الجزء 1 · صفحة 7
شرح القدوري
للإمام أبي نصر أحمد بن محمد بن محمد البغدادي المشهور بالأقطع
توفي سنة (474هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
يسم الرحمن الرحيم
اللَّهُمَّ وَفِّق لإتمامه
الحمد لله رب العالمين، وصلواته على خير خلقه محمد وآله أجمعين. قال الشيخ الإمام أبو نصر أحمدُ بنُ محمد البغدادي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
ذكَرْتُم، وفَقَنَا اللَّهُ وإِيَّاكم للصلاحِ والرَّشادِ)، حاجتكم إلى شرح «المختصر» الذي عمله شيخنا أبو الحسين أحمدُ بنُ محمدِ بنِ جعفر البغدادي رَحِمَهُ اللهُ، شرحا لا يُخرِجُه عن حد الاختصار، وأنَّكم رأَيْتُم ما كنتُ ابتدأتُ به من شرحه للشريف السعيد ضياء الشرف، ذي المنصِبَينِ (أبي الحسين عبيدِ اللَّهِ بنِ المُطهَّرِ بنِ الحسنِ بنِ داودَ بنِ الناصر لدينِ اللَّهِ (ه) رَحِمَهُ اللهُ، فوجَدْتُموه في غاية الاختصار، وسألْتُم أنْ أبسُط القولَ فيهِ بعضَ البَسْطِ، وأذكُرَ في كلِّ مسألةٍ مِن مسائل الكتاب ما يُعتمد عليه، ويُستخرج به الجواب من أخواتها من المسائل، وأن الحق في كل موضع ما يحتاج إليه من المسائل الظاهرة التي لا يُستغنى عن معرفتها، وما يكون فيه إيضاح لغيرها، قدرًا لا يطول به الكتاب، ويعتدلُ به أوله وآخره، وأنْ أقتَصِرَ من ذكرِ اختلافِ الناس على ما جرت العادة بذكرِه في وقتنا.
فأجبتكم إلى ذلك مستعينًا بالله تعالى في جميع ما أقصده، وراغبًا إليه، جَلَّتْ عظمته، في التوفيق والعصمة في كلِّ ما آتي وأذَرُ، وأنْ يجعَلَ ما أتوفَّاهُ مِن ذلك له خالصا، وأن ينفع الناظر فيه به، وهو عزّ اسمه، وليُّ الإجابة بمنه وجُودِه.
كتاب الطهارة
قالَ الشيخُ الإمامُ رَضَ اللَّهُ عَنْهُ: الطَّهارة في اللغة: عبارة عن النظافة.
الجزء 1 · صفحة 9
وفي الشريعة: عبارة عن غَسْل بصفة.
والوضوء في اللغة: عبارةٌ عن الوَضَاءَةِ، وهو الحُسْنُ، " ومنه يقال: وجه وضي، أي حسن).
وفي الشريعة: عبارةٌ عن غَسْل أعضاء مخصوصية بصفة مخصوصة. والأصل في وجوبِ الطَّهارة قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةَ مِنْ غلُولٍ.
قال شيخنا أبو الحسينِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قال الله تعالَى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُ وَسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} [المائدة:] الآيةَ. فَقَرْضُ الوضوء: غَسْلُ | الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس.
وهذا الذي ذكره قد دلّ عليه ظاهرُ الآية، ودلَّ عليه أيضًا قولُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ، فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ.
وهذه الجملة تشتمل على مسائل لا بدَّ مِن تفصيلها:
أما الوجه: فالكلام فيه يقعُ في مواضع:
منها: حده؛ وهو مِن قُصَاصِ الشَّعْرِ) إلى أسفل) النَّقْنِ طولا، وإلى شَحْمَتَي الأُذنِ عَرْضًا؛ وذلك لأنَّ الوجة) عبارةٌ عمَّا يَقَعُ بِهِ المواجهة للإنسان في العادة، والمواجهة تقع بما ذكرنا.
ومنها: أنَّ المضمضة غير واجبة في الوضوء، وكذلك الاستنشاق؛ لأنَّ الوجة عبارة عن الظاهرِ دونَ الباطن، فينصرفُ الأمر إليه دون غيره؛ ولأنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَ الأعرابي الوضوء، فقال له: «تَوَضَّأَ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ تَعَالَى؛ اغْسِلْ وَجْهَكَ، ثُمَّ يَدَيْكَ، ثُمَّ امْسَحْ بِرَأْسِكَ، ثُمَّ اغْسِلْ رِجْلَيْكَ). ولم يُبيِّن له
المضمضة والاستنشاق، مع جهله بالأحكام، فلو كانَتْ واجبة لبينها.
ومنها: أنَّ إيصال الماء إلى داخل العينين ليس بواجب؛ لأنَّ فيه مشقة، وقيل:
الجزء 1 · صفحة 10
إِنَّ عبد الله بن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كانَ يُدخِلُ الماءَ في عينيه حتى عَمِيَ. والطهارة تسقط بالمشقة. ومنها: أنَّ إيصال الماء إلى ما تحتَ الرّحيةِ مِن بَشَرِةِ الوجهِ غَيْرُ واجب.
وعن الشافعي: أنه يجبُ إِنْ كانَ الشعر خفيفا.
وهذا غير صحيح؛ لأنَّ ما لا يجب إيصال الماء إليه إذا تكاثف عليه الشعرُ، لا يجب وإن خَفَّ عليه الشعرُ، أَصله بَشَرَةُ الرأس.
ومنها: أنَّ الواجب قبل نباتِ اللحية غسل جميع الوجه، وبعد نباتِ اللحية يجب مسح ما لاقى بَشَرةَ الوجهِ مِن الرّحيةِ.
قال أبو حنيفة: وليس تخليل اللحية من مواضع الوضوء؛ وإِنَّما مواضع الوضوء ما ظهر منها، وهذا يقتضي إمرار الماء على جميعها.
وروى الحسن، عن أبي حنيفة، وزفر: أنه إذا مسح من لحيته ثلنا أو رُبعا جاز، ولا يجوزُ أقل من ذلكَ.
وقال أبو يوسف: إن لم يمسخ شيئًا منها جاز).
وجه الرواية الأولى: أنَّ الفرضَ كانَ مُتعلقا بالبَشَرةِ، فإذا سترها الحائل وجب ألا يسقط الفرضُ، بل ينتقل إلى الحائل، أصله شعر الرأس.
وجه رواية الحسن: أنَّ الفرضَ هو المسحُ، والممسوح لا يعتبر فيه الاستيعاب، أصله مسح الرأس.
وجه قول أبي يوسف: أنه لو وجب تطهيرها لكان الواجب المسحَ، فيؤدِّي ذلك إلى اجتماعِ وجوبِ المسح والغسل في عضو واحد)، وهذا لا نظير له في الأصول.
ومنها: أنه لا يجب إيصال الماء إلى ما استرسل مِن شَعْرِ اللحية عن الوجه.
وقال الشافعي في أحد قوليه: يجب.
الجزء 1 · صفحة 11
لنا: قوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:]. واسم الوجه لا يتناول اللحية، بل ينتفى عنها، تقول: رأَيْتُ وجهه دون لحيته، ولا يُقال: طال وجهه.
ويُقال: طالت لحيته. فإذا لم يتناولها الاسم لم يجب إيصال الماء إليها؛ ولأن الفرضَ إذا انتقل إلى الحائل وجب تُبوتُه فيما يُلاقِي الأصل، أصله المسحُ على الخفٌ.
فإن قيل: شعر ظاهر نابتٌ عَلَى بَشَرةِ الوجهِ، فوجب إيصال الماء إليه، أصله ما لاقى البشرة.
قيل له: المعنى فيه: أنه يُلاقي موضعا لو ظهر وجَب غَسْلُه. وفي مسألتِنا بخلافه.
ومنها: وُجُوبُ غسل البياض الذي بينَ العِذَارِ والأُذُنِ عند أبي حنيفة، ومحمد.
وعن أبي يوسف: أنه لا يجب.
وجه قولهما: أنه يجب غسله قبل نباتِ شعر اللحية، فإذا حالَ الشعر بينَه وبين الوجهِ لا يَسقُطُ الوجوب، أصله الجبهة مع الحاجب.
وجه قول أبي يوسف: أنَّ الفرضَ قد سقط عمَّا تحتَ العِذَارِ، مع قُرْبِه إِلى الوجهِ، فَأَوْلَى أنْ يسقط عن البياض، مع بُعْدِه.
وأَمَّا اليَدَانِ: فغسلهما واجب، وقد دللنا عليه، وتدخُلُ المرافق في الغسل، وقال زفرُ: لا يجب غسلهما (ه).
لنا قوله تعالى: إلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة:]. و (إلى) حرف غاية، والغاية تدخل في الكلام تارةً، ولا تَدخُلُ أخرى، والحَدَثُ مُتَيَقَّن، فلا يجوز إسقاط الفرض بالشَّكِّ.
وجه قولِ زفرَ: أَنَّ الغاية فيها احتمال، فلا يجوز إيجابُ الفرض بالشَّكُ.
قيل له: بل يكونُ فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيانًا لِمَا أَجِمَلَتْهُ الآيةُ، وقد رُوِيَ عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ
الجزء 1 · صفحة 12
أنه توضَّأَ وأدار الماء على مِرْفَقَيْهِ).
وأمَّا مسح الرأس: فقد دَلَّلْنا على وجوبِه، والكلامُ في قَدْرِه.
قال أصحابنا: الواجب مسحُ مقدار الناصية. ورُوِيَ عنهم: ربع الرأس. ورُوي عنهم: مقدار ثلاث أصابع من أصابع اليد.
وقال مالك: جميع الرأس، أو أكثره.
وقال الشافعي: أدنَى ما يتناوله الاسم).
أما الكلام على مالك، فما روى المغيرة بن شعبةً، أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَى سُبَاطَة قَوْمٍ فَبَالَ، وَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَخُفَّيْهِ». وهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يترك الواجب، ولا بعضَهُ، فلما اقتصر على ذلك، دلَّ على أنه الواجب.
فإِنْ قِيلَ: رُوِيَ أَنَّ النبيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مسح جميع رأسه.
قيل له: يجوز أن يَزِيدَ على الواجب؛ طلبا للفضيلةِ، ولا يجوزُ أَنْ يَنقُصَ من الواجب، فلمَّا رُوِيَ أنه اقتصر على مسح ناصيته، دلّ على أنه الواجب، وما زاد عليه إنما فعله على وجه الفضيلة.
وأَمَّا الكلامُ على الشافعي: فهو أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَفَرَد المسح بالذُّكرِ، وَإِنْ كان ما يتناوله الاسم يدخُلُ في غسل الوجه، فلو كان هو الواجب لبطَلَتْ فائدة الإفراد؛ ولأنَّه حكم يختص بالرأس، فلا يُتَقَدَّرُ بالأدنى، كالحَلْقِ في الإحرام.
فإن قيل: مسح من رأسه ما يتناوله اسم المسح، فصار كما لو مسح بثلاث أصابع.
قيل له: اعتبار ما يتناوَلُه اسم المسح يخالِفُ موضوعَ الطَّهارة؛ إذْ لا يعتبر في شيء منها، فلا يجوز تعليق الحكم به؛ " ولأنه إذا مسح بثلاث أصابع فقد أتى بمسح، مقصود، فجازَ أنْ يتعلَّق به الحكم، وما
الجزء 1 · صفحة 13
قالوه ليس بمقصود.
وقد قال أصحابنا: إذا مسَحَ بإصبع واحدة مقدار ثلاث أصابع لم يُجْزِه.
وقال زفرُ: يُجزِئُه.
وجه قولهم: أنَّ المقصود من المسح هو إمساس الماء للعضو، فإذا وُجِدَ فقد صارَ مُستعملا، ما لم يُقصد الاستيعاب، ولا يجوزُ المسح بماءٍ مُستعمل.
وجه قولِ زفرَ: أَنَّ شرط الاستعمال هو مُفارقَةُ الماءِ للعضو الدليل عليه المغسول، فعلى هذا ما لم يرفع يده لا يُحكم باستعمال الماء، فيجوز المسح به، " وأما إذا مسح على الرأس بانقلابِ الإصبع فبالإجماع جائز).
وأمَّا الرَّجُلانِ ففرضُهما الغَسل عند أصحابنا.
ومن الناس من قال: الواجب المسحُ).
ومنهم من قالَ: هو مُخَيَّر بين المسح والغَسْل.
ومنهم مَن قالَ: يجبُ الجمعُ بينهما
دليلنا: ما رُوِيَ: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاوَمَ عَلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ، ولم يُرو عنه المسحُ إلا من جهة ضعيفة شاذة.
فمن قالَ: إِنَّ الغَسْلَ لا تُجزِئُ به الصلاة. فقد خالف المنقول من جهة الاستفاضة، ومن قال: يجوزُ كل واحد منهما فلا يخلو أن يقول مع ذلك: الغَسْلُ أفضل. أو: المسحُ أفضل. فإنْ قالَ: المسحُ أفضلُ. أَدَّى ذلك إلى أنْ يكونَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ داوَمَ على تركِ الفضيلة، وإِنْ قالَ: الغَسْلُ أفضلُ. لم يَصِحَ؛
لأنَّ العضو إذا كانَ فرضُه المسح لا يكون الأفضل غسله، أصله الرأس.
فإن قيلَ: قالَ اللَّهُ تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ [المائدة:]. وقال ابن عباس:
الجزء 1 · صفحة 14
نزل جبريلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمَسْحَيْنِ وَغَسْلَيْنِ).
قيل له: هذه الآيةُ قُرِئَتْ بقراءتَيْنِ: قراءةِ النصب، وظاهرها يوجِبُ الغَسْلَ؛ لأنه عطف الرجلَيْنِ على المغسول والتقديرُ: فاغْسِلوا وجوهكم وأيديكم، وأرجلكم، وامسحوا برؤوسكم.
والقراءة الأخرى: قراءة الخفض، وظاهرها يوجِبُ المسح؛ لأنه عطَفَ على الممسوح، والتقدير: وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم".
والدليل على أنَّ ظاهر كل واحدةٍ مِن القراءتَيْنِ مَا ذَكَرْناه: أَنَّ الصحابةَ رَضِوَاللَّهُ عَنْهُمْ اختَلَفُوا؛ فكلُّ مَنْ قَرَأَها بالنصبِ اعْتَقَدَ الغَسْلَ، وَكُلُّ مَنْ قَرَأَها بالخفض اعتقَدَ المسح، وكلُّهم من أهل اللغة، فلولا أنَّ ظاهر كل واحدةٍ مِن القراءتَيْنِ ما اعتقده، لطُّولِبَ بالدليل على عدوله عن الظاهرِ، وإذا ثبَتَ ما ذكَرْناه كَانَتِ الآيةُ محتملة، فافتَقَرَتْ إلى البيانِ، وقد رُوِيَ أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضَّأَ وغسَلَ رجليه، وقالَ: «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ». فيكونُ بيانًا للآيةِ.
ويدخُلُ الكَعْبَانِ فِي غَسْلِ الرِّجلَيْنِ، وقال زفرُ: لا يدخُلانِ). والكلام في ذلك كالكلام في المرافق.
والكَعْبُ: هو العَظْمُ الناتِيُّ الذي في مَفْصِلِ القَدَمِ؛ لأنَّ إطلاق اسمِ الكعب لا يفهم منه غيرُ ذلكَ، يُقالُ: ضُرِبَ كعب فلان. فيُفهم منه هذا العظم الناتى، وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلْصِقُوا الكِعَابَ بِالكِعَابِ فِي الصَّلَاةِ»). والمفهوم منه ما ذكرناه.
وقد رَوَى هشام، عن محمد: أنَّ الكعب هو المَفْصِلُ الذي في وَسَطِ القدمِ عندَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ). وهذا سهو من هشام؛ لأنَّ محمدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ ذلكَ في مسألة المُحرِمِ إذا لم يَجِدِ النَّعَلَيْنِ: إنه يلبَسُ الخُفَّينِ، ويقطَعُهما أسفل الكعبين. وأشار بيده وبيَّن موضع القطع، فنقل هشام ذلك إلى الطهارة، وإلا فلا خلاف فيه.
الجزء 1 · صفحة 15
قال الشيخُ رَضِوَاللَّهُ عَنْهُ: ويدخُلُ المِرْفقانِ والكَعْبانِ في الغَسْلِ، والمفروض من مسح الرأس مقدار الناصية.
وقد بَيَّنَّا ذلك كله.
قال: وسُنَنُ الطَّهارةِ غَسْلُ اليَدَيْنِ ثلاثًا قبل إدخالهما الإناء، إذا استيقظ المتوضّى مِن نومه.
وذلك لقولِه عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إذا استيقظ أحدُكم من منامه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسِلَها ثلاثا؛ فإنَّه لا يَدْرِي أينَ باتَتْ يده. معناه: لا يدري أينَ باتت يده، في مكان طاهر من بدنه، أو نجس؟ فبَيَّنَ أَنَّ ذلكَ لأجلِ الشَّكٍّ في النجاسةِ، ومَنْ شَكٍّ في النجاسةِ يُستحَبُّ له غَسلها، ولا يجب عليه.
قال: وتسميةُ اللهِ تعالى في ابتداء الوضوء.
وذلك لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ توضأ وذكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى، كَانَ ذلكَ طَهُورًا لجميع البدنِ، ومَنْ توضّأ ولم يذكرِ اسمَ اللَّهِ تَعَالَى، كَانَ ذلكَ طَهُورًا
فإن قيل: قد رُوِيَ عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ أنه قال: «لا وضوءَ لَمَنْ لم يذكُرِ اسم الله تعالى»؟
قيل له: هذا خبر واحد، فلا يَثْبُتُ به ما تَعُمُّ البَلْوَى به، على أنه محمول على نفي الكمال، كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الا صلاة لجارِ المسجد إلا في المسجد».
قال: والسواك سنة.
وذلك لقولِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْلا أَنْ أَشُقَّ على أُمَّتِي لَأَمَرْتُهم بالسِّواكِ لكلِّ صلاة.
وقالَ: «صلاةٌ بسِوَاكِ أفضلُ مِن كذا وكذا صلاةٌ بغير سواك.
قال: والمضمضة والاستنشاق.
لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تمضمَضَ واستَنْشَق»، وأفعاله أقل أحوالها أن تدل على السُّنَّةِ.
الجزء 1 · صفحة 16
قال: ومسح الأذنين.
وذلكَ لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ النبيَّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ ومسح رأسه، وأُذْنَيْهِ، وصُدْ غَيْهِ». وأقل أحوالِ أَفعالِهِ أَنْ تدلَّ على السُّنَّةِ.
قال: وتخليل اللحية والأصابع.
أما تخليلُ اللحية فجائز عند أبي حنيفة، ومحمد، وليس بسُنَّة. وقال أبو يوسف: هو سُنَّة.
وجه قولهما: أنَّ عثمانَ رَضِوَاللَّهُ عَنْهُ حكَى وضوءَ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ولم يذكر أنه يُخَلَّلُ؛ ولأنَّ التخليلَ يُفعَلُ مبالغة في استيفاء الفرض، وباطنُ الشَّعْرِ لا يجب إيصال الماء إليه، فلم يُسَنَّ تخليله، كشعر الرأس.
وجه قول أبي يوسف: ما روى أنسُ رَضِوَاللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذا توضأ شَبَّكَ أصابعه في لحيته، كأَنَّها أسنانُ المُشْطِ».
وأمَّا تخليل الأصابع فسُنَّةٌ في قولهم: لِمَا رُوِيَ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قالَ: «خَلِّلُوا أَصَابِعَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَخَلَّلَهَا نَارُ جَهَنَّمَ». ولأنَّ غسل ما بينَها واجبٌ، والتخليل يُتَيَقَّنُ به الواجبُ؛ فَسُنَّ لذلك.
قال: وتَكْرَارُ الغَسْلِ إلى الثلاث.
وذلكَ لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ النبيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ توضَّأَ مَرَّةً مَرَّةٌ، وَقالَ: «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ». ثم توضَّأَ مَرَّتَينِ مَرَّتَينِ، وَقَالَ: «هَذَا وُضُوءُ مَنْ يُضَاعِفُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ الأَجْرَ مَرَّتَيْنِ». ثم توضَّأَ ثلاثا ثلاثا، وقالَ: «هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، وَوُضُوءُ خَلِيلِي إِبْرَاهِيمَ، فَمَنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ).
قال: ويُستحَبُّ للمُتوضي أنْ ينوِيَ الطَّهارة.
الجزء 1 · صفحة 17
لأنه إذا نوى صارَ الفعلُ قُرْبةٌ، وإذا لم ينو لم يكُنْ قُرْبةٌ، وإتيان الفعل على وجهِ القُرْبةِ أولى.
وقال الشافعي: النية في الطهارة بالماء شرط.
وليستْ عندنا بشرط (؟)؛ والدليل عليه أنَّ النبيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ علَّم الأعرابي الوضوء، فقالَ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَه. ولم يذكر له النِّيَّةَ، مع جهله بالأحكام، فلو كانَتْ واجبة لبينها؛ ولأنه شرط لا تَصِح الصلاة إلا به مع القدرة، فلا يَقفُ على النِّيَّةِ، كسَتْرِ العورة، وإزالة النجاسة؛ ولأنه شرط يثبتُ حكمه في حق الكافر، فلا يقف على النية، كسَتْرِ العورة.
فإِنْ قِيلَ: رُوِيَ أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى.
قيل له: ظاهره متروك؛ لأنَّ العمل يوجَدُ مِن غيرِ نِيَّةٍ، فاحتاج إلى إضمار، فيحتمل جواز الأعمالِ بالنِّيَّاتِ، ويَحتمل فضيلة الأعمال بالنيات، وليس أحدهما أَوْلَى مِن الْآخَرِ، فَوُقِفَ على الدليل.
فإن قيل: طهارة من حدث، فكانَ مِن شرطها النِّيَّة كالتيمم.
قيل له: التيمم بدل، والإبدال يفتقر إلى النية، وفي مسألتِنا ليسَتْ ببَدَلٍ؛ فصارَتْ كإزالة النَّجاسةِ.
قال: ويَستوعِبُ رأسه بالمسح.
وذلك لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: توضَّأَ ومسَحَ بيدَيْهِ جَميعَ رأسه؛ أقبل بهما وأدبر، ورُوِيَ: «أنه توضَّأَ ومسَحَ على ناصيته؛ فَدَلَّ على أنَّ ما زادَ على قدر الناصية يُستحَبُّ؛ إِذْ لو كانَ واجبًا لَمَا تَرَكَه.
قال: ويُرَتِّبُ الوضوءَ، فيبدأ بما بدَأَ اللَّهُ تعالى به، وبالمَيَامِنِ.
وقال الشافعي: الترتيب شرط.
لنا: ما رُوِيَ: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضَّأَ ورتَّبَ»)، وروى أبو داودَ: «أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تيمَّمَ ولم يرتب، ومسَحَ يدَيْهِ، ثم وجهَه»، فلمَّا تَرَكَ الترتيب في التيمم دلَّ على أنه سُنَّةٌ؛ ولأنها طهارة،
الجزء 1 · صفحة 18
فلا يُشترط فيها الترتيب، كغسل النجاسةِ؛ ولأنه يصح إيقاعها دُفْعَةً واحدةً، وهو أنْ يَأْمُرَ جماعةٌ بِغَسْلِ أعضائِهِ معا، وما صَحَ إيقاعُه دُفْعَةٌ لا يرتِّبُ، كغسل النجاسةِ.
فإن قيل: قال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ، فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ يَدَيْهِ».
قيل له: (ثم) تقتضي التراخي، وقد أجمَعْنا أَنَّ ذلك غيرُ مرادٍ، فصارَتْ بمعنى الواو، كقوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرَنَكُمْ} [الأعراف:].
فإن قيل: عبادةٌ يُبطِلُها الحَدَثُ، فكانَ مِن شرطها الترتيب، أصله الصلاة. قيل له: الصلاةُ لمَّا لم يَجُزُ أَنْ يَجْمَعَ جميع مسنوناتها بعد الفراغ منها، جازَ أنْ يُرتب فرائضَها، والوضوء بخلافه.
وأما قوله: وبالميامن. فلأنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يستحِبُّ البداية بالميامن في كلِّ شيءٍ.
وقد قال أصحابنا: إنَّ الموالاة ليسَتْ بشرط في الوضوء.
وقال الشافعي في أحد قوليه: هي شرط.
لنا: قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ، فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ يَدَيْهِ». و (ثم) للتراخي؛ ولأنه تفريق في الطهارة، فلا يؤثر في صحتِها، كاليسير.
فإن قيل: عبادة لها أركان مختلفةٌ تُرَادُ للصلاة، فكانت الموالاة شرطا فيها، كالأذان.
قيل له: المقصود من الأذانِ الإعلام، وذلك لا يحصل مع التفريق، والمقصود في مسألتنا التطهير، وذلك يحصل مع التفريق.
وقد قال أصحابنا: ليس في مسح الرأس تكرار مسح؛ مسنون ولا مفروض، والسُّنة مرةً واحدةً بماء واحد.
الجزء 1 · صفحة 19
وقال الشافعي: ثلاث مراتٍ، بثلاث مياه.
لنا: مارُوِيَ: «أَنَّ عليَّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَكَى وضوءَ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَحْبَةٍ الكوفة، ومسح برأسه مرةً واحدةً، وقال: هذا وضوء رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم.
و حَكَى عثمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالمَقَاعِدِ وُضوءَ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، و مَسَحَ برأسه مرة واحدة. والغرض بالحكاية الاقتداء به، والاقتداء يكون بالأكمل، فدَلَّ أَنَّ هذا كمالُ الطَّهارة؛ ولأنه عضو فُرِضَتْ فيه الطَّهارة، فلا يُسَنُّ فيه الاستيعاب والتكرار، أصله سائر الأعضاء.
فإن قيل: أحد نوعي الطهارة، فسُنَّ فيه التكرار، كالمغسول.
قيل له: المغسول الاستيعاب فيه واجب، فسُنَّ التَّكْرارُ؛ ليُتَيَقَّنَ ذلك، والمسحُ ليس من شرطه الاستيعاب، فلا معنى لتكراره.
قال: والمعاني الناقضة للوضوء كلُّ ما خَرَجَ مِن السَّبِيلَيْنِ.
وذلك لقوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ} [النساء:]. والغائط: اسم للموضعِ المُطْمَئِنٌ مِن الأرض الذي يُقصد للحاجة، وإنما صارَ اسما للحاجة بكثرة الاستعمال، وقد أوجَبَ اللَّهُ تعالى الوضوء منه.
ولا فرق في الخارج بينَ أنْ يكونَ مُعْتادًا، أو غيرَ مُعْتَادٍ؛ لأَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوجَبَ الوضوء من دم الاستحاضة)، وليس بمُعتاد؛ ولأنها نجاسة خارجةٌ مِن السبيل، فصارَتْ كالمُعْتَادِ.
وخروجُ المَذْي يُوجِبُ الوضوءَ؛ لِمَا رُوِيَ عَن عَلَيَّ رَضَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنه قَالَ: كُنتُ فَحْلًا مَذَاءٌ، فَاسْتَحْيَيْتُ أنْ أسأل رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لمكانِ ابنتِهِ مِنِّي، فأَمَرْتُ المِقْدَادَ حَتى سَأَلَهُ، قَالَ: «إِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَانْضَحْ فَرْجَكَ بِالْمَاءِ، وَتَوَضَّأُ).
الجزء 1 · صفحة 20
والمذي: هو الماء الرقيق الذي يخرج عند الشهوة.
والوَدْيُ: هو الماء الأبيضُ الذي يخرج بعد البول. ففيه الوضوء.
وعلى هذا، إذا خَرَجَتِ الدُّودة، أو الحَصاةُ مِن أحدِ السَّبِيلَيْنِ أَوجَبَ الوضوء؛ لأنَّها وإنْ كانَتْ طاهرة في نفسها، ففي حالِ خُرُوجِهَا يَصْحَبُها جزءٌ مِنَ النَّجاسةِ، ويَسِيرُ النَّجاسةِ الخارجة من السبيلين ينقُضُ الوضوء، وكذلكَ الرِّيحُ الخارجة من السبيلِ؛ لقولِه عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ فَيَنْفُخُ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ، فَيَقُولُ: قَدْ أَحْدَثْتَ، قَدْ أَحْدَثَتَ. فَلَا يَنْصَرِ فَنَّ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا.
ولا يُتصَوَّرُ خروجُ الرِّيحِ مِن الذَّكَرِ، وما يُحِسُّ به مِن ذلك الإنسانُ فهو اختلاج.
قال: والدَّمُ والقَيْحُ إذا خرجا من البدنِ فتجاوزا إلى موضع يَلْحَقُه حكم التطهير.
وقال الشافعي: لا وضوء فيه.
لنا: حديث تميم الدَّارِيِّ، أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَم سَائِل. ولأنها نجاسة خارجة من البدنِ إلى موضعِ يَلْحَقُه حكمُ التَّطهيرِ، فأوجَبْنا الطَّهارة، كالخارج مِن السبيل.
فإن قيل: رُوِيَ: «أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ ولم يتوضأ، وصلَّى ولم يَزِدْ على غسل محاجمه.
قيل له: هذا خبر مطعون في راويه، وليس فيه أكثرُ مِن أنه لم يُشاهِدُه يتوضَّأُ، ويجوز أنَّه يكون توضّاً بغير حضرتِه.
فإن قيل: خارج من غير مخرج الحدث، فوجَبَ ألا ينقض الوضوء، كالدُّودِ. قيل له: الدُّودُ لا يَنقُضُ الطَّهارة بنفسه، وإنما يَنقُضُها النَّجاسة المقارنة له، والنَّجاسة الخارجةُ مِن السَّبيل حكمُها أغلَظُ، فتَعلَّق الحكم بقليلها)، وما خرج من غير السبيل نجاسته أَخَتْ، فَأَثَرُ كثيرِها دونَ قليلها.
وقد قالوا: لو نزل دم من الرأسِ إلى قصبة الأنف (نقَضَ الطَّهارة)؛ لأنَّه خرج إلى موضع يلحقه حكم
الجزء 1 · صفحة 21
التطهير، ولو نزل البولُ إلى قصبةِ الذَّكَرِ لَم يَنقُضِ الوضوء. وذلك لما لم يَحصُلْ في موضع يَلحَقُه حكمُ التَّطهير
قال: والقَيْءُ إذا ملأ الفم.
وذلك لقولِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَاءَ فِي صَلَاتِهِ أو رَعَفَ، فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ مَا مَضَى، مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ.
وعند الشافعي: لا وضوء فيه؛ بناء على المسألة المتقدمة.
وقد قالوا في الرجل إذا خرج الدَّمُ مِن فِيهِ: إِنْ كَانَ الدَّمُ غالبًا للرِّيقِ، ففيه الوضوء؛ لأنها نجاسة كثيرةٌ خَرَجَتْ بنفسها، وإنْ كانَ الرِّيقُ هو الغالب، فلا وضوء فيه؛ لأنها نجاسة قليلة لم تخرج بنفسها؛ وإنما خَرَجَتْ تَبَعًا للرِّيقِ، والنَّجاسة إذا لم تخرج بنفسها لا تُوجِبُ الطَّهارة، كما لو أَخَذَ الدَّمَ بِقُطْنَةٍ مِن داخل الجراحة، ولو تركه لم تَخرُج، وإن كانا سواء، فالقياس ألا يجب الوضوءُ؛ لأنه يجوز أن يكونَ خُرُوجُ الدَّمِ بنفسه، ويجوز أن يكون خروجه على وجهِ التَّبَعِ، والأصل تَيَقُنُ الطَّهارة، فلا يجوز تركُه ذلكَ بالشَّكِّ، والاستحسانُ أنْ يجبَ؛ لأنه اجتمع الحظر والإباحة، فيكون الحكم للحظرِ أَوْلَى.
قال أصحابنا: ولا وضوء في القيء حتى يملأ الفم.
وقالَ زُفَرُ: يَجِبُ في القليل أيضًا.
وجه قولهم: ما رُوِيَ أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ نواقض الوضوء، وقال في جملة ذلك: «أَوْ دَسْعَةٌ تَمْلَأُ الفَمَ). ولأنَّ اليسير لا يجب فيه الوضوء، أصله ما يُخرِجُه مع الجَشْاً.
وجه قولِ زُفَرَ: أَنَّ ما يوجِبُ الطَّهارة يستوي قليله وكثيره، أصله الخارج من السبيل.
قال: والنوم مُضْطَجِعًا، أو مُتَكِنًا، أو متسائدًا إلى شيءٍ لو أُزِيلَ لسَقَطَ.
وذلكَ لِمَا رُوِيَ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنه قَالَ: «لا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قائِمًا، أو قاعدًا، أو
الجزء 1 · صفحة 22
راكِعًا، أو ساجدًا، إنَّما الوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا؛ فَإِنَّه إذا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مفاصِلُه». ولأنَّ مَنْ بَلَغَ إلى هذه الحال، فالغالب أنه لا يخلو مِن حَدَثٍ، فصار الغالب كالمعلوم، ورُوِيَ: «أَنَّ أبا موسى الأشعري كانَ يُجلس عنده إنسانًا، فإن أخبره أنه لم يكُنْ منه شيء لم يتوضأ»، وأما المُتَكِيُّ والمُستَنِدُ فقد بلغ إلى غاية الاسترخاء؛ وإنما لم يسقط لأجلِ السَّنْدِ، فصار بمنزلة المُضطجع.
وأمَّا إذا نام قائمًا، أو راكعًا، أو ساجدا، فلا وضوء عليه.
وقال الشافعي: عليه الوضوء.
لنا: قوله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا، إِنَّمَا الوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا». ولأنه نامَ على حالة من أحوالِ الصلاةِ مِن غَيرِ عُشْرٍ، فلا تبطل طهارته، كالقاعد
فإن قيل: نام زائلا عن مستوى جلوسه، فيلزمه الوضوء، كالمُضطَجِعِ. قيل له: النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علل باسترخاء المفاصل، فلا يجوز التعليل بغيرِ عِلَّتِه، والمعنى في الأصل أنه وُجِدَ منه غاية الاسترخاء، ولم يُوجَدْ ذلكَ من القائم.
وأما إذا نام قاعدًا فلا وضوء عليه.
وقال مالك: إن طال النومُ بَطَلَ الوضوء.
لنا: ما رُوِيَ: «أنَّ النبيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ دخَلَ المسجد وحذيفة نائم قاعدًا، فوضَعَ يده بينَ كَتِفَيهِ، قال حذيفة: فرَفَعْتُ رأسي إليه، فقلتُ: أفي هذا وُضُوء؟ قالَ: «لَا، حَتَّى تَضَعَ جَنْبكَ».
وقد قالوا فيمَنْ نامَ قائمًا أو قاعدًا فسقَطَ: لم يَلْزَمُه الوضوء حتى يستقِرَّ على الأرض نائمًا، فإن استيقظ حالما سقط، فلا وضوء عليه، وهذا صحيح؛ لأنه لم يوجد جزء من النوم حال الاضطجاع، فلم يَلْزَمُه شيءٌ.
قال: والغَلَبة على العقل بالإغماء والجنون.
الجزء 1 · صفحة 23
وذلك لأنَّ الغَفْلَةَ الحاصلة بقليل الإغماء والجنونِ أكثرُ مِن الغَفْلَةِ الحاصلة بكثير النومِ، فإذا وجَبَ الوضوء بالنومِ، فبالإغماء والجنونِ أَوْلَى.
قال: والقهقهة في كل صلاةٍ ذاتِ ركوع وسُجُودِ).
وقال الشافعي: لا تُوجِبُ الوضوء.
لنا: ما رُوِيَ في حديث " خالد الجُهَني): «أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي، فدخل أعمى إلى المسجد، فسقَطَ في بئر فضحِكَ قومُ مِمَّنْ خَلَفَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما قضَى صلاته قالَ: «مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ فَلْيُعِدِ الوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ). ولأنها عبادة يُبْطِلُها الحَدَثُ، فجازَ أَنْ تُبطِلَها القَهْقهة، كالصلاةِ.
فإن قيل: ما لا يكونُ حدثًا خارج الصلاة لا يكون حدثًا فيها، أصله الكلام.
قيل له: يجوز أن تختلف حال العبادة وما قبلها في باب المحظورات؛ بدليل كشف العورة في الصلاة، والوطء في الإحرام والصومِ.
وأما ما دونَ القهقهة مِن الضَّحِكِ، فلا يُفْسِدُ الصلاةَ والوضوءَ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبسَّمَ في الصلاةِ، فلمَّا فَرغَ سُئِلَ عن ذلكَ؟ فقالَ: «أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ مَرَّةً صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا». ولم يستأنف الصلاة.
وأما القهقهة في صلاة الجنازة، فإنَّها لا تُبطِلُ الطَّهَارَةَ؛ لأنَّ القياس ألا تَبْطل الطهارة بالقهقهة في جميع الأحوال؛ لأنَّ ما لا يُوجِبُ الوضوء خارج الصلاةِ لا يُوجبه فيها، كالكلام؛ وإنما تركوا القياس للخبر، وذلك ورَدَ في صلاة كاملة الأركان، فما سواه بقي على أصل القياس.
قال أصحابنا: ولا وضوء في لمس الرجل المرأة).
وقال مالك: إن كانَ لشهوة أوجَبَ الوضوء.
الجزء 1 · صفحة 24
وقال الشافعي: يجب في الحالين.
لنا: ما رُوِيَ: «أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانَ يَتوضَّأُ و يخرجُ إلى المسجدِ، فَيَلْقاه بعض نسائه، فيُصِيبُ مِن وجهها، ولا يتوضَّأُ)؛ ولأنَّه لمس لا يُوجِبُ الغُسْلَ، فلا يُبْطِلُ الطهارةَ، كَمَس الشَّعْرِ.
فإن قيل: لمس يُحرِّمُ الرَّبيبةَ، فوجَبَ أنْ يَنقُضَ الوضوء، كالتقاء الختانَيْنِ. قيل له: اعتبار التحريم لا معنى له؛ لأنَّ الحكم فيه يختَصُّ بما وقع على الشهوة. وعند الشافعي لا يقفُ الحكم على ذلك في باب نقض الوضوء. قال أصحابنا: وإذا مس الرجل ذكره فلا وضوء عليه).
وقال الشافعي: عليه الوضوء.
وهذا لا يَصِحُ؛ لِمَا رَوَى قيسُ بنُ طَلْقٍ، عن أبيه طلق بن علي، قالَ: «جاءَ رجل إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، ما ترى في مس الرجل ذكره في الصلاةِ؟ فقالَ: «لَا وُضُوءَ فِيهِ، هَلْ هُوَ إِلَّا بَضْعَةٌ مِنْكَ؟. ولأنَّه جزء مِن بدنِهِ فلا يوجب بلمسه وضوء، كسائر الأجزاء.
فإِنْ قيلَ: رُوِيَ عن بُسْرةَ بنتِ صفوان، أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّا).
قيل له: الطعن على هذا الخبر كثير، وعن يحيى بن معين: لا يَصِحُ في الوضوء مِن مَس الذكر حديث.
ولو سلم هذا الخبرُ مِن الطَّعن لم يُقبل على أُصُولِنا فيمَا تَعُمُّ البلوى به، فمع الطعن أولى ألا يُقبل.
قال: وإذا توضأ الرجل، ثم قَصَّ ظُفُره، أو حلق شعره لم تبطل طهارته.
لِمَا رُوي عن علي رَضَ اللَّهُ عَنْهُ في ذلك أنه قال: «ما زادَه إلا تطهيرا»). ولأنَّ ما يُقصد به النظافة لا يُبْطِلُ الطَّهارة، أصله الاغتسال.
الجزء 1 · صفحة 25
قال أصحابنا: الكلام الفاحش لا يَنقُضُ الوضوء؛ لقوله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الكَلَامُ يَنقُضُ الصَّلاةَ، وَلَا يَنقُضُ الوُضُوءَ. وهو عام.
وقد قالوا: لا وضوءَ مِن أكل ما مَسَّتْه النارُ؛ لِمَا رَوَى أبو بكر، وابن عباس: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَشَ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ). والذي رُوِيَ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قالَ: «الوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ». فقد أنكره ابنُ عباس على أبي هريرة، وقال له: «ألسنا نتوضأ الحميم؟».
ويحتمل أن يكون المراد به غَسْلَ اليد؛ لأنَّ ذلك يُسَمَّى وضوءا؛ قال النبيُّ صَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الوُضُوءُ قَبْلَ الطَّعَامِ يَنْفِي الفَقْرَ، وَبَعْدَهُ يَنْفِي اللَّمَمَ. والمراد به غسل اليد.
وإذا باشر الرجل امرأته مباشرةً فاحشة، وصفتُها أَنْ يَتَجَرَّدَا، ويُلاقِيَ فرجه فرجها، من غير إيلاج، فالقياس ألا يجب الوضوء، وهو قول محمد، والاستحسان أن يجب الوضوء، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف.
وجه القياس: أنَّ الملامسة لا توجب الوضوء؛ وإنما يجب الوضوء مما يخرُجُ منه، ولا يُعلَمُ ذلك، فلا يجوزُ إيجابُ الوضوء بالشَّلِّ.
وجه الاستحسان: أنَّ الإنسانَ لا يَبْلُغُ إلى هذه الحالة من امرأته إلا وينفصل منه بلة، وذلك غالب، وإن لم يكُنْ مُتَيَقّنا فيَتَعلَّق به الوضوء، كالحدث في حال النوم.
ونظير هذه المسألة: ما قالوا في الرجل يصبحُ فَيَجِدُ على فَخِذِه، أو على فراشه مَنْيا، ولا يتذكَّرُ الاحتلام، أو يتذكَّرُ، فالقياسُ ألا يجب الغسل، وهو قول أبي
يوسف، والاستحسان أن يجب، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد.
وجه القياس: أنَّه يحتمل أنْ يكونَ انفصل على وجهِ الدَّفْقِ والشهوة، ويحتمل غيره، فلا يجِبُ الغُسلُ
الجزء 1 · صفحة 26
بالشَّكُ.
وجه الاستحسان: ما رُوِيَ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ سُئِلَ عن الرجلِ يرَى الرُّؤْيا، ثم يُصبحُ على جفافٍ، فقالَ: «لَا غُسْلَ عَلَيْهِ، فَإِن رَأَى بَلَلًا فَعَلَيْهِ الغُسْلُ، وإِن لم يَتَذَكَّرِ الاحْتِلَامَ).
و معنى قوله: «رأى مَذيَّا». يريد به: رأَى بَلَلًا صفته صفةُ المَشْيِ؛ لأَنَّ المَنِيَّ
إذا بَرَدَ ورَقَّ صارَ على صفة المذي، فأمَّا المذي فلا يجِبُ فيه الغُسْلُ بِاتِّفاق.
ونظير ذلك أيضًا: ما قالوا في البئر يوجد فيها فَأَرةٌ مَيِّتَةٌ، فالقياسُ ألا يجِبَ عليهم إعادة الصلاةِ، إلا من الوقت الذي تيقنوا كونَها في البئرِ، وهو قول أبي يوسف، ومحمد، والاستحسان أنَّها إنْ كانَتْ مُنتَفِخَةٌ أَعَادُوا صلاةَ ثلاثةِ أيامٍ، وإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُنتفِخَةٍ أعادوا صلاة يوم وليلة، وهو قول أبي حنيفة).
وجه القياس: أنَّه يحتمل أنْ يكونَ وُقُوعُها مُتَقَدِّمًا، ويحتمِلُ أَنَّهَا أُلْقِيَتْ بعدَ موتها، فلا يجب إعادة الصلاةِ بالشَّكِّ.
وجه الاستحسان: أنَّ وقوع الحيوان في البئرِ سبب لموته، والظاهرُ أنَّ الموتَ حصل من ذلك السبب، إنْ جازَ أنْ يكونَ مِن غيرِهِ، كَمَنْ جَرَحَ رجلًا، فلم يَزَلْ صاحب فراش حتى مات، يجب عليه القِصَاصُ؛ لأنَّ الظاهر أنَّ الموتَ حَصَلَ من الجراحة، وإنْ جازَ حُصُولُه مِن أمرٍ آخر حادث، فاعتبر أبو حنيفة في هذه المسائل الثلاث الاحتياط للطهارة والصلاة، واعتبر أبو يوسف في جميعها تيَقُنَ السبب، وأخَذَ محمد بالقياس، إلا في مسألة الاحتلام؛ للخبر.
قال: وفرضُ الغُسْل المضمضة، والاستنشاق، وغَسْلُ سائر البدن. والأصل في وجوبِ غُسْل الجنابة قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَهَرُوا} [المائدة:]. وقال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً، أَلَا فَبُلُوا الشَّعْرَ، وَأَنْقُوا البَشَرَةَ. ولا خلاف في ذلك؛ وإِنَّما الخلافُ في المضمضة
الجزء 1 · صفحة 27
والاستنشاق، فعندنا أنهما واجِبتانِ في الجنابة.
وقال الشافعي: سنة.
دليلنا ما رُوِيَ عن عليّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «مَنْ تَرَكَ شَعْرَةٌ فِي الجَنَابَةِ لَمْ يُصِبْهَا المَاءُ، أَصَابَهُ كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ». قالَ عليٌّ: «فمِن ثُمَّ عَادَيْتُ شَعْرِي فَخَلَقْتُه
وفي الأنفِ شَعْرُ، وروى أبو هريرة: «أن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَل المضمضة والاستنشاق واجبتَيْنِ فريضتينِ في الجنابة ثلاثا). ولأنَّ ما يمكِنُ غَسْلُه مِن البدنِ مِن غيرِ مَشَقَّةٍ يجبُ غَسْلُه في الجنابة، أصله المَغابِنُ.
فإن قيل: طهارة من حدث فلا يجب فيها المضمضة والاستنشاق، كالوضوء.
قيل له: الوضوء يسقُطُ فيه أكثر ظواهر البدن، فسقوط الباطن أولى، والجنابة تتعلق بالظاهر، وبالباطن الذي لا مَشَقَّة في غسله، فجازَ أَنْ تَتَعلَّق بالأنف والفم.
قال: وسُنَّةُ الغُسْل أنْ يبدأُ المُغتسِلُ فيَغسِلَ يَدَيْهِ، وفرجه، ويُزِيلَ النجاسة إن كانت على بدنه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، إلا رجليهِ، ثم يُفيضُ الماء على رأسه وسائر بدنِه ثلاثا، ثم يَتَنَحَّى عن ذلك المكانِ فَيَعْسِلَ رِجلَيْهِ.
والأصل في ذلك ما رواه ابن عباس، عن ميمونة رَضِوَاللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «وضَعْتُ للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْلا، فاغتسل من الجنابة، فأكفأ الإناءَ بِشِمَالِه على يمينه فغسَل كَفَّيهِ، ثم أفاض الماء على فرجه فغسله، ثم قال بيده على الحائط.
أو على الأرضِ، فَدَلَكَها، ثم تمضمض واستنشق، وغسل وجهه، وذِراعَيْهِ، وأفاض الماء على رأسه ثلاثا، ثم على سائر جسده، ثم تَنَحَّى فغسل رِجْلَيْهِ». وإنما يبدأ بإزالة النجاسة إنْ كانَتْ على بدنه؛ لئَلَّا
الجزء 1 · صفحة 28
تَشِيعَ في سائر البدنِ
بعد الغسل، وإنما أخر رجليه؛ لأنهما في موضع الماء المستعمل، فلا بُدَّ مِن غسلهما منه.
وقال بعض الناس: إِنَّ الوضوء في غُسل الجنابة واجب. وهو قول مخالف لقول السلف في أنَّه يجزِئُ إفاضةُ الماءِ على البدنِ.
قال: وليس على المرأة أن تَنقُضَ ضفائرَها في الغُسْلِ إِذا بَلَغَ الماء إلى أُصولِ الشعر.
وذلكَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ فاطمةَ بنت قيس قالَتْ للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي امرأةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رأسِي، فما أصنعُ به في الجنابةِ؟ فقالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا أَنَا فَأَحْيِي عَلَى رَأْسِي وَسَائِرِ جَسَدِي ثَلَاثَ حَشَيَاتٍ مِنْ مَاءٍ، فَإِذَا أَنَا قَدْ طَهُرْتُ.
فنيَّة صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك على أنَّ الواجب وصول الماء إلى سائرِ البَدَنِ دونَ نقض الضَّفائر.
وقد قالوا في المُتَطَهِّرِ إذا كانَ في يده خاتم: إِنْ كَانَ يَصِلُ الماء إلى ما تحته لم يلزمه تحريكه، وإنْ كانَ لا يصل لضيقه فلا بُدَّ من تحريكه؛ ليصل الماء إلى ما تحته.
وقد رُوِيَ عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أنه كان يتوضَّأُ بالمُد، وهو رطلان، ويغتسِلُ بالصَّاعِ، " وهو ثمانية أرطال».
وروَى عبدُ اللَّهِ بنُ زِيدٍ: «أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِنُلُتَيْ مُدَّ فَتَوَضَّأَ بِه».
وهذا يدل على أنَّ المُعتبَر قدرُ الكفاية؛ لأنَّه يختلف باختلافِ الناسِ، والغُسل هو إجراء الماء على العضو جريان الدهن، فيعتبر فيه السيلان والتقاطر). قال: والمعاني الموجبة للغسل: إنزال المني على وجهِ الدَّفْقِ والشَّهوةِ؛ من الرجل والمرأة.
وذلك لأنَّ الإنزال على هذا الوجهِ يُوجِبُ الجنابة، وقد قالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَهَرُوا}
الجزء 1 · صفحة 29
[المائدة:].
وأما إذا خرج المني على غير وجهِ الدَّفْقِ والشَّهوةِ؛ مثلَ أَنْ يُضَرَبَ على ظهره، أو يُصِيبَه مرضٌ، فيخرج المني بغير اختياره، فلا غُسل عليه.
وقال الشافعي: عليه الغُسلُ.
لنا: أنَّه خارج على غير وجهِ الدَّفْقِ والشَّهوة؛ فلا يَتعلَّق به جنابةٌ، كالمذي.
فإن قيلَ: خُرُوجُ المنيَّ مِن النائمِ يُوجِبُ الاغتسال، وإن لم يكُن بشهوة.
قيل له: كانَ القياسُ ألا يجبَ الغُسلُ لهذا المعنى؛ وإنما استحسنوا لأنَّ هر خروجه بالاحتلام، وخروجه من غير احتلام ليس بظاهر، فحُمِلَ الأمرُ الظاهر على الأغلب احتياطا.
وأما قوله: مِن الرجل والمرأة.
فلِمَا رُوِيَ في حديث أم سُلَيْمٍ، وكانَتْ تَدخُلُ على أم سلمة: «فدخَلَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليها، فقالَتْ: يا رسولَ اللَّهِ، المرأَةُ تَرَى أَنَّ زوجها يُجامِعُها في المنام، أتغتسل؟ فقالَتْ أمُّ سلمةَ: تَرِبَتْ يَدَاكِ يا أُمَّ سُلَيْمٍ، فَضَحْتِ النساء عندَ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِن الحقِّ، لأن نسأل رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا يُشْكِل علينا، خيرٌ مِن أنْ نكونَ منه على عمى). فقالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَلْ أَنْتِ تَرِبَتْ يَدَاكِ يَا أُمَّ سَلَمَةَ، يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، عَلَيْهَا الغُسْلُ إِذَا وَجَدَتِ المَاءَ» (ه).
قال: والتقاء الختانَيْنِ مِن غير إنزال).
وذلكَ لِمَا رَوَتْ عائشةُ، أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِذَا الْتَقَى الخِتَانَانِ، وتَوَارَتِ الحَشَفَةُ، وَجَبَ الغُسْلُ، أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ». فَعَلْتُه أَنا ورسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاغْتَسَلْنَا».
ورُوِيَ: «أَنَّ عمرَ بلَغَهُ أنَّ زيد بن ثابت كانَ يُفتِي أنَّ الغُسل لا يجِبُ. إنزال، فدعاه فقال له: من أين
الجزء 1 · صفحة 30
لك هذا؟ فقالَ: سَمِعْتُ عن بعض عُمومتي) من الأنصار يقولونَ: كنا نقول على عهدِ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الماءُ مِن الماء». فدعاهم عمرُ فسأَلهم، فقالوا: قد كنا نقول ذلك. فأنفَذَ إلى زوجات النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَهُنَّ عن ذلكَ، فَرَوَيْنَ أَنَّ فيه الغُسل، فقال للأنصارِ: أهذا شيء سَمِعَه رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضِيَه منكم أم لا؟ قالوا: لا.
قال: فلا إذا. ثم قال لزيد بن ثابت: يا عدو نفسِهِ، لَئِنْ عُدْتَ إلى مثل هذا لَأُ وجِعَنَّكَ ضربًا».
ولأنَّه يتعلق به الحد فتعلق به الغسل، أصله الإنزال، وهذا معنى قول عليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «كيف تُوجِبونَ فيه الحدَّ، ولا تُو جبون فيه صاعا من ماء؟.
وأما الإيلاج في السبيل الآخَرِ ففيهِ الغُسْلُ؛ لأنَّه وطءٌ مقصود، فيتعلَّق به الغُسلُ، أصله الوطء في الفرج، وهذا مُستمر على أصل أبي يوسف، ومحمد؛ لأنه يُوجِبُ الحدَّ عندَهما، وعلى أصل أبي حنيفة، وإن لم يُوجِبِ الحدَّ)، إلا أنَّ الطَّهارة يُعتبرُ فيها الاحتياط، والحد يسقط بالاحتياط (ه).
قال: والحيض والنفاسُ.
وذلك لقوله تعالَى: {وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:]. فمُنِعَ الزوج من الوطء لأجل الاغتسال، فلَوْلا أَنَّه واجب، وإلا لم يُمنَعِ الزوج من حقه الواجب لأجله.
وأمَّا وُجُوبُ الغسلِ مِن النِّفاسِ فثابت بالإجماع.
قال: وسَنَّ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الغُسل للجمعةِ، والعيدَيْنِ، والإحرام.
والدليل عليه قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالغُسْلُ أَفْضَلُ».
وأما العيد؛ فلأنه يوم يجتمع فيه الناسُ، فَسُنَّ فيه الاغتسالُ؛ لئلا يتأذًى بعضُهم برائحة بعض، وهذا
الجزء 1 · صفحة 31
هو المعنى الذي سُنَّ لأجله غُسل الجمعة، على ما نُقل في الأخبار.
وأما الإحرام؛ فلِمَا رُوِيَ: «أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَسَلَ لإحرامِهِ حِينَ أحرم».
قال: وليسَ في المَذْي والوَدْيُ غُسْل، وفيهما الوضوء.
وذلك لما رُوِيَ عن عليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّه قال: «كنتُ رجلًا مَذَاء، فاستحيَيْتُ أن أسأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمكان ابنته مني، فسألتُ المقداد حتى سأله، فقال: إِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ، وَلْيَتَوَضَّأُ. ولم يأمره بالغُسلِ.
ولأنه خارج على غير وجهِ الدَّفْقِ والشَّهوة، فصار كالبول.
وأما وجوب الوضوء منه؛ فلأنها نجاسة خارجةٌ مِن أحدِ السَّبِيلَيْنِ، فصارَتْ كالبول.
قال: والطهارة من الأحداث جائزة بماء السماء، والأودية، والعيون، والآبار، وماء البحار.
والأصل في ذلك قوله تعالَى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:].
وعن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّه قال: «خُلِقَ المَاءُ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، إِلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ، أَوْ طَعْمَهُ، أَوْ رِيحَهُ. وكانَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضَّأُ مِن بئر بضاعة.
وقالَ صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في البحرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ». وسُئِلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الماء يكونُ في الفَلَاةِ، تَرِدُهِ السِّباعُ؟ فَقَالَ: «لَهَا مَا
أَخَذَتْ فِي بُطُونِهَا، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَنَا شَرَابٌ وَطَهُورٌ».
قال: ولا تجوز بما اعتُصِرَ مِن الشجرِ والثمر.
وذلك لقوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء:]. فنقله عند عدم الماء إلى التيمم من غير واسطة؛ فَدَلَّ على أنَّ عند عدم الماء لا يجوز غيرُ التّيمم، وذلك ينفي جواز الوضوء بغير الماء.
الجزء 1 · صفحة 32
قال: ولا بماءٍ غَلَبَ عليه غيرُه فأخرجه عن طبع الماء؛ كالأشربة، والخل، وماء الورد، وماء الباقلاء، والمَرَقِ، وماء الزَّرْدَج.
وذلكَ لِمَا بَيَّنَّا أنَّ الدليل قد دلّ على جواز الطهارة بالماءِ المُطلق، وما غَلَبَ عليه غيره فقد زال عنه إطلاق اسم الماء، فصار كغير الماء؛ فلا يجوزُ الطهارة به.
قال: ويجوز الطهارة بماء خالطه شيء طاهر، فغَيَّر أحد أوصافه؛ كماء المَدِّ)، والماء الذي يختلِطُ به الأَشْنانُ)، والصابون، والزعفران.
وقال الشافعي: لا يجوز إلا بماء تغير بالطين، والجص، والنُّورةِ)، والنفط،
والكبريت، وورق الشجر.
لنا: قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:]. فنقَلَ إلى التَّيَمُّمِ عند عدم الماء المطلق، وهذا ماءٌ مُطلَق؛ لأنَّ أكثر مياه العربِ مُتَغَيِّرةٌ، ولا يمتنعونَ مِن إطلاق اسم الماء عليها، ولا يُعرَفُ الفرقُ بين التغير بالجص، أو بالزعفران؛ ولأنَّ كلَّ ما لو خالط الماء لم يُمنَعِ استعماله، جازَ استعماله مع تَغيُّر لونه، أصله الطِّينُ.
فإن قيل: قال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خُلِقَ المَاءُ طَهُورًا، لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، إِلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ، أَوْ طَعْمَهُ، أَوْ رِيحَهُ».
قيل له: ظاهرُ هذا الخبر يفيد تنجسه بالتغير، وهذا إنما يكون بمخالطة النجاسة، والخلاف في تغيره بشيء طاهر، والخبر لا يدلُّ عليه.
فإن قاسوا على ماء الباقلاء، قلنا: هو على وجهَيْنِ: إِنْ تغيَّرَ به مِن غيرِ طبخ جاز الوضوء به؛ لأنَّ إطلاق اسم الماء لم يَزُل عنه، وإن تغيَّرَ [بالطبخ () فقد استحال وزال عنه إطلاق اسم الماء؛ فلذلك لم يجز
الجزء 1 · صفحة 33
الوضوء به.
قيل له: قد أجمَعْنا أنَّ النجاسة تُؤثر فيه، وإن لم يتغيَّر، فيصيرُ معناه: أنَّه لا يصيرُ في حكم النجاسات إلا بالتغير، أو لا تصير عينه نَجسَةٌ، كَمَا قَالَ " صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «المُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ.
فإن قيلَ: رُوِيَ أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يتوضَّأُ مِن بَيْرِ بُضَاعَةَ، وهي بتر يُطرح فيها محائِضُ النساء، ولحوم الميتة، فقال له أصحابه في ذلك؟ فقال: المَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْ».
قيل له: هذا خبر لم يتفق على استعماله، وأخبارنا قد اتفق على استعمالها، فكانَتْ أَوْلَى؛ ولأنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يجوزُ أَنْ يُظَنَّ بِهِ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ مِن بئر هذه صفتها، مع علمنا بنزاهته، وإيثاره الرائحة الطيبة، فدل ذلك على أنَّ هذه البئر كانَ يُصنَعُ بها ذلك في الجاهلية، فشَكَ المسلمون في أمرها بعد انقطاع ما كانَ يُلقَى فيها، فبَيَّنَ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ النجاسةَ إِذا لم يَبْقَ لها أثرٌ لم يبق لها حكم، مع كثرة النَّزْحِ).
فإن قيل: قال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا».
قيل له: هذا خبر ضعيف عند أهل النقل، وهو خبر مدني، لم يَقُلْ به مالك.
وقال الشافعي: بلغني بإسناد لا يحضرني: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذلكَ. فقال أئمة أصحاب الحديث: ما حضره، ولا يحضره أبدا.
ومعناه، إن صح: «لَا يَحْمِلُ خَبَثًا)». أي: يَضعُفُ عن حمله، كما يقال: هذا الخَلُّ لا يحمل الغش. وقد كان الشيخ أبو الحسن) يقول في تحصيل المذهب في تنجيس الماء: كلُّ ما تَيَقَّنَّا حصول النجاسة فيه، أو غلَبَ على ظَنَّنا، فإنَّه لا يجوز الوضوء به، قليلا كان أو كثيرا، جاريا كان أو راكدا.
وكان الشيخ أبو عبد الله) يقول: الظَّنَّ لا يُعتبر به؛ لأنَّ الماء طاهر بيقين، فلا يرتفع حكم طهارته
الجزء 1 · صفحة 34
إلا بيقين.
والصحيح ما قاله الشيخ أبو الحسن؛ لأنهم قالوا فيمَنْ أخبره رجل بنجاسة الماء: إنَّه لا يُتَوَضَّأُ به. وإنْ كانَ خبره يوجِبُ الظَّنَّ؛ ولما قالوا في الغدير العظيم.
قال: والماء الجاري إذا وقَعَتْ فيه نجاسة جاز الوضوء به.
إذا لم ير لها أثر؛ لأنها لا تستقر مع جريان الماء.
قال: والغدير العظيم الذي لا يتحرَّك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر، إذا وقَعَتْ فيه نجاسة في أحد جانبيه، جاز الوضوء من الجانب الآخر؛ لأن الظاهر أنَّ النجاسة لا تصل إليه.
وهذا الذي ذكره صحيح؛ لأنَّ سِرَاية التحريك أكثر من سراية النجاسة، فإذا لم يصل التحريك، فالنجاسة أَوْلَى ألا تصل.
وقد سئل محمد عن قَدْرِ الغدير؟ فقال: مِثْلُ مسجدي هذا. فَذُرعَ فكانَ (عشرا في عشر.
وليس المعتبر في ذلك بالتقدير، وإنما المعتبر بما يغلب على الظن من وصول النجاسة.
وقد روي عن أبي يوسف أنَّ الغدير العظيم، والماء الجاري، لا يَنجُسُ إلا بظهور النجاسة فيه. قال: لأنَّ الضرورة تقتضي العفو عن ذلك، وإلا وجَبَ الحكم بنجاسة البحر إذا وقعَتْ فيه نجاسة، وهذا بعيدٌ.
قال: وموتُ ما ليس له نفس سائلة في الماء لا يُنَجِّسُه، كالبَقٌ، والذُّباب، والزنابير، والعقارب.
وقال الشافعي: يَنجُسُ بموته، ويُنَجِّسُ ما يموتُ فيه.
لنا: حديث سلمان: «أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عن إناء فيه طعام، أو شراب، يموتُ فيه ما ليس له دم سائل؟ فقالَ: «هُوَ الحَلَالُ أَكْلُهُ، وَشُرْبُهُ، وَالوُضُوءُ مِنْهُ». ولأنه حيوان ليس له دم سائل، فلا يَنجُسُ بالموت، ولا يَنجُسُ ما يموتُ فيه، كالجراد، وكدود الخل إذا مات فيه.
الجزء 1 · صفحة 35
فإن قيل: حيوان لا يؤكل لحمه، لا الحُرمتِه، فوجَبَ أَن يَنجُسَ بالموت، ويَنجُسَ ما مات فيه، أصله ما له دم سائل.
قيل له: تحريم الأكل لا يدل على النجاسة؛ بدليل الآدمي على الأصلين والسَّبُعِ عندهم، والمعنى في الأصل أنَّه لما نجس بعض المائعات نجس جميعها، وما لا دم له لا يُنَجِّسُ بعض المائعات، فلا يُنَجِّسُ باقِيَهَا.
قال: وموتُ ما يعيش في الماء فيه لا يُفسده؛ كالسمك، والضّفْدَع، والسرطان.
وقال الشافعي: يُنَجِّسُ إلا السمك.
لنا: قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ). ولأنَّه حيوان يعيش في الماء، فموتُه فيه لا يُنَجِّسُه، كالسمك.
وقد قال أبو حنيفة، ومحمد: إذا انقطع حيوان الماء في الماء لا يُنَجِّسُه. وهذا بناء على أصلهما أنَّ دمه طاهر. وقال أبو يوسف: يُنَجِّسُه. على أصله في دم السمكِ أَنَّه نَجِسُ.
وأما ما له دم سائل إذا مات في الماء فإنَّه يُنَجِّسُه؛ لأَنَّهُ يَنجُسُ بالموتِ، فينجس ما يجاوره؛ ولهذا يجب إراقتُه؛ لأنَّ دمه نجس، فيتَحَلَّل في الماء فَيُنَجِّسُه.
قال: والماء المستعمل لا يجوز استعماله في طهارة الأحداث.
لنا: قولُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ، وَلَا يَغْتَسِلَنَّ فِيهِ مِنَ الجَنَابَةِ». والنهي عن الاغتسال يدلُّ على فساد؛ ولأنَّه ماء زال به المنع من فعل الصلاة، فلم يجز الوضوء به، كالماء الذي غُسل به النجاسة.
وقال مالك: يجوز.
لنا: قولُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ، وَلَا يَغْتَسِلَنَّ فِيهِ مِنَ الجَنَابَةِ». والنهي
الجزء 1 · صفحة 36
عن الاغتسال يدلُّ على فساد؛ ولأنَّه ماء زال به المنع من فعل الصلاة، فلم يجز الوضوء به، كالماء الذي غُسل به النجاسة.
قال: والمستعمل: كلُّ ماء أُزِيلَ به حدث، أو استعمل في البدن على وجه القربة.
وهذا الذي ذكره هو الصحيح من قول أبي يوسف، ومحمد، وقال زفر: لا يصير مستعملا إلا إذا أُسقط به الفرض.
أما إسقاط الفرض به؛ فلأنه أزال به مانعا من الصلاة، فوجَبَ أنْ ينتقل إليه حكم المنع، أصله المُزَالُ به النجاسة.
وأما إذا استعمله على وجه القُرْبةِ؛ فلأنه تعلَّق به حكم شرعي، وهو استحقاق الثواب، فصار كما لو أُسقط به الفرض.
وجه قول زفر: أنَّه ما لم يسقط به الفرض فلا يكون مُستعملا، كما لو تَبَرَّدَ به. وقد ذكر الطحاوي في «مختصره» أَنَّه إذا تَبَرَّدَ بالماء صارَ مُستعملا.
وهذا محمول على أنَّه إذا كانَ مُحدثًا يصير الماء مستعملا؛ لزوال الحدث
وقد روى محمد، عن أبي حنيفة: أنَّ الماء المستعمل طاهر غيرُ مُطَهِّرٍ للأحداث.
وروى الحسن، عن أبي حنيفة: أنه نجس، إن أصاب الثوب منه أكثر من قَدْرِ الدرهم لم تجز " الصلاة فيه.
الجزء 1 · صفحة 37
وعن أبي يوسف: إذا توضأ به المُحدِثُ فهو نجس، وإن توضأ به الطاهر لم ينجس.
وجه رواية محمد، (وهو الصحيح، وهو " قول محمدٍ: أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كانَ إذا توضَّأَ تَبادَرَ الصحابة إلى وضوئه، فمسحوا به ا به وُجُوهَهم،، فلو كان نَجِسًا لمنعهم، كما: مَنَعَ أبا طَيِّبَةَ الحَجَّامَ عن شُرْبِ دمه»). ولأنَّه ماء طاهر لاقى مَحَلَّا طاهرًا، فصار كما لو غسل به ثوبا طاهرا.
وجه رواية الحسن: أنَّه ماء أزيل به المانع من الصلاة، فصار كالماء الذي أزيل به النجاسة، وهذا بعيد؛ لأنَّ الماء المستعمل لا يُمكنُ التَّحفظ منه.
وقد قال أبو حنيفة، وأبو يوسف: يُكره الوضوء في المسجد.
قال أبو يوسف: إلا أن يكون موضعا قد أُعِدَّ لذلك.
وقال محمد: إذا لم يكن عليه قَذَرٌ فلا بأس به.
أما أبو حنيفة فقال: إنَّ الماء المُستعمل مُسْتَقْذَرُ في العادة؛ فلذلك يُكرَهُ شربه، ويجب أن يُجِنَّبَ المسجد ما يُستَقذَرُ.
وأما أبو يوسف: فمن أصله أنَّه نجس، وأما محمد: فمن أصله أَنَّه طاهر فصار كاللبن.
قال: وكلُّ إهاب دبغ فقد طَهُرَ، وجازَتِ الصلاة فيه، والوضوء منه، إلا جلد الآدمي والخنزير.
والأصل في ذلك قولُه صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبَغَ فَقَدْ طَهُرَ».
وقد قال مالك: جلد الميتة لا يطهر بالدباغ.
وهذا لا يصح؛ وذلك لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّنَةٍ لميمونة، فقالَ: هَلَّا أَخَذْتُمْ جِلْدَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ. فقالوا: إنها مَيِّتَةٌ. فَقَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ مِنَ المَيْتَةِ أَكْلُهَا). وقال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الدِّبَاغَ يُحِلُّ الجِلْدَ، كَمَا يُحِلُّ الخَلُّ الخَمْرَ».
الجزء 1 · صفحة 38
والذي رُوِيَ أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عصب فالإهاب هو الجلد الذي لم يُدبَع، قال الخليل: فإذا دُبَغَ سُمِّيَ أَدِيمًا.
وقد رُوِيَ أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «توضَّأَ مِن ماءٍ في شَنَّ مِن جلد حمارٍ مدبوغ»
وقال الشافعي: جلد الكلب لا يَطهُرُ بالدباغ.
لنا: ظاهر الخبر؛ ولأنَّه بهيمة أبيح الانتفاع بها حال الحياة من غير ضرورة، فجاز أنْ يَطهُرَ جلدها بالدباغ، كالشاةِ.
فإن قيل: حيوان نجس العين حال حياته؛ فصار كالخنزير.
قيل له: كونه نجسا لا يمنع التطهير بالدباغ كالميتة، وأما جلد الخنزير فلا يجوز الانتفاع به في حال حياته بحال، فغُلّظ حكمه بعد موته، فلم يجز الانتفاع به، وعن أبي يوسفَ: أَنَّه يَطهُرُ بالدباغ)
وأما جلد الآدمي: فلا يجوز الانتفاع به لحرمته، وما لا يجوز الانتفاع به لا يؤثر الدباغ فيه.
وقد قال أصحابنا: إِنَّ كلَّ حيوان يطهر جلده بالدباغ فَإِنَّه يَطْهُرُ بالزَّكَاةِ، وما لا يعمل الدباغ في جلده لا يَطهُرُ بالزَّكَاةِ).
وقال الشافعي: ما لا يُؤكل لحمه لا يَطهُرُ بالزَّكَاةِ.
لنا: قوله صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الذَّكَاةُ فِي الحَلْقِ وَاللَّيَّةِ). وهو عام؛ ولأنه حيوان لا يُقطع بتحريمه، فوجَبَ أَنْ تَؤثر فيه الذَّكَاةُ، كالضَّبُعِ.
فإِنْ قِيلَ: ذبح لا يُبيحُ اللَّحْمَ؛ فَلا يُؤثر) في طهارته، كذبح المجوسي. قيل له: بل يُؤثر) في إباحته، ألا ترى أن المضطر إلى أكل هذا الحيوان لا يأكله إلا بعد الذبح؛ ولأنَّ الذَّكاة لو لم تؤثر إلا في المأكول لم تؤثر في الشاة المسمومة، والمعنى في المجوسي: أنَّه ليس من أهلِ الزَّكَاةِ، والمسلم من أهل الزَّكَاةِ، وقد ذَبَحَ
الجزء 1 · صفحة 39
ما لا يُقطع بتحريمه.
قال: وشَعْرُ الميتة وعَظْمُها وقرنها طاهر.
وقال الشافعي: نجس.
لنا: حديث أم سلمة، أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا بَأْسَ بِمَسْكِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبعَ، وَصُوفِهَا، وَقَرْنِهَا، وَشَعْرِهَا، إِذَا غُسِلَ بِالمَاءِ». وروى أنس بن مالك: «أن عامل أَيْلَةَ أهدى إلى رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُشْطًا مِن عَاجِ، فَكَانَ يَتَمَشَّطُ بِه.
ورُوِيَ أَنَّه: «كان في جهاز فاطمةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا سِوَارٌ مِن عاج.
ولأنَّ الشَّعْرَ والعَظمَ لا حياة فيهما؛ بدليل أنه لا يتألم الحيوان بقطعه منه من غير آفة، والموتُ إنما يؤثر في نجاسة ما فيه حياة، فإذا لم تكن فيه حياة لم يؤثر فيه الموت.
فإن قيل: شعر) مُتَّصِل بذي رُوحٍ، ينمى بِنَمَائِهِ، فَوجَبَ أَنْ يَنجُسَ بنجاسته بالموت"؛ قياسا على اللحم).
قيل له: لا تُسلَّمُ أنَّه ينمو بنمائه؛ لأنه قد ينمو مع عدم نماء الأصل، والمعنى في الأصل: أنَّه لو انفصل حال الحياة حكم بنجاسته، كذلك بعد الموت، والشَّعْرُ لو انفصل حال الحياة حكم بطهارته، فكذلك بعد الموت جاز أن يحكم بطهارته.
وإِنْ قُلْنَا إِنَّه ينمو بنَمَاءِ الأصل؛ ولكنَّ هذا لا يدلُّ على وجود الحياة فيه؛ فإن جميع الأشجار والنبات تنمو فروعه بنموه، ولا يدل ذلك على نجاسة ما يُقطع منه).
قال: وإذا وقَعَتْ في البئرِ نجاسة نُزِحَتْ، وكان نزح ما فيها من الماء) طهارة لها.
وذلك لإجماع الصحابة رضى اللهُ عَنْهُمْ، ورُوِيَ عن عليَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنه قال في الفأرة تقع في البئرِ
الجزء 1 · صفحة 40
: يُنزَحُ ماؤُها). ورُوِيَ: يُنزَحُ منها دِلاء». ورُوِيَ عن أبي سعيد الخدري في الدجاجة: يُنزَحُ منها أربعون دلوا». وعن الشعبي) والنخعي في الفأرة: «عشرون دلوا». ورُوِيَ: «أَنَّ زِنْجِيَّا مَاتَ في بئر زمزم، فَأَمَرَ عبد الله بن عباس أنْ يُنزَحَ جميع مائها.
وكان ذلك في خلافة ابن الزبير، فاتَّفَقَ السلفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ على تطهيرها بالنَّزْحِ، فَمَنْ خَالَفَهم لا يُعتَدُّ بخلافه.
وقد قال محمد: اجتمع رأيي ورأي أبي يوسف، أنَّ البئر كالماء الجاري، وأنها لا تنجس.
ثم قلنا: ما علينا أن نوجب نزح بعضها، ولا نخالف الإجماع، ومعنى هذا أنَّ النَّبْعَ والنَّزْحَ مُتَّصِلانِ، والنَّبْعُ يدفع الماءَ النَّجِسَ إلى وجهه، والنَّزْحُ يَأْخُذُه، فهو بمنزلة الماء الجاري.
وقد روي عن أبي حنيفة في حوض الحَمَّامِ إِذا وقَعَتْ فيه نجاسة: أَنَّه لا يَنجُسُ. لأنها لا تستقر، مع اتصال الأخذ، واتصال جريان الماء إليه.
وقد قال بشر المريسي: إِنَّ البئر إذا تنجَّسَتْ لَا تَطهُرُ أبدًا؛ ألا تَرَى أَنَّه إذا نُزِحَ ما فيها بقي الطين نجسًا، فإذا نبع الماء نجسه. وهذا هو القياس، إلا أنَّه مخالف للإجماع.
وقد قال الشافعي: إذا لم يتغيَّر ماء البئر بالنجاسة جاز الوضوء به. وهذا القول مخالف للإجماع؛ وهو اتفاق السلف على وجوبِ النَّزْحِ، ولم يَسْأَلُوا عن التغيير.
قال: فإنْ ماتَتْ فيها فأرة، أو عُصفورة، أو صعوة)، أو سودانية، أو سام أبْرَصَ، نُزِحَ منها ما بين عشرين إلى ثلاثين دلوا، بحَسَبِ كِبَرِ الدَّلو وصِغَرِها.
وذلكَ لِمَا رُوِيَ عن عليَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الفأرة تموت في البئر: «يُنزَحُ منها دلاء».
والذي روي عنه: نزح جميع الماء»، محمول على الفارة إذا انتفخت.
الجزء 1 · صفحة 41
قال: وإن ماتت فيها حمامة، أو دجاجة، أو سِنَّورٌ، نُزِحَ منها ما بين أربعين إلى ستِّينَ دَلْوا.
وذلكَ لِمَا رُوِيَ عن أبي سعيد الخدري في الدجاجة تموتُ في البئر: يُنزَحُ منها أربعون دلوا».
قال: فإن مات فيها كلب، أو شاة، أو دابَّة، أو آدمي، نُزِحَ جميع ما فيها من الماء.
وذلكَ لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ زنجيا ماتَ في بئر زمزم، فأمر ابن عباس بنزح جميع مائها». ولأنَّ هذا الحيوان ثقيل، فإذا اضطَرَبَ نَزَلَ إِلَى قَعْرِها فالتقى بجميع الماء؛ فلهذا نُزِحَ جميعه.
قال: وإن انتفخ الحيوان فيها، أو تَفَسَّخَ، نُزِحَ جميع ما فيها من الماء، صَغُرَ الحيوان أو كبر.
وذلك لأنه إذا انتَفخَ سالَتْ منه نجاسة مائعةٌ، فاختَلَطَتْ بالماء، فصارَتْ كأنها انفرَدَتْ، وقد قال بعضُ مَن لا علم له: كيف يُنزَحُ مِن جميع الفأرة عشرون دلوا، ومن ذنبها جميع الماء.
وهذا غلط؛ لأنَّ ذَنَبَ الفأرة على موضع القطع منه دم نجس، فإذا وقع في الماء ابتل وصار كقطرة دم وقَعَتْ في البئر، فينجس جميع الماء، وأما الفأرة إذا لم تنتفخ فلم يختلط بالماء منها شيء، وإنما نجس ما جاورها خاصة، وما نجس بالمجاورة لا يَنجُسُ ما جاوره في حال العذر والضرورة.
الدليل عليه: قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الفأرة تموتُ في السَّمْنِ الجامد: «أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوا البَاقِيَ). فحكم بنجاسة ما حولها للمجاورة، ولم يُحكم بنجاسة ما جاوره، ووزانُ الفأرة مِن ذَنَبِها أَنْ يُجْعَل على موضع القطع شمع، ثم يُلْقَى في البئر.
قال: وعدد الدَّلاءِ يُعتبرُ بالدَّلْوِ الوَسَطِ المُستعمل للآبار في البلدان).
وذلك لأن السلف رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أطلقوا ذلك، والمطلق في الشريعة يُحمل على الغالب؛ الدليل عليه نقد البلد.
قال: فإنْ نُزِحَ منها بدلو عظيم قدر ما يَسَعُ مِن الدَّلْوِ الوَسَطِ احتسب به (جاز).
الجزء 1 · صفحة 42
وهو أَوْلَى؛ وذلك لأنَّ القَدْرَ الذي وجَبَ إخراجه منها قد أُخرِجَ مع قِلَّةِ ما يعود إليها من القَطْرِ، فكانَ أَوْلَى.
قال: وإِنْ كانَتِ البئرُ مَعِينًا لا تُنزَحُ، ووجَبَ نَزْحُ ما فيها، أخرجوا مقدار ما كان فيها من الماء).
وقد روي عن أبي حنيفة أنَّه قال: تُنزَحُ حتى يغلبهم الماء. ولم يُقَدِّر فيها شيئًا، وما ذكره في الكتاب قول أبي يوسف.
وجه قول أبي حنيفة: أن نزح جميع الماء لا يُمكِنُ، فَإِذا نُزِحَتْ حَتى يَغْلِبَ الماء فقد حدث ماء آخر دفع ما كان في البئر إلى وجه الماء.
وجه قول أبي يوسف: أنَّ ما كان فيها قد نجس فوجَبَ إخراجه، ويُمكِنُ معرفة ذلك، وهو أنْ يُعْرَسَ في البئرِ قَصَبَةٌ تُجْعَلُ مِعيارًا)، ويُعلَّمَ في القصبة على وجه الماء، ثم يستقى منهما دلاء، ثم تُعاد القصبة، ويُنظَر قدر النقصان، إنْ كانَ ثُلُنَا، أو رُبعًا، أو خُمسًا، أو سُدسًا، فيستقى بحسابه.
وقد روي عن محمد، أنَّه قال: يُنزَحُ منها ما بين مئتي دلو إلى ثلاثمئة؛ لأنَّ غالب الآبار لا تزيد على هذا المقدار.
وهذا الجواب إنما هو على ما شاهده في بلده، والعمل على غير ذلك.
قال أبو يوسف: فإِنْ جَنَّتِ البئر قبلَ النَّزْحِ، ثم عاد الماء لم تَطهُرْ إلا بالنزح.
وقال محمد: تطهر بالجفاف.
وجه قول أبي يوسف: أنَّ طهارتها موقوفة على إخراج مقدار من الماء، فما لم يُوجَد سبب التطهير لم يَطْهُرْ.
وجه قول محمد: أنَّ طهارتها موقوفة على ذَهَابِ الماء، فلا فرق بين ذهابه بالنزح أو بالجفاف.
الجزء 1 · صفحة 43
وقد قالوا في البَعْرةِ والبَعْرتَيْنِ إِذا وقَعَتْ في البَحْرِ وَأُخْرِجَتْ قِبلَ أَنْ تَنتَفِشَ وتتفتت ": إنها لا تُنَجِّسُ الماء استحسانًا؛ لأنَّ اللبن لا يخلو حالَ الحَلْبِ مِن سقوط بعر فيه، وقد حكَمَتِ الأمة بطهارته.
ولأنَّ البعرة متماسكة، وبَلَّة موضع الحَلْقة على ظاهِرِهَا، وتلك البَلَّة طاهرة في الأصل؛ وإنما نَجُسَتْ بمجاورة النجاسة، فلا يَنجُسُ ما جاورها في حال العُذرِ، ولا يشتبه إذا سقط البعر الكثيرُ؛ لأنَّه يَحْتَكُ بعضه ببعض فَيَنفُشُ منه أجزاء في البئر، فينجس الماء بذلك.
فصل
والذي ذكره أصحابنا في حكم النزح من الآبار استحسان، ورجوع إلى قول السلف، فَمَنِ اعترض على ذلك فإنما اعتراضه على السلف، ومن لم يعتبر النَّزْحَ فلا اعتراض له؛ لأنَّ البئر بعد النزح طاهرة بالإجماع مِنَّا ومنه.
وقد قال بعضُ أصحاب الشافعي: إنَّ الدلو المُطهر للبئرِ دلو كَيْسُ؛ يُخْرِجُ الماءَ النَّجِسَ مِن الماء الطاهر.
وهذا قول باطل؛ لِمَا بَيَّنَّاه من إجماع السلف، على أنهم قد قالوا مثل ذلك، وزادوا فقالوا في بئر فيها من الماءِ قُلَتانِ، وقَعَتْ فيها فأرةٌ، فماتَتْ ولم يتغيَّر الماء: إنه طاهر، يجوز الوضوء به، فإن استقى منها دلوا فَنَقَصَتْ مِن قُلَّتَيْنِ والفأرة فيها، فما في باطن الدلو طاهر، وما بقي في البئر نجس، وما على ظاهر الدلو من الماء نجس، ولو كانَتِ الفأرة خرَجَتْ فِي الدَّلو كان ما في داخل الدلو من الماء نجسا، وما بقي في البئر طاهر، وهذا الدَّلو كَيْس.
فقد لحقهم ما عابوا به، إلَّا أنَّ قولنا قد عضده الإجماع وقول السلف، فكانَ أَوْلَى.
وقد قالوا: إذا وقعت الفأرة في غير الماء، فإن كان مائعا نجس جميعه، وجاز استعماله في غير الأبدان
الجزء 1 · صفحة 44
وجاز بيعه، وإن كان جامدًا أُلقِيَتْ وما حولها، وكان الباقي طاهرا، وجاز الانتفاع بما حولها في غير الأبدان.
والأصل في ذلك ما رُوِيَ، أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سُئل عن الفأرة تموتُ في السمن؟ فقالَ: «إِنْ كَانَ مَائِعًا فَاسْتَصْبِحُوا بِهِ، وَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا».
وقد قالوا في الماء إذا وقَعَتْ فيه نجاسة: فإن تغير أحد أوصافه لم يجز الانتفاع به؛ لأنها غلَبَتْ عليه، فصار بمنزلة عين النجاسة، وإن لم يتغير جاز استعماله في غير الأبدان؛ أنْ يُبَلَّ به الطين، أو يُسقى منه الدَّوَابُّ؛ لأنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي السَّمَنِ إِذا ماتَتْ فيه فأرةٌ: «فَاسْتَصْبِحُوا بِهِ».
قال: وإذا وجدوا في البئر فأرة أو غيرها، لا يَدْرُونَ مَتَى وقَعَتْ، ولم تنتفخ ولم تتفسخ، أعادوا صلاة يوم وليلة، إذا كانوا توضَّؤُوا منها، وغسلوا كل شيء أصابه ماؤُها، وإنْ كانَتِ انتَفَخَتْ، أو تَفَسَّخَتْ، أعادوا صلاة ثلاثة أيام | ولياليها، في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف، ومحمد: ليس عليهم إعادة | حتى يتحققوا متى وقَعَتْ.
وقد بينا وجه هذه المسألة فيما تقدم، وإذا ثبت ما قاله أبو حنيفة من وجوب الإعادة، فإنَّه قال: إذا مات الحيوان في البئر فإنَّه ينزل إلى قعر الماء"، ثم يصعد، وأكثر ما يتأخَّرُ صُعُودُه في الغالب يوما وليلة، وإذا انتفخ فأكثر ما يبقى الحيوان في العادة غير منتفخ ثلاثة أيام، فاعتبر ذلك لهذا الوجه.
فصل
قال: وسُورُ الآدمي، وما يُؤكل لحمه طاهر.
أما سؤر الآدمي: فلِمَا رُوِيَ أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: شَرِبَ مِن لبن، وأعطى فضل سوره لأعرابي كان على يمينه فشرب، وأعطى فضل سوره أبا بكرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فشرب).
الجزء 1 · صفحة 45
ويستوي في ذلك المسلم والكافر، والجنب والحائض؛ لأنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنزَلَ وفدَ ثَقِيف المسجد»، فلو كانت أبدانهم نجسة لم يُنزلهم المسجد؛ ولأنَّ بدن الكافر بعد الإسلام على الصفة التي كان عليها قبله، فإذا حكم بطهارته في أحد الحالين كان كذلك في الآخر.
وإذا لم تكن أبدانهم نجسة فكذلك سُورُهم؛ لأنَّ السُّورَ رطوبةٌ مُتَحَلَّلَةٌ من البدن، ورُوِيَ أَنَّ النبيَّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقِيَ أبا هريرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَمَدَّ يدَه ليُصافحه، فقبض أبو هريرة يده، وقال: إِنِّي جُنُب. فقالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ».
ورُوِيَ أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لعائشةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «نَاوِلِينِي الخُمْرَةَ». فَقَالَتْ: إني حائض. فقال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَتِ الحَيْضَةُ فِي يَدِكِ». فَدَلَّ على أَنَّ وأما ما يُؤكَلُ لحمه: فلقولِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أُكِلَ لَحْمُهُ فَلَا بَأْسَ بِسُؤْرِهِ. ولأنها رطوبة متحللة من بدنه فكانت طاهرة كلبَنِه.
قال: وسُورُ الكلب، والخنزير، وسباع البهائم نجس.
وذلك لقوله صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ أَنْ يُغْسَلَ سبْعًا». والطهارة ضد النجاسة، والعدد لا يُعتبر إلا للإزالة، والأواني لا يجب تطهيرها في الشريعة إلا من النجاسة خاصة، وهذا يدلُّ على فساد قول مالك أنه طاهر؛ وإنما يُغسل الإناء على طريق العبادة.
وأما سؤر الخنزير: فلقوله تعالى: أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام:]. وهذه الكناية ترجع إلى نفس الخنزير، وإذا ثبتت نجاسته كان سؤره نجسا؛ لأنَّه مُتَحلَّل من بدنه فصار كلبَنِه.
وأما سباع البهائم: فسُورُها نجس، وقال الشافعي: طاهر.
لنا: حديث ابن عمر، أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عن الماء يكونُ بالفَلَاةِ تنوبه الكلاب،
الجزء 1 · صفحة 46
والسِّباعُ، والدَّوَابُّ؟ فقالَ: «إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا». فَلَوْلا أَنَّ أَسارَها نَجِسةٌ لم يَصِح هذا الجواب بذكرِ الخَبَثِ؛ ولأنَّه سَبْعُ يمكن الاحتراز منه، أو محكوم بنجاسة لبنه، فكان نجَسَ السُّورِ كالكلب.
فإن قيل: روى جابر أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ: أَنتَوَضَّأُ بِما أَفضَلَتِ الحُمُرُ؟ فقالَ: «نَعَمْ، وَبِمَا أَفْضَلَتِ السَّبَاعُ»).
قيل له: هذا خبرٌ مُرسَلٌ، فليس بحُجَّةٍ عنده، وعلى أنَّه وَرَدَ في الماء الكثير، وعندهم لا تُؤثر فيه النَّجاسة، فلم يكُن في الخبر دلالة على الجواز؛ لأجل طهارتها، وهو عندنا محمول على حُمُرِ الوحش، وسبَاعِ الطير.
فإن قيل: حيوان يطهر جلده بالدباغ، فكانَ سُورُه طاهرا كالشاة. قيل له: طهارة العين بما يُؤثر في الطهارة لا يدل على طهارتها، بل يدل على النجاسة، فكانَتِ العِلَّةُ فاسدة.
قال: وسؤر الهرة، والدجاجةِ المُخَلَّاةِ، وسِبَاعِ الطير، وما يَسكُنُ في البيوت، مثل الحَيَّة، والفأرة، مكروه.
أَمَّا سَوْرُ الهِرَّةِ: فَلأَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتوضَّأُ بفضلِ سورِها، ويُصغي لها الإناء»، وقال: «الهِرَّةُ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ؛ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ». فهذا يدل على طهارة سُورِها.
وقد رُوِيَ أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الهِرَّةُ سَبْعُ». ورُوِيَ: «يُغْسَلُ الإِنَاءُ مِنْ ولوغ الهِرَّةِ مَرَّةً». وأقل أحوال ذلك أن يُفيد الكراهة.
وقد قال الشافعي: إنَّه لا يُكره. وهو قول أبي يوسف.
وهذا لا يَصِحُ لِمَا ذكرناه؛ ولأنها لا تجتنب النجاسة، فلا يُؤْمَنُ أنْ يكونَ في فمها نجاسة فكرة، كما كُرِهَ الوضوء بالماء الذي أدخل الصبي يده فيه، أو المستيقظ.
الجزء 1 · صفحة 47
فإن قيل: قد رُوِيَ: «أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضَّأَ به، ولو كان مكروها لم يفعل.
قيل له: يحتمل أن يكون فعل ذلك على وجه البيان للجواز، كَمَا أَخَّرَ الصلاة إلى أوقاتها المكروهة؛ لأجل بيان الوقت.
وأما الدجاجةُ المُخَلَّاةُ: فلأنَّها تَعبَثُ بالنجاسة، فلا يُؤْمَنُ أنْ يكون في مِنْقارِها نجاسة؛ فكرة لذلك.
وأما المحبوسة: فلأنَّها لا تَعبَثُ بما يكون منها في العادة، فأُمِنَ ذلك.
وأما سِبَاعُ الطير: فإنها تأكُلُ المَيْتات، فلا يُؤْمَنُ أنْ يكونَ على مِنْقارِها نجاسة، فكرة لذلك.
وأما الدليل على طهارة سؤرها مع الكراهة: فلأن الأصل طهارة مِنْقارِها، وجواز أن يكون عليه نجاسة كجواز ألا يكون، فلا تبطل الطهارة بالشَّك.
وأما ما يسكُنُ البيوت من الحشرات: فلأنها لا تَجْتَنِبُ النجاسة، فلا يُؤْمَنُ أن يكون على أفواهها نجاسة، فكره لذلك.
وأما طهارة سُورِها: فلأنَّ الأصل طهارة فيها، فلا يُترك اليقين بالشك.
قال: وسؤر الحمار والبغل مشكوك فيهما، فإن لم يجد غيرهما توضاً بهما، وتيمم.
وإنما شَكُوا فيه لتعارض أمرَيْهِما؛ فإنَّ أحدهما يقتضي نجاسته، والآخر يقتضي طهارته، والذي يقتضي نجاسته هو أنَّ النبيَّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَنْ يُنادَى: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْهَاكُمْ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا رِجْسٌ). وهـ. وهذه كناية عن النجاسة؛ ولأنَّه مُحَرَّمُ الأكل، لا لحرمته كالكلب.
والذي اقتضى الطهارة هو أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ: أَنتَوضَّأُ بِما أَفضَلَتِ الحُمُرُ؟ فقالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ، وَبِمَا أَفْضَلَتِ السَّبَاعُ». ولأَنَّهُ يَسْكُنُ البيوت مع الآدمي كالهرة، وهذا يفيد الطهارة، فتعارضا ولم يترجح أحدهما على الآخر، فوجَبَ التوقف فيه.
الجزء 1 · صفحة 48
ومن أصل أبي حنيفة: أن أمارات الشرع يجوز أن تتعارض من غير ترجيح، ويكون حكم الله تعالى فيها الوقف؛ لأنها توجِبُ الظَّنَّ.
فأما الدلائل العقلية التي تُوجِبُ العلم فلا يجوز أن تتساوى مع التضاد.
و من أصحابنا من قالَ: إِنَّ جهة الشَّكٍّ فيه أَنَّ عَرَقَهُ طَاهِرُ وَلَبَنَه مُحَرَّمُ، وَاللُّعَابُ يُعتبر بكل واحد منهما، فإن الحَقْناه بالعَرَقِ كَانَ طاهِرًا، وإِنْ الحَقْناه باللَّبنِ كان نجسا.
وإذا ثَبَتَ أنَّه مشكوك فيه ولم يُقطع فيه بطهارة ولا نجاسة، لم يجز الوضوء به، مع القدرة على الماء الطاهر؛ لأنَّه يؤدي فرضه بالشَّك، فأما إذا لم يجد غيره توضأ به وتيمم، فإن كان طاهرا فقد أدى فرضه بالغسل، وإنْ كانَ غير طاهر فقد أدى فرضه بالتيمم.
والمنع من جواز الوضوء به قول ابن عمر، والشعبي، والنخعي، وجابر بن زيد، وابن سيرين، ومكحول، وحماد، والزهري، ومعمر.
وعن عطاء، ومجاهد، جواز الوضوء به، وهو قول الشافعي.
فإن قيل: إذا جَمَعَ بينه وبين التيمم، إنْ كانَ نَجِسًا، فقد صلَّى مع النجاسة.
قيل له: قد روي أ أنَّ سؤر الحمار مَعْفُو عنه في الثوب والبدن، غيرُ مَعْفُو عنه في الماء، فعلى هذه الرواية يَسقُطُ السؤال، وقد رُوِيَ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْفُوٌّ عنه في البدنِ أيضًا، إلا أن الصلاة تجوز مع النجاسة إذا لم يجد ما يُزِيلُها به.
وأما البغل: فهو مُتَوَلِّد بين الحمار والفرس، فسوره بمنزلة سؤر الحمار والفرس خلطًا، فيكون مشكوكا فيه.
وأما سؤر الفرس: فطاهر عند أبي يوسف، ومحمد؛ لأن لحمه غير مكروه). وعن أبي حنيفة فيه
الجزء 1 · صفحة 49
روايتان؛ إحداهما: أنه مكروه؛ لأنَّ لحمه عنده مكروه.
والثانية: أنه غير مكروه؛ لأنَّه لا يُمكن الاحتراز منه لِمَنْ أَلِفَ رُكُوبَه فَعُفِيَ عنه.
وعلى قولهما: لحمه غير مكروه، فكذلك سؤره.
وقال محمد في سؤر الفيل: إِنَّه كسُورِ السَّبَاعِ؛ لأَنَّهُ سَبْعٌ ذو ناب.
قال أصحابنا: إذا وجد المسافر ماءً طاهرا وماء نجسًا، لم يَتَحَرَّ فيهما، وإن كان الطاهر في موضعيْنِ والنَّجِسُ في موضع، تَحَرَّى.
وقال الشافعي: يَتَحَرَّى في الجميع.
لنا: أن المحظور ساوى المباح الذي لا يجوز استعماله بحال فيما وقع التَّحَرِّي لأجله، فأشبه ما إذا كان أحدهما عين النجاسة، أو ماء الخلاف ويزيد المساواة في الجهات.
فإن قيل: ما دخله الاجتهاد والتَّحَرِّي لا يختلف حكمه بكون المباح أكثر أو المحظور؛ كالثياب، وجهَةِ القبلة، والاجتهاد في الحوادث.
قيل له: حكمُ الثَّيابِ مُفارِقٌ للماء؛ لأنَّ النجاسة قد سُومِحَ فيها في الثوب ما لم يُسامح في غيره، ألا ترى أنَّ الثوبَ النَّجِسَ يَسقُط به فرض ستر العورة عن غيره، والماءَ النَّجِسَ لا يجوز استعماله في البدن بحال، وقليل النجاسة في الثوب مَعْفُو عنه بالاتفاق، ولم يُعْفَ عن القليل في الماء؟ فلمَّا خَفَّ حكمُ الثوب النجس، ووجَبَ استعمال الطاهر، جاز التَّحَرِّي بكل حال، ولما غَلُظَ حكم الماءِ النَّجِسِ، وخَفَّ حكم الطاهر؛ لأنَّه يجوز تركه مع وُجُودِه إلى بدل عند العُذْرِ، والاشتباه عذر، فمتى لم يترجَّح حكم الطاهر قَوِيَ حكم النجس، فلم يجز التحري.
فإذا زادت الآنية الطاهرة قوي حكمها بالغلبة؛ لأنَّ الغلبة مُؤَثرة في الأصول، ألا ترى أنَّ عندنا إذا
الجزء 1 · صفحة 50
غَلَبَ قتلى المسلمين جازَتِ الصلاةُ، وعندهم إذا غَلَبَ الماء الكثير على النجاسة سقط حكمها؟
فأما جهات القبلة فليس هناك حظر غالب؛ لأن الصلاة تجوز إلى كل الجهات في حال العُذرِ)، فقَوِيَ أمر القبلة، وضَعُفَ أمر المنع فيما سواها، وأما الحوادث فلا يُمكن الاجتهاد فيها إلا مع غلبة الاشتباه؛ ألا ترى أنَّ الجهات فيها تكثر غالبًا؛ فلذلك وجَبَ الاجتهاد بكل حال؛ ولأن في هذه المواضع التي قاسوا عليها لو أسقطنا فيها الاجتهاد لسقط الفرضُ ولم يَقُمْ غيره مقامه، وفي مسألتنا يقوم التيمم مقام الماء؛ فلذلك افترقا.
وأما إذا اشتبه عليه الماء بعين النجاسة، أو بماء الشجر، والغلبة للماء، فإنَّه يجوز التَّحَرِّي
وقال الشافعي: لا يجوز.
لنا أن تمييز الماء مما ليس بماء أقرب من تمييزه من الماء النَّجِسِ، فإذا جازَ التَّحَرِّي هناك فهاهنا أَوْلَى.
فإن قيل: الاشتباه حصل في مباح ومحظور من أصله فلم يَدْخُلْه التَّحَرِّي؛ كالمُذَكَّاةِ والميتة، والأخت والأجنبية.
قيل له: إذا غلَبَتِ المُذَكَّاةُ جازَ التَّحَرِّي عندنا، وأما الأخت والأجنبية، فلا يجوزُ التَّحَرِّي، لا لأجل ما قالوا، ألا ترى أنَّ الأجنبية لو اختَلَطَتْ بأم امرأته لم يجز التَّحَرِّي، وإن كان الحظر طارئًا، وعندنا في الموضع الذي يجوزُ التَّحَرِّي فيه في الفروج لا يختلف الحظر الطارئ والأصلي، كَمَنِ اخْتَلَطَتْ أَختُه مِن النَّسَبِ أو الرضاع بنساء بلد، جاز أنْ يَتَحَرَّى ويتزوج، فكذلك في مسألتنا يجوز أن يتحرى، ولا يتيمم.
باب التيم
التيمم في اللغة: عبارة عن القصد، قال الشاعر:
وما أَدْرِي إِذا يَمَّمْتُ أَرْضًا أُريد الخير أيهما يليني أي: قصدت.
الجزء 1 · صفحة 51
وفي الشريعة: عبارة عن قصد مخصوص، وهو القصد إلى استعمال التراب في الأعضاء.
والأصل في جواز التَّيَمُّمِ قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طيبا} [النساء:، المائدة:].
وروي أن سبب نزول هذه الآية هو: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَج في غزاة ذاتِ المُرَيْسِيع، فنزل في بعض الطريق.
فسقطتْ من عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قلادة لأسماء، فلما ارتحلوا ذكرت ذلك للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فبعث بَرَجُلَيْنِ في طلبها وأقام ينتظرهما، فعدم الناس الماء، وحضرت صلاة الفجر، فأغلظ أبو بكر على عائشة، وقال لها: حبست المسلمين. فنزلت هذه الآية، فقال أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ: يَرْحَمُكِ اللَّهُ يا عائشة، ما نزَل بك أمر تكرهينه إلا وجعل الله تعالى للمسلمين فيه فَرَجًا».
قال رَحِمَهُ اللَّهُ: ومَن لم يجد الماء وهو مسافر، أو خارج المِصْرِ وبينه وبين المصر نحو الميل أو أكثر، أو كان يجد الماء إلا أنه مريض، فخاف إن استَعْمَل الماء اشتد مرضه، أو خاف الجُنُبُ إن اغتسل بالماء أن يقتله البرد أو | يُمرِضَه؛ فإنه يَتَيَمَّمُ بالصعيد الطاهر).
وهذه الجملة تشتمل على مسائل؛ منها: جواز التيمم للمسافر والمريض؛ لقوله تعالى: {وَإِن كُنتُم تَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [النساء:، المائدة:] إلى قوله: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء:، المائدة:].
ومنها: أن من خرج من المصر مقدار الميل أو أكثر غير مسافر وعدم الماء، جاز له التيمم؛ وذلك لأن المسافر يجوز له التيمم إذا بلغ إلى هذا المكان لأجل المَشَقَّة في دخول المصر، وهذا موجود في غير المسافر، وقد دل ظاهر الآية على ذلك أيضًا.
ومنها: صفة المرض الذي يُبيحُ التيمم، فعندنا إذا خاف زيادة المرض باستعمال الماء.
وقال الشافعي: إذا خافَ التَّلَفَ.
الجزء 1 · صفحة 52
لنا: قوله تعالى: {وَإِن كُنتُم مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ [النساء:، المائدة:] ولم يُفَصِّلُ، ولأنَّ كلَّ عبادة سقَطَتْ لخوفِ التَّلَفِ، سَقَطَتْ لخوف المرض، أصله) القيام في الصلاة.
فإن قيل: ما جاز عند الضرورة فإنه تُعتَبَرُ فِيهِ خَشْيةُ التَّلَفِ كأكل الميتة. قيل له: يجوز للمُضطَرِّ أكل الميتة، وإن لم يَخْشَ التَّلَفَ، إذا خافَ على عضو من أعضائه، ولأنَّ الميتة مُحرَّمة في الأصل فغُلْظَ حكمها، فجاز أن تقف استباحتها على خشية التلف، واستعمال التراب بخلافه.
ومنها: إذا خاف من البرد أن يقتله أو يُمرِضَه إن استعمل الماء، جاز له التيمم. وقال الشافعي: إن كان في المصر فعليه الإعادة، وإن كان في السفر ففيه قولان.
لنا: ما رُوي: «أَنَّ عمرو بن العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَان أميرًا على سَرِيَّةٍ، فتيمم وصلَّى) بهم وهو جُنُب من خوفِ البرد، فلما قدموا أَعْلَمُوا النبيَّ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك، فقال له: «ما حَمَلَك على هذا؟. قال: خِفْتُ البرد، وسمعتُ اللهَ يقول: وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [النساء:]. فضحك النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولم يأْمُرُه بالإعادة».
ولأنَّ مَن جُوز له الصلاة بالتيمم مع وجود الماء، لا تجب عليه الإعادة كالمريض.
فإن قيل: البرد عُذْرٌ نادر فلا يَسقُط به الفرضُ، كَمَن حُبس في مكانٍ ضَيِّقٍ حتى صلى قاعدًا.
قيل له: العذر النادرُ يُسقط الفرض كغيره؛ ألا ترى أن من حال بينه وبين الماء سَبع (أو عدو) جاز له التيمم، وإن كان عُذرًا نادرًا؟
وعن أبي يوسف: أنه إن كان في السفر جاز له التيمم؛ لأنه لا يجِدُ ما يَدفعُ به البرد غالبًا، فخوفُ المَضَرَّةِ غالب، فيجوز له التيمم، وإن كان في الحضر لا يجوز له؛ لأنه في الغالب يجد ما يدفع به ضرر البرد، فلم يعم الخوف، فلم يجز التيمم.
الجزء 1 · صفحة 53
وعلى هذا إذا كان معه ماء وهو يخافُ العطش، فإنه يجوز له التيمم؛ لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:]، ولأنه يخافُ الضرر باستعمال الماء كالمريض.
وقد قالوا: إذا كان ببدنه جراح والغالب صحيح في موضع الطهارة، غسل ما يقدر عليه ومسح على الجبيرة؛ لأنه لما كان الأكثر صحيحًا تبعه الأقل، فلم يُؤَثر في إسقاط الفرض، وأما إذا كان الغالب في موضع الطهارة الجراح، تيمم ولم يغسل ما يقدر عليه.
وقال الشافعي: يغسل ما يقدر عليه.
لنا: أن العُذْرَ بعامة بدنه، فسقط عنه فرض الأقل، أصله المجدور.
فإن قيل: قادر على إيصال الماء إلى بعض جسده فلزمه ذلك، كما لو كان الأكثر صحيحًا.
قيل له: إذا كان الغالب الصحة فالحكم له، (فكان الجميع صحيحًا)، وكذلك العذر.
وقد قالوا في المحبوس في المصر: إذا لم يقدر على الماء تيمم وصلَّى وأعاد. هكذا ذكر في الأصل.
وروى الحسن بن أبي مالك، عن أبي حنيفة: أنه لا يُصلي حتى يجد الماء). وجه ما ذكره في الأصل: أنه يُؤدِّي الصلاة بإحدى الطهارتين، فلم يجز له تركها كالمريض.
وجه رواية الحسن: أن المفعول ليس بصلاة؛ بدليل وجوب الإعادة عليه، فلا يلزمه أن يُقيم ذلك مقام الصلاة كسائر الأفعال. وأما وجوب الإعادة على رواية الأصل، فلأن الحبس عذر من جهة الآدمي فلا يُؤثر بانفراده في إسقاط فرض الصلاة، كمن قيد رجلًا حتى صلى قاعدًا
وعن أبي يوسف: أنه لا يُعِيدُ؛ لأنها صلاة أداها بالتيمم عند العجز، فلم تجب إعادتها كصلاة المريض.
وقال الشافعي في هذه المسألة: يَتِيمَّمُ ويُصلِّي ويُعِيدُ.
الجزء 1 · صفحة 54
وأما المحبوس في مكان نجس إذا لم يقدر على الماء ولا على تراب طاهر، فإنَّه لا يصلي عند أبي حنيفة، ومحمد. وقال أبو يوسف: يصلّي ويُعِيدُ. وبه قال الشافعي.
وجه قولهما: قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا صلاة إلا بطهور»). ولأنَّ المفعول ليس بصلاة، بدليل وجوب الإعادة، فلم يلزمه أن يُقيم ذلك مقام الصلاة.
وجه قول أبي يوسف: أنه يَشغَلُ الوقت بما يُشبه الصلاة، فلزمه ذلك، أصله المسافر إذا قدم في رمضان أنه يلزمه الإمساك تَشَبُّها) بالصائم، وكإجراء الموسى في الحلق في الإحرام.
والجواب: أن المعنى في الأصل أنه يجوز أن يقوم مقامهما ما ليس من جنسهما وهو الفدية، والصلاة لا يقوم مقامها ما ليس من جنسها.
قال: والتَّيَمُّمُ ضَرْبتانِ: يمسَحُ بإحداهما وجهه، ويمسح بالأخرَى يَدَيهِ إلى المِرْفقَيْنِ.
وذلك لما روى جابر أن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «التَّيَمُّمُ ضَرْبتانِ: ضربةٌ للوجه، وضربة للذراعَيْنِ إلى المِرْفقَيْنِ). وفي حديث ابن عمر: «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ به رجلٌ فَسَلَّمَ عليه، فلم يَرُدَّ عليه وضرب بيده على الحائط، فمسح بها وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى، فمسح بها ذِراعَيْهِ، ثم ردَّ السلام).
وصفةُ التَّيَمُّمِ: أن يضرب بيديهِ على الأرض، ثم يَنفُضَهما، ثم يمسح بهما وجهه، ثم يضرب ضربة أخرى فيمسح بهما ذِراعَيْهِ، وهو أن يَبْتَدِئَ فيمسَحَ بباطن أصابع يده اليُسْرَى ظاهر ذِراعه اليُمْنَى، وَيَبْتَدِئَ مِن أطراف أصابع يده اليمنى إلى المِرْفَقِ، ثم يَقلِبَ بطنَ كَفَّه اليُسْرَى فَيَمْسَحَ بها باطن ذراعه اليُمْنَى إلى الرُّسْعِ، وَيَمْسَحَ ظاهر إبهام يده اليمنى بباطن إبهام يده اليسرى، وعلى هذه الصفة يمسَحُ اليُسرى باليُمنى.
وقد دل على ذلك حديث الأسلع: «أن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَيَمَّم فَضَرَب بيديهِ على الأرض،
الجزء 1 · صفحة 55
ثم نفضهما، ثم مسح بهما وجهه، ثم أعادهما إلى الأرض فمسح بهما الأرض، ثم دلك إحداهما بالأخرى، ثم مسح ذراعيه ظاهرهما وباطنهما».
قال: والتَّيمم في الجنابة والحَدَثِ سواء.
لحديث أبي هريرة: «أن رجلا سأل النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: إِنَّا نكونُ بالرمال الأشهر، وفينا الجُنُبُ والحائض والنفساء ولا نجد الماء، فكيف نصنع؟ فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عليكم بالصَّعِيدِ».
وقال النبي صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأبي ذر لما عاد إليه وقد أصابته جنابةٌ، " وقد سأله كيفَ يَصْنَعُ؟ فقال: «التَّرابُ كافيك ولو إلى عَشْرِ حِجَجٍ، ما لم تَجِدِ الماء، فإذا وجدت الماءَ فَأَمْسِسْهُ جِلْدَكَ».
وعن عمران بنِ الحُصَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال: «كنا مع رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سفر، فانْفَتَلَ من صلاته، فإذا رجلٌ مُعتزِل لم يُصَلِّ مع الناس، فقال له عَلَيْهِ السَّلَامُ ما مَنَعَكَ أن تُصلّي؟». قال: أصابَتْني جَنابةٌ، ولا ماء معي. فقال عَلَيْهِ السَّلَامُ: عليك بالصَّعِيدِ فإنه كافيك).
قال: ويجوز التيمم عند أبي حنيفة، ومحمد بكل ما كان من جنس الأرض؛ كالتُرابِ والرَّمْلِ والحَجَرِ والجَصَّ والنُّورَةِ والكُحْلِ والزرنيخ. وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بالتراب والرَّمْلِ خاصة).
وبه قال الشافعي (
وجه قولهما: قولُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «جُعِلَتْ لي الأرض مسجدا وطهورًا». وهو عام، ولأنه جزء من أجزاء الأرض كالتُّراب، أو بقعة تجوز الصلاة فيها، فجاز التيمم منها كبقعة) التراب.
وجه قول أبي يوسف: قولُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جُعِلَتْ لي الأرض مسجدًا وترابها طهورًا»
ولأنها عين مودعة في الأرض، فلا يجوز التيمم بها كالذهب والفضة.
الجزء 1 · صفحة 56
وقد قال أبو حنيفة: إذا ضرب بيده على صخرة لا تراب عليها أو على أرض نَدِيَّة فلم يَعْلَق ـ بيده شيء، جاز تيممه.
وقال أبو يوسف: لا يجوز. وبه قال الشافعي.
وعن محمد القولان جميعا.
وجه قول أبي حنيفة: قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طيبا} [النساء:، المائدة:]. قال الخليل بن أحمد، وابن الأعرابي: الصَّعيد وجه الأرض، والطَّيِّبُ هو الطاهر.
وهذا يقتضي جواز التيمم به، ولأنه مسح أُقِيمَ مُقامَ غَسْلٍ، فلا يكونُ مِن شرطه استعمال الممسوح به في العضو كمسح الخُفّ.
وجه قول أبي يوسف: قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِنْهُ} [المائدة:]، و (من) للتبعيض.
الجواب: أن (من) للابتداء، والتبعيض ليس بظاهر، ومن حكم اللفظ أن يُحمل على ظاهره، وربما قال: طهارة، فاعتبر استعمال ما يتطهر به في العضو كالوضوء.
وقد قال أبو حنيفة: إذا ضرب بيده على ثوب أو على حنطة أو على شَعِيرٍ أو ما أشبه ذلك، فتَعَلَّق بيده غُبَارُ، جاز التيمم به.
وقال أبو يوسف: لا يجوز.
من ثوب جاز، كما لو عصر ماء من ثوب فتوضأ به] (وجه قول أبي حنيفة: أن مقدار ما يستعمله) من الأرض هو الغُبار، فإذا أخذه من ثوب جاز، كما لو عصر ماء من ثوب فتوضأ به] (
وجه قول أبي يوسف: قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:، المائدة:]، وإطلاق اسم الصعيد
الجزء 1 · صفحة 57
(لا يتناولُ الغُبار، فلم يَجُزِ التيمم به ".
قال: والنية فرض في التيمم مُستَحَبَّةٌ في الوضوء.
وقال زُفَرُ: يَصِحُ التيمم من غيرِ النِّيَّةِ. دليلنا قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طيبا [النساء:، المائدة:]، والتيمم هو القصد، والقصد هو النية، وقد أُمر به، والأمر على الوجوب.
وجه قولِ زُفَرَ: أنها طهارة، فلا تفتقر إلى النِّيَّة كالوضوء.
قيل له: الفرق بينهما أن الله تعالى ذكر في آية الوضوء غَسْلَ الأعضاء، وذكر في آية التيمم القصد، فوجب استعمال كل واحد من الآيتين من غير زيادة.
وقد قال أصحابنا: إذا نوى بالتيمم الطهارة أو استباحة الصلاة، أجزأه. وكان الشيخ أبو بكر الرازي يقول: الواجبُ نِيَّةُ التَّمْييز ... فينوي رفع الحَدَثِ أو الجنابة.
وجه القول الأول: أنها طهارة، فلا يلزمه نيَّة أسبابها كالوضوء.
وجه ما ذكره أبو بكر: أن التيمم يقع على صفة واحدة عن الغُسل وعن الوضوء، فلا بد من نية التمييز كالصلاة التي تقع عن الفرض والنفل على صفة واحدة.
وعلى هذا قال أصحابنا: إن الكافر إذا تيمم ثم أسلَم، لم يُجْزِهِ تَيَمُّمُه؛ لأنَّ التيمم من شرطه النية، فلا تَصِحُ مِن الكافر كالصوم.
وعن أبي يوسف: إذا تَيَمَّم يَنْوِي به الإسلام أجزأه؛ لأنه لما) نوى الإسلام تعلق بهذه النية حكم القُرْبةِ إذا أسلم، فحصل التيمم مع نِيَّةِ القُرْبة، فصار كتيمم) المسلم.
قال: ويَنقُضُ التَّيَمُّمَ كُلُّ شَيْءٍ يَنقُضُ الوضوء.
وذلك لأن التيمم بَدَل عن الوضوء، فما أبطل الأصل أولى أن يُبطل البدل.
الجزء 1 · صفحة 58
قال: ويُبطله أيضًا رؤية الماء إذا قدر على استعماله.
وقال الشافعي: إذا رآه في الصلاة لا يبطل تَيَمُّمُه ولا صلاته.
لنا: قولُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «التَّرابُ طَهُورُ المسلم، ولو إلى عَشْرِ حِجَجٍ، ما لم يجد الماء». وهذا واجد للماء، فخرج التراب من أن يكون طهورا له، ولأنَّ كلَّ معنى أبطل التيمم خارج الصلاة أبطله فيها كالحدث.
فإن قيل: صلاةٌ صَحتْ تحريمته بها، فوجود ما يتطهر به لا يمنع استدامتها، أصله المُتوضّى إذا وجد الماء.
قيل له: المتوضّى لو وجد الماء قبل الشروع في الصلاة لم يلزمه استعماله، والمتيمم) بخلافه.
وإذا رأى الماء بعد الخروج من الصلاة فلا إعادة عليه، ومن الناسِ مَن قال: يُعِيدُ ما دام) في الوقت. وذلك لا يصح؛ لأنه قدر على الأصل بعد إسقاط الفرض بالبدل، فلا تلزمه الإعادة، كما لو قدر على الماء بعد خروج الوقت. وقد قالوا: لو رأى في صلاته سُورَ حمار مضى على صلاته، فإذا فرغ منها توضأ به وأعاد؛ لأن سؤر الحمار مشكوك فيه، فلم نأمره بالوضوء به، والخروج من الصلاة بالشَّكَ بعدَ صِحَّةِ دُخُولِه فيها، فإذا فرغ من الصلاة أعاد؛ لأنه يجوز طهارة سؤر الحمار، فيتوضأ به ويصلي ثانيا حتى يسقط فرضه بيقين (.
وقد قالوا: إذا رأى من الماء ما لا يكفيه لوضوئه، لم يبطل تَيَمُّمُه، وكذلك لو وجده ابتداء جاز له التيمم، ولا يجب عليه استعماله.
وقال الشافعي: يغسل به ما قدر عليه ويتيمم.
وهذا لا يصح؛ لأن الجمع بين البدل والأصل لا يجب لعبادة واحدة؛ كالصوم والعتق في الكفارة، ولأنه لزمه البدل فسقط عنه الخطاب بالأصل، أصله مَن يخافُ العطش.
الجزء 1 · صفحة 59
فإن قيل: واجد الماء غير خائف من استعماله، فلم يجز له التيمم، أصله إذا وجد ما يكفيه.
قيل له: هناك يَسْتبِيحُ به الصلاة، وفي مسألتنا لما لم يستبح به الصلاة لم يلزمه استعماله.
وقد قالوا: إذا رأى الماء (وبينه وبينه) سَبع أو لا رِشاء معه، لم يبطل تيممه؛ لأن الوجود في الشريعة المراد به القدرة على استعمال الماءِ مِن غيرِ مَشَقَّةٍ، بدليل من معه ماء وهو يخافُ العطش، فإنه غير واجد للماء من طريق الحكم
قال: ولا يجوز التيمم إلا بصعيد طاهر.
وذلك لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:، المائدة:]، والطَّيِّبُ هو الطاهر، ولأنَّ ما يُتَطهَّرُ به إذا خالطته نجاسة لا يجوز استعماله، أصله الماء.
قال: ويُستَحَبُّ لمَن لم يجد الماء (في أول الوقت، وهو يرجو أن يجده) في آخر الوقت، أن يُؤخِّرَ الصلاة إلى آخر الوقت، فإن وجد الماء توضأ وإلا تيمم " وصلَّى".
وقال الشافعي: يُقدِّم الصلاة).
لنا: أنه إذا أخر يجوز أن يجد الماء فيُؤَدِّيها على أكمل أوصافها، فكان ذلك أفضل من فعلها في أوَّلِ الوقت، كمن يطمع في الجماعة، فإن الأفضل أن يُؤخِّرَ الصلاة، كذلك هذا.
فإن قيل: فضيلة أول الوقت متحققة ووجود الماء غير مُتَحقق، فاعتبار المتحقق أولى.
قيل له: الوضوء فضيلةٌ جُعِلت شرطًا (في الصلاة"، والتقديم فضيلة ليست بشرط؛ فكان اعتبار ما هو شرط أولى.
قال: ويُصَلِّي بِتَيمُّمِه ما شاء من الفرائض والنوافل (ما لم يُحدِث).
وقال الشافعي: (لا يصلي إلا فرضًا واحدًا، وما شاء من النوافل). لنا: قولُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
الجزء 1 · صفحة 60
«التَّرابُ كَافِيكَ ولو إلى عَشْرِ حِجَجٍ). وهذا مبالغة في بقاء حكم التيمم في الأوقات، ولأنها طهارة يجوز أن يُؤدِّيَ بها فرضًا ونَفْلًا، فجاز أن يؤدي بها فرضَيْن كالوضوء.
فإن قيل: صلاتا فرض فلا يُجمع بينهما بطهارة ضرورية كطهارة المستحاضة.
قيل له: لا نُسلّم؛ لأنه يجوز للمُستحاضة أداء فرضَيْن بطهارة ضرورية"، ولأن طهارة المستحاضةِ ضَعُفَتْ لتعقبِ الحَدَثِ لها، والتَّيَمُّمُ لم يَتَعَقَّبْه حدث.
وقد قالوا: إذا تيمم للنافلة يجوز أن يُؤدِّيَ به الفريضة.
وقال الشافعي: لا يجوز.
لنا: أنها طهارة وقعت للنَّفْل فجاز أن يؤدي بها الفرض كالوضوء.
فإن قيل: تَيَمُّم لم ينو به استباحة فرض، فلا يجوز أن يُؤَدِّيَ به الفرض، كما لو تيمم مع وجود الماء.
قيل له: هذا التيمم لا يجوز أن يُؤدِّي به نافلة، كذلك فريضة)، [وفي مسألتنا بخلافه.
قال: ويجوز التيمم للصحيح في المصر إذا حضرت جنازة والولي غيره، فخاف إن اشتغل بالوضوء أن تفوته الصلاة].
وقال الشافعي: لا يجوز.
وذلك لأنَّ مِن أصلنا أن صلاة الجنازة لا تُعاد، فلو أمرناه بالوضوء والحالة هذه، لم يتوصل به إلى أدائها ولا إلى ما يقوم مقامها، والوضوء لا يجب لغير الصلاة، وإذا سقط عنه الوضوء وهو مُخاطَب بفعل الصلاة جاز له التيمم، أصله المريض.
قال: وكذلك من حضر العيد فخاف إن اشتغل بالطهارة أن تفوته الصلاة تيمم وصلى.
وذلك لأن من أصلنا أن صلاة العيد لا تُقضَى إذا صلَّى الإمام، فلو أمَرْناه بالطهارة لم يتوصل بها إلى
الجزء 1 · صفحة 61
فعل الصلاة ولا إلى ما يقوم مقامها، فسقط عنه، وإذا سقط عنه وهو مُخاطَب بفعل الصلاة، جاز له التيمم كالمريض.
وقد قال الشافعي في هذه المسائل: لا يجوز أن يُصلِّي بالتيمم؛ لأَنَّ مَن لا يجوز له أن يصلي غير صلاة الجنازة، لا يجوز أن يصلي صلاة الجنازة والعيد، كمن لم يتيمم.
قيل له: الصلاة بغير طهارة لم تُجعَلْ قُربة في الشرع، والصلاة بإحدى الطهارتين قد جُعِلتْ قُربة، فجاز فعل الصلاة بها عند تعذر فعل الأخرى.
قال: وإن خافَ مَن شهد الجمعة إن اشتغل بالطهارة فاتته الصلاة توضاً، فإن أدرك الجمعة صلاها، وإلا صلى الظهر (أربعا).
وذلك لأنه يتوصل بالوضوء إلى فعل الظهر، وهو فرض الوقت عندنا، ففي أمرنا له بالطهارة فائدة، فلم يسقط عنه.
قال: وكذلك إذا ضاق الوقتُ فخَشِي إن توضأ فاته الوقت، لم يتيمم ولكنَّه يَتَوَضَّأُ ويُصلِّي ما أدرك ويَقْضِي ما فاته.
وذلك لأنه يتوصل بالوضوء إلى فعل القضاء، وهو قائم مقام فرض الوقت، ففي أمرنا له بالوضوء فائدة فلم يسقط عنه.
قال: والمسافر إذا نسي الماء في رَحْلِه فَتَيَمَّمَ وصلَّى، ثم ذكر الماء، لم يُعِد صلاته عند أبي حنيفة ومحمد، ويُعيد عند أبي يوسف.
وبه قال الشافعي (
وجه قولهما: أنه غير عالم بمكان الماء ولا يغلب على ظنه وجوده، فإِذا أَدَّى الصلاة بالتيمم لم تلزمه
الجزء 1 · صفحة 62
الإعادة، (أصله إذا كان عنده بئر مُغَطَّاةٌ لا يعلم بها.
وجه قول أبي يوسف: أنه شرط من شرائط الصلاة فلم يسقط فرضه بالنسيان كالقيام.
الجواب: أنا نقول بموجبه؛ لأن عندنا يسقط فرضه بالنسيان والسفر جميعًا، ولا يسقط بالنسيان وحده. والمعنى في الأصل أنه لا يتصوَّر مع كمال العقل أن ينسى القدرة على القيام، ولأن من نسي القيام والستر جميعا) فقد ترك فرضا، ولم ينتقل إلى بدل، فوزانه من مسألتنا أن ينسى الطهارة أصلا.
قال: وليس على المتيمم إذا لم يغلب على ظنه أن بقربه ماء أن يطلب الماء، فإن غلب على ظنه أن هناك ماءً، لم يجز أن يتيمم حتى يطلبه.
وقال الشافعي: الطلب شرط على كل حال).
لنا: قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:، المائدة:]، ويُقال: لم يجد وإن لم يطلب؛ قال الله تعالى: ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ} [النساء:]، ولأنه عادم للأصل)، فجاز له الانتقال إلى البدل من غير طلب، كالعادم للرقبة (فإنَّ الكفارة تجوز بصيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا، أو يُعتق رقبة، فإنَّه إذا عدم كان الآخر يقوم مقامه في الكفارة".
قيل له: القبلة موجودة لا محالة؛ وإنما يَشُكُ في تَعيينها)، فوزانه من مسألتنا أن يَتَيقَنَ وجود الماء، ولا يعلم في أي جهة هو فيلزمه طلبه، وأما إذا غلب على ظنه مكان الماء أو أخبر به فعليه الطلب؛ لأن غلبة الظن تجري مجرى العلم في أحكام العبادات، ولو كان عالماً بالماء لم يجز له التيمم، فكذلك إذا غلب على ظنه.
وقد قالوا: يلزمه أن يطلبه ما دون الميل؛ لأنَّ ما زاد على ذلك يلحقه به ضرر لأنه ينقطع عن رفيقه وطريقه، والوضوء (يسقط لخوفِ الضَّرَرِ في حق المسافر، وما دون الميل لا يلحقه فيه ضرر في العادة.
قال: وإن كان مع رفيقه ماء طلبه منه قبل أن يَتَيَمَّمَ، فإن منعه منه تَيَمَّم وصلى.
الجزء 1 · صفحة 63
وذلك لأنه إذا منعه منه صار غير قادر على استعمال الماء، فجاز له التيمم فإن تيمم قبل أن يطلبه وصلَّى جازَتْ صلاته عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف، ومحمد: لا تُجزئه حتى يطلبه فيمنعه.
وجه قول أبي حنيفة: أنه غير مالك للأصل، فلا يلزمه طلبه من ملك الغير بغير عوض، أصله المُكَفِّرُ إذا لم يجد رقبة.
وجه قول أبي يوسف، ومحمد: أن الماء يُبدِّلُ في العادة ولا يُمْنَعُ، فإذا صلى قبل المنع فقد صلَّى مع وجود الماء في الظاهر، فلا يُجزِئُه.
وقد قالوا: إذا وجد المسافر الماء يُباع بمثل ثمنه من غير ضرر لزمه أن يبتاعه؛ لأنه قادر عليه من غيرِ ضَرَرٍ، فلا يجوز له التيمم، وإن كان يُباع بزيادة على ثمن الماء لا يُتَغابَنُ في مثلها، لم يلزمه أن يَبْتَاعَه، ويَتَيَمَّمُ؛ لأنه لا يتوصَّلُ إليه إلا بضرر في ماله، والطهارة لا تلزمه مع الضَّرَرِ في المال، كما لو كان معه ثوب عليه نجاسة ولا يجد ماء يغسله به، فإنَّه لا يلزمه قطع موضع النجاسة، ويجوز الصلاة فيه كذلك.
هذا وإن كان يُباع بزيادة يُتَغابَنُ فيها، فأصول أصحابنا تقتضي أن يلزمه الشراء؛ لأنها زيادة لا يُعْتَدُّ بها ولا تُتيقن؛ لدخولها بين تقويم المُقَومِينَ؛ فصار وجودها كعدمها (ه).
وقال الشافعي: لا يلزمه الشراء بالزيادة اليسيرة، كما لا يلزمه بالزيادة الكثيرة.
وهذا لا يصح؛ لأنَّ الزيادة الكثيرة يلحق بها ضرر في المال، " والضَّرَرُ يُؤكِّرُ في سقوط) الفرض، والزيادة اليسيرة بخلافه.
والله أعلم.
بات المسح على الخفين
قال رَحِمَهُ اللهُ: المسح على الخُفَّين جائز بالسُّنَّةِ من كل حدث مُوجِبه الوضوء، إذا لبس الخُفَّين على
الجزء 1 · صفحة 64
طهارة كاملة ثم أحدث.
وهذه الجملة تشتمل على مسائل؛ منها: جواز المسح على الخُفَّين، وهو قول عامة الفقهاء. وقد روي ذلك عن عمر، وسعد، وابن عباس، وابن عمر، وأبي أمامة، وجابر، وابنا الحنفية، وابنِ المُسيِّبِ، وسالم.
وقال النَّخَعِيُّ: مَن لم يمسح على الخُفَّينِ فقد رغب عن السُّنَّةِ، وإني لأعلَمُ أنها من الشيطان.
وقال مالك: مسحُ الخُفَّين ضعيف.
والدليل على ما قلناه: ما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قولا وفعلًا؛ أما الفعل: فروى سليمان بن بريدة، عن أبيه: «أن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى يومَ الفتح خمس صلوات بوضوء واحد، ومسح على الخُفَّينِ. وروى المسح أيضًا أبو هريرة، وأنس.
وقالت عائشة: «ما: «ما زال رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ على الخُفَّيْنِ بَعدَ نزول المائدة) حتى قبضه الله تعالى.
وروى البراء بن عازب: «ما زال رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ على الخُفَّينِ قبل نزول المائدة وبعدها حتى قبضه الله تعالى.
ورَوَى فِعْلَه لِلمَسْحِ خلق كثير.
وأما القولُ: فروَى عليٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَمْسَحُ المُسافِرُ على الخُفَّين ثلاثة أيام ولياليها، والمقيم يوما وليلة»). ورواه أيضًا خزيمة، وصفوان، وأنس، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وعوف بن مالك.
وقال الحسن: حدثني سبعون رجلا من أصحابِ رسولِ اللَّهِ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنهم رَأَوْه يَمْسَحُ على الخُفَّينِ».
الجزء 1 · صفحة 65
وعن أبي حنيفة، أنه قال: لولا أن المسح لا يُختلفُ فيه ما مسحنا).
وقال أبو يوسف: خبر مسح الخُفَّين يجوز نسخ القرآن بمثله. يعني أنه خبر استفاضة
ولأنَّ الأمة لم تختلف أن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح، وإنما اختلفوا أنه مسح قبل نُزُولِ المائدة أو بعدها، وقد روينا أنه مسح بعد نُزُولِ المائدة.
والذي روي عن ابن عباس: «لأَنْ أَمْسَحَ على جلد حمارٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أن أمسح على الخُفَّين». فقد أنكر عطاء ذلك على راويه، وقال: كان يُخالِفُ الناس فلم يَمُتْ حتى تابعهم.
والذي روي عن علي رضيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه قال: «سبق الكتاب (المسح على الخفين».
فهو خبر مرسل، وقد روينا عنه خلاف ذلك.
ومنها: أن المسح لا يجوز إلا من حدث (مُوجِبه الوضوء؛ وذلك لما روي في حديث صفوان بن عَسَّالِ المُرادِيٌّ، قال: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا كُنَّا سَفْرًا أَلَّا نَنْزِعَ خِفَافَنا ثلاثة أيام إلا من جنابة، لكن من غائط أو بول أو نوم». ولأن هذه الرخصة شرعت لأجلِ المَشقَّة في نزع الخُفَّ لأجل الأحداث المتكررة، والجنابة لا تتكرر، فلا يَشُقُّ فيها نزع الخُفَّ.
ومنها: أن من شرط جواز المسح أن يكون الحدث بعد الطهارة ولبْسِ الخُفَّينِ؛ فأما إذا وجب الوضوء بحدث سابق للبس، فإن المسح لا يجوز، كالمتيمم إذا لبس خُفَّيهِ ثم أحدث ووجد الماء، وكالمستحاضة إذا لبست خُفَّيْها ثم خرج الوقت؛ لأنَّ الطهارة وَجَبتْ في هذه المواضع) لسبب سابق) على اللُّبْسِ، فهو بمنزلة انقضاء مُدَّةِ المسح؛ وإنما المعتبر في جواز المسح أن يجب الوضوء بحَدَثٍ بعد الطهارة واللبس.
ومنها: أن يُصادف الحدث طهارة كاملة مع اللبس، ولا فرق بينَ اللُّبس بعد كمال الطهارة أو قبله.
وقال الشافعي: لا يجوز المسح حتى يبتدئ باللُّبْسِ بعد كمال الطهارة. ويتعيَّن الخلاف بيننا وبينه إذا
الجزء 1 · صفحة 66
غسل إحدى رِجْلَيه ولبس خُفَّه) ثم غسل الأخرى، وفيه) إذا لبس خُفَّيهِ، ثم خاض الماء).
لنا: حديث صفوان: «أَمَرَنا رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَّا نَنْزِعَ خِفَافَنَا إِذَا كُنَّا سَفْرًا ثلاثة أيام ولياليها». ولم يُفصل، ولأنَّ الحدث صادف طهارة كاملة مع اللُّبْسِ، فَأَشْبَه إذا لبسهما بعد تمام الطهارة، ولأن نزع الخُفَّ له تأثير في بطلان الرخصة، ولو نزع خُفَّه، ثم لبسه جاز له المسح إذا أحدث، فإذا بقي على اللبس أولى.
فإن قيل: رُوي أنَّ المغيرة لما أراد أن ينزعَ خُفَّيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له: «دَعْهُما؛ فإنِّي لبستهما وهما طاهرتان»
قيل له: إذا غسل إحدى رجليه ثم لبس، ثم غسل الأخرى ولبس، يقال: إنه لبسهما وهما طاهرتان.
قيل: لبس قبل كمال الطهارة فلا يجوز له المسحُ، كما لو لم يَغسِلْ رِجْلَيهِ حتى أحدث.
قيل له: هناك الحَدَثُ صادَف طهارة ناقصة، وفي مسألتنا بخلافه.
قال: فإن كان مقيمًا مسح يومًا وليلة، وإن كان مسافرًا (مسح ثلاثة أيام ولياليها.
وذلك لما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه قال: «يمسَحُ المُقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها». روى ذلك عمر، وعلي، وجابر، وخزيمة، وأبو هريرة، وصفوان، وغيرهم)، ولأنَّ المسح إنما رُخّص فيه لأجل المشقة بنَزْعِ الخُفَّ، وهذه المشقة مُؤقَّتَةٌ، يُبَيِّنُ ذلك أن المقيم يلبَسُ خُفَّه غُدُوةً، فإذا عاد إلى منزله ليلا لم يَشُقَّ عليه نزعه، (والمسافر إذا نزل مرحلةً يَشُقُّ عليه نزع ا الخف وإذا توقتِ المَشقَّةُ تَوفَّتَتِ الرخصة
قال: ابتداؤُها عَقِيبَ الحَدَثِ.
و عن عمرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:: «من وقتِ المسح إلى مثله». وهو قول الأوزاعي. وقال الشعبي: يمسح
الجزء 1 · صفحة 67
خمس صلوات.
لنا: ما روى إبراهيم الحربي في كتاب المسح»، قال: حدثني عَشَرَةٌ مِن الصحابة، وعشرون من التابعين، كلُّهم يقولون): «من الحدث لا من وقتِ المسح».
ولأن الحدث سبب الرخصة)؛ ألا ترى أنه يَسْتَبِيحُ المسحَ عَقِيبَ الحدث، والأحكام المؤقتة ابتداء المدَّةِ فيها عَقِيبَ السَّبَبِ؛ الدليل عليه العِدَّةُ، والذي روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه قال: يمسح المسافر ثلاثة أيام». فمعناه: يجوز له المسح ثلاثة أيام، يُبَيِّنُ ذلك أنه لو ترك الصلاة ثلاثة أيام لم يجز له المسح، ولو كان الفعل مُعْتَبر الجاز).
قال: والمسح على الخفين على ظاهرهما خطوطاً بالأصابع، يَبْتَدِى مِن رؤوس الأصابع إلى الساق.
وقال الشافعي: مسح أسفل الخُفَّ سُنَّةٌ.
لنا: ما روي عن عليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنه قال: «لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، لكني رأيتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ على ظاهرهما خُطُوطًا بالأصابع»). وكذلك رواه ابن عمر.
ورُوِي: «أن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ برجل يغسِلُ خُفَّه، فقال: «لم تُؤمر بهذا». وأراه رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال بيدِهِ مِن مُقَدَّمِ الخُفَّ إلى الساق، وفَرَّجَ بين أصابعه».
فإن قيل: روى المغيرة: «أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ أَعلَى الخُفْ وأسفله». قيل له: هذا -.اخبر لا أصل له، وقد طعن عليه) جماعة من أصحاب الحديث، فلا يُعارِض ما رواه عليٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ويحتمل أعلى الخُفَّ مما يلي الساق وأسفله مما يلي الأصابع.
قال: وفرض ذلك مقدار ثلاثة أصابع من أصابع اليد.
الجزء 1 · صفحة 68
وقال الشافعي: أدنى ما يتناوله الاسم.
لنا: قول علي رضي الله تعالى عنه: رأيتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ على ظاهر هما خُطُوطا بالأصابع». وأقل اسم الجمع الصحيح) ثلاثة، ولأنه مسح في الطهارة فلا يُجزِئُ منه أدنى ما يتناوله الاسم كالتيمم ومسح الجبيرة. فإن قيل: مفروض في الطهارة فلم يَتقَدَّر فرضه بثلاثة أصابع كسائر الأعضاء. قيل له: سائر الأعضاء مفارقة لمسح الخُفْ على الأصلين، فلا معنى للرجوع إليها؛ وإنما اعتبر أصحابنا ثلاثة أصابع من أصابع اليد؛ لأنَّ المسح يقع بها فيعتبر أكثرها كما يُعتبر في مسح الرأس. قال: ولا يجوز المسح على خُفٌ فيه خَرْقُ كبيرٌ يَبِينُ منه مقدار ثلاثة أصابع من أصابع الرجل، فإن كان أقل من ذلك جاز.
وقال مالك: الخَرْقُ الكبير لا يمنع.
وقال الشافعي: القليل يمنع.
والدليل على أن الكبير يمنعُ، أنَّه يمنع المشي المعتاد، فلا يجوز المسح معه كما لا يجوز مسح) اللفافة، والدليل على أن القليل لا يمنع هو أنه لا يمنع المشي المعتاد، فأ فإن قيل: ما وجَب سَتْرُه اسْتَوَى فيه ظهور القليل والكثير، أصله ستر العورة. قيل له: لا نُسَلِّمُ أن الشرط هو السَّتْرُ؛ لأنَّه لو وُجِد الستر باللفافة لم يَجُزِشبه مواضع الخَرْز.
المسح؛ وإنما شرط جواز المسح أنه يَشُقُّ نزعه غالبًا، وهذا لا تَعَلَّقَ له بالستر، ولأنَّ ستر العورة يختلف عندنا قليله وكثيره في الصلاة.
فإذا ثبت من أصلنا أن الخَرْقَ الكبير يمنع المسح واليسير لا يمنع، احتجنا إلى حد فاصل بينهما، فقَدَّرْنا ذلك بثلاثة) أصابع من أصابع الرِّجْلِ؛ لأنها أكثر الأصابع، والأكثر يقوم مقام الكل.
قال: ولا يجوز المسح على الخُفَّينِ لمَن وجب عليه الغَسْلُ.
الجزء 1 · صفحة 69
وقد بينا ذلك.
قال: ويَنقُضُ المسح على الخفين ما يَنقُضُ الوضوء.
وذلك لأن المسح أضعفُ من الغَسْلِ، فما ينقُضُ الغَسْلَ أُولَى أن ينقُضَه.
قال: ويَنقُضُه أيضًا نزع الخُفَّ).
وذلك لأنَّ المسح قام) مقامَ الغَسْلِ لأجلِ المَشَقَّةِ التي تَلْحَقُ بنزعِ الخُفَّ، فإذا نزعه زال سبب الرخصة، فوجب الغسلُ؛ كالمتيمم إذا وجد الماء.
وكذلك إذا نزع أحدَ خُفَّيهِ؛ لأنَّ طهارة المسح جنس واحد)، فما أبطل بعضها أبطل جميعها كالوضوء.
وكذلك إذا أخرج أكثر قدمه إلى ساق الخُفَّ بطل المسح، وقال الشافعي: لا يبطل حتى يظهر القَدَمُ.
لنا: أنها صفة تمنع المشي المعتاد فوجودها يُبطل المسح، كما لو نزع أحد خُفَّيهِ، ولأنه لو ابتدأ اللُّبْسَ على هذه الصفة، ثم أحدث لم يجز المسحُ، فإذا صار إليها بطل مسحه كنزع أحدهما.
فإن قيل: لم يظهر شيء من محل الفرض، فلم يبطل حكم المسح، كما لو أخرج بعض القدم عن موضعها.
قيل له: ابتداء المسح يجوز على هذه الصفة، كذلك البقاء، وفي مسألتنا بخلافه.
قال: ومُضِيُّ المُدَّةِ.
وذلك لأنَّ الرخصة في المسح مُؤقَّتَةٌ، فإذا مضَى الوقت زالت الرخصة كطهارة المستحاضة.
قال: فإِذا تَمَّتِ) المُدَّةُ نَزَع خُفَّيْهِ وغسَل رِجْلَيه وصلَّى، وليس عليه إعادة بقية الوضوء.
وقال الشافعي: عليه الوضوء
الجزء 1 · صفحة 70
لنا: أنَّه مسح أُقِيمَ مُقامَ غَسْلِ، فإذا زالت الرخصة لزمه غسل ما لم يكن غسله، أصله من غسل بعض أعضائه وتيمم، ثم وجد الماء فإنه لا يلزمه إلا غَسْلُ ما بقي.
فإن قيل: إنه ممنوع من الصلاة بعد استباحتها بحكم الحَدَث، فلزمه استئناف الطهارة كما لو أحدث.
قيل له: الحدث لا يختص ببعض الأعضاء دون بعض؛ فلزمه غسل جميعها، ونزع الخُفْ يُبْطِلُ الرخصة في الرِّجْلِ خاصة، فما لا رخصة فيه من الأعضاء لا تُبطل طهارته؛ كروية الماء، وكالجبائر إذا برأ ما تحتها.
قال: ومن ابتدأ المسح وهو مُقِيمٌ، فسافر قبل تمام يوم وليلة، مسح تمام ثلاثة أيام ولياليها.
وقال الشافعي: يمسح مسح المقيم.
لنا: أنه سافر مع بقاء مُدَّةِ المسح، فأشبه ما إذا سافر قبل المسح
فإن قيل: إذا سافر قبل المسح فقد ابتدأ العبادة في السفر، ومن مسح وهو مقيم فقد ابتدأ العبادة وهو مقيم.
قيل له: سبب الرخصة هو الحَدَثُ دون المسح، وابتداء المدَّةِ يُعتبرُ منه، فإذا كان حصول ابتداء المدَّة حال الإقامة لا يمنع الانتقال بالسفر، كذلك ابتداء المسح في الإقامة لا يمنع.
فإن قيل: معنى يختلفُ بالسفر والحضر، فإذا تلبس به في الحضر ثم سافر، وجب أن يُغلَّبَ حُكمُ الحضر، كمَن افتتح الصلاة في سفينة ثم انحدرت.
قيل له: الصلاة عبادة واحدة، فإذا افتتحها في الحضر لزمته كاملة، فلم تَتَغَيَّر بالسفر، والمسح عبادات فهو بمنزلة صلوات، فلا يُعتبر حكم الإقامة في بعضها اعتبارًا بباقيها، وأما إذا كان قد سافر بعدما مسح يوما وليلة، فليس عليه أن يمسح حتى يغسل رِجْلَيهِ؛ لأنه استوفى رخصة المقيم قبل السفر، ووجب عليه
الجزء 1 · صفحة 71
غَسْلُ الرجلين، فلا يسقط عنه ذلك بسفره.
قال: ومن ابتدأ المسح وهو مسافر ثم أقام، فإن كان مسح يومًا وليلة أو أكثر، لزمه نزعُ خُفَّيهِ وغسلُ رِجْلَيه، وإن كان مسح أقل من يوم وليلةٍ تَمَّمَ مسح يوم وليلة.
وذلك لأنه مقيم، فثبت في حقه رخصة الإقامة، فإن كان اسْتَوْفاها لزمه غَسْلُ رجليه، وإن كان لم يَستَوْفِها تممها، كما لو كان مقيما في ابتداء المدة.
قال: ومَن لبس الجُرْمُوقَ فَوقَ الخُفَّ مسح عليه.
وقال الشافعي: لا يجوز.
لنا: ما رُوي: «أن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح على مُوقَيْهِ»، والمُوقُ هو الجرموق؛ ولكنَّه عُرِّبَ عن قولهم: مُوك. ولأن ما جاز المسح عليه إذا لم يكن بينه وبين الرجل حائل جاز وإن كان بينهما حائل؛ كالخُفَّ إذا كان تحته خُفٌ فيه خَرْقٌ يسير أو لفافَةٌ.
فإن قيل: مَسْحُ على مُنفصل مِن الخُفَّ لا تزول رخصة المسح بزواله، فصار كما لو مسح على الخف وأحدث ثم لبس الجرموق.
الجزء 1 · صفحة 72
قيل له: إذا مسح ثم لبس فقد ابتدأ اللُّبْسَ بعد الحدث قبلَ الغَسْلِ، والمسحُ لا يجوز حتى يُصادف طهارة كاملة مع اللبس ولم تُوجَد، فصار كما لو لبس الخُفَّ كذلك، وفي مسألتنا بخلافه.
قال: ولا يجوز المسح على الجَوْر بَيْنِ عند أبي حنيفة إلا أن يكونا مُجَلَّدَينِ أو مُنَعَّلَين. وقال أبو يوسف، ومحمد: يجوزُ إذا كانا تَخِينَيْنَ لا يَشِفَّانِ.
وبه قال الشافعي (
وجه قول أبي حنيفة: أنَّ الجورب لا يُمكن المشي المعتاد فيه، فلا يجوز المسح عليه كاللفافة.
وجه قولهما: ما روى أبو موسى الأشعري: «أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَح على الجوربين).
فإن قيل: الحاجة داعية إلى لبسه، والمَشَقَّةُ تَلْحَقُ بِنَزْعِه كالخُفَّ.
قيل له: المشقَةُ إنما تُعتبر في الغالب، والجَوْرِبُ لَا يُلْبَسُ غالبًا، ولا يَتَأَنَّى مواصلة المشي فيه " والمتابعة عليه، فلم يُسلَّم ذلك.
قال: ولا يجوز المسح على العمامة والقَلَنْسُوةِ والبَرْقُعِ والقُفَّازَينِ.
وذلك لقوله تعالى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ [المائدة:]، فالظاهر أنه لا يجوز المسح على غير الرأس، ولأن المسح إنما يثبتُ لأجل المَشَقَّةِ، ولا يَشُقُّ مسح الرأس مع لبس العمامة ولا غسل اليد لأجلِ القُفَّانِ، وإذا لم تُوجَد المشقَّةُ لم يَجُزِ المسحُ.
قال: ويجوز المسح على الجبائر، وإن شَدَّها على غير وضوء.
والأصل في جواز مسح الجبيرة، ما رُوي: أَن عَليًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كُسِرتُ يده يومَ أحد فسقط اللواء منها، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اجعلوه في يساره؛ فإنَّه صاحب لِوَائِي في الدُّنْيا والآخرة». فقال:
الجزء 1 · صفحة 73
يا رسول الله، ما أصنع بالجبائر؟ فقال: امسح عليها».
وأما قوله: وإن شَدَّها على غير وضوء؛ فلأنَّ الجَبِيرَةَ تُشَدُّ في حالِ العُذْرِ، واعتبار الطهارة في تلك الحال يَشُقُّ، فسقط اعتبارها.
وكان الشيخ أبو بكر الرازي يقول: إن كان ما تحت الجبيرة لو ظهر أمكن غسله فالمسح واجب؛ لأن الفرضَ مُتَعَلِّق بالأصل، فَيَتَعَلَّقُ) بما قام مقامه كمسح الخُفَّ، وإن كان ما تحتها لو ظهر لا يُمكن غسله فالمسح عليها غير واجب؛ لأن فرض الأصل قد سقط فلا يلزم ما قام مقامه؛ كالمقطوع القدم إذا لبس الخف. وهذا التفصيل على قول أبي حنيفة.
وأما على قول أبي يوسف، ومحمد: فالمسح عندهما واجب في جميع الأحوال؛ لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَر عليا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بالمسح عليها، ولم يُفَصِّلْ)
قال: فإن سقطتْ عن غيرِ بُرْ لم يبطل المسح.
وذلك لأنَّ هذا المسح ليس من شرطه تقديم الطهارة، فلا يبطل بظهور ما تحته إذا لم يجب غسله، كما لو مسح على شعر رأسه ثم حلقه).
قال: وإن سقطتْ عن بُرْء) بطل المسحُ).
وذلك لأن المسح قام مقامَ الغَسْلِ للعُذْرِ، وقد زال العُذْرُ فبطل وصار كالمتيمم إذا وجد الماء، وقد قال أصحابنا: إن الماسح على الجبائر لا يلزمه إعادة الصلاة.
وقال الشافعي: يُعيد الصلاة)
لنا: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يأمر عليا بالإعادة مع سؤاله عن أحكام الحادثة، ولأنها طهارة ضرورة فلا يلزم إعادة ما صلى بها كطهارة المستحاضة.
الجزء 1 · صفحة 74
فإن قيل: عذر نادرٌ لا يَتَّصِلُ في العادة، فلم يسقط معه " فرض الصلاة كالمحبوس.
قلنا: (الحبس عذر) من جهة الآدمي، فلم يسقط الفرضُ بمجرده، وفي مسألتنا العذر من جهة الله تعالى فجاز أن يُؤثر في إسقاط الفرض.
وقد قال أصحابنا: إنَّ مسح الخُفَّ لا يفتقر إلى النِّيَّةِ؛ لأنَّه مسح بالماء كمسح الرأس.
الحَيْضُ في اللغة: عبارة عن خُرُوجِ الدم، يُقالُ: حَاضَتِ الأرنب، وحاضَتِ الشجرة: إذا خرج منها الصَّمْعُ الأحمر. والاستحاضة استفعال من الحيض
وقالت فاطمة بنت قيس للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي أَسْتَحاضُ فَلا أَطْهُرُ»). وأما في الشرع: فإنه قد خَصَّ الاسم بدم دون دم، و من شخص دون شخص وسمى كل نوع منها باسم، وعَلَّقَ به أحكاما، يجى بيانها فيما بعد إن شاء الله تعالى.
قال: أقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها، فما نقص من ذلك فليس بحيض وهو استحاضة.
وقال الشافعي: أقله يوم وليلة).
لنا: ما روى أبو أمامة الباهلي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أقل ما يكونُ من الحيض للجارية البكر والثيب ثلاثة أيام، وأكثر ما يكونُ عَشَرَةُ أَيامٍ، فإذا رَأَتِ الدَّمَ أَكثَرَ مِن عَشَرَةِ أَيَّامٍ فهو اسْتِحَاضَةً).
وروى وائلةُ بنُ الأَسْفَعِ، أن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «أَقَلُّ الحَيْضِ ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام. ولأنه معنى مُقَدَّرُ إِذا ظهر أَثَر في الصلاة فلم يُقدَّرْ أقله.، بيوم وليلة، أصله) السفر.
فإن قيل: قال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لفاطمةَ: «إِنَّ دَمَ الحَيْضِ أَسودُ يُعرَفُ، فإذا كان فأمسكي عن الصلاة».
قيل له: معناه: يُعرَفُ بالوقت والأيام، وذلك لا يُوجَدُ معتادًا في يوم وليلة.
الجزء 1 · صفحة 75
فإن قيل: معنى إذا طرأ أسقط فرض الصلاة، فجاز أن يكون يوما وليلة كالجنون.
قيل له: الجنون لا يُوجَدُ في جنسه ما لا يُؤَثر في الصلاة، فكان الظاهر موجودا عند حدوثه، فلم يحتج إلى مُدَّةٍ؛ فلذلك لم يَتَقَدَّرُ أَقَلُّه، والحيض يُوجَدُ من جنسه ما لا يَتَعلَّق به حكم، فاحتاج إلى ظاهر مع الوجود؛ فلذلك يُقَدَّرُ بالاتفاق، وإذا ثبت أنه لا يكون أقل من ثلاثة أيام، كان ما نقص من ذلك غير دمِ الحَيْضِ فيكون دم استحاضة.
قال: وأكثرُ الحَيْضِ عَشَرَةُ أيام ولياليها فما زاد على ذلك فهو استحاضة.
وقال الشافعي: أكثره خمسة عَشَرَ يوما.
لنا: حديث أبي أمامة، وحديث واثلة بن الأسقع، ولأنه طهر صحيح فلم يَجُز أن يَتَقَدَّرَ به الحَيْضُ، كما لو زاد على خمسة عَشَرَ يوما.
فإن قيل: قال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما رأيتُ ناقصات عقل ودين أَغْلَبَ على سَلْبٍ عُقُولِ ذَوِي الألباب (مِنكَنَّ يا معشر النِّساءِ». فقيل: يا رسولَ اللَّهِ، ما نقصان عقلِهِنَّ وَدِينِهِنَّ؟ قال: «أَمَّا نُقْصانُ عقلِهِنَّ فشهادة امرأتين بشهادة رجل، وأَمَّا نُقْصانُ دِينِهِنَّ فَإِنَّ إحداهُنَّ تَمْكُثُ شَطْرَ عُمُرِها». ورُوِي: «نِصْفَ عُمُرِها لا تُصلِّي)
قالوا: وهذا لا يكون إلا بتقدير الحيض بخمسة عشر يوما).
قيل له: المعروف من هذا الخبر: «تمكن عدد الأيام والليالي لا تُصَلِّي». والشَّطر أيضًا لا يختص بالنصف، بل يتناول النصف وما دونه، (والدليل عليه قوله تعالى: {فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة:،،]، وليس المراد به النصف، فإنَّه لو استقبل شيئًا منه وإن قل، جازت صلاته.
وقد يتصوَّر في المرأة ترك الصلاة نصف عمرها على قولنا، وهو إذا بَلَغَتْ خمس عشرة سنة، ثم
الجزء 1 · صفحة 76
حاضَتْ عشرة أيام في كل شهر حتى تمَّ لها ستون سنة فقد تركت الصلاة نصف عمرها، فقد قلنا بموجب الخبر.
وإذا ثبت أنه لا يكون أكثر من عشرة أيام، فما زاد على ذلك يكون استحاضة؛ لأن الدم الخارج من الرَّحِمِ تارة يكون حيضًا، وتارة يكون نفاسًا، وتارة يكون استحاضة، فإذا لم يكن هذا الدم حيضًا ولا نفاسا بقي أن يكون استحاضة.
قال: وما تراه المرأةُ مِن الصُّفْرةِ والحُمْرةِ والكُدْرة (في أيام الحيض فهو حيض، حتى تَرَى البياض خالصًا.
وهذا الذي ذكره قول أبي حنيفة، ويعني به ": إذا رَأَتْ ذلك في أيام الحيض (
وقال أبو يوسف، ومحمد: الكدرة لا تكون حيضًا حتى يَتَقَدَّمَها دم حيض). وبه قال الشافعي.
وجه قول أبي حنيفة: ما رُوي: «أن النساءَ كُنَّ يَحْمِلْنَ الكُرْسُفَ إلى عائشة، فتنظر إليه ...
فتقول: لا حتى تَرَيْنَ مثل القَصَّةِ البيضاء). ولأنَّ ما يكون حيضًا إذا تقدمه دم، يكون حيضًا وإن لم يَتَقَدَّمه دم كالحُمْرة.
وجه قولهما: أنه إذا تَقَدَّمه الدم، فالظاهر أن ذلك من أجزائه، وإذا لم يَتَقَدَّمه دم فلا دَلالَةَ تَدُلُّ على كونه حيضًا، فلم يُحكم بكونه حيضًا من غير دلالة، ولا يُشبِهُ الحُمْرةَ والصُّفْرة؛ لأن ذلك من ألوان الدم؛ ألا ترى أنه يختلفُ باختلاف الأوقات والأشخاص، فحكَمْنا بكونه) حيضًا بهذه الدلالة.
قال: والحيض يُسقط عن الحائض الصلاة، ويُحرم عليها الصوم، وتقضي) الصوم ولا تقضي الصلاة.
وذلك لما رُوي أنَّ امرأة سألت عائشة فقالت: «ما بالنا نقضي الصوم ولا نقضي الصَّلاةَ؟ فقالت عائشة: أَحَرُورِيَّةٌ أنتِ؟ كنَّ النساء على عهد رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْضِينَ الصوم ولا يَقْضِينَ
الجزء 1 · صفحة 77
الصلاة).
قال: ولا تدخل المسجد.
وذلك لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سُدُّوا هذه الأبواب؛ فإني لا أُحِلُّ المسجد لجنب ولا حائض».
قال: ولا تطوف بالبيت.
وذلك لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لعائشة لمَّا حَاضَتْ: ارفضي عنكِ العمرة، وافعلي ما يفعله الحاج، غير أنَّكِ لا تطوفي بالبيت».
قال: ولا يَأْتِيها زوجها.
وذلك لقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:]، والنَّهْي يقتضي تحريم المنهي عنه.
قال: ولا يجوز الحائض ولا جُنُب قراءة القرآن.
وذلك لما روى ابن عمر أن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لا يقرَأُ الجُنُبُ ولا الحائض شيئًا من القرآن». ولأنه يُباشِرُ القرآن بعضو يلزَمُه غَسْلُهُ، فَمُنِعَ مِن ذلك كما لو مسه وعلى يده نجاسة. والصحيح من مذهب أصحابنا أن الآية وما دونها سواء في المنع إذا قصد بذلك القرآن؛ لأنَّ المنع لحرمة القرآن، وذلك لا يختلفُ بقليله وكثيره، فأما ما دون الآية إذا لم يُقصد به القرآن، مثل قوله: الحمد لله. فلا يُمنع منه؛ لأنه قد يُذكر لا على وجه القرآن، والمنع لم يثبت لذلك.
قال: ولا يجوز لمُحدِث مس المصحف إلا أن يأخُذَه بغلافه.
وذلك لقوله تعالى: لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة:]، ورُوي في کتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسولُ اللَّهِ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَن لا يَمَسَّ القرآن إلا طاهرا»). وأما حمله بغلافه فيجوز
وقال الشافعي: لا يجوز.
الجزء 1 · صفحة 78
لنا: أن الغلاف ليس من المصحف، بدليل أنه لا يدخُلُ في بيعه من غير تسمية، فإذا لم يَكُنْ مِنه فقد حمله وبينهما حائل فيجوز، كما لو لفه في ثياب.
فإن قيل: إنه قاصد لحمل القرآن مع الجنابة فلا يجوز، كما لو أخذه بالدَّفَّتَيْنِ.
قيل له: الدَّفَّةُ من المصحف. ولهذا تدخل في بيعه من غير تسمية، فصارَتْ كأوراقه، وهذا بخلافه.
قال: وإذا انقطع دم الحائض) لأقلَّ مِن عَشَرَةِ أيامٍ لم يَجُزُ وطؤها حتى تغتسل، أو يمضي عليها وقت صلاة كاملة.
وذلك لأنَّه لا يَأْمَنُ أن يُعاوِدَها الدم، فلم يُحكم لها بحكم الطاهرات، فإذا اغتسلت حكَمْنا بصِحَّةِ غُسلِها، فحَكَمْنا لها بحكم الطَّاهِرات بانضمام الغسل إلى الانقطاع.
وعلى هذا قالوا أيضًا: إذا مضى عليها وقت صلاة (ولم تر الدم) جاز للزوج وطؤها؛ لأنَّا لما أوجبنا عليها الصلاة حكمنا لها بحكم الطاهرات.
وعلى هذا: إذا كانت مُسافِرةً فتَيَمَّمتْ وصَلَّتْ؛ لأَنَّا لَمَّا حَكَمْنَا بِصِحَّةِ صلاتها حكمنا لها بحكم الطَّاهرات، فأما إذا تَيَمَّمَتْ ولم تُصَلِّ فإنه لا يجوز للزوج وطؤها (عند أبي حنيفة، وأبي يوسف.
وقال محمد: يجوز.
وجه قولهما: أن التَّيَمُّمَ لا يَستقِرُّ حكمه بنفسه؛ لجواز أن ترى الماء فيبطل تيممها)، وإذا كان كذلك، فلم يُحكم لها بحكم الطاهرات فلم يجز وطؤها، وليس كذلك الغُسل؛ لأنه لا يبطل حكمه بعد صِحَّتِه، فَيُحكَمُ لها بحُكْمِ الطاهرات).
وجه قول محمد: أنها صارَتْ على حالٍ يَصِح دخولها في الصلاة فكأنها اغتسلت.
قال: وإن انقطع دمها لعشرة أيام جاز" وطوها قبل الغسل.
الجزء 1 · صفحة 79
عند علمائنا الثلاثة. وقال زفر: لا يجوز حتى تغتسل.
وجه قولهم): وذلك لأنا حكمنا بصحة صومها، فجاز للزوج وطؤها كما بعد الاغتسال.
فإن قيل: قال الله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:]، وهذا يُفيدُ الاغتسال؛ لأنَّ الفعل إذا أُضِيفَ إِلى مَن يَصِحُ منه أفاد إحداثه.
قيل له: الآية لا تتناولُ مَن كانَتْ أيامها أكثر الحيض؛ وإنما هي خاصة فيمن كانت أيامها أقل من أكثر الحيض؛ بدليل أن الله تعالى قال: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:]، تقديره: ولا تَقْرَبُوهُنَّ في المحيض، وهذا لا يُوجَدُ بعد مُضِيّ أكثرِ مُدَّةِ الحيض؛ لأنها لا تُوصَفُ بالمحيض،، وعندنا (هذه)، يَقفُ) وطؤها. ا على الاغتسال وما في.
فإن قيل: ممنوعة من الصلاة بحكم حدث الحيض فلم يَحِلَّ وطؤها كما لو انقطع لما دون العشرة.
قيل له: إذا كانَتْ أيامها أقل فإنَّا لا نحكم بزوال الحيض بانقطاعه حتى يُوجَدَ ما ينافيه، فإذا لم يُوجَد يَبْقَى حكمه فلم يَجُزِ الوطء، وإِذا مَضَتِ المُدَّةُ فقد تيقنا زواله فهو أكثر من منافاة أحكامه.
قال: والطَّهْرُ إِذا تخلَّل بينَ الدَّمَينِ فِي مُدَّةِ الحيض فهو كالدم الجاري.
وهذا الذي ذكره قول أبي يوسف، وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة
وقال محمد: إذا كان الدم أكثر من الظُّهْرِ أو مثله، لم يُعْتَدَّ بالظُّهْرِ وصار كالدَّمِ الجاري، وإن كان الظهر أكثر من الدم، وهناك طُهْرٌ مُجتمع ثلاثة أيامٍ، فَصَلَتْ به بينَ الدَّمَينِ.
وجه قولهما: أن ما دون خمسة عشر يوما ليس بطهر صحيح؛ بدليل أنه لا يَفْصِلُ بينَ الدَّمَينِ فلم يَجُزُ أَن يُعْتَدَّ به كظُهْرِ يوم واحد.
وجه قول محمد: أن الطُّهر لو لم يفصل في العشرة أدى إلى أن يكون طُهْرُها حيضا ودمها طُهْرًا)؛ ألا
الجزء 1 · صفحة 80
ترى أن امرأةً لو رَأَتْ ساعة في أول العشرة دما، وظهرت عشرة أيام إلا ساعة، ثم رَأتِ الدم ساعة ثم استمر، حكمنا لطهرها بالحيض ولدمها بالاستحاضة، وهذا قبيح فَيَجِبُ أَن يَفْصِلَ الطُّهَرُ فِي مُدَّةٍ الحيض بينَ الدَّمَينِ.
والجواب عنه: أن مَن وَلَدت ولم تَرَ بعد ذلك شيئًا حتى مضى أربعة عَشَرَ يوما، ثم رَأَتْ ساعة دما، فالجميع نفاس بالإجماع، وقد جعلت تلك الساعة والأيام التي قبلها في حكم ما وجد فيه الدم، كذلك في مسألتنا.
وإنما اعتبر محمد أن يكون الظهر أكثر من الدم في العشرة؛ لأن القليل يتبَعُ الكثير أبدا، فإن كان الدم أكثر فحكم جميعه حكم الدم، وإن كان الظهر أكثر اعتبر شرطًا آخر، وهو أن يكون من جملة الظهر ثلاثة أيامٍ مُجتمعةٌ؛ لأنَّ ما يحتاج إليه للفصل بين القليل والكثير يجب أن يكون له في نفسه حكم، والثلاثة لها حكم في نفسها، وقد جعلت في حكم الكثير؛ ألا ترى أنه يُقدَّرُ بها أقل الحيض، ويَتَعلَّق بها أحكام كثيرة، فوقع الفصل بها، (وإذا وقع الفصل بها) عنده بينَ الدَّمَينِ نُظر في الطرف الأوَّلِ؛ فإن جاز أن يكون حيضًا جعله حيضًا، وهو أن يكون ثلاثة أيام أو أكثر؛ لأنه مما يصح أن يكون حيضًا وقد وجد في أيام الحيض، فإذا كان حيضًا كان الطرف الآخر استحاضة؛ لأنَّ الطَّهر قد فصل) بينهما وهو أقل من خمسة عَشَرَ يومًا، فَلا يَفْصِلُ بَينَ دَمَيْ حيض أقل مِن طُهْرٍ خمسة عشر يوما بالاتفاق، وإن كان الطرفُ الأَوَّلُ أقل من ثلاثةِ أيامٍ فهو استحاضة؛ لأنه لا يصح أن يكون حيضًا مع الفصل، ثم يُنظر إلى الثاني؛ فإن جاز أن يكون حيضًا فهو حيض؛ لِما بَيَّنَّا، وإن كان أقل من ثلاثة أيام فهو استحاضة، وهذه المرأة لم تحض (عند محمد).
قال: وأقل الطهر خمسةَ عَشَرَ يومًا ولا غاية لأكثره.
أمَّا أَقَلُّه؛ فلقولِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ المستحاضة تَقْعُدُ نصفَ عُمْرِها لا تُصَلِّي). ولأنها مُدَّةٌ
الجزء 1 · صفحة 81
يَتعلَّق بها إيجاب الصلاة والصوم، فوجب أن تكونَ مُقَدَّرة) بخمسة عَشَرَ يوما، أصله مُدَّةُ الإقامة، وأما أكثره فلا غاية له؛ لأنَّ مِن النساءِ مَن تحيض في كلِّ شهرٍ مَرَّةً، ومنهنَّ في شهرَيْنِ مَرَّةً، ومنهنَّ مَن ينقطِعُ حِيضُها السَّنةَ والسنتين، فإذن لا غاية له معلومة.
قال: ودم الاستحاضة هو ما تراه المرأة أقل من ثلاثة أيام أو أكثر من) عشرة أيام.
وقد بينا ذلك.
قال: فحكمه حكم الرعاف الدائم) لا يمنع الصلاة ولا الصوم ولا الوطء)
وذلك لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «المستحاضةُ تَتَوَضَّأُ لوقت كل صلاة». وإذا ثبت أنه لا يمنعُ الصَّلاةَ لم يمنع من الصوم والوطء) كدم الرعاف.
قال: وإذا زادَ الدَّمُ على عَشَرَةِ أيامٍ وللمرأة عادةً معروفة، رُدَّتْ إلى أيام عادتها، وما زاد على ذلك فهو استحاضة.
وقال الشافعي: يُميَّز باللون؛ فَإِنِ اسْتَوَى اللَّونُ رُدَّتْ إلى الأيام.
لنا: قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «المستحاضة تُرَدُّ إلى أيامها المعتادة».
ورُوي أنَّه قال لفاطمة بنت أبي حبيش: «اقعدي الأيام التي كنتِ تَقْعُدِينَ من قبل)، ثم اغتسلي وصلي).
فدَلَّ على اعتبار الأيام، ولأنَّ المرأة قد ترى الدم في أيامها مختلفًا ولا يُعتَدُّ باختلاف لونه؛ لوجوده في وقتٍ يَصلُحُ للحيض، فدل على أن الأيام أظهر في الدَّلالةِ مِن اللُّونِ.
فإن قيل: رُوي أن فاطمة بنت أبي حُبَيشٍ كَانَتْ تُسْتَحاضُ، فقال لها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا كان دم الحيض فإنَّه أسودُ يُعرَفُ، فَأَمْسِكِي عن الصَّلاةِ، وإذا كان الآخَرُ فَتَوَضَّئِي وصَلِّي فَإِنَّهُ دَمُ عِرْقٍ».
الجزء 1 · صفحة 82
قيل له: (لا اعتبار للأسود عندك، بل الاعتبار بالتَّغَيُّر"؛ ألَا تَرَى أنه لو ابتدأت بدم أحمر أو أصفر فاستمر، ثم تَغَيَّر إلى دم أسود، فالأول هو الحيض والأسود استحاضة، فسقط ظاهر الخبر بالإجماع.
واحتمل أن يكون المراد يُعرَفُ بالأيام.
فإن قيل: دم خارج مِن الرَّحِمِ، فوجب أن يَدْخُلَه الاجتهاد والتَّحَرِّي عند الاشتباه كالمني (
قيل له: المَنِيُّ لا يُوجَدُ على الصِّفَةِ المخصوصة إلا ويُوجِبُ الغُسْلَ؛ فلذلك رجع إلى صفته، والدم قد يُوجَدُ على ما يَعْتَبرونه ولا يتعلَّق به حكم، فَدَلَّ على أَنَّ اللَّونَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ.
وأما إذا زاد الدم على أيامها إلى تمام العشرة ولم يزد على العشرة، فالجميع حيض عند أصحابنا، وذلك لأنها غير مستحاضة، ودم الحيض تارة يزيد وتارة ينقص، فإذا اعْتُدَّ بنقصانه عن العادة، كذلك يُعتد بزيادته عليها.
قال: فإن ابتدأت مع البُلُوغِ مُستحاضة، فحَيْضُها عشرة أيام من كل شهر، والباقي استحاضة.
وهذا الذي ذكره قول أبي حنيفة، ومحمد)
وعن أبي يوسف: أنها تأخُذُ في صلاتها وصومها، وانقطاعِ الرَّجعة بأقل الحيض، وفي الأحكام التي بينها وبين الأزواج بأكثر الحيض.
وجه قولهما: أنَّ الثلاثة ليست بعادة لها، فلا تُرَدُّ إليها لأجل الاستحاضة، أصله الخمسة.
وجه قول أبي يوسف: أن ما زاد على ثلاثة أيام يجوز أن يكون حيضًا ويجوز أن يكون استحاضة، فوجب (العمل فيه على الاحتياط، كمن عادتها في شهر) خمسة أيام، وفي شهر ستة أيام، إذا استحيضت؛ فإنها تعمل على الاحتياط، كذلك هذا.
وقال الشافعي في أحد قوليه: حيضها من كل شهر ستا أو سبعا). وفي قول آخر: يوما وليلة.
الجزء 1 · صفحة 83
وهذا لا يصح؛ لأنَّ ما ليس بعادة للمستحاضة لا يجوز أن تُرَدَّ إليه كاليوم الواحد. فإن قيل: قال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَمْنَةَ بنتِ جحش: «تَحَيَّضِي في علمِ اللَّهِ ستا أو سبعا كما تحيض النساء في كل شهر»).
قيل له: هذا الخبر لم يرد في المبتدأة؛ وإنما ورد فيمن اشتبهت عليها عادتها فرَدَّها إلى غالب العادة.
فإن قيل: أقل الحيض مُتَيَقَّن، وما زاد عليه يجوز أن يكون حيضًا " ويجوز أن يكون استحاضة)، فيجعل استحاضة كما زاد على أيامها المعتادة.
قيل له: ما زاد على الأيام لا يُجعل استحاضة لما ذكره من التجويز؛ وإنما هو لمخالفته لظاهر العادة؛ ألا ترى أن هذا التجويز يحصل في أيام العادة؛ لأنها تزيد وتنقص، فلا يُعتَدُّ بذلك لمخالفته لظاهر العادة، ولا ظاهر في مسألتنا فجاز إثباته حيضًا مع التجويز.
فصل
وإذا ابتدأتِ المرأةُ مُستحاضة فرَأَتْ يوما دما ويوما طُهْرًا حتى استمرَّ بها ذلك ثلاثة أشهر؛ فعشرة أيام من كل شهر حيض، وعشرون طهر عند أبي يوسف، وقال مع محمد: من كل شهر ر تسعة حيض؛ وأَحَد وعشرون استحاضة.
أما أبو يوسف فبَنَى على أصله أنَّه كالدَّمِ الجَارِي المُتَّصِلِ، ولا يُبالِي أَن يَحْتِمَ بالظُّهْرِ أو يبتدئ بالظهر.
وأما محمد وإن كان عنده في هذا الموضع بمنزلة الدم المتصل إلَّا أنه لا يَبتَدى بالظُّهْرِ ولا يَختِمُ به، واليوم العاشر من كلِّ شهر طهر فلا يَحْتِمُ به الحيض، قال: لأن اليوم الحادي عشر استحاضة، ودم الاستحاضة بمنزلة دم الرعاف، بدليل أنه لا يُؤثر في الصوم ولا يُسقط فرض الصلاة، فصار كأَنَّه رُعِف في اليوم الحادي عشر فلا يَصِيرُ اليوم الحادي عشر حيضًا.
الجزء 1 · صفحة 84
والجواب: أن دم الاستحاضة مُفارِقُ لدمِ الرُّعافِ؛ أَلَا تَرى أَن دَمَ الرُّعافِ لا تأثير له في تغيير حكم الحيض، ولدم الاستحاضة تأثير في ذلك؛ بدلالة أنه لو زاد الدم على أيامها كان كله حيضًا ما لم يزد على العشرة؛ (فإن زادا عليها يوما، فإنه يُرَدُّ إلى أيامها لأجل الاستحاضة، وأيضًا " قد اتفقوا أن الطهر قد يصير حيضا بإحاطة الدم به إذا كان من أيام الحيض وقد وجد ذلك في مسألتنا، فكان اليوم العاشر حيضًا كما كان الثامن والسادس.
وإن رَأَتْ يومين دما ويومين طُهْرًا حتى استمر بها ثلاثة أشهر؛ فعند أبي يوسف حيضها من كل شهر عشرة أيام) على أصله.
وعلى قول محمد حيضها من الشهر الأول عشرة أيام، ومن الثاني ستة أيام، ومن الثالث عشرة على أصله؛ لأنه لا يبتدى بالظهر ولا يَختِمُ به.
وإذا كان للمرأة عادة خمسة أيام من أول كل شهر أو ستة أو غير ذلك، فاستمر بها الدم ثلاثة أشهر، فحَيْضُها من كل شهر أيام عادتها؛ لِما بَيَّنَّا أَنَّ المستحاضة تُرَدُّ إلى أيامها، فإن رَأَتْ منها ثلاثة أيام دما، ثم انقطع سبعة أيام، ثم رَأَتْ يوما أو أكثر دما، فحيضها عند أبي يوسف أيامها الخمسة، وعند محمد الثلاثة التي رَأَتْ فيها الدم).
وإن كان الانقطاع ستة أيام كان كذلك عند محمد؛ لأنَّ عند محمد: الظُّهْرُ المُتخَلِّلُ بينَ الدَّمَينِ في العشرة إذا كان أكثر (منها، فصل).
وعند أبي يوسف العشرة كلُّها حيض؛ وهذا على ما بَيَّنَّاه من اعتبار محمد للظهر إذا تخلل بينَ الدَّمَينِ.
قال: والمستحاضة، ومن به سَلَسُ البول، والرُّعَافُ الدائم، والجُرْحُ الذي لا يَرْقَأُ، يَتَوَضَّؤُون لوقتِ
الجزء 1 · صفحة 85
كل صلاة.
أما المستحاضة؛ فلقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ: «المستحاضة تَتَوَضَّأُ لوقت كل صلاة وتصلي. وأما غيرها ممن ذُكر فلأنَّ الحدث بهم دائم فهو بمنزلة المستحاضة.
قال: فيُصَلُّون) بذلك الوضوء في الوقت ما شاؤوا من الفرائض والنوافل
وقال الشافعي: لا تُصَلِّي المستحاضة إلا فرضًا واحدًا وما شاءَتْ من النوافل، وكذلك من هو في حكمها (
لنا: قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «المستحاضةُ تَتَوَضَّأُ لوقت كل صلاة». فجعل طهارتها للوقت، ولأنَّ كلَّ طهارةٍ جاز أن يُؤَدَّى بها فرض واحد، جاز أن يُؤَدَّى بها فَرْضانِ؛ كالمسح على الخُفَّ.
فإن قيل: رُوي أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (للمستحاضة: «تَوَضَّنِي " لكل صلاة).
قيل له: هذا متروك الظاهر بالاتفاق؛ لأنَّ عندهم: لا يجب الوضوء لكل صلاة، وإنما يقولون: يجب لكل صلاة فرض. ونحن نقول: معناه: لوقت كل صلاة. فليس أحد الإضماريْنِ أولى من الآخر.
قال: فإذا خرج الوقت بطل وُضُوءُهم، وكان عليهم استئناف الوضوء الصلاة أُخرى.
وقال زفر: طهارتهم تبطل بدخول الوقت.
وجه قولهم: أنَّ الرخصة مُقَدَّرة بوقتِ الصلاة، وقد أجمعنا على جواز الطهارة قبل الزوال وليس بوقت الصلاة، فلولا أن طهارتهم وقعت لوقت الظهر لم نحكُمْ بجوازها، وإذا ثبت أن دُخُول الوقت لا يُبْطِلُ الطَّهارة ثبت أن المُعتبَر بخروج الوقت، ولأنَّ طهارتهم تبطل بطلوع الشمس، وهو خُرُوجُ وقت من غيرِ دُخُولِ وقت آخر، فدل على أن المُعتَبَرَ بِخُرُوجِ الوقت.
وجه قول زفر: أن طهارتهم لو لم تبطل بدُخُولِ الوقتِ لَتَقَدَّرَتِ الرُّخصة بأكثر من وقت صلاة،
الجزء 1 · صفحة 86
وذلك لا يصح.
قال: والنفاس: هو الدَّمُ الخارج عَقِيبَ الولادة.
وذلك لأنه مأخوذٌ مِن تَنفُسِ الرَّحِمِ بالدم. وذلك موجودٌ عَقِيبَ الولادة.
قال: والدَّمُ الذي تراه الحامل وما تراه المرأة في حال ولادتها قبل خروج أكثر الولد: استحاضة.
وذلك لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبَايَا أَوْ طاس: «أَلَا) لا تُوطَأُ حَامِل حتى تضَعَ، ولا حائل حتى تَسْتَبْري بحيضة. فجعل الحيض عَلَمًا على نفي الحمل، فدل على أنه لا يجتمع معه، وإذا لم يكن دم حيض كان دم استحاضة، وكذلك ما تراه في حال الولادة استحاضة؛ لأنه وجد مع الحبل.
قال: وأقل النفاسِ لا حَدَّ له.
وذلك لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَقْعُدُ النُّفَساءُ أربعين يومًا إِلَّا أَن تَرى طُهْرًا قبل ذلك». ولم يُقَدِّرْه.
والذي ذكره أبو موسى، في «مختصره»: أنَّ أقل النفاس عند أبي حنيفة خمسة وعشرون يوما. فإنما هو من أقل ما تصدقُ فيه النفَساءُ المُعتدة في انقضاء عدتها، وليس بتقدير لأقل النفاس.
وكذلك ما روي عن أبي يوسف: أنَّ أقله أحدَ عَشَرَ يومًا. فإنما قاله في انقضاء العِدَّةِ، وتبيِّنُ ذلك في موضعه إن شاء الله.
قال: وأكثره أربعون يوما.
وقال الشافعي: ستون يوما.
لنا: حديث أُم سلمة: كنَّ النساءُ يَقْعُدنَ على عهد رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من النفاس أربعين يومًا ويَطْلِينَ وُجُوهَهُنَّ بِالوَرْسِ مِن الكَلْفِ». وفي حديث أنس: أنه وقت للنفساء أربعين يوما.