مختصر القُدُوري
جارٍ تحميل الكتاب…
جارٍ تحميل الكتاب…
مختصر القُدُوري
الطبعة الأولى
1446هـ ـ 2024م
مختصر القُدُوريّ
للإمام الفقيه أبي الحسين أحمد بن محمد القُدُوريّ البغدادي الحنفي
ولد سنة (362هـ) وتوفي سنة (428هـ)
تحقيق
الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبعد:
معلوم أن نسخَ «مختصر القُدُوريّ» متعددة، واختلفت المسائل فيها اختلافاً بيِّناً، وكنت أثناء جمع حاشية «خلاصة الدلائل شرح القُدُوريّ» المسماة «بغية السائل» اعتمدت تصحيح نسخة المتن للرازي التي قام بشرحها، فكانت جامعة لأمهات المسائل، ولم أضف عليها إلا ما ندر؛ لذلك أحببت أن أفرد هذه النسخة للمتن بطباعة للدارسين؛ لما فيه من الفوائد الخاصّة للحفظ والبحث والمراجعة.
سائلين المولى أن يتقبل هذا العمل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح ابو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
عمان، الأردن
21/ 9/2024م
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الطهارة
قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين}، ففرضُ الطَّهارة: غسلُ الأعضاءِ الثّلاثة ومسحُ الرّأس والمرفقان والكعبان يدخلان في الغَسل والمفروض في مسح الرّأس مقدار النّاصية؛ لما رَوَى المغيرةُ بن شُعبة: «أنَّ النّبيَّ صلى الله عليه وسلم أَتَى سُبَاطة قوم فبال وتوضّأ ومَسح على ناصيته وخُفّيه».
سُننُ الطَّهارة: غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء إذا استيقظ من نومه، وتسميةُ الله في ابتداء الوضوء والسِّواك والمضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين وتخليل اللِّحية والأصابع وتكرار الغَسل إلى الثَّلاث، ويُستحبُّ للمتوضئ أن ينويَ الطَّهارة ويستوعبَ رأسه بالمسح ويُرتِّبُ الوضوء، فيبدأ بما بدأ الله تعالى بذكره، وبالميامين.
والمعاني الناقضة للوضوء: كلّ ما خرج من السَّبيلين، والدَّمُ والقيحُ والصَّديدُ إذا خَرَجَ من البدنِ فتجاوز إلى موضعٍ يَلْحَقه حكم التّطهير والقيءُ إذا ملأ الفم، والنّومُ مضطجعاً أو متكئاً، أو مستنداً إلى شيءٍ لو أُزيل لسقط عنه، والغلبةُ على العقل بالإغماء والجنون، والقهقهةُ في كلِّ صلاةٍ ذات ركوعٍ وسجود.
وفرض الغُسل: المضمضةُ والاستنشاقُ وغسلُ سائر البدن وسنّة الغُسل: أن يبدأ المغتسل فيغسل يديه وفرجه ويُزيل النّجاسةَ إن كانت على بدنه، ثُمّ يتوضّأُ وضوءَه للصَّلاة إلاّ رجليه، ثُمّ يُفيضُ الماءَ على رأَسِهِ وسائرِ جسدِه ثلاثاً، ثمّ يَتَنَحَّى عن ذلك المكان فيَغْسِلَ رجليه وليس على المرأةِ أن تنقضَ ضفائرها في الغُسل إذا بَلَغَ الماءُ أُصول الشَّعر والمعاني الموجبة للغُسل: إنزالُ المَنِيِّ على وجهِ الدَّفقِ والشهوة من الرَّجل والمرأة والتقاء الختانين من غير إنزال والحيض والنِّفاس، وسَنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الغُسل للجُمعة والعيدين والإحرام، وليس في المذي والودي غُسْلٌ، وفيهما الوضوء.
[فصل في المياه:]
والطَّهارةُ من الأحداث جائزةٌ بماء السَّماء والأودية والعيون والآبار وماء البحار، ولا تجوز بما اعتصر من الشَّجر والثَّمر، ولا بماءٍ غلبَ عليه غيرُه فأَخرجه عن طبعِ الماء: كالأشربة والخلّ والمَرَق وماء الباقلاء، وماء الزَّرْدَج، وماء الورد وتجوز الطهارة بماء خالطه شيءٌ طاهرٌ فغيَّر أحدَ أوصافه: كماء المَدِّ، والماء الذي يختلط به الأُشنان والصَّابون والزَّعفران وكلُّ ماء وقعت فيه نجاسةٌ لم يجز الوضوء به، قليلاً كان أو كثيراً؛ لأنَّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بحفظ الماء من النجاسة، فقال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة»، وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا فلا يغمسنّ يده في الإناء حتى يغسلَها ثلاثاً، فإنَّه لا يدري أين باتت يده». وأَمّا الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسةٌ جاز الوضوء منه إذا لم يُرَ لها أَثر؛ لأنَّها لا تستقرُّ مع جريان الماء. والغديرُ العظيمُ الذي لا يتحرَّكُ أَحدُ طرفيه بتحريك الطَّرف الآخر إذا وقعت نجاسة في أَحدِ جانبيه، جاز الوضوء من الجانب الآخر؛ لأنَّ الظَّاهرَ أَنَّ النَّجاسةَ لا تصل إليه وموت ما ليس له نفسٌ سائلة كالبَقّ، والذباب، والزنابير، والعقارب في الماء لا يفسده وموت ما يعيش في الماء فيه لا يفسده: كالسَّمك، والضُّفدع، والسَّرطان، والماءُ المستعملُ لا يجوز استعماله في طهارة الأحداث والمستعملُ كلُّ ما أُزيل به حَدَث أو استُعمل في البدن على وجه القُربة وكلُّ إهابٍ دُبِغ فقد طَهُر، وجازت الصَّلاةُ فيه والوضوءُ منه، إلاّ جلدَ الخنزير والآدمي، وشعر الميتة وعظمها طاهران.
[فصل في الآبار]:
وإذا وقعت في البئر نجاسةٌ نُزحت، وكان نزحُ ما فيها من الماء طهارةً لها فإن ماتت فيها فأرةٌ أو عصفورةٌ أو صَعْوَةٌ أو سُودانيةٌ أو سامٌّ أبرص نُزح منها ما بين عشرين دلواً إلى ثلاثين دلواً بحسب كِبْر الدَّلو أو صغره وإن ماتت فيها حمامة أو دجاجة أو سِنَّور: نُزح منها ما بين أربعين دلواً إلى ستين وإن ماتت فيها كلبٌ أو شاةٌ أو دابّةٌ أو آدميٌ نُزح جميعُ ما فيها من الماء، وإن انتفخَ الحيوان فيها أو تفسَّخَ نُزِحَ جميعُ ما فيها من الماءِ صَغُر الحيوانُ أو كَبُر، وعددُ الدِّلاء يعتبر بالدَّلو الوَسَط المستعمل للآبار في البلدان فإنّ نُزِحَ منها بدلو عظيم قُدِّرَ ما يسَع من الدلو الوَسَط واحتُسِب به جاز، وإن كانت البئرُ مَعيناً لا تُنزح، ووَجَب نزح ما فيها، أَخرجوا مقدار ما كان فيها من الماء، وعن مُحمّد بن الحسن أنَّه قال: يُنزح منها مئتا دلو إلى ثلاثمئة وإذا وجدوا في البئر فأرةً ميتة أو غيرها ولا يدرون متى وقعت ولم تنتفخ ولم تتفسّخ، أَعادوا صلاة يوم وليلة إ ذا كانوا توضؤوا منها، وغَسلوا كلَّ شيء أَصابه ماؤها، وإن كانت قد انتفخت
أو تَفَسَّخت أَعادوا صلاةَ ثلاثة أَيّام ولياليها وقال ابو يوسف ومحمد رضي الله عنهما: ليس عليهما شيء حتى يتحققوا متى وقعت.
[فصل في الآسار:]
وسؤرُ الآدمي وما يؤكل لحمُه طاهر، وسؤرُ الكلب والخنزير وسباع البهائم نجسٌ وسؤر الهرة، والدَّجاجة المخلاة، وسباع الطير، وما يسكن البيوت، مثل: الحَيّة والفأرة مكروه وسؤر الحمار والبغل مشكوكٌ فيه، فإن لم يجد غيرَهما توضّأ بهما وتيمّم، وبأَيهما بدأ جاز.
بابُ التيمّم:
ومَن لم يجد الماء وهو مسافرٌ، أو خارجَ المصر بينَه وبين المصر نحو المِيل أو أكثر. أو كان يجد الماء إلا أنَّه مريض فخاف إن استعملَ الماء اشتدّ مرضُه، أو خاف الجنبُ إن اغتسلَ بالماءِ أن يقتلَه البرد أو يُمرِضَه، فإنَّه يتيمّم بالصعيد
والتيمّمُ ضربتان: يمسح بإحداهما وجهه، وبالأخرى يديه إلى المرفقين، والتَّيمُّم في الجنابة والحدث سواء، ويجوز التَّيمّم عند أبي حنيفة ومحمد: بكلِّ ما كان من جنس الأرض كالتُّراب والرَّمْل والحجر والجِصّ والنُّورة والكحل والزِّرْنيخ، وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بالتُّراب والرَّمل خاصّة، والنّيّة فرضٌ في التَّيمُّم، مُستحبّةٌ في الوضوء وينقض التَّيمّم كلُّ شيء ينقض الوضوء، وينقضُه أيضاً: رؤية الماء إذا قَدَر على استعماله، ولا يجوز التَّيمُّم إلاّ بصعيد طاهر ويُسْتَحَبُّ لمَن لم يجد الماء، وهو يرجو أن يجدَه في آخر الوقت أن يؤخِّرَ الصلاة إلى آخر الوقت، فإن وَجَدَ الماء توضّأ وإلا تيمَّم وصَلَّى، ويُصلِّي بتيمّمه ما شاء من الفرائض والنَّوَافل ويجوز التيمّمُ للصحيحِ في المصرِ إذا حضرت جنازةٌ والوليُّ غيرُه فخاف إن اشتغل بالطَّهارةِ أن تفوتَه الصّلاة وكذلك مَن حَضَرَ العيدَ فخاف إن اشتغلَ بالطَّهارة أن تفوتَه صلاةُ العيد فإنَّه يتيمَّم ويُصلِّي، بخلاف مَن شهدَ الجمعة فخاف إن اشتغلَ بالطَّهارة فاتته فإنَّه لا يتيمّم، وبخلاف مَن ضاقَ عليه الوقت، فخشي إن توضّأ فات الوقت لم يتيمّم ولكنَّه يتوضّأُ ويُصلِّي فائتةً والمسافرُ إذا نَسِيَ الماءَ في رحلِهِ فتيمَّمَ وصَلَّى ثمّ ذَكَرَ الماء لم يُعِد صلاتَه عند أبي حنيفة ومُحمّد وقال أبو يوسف: يعيد. وليس على المُتيمِّمِ إذا لم يَغلب على ظنِّه أَنَّ بقُرْبه ماءً أن يَطْلبَ الماء، فإن غلبَ على ظنّه أنَّ هناك ماء لم يجز له أن يتيمَّم حتى يطلبه وإن كان مع رفيقه ماء طَلَبه منه قبل أن يتيمّم، فإن منعه منه تيمَّم، وإن تيمَّم قبل الطَّلب جاز.
بابُ المسح على الخُفّين:
المسحُ على الخُفين:
جائزٌ بالسُّنّة من كلِّ حَدَثٍ موجبٍ للوضوء إذا لَبِسَ الخُفّين على طهارة كاملة ثمّ أحدث فإن كان مقيماً يمسح يوماً وليلة، وإن كان مسافراً يمسح ثلاثة أيام ولياليها، ابتداؤها عقيب الحدث، والمسح على الخُفّين على ظاهرهما خُطوطاً بالأَصابع، يَبدأُ من رؤوس أَصابع الرِّجل إلى السَّاق وفَرْضُ ذلك مقدارُ ثلاث أَصابعَ من أَصابع اليد، ولا يجوز المسح على خفٍّ فيه خرقٌ كبير يَبِينُ منه مقدار ثلاث أَصابع من أَصابع الرِّجل، فإن كان أَقلّ من ذلك جاز ولا يجوز المسحُ على الخُفّين لمَن وَجَبَ عليه الغُسل، وينقض المسح على الخُفّين ما يَنْقُضُ الوضوء، وينقضه أيضاً: نَزْعُ الخُفّ ومضيّ المدّة، وإذا تَمَّت المدّةُ نَزَعَ خُفّيه وغَسل رجليه وصلَّى، وليس عليه إعادة بقيّة الوضوء ومَن ابتدأ المسحَ وهو مقيمٌ فسافر قبل إتمام يوم وليلة مسح ثلاثة أَيام ولياليها، وَمَن ابتدأ المسح وهو مسافر ثُمَّ أقام، فإن كان مسح يوماً وليلة أو أَكثر لزمه نزع خُفّيه وغسل رجليه، وإن كان مسح أقلّ من يوم وليلة تَمَّمَ مَسْحَ يومٍ وليلة، ومَن لَبِسَ الجُرْموقَ فوق الخُفّ مسح عليه ولا يجوز المسح على الجَوْرَبين عند أبي حنيفة إلا أن يكونا مُجلَّدين أو مُنعَّلَيْن، وقالا: يجوز المسح على الجَوْرَبين إذا كانا ثَخِينَيْن لا يشفان الماء ولا يجوز المسح على العِمامة والقَلَنْسوة والبُرْقع والقُفَّازين، ويجوز المسح على الجبائر وإن شدَّها على غيرِ وضوء، فإن سقطت عن غير برء لم يبطل المسح، وإن سقطت عن بُرء بَطَل.
بابُ الحيض:
أَقلُّ الحيض ثلاثة أيّام ولياليها، فما نقصَ من ذلك فليس بحيض، وهو استحاضة، وأَكثرُ الحيض عشرة أَيّام ولياليها، فما زاد على ذلك فهو استحاضة أكثره خمسة عشر يوماً. وما تراهُ المرأةُ من الحُمرة والصُّفْرة والكُدْرة في أَيّام الحيض، فهو حيضٌ حتى ترى البياضَ الخالص والحيضُ يُسقط عن الحائض الصّلاة، ويُحرِّم عليها الصَّوم، وتَقْضي الصَّوم، ولا تقضي الصَّلاة ولا تدخل المسجد ولا تطوف بالبيت، ولا يأتيها زوجها، ولا يجوز لحائض ولا لجنب قراءة القرآن ولا يجوز لمحدثٍ مسّ المصحف إلا أن يأخذَه بغلافه وإذا انقطع دم الحيض لأَقلَّ من عشرةِ أَيّام لم يجز وطؤها حتى تغتسل، ولو مَضَى عليها وقت صلاة
جاز وطؤها أَيضاً، والطُّهرُ إذا تخلَّلَ بين الدَّمين في مدّة الحيض فهو كالدَّم الجاري وأَقلُّ الطُّهر خمسةَ عشرَ يوماً، ولا غاية لأَكثره، ودمُ الاستحاضة: هو ما تراه المرأةُ لأَقَل من ثلاثةِ أَيّام أو أَكثر من عشرةِ وحكمُه: حكمُ الرُّعاف الدَّائم لا يمنعُ الصّومَ ولا الصّلاةَ ولا الوطء، وإذا زاد الدّمُ على عشرة أَيّام وللمرأةِ عادةٌ معروفةٌ رُدِّت إلى أَيّام عادتها، وما زاد على ذلك فهو استحاضة، وإن ابتدأت مع البلوغِ مستحاضةً فحيضُها عشرةَ أَيّام من كلِّ شهرٍ والباقي استحاضةٌ والمستحاضةُ، ومَن به سلس البول، والرُّعافُ الدائم، والجُرحُ الذي لا يرقأ يتوضّؤون لوقت كلّ صلاة، فيصلُّون بذلك الوضوء في الوقت ما شاؤوا من الفرائض والنَّوَافل فإذا خَرَجَ الوقتُ بطل وضوؤهم، وكان عليهم استئناف الوضوءُ لصلاة أُخرى، والنِّفاسُ: هو الدَّم الخارج عقيب الولادة، والدَّمُ الذي تراه الحامل وما تراه المرأةُ في حالِ ولادتها قبل خروجِ الولد استحاضة، وأقلّ النِّفاس: لا حدّ له، وأَكثرُه: أَربعون يوماً، وما زاد على ذلك فهو استحاضة وإذا تجاوز الدم الأربعين وقد كانت هذه المرأةُ وَلَدَت قبل ذلك ولها عادةٌ معروفة في النِّفاس رُدّت إلى أَيّام عادتها، وإن لم تكن لها عادةً فابتداءُ نفاسها أَربعون يوماً، ومَن ولدت ولدَيْن في بطنٍ واحدٍ، فنفاسُها ما خرج من الدَّم عقيب الولد الأَوّل عند أَبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد وزفر: النفاس من الولد الثاني.
بابُ الأَنجاس:
تطهيرُ النَّجاسة واجبٌ من بَدَن المُصلّي وثوبه والمكان الذي يُصلِّي عليه ويجوز تطهيرُ النَّجاسة بالماء، وبكلِّ مائعٍ طاهرٍ يُمكن إزالتُها به: كالخَلّ وماء الورد، والماء المستعمَل، وإذا أَصابت الخُفَّ نجاسةٌ لها جِرمٌ فجَفَّت فدَلَكَه بالأَرض جاز والمَنيُّ نجسٌ يجب غَسْلُ رطبه، وإذا جَفَّ على الثوبِ أَجزأ فيه الفَرْك والنَّجاسةُ إذا أصابت المرآةَ أو السَّيف اكتُفيَ بمسحِهما، وإذا أَصابت الأَرض نجاسةٌ فجَفَّت بالشَّمس وذَهبَ أَثرُها جازت الصّلاة على مكانها ومَن أَصابه من النَّجاسةِ المُغلَّظةِ: كالدَّم، والبولِ، والغائطِ، والخمرِ، مقدارُ الدّرهم فما دونه، جازت الصّلاة معه وإن زاد لم تجز، وإن أَصابته نجاسةٌ مُخفّفة: كبولِ ما يؤكل لحمُه جازت الصّلاةُ معه ما لم يبلغ رُبعَ الثوب وتطهيرُ النَّجاسة التي يجب غسلُها على وجهين:
فما كان له منها عينٌ مرئيةٌ: فطهارتُها زوال عينها، إلاّ أن يبقى من أَثرها ما يَشُقُّ إزالتُه وما ليس له منها عينٌ مرئية: فطهارتُها أن تغسلَ حتى يغلبَ على ظنِّ الغاسل أنَّها قد طَهُرت، والاستنجاءُ سُنّة يجزئ فيه الحَجَرُ، وما قام مَقامَه يمسحُه حتى يُنقيه، وليس فيه عددٌ مسنون، وغسلُه بالماءِ أَفضل فإن تجاوزت النَّجاسةُ مَخرجَها لم يجُزْ فيه إلاّ المائع، ولا يستنجي بعَظمٍ، ولا برَوْثٍ، ولا بطعام، ولا بيمينه.
كتاب الصلاة:
[أوقات جواز الصلاة]: أَوّل وقت الفجر: إذا طَلَعَ الفجرُ الثاني، وهو البَياض المعترِضفي الأُفُق، وآخر وقتِها: ما لم تَطْلُع الشَّمس، وأَوّل وقت الظُّهر: إذا زالت الشَّمس وآخرُ وقتِها عند أبي حنيفة: إذا صار ظُلّ كلِّ شيءٍ مِثْلَيْهِ سوى فيءِ الزَّوال وقالا: إذا صار ظلُّ كُلِّ شيءٍ مِثْلَه وأَوّلُ وقت العصر: إذا خَرَجَ وقت الظُّهر على القولين، وآخرُ وقتها: ما لم تغرب الشَّمس وأَوّل وقت المغرب: إذا غَرُبَت الشّمس. وآخر وقتها: ما لم يَغِب الشفق، وهو البياض الذي في الأُفق بعد الحمرة عند أَبي حنيفة. وقالا: هو الحُمرة وأَوَّلُ وقت العشاء: إذا غاب الشَّفَق. وآخر وقتها: ما لم يطلع الفجر وأوّل وقت الوتر: بعد العشاء. وآخر وقتها: ما لم يطلع الفجر. [أوقات استحباب الصلاة]: ويستحبُّ الإسفارُ بالفجر. والإبرادُ بالظُّهر في الصَّيف وتقديمها في الشِّتاء، وتأخير العصر ما لم تتغيّر الشَّمس. وتعجيل المغرب، وتأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل ويستحبُّ في الوتر لمَن يألف صلاة الليل أَن يُؤخِّرَ الوترَ إلى آخر الليل، فإن لم يَثِقْ بالانتباه أَوْتَرَ قبل النَّوم.
بابُ الأَذان:
الأَذانُ سُنّةٌ للصَّلواتِ الخمسِ والجُمُعةِ دون ما سواها، وصفةُ الأذان أن يقول: اللهُ أكبر، الله أكبرُ. إلى آخره، ولا ترجيع فيه. ويزيدُ في أذان الفجر بعد الفلاح: الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم مَرَّتين، والإقامةُ مثلُ الأَذان، إلاّ أن يزيدَ فيها بعد الفَلاح: قد قامت الصَّلاة مَرَّتين ويَتَرسَّل في الأذان، ويَحْدُرُ في الإقامة ويستقبل بهما القبلة، فإذا بلغ إلى الصّلاة والفلاح حَوَّلَ وجهه يَميناً وشمالاً، ويؤذِّن للفائتةِ ويقيم فإن فاتته صلواتٌ أَذَّنَ للأُولى وأَقام، وكان مُخَيَّراً في الثَّانيةِ: إن شاء أَذَّنَ وأَقام، وإن شاءَ اقتصرَ على الإقامة، وينبغي أن يُؤذِّن ويُقيم على طهر فإن أذَّن على غيرِ وضوءٍ جاز، ويُكْرَه أَن يقيمَ على غيرِ وضوءٍ أو يُؤذِّن وهو جُنُب، ولا يُؤذِّن لصلاةٍ قبل دخولِ وقتِها.
بابُ شروط الصّلاة التي تتقدُّمها:
يجبُ على المُصَلِّي أَن يُقدَّمَ الطَّهارةَ من الأَحداث والأَنجاس على ما قدّمناه، ويستر عورتَه والعورةُ من الرَّجل ما تحت السُّرّة إلى الرُّكبة، والرُّكبة من العورة وبَدَنُ المرأة الحُرّة كلُّه عورةٌ إلاّ وجهها وكفيها. وما كان عورة من الرَّجل فهو عورةٌ من الأَمةِ وبطنُها وظهرُها عورةٌ، وما سوى ذلك من بدنها فليس بعورةٍ ومَن لم يجد ما يُزيل به النَّجاسةَ صَلَّى معها ولم يُعِد، وَمَن لم يجد ثوباً صلّى عُرياناً قاعداً يُومئ بالرُّكوع
والسُّجود، فإن صلَّى قائماً أَجزأه، والأَوّلُ أَفْضَل ويَنوي الصَّلاة التي يدخل فيها بنيّة لا يفصل بينها وبين التَّحريمة بعمل، ويستقبل القبلة إلاّ أن يكون خائفاً فيُصَلِّي إلى أَي جهة قَدَرَ فإن اشتبهت عليه القبلة وليس بحضرته مَن يسألُه عنها اجتهد وصَلَّى، فإن عَلِمَ أنَّه أخطأ بعدما صَلَّى فلا إعادة عليه وإن علم ذلك وهو في الصلاة استدار إلى القبلة وبنى على صلاته.
بابُ صفة الصَّلاة:
فرائضُ الصَّلاة ستّةٌ: التَّحريمةُ والقيامُ والقراءةُ والرُّكوعُ والسُّجودُ والقعدةُ في آخر الصّلاة مقدار التشهّد وما زاد على ذلك، فهو سُنّة، وإذا دخل الرَّجلُ في الصّلاة كَبَّرَ، ورَفَع يديه مع التَّكبير حتى يُحاذي بإبهامَيْه شحمتي أُذُنَيه. فإن قال بدلاً من التَّكبير: اللهُ أَجلّ، أو أَعظم، أو الرَّحمنُ أَكبر، أَجزأه عند أبي حنيفة ومُحمّد، وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا قوله: اللهُ أكبر، ويَعتمدُ بيده اليُمنى على اليُسرى ويضعُهما تحت سُرَّته ثمّ يقول: سبحانك اللَّهمّ وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك، ولا إله غيرك ويستعيذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم، ثمّ يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ويُسِرُّ بهما ثمّ يقرأ فاتحة الكتاب وسورةً معها، أو ثلاث آيات من أَيِّ سورةٍ شاء. وإذا قال الإمام: ولا الضَّالين، قال: آمين، ويقولها المؤتَمُّ، ويُخفونها ثمّ يُكبِّرُ ويركعُ، ويعتمدُ بيديه على ركبتيه، ويُفرِّجُ بين أَصابعه، ويبسط ظهرَه ولا يرفعُ رأسَه، ولا يُنَكِّسُه، ويقول في ركوعه: سبحان ربِّي العظيم ثلاثاً، وذلك أدناه ثمّ يرفعُ رأسَه ويقول: سَمِعَ اللهُ لمَن حمده، ويقول المؤتم: ربّنا لك الحمد فإذا استوى قائماً كَبَّرَ وسَجَد، واعتَمَدَ بيديه على الأرض، ووَضَع وجهَه بين كفيه، وسَجَدَ على أنفِهِ وجبهته فإن اقتصرَ على أحدهما جاز عند أبي حنيفة وقالا: لا يجوز الاقتصارُ على الأنف إلا من عذر، وإن سَجَدَ على كَوْر عِمامته أو فاضل ثوبه جاز ويُبْدي ضَبْعَيه، ويُجافي بطنه عن فخذيه، ويوجُّه أَصابع رجليه نحو القبلة ويقول في سجوده: سبحان رَبّيَ الأَعلى ثلاثاً، وذلك أَدناه، ثم يرفع رأَسه ويُكبِّر، فإذا اطمئن جالساً كَبَّرَ وسَجَدَ، فإذا اطمأنّ ساجداً كَبَّرَ واستوى قائماً على صُدُور قدميه، ولا يقعد ولا يعتمد بيديه على الأرض. ويفعل في الرَّكعة الثَّانية مثل ما فعل في الأُولى، إلا أنَّه لا يستفتح، ولا يتعوَّذ ولا يَرْفعُ يديه إلا في التَّكبيرةِ الأُولى فإذا رَفَعَ رأسَه من السَّجدةِ الثَّانيةِ في الرَّكعة الثَّانيةِ افترش رجلَه اليُسرى فجلس عليها، ونصب اليُمنى نَصْباً، ووجَّه أَصابعَها نحو القبلة ووضع يديه على فخذيه، وبَسَطَ أَصابعَه، ثمّ يَتَشَهَّد، والتَّشهّدُ: أن يقول: التحياتُ لله والصلواتُ والطيبات، السَّلام عليك أَيُّها النبيُّ ورحمةُ الله وبركاتُه، السَّلامُ علينا وعلى عبادِ الله الصّالحين، أَشهد أنَّ لا إله إلاّ الله، وأَشهد أَنَّ مُحمّداً عبدُه ورسولُه. ولا يزيد على هذا في القعدة الأولى ويقرأُ في الرَّكعتين الأُخريين فاتحةَ الكتاب خاصّة فإذا جَلَسَ
في آخر الصّلاة جَلَسَ كما جلس في الأولى وَتَشهَّد وصَلَّى على النبيّ، ودَعَا بما شاء ممّا يُشبه أَلفاظَ القرآن والأدعية المأثورة ولا يدعو بما يشبه كلامَ النَّاس ثُمَّ يُسلِّم عن يمينه فيقول: السَّلام عليكم ورحمة الله، وعن يَساره مثل ذلك، ويجهر بالقراءة في الفجر والرَّكعتين الأُوليين من المغرب والعشاء إن كان إماماً، ويُخفي القراءة فيما بعد الأُوليين وإن كان مُنفرداً فهو مُخيَّر: إن شاء جَهَرَ وأَسمع نفسَه، وإن شاءَ خافت، ويُخفي الإمامُ القراءة في الظُّهر والعصر والوترُ ثلاثُ ركعات لا يفصل بينهنّ بسلام ويقنت في الثَّالثة قبل الرُّكوع في جميع السَّنة ويقرأ في كلِّ ركعةٍ من الوتر بفاتحةِ الكتاب وسورة معها، وإذا أراد أن يقنت كَبَّرَ ورفع يديه ثُمَّ قَنَت ولا يقنت في صلاة غيرها وليس في شيء من الصّلوات قراءة سورة بعَيْنها لا يجزئ غيرها، ويُكره أن يتخذ سورةً بعينها لصلاةٍ لا يقرأُ فيها غيرَها، وأَدنى ما يُجزئ من القراءةِ في الصّلاةِ ما يتناوله اسم القرآن عند أبي حنيفة وقالا: لا يجزئ أقلّ منثلاث آيات قصار أو آية طويلة، ولا يقرأ المؤتمّ خَلْفَ الإمام. ومَن أرادَ الدُّخولَ في صلاة غيره احتاج إلى نيّتين: نيّةُ الصّلاة، ونيّةُ المتابعة، والجماعةُ سُنّةٌ مؤكَّدةٌ، وأَوْلى النّاس بالإمامة أَعلمهم بالسُّنّة فإن تساوَوْا فأقرؤهم، فإن تساووا فأورعهم، فإن تساوَوْا فأسنّهم ويُكره تقديمُ العبد، والأعرابيّ، والفاسقِ، والأَعمى، وولد الزِّنا، فإن تَقَدَّموا جاز وينبغي للإمام أن لا يُطوِّل بهم الصلاة ويُكره للنِّساء أن يُصلِّين وحدَهنّ جماعةً، فإن فَعَلْنَ وقفتِ الإمامةُ وَسطهنّ ومَن صلَّى مع واحدٍ أقامه عن يمينه، وإن كان مع اثنين تَقَدَّمَ عليهما، ولا يجوز للرَّجال أن يقتدوا بامرأةٍ ولاصبيٍّ ويصفّ الرِّجال، ثُمَّ الصبيان، ثُمَّ النِّساء، فإن قامت امرأة إلى جانب رجل وهما مشتركان في صلاة واحدة فسدت صلاته ويُكره للنِّساء حضورُ الجماعات، ولا بأس بأن تَخرجَ العجوز في الفجر والمغرب والعشاء ولا يُصَلِّي الطّاهرُ خلف مَن به سلس البول، ولا الطَّاهرات خلف المستحاضة، ولا القارئ خلفَ الأُمي، ولا المُكْتَسي خلفَ العريان ويجوز أن يؤمَّ المتيمِّمُ المتوضئين، والماسح على الخُفّين الغاسلين، ويُصلِّي القائمُ خلفَ القاعد ولا يُصلِّي الذي يركع ويسجد خلفَ المومئ، ولا يُصلِّي المفترضُ خلفَ المتنفَّل، ولا مَنْ يُصلِّي فرضاً خلف مَن يُصلِّي فَرْضاً آخر، ويُصلِّي المتنفِّل خلف المفترض ومَن اقتدى بإمامٍ ثمّ عَلِمَ أنَّه على غيرِ وضوء أَعادَ الصَّلاة ويُكره للمُصلّي أن يعبثَ بثوبه أو بجسدِه ولا يقلّب الحصى إلاّ أن لا يُمكنه السُّجود فيسويه مرَّةً واحدةً، ولا يُفَرْقِع أصابعه، ولا يَتَخَصَّر ولا يسدل ثوبه، ولا يَعْقِصُ شعره ولا يَكفُّ ثوبَه ولا يلتفت، ولا يُقْعِي ولا يردُّ السَّلام بلسانه، ولا بيده ولا يتربَّعُ إلا من عذر، ولا يأكلُ، ولا يشربُ، فإن سَبَقَه حَدَثٌ انصرف، وإن كان إماماً استخلف وتوضّأ وبنى على صلاته. والاستئنافُ أفضل، فإن نام فاحتلم، أو جُنّ، أو أُغمي عليه، أو قهقه استأنف الوضوء والصّلاة، وإن تكلَّم في صلاته عامداً أو ساهياً
فسدت صلاتُه وإن سبقَه الحدث بعد التَّشهُّد توضّأ وسَلَّم، وإن تَعَمَّدَ الحدثَ في هذه الحالة، أو تَكَلَّم، أو عمل عملاً يُنافي الصّلاة تمَّت صلاتُه وإذا رأى المتيمّمُ الماءَ في صلاته بطلت صلاته، وإن رآه بعدما قَعَدَ قدرَ التَّشهُّد، أو كان ماسحاً على الخُفَّين فانقضت مدّة مسحه. أو خلع خُفَّيه بعمل رفيق، أو كان أُمّياً فتعلَّم سورةً، أو عُرياناً فوجد ثوباً، أو مومئاً فقدر على الرّكوع والسُّجود، أو تذكَّرَ أنَّ عليه صلاة قبل هذه، أو أحدث الإمامُ القارئُ فاستخلف أُمياً، أو طلعت الشَّمس في صلاة الفجر، أو دخل وقت العصر في صلاة الجمعة، أو كان ماسحاً على الجبيرة فسقطت عن برء، أو كان صاحبَ عذر فانقطع عذره بطلت صلاته في قول أبي حنيفة، وقالا: تمّت صلاته.
باب قضاء الفوائت:
ومَن فاتته صلاةٌ قضاها إذا ذكرها وقدمَّها على صلاةِ الوقت إلاّ أن يخافَ فوت صلاة الوقت، فيُقدِّم صلاة الوقت ثمّ يقضيها، وإن فاتته صلوات رَتَّبَها في القضاء كما وَجَبَت في الأصل، إلاّ أن تزيدَ الفوائت على ستّ صلوات، فيَسقط التَّرتيب فيها. باب الأوقات التي تُكره فيها الصَّلاة: لا تجوز الصّلاة عند طلوع الشَّمس، ولا عند قيامها في الظَّهيرة ولا عند غروبها، ولا يُصَلِّي على جنازة، ولا يسجد للتَّلاوة إلا عصر يومه عند غروب الشَّمس ويُكره أن يتنفَّلَ بعد صلاة الفجر حتى تطلُعَ الشَّمس، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشَّمسُ ولا بأس بأن يُصَلِّي في هذين الوقتين الفوائت، ويسجد للتَّلاوة، ويُصلِّي على الجنازة بخلاف المنذورة، وركعتي الطَّواف، ويُكره أن يتنفَّل بعد طلوعِ الفجرِ بأَكثر من ركعتي الفَجر، ولا يَتنفَّل قبل المغرب.
بابُ النَّوافل:
السُّنَّةُ في الصّلاة أن يُصلِّي ركعتين بعد طلوع الفجر، وأربعاً قبل الظُّهر، وركعتين بعدها، وأربعاً قبل العصر، وإن شاء ركعتين. وركعتين بعد المغرب، وأَربعاً قبل العَشاء، وأَربعاً بعدها، وإن شاء ركعتين .. ونوافل النَّهار إن شاء صلَّى ركعتين بتسليمة واحدة، وإن شاء أَربعاً، وتُكرَهُ الزِّيادةُ على ذلك، فأمّا نافلة الليل: فقال أبو حنيفة: إن صلَّى ثماني ركعات بتسليمة واحدة جاز، وتكره الزَّيادة على ذلك وقالا: لا يزيد بالليل على ركعتين بتسليمةٍ واحدةٍ، والقراءةُ في الفرض واجبةٌ في الرَّكعتين الأُوليين، وهو مخيّرٌ فيالأُخريين: إن شاء قرأ، وإن شاء سَبَّح، وإن شاء سَكَت والقراءةُ واجبةٌ في جميعِ ركعات النَّفل وفي جميعِ الوترِ ومَن دخل في صلاة النَّفل ثم أَفسدها قضاها، فإن صَلَّى أربع ركعات وقَعَدَ في الأُوليين، ثُمَّ
أَفْسَدَ في الأُخريين قَضَى ركعتين، ويُصلِّي النَّافلة قاعداً مع القدرةِ على القيام، فإن افتتحَها قائماً ثُمَّ قَعَدَ جاز عند أبي حنيفة، وقالا: لا يجوز إلا من عذر ومن كان خارج المصر تنفل على دابته إلى أي جهة توجهت يومئ إيماءً.
بابُ سجود السهو:
سجودُ السَّهو واجبٌ في الزّيادة والنُّقصان بعد السَّلام يسجدسجدتين ثمّ يتشهّد ويُسَلِّم والسَّهو يلزمُ: إذا زاد في صلاتِهِ فعلاً من جنسها ليس منها، أو ترك فعلاً مسنوناً أو ترك قراءة فاتحة الكتاب، أو القنوت، و التَّشهُّد، و تكبيرات العيدين أو جهر الإمام فيما يخافت أو خافت فيما يجهر وسهو الإمام يوجب على المؤتمّ السُّجود، فإن لم يسجد الإمامُ لم يسجد المؤتم فإن سها المؤتمُّ، لم يلزم الإمامَ ولا المؤتمَّ السُّجود، ومَن سَهَا عن القعدةِ الأُولى ثمّ تذكَّر وهو إلى حال القعود أَقربُ، عاد فجَلَس وتشهّد، وإن كان إلى حال القيام أقربَ لم يَعُد ويسجد للسَّهو، وإن سها عن القعدةِ الأخيرة فقام إلى الخامسة رَجَعَ إلى القعدةِ ما لم يسجد وألغى الخامسة، ويسجد للسَّهو، وإن قيَّد الخامسةَ بسجدةٍ بَطَلَ فرضُه، وتَحَوَّلت صلاتُه نفلاً، وكان عليه أن يَضمَّ إليها ركعةً سادسةً وإن قَعَدَ في الرَّابعة قدر التَّشهّد ثمّ قام، ولم يُسَلِّم يظنّها القعدة الأولى عاد إلى القعود ما لم يسجد في الخامسة ويُسلِّم، فإن قيَّد الخامسةَ بسجدة ضمَّ إليها ركعة أخرى، وقد تمّت صلاتُه، والرُّكعتان له نافلة ومَنْ شكَّ في صلاته فلم يدرِ أَثلاثاً صلَّى أم أَربعاً، وذلك أَوّل ما عرض له استأنف الصّلاة، وإن كان الشكُّ يعرضُ له كثيراً، بَنَى على غالب ظنِّه إن كان له ظنّ فإن لم يكن له ظنّ بَنَى على اليَقين.
باب صلاة المريض:
إذا تعذَّرَ على المريض القيام صَلَّى قاعداً يركع ويسجد، فإن لم يستطع الرُّكوعَ والسُّجودَ أومأ إيماءً برأسه، وجَعَلَ السَّجودَ أخفض من الرُّكوع، ولا يرفعُ إلى وجهِهِ شيئاً يسجدُ عليه فإن لم يستطع القعود استلقى على ظهره وجعلَ رِجليه إلى القبلة وأومأ بالرُّكوع والسُّجود، وإن استلقى على جنبه ووجهه إلى القبلة وأومأ جاز فإن لم يستطع الإيماء برأسه أَخَّر الصَّلاة، ولا يومئ بعينيه، ولا بقلبه، ولا بحاجبيه فإن قدر على القيام ولم يقدر على الرُّكوع والسُّجود لم يلزم القيام وجاز أن يُصلِّي قاعداً يومئ إيماءً، فإن صلَّى الصَّحيحُ بعضَ صلاته قائماً ثُمَّ حَدَثَ به مَرَضٌ أَتمّها قاعداً يَرْكَع ويسجد، أو يومئ إن لم يستطع الرُّكوع والسُّجود، أو مُستلقياً إن لم يستطع القعود ومَن صَلَّى قاعداً يركعُ ويسجدُ لمرضٍ به ثُمَّ صحّ بَنَى على
صلاته قائماً، وإن صلَّى بعضَ صلاته بإيماء ثُمَّ قدر على الرُّكوع والسُّجود استأنف الصّلاة، ومَن أُغمي عليه خمس صلوات فما دونها قضاها إذا صَحّ، وإن فاته بالإغماء أَكثر من ذلك لم يقض.
باب سجود التلاوة:
سجودُ التَّلاوة في القرآن أربع عشرة سجدة في آخر الأعراف، وفي الرّعد، والنَّحل، وبني إسرائيل، ومريم، والأولى في الحجّ، والفرقان، والنَّمل، وألم تنزيل، وص، وحم السَّجدة، والنَّجم، وإذا السَّماء انشقت، واقرأ باسم ربّك ... والسُّجود واجبٌ في هذه المواضع كلِّها، على التَّالي والسَّامع، سواء قصد سماع القرآن أو لم يقصد، وإذا تلا الإمامُ آيةَ سجدة، سجدَها وسجدَ المأموم معه، وإن تلا المأموم لم يسجد الإمام ولا المؤتم وإن سمعواـ وهم في الصّلاة ـ آية سجدة من رجل ليس معهم في الصّلاة لم يسجدوها في الصّلاة، وسجدوها بعد الصّلاة، فإن سجدوها في الصّلاة لم تُجزهم، ولم تفسد صلاتهم، ومَن تلا آية سجدة فلم يسجدها حتى دخل في الصّلاة فتلاها وسَجَدَ لها أجزأته السَّجدة عن التَّلاوتين، بخلاف ما لو سجد ثم دخل في الصّلاة لم تجزه السَّجدة الأولى، ومَنْ كَرَّر تلاوة آية سجدةٍ واحدةٍ في مجلس واحدٍ أَجزأته سجدة واحدة ومن أراد السجود كبر ولم يرفع يديه وسجد ثم كبر ورفع رأسه، ولا تشهد عليه ولا سلام.
باب صلاة المسافر:
السَّفرُ الذي يتغيّر به الأَحكام: أَنْ يقصدَ الإنسان موضعاً بينه وبين مصره، مسيرة ثلاثة أَيّام فصاعداً والمعتبرُ: سيرُ الإبل ومشي الأقدام، ولا يُعتبر في ذلك السَّير في الماء وفرضُ المسافر عندنا في كلِّ صلاةٍ رباعيّةٍ ركعتان لا يجوز له الزِّيادة عليهما فإن صَلَّى أَربعاً وقد قَعَدَ في الثَّانية مقدار التَّشهُّد، أجزأته ركعتان عن فرضِهِ، وكانت الأُخريان له نافلةً، وإن لم يقعد مقدار التَّشهُّد في الرَّكعتين الأُوليين بطلت صلاتُه، ومَنْ خرج مسافراً صلّى ركعتين إذا فارق بيوتَ المصر ولا يَزال على حكمِ المسافر حتى ينوي الإقامة في بلدٍ خمسةَ عشرَ يوماً فصاعداً فيلزمه الإتمام، وإن نَوَى الإقامة أَقلّ من ذلك لم يُتِمّ وإن دخل بلداً ولم ينو أن يقيم فيه خمسة عشر يوماً، وإنَّما يقول: غداً أخرج أو بعد غدٍ أَخرج حتى بَقِي على ذلك سنين صَلَّى ركعتين وإذا دخل العسكرُ أرضَ الحرب فنووا الإقامة خمسة عشر يوماً لم يُتمُّوا الصّلاة، وإذا دَخَلَ المسافرُ في صلاةِ المقيم مع بقاءِ الوقت أَتمَّ الصّلاة بخلاف ما إذا اقتدى به في فائتةٍ، وإذا صلَّى المسافر بالمقيمين صلّى ركعتين وسَلَّم ثُمَّ أَتمّ المقيمون صلاتهم، ويُستحبُّ له إذا سَلَّم أن يقول: أَتِمُّوا صلاتكم فإنّا
قوم سَفْرٌ وإذا دخل المسافرُ مِصْرَه أتمَّ الصلاةَ وإن لم ينو الإقامة فيه ومَن كان له وطنٌ فانتقل عنه واستوطن غيره ثمّ سافر فدخل وطنه الأوّل لم يتمَّ الصّلاة ومَن فاتته صلاة في السَّفر قضاها في الحضر ركعتين، ومَن فاتته صلاة في الحضر قضاها في السَّفر أربعاً، فإذا نوى المسافر أن يقيم بمكّة ومنى خمسة عشر يوماً لم يتمّ الصّلاة والعاصي والمطيع في سفرهما في الرُّخصة سواء.
باب صلاة الجمعة:
لا تصحُّ الجُمُعة إلا في مصر جامع أو في مصلّى المصر، ولا تجوز في القرى ولا تجوز إقامتُها إلا للسُّلطان أو مَنْ أمره السُّلطان ومن شرائطها: الوقتُ، فتصحُّ في وقتِ الظُّهر، ولا تصحّ بعده، ومن شرائطها: الخُطبة قبل الصّلاة يخطب الإمامُ خُطبتين يَفْصِلُ بينهما بقعدةٍ، ويخطبُ قائماً على طهارةٍ فإن اقتصرَ على ذكر الله تعالى جاز عند أبي حنيفة، وقالا: لا بُدَّ من ذكرٍ طويلٍ يُسمَّى خُطبةً، فإن خَطَبَ قاعداً أو على غيرِ طهارةٍ جاز ويُكره ومن شرائطها: الجماعة، وأقلُّهم عند أبي حنيفة: ثلاثةٌ سوى الإمام، وقالا: اثنان سوى الإمام ويجهر الإمام بالقراءة في الرَّكعتين، وليس فيهما قراءة سورة بعينها، ولا تجب الجُمعة على مسافر ولا امرأةٍ ولا مريضٍ ولا عبدٍ ولا أعمى، فإن حضروا وصَلّوا مع النَّاس أجزأهم عن فرض الوقت، ويجوز للمسافر والعبد والمريض ونحوهم أن يَؤمُّوا في الجُمعة ومَن صَلَّى الظُّهر في منزلِه يوم الجمعةِ قبل صلاةِ الإمام ولا عذر له كُره له ذلك، وجازت صلاتُه، فإن بدا له أن يحضر الجمعةَ فتوجَّه إليها بَطَلَت صلاة الظُّهر عند أبي حنيفة بالسَّعي، وقالا: لا تبطل حتى يدخل مع الإمام ويُكره أن يُصلِّي المعذورون الظُّهر في جماعةٍ يوم الجُمُعة، وكذلك أهل السِّجن ومَن أدرك الإمام يوم الجمعة صلّى معه ما أدرك وبَنَى عليها الجُمعة، وإن أدركه في التَّشهُّد أو في سجود السَّهو بنى عليها الجُمعة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال مُحمّد: إن أدرك معه أكثر الرَّكعة الثَّانية بَنَى عليها الجمعة، وإن أدرك أقلَّها بنى عليها الظَّهر وإذا خرج الإمامُ على المنبر يوم الجُمعة تَرَكَ النُّاسُ الصَّلاةَ والكلامَ حتى يفرغ من خطبته وإذا أذَّن المؤذِّن يوم الجُمعة الأذان الأوّل ترك النَّاسُ البيعَ والشِّراءَ وتوجَّهوا إلى الجُمعة، فإذا صَعَدَ الإمام المنبر جلس وأذّن المُؤذِّن بين يدي المنبر، فإذا فرغ من خُطبته أقاموا.
بابُ صَلاة العيدين:
يُستحبُّ في يوم الفطر: أن يَطْعَمَ الإنسانُ قبل الخروج إلى المُصلَّى ويغتسلَ، ويتطيَّبَ، ويلبسَ أحسن ثيابه، ويتوجّه إلى المصلّى، ولا يُكبّر في طريق المصلّى عند أبي حنيفة وقالا: يُكبِّر ولا يَتنفَّلُ في المُصلّى قبل
صلاة العيد فإذا حَلَّت الصّلاة بارتفاع الشَّمس دخل وقتها إلى الزَّوال، فإذا زالت الشَّمس خرج وقتُها ويُصلِّي الإمامُ بالنّاس ركعتين، يُكبّر في الأولى تكبيرةَ الافتتاح، وثلاثاً بعدها، ثُمَّ يقرأ فاتحة الكتاب وسورةً معها، ثُمَّ يُكبِّر تكبيرةًيركع بها، ثُمَّ يبدأ في الرَّكعة الثَّانية بالقراءة، فإذا فرغ من القراءةِ كَبّر ثلاثَ تكبيرات، وكَبّر تكبيرةً رابعةً يركع بها. ويرفع يديه في تكبيرات العيدين، ثُمَّ يخطب بعد الصَّلاة خُطبتين يُعَلِّمَ النّاس فيها صدقةَ الفطر وأحكامها، ومَن فاتته صلاة العيد مع الإمام لم يقضها. فإن غُمَّ الهلالُ على النَّاس فشهدوا برؤيةِ الهلال عند الإمام بعد الزَّوال صلى العيد من الغد، فإن حدثَ عذرٌ مَنَعَ النَّاسَ من الصَّلاةِ في اليوم الثَّاني لم يُصَلِّها بعده، ويُستحبُّ في يوم الأضحى أن يغتسلَ ويتطيَّب، ويؤخر الأكل حتى يفرغَ من الصَّلاة وَيَتَوجَّه إلى المُصلَّى وهو يُكبِّر، ويُصلّي الأضحى ركعتين كصلاةِ الفطرِ، ويخطب بعدها خُطبتين يُعلِّمُ النّاس فيها الأُضحية وتكبيرات التَّشريق، فإن حَدَثَ عذرٌ يمنع النّاسَ من الصّلاة في يوم الأضحى صلاها من الغد وبعد الغد، ولا يُصلِّها بعد ذلك وتَكبيرُ التَّشريق أَوَّله عقيب صلاةِ الفجر من يوم عرفة، وآخرُه عَقيب صلاة العصر من النَّحر عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمّد: إلى صلاة العصر مِنْ آخر أيام التشريق والتَّكبيرُ عقيب الصَّلوات المفروضات اللهُ أكبر اللهُ أكبر، لا إله إلا الله، واللهُ أكبر اللهُ أكبر، ولله الحمد.
باب صلاة الكسوف:
إذا انكسفت الشمس صَلَّى الإمامُ بالنَّاس ركعتين كهيئة النَّافلة، في كلِّ ركعةٍ ركوعٌ واحد ويُطوِّل القراءة فيهما، ويُخفي عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمّد: يجهر، ثمّ يدعو بعدها حتى تنجلي الشَّمس، ويُصلِّي بالنَّاس الإمامُ الذي يُصلِّي بهم الجُمُعة، فإن لم يجمع صلاها النَّاس فُرادى، وليس في خسوف القمر جماعة، وإنَّما يُصلِّي كلُّ واحدٍ بنفسه وليس في الكسوف خُطبة
باب الاستسقاء:
قال أبو حنيفة: ليس في الاستسقاء صلاةٌ مسنونةٌ في جماعةٍ، فإن صلّى النّاس وحداناً جاز، وإنَّما الاستسقاءُ الدُّعاءُ والاستغفار وقال أبو يوسف ومُحمّد: يُصلِّي الإمامُ بالنّاس ركعتين يَجهر فيهما بالقراءةِ ثمّ يَخْطُبُ ويستقبل القبلة بالدُّعاء، ويقلب الإمام رداءه، ولا يقلب القوم أرديتهم، ولا يحضر أهل الذِّمّة في الاستسقاء.
بابُ قيام شهر رمضان:
يستحبُّ أن يجتمعَ النَّاس في شهر رمضان بعد العشاء، فيُصلِّي بهم إمامُهم خمس ترويحات في كلّ ترويحةٍ تسليمتان، ويجلسُ بين كلِّ ترويحتين مقدار ترويحة ثمّ يوترهم ولا يُصلِّي الوتر بجماعةٍ في غيرِ شهر رمضان.
باب صلاة الخوف:
إذا اشتدّ الخوفُ، جَعَلَ الإمامُ النَّاسَ طائفتين: طائفةٌ في وجه العدو وطائفةٌ خلفه، فيُصلِّي بهذه الطَّائفة ركعةً وسجدتين، فإذا رفع رأسه من السَّجدة الثَّانية مضت هذه الطَّائفة إلى وجهِ العدو وجاءت تلك الطَّائفة فيُصلِّي بهم الإمامُ ركعةً وسجدتين وتَشَهَّدَ وسَلَّم، ولم يُسلموا وذهبوا إلى وجه العدو وجاءت الطَّائفة الأولى فصلُّوا وحداناً ركعةً وسجدتين بغير قراءة، وتشهّدوا وسَلَّموا، ومضوا إلى وجه العدو وجاءت الطَّائفةُ الأُخرى فصلّوا ركعةً وسجدتين بقراءة، وتشهّدوا وسلّموا فإن كان الإمام مقيماً صلّى بالطَّائفة الأولى ركعتين وبالثَّانية ركعتين ويُصلِّي بالطَّائفة الأُولى ركعتين في المغرب وبالثَّانية ركعةً، ولا يُقاتِلون في حال الصّلاة، فإن فَعَلوا ذلك بطلت صَلاتُهم وإن اشتدّ الخوف، صلّوا رُكباناً وُحْداناً يومئون بالرُّكوع والسُّجود، إلى أي جهةٍ شاؤوا إذا لم يَقْدِروا على التوجُّه إلى القبلة.
باب الجنائز:
إذا احتضَر الرَّجلُ وُجِّه إلى القبلة على شقّه الأيمن، ولُقّن الشَّهادتين فإذا مات شَدُّوا لحييه وغمضوا عينيه، فإذا أَرادوا غسلَه وضعوه على سرير وجعلوا على عورته خرقة، ونزعوا ثيابه وَوَضَّؤوه، ولا يُمضمَض ولا يُستَنشَق، ثمّ يُفيضون الماء عليه، ويُجمر سريرُه وتراً ويُغلى الماء بالسِّدر أو بالحُرْض، فإن لم يكن فالماء القَراح، ويغسل رأسُه ولحيتُه بالخِطْمي، ثُمَّ يُضجعُ على شِقِّه الأَيسر، فيغسل بالماء والسِّدر حتى يُرى أنَّ الماء قد وصل إلى ما يلي التَّختَ منه. ثُمَّ يُضْجَعُ على شِقّهِ الأَيمنِ، فيُغسل حتى يُرى أَنَّ الماءَ قد وَصَلَ إلى ما يلي التَّخت منه، ثمّ يُجلسُه ويُسندُه إليه ويمسح بطنَه مسحاً رفيقاً، فإن خرج منه شيء غسلَه، ولا يعيد غسله، ثمّ يُنشفه في خرقة، ويجعل الحَنُوط على رأسه ولحيته، والكافور على مساجده، والسنّة أن يُكفَّنَ الرَّجلُ في ثلاثةِ أَثواب: إزارٌ وقميصٌ ولِفافة فإن اقتصروا على ثوبين جاز، فإذا أرادوا لَفَّ اللِّفافة عليه ابتدأوا بالجانبِ الأيسر فأَلْقَوه عليه ثُمَّ الأيمن، فإن خافوا أن ينتشرَ الكَفن عنه عَقَدوه، وتُكفنُ المرأةُ في خمسة أَثواب: إزارٌ ولِفافةٌ وقميصٌ وخِمارٌ وخِرقةٌ تُرْبطُبها ثدياها، فإن اقتصروا على ثلاثةِ أَثوابٍ جاز، ويكون الخِمار فوق القميص تحت اللِّفافة، ويُجْعَلُ شعرُها على صدرِها، ولا يُسَرَّحُ شعرُ الميتِ ولا لحيتُه،
ولا يُقَصُّ ظفرُه ولا شعرُه وتُجمَّر الأَكفان قبل أن يُدرَجَ فيها وتراً، فإذا فَرَغوا منه، صَلُّوا عليه وأَولى النَّاس بالصَّلاة عليه السُّلطان إن حَضَر فإن لم يحضر، فيُستحبُّ تقديمُ إمام الحيّ، ثُمَّ الوليّ، فإن صلَّى عليه غيرُ الوليّ أو السُّلطان أَعاد الوليُّ، فإن صلَّى الوليُّ لم يجز لأَحد أَن يُصلِّي بعده فإن دُفِن ولم يصلَّ عليه، صُلِّي على قبره، والصَّلاةُ: أنّ يُكبرَ تكبيرةً يَحمد الله عقيبَها، ثُمَّ يُكبرُ تكبيرةً، ويُصلِّي على النَّبيِّ ثُمَّ يُكبرَ تكبيرةً يدعو فيها لنفسه وللميت وللمسلمين، ثُمَّ يُكبرَ رابعة ويُسلّم، ولا يُصلِّى على ميتٍ في مسجدٍ جماعة فإذا حَمَلوه على سريره أخذوا بقوائمِهِ الأَربع ويَمْشَون به مُسْرعين دون الخَبَب، فإذا بَلَغوا إلى قبره كُرِه للنَّاس أن يجلسوا قبل أن يُوضعَ عن أَعناق الرِّجال ويُحْفَرُ القبر ويُلْحَد، ويُدْخَلُ الميتُ ممّا يلي القبلة فإذا وُضِع في لحدِه قال الذي يضعه: بسم الله وعلى مِلّةِ رسول الله، ويُوجِّهه إلى القبلة، ويَحلّ العقدة، ويُسوِّي اللَّبِنَ عليه ويُكره الآجُرُّ والخشب، ولا بأَس بالقَصَب، ثُمَّ يُهال التُّراب عليه، ويُسَنَّم القبرُ ولا يُسَطَّح ومَن استهلَّ بعد الولادة سُمِّي وغُسِّل وصُلِّي عليه وإن لم يستهل أدرج في خرقة ولم يصلَّ عليه.
بابُ الشهيد:
الشَّهيدُ: مَن قَتَلَهُ المشركون، أو وُجِد في المعركةِ وبه أَثَرُ الجِراحة، أو قَتَله المسلمون ظلماً ولم تجب بقتله دية، فيُكَفَّن ويُصلَّى عليه. ولا يُغَسَّل وإذا استشهد الجُنُبُ غُسِّلَ عند أبي حنيفة، وقالا: لا يُغسَّلان، وكذلك الصَّبيُّ ولا يُغسل عن الشَّهيد دمُه، ولا ينزع عنه ثيابه، ويُنزع عنه الفَرْو والخُفُّ والحَشْو والسّلاحُ، وَمَن ارتُثّ غُسِّل والارتثاثُ: أن يأكلَ، أو يشربَ، أو يُتَداوى، أو يَبْقَى حَيّاً حتى يَمْضي عليه وقت صّلاة وهو يَعقلُ، أو يُنقل من المعركة وهو حيّ، ومَنْ قُتِل في حدٍّ أو قصاص غُسِّل وصُلّي عليه، ومَنْ قُتِل في حدٍّ أو قصاص غُسِّل وصُلّي عليه ومَن قُتِل مِنَ البُغاة أو قُطّاع الطَّريق لم يُصلّ عليه.
باب الصَّلاة في الكعبة:
الصَّلاة في الكعبة جائزةٌ، فرضُها ونفلها وإذا صلَّى الإمامُ بجماعة فيها فجعل بعضُهم ظهرَه إلى ظهر الإمام جاز، ومَن جعل منهم ظهره إلى وجه الإمام لم تَجُز صلاتُه، وإذا صَلَّى الإمامُ في المسجدِ الحرامِ تَحَلَّقَ النَّاسُ حَوْلَ الكعبة وصَلُّوا بصلاةِ الإمام، فمَن كان منهم أَقرب إلى الكعبة من الإمام جازت صلاته إذا لم يكن في جانب الإمام، ومَنْ صَلَّى على ظهرِ الكعبةِ جازت صَلاتُه.
كتاب الزكاة
الزَّكاةُ واجبةٌ على الحرّ المسلم العاقل البالغ إذا ملك نصاباً، ملكاً تامّاً، وحال عليه الحول، وليس على صبيٍّ ولا مجنونٍ زكاةٌ، ولا على مكاتبٍ ومَنْ كان عليه دينٌ يُحيطُ بماله فلا زكاة عليه، فإن كان مالُه أَكثر من الدَّين زَكّى الفاضل إذا بلغ نصاباً وليس في دورِ السُّكنى وثيابِ البدن وأثاثِ المنازل ودواب الرُّكوب وعبيد الخدمة وسلاح الاستعمال زكاةٌ، ولا يجوز أَداء الزّكاة إلاّ بنيّةِ مقارنةٍ للأَداءِ، أو مقارنةٍ لعزلِ مقدار.
باب زكاة الإبل:
ليس في أقل من خمس ذَوْد من الإبل صدقة، فإذا بلغت خمساً سائمةً وحال عليها الحول ففيها شاة إلى تسع، فإن كانت عشراً ففيها شاتان إلى أَربع عشرة، فإن كانت خمس عشرة ففيها ثلاث شياه إلى تسع عشرة، فإذا كانت عشرين ففيها أَربع شياه إلى أَربع وعشرين. فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض إلى خمس وثلاثين. فإن كانت ستّاً وثلاثين ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين. فإذا كانت ستّاً وأربعين ففيها حِقّة، فإذا كانت إحدى وستين ففيها جَذَعة إلى خمس وسبعين. فإذا كانت ستّاً وسبعين ففيها بنتا لبون إلى تسعين، فإذا كانت إِحدى وتسعين ففيها حِقّتان إلى مئة وعشرين، ثُمَّ تستأنف الفريضة فيكون في الخمس شاة مع الحِقّتين، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أَربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض إلى مئة وخمسين فيكون فيها ثلاث حِقاق، ثمَّ تستأنف الفريضة فيكون في الخمس شاةٌ، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاثُ شياه، وفي عشرين أربعُ شياه، وفي خمس وعشرين بنتُ مخاض، وفي ستٍّ وثلاثين بنتُ لبون، فإذا بلغت مئة وستّاً وتسعين ففيها أَربع حِقاق إلى مئتين. ثُمَّ تستأنف الفريضة أبداً كما تُستأنَفُ في الخمسين التي بعد المئة والخمسين والبُختُ والعِراب سواء.
بابُ صدقة البقر:
ليس في أَقلَّ من ثلاثين من البقرِ صدقة، فإذا بلغت ثلاثين سائمة وحال عليها الحول ففيها تبيعٌ أو تبيعةٌ، وفي أَربعين مُسِنٌّ أو مُسِنّة، فإذا زادت على الأربعين وَجَبَ في الزّيادة بقدر ذلك إلى ستين عند أبي حنيفة، ففي الواحدةِ رُبع عُشر مُسِنّة، وفي الاثنين نصفُ عُشر مُسِنّة، وفي الثَّلاثة ثلاثة أرباع عُشر مُسِنّة، وفي الأربع عُشر مسنّة وقالا: لا شيء في الزِّيادة حتى تبلغ ستين فيكون فيها تبيعان أو تبيعتان وفي سبعين مُسنّة وتَبيع، وفي ثمانين مسنَّتان، وفي تسعين ثلاثة أتبعة، وفي مئة تبيعان ومُسنّة، وعلى هذا يتغيَّر الفرضُ في كلِّ عشر من تبيعٍ إلى مُسنّة، والجواميسُ والبقرُ سواءٌ.
باب صدقة الغنم:
ليس في أَقلَّ من أَربعين شاةً صدقةٌ، فإذا بلغت أَربعين سائمةً وحال عليها الحول ففيها شاةٌ إلى مئةٍ وعشرين، فإذا زادت واحدةً ففيها شاتان إلى مئتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه، فإذا بلغت أربع مئة ففيها أربع شياه، ثُمَّ في كلّ مئةٍ شاةٌ، والضَّأنُ والمعزُ سواء.
بابُ زكاة الخيل:
إذا كانت الخيلُ سائمةً ذُكُوراً وإناثاً، فصاحبُها بالخيار: إن شاءَ أَعطى عن كلِّ فرسٍ ديناراً، وإن شاء قَوَّمها وأَعطى من كلِّ مئتي درهم خمسةَ دراهم، وليس في ذكورها منفردة زكاة وقالا: لا زكاة في الخيل، ولا شيء في البغال والحمير إلا أن تكون للتِّجارة، وليس في الفصلان والعجاجيل والحملان صدقةٌ إلاّ أن يكون معها كبار وقال أبو يوسف: تجب فيها واحدةٌ منها ومَن وَجَبَ عليه سنٌّ فلم توجد، أَخَذَ المُصَدِّقُ أَعْلَى منها وَرَدَّ الفضل، أو أخذ دونها وأَخَذَ الفضل، ويجوز دفع القيمة في الزَّكاة وليس في العوامل والحوامل والعلوفة صدقةٌ، ولا يأخذ المُصَدِّقُ خيارَ المال ولا رُذالتَه ويأخذ الوَسَط منه، ومَن كان له نصاباً فاستفاد في أَثناء الحَول من جنسِهِ، ضَمَّه إلى ماله وزَكَّاه به والسَّائمةُ: هي التي تكتفي بالرِّعي في أكثر حولها، فإن علفَها نصف الحول أو أكثر فلا زكاة فيها، والزَّكاةُ عند أبي حنيفة وأَبي يوسف في النِّصاب دون العفو وقال مُحمَّد: فيهما، وإذا هلك المال بعد وجوب الزَّكاة سقطت وإذا قَدَّمَ الزَّكاةَ على الحولِ وهو مالكٌ للنِّصاب جاز.
بابُ زكاة الفضة:
ليس فيما دون مئتي درهمٍ صدقة، فإذا كانت مئتي درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، ولا شيء في الزّيادة حتى تبلغَ أَربعين درهماً، فيكون فيها درهم، ثُمَّ في كلّ أربعين درهماً درهمٌ وقالا: ما زاد على المئتين فزكاتُه بحسابها، وإذا كان الغالبُ على الوَرِق الفضّة، فهي في حكم الفضّة، وإذا كان الغالب عليها الغش، فهي في حكم العروض، يعتبر أن تبلغ قيمتهبا نصاباً.
بابُ زكاة الذَّهب:
ليس فيما دون عشرين مثقالاً من الذَّهب صدقةٌ، فإذا كانت عشرين مثقالاً وحال عليها الحول، ففيها نصفُ مثقالّ، ثُمَّ في كلِّ أربعة مثاقيل قيراطان وليس فما دون أربعة مثاقيل صدقة عند أبي حنيفة، وفي تِبْرِ الذَّهب والفِضّة وحُلِيِّهما والآنية منهما الزَّكاة.
باب زكاة العروض:
الزّكاةُ واجبةٌ في عُروض التجارة كائنة ما كانت إذا بلغت قيمتُها نصاباً من الورِق أو الذَّهب، يُقوِّمها بما هو أنفعُ للفقراء والمساكين منها وإذا كان النِّصابُ كاملاً في طرفي الحول، فنُقصانه فيما بين ذلك لا يسقط الزّكاة وتضمُّ قيمةُ العروض إلى الذهب والفضة، وكذلك يُضمُّ الذَّهب إلى الفضّة بالقيمة حتى يتمّ النِّصاب عند أبي حنيفة، وقالا: لا يضمُّ الذَّهب إلى الفضة بالقيمة، ويُضمُّ بالأجزاء.
باب زكاة الزُّروع والثِّمار:
قال أبو حنيفة: في قليلِ ما أَخرجته الأرض وكثيره العُشر، سواء سُقِي سيحاً أو سقته السَّماء إلا الحطبَ والقصبَ والحشيش، وقالا: لا يجب العشرُ إلا فيما له ثَمَرةٌ باقيةٌ إذا بَلَغَ خمسةَ أَوْسق والوَسْقُ: سِتُّون صاعاً بصاع النَّبيِّ، وليس في الخضروات عندهما عُشر، وما سُقِي بغَرْب أو دالية أو سانية ففيه نصفُ العشر في القولين، وقال أبو يوسف: فيما لا يوسف كالزعفران والقطن العشر إذا بلغت قيمتُه قيمة خمسة أوسق من أدنى ما يدخل تحت الوَسْق، وقال محمد: يجب العشرُ إذا بلغ الخارجُ خمسة أَمثال من أَعلى ما يُقَدَّرُ به نوعُه، فاعتبر في القطن خمسة أَحمال، وفي الزعفران خمسة أمناء، وفي العسل العُشْرُ إذا أُخِذ من أَرض العُشْر قَلَّ أو كَثُر وقال أبو يوسف: لا شيء فيه حتى يبلغَ عشرة أَزقاق، وقال محمّد: خمسة أفراق، والفرق: ستة وثلاثون رطلاً وليس في الخارج من أَرض الخَراج عُشْرٌ.
باب مَن يجوز دفع الصدقة إليه ومَن لا يجوز:
قال الله: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلولهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل} [التوبة: 60] الآية. فهذه ثمانيةُ أَصناف قد سقطت منها المؤلَّفة قلوبهم؛ لأنَّ الله تعالى أَعزَّ الإسلامَ وأَغنى عنهم، والفقيرُ: مَنْ له أَدنى شيء، والمسكينُ: مَنْ لا شيء له والعاملُ يدفع إليه الإمامُ بقدرِ عملِهِ إن عَمِل وفي الرِّقاب: أن يُعان المُكاتبون في فكِّ رقابهم والغارم: مَنْ لزمه دين. وفي سبيل الله: منقطع الغزاة وابن السَّبيل: مَن كان له مال في وطنه، وهو في مكانٍ لا شيء له فيه، فهذه جهات الزَّكاة. وللمالك أن يدفعَ إلى كلِّ واحدٍ منهم وله أن يقتصرَ على صنفٍ واحد، ولا يجوز أن يدفع الزَّكاة إلى ذميّ، ولا يبنى بها مسجدٌ ولا يُكفَّنُ بها ميتٌ، ولا يشترى بها رقبةٌ تُعتق، ولا تُدفع إلى غَنيٍّ ولا يدفع المُزكِّي زكاته إلى أَبيه وجَدِّه وإن علا، ولا إلى ولدِه وولد ولده وإن سفل، ولا إلى امرأته، ولا تدفع المرأة إلى زوجها عند أبي حنيفة، وقالا: تُدفع هي إليه ولا يدفع إلى مكاتَبه، ولا مملوكه، ولا مملوك غَنِيّ، ولا
ولد غَنِيّ إذا كان صغيراً، ولا يدفع إلى بني هاشم: وهم آل عليٍّ، وآل عَبّاس، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل حارث بن عبد المطلب، ومواليهم وقال أبو حنيفة ومُحمّد: إذا دفع الزكاة إلى رجل يظنُّه فقيراً ثُمَّ بان أنَّه غَنِيٌّ، أو هاشميٌّ، أو كافر، أو دفع في ظلمةٍ إلى فقير، ثُمَّ بان أنَّه أَبوه، أو ابنه، فلا إعادة عليه وقال أبو يوسف: لا يجوز وعليه الإعادة، ولو دفع إلى شخصٍ، ثُمَّ علم أنَّه عبدُه أو مكاتَبه، لم يجز في قولهم جميعاً، ولا يجوز دفع الزَّكاة إلى مَن يملك نصاباً من أَي مالٍ كان ويجوز دفعها إلى مَنْ يملك أَقلّ من ذلك وإن كان صحيحاً مُكتسباً ويُكره نقلُ الزَّكاة من بلد إلى بلدآخر، وإنَّما تُفرَّق صدقةُ كلِّ قوم فيهم، إلاّ أن ينقلَها الإنسانُ إلى قرابتِه أو إلى قومِ هم أَحْوجُ من أهل بلده.
بابُ صدقةِ الفطر:
صدقةُ الفطر واجبةٌ على الحرِّ المسلم إذا كان مالكاً لمقدار النِّصاب، فاضلاً عن مسكنِهِ وثيابهِ وأَثاثهِ وفرسهِ وسلاحهِ وعبيده للخدمة يُخْرِجُ ذلك عن نفسِه وعن أَولاده الصِّغار وعن مماليكه ولا يؤدّي عن زوجته، ولا عن أولادِه الكبارِ وإن كانوا في عياله، ولا يُخرج عن مكاتبه، ولا عن مماليكه للتِّجارة والعبد بين الشَّريكين لا فطرة على واحدٍ منهما، ويؤدّي المسلمُ الفطرة عن عبدِه الكافر، والفطرةُ نصف صاع من بُرّ أو صاع من تمر أو زبيب أو شعير والصَّاعُ: ثمانيةُ أرطال بالعراقي، وقال أبو يوسف: خمسة أرطال وثلث رطل، ووجوب الفطرة يَتَعلَّقُ بطلوعِ الفجر من يوم الفطر، فمَن مات قبل ذلك لم تجب فطرته ومَن أسلم أو وُلِد بعد طلوع الفجر لم تجب فطرتُه، ويستحبُّ للنَّاس أن يخرجوا الفطرةَ يوم الفطر قبل الخروج إلى المصلّى فإن قَدَّموها قبل يوم الفطر جاز، وإن أَخَّروها عن يومِ الفطرِ لم تسقط وكان عليهم إخراجُها.
كتاب الصوم
الصَّومُ ضربان: واجبٌ، ونفلٌ، فالواجبُ ضربان: منه ما يَتَعلَّقُ بزمان بعينِه: كصومِ رمضان، والنَّذر المعيّن، فيجوز صومه بنيّة من اللَّيل، فإن لم ينو حتى أَصبح أجزأته النيّة ما بينه وبين الزَّوال والضَّرب الثَّاني: ما يثبت في الذِّمّة: كقضاءِ رمضان، والنَّذرِ المطلق والكفّارات، فلا يجوز صومه إلا بنيّةٍ مِنَ الليل والنَّفلُ كلُّه يجوز بنيّةِ قبل الزَّوال وينبغي للنَّاس أن يلتمسوا الهلال في اليومِ التَّاسع والعشرين من شعبان، فإن رأوه صاموا، وإن غُمّ عليهم أَكملوا عدّة شعبان ثلاثين يوماً ثُمَّ صاموا ومَنْ رأى هلال رمضان وحده صام، وإن لم يَقْبَلْ الإمامُ شهادتَه، وإذا كان في السَّماء علّة قَبِلَ الإمامُ شهادةَ الواحدِ العدلِ في رؤية الهلال، رَجُلاً كان أو امرأة، حُرّاً كان أو عبداً فإن لم يكن في السَّماء علّة لم يقبل الشَّهادة حتى يراه
جمعٌ كثيرٌ يقع العلمُ بخبرِهم، ووقت الصَّوم: من حينِ طلوعِ الفجرِ الثَّاني إلى غروبِ الشَّمس والصَّومُ: هو الإمساكُ عن الأَكلِ والشُّربِ والجماعِ نهاراً مع النيّة، فإن أَكَلَ الصَّائمُ أو شَرِبَ أو جامعَ ناسياً لم يُفْطِر فإن نام فاحتلم، أو نظر إلى امرأة فأنزل، أو ادّهن، أو احتجم، أو اكتحل، أو قَبَّل لم يفطر، ولا بأس بالقُبلة إذا أَمِن على نفسه، ويُكره إن لم يأَمن وإن ذرعه القيءُ لم يُفطر، وإن استقاء عامداً مِلء فِيهِ فعليه القضاء، ومَن ابتلع الحصاة أو الحديد أَفطر ومَن جامع عامداً في أَحدِ السَّبيلين، أو أَكل، أو شَرَب ما يُتَغَذَّى به، أو يُتداوى به، فعليه القَضاء والكفّارة مثل كفّارة الظِّهار ومَن جامع فيما دون الفرج أو بهيمة فأَنزل، فعليه القضاء، ولا كَفَّارة عليه، وليس في إفسادِ الصومٍ في غيرِ رمضان كفّارة، ومَن احتقن، أو استعط، أو أَقطر في أُذنيه، أو داوى جائفة، أو آمّة بدواءٍ فوصل إلى جوفه أو دماغه أَفطر، وإن أَقطر في إحليله لم يفطر، وقال أبو يوسف: يُفْطِر، ومَنْ ذاق شيئاً بفمِهِ لم يفطر، ويُكره له ذلك ويُكره للمرأة أن تَمْضُغَ لصبيها الطَّعام إن كان لها منه بُدّ، ومضغ العلك لا يُفَطِّر الصّائم، ويُكره، ومَن كان مريضاً في رمضان فخاف إن صام ازداد مرضُه، أَفطر وقَضى، وإن كان مسافراً لا يستضرُّ بالصَّوم، فصومُه أَفضل وإن أَفْطَرَ وقَضَى جاز، وإن مات المريضُ أو المسافرُ وهما على حالِهما، لم يلزمْهما القضاء، وإن صَحَّ المريض أو أَقام المسافرُ ثُمَّ ماتا لزمهما القضاء بقدرِ الصحّةِ والإقامة، وقضاءُ رمضان إن شاءَ فَرَّقه، وإن شاء تابعَه، وإن أَخَّره حتى دَخَلَ رمضان آخر صام رمضان الثّاني، وقضى الأَوّل بعده، ولا فدية عليه والحاملُ والمرضعُ إذا خافتا على أَنفسهما أو ولديهما أَفطرتا وقضتا، ولا فدية عليهما، والشيخُ الفاني الذي لا يَقدرُ على الصيام، يُفْطِرُ ويُطْعِمُ لكلِّ يوم مسكيناً كما يُطْعِمُ في الكفَّارات، ومَن مات وعليه قضاء رَمضان فأَوصى به، أَطعم عنه وليُّه لكلِّ يوم مسكيناً: نصفَ صاعٍ من بُرٍّ، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير ومَنْ دَخَلَ في صومِ التَّطوّع أو صلاة التَّطوّع فأَفسدها قضاها، وإذا بلغ الصبيُّ أو أَسلم الكافرُ في بعض نهار رمضان، أَمسكا بقيّةَ يومهما وصاما ما بعده ولم يقضيا ما مضى ومَنْ أُغمي عليه في رمضان لم يقضِ اليوم الذي حَدَثَ فيه الإغماء، وقَضَى ما بعده، فإذا أَفاق المجنون في بعض رمضان قضى ما مضى منه، وإذا حاضت المرأةُ أَفطرت وقَضَت، وإذا قدم المسافر أو طهرت الحائضُ في بعضِ النَّهار أَمسكا عن الطَّعام والشَّراب بقيّةَ يومهما، ومَنْ تسحّر وهو يظنُّ أنَّ الفجرَ لم يطلع، أو أفطر وهو يرى أنَّ الشَّمس قد غَرُبَت، ثُمَّ تبيّن أنَّ الفجر كان قد طَلُع، أو أنَّ الشَّمسَ لم تغرب، قضى ذلك اليوم، ولا كفّارة عليه، ومَنْ رأَى هلال الفطر وحده لم يُفْطِر، وإن كان بالسَّماء علّة لم تُقْبَل في هلالِ الفطر إلا شهادة رجلين أَو رجل وامرأتين، وإن لم يكن بالسَّماء علّةٌ لم يقبل إلا شهادة جمعٍ كثيرٍ يقع العلمُ بخبرِهم.
باب الاعتكاف:
الاعتكافُ مستحبٌّ وهو اللُبث في المسجد مع الصَّوم ونية الاعتكاف، ويَحْرُم على المعتكِف الوطء واللمس والقُبلة، ولا يخرج من المسجد إلا لحاجة الإنسان أو الجُمعة ولا بأس بأن يبيعَ ويبتاع في المسجد من غير أن يُحضِرَ السلعة، ولا يتكلَّم إلاّ بخير ويُكره له الصَّمت، وإن جامع المُعْتَكِف ليلاً أو نهاراً بطل اعتكافه، ومَنْ أَوجب على نفسِهِ اعتكاف أَيام لزمه الاعتكاف بلياليها وكانت متتابعة، وإن لم يشترط التتابع.
كتاب الحج
الحجُّ واجبٌ على الأحرار البالغين العقلاء الأَصحّاء إذا قَدِروا على الزَّاد والرَّاحلة، فاضلاً عن المسكن وما لا بُدّ منه، وعن نفقة عياله إلى حين عوده، وكان الطريق آمناً ويعتبر في المرأةِ أَن يكون لها محرم يحجُّ بها أو زوج، ولا يجوز لها أن تحجَّ بغيرِهما إذا كان بينها وبين مكّة مسيرة ثلاثة أَيام فصاعداً وإذا بلغ الصَّبي بعدما أحرم أو أعتق العبد فمضيا على ذلك لم يُجزهما عن حجّة الإسلام والمواقيتُ التي لا يجوز أن يتجاوزَها الإنسان إلاّ محرماً: لأهل المدينة: ذو الحُلَيفة. ولأهل العراق: ذاتُ عِرْق. ولأهل الشَّام: الجُحْفة. ولأهل نجد: قَرْنُ المنازل. ولأهل اليمن: يَلَمْلَم فإن قَدَّمَ الإحرامَ على هذه المواقيت جاز، ومَن كان بَعدَ المواقيت فميقاتُه الحلّ، ومَنْ كان بمكّة، فميقاتُه في الحجّ الحرم وفي العمرة الحلّ، وإذا أَراد الإحرامَ اغتسل أو توضّأ، والغُسل أَفضل، ولبس ثوبين جديدين أو غسيلين إزاراً ورداءً، ومَسَّ طيباً إن كان له وصلَّى ركعتين، وقال: اللهم إنّي أُريد الحجّ فيسره لي وتقبَّله مِنّي، وصلَّى ركعتين، وقال: اللهم إنّي أُريد الحجّ فيسره لي وتقبَّله مِنّي ثُمَّ يُلبِّي عَقِيب صلاته فإن كان مُفْرداً بالحجّ نوى بتلبيته الحجّ، والتَّلبيةُ أن يقول: لبَّيْك اللهم لبَّيْك، لبَّيْك لا شريك لك لبَّيْك، إنَّ الحمد والنّعمة لك والملك، لا شريك لك ولا ينبغي أن يُخِلَّ بشيء من هذه الكلمات، فإن زاد فيها جاز، فإذا لَبَّى فقد أَحرم، فليتق ما نهى الله تعالى عنه من الرَّفَث والفسوق والجدال ولا يقتل صيداً، ولا يشير إليه ولا يدلُّ عليه، ولا يلبس قميصاً، ولا سراويلاً، ولا عِمامة، ولا قَلَنسوة، ولا قَبَاء، ولا خُفّين، إلا أن لا يَجِدَ النَّعلين، فيقطعُهما أَسفل الكعبين ولا يُغَطِّي رأَسه ولا وجهَه ولا يَمَسُّ طيباً، ولا يحلق رأسَه، ولا شعرَ بدنه، ولا يَقُصُّ مِن لحيتَه، ولا من ظفرِه، إلاّ أن يكون غَسيلاً لا يَنْفُض، ويدخلَ الحَمَّام ويستظلّ بالبيت والمَحْمِل، ويَشُدَّ في وسطه الهِمْيان، ولا يغسلُ رأسَه ولا لحيتَه بالخِطْمي، ويُكْثِرُ مِنَ التلبية عَقيب الصّلوات، وكُلَّما علا شَرفاً، أو هبط وادياً، أو لَقِي رُكباناً، وبالأسحار فإذا دَخَلَ مَكّة ابتدأ بالمسجد الحرام، فإذا عاين البيت كَبَّرَ وهَلَّل. ثُمَّ ابتدأ
بالحجر الأَسود فاستقبله وكَبَّر، ورَفَع يديه، واستلمه وقبَّله إن استطاع من غير أن يؤذي مسلماً ثُمَّ أَخذ عن يمينه ممّا يلي الباب وقد اضطبع بردائه قبل ذلك، فيطوف بالبيت سبعة أَشواط يرمل في الثَّلاث الأُوَل، ويمشي فيما بقي على هينتِه، ويجعل طوافه وراء الحطيم ويستلم الحجر كلّمَا مَرَّ به إن استطاع، ويَختم الطواف بالاستلام، ثُمَّ يأَتي المقام فيُصلِّي عنده ركعتين، أو حيث ما تَيَسَّرَ من المسجد الحرام. وهذا الطَّوافُ طوافُ القدوم، وهو سُنّةٌ وليس بواجبٍ، وليس على أَهلِ مكّة طواف القدوم ثُمَّ يَخْرُجُ إلى الصَّفا فيصعد عليه، ويستقبلُ البيتَ ويُكبِّرُ ويُهلِّلُ ويُصلِّي على النبيّ ويدعو الله بحاجته. ثُمَّ ينحطُّ نحو المروة، ويمشي على هينته، فإذا بلغ إلى بطنِ الوادي سَعَى بين الميلين الأَخضرين سعياً حتى يأَتي المروة فيصعد عليها، ويَفعل كما فَعَلَ على الصَّفا وهذا شوط، فيطوف سبعة أشواط، يبدأُ بالصَّفا ويختمُ بالمَرْوة. ثُمَّ يقيم بمكّة حراماً، ويطوف بالبيت كلّمَا بدا له، فإن كان قبل التروية بيوم خَطَبَ الإمامُ خطبةً يُعلِّمُ النَّاس فيها: الخروج إلى منى، والصلاة بعرفات، والوقوف، والإفاضة فإذا صلَّى الفجرَ يوم التَّروية بمكّة خرج إلى منى فأَقام بها، حتى يُصلِّي الفجر يوم عرفة، ثُمَّ يتوجَّه إلى عرفةَ فيُقيم بها، فإذا زالت الشَّمس من يوم عرفةَ صَلّى الإمامُ بالنَّاس الظُّهرَ والعصر، يبتدئ، فيخطبُ قبل الصّلاة خطبةً يُعَلِّمُ النَّاسَ فيها الصَّلاة والوقوفَ بعرفة والمزدلفة ورَميَ الجمار والنحروالحلق وطواف الزِّيارة، ويُصلِّي بهم الظُّهرَ والعصرَ بأذانٍ وإقامتَيْن في وقت الظهر ومَن صلَّى في رحلِهِ وحدَه صَلَّى كلّ واحدةٍ منهما في وقتها، وقالا: يجمع بينهما المنفرد، ثُمَّ يتوجَّه إلى الموقفِ فيقف بقربِ الجبل، وعرفات كلُّها موقف إلا بطن عُرَنة وينبغي للإمام أن يقفَ بعرفة على راحلته، ويدعو ويُعَلِّمُ النَّاس المناسك، ويُسْتَحَبُّ أن يغتسلَ قبل الوقوف، ويجتهد في الدُّعاء فإذا غَرُبَت الشَّمسُ أَفاض الإمامُ والنَّاسُمعه على هِينتهم، حتى يأتوا المُزْدلفة فينزلوا بها والمستحبُّ أن ينزلَ بقربِ الجبل الذي عليه المِيْقدة، يُقال له: قُزَح، ويُصلِّي الإمامُ بالنَّاس المغربَ والعشاءَ بأذانٍ وإقامةٍ ومَن صلَّى المغربَ في الطَّريقِ لم يجز عند أَبي حنيفة ومُحمّد فإذا طَلُعَ الفجرُ صلّى الإمامُ بالنَّاس الفجر بغَلَسٍ ثُمّ وَقَفَ ووقفَ النَّاسُ معه فدعا ومُزْدلفةُ كلُّها موقفٌ إلا بطن مُحَسِّر ثُمّ أَفاض الإمامُ والنَّاسُ معه قبل طلوعِ الشَّمس حتى يأتوا مِنى، فيبدأ بجمرة العقبة فيرميها من بطنِ الوادي بسبع حصيات مثل حصى الخَذْف ويُكَبِّرُ مع كلِّ حصاة ولا يقف عندها، ويقطع التلبيةَ مع أَوّل حصاة ثُمَّ يَذْبَحُ إن أَحَبّ، ثُمَّ يَحْلِقُ أو يُقَصِّر والحلقُ أفضل وقد حَلَّ له كلُّ شيء إلاّ النِّساء، ثُمَّ يأتي مَكّة من يومه ذلك أو من الغد، أو بعد الغد، فيُطوف بالبيت طواف الزِّيارة سبعةَ أَشواط فإن كان سَعَى بين الصَّفا والمَرْوة عَقِيب طواف القُدُوم لم يَرْمُل في هذا الطّواف، ولا سعيَ عليه، وإن لم يكن قَدَّمَ السعيَ رَملَ في هذا الطَّواف، وسعى بعده على ما
قدَّمناه وقد حَلَّ له النِّساء، وهذا الطَّواف هو المفروض في الحجّ، ويُكره تأَخيرُه عن هذه الأَيّام، فإن أَخّره عنها لزمه دم عند أبي حنيفة ثُمَّ يعود إلى مِنى فيقيم بها فإذا زالت الشَّمسُ من اليوم الثَّاني من النَّحر رَمَى الجمار الثَّلاث، يبدأ بالتي تلي المسجد، فيرميها بسبعِ حصياتٍ، يُكبِّرُ مع كلِّ حصاةٍ، ويَقِفُ عندها ويَدعو، ثُمَّ يَرمي التي تليها مثل ذلك، ويَقِف عندها، ثُمَّ يَرمي جمرةَ العقبة كذلك، ولا يَقِف عندها. فإذا كان من الغد رمى الجمار الثلاث بعد زوال الشَّمس كذلك. فإذا أَراد أن يتعجَّل النَّفرَ نَفَرَ إلى مَكّة، وإن أراد أن يقيمَ رمى الجمار الثَّلاث في اليوم الرَّابع بعد زوال الشَّمس فإذا قَدَّمَ الرَّميَ في هذا اليوم قبل الزَّوال بعد طلوعِ الفجرِ جاز عند أَبي حنيفة، وقالا: لا يجوز إلاّ بعد الزَّوال، ويُكره أن يُقَدِّمَ الإنسانُ ثَقَلَهُ إلى مكّة ويُقيم حتى يرمي، فإذا نَفَرَ إلى مَكّة نَزَلَ بالمُحَصَّب ثُمَّ طاف بالبيت سبعةَ أَشواط لا يَرْمِلُ فيها، وهذا طواف الصَّدَر، وهو واجبٌ إلاّ على أَهل مَكّة. ثُمَّ يعود إلى أهلِه، فإن لم يدخل المُحْرِمُ مَكّة وتوجّه إلى عرفات ووقف بها ـ على ما قدمناه ـ، فقد سَقَطَ عنه طواف القُدُوم، ولا شيء عليه لتركه، ومَن أَدرك الوقوفَ بعرفة ما بين زَوال الشَّمس من يومِ عرفةَ إلى طُلُوع الفجر من يوم النَّحر، فقد أَدْرَكَ الحَجّ ومَن اجتاز بعرفة وهو نائمٌ، أو مغمى عليه، أو لم يَعْلَم أنَّها عَرَفة، أَجزأه ذلك عن الوقوف، والمرأةُ في جميعِ ذلك كالرَّجل غير أنَّها لا تَكْشِفُ وتَكْشِفُ وجهَها ولا تَرْفَعُ صوتَها بالتَّلبية ولا تَرْمُلُ في الطَّواف ولا تَسْعَى بين الميلين، ولا تحلقُ رأَسها ولكن تُقَصِّرُ.
باب القران:
االقرانُ عندنا أَفضلُ من التَّمتّع والإفراد. وصفةُ القران: أنت يُهِلَّ بالعمرةِ والحجِّ معاً من الميقات ويقول عقيب الصّلاة: اللَّهمّ إنّي أُريد الحجَّ والعمرةَ فيسّرهما لي، وتقبّلهما مِنّي، فإذا دَخَلَ مكّة، ابتدأَ فطاف بالبيت سبعةَ أَشْواط، يَرْمُلُ في الثَّلاثة الأُول منها، ويَسعى بعدها بين الصَّفا والمَروة، وهذه أَفعال العمرة، ثُمَّ يطوف بعد السَّعي طواف القُدُوم ويَسْعى بين الصَّفا والمروة كما بَيَّنّا في المفرد فإذا رَمَى الجمرةَ يومَ النَّحر ذَبَحَ شاةً أو بدنةً أو بقرةً أو سُبْعَ بدنة، فهذا دم القران فإن لم يكن له ما يَذْبَح، صام ثلاثةَ أَيّام في الحَجِّ آخرُها يوم عرفة فإذا فاته الصَّوم حتى جاء يوم النَّحر لم يُجْزِه إلاّ الدَّم ثُمَّ يصوم سبعةَ أَيّام إذا رَجَع إلى أَهلِهِ، فإن صامَها بمكّة بعد فراغه من الحَجّ جاز، فإن لم يدخل القارن مَكّة وتَوَجَّه إلى عرفاتٍ، فقد صار رافضاً لعمرته بالوقوف، ويسقط عنه دم القران، وعليه دمُ رفض العمرة، وعليه قضاؤها
بابُ التَّمتع
التَّمتعُ أَفضل من الإفراد عندنا، والتَّمتعُ على وجهين: متمتعٌ يسوق الهَدي، ومتمتعٌ لا يَسوق الهَدي وصفةُ التَّمتع: أن يبتدئ من الميقاتِ فيحرمَ بعمرةٍ ويدخلَ مكّة فيطوف لها ويسعى ويَحْلِق أو يُقَصِّر، وقد حَلّ من عمرتِه، ويقطعُ التَّلبيةَ إذا ابتدأ بالطَّواف، ويُقيم بمكّةَ حَلالاً، فإذا كان يوم التَّروية أَحرم بالحجّ من المسجد، وفعل ما يفعلُه الحاجُّ المفرد وعليه دم التَّمتع، فإن لم يجد فصيام ثلاثةِ أَيّام في الحجّ وسبعةً إذا رجع إلى أَهله، فإذا أَراد المتمتعُ أن يسوقَ الهدي، أحرم وساق هديه، فإن كانت بدنةً قَلَّدها بمَزادة أو نَعْلٍ ويُشْعِرُ البدنةَ عند أَبي يوسف ومحمّد، وهو أن يَشُقّ سنامها من الجانب الأَيمن، ولا يُشْعِرُ عند أبي حنيفة فإذا دخل مَكّةَ طاف وسَعَى ولم يتحلَّل حتّى يحرمَ بالحجّ يوم التَّروية، وإن قَدَّمَ الإحرامَ قبله جاز وعليه دم، فإذا حلق يوم النحر فقد حَلّ من الإحرامين، وليس لأهل مَكّة تمتعٌ ولا قرانٌ، وإنَّما لهم الإفراد خاصّة وإذا عاد المتمتعُ إلى بلدِه بعد فراغِهِ من العمرةِ ولم يكن ساق الهدي، بطل تمتعه، وإن كان قد ساق معه الهَدي لا يبطلُ تمتعه، ومَن أَحرم بالعمرةِ قَبل أشهرالحجّ فطاف لها أَقلّ من أَربعةِ أَشواط، ثُمَّ دخلت أَشهر الحجّ فتمَّمها وأَحرم بالحجّ، كان مُتمتعاً فإن طاف لعمرتِهِ قبل أَشهر الحجِّ أَربعةَ أَشْوَاط فصاعداً ثُمَّ حَجَّ من عامِهِ ذلك، لم يكن مُتَمَتِّعاً، وأَشهر الحَجّ: شوال، وذو القعدة، وعشرٌ من ذي الحجّة، فإن قَدَّمَ الإحرامَ بالحجّ عليهاجاز إحرامُه، وانعقد حَجّاً وإذا حاضت المرأةُ عند الإحرامِ، اغتسلت وأَحرمت، وصَنَعَت كما يصنعه الحاجُّ، غير أنَّها لا تطوف بالبيت حتّى تَطْهُر فإذا حاضت بعد الوقوف وطواف الزِّيارة انصرفت من مَكّة، ولا شيء عليها لترك طواف الصَّدَر.
باب الجنايات:
إذا تَطيَّب المُحرمُ فعليه الكفّارة، فإن طَيَّبَ عضواً كاملاً فما زاد، فعليه دم وإن طَيَّبَ أَقلّ من عضوٍ، فعليه صدقة، وإن لَبِس ثوباً مَخيطاً أو غَطَّى رأَسَه يوماً كاملاً فعليه دم، وإن كان أَقلّ من ذلك، فعليه صدقة، وإن حَلَقَ ربع رَأَسه فصاعداً فعليه دم، وإن حَلَقَ أَقلّ من الرُّبع، فعليه صدقةٌ وإن حَلَقَ مواضع المَحَاجم، فعليه دم عند أبي حنيفة، وقالا: عليه صدقة، وإن قَصَّ أَظافير يديه ورجليه فعليه دم، وإن قصَّ يداً أو رِجْلاً فعليه دم، وإن قَصَّ أَقلّ من خمسةِ أَظافير فعليه صدقة، وإن قَص خمسة أظافير متفرِّقة من يديه ورجليه فعليه صدقة، وهذا عندهما وقال مُحمّد: عليه دم، وإن تَطيَّب أو لَبس أو حَلَق من عذرٍ فهو مُخيّرٌ: إن شاء ذبح شاة، وإن شاء تَصَدَّق على ستّةِ مساكين بثلاثةِأَصْوُع من طعام، وإن شاء صام ثلاثة أَيّام، وإن قَبَّلَ أو لَمَسَ بشهوةٍ فعليه دم ومَن جامع في أَحدِ السبيلين قَبْلَ الوقوفِ بعرفةَ فَسَدَ حجُّه وعليه شاةٌ، ويمضي في الحجّ كما يمضي مَن لم يُفْسِدْ الحَجَّ، وعليه القضاء وليس عليه أن يُفارقَ امرأتَه إذا حَجّ بها
في القضاء، ومَن جامع بعد الوقوف بعرفة لم يَفْسُدْ حجُّه، وعليه بَدَنة وإن جامع بعد الحلق، فعليه شاة، ومَن جامع في العمرة قبل أن يطوف أَربعة أَشواط أَفسدها، ومضى فيها وقضاها، وعليه شاة، وإن وطئ بعدما طاف أربعة أشواط، فعليه شاة، ولا تَفْسُدُ عمرتُه، ولا يلزمه قضاؤها، ومَن جامع ناسياً كمَن جامع عامداً ومَن طاف طواف القدوم مُحدثاً فعليه صدقةٌ، وإن طاف جنباً فعليه شاة، ومَن طاف طواف الزِّيارة مُحدثاً فعليه شاة، وإن جنباً فعليه بدنة، والأفضلُ أن يعيد الطَّواف ما دام بمكّة، ولا ذبح عليه، ومَن طاف طواف الصَّدَر مُحدثاً فعليه صدقة، وإن طاف جُنباً فعليه شاة، ومَن ترك من طواف الزِّيارة ثلاثة أَشواط فما دونها فعليه شاة وإن ترك أَربعة أَشواط، بَقِي مُحْرِماً أَبداً حتى يطوفَها، ومَن تَرَكَ ثلاثةَ أَشواطٍ من طوافِ الصَّدَر فعليه صدقة، وإن تَرَكَ طواف الصَّدَر أو أَربعة أَشواط منه فعليه شاة، ومَن ترك السَّعي بين الصَّفا والمَرْوة فعليه دم، وحَجُّه تام، ومَن أَفاض من عرفات قبل الإمام فعليه دم، ومَن ترك الوقوف بالمزدلفة فعليه دم ومَن ترك رمي الجمار في الأَيام كلِّها فعليه دمٌ، وإن ترك رمي يوم واحد فعليه دمٌ، وإن ترك رمي إحدى الجمار الثلاث فعليه صدقةٌ، ومَن ترك رمي جمرة العقبة يوم النَّحر فعليه دم، ومَن أَخَّر الحَلْق حتى مضت أَيّام النَّحر فعليه دم عند أبي حنيفة، وكذلك إن أَخَّرَ طوافَ الزِّيارة عنده وإذا قَتَلَ المحرمُ صَيْداً أو دَلَّ عليه مَن قتله فعليه جزاء ويستوي في ذلك العامد والمخطئ والنّاسي، والمبتدئ والعائد، والجزاءُ عند أَبي حنيفة وأبي يوسف: أن يُقَوَّمَ الصَّيدُ في المكان الذي قُتِل فيه، أو في أَقرب المواضع منه إن كان في بَريّة يُقوِّمه ذوا عدل، ثمّ إن شاء ابتاع بها هدياً فذبح إن بلغت هدياً، وإن شاء اشترى بها طعاماً فتَصَدَّقَ به، على كلِّ مسكين بنصفِ صاع من بُرّ، أَو صاع من تمر أو شعير، وإن شاء صام عن كلِّ نصفِ صاع من بُرّ يوماً، وعن كلِّ صاع من تمر أو شعير يوماً، فإن فَضُلَ من الطعام أقلّ من نصفِ صاع، فهو مُخيَّر إن شاء تصدَّقَ به وإن شاء صام عنه يوماً كاملاً، وقال مُحمّد: يجب في الصَّيد النَّظير فيما له نظير، ففي الظّبي شاةٌ، وفي الضَّبع شاةٌ، وفي الأَرنب عَناقٌ، وفي النَّعامة بدنةٌ، وفي اليَربوع جفرةٌ ومَن جرح صيداً أو نتف شعره أو قطع عضواً منه ضَمِن ما نَقَصَ، وإن نتفَ ريشَ طائر أو قطع قوائم صيدٍ فخرج من حيز الامتناع فعليه قيمته كاملة، ومَن كَسَرَ بيضَ صيدٍ فعليه قيمته، فإن خرج من البيض فرخٌ ميتٌ فعليه قيمته حيّاً وليس في قتل الغُرابِ والحِدأة والذئب والحيّة والعقرب والفأرة جزاء، وليس في قتلِ البعوضِ والبَراغيث والقُرَاد شيءٌ، ومَن قَتَلَ قملةً تَصَدَّق بما شاء، ومَن قَتَلَ جرادةً تَصَدَّقَ بما شاء، وتمرةٌ خيرٌ من جرادة ومَن قتل ما لا يؤكل لحمُه من الصَّيدِ: كالسَّباعِ ونحوها فعليه الجزاء، ولا يتجاوز بقيمتها شاة، وإن صال السَّبُع على محرم فقتله فلا شيء عليه، وإذ اضطرّ المحرمُ إلى أكلِ الصيد فقتله فعليه الجزاء ولا بأس أن يذبحَ المحرمُ
الشاةَ والبقرَ والبعيرَ والدجاجةَ والبطَّ الكَسْكَري، وإن قتل حماماً مسرولاً أو ظبياً مستأنساً فعليه الجزاء، وإذا ذبح المحرم صيداً، فذبيحتُه ميتة فلا يحلّ أَكلُها، ولا بأَس أن يأكل المحرم لحم صيد قد اصطاده حلالٌ وذبحه إذا لم يدلّه المحرمُ عليه ولا أمره بصيدِه وفي صيدِ الحرم إذا ذبحه الحلال فعليه الجزاء، وإن قطع حشيش الحرم أو شجره الذي ليس بمملوك ولا هو مما ينبته الناس، فعليه قيمته، وكلُّ شيء فعله القارنُ ممَّا ذكرنا أنَّ فيه على المفردِ دماً فعليه دمان: دم لحجَّتِه، ودم لعمرته، إلا أن يتجاوز الميقات من غير إحرام ثم يحرم بالعمرة والحجّ، فيلزمه دم واحد، وإذا اشترك مُحْرِمان في قتلِ صيدٍ فعلى كلِّ واحدٍ منهما الجزاء كاملاً، وإذا اشترك حلالان في قتل صيد الحرم فعليهما جزاء واحد، وإن باع المحرم صيداً أو ابتاعه فالبيع باطل.
باب الإحصار
إذا أُحصر المحرم بعدو، أو أَصابه مرضٌ منعه من المضيِّ حَلّ له التَّحلُّل، وقيل له: ابعث شاةً تُذْبَحُ في الحرم، وواعد مَن يحملها يوماً بعينه يذبحها فيه، ثمّ تحلَّل وإذا كان قارناً بعث بدمين، ولا يجوز ذبح دم الإحصار إلاّ في الحرم ويجوز ذبحه قبل يوم النَّحر عند أبي حنيفة، وقالا: لا يجوز الذَّبح للمحصر بالحجّ إلاّ في يوم النَّحر، ويجوز للمحصَر بالعمرةِ أن يذبحَ متى شاء، والمحصَرُ بالحجّ إذا تحلَّل فعليه حَجٌّ وعمرة وعلى المحصر بالعمرة القضاء، وعلى القارن حجّة وعمرتان، وإذا بعث المحصرُ هدياً وواعدهم أن يذبحوه في يومٍ بعينِه، ثُمّ زال، الإحصار، فإن قَدَرَ على إدراكِ الحَجّ والهَدي لم يجز له التحلُّل، ولزمه المضي وإن قدر على إدراك الهدي دون الحجّ تحلَّل، وإن قَدَر على إدراك الحجِّ دون الهدي جاز له التحلُّل استحساناً، ومَن أُحصر بمكّة وهو ممنوعٌ من الوقوفِ والطواف، كان مُحصَراً، وإن قَدَرَ على أحدهما فليس بمحصَر.
باب الفوات:
ومَن أَحرم بالحجّ ففاته الوقوف بعرفة حتى طَلع الفجر من يوم النّحر، فقد فاته الحَجّ، وعليه أن يطوفَ ويسعى ويتحلَّل ويقضي الحَجَّ من قابل، ولا دم عليه والعُمْرةُ لا تفوت، وهي جائزةٌ في جميعِ السَّنة إلاّ في خمسةِ أَيّام يُكرَه فعلُها فيها: يوم عرفة، ويوم النَّحر، وأَيّام التَّشريق، والعمرةُ سُنّة: وهي الإحرامُ والطَّوافُ والسَّعي والحلق أو التَّقصير.
باب الهَدْي
الهَدْيُّ أَدناه شاة، وهو ثلاثةُ أَنواع: الإبل، والبقر والغنم، ويجزئ في ذلك الثَّنيُّ فصاعداً، إلا من الضأن فإنَّ الجَذَعَ منه يُجْزِئ، ولا يجزئ في الهَدْي مقطوع الأذن أو أَكثرها، ولا مقطوع الذنب، ولا اليد، ولا الرِّجل، ولا الذاهبة العين ولا العجفاء، ولا العرجاء التي لا تمشي إلى المَنسِك، والشَّاةُ جائزةٌ في كلِّ شيءٍ إلاّ في موضعين: مَن طاف طواف الزّيارة جنباً، ومَن جامع بعد الوقوفِ بعرفة، فإنَّه لا يجوز إلا بَدَنة، والبَدَنةُ والبقرةُ تجزئ كلُّ واحدة منهما عن سَبْعة إذا كان كلُّ واحد من الشركاء يريد القُرْبة، فإذا أَراد أَحدُهم بنصيبه اللحم لم يجز عن البَاقين، ويجوز الأكلُ من هدي التَّطوّعِ والمتعةِ والقِران، ولا يجوز الأكل من بقيَّةِ الهدايا، ولا يجوز ذبح هدي التَّطوّع والمتعة والقران إلا في يوم النَّحر، ويجوز ذبح بقيّةِ الهدايا في أَي وقتٍ شاء، ولا يجوز ذبح الهدايا إلاّ في الحرم ويجوز أن يتصدَّقَ بها على مساكين الحرم وغيرهم، ولا يجب التَّعريف بالهدايا، فالأفضلُ في البدن النَّحر، وفي البقر والغنم الذَّبح والأَولى أن يَتَولَّى الإنسانُ ذبحَها بنفسِه إن كان يُحْسِنُ ذلك، ويَتَصَدَّقُ بجِلالها وخِطامها، ولا يُعطي أُجرة الجَزَّار منها، ومَن ساقَ بدنةً فاضطرّ إلى ركوبِها رَكِبَها، وإن استغنى عن ذلك لم يركبها، وإن كان لها لبنٌ لم يحلبْها، وينضح ضرعها بالماء البارد حتى ينقطع اللبن، ومَن ساق هدياً فعَطِب، فإن كان تطوُّعاً فليس عليه غيرُه، وإن كان عن واجبٍ، فعليه أن يقيمَ غيرَه مقامَه، وإن أَصابه عيبٌ كبيرٌ، أَقام غيره مقامه، وصنع بالمعيب ما شاء، وإن عطبت البدنة في الطَّريق: فإن كانت تطوُّعاً، نَحَرَها وصَبَغَ نعلَها، بدمِها، وضربَ بها صفحتَها، ولم يأكل منها هو ولا غيرُه من الأغنياء وإن كانت واجبة، أَقام غيرَها مقامها، وصنع بها ما شاء، ويُقَلَّدُ هديُ التطوُّع والمتعةوالقِران، ولا يُقَلَّدُ دم الإحصار ولا دم الجنايات.
كتاب البيوع
البيعُ ينعقد بالإيجاب والقَبول إذا كانا بلفظ الماضي وإذا أوجب أحد المتعاقدين البيع، فالآخر بالخيار: إن شاء قبل في المجلس وإن شاء ردّه، وأَيُّهما قام من المجلسِ قبل القَبول بطل الإيجاب وإذا حصل الإيجاب والقَبول لزم البيع، ولا خيار لواحد منهما إلا من عيب أو عدم رؤية، والأعواضُ المشار إليها لا يُحتاج إلى معرفةِ مقدارِها في جوازِ البيع، والأثمانُ المطلقةُ لا تصحّ إلا أن تكون معروفةَ القدر والصِّفة، ويجوز البيع بثمن حال، ومؤجَّل إذا كان الأجل معلوماً وَمَن أَطلق الثمن في البيع كان على غالبِ نَقْد البلد، فإن كانت النُّقودُ مختلفةً فالبيع فاسد، إلا أن يُبَيِّن أَحدَها، ويجوز بيع الطَّعام والحبوب مكايلةً ومجازفة، وبإناء بعينه لا يُعرف مقداره، وبوزن حجر بعينِه لا يُعرف مقداره ومَن باعَ صُبْرةَ طعامٍ كلّ قفيز بدرهم، جاز البيع في قفيزٍ واحدٍ عند أبي حنيفة، إلاّ أن يُسمّيَ جملةَ قفزانها، وقالا: يَصحُّ في الكلّ، ومَن
باع قطيع غنم، كلّ شاة بدرهم، فالبيع فاسدٌ في جميعها، وكذلك مَن باع ثوباً مذارعةً كلّ ذراعٍ بدرهمٍ ولم يسمّ جملة الذُّرعان ومَن ابتاعَ صبرةَ طعام على أنَّها مئة قفيز بمئة درهم فوجدها أقلّ فالمشتري بالخيار: إن شاء أخذَ الموجود بحصّته من الثمن وإن شاء فسخ البيع، وإن وجدَها أكثر من ذلك فالزِّيادةُ للبائع، ومَن اشترى ثوباً على أنَّه عشرةُ أذرع بعشرة دراهم، أو أرضاً على أنَّها مئة ذراع بمئة درهم فوجدها أَقلّ، فالمشتري بالخيار: إن شاء أَخذَها بجملةِ الثمن وإن شاء تركها وإن وجدَها أكثرَ من الذِّراع الذي سمَّاه، فهو للمشتري ولا خيار للبائع، وإن قال: بعتُكها على أنَّها مئة ذراع بمئة درهم، كلُّ ذراعٍ بدرهمٍ، فوجدَها ناقصةً فهو بالخيارِ: إن شاء أَخَذَها بحصَّتِها من الثَّمن، وإن شاء تَرَكَها، وإن وجدَها زائدةً كان المشتري بالخيار: إن شاءَ أخذَ الجميعَ كلّ ذراع بدرهم وإن شاء فسخ البيع، ومَن باعَ داراً دخل بناؤها في البيع وإن لم يُسمّ ومَن باعَ أرضاً، دخلَ ما فيها من النَّخل والشَّجر في البيع وإن لم يُسمّ، ولا يدخل الزَّرع في بيع الأرض إلا بالتَّسمية، ومَن باع نخلاً أو شجراً فيه ثمرة، فثمرتُه للبائع، إلا أن يشترطَها المبتاع، ويُقال للبائع: اقطعها وسَلَّم المبيعَ إلى المبتاع ومَن باع ثمرةً لم يَبْدُ صلاحها أو قد بدا جاز البيع، ووجب على المشتري قطعها في الحال، فإن شرط تركها على النخل فسد البيع ولا يجوز أن يبيعَ ثمرة ويستثني منها أرطالاً معلومة، ويجوز بيعُ الحنطةِ في سنبلِها والباقلاء في قشرها، ومن باع داراً دخل في البيع مفاتيح أَغلاقها وإن لم يسم، وأُجرةُ الكيال على البائع، وكذلك أجرةُ ناقد الثَّمن وأُجرة وَزَّان الثَّمن على المشتري، ومَن باع سلعة بثمن، قيل للمشتري: ادفع الثمن أولاً فإذا دفع الثَّمن، قيل للبائع: سَلِّم المبيع، ومَن باع سلعةً بسلعٍة، أو ثمناً بثمن، قيل لهما: سَلِّما معاً.
بابُ خيار الشَّرط:
خيار الشَّرط جائزٌ في البيع للبائع والمشتري، ولهما الخيار ثلاثة أَيّام فما دونها، ولا يجوز أكثر من ثلاثةِ أَيّام عند أَبي حنيفة، وقالا: يجوز إذا سَمّى مُدّة معلومة، وخيارُ البائع يمنع خروج المبيع من ملكه، فإن قبضَه المشتري فهَلَكَ في يده ضَمِنَه بالقيمة، وخيارُ المشتري لا يمنع خروج المبيع من مِلك البائع، إلاّ أنَّ المشتري لا يَملكُه عند أبي حنيفة وقالا: يملكُه، فإن هَلَكَ في يدِه هَلَكَ بالثَّمن، وكذلك إن دخلَه عيبٌ، ومَن شَرَطَ الخيارَ لنفسِه فله أَن يَفْسَخَ في مُدّة الخيار وله أَن يُجيزَه، فإن أَجازه بغير حضرة صاحبه جاز، وإن فسخ لم يجز إلا أن يكون الآخر حاضراً، وإذا مات مَن له الخيارُ بَطَلَ خيارُه ولم يَنْتَقِل إلى ورثته ومَن باع عبداً على أنَّه خَبَّازٌ أو كاتبٌ، فوجد خلاف ذلك، فالمشتري بالخيار: إن شاء أخذه بجميعِ الثَّمن وإن شاء تركه.
باب خيار الرُّؤية:
ومَن اشترى شيئاً لم يره، فالبيع جائزٌ، وله الخيار إذا رآه إن شاء أخذه وإن شاء ردّه، ومَن باع ما لم يره فلا خيار له وإن نظرَ إلى وجهِ الصُّبْرة، أو إلى ظاهر الثَّوب مطوياً، أو إلى وجه الجارية، أو إلى وجه الدَّابة وكَفَلها، فلا خيار له، وإن رأى صحن الدَّار فلا خيار له وإن لم يشاهد بيوتها، وبيع الأعمى وشراؤه جائزٌ، وله الخيار إذا اشترى شيئاً، ويسقط خيارُه بجسِّ المبيع إذا كان يُعْرَف بالجسِّ، أو بشمِّه إذا كان يُعْرَفُ بالشمِّ، أو بذوقِه إذا كان يُعْرَفُ بالذَّوق ولا يسقط خِياره في العقار حتى يُوصَف له، ومَن باع ملكَ غيره بغيرِ أَمره فالمالكُ بالخيارِ: إن شاء أَجازَ البيع وإن شاءَ فَسَخ وله الإجازةُ إذا كان المعقود عليه باقياً والمتعاقدان بحالهما، وَمَن رأَى أَحَدَ الثوبَيْن فاشتراهما ثُمَّ رأى الآخر جاز له أن يَرُدَّهما، ومَن مات وله خِيارُ الرُّؤية بَطَلَ خِياره، ومَن رأى شيئاً ثمّ اشتراه بعد مدّة: فإن كان على الصِّفة التي رآه عليها فلا خيار له، وإن وَجَدَه مُتغيِّراً فله الخيار.
بابُ خِيار العيب:
إذا اطّلع المشتري على عيب في المبيع فهو بالخيار: إن شاءَ أخذه بجميع الثمن، وإن شاءَ ردّه وليس له أن يمسكَه ويأخذ النُّقصان، وكلُّ ما أَوجب نُقصان الثَّمن في عادةِ التُّجار فهو عيبٌ، والإباقُ والبولُ في الفراش والسرقةُ عيبٌ في الصغير ما لم يبلغ، فإذا بلغ فليس ذلك بعيب حتى يُعاودَه بعد البلوغ والبَخَرُ والدَّفَر عيبٌ في الجارية، وليس بعيب في الغلام إلا أن يكون من داء، والزِّنا وولد الزِّنا عيبٌ في الجارية، وليس بعيب في الغلام، وإذا حَدَثَ عند المشتري عيبٌ، ثُمَّ اطّلع على عيبٍ كان عند البائع، فله أن يرجعَ بنقصان العيب ولا يَرَدُّ المبيعَ إلاّ أن يرضى البائعُ أن يأخذَه بعيبه، وإن قطع المشتري الثَّوب وخاطه، أو صبغه، أو لَتَّ السَّويق بسمن، ثُمَّ اطّلع على عيب، رجع بنقصانه، وليس للبائع أن يأخذه، ومَن اشترى عبداً فأعتقه أو مات ثُمَّ اطّلع على عيبٍ رجع بنقصانه، فإن قتلَ المشتري العبد، أو كان طعاماً فأَكله، لم يرجع بشيءٍ عند أبي حنيفة وقالا: يرجع، ومَن باع عبداً فباعه المشتري ثُمَّ ردَّه عليه بعيب فإن قبله بقضاء القاضي فله أن يردّه على بائعه، وإن قبله بغير قضاء القاضي فليس له أن يردّه وإذا اشترى عبداً وشَرَطَ البراءة من كلِّ عيب فليس له أن يردَّه بعيب وإن لم يسمِّ العيوب ولم يعدها.
بابُ البيع الفاسد:
إذا كان أَحدُ العوضين أو كلاهما مُحَرَّماً فالبيعُ فاسدٌ: كالبيعِ بالميتة، أو بالدَّم، أو بالخنزير، أو بالخمر، وكذلك إذا كان غير مملوك كالحرّ، وبيع أُمِّ الولد، والمُدبَّر، والمُكاتب فاسدٌ ولا يجوز بيع السَّمك في الماء، ولا بيع الطَّير في الهواء ولا يجوز بيع الحَمْل والنَّتاج، ولا يجوز بيع اللَّبن في الضّرع، والصَُوف على ظهر الغنم ولا ذراع من ثوب، ولا جذع من سقف، ولا ضربة القانص، وبيع المزابنة: وهو بيع الثمر على النخل بخرصه تمراً ولا يجوز البيع بإلقاء الحجر والملامسة، ولا يجوز بيع ثوب من ثوبين ومَن باعَ عبداً على أن يعتقَه المشتري، أو يُدَبِّرَه، أو يكاتبَه، أو باعَ أَمة على أن يستولدَها فالبيع فاسد وكذلك لو باع عبداً على أن يستخدمَه البائعُ شهراً، أو داراً على أن يسكنَها، أو على أن يُقرضَه المشتري درهماً، أو على أَن يُهدي له هديةً، ومَن باعَ عيناً على أن لا يُسَلِّمَها إلى شهر، أو إلى رأسِ الشَّهر فالبيعُ فاسدٌ، ومَن باع جارية إلا حملها فسد البيع ومَن اشترى ثوباً على أن يقطعَه البائع، أو يخيطَه قميصاً، أو قَباءً، أو نعلاً على أن يحذوها البائع، أو يشركَها فالبيع فاسد، والبيعُ إلى النَّيْروز، والمَهْرَجان، وصوم النَّصارى، وفطرة اليهودي إذا لم يعرف المتعاقدان ذلك فاسد ولا يجوز البيع إلى الحَصَاد، والدِّياس، والقطاف، وقدوم الحاجّ، فإن تراضيا بإسقاط الأجل قبل أن يأخذ النّاسُ في الحَصاد والدِّياس وقبل قدوم الحَجّ جاز البيع فإذا قَبَضَ المشتري المبيعَ في البيع الفاسد بأمر البائع وفي العقد عوضان كلّ واحد منهما مال مَلَكَ المشتري المبيع ولزمته قيمته ولكلِّ واحدٍ من المتعاقدين فسخه، فإن باعَه المشتري نفذ بيعه، ومَن جمعَ بين عبد وحرّ، أو بين شاةٍ ذكيةٍ وميتةٍ، بطل البيع فيهما جميعاً، وإن جمع بين عبدٍ ومُدَبَّر أو عبده وعبد غيره يصحّ العقد في العبد بحصَّته من الثَّمن ونهى رسولُ الله عن النَّجَش، وعن السَّوم على سوم غيرِه وعن تلقي الجلب وعن بيع الحاضر للبادي وعن البيعِ عند أَذان الجمعة وكُلّ ذلك يُكره، ولا يَفْسُدُ به البَيع، ومَن ملكَ مملوكين صغيرين أَحدُهما ذو رحم مَحْرَم من الآخر لم يُفَرِّق بينهما، وكذلك إذا كان أَحَدُهما كبيراً والآخرُ صَغيراً فإن فَرَّق بينهما كُرِه له ذلك، وجاز البيع، وإن كانا كبيرين فلا بأس بالتَّفريق بينهما؛ لوقوع الاستغناء.
باب الإقالة:
الإقالةُ جائزةٌ في البيع بمثل الثَّمنِ الأَوّل، فإن شَرَطَ أكثر منه، أو أقلّ، فالشَّرط باطلٌ، ويَرُدّ مثلَ الثَّمن الأوّل، وهي فسخٌ في حَقِّ المتعاقدين، بيعٌ جديدٌ في حَقِّ غيرهما عند أبي حنيفة وهلاكُ الثَّمن لا يمنع صحّة الإقالة، وهلاك المبيع يمنع منها، فإن هلك بعض المبيع جازت الإقالة في باقيه.
باب المرابحة والتَّولية:
المرابحة: نقل ما ملكه بالعقد الأوَّل بالثَّمن الأوّل مع زيادةِ ربح، والتولية: نقلُ ما ملكه بالعقد الأَوّل بالثَّمن الأوّل من غيرِ زيادة ربح ولا نُقصان، ولا تصحُّ المرابحةُ والتَّوليةُ حتى يكون العوضُ ممّا له مثل: كالمكيلِ والموزون، ويجوز أن يضيفَ إلى رأسِ المالِ أُجرةَ القَصَّار والصّبَّاغ والطَّرَاز والفتل، وأُجرة حمل الطَّعام، ويقول: قام عليّ بكذا، فلا يقول: اشتريته بكذا، فإن اطَّلعَ المشتري على خيانةٍ في المُرابحة فهو بالخيارِ عند أبي حنيفة: إن شاءَ أَخَذَ بجميعِ الثّمن، وإن شاء رَدَّه، وإن اطَّلع على خيانةٍ في التَّولية أسقطها من الثَّمن وقال أبو يوسف: يَحُطُّ فيهما، وقال مُحمّد: لا يحطّ فيهما، وَمَن اشترى شيئاً ممَّا يُنْقلُ ويُحَوَّلُ لم يجز له بيعه حتى يقبضه ويجوز بيعُ العقار قبل القبضِ عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال مُحمّد: لا يجوز، ومَن اشترى مَكيلاً مُكايلة أو مَوزوناً فاكتاله أو اتزنه ثُمَّ باعه مُكايلةً أو مُوازنةً لم يَجُزْ للمشتري منه أن يبيعَه ولا يأكله حتى يعيد الكيلَ والوزن والتَّصرُّفُ في الثَّمن قبل القبضِ جائزٌ ويجوز للمشتري أن يزيدَ للبائع في الثَّمن، ويجوز للبائع أن يزيد في المبيع، ويجوز أن يَحُطَّ من الثَّمَن، ويَتَعَلَّقُ الاستحقاقُ بجميع ذلك، ومَن باع بثمن حال ثُمَّ أَجَّله أَجلاً معلوماً، صار مؤجلاً وكلّ دين حال إذا أَجَّله صاحبُه صار مؤجَّلاً، إلاّ القرض فإنَّ تأَجيلَه لا يَصحّ.
باب الرِّبا:
الرِّبا محرم، في كلِّ مكيل أو موزون بيع بجنسه متفاضلاً والعلّةُ فيه: الكيلُ مع الجنس، أو الوزنُ مع الجنس وإذا بيع المكيلُ أو الموزونُ بجنسه مِثلاً بمثل جاز البيع، وإن بيعا تفاضلاً لم يجز، ولا يجوز بيع الجيد بالرديء ممّا فيه الرِّبا إلا مثلاً بمثل، وإذا عُدِم الوصفان: الجنسُ والمعنى المضموم إليه حَلَّ التفاضل والنَّساء، وإذا وُجدا حرم التفاضل والنَّساء، وإذا وُجِدَ أحدُهما وعُدِمَ الآخرُ حَلَّ التفاضل وحَرُمَ النَّساء وكلُّ شيءٍ نَصَّ رسولُ الله على تحريمِ التفاضل فيه كيلاً فهو مكيلٌ أَبَداً، وإن تركَ النّاسُ الكيلَ فيه، مثل: الحنطة، والشَّعير، والتَّمر، والملح، وكلُّ ما نصَّ على تحريم التَّفاصل فيه وَزْناً، فهو موزونٌ أَبَداً، مثل: الذَّهب والفضّة وما لم يُنَصَّ عليه فهو محمولٌ على عادة النَّاس وعقدُ الصرف: ما وقع على جنس الأثمان، يعتبر فيه قبض العوضين في المجلس، وما سواه ممَّا فيه الرِّبا يُعْتَبَرُ فيه التعيين، ولا يُعْتَبَرُ فيه التَّقابض، ولا يجوز بيعُ الحنطة بالدَّقيقِ ولا بالسَّويق ويجوز بيع اللحم بالحيوان عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال مُحمّد: لا يجوز إلاّ أن يكون اللَّحمُ الخالصُ أَكثرَ ممَّا هو في الشَّاة ويجوز بيع الرُّطب بالتَّمْر مثلاً بمثل، والعِنب بالزَّبيب، وقالا: لا يجوز ولا يجوز بيعُ الزَّيتون بالزّيت، والسِّمْسِم بالشيرج حتى يكون الزَّيت والشيرج أَكثر ممَّا في الزَّيتون والسِّمسم، فيكون الزَّيتُ بمثلِه، والزِّيادةُ بالثَّجير، ويجوز بيعُ اللحمان المختلفان بعضِها
ببعضٍ مُتفاضلاً، وكذلك ألبان البقر بألبان الغنم، وكذا خلّ الدَّقل بخلّ العنب ويجوز بيع الخبز بالحنطة والدقيق متفاضلاً ولا ربا بين المولى وعبده، ولا بين المسلم والحربي في دار الحرب
باب السَّلَم:
السَّلمُ جائزٌ في المكيلات والموزونات والمعدودات التي لا تتفاوت: كالجوز والبيض، وفي المذروعات، ولا يجوز السَّلَمُ في الحيوان، ولا في أَطرافِه، ولا في الجلودِ عدداً، ولا في الحطب حزماً، ولا في الرطبة جُرُزاً ولا يجوز السَّلَمُ حتى يكون المُسَلَّمُ فيه موجوداً من حين العقدِ إلى حين المحلّ ولا يَصِحّ السَّلَمُ إلاّ مؤجّلاً، ولا يجوز إلا بأجلٍ معلومٍ ولا يصحّ السَّلَمُ بمكيالِ رجلٍ بعَيْنِهِ، ولا بذراعِ رجلٍ بعَيْنِه، ولا في طعامِ قريةٍ بعينها، ولا في ثمرة نخلة بعينها، ولا يصحّ السَّلَم عند أبي حنيفة إلا بسبع شرائط تذكر في العقد: جنس معلوم، ونوع معلوم، وصفة معلومة، ومقدار معلوم، وأجل معلوم، ومعرفة مقدار رأس المال إذا كان ممَّا يتعلَّق العقد على قدره: كالمكيل، والموزون، والمعدود، وتسمية المكان الذي يُوَفِّيه فيه إذا كان له حمل ومؤنة، وقالا: لا يحتاج إلى تسمية رأس المال إذا كان معيّناً، ولا إلى مكان التسليم، ويسلِّمُه في موضع العقد ولا يصحّ السَّلَم حتى يقبضَ رأس المال قبل أن يفارقَه، ولا يجوز التصرُّف في رأسِ مالِ السَّلَمِ قبل قبضه، ولا تجوز الشركة ولا التولية في المُسَلَّم فيه ويصحّ السَّلَمُ في الثّياب إذا سَمَّى طولاً وعرضاً ورقعة، ولا يجوز السَّلَمُ في الجواهر ولا في الخَرَز، ولا بأس بالسلم باللَّبِن والآجر إذا سَمَّى مِلْبَناً معلوماً، وكلُّ ما أَمكن ضبطُ صفتِه ومعرفةُ مقدارِه جاز السَّلَمُ فيه، ويجوز بيعُ الكلب والفهد والسباع، ولا يجوز بيع الخمر والخنزير ولا يجوز بيع دود القَزّ إلاّ أن يكون مع القَزّ، ولا النحل إلا مع الكُوارات وأهلُ الذمَّةِ في البياعات كالمسلمين، إلاّ في الخمر والخنزير خاصّة، فإنَّ عقدَهم على الخمر كعقدِ المسلمِ على العصير، وعقدُهم على الخنزيرِ كعقدِ المسلم على الشاة.
بابُ الصرف:
الصرفُ: هو البيعُ إذا كان كلُّ واحدٍ من عوضيه من جنس الأثمان، فإن باعَ فضّةً بفضّة أو ذهباً بذهب لم يجز إلا مثلاً بمثل وإن اختلفا في الجودةِ والصِّياغة، ولا بُدّ من قبضِ العوضين قبل الافتراقِ عن المجلس وإن باع الذَّهبَ بالفضّةِ جاز التفاضل فيه ووَجَب التَّقابض، فإن افترقا في الصرف قبل قبض العوضين أو أحدهما بطل العقد ولا يجوز التصرّف في ثمنِ الصَّرف قبل قبضِه، ويجوز بيع الذّهب بالفضّة مجازفة، وَمَن باع سَيفاً مُحَلَّى بمئة درهم، وحِليتُه خمسون درهماً، فدفع من ثمنه خمسين، جاز البيع، وكان
المقبوضُ من حصّةِ الفضّة وإن لم يُبيِّن ذلك، وكذلك إن قال: خُذْ هذه الخمسين من ثمنِهما، فإن لم يتقابضا حتى افترقا بطل العقد في الحِلية، والسَّيف إذا كان لا يتخلَّص إلا بضرر، وإذا كان يتخلَّص من غير ضرر جاز البيع في السَّيف وبطل في الحِلية ومَن باعَ إناءَ فضّةٍ بفضّة ثُمَّ افترقا، وقد قَبَضَ بعضَ الثَّمن، بطل البيع فيما لم يقبض، وصَحَّ فيما قبض وكان الإناءُ مشتركاً بينهما، وإن استُحِقَّ بعضُ الإناء، كان المشتري بالخيار: إن شاء أَخذَ الباقي بحصَّته وإن شاء تركه، وإن باعَ قطعة نُقْرة ثمّ استحقّ بعضُها أَخَذَ ما بَقِي بحصَّته ولا خيار له، ومَن باع درهمين وديناراً بدينارين ودرهم جاز البيع، وجُعِل كلُّ واحدٍ من الجنسين بالجنسِ الآخر ومَن باع أحدَ عشرَ درهماً بعشرة دراهم ودينار جاز البيع، وكانت العشرةُ بمثلها، والدينار بالدرهم، ويجوز بيعُ درهمين صحيحين ودرهم غَلَّة بدرهم صحيح ودرهمين غَلّة، وإذا كان الغالبُ على الدَّراهم الفضّة فهي فضّة، وإن كان الغالبُ على الدَّنانير الذَّهب فهي ذهب، ويعتبر فيهما من تحريم التَّفاضل ما يعتبر في الجياد وإذا كان الغالبُ عليهما الغشُّ فليسا في حكمِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ، فإذا بيعت بجنسِها متفاضِلاً جاز، فإذا اشترى بها سلعةً ثُمَّ كسدت وترك النّاسُ المعاملةَ بها قبل القبض بطل البيع عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يجب عليه قيمتُها يوم البيع وقال محمد: يجب عليه قيمتُها آخر ما تَعامل النّاس بها، ويجوز البيع بالفلوس، فإن كانت نافقة جاز البيع بها وإن لم يعيّن ذلك، وإن كانت كاسدة لم يجز البيع بها حتى يُعيِّنها، وإذا باع بالفلوسِ النَّافقة ثُمَّ كسدت بطل البيع عند أبي حنيفة، خلافاً لهما ومَن اشترى شيئاً بنصف درهم من فلوس جاز البيع، وعليه ما يُباع بنصف درهم من الفلوس، ومَن أعطى درهماً إلى صيرفيّ، فقال: أَعطني بنصفه فلوساً، وبنصفه نصفاً إلا حَبَّة فسدَ البيع في الجميع عند أبي حنيفة، وقالا: يجوزُ البيعُ في الفلوس وبَطَلَ فيما بقي، ولو قال: أعطني نصف درهم فلوساً ونصفاً إلا حَبَّة جاز، فكانت الفلوس ونصف درهم إلا حَبّة بدرهم
كتاب الرَّهن
الرَّهنُ: ينعقدُ بالإيجاب والقَبول، ويتمّ بالقبض، فإذا قَبَضَ المُرْتَهِنُ الرَّهنَ مَحُوزاً مفرَّغاً ومميزاً تمَّ العقد فيه وما لم يقبضه فالرَّاهنُ بالخيار: إن شاءَ سَلَّمُه إليه، وإن شاءَ رَجَعَ عن الرَّهن، فإن سَلَّمَ إليه فقبضَه دَخَلَ في ضمانه ولا يَصِحُّ الرَّهنُ إلاّ بدينٍ مضمون، وهو مضمونٌ بالأَقلِّ من قيمته ومن الدَّين، فإذا هلَكَ في يد المُرْتَهن وقيمتُه والدَّين سواء صار المرتهنُ مستوفياً للدَّين حكماً، وإن كانت قيمةُ الرَّهن أكثر من الدَّين فالفضلُ أمانةٌ، وإن كانت أقلّ سَقَطَ من الدَّينِ بقدرِها ورجع المُرْتَهِنُ بالفضل، ولا يجوز رهنُ المشاع، ولا رهنُ ثمرةٍ على رأس النَّخل دون النَّخل، ولا زرع في الأرض دون الأرض، ولا يجوز رهن
الأرض والنَّخل دونهما ولا يصحُّ الرَّهن بالأمانات: كالودائع، والعواري، والمضاربات، ومال الشَّركة، يصحُّ الرَّهنُ برأسِ مالِ السَّلَم، وثمنِ الصَّرف، والمُسْلَمِ فيه، فإذا هَلَكَ في مجلس العقد قبل الافتراق تمّ الصَّرفُ والسَّلَم وإن اتّفقا على وضع الرَّهن على يد عدلٍ جاز، وليس للرّاهن ولا للمرتهن أخذه منه، فإن هلك في يده هلك من ضمانِ المُرْتَهن، ويجوز رهن الدراهم، والدنانير، والمكيل، والموزون، والمعدودات، فإن رُهِنَ بجنسِها فهَلَك هَلَكَ بمثلها من الدَّين، وإن اختلفا في الجودة والصِّياغة، ومَن كان له دَين على غيره، فأخذ منه مثل دَينه فأنفقه ثُمّ عَلِمَ أنَّه كان زيوفاً فلا شيء له عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمّد: يردّ مثل الزُّيوف، ويرجع بالجياد، ومَن رَهَنَ عبدين بألفٍ درهم، فقضى حصّة أَحدهما، لم يكن له أن يقبضَه حتى يؤدِّي باقي الدَّين وإذا وَكَّلَ الرَّاهنُ المرتهنَ أو العدلَ أو غيرَهما ببيع الرَّهن عند حلول الدَّين، فالوكالةُ جائزةٌ، فإن شرطت الوكالة في عقدِ الرَّهن، فليس للرَّاهن عزلُه عنها، وإن عزله لم ينعزل، وإن مات الرَّاهنُ لم ينعزل، وللمرتهن أن يطالبَ الرَّاهنَ بدينه ويحبسه به وإن كان الرَّهنُ في يدِه وليس عليه أن يُمكِّنَه من بيعه حتى يقضي دينه من ثمنه، فإن قضاه الدَّين، قيل له: سَلِّم الرَّهنَ إليه، وإذا باعَ الرَّاهنُ الرَّهنَ بغير إذن المرتهن، فالبيع موقوف، فإن أجازه المرتهن جاز، وإلا فلا، فإن قضاه الرَّاهن دينه جاز البيع وإن أعتق الرَّاهنُ عبدَ الرَّهن نفذ عتقه، فإن كان الدَّينُ حالاً طولب بأداء الدَّين، وإن كان مؤجلاً أخذت منه قيمة العبد، فجعلت رهناً مكانه حتى يحلّ الدَّين، وإن كان الرَّاهن مُعْسراً استسعى العبدُ في قيمتِهِ فيقضي به الدَّين وكذلك إذا استهلك الرَّاهن الرَّهن، وإن استهلكه أجنبيّ فالمرتهن هو الخصمُ في تضمينه، ويأخذ القيمة ويكون رهناً في يده، وجنايةُ الرَّاهن على الرَّهن مضمونة، وجناية المُرتَهن عليه تسقط من دينه بقدرها، وجناية الرَّهن على الرّاهن وعلى المُرتَهن وعلى مالهما هدرٌ وأُجرةُ البيت الذي يحفظ فيه الرَّهن على المُرتهن، وأُجرة الرَّاعي على الرَّاهن، ونفقة الرّهن على الرَّاهن ونماؤه للرّاهن، ويكون رهناً مع الأصل، وإن هلك هلك بغير شيء فإن هلك الأصل وبقي نماؤه افتكه الرَّاهن بحصَّته، ويقسم الدَّين على قيمة الرّهن يوم القبض، وقيمة النَّماء يوم الفكاك، فما أصاب الأصلَ سقط من الدَّين، وما أصاب النَّماء افتكه بحصته، وتجوز الزِّيادةُ في الرَّهن، ولا يجوز في الدَّين عند أبي حنيفة ومُحمّد، ولا يصير الرَّهن رهناً بهما، وإذا رَهَنَ عيناً واحدةً عند رجلين بدينٍ لكلٍّ واحدٍ منهما جاز، وجميعُها رهنٌ عند كلِّ واحدٍ منهما، فالمضمونُ على كلِّ واحدٍ منهما حصّة دينه منها وإن قضى أحدَهما كان كلُّها رهناً في يد الآخر حتى يستوفي دينه، ومَن باع عبداً على أن يرهنَه المشتري بالثَّمن شيئاً بعينه جاز، فإن امتنعَ المشتري من تسليم الرَّهن لم يُجْبَرْ عليه، وكان البائعُ بالخيار: إن شاء رضي بترك الرَّهن، وإن شاء فَسَخَ البيع، إلاّ أنْ يَدْفَعَ
المشتري الثَّمنَ حالاً، أو يدفعَ قيمةَ الرَّهن رهناً، وللمرتهنِ أن يحفظَ الرَّهنَ بنفسِه وزوجتِه وولدِه وخادمِه الذي في عيالِه وإن حفظَه بغير مَن في عياله أو أودعه ضمن، وإن تعدَّى المُرتهنُ في الرَّهن ضَمِنَه ضمانَ الغَصب بجميع قيمته وإذا أَعار المرتهنُ الرهنَ للرَّاهن فقبضه، خرجَ من ضمانِ المُرتهن، فإن هلك في يد الرَّاهن هلك بغير شيءٍ، فإذا أخذه عاد الضَّمان، وإذا مات الراهنُ باع وصيُّه الرَّهنَ وقضى الدَّين، فإن لم يكن له وصيٌّ، نَصَّبَ له القاضي وَصِيّاً وأَمره ببيعِهِ
كتاب الحجر
الأسباب الموجبة للحجر ثلاثة: الصغر، والرِّق، والجنون ولا يجوز تصرُّف الصَّبيّ إلاّ بإذن وليّه، ولا العبد إلاّ بإذن سيِّده، ولا يجوز تَصَرُّفُ المجنون المغلوب بحال، ومَن باع من هؤلاءِ شيئاً أو اشتراه وهو يعقلُ البيع والشِّراء ويقصده، فالوليُّ بالخيارُ: إن شاءَ أجازه إذا كان له فيه مصلحةٌ، وإن شاء فسخَه فهذه المعاني الثَّلاثة توجب الحجر في الأقوال دون الأفعال، فالصَّبيُّ والمجنونُ لا تصحُّ عقودُهما، ولا إقرارُهما، ولا يقع طلاقُهما، ولا عتاقُهما، وإن أَتلفا شيئاً لزمهما ضمانُه، وأَمّا العبدُ فأقوالُه نافذةٌ في حَقِّ نفسِهِ، وغيرُ نافذةٍ في حقِّ المولى، فإن أَقَرَّ بمالٍ لزمه بعد الحريّة ولم يلزمه في الحال، فإن أَقَرَّ بحدٍّ أو قصاصٍ لزمه في الحال ويَنْفَذُ طلاقُه، وقال أبو حنيفة: لا يحجر على السَّفيه إذا كان عاقلاً بالغاً حُرّاً، وتصرُّفُه في مالِهِ جائزٌ، وإن كان مُبذراً مُفسداً يتلف ماله فيما لا غرض له فيه ولا مصلحة، إلاّ أنَّه قال: إذا بَلَغَ الغلامُ غيرَ رشيد لم يُسَلَّم إليه ماله حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة، فإن تصرَّفَ في ماله قبل ذلك نَفَذَ تصرُّفُه، فإذا بلغ خمساً وعشرين سنة سُلِّم إليه ماله، وإن لم يؤنس منه الرُّشد وقالا: يحجر على السَّفيه، ويُمنعُ من التَّصرُّف في ماله، فإذا باع لم ينفذ بيعُه، فإن كان فيه مصلحة أجازه الحاكم، وإن أعتقَ عبداً نفذَ عتقه وكان على العبد أن يسعى في قيمته، وإن تزوَّجَ امرأة جاز نكاحُها، وإن سمَّى لها مهراً جاز منه مقدار مهر مثلها، ويبطل الفضل، وقالا فيمن بلغ غير رشيد: لا يدفع إليه ماله أبداً حتى يؤنس منه الرُّشد، ولا يجوز تصرفه فيه، وتخرجُ الزَّكاة من مال السفيه، وينفق على أولاده وزوجته، ومَن يجب عليه نفقته من ذوي أرحامه فإن أراد حجّة الإسلام لم يمنع منها، ولا يُسَلِّمُ القاضي النَّفقةَ إليه، ولكن يُسَلِّمُها إلى ثقةٍ من الحاجِّ حتى ينفقها عليه في طريق الحجِّ، فإن مرضَ وأوصى بوصايا في القرب وأَبواب الخير جاز ذلك في ثلثِ ماله، وبلوغ الغلام: بالاحتلام، والإحبال، والإنزال إذا وطئ، فإن لم يوجد ذلك فمتى يتمّ له ثمانية عشرة سنة عند أبي حنيفة، وبلوغ الجارية: بالاحتلام والحيض، والحبل، فإن لم يوجد ذلك فحتى يتمّ لها سبع عشرة سنة وقالا: إذا تمّ للغلام والجارية خمسة عشر سنة فقد بلغا وإذا راهق الغلامُ والجارية، وأَشكل أَمرهما في
البُلوغ، فقالا: قد بلغنا، فالقولُ قولُهما، وأَحكامُهما أَحكامُ البالغين، وقال أبو حنيفة: لا أحجر في الدَّين، فإذا وَجَبَت الدُّيون على رجل، فطلب غرماؤه حبسَه والحجرَ عليه، لم أحجر عليه، وإن كان له مال، لم يتصرّف فيه الحاكم، ولكنَّه يحبسُه أبداً حتى يبيعَه في دينه، فإن كان له دراهم، ودينه دراهم، قضاها القاضي بغير إذنه وإذا كان دينه دراهم باعها القاضي في دينه، وقالا: إذا طَلَبَ غرماءُ المفلس الحَجْرَ عليه، حَجَرَ القاضي عليه، ومنعَه من البيعِ والتَّصرُّفِ والإقرار؛ حتى لا يضرَّ بالغُرماء، وباع ماله إن امتنعَ المفلسُ من بيعه، وقسَّمَه بين غرمائه بالحصص فإن أَقَرَّ في حالِ الحجر بإقرارٍ لزمه ذلك بعد قضاء الدُّيون، ويُنْفَقُ على المفلسِ من مالِهِ وعلى زوجته، وأَولاده الصِّغار، وذوي أَرحامه وإن لم يعرف للمفلس مالٌ، وطلبَ غرماؤه حبسَه، وهو يقول: لا مال لي، حبَسَه الحاكمُ في كلِّ دَين لزمه بدلاً عن مالٍ حَصَلَ في يده: كثمن المبيع، وبدل القرض، وفي كلِّ دينٍ التزمه بعقدٍ: كالمهرِ والكفالة ولم يحبسه فيما سوى ذلك: كعوض المغصوب، وأَرش الجناية، إلا أن تقوم البيّنة بأنَّ له مالاً، وإذا حَبَسَه القاضي شهرين أو ثلاثة، سأل عن حاله، فإذا لم ينكشف له مال خَلَّى سبيله، ولا يحول بينه وبين غرمائه بعد خروجه من الحبس، بل يلازمونه، ولا يمنعونه من التَّصرُّف والسَّفر، ويأخذون فضل كسبه، فيقسم بينهم بالحصص وقالا: إذا أفلسه الحاكمُ، حال بينه وبين غرمائه، إلاّ أن يقيموا البيّنة أنَّه قد حَصَلَ له مال، ولا يحجر على الفاسق إذا كان مصلحاً لماله، والفسق الأصلي والطَّارئ سواء، ومَن أفلس وعنده متاعٌ لرجل بعينه، ابتاعه منه، فصاحبُ المتاع أسوة للغرماء فيه
كتاب الإقرار
إذا أَقرَّ الحُرُّ البالغُ العاقلُ بحَقٍّ، لزمه إقرارُه، مجهولاً كان ما أَقَرَّ به أَو معلوماً، ويُقال له: بَيِّن المجهول، فإن قال: لفلان عليَّ شيء، لزمه أن يُبَيِّنَ ما له قيمة، والقول فيه قولُه مع يمينه إن ادّعى المُقَرُّ له أكثر من ذلك، وإذا قال: له عليَّ مال، فالمرجع في بيانِهِ إليه، ويُقْبَلُ قولُه في القليلِ والكثير، فإن قال: له عليَّ مالٌ عظيمٌ، لم يصدق في أقل من مئتي درهم، وإن قال: له عليَّ دراهم كثيرة، لم يصدَّق في أَقلّ من عشرة دراهم وقالا: لم يُصَدَّقُ في أَقلَّ من مئتي درهم، وإن قال: له عليَّ دراهم فهي ثلاثة إلاّ أن يُبَيِّنَ أَكثرَ منها، وإن قال: له عَليَّ كذا كذا درهماً لم يصدَّق في أقلّ من أحد عشر درهماً، وإن قال: كذا وكذا درهماً لم يصدَّقُ في أَقلّ من أَحد وعشرين درهماً وإن قال: له عليَّ فقد أَقرَّ بدين، وإن قال: له عندي، أو قبلي، فهو إقرارٌ بأَمانةٍ في يدِهِ، وإن قال له رجلٌ: لي عليك ألف درهم، فقال له: اتزنها، أو انتقدها، أو أَجِّلني بها، أو قد قضيتكها، فهو إقرار ومَن أقرّ بدينٍ مؤجَّلٍ، فصدَّقه المُقَرُّ له في الدَّين، وكذَّبه في التَّأَجيل، لزمه الدَّينُ
حالاً، ومَن أَقَرَّ، واستثنى متّصلاً بإقرارِه، صَحَّ الاستثناء، ولزمه البَاقِي، فإن استثنى الجميع لزمه الإقرار، وبطل الاستثناء، وإن قال: له عليَّ مئةُ درهم إلا ديناراً، أو إلاّ قفيز حنطة، لزمه مئة درهم إلا قيمة الدِّينار أوالقفيز، وإن قال: له عليَّ مئة ودرهم فالمئةُ كلّها دراهم، وإن قال: له عليَّ مئة وثوب فعليه ثوب واحد، والمرجع في تفسير المئة إليه ومَن أَقَرَّ بحَقٍّ، وقال: إن شاء الله تعالى متصلاً بإقرارِه، لم يلزمه الإقرار، ومَن أَقَرَّ وشَرَط الخيار لزمه الإقرار وبطل الخيار، ومَن أَقَرَّ بدارٍ واستثنى بناءَها لنفسِهِ، فللمُقَرِّ له الدَّارُ والبناء وإن قال: بناءُ هذه الدّار لي والعَرَصةُ لفلان، فهو كما قال، ومَن أَقَرَّ بتمرٍ في قَوْصَرةٍ لزمه التَّمرُ والقَوْصَرة، ومَن أقرَّ بدابّة في اصطبل لزمه الدَّابّة خاصّة وإن قال: غَصَبْتُ ثَوْباً في منديل لزماه جميعاً، وإن قال: له عليَّ ثوبٌ في ثوبٍ لزماه، وإن قال: له عليَّ ثوبٌ في عشرة أَثواب لم يلزمه إلا ثوب واحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال مُحمَّد: يلزمه أحد عشر ثوباً، ومَن أقرَّ بغصب ثوب وجاء بثوبٍ معيب فالقولُ فيه قولُه مع يمينِه، وكذلك لو أَقَرّ بدراهم غصبَها وقال: هي زيوف بخلاف ما لو قال: له عليَّ أَلف من ثمن متاع وقال: هي زيوف، وقال المُقَرُّ له: جياد لزمه الجياد عند أبي حنيفة، وقالا: يُصدَّقُ فيه إذا وصل كلامه أيضاً، وإن قال: له عَلَيَّ خمسةٌ في خمسةٍ يريدُ به الضَّربَ والحسابَ لزمه خمسة واحدة فإن قال: أَردت خمسةً مع خمسةٍ، لزمه عشرة، وإن قال: له عليَّ من درهمٍ إلى عشرة، لزمه تسعةٌ عند أبي حنيفة، فيلزمه الابتداءُ وما بعده، وتسقط الغاية وقالا: يلزمه العشرة كلُّها، وإن قال: له عليَّ أَلْفُ درهم من ثمنِ عبدٍ اشتريتُه منه ولم أَقْبِضْه فإن ذكر عبداً بعينِه، قيل للمُقَرِّ له: إن شئت فسَلِّم العبد، وخُذ الألف، وإلاّ فلا شيء لك، وإن قال: من ثمنِ عبد، ولم يعيِّنه، لزمه الألف عند أبي حنيفة، وإن قال: له عليَّ ألف من ثمن خمر أو خنزير لزمه الألف ولم يقبل قوله في التَّفسير، ومَن أقرَّ لغيره بخاتم، فله الحلقةُ والفصّ، وإن أقرَّ بسيف، فله النَّصل والجفن والحمائل، وإن أقرّ بحَجَلة، فله العيدان والكسوة، وإن قال: لحمل فلانة عليَّ ألف، فإن قال: أوصى به فلان له، أو مات أبوه فورثه فالإقرار صحيحٌ، وإن أبهم الإقرارَ لم يصحّ عند أبي يوسف ولو أَقَرّ بحملِ جاريةٍ أَو حملِ شاةٍ لرجلٍ صَحَّ الإقرارُ ولزمَه، فإذا أَقرَّ الرَّجلُ في مرضِ موتِه بديونٍ، وعليه ديونٌ في صحّتِه وديونٌ لزمته في مرضِ موتِهِ بأسبابٍ معلومة، فدينُ الصحّة والدَّين المعروف بالأسباب مُقَدَّمٌ على ديون المرض فإذا قُضِيَت وفَضُلَ شيءٌ، كان فيما أَقَرّ به في حال المرض، وإقرارُ المريض لوارثه باطلٌ إلاّ أن يُصَدِّقَه فيه بقيَّةُ الورثة ومَن أقرّ لأجنبيّ في مرض موته، ثُمَّ قال: هو ابني ثَبَتَ نسبُه منه وبطل إقرارُه له، ولو أَقَرَّ لأَجنبيّة ثُمَّ تزوَّجها لم يبطل إقرارُه لها، ومَن طلَّقَ زوجتَه في مرضِهِ ثلاثاً، ثُمَّ أَقَرَّ لها بدين ومات فلها الأقلّ من الدَّين ومن ميراثها منه ومَن أَقَرَّ بغلامٍ يولدُ مثلُه لمثله، وليس له نسبٌ معروفٌ أنَّه
ابنُه، وصدَّقَه الغلامُ، ثَبَتَ نسبُه منه وإن كان مريضاً، ويُشاركُ الورثةَ في الميراث، ويجوز إقرارُ الرَّجل بالوالدين والولد والزوجة والمولى، ويقبل إقرارُ المرأة بالوالدين والزَّوج والمولى ولا يُقْبَلُ بالولدِ إلاّ أن يُصَدِّقَها الزَّوجُ، أو تَشْهَدَ بولادتِها قابلةٌ، وَمَن أَقَرَّ بنسبٍ من غيرِ الوالدين والولد مثل: الأَخ والعمّ لم يُقْبَلُ إقرارُه بالنَّسب، فإن كان له وارثٌ معروفٌ قريب أو بعيد فهو أَوْلى بالميراث من القرابة، وإن لم يكن له وارثٌ، اسْتَحَقَّ المُقَرُّ له الميراث، ومَن مات أَبوه فأَقَرَّ بأَخٍ له لم يَثْبُتْ نسبُ أَخيه ويُشارِكُه في الميراث
كتابُ الإجارة
الإجارة: عقد على المنافع بعوض، ولا تصحُّ حتى تكون المنافعُ معلومة، والأجرة معلومة، وما جاز أن يكون ثمناً في البيعِ، جاز أن يكون أُجرة في الإجارةِ والمنافع تارةً تصير معلومةً بالمدّة: كاستئجار الدُّور للسُّكنى، والأرضين للزِّراعة، فيصحّ العقد على مدّةٍ معلومةٍ أيّ مدّة كانت، وتارةً تصير معلومة بتسمية العمل: كمَن استأجر رجلاً على صبغِ الثوب، أو خياطتِه أو استأجر دابّة ليحمل عليها مقداراً معلوماً أو يركبها مسافة سمّاها، وتارةً تصير معلومةً بالتعيين والإشارة، كمَن استأجر رجلاً لينقل له هذا الطَّعام إلى موضع معلوم، ويجوز استئجار الدور والحوانيت للسكنى وإن لم يُبيِّنُ ما يعمل فيها، وله أن يعمل فيها كلّ شيء، إلاّ الحداد، والقصّار، والطّحان ويجوز استئجار الأَراضي للزِّراعةِ ولا يصحُّ العقدُ حتى يُسمِّي ما يُزْرَعُ فيها، أو يقول: على أن يزرعَ فيها ما شاء، ويجوز أن يستأجر الساحةَ ليبني عليها، أو ليغرس فيها نخلاً أو شجراً، فإذا انقضت مُدّة الإجارة لزمه أن يَقْلَعَ البناءَ والغَرْس ويُسلِّمها فارغة، إلاّ أن يختارَ صاحبُ الأرضِ أن يغرمَ له قيمةَ ذلك مقلوعاً فيملكه، أو يَرضى بتركه على حاله فيكون البناء لهذا والأرض لهذا، ويجوز استئجارُ الدَّوابّ للرُّكوب والحَمْل، فإن أَطْلَقَ الرُّكوب جاز له أن يُركبَها مَن شاء، وكذلك إن استأجرَ ثَوْباً للبس وأَطلق، فإن قال: على أَن يركبَها فلان، أو يَلبسَ الثَّوب فلان، فأَركبَها غيرَه، أو أَلبس الثوبَ غيرَه، كان ضَامناً إن عَطِبت الدَّابّة، أو تلف الثَّوب وكذلك كُلُّ ما يختلفُ باختلافِ المُسْتَعْمِل، وأَمّا العَقارُ وما لا يختلف باختلاف المستعمِل فإذا شَرَطَ سكنى واحد فله أن يُسْكِنَ غيرَه، وإن سَمَّى نوعاً وقَدْرَاً يحملُه على الدَّابّة، مثل أن يقول: خمسةُ أَقفزة حنطة، فله أن يحملَ ما هو مثل الحنطة في الضرر، أو أَقلّ: كالشعير والسمسم، وليس له أن يحمل ما هو أَضرُّ من الحنطة: كالملح والحديد، وإن استأجرَها ليحمل عليها قطناً سَمَّاه فليس له أن يَحْمِلَ مثل وزنِه حديداً وإن استأجرَها ليركبها فأَرْدَف معه رجلاً فعطبت ضَمِن نصف قيمتها، ولا يعتبر بالثِّقل وإن استأجرَها ليحمل عليها مقداراً من الحنطة، فحمل عليها أَكثر منه فعَطِبَت ضَمِن ما زاد الثقل، وإن كَبَحَ الدابّة بلجامها أو ضربها فعَطِبَت، ضَمِن عند
أبي حنيفة. وقالا: إن كان ضرباً مُعتاداً لا يضمن، والأُجراء على ضربين: أجير مشترك، وأجير خاص فالمشتركُ مَن لا يستحقّ الأُجرة حتى يعملَ: كالصَّباغ والقصّار، والمتاعُ أَمانةٌ في يدِه إن هَلَكَ لم يضمن شَيئاً عند أبي حنيفة وقالا: يضمنه، وما تلف بعمله: كتخريق الثَّوب من دَقّه، وزلق الحمّال، وانقطاع الحبل الذي يشدّ به المكاري الحمل، وغرق السفينة من مدّها، مضمون عليه إلا أنَّه لا يضمن به بني آدم ممّن غرق في السفينة أو سقط من الدابّة وإذا فصد الفصّاد، أو بزغ البزّاغ، ولم يتجاوز الموضع المعتاد، فلا ضمان عليه فيما عطب من ذلك، والأجيرُ الخاصّ، فإنَّه يستحقّ الأجرة بتسليم نفسه في المدّة وإن لم يعمل، كمَن استؤجر شهراً للخدمة، أو لرعي الغنم ولا ضمان على الأجير الخاصّ فيما تَلَفَ في يدِه، ولا ما تلف من عملِهِ، والإجارةُ تفسدُها الشُّروط كما تُفْسِدُ البيع، ومَن استأجر عبداً للخدمة فليس له أَن يُسافرَ به إلاّ أن يَشْتَرِطَ ذلك ومَن استأجر جملاً ليحمل عليه محملاً وراكبين إلى مكّة جاز، وله المَحْمَل المعتاد، وإن شاهد الجمّال المحمل فهو أجود، وإن استأجر بعيراً ليحمل عليه مقداراً من الزاد فأَكل منه في الطَّريقِ جاز له أن يَرُدَّ عوضَ ما أَكل والأجرةُ لا تجب بنفس العقد، وتُسْتَحَقُّ بأحد معان ثلاثة: إما بشرط التعجيل، أو بالتعجيل من غير شرط، أو باستيفاء المعقود عليه، ومَن استأجر داراً فللمؤجر أن يطالبَه بأُجرة كلِّ يوم إلا أن يُبيِّنَ وقت الاستحقاق بالعقد، ومَن استأجر بعيراً إلى مكّة، فللجمّال أن يُطالبَه بأُجرة كلّ مرحلةٍ، وليس للقَصَّار والخَيَّاط أن يُطالبَ بالأُجرة حتى يَفْرَغَ من العمل، إلاّ أن يشترط التعجيل ومَن استأجر خبازاً ليخبز له في بيته قفيز دقيق بدرهم، لم يستحقّ الأجرة حتى يخرج الخبز من التنور، ومَن استأجر طباخاً ليطبخ له طعاماً للوليمة فالغَرفُ عليه، ومَن استأجر رجلاً ليضرب له لَبِناً استحقّ الأجرة إذا أقامه وقالا: لا يستحقّ الأجرة حتى يشرجه، وإن قال للخَيَّاط: إن خطتّ هذا الثَّوب فارسياً فبدرهم، وإن خطتّه رُومياً فبدرهمين جاز وأَي العملين عمل استحقّ الأُجرة، وإن قال: إن خطتّه اليوم فبدرهم، وإن خطتّه غداً فبنصف درهم، فإن خاطه اليوم فله درهم وإن خاطَه غداً فله أَجرُ مثلِه ولا يتجاوز به نصف درهم عند أبي حنيفة وإن قال: إن سَكَنْتَ في هذا الدكّان عطّاراً فبدرهم في الشهر، وإن سَكَنْتَ حداداً فبدرهمين جاز، وأي الأمرين فعل استحقّ المُسمَّى فيه عند أبي حنيفة وقالا: الإجارة فاسدة، ومَن استأجر داراً كُلّ شهر بدرهم، فالعقدُ صحيحٌ في شهر واحد فاسدٌ في بقيّةِ الشهور، إلا أن يُسمِّي جملةَ الشهور معلومة، فإن سكنَ ساعةً من الشّهر الثاني، صحّ العقد فيه، ولم يكن للمُؤجّر أن يخرجَه إلى أن ينقضي، وكذلك كلّ شهر يسكن في أَوّله، وإذا استأجر داراً إلى سنة بعشرة دراهم جاز وإن لم يسمِّ قسط كلِّ شهر من الأجرة، ويجوز أخذ أُجرة الحَمّام والحَجّام ولا يجوز أخذ أُجرة عَسْب التَّيس، ولا يجوز الاستئجار على
الطاعات: كالأذان، والإمامة، والحج والغناء والنَّوح ولا تصحُّ إجارةُ المشاع عند أبي حنيفة إلاّ من الشَّريك، وقالا: إجارةُ المشاع جائزةٌ اعتباراً بالبيع ويجوز استئجار الظِئر بأُجرة معلومة ويجوز بطعامها وكسوتها، وليس للمستأجر أن يمنعَ زوجها من وطئها فإن حبلت كان لهم أن يفسخوا الإجارة إذا خافوا على الصبيّ من لبنها، وعليها أَن تُصْلِحَ طَعام الصَّبيّ، فإن أَرْضَعَتْه في المُدَّةِ بلبن شاةٍ فلا أُجرةَ لها، وكلُّ صانع لعمله أثرٌ في العين: كالصَّبَّاغ والقَصَّار، فله أَن يحبسَ العين بعد الفراغ من عملِهِ حتى يستوفي الأُجرة ومَن ليس لعمله أَثَرٌ في العينِ فليس له أن يحبسَ العين: كالحَمّال والمَلاّح، وإذا اشترط على الصانع أن يَعْمَلَ بنفسِهِ فليس له أن يَسْتَعْمِلَ غيرَه، وإن أَطْلَقَ له العمل فله أن يستأجرَ مَن يعملُه، وإن اختلف الخيّاطُ وصاحبُ الثّوب، فإن قال صاحبُ الثوب: أَمرتُكَ أن تعملَه قَباء، وقال الخيّاط: قميصاً، أو قال صاحبُ الثوب للصبّاغ: أمرتُك أن تصبغَه أحمر فصبغته أصفر، وقال الصبّاغ: لا بل أمرتني أصفر فالقولُ قولُ صاحب الثوب مع يمينه، فإن حلف فالخيّاطُ ضامن، وإذا قال صاحبُ الثَّوب: عَملْتَه لي بغير أجرة، وقال الصانع: بأجرة، فالقولُ لصاحب الثوب عند أبي حنيفة مع يمينه وقال أبو يوسف: إن كان حَريفاً فله الأجرة وإلاّ فلا، وقال مُحمَّد: إن كان الصَّانعُ معروفاً بهذه الصَّنعةِ بالأُجرة فالقَوَلُ قولُه بأنَّه عَمِلَه بأُجرةٍ والواجبُ في الإجارةِ الفاسدةِ أَجْرُ المثل، ولا يتجاوز به المُسمَّى، وإذا قبض المستأجرُ الدارَ فعليه الأُجرة وإن لم يسكنها، فإن غصبَها الغاصبُ من يدِه سقطت الأُجرة وإن وَجَدَ بها عيباً يضرُّ بالسُّكنى فله الفَسْخ، وإذا خَرِبَت الدَّار، أَو انقطع شُرْب الضَّيعة، أو انقطع الماءُ عن الرَّحى، انفسخت الإجارة، وإذا مات أَحَدُ المتعاقدين وقد عَقَدَ الإجارةَ لنفسه انفسخت الإجارة وإن عقدَها لغيره لم تنفسخ، ويصحُّ شرط الخيار في الإجارة وتنفسخُ الإجارة بالأَعذار: كمَن استأجر دُكاناً في السُّوق؛ ليتجر به فذهب ماله، وكمَن آجر داراً أو دكّاناً ثُمَّ أَفْلَسَ ولزمته ديونٌ لا يَقْدِرُ على قضائها إلاّ من ثمنِ ما آجر، فَسَخَ القاضي العقدَ وباعَها في الديَّن، وكمَن استأجر دابّة ليسافر عليها ثُمَّ بدا له من السّفر، وإن بدا للمكاري من السَّفر فليس ذلك بعذر
كتاب الشفعة
الشفعة واجبة لخليط في نفس المبيع ثُمَّ لخليط في حقّ المبيع: كالشرب والطريق ثُمَّ للجار وليس للشَّريك في الطَّريق والشِّرب والجار شُفعةٌ مع الخليط، فإن سَلَّمَ الخليط فالشفعةُ للشَّريك في الطَّريق والشِّرب، فإن سَلَّمَها أخذها الجار، والشُّفعة تجب بعقد البيع، وتستقرُّ بالإشهاد وتُمْلَكُ بالأَخذ إذا سلَّمها المشتري أو حَكَمَ بها حاكم، وإذا عَلِمَ الشفيعُ بالبيع أَشْهَدَ في مجلسه ذلك على المطالبة، ثُمَّ ينهض منه
فيشهد على البائع إن كان المبيع في يده أو على المبتاع أو عند العقار فإذا فعل ذلك استقرَّت شفعته، ولم تسقط بالتأخير عند أبي حنيفة وقال محمد: إن تركها بعد الإشهاد شهراً بطلت، والشفعةُ واجبةٌ في العقار وإن كان ممّا لا يُقْسَم ولا شفعة في العروض والسُّفُن، والمسلمُ والذِّميُّ في الشُّفْعةِ سواء، وإذا مَلَكَ العقارَ بعوضٍ هو مالٌ وَجَبَت فيه الشُّفعة ولا شفعة في الدار التي يتزوّج الرَّجلُ عليها، أو يُخالع المرأةَ بها، أو يستأجر بها داراً، أو يُصالحُ بها عن دم عمد، أو يُعْتِقُ عليها عبداً، أو يُصالحُ عنها بإنكار أو سكوت، فإن صالح عنها بإقرار وجبت الشفعة فإن تقدَّمَ الشَّفيعُ إلى القاضي، فادَّعى الشِّراءَ وطَلَبَ الشُّفْعة، َ سأل القاضي المُدَّعى عليه، فإن اعترفَ بملكه الذي يشفع به فيها، وإلاّ كلَّفه إقامة البيّنة، فإن عجز عن البيّنة استحلفَ المشتري بالله ما يعلم أنَّه مالك للذي ذكره ممّا يشفع به، فإن نكل أو أقام الشفيع بَيِّنةً سأله القاضي هل ابتاع أم لا، فإن أنكرَ الابتياعَ قيل للشفيع: أقم البيّنة، فإن عجز عنها استحلفَ المشتري بالله ما ابتاع، أو بالله ما يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ في هذه الدَّار شفعةً من الوجه الذي ذكره، وتجوز المنازعةُ في الشُّفْعة وإن لم يُحْضِر الشفيع الثمن في مجلس القاضي، وللشَّفيعِ أن يردَّ الدارَ بخيارِ العيبِ والرُّؤية، وإذا أَحْضَرَ الشَّفِيعُ البَائعَ والمبيعُ في يدِه فله أن يُخاصمَه في الشُّفعة، فيفسخ البيع بمشهد منه ويقضي بالشُّفْعةِ على البَائع ويَجْعَلُ العهدةَ عليه، وإذا تَرَكَ الشَّفيعُ الإشهادَ حين عَلِمَ البيع وهو يَقْدِرُ على ذلك بَطَلَتْ شفعتُه، وكذلك إن أَشْهَد في المجلسِ ولم يُشْهِدْ على أَحدِ المتعاقدين ولا عند العَقار، فإن صالحَ من الشُّفعةِ على عوضٍ أَخَذَه بَطَلَت الشُّفعة، ويَرُدُّ العوض وإذا مات الشَّفيعُ بطلت شُفعتُه، وإن مات المشتري لم تَبْطُلْ، وإن باع الشَّفيعُ ما يَشْفَعُ به قبل أن يقضى له بالشُّفعةِ بطلت شفعتُه، ووكيلُ البائع إذا باع وهو الشَّفيع فلا شفعة له، وكذلك إن ضَمِن الدَّرَك عن البائع الشَّفيع ووكيل المشتري إذا ابتاع فله الشُّفعة، ومَن باع بشرطِ الخيار فلا شُفْعة للشَّفيع، فإن أَسقط الخيار وجبت الشفعة، وإن اشترى بشرط الخيار وَجَبَت الشفعة، وَمَن ابتاع داراً شراءً فاسداً فلا شُفعة فيها، فإن أَسْقَطَ الفسخ وَجَبَتْ الشُّفْعةُ وإن اشترى ذميٌّ داراً بخمر أو خنزير وشفيعُها ذميٌّ أخذها بمثل الخمر وقيمة الخنزير، وإن كان شفيعُها مسلماً أخذها بقيمة الخمر والخنزير، ولا شُفعة في الهبةِ إلاّ أن تكون بعوضٍ مشروط وإذا اختلف الشَّفيعُ والمشتري في الثَّمن فالقولُ للمشتري مع يمينه، فإن أَقاما البَيِّنةَ فالبَيّنةُ للشَّفيع عند أبي حنيفة ومُحمَّد، وإذا ادّعى المشتري ثمناً أكثر وادّعى البائعُ أقلَّ منه ولم يقبض الثمن أخذها الشفيع بما قال البائع وكان ذلك حطّاً عن المشتري، وإن كان قَبَضَ الثَّمَنَ أخذها بما قال المشتري ولم يلتفت إلى قول البائع وإن حَطَّ البائعُ عن المشتري بعضَ الثَّمن سَقَطَ ذلك عن الشَّفيع، وإن حطَّ جميعَ الثمن لم يسقط عن الشفيع، وإذا زاد المشتري على البائع في الثمن لم تلزم الزّيادة
على الشفيع، وإذا اجتمع الشُّفعاء، فالشُّفعةُ بينهم على عدد رؤوسهم، ولا يعتبر اختلاف الأملاك ومَن اشترى داراً بعَرْض أخذها الشفيع بقيمته، وإن اشتراها بمكيل أو موزون أخذها بمثله، وإن باعَ عقاراً بعقار أَخَذَها الشَّفيعُ كلُّ واحد منهما بقيمةِ الآخر، وإذا بلغ الشَّفيعَ أَنَّها بيعت بأَلف فسَلَّم ثُمَّ عَلِمَ أَنَّها بيعت بأَقلّ أو بحنطة، أو شعير قيمتُها ألف أو أكثر، فتسليمُه باطل وله الشّفعة وإن بانت أنَّها بيعت بدنانير قيمتها ألف فلا شفعة له، وإذا قيل له: إنَّ المشتري فلان فسَلَّم، ثُمَّ عَلِمَ أنَّه غيره فله الشُّفعة، ومَن اشترى داراً لغيرِه فهو الخصمُ في الشُّفعة إلاّ أَن يُسلِّمها الموكِّل، وإذا باع داراً إلا مقدار ذراع في طول الحدّ الذي يلي الشفيع فلا شفعة له وإن ابتاع منها سَهماً بثمن، ثمّ ابتاع بقيتها فالشُّفعةُ للجار في السَّهم الأَوّل دون الثَّاني، وإن ابتاعَها بثمنٍ، ثُمّ دَفَعَ إليه ثوباً عوضاً عنه فالشُّفعةُ بالثَّمن لا بالثَّوب، ولا تُكره الحيلة في إسقاط الشُّفعة عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند مُحمَّد: تُكره، وإذا بَنى المشتري أو غَرَس، ثُمَّ قُضِي للشَّفيع بالشُّفعة فهو بالخيار: إن شاءَ أَخذها بالثَّمنِ وقيمةِ البناءِ والغرسِ مَقلوعاً، وإن شاءَ كلَّفَ المُشْتَري قلعه وإذا أخذها الشفيع فبنى فيها أو غرس، ثُمَّ استحقّت رجع بالثمن ولا يرجع بقيمة البناء والغرس، وإذا انهدمت الدار، أو احترق بناؤها، أو جَفّ شجر البستان بغير فعل أحد، فالشفيع بالخيار: إن شاء أخذها بجميع الثمن، وإن شاء ترك، فإن نقضَ المشتري البناء قيل للشَّفيع: إن شئت فَخُذ العرصة بحصَّتِها وإن شئت فدع، وليس له أن يأخذَ النَّقض، وَمَن ابتاع أَرضاً وعلى نخلِها ثمرةٌ أَخذَها الشفيعُ بثمرِها، فإن جَزَّها المشتري سَقَطَ عن الشَّفيع حصَّته، فإن جَزَّها المشتري سَقَطَ عن الشَّفيع حصَّته، وإذا قضي للشفيع بالدَّار ولم يكن رآها فله خيارُ الرُّؤية، وإن وجد بها عيباً فله أن يردَّها به وإن كان المشتري شَرَطَ البَراءةَ منه، وإذا ابتاع بثمنٍ مؤجَّل فالشَّفيعُ بالخيار: إن شاء أَخذها بثمنٍ حال وإن شاء صَبَرَ حتى ينقضي الأجل ثُمَّ يأخذها، وإذا قَسَمَ الشَّركاءُ العقارَ فلا شفعة لجارهم بالقسمة، وإذا اشترى داراً فسَلَّم الشَّفيعُ الشُّفعةَ، ثُمَّ ردَّها المشتري بخيار الرُّؤية أو بشرط أو بعيب، إن كان بقضاء قاض فلا شفعة للشفيع، فإذا ردَّها بغير قضاء أو تقايلا فللشفيع الشُّفعة
كتاب الشَّركة
الشَّركةُ على ضربين: شركة أملاك، وشركة عقود، فشركةُ الأَملاك: العين التي يرثُها رجلان أو يشتريانها، فلا يجوز لأَحدهما أن يتصرَّفَ في نصيبِ الآخر إلاّ بأَمره، وَكُلُّ واحدٍ منهما في نصيبِ صاحبِهِ كالأَجنبيّ، والضرب الثَّاني: شركةُ العقود، وهي على أَربعة أَوجه: مفاوضة، وعنان، وشركة الصنائع وشركة الوجوه، فأمّا شركة المفاوضة: فهي أن يشتركَ الرَّجلان فيتساويا في مالِهما وتصرُّفهما ودينِهما فتجوز
بين الحرّين المسلمين العاقلين البالغين، ولا يجوز بين الحرّ والمملوك، ولا بين الصبيّ والبالغ، ولا بين المسلم والكافر وتنعقد على الوكالة والكفالة، وما يشتريه كلُّ واحد منهما يكون على الشَّركة، إلاّ طعام أَهله وكسوتهم، وما يلزم كلَّ واحد منهما من الدُّيون بدلاً عَمّا يصحّ فيه الاشتراك فالآخر ضامن له فإن وَرِث أحدُهما مالاً تصحّ فيه الشَّركة، أو وُهِب له ووصل إلى يده بطلت المفاوضة وصارت الشركةُ عناناً، ولا تنعقد الشَّركةُ إلاّ بالدَّراهمِ والدَّنانير، وكذا الفلوسُ النافقةُ عند مُحمَّد ولا تجوز بما سوى ذلك إلا أن يتعاملَ النَّاسُ بها: كالتبر والنُّقرة، فتصحُّ الشَّركة فيهما، وإن أرادا الشركة بالعروض باع كلُّ واحد منهما نصف ماله بنصف مال الآخر ثُمَّ عقدا الشركة، وأما شركة العنان فتنعقد على الوكالة دون الكفالة ويصحّ التفاضل في المال، ويصحّ أن يتساويا في المال ويتفاضلا في الرِّبح ويجوز أن يعقدَها كلًّ واحدِ منهما ببعض ماله دون بعض، ولا تصحّ إلا بما بينّا أنَّ المفاوضةَ تصحّ به، ويجوز أن يشتركا من جهة أحدِهما دنانير ومن جهةِ الآخر دراهم، وما اشتراه كلُّ واحد منهما للشركة طولب بثمنه دون الآخر، ثُمَّ يرجع على شريكِهِ بحصّته من ثمنه، وإذا هَلَكَ مال الشَّركة، أو أَحد المالين قبل أن يشتريا شيئاً، بطلت الشَّركة وإن اشترى أحدُهما بماله وهَلَكَ مال الآخر قَبل الشراء فالمشترى بينهما على ما شرطا، ويرجع على شريكه بحصّته من الثَّمن وتجوز الشَّركةُ وإن لم يخلطا المالين، ولا تصحُّ الشَّركة إذا اشترطا لأَحدهما دراهم مُسمّاة من الرِّبح ولكلِّ واحدٍ من المتفاوضين وشريكي العنان أن يُبْضِعَ المالَ ويدفعَه مضاربةً ويوكِّلَ مَن يَتَصَرّفُ فيه، ويدُه في المال يدُ أَمانة، وأَمّا شركةُ الصَّنائع: فالخيّاطان والصَّبّاغان يشتركان على أن يتقبّلا الأَعمال، ويكون الكَسْبُ بينهما، فيجوز ذلك وما يتقبّله كلُّ واحد منهما من العمل يلزمه ويلزم شريكه، فإن عَمِلَ أَحدُهما دون الآخر فالكسبُ بينهما نصفان، وأمّا شركةُ الوجوه: فالرَّجلان يشتركان ولا مال لهما على أَن يشتريا بوجوههما ويبيعا، فتصحُّ الشَّركة على هذا، وكلُّ واحد منهما وكيلٌ عن الآخر فيما يشتريه، فإن شرطا أن يكون المشترى بينهما نصفين فالرِّبح كذلك، ولا يجوز أن يتفاضلا فيه، وإن شرطا أن يكون المشترى بينهما أثلاثاً فالرِّبح كذلك [فصل: في الشَّركة الفاسدة]: ولا تجوز الشَّركة في الاحتطابِ والاحتشاشِ والاصطياد، وما اصطاده كلُّ واحدٍ منهما أو احتطبه فهو له دون صاحبه وإذا اشتركا ولأحدهما بغل، وللآخر راوية يستقي عليها الماء، والكسب بينهما لم تصحّ الشَّركة والكسبُ كلُّه للذي استقى الماء، وعليه أَجر مثل الرَّاوية إن كان صاحبَ البغل، وإن كان صاحبَ الرَّاوية فعليه أَجر مثل البغل، وكلُّ شركة فاسدة فالرِّبحُ فيها على قدرِ رأَس المال ويبطل شرط التفاضل، وإذا مات أحد الشريكين، أو ارتدّ ولحق
بدار الحرب بطلت الشركة وليس لواحدٍ من الشريكين أَن يؤدِّي زكاةَ مال الآخر إلاّ بإذنه، فإن أذن كلُّ واحد منهما لصاحبه أن يؤدِّي زكاته، فأَدّى كلُّ واحدٍ منهما فالثَّاني ضامنٌ، عَلِم أداء الأول أو لم يعلم
كتاب المضاربة
وهي عقدٌ على الشَّركةِ بمال من أحد الشريكين وعمل من الآخر ولا تصحّ المضاربةُ إلاّ بالمال الذي بينّا أنَّ الشركةَ تصحُّ به، ومن شرطها أن يكون الربحُ بينهما مُشاعاً لا يستحقُّ أحدُهما منه دراهم مسمّاة ولا بُدَّ أن يكون المالُ مُسَلَّمَاً إلى المضارِب ولا يد لربِّ المال فيه، وإذا صَحَّت المضاربة مطلقة جاز للمضارب أن يبيعَ ويشتري ويُسافرَ ويبضعَ ويودِعَ ويوكِّل، وليس له أن يدفعَ المالَ مضاربةً إلاّ أن يأذنَ له رَبُّ المال في ذلك، وإن خَصَّ له رَبُّ المال التصرَّفَ في بلدٍ بعينِه، أو في سلعةٍ بعينِها، لم يكن له أن يَتَجاوزَ في ذلك، وكذلك إن وَقَّت للمضاربة مدّة بعينها جاز وبَطَلَ العقدُ بمضيها، وليس للمضارب أن يشتري أَب ربِّ المال ولا ابنه ولا مَن يُعْتَقُ عليه، وإن اشتراهم كان مشترياً لنفسِهِ دون المضاربة وإن كان في المال ربحٌ فليس له أن يشتريَ مَن يعتق عليه، وإن اشتراهم ضَمِنَ مال المضاربة، وإن لم يكن في المالِ ربحٌ جاز أن يشتريهم، فإن زادت قيمتُهم عُتِق نصيبُه منهم، ولم يضمن لربّ المال شيئاً، ويسعى المعتَقُ لربِّ المال في قيمة نصيبه منه، وإذا دَفَعَ المضاربُ المالَ إلى غيرِه مضاربةً ولم يأَذن له رَبُّ المال في ذلك لم يضمن بالدَّفع ولا بتصرُّف المضاربِ الثاني حتى يَرْبَح وإذا رَبَحَ ضَمِنَ المضاربُ الأوّل المالَ لربّ المال، وإذا دَفَعَ إليه مضاربةً بالنِّصف، وأَذِن له أن يدفعَها مضاربةً، فدفعَها بالثُّلث جاز، فإن كان رَبُّ المال قال له: على أَنَّ ما رَزَقَ اللهُ فهو بيننا نصفان فلربِّ المال نصف الرِّبح وللمضارِب الثاني ثلث الرِّبح وللأوّل السُّدُس، وإن قال له: على أنَّ ما رزقك الله فهو بيننا نصفان فللمضارب الثاني الثلث وما بقي بين رَبِّ المال والمضارب الأوّل نصفان، وإن قال له: على أنَّ ما رزقَ اللهُ فلي نصفه ولك نصفه، فدفع المالَ إلى آخر مضاربةً بالنصف، فللثاني نصف الربح ولربِّ المال النصف ولا شيء للمضارب الأوّل فإن شَرَطَ للمضارب الثاني ثلثي الربح فلربّ المال نصف الربح، وللمضارب الثاني نصف الربح، ويضمن المضارب الأول للمضارب الثاني مقدار سدس الربح من ماله، وإذا مات رَبُّ المال أو المضارب بطلت المضاربة، وإن ارتدَّ رَبُّ المال عن الإسلامِ ولَحِقَ بدار الحرب بطلت المضاربة، وإذا عزلَ رَبُّ المال المضارب ولم يعلم بعزله حتى اشترى وباع، فتصرُّفُه جائز وإن عَلِمَ بعزله والمالُ عروضٌ في يدِه فله أن يبيعَها ولا يمنعه العزل من ذلك، ثم لا يجوز أن يشتريَ بثمنها شيئاً آخر، وإن عزلَه ورأسُ المال دراهم ودنانير قد نضَّت فليس له أن يتصرَّف فيه، وإن افترقا وفي المال ديونٌ وقد رَبح المضاربُ فيه أَجْبَرَه الحاكمُ على اقتضاءِ الديون، وإن لم يكن في المال
ربحٌ لا يلزمه الاقتضاء، ويُقال له: وَكِّل ربَّ المال في الاقتضاء، وما هَلَكَ من مال المضاربة فهو من الرِّبح دون رأس المال فإذا زاد الهلاك على الرِّبح فلا ضمان على المضارب فيه، وإن كانا اقتسما الرِّبح والمضاربة بحالها، ثُمَّ هَلَكَ رأس المال كلُّه أو بعضُه ترادّا الرِّبح حتى يستوفي ربّ المال رأس المال، فإن فَضُلَ شيءٌ كان بينهما، وإن نقصَ عن رأس المال لم يضمن المضارب، وإن كانا اقتسما الربحَ وفسخا المضاربة، ثُمَّ عقداها فهلك المال لم يترادّا الرِّبح الأوّل ويجوز للمضارب أن يبيعَ بالنَّقد والنَّسيئة، ولا يزوِّج عبداً ولا أَمة من مال المضاربة
كتاب الوكالة:
كلُّ عقدٍ جاز أن يعقدَه الإنسانُ بنفسِه جاز أن يوكِّلَ غيرَه به، ويجوز التَّوكيلُ بالخصومة في سائرِ الحقوق وبإثباتها ويجوز التّوكيلُ بالاستيفاءِ إلاّ في الحُدود والقِصاص، فإنَّ الوكالةَ لا تصحّ باستيفائها مع غيبةِ الموكِّل عن المجلس، وقال أبو حنيفة: لا يجوز التوكيل بالخصومة إلا برضاء الخصم إلاّ أن يوكِّل الموكِّل مريضاً أو غائباً مسيرة ثلاثة أَيّام فصاعداً، وقالا: يجوز التوكيلُ بغير رضاء الخصم ومن شرطِ الوكالة: أن يكون المُوكِّل ممَّن يَمْلِكُ التَّصَرُّف، ويلزمه الأَحكام، والوكيل ممَّن يعقل العقد ويقصده وإذا وَكَّلَ الحُرُّ البالغُ أو المَأَذونُ مثلَهما جاز، وإن وَكَّلا صَبياً مَحْجُوراً يعقل البيع والشِّراء أو عبداً محجوراً جاز ولا يَتَعَلَّقُ بهما الحُقوق، ويَتَعلَّق بموكِّلهما، والعُقُودُ التي يعقدها الوكلاء على ضربين: فكُلُّ عقدٍ يضيفُه الوكيلُ إلى نفسِهِ مثل: البيع والشِّراء والإجارة، فحقوقُ ذلك العقد تتعلَّقُ بالوكيلِ دون الموكِّل، فيُسَلِّمُ المبيعَ ويَقْبِضُ الثَّمَن، ويُطالبُ بالثَّمن إذا اشترى، ويَقْبِضُ المبيع، ويُخاصِمُ في العَيْب وكلُّ عقد يضيفُه إلى موكِّله: كالنكاح والخلع والصلح عن دم عمد، فإنَّ حقوقَه تتَعَلَّقُ بالموكِّل دون الوكيل، فلا يُطالبُه وكيلُ الزَّوج بالمهر، ولا يلزم وكيلُ المرأة تسليمَها، وإذا طالب الموكِّلُ المشتري بالثمن فله أن يمنعَه إيّاه فإن دفعَه إليه جاز، ولم يكن للوكيل أن يُطالبَه ثانياً، ومَن وَكَّلَ رَجُلاً بشراءِ شيءٍ فلا بُدَّ من تسميةِ جنسهِ وصفتهِ أو جنسه ومبلغ ثمنه، إلاّ أن يُوكِّلَه وكالةً عامّة فيقول له: ابتع لي ما رأيت وإذا اشترى الوكيلُ وقبضَ المبيع، ثُمَّ اطّلع على عيب فله أن يردَّه بالعيبِ ما دام المبيع في يدِه، فإن سَلَّمَه إلى الموكِّل لم يردّه إلا بإذنه، ويجوز التَّوكيلُ بعقدِ الصَّرفِ والسَّلمِ، فإن فارقَ الوكيلُ صاحبَه قبل القبض بَطَلَ العقد، ولا تعتبر مفارقةُ الموكِّل وإذا دفع الوكيلُ بالشراء الثمنَ من ماله وقبض المبيع فله أن يرجعَ به على الموكِّل، فإن هَلك المبيعُ في يده قبل حبسه هَلَكَ من مال الموكِّل ولم يسقط الثَّمن، وله أن يحبسَه حتى يستوفي الثَّمن فإن حبسَه فهلك في يدِه كان مضموناً ضَمانَ الرَّهن عند أبي يوسف، وضمان المبيع عند مُحمَّد، وعند زُفَر: ضمان الغصب، وإذا
وَكَّلَ رجلين فليس لأَحدِهما أن يَتَصَرَّفَ فيما وُكِّلا فيه دون الآخر إلاّ أن يوكِّلَهما بالخصومة، أو بطلاقِ زوجتِه بغيرِعوض، أو بعتقِ عبده بغير عوض، أو بردِّ وديعة عنده، أو بقضاء دين عليه، وليس للوكيل أَن يوكِّلَ فيما وُكِّلَ به إلاّ أن يأَذنَ له الموكِّل، أو يقول له: اعمل برأيك فإن وَكَّلَ بغير إذن موكِّله فعقد وكيلُه بحضرته جاز، وإن عقد بغير حضرته فأجازه الوكيلُ الأوّل جاز، وللموكِّل أن يعزلَ الوكيلَ عن الوكالة، فإن لم يبلغه العزل فهو على وكالتِه وتصرُّفُه جائزٌ حتى يعلم، وتبطلُ الوكالةُ بموتِ الموكِّل، وبجنونه جنوناً مُطبقاً، وبلحاقه بدار الحرب مرتداً، وإذا وَكَّلَ المكاتبُ ثمّ عَجِز، أو المأذون له فحجر عليه، أو الشريكان ثم افترقا، فهذه الوجوه تبطل الوكالة عَلِمَ الوكيلُ أو لم يعلم، وإذا مات الوكيلُ أو جُنَّ جنوناً مطبقاً بطلت الوكالة، وإن لَحِق بدار الحرب مرتداً لم يجز له التصرُّف إلاّ أن يعودَ مسلماً ومَن وَكَّلَ بشيءٍ، ثُمَّ تصرَّف فيما وَكَّلَ به بَطَلَتْ الوكالة، والوكيلُ بالبيع والشراء لا يجوز له أن يَعْقِدَ عند أبي حنيفة مع أبيه وجدِّه وولده وولد ولده وزوجته وعبده ومكاتبه، وقالا: يجوزُ بيعُه منهم بمثل القيمة إلاّ في عبده ومكاتبه، والوكيلُ بالبيع يجوز بيعُه بالقليلِ والكثيرِ عند أبي حنيفة وقالا: لا يجوز بيعه بنقصان لا يتغابن الناس في مثله والوكيلُ بالشراء يجوز عقدُه بمثل القيمةِ وزيادةٍ يتغابنُ النَّاسُ في مثلِها، ولا يجوز بما يتغابن الناس في مثله، والذي لا يتغابن فيه ما لا يدخل تحت تقويم المقومين، وإذا ضَمِنَ الوكيلُ بالبيعِ الثَّمنَ من المبتاع فضمانُه باطل وإذا وَكَّلَه ببيع عبده فباع نصفَه جاز عند أبي حنيفة، وقالا: لا يجوز، وإذا وكَّلَه بشراء عبد فاشترى نصفَه فالشِّراءُ موقوف، فإن اشترى باقيه لزم الموكِّل وإن وَكَّلَه بشراء عشرةِ أرطال لحم بدرهم، فاشترى عشرين رطلاً بدرهم من لحم يُباع مثله عشرة بدرهم، لزم الموكِّل منه عشرة بنصف درهم عند أبي حنيفة، وقالا: يلزمه العشرون، وإذا وَكَّله بشراءِ شيءٍ بعينِهِ فليس له أن يشتريه لنفسِهِ، فإن وكَّلَه بشراءِ عبدٍ بغيرِ عينِه فاشترى عبداً فهو للوكيل إلاّ أن يقول: نويت الشِّراء للموكِّل أو يشتريه بمال الموكِّل، والوكيلُ بالخصومةِ وكيلٌ بالقبضِ عند علمائنا الثَّلاثة والوكيلُ بقبضِ الدَّينِ وكيلٌ بالخصومةِ فيه عند أبي حنيفة، وإذا أَقرّ الوكيلُ بالخصومة على موكِّله عند القاضي جاز إقرارُه ولا يجوز إقرارُه عليه عند غيرِ القاضي عند أبي حنيفةِ ومُحمَّد، وقال أبو يوسف: يجوز إقرارُه عليه عند غير القاضي، ومَن ادّعى أنَّه وكيلُ الغائب في قبضِ دَينِهِ فصدَّقُه الغريم أُمِرَ بتسليمِ الدَّين إليه فإن حَضَرَ الغائبُ فصدَّقه، وإلاّ دَفَعَ إليه الغريمُ الدَّينَ ثانياً، وإن قال: إنّي وكيل بقبضِ الوديعة فصَدَّقَه المودَعُ لم يؤمر بالتَّسليم إليه ويرجع به على الوكيل إن كان باقياً في يده
كتابُ الكفالة
الكفالة ضربان: كفالةٌ بالنَّفس، وكفالةٌ بالمال فالكفالة بالنَّفس جائزة، والمضمون بها إحضار المكفول به وتنعقدُ إذا قال: تكفَّلت بنفسِ فلان، أو برقبتِه، أو بروحِه، أو بجسدِه، أو برأسه، أو بنصفِه، أو بثلثِه، وكذلك إن قال: ضمنتُه، أو هو عليَّ، أو إليَّ، أو أَنا زعيمٌ به أو قبيل، فإن شَرَطَ في الكفالة تسليم المكفول به في وقت بعينه لزمه إحضارُه إذا طالبَه به في ذلك الوقت، فإن أحضره وإلا حبسه الحاكم حتى يحضره وإذا أحضره وسلَّمَه في مكان يقدر المكفول له على محاكمته برئ الكفيل من الكفالة، وإذا تكفّل به على أن يُسلِّمه في مجلسِ القاضي فسَلَّمَه في السُّوق برئ، وإن سَلَّمَه في بريّةٍ لم يَبْرَأ وإذا مات المكفولُ به برئ الكفيلُ من الكفالة بالنفس، وإذا تكفَّلَ بنفسه على أنَّه إن لم يواف به في وقتِ كذا فهو ضامنٌ لما عليه، وهو ألف، فلم يحضره في الوقت، لزمه ضمان المال، ولم يبرأ من الكفالة بالنفس، ولا تجوز الكفالةُ بالنفس في الحدود والقصاص عند أبي حنيفة وأَمّا الكفالةُ بالمال فجائزةٌ معلوماً كان المالُ المكفولُ به أو مَجهولاً إذا كان ديناً صحيحاً، مثل أن يقول: تكفّلتُ عنه بألف أو بما لك عليه أو بما يدركك في هذا البيع والمكفولُ له بالخيار: إن شاء طالب الذي عليه الأصل، وإن شاء طالب كفيله، ويجوز تعليقُ الكفالة بالشرط، مثل أن يقولَ: ما بايعت فلاناً فعليَّ، أو ما ذاب لك عليه فعليَّ، أو ما غَصَبَ فلانٌ فعليَّ فإذا قال: تكفّلت بما لك عليه، فقامت البيِّنة عليه بألف ضمنه الكفيل، فإن لم تقم البيِّنة فالقول للكفيل مع يمينه مقدار ما يعترف به، فإن اعترفَ المكفولُ عنه بأكثر من ذلك لم يُصدَّق على كفيله، وتجوز الكفالةُ بأمر المكفول عنه وبغير أمره، فإن كَفِلَ بأمره رَجَعَ عليه بما أدّى، وإن كَفِلَ بغير أمره لم يرجع بما يؤدِّيه وليس للكفيل أن يطالبَ المكفولَ عنه بالمال قبل أن يؤدِّيه عنه، فإن لوزم بالمال كان له أن يلازمَ المكفول عنه حتى يخلصَه، وإذا أبرأ الطالبُ المكفولَ عنه أو استوفى منه برئ الكفيل، وإن أبرأ الكفيلَ لم يبرأ المكفول عنه، ولا يجوز تعليق البراءة من الكفالة بشرط وكلُّ حقٍّ لا يمكن استيفاؤه من الكفيل لا تصحّ الكفالة به: كالحدود والقصاص، وإذا تكفَّلَ عن المشتري بالثمن جاز، وإن تكفَّلَ عن البائع بالمبيع لم يصحّ، ومَن استأجرَ دابّةً ليحمل عليها فإن كانت بعينها لم تصحّ الكفالة بالحمل، وإذا كانت بغير عينها جازت الكفالة ولا تصحّ الكفالة إلاّ بقبول المكفول له في مجلس العقد، إلاّ في مسألة واحدة، وهي أن يقولَ المريض لوارثه: تكفّل عنّي بما عليَّ من الدَّين فتكفّل به مع غيبة الغرماء صحَّت الكفالة وإن كان الدَّينُ على اثنين، وكلُّ واحد منهما كفيلٌ ضامنٌ عن الآخر، فما أَدّى أحدُهما لم يرجع به على شريكه حتى يزيد ما يؤدِّيه على النصف فيرجع بالزيادة، وإن تكفَّلَ اثنان عن رجل بألف على أنَّ كلَّ واحد منهما كفيلٌ عن صاحبه، فما أدّاه أحدُهما يرجع بنصفه على شريكه قليلاً كان أو كثيراً، ولا تجوز الكفالةُ بمال الكتابة سواء تكفّل به حُرّ أو عبد وإذا
مات الرَّجلُ وعليه ديونٌ ولم يترك شيئاً، فتكفّل رجلٌ عنه للغُرماء، لم تصحّ الكفالةُ عنه عند أبي حنيفة، وقالا: تصحُّ الكفالة
كتاب الحوالة
الحوالة جائزة بالديون وتصح برضاء المحيل والمحتال له والمحتال عليه، وإذا تمَّت الحوالة برئ المحيل من الدَّين ولم يرجع المحتالُ له على المحيل، إلاّ أن يَتْوَى حقُّه فيرجع، والتَوَى عند أبي حنيفة أحد أمرين: إمّا أن يجحدَ الحوالة ويحلف ولا بيِّنة له عليه، أو يموت مفلساً، وقالا: هذان، ووجه ثالث، وهو أن يحكم الحاكم بإفلاسه حال حياته وإذا طالب المحتالُ عليه المحيلَ بمثل مال الحوالة، فقال المحيل له: إنَّما أحلت بدين كان لي عليك، لم يُقْبَل قولُه، وكان عليه مثل الدَّين، وإذا طالب المحيلُ المحتالَ له بما أحاله به فقال: إنَّما أحلتك لتقبضه لي، فقال المحتال له: لا بل أحلتني بدين كان لي عليك، فالقول قول المحيل مع يمينه، وتكره السفاتج وهو قرض استفاد به المقرض أمن خطر الطريق.
كتاب الصلح
الصلح على ثلاثة أوجه: صلحٌ مع إقرار، وصلحٌ مع سكوت: وهو أَن لا يُقِرَّ المدَّعى عليه ولا يُنكر، وصلحٌ مع إنكار، وكلُّ ذلك جائز، فإن وَقَعَ الصُّلحُ عن إقرار يُعْتَبَرُ فيه ما يُعْتَبَرُ في البياعات إن وقع عن مال بمال وإن وقعَ عن مالٍ بمنافع فيعتبر بالإجارات، والصُّلْحُ عن السُّكوتِ والإنكار في حقِّ المدَّعى عليه لافتداء اليمين وقطع الخصومة، وفي حقِّ المدّعي بمعنى المعاوضة وإذا صالح عن دار لم تجب الشفعة، وإذا صالح على دار وجبت فيها الشفعة وإذا كان الصُّلحُ عن إقرار فاستُحِقَّ بعضُ المصالح عنه رَجَعَ المُدَّعى عليه بحصّة ذلك من العوض، وإذا كان الصُّلح عن سُكوت أو إنكار، فاستُحِقّ المُتنازع فيه رَجَعَ المدعي بالخصومة فيه وردّ العوض، وإن استحقّ بعض ذلك ردّ حصّته ورجع بالخصومة فيه وإذا ادّعى حَقّاً في دار لم يُبيِّنه فصولح من ذلك على شيء، ثمّ اسْتُحِقُّ بعضُ الدار لم يَرُدَّ شيئاً من العوض؛ لأنَّ دعواه يجوز أن يكون فيما بَقِي، والصُّلحُ جائزٌ في دعوى الأموال والمنافع، وجناية العمد والخطأ ولا يجوز في دعوى حدٍّ، وإذا ادَّعى رجلٌ على امرأةٍ نكاحاً وهي تجحدُ، فصالحتُه على مالٍ بذلته حتى يتركَ الدَّعوى جاز وكان في معنى الخُلع، وإن ادّعت امرأةٌ نكاحاً على رجل فصالحها على مال بذله لها لم يجز، وإن ادَّعى رجلٌ على رجل أنَّه عبدُه، فصالحه على مال أَعطاه إيّاه جاز، وكان في حقِّ المدّعي في معنى العتق على مال، وكلُّ شيء وَقَعَ عليه الصلح وهو مستحقٌّ بعقد المداينة لم يحمل على المعاوضة، وإنَّما يُحْمل على أنَّه استوفى
بعضَ حقِّه وأَسقط باقيه: كمَن له على رجل ألف دينار فصالحه على خمسمئة، أو ألف درهم جياد فصالحه على خمسمئةٍ زيوف جاز، وصار كأنَّه أَبْرأَه عن بعضِ حَقِّه، ومَن كان له على رجل أَلف حال فصالحه على أَلف مؤجَّلة جاز، وصار كأنَّه أَجَّلَ نفسَ الحَقّ، ولو صالحه على دنانير إلى شهرٍ لم يجز، وإن كان له ألفٌ مؤجّلٌ فصالحه على خمسمئة حالّة لم يجز ولو كان له ألفٌ سود فصالحه على خمسمئة بيض لم يجز، ومَن وكَّلَ رجلاً بالصلحِ فصالحه عنه لم يَلْزَم الوكيل ما صالح عليه، إلاّ أن يضمنه والمال لازم للموكِّل، فإن صالحَ عنه على شيءٍ بغيرِ أَمْرِه فهو على أَربعةِ أَوْجه: إن صالحَ عنه بمال وضمنه تمَّ الصلحُ ولزمه تسليمها، وكذلك إن قال: صالحتُك على أَلفي هذه تمّ الصُّلح ولزمه تسليمها، وكذلك لو قال: صالحتُك على ألف وسلَّمها وإن قال: صالحتُك على الألف ولم يسلّمها فالعقدُ موقوف، فإن أَجازَه المدعى عليه جاز ولزمته الألف، وإن لم يجزه بطل، وإن كان الدَّينُ بين الشريكين فصالح أَحدُهما من نصيبِهِ على ثوبٍ فشريكُه بالخيار: إن شاء اتبع الذي عليه الدَّين بنصفِه، وإن شاء أَخذ نصف الثَّوب إلاّ أن يضمن له شريكه ربعَ الدَّين، ولو استوفى نصفَ نصيبه من الدَّينِ كان لشريكِه أَن يشتركَ فيما قبض، ثمّ يرجعان على الغريمِ بالباقي، وإن اشترى أحدُهما بنصيبِه من الدَّين سلعةً كان لشريكِه أن يضمِّنَه ربعَ الدَّين وإن كان السَّلَم بين الشريكين فصالح أحدُهما من نصيبه على رأس المال لم يجز عند أبي حنيفة ومُحمَّد وقال أبو يوسف: يجوز الصلح، وإن كانت التركةُ بين ورثة فأخرجوا أحدَهم منها بمال أعطوه إيّاه، والتركة عقار أو عروض، جاز قليلاً كان أو كثيراً ما أعطوه، وإن كانت التركةُ فضةً فأعطوه ذهباً، أو ذهباً فأعطوه فضّة، فهو كذلك، وإن كانت التركة ذهباً وفضّة وغير ذلك فصالحوه على ذهبٍ أو فضّةٍ فلا بُدَّ أن يكون ما أَعطوه أَكثر من نصيبِهِ من ذلك الجنس؛ حتى يكون نصيبُه بمثلِه، والزِّيادة بحقِّه من بقيّةِ التَّركةِ وإن كان في التَّركة دينٌ على النَّاس، فأدخلوه في الصُّلح على أن يخرجوا المصالِح عنه ويكون الدَّين لهم فالصلح باطل، وإن شرطوا أن يُبرأ الغرماء منه ولا يُرْجَع عليهم بنصيبِ المصالِح فالصُّلح جائز.
كتاب الهبة
تصح الهبة بالإيجاب والقَبول وتتم بالقبض فإن قبضَ الموهوبُ له في المجلسِ بغيرِ إذن الواهبِ جاز، فإن قبضَه بعد الافتراق لم تصحّ إلاَّ أن يأذنَ له الواهبُ في القبض، وتنعقد الهبة بقوله: وهبت، ونحلت، وأَعطيت وأطعمتُك هذا الطعام، وجعلت هذا الثوب لك، وأعمرتك هذا الشيء، وحملتك على هذه الدابّة إذا نوى بالحملان الهبة ولا تجوز الهبة فيما يقسم إلا مقسوماً محوزاً، وهبةُ المشاع فيما لا يقسم جائزة ومَن وَهَبَ شِقصاً مشاعاً فالهبة فاسدة، فإن قسمَه وسلَّمَه جاز، وإن وَهَبَ دقيقاً في حنطة، أو دهناً
في سمسم فالهبةُ فاسدة، فإن طَحَن وسَلَّم لم يَجُز وإن كانت العينُ في يدِ الموهوب له ملكها بالهبة وإن لم يجدِّد فيها قبضاً، وإذا وَهَبَ الأبُ لابنه الصغير هبةً ملكها الابنُ بالعقد وإن وَهَبَ له أجنبيٌّ هبةً تَمَّت بقبض الأب، وإذا وُهِبَ لليتيم هبة فقبضها وليُّه له جاز، فإن كان في حجرِ أُمِّه فقبضها له جائز، وكذلك إن كان في حجرِ أَجنبيّْ يربيه فقبضُه له جائز، وإن قبضها الصَّبيُّ بنفسِهِ جاز فإذا وَهَبَ اثنان من واحدٍ داراً جاز، وإن وَهَبَ واحدٌ من اثنين لم يصحّ عند أبي حنيفة، وقالا: يصح وإذا وَهَبَ هبةً لأَجنبيٍّ فله الرُّجوعُ فيها إلا أنّ يعوِّضَه عنها أو تزيد زيادة متصلة أو يموت أحد المتعاقدين، أو تخرج الهبة من ملك الموهوب له وإن وَهب هبةً لذي رَحْم مَحْرَم منه فلا رجوع له فيها، وكذلك ما وَهَبه أحدُ الزَّوجين للآخر، وإذا قال الموهوب له للواهب: خُذ هذا عوضاً عن هبتك، أو بدلاً عنها، أو في مقابلتها، فقبضه الواهب سقط الرجوع وإن عَوَّضَه أَجنبيٌّ عن الموهوب له مُتبرِّعاً، فقبض الواهبُ العوضَ سقط الرجوع، وإذا استُحِقَّ نصفُ الهبة رَجَعَ بنصف العوض وإن اسْتُحِقَّ نصفُ العوض لم يرجع في الهبةِ بشيءٍ، إلاّ أن يردَّ ما بَقِي من العِوض ثُمَّ يرجع، ولا يصحُّ الرجوع في الهبة إلا بتراضيهما أو بحكم الحاكم وإذا تلفت العين الموهوبة في يدِ الموهوب له، ثُمَّ استحقّها مستحقٌّ، فضَمَّنَ الموهوبَ له لم يرجع على الواهبِ بشيءٍ، وإذا وَهَبَ بشرطِ العوض، اعتبر التقابض في العِوضين، فإذا تقابضا صَحَّ العقد، وصار في حكم البيع: يُرَدُّ بالعيبِ، وخيارِ الرؤيةِ، وتجب فيه الشُّفعة والعمرى جائزةٌ للمعمَّر في حالِ حياته ولورثتِه من بعد موته، والرُّقبى باطلةٌ عند أبي حنيفة ومُحمَّد وقال أبو يوسف: هي جائزة، ومَن وَهَبَ جاريةً إلاّ حملها صَحَّت الهبةُ وبطل الاستثناء والصدقةُ كالهبةِ لا تصحُّ إلا بالقبض ولا تجوز في مشاع يحتمل القسمة، فإذا تَصَدَّقَ على فقيرين بشيءٍ جاز، ولا يصحّ الرجوع في الصدقة بعد القبض، ومَن نذرَ أن يتصدَّق بماله لزمه أن يتصدَّقَ بجنس ما تجب فيه الزَّكاة ومَن نَذَرَ أن يتصدَّقَ بملكِهِ لزمه أن يتصدَّقَ بالجميع، ويقال له: أمسك منه مقدار ما تنفقه على نفسك وعلى عيالك إلى أن تكتسب مالاً، فإذا اكتسبت مالاً تصدَّقَ بمثل ما أمسكت.
كتابُ الوقف
لا يزول ملك الواقف عن الوقف عند أبي حنيفة إلاّ أن يحكم به الحاكمُ، أو يُعلِّقه بموتِهِ فيقول: إذا متُّ فقد وَقَفْتُ داري على كذا إلا عند أبي يوسف: يزول ملك الواقف بمجرد القول، وقال مُحمَّد: لا يزول الملك حتى يَجْعَل للوقف وليّاً ويُسلِّمه إليه وإذا صح الوقفُ على اختلافهم خَرَجَ عن ملك الواقف ولم يدخل في ملك الموقوف عليه، ووقف المشاع جائزٌ عند أبي يوسف، وقال مُحمَّد: لا يجوز ولا يتمُّ
الوقفُ عند أبي حنيفة ومُحمَّد حتى يَجْعَلَ آخره لجهةٍ لا تنقطع أبداً، فإذا عَيَّنَ جهةً تنقطعُ صار مؤقتاً معنى فلا يجوز، وقال أبو يوسف: إذا سَمَّى فيه جهةً تَنْقَطِعُ جاز وصار بعدها للفقراء وإن لم يسمهم، ويصحُّ وقف العقار، ولا يجوز وقف ما يُنقل ويُحوَّل، وقال أبو يوسف: إذا وقف ضيعة ببقرها وأَكْرَتها وهم عبيده جاز، وقال مُحمَّد: يجوز حبس الكُراع والسِّلاح وإذا صَحّ الوقفُ لم يجز بيعه ولا تمليكُه إلاّ أن يكون مشاعاً عند أبي يوسف فيطلب الشريك القسمة فتصحّ مقاسمته، والواجبُ أن يبتدأ من ارتفاع الوقف بعمارته، شَرَطَ ذلك الواقف أو لم يَشرُطَ، وإذا وقفَ داراً على سكنى ولده فالعمارةُ على مَن له السكنى، فإن امتنعَ من ذلك أو كان فقيراً أجرها الحاكم وعمَّرَها بأُجرتها، فإذا عُمِّرَت ردّها إلى مَن له السُّكنى، وما انهدم من بناء الوقف وآلته صرفه الحاكمُ في عمارة الوقف إن احتاج إليه، وإن استغنى عنه أَمْسَكَه حتى يحتاج إلى عمارتِه فيصرفه فيها، ولا يجوز أن يقسمَه بين مستحقِّي الوقف، وإذا جعل الواقفُ غلّةَ الوقف لنفسه، أو جعل الولاية إليه، جاز عند أبي يوسف وقال مُحمَّد: لا يجوز، وإذا بنى مسجداً لم يزل ملكه عنه حتى يفرزَه عن ملكه بطريقه ويأذن للنَّاس بالصَّلاة فيه، وإذا صلَّى فيه واحدٌ زال ملكه عند أبي حنيفة ومُحمَّد وقال أبو يوسف: يزول ملكُه عنه بقوله: جعلته مسجداً، ومَن بنى سقاية للمسلمين، أو خاناً يسكنه بنو السبيل، أو رباطاً، أو جعلَ أَرضه مقبرةً لم يزل ملكه عن ذلك عند أبي حنيفة حتى يحكم به الحاكم وقال أبو يوسف: يزول ملكه عن ذلك بالقول، وقال مُحمَّد: إذا سقى الناس من السقاية، وسكنوا الخان والرباط، ودفنوا في المقبرة زال الملك
كتاب الغصب
ومَن غَصَبَ شَيْئَاً ممّا له مثلٌ فهَلَكَ في يدِه فعليه ضمانُ مثلِه وإن كان ممّا لا مثل له فعليه قيمته، وعلى الغاصب رَدُّ العين المغصوبة فإن ادّعى هلاكها حبسَه الحاكمُ حتى يعلمَ أنَّها لو كانت باقيةً لأظهرها ثُمَّ قَضَى عليه ببدلها، والغصبُ فيما يُنْقَلُ ويُحَوَّلُ، فإذا غَصَبَ عقاراً فهلك في يده لم يضمنه عند أبي حنيفة وأبي يوسف وقال مُحمَّد: يضمنه وما نقص منه بفعلِهِ وبسكناه ضَمِنه في قولِهم جميعاً، وإذا هَلَكَ المغصوب في يدِ الغاصبِ بفعلِهِ أو بغيرِ فعلِهِ فعليه ضمانه، وإن نقصَ في يدِه، فعليه ضمانُ النُّقصان ومَن ذبح شاة غيره فمالكها بالخيار: إن شاءَ ضمَّنه قيمتها وسلَّمها إليه، وإن شاء ضمَّنه نقصانها، ومَن خَرَقَ ثوب غيره خرقاً يسيراً ضَمِنَ نقصانه، وإن خرقَه خرقاً كبيراً يُبطل عامّة منفعته فللمالك أن يضمنه جميع قيمته، وإذا تغيَّرت العينُ المغصوبةُ بفعلِ الغاصبِ حتى زال اسمها وعظيم منافعها زال ملك المغصوب منه عنها وملكها الغاصبُ وضمنها، ولم يحلّ له الانتفاع بها حتى يؤدّي بدلها، وهذا كمَن غَصَبَ شاةً فذبحها وشواها
وطبخها، أو حنطة فطحنها، أو حديداً فاتخذه سيفاً، أو صفراً فعمله آنية وإن غصبَ فضّةً أو ذهباً فضربها دراهم أو دنانير أو آنية لم يزل ملك مالكها عنها عند أبي حنيفة وقالا: يأخذ المغصوب منه مثل فضّته وذهبه تبراً، ولا سبيل له على ما صنع، ومَن غَصَبَ ساجةً فبنى عليها زال ملك مالكها عنها ولزم الغاصب قيمتُها عند أبي حنيفة، ومَن غَصَبَ أرضاً فبنى عليها أو غرس فيها قيل للغاصب: اقلع البناء والغرس ورُدَّها فارغةً، وإن كانت الأرضُ تنقص بقلع ذلك، فللمالك أن يَضْمَنَ له قيمةَ البناء والغرس مقلوعاً، ويكون له البناء والغرس، ومَن غَصَبَ ثوباً فصبغه أحمر، أو سويقاً فلته بسمن فصاحبُه بالخيار: إن شاء ضمَّنه قيمةَ ثوب أَبيض ومثل السَّويق وسَلَّمهما للغاصب، وإن شاء أخذهما وضَمِنَ ما زاد الصبغ والسمن فيهما ومَن غَصَبَ عيناً فغيّبها، فضمّنه المالكُ قيمتَها ملكَها الغاصب، والقولُ في القيمةِ قولُ الغاصب مع يمينه، إلاّ أن يقيمَ المالكُ البيِّنةَ بأكثر من ذلك، فإن ظَهَرَت العينُ وقيمتُها أَكثر ممَّا ضَمِن، وقد ضَمِنها بقولِ المالكِ أو ببيّنةٍ أَقامها أو بنكولِ الغاصبِ عن اليمين فلا خيار للمالك، وإن كان ضمنها بقول الغاصب مع يمينه فالمالك بالخيار: إن شاء أَمضى الضَّمان، وإن شاء أَخذ العين وردَّ العوض، وولد المغصوبة، ونماؤها، وثمرة البستان المغصوب، أمانةٌ في يدِ الغاصب، إن هَلَكَ فلا ضمان عليه إلاّ أن يتعدَّى فيها أو يطلبَها مالكها فيمنعه إيّاها وما نقصت الجارية بالولادة فهو من ضمان الغاصب، فإن كان في قيمة الولد وفاء به ينجبر النُّقصان بالولد وسَقَطَ ضمانُه في الغاصب، ولا يَضْمَنُ الغاصبُ منافعَ ما غَصَبَه إلاّ أن ينقصَ باستعماله، فيغرم النقصان، وإذا استهلك المسلمُ خمرَ الذميِّ وخنزيرِه ضَمِن قيمتَهما، وإن استهلكهما المسلم على المسلم لم يضمن
كتابُ الوديعة
الوديعة أَمانةٌ في يدِ المودَع إذا هلكت في يده لم يضمنها وللمودَع أَنْ يَحْفَظَها بنفسِهِ وبمَن في عياله فإن حفظَها بغيرهم أو أودعَها ضَمِن إلاّ أن يقع في داره حريقٌ فسلَّمها إلى جاره أو يكون في سفينه يخاف الغرق فيُلْيقها إلى سفينة أُخرى، فإن خلطَها المودَع بمالِه حتى لا يتميّز ضمنها فإن طلبَها صاحبُها فحبسها عنه وهو يَقْدِرُ على تسليمِها إليه ضَمِن، وإن اختلطت بمالِهِ من غيرِ فعلِهِ فهو شريكٌ لصاحبِها، وإن أَنْفَقَ المودَع بعضَها، ثُمَّ رَدَّ مثلَه فخلطه بالباقي ضَمِن الجميع، وإن تَعَدَّى المودَعُ في الوديعةِ بأن كانت دابّةً فركبَها، أو ثوباً فلَبِسَه، أو عبداً فاستخدمه، أو أَودعها عند غيرِه ثُمَّ زال التعدِّي ورَدَّها إلى يدِه، زال الضَّمان، وإن طلبَها صاحبُها فجحدَها إيّاه فهلكت ضَمِنها، فإن عاد إلى الاعتراف لم يبرأ من الضَّمان وللمودَع أن يُسافرَ بالوديعة وإن كان لها حملٌ ومؤنة وإذا أودَع رجلان عند رجل وديعة، ثمّ حضَرَ أَحدُهما
فطلب نصيبه منها، لم يدفع إليه شيئاً حتى يحضرَ الآخر عند أبي حنيفة، وقالا: يدفع إليه نصيبه، وإن أَوْدَعَ رَجُلٌ عند رجلين شَيْئاً مِمّا يُقْسَمُ لم يَجُزْ أن يدفعَه أَحدُهما إلى الآخر ولكنَّهما يقتسمانه فيحفظ كلُّ واحدٍ منهما نصيبه وإن كان ممَّا لا يقسم جاز أن يحفظَ أحدُهما بإذن الآخر، إذا قال صاحبُ الوديعة للمودَع: لا تسلمها إلى زوجتك، فسلَّمها إليها لا يضمن، فإن قال له: احفظها في هذا البيت، فحفظها في بيت آخر من الدار لم يضمن فإن حفظها في دار أخرى ضمن
كتابُ العارية
العاريةُ جائزةٌ، وهي تمليكُ المنافعِ بغير عوض وتَصحُّ بقوله: أعرتُك، وأطعمتُك هذه الأرض، ومنحتُك هذا الثوب وحملتُك على هذه الدابّة إذا لم يرد به الهبة، وأخدمتُك هذا العبد، وداري لك سُكنى، وداري لك عمري سُكنى، وللمعير أن يرجعَ في العاريةِ متى شاء، والعاريةُ أمانةٌ إن هلكت من غير تعدٍّ لم يضمن وليس للمستعير أن يؤاجر ما استعاره، فإن آجره فعطب ضَمِن، وله أن يعيرَه إذا كان ممَّا لا يختلف باختلاف المستعمِل وعاريةُ الدَّراهم والدَّنانير والمكيل والموزون قرضٌ، وإذا استعار أَرضاً ليبني فيها أو يَغْرِس نخلاً جاز، وللمعير أن يرجع فيها ويُكلِّفه قلع البناء والغرس، فإن لم يكن وقَّت العارية فلا ضمان عليه، وإن كان وَقَّت العارية فرجع قبل الوقت ضَمِن المعيرُ ما نقص البناء والغرس بالقلع وأجرةُ ردِّ العارية على المستعير، وأُجرة ردِّ العين المستأجرة على المؤاجر، وأُجرة ردِّ العين المغصوبة على الغاصب، وأُجرة ردِّ الوديعة على المودِع وإذا استعار دابّةً فردَّها إلى اصطبل مالكها فهَلَكَت لم يَضْمَن، ومَن استعار عيناً فردَّها إلى دارِ مالكِها ولم يسلمها إليه لم يضمن، وإن ردَّ الوديعةَ أو العين المغصوبة إلى دارِ المالكِ ولم يُسلمها إليه ضَمِن.
كتابُ اللقيط
اللقيطُ حُرٌّ ونفقته من بيت المال، فإن التقطه رجلٌ لم يكن لغيره أن يأخذَه من يده فإن ادَّعى مدع أنَّه ابنُه فالقولُ قولُه، وإن ادَّعاه اثنان ووصف أحدُهما علامةً في جسده فهو أولى به وإذا وُجِد في مصرٍ من أَمصار المسلمين أو في قريةٍ من قراهم، فادَّعى ذميٌّ أنَّه ابنُه ثبت نسبُه منه وكان مسلماً تبعاً للدار وإن وُجد في قرية من قرى أهل الذمّة، أو في بيعة، أو في كنيسة كان ذميّاً، ومَن ادّعى أنَّ اللقيطَ عبدُه لم يُقبل منه وكان حرّاً، فإن ادَّعى عبدٌ أنَّه ابنُه ثبت نسبُه منه وكان حرّاً وإن وُجِدَ مع اللقيطِ مالٌ مشدود عليه فهو له، ولا يجوز تزويجُ المُلتَقِط ولا تصرّفُه في مالِ اللقيط، ويجوز أن يقبضَ له الهبة ويُسَلِّمه في صناعة ويؤاجره.
كتابُ اللقطة
اللقطةُ أَمانةٌ في يد الملتقط إذا أشهد المُلْتَقِطُ أنَّه يأخذُها ليحفظها ويردَّها على صاحبِها فإن كانت أَقلّ من عشرةِ دراهمٍ عَرَّفها أَيّاماً، وإن كانت عشرة فصاعداً عَرَّفها حولاً فإن جاءَ صاحبُها دَفَعَ إليه وإلاّ تَصَدَّقَ بها فإن جاءَ صاحبُها فهو بالخيارِ: إن شاء أَمضى الصدقة، وإن شاء ضَمَّن الملتقط، ويجوز الالتقاط في الشَّاة والبقر والبعير فإن أَنْفَقَ المُلتقطُ عليها بغير إذن الحاكم فهو مُتبرِّع، وإن أنفقَ بأمره كان ذلك ديناً على صاحبها، وإذا رفع ذلك إلى الحاكم نظر فيه: فإن كان للبهيمة منفعة آجرها وأَنْفَقَ عليها من أُجرتها، وإن لم تكن لها منفعة وخاف أن تستغرقَ النَّفقةُ قيمتَها باعها وأَمره بحفظِ ثمنها وإن كان الأصلحُ الإنفاق عليها أَذِن في ذلك وجَعَل النفقةَ دَيْناً على مالكها، فإن حضرَ مالكها فللملتقط أن يمنعَه منها حتى يأخذَ النفقة ولقطةُ الحلِّ والحرم سواء، وإذا حضر رجلٌ فادّعى أنَّ اللقطةَ له لم تدفع إليه حتى يقيم البيِّنة فإن أعطى علامتها حلّ للمُلْتَقِطَ أن يدفعَها إليه ولا يجبر على ذلك في القضاء، ولا يتصدَّق باللقطة على غنيٍّ، وإن كان الملتقطُ غنيّاً لم يجز له أن ينتفعَ بها، وإن كان فقيراً فلا بأس له أن ينفقها ويجوز أن يتصدَّقَ بها إذا كان غنيّاً على أَبيه وابنه وزوجته إذا كانوا فقراء.
كتابُ الخنثى
إذا كان للمولود فرجٌ وذكرٌ فهو خنثى فإن كان يبولُ من الذَّكر فهو غلام، وإن كان يَبول من الفَرج فهو أُنثى، فإن كان يبولُ منهما والبولُ يَسْبِقُ من أَحدِهما نُسِبَ إلى الأَسبق وإن كانا في السَّبق سواء فلا عبرة بالكثرة عند أبي حنيفة، وقالا: ينسب إلى أكثرهما، وإذا بلغ الخنثى وخرجَت له لحية، أو وَصَلَ إلى النِّساء فهو رجل وإن ظَهَرَ له ثديٌ كثدي المرأة، أو نَزَلَ له لبن في ثدييه، أو حاض، أو حَبِل، أو أمكن الوصول إليه من الفرج، فهو امرأة، فإن لم يظهر فيه إحدى هذه العلامات فهو خنثى مشكل، وإذا وقف خلف الإمام قام بين صفِّ الرِّجال والنِّساء وتُبتاع له أَمةٌ؛ لتختنه إن كان له مال، فإن لم يكن له مال ابتاع له الإمام جارية من بيت المال، فإذا ختنته باعها وردَّ ثمنها إلى بيت المال، فإن مات أَبوه وخلَّفَ ابناً وخُنثى فالمال بينهما عند أبي حنيفة على ثلاثة أَسْهُم: للابن سهمان وللخنثى سَهْم، وهو أُنثى عنده في الميراث إلاّ أن يثبت غير ذلك فيُتَّبَع وقالا: للخنثى نصفُ ميراث الذكر، ونصفُ ميراث الأُنثى، وهو قولُ الشَّعبيّ، واختلف أبو يوسف ومُحمَّد في قياس قول الشَّعبيّ، فقال أبو يوسف: المال بينهما على سبعة أسهم: للابن أربعة وللخنثى ثلاثة وقال مُحمَّد: المالُ بينُهما على اثنى عشر سهماً: للابن سبعة، وللخنثى خمسة.
كتابُ المفقود
إذا غاب الرَّجلُ فلم يُعْرَف له موضعٌ ولم يُعْلَمْ أنَّه حَيٌّ أم مَيِّتٌ نَصَّبَ القاضي مَن يحفظ ماله ويقوم عليه ويستوفي حقوقه، ويُنْفِقُ على زوجتِه وأَولاده من مالِهِ ولا يفرق بينه وبين امرأته، ولا يقسم ماله بين الورثة فإذا تَمَّ له مئةٌ وعشرون سنةً من يوم وُلِد حُكِم بموته، واعتدت امرأته، وقُسِم مالُه بين ورثته الموجودين في ذلك الوقت، ومَن مات منهم قبل ذلك لم يَرِث منه ولا يرث المفقود من أَحدٍ مات في حالِ فقده
كتابُ الإباق
إذا أبق المملوك فردَّه رجلٌ على مولاه من مسيرة ثلاثة أيّام فصاعداً فله عليه الجُعل أَربعون درهماً، فإن ردَّه لأقلّ من ذلك فبحسابه وإن كانت قيمتُه أقلّ من أربعين درهماً قضى له بقيمته إلا درهماً وإن أَبِق من الذي ردَّه فلا شيء له، وينبغي أن يُشْهِدَ إذا أخذه أنَّه يأخذه ليردَّه على صاحبه فإن كان العبدُ الآبقُ رهناً فالجعلُ على المرتهن
كتاب احياء الموات
الموات ما لا ينتفع به من الأرض؛ لانقطاع الماء منه، أو لغلبة الماء عليه، أو ما أشبه ذلك ممّا يمنع الزِّراعة، ممَّا كان منها عادياً لا مالك له، أو كان مملوكاً في الإسلام لا يُعْرَفُ له مالكٌ بعينه، وهو بعيد من القرية بحيث إذا وقف إنسانٌ في أقصى العامر فصاح لم يُسْمَعْ الصوت فيه فهو موات، ومَن أَحياه بإذن الإمام ملكه، وإن أَحياه بغير إذن الإمام لم يملكه عند أبي حنيفة وقالا: يملكه بغير إذن الإمام، ويَمْلِكُ الذَّميُّ بالإحياء كما يملك المسلم ومَن حَجَّر أَرضاً ولم يَعْمُرْها ثلاث سنين أَخذَها الإمامُ ودفعَها إلى غيره، ولا يجوز إحياء ما قَرُب من العامر، بل يُتْرَك مرعى لأهل القرية ومطرحاً لحصائدهم، ومَن حَفَر بئراً في بريّةٍ فله حريمُها، فإن كانت للعَطَن فحريمها أربعون ذراعاً، وإن كانت للناضح فحريمُها ستّون ذراعاً وإن كانت عيناً فحريمُها ثلاثمئة ذراع، فمَن أراد أن يحفرَ في حريمِها مُنِع منه، وما ترك الفرات أو الدجلة وعدل عنه، فإن كان يجوز عوده إليه لم يجز إحياؤه، وإن كان لا يجوز أن يعودَ إليه فهو كالموات إذا لم يكن حريماً لعامر يملكه مَن أحياه بإذن الإمام، ومَن كان له نهرٌ في أرض غيره فليس له حريمُه عند أبي حنيفة إلا أن يقيمَ البيِّنة على ذلك وقالا: له مُسَنَّاة النهر يمشي عليها ويلقي عليها طينة.
كتابُ المأذون
وإذا أَذِنَ المولى لعبده في التجارة إذناً عامّاً جاز تصرُّفه في سائر التجارات يشتري ويبيع ويرهن ويسترهن وإذا أذن له في نوع منها دون غيره فهو مأذونٌ له في جميعها، وإن أَذِنَ له في شيء بعينه فليس بمأذون، وإقرارُ المأذون له بالديون والغصوب جائز وليس له أن يتزوَّج ولا يزوِّج مماليكه، ولا يُكاتب ولا يُعتِق على مال، ولا يهب بعوض ولا بغير عوض، إلاّ أن يهدي اليسير من الطعام، أو يُضَيِّفَ مَن يُطعمه، وديونُه مُتَعلِّقة برقبتِهِ يُباع للغُرماء إلاّ أن يفديه المَوْلى ويُقْسَمُ ثمنُه بينهم بالحصص، فإن فضل شيءٌ من الديون طُولب به بعد الحرية، وإن حَجَرَ المولى عليه لم يَصِرْ محجوراً عليه حتى يظهر الحَجر عليه بين أهل سوقه، وإن مات المولى أو جُنّ أو لَحِق بدار الحرب مُرتدّاً صار المأذون محجوراً عليه وإن أبق العبدُ صار محجوراً عليه، وإن حَجَرَ عليه المولى فإقرارُه جائزٌ فيما في يدِه من المال عند أبي حنيفة، وقالا: لا يجوز إقرارُه، وإذا لزمته ديونٌ تُحيطُ بماله ورقبتِهِ لم يملك المولى ما في يدِه، وإن أَعْتَق عبيدَه لم يُعتقوا عند أبي حنيفة وقالا: يملك ما في يده وينفذ عتقه، وإذا باع من المولى شيئاً بمثل قيمته جاز، وإن باعه بنقصان لم يجز، وإن باعه المولى شيئاً بمثلِ القيمةِ أو أَقلِّ جاز البيع، فإن سَلَّمَه إليه قبل قبضِ الثَّمن بطل الثمن وإن أمسكَه في يده حتى يستوفي الثمن جاز، فإن أعتقَ المولى العبدَ المأذون له وعليه ديونٌ فعتقُه جائزٌ، والمولى ضامن لقيمتِهِ للغرماء، وما بَقِي من الدُّيون يُطالب به المعتَق، وإذا ولدت المأذونة من مولاها فذلك حجر عليها، وإذا أذن وليّ الصّبيّ للصّبيّ في التجارة فهو في الشِّراء والبيع كالعبد المأذون له إذا كان يَعْقِلُ البيع والشراء.
كتاب المزارعة
قال أبو حنيفة: المزارعةُ بالثُّلث والرُّبع باطلة، وقالا: جائزة وهي عندهما على أربعة أوجه: إذا كانت الأرض والبذر لواحد، والعمل والبقر لآخر جازت المزارعة، وإن كانت الأرضُ لواحد، والعمل والبقر والبذر لواحد جازت وإن كانت الأرضُ والبقرُ والبذرُ لواحد، والعمل لآخر جازت، وإذا كانت الأرضُ والبَقرُ لواحد، والبَذر والعَمل لواحد فهي باطلة، ولا تَصِحُّ المُزارعةُ إلاّ على مُدّةٍ معلومة وأن يكون الخارجُ مشاعاً بينهما، فإن شرطا لأَحدهما قُفزاناً مُسمّاة فهي باطلة وكذلك إن شرطا ما على الماذيانات والسّواقي، وإذا صَحَّت المزارعةُ فالخارجُ بينهما على الشَّرط، فإن لم تُخْرِج الأرض شيئاً فلا شيء للعامل وإذا فَسَدَت المُزارعةُ فالخارجُ لصاحبِ البِذْر، فإن كان البذرُ من قبل رَبِّ الأرض فللعامل أَجرُ مثله، ولا يُزاد على مقدارِ ما شُرِط له من الخارج، وقال مُحمَّد: له أَجْرُ مثلِهِ بالغاً ما بلغ، وإن كان البذرُ من قبل العامل فلصاحبِ الأَرض أجرُ مثلها، وإذا عُقِدت المزارعةُ فامتنع صاحبُ البَذْرِ من العملِ لم يُجْبَرْ عليه وإن امتنع الذي ليس من قبله البذر أجبره الحاكمُ على العمل، وإن مات أَحدُ المتعاقدين بَطَلَت
المُزارعة، وإذا انقضت مُدّةُ المُزارعة والزَّرعُ لم يُدْرِكْ كان على المزارع أَجْرُ مثل نصيبه من الأرضِ إلى أن يستحصد، والنفقة على الزرع عليهما على قدر حقوقهما وكذلك أجرة الحصاد والرِّفاع والدِّياس والتذرية عليهما بالحصص، فإن شرطاه في المزارعة على العامل فسدت المزارعة
كتاب المساقاة
قال أبو حنيفة المساقاةُ بجزء من الثمرة باطلة وقالا: هي جائزةٌ إذا ذَكَرَا مدّةً معلومة وسَمَّيا جزءاً من الثمرة مُشاعاً، وتجوز المساقاةُ في النَّخل والشَّجر والكرم والرِّطاب وأُصول الباذنجان، فإن دفع نخلاً فيه ثمرة مساقاة والثمرةُ تزيدُ بالعمل جاز، وإن كانت قد انتهت لم يَجُزْ، وإذا فسدت المساقاةُ فللعامل أَجر مثله، وتبطل المساقاةُ بالموت وتفسخ بالأعذار كما تفسخ الإجارة.
كتابُ النكاح
النكاحُ ينعقدُ بالإيجاب والقَبول، بلفظين يعبَّرُ بهما عن الماضي أو يُعبَّرُ بأحدهما عن الماضي والآخر عن المستقبل، مثل: أن يقول: زوِّجني، فيقول: زوَّجتُك ولا ينعقدُ نكاحُ المسلمين إلا بحضورِ شاهدين، حُرَّين، عاقلين بالغين، مسلمين رجلين أو رجل وامرأتين عدولاً كانوا أو غير عدول أو محدودين في قذف وإن تزوَّج مسلمٌ ذميةً بشهادة ذميين جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال مُحمَّد: لا يجوز لا يَحِلُّ للرَّجل أن يتزوَّجَ بأُمِّه، ولا جدّاته من قبل الرِّجال والنِّساء، ولا ببنته، ولا بنت ولده وإن سفلت، ولا بأخته، ولا ببنات أخته، ولا بعمته، ولا بخالته ولا ببنات أخيه، ولا بأُمِّ امرأته، دخل ببنتها أَو لم يدخل، ولا ببنت امرأته التي دخل بها سواء كانت في حجرِه أو في حجرِ غيره، ولا بامرأة أبيه وأجداده ولا بامرأةِ ابنه وبني أَولاده، ولا بأُمِّه من الرَّضاع، ولا بأُخته من الرَّضاع، ولا يجمع بين أُختين بنكاح ولا بملك يمين وطئاً، ولا يَجْمَعُ بين المرأةِ وعَمَّتها ولا خالتها، ولا ابنة أَخيها ولا ابنة أُختها ولا يجمع بين امرأتين لو كانت كلُّ واحدةٍ منهما رَجلاً لم يَجُز له أن يَتَزَوَّجَ بالأُخرى ولا بأس أن يجمعَ بين امرأةٍ وابنةِ زوج كان لها من قبل، ومَن زنى بامرأة حَرُمَت عليه أُمّها وابنتها وإذا طَلَّقَ الرَّجلُ امرأتَه طَلاقاً بائناً لم يجز له أن يتزوَّج بأُختها حتى تنقضي عدّتها، ولا يجوز أن يتزوَّج المولى أَمته، ولا المرأة عبدَها ويجوز تزوّج الكتابيات، ولا يجوز تزوّج المجوسيات ولا الوثنيات، ويجوز تزوّج الصابئيات إذا كانوا يؤمنون بنبيّ ويقرّون بكتاب الله، وإن كانوا يعبدون الكواكب ولا كتاب لهم لم تجز مناكحتُم ويجوز للمحرم والمحرمة أن يتزوَّجا في حال الإحرام وينعقدُ نكاحُ المرأة الحُرّةِ البالغةِ العاقلةِ برضاها وإن لم يعقد عليها وليٌّ عند أبي حنيفة، بكراً كانت أو ثيباً
وقالا: لا ينعقد إلا بوليّ ولا يجوز للوليِّ إجبارُ البكر البالغة على النِّكاح، وإذا استأذنها فسكتت أو ضحكت فذلك إذنٌ منها وإن أبت لم يزوجها وإن استأذن الثيب فلا بُدّ من رضاها بالقول، وإذا زالت بكارتُها بوثبةٍ أو حيضةٍ أو جراحةٍ أو تعنيسٍ فهي في حكمِ الأَبكار وإذا زالت بكارتُها بزناً فهي كذلك عند أبي حنيفة، وقالا: تتزوَّج كما يَتَزَوَّج الثيب، وإذا قال الزَّوج: قد بلغك النكاح فسكت، فقالت: لا بل رددت، فالقول قولُها، ولا يمين عليها ولا يستحلف في النِّكاح عند أبي حنيفة، خلافاً لهما، وينعقد النِّكاح بلفظ: النكاح والتزويج والتمليك والهبة والصدقة ولا ينعقد بلفظ الإجارة والإباحة ويجوز نكاحُ الصغير والصغيرة إذا زوجهما الوليُّ، بكراً كانت أو ثيباً والوليُّ هو العصبة فإن زوَّجَهما الأبُ والجدُّ فلا خيار لهما بعد البلوغ وإنَّ زَوَّجَهما غيرُ الأب والجَدِّ فلكلِّ واحد منهما الخيار إذا بلغ: إن شاء أقام على النِّكاح، وإن شاء فَسَخ، ولا ولايةَ لعبدٍ ولا صغيرٍ ولا مجنونٍ، ولا كافر على مسلمة، وقال أبو حنيفة: يجوز لغير العصبات من الأقارب التزويج، وقالا: لا يزوّج الصغير غير العصبة ومَن لا وليّ لها إذا زوَّجها مولاها الذي أَعتقها جاز، وإذا غاب الوليُّ الأقربُ غيبةً منقطعة جاز لمَن هو أَبْعَدُ منه أن يُزوِّج والغيبةُ المنقطعة: أن يكون في بلد لا تصل إليه القوافل في السنة إلاّ مرّة واحدة، والكفاءة في النكاح معتبرة فإذا تزوَّجت المرأةُ غيرَ الكفؤ فللأولياء أن يفرّقوا بينهما، والكفاءةُ تعتبر في النَّسب والدِّين، والمال: وهو أن يكون مالكاً للمهر والنفقة وتعتبر في الصنائع، وإذا تَزَوَّجَت المرأةُ ونَقصت من مهرِ مثلِها، فللأولياء الاعتراض عليها عند أبي حنيفة حتى يُتمَّ لها مهر مثلها أو يُفارقها، وقالا: ليس لهم حقّ الاعتراض، وإذا زَوَّج الأبُ ابنتَه الصغيرة ونقص من مهرِها، أو ابنه الصَّغير وزاد في مهر امرأته جاز ذلك عليهما، ولا يجوز ذلك لغير الأب والجدِّ، وقالا: لا يجوز الزيادة ولا الحطّ، ويصحّ النِّكاح إذا سَمَّى فيه مَهْراً ويصحُّ وإن لم يُسمِّ فيه مَهْرَاً وأقلُّ المهر عشرة دراهم، فإن سَمَّى أَقلّ من عشرة فلها عشرة ومَن سمَّى مهراً عشرة فما زاد فعليه المسمَّى إن دخل بها أو مات عنها وإن طَلَّقَها قبل الدُّخول والخلوة فلها نصف المُسمّى، فإن تزوَّجَها ولم يُسمِّ لها مهراً، أو تزوَّجها على أن لا مَهْرَ لها فلها مهر مثلها إن دخل بها أو مات عنها وإن طلَّقَها قبل الدُّخول بها فلها المُتعة، وهي ثلاثةُ أثواب من كسوة مثلها وإذا تزوَّج المسلمُ على خمر، أو خنزير فالنكاحُ جائز، ولها مهر مثلها، وإن تزوَّجَها ولم يُسَمِّ لها مَهْرَاً، ثُمَّ تراضيا على تسميةِ مهرٍ، فهي لها إن دَخَلَ بها أو مات عنها وإن طلَّقها قبل الدخول بها فلها المتعة، وإن زاد لها في المهر بعد العقد لزمته الزيادة وتسقط بالطلاق قبل الدخول، وإن حَطَّت عنه من مهرِها صَحّ الحَطّ وإذا خَلى الزوجُ بامرأته وليس هناك مانعٌ من الوطءِ، ثُمَّ طلَّقها فلها كمال المهر فإن كان أحدُهما مريضاً، أو صائماً في رمضان، أو مُحرماً بحجٍّ أو عمرةٍ، أو كانت حائضاً، فليست
بخلوةٍ صحيحةٍ وإذا خلى المجبوبُ بامرأته، ثُمَّ طلقها فلها كمال المهر عند أبي حنيفة وقالا: لها نصف المهر، وتستحبُّ المتعة لكلِّ مطلّقة، إلاّ لمطلّقة واحدة، وهي التي طلَّقها قبل الدخول وقد سمى لها مهراً، وإن زَوَّجَ الرَّجلُ ابنتَه أو أُختَه على أن يزوِّجه الرجلُ أخته أو ابنته، فيكون كلّ من العقدين عوضاً عن الآخر، فالعقدان جائزان، ولكلِّ واحدةٍ منهما مهرُ مثلِها وإن تزوَّجَ حرٌّ امرأةً على خدمته سنة، أو على تعليم القرآن، فلها مهرُ مثلها وإن تزوَّج عبدٌ حُرّةً بإذن ِمولاه على خدمته سنة جاز وإذا اجتمع في المجنونة أبوها وابنها فالوليُّ في نكاحِها ابنُها عندهما، وقال مُحمَّد: أبوها، ولا يجوز نكاح العبد والأمة إلاّ بإذن مولاهما، وإذا تَزَوَّجَ العبدُ بإذن مولاه فالمهرُ دَينٌ في رقبته يُباع فيه، وإذا زَوَّج المولى أَمته فليس عليه أن يبؤها بيت الزوج، ولكنَّها تخدم المولى، ويقال للزَّوج: متى ظفرت بها وطئتها، وإذا تزوَّج امرأةً على ألفٍ على أن لا يخرجَها من البلد أو على أن لا يتزوَّجَ عليها، فإن وَفَّى بالشَّرط فلها المُسمَّى، وإن تَزَوَّج عليها أو أَخْرَجَها من البلد فلها مهرُ مثلِها وإذا تزوَّج على حيوانٍ غيرِ موصوفٍ، صَحَّت التسمية ولها الوسط منه والزوجُ مخيَّرٌ: إن شاء أعطاها ذلك، وإن شاء أعطاها قيمته، بخلاف ما لو تَزَوَّجَها على ثوبٍ غيرِ موصوفٍ فلها مهرُ مثلها، ونكاح المتعة والمؤقّت باطل وتزويج العبدِ والأَمةِ بغيرِ إذن مولاهما موقوف، فإن أَجازه المولى جاز، وإن رَدَّه بطل، وكذلك لو زَوَّجَ رَجلٌ امرأةً بغيرِ رضاها، أو رَجلاً بغير ِ رضاه ويجوز لابن العمّ أن يزوِّج ابنة عمّه من نفسه وإذا أذنت المرأةُ لرجل أن يزوِّجَها من نفسه فعقد بحضرة شاهدين جاز وإذا ضَمِن الوليُّ المهرَ صَحَّ ضمانُه، وللمرأة الخيار في مطالبةِ زوجها أو وليها، وإذا فَرَّقَ القاضي بين الزوجين في النِّكاح الفاسد قبل الدخول فلا مهر لها وكذلك بعد الخلوة، فإن دخل بها فلها مهرُ مثلها، ولا يُزاد على المسمَّى، وعليها العدّة، ويثبت نسب ولدها، ومهر المثل يعتبر بأخواتها وعمّاتها وبنات عمّها، ولا يعتبر بأمّها وخالتها إذا لم تكونا من قبيلتها ويعتبر في مهر المثل أن تتساوى المرأتان في السِّنّ والجمال والمال والعقل والدِّين والبلدِ والعصر ويجوز تزويجُ الأَمة مسلمةً كانت أو كتابيّةً، ولا يجوز أن يتزوَّج أَمةً على حُرّةٍ، ويجوز تزويج الحُرّةِ عليها وللحَرِّ أن يتزوَّج أَربعاً من الحرائرِ والإماء، وليس له أَنْ يَتَزَوَّجَ أَكثرَ من ذلك ولا يتزوَّج العبدُ أَكثر من اثنتين، فإن طَلَّقَ الحُرُّ إحدى الأَربع طلاقاً بائناً لم يكن له أَنْ يَتَزَوَّجَ رابعةً حتى تنقضي عدَّتها، وإذا زَوَّجَ الأَمةَ مولاها ثُمَّ أُعتقت فلها الخيارَ حُرّاً كان زوجُها أو عبداً وكذلك المكاتبة، وإن تزوَّجت أَمةٌ بغير إذن مولاها، ثُمَّ أُعتقت صَحّ النِّكاح ولا خيار لها، وَمَن تزوَّجَ امرأتين في عقدٍ واحدٍ إحداهما لا يَحِلّ له نكاحُها صَحَّ التي يَحِلّ نكاحُها وبطل نكاحُ الأُخرى، وإذا كان بالزوجة عيبٌ فلا خيار لزوجها وإن كان بالزوج جنون أو جُذَام أو برص فلا خيار للمرأة، وقال مُحمَّد: لها الخيار
فإن كان عِنِّيناً أجَّله الحاكمُ حولاً، فإن وَصَلَ إليها وإلا فرَّقَ بينهما إن طلبت المرأة ذلك والفرقة تطليقة بائنة، ولها كمالُ المهر إن كان قد خلا بها وعليها العِدّة، وإن كان مجبوباً فَرَّقَ القاضي بينهما في الحال ولم يؤجِّله، والخَصِيُّ يؤجَّلُ كما يؤجَّلُ العِنِّين وإذا أسلمت المرأة وزوجها كافرٌ عَرض القاضي عليه الإسلام، فإن أَسلم فهي امرأته، وإن أبى الإسلام فرّق بينهما، وكان ذلك طلاقاً بائناً عند أبي حنيفة ومُحمَّد، وقال أبو يوسف: هي فرقةٌ من غير طلاق وإن أَسلم الزَّوجُ وزوجتُه مجوسيّة عُرِضَ عليها الإسلام، فإن أَسْلمت فهي امرأتُه، وإن أَبَت فَرَّقَ القاضي بينهما، فإن كان قد دَخَلَ بها فلها كمال المهر، وإن لم يكن دَخَلَ بها فلا مَهْرَ لها وإذا أسلمت المرأةُ في دارِ الحرب لم تقع الفرقة عليها حتى تحيض ثلاث حيض، فإذا حاضت بانت من زوجها، وإذا أَسْلَم زوجُ الكتابيّة فهما على نكاحِهما، وإذا خَرَجَ أُحدُ الزَّوجين إلينا من دار الحرب مُسلماً وقعت البينونة بينهما، وإن سُبِي أَحدُهما وَقَعَت البينونة بينهما، وإن سُبيا معاً لم تقع البينونة، وإذا خَرَجَت المرأةُ إلينا مُهاجرةً جاز لها أن تتزوَّج ولا عدّة عليها عند أبي حنيفة وقالا: عليها العدّة، وإن كانت حاملاً لم تتزوَّج حتى تضعَ حملها، وإذا ارتدَّ أَحَدُ الزَّوجين عن الإسلامِ وَقَعَت البينونةُ بينهما فرقةً، ولم تكن الفرقة طلاقاً فإن كان الزوجُ هو المرتدّ وقد دخل بها فلها كمال المهر، وإن كان لم يدخل بها فلها نصفُ المهر، وإذا كانت المرأةُ هي المرتدّة قبل الدُّخول بها فلا مهر لها، وإن كانت الردّةُ بعد الدُّخول بها فلها المهر، وإن ارتدّا معاً وأَسلما مَعَاً فهما على نكاحِهما، ولا يجوز أن يتزوَّجَ المرتدُّ مسلمةً ولا كافرةً ولا مُرتدّة وكذلك المرتدةُ لا يتزوّجها مسلمٌ ولا كافرٌ ولا مُرتدّ، وإن كان أحدُ الزَّوجين مسلماً فالولدُ على دِينه، وكذلك إن أَسلمَ أحدُهما وله ولد صغير صار ولدُه مسلماً بإسلامه، فإذا كان أحدُ الأَبَوين كتابياً والآخرُ مجوسياً فالولدُ كتابيّ وإذا تَزَوَّجَ الكافرُ بغيرِ شهودٍ، أو في عدّةِ كافرٍ آخر وذلك في دينهم جائز ثُمَّ أَسلما أُقرّا عليه، وإذا تزوَّجُ المجوسيُّ أُمَّه أو ابنتَه ثمّ أَسلما فُرِّق بينهما، وإن كان للرَّجل امرأتان حُرَّتان فعليه أَن يَعْدِلَ بينهما في القَسْم، بكرين كانتا أو ثيبتين أو إحداهما بكراً والأُخرى ثيباً وإن كانت إحداهُما حُرّة والأُخرى أَمة فللحرّةِ الثلثان من القسم وللأَمةِ الثلث ولا حَقّ لَهُنَّ في القَسَم حال السَّفر، ويُسافر الزَّوجُ بمَن شاء منهنّ، والأَوْلَى أن يَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ، فيُسافرُ بمَن خَرَجَتْ قرعتُها وإذا رضيت إحدى الزوجات بترك قسمها لصاحبتها جاز ولها أن ترجع في ذلك
كتاب الرَّضاع
قليلُ الرَّضاع وكثيرُه سواء إذا حصل في مدّة الرَّضاع تعلَّق به التحريم ومدّة الرّضاع عند أبي حنيفة ثلاثون شهراً وقالا: سنتان، وإذا مضت مدّة الرَّضاع لم يتعلّق بالرضاع تحريم ويَحْرُم من الرَّضاع ما يَحْرُمُ
من النَّسَبِ إلا أُمّ أُخته من الرّضاع فإنَّه يجوز أن يتزوَّجها، ولا يجوز أن يتزوَّج أمَّ أُخته من النَّسب وأُختُ ابنه من الرَّضاع يجوز أن يتزوَّجَها، ولا يجوز أن يتزوَّجَ أُخت ابنه من النَّسب وامرأة ابنه من الرَّضاع لا يجوز أن يتزوّجها، كما لا يجوز أن يتزوج امرأة ابنه من النَّسب، ولبنُ الفحل يتعلَّق به التحريم، وهو أن ترضعَ المرأةُ صبيةً فتحرم هذه الصبيةُ على زوجها، وعلى آبائه وأبنائه، ويصير الزوج الذي نزل منه اللبن أباً للمرضَعة، ويجوز أن يتزوَّجَ الرَّجلُ بأُخت أَخيه من الرَّضاع، كما يجوز أن يتزوَّجَ بأخت أخيه من النَّسب، وذلك مثل الأخ من الأب إذا كان له أخت من الأمّ جاز لأخيه من أبيه أن يتزوَّجها، وكلُّ صبيين إذا اجتمعا على ثدي واحد لم يجز لأحدِهما أَن يتزوَّج الآخر ولا يجوز أن يتزوَّجَ المُرْضَعةَ أحدٌ من ولد التي أَرضعتها ولا ولد ولدها، ولا يجوز أن يتزوَّجَ الصبيُّ المُرْضَعُ أُخت زوج المُرْضِعة، وإذا اختلط اللبنُ بالماء واللبنُ هو الغالبُ تَعَلَّق به التحريم، وإن غلبَه الماءُ لم يتعلَّق به التحريم، وإن اختلط بالطعام لم يتعلَّق به التحريم وإن كان اللبنُ غالباً عند أبي حنيفة وقالا: يَتَعَلَّق به التحريم إذا كان غالباً، وإذا اختلط بالدواء واللبن هو الغالب تعلَّق به التحريم، وإذا حُلِب اللبن من المرأة بعد موتها فأُوجِرَ به الصبيّ تعلَّق به التحريم وإذا اختلط اللبن بلبن الشاة واللبن هو الغالب يتعلَّق به التحريم، وإن غَلب لبن الشاة لم يتعلَّق به التحريم، وإذا اختلط لبن امرأتين تَعَلَّق التحريم بأكثرهما عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال مُحمَّد: يتعلَّقُ بهما، وإذا نزل للبكر لبنٌ فأَرضعت به صَبيّاً تعلَّق به التحريم وإذا نزل للرَّجل لبنٌ فأرضع به صبياً لم يتعلَّق به التحريم، وإذا شرب صبيان من لبن شاة فلا رضاع بينهما وإذا تزوَّجَ الرَّجلُ صغيرةً وكبيرةً فأرضعت الكبيرةُ الصغيرةَ حرمتا على الزّوج، وإن كان لم يدخل بالكبيرةِ فلا مهر لها، وللصغيرة نصفُ المهر، ويرجع به الزَّوج على الكبيرة إن كانت تعمَّدت به الفساد، وإن لم تتعمّد فلا شيء عليها ولا يُقبل في الرَّضاعِ شهادة النِّساءِ مُنفردات، وإنَّما يثبت بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين.
كتاب الطَّلاق
الطلاقُ على ثلاثةِ أوجه: أحسنُ الطلاق، وطلاقُ السنة، وطلاق البدعة فأحسنُ الطّلاق: أن يُطلِّقَ الرَّجلُ امرأتَه تطليقةً واحدةً في طهرٍ لم يجامعها فيه ويتركها حتى تنقضي عدّتها، وطلاقُ السنّة: أن يُطلِّقَ المدخولَ بها ثلاثاً في ثلاثة أطهار، وطلاقُ البدعة: أن يُطلِّقَها ثلاثاً بكلمة واحدة أو ثلاثاً في طهر واحد، فإذا فَعَلَ ذلك وَقَعَ الطلاق، وبانت منه، وكان عاصياً والسنّةُ في الطلاق من وجهين: سنة في الوقت، وسنة في العدد فالسنةُ في العدد تستوي فيها المدخول بها وغير المدخول بها، والسنّة في الوقت تثبت في حَقِّ المدخول بها خاصّة، وهو أن يُطلِّقَها في طهر لم يجامعها فيه، وغير المدخول بها يُطلِّقَها في حال الطهر
والحيض، وإن كانت المرأةُ لا تحيض من صغر أو كبر فأراد أن يُطلِّقها للسنّة طلَّقَها واحدة، فإذا مضى شهر طلَّقَها أُخرى، فإذا مضى شهرٌ آخر طَلَّقَها أُخرى، ويجوز أن يُطلِّقها ولا يفصل بين وطئها وطلاقها بزمان، وطلاقُ الحامل يجوز عقيب الجماع، ويُطلِّقُها للسنّة ثلاثاً، يَفْصِلُ بين كلِّ تطليقتين بشهر عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال مُحمَّد: لا يُطلقها للسنّة إلا واحدة، وإذا طلَّقَ الرَّجلُ امرأتَه في حال الحيض وقع الطلاق ويستحبُّ له أن يراجعَها، فإن طَهُرَت وحاضت وطَهُرَت فهو مُخَيَّرٌ: إن شاء طلَّقَها، وإن شاء أمسكها، ويقع طلاقُ كلِّ زوج إذا كان بالغاً عاقلاً ولا يقع طلاق الصبيّ والمجنون والنائم وإذا تزوَّج العبدُ وطلق امرأته وقع طلاقُه، ولا يقع طلاق مولاه على امرأته، والطّلاقُ على ضربين: صريح، وكناية، فالصريحُ قوله: أنت طالق ومطلّقة وطلّقتك، فهذا يقع به الطلاق الرجعيّ، ولا يقع به إلاّ واحدة وإن نوى أكثر من ذلك، ولا يفتقر إلى النيّة، وقوله: أنت الطلاق، أو أنت طالق الطلاق، أو أنت طالق طلاقاً، فإن لم يكن له نيّة فهي واحدة رجعيّة وإن نوى به ثلاثاً كان ثلاثاً، والضرب الثاني: الكنايات لا يقع بها الطلاق إلا بنية أو دلالة حال، وهي على ضربين: منها: ثلاثة ألفاظ يقع بها الطلاق الرجعي ولا يقع بها إلا واحدة، وهي قوله: اعتدّي، واستبرئي رحمك، وأنت واحدة، وبقيّة الكنايات إذا نوى بها الطلاق كانت واحدة بائنة، وإن نوى بها ثلاثاً كان ثلاثاً، وإن نوى ثنتين كانت واحدة ولا يقع ثنتان، وهذا مثل قوله: أنت بائنٌ، وبتَّةٌ، وبتلةٌ، وحرامٌ، وحبلك على غاربك، والحقي بأهلك، وخلية، وبرية، ووهبتك لأهلك، وسرحتك، وفارقتك، وأنت حرّة، وتقنّعي، واستتري، واغربي، وابتغي الأزواج، فإن لم تكن له نيّة لم يقع بهذه الألفاظ طلاق إلاّ أن يكونا في مذاكرةِ الطّلاق فيقع بها الطّلاقُ في القضاء ولا يقع فيما بينه وبين الله إلاّ أن ينويه، وإن لم يكونا في مذاكرة الطلاق وكانا في غضب أو خصومة وقع الطلاق بكلِّ لفظ لا يقصد به السبّ والشتيمة، ولا يقع بما يقصد به السبّ والشتيمة إلا أن ينويه، وإذا وصف الطلاق بضرب من الزيادة والشدّة، كان بائناً، مثل أن يقول: أنت طالقٌ بائن، أو طالقٌ أشدّ الطلاق، أو أفحش الطلاق، أو طلاق الشيطان، أو البدعة، أو كالجبل، أو ملأ البيت وإذا أَضاف الطلاقَ إلى جملتها، أو إلى ما يُعبَّرُ به عن الجملة، وَقَع الطلاق، مثل أن يقول: أنت طالق، أو رأسك، أو رقبتُك طالق، أو عنقُك، أو بدنُك، أو جسدُك، أو روحُك، أو فرجُك، أو وجهُك وكذلك إذا طلَّقَ جزءاً شائعاً منها، مثل: أن يقول: نصفُك، أو ثلثُك، أو ربعُك طالق، وإن قال: يدُك طالق، أو رجلُك طالق، لم يقع الطلاق، وإن طلَّقَها نصفَ تطليقة، أو ثلثَ تطليقة، كانت طلقة واحدة وطلاق المُكرَه واقع وكذلك طلاقُ السكران. وكذا طلاق اللاعب والهازل ويقع طلاق الأخرس بالإشارة، وإذا أضاف الطلاق إلى النكاح وقع عقيب
النكاح، مثل أن يقول: إن تزوَّجتك فأنت طالق، أو كلُّ امرأة أتزوّجها فهي طالق وإذا أَضافه إلى شرط وقع عقيب الشرط، مثل أن يقول لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، ولا يَصِحُّ إضافة الطلاق، إلاّ أن يكون الحالفُ مالكاً أو يضيفه إلى ملكه حتى لو قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق ثُمَّ تزوَّجها ودخلت الدار لم تطلق وألفاظُ الشرط: إن، وإذا، وإذا ما، وكلّ، وكلّما، ومتى، ومتى ما وفي كلِّ هذه الشروط إذا وُجِد الشرط انحلَّت اليمين، إلاّ في كلَّما فإنَّ الطلاق يتكرَّر بتكرار الشرط حتى يقع ثلاث تطليقات فإذا تزوَّجها بعد ذلك وتكرَّر الشرط لم يقع شيء، وزوال الملك بعد اليمين لا يُبطلها، فإن وُجِد الشرطُ في ملكه انحلت اليمين ووقع الطلاق، وإن وجد في غير ملكه انحلت اليمين ولم يقع شيء، وإن اختلفا في وجود الشرط فالقول للزوج فيه، إلاّ أن تقيمَ المرأةُ البيِّنة، فإن كان الشرط لا يعلم إلا من جهتها فالقولُ قولُها في حقّ نفسها، مثل أن يقول لها: إن حضت فأنت طالق، فقالت: قد حضت طلقت، وإن قال: إن حضت فأنت طالق وفلانة معك، فقالت: قد حضتُ طَلُقَت هي ولم تَطْلُق فلانة وإذا قال لها: إن حضت فأنت طالقٌ، فرأت الدم، لم تطلق حتى يستمرّ الدم ثلاثة أيّام، فإذا تَمَّت ثلاثة أَيّام حكمنا بالطّلاق من حين حاضت، وإن قال لها: إذا حضت حيضةً فأنت طالق لم تَطْلُق حتى تَطْهُر من حيضتها، وطلاق الأَمة تطليقتان، حُرّاً كان زوجُها أو عبداً، وطلاق الحرّة ثلاث حرّاً كان زوجُها أو عبداً وإذا طَلَّقَ الرَّجلُ امرأتَه قبل الدُّخول بها ثلاثاً وَقَعَنَ عليها، فإن فَرَّقَ الطَّلاقَ بانت بالأولى ولم تقع الثانية والثالثة، وإن قال لها: أنت طالقٌ واحدة وواحدة، أو واحدة قبل واحدة، أو واحدة بعدها واحدة، وقعت واحدة وإن قال: واحدة قبلها واحدة، أو بعد واحدة، أو مع واحدة، أو معها واحدة، وقعت ثنتان، وإن قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق واحدة وواحدة، فدخلت الدار، وقعت عليها واحدة عند أبي حنيفة وإذا قال لها: أنت طالق بمكّة فهي طالق، في كّل البلاد، وكذلك إن قال: أنت طالق في الدار، وإن قال لها: أنت طالقٌ إن دخلت مكّة لم تطلق حتى تدخلها، وإن قال لها: أنت طالق غداً وقع الطلاق عليها بطلوع الفجر وإن قال لها: اختاري نفسَك ينوي بذلك الطّلاق، أو قال لها: طلِّقي نفسَك، فلها أَنْ تُطلِّقَ نفسَها ما دامت في مجلسِها ذلك، فإن قامت منه، أو أخذت في عملٍ آخر، خرجَ الأَمر فيه من يدِها وإن اختارت نفسَها في قوله: اختاري، كانت واحدة بائنة، ولا يكون ثلاثاً، وإن نوى الزوجُ ذلك، ولا بُدّ من ذكر النفس في كلامها أو كلامه، وإن طَلَّقت نفسَها في قوله: طلِّقي نفسك فهي واحدة رجعية فإن طلَّقت نفسَها ثلاثاً وقد أراد الزوجُ ذلك وَقَعْنَ عليها، وإن قال لها: طلّقي نفسك متى شئت، فلها أن تطلّق نفسها في المجلس وبعده، وإذا قال لرجل: طلِّق امرأتي فله أن يُطلِّقها في المجلس وبعده، وإن قال: طلّقها إن شئت فله أن
يُطلِّقَها في المجلس خاصّة، وإذا قال لها: إن كنت تحبيني أو تبغضيني، فأنت طالق، وقالت: أنا أُحبُّك أو أُبغضُك، وَقَعَ الطَّلاق، وإن كان في قلبها خلاف ما أَظهرت وإن طَلَّقَ الرَّجلُ امرأتَه في مرضِ موتِهِ طلاقاً بائناً فمات وهي في العدّة ورثت منه وإن مات بعد انقضاء عدّتها فلا ميراث لها وإن قال لامرأته: أنت طالقٌ إن شاء الله تعالى متصلاً، لم يقع الطلاق عليها وإن قال لها: أَنت طالقٌ ثلاثاً إلاّ واحدة طُلِّقَت ثنتين، وإن قال: ثلاثاً إلا ثنتين طلقت واحدة، وإذا قال: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا ثلاثاً وقع ثلاثاً، وإذا ملك الزوجُ امرأته، أو شقصاً منها، أو ملكت المرأةُ زوجها او شقصا منه، وقعت الفرقة بينهما بغير طلاق.
بابُ الرَّجعة:
إذا طلَّقَ الرَّجلُ امرأتَه تطليقةً رجعيّةً أو تطليقتين فله أن يراجعَها في عدّتها، رَضيت بذلك أو لم ترض، والرَّجعةُ أن يقول: راجعتُك، أو راجعتُ امرأتي، أو يطأها، أو يُقبلَها، أو يمسَّها بشهوة، أو ينظرَ إلى فرجها بشهوة ويستحبُّ له أن يُشهد على الرَّجعة شاهدين وإن لم يُشهد صَحّت الرَّجعة، وإذا انقضت العدّة فقال: قد كنتُ راجعتُها في العِدّةِ فصدقتُه فهي رجعةٌ، وإن كَذَّبته فالقولُ قولُها ولا يمين عليها عند أبي حنيفة، وإذا قال الزَّوجُ: قد راجعتُك، فقالت مجيبة: قد انقضت عدّتي لم تصحّ الرَّجعة عند أبي حنيفة، وقالا: صحّت الرَّجعة، والقول قول الزوج، وإذا قال زوج الأَمة بعد انقضاء عدّتها: قد كنت راجعتها في العدّة، فصدَّقه المولى وكذَّبته الأمة فالقول قولُها وإذا انقطع الدَّمُ من الحيضةِ الثالثةِ لعشرةِ أَيّام انقطعت الرَّجعة وإن لم تغتسل، وإن انقطعَ لأقلّ من عشرةِ أَيّام لم تنقطع الرَّجعة حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة، أو تتيمَّم وتُصلِّي عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند مُحمَّد: إذا تيمَّمت انقطعت الرَّجعة وإن لم تُصلّ، وإذا اغتسلت ونسيت شيئاً من بدنها لم يصبه الماء، فإن كان عضواً فما فوقه لم تنقطع الرَّجعة، وإن كان أقلّ من ذلك انقطعت، والمطلّقةُ الرَّجعيّةُ تتشوَّفُ وتتزيَّنُ ويُسْتَحَبُّ لزوجِها أن لا يَدْخُلَ عليها حتى يستأذنَها أو يُسمعَها خَفق نعليه، والطَّلاقُ الرَّجعيُّ لا يُحَرِّمُ الوطء، وإذا كان الطَّلاقُ بائناً دون الثّلاث فله أن يتزوَّجها في عدّتها، وبعد انقضاء عدَّتها برضائها، وإذا كان الطلاقُ ثلاثاً في الحرّة، أو ثنتين في الأَمة لم تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيرَه نكاحاً صحيحاً ويدخل بها ثم يطلقها أو يموت عنها، والصَّبيُّ المراهق في التَّحليلِ كالبالغِ ووطء المولى لا يحلّلها، وإذا تزوج بها بشرط التَّحليل فالنَّكاحُ مكروه، فإن وطئها حَلَّت للأوّل وإذا طَلَّقَ الرَّجلُ الحُرّةَ تطليقةً أو تطليقتين وانقضت عدّتها وتزوَّجت بزوجٍ آخر، ثُمَّ عادت إلى الأوّل عادت بثلاث تطليقات، ويهدم الزوج الثاني ما دون الثلاث كما يهدم الثلاث، وقال مُحمَّد: لا يهدم ما دون الثّلاث، وإذا طَلَّقها ثلاثاً، فقالت: قد انقضت عدّتي وتزوَّجت ودَخَلَ بي الزوج.
باب الإيلاء:
إذا قال الرَّجلُ لامرأته: واللهُ لا أَقربك، أو قال: لا أقربُك أربعة أشهر، فهو مولٍ فإن وطئها في الأَربعةِ الأشهرِ حَنِثَ في يمينِهِ ولزمته الكفّارة وسقط الإيلاء، وإن لم يقربها حتى مضت أربعة أشهر بانت منه بتطليقة فإن كان حلف على أربعةِ أشهرٍ فقد سقطت اليمين، وإن كان حلفَ على الأبد فاليمين باقية، فإن عاد فتزوَّجها عاد الإيلاء، فإن وطئها كَفَّر وإلاّ وَقَعَتْ بمضي أربعة أَشهر تطليقةً أُخرى فإن تزوَّجها عاد الإيلاء ووقعت بمضي أربعة أشهر تطليقة أُخرى، فإن تزوَّجها بعد زوجٍ آخر لم يقع بذلك الإيلاء طلاق، واليمينُ باقيةٌ، فإن وَطِئها كَفَّرَ عن يمينِه، وإن حلفَ على أَقلّ من أربعةِ أَشهر لم يكن مولياً، وإن حَلَفَ بحَجٍّ أو بصومٍ أو صدقةٍ أو عتقٍ أو طلاقٍ فهو مولٍ وإن آلى من المُطلَّقة الرجعيّة كان مولياً، وإن آلى من البائنة لم يكون مولياً، ومدةُ إيلاءِ الأَمةِ شهران، وإن كان المُولي مَريضاً لا يَقْدِرُ على الجماع، أو كانت المرأةُ مريضةً، أو كانت بينهما مسافة لا يَقْدِرُ أَن يَصِل إليها في مُدّة الإيلاء، ِ ففيؤه أَن يقول بلسانه: قد فئت إليها، فإن قال ذلك سَقَطَ الإيلاء وإن صَحَّ في المدّة بطل ذلك الفيء وصار فيؤه بالجماع، وإذا قال لامرأته: أنت عليَّ حرام، سُئل عن نيّته، فإن قال: أَردت الكذب، فهو كما قال، وإن قال: أردت الطلاق فهي تطليقة بائنة إلا أن ينوي الثلاث وإن قال: أَردت الظهار فهو ظهار، وإن قال: أردت به التحريم، أو لم أرد به شيئاً، فهو يمينٌ يصير بها مولياً.
بابُ الخُلع:
إذا تشاقّ الزَّوجان وخافا أن لا يقيما حدودَ الله فلا بأس أن تفتدي المرأةُ نفسَها بمال يخلعها به، فإذا فعل ذلك وقع بالخلع تطليقةٌ بائنة ولزمها المال وإن كان النّشوزُ من قِبَلِهِ كرهنا له أن يأخذ منها عوضاً وإن كان النُّشوزُ من قِبَلِها كرهنا له أن يأخذ منها أكثر ممّا أعطاها فإن فعل ذلك جاز في القضاء فإن طَلَّقَها على مالٍ فقَبِلَت وقعَ الطّلاقُ ولزمها المال وكان الطلاق بائناً، وإن بَطَلَ العوضُ في الخلع، مثل أن يخالعَ المرأةَ المسلمةَ على خمرٍ أو خنزيرٍ، فلا شيء للزوج والفرقة بائنة، وإن بطل العوض في الطلاق كان رجعياً، وما جاز أن يكون مهراً في النكاح جاز أن يكون بدلاً في الخلع فإن قالت له: خالعني على ما في يدي، فخالعها فلم يكن في يدها شيء، فلا شيء له عليها وإن قالت: على ما في يدي من مال، فخالعها ولم يكن في يدِها شيءٌ، رَدَّت عليه مهرَها، وإن قالت: على ما في يدي من دراهم، فخالعها ولم يكن في يدِها شيء، فعليها ثلاثة دراهم، وإن قالت: طلقني ثلاثاً بألف، فطلَّقها واحدةً، فعليها ثلث الألف وإن قالت: طلقني ثلاثاً على ألف، فطلّقها واحدة فلا شيء عليها عند أبي حنيفة، ولو قال لها الزوج: طلِّقي نفسَك ثلاثاً
بألف، أو على ألف، فطلّقت نفسها واحدة لم يقع عليها شيء، والمبارأة كالخلع والخلع والمبارأة يسقطان كلَّ حقٍّ لكلِّ واحد من الزوجين على الآخر ممّا يتعلَّق بالنِّكاح عند أبي حنيفة.
بابُ الظِّهار:
إذا قال الزَّوجُ لامرأته: أنت عليّ كظهر أمّي فقد حَرُمَت عليه لا يَحِلُّ له وطؤها ولا لمسُها ولا تقبيلُها حتى يُكَفِّر عن ظهاره فإن وطئها قبل أَن يُكَفِّرَ استغفر الله ولا شيء عليه غير الكفّارة الأولى، ولا يعاودها حتى يُكَفِّر، والعودُ الذي تجب به الكفّارة: أن يَعْزِمَ على وطئها وإن قال: أنت عَلَيَّ كبطنِ أُمي، أَو كفخذِها، أو كفرجِها، فهو مُظاهر، وكذلك إن شبهها بمَن لا يَحِلّ له النَّظر إليها على التأَبيد من محارمه مثل: أُخته أو عَمّته أو أُمّه من الرَّضاعة، وكذلك إن قال: رأسُك عَلَيَّ كظهر أُمي، أو فرجُك، أو وَجْهُك، أو رَقَبتُك، أو نصفُك، أو ثلثُك، وإن قال: أنت عَلَيَّ مثل أُمي، رجع إلى النيّة، فإن قال: أردت به الكرامة فهو كما قال، وإن قال: أَردت الظِّهار، فهو ظهار، وإن قال: أَردت الطَّلاق، فهو طلاقٌ بائن، وإن لم تكن له نيّة فلا شيء منها، ولا يكون الظِّهار إلاّ من زوجتِه، فإن ظاهرَ من أَمته لم يكن مُظاهراً ومَن قال لنسائه: أَنتُنّ عليَّ كظهر أُمي، كان مُظاهراً من جماعتهنّ، وعليه لكلِّ واحدةٍ منهنّ كفّارة، وكفّارة الظِّهار: عتق رقبة، فإن لم يَجِد، فصيامُ شهرين متتابعين، فإن لم يستطع، فإطعام ستين مسكيناً كل ذلك قبل المسيس، ويُجزئ في ذلك عتق الرَّقبة الكافرة والمسلمة، والذكر والأنثى، والصغير والكبير، ولا تجزئ العمياء ولا المقطوعة اليدين ولا الرَّجلين، ويجوز الأصم والمقطوع إحدى اليدين وإحدى الرِّجلين من خلاف، ولا يجوز مقطوع الإبهام من اليدين ولا المجنون الذي لا يعقل ولا يجوز عتق المُدبَّر وأُمّ الولد والمكاتَب الذي أَدّى بعضَ المال، فإن أَعْتَقَ مكاتباً لم يؤد شيئاً جاز، وإن اشترى أباه أو ابنَه ينوي بالشراء الكفّارة جاز عنها وإن أعتقَ نصفَ عبد مشترك من كفّارته، فضَمِن قيمة باقيه فأعتقه لم يجز عند أبي حنيفة، وإن أعتقَ نصفَ عبده عن كَفَّارة، ثمّ أَعتق باقيه جاز وإن أعتقَ نصف عبده عن كفّارته، ثُمَّ جامع التي ظاهر منها، ثُمَّ أَعتق باقيه لم يجز عند أبي حنيفة، وإذا لم يَجِدْ المُظاهرُ ما يُعْتِقُ، فكفّارتُه صوم شهرين متتابعين ليس فيهما شهر رمضان، ولا يوم الفطر، ولا يوم النّحر، ولا أَيّام التّشريق فإن جامع التي ظاهر منها في خلال الشهرين ليلاً عامداً أو نهاراً ناسياً استأنف الصَّوم وإن أَفطر يوماً منهما بعذرٍ أو بغيرِ عذر استأنف، وإذا ظاهر العبدُ لم يجزه في الكفّارة إلا الصَّوم، فإن أَعتق المولى عنه أو أَطعم لم يجز، وإذا لم يستطع المظاهر الصيامَ أطعم ستين مسكيناً لكل مسكين نصف صاع من بُرّ، أو صاع من تمر، أو صاع من شعير، أو قيمة ذلك، فإن غدَّاهم وعشَّاهم جاز قليلاً كان ما أكلوا أو كثيراً، وإن أَعطى مسكيناً واحداً ستين يوماً أجزأه وإن أَعطاه
في يوم واحد لم يجزه إلاّ عن يومه، وإن قَرُبَ التي ظاهر منها في خلال الإطعام لم يستأنف، ومَن وَجَبَ عليه كفارتا ظهار فأَعتق رقبتين لا ينوي عن أَحدِهما بعينِها جاز عنهما، وإن صام أربعة أشهر أو أَطعم مئةً وعشرين مسكيناً جاز عنهما وان اعتق رقبة واحدة أو صام شهرين كان له ان يجعل ذلك عن غيرهما شاء.
بابُ اللعان:
إذا قَذَفَ الرَّجلُ امرأتَه بالزِّنا وهما من أَهل الشَّهادة والمرأةُ ممّن يُحَدُّ قاذفُها، أو نَفَى نَسَبَ ولدها، وطالبته بموجب القَذْف، فعليه اللعان فإن امتنع منه حبسَه الحاكمُ حتى يُلاعن أو يُكَذِّبَ نفسَه فيحدّ، فإن لاعن الزوجُ وجبَ عليها اللعان، فإن امتنعت حبسَها الحاكمُ حتى تلاعن أو تُصدِّقَه، وإن كان الزوجُ عبداً أو كافراً أو مَحدوداً في قذفٍ فقَذَف امرأتَه فعليه الحدّ وإن كان من أَهل الشَّهادة، وهي أَمةٌ أو كافرةٌ أو مَحدودةٌ في قذفٍ أو كانت ممَّن لا يُحَدُّ قاذفُها فلا حَدّ عليه في قذفِهِ ولا لعان، وصفةُ اللِّعان: أن يبتدئ القاضي بالزَّوج، فيشهد أربع مَرَّات يقول في كلّ مَرَّة: أشهدُ بالله أنِّي لمَن الصادقين فيما رميتها به من الزِّنا، ثُمَّ يقول في الخامسةِ: أنَّ لعنةَ الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رميتها به من الزِّنا، يشير إليها في جميع ذلك، ثُمَّ تشهد المرأة أربعة مَرّات وتقول في كلّ مرّة: أَشهد بالله أنَّه لَمِن الكاذبين فيما رَماني به من الزِّنا، وتقول في الخامسة: إن غَضَبَ الله عليها إن كان من الصَّادقين فيما رَماها به من الزِّنا، فإذا تلاعنا فَرَّقَ القاضي بينهما وكانت الفرقةُ تطليقةً بائنةً عند أبي حنيفة ومُحمَّد، وقال أبو يوسف: تحريم مؤبّد وإن كان القذفُ بولدٍ نفى القاضي نسبَه منه وأَلحقه بأُمِّه فإن عاد الزوج فأكذب نفسه حَدَّه القاضي، وحَلّ له أن يتزوَّجَها، وكذلك إن قَذَفَ غيرَها فحُدَّ، أو زنت فحُدَّت، وإذا قذف امرأته وهي صغيرةٌ أو مجنونةٌ فلا لعان بينهما، وقذفُ الأَخرس لا يَتَعلَّقُ به اللِّعان وإذا قال الزّوج: ليس حملك منّي فلا لعان وإن قال: زنيتِ وهذا الحملُ من الزِّنا تلاعنا ولم ينفِ القاضي الحمل، وإذا نَفَى الرَّجلُ ولدَ امرأته عقيبِ الولادة، أو في الحالِ التي تقبل التهنئة، أو تبتاع له آلة الولادة صَحَّ نفيه ولاعن به، وإن نفاه بعد ذلك ثبت نسبُه، وقالا: صحّ نفيه في مدّة النفاس، وإذا ولدت ولدين في بطن واحد، فنفى الأوّل، واعترف بالثاني، ثَبَتَ نسبُهما وحُدَّ الزوجُ ولا لعان، وإن اعترف بالأوّل ونفى الثاني، ثبت نسبهما ولاعن به
كتابُ العدّة
إذا طَلَّقَ الرَّجلُ امرأتَه طلاقاً بائناً أو رَجعياً، أو وَقَعَت الفُرقة بينهما بغير طلاق، وهي حُرّةٌ ممَّن تحيض، فعدَّتها ثلاثةُ أَقْرَاء، والأقراءُ: الحيض وإن كانت لا تحيض من صغر أو كبر فعدّتُها ثلاثةُ أَشهر وإن
كانت حاملاً فعدّتُها أن تضعَ حملَها، وإن كانت أَمةً فعدّتُها حيضتان، وإن كانت لا تحيض فعدّتُها شهرٌ ونصف، وإذا مات الرَّجلُ عن امرأته الحرّة فعدّتها أربعة أشهر وعشرة أيّام وإن كانت أَمةً فعدّتُها شهران وخمسةَ أيّام، وإن كانت حاملاً فعدّتُها أن تضعَ حملَها، وإذا وَرِثَت المُطلّقة في المرض فعدّتُها أَبعد الأَجلين فإن أُعتقت الأَمةُ في عدّتها من طلاقٍ رجعيّ انتقلت عدّتها إلى عدّة الحرائر، وإن أُعْتِقَت وهي مبتوتة أو متوفّى عنها زوجُها لم تنتقل عدّتها وإن كان آيسة فاعتدت بالشُّهور، ثُمَّ رأت الدم انتقض ما مضى من عدّتها، وكان عليها أن تستأنفَ العدّةَ بالحيض والمنكوحةُ نكاحاً فاسداً، والموطوءة بشبهة، عدّتُها الحيضُ في الفرقة والموت، وإذا مات مولى أُمّ الولد عنها، أو أَعتقها، فعدّتها ثلاثُ حِيض، وإذا مات الصغيرُ عن امرأته وبها حبل فعدّتُها أن تضعَ حملَها وإن حَدَثَ الحملُ بعد الموت فعدَّتها أَربعة أَشهر وعشراً، وإذا طَلَّقَ الرَّجلُ امرأتَه في حال الحيض لم تعتدَّ بالحيضة التي وقع فيها الطلاق وإذا وُطِئت المعتدّةُ بشبهةٍ فعليها عدّة أُخرى، وتداخلت العدّتان فيكون ما تراه من الحيض محتسباً به منهما جميعاً، وإذا انقضت العدّة من الأوّل ولم تكمل الثانية فإنَّ عليها إتمام عدّة الثاني، وابتداءُ العدّة في الطّلاقِ عقيبِ الطّلاق، وفي الوفاةِ عقيبِ الوَفاة فإن لم تَعْلَم بالطّلاق والوفاة حتى مَضَت العدّة فقد انقضت عدّتها، والعدّةُ في النِّكاح الفاسد عقيب التفريق بينهما، أو عزم الواطء على ترك وطئها وعلى المبتوتةِ والمتوفَّى عنها زوجُها إذا كانت بالغة مسلمة الإحداد، وذلك بتركِ الطيب والزينة والدهن والكحل إلا من عذر ولا تختضب بالحناء، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً بعصفر ولا زعفران، ولا إحداد على كافرة ولا صغيرة، وعلى الأَمةِ الإحداد، وليس في عدّةِ النِّكاحِ الفاسدِ، ولا في عدّةِ أُمّ الولد إحداد ولا ينبغي أن تُخطب المعتدّة ولا بأس بالتَّعريض في الخطبة ولا يجوزُ للمُطلّقة الرَّجْعيّة والمبتوتة الخروجُ من بيتِها ليلاً ولا نَهاراً والمتوفَّى عنها زوجُها تخرج نهاراً وبعض الليل ولا تبيت في غير منزلها، وعلى المعتدّةِ أن تَعْتَدَّ في المنزلِ الذي يُضاف إليها بالسُّكنى حالَ وُقوع الفرقة وإن كان نصيبُها من دارِ الميتِ لا يكفيها، وأَخرجَها الورثةُ من نصيبهم، انتقلت إلى دارٍ أُخرى، ولا يجوز أن يُسافرَ الزوجُ بالمطلّقة الرَّجعيّة وإذا طَلَّقَ الرَّجلُ امرأتَه طلاقاً بائناً، ثُمَّ تزوَّجها في عدّتها وطلَّقها قبل الدخول بها فعليه مهرٌ كامل وعليها عدّة مستقبلة، وقال مُحمَّد: ولها نصف المهر وعليها إتمام العدّة الأولى.
باب ثبوت النسب:
ويثبتُ نسب ولد المطلّقةِ الرَّجعيّة إذا جاءت به لسنتين أو أكثر ما لم تقرّ بانقضاء عدّتها، فإن جاءت به لأقلَّ من سنتين بانت منه، وإن جاءت به لأكثر من سنتين ثَبَتَ نسبُه وكانت رجعةً، والمبتوتةُ يَثْبُتُ نسبُ ولدها إذا جاءت به لأقلّ من سنتين، فإذا جاءت به لتمام سنتين من يوم الفرقة لم يثبت نسبُه إلاّ أن
يدّعيه ويثبت نسبُ ولد المتوفّى عنها زوجها ما بين الوفاة وبين سنتين، وإذا اعترفت المعتدّة بانقضاء عدّتها، ثُمَّ جاءت بولد لأقلّ من ستّة أشهر من وقت الإقرار، يثبت نسبه، وإن جاءت به لستّة أشهر لم يثبت نسبُه وإذا ولدت المعتدّة ولداً لم يثبت نسبه عند أبي حنيفة إلا أن يشهدَ بولادتها رجلان أو رجلٌ وامرأتان، إلاّ أن يكون هناك حبلٌ ظاهر، أو اعترافٌ من قبل الزوج، فيثبت النَّسبُ بغير شهادة وقالا: يثبت في الجميع بشهادة امرأة واحدة، وإذا تزوَّج امرأةً فجاءت بولد لأقلّ من ستّة أشهر منذ يوم تزوَّجها لم يثبت نسبه، وإن جاءت به لستّة أشهر فصاعداً ثبت نسبُه إن اعترف به الزوج أو سكت فإن جَحَد الولادة يثبت بشهادة امرأة واحدة تشهد بالولادة، وأكثرُ مدّة الحمل سنتان وأَقلُّه ستّة أَشهر، وإذا طَلَّقَ الذميُّ الذميّةَ فلا عدّةَ عليها، وقالا: عليها العدّة، وإذا تزوَّجت الحاملُ من الزنا جاز النكاح، ولا يطؤها حتى تضع حملها.
بابُ النفقات:
النفقة واجبةٌ للزوجة على زوجها، مسلمةً كانت أو كافرةً إذا سلَّمت نفسَها في منزله فعليه نفقتُها وكسوتُها وسكناها ويعتبرُ ذلك بحالهما جميعاً، موسراً كان الزوج أو معسراً فإن امتنعت من تسليم نفسها حتى يعطيها مهرها فلها النفقة، وإن نشزت فلا نفقة لها حتى تعود إلى منزله، وإن كانت صغيرةً لا يستمتع بها فلا نفقة لها وإن سُلِّمت إليه، وإن كان الزوجُ صغيراً لا يقدر على الوطء والمرأةُ كبيرةً فلها النفقة من ماله، وإذا طلَّقَ الرَّجلُ امرأتَه فلها النَّفقةُ والسُّكنى في عدّتها رجعياً كان أو بائناً ولا نفقة للمتوفَّى عنها زوجُها وكلُّ فرقة جاءت من قِبَلِ المرأة بمعصيةٍ فلا نفقةَ لها فإن طَلَّقَها ثُمَّ ارتدّت سَقَطَت نفقتُها، وإن مَكَّنَت ابنَ زوجها من نفسِها بعد الطّلاق فلها النفقة، وإن مَكَّنت قبل الطّلاق فلا نفقة لها، وإذا حُبِسَت المرأةُ في دَين، أو غصبها رجلٌ كرهاً فذهب بها، أو حَجَّت مع مَحْرَم فلا نفقة لها وإن مرضت في منزل الزَّوج فلها النَّفقة، وتُفْرَضُ على الزَّوج نفقةُ خادمها إذا كان موسراً ولا تفرض لأكثر من خادمٍ واحد، وعليه أن يسكنَها في دارٍ منفردةٍ ليس فيها أحدٌ من أهله، إلا أن تختارَ ذلك، وإن كان له ولدٌ من غيرها فليس له أن يسكنَه معها وللزوج أن يمنعَ والديها وولدها من غيره وأهلها من الدخول عليها، ولا يمنعهم من النظر إليها وكلامها في أي وقت اختاروا، ومَن أَعسر بنفقةِ امرأتِهِ لم يُفَرِّق بينهما، ويُقال لها: استديني عليه وإذا غاب الرَّجلُ وله مال في يد رجل يعترف به وبالزوجية فَرَضَ القاضي في ذلك المال نفقة زوجة الغائب وولده الصِّغار ووالديه ويأخذ منها كفيلاً بذلك ولا يقضي بنفقةٍ في مالٍ الغائبِ إلا لهؤلاء، وإذا قضى القاضي لها بنفقةِ الإعسار، ثُمَّ أَيسر فخاصمته، تمم لها نفقة الموسر، وإذا مضت مدّة لم ينفق الزَّوجُ عليها فطالبته بذلك فلا شيء لها إلا أن يكون القاضي فَرَضَ لها النفقةَ أو صالَحَت الزوجَ على المقدار،
فيقضي لها بنفقةِ ما مَضَى. وإذا مات الزوج بعدما قُضي عليه بالنفقة ومضت شهور سقطت النفقة، وإن أسلفها نفقة سنة، ثُمَّ ماتت لم يسترجع منها شيء، وقال مُحمَّد: يحتسب لها نفقة ما مضى وما بقي للزوج، وإذا تزوّج العبدُ حرّةً فنفقتُها دينٌ عليه يُباع فيه وإذا تزوَّج الرَّجلُ أَمةً فبوأها مولاها معه منزلاً فعليه نفقتُها، وإن لم يبوئها فلا نفقة لها، ونفقةُ الأولاد الصغار على الأب، لا يشاركه فيها أحد، كما لا يشاركه في نفقة الزوجة أحد وإذا كان الصَّغيرُ رضيعاً فليس على أُمّه أَن ترضعَه ويستأجر له الأَب من ترضعه عندها، وإن استأجرها وهي زوجتُه أو معتدةٌ منه؛ لترضع ولدها لم يجز فإن انقضت عدّتها فاستأجرها على إرضاعه جاز، وإن قال الأب: لا استأجرها، وجاء بغيرها، فرضيت الأم بمثل أجرة الأجنبية، كانت الأمُّ أحقّ به وإن التمست زيادة لم يجبر الزَّوج عليها.
بابُ الحضانة:
وإذا وقعت الفُرقة بين الزّوجين فالأمُّ أَحقُّ بالولد، فإن لم تكن أُمّ فأُمّ الأُمّ أَوْلى من أُمّ الأَب فإن لم تكن فأم الأب أولى من الأخوات، فإن لم تكن له جدّة فالأخوات أولى من العمّات والخالات، وتُقَدَّمُ الأَختُ من الأَبِ والأُمِّ، ثُمَّ الأخت من الأم، ثُمَّ الأخت من الأب، ثُمَّ الخالات أَولى من العَمّات، وينزلنّ كما ينزلن الأخوات ثُمَّ العمّات فينزلن كذلك، وكلّ مَن تزوّجت من هؤلاء سقط حَقُّها، إلاّ الجدّة إذا كان زوجها جدّ، فإن لم تكن للصبيِّ امرأةٌ من أَهله، واختصم فيه الرِّجال، فأَولاهم به أقربُهم تعصيباً والأمُّ والجدّةُ أحقُّ بالغلام حتى يأكلَ وحده، ويشرب وحده، ويلبس وحده، ويستنجى وحده، وبالجارية حتى تحيض ومَن سِوى الأم والجدّة أَحقُّ بالجارية حتى تبلغَ حدّاً تشتهى والأَمةُ إذا أَعْتَقها مولاها وأمّ الولد إذا أُعتقت في الولد كالحرّة، وليس للأَمة وأمّ الولد قبل العتق حَقّ في الولد، والذميةُ أحقّ بولدها المسلم ما لم يعقل الأديان ويُخاف عليه أن يألفَ الكفر، وإذا أرادت المطلّقة أن تخرجَ بولدها من المصر فليس لها ذلك، إلا أن تخرجَه إلى وطنها وقد كان الزوجُ تزوَّجها فيه وعلى الرَّجلِ أن ينفقَ على أَبويه وأَجداده وجَدَّاته إذا كانوا فُقراء، وإن خالفوه في دينه ولا تجب النَّفقة مع اختلاف الدِّين إلا للزَّوجة والوالدين والأجداد والجدّات والولد وولد الولد، فلا تجب مع اختلاف الدِّين إلا لهؤلاء، ولا يشارك الولدَ في نفقة أبويه أحدٌ، والنفقةُ لكلِّ ذي رحم محرم إذا كان صغيراً فقيراً، أو كانت امرأة بالغة فقيرةً، أو كان ذكراً زمناً، أو أَعمى فقيراً، تجب ذلك على قدر الميراث وتجب نفقة الابنة البالغة والابن البالغ الزَّمن على أبويه أثلاثاً: على الأب الثلثان، وعلى الأم الثلث، ولا تجب نفقتُهم مع اختلاف الدِّين، ولا تجب على الفقير، وإذا كان للابن الغائب مالٌ قضي عليه بنفقة أبويه فيه وإذا باع أبوه متاعاً في نفقتِهِ، جاز عند أبي حنيفة،
ولا يبيعُ العقار، وقالا: لا يجوز بيع المتاع أيضاً، وإذا كان للابن الغائب مالٌ في يدِ أَبويه، فأنفقا منه لم يضمنا، وإن كان له مالٌ في يد أجنبيٍّ، فأنفق عليهما بغير إذن القاضي ضمنه وإذا قضى القاضي للوالدين والولد وذوي الأرحام بالنفقة، فمضت مدّةً سقطت إلا بإذن القاضي بالاستدانة عليه، وعلى المولى أن ينفقَ على عبده وأَمته، فإن امتنع من ذلك وكان لهما كسبٌ اكتسبا وأنفقا، وإن لم يكن لهما كسبٌ أُجبر المولى على بيعهما
باب العتاق
العتق يقع من الحرِّ البالغ العاقل في ملكه، وإذا قال لعبده أو أمته: أنت حُرٌّ أو معتق، أو عتيق، أو محرّر، أو قد حرَّرتُك، أو عتقتُك، فقد عُتِق نَوَى المولى العتقَ أو لم ينو وكذلك إذا قال: رأسُك حرّ، أو وجهُك حرٌّ، أو بدنُك حرّ، أو قال لأَمته: فرجُك حُرّ، وإن قال: لا ملك لي عليك ونوى به الحرية، عُتِق، وإن لم ينو لم يُعْتَق، وكذلك كنايات العتق، وإن قال: لا سلطان لي عليك، ونَوَى به العتق لم يُعتق فإن قال: هذا ابني، وثَبَتَ على ذلك عُتِق، وكذلك إن قال: هذا مولاي، وكذا إن قال: يا مولاي، وإن قال: يا ابني، أو يا أخي، لم يُعتق، وإن قال لغلام له ـ لا يولد مثله لمثله ـ: هذا ابني، عُتِق عليه، ولم يثبت نسبُه عند أبي حنيفة، وقالا: لا يعتق، وإذا قال لأَمته: أنت طالقٌ ينوى به الحرية لم تعتق، وكذلك جميع كنايات الطلاق، وإن قال لعبده: أنت مثل الحُرّ لم يُعْتَق، وإن قال: ما أنت إلا حرّ عتق وإذا ملك الرَّجلُ ذا رحم مَحْرَم منه عُتِق عليه، وإذا أَعتق المولى بعضَ عبده عُتِق ذلك البعض وسعى في بقيةِ قيمتِه لمولاه عند أبي حنيفة وقالا: يعتق كلُّه، وإن كان العبدُ بين شريكين، فأَعتق أحدُهما نصيبَه عُتِق، فإن كان المعتقُ موسراً فشريكه بالخيار: إن شاء أعتق، وإن شاء ضَمَّن شريكه قيمة نصيبه، وإن شاء استسعى العبد وإن كان المعتِقُ معسراً فالشريكُ بالخيار: إن شاء أعتق، وإن شاء استسعى، وقالا: ليس له إلا الضمان مع اليسار، أو السعاية مع الإعسار، وإذا اشترى رجلان ابنَ أحدهما عُتِق نصيبُ الأب، ولا ضمان عليه عند أبي حنيفة، وكذلك إذا ورثاه فالشريكُ بالخيار: إن شاء أَعْتَق نصيبه، وإن شاء اسْتَسْعَى العبد وقالا: يضمن الأبُ في الشِّراء نصيبَ شريكه، وإذا شهد كلُّ واحدٍ من الشريكين على نصيب الآخر بالحرية عُتِق كلُّه، ويَسعى العبد لكلِّ واحدٍ منهما في نصيبه، موسرين كانا أو معسرين عند أبي حنيفة وقالا: إن كانا موسرين فلا سعاية عليه، وإن كان معسرين يسعى لهما، وإن كان أحدُهما موسراً والآخرُ معسراً سعى للموسر منهما، وَمَن أَعْتَقَ عبدَه لوجه الله، أو للشيطانِ، أو للصنم عُتِق، وعتقُ المُكره والسكران واقع وإذا أَضاف العتق إلى الملك أَو إلى الشَّرط صَحَّ كما يَصحُّ في الطّلاق، وإذا خَرَجَ عبدٌ من دارِ الحربِ إلينا مُسلماً عُتِق، وإذا أَعتق جارية
حاملاً عتق حملها، وإذا أُعتق الحمل خاصّة عُتق ولم تعتق الأم وإن أَعْتَق عبدَه على مالٍ وقَبِلَ العبدُ عُتِق ولزمه المال، ولو قال: إن أَدَّيت إليَّ أَلفاً فأنت حُرٌّ صَحّ وصار مأذوناً، فإن أحضر المالَ أَجبر الحاكمُ المولى على قبضِه وعتق العبد استحساناً، وولد الأَمة من مولاها حر، وولدها من زوجِها الحرّ مملوك لسيدها وولد الحرة من العبد حر.
باب التدبير:
إذا قال المولى لمملوكه: إذا متّ فأنت حرّ، أو أنت حرّ عن دُبُر منّي، أو أنت مُدَبَّر، أو قد دَبَّرتُك، فقد صار مُدبَّراً، فلا يَجوز بيعُه ولا هبتُه وللمولى أن يستخدمَه ويؤاجرَه، وإن كانت أَمةً فله أَن يَطأها وله أَن يُزوِّجَها، وإذا مات المولى عُتِق المُدَبَّر من ثلثِ ماله إن خَرَجَ من الثُّلث، وإن لم يكن له مال غيره سعى في ثلثي قيمته، وإن كان على المولى دينٌ سعى في جميع قيمته للغرماء، وولدُ المُدَبَّرةِ مُدَبّرٌ وإن علَّق التدبيرَ بموت على صفة، مثل أن يقول: إن متّ من مرضي هذا أو سفري هذا أو من مرض كذا فأنت مُدَبَّر، فليس بمُدَبَّر ويجوز بيعُه، فإن مات المولى على الصفةِ التي ذكرَها عَتَق كما يُعْتَقُ المُدَبَّر المطلق.
باب الاستيلاد:
وإذا وَلَدَت الأَمةُ من مولاها فقد صارت أُمّ ولد لا يجوز بيعُها ولا تمليكها، وله وطؤها واستخدامُها وإجارتُها وتزويجُها، ولا يثبتُ نسبُ ولدِها إلاّ أن يَعْتَرِفَ به المولى، فإن جاءت بعد ذلك بولدٍ يثبتُ نسبُه منه بغيرِ إقرارٍ، فإن نفاه انتفى بقوله ولا لعان بينهما، وإن زوَّجَها فجاءت بولدٍ فهو في حكمِ أُمِّه، وإذا مات المولى عُتِقَت من جميع المال، ولا تلزمُها السعاية للغرماء إن كان على المولى دين، وإذا وطئ رجلٌ أَمةَ غيره بنكاحٍ فولدت منه، ثُمَّ ملكَها صارت أُمَّ ولد له وإذا وطئ الأبُ جارية ابنه، فجاءت بولد فادّعاه ثبت نسبه منه وصارت الجارية أمّ ولد له، وعليه قيمتها وليس عليه عَقرها ولا قيمة ولدها، وإذا وطئ أَبُ الأبِ مع بقاءِ الأبِ لم يثبت النَّسب، فإن كان الأبُ ميتاً ثبت النَّسبُ من الجدّ كما يثبت من الأب، وإذا كانت الجاريةُ بين شريكين فجاءت بولدٍ، فادّعاه أحدُهما ثَبَتَ نسبُه منه وصارت أُمّ ولد له وعليه نصف عَقرها ونصف قيمتها، ولا يدخل العُقر في القيمة، وليس عليه شيء من قيمة ولدها، فإن ادّعياه جميعاً معاً ثبت نسبه منهما وكانت الجاريةُ أمَّ ولد لهما، وعلى كلِّ واحد منهما نصف العَقر قصاصاً بما له على الآخر ويرث الابن من كلِّ واحد منهما ميراث ابن كامل، وهما يرثان منه ميراث أب واحد، وإذا
وطئ المولى جارية مكاتَبه، فجاءت بولد فادّعاه، فإن صدَّقه المكاتب ثَبَتَ نسبه الولد منه وعليه عَقرها وقيمة ولدها، ولا تصير أم ولد له، وإن كذَّبه في النسب لم يثبت.
بابُ المكاتبة:
إذا كاتب المولى عبدَه أو أَمتَه على مال شُرِط عليه، وقَبِلَ العبدُ ذلك صار مكاتباً، ويجوز أن يشترطَ المالَ حالاً ومؤجّلاً أو مُنجماً ويجوز كتابةُ العبدِ الصَّغير إذا كان يعقل الشِّراء والبيع، وإذا صَحَّت الكتابةُ خَرَجَ المكاتبُ من يدِ المولى ولم يَخْرُج من ملكه، فيجوز له البيعُ والشراءُ والسَّفر ولا يجوز له التزوّج إلا بإذن المولى، ولا يَهَبُ ولا يَتَصَدّقُ إلاّ بالشيء اليسير، ولا يتكفَّلُ، فإن وُلِد له وَلَدٌ من أمةٍ له دَخَلَ في كتابتِه وكان حكمُه كحكمِه وكسبه له، فإن زَوَّجَ المولى أَمته من عبدِه، ثُمَّ كاتبهما فولدت منه ولداً أُدخل في كتابتِها وكان كسبُه لها وإن وطئ المولى مكاتبته لزمه العقر، وإن جنى عليها أو على ولدها لزمه أرش الجناية، وإن أَتلف مالاً لها غرمه، وإن اشترى المكاتبُ أباه أو ابنه دخل في كتابته وإن اشترى أمّ ولده مع ولدها دخل ولدها في الكتابة، ولم يجز له بيعها، وإذا اشترى ذا رحم محرم منه لا ولاد له لم يدخل في كتابته عند أبي حنيفة وإذا عجز المكاتَب عن نجمٍ نظر الحاكمُ في ماله، فإن كان له دينٌ يقبضه أو مال يقدّم إليه لم يعجل بتعجيزه وانتظر عليه يومين أو ثلاثة، وإن لم يكن له وجهٌ وطَلَبَ المولى تعجيزَه عَجَّزَه وفَسَخَ الكتابة، وقال أبو يوسف: لا يعجزه حتى يتوالى عليه نجمان، وإذا عَجَزَ المكاتب عاد إلى أحكام الرقّ وكان ما في يده من الأكساب لمولاه، وإن مات المُكاتَبُ وله مال لم تفسخ الكتابة وقضيت كتابته من أكسابه وحكم بعتقِهِ في آخر جزء من أجزاء حياته، فإن لم يترك وفاءً وتَرَكَ ولداً مولوداً في كتابته يسعى في كتابة أبيه على نجومه فإذا أدّاه حَكمنا بعتق أَبيه قبل موته وعتق الولد وإن ترك ولداً مشترى، قيل له: إمّا أن تؤدِّي الكتابة حالاً، وإلاّ رُددّت في الرقّ، وإذا كاتب المسلمُ عبدَه على خمرٍ أو خنزيرٍ أو على قيمةِ نفسه فالكتابة فاسدة، فإن أَدّى الخمر عَتَق ولزمه أن يسعى في قيمته ولا يَنْقُصُ من المُسمَّى ويُزاد عليه، فإن كاتبَه على حيوانٍ غيرِ موصوف فالكتابة جائزة وإن كاتبَ عبديه كتابةً واحدةً بأَلف درهم، إن أَدّيا عتقا، وإن عجزا رُدّا إلى الرّقّ، وإن كاتبَهما على أنَّ كلَّ واحدٍ منهما ضامنٌ على الآخرِ جازت الكتابة وأيّهما أدّى عَتَقا، ويرجع على شريكه بنصف ما أَدّاه، وإذا أَعتق المولى مكاتبَه عَتَق بعتقِه وسَقَطَ عنه مال الكتابة، وإذا مات المولى لم تنفسخ الكتابة، وقيل له: أَدِّ المال إلى ورثة المولى على نجومه، فإن أعتقه أحد الورثة لم ينفذ عتقه، وإن أعتقوه جميعاً عتق وسقط عنه مال الكتابة وإذا كاتب المولى أُمّ ولده جاز، فإن مات المَولى سَقَطَ عنها مال الكتابة، وإن ولدت مكاتبتُه منه فهي بالخيار: إن شاءت مَضَت على الكتابة، وإن شاءت عجَّزَت
نفسَها فصارت أُمّ ولدٍ له وإن كاتب مُدَبَّرته جاز، فإن مات المولى ولا مال له، كانت بالخيار بين أن تسعى في ثلثي قيمتها، أو جميع مال الكتابة، وإذا دَبَّرَ مُكاتبتَه صَحَّ التّدبير ولها الخيار: إن شاءت مضت على كتابتها، وإن شاءت عجَّزَت نفسَها وصارت مُدَبَّرة، وإن مضت على كتابتها فمات المولى ولا مال له، فهي بالخيار: إن شاءت سعت في ثلثي قيمتِها بالتّدبير أو ثلثي مال الكتابة، وإذا أَعْتَقَ المكاتبُ عبدَه على مال لم يجز وإن وَهَبَ على عوضٍ لم يصحّ، وإن كاتَب عبدَه جاز، فإن أدّى الثاني قبل أن يُعتقَ الأَوّل فولاؤه للمُولى، وإن أدّى بعد عتق المكاتب الأوّل فولاؤه له
كتاب الولاء
إذا أَعْتَقَ الرَّجلُ مملوكه فولاؤه له، وكذلك المرأةُ تَعْتِقُ، فإن شَرَطَ أنَّه سائبة فالشرطُ باطل والولاءُ لمَن أعتق وإذا أدَّى المكاتَبُ بدلَ الكتابة عَتَق وولاؤه للمولى، وكذلك إن أدَّى بعد موت المولى عَتَق وولاؤه لبني المولى، وإذا مات المولى عَتَق مُدَبَّرُه وأُمّهات أَولاده وولاؤهم له، ومَن ملك ذا رحم مَحْرَم منه عَتَق عليه وولاؤه له، وإذا تزوَّج عبدُ رجل أَمةً لآخر، فأَعتق مولى الأمة أَمتَه، وهي حاملٌ من العبد عَتَقت وعَتَق حملُها، وولاء الحمل لمولى الأمّ لا ينتقل منه أبداً فإن ولدت بعد عتقها لأكثر من ستَّة أشهر ولداً فولاؤه لمولى الأُمّ، فإن أُعتق الأب العبد جَرّ ولاء ابنه إليه وانتقل من موالي الأم إلى موالي الأب ومَن تزوَّج من العجم بمعتقةٍ من العرب، فولدت له أولاداً فولاءُ ولدها لمواليها، وولاءُ العتاقة تعصيب فإن كان للمعتَق عصبةً من النَّسبِ فهو أَوْلَى منه، فإذا لم يَكُن عصبةً من النَّسب فميراثُه للمعتِق، وإن مات المولى ثُمَّ مات المعتَق فميراثُه لبني المولى دون بناته وليس للنساء من الولاء إلاّ ما أعتقن أو أعتق مَن أعتقن أو كاتبن أو كاتب من كاتبن وإن ترك المولى ابناً وأولاد ابن آخرٍ فميراثُ المعتَق للابن دون بني الابن، والولاءُ للكُبْر وإذا أسلم الرَّجلُ على يدِ رجلٍ ووالاه على أن يرثَه ويَعقلَ عنه، أو أَسلم على يدِ غيرِه ووالاه، فالولاءُ صحيح، وعقلُه على مولاه، فإن مات ولا وارث له غيره فميراثُه للمولى فإن كان له وارث فهو أولى منه، وللمولى أن ينتقلَ عنه بولائه إلى غيره ما لم يعقل عنه، فإذا عقل عنه لم يكن له أن يتحوّل بولائه إلى غيره، وليس لمولى العتاقة أن يوالي أحداً
كتابُ الجنايات
القتل على خمسةِ أوجه: عمد، وشبه عمد، وخطأ، وما أُجري مجرى الخطأ، والقتل بسبب، فالعمد: ما تعمّد ضربه بسلاح، أو ما أجرى مجرى السَّلاح في تفريق الأجزاء: كالمحدَّدِ من الخشبِ، والحجرِ والنّار
وموجب ذلك المأثم والقَوَد إلاّ أن يعفو الأولياء ولا كفّارة فيه وشبه العمد عند أبي حنيفة: أن يتعمّدَ الضربَ بما ليس بسلاح ولا ما أُجري مجرى السِّلاح، وقالا: إذا ضربه بحجرٍ عظيم أو خشبةٍ عظيمة فهو عمد، وشبة العمد عندهما: أن يتعمَّدَ ضربَه بما لا يُقْتَلُ به غالباً وموجب ذلك على القولين المأثم والكَفّارة ولا قَوَد فيه، وفيه دية مغلظة على العاقلة، والخطأ على ضربين: خطأ في القصد: وهو أن يرمى شخصاً يظنُّه صيداً، فإذا هو آدمي، وخطأ في الفعل: وهو أن يرمي غرضاً فيصيب آدمياً وموجب ذلك الكفّارةَ والديةَ على العاقلة، ولا مأثم فيه، وما أُجري مجرى الخطأ، مثل: النّائمُ ينقلب على رجلٍ فيقتله، فحكمُه كحكم الخطأ وأمّا القتلُ بسبب: كحافر البئر، وواضع الحجر في غير ملكه وموجبه: إذا تلف به آدميٌّ الدية على العاقلة، ولا كفّارة فيه، والقصاصُ واجبٌ بقتل كلِّ محقون الدّم على التأبيدِ إذا قُتِل عَمداً، ويقتل الحُرُّ بالحُرِّ، والحُرُّ بالعبدِ، والعبدُ بالعبد والمُسْلِمُ بالذِّميِّ، ولا يُقتلُ المسلمُ بالمستأمن، ويُقتلُ الرَّجلُ بالمرأة، والكبيرُ بالصغير، والصحيحُ بالأعمى والزَّمِن، ولا يُقتل الرَّجلُ بابنه ولا بعبده، ولا مُدَبَّره، ولا مكاتَبه، ولا بعبد ولده، ومَن وَرِث قصاصاً على أَبيه سقط ولا يستوفى القصاص إلا بالسّيف، وإذا قُتِل المكاتَب عمداً ولا وارث له إلاّ المولى فله القصاص فإن ترك وفاءً ووارثاً غيرَ المولى فلا قصاص لهم وإن اجتمعوا مع المولى، وإذا قُتِل عبدُ الرهن لا يجب القصاص حتى يجتمع الراهن والمُرتَهن، ومَن جرح رجلاً عمداً فلم يزل صاحبَ فراش حتى مات فعليه القصاص ومَن قطع يد رجل عمداً من المفصل قُطِعَت يدُه، وكذلك الرِّجلُ ومارنُ الأنف والأُذن، ومَن ضَرَبَ عينَ رجل فقلعها فلا قصاص عليه، وإن كانت قائمةً وذهب ضوؤها فعليه القصاص، تحمى له المرآة ويُجعل على وجهِهِ قطنٌ رَطِب وتُقابلُ عينُه بالمرآة حتى يذهبَ ضوؤها وفي السِّن القصاص، وفي كلِّ شَجّةٍ يُمْكِنُ فيها المماثلة القصاص، ولا قصاص في عظم إلاّ في السِّن وليس فيما دون النَّفس شبه عمد وإنَّما هو عَمْدٌ أو خطأ، ولا قصاص بين الرَّجلِ والمرأةِ فيما دون النَّفس، ولا بين الحُرِّ والعبد، ولا بين العبدين، ويجب القصاص في الأطراف بين المسلم والكافر ومَن قطع يد رجل من نصف السَّاعد، أو جرح جائفة فبرئ منها، فلا قصاص عليه وعليه الدية في ماله دون العاقلة، وكذلك كلّ جناية سقط فيها القصاص بشبهة، وإذا كانت يدُ المقطوع صحيحة ويد القاطع شلاء أو ناقصة الأصابع فالمقطوع بالخيار: إن شاء قطع اليد المعيبة ولا شيء له غيرها، وإن شاء أخذ الأرش كاملاً، ومَن شَجَّ رجلاً فاستوعبت الشجّةَ ما بين قرنيه، وهي لا تستوعب ما بين قرني الشاج، فالمشجوجُ بالخيار: إن شاء اقتصّ بمقدارِ شجّة، فيبتدئ بها من أي الجانبين شاء، وإن شاء أَخَذَ الأَرش ولا قصاص في اللِّسان ولا في الذَّكر إلا أن يقطع الحَشَفة، وإذا اصطلح القاتلُ وأولياءُ المقتول على مال سقط القصاص
ووجب المال قليلاً كان أو كثيراً وإذا عفا أَحد الشُّركاء من الدم، أو صالح من نصيبه على عوض، سَقَطَ حَقّ الباقين من القِصاص، وكان لهم نصيبُهم من الدية وإذا قتل جماعةٌ واحداً اقتصَّ من جميعِهم إذا كان عَمداً، وإذا قتل واحدٌ جماعةً فحَضَرَ أَولياءُ المقتولين قُتِل بجماعتِهم ولا شيء لهم غير ذلك، فإن حَضَرَ واحدٌ فقتل به سقط حقّ الباقين ومَن وَجَبَ عليه القصاص فمات سَقَطَ القصاص، وإذا قَطَعَ رجلان يد رجل فلا قصاص على واحدٍ منهما وعليهما نصف الدية، وإن قَطَعَ واحدٌ يميني رجلين فحضرا فلهما أن يقطعا يدَه ويأخذا منه نصف الدية يقتسمانها نصفين وإن حَضَرَ واحدٌ منهما فقطع يدَه فللآخر عليه نصف الدية، وإذا أَقَرّ العبدُ بقتلِ العمدِ لزمه القَوَد ومَن رَمَى رجلاً عمداً فنَفَذَ السهم منه إلى آخر فماتا فعليه القصاص للأول والدية للثاني على عاقلته.
كتابُ الدِّيات
إذا قتل رجلٌ رجلاً شبه عمد فعلى عاقلتِه ديةٌ مغلَّظة وعليه كَفّارة، وديةُ شبه العمدِ عند أبي حنيفة وأبي يوسف: مئةٌ من الإبل أرباعاً: خمسٌ وعشرون بنتُ مخاض، وخمسٌ وعشرون بنتُ لبون، وخمس وعشرون حِقّة، وخمسٌ وعشرون جذعة ولا يثبت التغليظ إلاّ في الإبل خاصّة، فإن قضى بالديةِ من غيرِ الإبلِ لم تتغلَّظ وقتل الخطأ يَجِبُ به الديةُ على العاقلةِ والكفّارة على القاتل، والدِّيَةُ في الخطأ مئة من الإبل أَخماساً: عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقّة، وعشرون جذعة ومن العينِ ألفُ دينار، ومن الورقِ عشرةُ آلاف دِرهم ولا تثبت الدِّيَة إلاّ من هذه الأنواع الثلاثة عند أبي حنيفة وقالا: من البقرِ مئتا بقرة، ومن الغنمِ ألفا شاة، ومن الحللِ مئتا حُلّة، وكلُّ حُلّة ثوبان وديةُ المسلمِ والذميِّ سواء وفي النفسِ الدِّيَة، وفي المارن الدِّيَة، وفي اللسان الدِّيَة وفي الذَّكَر الدِّيَة، وفي العقل إذا ضرب رأسَه فذهب عقله الدِّيَة، وفي اللحية إذا حُلِقت فلم تنبت الدِّيَة وفي شعر الرأس الدِّيَة، وفي الحاجبين الدِّيَة، وفي العينين الدِّيَة، وفي اليدين الدِّيَة، وفي الرِّجلين الدِّيَة، وفي الأذنين الدِّيَة، وفي الشَّفتين الدِّيَة، وفي الأنثيين الدِّيَة، وفي ثديي المرأة الدِّيَة وفي كلِّ واحد من هذه الأَشياء نصف الدِّيَة، وفي أَشفار العينين الدِّيَة، وفي أحدها ربع الدِّيَة، وفي كلِّ أُصبع من أَصابع اليدين والرِّجلين عشر الدِّيَة والأَصابعُ كلُّها سواء، وكلُّ أُصبع فيها ثلاثةُ مفاصل ففي أَحدها ثلثُ دية الأُصبع، وما فيها مفصلان ففي أَحدها نصف دية الأُصبع، وفي كلِّ سنٍّ خمسٌ من الإبل، والأَسنان والأَضراس كلُّها سواء ومَن ضَرَبَ عضواً فأذهب منفعتَه ففيه دية كاملةكما لو قطعه: كاليد إذا شلّت، والعينُ إذا ذهب ضوؤها، والشجاج عشرة: الحارصة، ثُمَّ الدامعة، ثُمَّ الدامية ثُمَّ الباضعة ثُمَّ المتلاحمة ثُمَّ السِّمْحاق ثُمَّ المُوضِحة ثُمَّ الهاشمة ثُمَّ المُنَقِّلَة