مهمات المفتي
للعلامة أحمد بن سليمان ابن كمال باشا
توفي سنة (940هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
مهمات المفتي
للعلامة أحمد بن سليمان ابن كمال باشا
توفي سنة (940هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الطهارة
الطَّهارة في اللُّغة النَّظافة. وفي الشريعة النظافةُ عن النَّجاسة، والوضوء في اللُّغة من الوَضاءة، وهي الحُسنُ، وفي الشَّريعة الغَسلُ والمسحُ في أعضاء مخصوصة، وفيه المعنى اللغوي؛ لأنَّه يُحسّن الأعضاء الَّتي يَقعُ فيها الغَسلُ، والغَسل الإسالة، والمسحُ الإصابة، وسبب فرضيَّة الوضوء إرادة الصَّلاة. من اختيار.
وفي المحيط يفعل المضمضة والاستنشاق بيمينه؛ لقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ: اليَمينُ للوجه، واليَسارُ للمقعد. وقِيلَ: يمضمضُ بيمينه ويستنشقُ بيساره. من شرح المجمع.
ولو أدخل الرجل يده أو رجله في الإناء للتبرد يصير الماءُ مُستعملا لانعدام الضَّرورة. من قاضي خان.
وإن غسل يده للطَّعام صار الماء مستعملا؛ لأنَّه أقام به القُربةَ، لأنَّه سنة لقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ: الوضوء قبل الطَّعامِ يَنفي الفقر وبعده ينفي اللمم. ولو غسل منَ الوسخ لا يكون مُستعملا ولو توضَّأَ الصبي يصير الماءُ مُستعملاً.
ولو غسل الطَّاهر شيئًا من بدنِه غير أعضاء الوضوء كالفخذ والجَنْبِ بنية القُربةِ؛ قيل: يصير مستعملا كأعضاء الوضوء، وقيل: لا يصير مستعملا من فتاوى.
المُحدِثُ أو الجُنبُ إذا أدخل يده في الإناءِ للاغتراف وليس عليها نجاسةٌ لا يَفسُدُ الماء، وكذا إذا وقع الكوز في الجب فأدخل يده في الجبّ إلى المرفق لإخراج الكوز لا يصيرُ مُستعملا، وكذا الجنبُ إذا أدخلَ رِجلَه في البئرِ لطلب الدَّلو لا يصيرُ مُستعملا] لأجل الضّرورة. من الخانية.
المُحدِثُ إذا توضّاً في أرض المسجدِ لا يجوز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأنَّ عندهما الماءَ المستعملَ نَجِسٌ، وإن توضّأ في إناء المسجدِ جازَ عندهُم مِن فتاوَى.
فَصل
أنواع الطهارة
اعلم أنَّ الطَّهارة على نوعين؛ الطَّهارة من الحدثِ والطَّهارةِ من النَّجاسةِ، والحدثَ [نوعان] حدث يوجب الوضوء وحدثٌ يُوجب الغسل، وهو على ثلاثة أنواع: جنابةٌ وحيض ونفاس، وما سواها من الأحداث يُوجِبُ الوضوء، والنَّجاسة على نوعينِ؛ حقيقية وحكمية، أما الحقيقيَّةُ فهو أن النَّجاسة إذا أصابتِ البدن أو الثّوبَ يتنجَّسُ موضعُ الإصابة حقيقةً، وأما الحكميَّة فهو أنَّه إذا أجنب أو حاضتِ المرأة يتنجَّسُ جميعُ أعضائهم حكمًا؛ من حيث تمنعهم عن إقامة الصَّلاةِ إلَّا بعد إزالتها بالغسل، وفي الحقيقة لا يكون نجسًا، ألا ترى أن الجُنب إذا عَرِقَ أو الحائض أو النفساء فابتل ثيابهم من عَرقِ لم يَفْسُدِ الثَّوبُ. وكذلك لو لبس الثَّوبَ المبلول ولم يكن على بدنِهم نجاسة عينيَّة لا يفسد الثوبُ. وكذلك إذا أحدثَ تتنجَّسُ جميعُ أعضاء وضوئهم حكمًا من حيث تمنعهم عن إقامة الصَّلاةِ إلا بعد إزالتها بالغَسل. وكذلك لو أدخلوا أيديهم في إناء فيه الماء للاغترافِ ولم يكن في أيديهم نجاسةٌ عينيَّةٌ لا يفسد الماء. وكذلك إذا شَربُوا ماءً في إناء لا يفسد الماء بوصول شفاههم إليه.
وأما لو كانت على بدنِهم نجاسةٌ فَعَرِقُوا فسالَ منه قدرُ الدرهم يَمنعُ جواز الصَّلاةِ وأفسده. وكذلك لو لبسوا الثَّوبَ المبلول فسد الثَّوبُ المبلول ويتنجس. وكذلك لو أدخلوا أيديهم في إناء فيه ماء للاغترافِ أو شربوا الماء وعلى شفاههم نجاسة فسد الماء ويتنجَّسُ؛ لأنَّ هذه نجاسة حقيقيَّة، والأُولَى حكميَّة فلذلك افترقا. في البدن يتصوَّرُ وجود كل النجاسة، وفي غير البدنِ يتصور وجودُ النَّجاسةِ الحقيقية، ولا يتصوَّرُ وُجود النجاسة الحكمية من شرح مختصر الكرخي.
فصل في نواقض الوضوء
المعاني النَّاقضة للوضوء
هي جمع ناقضة، والنقضُ متى أُضيف إلى الأجسام يُراد به إبطال تأليفها، ومتى أُضيف إلى غيرها يُراد به إخراجه عمَّا هو المطلوب منه؛ كذا ذكر القاضي الإمام ظهير الدين، والمطلوب هنا من الوضوء استباحةُ الصَّلاة.
والمعاني العِللُ؛ كما في قوله عَلَيْهِ السلام: لا يَحلُّ دم امرئ مسلم إلا بذأحدِ معانٍ ثلاث. قيل: ذكر المعاني احتراز عن ذكر لفظ يستعمله الفلاسفة كثيرًا. من شرح الهداية.
الدم التي ظهرت على رأسِ الجُرح ولم يَسِل عند محمد رَحمَهُ اللهُ: أَنَّه نجس وعند أبي يوسفَ رَحمَهُ اللهُ أنَّ ما لا يكونُ حدثًا لا يكون نجسا، وفائدة الخلافِ يظهر في الموضعين: أحدهما: أنَّه إذا أخذ ذلكَ الدَّمَ بقطنة) وألقاها في الماء القليل لا يتنجَّسُ على قول أبي يوسف، وعلى قول محمد يتنجّسُ. وثانيهما: إذا
أصابت ثوبَهَ فكان الدَّمُ أكثر من قدر الدرهم يَمنعُ جواز الصَّلاةِ، ولا يَمنعُ على هذا الخلافِ. من الخلاصة. شُرب الماء هل يَنوبُ منابَ المضمضة؟ قالوا: إن كان فَقِيها لا ينوبُ؛ لأنَّه يَمُصُّ الماء مصا، فلا يصل إلى كل الفم، بخلافِ الجاهل فإن شربه ينوب منابها؛ لأنه يَعُبُّ الماءَ عبا)، فيصل إلى كل الفم. من شرح التحفة.
رجل شُلَّتْ يداه وعجز عن الوضوء والتّيمم يمسح وجهه على الحائط وذراعيه على الأرض ويصلي، وكذا المريض إذا لم يجد مَن يُوضّى، فإن كانت له امرأةٌ أو أمةٌ توضئ وتمس فرجه، والابن والأخ لا يمس فرجه. ولا يجب إيصال الماء إلى منابتِ اللحية، إلَّا أن يكونَ الشَّعرُ قليلا يبدو المنابت. وإيصال الماء تحت الشَّارب والحاجبين سنة، وكذا إيصال الماء إلى داخل العين؛ قيل: لا يفتح العينَ كلَّ الفتح ولا يَضمُّ كُلَّ الضم حتّى يصل الماء إلى أشفارِه، ويَغسل بين العِذار والأذن. من النقاية.
ولو حَلقَ الشَّعر أو قلم الأظافير بعد ما توضّاً لا يجب إعادة الوضوء ولا إمرار الماء عليه. ومَنْ تيقّن في الوضوء وشَكٍّ في الحدثِ فلا وضوء عليه. ومَن شكّ في الوضوء وتيقن في الحدثِ فعليه الوضوء. ومَنْ شلَّ في خلال الوضوء فعليه غسل ما شك، وإن شك بعد تمامِ الوضوء فلا يلتفت ما لم يتيقّن من مُنية المصلِّي.
فصل/الفرق بين الإغماء والجنونِ أنَّ العقل في الإغماء يكون مغلوبًا، وفي الجنونِ يكون مسلوبًا. من المبسوط.
الذُّباب أو البعوض إذا مَصَّ عضو إنسان فامتلأ دما لا يَنقُض وضوءه، والقُراد إذا مصَّ من عضو إنسان فامتلأ دما إن كان كثيرًا يَنقُض وإلا فلا. وكذا العلقة مصت دما من جلد إنسان بحيثُ لو شُقَّت لسالَ الدَّمُ انتقضت وضوءه وإلا فلا؛ لأنَّ الدم [الذي] يخرج بعينها سائل، والذُّباب والبعوض إذا مصَّ وامتلأ لا ينقض الوضوء، وكذا لو عضَّ فظهر الدَّمُ. منَ الفتاوى.
إذا لم يكن للمريض مَن يُيمّمُه يدع الصَّلاةَ عندهما، وعند أبي يوسف رَحِمَهُ الله يُومى بلا طهارة، ثم إذا قدر على الوضوء يُعيدُ. مِنَ الجامع.
فصل في موجبات الغسل
رجل أولج ذكره في فرح البكر إلى موضع البكارة لا يلزم الغُسلُ إن لم يُنزِل، هذا عندَ محمد رَحمَهُ اللهُ، من الفتاوى. غلام ابنُ عشر سنين له امرأةٌ بالغة وهو يجامعها يجب عليها الغُسلُ، ولا يجب عليه. البكر إذا جو معت فيما دون الفرح فحبلت كان عليها الغُسل.
فصل/رجل جامع امرأته فيما دون الفرج فدخل من مائه فرج المرأة لا غُسل عليها، إلَّا إذا حَبِلَت فحينئذٍ يجب عليها الغُسلُ المرأة إذا جامعها زوجها فغسلت ثمَّ خرج منها مني الزوج لا يجب عليها الغسل بالإجماع، من فتاوى ظهير الدين.
من اغتسل مِنَ الجنابة ثم أرادَ أن يصلّي فله أن يتوضّاً بعدَ الغُسل؛ لأنَّ الوضوء قبل الغسل سنة، وبعده فرضٌ للصلاة. من شرح الإيضاح.
رجل أتى امرأته وهي بكرٌ لا غُسل عليه ما لم يُنزِل، وأصل هذا أنَّ بدون الإنزال لا يجبُ الغُسل بالإجماع فيما دون الفرج، فإذا أمى أو أودى يجب الوضوء، وإن لم يَخرُج شيء فحكمه حكم المباشرة الفاحشة من الخلاصة.
ولا يجب الوضوء بالقبلة والملامسة عندنا بشهوة أو بغير شهوة. مس فرجها أو موضعًا آخرَ، فإن باشرها وليس بينهما ثوب فانتشرت آلته يجب عليه الوضوء عند أبي حنيفة وأبي يوسف، رأى البلل أو لم يرَ، وقال محمدٌ رَحمَهُ الله: لا يجبُ. ومباشرة الفاحشة أن يمس بطنه بطنَها وفرجه فرجَها وليس بينهما ثوب، سواء كان من قِبَل القبل أو من قِبل الدبر. من الخلاصة.
وليس على المرأة أن تَنقُضَ ضفائرها في الغُسل إذا بلغ الماء أصول الشَّعرِ، اختلف المشايخ في هذه المسألة؛ فقال بعضُهم: إذا بلغ أصول الشعر ولم يدخُل في داخل الضَّفائر لم يُخرجها عن حكم الجنابة. وقال بعضهم: يُخرجها، وهو اختيار صاحب الكتاب، وهو الصحيح، والرَّجلُ كالمرأةِ، وقيل: يجب على الرّجل إيصال الماء إلى أثناء الشعرِ كيف كان من المحيط.
رجل بال فخرج من ذكره مني؛ إن كان منتشرًا عليه الغسل، وإن كان منكسرًا عليه الوضوء، وإن غُشِي عليه ثمَّ أفاق أو سَكِرَ ثُمَّ صحَا ثم وجد مَذيَّا بعدما أفاق لم يكن عليه الغُسلُ، بخِلافِ النَّائم إذا استيقظ، وأصل هذا رجل احتلم؛ هذا على ثلاثة أوجه: إن احتلم ولم يرَ شيئًا لا غُسل عليه بالاتفاق، وإن تذكَّرَ الاحتلام ورأى بللا؛ إن كان وديا لا يَجبُ الغُسل بلا خلافٍ، وإن كان منيًّا أو مذيًا يجب الغسل بالإجماع. الثالث: إذا رأى البلل على فراشه ولم يتذكَّرِ الاحتلام عندهما يجب عليه الغسل، وعند أبي يوسف: لا غُسل عليه. ولو رأى في منامه مُباشرة امرأةٍ ولم يرَ بللا على فراشه فمكث ساعةً فخرج منه مذي لا يلزمه الغُسل، من الخلاصة.
إذا استيقظ الرَّجلُ من مَنامِه فوجد على طرْفِ إحليله بللا لا يدري أنه مني أو مذيّ فإنَّه يغتسل، إلا أن يكون قد انتشر ذكره قبل النوم فلما استيقظ وجد البلَّةَ فيه لا غُسل عليه؛ لأنَّه إذا كان منتشرًا قبل
النوم فما وجد منَ البِلَّة بعد الانتباه يكون من آثارِ ذلك الانتشار، ولا يلزمه الغُسلُ إلَّا أن يكون أكثر رأيه أنَّه مني فحينئذ يلزمه الغُسلُ، أما إذا كان ذكره ساكنا حين نامَ يجعل تلك البِلةَ منيَّا، ويلزمُ الغُسلُ. قال شمس الأئمة الحلواني: هذه مسألةٌ يَكثرُ وقوعها والنَّاسُ عنها غافلون فلابد من حفظها من قاضي خان. إذا نام الرّجلُ قائمًا أو قاعدًا أو ماشيا فوجد مذيّا كان عليه الغُسل في قول أبي حنيفة ومحمد بمنزلة ما لو نام مضطجعًا. من قاضي خان.
أما الإيلاج في البهيمة والميت والصَّغيرة التي لا يجامع مثلها فلا يجب الغُسلُ ما لم يُنزل، وذكر الإِسْيْجابي رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّهُ في الصَّغيرة يجب، وكذا الحيضُ والنفاس.
ومن استيقظ فوجد على فراشه أو فَخِذِه بَللًا وهو يتذكَّرُ الاحتلامَ أو تيقن أنه مني أو مذيّ أو شك فعليه الغُسلُ، أمَّا إذا لم يتذكَّرِ الاحتلام وتيقن أنه مني أو شكٍّ فكذلكَ، وإن تيقن أنه [مذي] فلا غُسلَ عليه إن لم يتذكَّرِ الاحتلام، وإن استيقظ فوجد في إحليله بللاً ولم يتذكر حلمًا؛ إن كان ذكره منتشرًا قبلَ النَّوم فلا غسلَ عليه، وإن كان ساكنا فعليه الغسل، هذا إذا نام قائمًا أو قاعدًا، وأما إذا نام مضطجعًا أو تيقن أنه مني فعليه الغُسل، وهو مذكور في المحيط والذخيرة. قال شمسُ الأئمة الحلواني: هذه مسألة يكثر وقوعها والناس عنها غافلون. وإن احتلم ولم يخرج منه شيء لا غُسل عليه، وكذلك المرأة، وقال محمد عليهما الغُسلُ احتياطا، وبه يفتي بعض المشايخ.
ولو جامع أو احتلم واغتسل قبل أن يبول ثم خرج بقيَّةُ المني وجب الغُسل ثانيًا عند أبي حنيفة ومحمد رحمها الله. ولو أفاق السكران فوجد المني فعليه الغسل، وإن وجد مذيًا فلا، وكذا المغمى عليه. وإن استيقظَ الرَّجلُ والمرأة فوجدا منيَّا على الفراش، وكلُّ واحد منهما يذكر الاحتلامَ وجَب الغُسلُ عليهما احتياطا، وقال بعضُهم: إن كان المني طويلا فهو من الرّجل، وإن كان مدوّرًا فعلى المرأة. من مُنية المصلي.
ويُعتبر في الخروج وجودها؛ يعني قال أبو يوسف: خُروج المني بشهوة شرط في إيجابِ الغُسل، وقالا: ليس بشرط. ثمرةُ الخلافِ تظهر في موضعين: فيمن أمسك ذكره حتَّى سكنت شهوته ثم خرج المني بلا دَفْقِ يجب الغسلُ عندهما خِلافًا له، وفيمن أمنى واغتسل من ساعته قبل أن يبول أو ينام أو يمشي ثم سالَ منه بقيَّةُ المني بلا شهوة يعيد الغسل عندهما خلافًا له.
ولو اغتسل بعد ما بال أو نامَ أو مشى ثم خرج لا يجب الغُسل اتفاقا، من المحيط. قيد بقوله: في الخروج؛ لأنَّ الشَّهوة شرط في مزايلة المني عن مكانه اتفاقا، له: قياسُ الخروج بالمزايلة. ولهما: أنَّ انفصال المني يُوجِبُ الاغتسال لكونه بشهوة، وخُروجه لا يُوجبُ؛ لكونه بلا شهوة فيجب احتياطا.
ولا يُوجبه على مستيقظ وجدَ ماءً رقيقا ولم يتذكَّر احتلامًا، يعني إذا استيقظ رجلٌ فوجد على فراشه بللا ولم يدر أنَّه مني أو لا لا يجبُ الغُسلُ عند أبي يوسفَ رَحِمَهُ اللهُ؛ لأنَّ ذلك لا يُوجب الغسل عند اليقظة، فكذا في النومِ، ويجب عندهما؛ لأنَّ الظاهر أنَّه كان منيَّا رَقَّ بإصابةِ الهواءِ قبل أن يستيقظ فيجب الغسل احتياطا. قيَّد بالمستيقظ؛ لأنَّ المغشي عليه لو أفاق أو السكران لو صحا ثم وجد البلل لا غُسل عليه اتفاقا، كذا في الخلاصة. قيّد بوجود الماء؛ لأنه إن لم يَرَ بللا فلا غُسلَ عليه اتفاقا، وإن تذكر احتلاما.
وفي قوله: ماء رقيقاً. إشارة إلى أنَّ البلل مشكوكٌ غير معلوم أنه مني أو مذي حتى لو تيقَّنَ في الصُّورةِ المذكورةِ أنه مني يجب الغسلُ اتفاقا، [أو تيقن أنه ودي أو مذي لا يجب الغسل اتفاقا]. وقيد بقوله: ولم يتذكَّرِ احتلاما؛ لأنَّه إن تذكَّرَ احتلامًا أو شكٍّ أنه مني أو مذي أو تيقن بأحدهما فعليه الغُسلُ اتفاقا، وإن تيقّن أنَّه ودي فلا غُسل عليه اتفاقًا.
ولالتقاء الختانين. هذا معطوف على قوله: لإنزال المني. ويجب الغُسل لالتقاء الختانين على الفاعل والمفعول الختان موضع القطع من الذكر والأنثى، ذكر الختانينِ اعتبارًا بالتغليب كالقمرين أو جَريًا على عادتهم لأنَّهم كانوا يختنونَ النِّساء، قال النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: ختانُ الرَّجل سنةٌ، وختان المرأةِ مَكرُمةٌ. في حق الزوج؛ لأنَّ جماعها الذُّ. أراد من الالتقاء أن يكونَ بلا إنزال بقرينة عطف على قوله: لإنزال المني.
اعلم أن الالتقاء غير موجب، وإنما الموجِبُ الإيلاج، والالتقاء لا يدلُّ عليه؛ ولهذا قال عَلَيْهِ السَّلَامُ: إذا التقى الختانانِ وتَوارتِ الحَشفة يجب الغسل. فينبغي أن يُجعل الالتقاء مجازا عن الإيلاج؛ لأنَّه سببه، والموجب في الحقيقة هو الإنزال، لكنَّ الإيلاج أُقيم مقامه لكونه سببًا له وكون المسبب خفيًّا، وكذا يجب بالإيلاج في الدبر لكمال سببية الإنزال، حتّى إنَّ بعض الفسقةِ يرجحون الدبر على القُبل في قضاء الشهوة، وأما الإيلاج في فرج البهيمة والميتة فغيرُ مُوجب إذا لم يُنزل؛ لأنَّه سبب ناقص. من شرح المجمع. ولم ينقضه بلمس امرأة. المصدر مضاف إلى فاعله أو إلى مفعوله، يعني لمس الرجل بشرة المرأةِ الأجنبية الكبيرة أو لمس المرأة بشرة الرّجل الأجنبي بشهوة أو غيرها غير ناقض الوضوء الماس عندنا خلافًا للشَّافعيّ رَحمَهُ اللهُ. قيَّد بلمس الرجل المرأة أو بالعكس؛ لأنَّ مسَّ الرّجل الرجل أو مس المرأة المرأة غير ناقض اتفاقا. وقيَّدنا بوضوء الماس؛ لأن وضوء الممسوس لا ينقضُ [اتفاقًا.
ولا فَرْجِ. هذه مسألة أخرى يعني لا يُنقض] الوضوء بلمس رجل أو امرأةٍ فرجه قبلا أو دبرًا بينهما حائل أو لا عندنا. بباطن الكف. متعلّق بلمس الفرج، وعند الشَّافعيّ رَحِمَهُ الله يَنقضُه المس بلا حائل كذا في المصفى. قيَّد بالباطن؛ لأنَّ المسَّ بظاهر الكف أو بالأصابع لا ينقض اتفاقا، له ما رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَامُ
قال: مَن مسَّ فَرجَه فليتوضَّأ. ولنا ما رُويَ أَنَّهَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لَمَن سأله: أنتوضًا من مس الفرج؟ قال: لا. وما رواه محمول على غسل اليد؛ لأنَّ عدم الاستنجاء بالماء كان من عادتهم، ولم يشترطوا بشهوة؛ يعني: لمس المرأة مطلقا غير ناقض عندنا، وقال مالك: فالكل ناقض إن كانَ بشهوة؛ لأنَّ المَسَّ بشهوة مظنَّةٌ خروج المذي فقامَ [مقامَ] الحدثِ، ولنا ما تقدَّمَ من الدَّليل.
ومنعه - أي منعَ محمد رحمهُ اللهُ انتقاض الوضوء – بفحش المباشرة، وهي مس البشرة البشرة، يعني إذا باشر امرأته مباشرةً فاحشةً بأن لا يكون عليهما قميص ولا إزار وانتشرت آلته و تماس الختانانِ لا ينتقض الوضوء عنده، خلافًا لهما. له: أنَّ الحدث بخروج نجس، وهاهنا لم يوجد، مع إمكان الاطلاع عليه. ولهما: أنَّ خروجه مخفي، والمباشرة الفاحشة سببه قائم مقامه احتياطا، من شرح المجمع.
باب المسح
المسح على الخفين جائز بالسنَّةِ. من الوقاية.
وإنما قال جائز؛ لأنَّ الغسل أفضلُ لأنَّه أبعد عن مظنَّة الخلاف، وإِنَّما قال بالسنة؛ لأنه يتناول القول والفعل، وقد ورد في باب المسح حكاية فعليَّة ورواية قوليَّة فلهذا أطلق لفظ السُّنَّةِ دون الحديث، وأنه لا يتناولُ إلا القول، ولما كان أنَّه قال بعضُهم: تُليت بالكتاب على قراءة الخفض في قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6]. وهو غير جائز عند الجمهور بدلالة قوله: {إلَى الْكَعْبَينِ} [المائدة: 6]. لأنَّ المسح غير مقدر لهذا بالإجماع، فالصَّحيح أن جوازه ثبت بالسنة المشهورة عن رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ قولا وفعلا للمحدثِ من شرح المجمع.
للمحدثِ دون من عليه الغسل خطوطًا بالأصابع مفرجة، يبدأ من أصابع الرّجل إلى الساق على ظاهرِ خُفيه أو جُرموقيه أو جوربيه التَّخينين. من الوقاية. أي بحيث يَستمسكان على السَّاقِ بلا شدّ منعلين أو مجلدين ملبوسين على طهرٍ تام وقتَ الحدثِ من الوقاية. أي ابتداء المدَّةِ من وقتِ الحدث حتى لو توضّأ مُقيم عند طلوع الفجرِ ولبس خُفَّيه عند طلوع الشَّمس وأحدثَ بعدما صلَّى الظهرَ يُصلِّي الظُّهر في الغدِ لا العصر. من الكافي.
وابتداؤُها - أي ابتداء مدَّة المسح - عَقِيبَ الحدث، ولا يُعتبرُ وقتُ الطَّهارة ولا وقت اللبس، ولو غسل رجليه ولبس خفيه ثمَّ أكمل الطَّهارة قبل أن يُحدِثَ جَازَ المسحُ عندنا، خلافًا للشافعي رَحِمَهُ اللهُ؟؛ لأنَّ عندنا يكفيه أن يكون ملبوسًا على طهارة كاملة عند أول الحدث، والطَّهارة الناقصة هي طهارة صاحب العذرِ؛ حَتَّى إِنَّ المستحاضة ومَن بمعناها إذا توضأت ولبست قبل أن يظهر منها شيء تمسح
كالأصحاء، ولو لبست بطهارة العذر تمسحُ في الوقتِ عندنا وعند زُفر رَحمَهُ اللهُ تمسحُ تمام المدَّة من منية المصلَّي.
قوله: إن لَبِسَهُما. أي شرطه أن يكون الحدثُ بعد اللبس طارئًا على وضوء تامّ، حتى لو غسل رجليه أولا ثم لبس خفَّيْه ثم أتمَّ وُضوءَهُ ثُمَّ أحدثَ جاز المسح عندنا، خلافًا للشافعي رحمه الله؛ لأن الخفَّ مانع حلول الحدثِ بالقدم فيُراعى تمام الوضوء عند المسح؛ حتّى لو غسل رجليه أولا ولبس خفيه ثم أحدث قبل الإكمال لم يجز المسحُ إجماعا من الكافيه.
لشرح الكنز ينقل من فتاوى الشاذي أنَّ ما يُلبس من الكرباس المجرَّدِ تحت الخفّ [يجب أن] يمنع المسح على الخفٌ لكونه فاصلاً، وقطعة كرباس يُلف على الرجل لا يمنعُ لكونه غير مقصود باللُّبس، لكن ذكر في الكافي أنَّه يجوز المسح؛ لأنَّ الخفَّ الغير الصَّالح إذا لم يكن فاصِلا لا يكون الكرباس أولى. من جامع الفتاوى.
ولو مسح على الجُرموقين ثم نزع أحدهما فعليه أن يمسح على الذي تحته ويُعيد المسح على الجُرموق الآخر، وعن أبي يوسفَ رَحِمَهُ اللهُ أنه ينزع الجُرموقِ الآخر ويمسحُ الخفين على الرجلين، فلو نزع أحد الخفَّين بطل مسحُ الخف الآخر حتى يجب نزعه وغسله فكذا.
أقول: لو لبس الخفَّ على جورب من كرباس أو نحوه ممَّا لا يجوز المسح عليه هل يجوز المسح على الخفّ، ذكر في المعراج شرح الهداية جوازه عند أبي حنيفة رَحمَهُ الله، ولم أرَ فيه روايةً عن أئمتنا جوازًا وعدمًا، وينبغي أن يجوز؛ إذ الخف يصيرُ بدلًا عن الرّجل لا عن الجورب؛ لما ذكروا في مسح الجرموق على الخف، وأيضًا جواز المسح على الجاروق يشعر بما قلنا؛ إذ الجارُوقُ لا يُلبس إلا باللفافة غالبا، وهي معنى الجورب من كرباس ونحوه. من تسهيل شيخ بدر الدين.
وفي الكافي: اعلم أنَّ المسح على الجرموقين يصح إذا لبس الخفين على طهارة كاملة، ولم يكن مسح عليهما، مع كونهما صالحين لذلك فليس الجرموقين عليهما، وقال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله: لا يَجوزُ المسحُ على الجرموقين.
إنَّما قيَّدنا بالقيود المذكورة لأنه لو كان مسح على الخفين وأحدثَ بعد لبسهما ثم لبس الجرموقين لا يجوز المسح عليهما اتفاقًا، وإن لم يكن خفاه صالحين للمسح بخرقهما يجوز على الجُرموقينِ اتفاقًا، يُفهم ممَّا ذُكِرَ في الكافي أنه يجوزُ المسحُ على الخفّ الذي تحته ما يلبس من الكرباس المجرَّد؛ لأن الخفَّ الغير الصالح للمسح إذا لم يكن فاصلا مانعا فلأنه لا يكون الكرباس فاصلاً أولَى. وفي الخلاصة: الخفُّ علىَ على الخف
كالجرموق. من شرح الوقاية لابن فَرَشْته.
إذا دخل الماء الخفَّ وابتل من رجله قدر ثلاثة أصابع أو أقل لا يبطل به حكم المسح، فإن ابتل جميعُ القدم وبلَغَ الماء إلى كعبيه بطل، من قاضي خان.
مقطوع الرجل إذا بقي من ظهر القدم قدرُ ثلاثة أصابع فليس فوقه الخفَّ أجزأه المسحُ، وإنْ بَقِيَ ممَّا يلي العَقِبَ قدرُ ثلاثة أصابع ولم يبق مما يلي الأصابع مقدار ذلك لم يجزه المسحُ؛ لأنَّ ذلك ليس بموضع المسح.
قال: لو انكسر ظفره فجعل عليه الدَّواء والعِلْك، ويَضرُّه نزعُه جاز المسح عليه. قال: من قطعت إحدى رجليه فغسلهما ولبس خفيه ثم أحدث إن بقي من ظهر رجله المقطوعة قدر ثلاثة أصابع يمسح عليهما، وإن بقي أقل من ذلك لا يَمسحُ حتى لا يلزمه الجمع بين الغَسلِ والمسح؛ لعدم محليَّةِ المقطوعة للمسح. من المحيط.
المسحُ أحيانًا والغَسل أحيانًا أفضل من الغسل الدائم؛ لأنَّه أبعد من شبهة الرّفض، ومن المسح الدائم؛ لأنَّه أبعد وأشقُّ من شبهة الخلافِ، ولأنَّه جمع بين القُربتيْنِ. والغَسل حينًا أفضل من المسح حينًا؛ لأنه أشقُّ. من الزِّيلَعي.
باب الأنجاس
فإذا كانت النجاسة أقل من قدر الدرهم غسله سنةٌ، وإذا كان مثله غسله واجِب، فإن زادت غسله فريضةٌ، فإن ترك غسله في السنَّةِ والواجب تجوز الصَّلاةُ بالنقصان ويكون مسينا، وإن ترك الفريضة وصلَّى وهو يعلمُ أنَّ الصلاة لا تجوز معه ولكن يصلي يكفر؛ كالصلاة بغير وضوء، سواء كانت النَّجاسة على ثوبه أو جسده، فإن صلى ورآها بعدها يقضي صلاته، وكذلك إن لم يعلم أنّها تبطل صلاته يقضي إذا عَلِمَ. من مشكلات.
الاستنجاء من الريح إذا لم يظهر الحدث من السبيلين بدعة، والاستنجاء مستحب إذا بال ولم يتغوط [يغسل] قُبُلَه. من الاختيار.
اختلفَ أنَّ الريح عينها نجس أم نجس بسبب مرورها على النَّجاسة، وثمرته تظهر فيما لو خرج منه الرِّيحُ وعليه السَّراويل المبتلة هل تنجس؟ ومَن قالَ [بأنَّ] عينها نجس يقولُ تنجس السراويل، ومَنْ قال بأنَّ عينها طاهرُ إلَّا أنها تنجست بمجاورةِ النَّجاسة إيَّاها يقول: لا يتنجس السراويل؛ كما مرَّت الريح بنجاسة ثم مرَّتْ تلك الريح على ثوب مبتل فإنَّها لا تنجِّسُه. من النّهاية.
اعلم أنَّ المني طاهر عند الشافعي خلافًا لنا، هذا في مني الآدمي، أما في سائر الحيوانات فله ثلاثة أوجه: طاهر إلا مني الكلب والخنزير، أو نجس لكرامة بني آدم، أو طاهر في مأكول اللحم نجس في غيره، والمراد مني الرجل، أما في مني المرأة فيه وجهان. من الحقائق.
وفي النهاية: يكره للمرأة أن تمسك ولدها نحو القبلة ليبول، هذا إذا كان ذاكرًا للقبلة، ولو غفل عنها فاستقبلها فقضَى حاجةً لا يُكرَه، وفي استدبار القبلة روايتان؛ ذكر صدر الإسلام جواز الاستدبار فيما إذا كانَ ساقطًا على الأرض، وإن كان مرفوعًا فمكروه لأنَّ عورته نحو القبلة، وفي الأجناس: المكروه استقبالها للتغوط، ولو كان لإزالة الحدث لا يُكره. من شرح الوقاية لابن فَرَشْته.
إذا استنجى بالماء ثم فسا قبل أن يبسَ موضع الاستنجاء الأصح أنَّه لا يتنجَّسُ موضع الاستنجاء، وكذا الحكم في السراويل المبلول، من النُّقاية.
وكُرة استقبال القبلة أو استدبارُها في الخلاء. منب الوقاية.
اعلم أن استقبالها مكروه في الصحراء أيضًا، وإنما ذكر الخلاء لأنَّ فيه خلافا للشافعي رحمه الله؛ هو يقول: الكراهة تختص بالصحراء لأنَّ في الخلاء ضيق الأبنية ولزوم الحرج بذلك. من شرح فَرَشْته.
لو خرجت البيضة من الدجاجة الحيَّةِ فوقعت في الماء؛ قيل: إن كانت يابسة لا يفسد، وإن كانت رطبةً تفسدُ.
قال: لو صلى على دابَّة وعلى سرجها نجاسة أكثر من قدر الدرهم فالصَّحيح أنَّه يجوز.
قال: لو صلى على مكانه إلا أنَّه إذا سَجَدَ وَقعَ ثيابه على أرض نَجسةٍ جازت صلاته، ولو افتتح على مكانٍ نَجسِ لا يَنعقد، ولو صَلَّى على بساط صغير وفي طرف منه نجاسة فالصَّحيح أنَّ صلاته جائِزة؛ لأنَّه بمنزلة الأرض فلا يصير مستعملا للنَّجاسة. ولو قام المصلي على النجاسة وفي رجليه نعلان أو جوربان لم تجز صلاته. ولو افترش نعلَيْه وقام عليها جازت كبسط الثوب عليها.
قال: ولو صلَّى ومعه نافجةُ مسك إن كانت النَّافجةُ متى أصابها ماء لم يفسد جازت صلاته، وإن فسدت فلا يجوز إن لم تذكّ، وإن ذُكِّيت يجوز مطلقا. رُوي عن أبي يوسف أنَّ الجنب إذا اتَّزر في الحمام وصَبَّ على جسده حتَّى لو خرج عن الجنابة ثُمَّ صَبَّ على الإزار يُحكم بطهارة الإزار وإن لم يعصره، وقال في رواية أخرى: إذا صب الماء على الإِزارِ وأمر الماء فوق الإِزارِ يَكفيه فهو حسن، وإن لم يفعل يُجزئه. كذا في المحيط. قال في كتاب الوجيز: بولُ الصَّبي الرّضيع إذا لم يطعم طاهر، بخلاف الصَّبيةِ فَإِنَّ بولها نجس؛ لأنها إذا بالتْ تُصيبُ إلى دبرِها بخلاف الصبي. من الكافي إذا أدخل الجنب يده في الماء لا يفسد استحسانًا
إذا قصد الاغتراف فلو قصد بالإدخال غسل يده يفسد الماء، من المحيط.
ونوجب غسل الإناء لولوغ الكلب - أي لشربه - ثلاثا؛ أي ثلاثَ مَرَّاتٍ، وهذا قيد للغسل، لا سبعًا، إحداهنَّ بالتُّرابِ، يعني عند الشافعي يجب غسله سبع مراتٍ بشرطِ أن يكون إحداهن مخلوطة بالتُّرابِ؛ له قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ: إذا ولغَ الكلبُ في إناء أحدكم فليغسله سبعا إحداهنَّ بالتُّرابِ. ولنا قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ: يُغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثًا. و ما رواه محمول على ابتداء الإسلام لزجرهم عن اقتناء الكلب وضع في الكلب. من شرح المجمع.
ويفتى بطهارة غير المنعصر، قال أبو يوسف رَحِمَهُ اللهُ: ما لا يحتمل العصر إذا تنجس بمائع نجس كالحنطة ونحوها يطهر بغسله وتجفيفه ثلاثًا؛ بحيث لا يبقى للنَّجس بعده لون ولا رائحةٌ حتّى لو بقي لا يطهرُ، وحد التجفيف أن يقطعَ التَّقاطر ولا يُشترط اليبس، ولو كانت الحنطة منتفخة واللحم مغلي بالماء النَّجس فطرِيقُ غسله وتجفيفه أنَّه يَنقِعُ الحنطة في الماء الطاهر حتّى تتشرَّبَ ثم تجفف ويُغلى اللحم في الماء الطَّاهِر ثم يُبرد ويفعل ذلك فيها ثلاث مراتٍ. ولو كانَ سكّين مَسقِيًّا بالماء النجس سُقِيَ بالماء الطَّاهر ثلاث مرات. ولو كان العسل نجسًا فتطهيره أن يصب ماء بقدرِه فيغلي حتّى يعود إلى مكانه، وكذا في الدُّهنِ النجس يُصبُّ عليه الماء فيعلو الدهن الماء فيرفع بشيء هكذا يُفعل ثلاث مرات، كذا في الكافي، من شرح المجمع.
كتاب الصلاة
الصَّلاة في اللغة الدعاء، قال الله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103]. أي: ادع لهم، وقالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: وصلَّتْ عليكم الملائكة. أي: دعت لكم. من الاختيار.
والأفضل في السننِ والنَّوافل المنزل؛ لقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ: أفضلُ الصَّلاةِ للرَّجل في بيته إلا المكتوبة. وقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَنْ صَلَّى سنة الفجر في بيته يوسع له في رزقه ويقل المنازعةُ بَينه وبين أهله ويُختم له بالإيمان. من الكافي.
ولو رفع العمامة من الرَّأسِ ووضعها على الأرضِ أو رفعها من الأرضِ ووضعها على الرّأس لا تفسد الصلاة.
ومَنْ صلَّى صلاةً مُحدثًا متعمدا يكون آثما ولا يكون كافرًا، وحُكي عن بعض القوم كُفره. هذا كله في حقٌّ غير المعذور، وسيأتي تفصيله في جامع الفتاوى.
ويلزمه النية في كل صلاة إلا في النفل، يقول الإمام والمنفرد: نويتُ أن أصلي سنة الفجر، وكذا في
الباقي، ولا يقولُ: الله تعالى، ولا يعد الركعات، ولا يقول: أداءً مستقبل القبلة، فإن قال: فرضَ الفجرِ. كُره ذلك؛ لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 119]. من الأسود.
وللمقتدي نية صلاته واقتدائه من الوقاية. وفي فتاوى قاضي خان والأحسن أن يقول: نويتُ أن أصلي مع الإمام ما يصلي الإمام. من النهاية.
اعلم أنَّ القراءة في الحضر في الصَّلاةِ أقسام: الأول: لو قرأ آية قصيرةً ولم يقرأ فاتحة الكتاب جاز في قول أبي حنيفة رحمه الله ويكره، وعندهما لا يجوزُ الثَّاني: لو قرأ الفاتحة ومعها سورة قصيرة أو ثلاث آيات أو آية طويلة جاز من غير كراهية. الثالث: المستحبُّ في الفجر في الركعتين أربعون آية سوى فاتحة الكتاب، كذا في الجامع الصغير لقاضي خان. من الأسود.
ولو سجد على ظهر رجل في الصَّلاةِ جاز للضرورة، بخلاف ما لو سجد على ظهرِ غير المصلي، ولو سجد على فَخِذِه إن كان بعذرٍ جاز، بخلاف ما لو سجد على ركبته وإن كان بعذر. من شرح التحفة.
ولا يجوز الصلاة في أرض مغصوبة ولا في ثوب مغصوب، ولا في ثوب حرام وإن صلَّى تَمَّت صلاته عند الشافعي رَحمَهُ اللهُ، وعند أبي حنيفة رَحِمَهُ الله يُعيدُ صلاته. من المحيط.
ولو سجد على الحشيش أو القطن، إن وجد حجمه ومكَّن منه جازَ، وإلَّا فلا، وإن سجد على النّبنِ إن لبَّده جاز بقرار الجبهة عليه، وإلا لا يجوز. قال: لو تكلم النائم في صلاته فسدت، ولو قهقة فيها لا يفسد وضوءه؛ لأنَّ مطلق الكلام مفسد للصَّلاة، وأما القهقهة إذا كانت جناية تكونُ مفسدة، وقهقهةُ النَّائم ليست بجناية فلا يفسد وضوءه من المحيط.
رفع قدميه في السجود لا تجوز صلاته بالإجماع، ولو رفع قدمًا واحدًا اختلف المشايخ فيه؛ قال بعضهم: يجوز، وقال بعضهم: لا يجوزه.
رجل مشى في صلاته من صفٌ إلى صفٌ لا تفسد صلاته، وإن مشى إلى صفَّيْنِ فسدت صلاته، وإن مشى إلى صف ثم وقف ثم مشى إلى صف جازت صلاته. من الفتاوى.
من فاتت صلاته في عمره ولم يعلم كم فاتت فإنَّه يُصلِّي بعد المغربِ ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرةً وآية الكرسي مرة وقل هو الله أحد ثلاث مرات يقضي الله تعالى صلاته أربعين سنة. من الشَّرح.
اختلف العلماء في القراءة على خمسةِ أقوال: قال أبو بكر الأصم وهو إمام بغداد: إنَّ القراءة في الصَّلاة ليست بفرض في الركعات كلها. وقال الشافعي رَحِمَهُ اللهُ: القراءةُ فرضٌ في الركعات كلها، وقال
زفرُ والحسن البصري: [القراءة] فرض في الركعة الواحدة. وقال مالك: القراءة فرض في ثلاث ركعات. وقال علماؤنا: القراءة فرض في الركعتين من غير تعيين، وله أن يقرأ في أي شيء في الاثنين شاء والأفضل أن يقرأ في الأوليين ولو نوى الظهر خمسا ثم سلّم على رأس الأربع جاز ظهره ولغت نيته. من الفتاوى الصغرى.
رجلٌ صلَّى العشاء وقرأ في الأوليين سورةً ولم يقرأ فاتحة الكتاب لم يُعِد الفاتحة في الأخريين، وإن قرأ في الأوليين فاتحة الكتاب ولم يزد عليها سورة قرأ في الأخريين الفاتحة وسورةً، وجهرَ، وذكر في الأصل من قاضي خان.
اعلم أنَّه يجوزُ أداء المكتوبات على الدَّابَّةِ إن كانتْ جَموحًا لو نزل عنها لا يمكنه الركوب إلا بمُعين أو كان شيخًا كبيرًا لا يمكنه أن يركب ولا يجد مَنْ يُركِبُه، أو كان في طين لا يجد على الأرضِ مكانًا يابسًا أو كانَ في البادية على الرّاحلة والقافلة تسير فإنَّه يخاف على نفسه وماله لو نزل، وكذا بعذرِ المطر بناءً على أنَّ مواضع الضرورة مُستثناة عن قواعد الشَّرع. من شرح الكنز.
إنَّ الضَّيف إذا احتلم إن اغتسل شكٍّ صاحب البيت فله أن يتيمم ويصلي بالتيمم فلا إعادة عند أبي حنيفة، وقالا عليه الإعادة من الفتاوى.
رجل اغتسل وصلَّى ثم خرجت بقيَّةُ المنيّ أعاد الغسل والصَّلاةَ، والمرأة لا تُعيد صلاتها؛ لأن الخارج ماؤُه، وماؤُها ينزل في رحمها. من فتاوى.
المريضُ إذا لم يستطع صلاته إلا مضطجعًا فنامَ في الصَّلاة انتقض وضوءه. من الواقعات.
صلى الفجر آدمُ والظَّهر إبراهيمُ والعِشاء موسَى والعصر يونس والمغرب عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ. من الشرح.
ذكر في خزانة الفقه أنَّ الإمامَ إذا صَلَّى على غير طهارة فإنَّه يُعيدُ الصَّلاة بالطَّهارة، ولا يجب على القومِ الإعادَةُ؛ فإذا لم يعلموا لا يجب على الإمامِ الإعلام للقومِ بأَنَّه صلَّى على غيرِ وُضوء، ولا يأثمُ بترك الإعلام. من الفتاوى.
ومقطوع اليدين والرجلين يصلّي بغير وضوء ولا يتيمم، وهو الأصح. لو رأى نجسا على ثوبه ولم يدر وقت إصابته لا يُعيدُ شيئًا من صَلاتِه إجماعًا بلا خلاف من المحيط. ولو وَجَدَ في ثوبه منيًّا أعادَ الصَّلاةَ من آخرِ نومة نامها فيه، وإن رأى دما لا يُعِيدُ حتى يستيقن؛ فإن لَبِسَ الثَّوبَ فالنُّطْفَةُ والدَّمُ سواء. من شرح المجمع.
ويجوز أن يتنفّل القادرُ على القيام قاعدًا بلا كراهة في الأصح؛ لما رُوي أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كان يصلي ركعتين بعد الوتر قاعدًا بلا عذر. قيَّد بالتنفل؛ لأنَّ القادِر على القيام لا يجوز أن يفرِضَ قاعدًا. اختلفُوا في كيفيَّةِ القعودِ في غير حالة التشهد؛ عند أبي حنيفة رَحمَهُ اللهُ أَنَّه يقعُدُ كيف شاءَ لأنَّه لما جازَ له تركُ أصل القيام فتركُ صفة القُعود أولى جوازا، وعن محمد رَحمَهُ اللهُ أَنَّه يتربَّع؛ لأنَّه أعدل، وعن أبي يوسف أنَّه يحتبي؛ لأنَّ عامة صلاة النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في آخر عمره كانت بالاحتباء، وعن زُفَر أَنَّه يقعد كما يقعد في التشهد] هذا هو المختار؛ لأنَّه عهد مشروع في الصَّلاة. من شرح المجمع وأداء الفرض قاعدًا مع القدرة على القيام في مركب جارٍ – في سفينة جارية – بغير عذر جائز عند أبي حنيفةَ رَحِمَهُ الله مع الإساءة، وقالا: لا يجوز. أرادَ بالأداء قاعدًا أن يكونَ بالركوع والسجودِ؛ لأنَّ الأداء بالإيماء غير جائز اتفاقًا فرضًا كان أو نفلا. قيَّد بالفرض؛ لأنَّ أداءً النفل قاعدًا يجوز اتفاقا. وقيد بالمركب؛ لأنَّ أداء الفرضِ على الدابَّةِ لا يجوز اتفاقا. وقيَّد بقوله: جارٍ؛ لأنَّ المركب لو كان موقوفًا لا يجوز اتفاقًا، وإن كان مربوطًا فإِنْ تحرك الرِّيحُ تحرُّعًا فهو كالجَارِي، وإلا فكالواقف، كذا في الغاية. وقيد بقوله: مِن غَير عذر؛ لأنَّه لو كان بحالٍ يدور رأسه يجوز اتفاقا. له: أنَّ الغالب دورانُ الرأس في السفينة الجارية فصارتِ الضَّرورة باعتبار الغالب كالمحققة ولهما: أَنَّ القِيامَ رُكنٌ فَلا يَسقط إِلَّا بعذر متحقق من شرح المجمعِ رجل لم يعرف أنَّ الصَّلوات الخمس فريضةٌ عليه، إِلَّا أَنَّه يفعل [في] مواقيتها لا يجوز به، وعليه الإعادة؛ لأنَّه لم ينو الفرضَ، وإنَّها شرط، وكذا إذا ظنَّ أَن بعضها سنَّةٌ وبعضها فرضٌ ولم يعرف الفرضَ [من] السنة. من الواقعات. امرأةٌ صلَّتْ وفي عُنقها قِلادَةٌ فيها سِنُّ كلب أو أسد أو ثعلب فصلاتها تامَّةٌ، بخلاف الآدمي والخنزير. من الفتاوى.
ويضع يمينه على شماله تحت سُرَّتِه. من وقاية؛ لقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ. إِنَّ مِن السنة وضع اليمين على شماله؛ ففي المرفوع لفظ الأخذ، وفي الحديث على لفظ الوضع واستحسن كثير من مشايخنا الجمع بينهما بأن يَضعَ باطن كفه اليمنى على ظاهِرِ كفَّه اليُسرى، ويحلق بالخنصر وبالإبهام على الرُّسغِ ليكون عاملًا بالحديثين، كذا في المبسوط من شرح الهداية.
رجلٌ شرب الخمر وصلَّى من ساعتِه لم يجز؛ فإن أتى على ذلك ساعات يجب أن يكون جائزا عند أبي حنيفة رَحِمَهُ اللهُ. من الفتاوى [الكبرى].
رجل إذا صلَّى في مِلكِ غيره فهو على وجهين، أمَّا إن كان للكافر لا يجوز. من قاضي خان.
ولا يجوز للمصلي أن يقول بعد فراغ الصَّلاةِ: أستغفر الله. لأنَّ الله تعالى بَيَّنَ في كتابه: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ
عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ} [النساء: 17]. من شرح الهداية.
وينوي التراويح أو السنة أو قيام الليل، ولو نوى النَّفَل جازَ في الأصح، ولو لم يجدد لكل شفع نية جاز. من منية المصلي. قال بعضُهم: يحتاج لتجديد النية في كل شفع؛ لأنَّ كل شفع صلاةٌ على حدة، والأصح أنه لا يحتاج؛ لأنَّ الكل بمنزلة صلاةٍ واحدةٍ. من قاضي خان.
ولا يَزيدُ بعد التشهد الصلاة والاستغفار إن عَلمَ أنه يُنْقِلُ على القوم، والإمام والقومُ يأتون بالثناء والتعوذ في كل تكبيرة الافتتاح. من الكافي. ولا يقرأ سورتين ويترك بينهما سورة؛ كما إذا قرأ في الركعة الأولى: {وإِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1] وفي الثانية: {قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] فإنه مكروه، وإن ترك سورتين فصاعدًا لا يُكرَه، ولا يقرأ في الثانية أطول من السورة التي قرأها في الأولى [إلَّا إذا كان قليلا فلا بأس به، ولا يقرأ في الثانية سورةً فوق السُّورةِ التي قرأها في الأُولَى]، وكذلك لا يقرأ في الأولى وسط سورة، وفي الثانية من وسط أخرى، وكذلك لا يقرأُ من آخر سورة، وفي الثَّانية من سورة أخرى. من خزانة الفتاوى.
فإن سجدَ على كَوْرِ عِمامته أو فاضل ثوبه أو شيء يجد حجمه وتستقرُّ جبهته جازَ، وإن لم تستقرَّ لا. من الوقاية.
قوله كور عِمامته. وهو دورها؛ مِن دارَ العِمامة وكوَّرَها إذا دار على رأسه، هذا عندنا، وبه قال أحمد. لكن يكره، وقال الشَّافعي وأحمد في الرواية: لا يجوز؛ لقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ: مكّن جبهتك من الأرضِ حتى تجد حجمها. وهذا مانع، ولنا أنَّه عَلَيْهِ السَّلَامُ كان يسجد على كَورِ عمامته. ويُروى أنَّه عَلَيْهِ السَّلَامُ في بني الأشهل صلَّى في ثوب واحدٍ يتَّقي بفضوله من حَرِّ الأرض وبردها. من النهاية.
كور العمامة دورها من كارَ العِمامة وكوَّرها: إذا أدارها على رأسه. وهذه العمامة عشرة أكوارٍ وعشرون كورا. من النهاية.
وكُرِهَ السُّجود على كور عمامته. من الوقاية في باب ما يفسد الصلاة.
هذا إذا كانت عقودها أقل من عشرين، أما إذا كانت عشرين أو أكثر لا يَجوزُ بها الصَّلاة حينئذ. ويُكره الصَّلاةُ عند قراءة القرآن لأنه بخلاف الأمر؛ كما قال الله تعالَى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرَهَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} [الأعراف: 204]. من الشَّرح.
قال الإمامُ الحَلْوانِيُّ: مَن أرادَ أن يصلّي على القباء جعل كتفه تحت رجليه ويسجد على ذيله؛ لأنَّ الذيل في مساقط الزِّبل، وطهارة موضع القدمين في القيام شرط وفاقًا، وموضع السَّجدة مُختلِفٌ؛ لأنها
تتأدى بالأَنْفِ، وهي أقل من قدْرِ الدِّرهم، ولأنَّ السُّجودَ على الذيل أقرب إلى التَّواضع؛ لقربه من الأرض. من البزازية.
لو اشتدَّ مرضُه حتى عجز عن الإيماءِ برأسه سقط فرضُ الصَّلاةِ في ظاهر الرواية، وإذا سقط الإيماء عندنا ثم خف مرضُه هل يلزمه الإعادة، قيل: لو زاد عجزه على يوم وليلة لم يلزمه القضاء وإلَّا لزمه كإغماء، وقيل: لو كان يَعقِلُ لا يسقط عنه الفرضُ، والأَوَّلُ أصح؛ إذ مجرَّدُ العقل لا يكفي لتوجه الخطاب، ذكَره في النَّوادِر مَن قُطعت يداه من مرفقيه وقدماه مِن ساقيه لا صلاة عليه فثبتَ أنَّ مجرد العقل لا يكفي. من الجامع.
اقتداءُ النَّاذر بالنَّاذر لا يجوز، وعن هذا كُره الاقتداء في صلاة الرغائبِ وصلاة البراءة وليلة القدر ولو بعدَ النَّذر، إلا إذا قال: نذرتُ كذا ركعة بهذا الإمام بالجماعة؛ لعدم إمكانِ الخروج عن العُهدة إلَّا بالجماعة. من البزازيَّة.
فصل في الإمامة
وفي المحيط: لا يُكره الاقتداء بالإمام في النوافل مطلقا نحو القدرِ والرَّغائبِ وليلة النصف من شعبان؛ لأنَّ ما رآه المسلمونَ حَسَنًا فهو عند الله حسن. من شرح النقاية.
وإن اقتدى برجل في الصحراء بينه وبين الإمام مقدار ما لا يمكن الاصطفاف فيه صَحَّ، وقيل: إن كان بينه وبين الإمام أقل من ثلاثة أذرع لا يمنع الاقتداء، وأما صلاة العيد في الجبانة فيصح وإن كان بين الصُّفوفِ [فضاء] واتساع. ولو كان بينه وبين الإمام طريق إن كان ضيقًا لا يَمُرُّ فيه العَجَلَةُ والأوقار لا يمنعُ [وإلا يمنعُ]، فإن كان على الطَّريقِ ثلاثةٌ جازَتْ صلاة من خلفَهم؛ إذ الثلاثةُ صفٌ في بعض الروايات، وعند اتصال الصفوف لا يبقى الطريق حائلًا، وكذا لو كان اثنان على قياس قول أبي يوسف رَحِمَهُ الله خلافا لمحمد رحمه الله. من شرح التحفة.
ولا يصح اقتداء من هو خارج المسجد بإمام في المسجد إن لم تكن الصفوف متصلة والمسجد خال لا يسعُهم، كذا في المحيط. وذكر في الفتاوى أنَّ المانع من الاقتداء ثلاثة أشياء: طريق عام، ونهر عظيم، وهو لا يُمكنُ العبور منه بدون العلاج والقنطرة ونحوها أو يجري فيه سفينة، وما دون ذلك لا يمنعُ الاقتداء. ولو كان بين الصَّفين حائِط يمنعُ من الاقتداء؛ إن كانَ الحائط [طويلا] عريضًا ليس له ثقب فيه رجل واحد أو باب مفتوح، وإن كان بابه مغلقا يمنع الاقتداء. وأقل المانع أن يمر فيه العجلة والأوقار، [وإذا كان] أقل من ذلك يجوز. من الينابيع.
وكذا إذا كان بينهم وبين الإمام نهرٌ كبيرٌ أو طريقٌ يمُرُّ فيه العجلة، بخلاف المسجدِ ومصلى العيد. من الينابيع.
ولو صلَّى بجماعة في الصَّحراء وبينَ القومِ والإمامِ مقدار الصف بينهما لا يجوز. قال صاحب الوقاية والأولى بالإمامة الأعلمُ بالسُّنة، [ثم الأقرأُ إلخ]. والأصل فيه قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ: يوم القومَ أقرؤُهم لكتاب الله، فإنْ كانوا سواءً فأعلمهم بالسُّنَّةِ، فإن كانوا سواءً فأقدمُهم هجرة]، فإن كانوا سواءً فأكبرهم سنًا. وفي رواية: فأحسنهم وجها. وقوله: فأعلمهم بالسُّنة. أي: أفقههم في دين الله، وعن أبي يوسف: الأقرأُ أولَى؛ لأنه عَلَيْهِ السَّلَام بدأ به، وقال: أهل القرآنِ هُم أهل الله وخاصته. وأكبرهم أعظمهم حرمة عادةً، ورغبةُ النَّاس في الاقتداء به أكثر. ومعنى قوله: أحسنهم وجها. أكثرهم صلاةً بالليل في الحديث: مَن كثر صلاته بالليل حَسُنَ وجهه بالنَّهار. من شرح الكنز.
وذكر في بعض الفتاوى: إن كان الناسُ في هذه الأشياء متساويين فالأولى بالإمامة من يكون أصغر آلة لأنَّه أشبه بالبَني، وقيل: من حسنت امرأته؛ لأنَّه مطمئن قلبه عن الشهوات. طع.
ولو نوى الاقتداء بالإمام وهو يرى أنَّه زيدٌ وإذا هو عَمرُو [صح اقتداؤه؛ لأنَّ العبرة لما ينوي لا لما يرى، وهو قد نوى الاقتداء بالإمام، ولو قال: اقتديت بزيدٍ أو نوى الاقتداء بزيدٍ فإذا هو عَمْرُو] لا يصح اقتداؤُه من المحيط.
رجل يصلي ونوى أن لا يؤم أحدًا فصلى خلفه رجلان أجزأه؛ لأنَّ نية الإمامِ إمامة الرّجالِ ليستْ بشرط لصحة اقتدائهم. من المحيط.
ينبغي أن يصلي ركعتين بعد التراويح من أوَّلِ رمضان إلى آخره اتباعًا ليلة القدر. من المبسوط.
لا يجهر المقتدي والمنفرد في التكبيرات، وإذا جهر المقتدي والمنفرد فقد أساءُوا. الإمامُ إذا جهر فوق حاجةِ النَّاس إلى العِلم به فقد أساء. من كشف الأسرار. في شرح المنار.
لو قرأ المقتدي خلف الإمام؛ قال شمسُ الأئمَّة السَّرَخْسي: رُوي عن ثمانين من الصَّحابة أنه تفسد صلاته من فتاوى برهان الدين.
ولو اقتدى رجل وقدماه بعقب قَدَمِ الإمام ورأسه تقدم على رأس الإمام لطوله وقصر الإمام تجوز صلاته. من فتاوى جلالية.
اللاحق هو الذي أدرك الإمام مع تكبيرة الافتتاح ثم نام ثمَّ استيقظ قبل سلامِ الإمام. والمقتدي: هو الذي أدرك الإمام مع تكبيرة الافتتاح. والمدرك: هو الذي أدركَ الإمام بعد تكبيرة الافتتاح. والمسبوق:
هو الذي أدرك [الإمام] بعد ركعة أو أكثر.
أم أمةً وامرأته ونحوَها في الخلوة لم يكرَه. من الفتاوى.
قال بعض مشايخنا: دلّت المسألةُ على أنَّ اقتداء الحنفي بالشافعي جائز إذا كان يحتاط في موضع الخلافِ ولم يكن متعصبا ولا شاكًا في إمامه، وأنكر الآخرون ذلك عن أبي حنيفة أنَّ من رفع يديه عند الركوعِ وعند رفعِ الرّأس من الركوع فسدت صلاته؛ لأنَّه عمل كثير، وإذا فسدت صلاته فسدَت صلاة المقتدِي عندنا من الجامع الصغير.
فإن قضى المسبوق ما فاته قبل أن يقعد الإمامُ َقدْرَ التّشهد لم يجز، وإن قرأ بعدما قعد الإمام قدر التشهد ما تجوز به الصَّلاة جاز. قال: إمام صلى بقوم أربع ركعات ولم يقعد في الرابعة وقام إلى الخامسة وركع وتابعَ القومُ وعاد الإمام إلى القعدة، ولم يعلم القوم حتَّى سجد فصلاة الكل جائزة؛ لأنَّه لما رجع بطل ركوعه فيبطل ركوع القوم، فبقي لهم زيادة سجدة أو سجدتين، وذلك لا يُفسد الصَّلاة. من المحيط.
وروي عن إمام المسلمين أبي حنيفة رَحمَهُ اللهُ أنَّه قال: إذا دعا الإمام بعد فراغه عن صلاته حوّل وجهه إلى الجماعة إن كانتِ الجماعةُ عشرة من الرجال دون النِّساءِ، ولا يدعو للقبلة؛ لأنه جاء البيانُ عن النبيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أنَّه قال: إذا كانت الجماعة عشرة ترجحت حرمة الجماعة على القبلة، ولا يترجح حرمة القبلة على الجماعة. من المقدمة.
ولو رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يقول المقتدي: سبحان ربي العظيم ثلاثًا صح. من الخلاصة.
إذا دخل الرَّجُل في صلاة الإمام وهو مسبوق بثلاث ركعات كيف يتم؟ قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا سلَّم الإمام قام المسبوق ويصلي ركعة بفاتحة الكتاب وسورة، ثم قام ويصلّي ركعة أخرى بفاتحة الكتاب وسورةٍ، فيقعد ويتشهد، ثم قام ويصلي ركعة رابعة بفاتحة الكتابِ خاصةً ويتشهد ويسلّم كصلاة المغرب. وقالا: إذا سلَّم الإمام قام المسبوق ويصلي ركعة بفاتحة الكتاب وسورة، ثمَّ يقعد ويتشهد، ثم قام ويصلي ركعتين يقرأ في الأولى فاتحة الكتاب وسورةً، وفي الأخرى فاتحة الكتاب خاصة، ثم يقعد ويتشهد ويسلّم من شرح الكنز للنَّسفي.
إن كان مسبوقاً بركعة أو ركعتين فالقراءة فيما يقضي فرض عليه، حتّى لو ترك القراءة في ركعة تفسد صلاته، ولو كان مسبوقاً بثلاث ركعات أو أربع ركعات فالقراءةُ فرض في الركعتين، والمسبوق يقضي أوّل صلاته في حق التشهد، حتَّى لو أدرك مع الإمام ركعة من المغرب ثم قام إلى قضائها بعد تسليم
الإمام؛ فإنه يصلي ركعتين ويقرأ في كل ركعة بالفاتحة والسُّورة، ولو ترك القِراءة في إحداهما تفسد صلاته، وعليه أن يقضي ركعة ويتشهَّدَ ثُمَّ أخرى ويتشهد ويسلَّمَ؛ لأنه يقضي آخر صلاته في حقٌّ التشهد من الخلاصة.
من صلى أربعاً قبل الظهر ثم تكلم بكلام الدُّنيا أو أكل أو شرب أو اشتغل بالبيع والشّراء فقد نقض السُّنة، فيجب عليه إعادةُ السُّنة، وكذا سنَّةُ الفجر والركعتين بعد الظهر والمغرب والعشاء. من خلاصة الفتاوى والمحيط.
إذا أدرك الإمام في الركوع فقال: الله أكبر. إلَّا أنَّ قولَه: الله كان في قيامه، وقوله: أكبر وقع في الركوع لا يكون شارعا، وعلى قياس قولِ محمدٍ يصير شارعًا. من قاضي خان. الإمام لا يطول الركوع بمجيء واحدٍ؛ لأنَّه حرام له جدا؛ ولهذا قالوا: يُخشَى عليه الكفر. قيل: هذا إذا عرف الشَّخص، أمَّا إذا لم يعرف لا بأس بأن يزيد تسبيحة أو تسبيحتين على المعتاد؛ لأنَّه إعانة على إدراك الطَّاعة، وكذا تطويل القراءة أو تأخير القراءة لأجله. من النُّقاية.
قد اختلف العلماء في العمل الكثير؛ قال بعضهم: العمل الكثير هو ما لَو رَاه إنسان يتيقن أنَّه ليس في الصَّلاة، أما إذا أشكل عليه فهو عمل قليل. وقال بعضُهم: مفوَّضٌ إلى رأي المُصلِّي إن استكثر كان كثيرًا، وإن استقل كان قليلًا. وقال بعضهم: العمل الكثير ما اشتمل على عدد الثَّلاثِ. وقال بعضهم: كل عمل يقام باليدين فهو كثير، وإن كان يقام بيد واحدة فهو قليلٌ لا يُفسد الصَّلاة ما لم يتكرّر، فالمصلي إذا رفع عمامته ووضع على رأسه بيد واحدةٍ لا تفسد صلاته ولكن يكره، ولو حكّ جسده مرَّةً أو مرتين لا تفسد، وكذا لو سوى عمامته مرَّةً واحدةً أو مرتين، وإن تعمم تفسد، ولو حكَ ثلاثًا متواليا تفسد، ولو ضرَب دابته مرةً أو مرتين لا تفسد، وإن ضربَها ثلاثًا في ركعةٍ واحدةٍ تفسد، وكذا لو قتل قملة أو قملتين، ولو قتل ثلاثًا تفسد، وإن أغلق لا تفسد، وإن شدَّ السراويل تفسد، وإن حلَّه لا تفسد، وإن رَكِبَ دابَّتَه، تفسُد، وإن نزل لا تفسد من الواقعات.
امرأة اشتغلت بالصَّلاة فبكى ولدها وإن أرضعته يفوت الوقت، ترضِعه إذا خافت ضررًا غالبًا فيه. من المحيط.
وإن مر بين يدي المصلي مار من رجل أو امرأة أو حمار أو كلب لم يقطع صلاته عندنا. وقال أصحابُ الظَّواهر: مرورُ المرأةِ والحمار والكلب بين يدي المصلِّي مُفسِد لصلاته؛ لحديث أبي ذرّ أنَّ النبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: يقطَعُ الصَّلاة المرأة والكلبُ والحمار. من المبسوط.
لو كانتِ المرأةُ في الصَّلاة قبلها زوجها بشهوة أو بلا شهوة فسَدَت صلاتها، ولو قبل المصلِّي امرأته ثم تشهد لم تفسد صلاته. من قاضي خان.
شرط المحاذاة سبعة:
الأوّل: أن تكون المرأة مشتهاةً.
والثَّاني: أن لا يكون بينهما حائل.
والثَّالث: أن تكون صلاةً مطلقة.
والرابع: أن ينوي الإمامُ إمامتها.
والخامس: أن يكونا مشتركين في الصَّلاة.
والسادس: أن تكون مشتركة في التحريمةِ.
والسابع: أن يكون الأداء في مكانٍ واحد.
فسدت صلاته لوجودِ هذه الشرائط لا صلاة الإمام، فإن نقص من هذه الشرائط لا تفسد صلاته. من الفوائد.
قوم صلوا على ظهرِ ظلَّةٍ في المسجد وتحتَ أقدامهم نساء لا تجزئهم صلاتهم؛ لأنَّه تخلَّل بينهم وبين إمامهم صفُ النِّساء [فمنع اقتداءَهم، وإن كان بحذائهم من تحتهم نساء أجزأهم؛ لأنه ليس بينهم وبين إمامهم نساء، وبينهم وبينهنَّ حائل وهو ارتفاع المكان فلا تتحقق المحاذاة كما لو كان بينهما حائل، وإن كانتِ النِّساء فوق الحائط والرّجال تحتهنَّ بحذائهن فإن كان الحائط قدر قامةٍ فهو سترة، وإن كان أقل فليس سترة وتفسد صلاتهم من المحيط.
ولو قرأ الفاتحة في الركعتين الأخريين وضمها سورة لا يجب عليه سجدة السهو. من فتاوى التمرتاشي.
مَن لبِسَ الثَّوب ولم يُخرِج يديه من أكمامه بطلت صلاته عند أبي حنيفة، وعندهما يجوز مع الكراهية، وقال النبيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أخرِجُوا أيديَكُم مِن أكمامِكُم، ومَن لم يخرج يديه في الصَّلاة فقد برِئَ مِن الله تعالى. من الكافي.
ولو صلَّى وهو حامل هرَّةً جاز. من قاضي خان.
فإن صلى قائما على عقبيه أو أطراف أصابعه أو رافعًا إحدى رجليه على الأرضِ يجزئه، ويكره بغير عذر. من المنية.
المصلي إذا كانَ قائمًا ينبغي أن يكون بين قدميه قدر أربع [أصابع] يد، وفي رواية: قدر شبر؛ لأنَّ هذا أقرب إلى الخشوع، وهكذا روي عن أبي نصرٍ رَحِمَهُ اللَه أَنَّه كان يفعل كذلك. من الواقعات.
رجل دخل مسجدًا قد صلَّى فيه أهله فإنَّه يصلي بغير أذان وإقامة؛ لأنَّ في تكرار الجماعة تقليلها، وعن أبي يوسفَ أنَّه قال: إنَّما يكره تكرار الجماعةِ إذا كثُرَ القومُ، أما إذا صلَّى واحد بواحد أو باثنين في ناحية المسجد لا يكره، وهذا إذا لم يكن المسجد على قوارع [الطريق]، فإن كان كذلك فلا بأس بتكرار الجماعة فيه بأذان وإقامة؛ لأنَّه ليس له أهل معلومٌ ومؤذِّنٌ معلوم فكانت حرمته أخفَّ، ولهذا لا يُقام الاعتكاف الواجب فيه، وكان بمنزلة الرباط في المفازة، وهناك يُعاد مرَّةً بعد أخرى فكذا هنا. من قاضي خان.
رجل صلى في بيته أو في سفره من غير أذان وإقامة يكره ويجزئه، ولو ترك الأذانَ وحده لا يكره، وإن ترك الإقامة في الصَّلاة يكره؛ لأنَّ الأذانَ لإعلام الغائبين، ولا حاجة إلى الجمع بين الأذان والإقامة لإعلام الشروع، وهم محتاجون إلى الشروع، وأراد بالبيت الذي ليس له مسجد حيّ. من شرح جامع الصَّغير.
رجل صلى ركعة من الظهر ثمّ أقيمت الصَّلاة يضمُّ ركعةً أخرى ثم يقطعها ويدخل معهم، وإن صلى ثلاث ركعاتٍ أتمها ثم دخل معهم، وإن صلى ركعة من الفجر ثمَّ أقيمت قطعها ودخل معهم. من الفتاوى.
فصل في التراويح
وهي جمع ترويحة، وهي اسم لكل [أربع] ركعات، سميت بذلك لاستراحة القوم بعد كل أربع ركعات، وهي سنَّةٌ مؤكَّدة في الأصحُ للرجال والنِّساء، توارثها الخلَفُ عن السلف من لدن تاريخ رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ إلى يومنا هذا، وهكذا روى الحسن ن أبي حنيفةَ رَحِمَهُ الله؛ لقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّ الله تعالى فرض عليكم صيامه وسَنَّ لكم قيامه. وفي رواية القُدُوري: مستحب، وقال قوم من الروافض: سنَّةٌ للرجال دون النِّساء، وقال قوم منهم: إنها ليست بسنةٍ أصلا؛ لأنَّه عَلَيْهِ السَّلَامُ أقامها في بعض الليالي ولم يواظب عليها ثُمَّ أحدثها عمرُ رَضَي الله عَنْهُ.
قلنا: إِنَّه عَلَيْهِ السَّلَامُ بيَّن العذر في تركِ المواظبة عليها، وهو خَشيته أن تُكتب علينا، ومواظبة الخلفاء الراشدين بعده عليها دليل السُّنة، قال عَلَيْهِ السَّلَامُ: [عليكُم] بسنتي وسنة الخلفاء الراشدينَ مِن بعدي. وقال عَلَيْهِ السَّلَامُ: أصحابي كالنُّجومِ بأيهم اقتديتُم اهتديتم. وهي خمس ترويحات كلُّ ترويحة تسليمتانِ؛
لأَنَّه عَلَيْهِ السَّلَامُ صلاها بالجماعة عشرين ركعةً بتسليماتٍ. وقال مالك: ستة وثلاثون ركعة سوى الوتر؛ اتباعًا لعمر وعليٌّ رَضِعَ الله عَنْهُما.
وفي المحيط: لو صلَّى ترويحةً بتسليمة وقعد في الثَّانية قدر التشهد، قيل: لا يجزئه إلَّا عن تسليمةٍ واحدةٍ، وقال عامة مشايخنا: يجزئه عن تسليمتين، وهو الصحيح، وكذلك لو صلَّى التّراويح بتسليمةٍ واحدةٍ وقعد في كل ركعتين فالأصح أنه يجوز عن الكل، ولو صلَّى التراويح [كلها] بتسليمةٍ واحدةٍ ولم يقعد إلا في آخرها؛ قيل: يجزئه عن التراويح كلها، والأصح أنَّه يجزئه] عن تسليمةٍ واحدةٍ. ويجلس ندبًا بين كل ترويحتين قدْرَ ترويحة، وكذا بين الخامسة والوتر لتعارفِ أهل الحرمين، غير [أنَّ] أَهلَ مكَّة يطوفون بين كل ترويحتين أسبوعًا، وأهل المدينة يصلُّون بدل ذلك أربع ركعات. وأهل كل بلدة بالخيار يسبحون أو يهللون أو ينتظرون سكوتا، ولا يجلس بعد تسليمة الخامسة في الأصح؛ لأنَّه خلاف أهل الحرمين، واستحسن البعض الجلوس على خمس تسليمات، وليس بصحيح، كذا ذكره صاحب الهداية. من شرح التحفة.
الإمامة في التراويح مرَّتين يكره؛ لأنَّه لم يُشرع مكرَّرًا، ولو أمَّ فِي الأَوَّل ثم صلَّى الثاني مقتديًا أو اقتدى مرّتين لا يكره. من البزازية.
ويكره التطوع بجماعة إلَّا التراويح فإنه يستحب أداؤها بالجماعة، وقال مالك والشافعي في القديم: الانفراد أفضل كسائر السُّنن؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء، وعن أبي يوسف أنه قال: مَن قدر على أن يصلّي في بيته كما يصلي مع الإمام في مسجده فالأفضل له أن يصلي في البيت، والصحيح أنَّ الجماعة أفضلُ؛ لأَنَّ عَمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُ أقامها بالجماعة بمحضر من كبار الصَّحابة وخيارهم، والظاهر منهم اختيار الأفضل حتّى لو صلاها في بيته وحده كان مسيئًا تاركًا للسنة، كذا ذكره الإمام قاضي خان. من شرح التحفة.
والجماعة في التراويح سنةٌ على الكفاية في الصحيح حتى لو تركها أهل المسجد كلهم فقد أساء وا، ولو أقامها البعض فالمتخلف عن الجماعة تارك للفضيلة ولم يكن مسيئًا، وقيل: من تركها فيالجماعة وصلاها في بيته فقد أساء، ولو فاتت التراويح لا يقضي بجماعة، وهل [يقضي] بغير جماعة؟ قال بعضُهم: يقضي في الغدِ ما لم يدخُل وقت تراويح أخرى. وقال بعضُهم: يقضي ما لم يمض شهر رمضان، والصحيح أنَّه لا يقضي؛ لأنَّها دون سنة المغرب والعشاء، وتلك لا تقضى إذا فاتت بغير فريضة، وكذا التراويح. من شرح الوقاية لابن فرشته.
وسُنَّ التَّراويح عشرين ركعة بعد العشاء قبل الوتر وبعده، وهو الصحيح؛ لأنَّها سنةٌ بعد العشاء فأشبهتِ التطوع المسنون بعده، حتَّى لو صلَّى التَّراويح قبل العشاء لم يجز، وعن بعض مشايخ بلخ: الليل كله وقت لها، وعن عامة مشايخ بخارى: وقتها ما بين العشاء والوِتر. من شرح الوقاية لابن فرشته.
يكره الإسراع في القراءةِ والأركان في التراويح وغيره. [من المنية].
ومَن صلَّى العِشاء وحده فله أن يصلّي التراويح مع الإمام، ولو تركوا الجماعة في الفرض ليس لهم أن يصلُّوا التراويح جماعة، ولو لم يصل التراويح مع الإمام فله أن يصلي الوتر معه. من دخل المسجد والإمامُ في التراويح قال أصحابنا: يصلّي العشاء أولا ثم يتابعه في التراويح. وعن الزَّعْفَراني: أدرك الإمام في بعض التراويح يصلّي معه الوتر ويصلي بقية التراويح بعده. من المنية.
إذا صلَّى الإمام التراويح قاعدًا بغير عذر والقومُ قائمونَ الأصح أنه يصح الاقتداء. اختيار القاضي الإمامِ النَّسَفيّ أنَّ الوتر بالجماعة في رمضان أحبُّ، واختيار علمائنا أنَّه يوتر في منزله في رمضانَ ولا يوتر بجماعة من فتاوى ظهيريَّة.
ولو صلَّى الوتر مع الجماعة في غير رمضان يجوز ولا يستحبُّ من الينابيع.
ولا يصلي الوتر بجماعة إلَّا في رمضان، والمسبوق يقنت مع الإمام ولا يقنت بعده، وإن شكٍّ في الثالثة [أم في الثانية] يقنت مرَّتين؛ لأنَّ تكرار القنوتِ في موضع مكروه، [وفي المسألة الأولى لو كرّره كان ذلك تكراره في موضعه]، وفي المسألة الثانية لم يقع واحد في موضع، وذكر في الأخيرة إن قنت في الأولى أو في الثانية ساهيًا لم يقنت في الثَّالثة. من منية المصلي.
ويتبع المؤتم قانتَ الوتر لا الفجر. من الكنز.
فإن قنت الإمام في صلاة الفجرِ يسكتُ مَن خلفَه عند أبي حنيفة ومحمَّدٍ رَحِمَهُمَا الله، وقال أبو يوسف يتبعه؛ لأنَّه تبع لإمام، والقنوتُ مجتهد فيه. من الهداية.
الاقتداء في الوتر خارج رمضان يكره، وذكر القدوري أنه لا يكره. من الخلاصة.
ومن تطوع بعد الوتر فقد نقض وثره، وذكر في شرح الآثار للطحاوي: أنَّ الوتر ثلاث ركعات؛ أوَّلها فريضةٌ من فرائض الله تعالى، والثاني واجب من وجوب جبرائيل عَلَيْهِ السَّلَامُ، والثَّالث سنةٌ مِن سُنَن الأنبياء عَلَيْهِمْ السَّلام، كما قال النبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَن وصله وصله الله تعالى إلى الجِنانِ فقد رَضَي الله عَنْهُ، ومَن قطعه قطعه الله تعالى مِنَ الإحسان وتجاوز إليه ثوابه يوم القيامةِ مع النقصانِ.
قال أبو حنيفة رحمه الله: الوتر فرضٌ في حقٌّ العمل، واجب في حقٌّ العِلم، وسنةٌ باعتبار السبب،
وقالا - وهو قول الشافعي -: هو سنة. من الكافي.
ولا يشير بالسبابة عند قوله: أشهدُ أن لا إلهَ إِلَّا الله في الصَّلاة، وعليه الفتوى؛ لأنَّ مبنى الصَّلاة على السكينة والوقارِ. من التَّجنيس.
الإشارة في التشهد عند قوله: أشهد أن لا إله إلا الله لا خلاف فيهاه، وقال أبو يوسف يعقد الخنصر ويحلّق الوسطى ويُشير بالسبّابة، وقيل: لا يشير، وعليه الفتوى لأكمل الدين. وهل يشير بالمسبحة إذا انتهى إلى الشَّهادة أو [ل]؟ لم يذكره، فمن المشايخ من يقول بأنَّه لا يشير؛ لأنَّ في الإشارة زيادة رفع لا يُحتاج إليها فالترك أولى. من شرح الهداية لأكمل الدين.
ويُكره أن يشير عند كلمة الشَّهادة من منية المفتي. وإن انتهى إلى قوله: أشهد أن لا إله إلَّا الله يُشير بالمسبحة، والمختار فيه أن لا يشير مِن مختصر الخلاصة.
قال أبو حنيفة: اسألوا إمامكم عن أربع مسائل، فإن أجابها فإمامته صحيحةٌ وإِلَّا فلا، الأوّل: نحن نقتدي بكَ وأنتَ بمَن تقتدي؟ والثَّاني: صلاتنا بك صحيحة، وصلاتك بمَنْ تصح؟ والثَّالث: أنتَ إمامنا، ومَن إمامك؟ والرابع: الكعبةُ قبلتنا، وما قبلتُكَ؟
الجواب عنِ الأَوَّل: أنا أقتدي بالأئمة الماضية، وهم يقتدون بالقرآن، والجواب عن الثاني: صلاتي تصح بالعلم وشريعةِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والجواب عن الثَّالِثِ: والقرآنُ إمامي، والجواب عنِ الرَّابع: والكَعبةُ قِبلتي، ثم اسألوا أتُصلِّي صلاتنا أم صلاتك؟ قال الإمامُ: أصلي صلاتي وإمَامتِي بكُم صَحيحةٌ من التَّفسِيرِ الكَبيرِ.
ولو أخر سجدة التّلاوة عمدًا أو ناسيًا يسجدُها حين تذكَّر في أي حال كان من مُنية المصلّي.
فصل في صلاة المسافر
والخليفة إذا سافر يقصُر الصَّلاة إلَّا إذا طاف في ولايته لا يصير مسافرًا، أقول: إذا لم ينو السفر، أما إذا نواه فينبغي أن يصير مسافرًا ولو في ولايته، ولو خرج أمير مع جيشه في طلب العدو ولا يعلم أين يدرِكُهم فإنَّهم يتمُّون الصَّلاة في الذَّهَابِ وإن طالت، وكذا المكث في ذلك الموضع، ويقصرونَ في الرجوع لو كانت في مدة السفر. من شرح اللطائف.
وتعتبر نيَّة الإقامة من أهل الأخبية، قيل: لا تُعتبر كملاح، وكذا عسكر المسلمين؛ إذا قصدوا موضعا ومعهم خيامهم فنزلوا مفازةً ونصبوا الخيام ونووا الإقامة خمسة عشر يوما لم يصيروا مقيمين؛ إذ الخيام حمولةٌ وليست بمنازل ومساكن. من التسهيل.
وعن أبي يوسف: أَنَّ الرّعاء إذا كانوا في تطوافِ وتَرْحال في المفاوِرُ والمَهامِه مِن مساقط الغيث؛ ومعهم رحالهم وأثقالهم كانوا مسافرين حيثُ نزلوا، إلَّا إذا نزلوا مرعى كثير الكلأ والماء، واتَّخذوا المخابز والمعالف، وضربوا الخيام، وعزموا على الإقامة خمسة عشر يوما، والكلأ والماء يكفيهم - فإنّي أستَحسِنُ أن نجعلهم مقيمين. من العناية في شرح الوقاية.
ولا بأس في السفر بتركِ السُّننِ، قيل: يصليها لو نازلا، وقيل: يصلي سنة الفجر خاصةً، وقيل: المغرب أيضًا. من التسهيل.
ولو طاف الدُّنيا جميعًا لطلب أبق أو غريم، ولم يقصد مسافة مقدار ثلاثة أيام لم يكن مسافرا، وكذا لو قصد مدة السفر ولم يفارق بلده؛ لأنَّ مجرد العزمِ لا يُعتبر إذا لم يتصل بالفعل. من العناية في شرح الوقاية.
فلو أتم مسافر وقعد الأولى تمَّ فرضُه وأساء، وما زاد نفل من الوقاية.
وفي المحيط: لو وصل الحاج إلى الشَّام وعَلِم أنَّ القافلة إِنَّما تخرج بعد خمسة عشر يوما، وعزم أن لا يخرج إلَّا معهم لا يقصُر؛ لأنَّه كناوي الإقامة. من شرح المجمع.
ولا بأس بتركِ السنن في السَّفرِ؛ لما روى عمرُ رَوَالله عَنْهُ أَنَّه قال: كنَّا مع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في السَّفر أنا وأبو بكر وعثمان رضي الله عنهم فلم يصل السُّننَ في سائر الصَّلاة قبلها وبعدها سوى الفرض من المبسوط.
ولو كان لموضع طريقان؛ أحدهما مسيرة ثلاثة أيام، والآخرُ أقل منها، وفي الطريق الأوَّلِ يقصُر، [وفي الثاني] لا يقصُر، كذا في الكفاية من شرح المجمع.
فصل في بيان الجمعة
وشُرِطَ الإذن العام، وهو أن تُفتح أبواب الجامع ويُؤذَنَ للنَّاس، حتى لو اجتمعت جماعة في الجامع وأغلقوا الأبواب وجمعوا لم يجز، وكذا السلطان إذا أراد أن يجمع بحشمه في داره، فإن فتح بابها وأذن عاما للنَّاس صح؛ حضر بها العامة أو لا، ولو أغلق البابَ ليمنع عن الدخول لم يجز. من التسهيل.
اختلفوا في نية الأربع بعد الجمعة؛ قيل: ينوي السنة، وقيل: آخر ظهر، وهو الأحسنُ. قلتُ: الأحوط أن يقول: نويتُ آخر ظهرٍ أدركتُ وقته ولم أصلِّ بعد؛ لأَنَّ ظهرَ يومِهِ إِنَّما يجب عليه بآخر الوقت في ظاهر المذهب، قال قاضي خان: واختياري أن يصلي الظهر بهذه النيَّةِ ثُمَّ يصلي أربعا بنيَّة [السنة]. ثم اختلفوا في القراءة؛ فقيل: يقرأُ بعد فاتحة الكتاب سورة في الأربع، وقيل: [يقرأ] في الأوليين كالظهر،
وهو المختار، وعلى هذا الاختلاف فيمن يقضي احتياطا من [منية الفتاوى] ومن الخلاصة والقاضي خان ومن التفسير الكبير.
القروي إذا دخل المصر يوم الجمعة إن نوى أن يمكث يوم الجمعة لزمه الجمعة، وإن نوى أن يخرج من المصرِ في يومه ذلك قبل دخول وقت الصلاة أو بعد دخول الوقتِ فلا جمعة عليه؛ لأنَّه في [الوجه] الأوّل كواحد من أهل المصر في حق هذا اليوم، وفي الوجه الثاني لا، لكن مع هذا لو صلّى مع الناس فهو ما وجب. من الواقعات.
واعلم أنَّ الجمعة نائب مناب الظهر بجميع أجزائه - أعني السنن والفرائضَ كلَّها - فتكون كلُّ الصَّلاة التي تصلى في يوم الجمعة وقت الظهر من صلاة الجمعة، فتكون الأربعةُ التي تصلَّى في الأوَّل سنَّةَ الجمعة، والركعتان اللتانِ تُصلَّى مع الإمام جمعةً، وبعد الجمعة أربع ركعات تصلى ناويًا سنة الجمعة، وأربع أُخَرٍ تُصلَّى ناويا أَخَرَ ظُهرٍ، وأن يقول: أدركت الإمام ولم أصل بعد قيل فيه: يضمُّ التعوذ من الفصولين.
تحية المسجد سنة عندنا وعند الشافعي واجبةٌ، ويكفي تحية المسجد لكل يوم ركعتان، ثم اختلفوا في صلاة التَّحيةِ أنه يجلس ثمّ يقوم أو يصلي قبل أن يجلس؛ قال بعضهم: يجلس ثم يقومُ، وعامَّة العلماء قالوا: يصلّي كلَّما دخل المسجد؛ لقوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتّى يصلي ركعتين. من الظهيريَّة. المصلّي إذا دخل المسجد يومَ الجمعةِ لا يصلّي تحيَّة المسجد إذا كانوا يقرءونَ القرآن في المسجد؛ لأنَّ استماع القرآنِ فرض، وتحيَّةَ المسجد سنة، والإتيان بالفرض أولى. من الظهيرية.
من دخل المسجد ولم يصل تحيَّةَ المسجد وشرع بالوقتية سقطت عنه تحية المسجد، وإن دخل فيه ولم يصل تحية المسجدِ وخرج من المسجدِ ودخل ثانيًا وشرع في الوقتية ولم يصل تحية المسجدِ لا تسقط عنه تحية المسجدِ؛ لأنَّه يلزم بالدخول الأول. من الفتاوى.
وتارك الجمعة ثلاثَ مَرَّاتٍ فاسق. قاله شمس الأئمة السَّرَخْسِي، وقال الحَلْواني: يُبطل العدالة من غير ذِكْر عددٍ. وبه يُفتى، وذكر في الكافي: لا ينبغي أن يصلي غير الخطيب؛ لأنَّ الخُطبة مع الجمعة كشيء واحد من الأسود.
وصح اقتداء المرأةِ بالرَّجل في صلاة الجمعة وإن لم ينو الإمام إمامتها، وكذا في العيدين، هو الأصح من الخلاصة.
ولو خطب قبل الزوال وصلَّى بعد الزوال لا يجوز، ولو خطب مُحْدِثًا أو جنبًا ثُمَّ توضأ أو اغتسل وصلّى جاز. وفي المنتقى: صبي خطب بإذن السُّلطانِ وصلَّى الجمعة رجل بالغ [يجوز، ولو خطب وحده
ولم يحضر أحدٌ لا يجوز، ولو حضر واحدٌ أو اثنان] وخطب وصلَّى بالثلاثة جاز، ولو خطب بحضرة النساء لم يجز - أي كنَّ وحدهن - ولو خطب بغير إذن الإمام وهو حاضر لم يجز، ولو أذن بالخطبة فهو إذن بإقامة الجمعة، وكذا لو قال: اخطب ولا تصل بهم أجزناه أن يصلي بهم. من الخلاصة. خطب فأمر من لم يشهد الخُطبة بالصَّلاة لم يجز، ولو أمر المأمورُ مَن شهدها جازَ. من المنية.
الخُطبة شرط حتّى لو أمَّ مَن لم يسمع الخطبة لا يجوز، ومع هذا دوامها ليس بشرط حتّى لو أحدث الإمام بعدما كبر فاستخلف من لم يشهد الخُطبة أتم الجمعة، وكان استخلافه إياه بعد التكبير كاستخلافه بعد أداء ركعة، بخلاف الوقت فإنَّه شرط للأداء لا شرط الافتتاح، وتمام الأداء بالفراغ من الصَّلاة. من الكفاية.
فصل في صلاة الجنازة
رجل مات ولم يجدوا ماء فتيمموا وصلوا عليه ثم وجدوا ماء يغسل ويصلَّى ثانيًا عند أبي يوسف، وعنه في رواية: يغسل ولا يصلى عليه، وعن محمَّدٍ في ميَّتٍ دُفِن قبل الغُسل وأهالوا التُّرابَ: يصلى على قبره ولا يُنبَش. ولو كُفّن الميت وبقي منه عضو لم يغسل كلُّ الميت [ويغسل بذلك العضو، فإن بقي إصبع ونحو ذلك لا يغسل. من الخلاصة.
وأما صلاة الجنازة عند طلوع الشَّمس والغروبِ والزَّوالِ فمكروه، فإن صلوها لم يكن عليهم الإعادة، وأمَّا بعد غروبِ الشَّمس بدءوا بالمغرب، ثمَّ يصلون الجنازة، ثُمَّ سنة المغرب، كذا أفتى شمسُ الأئمة الحلواني. من الخلاصة.
وتغسّل المرأة زوجها في عدتها لبقاء المِلْك بخلافِ ما إذا ماتتِ المرأةُ، وإذا ماتَ الرَّجُل وبقيتِ المرأةُ لم يكن عليها الكفنُ؛ لأنه لم يكن عليها الكسوة حال حياته فكذا بعد وفاته، وإن كان على العكس فكذا عند محمَّدٍ؛ لأنَّ الوجوب بالزوجية، [و] قد انقطعت بالموت، وعند أبي يوسف عليه كفنها، وبه يُفتى. من المنتخب.
ومَن قُتِل مظلومًا يصلى عليه ولم يُغسل، ومَن قُتِل ظالمًا يغسل ولم يصل عليه؛ لأنَّه سعى بالفساد، ومن قتل نفسه بحديدة؛ قيل: يصلى عليه، وقيل: لا يصلَّى؛ لأنَّه باغ على نفسه، ولا يصلى على الباغي. من المحيط.
وإذا وُجِدَتْ أجزاء الميت؛ فإن كان الرأس معه غسّل وصلي عليه ودُفن، سواء كان الأقل أو الأكثر، وإن لم يكن الرّأس يُنظَر إن كانَ الذي وُجِد أكثر أجزاء الميتِ صلِّي عليه وإلا فلا. من الفتاوى.
قال أبو حنيفة رَحِمَهُ اللهُ: إذا حمَل الجنازة إلى القبر لا يجوز أن يقرأ شيئًا من القرآنِ والصَّلاة والتكبيرات على الطَّريق؛ لأنَّه صياح، والصياح لا يجوز خلف الجنازة، بخلافِ جنازة اليهود والنصارى من المحيط.
فاعلم أن سلام الجنازة ليس بواجب في الأصح؛ لأنَّ صلاة الجنازة في البعض ثناء، وفي البعض صلاة، ولهذا [إن] ترك سلام الجنازة بغير عمد [جاز] بلا منازعة في قولهم جميعًا، وإن ترك بعمدٍ يرتكب الإثم. من الكافي و [خُواهر زاده].
الإنسان إذا مات في الماء يغسل، وإن حرَّكه إنسان عند الإخراج عن الماء بنيَّة الغُسل يجزتُه، فلا يحتاج إلى الغُسل بعد الإخراج من الماء. من المحيط.
إذا اجتمعت الجنازة صلّى عليها صلاةً واحدةً ويجزئ عن الكل، إن شاءوا جعلوها صفا، وإن شاءوا جعلوها واحدًا [بعد واحد]، فإن كانوا رجالاً ونساءً يوضعُ الرّجال أولا ثم الصبيان ثم الخُناثى ثم النِّساء ثم المراهقة ثم الرّضيعات. من المحيط.
وإن قرأ دعاء المذكّر على الأنثى جازَ؛ لأنَّه يجوز تذكير المؤنث باعتبار الشخص كما يجوز تأنيث المذكَّر باعتبار النفس، كما لو اجتمعت جنائز كثيرة ذكورًا وإناثًا فصلى عليها صلاةً واحدةً يجوز عن الكل، وإن شاءوا جعلوها صفًّا، وإن شاءوا جعلوها واحدةً [خلفَ واحدة]. من الكافيه.
ويكفن الميت كفن مثله، وتفسيره: أن ينظر إلى ثيابه في حياته لخروج الجمعة والعيدين فذلك كفَنُ مثلِه. من قاضي خان.
إذا ماتت الكتابية وفي بطنها ولد مسلم وقد مات هو فإنَّه لا يصلى عليها بالإجماع، واختلفوا في دفنها؛ قال بعضهم: والأصح أنَّها تدفن في مقابر المسلمين؛ لأنَّ في بطنها ولد مسلم، والولد يتبع خير الأبوين دينا. وكيفية دفنها أن يحفر قبرها كقبر المسلمين، فإذا وُضِعَت فيه يُجعَل رأسها إلى المشرقِ ورِجُلها إلى المغرب ووجهها إلى السَّماء؛ ليصير رأس الولد إلى المغرب ورجلاه إلى المشرقِ ووجهه إلى القبلة. من المحيط.
وإذا هلك الكفن بعد الدفن كُفِّن ثانيا في ثلاثة أثواب إن لم يتفسخ الميتُ، وكُفّن في ثوبٍ واحدٍ إن تفسَّخَ من أصل مالِه عند أبي حنيفة رَحِمَهُ اللهُ، [وكذلك إن هلك مرَّةً بعد أخرى كُفّن في ثوب واحدٍ من بيت المال عند الشافعي]، وإذا تطوع أجنبي بالكفنِ ثُمَّ، تلف الميت وبقي الكفنُ يُرَدُّ إلى مَن تطوّع به عند أبي حنيفة، وإلى الورثة عند ا الشافعي، وإن كان ماله قد قسم فلكل واحدٍ منهم بقدرِ نصيبه دون الغرماء
وأصحاب الوصايا. من شرح الفرائض.
ولو صلَّى النِّساء صلاة الجنازة بجماعة وحدهنَّ لا يكره بخلاف المكتوبة. من المحيط.
إذا أدرك الإمام في صلاة الجنازة وقد سُبِقَ ببعض تكبيراتها يكبر في الحال ويشرع معه عند أبي يوسف، وقالا: ينتظر تكبيرةً أخرى فيتابع الإمامَ فيها، ثم أتمَّ ما سبق بعد سلام الإمام متواليا لا دعاء فيها قبل أن تُرفع الجنازة، فإذا ارتفعت فقد فات. وأما إذا أدرك بعد الرابع لا يكبر عندهما؛ لفوات الصَّلاة، ويكبر عند أبي يوسف، فإذا سلَّم الإمامُ قضى ثلاث تكبيرات. قيَّد بالمسبوق؛ لأنَّه لو كان حاضرًا ولم يكبر مع الإمام للافتتاح فإنَّه يكبر ولا ينتظر تكبيرًا اتفاقًا. كذا في الخانية.
له: أنَّه أدرك الإمامَ فيتابعه في أي حال كان كما في سائر الصَّلاة، ولهما: أنَّ كلَّ تكبيرة في صلاة الجنازة كركعة؛ إذ ليس لها ركن سواها، ولو كبر قبل تكبير الإمام ثانيًا كان آتيا لتكبيرةِ الفائتة، وذا لا يجوز؛ لأنَّ المسبوق بعدما أدرك الإمامَ لا يبدأ بالركعة الفائتة. من شرح المجمع.
مات في غير بلده فصلى عليه غيرُ أهله ثمَّ حمله أهله إلى منزله إن كانتِ الصَّلاة الأولى بإذنِ الولي أو القاضي لا يُعاد، وإن كان الإمام على غير طهارة يُعاد، ولو كان الإمام على طهارة لا القومُ لا يُعاد من البزازية.
ولو وجد في دار الإسلامِ غير مختون وعليه زنّار لم يُصلَّ عليه. من المُنية. ولا يجوز أخُذُ الأجرة لغسل الميت، ويجوز لحمله ودفنه وحفر قبره، ويكره قراءةُ القرآن قدامه وكَتْبُ شيءٍ في كفنه. [من شرح الوافي].
فصل/ويكره أن يزاد على تراب القبر الذي خرج منه؛ لأنَّ الزيادة عليه بمنزلة البناء. من النهاية.
وإذا سبي صبي مع أحد أبويه فمات لم يصل عليه؛ لأنَّه تبع لهما إلَّا أن يقر بالإسلام وهو يعقل؛ لأنه صح إسلامه استحسانًا، أو يسلم أحد أبويه؛ لأنَّه يتبعُ خِيرَ الأَبْوَينِ دِينًا. من الهداية.
ويقف الإمامُ حِذاء الصَّدر مطلقًا؛ أي في الرَّجُل والمرأة. من شرح المجمع.
وصلاته فرضُ كفاية، وهي أن يكبر رافعًا يديه ثمّ لا رفع بعدها. من الوقاية.
إذا كان القوم في المصلَّى فجيء بالجنازة؛ الصَّحيحُ أنَّهم لا يقومون قبل الوضع. من مختصر الخلاصة.
ولا بأس بإذن ولي الميت في الإمامة. من الوقاية. وفيه إشارة إلى أن الأولى أن يأذنَ. من شرح فَرَشْته.
ظاهر المذهب أن تُستر عورته الغليظة دون الفخذين، ويُستنجى ولا يغسل يديه لكن يلف على يده خرقة، قال أبو يوسفَ رَحِمَهُ اللهُ: لا يُستنجى ويوضّتُه وضوءَ الصَّلاةِ سوى المضمضة والاستنشاق ومسح
الرأس من الخلاصة.
كتاب الزكاة
رجل وهَب الديون من المديون الفقير ينوي به الزَّكاةَ عن المال الذي عنده نده يجوز، [وإن نوى زكاة مال عند الواهب أو دين على غيره لا يجوز. من النقاية.
والغنى على] أربعة أنواع:
أحدها: ما يتعلَّق به وجوبُ الزَّكاة، وحده بملكِ نصابِ تام.
والثَّاني: غنّى يتعلَّق به وجوبُ الأضحية وصدقة الفطر وحرمانِ الصَّدقة، وإنَّه يثبت بملك مائتي درهم أو قيمة مائتي درهم فاضلا عن قوتِه وثياب بدنه وأثاث مسكنه وخادمه وفرسه وسلاحه، سواء كان معدا للتجارة أو لا.
والثالث: غنّى يتعلق به حرمه سؤال الصَّدقة دون أخذها بغير سؤالٍ؛ فأخذ عامة العلماء بمِلْك القوتِ وما يستر العورة، وبعضُهم بملك خمسين درهما، وكذا القادر على الكسب إذا لم يملك شيئًا يكره له السُّؤال، ولا يكره له الأخذ بدون السُّؤال.
والرابع: غنّى يتعلق به نفقة المحارم، وقدره أبو يوسفَ رَحِمَهُ الله بِمَلْكِ النّصاب، و محمدٌ رَحِمَهُ اللهُ: الفَضْلُ على القوتِ حتَّى قال فيمَن ملك قوت شهرٍ وفضل يصرِفُ الفضل إليهم، ومن لا يملك شيئًا وهو يكسب كل يوم درهما ويكفيه أربعة دوانق يصرف الفضلَ إليهم. من الكَرْدَري.
رجل له نصابٌ من الإبل فباع عند حَوَلانِ الحول، ثُمَّ تقايلا سقطت الزَّكاة. من الفتاوى.
وإن ماتَ مَن عليه الزَّكاة سقطت عنه. من الينابيع.
رجل له كتُبُ العِلم ما يساوي مانتي درهم؛ إن كان ممَّا يُحتاج إليها في الحفظ والدراسة الصّحيح لا يكون نصابا، وحلّ له أخذ الصدقة فقها كان أو حديثًا أو أدبا، كثياب البذلة والمهنة والمصحفِ على هذا، وإن كان زائدا على قدر الحاجة لا يحل له أَخَذُ الصَّدقة، وإن كان له نُسختانِ من كتاب النكاح أو الطلاق فإن كان كلاهما من تصنيف مصنفٍ واحدٍ فأحدهما يكون نِصاباً هو المختار، وإن كان كلُّ واحدٍ من تصنيف مصنف لا زكاة فيهما. من الخلاصة.
رجل اشترى جوالق بعشرة آلاف درهم ليؤاجرها منَ النَّاس فحالَ عليها الحولُ لا زكاة عليه. من الخلاصة.
ولا يجوز دفعُ الزَّكَاةِ إِلى مَن يملك النصابَ إِلَّا لطالب العلم والمنقطع عن الحج؛ لقوله صلى الله
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يجوز دفعُ الزَّكاةِ لطالب العلم ولو كان له نفقه أربعين سنة. من المبسوط.
وإن اشترى طعامًا لقوتِ سنة وذلك يساوي نصابًا جاز أخْذُ الزَّكَاةِ عند بعض المشايخ من المنتخب.
ولا نأخذها من سائمة امتنع ربُّها [من أدائها] بغيرِ رضًا، بل نأمره يؤديها اختيارًا بنفسه. إذا امتنع مالكُ السَّائمةِ عن أداء الزكاةِ، لا يأخذها المصدق جبراً عندنا، بل تحبس حتَّى يؤديها بنفسه، وقال الشَّافعي: يأخذها جبراً. قيَّد بالسائمة؛ لأنَّ الزَّكَاةَ في الأموال الباطنة كالنقدين وعروض التجار لا تؤخذ جبراً اتفاقاً. وإذا مات من عليه زكاةُ السَّائمةِ لا يأخذها الإمامُ مِن تركته عندنا إلَّا إذا أوصى بإخراجها ويأخذها من ثلث ماله. من شرح المجمع.
العُشْر [أشدُّ] فرضًا منَ الزَّكَاةِ؛ لأنَّ العُشْر يلزمُ الصَّبيَّ والمجنون ولا يلزمهما الزَّكاةُ، وهو حق الفقراء، ولا يجوز الزَّكاة والعُشر للأغنياء وللأمراء والسَّلاطين بالأخـ وإن أخذه لا يسقط ذمتهم؛ لأنَّه أجرةً رعيَّتهم، وإن لم يخرجوا جعل الله تعالى بكلِّ حَبَّةٍ طوقاً منَ النَّار على أعناقهم؛ لقوله تعالى: {وَءَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]. من الفتاوى.
قال في المبسوط: وما يأخذه ظلمة زماننا منَ الصَّدقات والعُشورِ والجزية والخراج والمصادراتِ فالأصح أن يسقط جميع ذلك عن أرباب أموال الزكاةِ إذا نووا عند الدَّفْعِ التصدق عليهم؛ لأنَّ ما في أيديهم أموال المسلمين، وما عليهم منَ التَّبعاتِ فوق أموالهم، فلو ردُّوا ما عليهم لم يبقَ في أيديهم شيءٌ فكانوا فقراء معنّى من شرح الكنز قال الشيخ أبو القاسم القُدُوري رحمه الله: يجوز دفعُ الزَّكَاةِ إِلى مَن يملك مقدار النصاب. وقال: الذي يأخذُ السُّلطان هو أجرةُ الأرضِ لا يكون خراجًا ولا عُشرًا، كما قال تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولى الأمرِ مِنكُم} ... الآية [النساء: 59]. وأولُو الأمر هو السلطان؛ لأنَّه بمنزلة الرَّاعي كما أن الراعي يحفظ الغنم ويأخذ الأجرة ولا يسقط عن الباقي، والسلطان يحفظ البلاد ويأخذ أجرةً ولا يسقط عن الباقي الزكاة والعشر. من المبسوط.
لو باع المصدق زكاة نصاب لم يجز؛ لأنَّه ليس بشريك، ولو باع عُشر الطَّعامِ من ربِّ الأرض أو من غيره قبل قبضه جازَ؛ لأنَّه شريك فيه، كذا في المحيط. من شرح المجمع.
ومن لم يُؤَدِّ الخراجَ حتَّى مضت عليه سنون لا يؤخَذُ لما مضَى، وكذا الجزية. منَ المُنية.
العُشر قربةٌ فيها معنى المثونة، ولهذا وجب في أرض المكاتب والصبي والمجنونِ العُشْرُ عند أبي حنيفةَ رَحِمَهُ اللهُ في كلّ خارج منَ الأرضِ العُشْرية، سواء كان ممَّا يبقى سنة كالحنطة أو لا يبقى كالبقول، وكان قليلًا أو كثيرًا. قصد إنباته، احترز به عن التّبن والسَّعَف، ويجب في الكتان، وبذره، ويجب في البطيخ
دون بذره.
وفي المحيط: لو كان في دارِ رجل شجرةٌ لا عُشر فيها. وقالَا: يجب العُشْر في كلّ ثمرة باقية إلى آخر السنة بلا معالجة كثيرة.
والعنب والتين ونحوهما يبقى بالتجفيف سَنةً، فإذا بلغ الرَّطْبُ منها مقدار ما يكون خمسة أوسق [بالتجفيف] يجب فيها العشر.
والخوخ والكمثرى ونحوهما لا يبقى غالبًا فلا يجب فيها العشر [ولو بلغ] خمسة أوسق.
فإذا لم يبلغ كلُّ نوع من الحبوبِ خمسة أوسق لا يضمُّ عند أبي حنيفة رحمة الله، ويضمُّ عند أبي يوسفَ رَحِمَهُ اللهُ، فإذا بلغ خمسة أوسق يجبُ العُشْر فيؤدِّي مِن كلِّ واحدٍ حصَّته، وعنه: أنَّ ما أَدْرَك في وقتٍ واحدٍ كالحنطة والشعير والحِمص يضمُّ وإِلَّا فلا، كذا في المحيط.
لهما قوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ليس فيما دونَ خمسة أوسق صدقة. وقوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ليس] في الخضراوات صدقة. المراد منها العُشر لا الزَّكاة؛ لأنَّ صاحبَ النّصابِ إذا اشترى به خضراوات في آخرِ الحول للتجارة فتم عليه الحول يجب فيه الزَّكاة اتفاقا من شرح المجمع.
وفي المحيط: لا يأكلُ المالِكُ ما خرج من الأرض الخراجية قبل أداء الخراج، ولو ترَك الإمامُ الخراج للمالكِ يجوز عند أبي يوسف إذا كان مَصْرفًا له، وعند محمد لا يجوز؛ لأنَّه في الجماعة المسلمين، ولو ترك العُشر له لا يجوز اتفاقا؛ لأنَّه حق الفقراء على الخلوص. من شرح المجمع.
كتاب الصوم
وذكر في الجامع الصغير لقاضي خان: إذا خاضَ الماءَ فدخل أُذْنَه لا يفسد صومه، وإن صبَّ الماءَ في أُذنه اختلفوا فيه، والصحيح هو عدمُ الفَسَادِ؛ لأنَّه لا يصِلُ إلى الجوف بفعل فلا يُعتبر فيه صلاح البدن، كما لو أدخل خشبة في دبُرِه وغيَّبها – يعني لم يبقَ في خارج من طرفها شي - وإن طعن برمج لا يفسد، كما لو أدخل خشبة في دبره وطرفها في يده، وإن بَقِيَ الرُّمح في جوفه فقد اختلفوا فيه؛ قال بعضهم: لا يفسد وهو الصحيح؛ لأنَّه لم يوجد منه الفعل. من غاية البيان.
وفي جامع الفقه: لو أدخلتِ الصَّائمة إصبعها في فرجها أو دبرها لا يفسد على المختار إلَّا أن تكون مبلولة بماء أو دُهْنِ، وكذا لا يجبُ الغُسل على الأصح. من شرح المجمع.
ولو أدخل رجلٌ إصبعه في دبره في رمضانَ لا يجبُّ القضاء والغسل في الأصح، وقيل: يجب القضاء والغُسل. من شرح الهداية.
مريض إن صام ازداد مرضُه أو به حمَّى أفطر وقضَى. الأَمَةُ إذا خافت على نفسها من الصوم بالطَّبخ والخبز وغسل الشَّيابِ أفطرت وقضَت. وكذا بإزاء العدو، وهو يخافُ الضَّعْفَ على نفسه أفطر وقضَى. من النُّقاية.
ومن رأى صائمًا يأكل ناسيا قالوا: إن كان شابا يخبره، وإن كان شيخًا ضعيفًا لا يخبره. ولا تصوم المرأة تطوعا إلا بإذن زوجها، وللزوج أن يُفطَّرَها، وكذا الأجير إن كان يضره في الخدمة. من النُّقاية.
ولو أفطر رجلٌ في رمضانَ مرارًا قبل أن يكفِّرَ يلزمه كفارةٌ واحدةٌ، وإن كفَّر للأولى فعليه للثاني كفارة أخرى، وإن كفَّرَ للثّاني فعليه كفارةً أُخرى، وعن أبي حنيفة يكفيه كفارة واحدة وإن كفّر للأُولى. وإن أفطر في رمضانَينِ فعليه لكلِّ فطر كفارةٌ، وقال محمدٌ رَحِمَهُ اللهُ: [يكفيه] كفارة واحدة [ويُعتبر] حال المكفّر في جميع الكفارات وقتَ الأداء، ولا يُعتبر وقت وجوبها. من خزانة الفتوى.
الصَّائمُ إذا عالج ذكره في يده حتَّى أمنى؛ قال محمد بن سلمة والفقيه أبو الليث: يلزمه القضاء، وقال أبو القاسم الصَّفَّار: لا قضاء عليه، لكن يكره ويأتم به إذا داوم عليه، وإن أرادَ به تسكين مائِه منَ الشَّهوة فلا بأس به. من النُّقاية.
ولو دخل في فم الصَّائم دمعُه أو عرقه يفسد صومه. صائمٌ عَمِلَ عَمَلَ الإبريسم في فمه فاصفر ريقه ثُمَّ ابتلعَ بُزاقَه يفسد صومه، وكذا إذا ابتلع الكاغَدَ. من النُّقاية. ولو توضّأ فتمضمض واستنشق وسبق الماءُ حلقه ودخل جوفه؛ إن كان ذاكرًا للصَّومِ فسد صومه وعليه القضاء، وإن لم يكن ذاكرًا فلا شيء عليه عندنا من الينابيع من ابتلع بزاق امرأته في رمضانَ بمص شفتها لا كفَّارة عليه وعليه القضاء، ولو ابتلعَ بزاق خليلَتِه بمص شفتها تلزمه الكفَّارةُ من النُّقاية.
ولو عالج ذكره حتَّى أمنى؛ قال بعضهم: لا يفسد صومه، وقال بعضُهم: يفسد، وهو المختار من الينابيع.
ولو ابتلع حبَّة حنطة يلزمه الكفَّارة بخلاف الشعير إلَّا إذا كان مغليا. من الفتاوى ولو جامع امرأته في دبرها؛ فعن أبي حنيفة رَحِمَهُ اللهُ في إيجاب الكفَّارة روايتان: في رواية الحسن لا يجب، وفي رواية يجب، وهو قولهما، قال الفقيه: وبقولهما نأخُذ. من شرح الهداية.
ولو جامع في نهار رمضانَ وجَبَتِ الكفَّارةُ ثمَّ مرِضَ في ذلك اليوم سقطَتِ الكفَّارة، بخلاف ما إذا سافر بعد الجماع حيثُ لا تسقط الكفَّارة. من الفتاوى.
رجلٌ جنب أصبحَ في نهار رمضان يريد أن يغتسل كيف يغتسلُ؟ ينبغي أن يصيبَ الماءُ رأسَه وسائر
جسده، ويتمَضْمَضُ ويستنشِقُ ولا يُغرغِرُ في نهار رمضان، وفي غير رمضان يُغرغر فهو مستحب، والمضمضة تقوم مقام الغرغرة، فمن أنكر هذه المسألة فهو كافر.
ولا تجب صدقة الفطر عن العبد و المغصوب والمجحود. من المحيط.
رجل احتقن ولم يخرجها لم يكن عليه وضوء، وكلُّ شيءٍ إِذا غَيَّبه ثمَّ أخرجه أو خرج فعليه الوضوء وقضاء الصوم، وكلُّ شيءٍ أدخل بعضه وطرفه خارج لا ينقض الوضوء، وليس عليه قضاء الصوم. من الواقعات.
المريض والمسافر إذا أفطرا في رمضان لا يبطل عنهما صدقة الفطر. من الواقعات.
رجل أدخل إصبعه في دبره وهو صائم؛ فتكلَّموا في الغُسل والقضاء، والمختار أنَّه لا يجب الغُسل ولا القضاءُ؛ لأنَّ الإصبع ليست بآلة الجماع فصار بمنزلة الخشبة. من الواقعات.
إذا أدخل إصبعه في دبره لا يفسد صومه ولا غُسلَ عليه، ولو أدخل الخشبة إن كان طرفها خارجًا لا يفسد صومه أيضًا، وإن لم يكن طرفها خارجًا يفسد من الخلاصة. رجل أدخل إصبعه في دبره وهو صائم وجب عليه الكفارة وقضاء صومٍ؛ لأنَّ الإصبع من لحم ودم، وهو بمنزلة الذكر. من الوافي.
ذكر في الخانية: إن صب الماء في أُذنه فالصحيح أنه يفسد صومه؛ لأنَّه وصل إلى الجوف، كما لو أدخل خشبةً في دبره وغيَّبها، ولو استنشق ودخل الماء إلى دماغه أفطر. وفي جوامع الفقه: لو أدخلتِ الصَّائمةُ إصبعها في فرجها أو دبرها لا يفسد على المختار إلَّا أن تكون مبلولةً بماءٍ أو دهن، وكذا لا يجبُ الغُسل في الأصح. من شرح نظام. ولو أكل أو شرِبَ أو جامع ناسيًا لم يفطر. من الوقاية.
وإذا ذكر في حال الجماع ولم ينزع ذكره فعليه القضاء فقط. من النهاية. و تجزئ القيمة - أي يجوز دفع القيمة - في صدقة الفطر عندنا خلافًا للشافعي. من شرح المجمع.
إذا أولج بهيمة أو ميتةً ولم يُنزِل لا يفسد صومه، فإن ظنَّ أنَّ ذلك أفطره فأكل متعمدا إن كان عالما عليه القضاء والكفَّارةُ، وإن كان جاهلاً عليه القضاء دون الكفارة. من قاضي خان.
وإذا أولج رجل رجلا عليهما القضاء والغُسل أنزل أو لم يُنزِل ولا كفَّارة فيه، فعن حنيفة رحمهُ اللهُ وإن وطئ في الدبر لا كفارة عليهما من الكافي.
وإن عمِلَتِ المرأتانِ عمل الرِّجالِ مِنَ الجماع في رمضان إن أنزلنا عليهما القضاء، وإن لم تُنزِلا لا غُسل عليهما ولا قضاء. من قاضي خان.
ولو أصبح في رمضان ولم ينوِ الصَّومَ من الليل ثمَّ أكل متعمدا أو شرِبَ أو جامع فعليه القضاء دون
الكفارة في قول أبي حنيفةَ رَحِمَهُ الله، وقالا: إن أفطر قبل الزَّوالِ فعليه [القضاء] والكفارة، وإن أفطر بعد الزَّوال فعليه القضاء دون الكفَّارةِ. من الينابيع صورة إسقاطِ الصَّلاة والصّوم عن الميت إذا مات الرجل وعليه صلوات فائتة أوصى بأن تعطى كفَّارةُ صلواته، يُعطى لكلِّ صلاة نصف صاع من بُر، وإِنَّما يُعطَى من ثلث ماله وكذا الوتر. وفي واقعات قاضي خان: وإن لم يترك مالا يستقرِضُ ورثته نصف صاع من بُرٌ ويُدفَع إلى مسكين ثمَّ يُتصدَّق عليه، ثُمَّ وثُمَّ ... حتّى يتم لكل صلاةٍ نصفُ صاع من بر. ولو قضى ورثته بغير أمره لا يجوز، وفي الحج يجوز.
واعلم أنَّه إذا لم يف المال بجميع الفدية يُخرج الوليُّ أو الوصي من المال قدْرَ ما يكفي لفدية صلاة شهر أو شهرين أو سنة على حسابه، بمَنَوَي حنطة لكل صلاة فيدفعها للفقير ثم يهَبُ الفقير بعد قبضها لولي الميت، ثُمَّ يدفعُ الولي للفقير بعد قبول الهبة وقبضها، ثُمَّ الفقير للولي كذلك إلى أن تنتهي جميعُ الفديةِ بجميع ا الصَّلاة، وهذا الطريق يتم به الإسقاط، فينبغي لكل يوم اثنا عشر منا من الحنطة، عشرة أَمْناء للصَّلواتِ الخمس ومنوين للوتر، وهكذا لجميع الأيام والشُّهور.
وللصيام أيضًا لكل يوم نصف صاع من بر؛ لأنَّ [صوم] كل يوم عبادةٌ واحدةٌ بمنزلة صلاةٍ واحدةٍ.
يقول وقت الإعطاء: أعطيتُ هذه الحنطة لأجل كفَّارة صلاة فلان بن فلان. فقال المسكين بعد القبض وهبتُ لك. فلا يحتاج إلى أن يقول: قبضتُ هذا أو قبلتُ؛ لأنَّ ذلك المجموع مقدَّرٌ عندهما. ذكر الإمام فخر الدين. من قاضِي خَان.
ولا يجوز للوصي أن يُعطي مِن كفَّارَةِ الصَّلواتِ ابنَ الموصِي. من المنية.
ولو أعطى فقيرًا واحدًا كفارات الصَّلوات جملة جاز، بخلاف كفَّارة اليمين. من المنية.
رجل لف ذكره [بخرقةٍ فجامع امرأته في رمضان عامدا لم تلزمه الكفَّارة، وإن جامع فلم يُنزِل] لم يلزمه الغُسل وإن جامع أجنبيَّةً لم يلزمه الحد من المحيط.
إذا خرج الدم من تحت أسنانه ودخل حلقه أو ابتلعه وهو صائم فهو على ثلاثة أوجه: إما إن كانت الغلبة للبزاق أو كانت الغلبة للدم أو كانا سواء. ففي الوجه الأوّل [لا] يضره، وفي الوجه الثاني يلزم القضاء دون الكفارة؛ لأنَّ للغالبِ حكم الكلِّ، وإن كانا سواء يجب أن تكون المسألة على القياس، والاستحسان على قياس الطَّهارة يلزمه القضاء استحسانًا؛ ترجيحا للفسادِ احتياطا من الواقعات.
من أكل الملح في رمضان عامدا فلا تكون عليه كفارة؛ لأنَّ الملح لا يكون غذاء، ولو ذاقَ من الملح
قليلا في نهار رمضان تلزمه الكفَّارةُ، ولو أكل منه كثيرًا لا يلزمه [إِلَّا] القضاء. من الفتاوى.
وإنِ ابْتَلعَ حصَاةً أو حديدًا فأكل قضى فقط هذا في حالةِ الضَّرورة، أمَّا إذا كان الفعل للأكل والشرب والجماع ونحوه تجب الكفَّارة. من القنية.
اختلف النَّاسُ في الحج عن الميت بأمره؛ قال بعضُهم: لا يقع عنه، وله ثواب النفقة. وقال بعضهم: يقع عنه. وهو الأصح، ويجوز أن يجعل الإنسان ثوابَ عمله لغيره صلاةً كان أو صومًا أو صَدَقَةً أو غيرها، يجوز عند أهل السنة والجماعة. من النُّقاية.
كتاب النكاح
ولو قال لآخر: زوَّجت بنتي عائشة منك. واسمها فاطمة لا ينعقد النكاح إذا لم يُشر إليها، ولو كان له بنتان، اسم الكبيرة عائشة، واسمُ الصَّغيرة فاطمة، فقال: زوَّجت بنتي فاطمة منك. ينعقد النكاح على الصغيرة، وإن كان يُريد تزويج الكُبرى عائشة. ولو قال له: زوَّجت بنتي الكُبرى فاطِمَة. يجب أن لا ينعقد. من خزانة الفقه.
ومن نكَحَ بغير إذن القاضي وبغيرِ أمره لا يجوزُ النّكاحُ، ولا يثبت النَّسب لوَلَدها. من المحيط.
ولو قال: أعطيتك مائة درهم على أن تكوني امرأتي. فقالت: قبلت بمحضر من الشُّهودِ كان نكاحًا جائزًا. من خزانة الفقه.
زوّج رجل بنته من رجل وسلَّمها إليه، ثمَّ ذهبت ولا يَدْري أين ذهبت، ليس للأبِ أن يأخذ الزوج ليطلبها؛ لأنَّ الطَّلب ليس من حقوق النكاح. من الجامع.
ولو قالَ الرَّجل لامرأته: راجعتك. وقالت هي: رَضيت. كان نكاحًا، وفي النوازل خلاف هذا، ولو قالَ: زَوَّجي نفسك مني. فقالت: بالسمع والطاعة. صح النكاح. من الخزانة.
ولو قال لامرأته: هي ابنتي من النَّسب. ولها نسَب مَعروف لا يُفرق بينهما، وإن مثلها يُولد لمِثْله. من قاضي خان.
رجل تزوج امرأة، ثمَّ جَاءَ بها إلى باب البيت على عادَةِ الأثراكِ، وجَمَعوا النَّاس، يقولون على هذه المرأةِ وهَبَتِ المهرَ إلى زَوجِك قبل الدخولِ؟ قالت: وهَبْت إلى زوجي. وأعطوها عوضًا بمهرها، ويكون عليها الشُّهود بعضُهم بعضًا، ثم قالت بعد سنين: ما وهَبْت. هل تصح هذه الهبة أو لا؟
الجواب: تصحُ الهبة إن كانت برضاها، وإن كانت [خوفًا] من النَّاسِ أَو حَياءً لا تصح هبتها. ذكرها أبو بكر المرغيناني، من الخزانة.
وفي المنتقى امرأة قالت لرجل: أنا امرأتُك. فقال لها: أنتِ طالق. فهذا إقرار بالنكاح، وهي طالق. ولو قال لها: ما أنت لي بزوجةٍ، وأنت طالقٌ. فليس بإقرار من الخلاصة.
ولو تزوج امرأةً ثم قال بعد ذلك: هي ابنتي، أو أُختي، أو أمي من الرَّضاع. ثم قال: أوهمتُ ليس الأمر كذلك - أي كما قلت - لا يفسد النكاح بينهما، ولو ثبت على إقراره، وقال: هو حق كما قلت، أو شهد عليه شهود؛ فُرّق بينهما، وإن جد بعد ذلك لا ينفعه جحوده، وكذا لو قال: هذه ابنتي، أو أختي، وليس لها نسَب مَعروفٌ، ثمَّ قال: أوهمتُ صدق. من قاضي خان.
امرأةٌ حاضِرةٌ مُنتقبةٌ ولم يعرفها الشُّهود جاز النكاح، هو المختار، والاحتياط أن يُكشَفَ وجهها أو يُذكر أبوها وجدها. من الخزانة. ولا ينعقد بحضورِ المُكاتبين والصبيان والعبيد، وقال مالك: ينعقد النكاحُ بحُضورِ العبيد. ولو كان معهم غَيرهم، فبلغ الصَّبيُّ وعَتَق العبدُ وشَهِدا جاز بالاتفاق. من الخزانة.
رجل تزوج امرأة بشهادةِ الله تعالى ورسوله كان باطلا، وقيل: هذا كفر؛ لأنَّه اعتقد أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يعلم الغيب. ولو سمِع الشُّهود كلامَ المرأةِ ولم يروا شخصها إن لم يكُن في البيتِ إِلَّا امرأة واحدة يجوزُ وإلَّا فلا. من النُّقاية.
ولو عقد بحضور الأصَمَّين لا ينعقد، وبحَضْرة السكارى صح إذا فَهموا، وإن لم يذكروا بعد الصحوة. ولو عقد بحضرة هنديين لم يفهما كلامهما لم يجُزْ. ولو عقد بحضرةِ النَّائِمين جازَ على الأصَحُ من شرح الوقاية لحسام الدين.
ولو زنى بامرأةٍ فوَلَدت منه، فأرْضَعت بهذا اللَّبن صبيَّة لا يجوز لهذا الزَّانِي أن يتزوج بهذه الصبية، ولا لابنه وأجداده، وكذا لو لم تخبل من الزنا ولكنَّها أرْضَعت - هذه المزنية - صبيَّةً لآخر لا] بلبنِ الزَّاني تحرم على الزَّاني كما تحرم بنتها من النَّسب. من الخزانة. وإذا أذنت المرأة لزوجها بوطء جارِيَتها يثبت النسب مِنه في قولِ عَطاء بن أبي رباح. من المنصور.
ولو أذنت المرأة استمتاع جارِيَتها لزوجها، فوطئ الزّوج [به] فَجَاءَت بوَلد يثبت النَّسب منه. من جامع الكبير.
رجل له امرأة وهو يقوم باللَّيلِ ويَصومُ بالنَّهارِ، يأمره القاضي أن يَبيتَ مَعها أيامًا ويُفطِر عِندها أحيانًا إذا طالبته. من قاضي خان.
ولو قبلت أمُّ المرأة ختنها حَرمت بنتها لزوجها مطلقا، سواء كان بشهوة أو بغير شهوة. من شرح
جامع الصغير.
اعلَم أَنَّ المُطلَّقَة الثَّلاث إِذا تزوجت بِزَوجِ آخر ثم فارقها قبل الدخول بها فعادت إلى الأوّل بقضاء القاضي يجوزُ النكاح للأوَّل في قولهم جميعا، وعلى هذا أفتى بعضُهم مرَّة، ولو أنَّها تزوّجت للأوَّل بدونِ قضاء القاضي لم يجز عِندنا، وعند سعيد بن المسيبه يجوز؛ لأنَّ عِنده الإيلاج ليس بشَرط في التحليل. من قاضي خان.
وليس للوصي أن يُزوّج الأيتام إلا أن يُفوِّضَ إليه الموصي ذلك. من الزيلعي.
وإذا جُدّد النِّكاحُ يلزم المهرُ الثَّاني عند أبي حنيفة خلافًا لهما، ولو جُدد النكاح احتياطا قيل: هو زيادة المهر. وقيل: هو لغو. وقيل: إن لم يُذكر مهر لا يجب شيء. من الخزانة.
نظر إلى فرج أم امرأته تحرم عليه امرأته، لكن إذا نظر إلى موضعِ الجِماعِ حَتَّى قالوا: لو نظر إلى فرجها وهي قائمة لا تحرم. وعن محمد رَحِمَهُ الله: النَّظر إلى موضعِ العانة يحرم. وفي فتاوى سيّد القضاة: والمُعتَبر النَّظر إلى داخل الفرج، وعليه الفتوى. من الخزانة.
رجل زوج ابنته وسلَّمها إلى زَوجها بجهاز، ثمَّ قال: إِنَّه كان عَارِيَّة. قيل: القولُ قوله؛ لأنَّ التمليكَ يُستفاد من جهته. وقيل: لا يُقبل إلا ببينة؛ لأنَّ الجهاز غالبا يكونُ للمَرأَةِ. وقيل: الجواب على التفصيل؛ إن كان الأب من الأشراف والكرامِ لا يُقبل قوله، وإِلَّا يُقبل. من النُّقاية.
رجل تزوج امرأةً على أنَّها بكر فإذا هي ثيب فعليه كمال المهرِ؛ لأنَّ المهر لا يُقابل البكارة.
سَكْران زوّج بنته الصغيرة بأقل من مهرِ مِثلها لا يصحُ النّكاحُ.
امرأة ماتت وبعث زوجها إلى أهلها شاةً أو بقرةً ليُذبَح في المأتم، إن ذكر قيمتها وقتَ البعث يجوز أن يرجع بقيمتها وإلا فلا. من النُّقاية.
سبعة نفر لا يكونُ سُكوتُهم رضا سكوتُ المولى إذا رأى عبده يتزوج، أو رأى أمته تُزوّج، لا يصح النكاح. وسكوت الولي إذا رأى [الصَّغير والصَّغيرة يُزوّجا. وسكوتُ المرتهن إذا رأى الرَّاهن يبيع الرَّهن. وسُكوت المرءُ إذا رأى رجلاً يبيع مِلكه. وسُكوت الغارِم إِذا رَأى عبد المديونِ يبيع ويَشْتري لا يكونُ مأذونًا في التجارة. وسُكوت الحالفِ بالإخراج، ثم قال: اخرج، فأبى أن يخرج فسكت. وسُكوت امرأةِ العِنّين وإن أقامت معه سنين من الخزانة.
إذا وهَبَت المرأةُ صداقها لزوجها في مرض موتها هل يجوزُ أو لا؟
إن كانت المرأة مع عقلِها بغيرِ مُعين إلى حاجَتها يجوز كسائر تصرُّفاتها، وإن كانت المعين إلى حاجتها
لا تجوز هبتها وتصرفاتها؛ لأنَّ المالَ ينتقل إلى ورَتْتِها في هذه مع الحالة. وقيل: إن كانت المرأة مع عقلها يجوز تصرفاتها وهبتها مطلقًا، أي: بالمُعين وبغيره. من فتاوى الظهيرية.
جارية بين اثنين، وطئ أحدهما مِرارًا [فعليه] بكلِّ وَطء نصف مهر.
رجل تزوج امرأةً وأوْفَاهَا مَهرَها، إلا أنَّ الزوج يسكُن في أرض الغصب أو في دارِ الغصب، فامتنعت المرأةُ منه وخرجت من منزله كان لها النفقةُ؛ لأنَّها محقَّة وليست بناشِزَة.
رجلٌ غاب عن امرأته فتزوجت بزوج آخر ودخل بها الثَّاني، فعاد الزوج الأَوَّل وفرَّق القاضي بينهما - أي بين المرأةِ والزَّوج الثاني - كان عليها العدة ولا نفقة في عدتها لا على الأوّل ولا على الثَّاني؛ أمَّا الثَّاني لأنَّ نِكَاحَه فاسد، والنكاح الفاسِد لا يُوجب النفقة لا قبل الفرقة ولا بعدها في العدَّة، وأمَّا الزّوج الأوَّل لأنَّها صارت ناشزةً. من قاضي خان.
رجل تزوج امرأةً وسمَّى قالين ومهرا، ودخل بها أو مات أحدهما، المهر والقالين للمرأة، وإن طلقها قبل الدخول بها فلها نصف القالين ونصف المهر، وإن تزوجها ولم يسم لها مهرًا غير قالين ودخل بها أو مات أحدهما فقالين كلُّه للمرأة، وإن طلقها قبل الدخولِ بها ففي المسألة نصف قالين. من الكافي.
ولو مات العبد الذي تزوّج بإذنِ المولى أو قتل سقَطَت نفقة امرأته، ولا يُؤخَذ المولى بشيء من ذلك؛ لفواتِ محل الاستيفاء. من غاية البيان.
إذا قضى القاضي على الزوج بنفَقةِ امرأته، ومضى عَليه مدة فمات أو ماتت هي تسقط النفقةُ عندنا خلافًا للشَّافعي رَحمَهُ الله، وكذا الخلافُ فيما إذا اصطلحا عليه، له أنَّها دين عليه فلا تسقط كسائر الديون. من شرح فرشته.
والمنكوحة إذا كانت أمةً إن بوّأها المولى فلها النفقة وإلَّا فلا، وكذلك المُدبَّرة وأم الولد، والتَّبوئةُ أن يخلّي بينها وبين زوجها ولا يستخدم المولى، وإن بوّأها المولى بيتا ثم بدا له أن يستخدمها كان له ذلك. من قاضي خان.
ولو تزوّج المكاتب ابنة المولى بعد موت المولى لا ينعقد، وإذا تَزَوَّجَ الرَّجل بجَارِيةِ ولده جازَ عِندنا، فإن ولدت منه أولادًا عتقوا على المولى؛ لأنَّ الولد يتبع الأم في الرَّقِّ. من قاضي خان.
الأولى في هذا الزَّمانِ أن يتزَوَّج بجارِيَة نَفسه؛ لإمكان أن تكون هي حرَّة الأصل، ألا يرى أنَّها لو قالت: أنا حرة. ليس له أن يردّها بقولها، لكن يتزوجها احْتِياطا؛ حتَّى تَكونَ امرأته أو أمَتَه، ولهذا حُكي عن شداد أنَّه كان إذا اشترى جارية يتزوجها ويقول: لا أدْرِي لعلَّها حرَّة، أو لعلَّ جَرَى على لسان أربابها
كلامُ الحرِّيَّة ولم يعلموا بذلك. واقعات سامي.
وإن بعث إليها شيئًا، فقالت: هو هدِيَّة. وقال مهر. فالقول له إِلَّا فيما هُيِّئ للأكل. من الوقاية.
المُهيَّؤ للأكل فيما كالشَّوي واللحم المطبوخ والفواكه الَّتِي لَا تَبْقى، فَإِنَّ القولَ قولها فيه استحسانًا بجريان العادةِ بإهدائها، فكانَ الظَّاهِر شاهدًا لها، بخلاف ما إذا لم يكُن للأكل؛ كالعسل، والسمن والجوز واللوز، وقيل: ما يجب عليه منَ الخِمارِ والدرعِ ونحو ذلك ليس له أن يحسبه من المهر، بخلاف ما لا يجب عليه كالخُفَّ ونَحوه، ثمَّ إِن كانَ القول قول الزوج يُردُّ عليه المتاعُ إن كان قائمًا ويرجع بمهرها، بخلافِ ما إذا كان من جنس المهرِ، وإن كان هالكًا لا يرجع، ولو قالت هي: من المهر. وقال: هو وديعة. فإن كان من جنس المهر فالقول لها، وإن كان من خلافه فالقول له. من الزيلعي.
وفي فصل العنين إذا فرق القاضي بينهما وهو يدَّعي الوصول إليها فجاءَت بوَلِدٍ لأقل من سنتين يثبت النَّسَب ويبطل تفريق القاضي، وكذا لو شهد شاهدان بعد تفريق القاضي على إقرار المرأةِ قبل التَّفريقِ أنه وصل إليها يبطل تفريق القاضي، ولو أقرت بعد التفريقِ أنَّه كان وصل إليها لم يُصدَّق على إبطالِ تَفريق القاضي، ولو وجدت المرأةُ زوجها مجبوبًا وهي رَتْقاء لا خيار لها. من قاضي خان.
وإن تزوجها وخلا بها وقال: لم أجامِعها وصدقته فعليه كمال المهرِ وعَليها العدة. من المنية.
وإذا رفعته إلى القاضي بعد تمامِ السَّنة فلا خيار لها، كذا روي عن محمد وعليه الفتوى؛ لأنَّها بمنزلة المخيَّرةِ إذا قامت بطل خِيارُها كذا هاهنا، أمَّا إِذا تزوَّج الرَّجلُ امرأةً وهو مجبوب فعلمت بعد النكاح كان لها الخيار، فإن سكنت معه زَمانًا وهو يُصاحِبُها فخيارها باق.
العنين إذا فرق القاضي بينه وبين امرَأَتِه ثم تزوج هذه المرأة لم يكن لها خيار.
وزَوج الأمة إذا كان عِنينا فالخيارُ للمَولى عند أبي حنيفة رَحِمَهُ الله وعَليه الفتوى؛ لأنَّ المقصود من الوطء الولد، والولد ملكه كما في إذنِ العزل عنده إلى المولى. من الجامعِ الكبير.
المنكوحَةُ إذا أبت أن تخبز أو تطبخ إن كانت بها علة لا تقدر أو كانت من بناتِ الأشرافِ فعَلى الزَّوجِ أن يأتيها بطعامٍ مُهيَّا، أما إذا كانت تقدر وهي ممن تخدم نفسها تخبز؛ لأنَّ النبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعل خدمة داخل البيت على فاطمة رَضِيَ الله عَنْهَا. قال شمسُ الأئمة: لا تخبز، لكن لا يُعطى لها الإدام. وفي فتاوى سيّد القضاة: ليس لها أن تعمل بيدِها شيئًا لزوجها من الخبز والطَّبخ وكنس البيت وغير ذلك. وفيه: امرأة لها أب زمن ليس له من يقومُ عَليه، وزوجها يمنعها عن الخروج له ومُعاهدته، كان لها أن تعْصِي زَوْجَهَا وتُطيع الوالِدَ مُؤمنًا كان الوالد أو كافرًا. من الخزانة.
ولو قبل أختَ امْرَأتِه تثبت الحرمة، وكذا لو عانقها، ولو مسها لا تثبت إلا عن شهوة. من النهاية.
وفي فتاوى الإمام النَّسَفي: رجلٌ وَطئ أختَ امْرَأتِه لا تحرم عليه امرأتُه، وإذا قبل الرَّجل أختَ امرأته [بانت] امرأته بواحِدَة، وكذلك إن وَطِئها. من الوجيز.
إذا ماتت امرأة الرجل فتزوج بأختها بعد يوم جاز، وكذلك لو كان له أربع نسوة فماتت إحداهنَّ فتزوّج بالخامسة بعد يوم. من شرح مجمع الفتاوى. ولو جامع الرَّجل رجلا لا تحرم على الفاعل أمُّ المفعول وبنته، وكذا لو لاط امرأةً لا تحرم عليه من المحيط.
المناكحة بين أهل السنة وأهل الاعتزال لا تجوز. من المحيط.
ولو قبلت أمُّ المرأةِ ختنها حرمت بنتها عليه لا يتزَوَّجها مطلقًا سواء كان بشَهوة أم بغير شهوة. من شرح جامع الصغير.
قبل المجنونُ أمَّ امْرَأَتِه بشهوة - أو سكران - تحرم بنتها عليه. من المنية.
رجل زنى بامرأة، فجاءت بولد فادَّعاه لم يثبت نسبه وهو ابن زوجها، وإن لم يكُن لها زَوج فهو ابنه ثبت نسَبه منه. من الفتاوى الكبير.
منكوحة الغير إذا وطئت بشُبهةٍ [يجب] عَليها العدة ولا يبطل نكاحها، ولكن للزوج ألا يطأها حتّى تنقضي عدتها، فعلم أنَّ العدة لا تُنا في بقاء النكاح. من شرح الهداية.
وإذا زوج الرجل بنته الصغيرة من رجل [على] ظنَّ أَنَّه صالح لا يَشرَب الخمرَ - أخبره النَّاس بذلك - ثمَّ وجَده شريبًا مُدمنا، وإن لم يعرف أبو المرأةِ شُرب الخمر، وكانَ أهلُ بَيته على الصَّلاح فالنكاح باطل. من المحيط.
وإذا زنى بامرأة فجاءَت بوَلِدٍ، فادَّعى الزَّانِي النَّسب لم يثبت نسبه، ويثبت من الأم؛ لأنَّ الحكم في حالها مُتعلّق بحقيقةِ الوِلادَةِ، وذلك لا يختلف بالحل والحرمة. من المحيط.
الوَلَد يتبع الأم إذا كان الوط زنا، هذا هو المراد هنا، وإذا كان أبو الولد وأمه رقيقين، أو أحدهما رقيقا فالولد يتبع الأم أيضًا من جامع الصغير.
اعلم أنَّ النكاح الصحيح يُوجِب الاختصاص بينهما أي بين الزَّوحِ والزَّوجةِ حَقيقةٌ وشرعا على معنى أنَّه أحقُّ بها من غيره في المنع من الخروج والبُروزِ، ويحل له الوطء والاستخدام وسائر الاستمتاعات التي تختص بالمنكوحاتِ، وبالنكاح الفاسد يتحقق الاختصاص حقيقة لا حكمًا، حتى لا يحل له وَطؤها؛ لأنَّه مُتعلّق بالنِّكَاحِ الصَّحيح، وإِنَّما يثبت النَّسب ولم يجب الحد بصورةِ النكاح من المنافع إذا فرق القاضي
بينهما في النكاح الفاسِدِ قبل الدخول فلا مهر لها، فإذا فرَّق بعد الدخول فمهر المثل لها، والنكاح الفاسد لا يجب بمُجرَّد العقدِ لكونه فاسدًا، وإِنَّما يجب بالوطء، وكذا بعد الخلوة. من قاضي خان.
تزوج امرأة ولم تلد منه قط، ثمَّ نَزَل لها لبن، فإنَّ هذا اللبن من هذه المرأةِ دون زوجها، حتّى لو أرضَعَت صَبيَّة لا تحرم هذه الصَّبيَّة على ولد هذا الزوج من غير هذه المرأة. كذا في فوائدِ صدر الإسلام في أوَّل العدَّة من قاضي خان.
امرأة أرضَعَت ولد بنتها هل تحرُم المرأة على الزوج أم لا؟ وأيضًا أرضعت امرأةٌ أَخَ زوجها هل تحرم على زوجها أم لا؟
الجواب: لا تحرم بهذين المذكورين في قولهم جميعًا من المبسوط. فصل رجل وطئ امرأةَ ابنه قبل الدخولِ، فعلى ابنه مهرها، ورجع الابنُ على أبيه وقعت الفُرقةُ فيه، ووَقَعت الفرقة بين الابن وبين المرأة من النهاية.
وإن وكله أن يُزوج امرأةً، فزوجها إيَّاه وزادَ في المهر، فالزوج بالخيارِ [إِنْ شاءَ أَجازَ وإن شاءَ ردَّ، فإن لم يعلم بذلك حتّى دخل بها فله الخيارُ أيضًا، وإن اختار الفراق] كان لها مهرُ مِثلها. من الحاوي.
رجل تزوج امرأة قد زنَى بأمها وولدت له أولادًا، قال: يُمسك الأولاد ويُطلق الأم. من الخلاصة.
عن أبي هريرة رض اللهُ عَنْهُ، عن رسولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أَنَّهُ قَالَ: رَكْعتان بنِكاح أفضل من سبعين رَكَعَة بغَيْرِ نِكَاح، والنَّاكِحُ النَّائمُ أَفضَل منَ الصَّائِمِ القائم القانِتِ المخبتِ العَزبِ صدق رسولُ الله عَلَيْهِ السَّلَامُ.
النّكاحُ حالة الاعتدال سنَّةَ مُؤكَّدة مرغوبةٌ، وحالة التَّوَقان واجب، وحالة خَوفِ الجور مكروه. من المختار.
الصَّبيُّ إذا رضَع أم أمه حرمت أمه على أبيه؛ لأنَّ أمَّه صارَت أَختَ ابنِهِ مِنَ الرَّضاع. من الواقعات. أقول: هذا ليس بشيء؛ لأنَّه يحلُّ للزوج أن ينكح أختَ ابنه، وأيضًا يحل للرجل أن ينكح أختَ أخيه. مولانا حافظ الدين.
فالحيلة في إبطالِ نِكاح الأمة التي زوجها من عبده فأرادَ أن يفسخ النِّكَاحَ والعبد لا يُطلق؛ أن يهب هذه الأمَةَ لَعَبدِه هذا، فإذا ثبت الهبةُ يبطل النكاح، وإن لم يثبت بالهبة الملك للعبد. من مولانا حافظ الدين.
حيلة إثباتِ الحُرمةِ على الغائبِ إذا حرَّمها عِند الشُّهودِ فغابَ فأرادت أن تتزوج بآخر ولا يُمكنها إلا بعد إثباتِ الحُرمةِ على الزوج في مجلس القضاء؛ لكون النكاح معروفًا ولا يُمكنها إحضاره لبعد
المسافة، ففيه حِيلَتان:
إحداهما: بطريق دعوى كفَالةِ المهر على حاضر، صُورته: ادَّعت عَليه أنَّه كَفَل بمهرٍ عن زَوجها لو طلقها ثلاثا، [وأنَّه طلقها ثلاثا]، وأقرَّ المُدَّعى عليه بالكفالة وأنكر العلم بوقوع الثلاث، فبرهنت أنَّه طلقها ثلاثًا يُحكم لها بالمهر على الحاضر، وبوقوع الثَّلاث على الغائب، فالمُدَّعَى شَيئان بينهما سَببيَّة.
وحيلة أُخرى في إثباتِ هذه الحُرمةِ: أن تدَّعي على آخر ضمان نفَقَةِ العدَّة مُعلقًا بوقوع الفُرقةِ، وتدعي وُقوعَ الفُرقة، وتُطالبه بالأداء، وتُبرهن على ما ذُكر، ويُحكم بالفُرقةِ وبالزّمانِ إلَّا أنَّ هذين الوجهين قلما يُوجدَان في تصانيف المُتقَدِّمين، ولكنَّه يَنْبغي للقاضي أن يحتاط في سماع مثل هذه الدعوى نظرًا للغائب، ولأنَّه ولو صح في الظَّاهِرِ، ولكن للشناعة فيه مجال لو حضر الغائبُ. مِن جامع الفصُولَين.
والزنا يُوجِب حُرمة المُصاهرة، فمَن زَنَى بامرأةٍ أو وَطِئها بشُبهةٍ حُرُمَت عليهِ أصولها وفرُوعُها، وتحرم الموطوءة على أصُولِ الواطئ وفروعه، وكذا المس بشهوة من الجانبين، والنظر إلى الفرج من الجانبين أيضًا، والمُعتَبر النَّظر إلى فَرجِها الباطن دُون الظَّاهر، رُوي عن أبي يوسف وهو الصحيح، وحكى الطَّحاوِيُّ إجماع السلف في أنَّ التَّقبيل والمس عن الشَّهوةِ يُوجِب حُرمةَ المُصاهَرةِ. وحدُّ الشَّهوةِ انتشار آلته بالنَّظِرِ والمس فإن كانَت مُنتشرةً فيزداد انتشارها، والمجبوبُ والعِنِّين يتحرَّك قلبه بالاشْتِهاءِ ويزداد اشتِهاؤُه.
مسها وعليها ثوب ومنع وصول حَرارَتها إلى يده لا تثبت الحُرمة، وإن لم يمنعه تثبت، ولو أخَذ يدَها ليُقبلها بشهوة حرمت [على ابنه]، قال أبو حنيفة رَحِمَهُ الله: إِذا جامع صَغيرةً لا يُجامَع مِثلها لا تحرم عليه أمها. وقال أبو يوسف: تحرم من اختيار.
رجُل قبل امرأة ابنه، أو لمس بشهوة، أو جامع بها تكون المرأة حراما لابنه، ولا تصير حلالا أبدا لابنه، أو قبل [أم] امرأته أو لمس بشهوة تكون المرأةُ حَرَامًا له، أو قبل بنت امرأته [تكونُ امْرَأَتُه] حرامًا ولا تصير حلالاً أبدًا. من جامع الكبير.
وإذا دفع الرَّجلُ إلى الرّجل شيئًا لابنته الصغيرة أو الكبيرة أن يتزوجها عليها يصير الشَّيء بمنزلة المهرِ، وليس له أن يرجع فيه، ولو دفَع إلى جدها لو كانت في عياله وحمايته يَصير الشَّيءُ بمنزلة المهر، وليس له أن يرجع فيه، ولو دفع إلى أمها إن كانت في عيالها وحمايتها يصير الشَّيء بمنزلة المهرِ وليس له أن يرجع فيه، ولو دفع إلى العصبات والولي وليست في عِيالها وحمايتها فله أن يرجع فيه؛ لأنَّه يَصير باطلاً - أي: رِشوةً - إن كان دَراهم أو دَنانير، وله الرَّدُّ وإن كانَ ضائعا، وإن كانَ مِثليًّا يضمَن مِثْله، وإِن كَانَ حَيوانًا
يضمن قِيمَتَهُ يومَ القبض إن هلكت، وإن كان قائما يُدفَع إليه، وقال أبو حنيفة رَحِمَهُ الله: إن كانَ الشَّيءُ حَيوانًا يضمَن قِيمَته يومَ القبض إن هلكت بفعله، وإن هلكت بغَير فعله لا يضْمَن؛ لأنَّه أمانة، وهذا أصح. من الواقعات.
ولو أعْطَى الزَّوجُ شَيئًا لأقارب المرأةِ وهو غَير المهر، والحال لا يخلو إذا كانَ [قبل] تسليمها إليه فليس للزوج أن يستَردَّه؛ لأنَّه حقُّ المكالمة كأُجْرَة الدَّلال، وإذا كانَ عِند التسليم أو بعده فللزَّوجِ أن يستَردَّه؛ لأنَّه رِشوة. من العيون.
و ما دفع إلى ولي المرأةِ مِن تَسْمية قفتانلق كأخِيها أو عمها أو نَحْوهما من الأولياء كانَ رِشْوةً، إن حلَّل الدَّافع فلا رُجوع له عَليهم، وإلا فله أن يرجع عليهم بالاسترداد، ولو دفع إلى أجنبي فلا يجوزُ [الرُّجوع إليه لأنَّه كان أجرا له. المراد من الأجنبي الَّذِي لا يقدر المنعَ، وإن قدر كانَ حكمه كحكم الولي. من اختيارات.
وفي فتاوَى الظَّهيريَّة: لو أعطى زوج شيئًا لأقارب [المرأةِ] فلا يَسْتردُّ وإن أعطاه قبل التسليم؛ لأنَّه حقُ المُكالمة، وإن أعطاه عِند التسليم أو بعده يَسْتَردُّ؛ لأَنَّهُ رِشْوة. من قاضي خان.
رجلٌ أَهْدَى شيئًا لأحَدٍ مِن أقرباء المرأةِ، إن كانَ عَلَى رَسْمِ الإِجارَةِ فِي السَّعي فلا يَسْتردُّ بعد الفسخ ولا يضمن، وإن كانَ على طَريقِ الرَّسُوةِ يَسْتَردُّ القائم ولا يَضْمن الهالِكَ، والضّيافة منَ الطَّرَفين تكون تبرعًا. من شرح الهداية.
وفي الخبر أنَّ رجلًا جَاءَ إِلى داود عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ: إِنِّي أُرِيد أَن أَتَزَوَّج فَكَيف أَتَزَوَّج؟ فقال: اذْهَب إِلى سُليمان عَلَيْهِ السَّلَامُ فاسأله - وكان سُليمان ابن سبع سنين – فخَرَجَ الرَّجل إلى سليمان فوَجَده يلعب مع الصَّبْيانِ راكبًا على قصبة، فأتاه فقال: إنِّي أُريد أن أتزَوَّج فكيف أتزوج؟ فقال: عَليك بالذهب الأحمر، والفِضَّة البيضاء، واحذر الفرس كيلا يُصِيبَك. فلم يفهم جوابه، وكان داود عَلَيْهِ السَّلَامُ أمَر الرَّجل أن يرجع إليه ويُخبره بجوابه، فرَجَع إليه وأخبره بمَقالَةِ سُليمان عَلَيْهِمَا السَّلام، فقال له داود عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّ الذَّهَبَ الأحمر البكْرُ، والفِضَّةَ البَيضاءَ الطَّيِّبُ الشَّابَّة، وقوله: احذر الفرس كيلا يُصيبك. يعني: إيَّاك والعجوز وذات الأولاد. من البستان.
رجل وامرأته ماتا وقد كان المهر مُسمَّى، إلَّا أنَّ شُهُودَ النِّكَاح قد ماتوا، فلوَرَثِةِ المرأة حقُّ الدَّعوى على ورَبَّةِ الزَّوج، والاستحلافُ على العلم. من الجواهر.
رجل زوج ابنته البالغةَ، ثمَّ ادَّعى أنَّ البنتَ لم تُجِزِ النِّكَاح لم تُسمَعْ دَعواه. رجل قالَ لمُطلَّقتِه: لا
أتزوجك ما لم تهبي ما لكِ عليَّ من المهرِ. فَوَهَبت مهرها على أن يتزوجها، ثمَّ أبى الزوج أن يتزَوَّجها، فالمهرُ باقٍ على الزوج تزوَّج أو لم يتزَوَّج. ولو قالَ لامرأته: أبْرِئيني مِن مَهرِك حتى أهبَ لك كذا. فوَهَبت مهرها، وأبى الزوج أن يهب لها ما وعد يعود المهر. والتّسوية في الوطء ليس بلازم في ظاهر الرواية، بل في البيتوتة. من الخزانة.
وكَّله أن يُزوّج من بلدةِ فُلان أو قبيلة فُلان، فزوجه من أُخرى لا يصح.
وكّله بأن يُزوجها ويأخُذَ خطّ المهر، فزوج ولم يأخُذ خط المهرِ يجوزُ.
إذا زوجها الوكيل بأربعمائة ومهر مثلها ألف فقالت: لا أرْضَى به. يجوز عِنده بناء على أنَّ الوكيل بالبيع يملك البيع بما قلّ، وإن زوجها من غيرِ كُفْءٍ فالمختار أنَّه لا يجوز. من البزازية.
المرأة إذا كانت قاعِدةً على رأس الماء، فنظر إلى فَرجِها في الماء يثبت به حرمةٌ
المُصاهرة، وقال في مجمعِ النَّوازلِ: لا يثبت. وهو الصحيح. من الخلاصة. رجلٌ قصد أن يضمَّ امْرَأَتَه إلى فراشه وأن يُجامِعَها، فوَصَل يده إلى البنتِ المُشْتَهاة ففرجها بأُصْبُعه، فظنَّ أنَّها امرأته حَرُمت عَليه امرأتُه إن كانَ عن شَهْوة، وإذا اختلفا القولُ قولُ الزَّوجِ: إِنَّه بغير شهوة. من الفتاوى الظهيرية.
ولو أخذ ثَديها، وقال: كانَ عن غَير شَهوةٍ فلا يُصدَّق، وكذا لو رَكِبَ. وفي مجمع النوازل: لو ركبت وعبر بها الماءَ، وقال عَن [غَير] شهوةٍ يُصدَّق. من الخلاصة.
وفي طلاقِ المُنتقى: قامَ إليها مُنتشِرًا حتَّى عانَقَها أو قبلها، وقال: لم يكن ذلك عَن شَهوة لا يُصدَّق، ولو لم تنتشر آلته ولكن قبلها، ذكر في بيوع المنتقى وبيوع الأصل لو قال: من غَير شَهوةٍ يُصدَّق. وفي مجمع النوازل: لا يُصدق ولو قبلها على الفم، قال المصنف: وبه كان يُفتي الشيخ الأستاذ خاني. وقال القاضي الإمام: يُصدَّق في جميعِ المواضع. حتّى رأيتُه أفْتَى في المرأة إذا أخَذَت ذكرَ الختَنِ فِي الخُصومَةِ وقالت: كانَ عَن غَير شَهْوَةٍ. أَنَّها تُصدَّق. وفي أمالي أبي يوسف: امرأَةٌ قبلت ابنَ زَوجِها وقالت: كانت عن شهوة، إنكذَّبها [الزوج] لا يُفرّق بينهما، فلو صُدِّقت عن شهوة وقعت الفُرقةُ، ويجب نصف المهرِ إن كانَ قَبل الدُّخولِ، ويرجع الزَّوجُ على الابنِ إن تعمَّد الفَسَادَ. ولو وَطِئها الابنُ حتَّى وقَعَت الفُرقةُ ووَجَب نصفُ المهرِ لا يَرجع على الابنِ؛ لأنَّه وجب الحد على الابنِ بالوَطءِ، فَلا يجبُ المهر. من الخُلاصَةِ.
وفي مجمع النَّوازِل: امْرَأَةٌ وهَبَت مَهرَها منَ الزَّوحِ وماتت، ثمَّ اخْتَلَفَ ورَثْتُها مع الزوج، قالت الورثةُ: كانَت الهبةُ فِي مَرضِ الموتِ. وقالَ الزَّوج: كانت في الصِّحَّةِ. القولُ قولُ الزَّوج؛ لأنَّه يُنكر المهر. ولو قال الابن وهب لي أبي كَذَا فِي الصِّحَّة. وقالت الوَرَثَةُ: كانت في المرض. يأتي في كتاب الإقرار في فصل
الاختلاف. من الخلاصة.
قال الشيخ الإمام أفضل المتأخرين شمس الأئمة والدين المعروف بابنِ الفَنَاري فيما دفع في بابِ المُصاهرة: إن كانَ ما دفع لأجل المهرِ المُعجَّل يُستَردُّ سواء كان قائما أو هالكًا.
وأما ما دفع في الأعياد وغيرها مثل ما يُدفَع في الاستِفْتاحِ والرَّغائبِ فهو مُعاوَضَة، فإذا دَفَع الخاطب في الأعيادِ وغَيرها ثِيابًا ونحوها ودَفَعت الخَطيبةُ إلى الخاطبِ أيضًا في مُقابلة ما دفع الخاطب إليها، فإن كانَ ما دفعا قائمًا يَرجِع كلُّ واحدٍ بما دفَع على صَاحِبه، وإن كان هالكًا فيُحاسب، فإن كانَ ما دفعا سواء فَلا رُجوع لكلِّ واحدٍ منهما على الآخَرِ، فإن كانَ في أَحَدِ الجانبين فضل يرجع بالفضل.
و ما دفع في غير الأعيادِ والاستفتاح والرغائبِ فَهَديَّة، فإن كانَ قائمًا يَرجع كُلُّ بما دفع وإلَّا فَلا رُجوع، فإذا باع أحدهما ما دفع إليه الآخر في الأعيادِ وغيرها وافترقا قبل الوَصْلة، فإن كان قائما في يد المشتري فللدافع الأخذُ من يد المشتري ونقض البيع؛ لأنَّه بمنزلة المقبوض على سوم الشّراءِ، وفي المقبوض على سَوم الشّراءِ لا يثبت الملك [للمُشْتري قبل دفع الشَّمنِ، فكذا في مسألتنا ما لم يُوجَد الوَصلة لا يثبت الملك].
ثم إذا وهبت العروسُ المهر ليلة الزفاف [بَعد الدخولِ جازَ بلا خِلافٍ إِن كَانَت رشيدةً، وأما إن وهَبت مهرها قبل ليلة الزفاف] باستدعاء الخلائق هل يجوز أو لا؟ المسألة المختلفة إن كانَ بَين العَروسِ والزَّوجِ قَبل النكاح معرفةٌ سابقةً ووَصْلة ومحبَّة فهو أيضًا جائز، وإن لم يكُن بينهما معرفةٌ بوجه من الوجوه لم يجز هبتها لاستحيائها منهم. من المبسوط.
قال مولانا برهان الدين: سُئلت عن رجل زوج ابنته البالغة بغير إذنها بحُضورِ الشُّهودِ بالتركي: الدم ويردم لم يذكر لفظ النكاح ولم يسم المهر المُعجَّل الذي يسمى في عُرفهم قالين، فهل يصح هذا العقد أو لا؟ فأجيب: ينعقد موقوفا على إجازة البنتِ، فإن أجازت نفَذ، وإن ردَّت بطل.
وسئلت عن رَجُلين أرادا أن يعقدا عقد النكاح بلفظ التركي: كلين بنم وكيكوسنك ولم يذكرا شيئًا من اسمِ الزَّوحِ والزَّوجة، فهل ينعقد [النَّكاحُ] بهذه الألفاظ أو لا؟ قلتُ: لا ينعقد من الفتاوى.
المهرُ المُسمَّى على وجهين: مُعجَّل ومُؤجّل، فالمُعجَّل ما سُمِّي بعوض البكارَةِ عادةً، والمُؤجّل مَعروف، فإن سُمِّيا لَزِماه حالا، وإن سُمِّي المُعجَّل دُون المُؤجَّل فهو لها لا غير، إن دخل بها أو ماتَ عَنها، وإن طلقها قبل الدخول بها فلها نصفه. من الفتاوى.
المهرُ ما سُمِّي عند العقد، فيكون بدل البضع، فالمهرُ المُسمَّى على قسمين: معجل ومؤجل، فالمعجل
ما سُمي لعِوَض جهاز المرأة عادةً، والمؤجل مَعروف فإن سُمِّيا لزمه كلاهما، إن دخل بها أو مات عنها فنصفهما إن طلقها قبل الدخول بها، فإن سُمِّي المعجل دون المؤجل فهو لها لا غَير، ولا يُؤمَر لها مهر المثل إن دخل بها أو مات عنها. من المحيط.
قال أبو حنيفة رحمه الله: المهر ثلاثة أوجه مهرٌ مُعجَّل، ومهر مؤجل، ومهر مجهولٌ. المهر المعجل فهو ما أُعطي عند التكبير، فهو لها ولا شَيء عليها بعد الوفاة، فهو مهر، وأمَّا المُؤجّل سمَّاه عند التكبير فهو ضامن لها بعد الوفاة، فهو مهر، وأمَّا المهر المجهول فلم يُسَمَّ عند التكبير، فهذا مهر المثل بعد الوفاة والمتعةِ قَبل خَلوةٍ صحيحة. من الفتاوى.
إِنَّ المُحرَّمات تضمنها كتابُ النِّكَاحِ والرَّضاع على أحد وعشرين نوعًا، سَبعةٌ من جهة النَّسب، وسبعةٌ من جهة الرَّضاع، وأربعةٌ من جهةِ المُصاهرة، واثْنَان من جهة الجمع، وواحِدٌ من جهة الكُفْرِ.
أما السبعة التي هي من جهةِ النَّسب: فالأمهات، والبَناتُ، والجدات، والعمَّاتُ، والخالات، وبناتُ الأخ، وبنات الأختِ، وكذلك تحريم الرضاع في هؤلاء؛ لقوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَحرُم مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُم مِنَ النَّسَبِ.
وأما الأربعة التي من جهة المُصاهَرةِ: فأمُّ المرأة، وبنتها، ومنكوحة الأب، وحليلة الابن.
وأما الاثنان من جهة الجَمع: فجمع بين أكثر من أربع، والجمع بين الأُختين.
وأمَّا الواحِدَة التي من جهةِ الكُفْرِ: فهي المجوسيَّة. المجوسية. من النهاية.
كتاب الطلاق
من تزوج امرأة قد سمى لها مهرها مُعجلًا، ثمَّ طلقها قبل أن يدخل بها فلَها نصفُ ما سمَّى منَ المُعجَّل، ومَن تزوج امرأةٌ وسمَّى لها مُعجَّلًا ومُؤجَّلًا بِعَقدٍ واحدٍ، ثمَّ طَلَّقَهَا قَبل الدخول بها فلها نصفهما بالاتفاق، وإن سمَّى لها مُتفرّقًا عند أبي حنيفة ومحمد رَحِمَهُمَا الله: نصف المُعجَّل. وعند أبي يوسف رَحِمَهُ الله: نصفهما. من شرح الهداية.
ولو زفت إليه بلا جهاز فله أن يُطالب الأبَ بما بعث إليه من الدنانير، وإن كان الجهاز قليلًا فله المطالبة بما يليق بالمبعوث في عُرفهم. من القنية.
رجل قال لامرأته: أنت طالق فسكت فقيل له: كم طلقت؟ فقال: ثلاثًا. يقع ثلاثا عند أبي يوسف رَحِمَهُ اللهُ. من النُّقاية.
رجل قال لامرأته: أنت طالق بعددِ شعرِ إبْلِيس عليه اللعنة. يقع واحِدَة. ولو قال: بعدد الشعر
الذي على فَرجِك، وقد كانت طليت، وليس عليه شعر، قال محمَّد رَحِمَهُ اللهُ: لا يقع، كما لو قال: بعدد الشَّعر الذي على ظهرِ كفِّ، وقد كان طلي. ولو قال: بعدد الشَّعر الَّذي في بطن كفِّي فإنَّه يقع ويلغُو ذكرُ الشَّعر؛ لأنَّ بطن الكف ليس موقعَ الشَّعر بخلافِ ظهر الكف. من قاضي خان. وفي العُيونِ: إذا كانت المرأةُ بالِغةَ تَطْلُق، وإن لم تبلغ لم تطلق خلافًا لأبي يوسف رحمه الله. عيون المذاهب.
ولو قال رجل لامرأته: أنت طالق ألفَ تَطْليقة يقع ثلاثًا. من كتب محمد بن حسن.
وفي التَّجنيس: إذا أُكرِه على شُرب شراب فشَرِب فسكر حتَّى ذَهَب عقله، فطلق أو أعتق وقع، ولو شرب شرابًا فلم يعلمه فذَهَب عقله فطلق قال محمد: لا يقع طلاقه. وعليه الفتوى.
وفي الملتقط: إن كانَ النَّبيذ شديدًا حرامًا فصَدَع فذهب عقله يقع طلاقه. هذا كله إذا شرب طائعا، أمَّا إذا شرب مكرها مرَّ حكمه. وعن شدّاد: الوكيل بالطَّلاقِ إذا طلق في شكره لا يقع. وقال أبو الليث: هذا خلافُ قولِ عُلمائِنا: طَلاق المُكره ويمينه وعِتاقه جائز، وإسلامه كذلك، وكفره ليس بكُفر، والمُغمى عليه إذا طلق امرأته لا يقع، والَّذِي شرب الدواء مثل البنج فتغيَّر عقله لا يقع. وعن أبي حنيفة رَحمَهُ الله، وسفيان النُّورِي فِي الَّذِي زال عقله بالبنج فطلَّق: إن كانَ علم حين يتناول البنج [أَنَّه بنج] يقع الطَّلَاقُ، وإن لم يكُن عالما لا يقع. وعن أبي يوسف ومحمَّد رَحِمَهُمَا الله: لا يقع من غير فَصل، وهو الصحيح. والشكر من الشَّرابِ المُتَّخذ من العسل، والثَّمار، والحبوبِ اختلف المشايخ فيه كاختلافهم في وجوب الحد من قال: يحدُّ منَ السُّكر من هذه الأشربة يقُول: تنفذ تصرفاته؛ ليكونَ زَجْرًا له. ومَن قالَ: لا يجب الحد من هذه الأشربة - وهو قول الفقيه أبي جعفر، وشمس الأئمة السرخسي - لا تنفذ تصرفاته. والسَّكرانُ من لبن الرّماك لا تنفذ تصرُّفاته. من الخزانة.
ولو قال لامرأته: أنت بائن. ونَوى الطلاق، ثم قال لها: أنت طالق ثلاثًا. لم يقع الثلاث. من المنتخب.
لو أبانها بواحِدَة ثمَّ طلّقها في عدتها ثلاثا تمَّ الثَّلاث؛ إذ الصَّرِيحُ يلْحَق البائن. من التسهيل.
رجل طلق امرأته بائنا، ثمَّ قال لها: أنت طالق ثلاثا. قال بعضُهم: يقع الثَّلاثُ إِن كانت في العدة. وقال بعضُهم: لا يقع سواء كانت في العدَّة أو لم تكُن. والقولُ الثَّاني هو الصحيح، وعليه الفتوى. من فتاوى عبدالعزيز.
ما يقولُ الأئِمَّة السَّاداتُ والفقهاء العامة أحسَن الله توفيقهم: رجلٌ طلق امرأته طلاقًا بائِنا، ثم طلقها ثلاثا قد وقع الثَّلاث، فقد أخطأ من قال هذه المسألة، والبائنُ لا يلحق البائنَ ومَن لم يُصدِّق فليُطالع
في كتابِ المَبْسوط.
الطلاق على ضَربَين: صريح وكنايةٌ، فالصريح قوله: أنتِ طالقٌ، ومُطلَّقة، وطلَّقْتُك. فهذا يقع به الطَّلاقُ الرَّجعِيُّ؛ لأنَّ هذه الألفاظ تُستعمل في الطَّلَاقِ ولا تُستعمل في غَيْرِه؛ فكانَ صَرِيحًا، وأنَّه يُوجِب الرّجعة بالنص ولا يفتقر إلى النِّيةِ؛ لأنَّه صَرِيحٌ فيه لغَلَبة الاستعمال.
وأمَّا الضَّرب الثَّاني وهو الكِناية فلا يقع بها الطَّلاقُ إِلَّا بِالنِّيةِ أو بدلالةِ الحال؛ لأنَّها غيرُ مَوضوعَةٍ للطَّلاقِ، بل تحتمله وغيره؛ فلابد من التَّعيين أو دلالته من الهداية.
الطَّلاقُ الصَّريح ما استعمل فيه دون غيره. من الوقاية.
لو طلق رجل امرأته بائِنا، ثمَّ قال في العدَّة: أنت طالق ثلاثًا. قال بعضُهم: يقع الثَّلاثُ؛ لأنَّه صَريحٌ في اللفظ، والصّريح يلحق البائن. وقال بعضُهم: لا يقع الثَّلاثُ سَواء كان في العدة أم لم يكن، وهو الأصح وعليه الفتوى؛ لأنَّه بائن في المعنى، [والبائن] لا يلحق البائنَ، فاعتبارُ المعنى أوْلَى منِ اعْتِبارِ اللَّفظِ. من قاضي خان.
وفي المحيط: لو قال: أنت طالق عشرًا إِلَّا تِسعًا وقعت واحدة. ولو قال: إلَّا ثَمانية وقعت ثنتان. ولو قال: إلَّا سبعًا وقع ثلاث فقد صح استثناء الكلِّ من الكلِّ ههنا؛ لأنَّه استِثْناءُ النَّاقص من الكل لفظًا، ونظيره ما رُوي عن محمَّد رَحِمَهُ الله فِي النَّوادِرِ: إِذا قال: نِسائي طوالقُ إِلَّا فُلانَة وفُلانَة وفُلانَة، وليس له منَ النِّسوة سواهنَّ صح الاستثناء، ولو قال: نسائي طوالقُ إِلَّا نِسائي لا يصح من الخلاصة.
من حلف بطلاق أو عِتاقٍ فقال: إن شاء الله. متّصلا به لا حنث عليه. من الهداية.
رجل قال: إن حلَفْتُ فعَبدي حرٌّ. ثمَّ قال: علي المشي إلى بيت الله تعالى إن شاءَ الله. لا يحنث؛ لأنَّ الاستِثْناءَ يُبطِل اليَمِينَ، كَمَن حلف: إن أَقْرَرتُ لفُلان بعشرة دراهم فعَبْدِي حُرٌّ. ثم قال: لفُلان عليَّ عَشرة دراهم إلَّا دِرهما. لا يحنث. من الخلاصة.
ولو قال لها: أنت طالقٌ. فَجَرَى على لسانه إن شاءَ الله تَعالى مِن غَير فَصل [صح] الاسْتِثْناءُ ولا يقع الطَّلاقُ، وكذا لو قال: لا ندري أي شيء إن شاء الله. صح الاستثناء، ولو قدم الاستثناء، فقال: إن شاء الله تعالى فأنتِ طالق. صح الاستثناء، ولو قال: إن شاء الله أنت طالق، وإن شاء الله تعالى وأنت طالق. عند أبي يوسف رَحِمَهُ اللهُ لا تطلق، وعند محمَّد رَحِمَهُ اللهُ تطلق في القضاء. من الخلاصة.
وفي البقالي: إذا قال: كلُّ امْرَأَةٍ لي طالق إلا هذه. وليس له غير هذه لم تطلق.
ولو قال: أنت حر، وحرّ إن شاء الله. لا يصح. ولو قال: أنت حر وعتيق إن شاء الله. صح. وفي
أيمان النوازل: ولو قال: والله لا أكلم فلانًا أستغفر الله إن شاء الله. فهو مُستَثْنى دِيانةً لا قضاء.
وفي الفتاوى: رجل أراد أن يحلف رجلًا ويخافُ أن يستَثْني في السِّرِّ، يُحلّفه ويأمره أن يذكر عقب اليمين موصولًا سُبحان الله، أو غيره من الكلام من الخلاصة.
ولو جعل أمرَ امْرَأَتِه بيدها إن تزوج عليها [امرأَة]، ثمَّ إِنَّهَا ادعت على الزَّوجِ أنَّك تزوجت عليّ فُلانة، [وفُلانة] حاضِرةً، تقُول: زَوَّجت نَفسي مِنه وشَهِد الشُّهود على النكاح. يَصيرُ الأمر بيدها، ولو كانت فلانةٌ غائبة عن المجلسِ فأقامت هي بَيِّنَةً أَنَّكَ تزوجت عليّ فلانة بنت فلان فصارَ أمْرِي بيدي، والأصحُ أَنَّه لا تُسمَع؛ لأنَّها ليست بخصم في إثباتِ النِّكَاحِ عَليها. أُسترو شني.
رجل قال لامْرَأَتِه: أنتِ طالق قبل يومِ القِيامَةِ طلقت في الحال، وقد عرفت في الرواية. من مصنفي.
قال لامرأتيه: أطولكما حياةً فهي طالق. لا تطلق في الحال، فلو كانت إحداهما بنت ستين سنة، والأُخرى بنت عشرين سنةً، فماتت العجوزُ قَبلَ الشَّابَّةِ طَلُقت الشَّابَّة في الحال، ولا يُسْتَند إلى وقتِ اليَمينِ خلافًا لزفر رَحمَهُ اللهُ. [من القنية].
وفي المَبْسوط: لو قال: إذا طَلَّقت امرأتي فهي طالق ثلاثًا قَبله. لا تطلق أبدًا إذا قال: أنت طالق. لأنَّ الجزاء واقعٌ عِند تحقق الشَّرطِ، وإذا تحقق الجزاء وهو الثَّلاثُ لا يتحقَّق الشَّرط فلا يقع الطَّلاقُ، ويُسمى هذا طلاقا دوْريًّا؛ لأنَّ تحقُّقِ الثَّلَاثَ مَوقُوفٌ على تحقق الطَّلاقِ الواحِدِ، وتحقق الواحِدِ مَوقُوفٌ على عَدِمِ وُقوعِ الثَّلَاثِ. إلى هنا كَلَامُه. أقولُ: ينبغي أن يقعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّ الزَّوجَ لا يَقْدِر الإيقاع فيما مضى، كما إذا قالَ لا مرأته: أنتِ طالق أمس. قالوا: تطلق في الحالِ. فإذا طلق واحِدًا يقع ثِنْتَان بعدَه فَتَطْلُق ثَلاثًا. من شرح وقاية لابن فرشته.
إذا قالَ الرَّجلُ لامرأته: كلَّما وقع عَليك طَلاقي فأنتِ طالق ثلاثًا قَبْلَه. ثمَّ قَالَ: أَنتِ طالق. قال أصحابنا: لا يقع طلاقه أبدًا؛ لوُجودِ الدَّورِ؛ لأنَّه لو وقَع عَليها طلاقُه لَوَقَع عَليه ثلاثا، وإذا وقع قبله ثلاثاً لا يقع هذا، وإذا لم يقع هذا لم يقع ما قبله. من المبسوط. قال لزَوْجتِه بلغة التركي: كجدم سندن لا يقع به الطَّلَاقُ صَرِيحًا ولا كِنايةٌ. من عماد الدين.
رجلٌ قالَ لامرأته: إن دَفْعتِ شيئًا بغير إذني فأنتِ طالقٌ. فَدَفَعت من مالِ نَفْسها بغيرِ إذْنِه لم يقع. من القنية.
شَهِدوا على غائب أنَّه طلق امرأته هذه ثلاثا لا تُقبل. من قاعدية.
غابَ الرَّجل، فأقامت المرأة عند القاضي القاضي شُهودًا أنَّها كانت مُطلَّقة عليه بثلاث تطليقات،
هل يقضي القاضي بذلك؟
أجاب: لا، ولكن إن كانُوا عُدولًا جازَ لها أن يُحتَسَب العِدَّة، وتُزوَّج بزوج آخر. م
قاعدية.
ومَن قال: بر من كلَّما شرعي باشد، اكر من فلان كام كنم ففَعَل هل تنعقد هذه اليمين وطلَّق كلَّ امْرَأَةٍ يتزَوَّجها أم لا؟
الجواب: لا تطلق؛ لأنَّه لا دلالة للفظ على الطَّلاقِ، سلَّمنا لحوق النّية لكِنَّها تعمل في الملفوظ من البزازيّة.
من حلف بلفظ: كلما من العَوامِ الجاهِليَّة واصفًا بالشرعية، فقال: عليَّ كلَّما، يقتضي عُموم الأفعالِ مُقارنا بالتَّزوج، الطَّلاق واقع أم لا؟ فوَجد جوابًا مَسْطورًا وكتبه المنقول عليها: الطَّلاقُ غير واقع على المرأةِ تحتَ هذا القائلِ وقتَ صُدورِ هذا القَولِ منه، وأمَّا الَّتي هي تزَوَّجها بعد فقد تفتش في الفتاوى ولم يُوجَد جواب هذه الواقعة يقينا. وفي فتاوى ظهير الدين: أنَّه لا يقع عليها الطَّلاقُ بهذا القول أيضًا. من فتاوى حُسام الدين.
فإن طلَّق الرَّجلُ امْرَأَتَه ثلاثَ تَطليقات وهي بكر قبل الدخول بها يجوز أن يُجدِّد النكاح لنفسه من غير أن ينكح الآخر، فإن طلقها بعد ذلك فلا تحل له حتَّى تنكحَ زَوجًا غيرَه، ويدخُل بها، ثم طلقها وتنقضي عدتها؛ لقوله تعالى: {حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230]، وهذه الآية نزَلَت في حقّ المَدْخول بها. من المشكلات.
ولو قال رجل: إن فعلتُ [كذا] فامرأتي طالقٌ. ثمَّ فعَل ذلك وله امرَأَتان تطلق إحداهما، وله وِلايةُ التّعيين. وفي رواية: تطلقان. ولو كانَ [لرجل] ثلاثُ نِسَاء، فقال: امرَأَتِي ثَلاث تطليقات. يقع ثلاث تطليقات لكلِّ واحِدَةٍ منهنَّ عندهما، وعند أبي حنيفة رَحِمَهُ الله: لكلِّ وَاحِدَةٍ منهنَّ طلاق بائن. وهو الأصح. وفي المنية: لو قالَ الزَّوجُ وله أربع نِسْوة: حلالُ الله عليَّ حرام. يقع لكلِّ وَاحدةٍ منهنَّ تَطليقةٌ، وقيل: على وَاحِدَةٍ غَير تَعْيِين، وإليه البَيان من جامعِ الفتاوى.
رجلٌ قال لامرأته: إِنْ فَعلتُ كذا فأنتِ طالق ثلاثًا. فالحِيلَةُ فيه أن يُطلقها واحِدةً، فيتركها حتّى تنقضي عدَّتُها، ثمَّ يَفْعَل ذلك الفعل فتبطل يمينُهُ، ثُمَّ يَتَزوَّجها، وتكون امرأتُه ذاتَ تَطليقتين، ولا يقع عليها طلاق بعد ذلك لوجودِ الشَّرطِ ثانيا، وإن فعل ذلك في العدَّةِ وقع ثلاثُ تَطليقات؛ لأنَّ الزَّوجيّة كانت قائمةً في العدة.
لو طلَّقَها ثلاثا ثمَّ وَطِئها وهي في العِدَّة يجب الحد، إِلَّا أَن يَقُولَ الزَّوجُ: ظَنَنْت أَنَّهَا حلال. جامع الفتاوى.
رجل قال لامرأته: إن لم يكُن ذَكَري أشدَّ من الحديد فأنت طالق. لا تطلق؛ لأنَّ الحديد ينتقص بالاسْتِعمال، والذَّكر لا ينتقص من الخلاصة.
سكران قال لامْرَأَتِه: إن لم يكن فلان أوسعَ دبرًا مِنك فأنتِ طالقٌ. فهَذا مما لا يُوقف عليه، ولا يقع الطَّلاقُ. ولو قال لامرأتيه: أوْسَعُكما فرجا طالقٌ يقع على أعْجَفهما. وقال الشيخ ظهير الدين المَرْغِيناني: يقع على أرْطَبِهما. من المحيط. قالت امرأةٌ لزوجها: زَنَيْتَ؟ فقال: زَنَيت بأمك. يقع طلاقًا بائنا. من شرح الهداية. رجل إذا طلق امرأته ثمَّ أَنكَر الطَّلاق، فأُقيمت عليه البينة، وقضى القاضي بالتفريقِ، فالعِدَّةُ من وقتِ الطَّلاقِ لا من وقتِ القضاء. من الظَّهيرية.
والصَّبيُّ لو طلق امرأته وحرَّر قِنَّه أو وهَب ماله لا يصح؛ أذِنَ أبوه فيه أو لا. والصَّبيُّ والمَجْنونُ لا يصح عُقودُهما ولا إقرارهما ولا طَلَاقُهما، وضَمِنا ما أَتْلَفاه، وصحَّ قبضُ الهبة، والصَّبيُّ والصَّبيَّة لو تزوَّجَا بلا إذن ثم أجازه الولي جازَ، ولهما خِيارُ البلوغ لو أجاز غيرُ الآبِ والجد.
تزوج الصَّبيُّ أو باع ثمَّ بلغ لم يجز إلَّا بَعد إجازته، ولا ينفذ بالبلوغ. من الفصولين.
طَلَاقُ المَصرُوعِ حالةَ الصَّرِعِ لا يقع. من الفُصولين.
لو طلَّق المُراهِقُ بَعد الوَطءِ قَبل البلوغ هَل يقع طَلَاقُه أم لا؟
قلت: ما وجدت دلالةً من متنِ الكُتب على ذلك، لكن وَجَدت حاشِيةٌ في الهداية في هذا الموضعِ لقُطب الملة والدين الإزنيقي كتبها بيده: غَير واقع؛ لأنَّه صبيٌّ، وطَلَاقُ الصَّبيِّ غيرُ واقع من شرح الكنز.
ولو حلف أن لا يحلف بالطَّلاقِ، فقال: أنتِ طالق غدًا. لا يحنث، ولو قال: أنتِ طالق إذا جاءَ غَد يحنث. من القاعديَّة.
ولو كان لرجل ثلاثُ نِساء، فقال: طلَّقت امرأتي ثلاثًا. يقع [ثَلاث] تَطليقات لكلِّ واحدة منهن عند أبي يوسف ومحمَّد رَجَهُمَا الله، وعِند أبي حنيفة رَحِمَهُ اللهُ يقع لكلِّ واحدةٍ منهن طلاق بائن، وهو الأصح. ولو قال: لكلِّ امرأةٍ لي ثلاثُ تَطْليقاتٍ. يقع لكلِّ واحِدَة منهن ثلاث تطليقات بالاتفاق. من الواقعات.
رجلٌ غابَ عَن امْرَأَةٍ وهي بِكر أو ثيب، فتزوجت بزَوجِ آخر، ووَلَدت كل سنة ولدًا، قال أبو حنيفة رحمة الله: الأوْلادُ للأوَّلِ، ويجوز للأبِ الثَّاني دفَعُ الزَّكَاةِ إِلى الأَوْلادِ، ويجوزُ شَهادَتُهم له، ولا يجوز للزَّاني
دفعُ الزَّكاةِ إلى ولده من الزنا. وعن أبي حنيفة رَحِمَهُ الله رجع عن هذا، وقال: لا يكون الأولاد للأوَّل، وإنَّما هُم للثَّاني وعليه الفتوى، ولا يجوز دفعُ الزَّكاةِ إلى ولد المُلاعَنةِ، ولا يُقبل شهادته له. وذكر هشام في النَّوادِرِ أَنَّه يجوز شهادةُ ولَدِ المُلاعَنةِ للزَّوجِ. من قاضي خان.
لو قال رجلٌ لآخر: لي حاجة اقْضِه. فقال: إن لم أقض حاجتك فكذا. فقال: حاجَتي طلاقُ امْرَأَتِك. فلَه أن لا يُصدّقه فيه؛ لأنَّه يحتمل الصدق والكذب. من الوجيز وكذا في الخلاصة. امرَأَةٌ عَلِمت أن زوجها طلقها بائنا أو ثلاثاً وهو يُنكر، ولا تَقدِر المرأةُ عَن منع نَفْسِها عنه وَسعها أن تقتله؛ لأنَّها عجَزَت عن دَفع الشَّرِّ على نفسها، فيُباحُ لها أن تقتله، لكن يَنبغي أن تقتُلَه بالدَّواءِ لا بآلة القتل؛ لأنَّه لو قتلته بالآلَةِ الجَارِحَة تُقتَل قِصاصًا، ولا تَقتُل المرأةُ نَفْسَها؛ لأنَّه يُمكنها الخَلاصُ بقتله. من قاضي خان، وكذا في الجامع.
أشار أبو يوسف رَحِمَهُ اللهُ في المُنتقى إلى أن كلَّما إذا دخَلَت على العَينِ أو المُخاطَبَة يتكرّر؛ كقوله: كلَّما اشتريت هذا الثّوبَ فهو هندي. يلزمه في كل دفعة. ولو قال: ثوبًا. لا يلزمه إلا مرة. ولو قال: كلَّما تزوّجت امرأةً فهي طالِقٌ. فَتَزَوَّجها وطَلقت، ثمَّ تَزوَّجَها ثانيا لا تطلق بمَنْزِلِةِ كُل، بخلافِ ما إذا خاطَبَها وقال: كلَّما تزوجتك. حيثُ يتكرر، وكذا لو قال: كلَّما تزوجت فُلانة. فإن عادت المرأة إليه بعد زوج آخر لم يحنَثُ عِند الثَّلَاثَةِ، فإن أضافَ الطَّلاق إلى الملكِ الثَّاني وإلى كلَّما ملَك حَنث أبدًا؛ لوجودِ الفعل، نحو: كلَّما تزوّجتك أو دخَلْت الدَّار فأنتِ طالقٌ من الخلاصة.
وعن أبي يوسف رَحِمَهُ الله على رِوايَة المُنتقى إذا قالَ: كلَّما تَزَوَّجت امرَأَةً فَهي طالق. فتزوج امرأةً طَلقت، فإن تَزَوَّجها ثانيًا لم تطلق، ولا يحنث في امرأةٍ واحدةٍ، فأبو يوسف جعله ككلمة كُل. وإذا قال: كلَّما اشْتَريْت هذا الثَّوبَ فهو صَدَقة. أو: كلَّما رَكِبت هذه الدَّابَّة فعَلي صَدَقة كذا. يلزَمُه بكلِّ مرَّة ما التَزَم ولو قال: كلَّما اشتريت ثوبًا، أو كلَّما ركبت دابَّة فعَلي كذا. لا يلزم ذلك إلا مرة واحِدَة، وفي رواية المنتقى عند أبي يوسف رحمه الله: وهذا إذا كانت المرأةُ مُعَيَّنة، وإذا لم تتعيَّن وقال: كلما تزوجت امرأةً فهي طالق. فتَزوج امرأةً طلقت، فإن تَزَوَّجها ثانيًا لم تطلق، كما إذا قال: كلَّما اشتريت هذا الثَّوبَ فهو صدَقَة. يلزَمُه التصدق بكلِّ مرَّة. ولو قال: كلَّما اشتريت ثوبًا فهو صَدَقة. لا يلزمه إلَّا مرَّة. ولو قال: كلما تزوّجتها فهي طالقٌ فتزوجها في يوم ثلاثًا ودَخَل بها في كلِّ مرة، وحَكَما بطَلْقَتين ومَهْرين ونصف مهر، وبالتَّزوجِ الثَّانِي مَهر تام؛ لأنَّ هذا طلاقٌ بَعد الدخول؛ لكون الدخولِ الأَوَّلِ دُخولا، وبالدُّخول الثاني مُراجِعًا، ولا يجب شيء، ولا اعتبار بالتَّزوج الثَّالِثِ؛ لأنَّ نِكَاحَ المَنْكُوحَةِ غير صحيح. من الفتاوى.
أقول: على هَذا لو قال رجلٌ مِن بلادِ الرُّومِ: كلما أولسون، أو كلَّماى شرعي أولسون إن فعل هكذا
ينبغي أن يصح اليَمينُ على الطَّلاقِ؛ لأنَّه مُتعارَف بَينهم فيه. من جامع الفصولين.
ولو قال رجلٌ: فعَليَّ كلَّما الشَّرعِي. لم يقع طلقات ثلاث ما لم يذكُرِ الشَّرِطَ بِتَمامِهِ. هذا مسموعٌ مِن مَولانا عَلاء الدين.
ولو قال بالتركيّ: الذغُم الأَجَغُمْ عورت بوش أولسون لا يقع الطَّلاقُ فيمَن لا ينكح، وينبغي أن يقع فيمَن نكح. من الفتاوى.
سُئل حافظ الدِّينِ عن الرّجل الذي يقُول: إذا فعَلتُ أمرًا فعَلي كُلَّما الشَّرعي. ثمَّ تزَوَّج امرأةً ولم يكن له وقتَ التَّزوج امرأةٌ، هل يقع الطَّلاقُ على المُزوَّجة أم لا؟
قال: اعلم أنَّ اليَمينَ لا يصح إلَّا في المِلْك، أو في المُضاف إلى الملكِ، ولا خَفَاءَ في انتفاء الأول، ولم تُوجَد الإضافة أيضًا إلى السبب، ألَّا يرى إلى ما اختلفت الروايَةُ فيه عن الإمام أبي حفص وأبي سليمان في روايتهما عن الإمام محمد بن الحسن في قوله: كلَّما تزَوَّجت امرأة فهي طالِقٌ. أَنَّ اليَمينَ لا ينعقد فعلا؟؛ لأنَّ التَّزوج المُجرَّد لَيس سَبب الملكِ قَبل انْضِمَامِ القَبولِ إليه؛ لكونه مجرَّدَ إيجاب، ألا يرى أيضًا إلى ما اختَلَفُوا أيضًا في قوله: كلَّما اشتريت عبدا فهو حرٌّ. بأنَّ الشِّراءَ غيرُ مَوضوع لإفادَةِ الملكِ المُجرَّد، والمَسْأَلتان في المُصفّى للإمامِ النَّاطِفي والتُّمرتاشي، وإن خَلًا عَنهما أكثر الكتب، وهنا لم يُوجَد كِلا الشَّرطين، والنّية أيضًا لا تعمل في غيرِ المَلْفُوظِ. من فَتاوى كَبير.
رجل له أربع نسوة، فقال: أنتِ، ثمَّ أَنتِ، ثم أنتِ، ثمَّ أَنتِ طالقٌ. طَلَّقت الرَّابِعةُ لا غَير؛ لأنَّه لم يذكر الخبرَ إِلَّا للرَّابعةِ. من فَتاوى كَبير.
طلق امرأته، ثم قال لها: قد طلقتك. يقع تطليقةٌ أخرى. لو قال لها: قد كُنت طلقتك. لا يقع شيء؛ لأنَّ كَلِمة قد يُذكر لتأكيد الحال، وقد يُذكر للماضي، ولا يَصير للماضي بالاحْتِمالِ، أمَّا قولُه: كُنت قد طلقتك. لا يُسْتعمَل إِلَّا في الماضي. من فتاوى كبير.
ولو قال لامرأته يا زانية أنتِ طالق ثلاثًا. فلا حد ولا لعان، ولو قال: أنتِ طالق [ثلاثا] يا زانية. فعليه الحدُّ ولا لعان. من مُشكلات.
قال أبو حنيفة رَحِمَهُ الله ذِمَّيّة طلَّقَها زَوجُها الدّمي أو مات عنها الذِّمي لها أن تزوج قبل أن تحيض ثلاثا في الطَّلاقِ، وقبل أن يَمْضي أربعة أشهر وعشر في الوفاة. وعندهما ليس كذلك. من مختلف.
رجلٌ كتب طلاق امرأتِه، ثمَّ أرْسَل المكتوب إلى امْرَأَتِه، أو إلى مَن التَمَس منه لم يقع الطَّلاقُ؛ لأنَّ لفظ الطَّلاقِ يجري على اللّسانِ ولا يَجْري على الأقلام. من المحيط.
ولو قال: أنتِ طالقٌ مِثل رأسي، أو مِثل حبَّة خَرْ دل يقع بائنا عند أبي حَنِيفَة رَحِمَهُ الله، وعندهما رجعيّا، ولو قالَ: مِثل عِظَم إبْرَة، أو عِظَم الخَرْدَلة. يكُون بائنا عِندنا، وعِند زُفر يقع رجعيا. من عتابي.
قال لامرأته: إن لم تَطْبخي قدرًا نِصْفها حلال ونضفها حرام فأنتِ طالق. فالحيلة أن تُدخل الخمرَ في القِدْرِ وتطبخ البيض فيها. من المنية.
قال لامرأته: إن لم أُشبعك في الجماع فأنتِ طالق. فإن سبق ماء الرَّجل على ماء المرأة لا يقع الطَّلاقُ، وإن كانَ بالعكس ضده يقع الطَّلاقُ. من الواقعات. يكرر مَسائلَ الطَّلاقِ عند زوجته ويقول: أنتِ طالق. ولا ينوي الطَّلاق لا تطلق من القنية.
كتبت المرأةُ: أنتِ طالقٌ، وقالت لزوجها: اقرأ. فقَرَأه لا يقع ما لم يُصدِّق خطابها. من القنية.
فصل مسائل في الطَّلاق
رجل قال لامرأته: أنتِ طالق في ليلة القدر. إن كانَ الحالفُ أميًّا تطلق امرَأَتُه في ليلة السابع والعشرين من شهرِ رمضان من هَذه السَّنةِ، وإن كَان فقيها، إن كانَ حَلِفه في نصف شهر رمضان لا تطلق امرأتُه حَتَّى يجى نصف رَمَضان من السَّنةِ الثَّانية، وعِند أبي حنيفة رَحِمَهُ الله: حتَّى يَمْضي كلُّ الرَّمضان من السَّنةِ الثَّانية. من شرح كنز.
رجل قال: أنت طالق في عددِ شعرِ فَرْجك. فكيف هذا؟
الجواب: إن كانت المرأةُ بالغةً تطلق، وإن كانَت صَغِيرةً لا تطلق، وهذا قول أبي حنيفة رَحِمَهُ الله، وقول أبي يوسف رَحِمَهُ الله: تطلق. من النَّوازل.
رجل وكل وكيلا أن يُطلق امرأته، فطَلَّق وكيل ثلاثًا، فإن نَوَى الزَّوجُ صح؛ لأنَّه وافق، وإن لم ينو ثلاثًا لا يصح؛ لأنَّه خالف. من الواقعات.
رجل قال لامرأته وفي يَدِها قَدَح ماء: إن شَرِبت فأنتِ طالق، وإن صَبَته فأنتِ طالق، وإن وَضَعته فأنتِ طالقٌ. فحِيلَته أن يُرسِلَ فيه ثوبًا حتَّى يَنشَف الماء. ولو قال لامْرَأَتِه: إن لم أُجامِعك اليوم فأنتِ طالق، وإنِ اغْتَسلتُ من الجنابة اليومَ فأنتِ طالقٌ، وإن تَرَكتُ صلاة عن وقتها فأنتِ طالق. قال: يَطَأها بعد العصرِ، ويَغْتسل بعد المغرب، ويُصلِّي المغرب. من مختصر المحيط.
ومن طلق امرأته الأمة ثنتين، ثمَّ اشتراها لم يحلَّ له وَطُؤُها حتَّى تَنكِحَ زوجًا غَيرَه. من المسعودي.
إذا طلق الرَّجلُ امْرَأَتَه ثلاثا لا يقع الطَّلاقُ إن كانَت حاملا في قولِ الشَّعبيّ، والبصري، وهارون الرشيد، وعبد الله بن مسعود، وإذا طلق ثلاثًا في حال الحيض والحمل، أو كانَ قبل الدخولِ لا يقع إِلَّا
واحِدةٌ، وعليه الفتوى. نقل من كتاب التفسير لا تجب العِدَّة قبل الدخول في الوفاة، ولا يجب في الطَّلاقِ أيضًا، وتجب العدَّة في الطَّلاقِ قَبل الدُّخولِ بعد خَلوةٍ صحيحة أو فاسدة عند عُلمائِنَا خِلافًا للشَّافعيّ رَحِمَهُ الله فِي الخلوة الفاسدة. من فتاوى الكبير.
رجل طلق امرأته ثلاثًا حالة الحيض أو الحَملِ أو قبل الدخولِ؛ لا يقع إلا واحِدةً. من جمال الفقهاء.
هذه المسائل من الخُلع:
وفي الفتاوى: رجل تزوج امرأة على مهرٍ مُسمّى، ثمَّ طَلَّقها طلاقًا بائنا، ثمَّ تَزَوَّجها ثانيا على مهرٍ آخر، ثمَّ اختَلَعَت مع زَوجِها على مَهرِها؛ بَرِئَ الزَّوجُ عن المهرِ الثَّانِي دُون الأوَّل، وكذا لو قالت بالفارسية: خويشتن خريدم از تو بکابين و همه حقهاکه مرابر توست لا يبرأ عن المهرِ الأَوَّلِ. وفي مجمع النوازل: لو قالَ: بِعت لكِ تَطْليقةً بِجَميعِ ما في البيتِ غَير ما عليك من القميص فاشترت وكانت عليها سُوار، وخَلْخال، فكسوتها وحليتها ما استثنى، وما لم يستثن لها.
نوع من منه: امرأة اختلعت مع زَوجِها على مَهرِها ونفقة عدَّتها، وعلى أن تُمسك ولَدَها منه ثلاث سنين أو عشر سنين بنفَقَتها صح الخلع، وتُحْبس على ذلك وإن كان مجهولا، فإن تركته على زوجها وهَربَت فللزوج أن يأخذ قيمة النفقة مِنها، ولها أن تُطالبه بكسوة الصَّبي، أما إذا اختَلَعَت على إِمْساكِ الوَلَدِ بنفَقَتها وكسوتها ليس لها أن تُطالبه بالكسوة وإن كانت الكسوة مجهولةً، وسَواء كان الولدُ رَضيعًا أو فَطيمًا، ولو اختَلَعَت على دراهم، ثمَّ استَأجَرها بالدراهم حتَّى يُرضِعَ الولد يصح في الرَّضِيعِ، ولا يصح في الفطيمِ. يعني: لو استأجر امرأته ببَدلِ الخُلع لتُمْسِكَ الوَلدَ الفَطِيمَ بِنَفَقتِها وكُسوتها.
وفي المحيط: ذكر ابن سماعة، عن محمَّد رَحِمَهُ اللهُ في امرَأَةٍ اختَلَعَت من زَوجِها بما لها عليه من المهرِ، وبرضاع ولده الذي هي حامل به إِذا ولَدَته إلى سنتين جازَ، فإن مات، أو لم يكُن في بطنها ولدٌ يَرُدُّ قيمةَ الرَّضاع، ولو مات بعد سنة يردُّ قيمةَ رضاع سنة، ولو اختلعت على أن تُمسِكَ الولد إلى وقتِ البُلوغِ صح، وهذا إذا كانَ أُنثى، أمَّا في الابنِ لا يصح؛ لأنَّه يحتاجُ إلى معرفة آدابِ الرِّجالِ وَالتَّخلُّق بأخْلاقِهم، فإذا طالَ مُكثه مع الأم يتخلق بأخْلاقِ النّساءِ، وفي ذلك منَ الفَسادِ ما لا يخفى، فإن تَزَوَّجت الأم فللأبِ أن يأخُذ الولد منها، وإن أنفَقَت لا يُترك عِندها؛ لأنَّ هذا حقُّ الوَلدِ، ويُنظَر إلى أجرٍ مِثل إمْساكِ الوَلدِ في تلك المدَّةِ، ويرجع الزَّوجُ عَليها، وإنَّما يصحُ الخُلعُ على إِمْسَاكِ الوَلدِ إِذا بين المدَّة، فإن لم يُبيِّن لا يصحُ سَواء كان الولدُ رَضيعًا أو فَطيمًا. وفي المُنتَقَى إِن كَانَ الولد رَضيعًا صح وإن لم يُبيِّن المدَّة، ويَرضَع حَولين.
امرأة اختلعت على إِمْسَاكِ الوَلدِ أو رَضاعِ الوَلد سنين، فماتَ الوَلد بعد سنة أو ماتت هي عليها
قيمة الرضاع سنة، ولو قالت عند الصُّلح: إن مات الولد أو متُ فلا شَيء عليَّ. فالأمرُ على ما شرطت، يعني: الشرط، وهي بَرِيئة مما بقي من الرضاع. كذا قال أبو يوسف رَحِمَهُ الله.
اختلعت مع زوجها على إِرْضاعِ الوَلدِ، ثمَّ صالحت مع أبِ الوَلِدِ عَلَى شَيء صح. في مجمع النوازل من الخلاصة.
ولو أنَّ رجلا قال للزَّوجِ: اخْلَعها على عبدي هذا، أو دَارِي هذه. فخلعها على هذا فالخلع جائز، فلا حاجة إلى قبول المرأةِ؛ لأنَّ العَاقِدَ الأجنبيُّ، ونَظِيرُ الخُلعِ صلحُ الأجنبي، والمتبرع بقضاء الدين عن إنسان. ولو قال للزَّوجِ الأجنبيُّ: اخْلَعها على عَبْدِي هذا. فقالَ الزَّوجُ: خَلَعت. تمَّ الخلع من غَير أن يقول: قبلت، وإذا تمَّ الخلع بقبول الأجنبي لَزِمه عينُ البَدلِ إِن كانَ مما يتعيَّن، فإن عجز عَن تَسليمه وجَب تَسْلِيمُ مِثله في المِثْلِيَّات، وتَسليم القيمةِ في غَير المِثْليات، كما في قبول المرأةِ. ولو قالت المرأةُ لزوجها: اخْلَعْني على دارِ فُلانٍ أو عَلى عَبد فُلانٍ فَخَلَعَها فالخلع واقع، ولا حاجة إلى قبولِ فُلانٍ بعد ذلك إن قدرت عَلى تِسليم ما أُشير إليه بإجازَةِ فلانٍ سلَّمته، وإِلَّا فَعَلَيْها تَسْلِيمُ المثلِ في المثل، والقِيمَةِ في غَير المثلي، وكذلك لو قال لها الزَّوجُ: خالَعْتُك على عبد فلانٍ أو دارِ فلان فقبلت صح، فلو لم تقبل وقَبِل فلان لم يصح. ولو أنَّ الزَّوجَ خاطَب صاحِبَ العبد أو الدَّارِ والمرأة حاضرة، فقال له: يا فلان قد خَلَعت امرأتي بعَبدِك هذا. فالقبول لصاحب العبد، ولا حاجة إلى قبول المرأةِ. من الخلاصة.
المرأة إذا اختَلَعت مع زوجها على مالٍ، ثمَّ أقامت البيِّنةَ على زَوجِهَا أَنَّه طَلَّقها ثلاثا أو بائنا قبل الخُلعِ تُقبَل ويُسْتردُّ بدلُ الخُلعِ، والتَّناقُض لا يمنع قبول البيَّنَةِ ههنا. جامع الصَّغير [في باب البيوع].
وفي الأصل: مُطلَّقة الثّنتين إذا قالت لزوجها: طلَّقْني ثلاثًا على ألف درهم، فطلقها واحِدةً له عَليها ألفٌ. من الخلاصة.
الرابع إذا خالَعَها على مالٍ آخر سوى المَهرِ بعد الدخول، إن كانَ المهرُ مَقْبوضًا لا يرجع عليها إلَّا ببدل الخُلعِ في قولهم جميعًا، وإن لم يكُن مَقْبُوضًا رَجَعَ عَليها بِبَدَلِ الخلع، وسقط عنه جميعُ المهرِ عِند أبي حنيفة رَحِمَهُ اللهُ خِلافًا لهما، وإن كانَ قَبل الدخولِ إن كان المهرُ مَقْبوضًا رجع عليها ببدل الخلع ولا يَسْتردُّ شيئًا من المهرِ بِسَببِ الطَّلاقِ قَبل الدُّخولِ عند أبي حنيفة رَحِمَهُ اللهُ. من الخلاصة.
ولو اختَلَعَت من زوجها بكلِّ حقٌّ لها عَليه فلَها النفقةُ ما دامَت في العدَّة؛ لأنَّ هذه النفقة لم تكن حقا لها عليه وقت الخلع. من فتاوى كبير.
ولو قالَ الزَّوج: خالَعْتُك على كذا، ثمَّ رجع قبل قبولِ المرأةِ لا يصح رُجوعه، وكذا لو قام الزوج
قبل قبول المرأةِ صح كلامه من جامع كبير.
المُخْتلِعةُ إذا قامت البيِّنةُ أَنَّ الزَّوجَ طلَّقَها ثلاثًا قَبل الخُلعِ يُسمَع، كالمُكاتب إذا قامت البيِّنةُ أنَّ المولى أعْتَقه قبل الكِتابَةِ تُقبل. من الخُلاصة.
الخُلع من جانبه يَبْطُل بقِيامِهَا عن المجلس قبل القَبولِ دُون قِيامه، ومن جَانِبِها يَبْطُل بقيام كلّ واحدٍ منهما عن المجلس. من الفصول.
وتعليقُ الخُلعِ بالشَّرطِ من جانبِ الزَّوحِ يصح، ومن جانبها لا يصح. أُستروشني. ولو خالَعَها على مال ولم يذكر المهر فقبلت سقط المهر عند أبي حنيفة رَحِمَهُ اللهُ، وقالا: لا يسقط. من الجامع الكبير.
وفي المحيط: وفي فتاوى أبي الليث رجُل خالع امرأته على مالٍ، ثمَّ زادَ في بدل الخُلع، الزّيادةُ باطلة، وكذا الزِّيَادَة في بدلِ الصُّلحِ عن دمِ العَمد. من الخلاصة. ولو طلَّق الرّجل امرأته على أن تُمسك الولد بنفَقتِها إلى بلوغ الولد، على أن تتركَ المرأةُ مَهرَها عليه، فقبلت، ثمَّ إنَّها أبت أن تُمسِكَ الولد فإِنَّها تُجبر على ذلك، فإن لم تفعل كان عليها [أجرةُ] إمْسَاكِ الولد إلى بلوغه، هذا كلُّه في فتاوى الإمام المَعروفِ بقاضِي خان، وقال الإمام محمود المَرْغِيناني: إذا شَرط في الخُلع أن تُمسِكَ المَرأَةُ الوَلدَ لا يلزمها، وإن بيَّن المدَّة أيضًا؛ لأنَّ البدل مجهولٌ، وبيانُ المُدَّةِ لا تزول به الجَهالَةُ. من القاعديَّة.
إنَّما يصح الخلع على إمْساكِ الوَلدِ إذا بين المدَّة، فإن لم يُبيِّن لا يصح، سواء كان الولد رضيعا أو فطيما، وفي المُنتقى: إن كانَ الولدُ رَضيعًا صح وإن لم يُبين المدَّة، وتُرضِع حولين. من الخلاصة.
رجُل وكل رجلا بأن يُخالع امرأته على مال، فخالَعَ الوَكيلُ على خمرٍ أو خِنْزيرِ لا يصح الخلع، ويقع بائنا، ولو وكل رجلا بأن يعتق عبده على مال، فأعتقه على خمرٍ أو خِنزير يجوزُ للفرق بينهما؛ وذلك لأنَّ الخُلعَ على خمرٍ بلا شَيء بدل، ولو أعتق عبده على خمرٍ أو خِنزير يجب عليه قيمةُ نَفسِه فيَجوزُ. من الفروق.
في الفتاوى الصغرى: الطَّلاقُ الصَّريح يلْحَق البائِنَ، والبائِنُ يَلْحَقُ الصَّريح، والصَّرِيحُ يلحق الصَّريح، والبائِنُ [لا يلْحَق البائنَ]، إلا إذا كانَ الثَّانِي مُعلَّقًا؛ بأن قالَ: إِن دَخَلتِ الدَّارِ فأنتِ بائن. ونوَى الطَّلاق، ثمَّ طلقها واحِدةً بائنة، ثمَّ دخَلَتِ الدَّارَ فِي عِدَّتها يقَع الطَّلَاقُ، فلو قالَ للمبانة: أنتِ طالق بائن. فإنَّه يلحَقُها، ولو قال: أنتِ بائن. لا يقع من الخلاصة.
وفي فتاوى الديناري: إذا قضى بإسقاطِ العِدَّةِ يجوزُ. وذكر في بابِ دَعْوى النكاح من فتاوَى رشيد الدين: الزوج الثاني إذا طلقها بعد الدخولِ ثم تزوجها ثانيًا وهي في العدَّةَ، ثمَّ طلَّقَها قبل الدخولِ، فتَزوَّجها الأوَّلُ قَبل انقضاء العدَّةِ وحكم الحاكم لصحة هذا النِّكَاحِ نفَذ قَضاؤُه؛ لأنَّ للاجْتِهادِ في هَذه
الصُّورةِ مَساءًا أي جَوازًا، وهو صريح قوله تعالى: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَقْتُمُوهُنَّ} [الأحزاب: 49] الآية. وهو أيضًا مذهب زفرٍ رَحِمَهُ الله. من فصول عِمادي.
إذا قال لامرأته: أنتِ طالق ثلاثا ثلاثا. أو قال لعبده: حرّ إن شاء الله بغير الواو، لا تطلق المرأة، ولا يعتق العبد إجماعا من الكافي.
و في فتاوى الصغرى: امرأة قالت لزوجها: لك امرأَةٌ غَيري؟ فقالَ الزَّوجُ: كلُّ امْرَأَةٍ لي فهي طالق. لم تطلق المرأةُ، بخلافِ مسألةٍ ذكَرَها في الجامع الصغيرِ صُورَتُها: امرأةٌ قالت لزوجها: إِنَّكَ زوجت عليَّ. فقال: كلُّ امْرَأَةٍ لي فهي طالق ثلاثا. طَلَّقت المُخاطَبَة. وعن أبي يوسف رَحِمَهُ اللهُ: لا تطلق المُخاطَبَة. وبهذا أخَذ بعضُ المَشايِخِ مِنهم الإمامُ السَّرَخْسِيُّ. من اختيارات.
وفي المحيط: إذا قالت لزوجها: تُريد أن تتزوج عليّ. فقالَ الزَّوجُ: كلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجها فهي طالقٌ. فطلَّق المُخاطَبَة ثمَّ تَزَوَّجها تطلق من فتاوى النَّسَفي.
فصل في العدة
العدة عِدَّتان: عدة النِّساءِ، وعدَّة الرّجالِ، أمَّا عدَّة النِّساءِ فهي منَ الطَّلَاقِ والموتِ،
وأَمَّا عدَّة الرِّجالِ فهي تِسْعة:
أولها: إذا كانَ للرجل أربع نسوة طلَّق إحداهنَّ لا يحلُّ له أن يتزوج بامرأةٍ أخرى ما لم تنقض عدتها.
والثانية: إذا كان له امْرَأَةٌ ولها أخت وطلق امرأته لا يحلُّ له أن يتزوجها ما دامت العدة
باقية.
والثَّالثة: إذا اشتَرى جاريةً لا يحل له أن يقربها ما لم يَسْتَبرئها بحيضةٍ.
والرابعة: إذا تزوج حَربيَّة لا يحلُّ له أن يَقْرَبها ما لم يَسْتبرئها بحيضةٍ.
والخامسة: إذا خَرَجت الحربيَّة مُهاجِرةً ولها زوج في دار الحرب لها أن تزوج نفسها من ساعتها، ولا يجب عليها العِدَّة عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا: لا يحلُّ ما لم يَسْتبرتها بحيضة.
والسادسة: إذا تزوج امرأة حاملًا من الزنا لا يحلُّ له أن يطأها حتى تضعَ حملها. والسابعة: إذا تزوج بامرأةٍ وهي حائض لا يحلُّ له أن يقْرَبها حَتَّى تَطهُرَ من حَيْضِها. والثامنة: إذا تزوج امرأة وهي ذات نفاس لا يحل له أن يقربها حتى تظهر من نفاسِهَا. والتاسعة: إذا أعتق أمةً ثُمَّ تزوَّجَها لا يحلُّ له أن يقربها ما لم يَسْتبرتها بحيضةٍ. من فتاوى كبير.
تعتد الحرَّةُ الحائضُ المَدْخولُ بها عنِ الطَّلاقِ والفَسَخِ بثلاثةِ قُرُوءٍ، وإِنَّما شُرط الدخول بها لأنَّ غيرَ
المَدْخول بها لا عدَّة عليها. من شرح المجمع. وإذا ماتَ مَولى أمّ الوَلدِ عَنها أو أعتقها فعِدَّتها ثلاث حيض، وقال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله: حيضةٌ واحدةٌ من الهداية.
ولمن لم تحض بصغر أو كبر أو بلغت بالسِّنِّ ولم تحض ثلاثة أشهر، وللمَوتِ أربعة أشهرٍ وعشر، ولأمَةٍ تحيضُ حَيْضتان، ولمن لم تحضُ أو مات عنها زَوجها نصف ما للحُرَّة، وللحامِلِ الحرَّةِ أو الأمة وإن ماتَ عَنها صبي وضعُ حَمْلها من الوقاية. اعلم أنَّ العِدَّة على ثلاثة أنواع: بالحيض، وبالأشهر، ووضع الحمل. وأسبابها: الطَّلاقُ، والوَفاةُ، والفسخ، والوطء، والخلوة. والعدة تجب في الكُلِّ احتياطا، أي: في جميع ما ذكر من أقسامِ الخَلوةِ سَواء وُجد المانع كالمرض وغَيرِه أو لم يُوجَد. مِن صَدر الشَّريعة [في باب المهر].
وتنقضي عدّة الطَّلاقِ والموتِ وإن جَهلت بهما، ومَبْدؤُها عَقِيبها. من الوِقايَةِ. أي ابْتِداء العدَّة في الطَّلاقِ عَقِيب الطلاق، وفي الوَفاةِ عَقِيب الوَفاةِ، وفي النكاح الفاسِدِ عَقِيب التَّفريقِ أو العزم على تَركِ وَطْتِها، يعني: فإن لم تعْلَم المرأةُ بالطَّلاقِ أو الوَفَاةِ حَتَّى مَضَت العدة قد انقضت عدتها. من شرح فرشته.
يُعتبر ابتداء العدة من وَقتِ إِقْرارِ الزَّوجِ لا مِن وَقت الَّذِي أَقرَّ؛ لأنَّ مِن الجَائِزِ أَن يتَواضَعَا على الإقرار بالطَّلاقِ في زَمانِ الماضي حتَّى يتزَوَّج أختها في الحال، أو أربعًا سواها في الحال، فلهذا المعنى يُعتبر وقتُ إِقْرارِ الزَّوجِ نفيًا لتُهَمةِ المُواضَعَةِ؛ لأنَّه ربَّما تكون المرأة حرامًا عليه بحُرمةٍ غليظة، فيتواضعان على هذا الإقرار من شرح الهداية.
الرَّجل إذا طلق امرأته ثمَّ أَنكَر الصَّلاقَ، فأُقيمت عليه البينة وقضى القاضي بالتفريقِ- فالعِدَّة من وقت الطَّلاقِ لا من وقت القضاء. من المحيط.
وعلى مُعتدة وطئت بشُبهة عدة أُخرى وتداخَلَتا وحيض تراه منهما، وإذا تمت الأولى دُون الثَّانية يجب إتمامها. من الوقاية يعني: رجلٌ طلق امرأته فحاضت، ثمَّ وَطِئها رجلٌ بشُبهةٍ فعَلَيها أن تعتدَّ بثلاث حيض، يكُونُ حَيْضتان لتَمامِ عدَّة الزَّوجِ الأَوَّل، ولها مهر كامل عن الزوج الأوَّل، ولها مهر المثل [على الثَّانِي]، وحيضةٌ للزَّوجِ الثَّاني، وإن وَطِئها بعد الحَيْضَتين [فَلَها أن تعتدَّ بِثَلاثِ حيض، حَيْضَة لتمام عدَّة الزوج الأوَّل، وحَيْضتان للزَّوجِ الثَّاني]، وإن وَطِئها في الحَيضِةِ الثَّالثة فلها عدة أُخرى بثلاتِ حيض بعدما تمت تلك الحَيْضة الَّتي وَطِئها [فيها، وإن وَطِئها] قبل الحيض فلها ثلاث حيض من الزوجين لا غَير. من المبسوط.
لو قال بالتركي: قودم. يقع الطَّلاقُ البائنُ؛ لأنَّه كِنايةٌ. ولو قال: بوشادم.
يقع الطَّلاقُ الرَّجعي؛ لأنَّه صَريحٌ. كذا ذكره الفقيه أبو الليث، ذكر في الفتاوى المسمى بالحاوي.
ولو قال بالتركي: قودم. أو قال: بوشادم. فإنَّهما صريحان يقع بهما طلاقٌ رَجْعَيٌّ؛ لغَلَبَة الاسْتِعمال.
ولو قال بالتركيّ: قودم وبوشادم يكون رجعيًّا. فاحْفَظ هذه المسألة من فتاوى الحلواني.
وكُلُّ حلّ عليَّ حرام، و هرجه بدست راست کيرم، بروي حرام طلاق بلا نيَّة للعُرفِ، وبه يُفتى. من الوقاية.
قال: كلُّ حلّ لي علي حرام ليس بطلاق بلا نيَّة. من المنية.
قال: نويت بقولي: حَلالي عليَّ حَرامٌ. غير المرأة لا يُصدق قضاء ودِيانةً. من القنية.
له أربع نسوة، فقال: حَلال الله عليَّ حَرام يقع على كلّ واحِدَة تطليقةٌ، وقيل: على واحدةٍ غير عين. من المنية.
قال: حلال الله عليَّ حرام. وله امرأتان ولم ينو بائنا وفي نيَّته إحداهما دين لا قضاء. جامع الفصولين.
وفي النوازل: ولو قال: حلال الله عليَّ حرام إن فعل كذا. ففعل تطلق امرَأَتُه؛ لأنَّ مُطْلَقَه ينصَرِف إِلى النِّساءِ عُرفًا، وإن لم يكن له امرأةٌ ثُمَّ تَزَوَّجها يلْزَمه الكفَّارَةُ إِذا فعل؛ لأنَّه تعذَر صَرفه إلى المرأةِ فجُعِل يميناً؛ لما قلنا: إنَّ تحريم الحلالِ يمين. من شرح فرشته.
وفي الفتاوى: النائم إذا طلق امرأته في المنام، فلما استَيْقَظ قال لامرأته: طلَّقْتك في النوم. لا يقع. ولو قال بعد ذلك: [أجزت ذلك] الطلاق. لا يقع. ولو قال: أوقعت ذلك الطلاق. يقع. من الخلاصة.
الصَّبيُّ المُراهقُ إذا طلق امرأته قبل إقراره البلوغ يقع الطَّلاقُ، وعليه الفتوى. من الجامع الكبير.
إذا قال: إن دخلت الدَّارَ أنتِ طالِقٌ طَلقت للحالِ؛ لأنَّ حَرف التَّعليق لم يُوجَد، وإن عنى به التعليق دين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنَّ حرف الفاء يُحذَف من الكَلامِ اخْتِصارًا، قال الشاعر: مَن يفعل الحسَناتِ الله يُشْكُرها أي: فالله. وكذلك لو قال: وإن دَخَلتِ الدَّار أَنتِ طالقٌ دُيّن فيما بينه وبين الله تعالى، أعْنِي: التَّعليق؛ لأنَّه يُحتَمَل على ما بيناه. ولو قال: أنتِ طالق وإن دَخَلت الدار. لم يُصدَّق ديانة أصلا؛ لأنَّ الواو للتأكيد؛ فلا يُمكن إسقاطه من جامع الكبير.
ولو قال لامْرَأَتِه: إن دخَلتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ. كان تعليقا. ولو قال: وأنتِ طالق. بالواو كان تَنْجيزا. ولو قال لامْرَأَتِه: أنتِ طالقٌ إِن دَخَلت الدار - بكسر الهمزة - لا تطلق في الحالِ ما لم تَدخُل الدَّارَ؛ لأنَّه تَعلِيقُ بحَرفِ الشَّرطِ. ولو قال: أن دخَلْت الدَّار - بفتح الهمزةِ - تطلق في الحالِ إِن كَانَ مَعْناه لدخولِك الدَّارَ، فَكانَ للتَّعليل.
ولو قال: إن لم أُطلقك فأنتِ طالقٌ. قال أبو يوسف ومحمَّد رَجَهُمَ الله: [يقع حينما فرغ من اليمين، مثل قوله: متى لم أطلقك فأنتِ طالق. ولو قال: كلَّما تَزَوَّجتك] فأنتِ طالق. فإنَّها تطلق إذا تزَوَّجها كلَّ مرَّة، بخلافِ قوله: إن تَزَوَّجتك. من شرح المفصل.
طلقها في صحته فمات في العِدَّة تَرِثه، وكذا لو ماتت المَرأَةُ في العِدَّةِ يَرِيُّها الزَّوجُ، لا لو أبانَها في صحته فماتَ في العِدَّة، وكذا لو أبانَها في مَرضِه بأمْرِها لا ترثه، فلو أبانَها بلا أمْرِها فمات في العِدَّة ترثه عندنا، لا لو مات بعد مضيها. من الجامع الكبير.
رجل تزوج امرأةً بحضرةِ السُّكارَى وعرَفوا أمرَ النِّكَاحِ، إِلَّا أَنَّهم لا يَذْكُرون النِّكَاحَ بعدما صَحَوا جازَ.
الوَكيلُ بطلاق لو سكر وطلَّق يقع في الصحيح، وقيل: لا. من الجامع.
وكّله بطلاق فطلقها وهو سَكْران، فلو وكل وهو سَكْران يقع إذا رَضِي بعِبارَته، ولو وكَّلَه وهو صاحٍ لا يقع إِذا رَضي بعِبارَة الصَّاحي لا السكران. من الجامع.
قال لامرأة الغير: إن دخَلتِ الدَّار فأنتِ طالقٌ. فأجازَ الزَّوجُ، فَدَخَلت الدَّارَ طَلقت، دلَّ أنَّ التوكيل باليَمينِ بالطَّلاقِ جائز، وعن الثَّاني قال: امرأة زيد طالق، وعبده حر، وعليه المشي إلى بيت الله تعالى إن دخل هذه الدَّارَ. فقال زيد: نعم. كان [حالفا] بكُله؛ لأنَّ الجَوابَ يَتَضمَّن إعادَةَ ما في السُّؤالِ. ولو قال: أجَزْت ذلك ولم يقل: نعم. فهو لم يحلف على شَيءٍ. ولو قالَ: أَجَزْت ذلك على إن دخلت الدَّارَ، أَو أَلْزَمْتَه نَفسي إِن دخلت الدَّارَ لَزِم، وإن دخَلَت قبل الإجازَةِ لا يقع شيء. من البزازية.
في كتاب الوكالة: وكلهما بطلاقِ امْرَأَتِه، وقال: لا يُطلق أحَدُكما دُون صاحبه. فطَلَّق أحدهما، ثمَّ طلَّق الآخر، أو طلق أحدهما فأجاز الآخر لم يجز؛ لأنَّهما لم يجتَمِعا، وكذا الوكيلان بالعِتْقِ. ولو قال: طَلّقاها جميعًا ثلاثا فطَلَّق أحدهما طلاقا، ثمَّ الآخر تطليقتين لم يقع؛ ما لم يجتمعا على الثَّلاث من البزازيَّة.
الوكيل بالخُلعِ لا يملك قبضَ البَدَلِ، ولو خالع على قليل جاز عنده، وعندهما لا يجوزُ إِلَّا بِما يُتغابَن. وكله بطلاقها فأبى أن يقبل بطل الوكالة، وإن لم يقُل الوَكيلُ: قَبلت ولا رَدَدْت حَتَّى طلَّقَها يقع استحسانًا. من البزازية.
ولو قال: طلق امرأتي. وطَلَّقها ثلاثا. فإن كانَ نَوى الثَّلاث طلقت وإلا لا عِند وقالا: يقع واحِدةً.
وكله بطلاقها، فلو طلَّقَها الوَكيلُ ثنتين صح الواحد لا الثاني. من الخلاصة.
وكّله بطلقة وطلَّقَها ثنتين لم يجز عنده، وقالا: وقعت واحدة من المنية.
امرأةٌ سألت الطَّلَاقَ مِن زَوْجِها، فقال لها: أنتِ طالق خمس تطليقات. فقالت المرأةُ: الثَّلاث يكفيني. فقال الرَّجلُ: الثَّلاث لكِ والبواقي لصَواحِبك. يقع الثَّلاثُ على المُخاطَبَةِ، وعلى غَير المُخاطَبَةِ لا يقع شيءٌ من الخلاصة.
امرأة قالت لزوجها: أنا طالق. فقال: نعم. تطلق. ولو قالت: طلقني. فقال: نعم. لا تطلق وإن نوى الطلاق. من الخلاصة.
وذكر في المحيط في باب المتفرّقات: قيل لرجل: ألستَ طَلَّقْت امرَأَتَك؟ قال: بلى. تطلق، كأنَّه قال: طلقت؛ لأنَّه جواب الاستفهام بالإثباتِ. ولو قال: نعم. لا تطلق؛ لأنَّه جواب الاستفهام بالنَّفي، كأَنَّه قال: ما طَلَّقت. من الخلاصة.
رجل قال لامرأته: خُذي طَلاقَك. فقالت: أَخَذْت. يقع الطلاق.
امرأةٌ طلبت الطَّلاق من زَوْجِها، فقال الزَّوجُ: لم يبق لك عندي طلاق، قومي فاذْهَبي. فهذا إقرار بالطَّلاقِ ولو قال: ليس لك عِندي طَلَاقٌ. يُشترط النِّيةُ. ولو قالَ: أنتِ طالق من وثاق لا يقع. وروى الحسن، عن أبي حنيفة رَحمَهُ الله: لو قال [الزَّوجُ]: أنتِ طالق من هذا القيد. لا يقع. ولو قال: أنتِ طالق ثلاثًا من هذا القَيدِ. تطلق قضاءً ولم يُديَّن، ولو نَوى الطَّلاق عن العمل لم يُديَّن. وعن أبي حنيفة رَحمَهُ الله: يُديَّن. ولو قال: أنتِ طالق من [هذا] العمل. يقع قضاءً لا ديانة. ولو قال: أنتِ مُطْلَقة - مُخفّفة - لم يقع الطَّلاقُ، ولو نَوى يقع. هذا في التَّجريد من الخلاصة.
ولو قال: برئت من طلاقِك. اختلف المشايخ فيه إذا نوى، وإن لم ينو لا يقع، والأصح أنَّه يقع شرح الشافي. وفي الفتاوى: لا يقع. ولو قال لها: أنا بريء من نِكَاحِك. وقع الطَّلاقُ. ولو قال: أنا بريء منك يأتي في فصل الكنايات. ولو قال لها: أقْرَضْتك طَلاقك. لا يقع.
رجل قال لامرأته: أعرتك طَلاقك. عن أبي يوسف رَحِمَهُ الله أَنَّهَا [تَطلُّق]؛ كما لو قالَ: أَقْرَضْتك طَلاقك. وعن محمد رَحمَهُ اللهُ: لا يقع. وعن أبي حنيفة رَحمَهُ الله رِوايَتان. واختَلَف المشايخ في قوله: رَهَنتُك طَلاقَك. والصَّحيحُ أنَّه لا يقع. ولو قال لها: بعتك طلاقك بكذا. فقبلت طلقت. ولو قال لها: أعَرْتُك طَلاقك. صار الطَّلاقُ في يدها. قال نُصير: وعن أبي يوسف رَحِمَهُ اللهُ أنَّه يقع. وعن محمَّد رَحِمَهُ اللهُ: لا يقع. من الخلاصة.
وفي المحيط: لو قال لامرأته: مُطلَّقة. وقَع الطَّلاقُ عَليها. ولو قال: أَرَدْت به الشَّتم. لا يُصدق قضاءً ودُيّن. من الخلاصة.
رجل قال لامرأته: لا تخرجي من الدَّارِ بغير إذني؛ فَإِنِّي حَلَفت بالطَّلَاقِ. فَخَرَجت بغير إذنه لا تطلق؛ لأنَّه لم يذكر أنَّه حلف بطلاقها، فلعَلَّه حلف بطلاقِ غَيرها، فكان القول قوله. من قاضي خان.
إذا شهد اثنان أنَّ فلانًا طلَّق امرَأَتَه والزَّوجُ غائب لا تُقبل، ولو شَهِدا عند المرأةِ حلَّ
لها أن تعتدَّ وتُزوّج بزوج آخر، وكذا إذا شَهِد عِندها رجلٌ عَدل، قال: فالشَّهادَةُ والإخبارُ عند وليّ المرأةِ كالشَّهادَةِ والإخبارِ عِندها من قاضي خان.
ولو شهد عند المرأة واحِدٌ بمَوتِ زَوجها أو برِدَّته أو بطلاقها حل لها أن تُزوَّج. فصول عمادي.
وإذا غابَ الرَّجلُ عن امْرَأَتِه، فأخْبرَها عدلٌ أَنَّ زَوجَها طلقها ثلاثًا أو ماتَ عنها فلَها أن تعتد وتُزوّج. من فصول عمادي.
من أبانَ امْرَأَتِه في مَرضِه - أي في مرضِ مَوتِه - بلا سؤالها ولا برِضَاء مِنها - وهو مَا يَكُون الهلاكُ فِيه غالبًا، حتّى إذا طلَّق راكِبُ السَّفِينَةِ امْرَأَتَه لا يكون فارا، ولو انْكَسَرت السفينة وطلَّق يكون فارا - ثمَّ ماتَ في العِدَّة نُورثها: أي: نُعْطى لها ميرانا، وقال الشافعي رحمة الله: لا ترث. قيَّد بالإبانة وأرادَ بها الثَّلاثَ؛ لأنَّ الرَّجْعِي لَا يَمْنَع الإرثَ، سَواء وقع في المرض أو في الصحة اتفاقا، والإبانة في تحقيق الخلافِ مُتصوَّرة في الثَّلاثِ؛ لأَنَّ الكنايات كلَّها رَواجِعُ عِنده، وقيد بمرض الموتِ؛ لأنَّه إذا طلَّقَها بائنا في مرض ثمَّ صحَ ثم ماتَ لا تَرِثُ اتفاقا، وقيَّدنا بكونِ الطَّلاقِ بلا سؤالها؛ لأنَّه لو طلَّق بسؤالها لا تَرِثُ اتفاقًا، وقيد بمَوتِ الزَّوج؛ لأنَّها لو ماتت لا يَرِث الزَّوجُ مِنها اتفاقا. من الحقائق من شرح المجمع.
فصل في حق الحضانة
والحضانة للأم بلا جَبْرِها طَلَّقت أو لا، ثمَّ أمها وإِن عَلَت، ثمَّ أَمِّ أبيه، ثمَّ أُخْتِه لأب وأمّ، ثمَّ لأب، ثمَّ خالَتِه كَذلك، ثمَّ عَمَّتِه كذلك، بشرطِ حُرِّيتِهِنَّ؛ فلا حقَّ لَأَمَةٍ وأُمِّ ولَدٍ فيه، والدمية كالمُسْلِمة حتَّى يَعْقِلَ دِينًا، وبنكاح غيرِ مَحْرَمٍ مِنه حَقَّهَا يَسْقُط، وبِمَحْرِمِ لا؛ [كأمّ] نكَحَت عمَّه، وجَدَّةٍ جدَّهُ، ويعودُ الحق بزَوالِ نِكاح سقط به، ثمَّ العَصَبات على ترتيبهم، لكن لا تُدْفَع البنتُ إلى عصبةٍ غيرِ محرم؛ كمولى العتاقِ، وابن العم، ولا فاسِقِ ما جِن، ولا يُخيّر طفل، والأم والجَدَّةُ أحقُّ بالابنِ حتَّى يأكل ويشرب ويلبس ويَسْتَنجي وحده، وبالبنتِ حتّى تحيض، وعن محمَّد رَحِمَهُ الله: حَتَّى تُشْتَهى. وهو المُعْتَمد الفَسادِ الزَّمانِ، وغَيرها حتّى تُشْتَهى، ولا تُسافِر مُطلَّقَةٌ بِوَلِدِها إلا إلى وَطَنِها الَّذِي نكَحَها فيه، وهذا للأم فقط. واقعات.
إذا قالت الأم المطَلَّقَةُ: أنا أُرْضِعُه بغيرِ أجرٍ أو بدِرْهَمين، وأرادَ الزَّوجُ أَن يُرضِعَه غيرها بدرهمين أو بغير شيءٍ فالأم أحق به الأصل في هذا أن الفُرقةَ مَتى وقَعَت بين الزوجين وبينهما ولد صغير - ذكرًا كان
أو أُنثى - أو أولاد صغار، والأم تُريد أن يكونَ الولد عِندها، والأبُ يُريد أن يكون عنده، فالأم أحقُّ به، هكذا قضى أبو بكر الصديق رض لله عنه، ولم يُنكر عليه أحدٌ؛ فكان إجماعا، ولأنَّها على حَضَانِةِ الوَلِدِ أَقْدِرُ، فَكَانَ الدَّفْعُ إليها للصَّبيَّ أنظر، وإن أبت لا تُجبر على ذلك؛ لأنَّها عسَى لا تقْدِر، ولا يُخيَّر الولدُ عِندنا خلافًا للشَّافعيّ رَحِمَهُ اللهُ؛ لأنَّ الصَّحابة لم يُخيّروا، وإذا ثبت هذا فنقول: إن كانَت [الأم ترضع بدرهمين وغيرُها يُرضِع بِدِرْهَمين يُدفَع إلى الأم، وإن كانت] هي تُرضِع بغَير شيءٍ وغيرُها كَذلك دُفِعَ إِلَيها؛ لأنَّ الحَضانة لها من جامعِ الصَّغير.
والأمة إذا أعتقها مولاها، وأمُّ الولد إذا أُعْتِقت كالحُرَّة في حق الولد للحضانة؛ لأنَّهما حرَّتان بثبوتِ الحقِّ لهما، وليس لهما قبل العتق حقٌّ في الوَلدِ؛ لعَجْزِهما عن الحضانة بالاشْتِغالِ ِبخِدمة المولى. من الهداية.
إذا بلغ الابنُ يُخيَّر بين أبَوَيه. من مُنية المفتي.
أبت المنكوحة أن ترضع الولد لا تُجبَر، إلَّا إذا لم يأخُذ الولد لبنَ غَيرها فتُجبَر فِي الأصح. من المنية.
إنَّ البنت لا تُدفَع إلى عصبةٍ غيرِ محرم؛ كابن العم، ومَولى العَتاقَةِ، ولا إلى الفاسق الماجن، ولا إلى ابنه، وإن لم يكن لها إلا ابن العم يُخيَّر القاضي إن شاءَ دفعها إليه إن كانَ أصلَحَ، وإن شاءَ وضَعَها عند الأمين. من شرح الوقاية.
الماجنُ الَّذي يُعلَّم النَّاسَ الحيلة الباطلة؛ بأن يُعلَّم المرأة أن ترتدَّ وتَبِينَ من زَوجِها ثم أسلمت، والعياذ بالله تعالى. من شرح الكنز.
فصل في ثُبوتِ النَّسب (واللعان)
إذا تزوج الرجل امرأة، فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر منذ يوم تَزَوَّجها لم يثبت نسبه؛ لأنَّ العُلوق سابق على النكاح فلا يكُون مِنه، فإن جاءت به لسِتَّة أشهر فصاعِدًا يثبت منه، اعترف به الزَّوجُ أو سكت؛ لأنَّ الفِراشَ قائم، والمدَّة تامة. من الهداية.
وشرط اللعان أن يكُونَ الزَّوجانِ حرَّين عاقِلَين بالغين غيرَ مَحْدودَينِ في القَدْفِ، وأن يكونَ النّكاحُ بينهما صحيحًا، سواء دخل بها أو لم يدخُل. كذا في شرح الطحاوي.
وإِنَّما اشترطت الزّوجِيَّةُ لأنَّ الله تعالى خصَّ بالأزواج، حتَّى لو قَذَفها ثمَّ طلقها ثلاثا أو بائنا فلا حد ولا لعان، وكذا إذا كانَ النّكاحُ فاسدًا لا يجب اللعانُ؛ لأنَّه لَيس بزوج. من غاية البيان.
من قذف بالزنا زوْجَته العفيفة وكلٌّ صَلح شاهِدًا، أو نَفى ولَدَها وطالَبَت به لاعَنَ، فإن أبي حُبِسَ حتَّى يُلاعِنَ أو يُكذِّب نفسَه فيُحدُّ، فإن لا عَنَ لا عَنَت وَإِلَّا حُبِست حَتَّى تُلاعِنَ أو تُصدِّقَ، فإن كان هو
عبدًا، أو كافرًا، أو محدودًا في قذفٍ حُدَّ، وإن صلح شاهِدًا وهي أمَةٌ، أو كافِرَةٌ، أو محدُودَةٌ في قَذفٍ، أو صبيَّةٌ، أو مجنونة، أو زانيةٌ فلا حدَّ عليه ولا لعان - من الوقاية – لأنَّها إنِ اتَّصفَت بالزنا لا تكونُ عَفِيفةً، وإن اتّصفَت بِغَيْرِهِ ممَّا ذُكر لا تكونُ أهلًا للشَّهادة؛ فلا حَدَّ على الزَّوجِ لعدمِ إحْصانها، ولا لعان لعدمِ عفتها ولا أهليتها بالشَّهَادَةِ. من صدرِ الشَّريعة.
نَفَى ولدَ الحَرَّة، يُلا عَن بَينهما، [لكن] إِنَّما ينقطع النَّسَب إِذا نَفى في مدة قريبةٍ، وقدراه بالأربعين، فبعده لا ينقطع، وفوَّض الإمام إلى رَأي القاضي تقديرها، ولو فسَكَت لا يصح نفيه بعده، بخلاف المولى إذا هُنَّى فَسَكَت، فالسكوتُ عند التهنئة في ولد المنكوحَةِ وأمّ الوَلدِ قَبول دُون الأمةِ. من المنية.
نَفَى ولدَه يَجْري اللعانُ وينقطع النَّسب، لكن إذا نَفى بعد الوِلادَةِ بمدة قصيرة، وتقديرُها مُفوَّض إلى رأي القاضي، وقدَّرَا بأربعين يومًا، فإذا نَفى بعد ذلك لا ينفي النَّسب ولا يَجْري اللعانُ، بل يُحَدُّ، وهذا إذا لم يقبل التهنئةَ، أَمَّا إِذا قَبلَ التَّهنئة بأن هُنِّى فسَكَت لا، وهكذا في ولد أمّ الوَلدِ ِإذا وَلَدت، إلَّا أنَّ السُّكوتَ عِند التَّهْنِئةِ في ولد أم الولدِ ليس بقبول. من منية المفتيه.
كتاب العتاق
رجلٌ قالَ لعَبدِه: أنتِ حرَّة. أو قال لأمَتِه: أنتَ حرٌّ. يَعْتِقُ.
وإن قال لرجل: يا زانية لا يحدُّ؛ لأنَّ في المسألةِ الثَّانيةِ قَدْفًا بالزِّنا لا يُتصوَّر مِنه؛ لأنَّ زِنا النِّساءِ من الرِّجالِ لا يُتصوّر فلا يكونُ قَذفًا مُوجِبًا للحد، ولا كَذلك في الأُولى؛ لأنَّ عِتَقَ الرِّجالِ والنِّساءِ سَواء. من منتخب.
عبد اتكأ على حائط، فقال مولاه: أزادباش، وقال: عنيت به أزادباش من الحرائر. لا يُصدَّق ويعتق. ولو قال: أنت حر من كذا، أو أنت حر اليوم من هذا اليوم يَعْتِق في القضاء.
إذا قال بالهجاء: أنت حر. إن نوى العتق عتق وإلا فلا، وكذا الطلاق. من خزانة الفقه ه. رجلٌ أَشْهَد أن اسم عبده حُر، ثمَّ دَعاه يا حُر. لا يعتق، ولو دَعاه بالفارسية: يا أزاد يعتق، ولو سماه أزاد، ودعاه بأزاد لا يعتق، ولو دَعاه بالعربيَّة: يا حُريَعتِق، ولو سمَّى امرأته طالق، ثم دعاها: يا طالق تطلق من الخلاصة.
رجل قال لجاريته: يا حرَّة. وأراد به الكذبَ عَتقت قضاء لا ديانةً، ولو قال لعبده: يا حرَّة، أو لجارِيَته يا حُر. يَعْتِق، بخلافِ ما لو قال لرجل: يا زانية. من الخلاصة. ولو قال لعَبدِه: يا بابا، أو يا جان بدر. لا يعتق، ولو قال: ابن كوجه من ست ففيه اختلاف، واختيار صدر الشَّهيد القاضي برهان الأَئِمَّةِ أَنَّهُ لا
يعْتِق وإِن نَوى، ولو قال: هذا خالي أو عمّي يَعتِق، ولو قال هذا أخي لا يعتق من الخلاصة.
رجل أعتَقَ عبده، ثمَّ يجوز بيعه فكيف يكون؟
الجواب: رجلٌ أعتَقَ عَبْدَه في دارِ الحَربِ، ثمَّ خرج إلى دار الإسلام [معه]، ثمَّ أبقَ فَدَخَل إلى دار الحرب، وبعد ذلك غَلَبنا عليهم فوَجَدَ عَبدَه فَأَخَذَهُ، فَيَجُوز بيعه بعد ذلك.
ولو قال لعبده أو أمَتِه: أنا عبدك. عتق إذا نَوى فيه، والأصح لا يعيق وهو المُختارُ؛ لأنَّه يُراد بهذه الكلمةِ اللطفَ عُرفًا. من شرح الكنز.
إذا قال لعبده: إن دَخَلت الدار فأنتَ حرٌّ. ثم باعه، ثمَّ اشْتَرَاهِ فَدَخَلَ الدَّارِ عَتَقَ. من الأكمل.
ولو قال: أنتَ حرّ قبل موتي بشَهرٍ. وهو صحيح، فمضى شهر ومات المولى قيل: يعتق من الثلث. وقيل: من جميع المال والأصح أنَّه يعتق من جميع المال عند أبي حنيفة رَحِمَهُ الله؛ لأنَّ عِنده يستند العتق إلى أوّل الشَّهرِ قَبل الموتِ، وهو كانَ صَحيحًا في ذلك الوقتِ من المحيط البرهاني كذا في قاضي خان.
ولو ملك أحدًا من والديه أو مولوديه عتق عليه بالإجماع، أمَّا إِذا مَلَكَ غَيْرَهم من المحارم، كالأخ والأخت والخال والعم فكذلك الجواب عِندنا خلافًا للشافعي رحمة الله، ولو ملك بني أعمامه أو بَني أخواله لا يعتق عليه، وكذا الأخوة والبنوة من الرَّضاع لا تقتضي العتق بالإجماع. من خزانة الفقه.
ولو قال لعبده أو أمته هذا ابني أو ابنتي يعتق، ولا يُشترط الثَّبات على إِقْرارِه. من قاضي خان.
ولو أنَّ رجلًا أو امرَأَةً قال لعبده أو أمَتِه: أنتَ حرٌّ قَبل مَوتي بعشرةِ أَيَّام. ثمَّ قال المولى: رجعت عن هذا القول. فلا يصح الرُّجوع بالقَولِ، ولو باعه أو وهَبَه لأحَدٍ أو تصدق به على أحدٍ يُجزئه وليس هذا بمَنزِلِةِ المُدبَّر، وإن لم يفْعَل شيئًا من ذلك حتَّى ماتَ نُظر في ذلك، فإن مات بعد هذه المَقالَةِ قَبل أن يتمَّ عَشَرة أَيَّام لا يعتق، وإن عاشَ بعد هذه المقالةِ عَشَرة أَيَّام ثمَّ ماتَ عتق. ولو قال: أنتَ حرّ بعد موتي بعشرة أيام يكون هذا بمنزلة الوصِيَّة؛ له أن يَرجِعَ عن هَذا، وإن لم يرجع حتَّى مَاتَ يَنْبغي للوصي أن يعتقه بعد مَوتِه، وإِنَّما يعتق من الثَّلث. من كُتب محمد بن حسن الشَّيباني كذا في المحيط.
ولو قال لأمته: أنتِ طالق أو بائن أو تخمّري فنَوى به العِتق لم تعتق.
اعلم أنَّ صَريحَ الطَّلاقِ وكنايَاتِه لا يقع به العِتَّقُ عِندنا، وقال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله: يقع به العتق إذا نَوى. كذا ذكر علاء الدين العالم في طريق الخلافِ قَول الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله: لو قال لامرأته: أنتِ حرَّة. ونوى به الطَّلاق يقع الطَّلاقُ [بالاتفاق]، وكذا إذا قالَ لأمَتِه: أنتِ طالق أو بائن أو حَرامٌ ونَوى به الحرِّيَّة يَقْتضي العتق من غاية البيان.
ولو قال: نسَبُك حرّ. أو قال: أصْلُك حرٌّ. إن عَلِم أنَّه مَسْبيٌّ لا يعتق، وإن لم يعْلَم أنَّه مَسْبي فهو حر. من قاضي خان.
رجلٌ له عبد في يده، فقيل له: أعتقت هذا العبد؟ فأَوْمَا بَرَأْسِهِ بَنَعم لا يعْتِق؛ لأَنَّه قادرٌ على العِبارَةِ؛ فلا تقوم الإشارَةُ مقامَ العِبارَةِ. ولو كانَ في يَدِه صبي، فقيل له: هذا ابنك؟ فأَوْمَا بَرَأْسِهِ بنَعم يثبت نسَبه مِنه؛ لأنَّ النَّسَب لا يتعلَّق بالعِبارَةِ؛ فجازَ أن يثبت بالإشارَةِ.
من قاضي خان رجل قال لعبده: إن شتمتك فأنتَ حرٌّ. ثمَّ قال له: لا بارك الله. أو قال: اللهم العنه. لا يعتق؛ لأنَّ شرط الحِنْثِ الشَّتم، وهذا دعاء وليس بشَتْم. من قاضي خان.
رجل تزوج بأمَتِه المعروفة وأقر بنكاحها لا يجوز، ولا تعتق الجارية. من قاضي خان.
رجل قال لعبده: أنتَ حرّ مِن ثُلثي. يعتق من جميع المال بعد الموت. ولو قال [لعَبدِه]: تُصبح غدًا حرا. كان العتق مُضافًا إلى الغد. ولو قال: تقوم حرا أو تقعد حرا يعتق للحال. من قاضي خان.
إذا قال لأمَتِه: إن دخَلْت الدَّار فأنتِ حرّة. ثمَّ أعتَقَها، ثمَّ ارتَدَّت ولحقت بدارِ الحرب، ثمَّ سُبيت، ثمَّ مَلَكها الحالفُ، ثمَّ دخَلَت الدار لا تعتق، وقال زُفرٍ رَحِمَهُ الله: تَعْتق. ولو كان العبد كافرًا يكون الحكم هكذا. من البزازيَّة.
أمَّا المُدبَّر المُقيَّد فألفاظه خَمسة: إن مِتُّ من مَرَضي هذا أو مِن سَفَري هذا فأنتَ حرّ، أو أنتَ حرّ قَبل مَوْتِي بِشَهرٍ، أو قبل موتِ فُلانٍ بشَهر، أو إن مِتَ أنا وفُلان فأنتَ حر. ولو قال: أنتَ حرّ بَعد موتي وموت فُلانٍ لم يكُن مُدبَّرًا، فإن ماتَ فُلانٌ قَبل المولى صارَ مُدبَّرًا، وإن ماتَ المَولى قبل فُلان صارَ العبدُ مِيرانًا للوَرَثِةِ، وصارَ كَما لو قالَ: إِن كلَّمت فُلانا فأنتَ حرّ بَعد موتي. فكلَّم فلانًا يَصِير مُدبَّرًا وقبله لا. ولو قال: أنتَ حرّ بعد موتي بيوم، أو بشهرٍ، أو بسنةٍ. فهو وصِيَّة بالاتفاق، ولا يعْتِق حتَّى يعتِقَه الورثة، أو القاضي، أو الوصي، ويصح بيعُه. ولو قال: أنتَ حرّ قَبل مَوتِي بِيَومٍ. لم يكُن مُدبَّرًا، فإذا مات استند العتق إلى ذلك الوَقتِ عند أبي حنيفة رَحِمَهُ اللهُ، لكن المُستند لا يظهر في حقّ المنع من التّصرُّف الذي باشر. من المحيط البرهاني.
رجل قال لعبده: إن بعتك في هذا البلد أبدًا فأنتَ حرّ. فباعه بيعًا صَحِيحًا لا يعتق؛ لأنَّه لما حَنِث زالَ العبد عن مِلْكه فلا يعتق، وإن باعَه بيعًا فاسدًا ثُمَّ أَرْسَلَه إلى المُشْتَرِي عتق؛ لأنَّ شرط الحنثِ قد وُجِد والعبد باقٍ على ملكه فيعتق، وإن باعه بيعًا فاسدًا إن سلَّمه إلى المُشْتري أولا ثم باعه لا يعتق. من قاضي خان.
إن قال: إن بعته فهو حرٌّ. فباعَه عَلى أنَّه بالخيار يعتق؛ لأنَّه لم يخرج عن ملكه، وقد وُجِدَ الشَّرطُ وهو البيع. ولو قال: إن اشتريته فهو حرّ. فاشترى على أنه بالخيار عتق، أما على أصْلِهما فلأنه دخل في ملكِ المُشتري، وأما على أصل الإمام فلأنَّه علق العتق بالشَّراءِ، فكأنَّه قال بعد الشَّراءِ بالخيار: فهو حر فيعتق من ظهيرية.
قال: أنتَ حرّ بَعد موتي بكذا تدبير مُقيَّد. قال: أعْتِقوه عنِّي بَعدِ مَوتِي. ثمَّ بَاعَه جَازَ. من منية المفتي.
إن خَدَمْتني كثيرًا فأنتَ حرٌّ. فإذا خدمه أكثر من شهر عتق، وإلا فلا. من القنية. ولو كاتب عبده على أن يخدمه شهرًا أو يخدُمَ غَيرَه جازَ، وللمكاتب أن يُسافِرَ بغَيرِ إذن المولى. من خزانة الفقه.
ولو قال لعبده: هذا أخي لا يعتق، وروى الحسن، عن أبي حنيفةَ رَحِمَهُ الله أَنَّهُ يعْتِق. ولو قال: هذا أخي لأبي، أو قال: لأمي. يعتق. من قاضي خان.
رجل قال لجاريته قد ولَدَت هَذه أمُّ ولَدِي. إن كانَ القولُ فِي الصِّحَّةِ تَصِيرُ أُمَّ ولَد له، سواء كان مَعَها ولدٌ أو لم يكُن، وإن كانَ القَولُ في مَرضِ المَوتِ، فَإِن كَانَ مَعَها ولدٌ تصير أم ولد له يعتق من جَميعِ المال، وإن لم يكن معها ولد عتق من ال الثلث وأمُّ الوَلَدِ تعتق بمَوتِ المَولى من جَميعِ المَالِ، ولا سعاية عليها على كلِّ حالٍ. من قاضي خان.
ولو جَرى عَلى لِسَانِه لفظ الطَّلاقِ أو العتاق من غيرِ قَصدِ يقع عند محمَّد رَحِمَهُ الله، وعند أبي يوسف رَحِمَهُ اللهُ يقع العِتق ولا يقع الطَّلاقُ، وعند أبي حنيفة رَحِمَهُ الله لا يقع العِتْقُ ويقَع الطَّلاقُ، ولو جَرى على لسانه لفظ الكفرِ مِن غَير قَصْدِ لا يَكْفُر بالاتفاقِ، ولو جَرى على لسانه لفظُ النَّذرِ مِن غَير قصد يلزم بالاتفاق. من الواقعات.
رجل قال لمَمْلُوكِه: أنت غير مملوك. لا يكون ذلك عِتقا منه.
رجل له عبد، ولعبده ابن، فقال المولى لعَبدِه: ابنك ابن حرّ. عتق الابن، ولم يعتق الأب. ولو قال: أب ابنك حر. عتق الأب ولا يعتق الابنُ. ولو قال: رأسك حر، أو بدنك حر. أو أضاف إلى ما يُعبَّر به عن البدَنِ يعتق كما في الطَّلَاقِ، ولو أضاف إلى جُزءٍ شائع؛ بأن قال: نصفك حر أو ثلثك حرٌّ. يكون إعتاقًا لذلك القَدرِ خاصة في قول أبي حنيفة رَحِمَهُ اللهُ بخلافِ الطَّلَاقِ.
ولو قال: فرجُك حرٌّ. لعبد أو لأمَةٍ عتق بخلافِ الذَّكر في ظاهرِ الرّواية.
رجل صحيح قالَ لعَبدِه: أنتَ حرِّ قَبل مَوْتِي بشهر. ثم مات بعد شهر، قال بعضُهم: يعتق من ثلث ماله. وقال بعضُهم: يعتق من جميع المالِ. وهو الأصح؛ لأنَّه على قولِ أبي حنيفة رَحِمَهُ الله يَسْتَنِد العتق إلى
أوَّلِ الشَّهرِ قَبل الموت، وهو كان صحيحًا في ذلك الوَقتِ. من قاضي خان.
صبي في يد رجل، فقيل له: هذا ابنك؟ فأَوْمَاً بَرَأسِه أي نعم ثبت نسبه، ولو قيل له: أعتق هذا العبد. فأَوْمَاً برَأسه بنَعم لم يعتق، ولَيس النَّسَب كالعتقِ؛ لأنَّ النَّسَب يُحتاط في إثباته، ألا يرى أنَّه ثبت من غيرِ دَعوةٍ، ولا كَذلك العِتق، وكذلك لو قيل لرجل:: طلقت امرَأَتَكَ؟ فَأَوْمَا بَرَأسِه أي نَعم لا يجوز طلاقه من الفُصولين.
ويجوزُ عِتْقُ الآبق من الظَّهارِ إذا كان حيًّا من المبسوط.
ولو قال: كلُّ عبد لي فهو حر، أو كلُّ أمةٍ لي فهي حرَّة. وله خُنثى مشكل لم يعتق، ولا يُقبل قوله: أنا ذكَر، أو أُنْثى. من مُنية المفتي.
رجلٌ زنّى بجارِيَة أبيه أو أمه، أو جده، أو جدته، فولدت ولدًا فهو حر. من المنية.
ولو وطئ جارِيةَ امرأتِه، أو جارية والده أو جده فوَلَدت ولدا وادَّعاه لا يثبت النَّسَبُ، ويَنْدرِئ عنه الحدُّ بالشُّبهة، [فإن] قال: أحَلَّها إِليَّ المَولى لا يُثْبُت النَّسب إلا أن يُصدِّقَه في الإحْلالِ، وفي أنَّ الولد مِنه، فإن صدقه في الأمرين جميعًا يثبت النَّسَب وإِلَّا فَلا، وإن كذَّبه المولى ثمَّ ملك الجارِيَة يوما من الدَّهرِ يثبت النسب منه. من قاضي خان.
ولو قال لعبده: أد إليَّ ألفا وأنتَ حرّ - بالواوِ - لا يعتق العبدُ إِلَّا بِالأَداءِ؛ لأنَّ الواو للحال، والأخوال شروط، أما لو قال: فأنتَ حرّ. في هذه الصورةِ أَنَّه يعْتِق في الحالِ قبل الأداءِ؛ لأنَّ العتقَ لدَوامِه سَرى لمُعتقِه، فكانَ مَعنى الفاءِ فيه موجودًا من شرح المفصل. مَرِيضٌ حَرَّر قِنه، ورَضِي به الوَرَثَةُ قَبل مَوتِه، فالقِنُّ لا يسْعَى في شيء. من الجامع. قال لأمته: هذه أمُّ ولَدي. فلو قاله في صحته تصير أم ولده، معها ولدٌ [أو لا، ولو قاله في مَرضِه تَصِير أمَّ ولَدِهِ، ويَعْتِق من كلِّ مالِهِ لو مَعَها ولدٌ]، ولا تعتق من الثَّلثِ. من الجامع.
أقر في مرضه بقنٌ لا مْرأته ثمَّ حرَّره، فلو صدَّقَه الورثة بطل عِنقه، ولو كَذَّبُوه عتق من الثلث. كذا في الجامع. هذا بإطلاقه يدلُّ على أنَّ المريضَ لو أقرَّ لَوَارِثِه بعين وصدقه بقيَّة الوَرَثَةِ في حَياتِه فلا حاجة إلى تصديق بعد موته من جامع الكبير.
ولو قال: إن متُّ مِن مَرَضي فأنتَ حرٌّ. فقُتِل لا يَعْتِق. ولو قال: إن متُ في مَرَضي يعتق من الجامع.
وإذا وَطِئ الأب جارية ابنه فماتَ مَولى الوَلدِ فادَّعاه ثبت نسَبه مِنه إذا كانَ الأَبُ حرا مسلما، وسكت الابنُ عَن دَعْوى الوَلدِ، فإذا ادّعاه الا بنُ مع أبيه فالوَلدُ للابْنِ، وكذا الجارِيَة أمُّ ولَدٍ له. من الفتاوى
الكبير.
ومَن وَطِئَ أمة ابنه، فولدت فادَّعاه يثبت نسبه، وهي أمُّ ولَدِهِ، ووَجَب قيمتها لا مهرها، ولا قيمة ولدها، والجد كالأبِ بَعد موته فيه لا قبله. من الوقاية.
عبد أبق ودخل إلى دارِ الحَربِ، ثمَّ خرج إلى دار الإسْلامِ باختيار نفسه بغير الأَسَارَى عتق في الحالِ بغَيْرِ رِضاء المَوْلى؛ لأنَّه أُعْتِق الله مجانًا بالاتفاق. من الخزانة.
غُرَّم المَوْلى إن وَطِئ مُكاتبته، يعني: لو وَطِئ المَوْلى لَزِمِ العُقْرُ؛ لأنَّه لا يُمكِن إيجابُ الحد لبقاء الملكِ رَقَبة، فيُعتبر العُقر، ويكون العُقر لها؛ لأنَّهَا صَارَتْ أَخَصَّ بكَسبِها وأجرتها ليتوسل إلى المَقْصودِ بالعُقرِ؛ إذ مَنافِعُ البُضْعِ مُلحَقَة بالأعيانِ لا العِيان. من شرحِ الكَنز.
وإذا وَطِئ أمَتَه المُكاتبة فجاءَت بوَلدٍ فادَّعاه يثبت نسبه منه، ولا يُشتَرطُ تَصدِيقُها؛ لأنَّ رقبتها مملوكة له بخلافِ كَسبها، ولو ملکه يوما بعدما كذَّبه المُكاتب ثبت نسبه وصارَت أمّ ولَدٍ له، أي ملكها؛ لأنَّ الإقرار به باق، وهو المُوجِب، وزَال حقُّ المكاتب، وهو المانع من الشرح.
ولو أراد أن يجعَلَ شيئًا لأمّ الوَلدِ بوَجهِ، يُوصِيه لها. من مُنية المفتي.
والحَملُ يُعْتِق أمَّه لا هي تُعْتِقه، والوَلَدُ يتبع أمه في المِلْكِ والرِّقٌ والعِتْقِ وفُروعِه، وولدُ الأمَةِ مِن زَوجِها مِلْكُ لسَيّدها، ووَلدُها من مَوْلاها حر. من الوقاية.
كاتب قِنَّه على قيمته لم يجز؛ إذ الكِتابَة الفاسدة لم يجب فيها القيمة، فلو أداها يَعْتِق؛ إذ فاسدها كجَائِزها في الأحْكامِ، فإنَّها مَشْروعَةٌ من وجهِ، إِذِ الفاسِدُ من العُقودِ ما هو مَشْروعٌ من وجه دون وجه من الجامعِ في الفصل الثلاثين والفرق بين المِلْكِ والرّقِّ أَنَّ الرِّقَّ هو الذي ركَّبَه الله تعالى عِبادَه جَزاء استِنْكَافِهم عن طاعَتِه، وهو حقُّ الله تعالى أو حقُّ العامة على ما اختلفوا فيه، والمِلْكُ هو تمكن الشَّخص منَ التّصرُّفِ فيه، وهو حقه، وأوَّل ما يُوجَد المأسور يُوصَف بالرِّقٌ ولا يُوصَف بالمِلْكِ إِلَّا بَعد الإخراج إلى دار الإسلام. من شرح الهداية.
ولو حرَّره على خدمته سنة فقَبِل عتق وعَليه خِدمته في مدَّتِه، فإن ماتَ مَولاه قَبْلَها يجب قيمته، وعند محمد رَحِمَهُ اللهُ قيمَة خِدمَتِه. من الوقاية ه. يعني: لو قال رجُلٌ لعبده: أنتَ حرّ على أن تخدمني سنة. فقبل العبد عتق من ساعَتِه لوُجودِ الشَّرطِ وهو القَبولُ؛ لأنَّ الإعتاق يقتضي القبول لا وُجودَ المَقْبولِ، أمَّا لو قال: إن خَدَمْتَني سنةً فأَنتَ حَرٌّ. لا يعتق بقبولِ الخِدمَةِ ما لم يُوجَدِ الخِدمَةُ؛ لأنَّه أَوْجَب له العتق بوجودِ الخدمة، وعليه خدمة سنة، فإن ماتَ المَوْلى أو العبدُ قَبل أن يخدمه سنةً فعَليهِ قِيمَةٌ نَفسِه عند أبي حنيفة وأبي
يوسف رَحِمَهُمَا الله، وقال محمَّد رَحِمَهُ اللهُ: خِدمة سنة. من شرح الوقاية لأسود.
مَن أَعْتَق عن دبر مطلقًا؛ بأن مِتُ فأنتَ حرّ، أو أنتَ حرّ عن دبرٍ منِّي، أو أنتَ مُدبَّر، أو دبَّرتك، أو إن مت إلى مائة سنة. وغلب موتُه قَبْلها فمُدبَّر لا يُباع، ولا يُوهَب، ويُسْتخْدَم ويُسْتأجر، والأمةٌ تُوطَأ وتُنْكَح، فإن مات سيده عتق من ثلث مالِهِ وسعَى في ثُلثيه إن لم يترك غيرَه، وفي كلَّه إنِ استَغْرَقه دينه. من الوقاية.
ولا يتْبعُ الولدُ الأمَ في التَّدبيرِ المُقيَّد، ويتْبَعُها في المُطلَقِ وإن كانت حاملا حين دبرها. كذا في واقعات التَّرجُماني من مجمع الفتاوى.
اشترى أمةً وهي حُبلى من أبيه بنكاح أو وطءٍ عن شُبهةٍ يعْتِقُ ما فِي بَطْنِها؛ لأَنَّهُ أَخُوه، وله أن يبيع الأمةَ إذا وضَعَتْه؛ لأنَّ الأمة لم تَصِرُ أمَّ ولَدِه. من مجمع الفتاوى. وإن قال: أنتَ حرّ قَبل مَوْتِي بِشَهرٍ. فمات قبل مُضي شهرٍ بطَل ذلك، وإن مَضى شهر ثمَّ ماتَ المَوْلى عتق قبل موته بشَهرٍ كما قال، وإن كانَ المَوْلَى صَحِيحًا يَومَئِذٍ عَتَقَ من جَميعِ المال، وإن كانَ مَرِيضًا عتق من الثَّلث. من التكملة.
ولو قال: أنتَ حرّ قَبل مَوْتي بيَومٍ. لم يكُن مُدبَّرًا، فإذا مات استَندَ العِتْقُ إلى ذلك الوقتِ عِند أبي حنيفةَ رَحِمَهُ اللهُ، لكن المُسْتَنِد لا يظهر في حق المنعِ من التصرُّف الَّذِي باشَرَه. [من الوجيز].
ادعى الورثة على غُلامٍ أَنَّكَ كُنت مِلكَ مُورّثي، وقال الغلامُ: إِنِّي كُنت ملكَ فُلانٍ آخر وحرَّرَني. تُقبل بينته، وينتَصِب خَصما على الغائب في إثباتِ الملكِ والإعتاق، فإذا قُضِي به ثمَّ بُرْهَن آخرُ أَنَّكَ قِنِّي لا تُقبَل بينته؛ إذ ذلك القضاء على النَّاسِ كَافَّة، إذ فيه صَيْر ورَتُه أهلا للشَّهادَةِ، وهو يثبت في حقٌّ النَّاسِ، فيَنْتَصِب هذا المُدَّعِي خَصْمًا عن النَّاسِ كافَّة، كأنَّهم حضروا فبرهنوا عليه. من الفصولين.
ولو أعتق السفيه عبده عتق ويسْعَى في جَميعِ قِيمَتِه لصيانة ماله دفعًا للضَّرر عنه، وتدبيره جائز، وإن ماتَ يَسْعى قيمتَه مُدبَّرًا [ولا يَسْعَى نُقصان التَّدبيرِ؛ لأنَّه عَبْدُهُ ما دَام حيّا. والسّعايَةُ لا تجب] للمولى [على] عَبدِهِ إِلَّا في الكِتابَةِ. من الوسيط. القضاء بالحُرِّيَّةِ وفُروعِها قَضاء على النَّاسِ كلّهم؛ لأنَّ الحرّيَّة حق الله تعالى [لا يجوزُ استرقاق الحرّ برضاه، والنَّاسُ كلُّهم خُصوم في إثباتِ حق الله تعالى] لكَونِهم عَبِيدَه، فكانَ حُضورُ الواحِدِ كحُضورِ الكلِّ، كالورثة لما قاموا مقامَ المُورِّثِ فِي إِثْبَاتِ حُقوقِه أو في الدفع عنه قام البعضُ مقامَ الكل، بخلاف المِلْكِ؛ لأنَّه حقُّ العبدِ على الخُلوص، فلا ينتَصِب الحاضِرُ خَصما على الغائِبِ؛ لعَدمِ ما يُوجب القضاء به خَصْمًا، فالقَضاءُ عَليه لا يَكُونُ قَضاء على الغَيرِ، إِلَّا أَنَّ مَن تلقَّى المِلْكَ من جهته يَصِير مَقْضِيَّا عليه أيضًا؛ لتَعدِّي أَثَرِ القَضاءِ إِلَيه لاتحادِ الملكِ. من شرح الوافي.
اعْلَم أَنَّ الأصل في دارِ الإِسْلام الحُرِّيَّةُ، فمَنِ ادَّعَى أَنَّه حرُّ الأَصْل فالقول قوله؛ لأنَّه متمسك بالأصل، عن هذا قُلْنا: إِنَّ رَجُلًا لو ادَّعَى أنَّه حرُّ الأَصْل وأقامَ شَاهِدَين لا تُقبَل بينته؛ لأنَّ القول قوله فَلا حاجَةَ إلى البيِّنَةِ، لكن إذا ادَّعَى إِنْسانُ الرِّقَ عَليه وأَقامَ البيِّنَةَ فالآن تقبل بينته على حُرِّيةِ الأصل دَفعًا لبيِّنَةِ الرّقِّ. من فصول عمادي.
ومن ادعى حرِّيةَ الأصْلِ ولم يذكر اسم أمه ولا اسْمَ أَبِيه وجَده يجوز؛ لأنَّه يجوز أن يكُونَ الإِنْسانُ حرَّ الأصل وتكونَ الأم رقيقًا، وصُورَتُه كَثيرٌ. من العمادي.
التقادم في الطَّلاقِ يُقبَل لعدم شَرطِيَّة العَدالة في الطَّلاقِ والعَاقِ، وعند بعض المشايخ لا يُقبل إذا كانَ الشُّهودُ اثْنَينَ خاصَّة؛ لأنَّ أداءَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِما مَخصوص، أمَّا إِذَا كانَ الشُّهُودُ أَكثَرَ مِن اثنين فيُقبَل شَهادَتُهم اتفاقا؛ لاحتمالِ أَن يُؤدِّيَ بعضُهم الشَّهَادَةَ دُون البعض؛ لأنَّه إذا أدَّى بعضُهم الشَّهادَةَ سقط عن الباقين. من فتاوى بديع.
كتاب الأيمان
رجل دفع كِتابَ الفِقْهِ أو دفترَ الحِسَابِ وفيه مَكْتُوبُ: بسم الله الرّحمن الرّحيم. فقال: أنا بريء مما فيه إن دخَلْتُ هذا البيتَ فَدَخَل يلزمه الكفَّارَةُ؛ لأنَّه يمين بالله. من المنتخب.
قال: والحَلِفُ بحَرفِ القَسَمِ، وحُروفُ القَسَمِ الواو؛ كقوله: والله. والباء؛ كقوله: بالله. والتّاء؛ كقوله: تالله. لأنَّ كلَّ ذلك مَعْهودٌ في الأَيْمانِ، ومذكور في القُرآنِ، وكذا الله في المُختارِ؛ لأنَّ الباءَ يُبدَل بها أي باللام، قال الله تعالى: {ءَامَنتُم بِهِ} [البقرة: 137] أي آمنتم له. من الهداية.
اليَمينُ تَقْوِيةُ أحدِ طَرَفي الخبر بالمُقْسم به. من الكنز.
حلف لا يؤُمُّ أحدًا، فافتتح الصَّلاةَ لنَفْسِه - يعني: نوى أن لا يؤم - فجاءَ قوم واقْتَدَوا به حَنِتْ قضاءً لا دِيانةً؛ لأنَّه أم بهم ظاهِرًا فَيَحْنَتْ قَضاءً، لكن لا يقصد إمامتهم، والقَصْدُ أمر بينه وبين الله تعالى؛ فلم يحنث دِيانةً، حتّى لو أشْهَد قَبلَ الصَّلاةِ أَنَّه يُصلِّي لنَفْسِه لا يحنث قضاء؛ لأنَّه مَصدُوقٌ في أنَّه لم يقْصِدُ إما مَتَهم لوُجودِ الدَّليل، وهو الإشهاد. من المنتخب.
حلف وقال: إن قرَأْتُ القُرآنَ فَامْرَأَتُه. طالقٌ. فقرأ بسم الله الرّحمن الرّحيم، فإن نوى ما في سُورَةِ النَّمل يقع؛ لأنَّه قُرآنٌ عُرفًا، وإن لم يكن له نيَّة، أو نَوى غير ما في سُورةِ النَّمل لا يقع، ولو حلف لا يتكلَّم فقرأ القرآنَ في صَلاتِه لم يحنث، ولو قرأ خارِجَ الصَّلاةِ حَيْث، وقيل: هذا إذا حلف بالعربيَّة أمَّا بالفارِسيَّة لا يحنَتْ في الوَجْهين. من الواقعات. وإن حلف لا يركب فَرَسًا فَرَكِب برذونًا لا يحنث، لأنَّ الفرسَ عِبارَة
عن العربي، والبرْذَون عبارة عن الشهري. كذا في البديع.
ولو قال: والله لا أكلمه يومًا، والله لا أكلمه شهرًا، والله لا أكلمه سنةً. إن كلَّمه بعد ساعَةٍ فعليه ثلاث كفَّاراتٍ، وإن كلَّمه بعد الغدِ فكفَّارَتان، وإن كلَّم بعد. لم بعد شهر فواحِدَة، وإن كلَّم بعد سنة لا شَيء عليه. من جامع الفتاوى.
ولو حلف أن لا يفعله، ثمَّ حلف في ذلك المجلس أو مَجْلسِ آخَر أَن لا يَفْعَلَه وحَيْث يلزَمُه كَفَّارتان إن نَوى بالثَّاني يمينًا مُبتدأ، وإن نوى اليَمينَ الأَوَّلَ يَلْزَمُه كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. حلف بأيمان في مجلس أو مجلسين فلكل كفَّارة، وإن قالَ: أَرَدْت بالثَّانِي الأُولى لم يصح في الحلف بالله. من جامع الفتاوى.
حلف وقال: الله عليّ ألفُ حجّة. لزِمَه الكلُّ، وإن لم يعِشْ أَلفَ سَنة مختلِفةً في مقالة الشَّافعيّ رَحِمَهُ اللهُ. ولو حلف لا يُكلَّم فلانًا فهو على الأَبَدِ في أي وقت كلَّمه حَنث، وإن نَوى وقتا لم يُصدَّق ديانة وقضاء. من جامع الفتاوى.
وحلف وقال: الله عليَّ ثلاثون حجّة يلزَمُه بقدرِ عمرِه إِن استطاع. حلف لا يُكلِّمه فقال: يا حَائط كَذا وكذا. لا يحنث وإن كانَ غَرَضُه إِسْماعَه. من مُنية المفتي ولو قال: أول يومٍ آخِر هَذا الشهر. يقع على السَّادس عشر من الشَّهِرِ؛ لأنَّه أَوَّل يومٍ من آخِرِ الشهر. ولو قالَ آخِر يَومٍ من أوَّل هَذا الشَّهِرِ يقع على الخامس عشر من الشَّهرِ؛ لأنَّه آخر يومٍ من أوَّل الشَّهرِ. كذا في الأجناس من غاية البيان.
حلف لا يأكُل هذا الجَمَد، فَذَاب ثمَّ انْجَمَد، ثمَّ أكله لا يحنث، بخلاف ما لو حلف
لا يَشْرب هذا الماءَ، ثمَّ انجَمَد، ثمَّ ذَابَ فشَرِب حَنث. من القُنية. حلف لا يَعْرِف هذا الرّجلَ وهو يعْرِفه بوجهه دون اسمه ونسبه لا يحنث، وإن نوى معرفة الوجه فهو على ما نَوى. من خِزانة الفقه.
حلف لا ينظر إلى فلان فنَظَر إلى يَدِه أو رجله فلم يَرَه، وإِنَّمَا الرُّؤيةُ على الرَّأْسِ في الوجه والبدنِ، وإن رأى عَلى رَأسِه فلم يرَه، وإن رآه فلم يَعْرِفه فقَد رَآه، وإن نظر إلى مُقدَّم فرَأَى الصَّدرَ والبطنَ فقَد رَآه، وإن رأى أكثر بطنه وصَدرِه فقَد رَآه، وإِن رَأَى أَقلَّ مِن النصف فلم يره.
حلف لا ينظر إليها لا يحنث إن نظر إليها في النقابِ ما لم يكُن أكثَر وَجهِها مَكْشوفًا. حلف لا ينظر الحرام، فنظر إلى وجه الأجنبية ليس بحرام، مذكور في التجنيس، و في المُفصَّلات: لَيس النَّظَر إلى وجه الأجنبيَّة حَرَامًا مُطلقًا، ولكن يأثم بذلك. من خزانة الفقه.
ولو قال لامرأته: إن لَبِستُ من غَزْلِك فهو هَدي، واشْتَرى قطنا فغَزَلت ونسجت فلبسه، فهو هدي عند أبي حنيفة رحمه الله، وقالا: لَيس عَليه أن يُهدِيَ حَتَّى تغزلها من قطن ملكه يومَ الحَلِفِ. من غاية البيان.
ولو قال الرّجلُ: إِن لَبِستُ من غَزلِك فأنتِ طالق. فلم ينزع ما كانَ لابسا تطلق امرأتُه. ولو حلف لا يلْبَس ثوبًا من غزلِ فُلانَة فَلَبِس ثوبًا من غَزلها وفيه رُقْعة من غزلِ غيرِها حَنث. من الخلاصة.
ولو حلف لا يخرج من المسجِدِ فأمر في إخْراجِه حَيْث؛ لأنَّ فِعل المأمُورِ يَنْتَقِل إلى الأمر، ولو كان مكرها أو برضاه لم يحنث إذا حمَلَه إِنْسانٌ فَأَخْرَجه من غيرِ اخْتِيارِ منه، أو حمله وأخرجه وهو راض به ولكن لم يأمره لم يحنث؛ لأنَّه لم يأمر بإخراجه فلَم يُوجَد منه فعل، حتَّى لو هُدِّد فخَرَج بنَفْسِه يحنَ؛ لوجودِ الفعل منه حقيقةً. من شرح ابن فرشته.
وفي الواقعات: رجلٌ أَخَذَ لقمَةً في فَمِه، فقال له رجلٌ آخَر: إِن أَكَلْتَهَا فَامْرَأَتِي طالقٌ، وقالَ: إن ألْقَيْتها فامْرَأَتي طالقٌ. فأكل بعضها وألْقَى بعضها لا يحنث في يمينه، أو يُكرِه إنسان فيُخْرِج من فَمِه. من الحُسامي.
ولو حلف لا يفعله؛ بأن قال: لا يُكلّم زيدًا، أو لا يُسافِر ونَحوه يقع - أي: قوله: لا يفعله - على الأَبَدِ، يجب عَليه أن لا يُكلِّمه أو لا يُسافِرَ مثلًا في وقتٍ من الأوقاتِ؛ لأنَّه نفى الفِعلَ مُطلقًا فتَناوَل فردًا شائعًا من جنسه فيعمُّ الجنس كلَّه ضَرورَة شُيوعِه، ولو حلف ليفعَلنَّه؛ بأن قال: والله لأكلّمنَّ زيدًا مثلا يقع قوله بفِعْلِه على مرة واحِدَة، فلو كلَّمَه مَرَّة واحِدَة بَرِئ في يَمينِه؛ لأنَّه يتَناوَل فِعلا واحِدًا، وهو نكرةٌ في مَوضِع الإِثْبَاتِ فَيَخصُّ، وإِنَّما يحنث لوقوع اليأس عن الفعل، وذا بهلاكِ الفاعل أو بقوات المحل، هذا إذا كانَت اليَمينُ مُطلقة، وإن كانت مُؤقَتَةٌ بوَقتٍ ولم يفْعَل فيه يحنث بمُضيَّ الوَقتِ إِن كَانَ الإِمكانُ باقيًا في آخر الوقت، ولا يحنث إن لم يبقَ بأن وقعَ اليَأْسُ بمَوتِه أو لقوات المحل. من شرح الوقاية لحسام الدين.
ادعى على آخر ألفًا، فقال المُدَّعى عليه: إن كانَ لَك عليَّ ألفٌ فَكَذا. وقال المُدَّعي: إن لم يكن لي عَليك ألفُ فَكَذا. فأقامَ المُدَّعي البيِّنةَ على حقه، فقَضَى القاضي بطَلَاقِ امرَأَةِ المدعى عليه، فلو أقام المُدَّعَى عَليه البيِّنةَ أنَّه قَد أوْفاهُ أَلفَ دِرْهِم قَبل دَعْواهِ كَانَ تَفْرِيقُ القاضي بالطَّلاقِ باطلا، بل تطلق امرأةُ المدَّعِي إِن زعم أَنَّه لم يكُن على المدَّعَى عَليه إلَّا هذا الألف، هذا إذا أقام المدَّعي البيِّنةَ على ألفٍ، وأمَّا إِذا أَقامَ المدعى عليه بالألف لم يحكم القاضِي بطَلاقِ امرأةِ المدَّعَى عَليه؛ لأنَّ شرط الحِنْثِ كونُ الألفِ عَليه، وهذا مُحْتمِل للصدقِ والكَذبِ، والقاضي يَقْضِي الإِقْرارَ بالأَلفِ، والإقْرَارُ بالألْفِ مُحْتمَل من الوجيز.
في المسألةِ المُعتَرضة في الجامع الكبير: رجلٌ قَالَ: إِن دَخَلْتُ الدَّارَ، إن كلَّمتُ فلانًا فعَبْدي حر. فَدَخَل الدَّارَ، ثمَّ كلَّم فلانًا لم يحنث، وعَلى القَلبِ يحنث، وهي المسألةُ المُعترض يُقدِّم المُؤخَّرَ ويُؤَخِّر المُقدَّمَ. من الفتاوى.
رجلٌ حلف لا يُفْشي سره، فإن خرج إلى رجل واحدٍ وذكر له فقَد أَفْشَى سَرَّه، وإن ظهر هذا السر بين النَّاسِ، أو عَلِم رجلٌ واحِدٌ فذَكَره عند رجل آخر لا يحنث؛ لأنَّه لم يبقَ سرا. رجلٌ خرج مع الوالي وحلف ألَّا يَرجِعَ إلَّا بإذنه، فَسَقَط مِنه شيءٌ فَرَجَعَ لِذلك لا تطلق امرأته رجلٌ اشْتَرى مَنَّا من اللحم، فقالت امرَأَتُه: هذا أَقلُّ مِن مَنْ وحَلَفَت عَليه، فقالَ الزَّوجُ: إن لم يكن منا فأنتِ طالِقٌ. فإنَّه يُطبخ قبل أن يُوزَن؛ فلا يحنث الرَّجلُ ولا المرأة. رجلٌ حلف لا يأكُل حَرامًا، فاشترى بدِرُهم غَصبٍ طَعَامًا فَأَكَلَه لا يحنث. وهو آثم. من فتاوى الكبير.
حلف لا يُشارِك فُلانًا فشَارَك مع شريكه لا يحنث، قال محمَّد رَحِمَهُ الله فِي الرَّقِّيَّات: لو حلف أن لا يمس شعرًا، فمَسَّ شعرَ رَأسِه لا يحنث، ولو مس رأسَ غَيرِه يحنث. وفي المُنتقى: رجلٌ حلف لا يتزَوَّج امْرَأَةٌ إِلَّا على أربعَةِ دَراهم، فتَزَوَّج على أَرْبَعَةِ دراهم فأَكْمَل القاضي عَشَرة لم يحنث، وكذا لو زادَ الزَّوجُ بعد العَقدِ على مَهرِها لا يحنث. ولو حلف لا يتزوج بزِيادَةٍ على دينار، فتَزوَّج بالفِضَّةِ بأكثَر مِن حيث القِيمَة بأن يتَزوَّج بمائةٍ نقرة لا يحنث.
وفي الزيادات: رجل حلف لا يَشتري ذَهَبًا أو فِضَّة، فاشترى دَرَاهِم أو دنانير لا يحنث، ولو اشترى نُقْرة فضَّة، أو سكة ذهب، أو طوق ذهب أو فضَّةٍ يحنث. ولو حلف لا يَشْتري حديدًا، فاشْتَرى دِرعًا، أو سكّينًا، أو سيفًا لا يحنث. ولو حلف لا يَشْتري أَلْيَةً فَاشْتَرى شاةً مَذْبُوحَةً لها أَلية يحنث. ولو حلف لا يَشْتَرِي [رأسًا، فاشترى شاةً مَذْبوحَةً يحنث. ولو حلف لا يَشْتري] لحما، فاشترى رأسًا لا يحنث، بخلاف ما لو حلف لا يأكل لحما فأكل رأسًا يحنث، وكذا لو حلف لا يَشْتري بابًا في السَّاج فاشترى دارًا لها باب في السَّاج حنث، وكذا لو حلف لا يَشْتري نخلًا، فاشترى أرضًا فيها نخل حنث. ولو حلف لا يَشْتري صُوفًا، فاشترى شاةً على ظَهْرِها صوفٌ لا يحنث. ولو حلف لا يبيع الخَزَّ، فجاءه رجل وأعْطاهُ الثَّمَن وهو دفع الخَزَّ لا يحنث، ونصَّ في المُنتقى على عدَمِ الحِنْثِ.
قال في مجمع النوازل: لو حلف لا يبيع هذه الجارية فباعَ نِصفها أو وهَب نِصفَها لا يحنث، وأبو يوسف رَحِمَهُ اللهُ أخَذ الجارية بهذه الحيلة. حلف ليَضْر بن عبدَه بالسياطِ حتّى يموت فبالَغَه برَّ في يَمينِه. حلف ليَضْر بنَّ فلانًا بالسَّيفِ، فَضَرَبه بالعَرْضِ بَرَّ فِي يَمِينِهِ. حلف ألَّا يُكلَّمَ فُلاناً إلى قدوم الحاج، فقَدِم واحدٌ من الحاج انتهت اليمين؛ لأنَّه وُجِد قدوم الحاج. ولو حلف لا يتزوج امرأةٌ فَتَزوَّج صَغِيرةً حَنِث. ولو حلف لا يَشتري امْرَأَةٌ فاشترى صغيرةً لم يحنث.
وفي مجمع النوازل: لو حلف لا يُكلَّم امرأة فكلَّم صبيَّة لا يحنث. سُئل أبو بكر عمَّن حلف أن يبيع
عبده فسُرِق منه قال: لا يحنث بخلافِ الفُسطاط وهو مَضْروبٌ في موضع، فنقض وضُرِبَ في موضع آخر ودخَلَه حَيْث. رجلٌ حلف لا يبيع شيئًا، فباعَ المُدبَّر لا يحنث من المحيط.
حلف لا يُسلّم هذه الشُّفْعة، فسَكَت عن الخُصومة فيها حتَّى بطَلَت شُفْعتُه لا يحنث؛ لأنَّه لم يُوجَد شرطُ الحِنْثِ، وهو التّسليم من الفتاوى.
اليمين على نيَّة الحالفِ إذا كانَ مَظلومًا، وإن كانَ ظالمًا كانَ على نيَّة المُسْتحلف، وهذا في اليمين بالله، أما إذا استَحْلَف بالطَّلاقِ والعتاق، وهو ظالم أو مَظْلُومٌ فَنَوى بخِلافِ الظَّاهرِ، فإن نوى الطَّلاق عن وثاق، أو نَوى الحُرمَةَ عن عمل كَذَا كَانَ كَما نَوَى فِيمَا بَيْنَه وبين الله تعالى، ولا يقع الطَّلاقُ والعتاق من قاضي خان.
رجل لو حلف رجلًا ونَوى غير ما يُريدُه المُسْتحْلِف، إن كانت اليمينُ بالطَّلاقِ والعتاق ونحوهما يُعتبر نيَّةُ الحَالفِ ِإذا لم يَنْوِ الحالفُ خِلافَ الظَّاهِرِ، ظالمًا كَانَ الحَالِفُ أو مَظْلُومًا، وإن كانَتِ اليَمينُ بالله فإنْ كانَ الحالِفُ مَظْلُومًا كَانَت النِّيةُ نِيةَ الحالفِ، وإن أُريد بيَمينِه إبطال حقٌّ الغيرِ يُعتبر فيه نيةُ المُسْتحْلِفِ. من مجمع الفتاوى.
قال لابنه: إن سرقت مِن مَالي شَيئًا فأمُّك طالقٌ، فَسَرَق آجُرَّةٌ مِن دَارِهِ، فإن كانَ يبْخَل الأبُ على الابن بذلك المِقْدارِ حَيْث؛ لأنَّه يُريد باليمين، وسُئل محمد رَحِمَهُ اللهُ عن هذه المسألة فلم يُجب، فَرَجَع السَّائلُ إلى أبي يوسف رَحِمَهُ الله فَأَجَابَ بما قلناه، فعادَ السَّائلُ إلى محمد وأخْبَره بما قال أبو يوسف، فقال محمد: ومن يُحسِن مثل هذا إلَّا أبو يوسف.
قالت له امرأته يا سفلة، وقال: إن كُنت بَخِيلا فأنتِ طالق. وأراد به التَّعليق، لا تطلق ما لم يكُن سِفْلة، وتكَلَّموا في معنى السِّفْلة، ورُوي عن أبي حنيفة رَحِمَهُ الله أَنَّ المسلم لا يكُون سِفْلةً إنَّما السِّفْلة هو الكافر. وعن أبي يوسف: أنَّ السِّفْلَةَ هو الذي لا يُبالي ما قالَ وما قيل به. وعن محمد أنَّ السِّفْلة يلعب بالحَمامِ ويُقامِر. وقال خلف بن أَيُّوب: مَن إذا دعي إلى طَعَامِ فَيَحْمِل من هناك شيئًا. والفتوى على ما رُوي عن أَبي حَنِيفَة رَحِمَهُ الله؛ لأَنَّ الكافر هو السفلةُ مُطلقًا.
دعَا امْرأته إلى فراشه وقالت: لا أجيء فإنَّك تُعذِّبني. فقال: إن عذَّبتك فأنتِ طالق. فجاءَت إلى الفراش فجامَعَها مُكرَهةً تطلق؛ لأنَّه عذَّبها، وإن كانت طائِعة لا يحنث ولا تطلق.
دعا امرأته إلى فراشه، فقالت المرأةُ: ما تَصْنع ويكفيك فُلانَة. لامْرَأَةٍ أَجْنبيَّة، فقالَ الزوج: إن كنتُ أُحبُّها فأنتِ طالق تكَلَّموا، والمُخْتارُ أنَّها لا تطلق ما لم يقُل الزَّوج: أحِبُّها؛ لأنَّ الصَّلاقَ مُتعَلِّق بالإخبارِ
عن المحبَّة.
قال لها: إن لم يكُن فَرجي أحسَن مِن فَرجك [فأنتِ طالق، فقالت المرأة: إن لم يكُن فَرجي أحسَن من فَرجِك] فعَبدِي حرٌّ. إن كانا قائِمين حين قالَ الزَّوجُ ذَلكَ برَّت وحَنِث الزَّوجُ، وإن كانا قاعِدَين برَّ الزَّوجُ وحَيْثت المرأةُ؛ لأنَّ فرجَ الزَّوج في حالِ القُعودِ أَحسَن، وفرجها في حالِ القِيام أحْسَن، وإن كانَ الرَّجلُ قائما والمرأة قاعِدة قال الفقيه أبو جَعْفر البلخي: لا أعلم هذا القول، والسَّلامَةُ أَنَّه يحنث.
رجل قال لامرأته: إن لم يكُن فَرجُك أشَدَّ من الحَديدِ فَأَنْتِ طالق [لا تطلق].
رجل قال لامْرَأَتِه: أنتِ طالق بعددِ السَّمكِ في هذا الحَوضِ. ولم يكُن في الحَوضِ سمك طلقت رجْعِيَّة.
حلف أنَّ فلانًا ثقيل، [وهُو عِند النَّاسِ غيرُ ثَقيل]، وعنده ثقيل لا يحنث، إلا أن ينوي ما عِند النَّاسِ؛ لأنَّ اليمين يقع على ما عِنده ظاهرا فيُحمل عليه ما لم ينوِ خِلافَه.
رجلٌ ذُكر عِنده فقيه من البلاد، فقال: إن كانَ فَقيها فامْرَأَتِي طالقٌ. إِن أَرَادَ به ما يُسمِّيه النَّاسُ فَقيها في العُرفِ أو لم يُرِدْ شيئًا وقَع الطَّلَاقُ؛ لوُجودِ شرطِ الحِنْثِ، وإن أرادَ بذلك الفَقِية حقيقةً فكذلك في القضاء، أما فيما بينه وبين الله تعالى لا يقع؛ لأنَّه لَيس بفقيه حقيقةً؛ لما رُوي عن الحسن البصري قال لآخر: هَل رَأَيْتَ فِقِيها قطُّ، إِنَّمَا الفقيه الزَّاهِدُ فِي الدُّنيا - يعني: المُعْرض عن الدُّنيا – الرَّاغِبُ في الآخرة.
حلف لا يبيع دارَه، فأعطاهَا امْرَأَتَهُ في صَداقِهَا حَنث.
حلف لا يشتري امرأةً، فاشترى صغيرَةٌ لم يحنث، ولو كان اليمين على التزويج يحنث بتزويج الصغيرة.
رجُلانِ قال كلُّ واحِدٍ مِنهما لصاحبه: إن لم يكُن رَأْسِي أَثْقَلَ مِن رَأْسِكَ فَامْرَأَتِي طالقٌ. فَطَريقُ مَعرفةِ ذَلك أنَّهما إذا نامَا دُعِيا فأيهما كان أسرعَ جوابًا كان الآخرُ أثْقَلَ مِنه.
قال: إن بلغ ولدي الختانَ فلَم أَخْتِنْه فامْرَأَتي طالقٌ، قال الفقيه أبو الليث: يَنبغي أن يحنث إذا أَخَر عن عشر سنين؛ لأنَّ ابْتِداء الوقتِ المُستَحب للختانِ إذا بلغ سبع سنين إلى عشر سنين؛ لأنَّه إذا بلغ سبع سنين يُؤمَر بالصَّلاةِ فيُوْمَر بالخِتَانِ، وهو المُخْتارُ أَنَّه لم يحنث ما لم يُؤخّر عَن اثنتي عشرة سنة؛ لأنَّ هذا أدْنَى وَقْتِ يُحكَم ببلوغ الصَّبِيَّ إِذا احتلم.
مريض قالَ لامْرَأَتِه: إن مَرضت فأنتِ طالق. فهو عَلى مرضِ آخَر.
قال لها وهي حائض: إذا حِضْت فأنتِ طالق. فهَذا عَلى حَيضِةٍ سوى هذه؛ لأنَّ اليَمينَ تَقْتضي شرطًا
في المُسْتقبل. من المحيط.
رجل قال لامرأته: إن لم يَرضَع ولدي عِند كلّ ما خلق الله تعالى سبع سماوات والأرضين، والجنَّة والنَّار، والرَّطب واليابس أنتِ طالق ثلاثًا كَيف يكون؟
الجواب: أنَّها تُرضِع عِند المُصحَفِ السَّبع لم تطلق؛ لقوله تَعَالَى: {وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَبٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: 59]. من فتاوى الحلواني.
رجلٌ إذا أرادَ أن يُحلِّفَ رجلًا ويخاف أن يسْتَثْني في السِّرِّ، يُحلِّف ويأمره أن يذكُرَ اليمين موصولًا سُبحان الله أو غيره من الكلام. من الخلاصة.
رجل حلف رجلًا، ونَوى غير ما أرادَ المُسْتَحلِف، إن كانَ اليَمينُ بالطَّلَاقِ والعَتاقِ يُعتبر نيَّة الحالفِ ظالما كانَ الحالِفُ أو مَظْلُومًا، وإن كانَ بغَيْرِهما، فإن كانَ الحالِفُ مَظْلُومًا يُعتبر نيته، وإن كان ظالمًا يُعتبر بنيَّة المُحلَّف، وهو قول أبي حنيفة رَحِمَهُ اللهُ. فتاوى ظهيريَّة.
ومن حلف لا يَضرِب امرأته فمدَّ شَعرَها أو خَنقها أو عضَها حَنِث؛ لأنَّه اسم لفعل مؤلم، وقد تحقق الإيلام، وقيل: لا يحنث في حالِ المُلاعَبةِ؛ لأنَّه يُسمَّى مُمازَحةً لا ضرباً. من الهداية.
إذا حلف على لبن لا يأكُلُه، فطَبَحَ اللَّبنَ مع الأُرْزِ فأَكَلَه لا يحنث، وعلى هذا قياس ما إذا حلف من جغرات تحوزم و تتماج بجغرات خورد يحنث؛ لأنَّ غير الجغرات يزول والاسم لم يزل.
قالَ لغَيرِه: إن كلَّمتَ فلانًا فَعَبدُك حر، فقالَ المُخاطَبُ: إِلَّا بِإِذْنِك. فقال أبو يوسف: هذا جواب، إذا كلَّمه بغَير إذنِهِ حَنِت.
إذا حلف، وقال: إن أكَلْتُ هذا الرَّغِيفَ اليومَ فامْرَأَتُه طالقٌ، وإن لم آكله فأمَتُه حَرَّة. فأكل النصف لا تطلق امرأته، ولا تعتق جارِيتُه؛ لانعدام الشَّرطِ، وهو أكل الكُلِّ أو تركُ الكلِّ. كذا في التّجنيس من مجمع الفتاوى.
قوله وشُرِطَ للحِنْثِ في إن خَرَجَتِ و إن ضرَبتُ المُرِيدِ خُروج أو ضربِ عبدِ فعلها فورا، يعني: لو أرادَتِ الخُروج، فقال: إن خَرجتِ فأنتِ طالقٌ. فَجَلَست ثمَّ خرجت لم يحنث، وكذلك إن أرادَ الرَّجلُ ضربَ عَبدِه، فقال: إِن ضَرَبْتُه فعَبدِي حَرٌّ. فتَرَكه ثمَّ ضَربَه لم يحنث، وهذه تُسمَّى يَمِينُ فَورِ، وتفرد أبو حنيفة رحمه الله بإظهارها. من الهداية.
رجل حلف لا يبيع هذا العبد ولا يهبه، فالوجه فيه أَن يَبِيعَ نِصفَه ويَهَب نِصْفَه؛ لأَنَّ شرطَ الحِنْثِ بيعُ وهبةُ الكلِّ وقد انعدم فلا يحنث. نَظيره رجلٌ أَخَذ لقمَةً فَوضَعَهَا فِي فِيه، فقال له رجلٌ: امْرَأَتُه طالِقٌ