُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بالفرج في الخلاء؛ لأن فرجه يقع موازيا للقبلة.
والاستدبار لا يكره في رواية؛ لأن فرج الدبر يكون موازيا للأرض.
ويكره مَدُّ الرِّجْلِ إلى القبلة في النوم وغيره عمدًا؛ لأنه إساءة الأدب، والله تعالى أعلم بالصواب.
باب الأذان
الأفضل للمؤذن أن يجعل أصبعيه في أذنيه، وإن لم يفعل فحسن؛ لأنه ليس من نفس الأذان.
ويستقبل القبلة بالشهادتين؛ لأنه ثناء على الله تعالى فصار شبيها بالصلاة.
ويحول رأسه يمينا وشمالا للصلاة والفلاح.
حتى يحصل معنى النداء والدعاء.
وإن كان المؤذن في الصَّوْمَعَة - يعني الزوراء - لا بأس بأن يستدير فيها.
حتى يخرج صوته من كل جانب.
وإن لم يحتج إليه فلا يفعل.
ولا بأس بالتثويب بين الأذان والإقامة في وقت الفجر.
الجزء 1 · صفحة 22
وهو قولهم: حي على الصلاة حي على الفلاح، وفي بعض البلاد: الصلاة الصلاة، وهو التثويب المحدث أحدثه أهل الكوفة؛ لأنه وقت نوم وغفلة فاستحب ذلك رفقا بهم.
وكره في سائر الصلوات؛ لعدم الحاجة إليه، وفي زماننا لم يرو به بأسا في سائر الصلوات؛ لتغير أحوال الناس.
قال أبو يوسف رحمه الله: لا أرى بأسا بقول المؤذن على باب الأمير، والقاضي والمفتي: الصلاة يرحمك الله؛ لاشتغالهم بأمور المسلمين.
ويكره لِلْجُنُبِ أن يؤذن ويقيم؛ تعظيما لأمر الصلاة.
ولو فعل يعاد الأذان ولا تعاد الإقامة؛ لأن تكرار الأذان مشروع دون تكرار الإقامة.
والْمُحْدِثُ يكره له الإقامة؛ لما فيه من الفصل بين الإقامة والصلاة بعمل الطهارة.
ولا يكره له الأذان في رواية؛ لأن الأذان مشتبه بالصلاة من حيث إن فيه استقبال القبلة فشرطت له الطهارة عن أغلظ الْحَدَثَيْن دون أخفهما.
ولا يجب إعادة الأذان والإقامة بسبب الحدث.
أما الإقامة؛ فَلِمَا قُلْنَا، وأما الأذان؛ فلأنه يجوز مع الحدث في رواية.
ولو أعيد الأذان فلا بأس به؛ لما مر.
ويُستحب إعادة أذان المرأة؛ لأن صوتها عورة فلا ترفع، فلا يحصل المقصود.
يرتل الأذان أي يَتَرَسَّل في الأذان وَيَحْدِر فِي الْإِقَامَةِ؛ لقوله عليه السلام لبلال رضي الله عنه: إذا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ وإذا أقمت فَاحْدُرْ» وفي رواية «فَاجْزِمْ» ?.
ويجلس بين الأذان والإقامة مقدار ركعتين أو أربع إلا في صلاة المغرب؛ لأن تأخير المغرب مكروه.
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يجلس جلسة خفيفة؛ ليقع الفصل بين الأذان والإقامة.
وعند الشافعي رحمه الله: يفصل بينهما بركعتين.
قال يعقوب: رأيت أبا حنيفة رحمهما الله يؤذن ويقيم في المغرب ولا يجلس. فهذا يدل على أن الأحق أن يكون المؤذن هو المفتي.
الجزء 1 · صفحة 23
ولو صلى في سفر أو في بيت ليس له مسجد حي فالأفضل أن يؤذن ويقيم، ولو ترك الأذان وحده لا يكره، ولو ترك الإقامة: يكره؛ لأن الأذان لإعلام الغائبين ولا حاجة إليه هنا، والإقامة لإعلام الشروع وهم محتاجون إلى ذلك.
وإن كان له مسجد حي لا يكره ترك الإقامة أيضًا؛ لقول عمر رضي الله عنه: أذان الحي يكفينا. والله تعالى أعلم بالصواب.
باب الإمام أين يستحب له القيام
قال رحمه الله: ويكره للإمام أن يقوم في طاق محراب المسجد والقوم في المسجد؛ لأنه يشبه اختلاف المكانين كما يكره أن يقوم الإمام على الدُّكَّانِ ? والقوم في السفل، أو على العكس إلا إذا كان مع الإمام بعض القوم فحينئذ لا يكره كما في بعض مساجد الجامع.
ولا بأس بأن يكون قيامه في المسجد وسجوده في المحراب، ولا بأس أن يصلي إلى ظهر رجل قاعد يتحدث، أو يصلي وبين يديه مصحف معلق أو سيف معلق؛ لأنه لا يشبه عبادة الصنم.
وكذا على بساط فيه تصاوير، ولا يسجد على التصاوير، ويكره أن يصلي وبين يديه على الجدار أو على البساط أو فوق رأسه صورة؛ لأنه يشبه عبادة الصنم.
وكذا إذا كان بحذائه، أو عن يمينه، أو عن يساره صورة؛ لأنه يقع بعض وجهه إلى الصورة.
وإن كان خلفه أو تحت قدمه: لا تكره الصلاة؛ لكن يكره كراهة جعل الصورة في البيت، فإنه جاء في الحديث: إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب أو صورة» ? فيجب
تنزيه مكان الصلاة عما يمنع دخول الملائكة.
إلا إذا محى رأسه، أو خيط رأسه بخيط فحينئذ لا يكره؛ لأنه لا يُعبد بلا رأس.
وإن خيط عنقه دون رأسه فلا يعتبر ذلك؛ لأنه يصير بمنزلة الطوق.
هذا إذا كانت الصورة كبيرة بحيث تبدو للناظر من بعيد.
وإن كانت صغيرة بحيث لا تبدوا للناظر من بعيد فلا يكره؛ لأنه روي أنه كان في خاتم أبي هريرة رضي الله عنه ذُبَابَتَانِ، وعلى خاتم دانيال عليه السلام صورة أسد ولبؤة وبينهما صبي يلحسانه كأنه يحكي ابتداء حاله.
الجزء 1 · صفحة 24
وتكره التصاوير على الثوب، ولا تكره على البساط؛ لأنه استهانة بها، وتجوز صلاته في الوجوه كلها لاستجماع شرائطها وأركانها.
وينبغي للمصلي أن يستتر بحائط، أو سارية المسجد، أو خشبة.
فإن النبي عليه السلام كان يفعله هكذا. وسترة الإمام تكفي للقوم.
لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ببطحاء مكة إلى عنزة ? ولم يكن للقوم سترة.
ويُقرب من السترة؛ لقوله: من صلى إلى سترة فليقرب منها» ?.
ويجعل السترة على حاجبه الأيمن أو الأيسر به.
به ورد الأثر.
والسترة مقدار الذراع فصاعدا.
ولا بأس بتركه إذا أمن المرور ولم يواجه الطريق، فإذا تعذر غرز العود لم يعتبر القاؤه.
ويدرئ المار إذا مر بينه وبين السترة، ولا يُفسد صلاته مرور شيء؛ لقوله عليه السلام: «لا يقطع الصلاة مرور شيء وادرؤا ما استطعتم ?.
والدرئ بالإشارة أو بالتسبيح.
هكذا فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بولدي أم سلمة عمر وزينب فأشار لعمر فوقف، وأشار إلى زينب فلم تقف.
ولو أشار وسبح يكره؛ لأن بأحدهما كفاية، والله أعلم بالصواب.
باب التكبير
قال محمد رحمه الله: يكبر للافتتاح حالة القيام وللركوع عند الإنحطاط؛ لأن النبي كان يكبر مع كل خفض ورفع.
وإذا رفع الإمام رأسه من الركوع يقول: سمع ا الله لمن حمده، ويقول من خلفه ربنا لك الحمد، ولا يقولها الإمام عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما: يقولها الإمام؛ لحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
الجزء 1 · صفحة 25
أربع يخفيهن الإمام، من جملتها: ربنا لك الحمد» ?، ولأنا لا نجد شيئًا من الأذكار يقولها المقتدي ولا يقولها الإمام، فكذا هذا.
ولأبي حنيفة رحمه الله: قوله: وإذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، قولوا: ربنا لك الحمد قسم هذين الذكرين بين الإمام والمقتدي والقسمة تنافي شركة كل الله واحد في قسم صاحبه، ولأن المقتدي يقول: ربنا لك الحمد حال قول الإمام: سمع ا لمن حمده، فلو قال الإمام بعد ذلك: ربنا لك الحمد كان حمده بعد حمد المقتدي وهذا خلاف ما وضع له الإمام.
وأما المنفرد فعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: يجمع بين التسميع والتحميد.
وعن أبي حنيفة رحمه الله ثلاث روايات:
في رواية: يأتي بالتسميع لا غير.
وفي رواية أبي يوسف عنه: يأتي بالتحميد لا غير.
وفي رواية الحسن عنه: يجمع كما هو مذهبهما، وعليه الاعتماد.
رجل ركع قبل الإمام فأدركه الإمام في الركوع، أو سجد قبل الإمام فأدركه الإمام في السجود جازت صلاته، وقال زفر رحمه الله: لا تجوز؛ لأن ما أدى قبل الإمام قد فسد، فما بعده يكون بناءً على الفاسد. ولنا: أن ما أدى قبل الإمام من الركوع والسجود لم يعتبر فصار كأن لم يكن، وما أدى مع الإمام من الركوع والسجود وإن قل يكفي للجواز؛ لأن ذلك القدر وإن قل، ينطلق عليه اسم الركوع والسجود. رجل أدرك الإمام في الركوع فكبر للافتتاح ووقف حتى رفع الإمام رأسه من الركوع، ثم ركع: لم يكن مدركا بتلك الركعة، وقال زفر رحمه الله: يكون مدركا؛ لأن دخول المقتدي في صلاة الإمام في حال ركوعه كدخوله في حال قيام الإمام؛ لما أن الركوع له حكم القيام؛ ألا ترى أنه لو شاركه في الركوع يكون مدركًا للركعة كما لو شاركه في القيام.
ولنا: أن شرط إدراكه الركعة المشاركة في الأداء للقيام وللركوع الذي له حكم القيام ولم يوجد.
رجل سبقه الحدث في ركوعه أو سجوده توضأ وبنى، ويعيد ما سبقه الحدث فيه وإن لم يعد: لا يجزئه؛ لأن الانتقال من ركن إلى ركن مع الطهارة فرض ولم يوجد.
الجزء 1 · صفحة 26
رجل ذكر في ركوعه أنه ترك سجدة من الركعة الأولى، فانحط وسجد تلك السجدة، أو تذكر في سجوده أنه ترك سجدة من الركعة الأولى فرفع رأسه وسجد تلك السجدة: فإنه يعيد الركوع الذي ذكر فيه السجدة، أو السجود الذي ذكر فيه السجدة المتروكة؛ لتقع الصلاة مرتبة.
وإن لم يعد أجزائه؛ لأن الترتيب فيما كان مكررا من أركان الصلاة ليس بفرض، والله أعلم بالصواب.
باب الرجل يدرك الفريضة بالجماعة
رجل دخل المسجد فظن أن الإمام قد صلى الظهر، فلما صلى ركعة أقام المؤذن الظهر، قال محمد: يُضيف إليها ركعة أخرى حتى يتم له ركعتان نفلا، ثم يسلم ويدخل في صلاة الإمام.
إحرازا لفضل الجماعة
وإن لم يقيد الركعة الأولى بالسجدة: فإنه يقطع ويدخل في صلاة الإمام لأن ما. أدى ليس له حكم فعل الصلاة؛ ولهذا لو حلف لا يصلي: لا يحنث بهذا القدر، فيقطع ليؤديها على الوجه الأكمل بالجماعة، بخلاف التطوع والسنة حيث لا يقطع، وإن كان في القيام أو في الركوع؛ لأن هذا القطع ليس ليؤديها على الوجه الأكمل فيتم ركعتين ويسلم ويدخل في صلاة الإمام، وإن قطعها قضى ركعتين أيضًا في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.
وعلى قياس ما روي عن أبي يوسف رحمه الله فيمن نوى التطوع أربع ركعات ويسلم على رأس الركعتين يقضي أربعًا، فكذلك ههنا.
وفي سنة الظهر لا يسلم على رأس الركعتين بل يتم أربعًا.
والله ولو سلم قضى أربعا؛ لأن الكل بمنزلة صلاة واحدة ففي أي حال قطعها يجب قضاء الأربع، وبه كان يفتي الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل البخاري رحمه الله في سنة الظهر؛ لأنه بمنزلة صلاة واحدة واجبة حَتَّى أَنَّ الشفيع إذا انتقل إلى الشفيع الثاني بعدما أخبر بالبيع لم تبطل شفعته، وكذا يمنع صحة الخلوة.
وإن قيد الركعة الثالثة بالسجدة في الظهر، ثم أقيمت الصلاة: أتمها؛ لأن للأكثر حكم الكل.
وإن لم يقيدها بالسجدة لا يعيدها.
الجزء 1 · صفحة 27
بل يعود إلى القعود ويسلم ويدخل مع الإمام.
وإن شاء لا يقيد؛ بل ينوي صلاة الإمام ويدخل فيها؛ لأنه لو قيد الثالثة بالسجدة لا يمكنه القطع؛ لما مر فيفوته فضل الجماعة.
وكذلك الجواب في العصر والعشاء.
فأما في صلاة المغرب إن قيد الركعة الثانية بالسجدة: أتمها؛ لأنه أتى بالأكثر، ولم يقيد الثانية بالسجدة.
أو كان في الركعة الأولى قطعها ويدخل في صلاة الإمام؛ لأنه لو قيد الثانية بالسجدة لا يمكنه القطع؛ لما مر. وفي صلاة الفجر إن صلى ركعة قطعها، وإن قيد الثانية بالسجدة: لا يقطع.
ثم في الموضع الذي أتمها وحده، هل يدخل بعد ذلك في صلاة الإمام؟
ففي الظهر والعشاء: يدخل، ويكون ما صلى مع الإمام نفلا؛ لأن التنفل بعدهما ليس بمكروه.
وفي الفجر والعصر لا يدخل؛ لأن التنفل بعد العصر، وفي وقت الفجر مكروه وفي المغرب كذلك لا يدخل؛ لأن التنفل في هذا الوقت مكروه، ولكن لو دخل الإمام وسلم مع الإمام كان متنفلا بثلاث ركعات، وذلك غير مشروع، وإن أتم أربعا يلزمه مخالفة الإمام؛ لكن مع هذا إذا دخل مع الإمام لا يسلم معه؛ بل يتم أربعًا.
رجل دخل مسجدًا قد أذن فيه: لا يخرج حتى يصلي؛ لقوله عليه السلام: «لا يخرج من المسجد بعد النداء إلا منافق، أو رجل يخرج لحاجة يريد الرجعة».
ولو كان إمام مسجد آخر: يخرج؛ لأنه ذو حاجة، ولو كان صلى مرة لا بأس بأن يخرج.
وإذا أخذ المؤذن في الإقامة: فلا يخرج ولا يدخل في صلاة الإمام؛ لأنه لو خرج لكان خلاف الجماعة عيانًا إلا في صلاة الفجر والعصر والمغرب على ما مر.
رجل دخل المسجد والناس في صلاة الفجر وهو لم يصل ركعتي الفجر، فإن علم أنه لو صلى سنة الفجر يدرك مع الإمام ركعة فإنه يصلي السنة؛ لأن سنة الفجر واجبة والجماعة واجبة وأمكنه الجمع بينهما من كل وجه أو من وجه.
الجزء 1 · صفحة 28
وإن خشي أنه لو صلى ركعتي الفجر تفوته الركعتان بالجماعة: فإنه يترك ركعتي الفجر ويدخل مع الإمام؛ لأن في الجماعة إظهار شعار الإسلام فترجح على السنة، ثم لا يقضيهما قبل طلوع الشمس عندنا، وعند الشافعي رحمه الله: يقضيهما.
وأما بعد ارتفاع الشمس هل يقضي؟
عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: لا يقضي.
وعند محمد رحمه الله: يقضي.
هو يقول: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضاهما غداة ليلة التعريس.
وهما يقولان: إنما قاضهما مع الفرض، فلو قاضهما مقصودًا لم يكن اسْتِنَانًا بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى لو ترك الفرض أيضًا قضاهما مع الفرض سواء كان وحده أو بجماعة إلا إن لم تزل الشمس، فإذا زالت الشمس قضى الفرض دون السنة.
وأما سنة الظهر إن صلى الظهر بجماعة يأتي بها لا محالة؛ لأن في تركها وعيدا معروفًا.
وإن أخذ المؤذن في الإقامة: ترك السنة، ودخل مع الإمام؛ لأنه أمكنه قضاؤها بعد الفرض.
بخلاف سنة الفجر؛ لأنه لا يمكنه القضاء بعد الفرض.
ولو صلى الظهر وحده، قال بعضهم: لا بأس بأن لا يأتي بالسنة، والصحيح أنه يأتي بالسنة؛ لما ذكرنا.
وإذا كان الوقت صيفا يترك السنة سواء كان سنة الظهر أو سنة الفجر؛ لأن الوقتية فرض فلا يجوز ترك الفرض لأجل السنة.
وإذا ترك الأربع قبل الظهر يقضيها بعد الظهر؛ لكن عند أبي يوسف رحمه الله: يصلي الركعتين أولا، ثم يقضي الأربع.
وقال محمد رحمه الله: يقضي الأربع أولا، ثم يصلي الركعتين
وهل ينوي القضاء؟
اختلف المشايخ فيه، وكذا في سائر السنن.
الجزء 1 · صفحة 29
رجل أدرك ركعة من الظهر ولم يدرك الثلاث: فإنه لم يصل الظهر بجماعة؛ لأنه منفرد ببعضها حتى لو حلف لا يصلي الظهر مع الإمام فسبق ببعضها: لم يحنث.
وقال محمد رحمه الله: أدرك فضل الجماعة، ويحصل له ثواب الجماعة؛ لكن لا يكون ثوابه مثل ثواب الذي أدرك أول الصلاة مع الإمام، فإنه لم يدرك ثواب التكبيرة الأولى، قال عليه السلام: «التكبيرة الأولى خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»
وأصله في الجامع الكبير بأن قال: عبده حر إن صلى الظهر مع الإمام فسبق ببعضها: لم يحنث؛ لأنه منفرد ببعضها.
ولو قال: عبده حر إن أدرك الظهر مع الإمام: حنث وإن أدرك الإمام في القعدة، والله تعالى أعلم بالصواب.
باب ما يفسد الصلاة
قال رحمه الله: رجل تَأَوَّة، أو بكى في صلاته بصوت وحصل به حروف، فإن كان من ذكر الجنة أو النار: لا تفسد صلاته؛ لأنه لتعظيم الله سبحانه وتعالى فصار بمعنى التسبيح.
وإن كان من وجع، أو مصيبة، أو تنحنح من غير سعال يعتريه وحصل به حروف، أو حرفان: تفسد صلاته. وقال أبو يوسف رحمه الله: بالحرفين لا تفسد صلاته مثل قوله: آه، أو تف، أو أخ، والصحيح قولهما؛ لأنه كلام الناس.
وإن تنحنح من شعال: لا تفسد وإن حصل في حروف؛ لأن العذر جاء من قبل من له الحق.
رجل عطس فقال له رجل: يرحمك الله: تفسد صلاته؛ لأنه جواب له؛ لأن الكاف كاف الخطاب فكان جوابا له فكان كلامًا، دل عليه ما روي أن أبا عبد الرحمن السلمي رضي الله عنه: شمت العاطس خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما فرغ من صلاته دعاه، فقال: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتهليل سماه كلام الناس.
ولو قال: الحمد لله رب العالمين: لا تَفْسُد؛ لأنه ليس بجواب.
الجزء 1 · صفحة 30
وإن أراد جوابه فعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ينبغي أن تفسد صلاته، ولو ناداه إنسان فقال: لا إله إلا الله، إن أراد إعلامه أنه في الصلاة: لا تفسد صلاته بِالْإِجْمَاعِ، وإن أراد جوابه: تفسد عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله؛ لأنه صار كلاما؛ كما لو أخبر بمصيبة فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون: تفسد صلاته.
وقال أبو يوسف رحمه الله: لا تَفْسُد؛ لأنه ثناء على الله تعالى حقيقة فلا يتغير بقصده.
المقتدي إذا فتح على الإمام وهو يستفتحه: لا تفسد صلاته.
لقوله عليه السلام: «إذا استطعمك الإمام فأطعمه وهذا إذا كان فيه إصلاح صلاته بأن ارتج عليه وسكت ولم يركع ولم ينقل إلى آية أخرى، أما إذا لم يكن كذلك: تفسد صلاته.
ولو أخذ الإمام بقوله: تفسد صلاة الكل، ولو فتح على غير الإمام: تفسد صلاته سواء كان المستفتح في صلاة نفسه أو خارج الصلاة؛ لأنه تعليم وأنه ليس من أفعال الصلاة.
ويجوز له أن يدعوا في الصلاة بما جاء في القرآن، وكذلك بما يمتنع سؤاله من العباد.
كالمغفرة ونحوها.
ولا يجوز أن يسأل من الله تعالى بما يسأل من العباد نحو قوله: اللهم زوجني فلانة، ولو قال: اللهم ارزقني فلانة: اختلف المشايخ فيه، والأصح أنه تفسد صلاته؛ لأنه يجوز سؤال ذلك من العبد يقال: رزق الأمير الجيش.
إمام قرأ آية الترغيب والترهيب يستمع من خلفه ويسكت؛ لقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} الأعراف: 0].
وكذا عند الخطبة؛ لأن فيها آيات من القرآن، ولأن فيها وعظا وبيان الأحكام فيستمع ليتعظ.
وكذا إذا صلى الخطيب على النبي يسكت.
فإذا قرأ الخطيب قوله عز وجل: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا الأحزاب: 56فيصلي السامع في نفسه.
وإن كان بعيدا من الخطيب بحيث لا يسمع: اختلف المشايخ فيه، والأحوط السكوت.
الجزء 1 · صفحة 31
رجل صلى الفجر خلف إمام يقنت في الفجر: يسكت ولا يتابعه في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله؛ لأنه منسوخ فلا تجوز المتابعة.
وقال أبو يوسف رحمه الله: يتابعه؛ لأنه مجتهد فيه وطاعة الإمام واجبة في المجتهدات، فالاختلاف في المتابعة في القنوت هنا مع أنه خطأ عندنا يدل على أن المقتدي يتابع الإمام في القنوت في الوتر في شهر رمضان؛ لأنه واجب.
ثم عندهما إذا لم يتابعه في القراءة هل يتابعه في القيام؟
قال بعضهم: يتابعه.
و قال بعضهم: بقعد؛ تحقيقا للمخالفة من كل وجه؛ لأن الساكت في القيام شريك القارئ كالمقتدي حال قراءة الإمام
و دلت المسألة على جواز اقتداء الحنفي بالشفعوي، وهذا إذا لم يكن متعصبا ولا شاكا في إيمانه، ويحتاط في موضع الخلاف، أما إذا لم يكن كذلك: لا يجوز الاقتداء به
وروى مكحول النسفي. أبي حنيفة رحمهما الله: أنه إذا كان يرفع يديه عند الركوع وعند رفع رأسه من الركوع: تفسد صلاته؛ لأنه عمل كثير فلا يجوز الاقتداء به، والله أعلم بالصواب.
باب في تكبيرة الافتتاح
رجل افتتح الصلاة بالفارسية، أو قرأ القرآن بالفارسية، أو خطب بالفارسية، إن كان لا يحسن العربية: جاز بالإِجْمَاعِ، وإن كان يحسن العربية: جاز أيضًا في قول أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما لا يجوز.
لهما: أنه مأمور بقراءة القرآن، والقرآن اسم للنظم والمعنى؛ لأنه هو المعجز إلا إذا عجز عن النظم فيكتفي بالمعنى.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق ليس بعربية ولا فارسية، والنظم ينبئ عن ذلك المعنى؛ كما قال الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ الشعراء: 96].
ولو أذن بالفارسية، قيل: هذا على الخلاف، وقيل: إنه لا يجوز بِالْإِجْمَاعِ. وهذا إذا قرأ بالفارسية كل لفظ بما هو معناه من غير أن يزيد شيئًا، أما إذا قرأ على طريق التفسير تفسد صلاته بِالْإِجْمَاعِ.
ولو ذبح وسمى بالفارسية، أو لبي، أو أسلم بالفارسية: يصح بِالْإِجْمَاعِ.
الجزء 1 · صفحة 32
وذكر أبو بكر الرازي أن أبا حنيفة رحمهما الله رجع إلى قولهما في القراءة وعليه الاعتماد.
ولو افتتح بـ لا إله إلا الله، أو بـ الحمد الله، أو بـ سبحان الله: جاز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وقال أبو يوسف: إن كان يحسن التكبير: لا يصير شارعا إلا بقوله: الله أكبر، الله الأكبر، الله الكبير.
وعند الشافعي رحمة الله عليه: لا يصير شارعا إلا بقوله: الله أكبر، الله الأكبر؛ لأن المأمور هو التكبير؛ لقوله تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبَرْ} المدثر: 3والتكبير هذا.
وهما يقولان: التكبير هو التعظيم، والتعظيم حاصل بسائر أسماء الله تعالى فيصير شارعا بسائر أسماء الله تعالى.
فأبو حنيفة رحمه الله مر على أصله أنه يعتبر المعنى، ومحمد رحمه الله فرق بين العربية والفارسية، فقال: التعظيم بالفارسية لا يكون مثل التعظيم بالعربية وإن اتحد المعنى.
ولو افتتح بـ اللهم اغفر لي: لا يصير شارعا بالإِجْمَاعِ؛ لأنه دعاء، وبقوله: اللهم، اختلف المشايخ فيه. رجل افتتح الظهر وصلى ركعة، ثم نوى التطوع أو العصر وكبر: فقد نقض الظهر؛ لأنهما صلاتان مختلفان فيصح شروعه في الثانية فتبطل الأولى ضرورة، والمسألة لا تتصور إلا في حق من لا ترتيب عليه، أما في حق صاحب الترتيب لا تتصور، فإن من انتقل من الظهر إلى العصر لا يصير منتقلا إلى العصر، بل صار منتقلا إلى النفل؛ لأن العصر لا يصح قبل أداء الظهر في حق صاحب الترتيب.
بخلاف ما لو افتتح الظهر وصلى ركعة، ثم نوى الظهر بالقلب وكبر يريد ابتداءه حيث لا يبطل ما أدى من الركعة حتى لو لم يقعد على الثالثة: يفسد ظهره؛ لأن هذه الثالثة هي الرابعة في الحقيقة؛ لأنه نوى الشروع فيما هو شارع فلغت نيته، والله تعالى أعلم بالصواب.
باب القراءة في الصلاة في السفر
في السفر إذا كان إماما يقرأ في الفجر بفاتحة الكتاب وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوج} البروج:]، و إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ الانشقاق: ونحوه.
وفي الظهر مثل ذلك، وفي العصر والعشاء دونه، وفي المغرب بالقصار جدا، وفي حالة الخوف يقرأ أي سورة شاء.
وأما في الحضر فيقرأ في الفجر بأربعين أو خمسين سوى فاتحة الكتاب.
الجزء 1 · صفحة 33
وفي رواية الحسن يقرأ من ستين إلى مائة، وبكل ذلك وردت الآثار فينظر في القوم إن كانوا يتلذذون بقراءته، ولا يملون بقراءة القرآن يطوله، وإن كانوا يَمَلُّونَ فلا يطول؛ كيلا يصير سببا لتنفير القوم، إلى هذا أشار عليه السلام لمعاذ رضي الله عنه حين طول القراءة على القوم فقال: «أفتان أنت يا معاذ».
وفي الظهر مثل ذلك أو دونه وبكل ذلك ورد الآثار.
وفي العصر والعشاء بأوساط المُفَصَّلِ، وفي المغرب بقصار المفصل؛ لما روي عن عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: أن إقرأ في الفجر والظهر بطوال الْمُفَصَّلِ، وفي العصر والعشاء بأوساط المُفَصَّلِ، وفي المغرب بقصار الْمُفَصَّلِ.
وطوال المُفَصَّل: من سورة الحجرات، إلى سورة عبس. وأوساط المُفَصَّلِ: من سورة إِذَا الشَّمْسُ كُورَتْ التكوير:]، إلى سورة وَالضُّحَى الضحى:]، والباقي قصار الْمُفَصَّل، هكذا ذكر في شرح الطحاوي رحمه الله.
وإن ضاق الوقت يقرأ مقدار ما لا يفوته الوقت، وفي الفجر يطول الركعة الأولى على الثانية؛ ليدرك الناس فضل الجماعة، وفي سائر الصلوات كذلك عند محمد رحمه الله.
وعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: لا؛ لورود الآثار بالتسوية، ولزوال الداعي إلى التطويل؛ لأنه ليس وقت نوم وغفلة بخلاف الفجر.
رجل ترك الفاتحة في الأوليين في الفرض لا يقضيها في الأُخْرَيَيْن؛ لأن الفاتحة في الْأُخْرَيَيْن مرة تقع عن نفسه؛ لأنه واجب، أو مندوب، فلو قرأ مرة أخرى قضاء عن الأوليين يؤدي إلى تكرار الفاتحة في ركعة واحدة وأنه ليس بمشروع.
ولو ترك السورة في الأولين قضاها في الأُخْرَيَيْن في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وجهر.
وإن تركها في صلاة الجهر: منهم من قال: يجهر بالسورة وحدها.
والصحيح أن يجهر بالفاتحة والسورة؛ كيلا يؤدي إلى الجهر والمخافتة في ركعة واحدة، وأنه ليس بمشروع.
رجل فاتته العشاء فقضاها بعد طلوع الشمس، إن أم فيها: جهر، وإن قضى وحده: خافت حتما.
الجزء 1 · صفحة 34
وقال بعضهم: يتخير بين الجهر والمخافتة كما في الوقت إذا صلى وحده، والأول أصح؛ لأن الجماعة شرط وجوب الجهر، والوقت في حق المنفرد شرط جواز الجهر.
وحد الجهر: أن يسمع غيره.
وحد المخافتة: أن يسمع نفسه أو غيره إذا وضع غيره أذنه على فمه إلا لمانع؛ لأن ما وراثه يكون مجمجة وتفكر، أو يبنى عليه الاستثناء والتعليق بأن قال: أنت طالق إن شاء الله، أو قال: أنت طالق إن دخلت الدار وخافت الاستثناء والشرط.
إمام قرأ من المصحف أو من المحراب فصلاته فاسدة في قول أبي حنيفة رحمه الله، وقالا: هي تامة وتكره.
أما الجواز؛ لأن النظر في المصحف عبادة كالقراءة.
وأما الكراهية؛ لأنه يشبه صنيع اليهود.
لأبي حنيفة رحمه الله: أن هذا تعلم من المصحف فتفسد صلاته؛ كما لو تعلم من المعلم.
وقال بعضهم: إنما تفسد صلاته إذا كان يحمل المصحف ويقلب الأوراق؛ لأنه عمل كثير ليس من أعمال الصلاة، أما إذا كان موضوعاً على الأرض، أو قرأ من المحراب: لا تفسد صلاته.
ولو نظر في كتاب الفقه وفهم ما فيه: لا تفسد صلاته بِالْإِجْمَاعِ، بخلاف ما لو حلف لا يقرأ كتاب فلان فنظر وفهم ما فيه حيث يحنث؛ لأن قراءة الكتاب هكذا تكون.
ويكره أَنْ يُؤَقَّتَ شيئًا من القرآن لشيء من الصلوات؛ لأنه هجران للباقي وليس في القرآن شيء مهجور.
أمي صلى بقوم أميين وبقوم يقرؤن: فصلاتهم فاسدة في قول أبي حنيفة رحمه الله، وقالا: صلاة الأميين جائزة؛ لأن حالهم مثل حاله.
وصلاة العاريين فاسدة؛ لأن حالهم فوق حاله، فصار كالعاري إذا صلى بقوم عارين وبقوم كاسين فصلاة العارين تجوز.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أن الإمام ترك القراءة مع القدرة عليها، فإنه لو قدم القارئ منهم واقتدى به كانت صلاته مع القراءة؛ لأن قراءة الإمام له قراءة، بخلاف الكاسي؛ لأن كسوة الإمام لا تصير كسوة
الجزء 1 · صفحة 35
للمقتدي، فعلى هذا لو صلى الأمي وحده وثمة قارئ ينبغي أن لا تجوز صلاته عند أبي حنيفة رحمه الله. إمام قرأ في العشاء في الأوليين فأحدث وقدم أميا: فسدت صلاته وصلاة القوم، وروي عن أبي يوسف رحمه الله: أنه لا تَفْسُدُ؛ لأن فرض القراءة صار مؤدى، ولا قراءة في الأخريين، فكان الأمي فيه والقارئ سواء.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أنه استخلف من لا يصلح خليفة له فتفسد صلاته وصلاة القوم؛ لأنها بناء عليها.
وإن استخلف بعدما قعد قدر التشهد فكذلك تفسد عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما لا تفسد.
وهي مسألة اثنى عشرية.
وقال بعضهم: ينبغي أن لا تفسد صلاته عند أبي حنيفة رحمه الله أيضًا؛ لأن الاستخلاف صنع منه.
إمام حصر عن القراءة ولم يقرأ مقدار ما تجوز به الصلاة فاستخلف رجلًا: جاز عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنه عجز عن المضي فيجوز الاستخلاف كما لو أحدث.
وعندهما لا يجزئه؛ لأنه نادر فأشبه الجنابة في الصلاة وثمة لا يجوز البناء والاستخلاف فكذا هذا.
وإن قرأ مقدار ما تجوز به الصلاة لا يجوز له الاستخلاف بِالْإِجْمَاعِ، ولو فعل تفسد صلاة الكل.
رجل صلى أربع ركعات تطوعًا ولم يقرأ فيهن شيئًا: فهذه المسألة على ثمانية أوجه
والأصل عند محمد رحمه الله: أنه متى فسد الشفع الأول بترك القراءة فيهما أو في إحداهما لا تبقى التحريمة أصلا فلم يصح شروعه في الشفع الثاني.
وعند أبي يوسف رحمه الله: تبقى التحريمة فيصح شروعه في الشفع الثاني.
وعند أبي حنيفة رحمه الله: إن وجدت القراءة في إحدى الأوليين وفي إحدى الأخريين يصح شروعه في الشفع الثاني، وإلا فلا.
محمد رحمه الله: جعل القراءة ركنا أصليا.
وأبو يوسف رحمه الله: جعل القراءة ركنا زائدا.
الجزء 1 · صفحة 36
وأبو حنيفة رحمه الله يقول: أصلي من وجه، من حيث أنه لا تجوز الصلاة بدونه زائد من وجه من حيث إنه سقط عن المقتدي، فمن حيث إنه أصلي ففواته في الشفع الأول يمنع الشروع في الشفع الثاني، ومن حيث إنه زائد ففواته في إحدى الأوليين وفي إحدى الأُخرين لا يمنع الشروع في الشفع الثاني.
إذا ثبت هذا فنقول: إذا ترك القراءة في الشفعين فعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: يلزمه قضاء الأوليين لا غير؛ لأنه لم يصح شروعه في الشفع الثاني فلم يلزمه قضاء الْأُخْرَيَيْن.
وإن قرأ في الأُوليين ولم يقرأ في الأُخْرَيَيْن: يلزمه قضاء الْأُخْرَيَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لأنه لما صح الأوليان صح شروعه في الشفع الثاني، وإذا فسد الشفع الثاني بترك القراءة يلزمه قضاؤه.
وإن قرأ في الأُخْرَيَيْن ولم يقرأ في الأُولَيين: يلزمه قضاء الْأُولَيين لا غير بِالْإِجْمَاعِ.
أما عند أبي يوسف رحمه الله؛ فلأنه صح شروعه في الثاني، ولم يفسد، بقي عليه قضاء الشفع الأول لفساده، والشفع الثاني لم يصر قضاء عن الأول؛ لعدم نية القضاء.
وأما عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: لم يصح شروعه في الشفع الثاني أصلا فلا يلزمه قضاؤه وبقي عليه قضاء الأوليين فحسب، فاتفقوا في الجواب وإن اختلفوا في الطريق.
وإن ترك القراءة في إحدى الأوليين وإحدى الْأُخْرَيَيْن: يلزمه قضاء الأربع عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
أما عند أبي يوسف فظاهر.
وأما عند أبي حنيفة رحمه الله: فلأنه لما قرأ في إحدى الأوليين وإحدى الأُخْرَيَيْن تأكدت التحريمة فصح شروعه في الشفع الثاني وقد فسد كلا الشفعين فيلزمه قضاؤهما.
وإن قرأ في إحدى الأولين لا غير، أو في إحدى الأُخْرَيَيْن لا غير، فعند أبي يوسف رحمه الله: عليه قضاء الأربع.
لما مر.
وعندهما: قضاء ركعتين وهو الشفع الأول. أما عند محمد رحمه الله فظاهر. وأما عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن عنده شرط تأكد التحريمة القراءة في إحدى الأوليين وإحدى الأُخْرَيَيْن؛ لأن كل شفع صلاة
الجزء 1 · صفحة 37
على حدة، والصلاة ليست صلاة بدون القراءة ولم يوجد في هذين الوجهين فلم يصح شروعه في الشفع الثاني، فلا يلزمه قضاؤه، وبقي عليه قضاء الشفع الأول.
وإن قرأ في الأُولَيَين وإحدى الأُخْرَيَيْن: يلزمه قضاء الْأُخْرَيَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ.
وإن قرأ في الْأُخْرَيَيْن وإحدى الأُولَيَيْن: يلزمه قضاء الْأُولَيَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ.
وهذا ظاهر؛ لأن عند محمد رحمه الله لم يصح شروعه في الشفع الثاني، وعندهما رحمهما الله: صح الشروع وصح الأداء.
وتفسير قوله عليه السلام: «لا يُصلى بعد صلاة مثلها».
أي: لا يصلى بعد الظهر مثله أربعا يعني ركعتين بقراءة وركعتين بغير قراءة فكان هذا أمرًا بالقراءة في الركعات كلها، والله تعالى أعلم بالصواب.
باب ما يكره من العمل في الصلاة
لا بأس بقتل الحية والعقرب في الصلاة.
يريد به إذا قصده؛ لقوله عليه السلام: اقتلوا الأسودين ولو كنتم في الصلاة
والمراد به الحية والعقرب، فدل الحديث على إباحة قتل الكل، فيكون حجة على من يقول: لا تقتل البيضاء؛ لأنها جني.
ويكره عد الآي والتسبيح بالأصابع في الصلاة في قول أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن العد ليس من عمل الصلاة.
وعندهما لا بأس به في الفرائض والنوافل؛ لأن الحديث ورد به.
رجل ظن أنه أحدث، فخرج من المسجد، ثم تبين أنه لم يحدث: استقبل، وإن كان في المسجد بنى على صلاته؛ لأن اختلاف المكانين مبطل للتحريمة إلا لعذر، وقد عدم العذر.
وفي المفازة ? أُعتبر مكان الصفوف في حق جواز البناء؛ لأنه بمنزلة المسجد.
والإمام إذا ظن أنه أحدث فاستخلف، ثم ظهر أنه لم يحدث: فسدت صلاة الكل؛ لأنه ظهر أنه استخلف بغير عذر.
الجزء 1 · صفحة 38
رجل صلى ركعة تطوعًا على الدابة، ثم نزل بني وأتم؛ لأن النزول عمل قليل. ولو صلى نازلا، ثم ركب: لا يبني؛ لأن الركوب عمل كثير.
وبعضهم فرقوا من وجه آخر: أن إحرام الراكب انعقد مجوزا للركوع والسجود لا موجبا؛ لأنه بالخيار إن شاء ترك وأتم بركوع وسجود، وإن شاء أتمها على الدابة بالإيماء.
أما إحرام النازل انعقد موجبا للركوع والسجود، ولا يجوز ترك الواجب إلا لعذر ولم يوجد.
إمام أحدث فقدم مسبوقاً، فأتم المسبوق صلاة الإمام، ثم قهقه، أو أحدث متعمدا، أو تكلم، أو خرج من المسجد فسدت صلاته وصلاة القوم تامة؛ لأن القاطع لم يؤثر في صلاة القوم؛ لأنها قد تمت.
ولو أحدث الإمام متعمدا أو قهقه بعدما قعد قدر التشهد وخلفه مسبوق ولاحق فسدت صلاة المسبوق واللاحق عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما رحمهما الله: لا تفسدهما.
هما قالا: بأن صلاة الإمام لا تَفْسُد بِالْإِجْمَاعِ فكذا صلاة المسبوق واللاحق، وصار كما لو سلم، أو تكلم، أو خرج من المسجد لا تفسد صلاة أحد؛ فكذا هنا.
وأبو حنيفة يقول: بأن الحدث العمد والقهقهة مفسد؛ لكن لم يظهر في حق الإمام؛ لأنه قد تمت صلاته ولا حاجة إلى البناء، وقد ظهر في حق اللاحق والمسبوق؛ لأن صلاتهم لم تتم، واحتاجوا إلى البناء، بخلاف السلام، والكلام، والخروج من المسجد؛ لأن ذلك منهي للصلاة وليس بمفسد، والله أعلم بالصواب.
باب في سجدة التلاوة
المقتدي إذا قرأ آية السجدة فسمع الإمام والقوم: لا يسجدونها في الصلاة بالإجماع؛ لأنه لو سجد التالي دون الإمام يصير مخالفا لإمامه، ولو سجد الإمام معه يصير الإمام تبعا للمقتدي وهذا لا يجوز.
وأما بعد الصلاة يسجدونها عند محمد؛ لزوال المانع.
وعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: لا يسجدونها؛ لأن المقتدي محجور عن القراءة؛ لكونه موليا عليه من جهة إمامه، وقراءة المحجور لا حكم لها أصلا؛ كتصرف العبد المحجور والصبي المحجور. بخلاف الحائض أو الجنب إذا قرأ حيث يجب على السامع وعلى الجنب دون الحائض؛ لأنهما منيهان غير محجورين، وتصرف المنهي له حكم؛ كالبيع وقت النداء ونحوه.
الجزء 1 · صفحة 39
وإن سمعها رجل خارج الصلاة: تجب عليه.
قيل: بأن هذا قول محمد ولئن كان قول الكل، فلأن الحجر يظهر في حق من جمعهم سبب الحجر وهم أهل الصلاة دون غيرهم.
ولو قرأ الإمام آية السجدة فسمعها رجل خارج الصلاة: إن لم يدخل مع الإمام سجدها خارج الصلاة، وإن دخل في صلاة الإمام قبل أن يسجد الإمام: سجدها مع الإمام، وإن دخل بعدما سجد الإمام في تلك الركعة: سقط عنه السجدة؛ لأنه لما أدرك تلك الركعة جعل كأنه سجد ذلك. مع الإمام حكما.
وإن دخل معه في الركعة الأخرى: سجدها خارج الصلاة، ولو قرأها رجل خارج الصلاة فسمعها الإمام والقوم: سجدوها خارج الصلاة؛ لأن التلاوة حصلت خارج الصلاة.
وإن سجدوها في الصلاة: لا تجزئهم ولم تفسد صلاتهم.
إلا رواية عن محمد: أنها تفسد.
وسجدة التلاوة واجبة عندنا؛ لأن آيات السجدة كلها دالة على الوجوب؛ لأن في بعضها أمرًا، وفي بعضها مدحا لقوم خضعوا الله تعالى فيجب متابعتهم، وفي بعضها ذما لقوم استكبروا فتجب مخالفتهم. ولو قرأ آية السجدة في مجلس واحد مرارًا: تجب سجدة واحدة سواء سجد الأولى، ثم قرأ، أو لم يسجد حتى قرأها ثانيا؛ لأن اتحاد المجلس يجعل التلاوة المتكررة متحدة حكما عرف ذلك بحديث أبي عبد الرحمن السلمي معلم الحسن والحسين رضي الله عنهم فكان يكرر آية السجدة للتعليم وكان لا يسجد إلا مرة واحدة.
وإذا اختلف المكان، أو المجلس يجب بكل مرة سجدة.
والاشتغال بعمل آخر يوجب تبدل المجلس.
وتسدية الثوب توجب اختلاف المكان، وكذا الكرس.
وكذا إذا انتقل من غصن إلى غصن يتكرر الوجوب.
وكذا إذا تبدل مجلس التالي والسامع في مجلسه يتكرر الوجوب على السامع؛ لأن الوجوب يضاف إلى التلاوة ومجلسه اختلف.
الجزء 1 · صفحة 40
وذكر القاضي الإمام الإسبيجابي رحمه الله: أنه لا يتكرر الوجوب على السامع؛ لأن السبب في حقه السماع، ومكانه متحد، وعليه الفتوى.
ولو تبدل مجلس السامع دون التالي: يتكرر الوجوب على السامع بالاتفاق.
أما على قول الإمام القاضي الإسبيجابي فلا يشكل؛ لأنه يعتبر في حق السامع مكان السامع، ومكانه قد تبدل.
وأما على ظاهر الرواية؛ فلأن التلاوة متعددة متكررة حقيقة لكن الشرع جعلها متحدة حكما في حق التالي؛ لاتحاد مجلسه، ولا اتحاد في حق السامع فبقيت في حقه متكررة حقيقة وحكما فتكرر الوجوب عليه.
ويكره للمصلي أن يقرأ السورة ويترك آية السجدة؛ لأنه يفر منها.
ولا بأس بأن يقرأ آية السجدة ويترك ما سواها؛ لكن لا يستحب له ذلك؛ لما فيه من وهم تفضيل بعض الآيات على البعض. والله أعلم
باب السهو
رجل صلى الظهر خمسا، وقعد في الرابعة قدر التشهد: جازت صلاته؛ لأنه قد تم فرضه فلم يبق عليه إلا السلام وأنه واجب وليس بفرض حتى لو أخر السلام ساهيا يجب عليه سجود السهو، وترك الواجب لا يفسد الصلاة.
ويضيف إلى الركعة الخامسة السادسة حتى تتم ركعتان نفلا، ثم يتشهد، ثم يسلم، ثم يسجد سجدتي السهو؛ لكن عند محمد رحمه الله: سجدتا السهو لجبر نقصان تمكن في الفرض بترك الواجب وهو السلام أو في الفرض والنفل جميعا.
وعن أبي يوسف رحمه الله: لجبر نقصان تمكن في النفل وهو ترك تكبيرة الافتتاح.
وثمرة الاختلاف إنما تظهر فيما إذا جاء إنسان واقتدى به في التطوع في الركعتين
فعند محمد رحمه الله: يصلي ستا؛ لأنه بالشروع التزم تحريمة الإمام، وتحريمة الإمام انعقدت على الست، ولو أفسدها لا قضاء عليه، كالإمام إذا أفسد لا قضاء عليه؛ لأنه ظان فيها.
وعند أبي يوسف رحمه الله: يلزمه ركعتان؛ لأنه بالاقتداء التزم تحريمة النفل وذلك ركعتان.
الجزء 1 · صفحة 41
ولو أفسد فعليه قضاء ركعتين؛ لأنه غير ظان فيهما، بخلاف الإمام.
وعلى هذا قال مشايخ بلخ رحمهم الله: إنه يصح اقتداء البالغين بالصبيان في التراويح والسنن المطلقة والنفل، وإن كان الصبي بحال لا يلزمه قضاء ما شرع فيه لو أفسد، والمقتدي يلزمه القضاء لو أفسد، وقاسوا بمسألة الكتاب، فإنه لو أفسد الإمام ما شرع فيه من النفل: لا يلزمه القضاء، والمقتدي لو أفسد: يلزمه القضاء.
وعند مشايخنا رحمهم الله: لا يجوز اقتداء البالغ بالصبي في صلاة ما، إلا رواية عن محمد رحمه الله: في النفل المطلق يجوز.
وفرقوا بين مسألة الكتاب، وبين مسألة الصبي:
وقالوا في مسألة الكتاب: إنما صح الاقتداء؛ لأن صفة اللزوم إنما سقطت عن صلاة الإمام في الركعتين بعارض وهو الظن فجعل كأن اللزوم غير ساقط في حق المقتدي فيكون اقتداء المفترض بالمفترض فيصح.
أما مسألة الصبي اللزوم إنما انعدم بأمر أصلي وهو الصبي فإنه ليس بأهل للزوم الصلاة فلا يمكن أن يجعل كأنه لازم في حق المقتدي فيكون كأنه اقتداء المفترض بالمتنفل فلم يصح.
وإذا سجد للسهو يتشهد ويأتي بالدعوات في هذا التشهد، وهو الصحيح؛ لأنه آخر صلاته.
ولا تنوب الركعتان عن السنة، وهو الصحيح، وهو الجواب في العصر والعشاء وإن كان التطوع بعد العصر مكروها؛ لكن إنما يكره إذا قصده ابتداء، أما إذا وقع فيه من غير قصد فلا يكره إتمامه، وهو الصحيح.
هذا إذا قعد في الرابعة قدر التشهد، وإن لم يقعد وقام إلى الخامسة، إن لم يقيد الركعة بالسجدة: يعود، وإن قيدها بالسجدة: فسد فرضه؛ لكن عند أبي يوسف رحمه الله بوضع الجبهة.
يفسد فرضه عند محمد رحمه الله؛ لأن تمام السجدة بالرفع عنده ولم يوجد.
فإذا أحدث قبل الرفع بطلت السجدة، فصار كأنه لم يسجد.
وعند أبي يوسف رحمه الله: الفساد قد تقرر بوضع الجبهة.
وإن لم يسبقه الحدث حتى فسدت الفريضة عند الكل هل يبقى أصل الصلاة نفلا؟
الجزء 1 · صفحة 42
وهل تبقى التحريمة
؟ فعند محمد رحمه الله: لا يبقى أصلا حتى لو اقتدى به إنسان في هذه الحالة لا يصح اقتداؤه.
وعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: تبقى حتى يضيف إلى الخامسة السادسة ويكون الكل نفلا. ولو اقتدى به إنسان تلزمه ست ركعات، ولو أفسد يقضي ستا؛ لأنه التزم بالاقتداء تحريمة الست إذ الكل صار نقلا عندهما.
والإمام لو أفسد: لا قضاء عليه؛ لأنه ظان في الكل.
ثم إنما فسدت الفريضة هاهنا؛ لأنه ترك القعدة الأخيرة وإنها فريضة؛ لأن الصلاة بها تتم، وقراءة التشهد فيها واجب، والقعدة الأولى واجبة، وقراءة التشهد فيها أيضًا واجبة.
وقال القاضي الإمام أبو جعفر الأستروشني رحمه الله ?: قراءة التشهد فيها سنة وهذا أقيس؛ لأن القعدة الأخيرة لما كانت فريضة، وقراءة التشهد فيها واجبة فالقعدة الأولى لما كانت واجبة ينبغي أن تكون قراءة التشهد فيها سنة؛ لكن أشار محمد رحمه الله إلى أنها واجبة، فإنه أوجب سجود السهو بترك قراءة التشهد، والترك لا يتحقق إلا في القعدة الأولى؛ لأنه لا يمكنه الإتيان بها بعدما قام إلى الثالثة؛ لأنه يتعذر العود إلى القعدة بعد القيام إلى الثالثة، وفي القيام لا يأتي بقراءة التشهد أيضًا؛ لأنه ليس بمحل قراءة التشهد، أما في القعدة الأخيرة لما تذكر بعد السلام يمكنه الإتيان به فيكون تأخيرا لا تركا وسجود السهو واجب فلا يجب إلا بترك الواجب.
رجل سهى في صلاة التطوع، فلما سجد للسهو أراد أن يبني عليها أخريين: ليس له ذلك؛ لأنه لو بنى أخريين تقع سجدتا السهو في وسط الصلاة وموضعها آخر الصلاة. رجل سلم وعليه سجدتا السهو هل يخرج عن حرمة الصلاة؟
فعند محمد رحمه الله: لا يخرج حتى ينحرف عن القبلة، حتى لو اقتدى به إنسان بعد السلام قبل أن ينحرف صح اقتداؤه به سجد أو لم يسجد.
ولو قهقه ينتقض وضوءه.
وعند أبي حنيفة رحمه الله وأبي يوسف رحمه الله: موقوف إن سجد للسهو كان في حرمة الصلاة.
الجزء 1 · صفحة 43
وإن لم يسجد لم يكن في حرمة الصلاة، حتى لو اقتدى به إنسان إن سجد الإمام للسهو صح اقتداؤه به، وإلا فلا.
ومحمد رحمه الله يقول: لو لم تبقه في حرمة الصلاة لا يمكنه سجود السهو. وهما يقولان: هذا المعنى يقتضي بقاؤه في الحرمة على تقدير أن يسجد للسهو، وأما على تقدير أن لا يسجد فلا.
ولو سلم ينوي خروجه عن حرمة الصلاة وعليه سجود السهو: لا يخرج، ويسجد للسهو؛ لأنه نوى خلاف حكم الشرع فلم تصح نيته.
وينوي بالتسليمة الأولى من عن يمينه من الرجال وَالْحَفَظَة والنساء، وفي التسليمة الثانية من عن يساره من هؤلاء.
وفي زماننا النساء لا يحضرن الجماعة فلا ينويهن، والمنفرد ينوي الْحَفَظَةَ لا غير. والإمام هل ينوي القوم؟
اختلف المشايخ فيه، والأصح أنه ينويهم.
والمقتدي ينوي الإمام في الجانب الأيمن إن كان الإمام من جانبه الأيمن، وإن كان الإمام من جانبه الأيسر: نواه من جانبه الأيسر.
وإن كان المقتدي بحذاء الإمام:
فعند أبي يوسف رحمه الله: نواه من جانبه؛ ترجيحا له على اليسار.
وعند محمد رحمه الله: نواه في الجانبين؛ لأن له حظا من ا من جانبي الإمام.
ثم قدم محمد رحمه الله الرجال هاهنا في الذكر، وفي كتاب الصلاة قدم الْحَفَظَةَ؛ لأنه لم يرد به الترتيب في الفضيلة؛ لكن أراد الجمع؛ لأن حرف الواو للجمع المطلق؛ يعني: ينوي الكل.
ثم عند المعتزلة - تاب الله عليهم - جملة الملائكة - عليهم السلام - أفضل من جملة بني آدم. والمختار عندنا أن خواص بني آدم وهم الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام أفضل من جملة الملائكة، وخواص الملائكة - عليهم السلام - أفضل من عوام بني آدم، وعوام بني آدم وهم الأتقياء أفضل من عوام الملائكة عليهم السلام، والله تعالى أعلم بالصواب.
باب فيمن تفوته الصلاة
الجزء 1 · صفحة 44
قال رحمه الله: في رجل فاتته خمس صلوات أو أقل على الولاء، فأراد أن يصلي الْوَقْتِيَّة قبل قضاء الفوائت: لم يجزه؛ لأن الترتيب في الصلوات واجب عندنا، خلافًا للشافعي رحمه الله.
لنا: قوله عليه السلام: «من نام عن صلاة أو نسيها، فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل التيهو فيها، ثم ليصل التي ذكرها، ثم ليعد التي صلى مع الإمام ?.
وقوله: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها» ?.
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - جعل وقت التذكر وقتا للفائتة، فأداء الوقتية في هذه الحالة يكون أداء قبل الوقت فلا يجوز، وهذا حديث مشهور تلقته العلماء بالقبول.
وإنما يسقط الترتيب بكثرة الفوائت وهو أن تصير الفوائت ست صلوات ليدخل في حد التكرار وهاهنا الفوائت خمس فبقي الترتيب واجبًا، إلا رواية عن أبي حنيفة رحمه الله: أن فوات الخمس تسقط الترتيب فتجوز الوَقْتِيَّة، وكما يسقط الترتيب بكثرة الفوائت يسقط بالنسيان، وضيق الوقت، فجعل وقت التذكر وقتا للفائتة إذا اتسع الوقت عملا بالخبر، وجعل وقتا للصلاة الوَقْتِيَّة إذا ضاق الوقت عملا بكتاب الله تعالى.
ثم الفوائت القديمة إذا كانت أكثر من خمس هل يسقط بها الترتيب؟
قال بعضهم: يسقط ولا يصير صاحب ترتيب أبدا ما لم يقض تلك الفوائت والصحيح أنه يصير صاحب ترتيب إذا اشتغل بالصلوات في مواقيتها حتى لو ترك صلاة حديثة، ثم صلى صلاة وقتية وهو ذاكر للحديثة: لا يجوز زجرا له عن التهاون بها.
ويجوز قضاء الفوائت إذا كانت كثيرة بغير ترتيب؛ لأنها لما أسقطت الترتيب في أغيارها وهو الصلوات الوقتيات، فلأن يسقط الترتيب في أنفسها وهي الفوائت كان أولى.
وإذا قضاها حتى انتهى إلى الخمس، أو إلى الأربع، هل يعود الترتيب؟
اختلف المشايخ فيه، والأصح أنه لا يعود، وهو قول أبي حفص الكبير رحمه الله
ولو ترك صلاة يوم وليلة، ثم قضى من الغد مع كل صلاة وقتية صلاة فائتة: فالفوائت كلها صحيحة قدمها أو أخرها؛ لأنه قضاها على الترتيب.
الجزء 1 · صفحة 45
وأما الوقتيات إن قدمها على الفوائت: فهي فاسدة كلها؛ لأنه إذا صلى الوَقْتِيَّة من الفجر لم يقع جائزا وصارت الفوائت ستا.
فإذا قضى الفجر الفائتة بعدها فيقع جائزا وصارت الفوائت خمسا فكان وجوب الترتيب باقيا في حق الظهر، فإذا لم يجز الظهر صارت الفوائت ستا، فإذا قضى الظهر الفائت بعده وقع جائزا، فعادت الفوائت خمسا هكذا في كل وقت.
وإن قدم الفوائت فالوقيتات كلها فاسدة وأنه ظاهر؛ لأنه متى قضى فائتة وصارت الفوائت أربعا، فإذا لم تجز الوَقْتِيَّة بعدها عادت خمسا فكان الترتيب واجبا، إلا العشاء الأخيرة، لأنه صلاها في زعمه أنه لا شيء عليه من الصلوات وهذا ظن معتبر، فإن عند الشافعي رحمه الله: الوقتيات كلها جائزة.
وهذا بخلاف ما إذا صلى الفجر على غير وضوء، ثم صلى الظهر وهو يظن أن الفجر جائز، حيث لا يجوز الظهر؛ لأنه ظن باطل.
رجل صلى الظهر، وهو ذاكر أنه لم يصل الفجر، فالظهر فاسد لكن عند أبي حنيفة رحمه الله فسادًا موقوفا حتى لو صلى ست صلوات قبل أن يقضي الفجر، ثم قضى الفجر فالسادسة جائزة بِالْإِجْمَاعِ.
وإنما تجوز الخمس قبلها عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لسقوط الترتيب بها؛ لأن بها بلغت ستا؛ ألا ترى أنه لو أعادها غير مرتب جاز بالإجماع، حتى قبل صلاة الإتيان بها يجوز الخمس وهي السادسة قبل قضاء الفائتة، وصلاة الإتيان بها يفسد الخمس وهو قضاء الفائتة قبل السادسة، فإنه إذا صلى الفجر الفائتة أولا لا تبقى الخمس المؤداة بعدها بحال ينقلب جائزا أصلا بضم السادسة إليها.
وعندهما يقضي الخمس؛ لأن الفاسد لا يصير جائزا.
وإن صلى خمسا أو أقل قبل أن يقضي الفجر، ثم قضى الفجر: فما أداه لا ينقلب جائزا بالاتفاق؛ لأنها لم تبلغ ستا فبقي الترتيب فيها واجبا ولم يوجد.
ولو تذكر في وقت العصر أن عليه الظهر ولو اشتغل بالظهر يقع العصر في وقت مكروه، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله يصلي الظهر، ثم العصر؛ لأن الترتيب لم يسقط.
وعند محمد رحمه الله: يصلي العصر، ثم الظهر بعد غروب الشمس؛ لأن الترتيب سقط، وهو نظير الاختلاف فيما إذا تذكر الفجر وهو يخاف فوت الجمعة لو اشتغل بالفجر.
الجزء 1 · صفحة 46
ولو صلى الفجر وهو ذاكر أنه لم يوتر: لم يجز فجره عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنها فريضة؛ لقوله عليه السلام: إن الله تعالى زادكم صلاة أي على الخمس ألا وهي الوتر»، والزيادة من جنس المزيد عليه تكون، ولأن الزيادة إنما تكون على شيء مقدر لا على ما لا نهاية له، والفرائض مقدرة، أما النوافل غير مقدرة، والله أعلم.
باب صلاة المريض
الإمام إذا صلى قاعدًا بالإيماء لا يصلي خلفه من يصلي قائما أو قاعدا يركع ويسجد؛ لأن الإمام لا يسجد والمقتدي يسجد، فيكون بناء الموجود على المعدوم، وهذا لا يتصور.
ويصلي خلفه من يومئ قائما أو قاعدًا؛ لأن حاله مثل حاله.
ولو صلى الإمام مضطجعا بالإيماء: لا يصلي خلفه من يومئ قاعدًا أو قائما، فإن صلى الإمام قاعدا يركع ويسجد فصلى خلفه من يصلي قائما يركع ويسجد: جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله؛ لأن السجود هو المقصود وقد استوى حالهما في ذلك.
وعند محمد رحمه الله: لا يجوز.
ولو افتتح التطوع قائما فاتكاً على جدار أو على عصا، إن كان بعذر: لا يكره، وبغير عذر يكره وإن قعد، إن كان بعذر بحيث عجز عن القيام: لا يكره، وإن كان بغير عذر: كره، وأجزأه في قول أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما: لا يجزئه.
اعتبارا للشروع بالنذر، فإنه لو نذر أن يصلي قائما فصلى قاعدًا: لم يجز، فكذا إذا شرع قائما.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أن بالشروع إنما يلزمه الإتمام صيانة للمؤدى، والصيانة ههنا حاصلة بإتمامه قاعدًا، والقيام ليس من لوازمه بدليل أنه لو شرع قاعدًا أو قائما، ثم عجز وقعد أجزأه بخلاف الركعة الثانية؛ لأن الركعة الثانية من لوازم صلاته بدليل أنه لو عجز وتركها فسدت صلاته، فلزمه بالشروع ما هو من لوازم الصلاة، ولا صلاة بدونه لا ما هو ليس من اللوازم وهو القيام.
ولو صلى في السفينة قاعدًا من غير أن يدور رأسه، أو يدور رأسه؛ لكن يقدر على الخروج أجزأه في قول أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما لا يجزئه؛ لأن القيام ركن فلا يجوز تركه إلا بعذر.
ولأبي حنيفة: أن الغالب في السفينة دوران الرأس، والغالب بمنزلة الواقع كالسفر مع المشقة.
الجزء 1 · صفحة 47
والمريض الذي أحتضر يعني قرب موته يوضع كما يوضع في اللحد؛ لأنه بمنزلة الميت.
وإن استلقى لا بأس به؛ لأنه أيسر لخروج الروح.
وإذا حضرت الصلاة يستلقي على قفاه عندنا ورجلاه نحو القبلة.
وعند الشافعي رحمه الله ينام على جنبها الأيمن كما يوضع في اللحد اللحد؛ ليكون وجهه إلى القبلة؛ لقوله لعمران بن حصين رضي الله عنه: «صل قائما فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى الجنب تومئ إيماء».
ولنا: حديث ابن عمر رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يصلي المريض قائما فإن لم يستطع فقاعدًا فإن لم يستطع فعلى قفاه يومئ إيماء»، ولأن فيما قلنا تقع إشارته إلى القبلة؛ ألا ترى أنه يمكنه الإشارة برأسه إلى من كان نحو قدميه ولا يمكنه إلى من كان عن يمينه أو عن يساره.
وفيما قاله الشافعي رحمه الله: تقع إشارته بالرأس إلى قدميه، فكان ما قلناه أولى والله أعلم بالصواب.
باب الصلاة في السفر
المسافر يقصر ويفطر إذا قصد مسيرة ثلاثة أيام ولياليهم سير الإبل وسير الرجل غير الفيح؛ لقوله: يمسح المقيم يوما وليلة، ويمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليها» جعل مدة مسح المسافر ثلاثة أيام ولياليها.
ولو صح السفر بما ادون ثلاثة ة أيام لم تكن مدة. مسح من قصد مسيرة يومين ثلاثة أيام، فيؤدي إلى الخلف في كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأنه محال.
وفي الجبل يعتبر ما يليق بحال الجبل.
يعني إن قصد في طريق الجبل موضعا لا يصل إليه إلا بمسيرة ثلاثة أيام يقصر ويفطر ولا يعتبر الفرسخ.
وفي طريق البحر يعتبر أن تكون الرياح معتدلة لا ساكنة ولا شديدة.
فإذا قصد موضعا لا يصل إليه إلا بمسيرة ثلاثة أيام فحينئذ جاز له أن يقصر ويفطر.
الجزء 1 · صفحة 48
قوم من الغزاة حاصروا أهل الحرب في دار الحرب، أو أهل البغي في دار الإسلام؛ أي: ألجاؤهم، حتى تحصنوا في حصن ونووا الإقامة خمسة عشر يوما: لم تصح نيتهم؛ لأن دار الحرب ليس دار إقامة لهم، وإنما أقاموا الغرض قهر الكفرة، فمتى حصل غرضهم ينزعجون، فيكون حالهم مخالفًا لنيتهم، فلم تصح نية الإقامة فيقصرون.
وعلى هذا كل من أراد أن يخرج إلى موضع قريب لحاجة، ويقصد مكانا أبعد منه مقدار سفر ليقصر ويفطر: لا يجوز له ذلك؛ لأن حاله بخلاف قصده.
وكذانية الإقامة من أهل الكلا: لا تصح؛ لأن حالهم مبطل عزيمتهم. فإن كانوا في خيام
فعن أبي يوسف رحمه الله روايتان في رواية: يصيرون مقيمين؛ لأنه محال أن يكونوا مسافرين أبدا، والله أعلم بالصواب.
باب مسائل متفرقة
رجل أم قومًا في ليلة مظلمة بالتحرى، ووقع تحري الإمام إلى المشرق، ووقع تحري القوم إلى جهات مختلفة، وكلهم لم يعلموا بحال الإمام: جازت صلاتهم إلا صلاة من تقدم على الإمام؛ لأن القبلة حالة الاشتباه ما وقع تحريه إليها؛ لقوله عز وجل: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} البقرة: 5أي رضا الله نزلت الآية حالة الاشتباه.
فإن علموا بحال الإمام: لم تجز صلاتهم؛ لأنهم زعموا أن صلاة الإمام فاسدة والبناء على الفاسد فاسد.
رجل صلى ولم ينو إمامة النساء: لم يصح اقتداء المرأة به عندنا، خلافًا لزفر رحمه الله؛ لأنه لو صح الاقتداء ربما تقوم بجنب الإمام، أو بجنب واحد من القوم فتفسد صلاته على أحد فسادًا بأن لا تحاذي أحدًا فيه روايتان، والأظهر أنه لا يصح الاقتداء.
الإمام إذا أحدث وخرج من المسجد وخلفه رجل واحد: تعين للخلافة وإن لم يستخلفه؛ كالخليفة إذا مات وله ابن واحد يصلح للخلافة تعين للخلافة.
وإن لم يكن الذي خلفه صالحًا للإمامة: فسدت صلاته، وصلاة الإمام لا تفسد.
الجزء 1 · صفحة 49
وصلاة الليل مثنى، وأربع وست، وثمان بتسليمة واحدة يجوز بغير كراهة؛ لأن بكل ذلك وردت الآثار عن النبي صل الله
والزيادة على الثمان بالليل، وعلى الأربع بالنهار: مكروه، وأما الأفضل فالأربع بالليل والنهار عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن الوصل أولى من الفصل؛ ولهذا لو نذر أن يصلي ركعتين ركعتين فصلي أربعا بتسليمة واحدة يخرج عن العهدة.
ولو نذر أن يصلي أربعا بتسليمة واحدة فصلاهما بتسليمتين: لا يخرج عن العهدة.
وعندهما مثنى بالليل وأربع بالنهار أفضل.
اعتبارًا بالتراويح.
وعند الشافعي رحمه الله: مثنى مثنى بالنهار والليل أفضل، والله أعلم.
باب صلاة الجمعة الجمعة
اختصت بشرائط ستة لم تشترط في غيرها من الصلوات
الخطبة.
والجماعة.
والوقت، ولا خلاف فيها.
والوالي.
والمصر، شرط عندنا، خلافا للشافعي رحمه الله.
والسادسة: الأداء على سبيل الاشتهار حَتَّى أَنَّ أميرًا لو أغلق باب الحصن وصلى فيه الجمعة مع أصحابه: لا تجوز.
إمام يصلي الجمعة فنفر الناس كلهم، أو بقي من لا تنعقد بهم الجمعة؛ كالنسوان والصبيان، فإن كان قيد الركعة بالسجدة: أتم الجمعة عندنا. خلافا لزفر رحمه الله، هو يقول: الجماعة شرط فيشترط دوامها؛ كالطهارة. ولنا: أن الجماعة شرط افتتاح الصلاة؛ كالخطبة، فإن الإمام لو أحدث بعد الافتتاح واستخلف من لم يشهد الخطبة: أجزأه، كذا ههنا.
الجزء 1 · صفحة 50
وإن لم يقيد الركعة بالسجدة حتى نفروا فعندهما أتم الجمعة؛ لأن الافتتاح حصل بالجماعة.
وعند أبي حنيفة رحمه الله: يفتتح الظهر؛ لأن الجماعة شرط افتتاح الصلاة، وذلك لا يتحقق إلا بافتتاح كل ركن توجد به الصلاة، وذلك بالتقييد بالسجدة.
وإن بقي خلفه ثلاثة وهم عبيد، أو مسافرون: أتم الجمعة عندنا؛ لأن هؤلاء يصلحون إمامًا، فأولى أن يصلحوا مقتديًا؛ ألا ترى أن السلطان لو أمر عبدا يصلي بهم الجمعة أجزأه؛ لقوله: «اسمعوا وأطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي مجدع.
وعند الشافعي رحمه الله: لا بد من أربعين رجلا أحرارًا مقيمين ?.
وعند أبي يوسف رحمه الله: ثلاثة مع الإمام] ?.
فلو صلى الظهر في منزله وهو مقيم، أو مسافر، أو عبد، أو امرأة، أو قروي، ثم أدرك الجمعة انتقض ظهره بالاتفاق، وإن لم يدرك الجمعة لكن خرج من منزله وكان الإمام في الصلاة: فكذلك انتقض ظهره عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما: لم ينتقض؛ لأن الظهر قد صح، وإنما ينتقض ليتمكن من أداء الجمعة، فإذا لم يتمكن لو انتقض ينتقض مقصودا وأنه لا يجوز.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أنه أمر بالسعي إلى الجمعة فكان من ضرورته انتقاض الظهر؛ لأن الجمعة مع قيام الظهر على الجواز لا تتصور.
ويكره أن يصلي جماعة من أهل المصر الظهر بجماعة يوم الجمعة في سجن أو غيره؛ لأنه يخل بالجمع العظيم؛ ألا ترى أنه لا تستحسن الجمعة في موضعين في المصر، فهذا أولى.
الحاج إذا صلوا الجمعة بمنى ـ وهي قرية ـ فإن كان الخليفة حاضرًا، أو أمير مكة أجزأهم وإن كان غيرهما من السلاطين: لا يجوز؛ لأنه لا ولاية لهم على ذلك الموضع.
وعند محمد رحمه الله: لا يجوز بكل حال؛ لأن المصر شرط، وذلك ليس بمصر. هما يقولان: إنه موضع الإقامة، ويصير مصرًا في موسم الحج بخلاف عرفات؛ لأنه ليس بموضع الإقامة.
وتكلموا في المصر:
قال بعضهم: كل موضع فيه مفتي، ووالى، وقاضي فهو مصر.
وعن أبي عبد الله الثلجي رحمه الله: كل موضع يكون فيه جمع لو اجتمعوا في
الجزء 1 · صفحة 51
أكبر مساجدهم لم يسعهم فهو مصر.
إمام خطب يوم الجمعة بـ الحمد الله، أو بـ سبحان الله: أجزأه في قول أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما لا بد من كلام يسمى خطبة عرفا؛ لقوله عليه السلام: «إنما قصرت الجمعة لمكان الخطبة».
وعند الشافعي رحمه الله: لا بد من خطبتين ? كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولأبي حنيفة رحمه الله: قوله عز وجل: فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ} الجمعة: 9]، والله أعلم؛ أي: إلى استماع الخطبة أمر بمطلق الذكر، وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم يحمل عل إكمال السنة دون الركنية كيلا يؤدي إلى نسخ الكتاب، والله تعالى أعلم بالصواب.
باب العيدين وما يتصل بهما.
عيدان اجتمعا في يوم واحد ـ يعني: أن العيد كان في يوم الجمعة ـ فالجمعة فريضة، وصلاة العيدين واجبة لا يجوز تركها.
وإنما سمي سُنَّة؛ لأنه عرف وجوبها بالسُّنَّةِ.
ويجهر بالقراءة في الجمعة والعيدين.
رواه نعمان بن بشير، وزيد بن أرقم، وأبو واقد الليثي.
ولا يجهر في الظهر والعصر يوم عرفة بعرفات؛ لأن الأثر ورد بالإخفاء، والخطبة فيها ليست بأمر لازم، وإنما كانت لتعليم مناسك الحج؛ كخطبة يوم العيد، بخلاف خطبة الجمعة، فإنها شرعت خلفا عن شطر الصلاة فكانت لازمة.
الحاج إذا صلى الظهر يوم عرفة في منزله وحده، أو بجماعة، ثم أراد أن يصلي العصر في وقت الظهر مع الجمع العظيم خلف إمام مكة: لا يجزيه العصر إلا في وقته عند أبي حنيفة رضي الله عنه، وعندهما: يجزيه.
لهما: أن جواز تقديم العصر على وقته إنما كان لحق الوقوف؛ ليتمكن من الوقوف على وجه إقامة السُّنَّةِ بالدعوات في كل موضع فارغ البال فيجوز تقديم العصر لكل من له وقوف.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أن تقديم العصر على وقته مخالف للقياس، فلا يجوز
الجزء 1 · صفحة 52
إلا فيما ورد النص به، والنص إنما ورد في المُحرم بالحج بشرط أداء الظهر مع الإمام الأعظم؛ ولهذا يسمى هذا جمعًا؛ لأنه يجمع بين الظهر والعصر في أدائهما خلف الإمام في وقت الظهر فما وراءه بقي على أصل القياس.
وتكبيرات أيام التشريق من صلاة الفجر من يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر وهو ثماني صلوات عند أبي حنيفة رحمه الله.
وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه.
وعندهما: إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق.
وهو ثلاث وعشرون صلاة، وهو قول علي رضي الله عنه، هما أخذا بالأكثر احتياطًا. ولأبي حنيفة رحمه الله: أن الأصل في الثناء الإخفاء؛ لأنه أبعد من الرياء فكان الجهر به بدعة، فالأخذ بالأقل أولى.
ثم عند أبي حنيفة رحمه الله: إنما شرع هذا التكبير على إثر الصلوات المكتوبات بالجماعات على الرجال المقيمين في الأمصار حتى لا يجب بعد التطوعات وبعد العيدين؛ لأنها سنة، ويجب بعد الجمعة؛ لأنها فريضة، ولا على المسافر إلا إذا صلى خلف مقيم، ولا على المرأة إلا إذا صلت خلف رجل.
وعندهما يجب على كل من صلى المكتوبة؛ لأنه يتبع المكتوبة.
ولأبي حنيفة رحمه الله: قول علي رضي الله عنه: «لا جمعة، ولا تشريق، ولا فطر، ولا أضحى إلا في مصر جامع».
والمراد من التشريق: تكبير أيام التشريق.
ولو سهى الإمام عن التكبير وخرج من المسجد كبر القوم؛ لأنه شرع على إثر الصلاة لا في حرمتها فكان الإمام فيه مستحبا لا حتما.
والتعريف الذي يصنعه الناس بالبصرة - وهو أن يجتمع الناس في موضع تشبها بأهل عرفات - ليس بشيء؛ لأنه لم تعرف قربة إلا في مكان مخصوص، والله أعلم بالصواب.
باب حمل الجنازة
قال رحمه الله: يقوم الإمام بحذاء الصدر في صلاة الجنازة على الرجل والمرأة؛ لأنه موضع أشرف الأعضاء وهو القلب الذي هو محل الإيمان يشير إلى أنا نشفع له لإيمانه.
الجزء 1 · صفحة 53
وفي رواية الحسن رحمه الله: يقوم للرجل بحذاء رأسه وللمرأة بحذاء وسطها.
الجزء 1 · صفحة 54
وصلاة الجنازة أربع تكبيرات عند أهل السُّنَّةِ وما زاد عليه منسوخ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم
كبر أربعا في آخر صلاة صلاها على امرأة من الأنصار رضي الله عنها.
والأدعية بين التكبيرات معروفة.
وإن كان الميت صبيا، يقول بعد التكبيرة الثالثة: اللهم اجعله لنا فرطًا، اللهم اجعله لنا ذخرا ?، اللهم اجعله لنا شافعًا مشفعا ولا يُستغفر له فإنه لا ذنب له.
قوم صلوا على جنازة ركبانًا في القياس يجزيهم؛ لأنه دعاء.
وفي الاستحسان لا يجزيهم؛ لأنه صلاة من وجه.
ولا بأس بالإذن في صلاة الجنازة.
وهو: أن يأذن الولي لغيره بالإمامة.
وفي بعض النسخ: لا بأس بالأذان وهو الإعلام لصلاة الجنازة.
صبي سُبي من دار الحرب ومات، فإن كان معه أحد أبويه: فهو كافر لا يصلى عليه؛ لأنه تبع له في أحكام الدنيا.
وإن لم يكن معه أحد أبويه أو كان وهو مسلم: يُصلّى عليه؛ لأنه يحكم بإسلامه تبعا لأحد أبويه المسلم، أو للدار.
و من ولد ميتا يغسل ولا يصلى عليه.
وأدنى كفن الميت ثوبان إزار ولفافة ويسمى رداء؛ لقول أبي بكر رضي الله عنه: كفنوني في ثوبي هذين
والسنة ثلاثة أثواب: قميص، وإزار، ولفافة.
فيبسط اللفافة أولا وهو من القرن إلى القدم، ثم يبسط عليه الإزار وهو يستر من القرن إلى القدم، ثم يلبسه القميص وهو يستر من المنكب إلى القدم إن كان، وإن لم يکن فلا بأس به.
ويوضع الميت على الإزار بعدما أُلبس القميص، أو يوضع على الإزار أولا، ثم يقمص، ثم يعطف الإزار من قبل اليسار، ثم من قبل اليمين كما في حالة الحياة، ثم اللفافة كذلك.
الجزء 1 · صفحة 55
وفي حالة الضرورة يكفن فيما يوجد؛ لما روي أن حمزة رضي الله عنه استشهد وعليه نَمِرَة إذا غطى بها رأسه بدت قدماه وإذا غطى بها قدماه بدت رأسه فغطى بها رأسه وجعل على قدميه الإذخر» ?.
والاكتفاء بكفن الكفاية عند قلة المال وكثرة العيال أحسن.
وأدنى كفن المرأة ثلاثة أثواب ثوبان وخمار، والسُّنَّة خمسة أثواب: درع وهو القميص، وإزار وخمار، ولفافة، وخرقة فوق ثدييها.
فإنها تلبس الدرع أولا، ويجعل شعرها ضفيرتين، ويسدل؛ أي: يرسل على صدرها فوق الدرع، ثم يجعل الخمار فوق ذلك، ثم يعطف الإزار، ثم اللفافة، ثم تجعل
الخرقة فوق بطنها وثدييها.
والسنة في حمل الجنازة أن يحملها أربعة.
كما روي في حديث ابن عباس رضي الله عنه.
وعند الشافعي رحمه الله: السُّنَّة أن يحملها رجلان يضع السابق منهما مقدم الجنازة على أصل عنقه، يأخذ عمودي الجنازة بيديه، والآخر يضع مؤخرها على أصل صدره ويأخذ عموديها بيديه؛ لأن جنازة سعد بن معاذ رضي الله عنه كذلك حملت.
وإنا نقول: كان ذلك لزحام الناس والملائكة حتى روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي على رؤس أصابعه ?.
وإذا أردت إكمال السُّنَّةِ: ينبغي أن تحمل الجنازة من الجوانب الأربع فيبدأ بالمقدم الأيمن فتضعه على مينك، ثم تدفعها إلى غيرك، وتضع المؤخر على يمينك، ثم تدفعها إلى غيرك، ثم تجيء إلى المقدم الأيسر تضع على يسارك، ثم المؤخر الأيسر على يسارك فتحمل في كل جانب عشر خطوات فيكون يمين الميت لى يمين الحامل؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من حمل الجنازة من جوانبها الأربع غفر له مغفرة موجبة».
قال محمد رحمه الله: رأيت أبا حنيفة رحمه الله حمل الجنازة على نحو ما قلنا.
وكان ذلك لتواضعه.
ويسجى قبر المرأة بثوب.
الجزء 1 · صفحة 56
سترا لها.
ولا يسجى قبل الرجل، ويكره الآجر في اللحد؛ لأن به آثار النار.
ولا بأس باللبن والقصب.
وقد رخص إسماعيل الزاهد ? رحمه الله الآجر ? خلف اللبن في ديارنا، وأوصى به.
واللحد هو السُّنَّة عندنا.
وهو أن يحفر القبر ويوضع الميت فيه، ثم ينصب اللبن على اللحد.
وعند الشافعي رحمه الله: السُّنَّة، هو الشق كما يفعلون في ديارنا لرخاوة الأرض فإنها لا تطيق اللحد.
فإن تعذر اللحد، فلا بأس بتابوت لكن السُّنَّة أن يفرش فيه التراب، ثم يوضع الميت
کافر مات وله ولي مسلم: فإنه يغسله.
ولا يراعي سنة الغسل ويلفه في ثوب ويحفر حفيرة ويلقيه فيها.
وإن لم يكن له ولي: دفع إلى أهل دينه فعلوا به ما شاؤوا، والله أعلم بالصواب.
ويسقف وأيهما أولى إن كانت الأرض صلبة فاللحد، وإن كانت رخوة فالشق. العزيز شرح الوجيز:
باب الشهيد.
قتيل أهل الحرب، أو أهل البغي، أو قطاع الطريق بأي شيء قتل مباشرة أو تسبيبًا: كان شهيدا ولا يغسل؛ لأن شهداء أحد كلهم ما قتلوا بالسيف والسلاح.
ويصلى عليه؛ لأن النبي عليه السلام صلى على شهداء أحد.
وعند الشافعي رحمه الله: لا يصلى عليهم ?؛ لأن السيف محاء للذنوب فأغنى عن الشفاعة.
وكل من ارتث يغسل.
والارتثاث: أن ينال راحة من راحات الدنيا فيخف أثر الظلم، وشهداء أحد لم يرتثوا حتى روي أن كأس الماء كان يدار عليهم ولم يشربوا خوفًا من نقصان الشهادة. ولو أكل أو شرب أو حمل من المعركة
الجزء 1 · صفحة 57
حيا، ثم مات، أو آواه خيمة، أو فسطاط أو عاش يومًا: يصير مرتئًا.
وكذلك إذا أوصى كان ارتثائًا عند أبي يوسف رحمه الله، خلافا لمحمد رحمه الله.
وينزع عنه الحشو والفرو والسلاح والقلنسوة والخفان]؛ لأنه ليس من جنس الكفن.
ويزيدون وينقصون ? إتماما.
وكذلك إذا قتل مسلم بالسلاح ظلما لا يغسل؛ لأنه في معنى شهداء أحد.
وعند الشافعي رحمه الله: يغسل?.
فإن قتل بالمثقل: لا يغسل عندهما؛ لأن فيه القصاص.
وعند أبي حنيفة رحمه الله: يغسل؛ لأن عنده تجب الدية.
جنب قتل شهيدًا لا يغسل عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله؛ لأن ما كان واجبًا بسبب الجنابة سقط بالموت، والثاني لم يجب بسبب الشهادة.
وعند أبي حنيفة رحمه الله: يغسل؛ لما روي أن حنظلة بن عامر رضي الله قتل جنبًا فغسلته الملائكة، وكان ذلك للتعليم.
والحائض والنفساء إذا طهرتا، وتم الانقطاع، ثم قتلتا: فهو على الخلاف، وإن قتلنا قبل انقطاع الدم فعندهما لا يغسلان، وعن أبي حنيفة رحمه الله روايتان، والأصح: أنهما يغسلان؛ لأن الدم ينقطع قبل الموت، والله أعلم.
باب في حكم المسجد.
رجل جعل مسجدًا وتحته سرداب له أو لغيره، أو جعل السفل مسجدًا والعلو منزلا له ولغيره، وعزله عن ملكه، وجعل بابه إلى الطريق الأعظم: لم يصر مسجدا حتى يباع ويورث؛ لأن المسجد ما يخلص الله تعالى، ولم يخلص؛ لأن صاحب العلو له حق في السفل من حيث كونه موضع قرار العلو حتى لو كان السرداب لمصالح المسجد يصير مسجدا كما في مسجد بيت المقدس.
وروي عن أبي يوسف رحمه الله: أنه أجاز أن يكون السفل مسجدا والعلو منزلاً ولم يجوز على عكسه؛ لأن الأصل هو السفل.
الجزء 1 · صفحة 58
وروي عن محمد رحمه الله: أنه لما دخل الري رأى ضيقهم في الأبنية، فأجاز ذلك كله.
ولو جعل وسط داره مسجدًا وأذن للناس بالدخول فيه: لم يصر مسجدًا حتى يباع ويورث، ويجوز البول على سطحه؛ لأنه طريق الدخول له فلم يخلص الله تعالى.
ولو جعل أرضه مسجدًا لا يباع ولا يورث؛ لأنه صار الله تعالى.
وتكره المجامعة فيه والبول والخلوة] على سطحه، وكذلك يكره الوقوف عليه للحائض والجنب؛ لأن له حكم المسجد.
ثم عند أبي حنيفة رحمه الله: يشترط التسليم إلى المتولي أو أداء الصلاة بجماعة.
وعند محمد رحمه الله: صلاة الواحد تكفي.
وعند أبي يوسف رحمه الله: التسليم ليس شرط، وقد عرف في موضعه.
ويكره غلق باب المسجد؛ لأن فيه منع المسلمين عن العبادة فيه.
وفي زماننا لا بأس به في غير أوقات الصلاة؛ لأنه لا يؤمن على متاع المسجد.
ولا بأس بنقش المسجد بالجص والساج وماء الذهب من مال نفسه؛ لأنه تزيين الله تعالى، والصرف إلى المساكين أفضل، فإن سقف مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من جريد النخل.
والتجصيص حسن؛ لأنه يحكم البناء.
والنقش من مال المسجد: لا يجوز؛ لأنه تضييع.
ولو جعل فيه تمثالاً مقطوع الرأس فلا بأس به؛ لأنه ليس بتمثال بلا رأس، والله أعلم بالصواب.
كتاب الزكاة
لا زكاة في مال الضمار عندنا.
خلافا لزفر والشافعي رحمهما الله.
وهو: المدفون في الصحراء إذا نسي مكانه والدين المجحود، والمغصوب المجحود الذي إذا لم يكن له بينة، ثم صار له بينة بأن أقر عند إنسان، والمال المفقود والعبد الآبق؛ لقول علي رضي الله عنه: «لا زكاة في مال الضمار» أي غير منتفع مأخوذ من قوله بعير ضامر.
الجزء 1 · صفحة 59
وإن كان مدفونا في البيت تجب الزكاة فيه بالإجماع؛ لأن طلبه متيسر.
والمدفون في أرض أو كرم، اختلف المشايخ فيه.
وأما الدين على المفلس المقر فهو نصاب عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وعند محمد رحمه الله: ليس بنصاب إن قضى القاضي بإفلاسه.
والطحاوي رحمه الله لم يشترط هذا الشرط على قول محمد.
وهذا بناء على أن عند أبي حنيفة رحمه الله الإفلاس لا يتحقق في حالة الحياة. وعند محمد رحمه الله تحقق.
وعند أبي يوسف رحمه الله وإن كان يتحقق لكن استحسن في حق الزكاة احتياطا. وكذلك وجوب صدقة الفطر بسبب العبد الآبق والعبد الضال، والمغصوب على هذا الخلاف.
رجل اشترى عبدا للتجارة: يكون للتجارة؛ لأن النية اقترنت بالعمل.
ولو نواه للخدمة بعد ذلك: لم يبق للتجارة؛ لأن نية ترك التجارة اقترنت بالعمل وهو ترك التجارة.
ولو نواه بعد ذلك للتجارة: لم يكن للتجارة حتى يبيعه؛ لأن نية التجارة لم تقترن بعمل التجارة فإذا باعه يضم ثمنه إلى ما عنده من النصاب فيكون في الكل زكاة.
ولو ورث مالا ونوى التجارة: لم يكن للتجارة؛ لأن النية لم تقترن بالعمل أصلا.
ولو أوصى له بمال، فقبل بعد موت الموصي ونوى للتجارة، أو وهب له فقبض ونوى للتجارة، أو ملكته المرأة بنكاح، أو ملكه الزوج بسبب الخلع أو بالصلح عن دم العمد ونوى للتجارة: لم يكن للتجارة عند محمد رحمه الله، ويكون للتجارة عند أبي يوسف رحمه الله.
وقيل: الخلاف على عكس هذا.
ويعطي زكاة ماله كل فقير إلا امراته وولده وولد ابنه، ووالديه؛ لأن المنافع مشتركة بينهم فلا ينقطع حقه من كل وجه فلا يخلص الله تعالى.
وكذا لا يعطي عبده ومدبره، ومكاتبه، وأم ولده، ولا عبدا أعتق بعضه؛ لما قلنا.
وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يعطي عبدًا أعتق بعضه؛ لأنه حر عليه دين عندهما.
الجزء 1 · صفحة 60
ولا تعطي المرأة زوجها عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن المنافع مشتركة بينهما فلا يخلص الله تعالى.
وقالا تعطي؛ لحديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنها فقالت: يا رسول الله إني تصدقت على زوجي، فقال: «لك أجران: أجر الصلة، وأجر الصدقة».
وأبو حنيفة رحمه الله يحمل هذا على صدقة التطوع.
ولا يعطي ذميا؛ لقوله عليه السلام: «خذها من أغنيائهم وردها إلى فقرائهم» ?؛ لأن الكناية انصرفت إلى المسلمين في الأغنياء فكذلك في الفقراء.
ويعطي الذمي ما سوى الزكاة.
يعني صدقة الفطر، والكفارة، والنذر وغيره.
وقال الشافعي رحمه الله: لا يجوز ?، وهو رواية عن أبي يوسف رحمه الله اعتبارًا بالزكاة.
ولنا: أن التخصيص وهو قوله عليه السلام: «ردها» تناول الزكاة لا غير.
رجل له مال تبلغ قيمته مائتي درهم وهو فاضل عن حاجته إلا أنه غير معد للتجارة لم تجب عليه الزكاة لانعدام وصف التجارة، ولكن يحرم عليه أخذ الزكاة، ويجب عليه صدقة الفطر والأضحية.
ويحل أخذ الزكاة لمن له أقل من مائتي درهم؛ لأنه ليس بغنى.
ويكره أن يعطى الفقير من الزكاة مائتي درهم، وإن أعطيته أجزأك.
وقال زفر رحمه الله: لا يجوز؛ لحصول الأداء إلى الغنى.
وإنا نقول: الغنى إنما يثبت بعد القبض، وثبوت الملك له والأداء يصادف الفقير فيجوز.
ولا بأس بأن يعطيه أقل من مائتي درهم، وأن تغنيه عن قوت يوم كان أحب، وخمس الغنيمة يقسم على ثلاثة أسهم: سهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل.
وعند الشافعي رحمه الله: على خمسة أسهم ثلاثة على ما ذكرنا، وسهم للخليفة وسهم لبني هاشم يستوي فيه الفقير والغني
والصدقات تصرف إلى ثمانية أصناف.
كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا} التوبة: 60وهو عامل
الجزء 1 · صفحة 61
الصدقات.
والمؤلفة قلوبهم وهم كانوا في عهد النبي عليه السلام كان يعطيهم ليقررهم على الإسلام، ثم نسخ سهمهم في عهد أبي بكر، وهم: عيينة بن حصن الفزاري، والأقرع بن حابس التميمي، وعلقمة بن عُلاثَةَ، وصفوان بن أمية، وعباس بن مرداس السلمي وأعطاهم أبو بكر خطا فجاؤا به إلى عمر ليشهد فمزق الخط، وقال: إنما كان يعيطهم الرسول عليه السلام حين كان بالإسلام، ضعف، واليوم أعز الله تعالى الإسلام وأهله وليس بيننا وبينكم إلا السيف فجاؤوا إلى أبي بكر رضي الله عنه، وقالوا: أنت الخليفة أم عمر؟، فقال رضي الله عنه وعنهم أجمعين: عمر إن شاء.
والرقاب هم المكاتبون.
والغارمين: المديونين.
وفي سبيل الله: الغزاة.
وابن السبيل: الغرباء.
والفقير الذي عنده ما يغنيه عن السؤال.
والمسكين الذي لا شيء له ويحتاج إلى السؤال، وقد قيل على العكس.
وعند الشافعي رحمه الله: تصرف إلى السبعة حتمًا.
وعندنا جوازًا حتى لو صرف إلى صنف واحد يجوز عندنا، وعنده: لا يجوز، وهو يحمل النص على الاستحقاق لهؤلاء، ونحن نحمله على الجواز.
ويعطى العامل ما يكفيه وأعوانه، وإن كان العامل هاشميا لا تحل له؛ لأنه في حقه صدقة من وجه، أجرة وجه، ومن حيث كونه صدقة يكون غسالة الناس فتحرم عليه كرامة له.
وإن كان العامل غنيًا: تحل له؛ لأنه لا يحرم عليه باعتبار شبهة الصدقة، والله أعلم بالصواب.
باب صدقة السوائم
رجل له خمس وعشرون من الفصلان، وثلاثون من العجاجيل، وأربعون من الحملان كان أبو حنيفة رحمه الله يقول أولا يجب فيها ما يجب في المسان وبه أخذ زفر رحمه الله، ثم رجع، وقال: تجب واحدة
الجزء 1 · صفحة 62
منها وبه أخذ أبو يوسف رحمه الله، ثم رجع، وقال: لا يجب شيء فيها، وبه أخذ محمد رحمه الله.
ولو كانت فيها مسنة: يجب في الكل بِالْإِجْمَاعِ.
زفر رحمه الله يقول: النص ورد باسم الإبل، وأنه يتناول الكبير والصغير.
وأبو يوسف رحمه الله يقول: لو وجب فيها مسنة ربما تبلغ قيمته جميع النصاب أو أكثره فيؤدي إلى إيجاب الكثير في القليل وأنه عسير، فيجب واحد منها دفعا للضرر عن الملاك.
و محمد رحمه الله يقول: إيجاب المسنة غير ممكن؛ لما قال أبو يوسف رحمه الله.
والصغير لا يدخل في الإيجاب.
لقوله عليه السلام: «عد عليهم السخلة ولا تأخذها منهم» فامتنع الوجوب ضرورة.
وعن أبي يوسف رحمه الله في خمس فصلان ثلاث روايات:
في رواية: لا يجب شيء حتى تبلغ خمسا وعشرين، فإذا بلغ خمسا وعشرين
تؤخذ منها واحدة ولا يجب في الزيادة على خمس وعشرين إلى ستة وستين، فإذا بلغت ستة وسبعين يجب فيها ثنتان منها.
وفي رواية: يجب في الخمس فصيل، وفي العشر خُمسا فصيل هكذا.
وفي رواية: ينظر في الخمس إلى قيمة شاة وسط، وإلى قيمة خُمس فصيل واحد فيجب أقلها، وفي العشر ينظر إلى قيمة شاتين وسطين، وإلى قيمة خُمسي فصيل واحد هكذا إلى عشرين.
وصورة المسألة عند أبي يوسف رحمه الله: إذا كانت الإبل من النوق فمضى عشرة أشهر فولدت أولادًا فهلكت الأمهات، وتم الحول على الأولاد.
والخوارج وأهل البغي إذا أخذوا زكاة السوائم من صاحبها، وأخذوا الخراج أيضًا: لا يؤخذ منهم الخراج ثانيًا؛ لأنهم مستحقون للخراج، فإنهم يذبون عن الإسلام ويقوونه فوصل الحق إلى المستحق.
وأما الزكاة فكذلك لا تؤخذ منهم ثانيًا؛ لأن الأخذ لإمام أهل العدل كان لأجل الحماية وقد ضيعهم؛ لكن يفتون أن يؤدوا ثانيًا فيما بينهم وبين الله تعالى؛ لأنا نعلم يقينًا أنهم لا يصرفونها مصارفها.
وقال بعضهم: إذا نوى الزكاة عند أخذهم لا يؤدي ثانيا.
الجزء 1 · صفحة 63
وكذلك كل سلطان ظالم لا يؤدي الصدقات إلى الفقراء، فإذا نوى المالك الزكاة عند أخذهم لا يجب أن يؤدي ثانيًا؛ لأنه لو حوسب مالهم من الخزائن بما عليهم للناس يزيد ما عليهم على ما لهم من الخزائن فكانوا فقراء.
امرأة أو صبي من بني تغلب لهما سائمة: يؤخذ الزكاة مضعفا من المرأة دون الصبي؛ لأن المأخوذ زكاة في حق المأخوذ منه خراج في حق الأخذ؛ لأن بني تغلب قالوا في عهد عمر رضي الله عنه: إنا لا نقبل لخراج والجزية، ولكن نقبل الزكاة المضاعفة، فقال عمر رضي الله عنه: هذه جزية سموها ما شئتم، ونحن نعاملهم بما يعتقدون، وهم يعتقدونه زكاة، والزكاة تجب على المرأة دون الصبي، والله أعلم.
باب فيمن يمر على العاشر
رجل مر على عاشر الزكاة بمال التجارة أو السائمة فقال: لم يحل عليَّ الحول، أو علي دين ولا زكاة عليَّ وحلف: صدق؛ لأنه أنكر الوجوب على نفسه.
وإن قال: أديته في المصر إلى الفقير، وحلف: صُدّق في مال التجارة، ولا يصدق في السائمة.
لأن حق أخذ زكاة السائمة للسلطان، فلا يقدر من عليه الزكاة على إبطال حق عامل السلطان فيأخذ منه ثانيا، والزكاة هو الثاني والأول يكون نفلا.
وإن قال: أديته إلى عاشر آخر، فإن لم يكن في تلك السنة عاشر آخر: لا يصدق وإن حلف؛ لأنه ظهر كذبه بيقين.
وإن كان عاشر آخر صدق إذا حلف
وفي بعض المواضع شرط بأن يأتي بخط البراءة، ولم يشترط ههنا، فإذا أتى بخط البراءة ولم يحلف يصدق.
وقالا: لا يصدق ما لم يحلف.
وكذلك الذمي يصدق فيما يصدق فيه المسلم؛ لأنه كالمسلم في هذه الأحكام إلا أنه يضعف عليه حتى يؤخذ من المسلم ربع العشر، ومن الذمي نصف العشر، ومن الْحَرْبِيِّ العُشر هكذا قضى عمر رضي الله عنه.
ولا يصدق الْحَرْبِي في شيء؛ لأنه ليس كالمسلم في أحكام المسلمين.
الجزء 1 · صفحة 64
إلا إذا كان ماله جواري فيقول: هؤلاء أمهات أولادي فلا يؤخذ منه شيء؛ لأنهن صرن أمهات أولاد بإقراره فلم يبق من مال التجارة.
رجلٌ مر على عاشر بمائة درهم، وأخبر أن له مائة أخرى في منزله: لم يعشره شيئًا؛ لأن هذه المائة التي في حمايته ليست بنصاب، وما في بيته ليست في حمايته وحق الأخذ بسبب الحماية.
حربي مر على العاشر بمال، فالحاصل في هذا أنه ينظر: إن علم أنه لا يأخذ أهل الحرب من تجارنا شيئًا من القليل والكثير: لا نأخذ من تجارهم شيئًا من القليل والكثير.
وإن علم أنهم يأخذون من تجارنا من القليل والكثير قدرًا معلوما: فيأخذ منهم ذلك القدر سواء كان أكثر من العشر أو أقل، فيعامل مع تجارهم مثل ما يعاملون مع تجارنا.
وإن لم يعلم هل يأخذون منا أو لا يعلم كم يأخذون منا يؤخذ منهم العشر؛ لقول عمر رضي الله عنه: فإن أعياكم فالعشر، أي لا تعلمون كم يأخذون منا.
حربي مرَّ على العاشر بمال: فإنه يُعشره ولا ينتظر به مضي الحول؛ لأنه إنما يؤخذ منه بإزاء الأمان، وهو محتاج إلى الأمان.
وإن مرَّ عليه مرة أخرى قبل أن يرجع إلى داره: لم يعشره ثانيا حتى يحول الحول؛
لأنه بالمرة الأولى استفاد الأمن حولا وأمانه باق.
فإن رجع إلى دار الحرب، ثم عاد في يومه ذلك: عشره ثانيا؛ لأنه لما رجع إلى دار الحرب انتهى أمانه فإذا عاد تجدد الأمان.
ولو مرَّ الْحَرْبِيّ بالخمر والخنزير: عشر الخمر.
يعني يأخذ منه عشر قيمته.
ولا يعشر الخنزير عند أبي حنيفة رحمه الله لوجهين:
أحدهما: أن أخذ قيمة الخمر ليس كأخذ الخمر؛ لأن الخمر له قيمة من جنسه حقيقة وحكما وهو الخل؛ لأنه من ذوات الأمثال فتمكن من أخذه.
أما أخذ قيمة الخنزير كأخذ الخنزير حكمًا؛ لأنه لا قيمة له من جنسه؛ لأنه ليس من ذوات الأمثال
الجزء 1 · صفحة 65
فلم يتمكن.
والثاني: أن أن حق الأخذ بسبب الحماية، وللسلطان ولاية حماية الخمر لنفسه ليخللها، فكذلك له ولاية حماية خمر الْحَرْبِي التاجر فيأخذ العشر، أما ليس له ولاية حماية الخنزير أصلا فلا يأخذ عشره.
وعند الشافعي رحمه الله: لا يعشر هما؛ لأنه لا قيمة لهما في حق الأخذ.
وعند زفر رحمه الله: يعشرهما؛ لأن لهما قيمة في حق الدافع.
وقال أبو يوسف رحمه الله: إن مرَّ بهما جملة يعشرهما؛ لأن الخنزير صار تبعًا للخمر.
وإن مرَّ بالخمر وحدها عشرها، وإن مر بالخنزير وحده: لا يعشره كما قال أبو حنيفة رحمه الله.
المضارب، والمستبضع والعبد المأذون إذا مروا على العاشر بمال التجارة: لا يعشرهم عندهما، وهو قول أبي حنيفة آخرًا رحمه الله؛ لأنهم في أداء الزكاة ليسوا بمالكين.
رجلٌ مرَّ على عاشر الخوارج فعشره: يعشره الإمام العدل ثانيا؛ لأن التقصير جاء من قبله، والله أعلم بالصواب.
باب في خراج رؤوس أهل الذمة
قال أبو حنيفة رحمه الله: كل شيء أخرجته الارض العشرية ففيه العشر قليلا كان أو كثيرًا سواء كان لها ثمرة باقية؛ كالحبوب، أو ليس لها ثمرة باقية؛ كالخضر إلا ما لا تستنمى به الأرض كالحطب والقصب والحشيش؛ لقوله تعالى: {وَءَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حصادِهِ} الأنعام: الآية.
ولقوله عليه السلام: «ما سقته السماء ففيه العشر مطلقا من غير فصل.
وعندهما لا يجب فيه حتى يبلغ نصابًا وهو خمسة أوسق ? فيما يدخل تحت الكيل؛ ليثبت له الغنى.
والوسق ستون صاعا كل صاع أربعة أمناء ?.
وهو صاع النبي عليه السلام.
وإن كان شيئًا لا يدخل تحت الكيل، نحو القطن والزعفران، والعسل، فعند أبي يوسف رحمه الله: تعتبر القيمة إن بلغت قيمته خمسة أوسق من أدنى ما يكال كالجاوَرْس والأَرْزَن يجب العشر، وإلا فلا.
ومحمد رحمه الله: يعتبر خمسة أمثال ما يقدر به ذلك الشيء في المعاملات، ففي العسل خمسة أفراق
الجزء 1 · صفحة 66
? والفرق ثمانية عشر منا، وفي رواية: خمسة أمناء. وفي الزعفران، والسكر خمسة أمناء.
وفي القطن خمسة أحمال كل حمل ثلثمائة من.
وعندهما: لا شيء في الخضر والفواكه؛ لقوله عليه السلام: «ليس في الخضروات صدقة».
وأبو حنيفة رحمه الله يحمل هذا على الزكاة.
ومن وجب عليه العشر فأراد أن يرفع من الخارج المؤنة من أجرة البقر والسقي والدولاب وغيره ليس له؛ لأن الشرع حط عنه نصف الواجب باعتبار المؤنة بقوله: وما سقي بِغَرْب أَوْ دَالِيَةٍ أو سانية ففيه نصف العشر 0 فلو رفعت المؤنة يبقى الباقي بلا مؤنة، فينبغي أن يجب عشر كامل كما إذا سقي بماء السماء.
ولو استنمى رجل أرضه بقوائم الْخِلَافِ 6 أو بالقصب ويقطع في كل سنة أو سنتين أو ثلاث سنين: يجب فيه العشر عند أبي حنيفة رحمه الله.
وما يوجد في الجبال من الثمار: ففيه العشر عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لحصول النماء.
تغلبي له أرض عشر: يجب عشران؛ لأن عمر رضي الله عنه قضى على بني تغلب
بتضعيف العشر وسماه خراجًا.
فإن أسلم التَّغْلِبِي، أو اشترى منه مسلم أو ذمي، فعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: بقي العشر مضاعفا؛ لأن هذا بمنزلة خراج المقاسمة، وهو: أن يقسم الخارج بين السلطان وبين صاحب الأرض، والإسلام ينافي ابتداء الخراج، أما لا ينافي بقاء الخراج كالخراج الموظف]، وهو ما وظفه عمر رضي الله عنه على كُلِّ جَرِيب ? در هم و قفيز ? لا يبطل بالإسلام كذا هذا.
وعند أبي يوسف رحمه الله: إن أسلم التَّغْلِبي أو اشترى منه مسلم سقط التضعيف ويجب عشر واحد؛ لزوال الموجب للتضعيف عليه، كما إذا مر على العاشر بمال التجارة.
مسلم له أرض عشرية فاشتراها منه ذمي: فعند أبي حنيفة رحمه الله يصير خراجيا؛ لأن الذمي ليس من أهل العشر عنده.
وعند أبي يوسف رحمه الله: يضعف العشر.
وعند محمد رحمه الله: بقي عشر واحد ولا يتغير.
الجزء 1 · صفحة 67
فإن أسلم الذمي أو اشترى منه مسلم: فعند أبي حنيفة رحمه الله بقي خراجيًا؛ لأن الاستلام لا ينافي بقاء الخراج.
وعند أبي يوسف رحمه الله: عاد إلى عشر واحد؛ لزوال الموجب للتضعيف.
وعند محمد رحمه الله: لم تتغير الوظيفة.
فلو باع المسلم الأرض العشرية من ذمي، فأخذها مسلم بالشفعة: يجب عشر واحد بِالْإِجْمَاعِ؛ لأن الأخذ بالشفعة تحويل الصفقة إلى نفسه فصار كأن الشفيع المسلم
اشتراه من المسلم، وكذلك إذا رد على البائع بفساد البيع عاد إلى عشر واحد.
مسلم أو ذمي له دار خطة: فلا شيء فيها، فإن جعل المسلم داره بستانا، فإن سقاه من ماء العشر كماء السماء والعيون والبحر: ففيه العشر، وإن سقاه من ماء الخراج كماء الأنهار التي يحتاج فيه إلى عمارة السلطان ففيه الخراج.
وهذا مشكل؛ لأن هذا إيجاب الخراج على المسلم ابتداء.
وذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في هذا الكتاب: أن عليه العشر بكل حال، وهو الأظهر.
وإن سقاه مرة من ماء العشر، ومرة من ماء الخراج ففيه العشر؛ لأنه أحق بالعشر من الخراج.
وإن جعل الذمي داره: بستانًا يوضع عليه الخراج سواء سقاه من ماء العشر، أو من ماء الخراج؛ لأن الكفر ينافي العشر، وهذا قول أبي حنيفة رحمة الله عليه.
وعندهما رحمهما الله: يجوز إيجاب العشر على الكافر في الأرض العشرية؛ لكن عند أبي يوسف رحمه الله: يضعف، وعند محمد رحمه الله: لا يضعف.
رجل له أرض خراج فعطلها: فعليه الخراج؛ لأن الخراج تعلق بالتمكن من الزراعة عند عدم الزرع والتمكن ثابت.
وإذا زرع يتعلق بحقيقة الزرع حتى لو اصطلمتها آفة: سقط الخراج.
وكذلك لو زرع الحبوب في أرض الزعفران: فعليه خراج الزعفران.
الجزء 1 · صفحة 68
وكذلك إذا قطع أشجار البستان وزرع الحبوب فعليه خراج البستان؛ لأنه هو الذي ضيع الزيادة.
ويوضع في أرض الزعفران ما تطيق؛ لأنه لم يرد فيه توظيف عمر رضي الله عنه، ونهاية الطاقة أن يجب نصف الخارج ولا يزاد عليه.
وليس في عين القير والنفط ? شيء؛ لأنه ماء ولا عشر في الماء، وإن كان في أرض الخراج، ويكون حول العين أرض يمكن فيها الزراعة يجب الخراج في تلك الأرض.
نخل في أرض خراج: فلا شيء فيه.
أي ذلك الموضع الذي فيه النخل، أما فيما وراء الموضع الذي فيه النخل من الأرض الفارغة من النخل ففيه الخراج؛ لأن الخراج إنما يتعلق بالتمكن من الزراعة عند عدم الزرع، ولا تمكن من الزراعة في عين موضع النخل، فأما فيما عدا موضع النخل وهو الأرض الفارغة عن النخل ففيه الخراج؛ لأن التمكن من الزراعة فيما عدا الموضع الذي فيه النخل ثابت فأمكن القول بلزوم الخراج.
وإن كان في أرض العشر: ففيه العشر؛ لأن النبي عليه السلام قال لأبي سيارة: أد عشر نخلك، ولأن العشر يتعلق بالنماء حقيقة وقد وجد
ولا تجب الجزية على أهل الذمة إلا على المعتمل.
وهو: الذي يقدر على الكسب سواء كان محترفًا أو لم يكن.
وعلى المعسر اثنا عشر درهما، وعلى الوسط أربعة وعشرون، وعلى الغني ثمانية وأربعون.
وقال الشافعي رحمه الله: دينارًا أو اثنى عشر درهما من غير تفاوت: لقوله عليه السلام لمعاذ رضي الله عنه حين بعثه إلى الثمن خذ من كل حالم وحالمة» أي بالغ وبالغة دينارًا أو عِدْلَهُ مَعَافِرَ» ?.
والمعفر: ثوب مخطط يماني، وجمعه مَعَافِر.
ولنا: أن عمر رضي الله عنه قضى على الترتيب الذي ذكرنا.
والمعسر من ملك أقل من مأتي درهم.
والوسط من ملك مأتي درهم إلى عشرة آلاف والغني من ملك عشرة آلاف درهم.
وتجب الجزية والخراج على مولى التغلبي النصراني.
الجزء 1 · صفحة 69
وقال زفر رحمه الله: لا تجب الجزية والخراج؛ لكن يجب في أرضه عشر مضاعف كما في أرض التَّغْلِبي لقوله عليه السلام: فإن مولى القوم منهم ?؛ ألا ترى أنه يحرم على مولى الهاشمي أخذ الزكاة كما يحرم على الهاشمي إلحاقا للمولى بهم، كذ اها هنا. ولنا: أن مولى التغلبي ليس بتغلبي، وسقوط الجزية والخراج عن التغلبي كان للتضعيف للتخفيف، فالمولى لا يلحق به في التخفيف كما في مولى الهاشمي، فإنه لا تجب الجزية والخراج على الهاشمي ومع هذا يجب على مولاهم.
بخلاف حرمان أخذ الزكاة حيث ألحق المولى بهم في حقهذا الحكم؛ لأنا عرفنا ذلك بالنص، وهو قوله عليه السلام: «لا تحل الصدقة لبني هاشم وإن مولى القوم منهم والنص ورد في هذه الحادثة.
باب المعدن والكراز
المعدن: اسم خاص لما في باطن الأرض بأصل الخلقة.
والكنز: اسم خاص لما كان مدفونا من جهة العباد
والركاز: اسم مشترك يتناولهما.
رجل وجد ركازا - أي: معدنا - من ذهب أو فضة أو رصاص في أرض: وجب الخمس سواء وجده في أرض مباحة أو مملوكة؛ لقوله عليه السلام: «وفي الركاز الخمس» أراد به المعدن، ولأن له حكم الغنيمة، فإن الغانمين حين قهروا الكفرة ثبتت يدهم على ما في باطن الأرض حكما لا حقيقة.
وفي الغنائم يجب الخمس للفقراء والمساكين وابن السبيل، كذا هاهنا احتياطا.
وأما أربعة الأخماس، فإن كانت تلك الأرض ملكًا لإنسان: فالأربعة الأخماس لمالك الأرض، إن كانت تلك الأرض مباحة: فالأربعة الأخماس تكون للواجد؛ لأن هذا المال له حكم الغنيمة وليس غنيمة حقيقة فباعتبار الحكم أوجبنا فيه الخمس، وباعتبار الحقيقة لم تكن الأربعة الأخماس للفقراء عملا بهما.
وإن وجد المعدن في دار: ففيه الخمس عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله؛ للحديث.
وعند أبي حنيفة رحمه الله: لا يجب الخمس؛ لأن المعدن من أجزاء الأرض ولا مؤنة في الدار فكذلك في أجزائها، بخلاف الأرض؛ لأن فيها مؤنة العشر والخراج فكذلك في أجزائها.
وإن وجد كنزا، فإن علم به أنه موضوع المسلمين وقد يعرف ذلك بالعلامة بأن كتب عليه: لا إله إلا الله: فحكمه حكم اللقطة، وإن علم أنه موضوع الكفرة: يجب الخمس بكل حال سواء وجده في أرض
الجزء 1 · صفحة 70
أو دار؛ للحديث.
أما إذا وجده في أرض؛ فلا يشكل.
وأما إذا وجده في دار؛ لأن الكنز ليس من أجزاء الأرض ليقال: إنه لو وجب الخمس يكون التبع مخالفا للأصل بخلاف المعدن، على ما مر.
فأما الأربعة الأخماس، فإن وجده في أرض مباحة فهو للواجد؛ لأن هذا مال مباح سبقت إليه يد الواجد فيكون له.
وإن وجده في أرض مملوكة أو في دار فكذلك للواجد عند أبي يوسف رحمه الله؛ لما قلنا.
وعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله الأربعة الأخماس تكون للْمُخْتَطِّ له، وهو: الذي ملكه السلطان هذه البقعة حين استولوا عليها؛ لأنه سبقت يده إليه.
وإن مات الْمُخْتَصُّ له ينتقل إلى ورثته، وإن لم يعرف الْمُخْتَط له يصرف إلى أقصى مالك له يعرف في الإسلام ولا ينتقل ذلك إلى المشتري؛ لأنه ليس من أجزاء الأرض، بخلاف المعدن فإنه ينتقل من المالك إلى المشتري بالبيع؛ لأنه من أجزاء المبيع، ونظيره: إذا اصطاد سمكة في بطنها درة ملكها؛ لأنهما مباحان سبقت يده إليهما.
ولو باع السمكة: لم تدخل الدرة في البيع؛ لأنها ليست من أجزاء السمكة.
رجل دخل دار الحرب بأمان فوجد في دار بعضهم ركازا: يرد إلى صاحب الدار؛ لأنه ملك صاحب الدار، ودخوله بالأمان يمنعه من الخيانة. وإن وجده في الصحراء: فهو له؛ لأنه مباح لا ملك لأحد فيه.
ولا خمس فيه؛ لأنه ما أصابه بطريق الجهاد ليكون غنيمة.
وليس في الفَيْرُوزَج الذي يوجد في الجبال خمس؛ لأنه حجر، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس في الحجر شيء» ?.
واللؤلؤ والعنبر وما يستخرج من البحر: ففيها الخمس عند أبي يوسف رحمه الله؛ لأن
عمر رضي الله أخذ الخمس من العنبر واللؤلؤ.
وعند أبي حنيفة رحمه الله: لا خمس فيما يستخرج من البحر؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه
الجزء 1 · صفحة 71
سئل عن العنبر، فقال: هو شيء دسره البحر فلا خمس فيه» ?، ولأن ما في البحر لم يكن في أيدي الكفرة، فلم يرد عليه القهر فلا يكون غنيمة.
وعمر رضي الله عنه أخذ الخمس من لؤلؤ وعنبر وجده في بعض خزائن الكفرة لا من البحر، وبه نقول، والله أعلم بالصواب.
باب صدقة الفطر
صدقة الفطر من الحنطة ودقيقها وسويقها نصف صاع عندنا.
وعند الشافعي رحمه الله: صاع.
هو احتج بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنت أودي ذلك في عهد رسول الله عليه السلام.
ولنا: قوله عليه السلام: «أَدُّوا عن كل حر وعبد صغير أو كبير نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعيره ?.
واجمعوا أن من الشعير والتمر صاعًا.
فالشافعي رحمه الله: يعتبر التسوية بين الشعير والحنطة في الصورة، حيث اعتبر في كل واحد صاعًا.
ونحن نعتبر المعنى، فإن نصف صاع من حنطة يساوي صاعا من شعير من حيث المعنى أي القيمة فكان اعتبار المعنى أولى.
ومن الزبيب نصف صاع عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما: صاع كالتمر.
ولأبي حنيفة رحمه الله: أنه مثل الحنطة من حيث القيمة غالبًا.
ثم إن أبا حنيفة رحمه الله اعتبر النص في دقيق الحنطة وسويقها حيث قال: نصف صاع من الدقيق أو السويق.
والأولى أن يعتبر القدر والمعنى فيؤدي نصف صاع من دقيق.
فإن زاد قيمة نصف صاع من حنطة على نصف صاع من دقيق يؤدي الفضل، والله تعالى أعلم بالصواب.
الجزء 1 · صفحة 72
كتاب الصوم
قال رحمه الله: لا يصام اليوم الذي يشك فيه أنه من رمضان إلا تطوعًا.
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ.
وإذا صام يوم الشك فلا يخلو إما أن يكون نوى صوم رمضان، أو نوى واجبًا آخر كالقضاء والنذر والكفارة، أو نوى التطوع.
فإن نوى صوم رمضان فهو مكروه بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وهو المراد من قوله عليه السلام: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم» عرف ذلك بقوله عليه السلام: «لا تقدموا الشهر بصوم يوم ولا يومين» ? فإن ظهر أنه من رمضان يقع عن رمضان أي شيء نوى، وإن ظهر أنه من شعبان: يقع نفلا.
ولو أفطر: لا قضاء عليه؛ لأنه شرع فيه مسقطا لا ملزما.
وإن نوى واجبًا آخر كره لكن دون الأول.
فإن ظهر أنه من شعبان:
قال بعضهم: يقع نفلّا، ولو أفطر: لا قضاء عليه؛ لما قلنا، والصحيح: أنه يقع عما نوى؛ لأن المنهي في هذا اليوم الصوم بنية رمضان لا بنية واجب آخر لكن كره كراهة يسيرة؛ لقوله: «لا يصام إلا تطوعا»، وهذا لا يمنع وقوعه عن واجب آخر.
الجزء 1 · صفحة 73
بخلاف صوم يوم العيد؛ لأنه منهي فيكون ناقصا فلا يتأدى به واجب آخر، وإننوى التطوع لا يكره بالإجماع بيننا.
أما الكلام في الأفضلية فإن وافق هذا اليوم يوما اعتاد الصوم فيه، أو صام قبل هذا اليوم ثلاثة أيام فصاعدًا من شعبان: فالأفضل له أن يصوم تطوعًا.
وإن لم يكن شيء من ذلك:
فإن كان من العلماء: فالأفضل له أن يصوم.
وإن كان من العوام فينتظر إلى وقت انتصاف النهار، فإن ظهر أنه من رمضان نوي صوم رمضان ويجزيه عندنا، وإلا فيفطر.
وإن قال: إن كان غدًا من رمضان فأنا صائم عنه، وإن كان من شعبان فأنا غير صائم فهذا باطل؛ لأنه أدخل الشك في النية.
وإن قال: إن كان غدًا من رمضان فأنا صائم عنه، وإن كان من شعبان فأنا صائم عن واجب آخر، أو عن التطوع فهو مكروه أيضًا، فإن كان غدًا من رمضان: يقع صومه عن رمضان، وإن كان من شعبان: يقع صومه نفلا في الوجهين، ولا يقع عن واجب آخر في الوجه الأول؛ لأن تشكيكه النية عن واجب آخر إبطال جهة النية فبقي أصل النية وذلك لا يكفي لوقوع الصوم عن واجب آخر، ولكن يكفي للتطوع.
ولو أفطر لا قضاء عليه.
أما في الوجه الأول: لأنه شرع مسقطا لا ملزما.
وفي الوجه الثاني: شرع مسقطا من وجه وملزمًا من وجه، فلا يلزمه بالشك والاحتمال.
رجلٌ أصبح على قصد أن يفطر، فلم يفطر، ونوى الصوم قبل نصف النهار أجزأه في صوم رمضان، وصوم التطوع، ونذر معين عندنا؛ لأن الوقت متعين لما نوى، وقد تعذر اعتبار النية في كل زمان لما فيه من الحرج فيعتبر فيما هو أصل، والإمساك قبل نصف النهارهو أصل؛ لأنه شاق على البدن والحكم في التبع يثبت بشرط الأصل.
والله أعلم
باب من أغمي عليه أو جن في شهر رمضان
الجزء 1 · صفحة 74
المجنون إذا أفاق في بعض الشهر يلزمه قضاء ما كان مجنونا فيه استحسانًا. عند علمائنا الثلاثة رحمهم الله.
وقال زفر والشافعي رحمهم الله: لا يلزمه قياسا؛ لأنه عديم العقل فلا يكون من أهل الخطاب، وصار كالجنون المستوعب.
ولنا: أنه أهل لأصل الوجوب إن لم يكن أهلا لوجوب الأداء؛ ولهذا قلنا: بأنه لو أفاق قبل نصف النهار ولم يكن أكل ونوى الصوم: يجزيه عن الفرض.
ولو نوى في الليل وهو مفيق، ثم جن: يجزيه صوم ذلك اليوم، وفي الإيجاب فائدة وهو القضاء ولا حرج فيه؛ لأنه قليل.
بخلاف ما إذا استوعب كل الشهر؛ لأن فيه حرجا؛ لأن الاستيعاب في الجنون غالب، ولهذا قلنا: بأن النوم والإغماء إذا استوعب كل الشهر: يلزمه القضاء؛ لأنه ليس بغالب.
ولو جن في حال الصبى وبلغ مجنونا، ثم أفاق في بعض الشهر: قال بعضهم: لا يلزمه القضاء، والصحيح أنه على الخلاف.
رجلٌ أغمي عليه في شهر رمضان كله غير الليلة الأولى من الشهر: يجب قضاء كل الشهر غير اليوم الأول؛ لوجود النية في الليلة الأولى ظاهرا، والإغماء لا ينافي الصوم، وفي غيرها تيقنا بانعدام النية فيلزمه القضاء.
رجلٌ أمسك في شهر رمضان كله ولم ينو الصوم عرف بدلالة الحال بأن كان مسافرًا أو متهتكا اعتاد الفطر، أو أقر أنه ما نوى الصوم: لم يجزيه عندنا.
خلافا لزفر رحمه الله.
لنا: أن العادة إنما تصير عبادة الله تعالى بالنية ولم توجد.
صبي بلغ في نهار رمضان، أو أسلم الكافر لم يجب عليه صوم ذلك اليوم؛ لأنه لم يكن أهلا للوجوب في أول النهار فلم يجب، فلا يجب في الباقي؛ لأنه ليس بمتجزئ لكن يمسك تشبها بالصائم.
وعند مالك رحمه الله: يجب، ويجب عليه فيما يستقبل؛ لأنه أهل، بخلاف المسافر إذا قدم قبل نصف النهار حيث يجب عليه أن يصوم.
الجزء 1 · صفحة 75
وإذا نوى الصوم يجزئه؛ لأنه أهل للوجوب في أول النهار لكن رخص له الإفطار وقد زال المرخص، والله تعالى أعلم بالصواب.
باب ما يوجب القضاء والكفارة
رجل جامع امرأته في نهار شهر رمضان متعمدا يجب عليه القضاء والكفارة بالإجماع؛ لحديث الأعرابي.
ولو أكل أو شرب متعمدا فكذلك عندنا يلزمه القضاء والكفارة وعند الشافعي رحمه الله: لا تلزمه الكفارة.
لنا: أن وجوب الكفارة تعلق بالإفساد بالجماع لحكمة الزجر مع أنه ليس في الصوم ما يدعوه إلى الجماع، فلأن يتعلق بالإفساد بالأكل والشرب، وفي الصوم ما يدعوه إلى ذلك وهو الجوع والعطش كان بطريق الأولى.
ولو فعل شيئًا من ذلك ناسيا: لا يلزمه القضاء؛ لقوله عليه السلام تم على صومك فإنما أطعمك الله وسقاك» ?، ولأن نسيان الأكل غالب في الصوم؛ لأنه مما يمتد فلو أخذناه به يقع الناس في الحرج، بخلاف الأكل في الصلاة ناسيا؛ لأنه ليس بغالب.
ولو كان خطأ بأن تمضمض فدخل الماء حلقه وهو ذاكر صومه: يفسد صومه؛ لأنه يمكن التحرز عنه، خلافًا للشافعي رحمه الله.
ولو دخل الذباب حلقه أو الغبار أو الدخان أو غبار بيت الطاحون: لا يفسد صومه؛ لأنه لا يستطاع التحرز عنه، بخلاف المطر؛ لأنه يمكن التحرز عنه.
ولو خاض الماء فدخل الماء أذنه: لم يفسد صومه؛ لأنه لم توجد صورة الإفطار وهو الابتلاع، ولا معناه وهو إصلاح البدن.
ولو دخل الدهن أذنه: يفسد صومه؛ لأنه وجد المعنى وهو صلاح الدماغ.
ولو صب الماء في أذنه: اختلف المشايخ فيه، والصحيح أنه لا يفسد.
ولو نظر إلى فرج امرأته فأمنى: لا يفسد صومه؛ لأن فساد الصوم تعلق بالجماع من كل وجه، أو من وجه ولم يوجد.
الجزء 1 · صفحة 76
بخلاف ما إذا مس امرأته بشهوة فأمنى حيث يفسد؛ لأنه وجد الجماع من وجه باجتماع العضو بالعضو مع قضاء الشهوة.
وإن لم يحصل الإمناء: لا يفسد صومه.
أما الرجعة وحرمة المصاهرة تثبت بالنظر إلى فرج المرأة وبالمس بشهوة، وإن لم ينزل؛ لأن الرجعة وحرمة المصاهرة كما تثبت بالجماع تثبت بسبب الجماع ولهذا ثبتت بعقد النكاح؛ لأنه سبب الجماع، والنظر والمس بشهوة سبب يفضي إلى الجماع، حتى قال بعض مشايخنا رحمهم الله: إذا اتصل به الإنزال لا تثبت به حرمة المصاهرة؛ لأنه لم يبق سببًا إلى الجماع، وإليه مال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي، والقاضي الإمام البزدوي رحمهما الله.
أما فساد الصوم تعلق بالجماع لا بالسبب؛ ولهذا لم يتعلق بعقد النكاح. ولو قاء من الفم: لا يفسد صومه؛ لقوله عليه السلام: «من قاء فلا قضاء عليه ?. وإن عاد بعضه: فسد صومه في قول أبي يوسف رحمه الله؛ لأنه إذا كان ملء الفم كان خارجا؛ ولهذا ينتقض وضوءه، فإذا عاد يفسد صومه؛ لأنه وجد الدخول من الخارج إلى الداخل من المدخل المعتاد.
وقال محمد رحمه الله: لا يفسد؛ لأنه لم يوجد فعل الإفطار صورة ومعنى حتى لو أعاد يفسد صومه بالإجماع.
ولو قاء أقل من ملء الفم: لا يفسد صومه، ولو عاد: لا يفسد صومه بِالْإِجْمَاعِ. أما عند أبي يوسف رحمه الله فإنه ليس بخارج فلا يكون داخلا؛ لأن الدخول في مثل هذا يترتب على الخروج.
وإن أعاد لا يفسد عند أبي يوسف رحمه الله؛ لما مر.
وعند محمد رحمه الله: يفسد؛ لوجود الصنع.
ولو تقيأ ملء الفم يفسد: بِالْإِجْمَاعِ؛ لقوله عليه السلام: «و من تقيأ ففيه القضاء» ?.
ولو تقيأ أقل من ملء الفم فكذلك عند محمد رحمه الله: يفسد؛ لظاهر الحديث.
وعند أبي يوسف رحمه الله: لا يفسد عاد أو لم يعد؛ لأنه ليبس بخارج.
وإن أعاد فعن أبي يوسف رحمه الله روايتان في رواية يفسد؛ لأن بالفعل صار كثيرًا فصار كملأ الفم. ولو أكل شيئًا وبقي بين أسنانه وهو دون الحمصة: لا يفسد صومه؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عن القليل
الجزء 1 · صفحة 77
فصار تبعًا لريقه.
وإن كان مقدار الحمصة: يفسد صومه؛ لأنه كثير، والاحتراز عنه ممكن.
وكذلك إن دخل حلقه من غير قصده يفسد صومه.
ولو أخرجه ثم أدخله يفسد صومه قليلا كان أو كثيرًا، وكذلك لو ابتلع سمسمة بين أسنانه: لم يفسد صومه.
وإن أدخلها في فمه وابتلعها من غير مضغ يفسد، وإن مضغها: لم يفسد؛ لأنها تتلاشى بالمضغ.
النائمة والمجنونة إذا جامعها زوجها فسد صومها.
يريد به: إن نوت الصوم في الليل، ثم جنت، وبه تبين أن الجنون لا ينافي الصوم.
وعند زفر والشافعي رحمهما الله: لا يفسد صومها كالناسي.
ولو أكل ناسيا فظن أنه فطره، ثم أفطر متعمدا: لا كفارة عليه؛ لأن هذا ظن استند إلى دليل شرعي وهو القياس، ولهذا قال مالك?: يفسد صومه، فيكون شبهة ?.
وإن علم أن صومه لا يفسد بالأكل ناسيا تلزمه الكفارة؛ لأنه انعدمت الشبهة، وهو قول أبي يوسف رحمه الله.
وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله: لا تلزمه الكفارة؛ لأن هذه شبهة المحل وهو الصوم، فإن عند مالك رحمه الله: قد فسد صومه، فيستوي فيه العلم وعدم العلم.
ولو احتجم فظن أنه فطره، ثم أكل متعمدا تلزمه الكفارة؛ لأن ظنه غير مستند إلى دليل شرعي. فإن بلغه حديث الحجامة، وهو قول عليه السلام: «أفطر الحاجم والمحجوم» ? واعتمد عليه، استفتى من الفقهاء فأفتوا له إن صومك قد فسد: فلا كفارة عليه؛ لأنها شبهة معتبرة، فإن من العلماء من أخذ بظاهر الحديث.
ولو اغتاب فظن أنه فطّره، ثم أكل متعمدا: تلزمه الكفارة.
وإن بلغه حديث الغيبة، وهو قوله عليه السلام: «الغيبة تفطر الصائم» ? واعتمد عليه واستفتى من الفقهاء، وأفتواله: إن صومك قد فسد: لا تسقط عنه الكفارة؛ لأن هذه شبهة باطلة؛ لأن أحدًا من العلماء
الجزء 1 · صفحة 78
لم يأخذ بظاهر هذا الحديث.
ولا بأس للصائم أن يكتحل أو يدهن شاربه أو رأسه أو يستاك؛ لقوله عليه السلام: خير خلال الصائم السواك».
وعند الشافعي رحمه الله يكره له السواك آخر النهار ?؛ لأنه يزيل خلوف فم الصائم وأنه محبوب الله تعالى.
ويكره مضغ العلك للصائم؛ لأنه عرض صومه للفساد فيكره.
وقيل: إن كان يابسا يفسد صومه؛ لأنه يتفتت فلا يأمن أن يدخل في جوفه شيء.
ولو دخل جوفه طعمه، أو طعم الماء: لا يفسد صومه.
الصائم إذا خاف على نفسه إن لم يفطر تزداد عينه وجعًا، أو حماه شدة: جاز له أن يفطر.
دفعا للعسر، والله تعالى أعلم بالصواب.
باب من يوجب الصيام على نفسه
رجل قال: الله عليّ أن أصوم يوم النحر: صح نذره.
عند علمائنا الثلاثة رحمهم الله.
وقال زفر، والشافعي رحمهما الله: لا يصح نذره؛ لأن المنذور به معصية؛ لأنه منهي.
لنا: أن المنذور به عبادة، والنهي كان لغيره فلا يمنع صحة النذر به؛ لكنه يفطر ويقضي يوما آخر؛ كي لا يصير مرتكبا للحرام.
ثم إن نوى النذر واليمين كان نذرًا ويمينا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله حتى يلزمه القضاء بحكم النذر وتلزمه الكفارة بحكم اليمين.
وعند أبي يوسف رحمه الله: يكون نذرًا خاصة حتى يلزمه القضاء دون الكفارة.
وإن نوى اليمين فقط كان يمينا خاصة عند أبي يوسف رحمه الله.
وعندهما يكون نذرًا ويمينا.
الجزء 1 · صفحة 79
وإن نوى أن يكون يمينا ولا يكون نذرًا: كان يمينًا خاصة بِالْإِجْمَاعِ.
وإن نوى النذر فقط، أو لم ينو شيئًا: كان نذرًا خاصة بِالْإِجْمَاعِ.
أبو يوسف رحمه الله يقول: بأن هذه الصيغة للنذر حقيقة؛ لأنها موضوعة للإيجاب فيكون موجبه لعينه ولليمين مجاز؛ لأن اليمين توجب المحلوف به لغيره؛ لأنها غير موضوعة للإيجاب لكنه يجب البر صيانة لاسم الله تعالى عن الهتك فيكون الوجوب ثابتا من وجه واللفظ الواحد لا يراد به الحقيقة والمجاز.
فإن نوى النذر واليمين، أو لم ينو شيئًا: فالحقيقة أولى.
وإذن نوى اليمين ولم ينو النذر صار المجاز مرادًا: فلا تبقى الحقيقة مرادة. هما يقولان: في النذر معنى اليمين؛ لأن معنى اليمين تحريم ترك المحلوف به، فإنه إذا قال: والله لأصومن هذا اليوم: يحرم عليه تركه بعد أن كان مباحًا.
وفي النذر تحريم ترك المنذور به إلا أن معنى اليمين فيه تبع فلا يعتبر إلا بالنية، ومعنى النذر لا يحتاج فيه إلى النية، فيكون هذا من باب الجمع بين الحقيقتين لا من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز.
رجل قال: لله علي صوم هذه السنة: يفطر يومي العيد وأيام التشريق ويقضي في أيام أُخر؛ لما مر. ولو شرع في صوم يوم النحر بنية التطوع، ثم أفسد: لا قضاء عليه عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن الأداء لم يلزمه بالشروع، فلا يلزمه القضاء.
وعندهما يلزمه القضاء.
اعتبارًا بالنذر، والله أعلم بالصواب.
كتاب المناسك
لا بد من معرفة ألفاظ ذكرها محمد رحمه الله في هذا الكتاب ليهتدي بها المبتدئ إلى معرفة مسائلها، فنذكر بعضها في صدر الكتاب، وبعضها في موضعها إن شاء الله تعالى:
الإحرام للحج كالطهارة للصلاة لا يصح الحج بدونه.
والإهلال، هو: الإحرام.
وصورة الإحرام للحج أن يلبي بلسانه، وينوي بقلبه الحج، ويسمى مفردًا بالحج. والتلبية أن يقول:
الجزء 1 · صفحة 80
لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وهو إجابة دعوة الخليل صلوات الله عليه.
وإن أحرم للعمرة ينوي العمرة عند التلبية وسمي معتمرًا.
وإن أراد القرآن: ينوي الحجة والعمرة ويسمى قارنا.
والميقات: اسم لموضع يحرمون منه ثمة، ولا يجوز لمن يريد مكة أن يجاوز عنه بغير إحرام.
وميقات قافلة بغداد: ذات عرق.
وميقات أهل المدينة: ذو الحليفة.
وميقات أهل اليمن يلملم.
وميقات أهل الشام جحفة.
وميقات أهل نجد: قرن.
وميقات أهل مكة للحج: الحرم، ومكة كلها حرم.
وميقاتهم للعمرة: الحل وهو التنعيم.
والمتمتع من يقدم العمرة على الحج قبل أيام الحج بأن يحرم للعمرة عند الميقات، ويدخل مكة، ويطوف سبعة أشواط؛ أي: سبع مرات، ثم يسعى بين الصفا والمروة سبع مرات يبدأ من الصفا ويختم بالمروة فقد تمت عمرته، وهي الحجة الصغرى، ثم يحلق رأسه حتى يحل ويخرج عن الإحرام، ثم يحرم للحج من مكة.
ولو أحرم للحج قبل الحلق: جاز.
وإذا حج، فهو متمتع، ومن شرطه: أن يحج ويعتمر بسفر واحد من غير أن يلم فيما بين ذلك إلى أهله.
والإلمام: أن ينزل إلى أهله.
ويجب عليه وعلى القارن وهو الذي ينوي عند التلبية الحجة والعمرة إراقة دم وأنه دم شكر.
والتقصير: قصر الشعر، وهو: قطع رؤس الشعر، وقد يستعمل في الحلق.
الجزء 1 · صفحة 81
والإحلال، والتحلل: أن يصير حلالا ويخرج عن الإحرام.
والإحصار: أن يصير ممنوعا عن الحج أو العمرة بعد الإحرام بسبب مرض أو عدو.
والهدي: اسم لشاة، أو بقرة، أو بعير يهديها إلى مكة، يعني: يبعثها لتذبح في الحرم.
والطواف ثلاثة:
طواف القدوم، وسمي طواف تحية، وإنه سنة، ووقته: قبل يوم التروية.
والآخر: طواف الزيارة، وسمي طواف الركن، وهو فريضة، ووقته: أيام النحر والثالث: طواف الصدر، وسمي طواف الرجوع، وطواف الوداع، وهو واجب، ووقته بعد الفراغ من مناسك الحج.
والنسك ما يكون قربة الله تعالى.
والخذف: رمي الحصاة برأس الأصبع.
والإفاضة: هو الرجوع من عرفات بعد غروب الشمس مع الإمام إلى مزدلفة، وهو المشعر الحرام واجب.
والوقوف بعرفات فرض، وبمزدلفة سنة.
قال رحمه الله: رجل توجه إلى مكة يريد الحج، فأغمي عليه، فأحرم عنه أصحابه: لم يصح عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، حتى لو أفاق يحتاج إلى إحرام مبتدأ؛ لأن الإحرام للحج كالطهارة للصلاة وكالنية للصوم، وثمة لا تجزئ فيه النيابة، كذا هاهنا.
وعند أبي حنيفة رحمه الله: يصح ويصير هو محرما بإحرام صاحبه عنه، حتى لو أفاق وأتى بأفعال الحج يصح؛ لأن الإحرام تجري فيه النيابة.
بدليل: أنه لو أمر صريحًا، فقال: إذا مرضت أو إذا أغمي عليَّ فأحرم عني فمرض أو أغمي عليه فأحرم عنه صاحبه: يصح ويصير محرما، فكذلك إذا أمر به دلالة وقد وجد الأمر دلالة؛ لأن الظاهر أنه يستعين بصاحبه فيما يعجز بنفسه عن الإتيان به وصار كما لو أحرم بنفسه، ثم أغمي عليه فحملوه على بعير أو حمله إنسان على ظهره وطاف به حول البيت وأوقفوه بعرفات ومزدلفة وسعوا به بين الصفا والمروة ووضعوا الحصاة في يده ورموا به جاز؛ لأن بالإحرام صار ناويًا أداء أفعال الحج في أوقاتها، فلا
الجزء 1 · صفحة 82
تشترط النية بعد ذلك عند كل فعل.
صبي أحرم، أو عبد أحرم بإذن مولاه، ثم بلغ الصبي وعتق العبد وأتيا بأفعال الحج: لم يجزهما عن حجة الإسلام وهو الفرض؛ لأن إحرامهما وقع نفلًا.
فلو جدد الصبي الإحرام بعد البلوغ وحج: يقع عن حجة الإسلام؛ لأن إحرامه في حال صباه لم يكن لازما فارتفض بإحرامه بعد البلوغ.
أما العبد إذا أحرم ثانيًا بعد العتق وحج لا يقع عن حجة الإسلام؛ لأن إحرامه الأول، وهو ما أحرم قبل العتق وقع لازما نفلا؛ لأنه من أهل اللزوم، فلم يخرج عن الأول إلا بأفعال الحج فوقع نفلا، فلا ينوب عن حجة الإسلام. والله أعلم بالصواب.
باب من جاوز الميقات بغير إحرام
جوز للآفاقي إذا قصد دخول مكة لزيارة البيت أو لأمر آخر أن يجاوز الميقات بغير إحرام إما إحرام العمرة، أو إحرام الحجة؛ لأن الله تعالى عظم هذا البيت فأضافه إلى نفسه، فكان تعظيمه لازما على من دخل في فنائه وتعظيمه بالطواف حوله للحج، وذلك لا يصح بدون الإحرام فصار الإحرام لازما عليه.
وعند الشافعي رحمه الله: إنما يلزمه الإحرام إذا أراد دخول مكة للحج أو للعمرة أما إذا كان لأمر آخر فلا يلزمه.
أما المكي إذا خرج من مكة لحاجة الاحتطاب وغيره، ثم أراد أن يدخل مكة: لا يلزمه الإحرام.
وكذلك البستاني، وهو محلة خارج الحرم داخل الميقات يحل لهم دخول مكة لقضاء الحوائج بغير إحرام؛ لأن هؤلاء تكثر حاجتهم إلى الدخول والخروج، فلو لم يحل لهم ذلك بدون الإحرام يقعون في الحرج، وجاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لِلْحَطَّابِينَ الدخول بغير إحرام.
آفاقي جاوز الميقات بغير إحرام، وهو يريد دخول مكة، فلما انتهى إلى بستان بني عامر أحرم للعمرة لزمه الدم؛ لمجاوزته الميقات بغير إحرام؛ لأن قضاء حق الميقات أن يجاوزه محرما.
فإن رجع إلى ذات عرق ولبى، ثم جاوزه: سقط عنه الدم عندنا.
خلافا لزفر رحمه الله.
وإن لم يلب، ثم جاوز لا يسقط عنه الدم عند أبي حنيفة رحمه الله، وعندهما: يسقط.
الجزء 1 · صفحة 83
زفر رحمه الله يقول: بالرجوع لا يتبين أنه لم يجاوز الميقات بغير إحرام، فلا يسقط عنه الدم؛ كما لو أفاض من عرفات قبل غروب الشمس، ثم عاد إليه بعد الغروب، ثم أفاض مع الإمام لا يسقط عنه الدم كذا هاهنا.
هما قالا: بأن قضاء حق الميقات أن يجاوزه محرماً لبي أو لم يلب؛ ألا ترى أنه لو أحرم في منزله، ثم جاوز الميقات محرما لا يلزمه شيء، وإن لم توجد التلبية في الميقات، وهنا لما عاد إلى الميقات محرمًا فقد تدارك حقه في وقته وصار قاضيًا حقه فيسقط عنه الدم.
ولأبي حنيفة رحمه الله: إن حق الميقات أن يجاوزه محرمًا ملبيا في حق من انتهى إليه بغير إحرام؛ لأنه يجب عليه الإحرام بالتلبية في الميقات فصار حق الميقات في حقه في الإحرام مع التلبية.
وإن لبى سقط عنه الدم، وإلا فلا.
بخلاف الإفاضة؛ لأن ثمة قضاء حق عرفات في استدامة الوقوف إلى غروب الشمس ولم يتدارك ذلك، حتى لو عاد قبل غروب الشمس يسقط عنه الدم.
وقال بعضهم: لا يسقط؛ لأنه لم يتدارك الجزء الفائت من الوقوف.
فإن لم يعد إلى الميقات حتى دخل مكة وطاف: لا يسقط عنه الدم بالاتفاق؛ لأن الجناية قد تقررت فلا يمكن الرجوع عنه إلا بالتوبة وهي الكفارة بالدم.
فلو أنه لم يدخل مكة، ولم يطف لكن أفسد إحرام العمرة بالجماع مضي عليه؛ لأن الإحرام وإن فسد؛ لكن لا يخرج عنه إلا بأفعال العمرة.
فإذا خرج عن عهدته يجب عليه قضاء العمرة الفاسدة، فيحرم من الميقات ابتداء لقضاء العمرة، وسقط عنه الدم الذي وجب عليه بسبب المجاوزة لا محرما؛ لأنه قضاء حق الميقات بما هو خلف كمن سهى في صلاته حتى وجب سجود السهو، فلو أفسدها وقضاها: تسقط سجدتا السهو كذلك هاهنا.
هذا إذا جاوز الميقات بغير إحرام يريد دخول مكة.
وإن جاوز الميقات وهو يريد بستان بني عامر الحاجة لا يلزمه شيء فصار ميقاته للإحرام البستان؛ لأنه صار كواحد من أهل البستان وميقات البستاني البستان فكذا ميقاته، وللبستاني أن يدخل مكة بغير إحرام إذا لم يرد الحج أو العمرة، فكذلك لهذا الذي صار منهم.
الجزء 1 · صفحة 84
فإن جاوز الآفاقي الميقات ودخل مكة بغير إحرام لزمه حجة أو عمرة لدخول مكة بغير إحرام؛ لأنه لما قصد الدخول فصار تعظيم البيت لازما عليه إما بحجة أو عمرة فصار بالدخول ملتزماً أحدهما.
فإن عاد إلى الميقات فأحرم بحجة الإسلام وحج أجزته ذلك عن حجة الإسلام وعما لزمه بدخول مكة.
وعند زفر رحمه الله: لا يسقط عنه ما لزمه بدخول مكة؛ لأن كل واحدة من الحجتين فرض عليه فلا ينوب أحدهما عن الآخر؛ كما لو تحولت السنة بأن حج حجة الإسلام في سنة أخرى.
وإنا نقول: تلافي التفريط في وقته يعني تدارك قضاء حق البيت في التعظيم في وقته؛ لأن تعظيمه بحجة أو عمرة سواء كان فرضًا أو نفلا، فإذا أتى بحجة الإسلام فقد قضي حقه؛ کمن دخل المسجد وصلى فريضة فقد قضى حق المسجد فينوب ذلك عن تحية المسجد، بخلاف ما إذا تحولت السنة؛ لأن ثمة الحجة التي وجبت بسبب الدخول صار دينا عليه بفوات، وقته، وصار أصلا فلا ينوب عنه حجة الإسلام.
مكي خرج من الحرم يريد الحج، ثم أحرم في الحل: لزمه الدم؛ لتركه حق الميقات؛ لأن ميقاته للحج الحرم فإن عاد إلى الحرم ولبى سقط عنه الدم عندنا، خلافًا لزفر رحمه الله.
فإن عاد ولم يلب سقط الدم عندهما، وعند أبي حنيفة رحمه الله: لا يسقط كالآفاقي إذا جاوز ذات عرق بغير إحرام.
وإن خرج المكي لحاجة أخرى، ثم أحرم للحج في الحل: لا يلزمه شيء. كالآفاقي إذا جاوز الميقات وهو لا يريد دخول مكة، ثم أحرم: لا يلزمه شيء، كذا ههنا.
والمتمتع إذا فرغ من عمرته كان حكمه حكم المكي؛ لأن ميقاته لإحرام الحج الحرم، فصار هو والمكي سواء فيما ذكرنا من الحكم والله تعالى أعلم بالصواب.
باب في تقليد البدن
والتقليد: أن يعلق بعنق بعير الهدي عروة مزادة أو شراك نعل، أو نعل. رجل قلد بدنة تطوعًا أو بدنة نذر أن يهديها إلى مكة أو جزاء صيد بأن قتل المحرم صيدا حتى وجبت عليه قيمته، فاشترى بتلك القيمة بدنة في سنة أخرى وقلدها وساقها إلى مكة، فإن توجه معها وهو يريد الحج صار محرمًا من غير
الجزء 1 · صفحة 85
التلبية؛ لأن بنية الحج إنما يصير محرما إذا اقترن به قول التلبية، أو فعل هو من خصائص الحج؛ ليقوم مقام التلبية، وتقليد البدنة مع السوق من خصائص الحج حتى لو لم يتوجه مع الهدي لا يصير محرما؛ لأن التقليد بدون السوق ليس من خصائص الحج فإن الإنسان قد يبعث هديًا إلى مكلة ويقلدها، ولا يذهب إلى الحج وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما كان يفعل هكذا، ولم يجتنب عما يجتنبه المحرم، فلو لم يتوجه مع الهدي عند بعثه، ثم توجه بعد ذلك يريد الحج:
فإن أدرك الهدي في الطريق وساقه صار محرما؛ لأن الفعل اقترن بالنية.
وإن لم يدرك: لم يصر محرما.
بخلاف المتمتع إذا قلد الهدي وبعثها إلى مكة، ثم توجه يريد العمرة صار محرما وإن لم يدرك الهدي؛ لأن هدي التمتع من خصائص الحج بدون السوق؛ لأن له أثرا في إبقاء الإحرام حتى أن من أراد التمتع وساق الهدي لا يحل قبل ذبح الهدي.
وذبحه يكون في يوم النحر وذلك بعد إحرام الحج، ولو لم يسق الهدي: جاز له أن يحل بالحلق بعد الفراغ من العمرة، فإذا كان له أثر في بقاء الإحرام كان هو من خصائص الحج بدون السوق فيصير محرمًا بمجرد التوجه لاقتران النية بما هو من خصائص الحج.
ولو قلد شاة وتوجه معها: لم يصر محرما؛ لأن إهداء الشاة وإن كان يجوز؛ لكنه ليس بمعناه فلم يكن من خصائص الحج.
ولو جلل بدنة ـ أي ألقى عليها الجل - وتوجه معها لم يصر محرما؛ لأنه ليس من خصائص الحج، فإن الإنسان قد يجلل الدابة للزينة أو لدفع البرد.
وكذلك لو أشعرها وتوجه معها لم يصر محرمًا عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن الإشعار عنده حرام كان في الابتداء، ثم انتسخ حين نسخت المثلة وما كان حراما و منسوخا لا يصير به محرما.
وعندهما ليس بحرام ولا منسوخ، وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وأنه لا يفعل ذلك إلا في طريق الحج فكان من خصائص الحج فيصير به محرما.
والإشعار، هو: إثبات العلامة وذلك بأن يجرح سنامه من قبل اليسار عندنا.
وعند الشافعي رحمه الله: من قبل اليمين.
الجزء 1 · صفحة 86
قال بعض مشايخنا رحمهم الله: إنما يكره عند أبي حنيفة رحمه الله إذا بالغ في الجرح بحيث يخاف منه الهلاك؛ لأنه زيادة في الإيلام وإن قصد به المبالغة في الإعلام، أما إذا لم يبالغ فلا يكره.
واسم الهدي يتناول الشاة، والبقر، والبعير.
واسم البدنة يتناول البقر والبعير عندنا.
وعند الشافعي رحمه الله: للبعير خاصة.
ولا يجوز في الهدايا والضحايا إلا الجذع من الضأن وهو الذي مضى عليه أكثر السنة بشرط أن يكون عظيمًا.
والثني من المعز، وهو الذي أي عليه سنة كاملة.
والثني من الإبل، وهو الذي تم له خمس سنين.
والثني من البقر، وهو الذي تم له سنتان، والله أعلم بالصواب.
باب في جزاء الصيد
محرم قتل صيدا في الحل أو في الحرم، أو حلال قتل صيد الحرم: فعليه قيمة ذلك الصيد سواء كان الصيد طائرًا نحو الحمام والعصفور أو ماشيا بالقوائم الأربع كالظبي والنعامة، وحمار الوحش يقومه رجلان عدلان من أهل البصارة في المكان الذي قتله فيه، وإذا ظهرت قيمته فالقاتل بالخيار إن شاء اشترى بتلك القيمة هديًا من الإبل أو البقر أو الشاة مما يصلح للتقرب بالحل بتلك القيمة، ويبعث بها إلى الحرم فيذبح في الحرم؛ لأنه لا يقع قربة إلا في مكان مخصوص وهو الحرم.
وإن شاء اشترى بتلك القيمة طعامًا، وتصدق لكل مسكين نصف صاع من حنطة أو صاعا من تمر أو شعير، وإن شاء صام لكل نصف صاع يوما فإن بقي مد تصدق به أو صام مكانه يوما.
ويجوز الإطعام والصيام في أي مكان شاء؛ لأن كونهما قربة لا يختص بالمكان والزمان بخلاف الهدي.
وإن ذبح الهدي في غير الحرم صار لحما، ويتصدق بذلك اللحم مكان الإطعام بطريق القيمة يجزيه فيعطي لكل مسكين من اللحم ما تبلغ قيمته نصف صاع من حنطة وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله.