الجزء 1 · صفحة 7
حدق العيون شرح مختصر القدوري
للعلامة عبد الله بن حسين بن حسن بن حامد الحنفي
توفي بحدود سنة (900هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
حدق العيون شرح مختصر القدوري
الجزء 1 · صفحة 10
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد لله على عواطف كرمه، وسوابغ نِعَمِهِ، والصلاة على بشير رحمته، ونذير نقمته، محمد أمين وحيه، وخاتم رُسُلِهِ، الذي أرسله وأعلام الهدى دارسة، ومناهج الدين طامسة، فرفع الحق وأشاد، وقمع الباطل وأباد، وأظهر الإسلام وأفاد، وشَرَعَ الأحكام كما أراد، وعلى آله وأصحابه الذين أزاحوا من الأرض الفساد.
وبعد؛
فإنَّ علم الفقه مما لا يخفى جلالة قَدْرِهِ، ونباهة ذكره؛ إذ هو الكاشف عن حقيقة الإسلام، والمطلع على حكم الأحكام، وقد صنف فيه ما صنف من الكتب الوافرة، والزبر الفاخرة، ولما كان مختصر القدوري من بينها كتاباً شريفاً، ومختصراً لطيفاً، شرحته شرحاً بين الإطناب الممل، والإقلال المحل [تحريضاً] للراغبين، وتسهيلاً للحفظ على الطالبين، وما فعلته إلا لجميل الذكر، وجزيل الأجر، وسميته بـ حَدَقُ العُيون»، وكان ذلك في نوبة السلطان الأعظم، مالك رقاب الأمم، الملك المنصور سيف الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، سيد الملوك والسلاطين، قامع الكفرة والمتمردين، أبو الفتح بايزيد بن محمد 4 الغازي في سبيل الله تعالى، لإعلاء كلمة الله، أيده الله بنصره العزيز على أعاديه وقَصَمَ بفتحه المُبين ظهور مُعاديه، وهو الباذل نفسه الشريفة لإحياء الأحكام الشرعية، حيثُ أَمَرَ في المدارس بِدَرْسِ الكُتب الفقهية، بعدما كانت الهمم قاصرة، والرغبات فاترة، حَرَسَهُ الله عن الليالي والأيام، ما تعاقبت الشهور والأعوام، ورضي الله عن] آبائه الكرام، وأجداده العظام، رضوان الله تعالى عليهم إلى يوم الحشر والقيام.
أقول - وأنا العبد [الضعيف] 5، الراجي عفو الرَّبِّ البر الكريم الماجد عبد الله بن حسين بن حسن بن حامد، عفا عنهم الواجد:
يا قابض الروحِ عَنْ جِسْمِ عَصَى زَمَناً وغافِرَ الذَّنْبِ، زَحْزِحْنِي عَنِ النَّارِ إخواني - رحمكم الله - قولوا: آمين؛ إنه سميع قريب مجيب.
الجزء 1 · صفحة 11
كتاب الطهارات
وقع في أكثر نسخ الكتاب [الطهارات] بلفظ الجمع، وفي بعض النسخ بلفظ الواحد.
وجه الأول: اختلاف أنواع الطهارة حداً وحقيقة.
ووجه الثاني: كون الطهارة مصدراً؛ لكونه للحقيقة المشتركة، وهي واحدة، فيشمل جميع الأنواع والأفراد، فلا حاجة إلى الجمع.
إنَّما بدأ بهذا الكتاب؛ لكون الصلاة عماد الدين، وأعظم أركان الإسلام بعد الإيمان بالله، فكانت أحق بالتقديم، والطهارة شرط لها، ولما كانت لازمة لها، لا تسقط بعذر ما، وسائر الشروط - مثل: استقبال القبلة، وستر العورة، وغير ذلك -تسقط بالأعذار، بدأ بها تنبيهاً على أنها أهم، وأن الصلاة بدونها لا تجوز.
قال الله تعالى في سورة المائدة [الآية: 6]: يأيها الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إلى الصلوة أي: إذا أردتم القيام، عبر عن إرادة الفعل بالفعل المسبب عنها؛ للإيجاز والتنبيه على أنَّ من أراد العبادة ينبغي أن يُبادر إليها، بحيث لا ينفك الفعل عن الإرادة.
وقيل: المعنى: إذا قصدتم الصلاة؛ لأن من توجه إلى شيء وقام إليه كان قاصداً له لا محالة، فعبر عن القصد له بالقيام إليه.
وظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثاً، والإجماع على خلافه؛ لما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - صلّى الخمس بوضوء واحد يوم الفتحفقال عمر: صنعت شيئاً لم تكن تصنعُهُ، فقال: «عَمْداً فَعَلْتُهُ».
فقيل: مُطلق أريد به التقييد، والمعنى: إذا قُمتُمْ إلى الصلاةِ مُحْدِثينَ، فيكون الأمر للوجو
ب، ويكون الخطاب للمُحْدِثين خاصة، إلى هذا ذهب الجمهور.
وقيل: للندب.
وقيل: كان ذلك أوَّلَ ما فُرِضَ واجباً، ثم نُسخ، ورُدَّ بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «المائدة مِنْ آخِرِ القُرآنِ نُزولاً، فَأَحِلُّوا حَلالها، وحَرِّمُوا حَرامَها».
{فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6 الوَجْهُ: من قصاصِ الشَّعرِ إلى أسفل الذقن، وإلى شحْمتي الأذن، والمراد: إمرار الماء على الوجه، ولا حاجة إلى 4 الدَّلْكِ، خلافاً لمالك 5.
الجزء 1 · صفحة 12
وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6 الجمهور على دخول المرافق في المغسول، لورود السُّنّة بذلك 6، ولذا قيل: «إلى» بمعنى «مع»، أخذاً بالاحتياط ولأن الشيء إذا مُدَّ إلى جِنْسِهِ يدخُلُ فيه الغاية، وإذا مُدَّ إلى غيرِ جِنْسِهِ لا يدخُلُ فيه، كقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ} [البقرة: 87].
وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6 الباء زائدة، وعند بعضهم للتبعيض، والمراد إلصاق المسح بالرأس، وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح، كلاهما ملصق بالمسح برأسه.
وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6 بالنصب على الأصح، فدل على أنَّ الأرجل مغسولة.
وقيل: بالجر عطفاً على الرؤوس - وإن كانت غير ممسوحة ـ حثاً على الاقتصاد في صب الماء على الرجلين؛ لأنهما مظنة الإسراف في صب الماء، ثم جيء بالغاية، أعني: قوله تعالى: إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] إماطة لظن ظان
يحسبها ممسوحة؛ لأنَّ المسح لم يُضرب له غاية في الشريعة.
واعلم أنه ذكر في الآية المَرافِق بلفظ الجَمْع، والكعبين بلفظ التثنية؛ لأنَّ مقابلة الجمع بالجمع يقتضي [انقسام الآحاد على الأحاد، كما يُقال: ركب القوم دوابهم، ولكل يدٍ مِرْفَقٌ واحدٌ، فَصَحَتِ المُقابلة، ولو قيل: إلى الكعاب، فهم منه أن الواجب بإزاء كل رجل كعب واحد، فذكر] الكعبين بلفظ التثنية؛ ليتناول الكعبين من كل رجل.
وقال الكواشي: وثنى الكعبين، وجمع المرافق؛ لنفي توهم أَنَّ في كل [واحدة من الرجلين كعبين، وإنَّما في كل رجل كعب واحد له طرفان من جانبي الرجل، بخلاف المرافق، فَثَمَّ أبعد عن التوهم.
ثم فرع على تلك الفرائض المذكورة في الآية الكريمة قوله:
فَفَرْضُ الطهارة الإضافة للبيان؛ لأنَّ المفروض قد يكون من الطهارة وغيرها، أي: مفروض الطهارة غَسْلُ الأعضاء الثلاثة وهي: الوجه، واليد، والرّجلُ ومَسْحُ الرأس، والمرفقان وكذا الكعبان يدخلان في الغَسْلِ عندنا وعند الشافعي، خلافاً لزُفَرَ، وقد عرفت الجواب.
والمفروض أي: المُقدَّر على وجه الفرضية في مسح الرأس مقدار الناصية وهو ربع الرأس عندنا، أخذاً ببيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إليه أشار بقوله: لما روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنهما: أنَّ النبي أتى سباطة قوم الشباطة: الكناسة قبال وتوضأ ومَسَحَ على ناصِيَتِهِ وخُفَّيهِ 4 لا يقال: حديث
الجزء 1 · صفحة 13
المغيرة ليس بدليل؛ لأنه يدل على فرضية عين الناصية، والمدعى قَدْرُ الرُّبع؛ لأنَّ الحديث يَحْتَمِلُ التعيين وبيان المقدار، ولو حملناه على التعيين يكون نسخاً 5، ولو حملناه على البيان يكون بياناً، وخبر الواحد إنما [يصلح للبيان دون النسخ.
وفي بعض الروايات: المسح مقدر بثلاث أصابع اليد عند أصحابنا.
قال في الفتاوى الظهيرية: هو الصحيح.
وإن مسح بإصبع واحدة من ثلاثة جوانب أجزأه، وإن مسح بإصبعين لا يجوز إلا أن يكون إبهاماً وسبابة، إذا كانت الفرجة موضوعة.
وإن مسح برؤوس الأصابع، لا يجوز إلا إذا كان الماء سائلاً من الكف إلى رؤوس الأصابع، وكذلك هذا الحكم في مسح! الخف.
ومالك يوجب مسح جميع الرأس، أو أكثره، على اختلاف الرواية، أخذاً بالاحتياط، والباء صلة، كما في قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ [المائدة: 6].
وأخذ الشافعي باليقين، فأوجب أقل ما يقع عليه اسم المسح، وهو شعرة 4، والباء للتبعيض، بخلافِ حَلْقِ الرأس في الحج؛ فإنَّه لا يُجزى عنده أقل من ثلاث شعرات 5، فتأمل 6.
ولما فَرَغَ من فرائض الوضوء، شَرَعَ فِي سُنَنِهِ، فقال:
وسُنَنُ الطهارة: غَسْلُ اليدين أي: إلى رُسْغَيْهِ ثلاثاً قبل إدخالهما الإناء وحكي كيفية الغسل عن الفقيه أبي جعفر الهندواني هكذا: إذا كان الإناء صغيراً ممكن الرفع، يرفعه المتوضئ بشماله، ويصب الماء على كفه اليمنى، ويغسلها ثلاثاً، ثم يأخذه بيمينه، ويصب الماء على كفه اليسرى، ويغسلها ثلاثاً، ولا يُدخل يده فيه.
وإن كان كبيراً لا يمكن رفعه كالجب ونحوه، فإن كان معه كور صغير رفع الماء بالكوز، ويغسلهما كما ذكرنا، ولا يُدخل يده أيضاً، وإن لم يكن يدخل أصابع يده اليسرى مضمومة في الإناء، ولا يُدخل الكف، ويرفع الماء من الإناء، ويصب على يده اليمنى، ويدلك الأصابع بعضها ببعض، فيفعل كذلك ثلاثاً، ثم يدخل يده اليمنى في الإناء بالغاً ما بلغ إن شاء.
وحديث: فلا يَغْمِسَنَّ» محمول على ما إذا كان الإناء صغيراً، أو كبيراً ومعه إناء صغير، أما إذا كان كبيراً وليس معه إناء صغير، فالنهي محمول على الإدخال على سبيل المبالغة.
الجزء 1 · صفحة 14
ثم هذا فيما إذا لم يعلم على يده نجاسة، وإلا فإزالتها فرض على وجه لا يفضي إلى تنجيس الإناء أو غيره.
إذا استيقظ المتوضئ مِن نَومِهِ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حقه: «فَلا يَغْمِسَنَّ يَدَهُ في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإنَّهُ لا يَدْري أينَ باتَتْ يَدُهُ»، على ما سيُصرح به؛ لأنهما آلة التطهير، فيبدأ بتنظيفهما.
وقيل: إنَّما [نهى] لاحتمال تنجيس اليد؛ إذ عادتهم ألا يستنجوا بالأحجار ولا بالماء، حتى لو نام مستنجياً لا حاجة إلى غسل اليدين.
وتسمية الله تعالى في ابتداء الوضوء سماها سُنّة، والأصح أنها مُستحبة وقد ذكره في «المحيط» بلفظ الاستحباب، وذلك لأنَّ الوضوء فعل مشروع والمستحب في سائر الأفعال ابتداؤه بذكر الله تعالى، فكذا في الوضوء.
والسواك أي: استعماله؛ لأنه اسم للخشبة المتعينة للاستياك، وينبغي أن يكون من أشجارٍ مُرّة؛ لأنه يُطيِّبُ نكهة الفم، ويشد الأسنان، ويُقوّي المعدة، ويكون في غلظ الخِنْصِر، وطول الشبر.
ويستاك عرضاً لا طولاً، فإن لم يجد فليتمسك بحديث علي: التشويص بالمُسَبِّحة والإبهام سوال 4.
ووقته: حالة المضمضة؛ تكميلاً للإنقاء.
قال في مبسوط شيخ الإسلام 5: ومن السنة حالة المضمضة أن يستاك، وقيل: قبل الوضوء.
والمَضْمَضةُ بمياه والاستنشاق بمياه، أي: يأخُذُ لكل واحد منهما ماءً جديداً ثلاث مرات، هذا عندنا.
وقال الشافعي: السنة فيهما: أن يأخُذَ بكفّه [فيتمَضْمَضَ] ببعضه ويستنشق ببعضه، ثم يفعل ثانياً وثالثاً، كذلك قال العلماء: الأولى فيهما أن يُدخِلَ أُصْبُعَه في فمه وأنفه.
والمبالغة فيهما سُنّةٌ أيضاً، فقيل: المُبالغة في المضمضة: إخراج الماء من جانب إلى جانب.
وقيل: المُبالغة فيهما: الغَرْغَرةُ.
وقيل: تكثير الماء حتى يملأ الفم، فإن لم يملأ الفَمَ يُغَرْغِرُ حينئذٍ.
والمبالغة في الاستنشاق: أن يضع الماء على مَنْخِرَيه ويجذبه حتى يصعد.
الجزء 1 · صفحة 15
وقيل: المضمضة باليد اليمنى، والاستنشاق باليد اليسرى.
وَمَسْحُ الأذنين فعندنا يمسح الرأس والأذنين بماء واحد، خلافاً للشافعي رحمه الله 4.
قال في «التحفة»: وإدخال الأصبع المبلول في صماخ الأُذُن أدب لا سُنَّةٌ 5.
ولم يذكر في الكتاب مَسْحَ الرَّقبة، وهو سُنَّةٌ أيضاً، وقيل: مُسْتَحَبُّ 6.
وتخليل اللحية وهو ? سُنّةٌ عندنا، وقيل: كونه سُنّةً عند أبي يوسف ?، وأما عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله فإنما هو جائز والأصابع، يعني: مبالغة في إيصال الماء؛ لأن التخليل إنما يكون سُنّة بعد وصول الماء، وقبله يكون فرضاً.
وتكرارُ الغَسْلِ إلى الثلاث [المواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك.
ويُستحَبُّ للمتوضئ أن ينوي الطهارة وعند الشافعي النيةُ فَرْضٌ، فإذا نوى رَفْعَ الحَدَثِ واستباحة الصلاة يكون مقيماً للفَرْضِ عنده، وللسنة عندنا.
قال في [مبسوط» البكري]: صورة المسألة: سأله رجل عن الوضوء؛ فتوضأ يريد به تعليم السائل، يجوز الصلاة بذلك الوضوء عندنا، خلافاً له، وكذا لو توضاً متبرداً أو متنظفاً.
والنية: عمل القلب على المذهبين.
ويستوعب رأسه بالمسح مرة هذا عندنا، وعند الشافعي تثليث المَسْحِ سُنَّةٌ بمياه مختلفة، وبعض العلماءِ رَوَوا التثليث بماء واحد عن أبي حنيفة.
وصورة الاستيعاب: أن يضع من كل واحدة من اليدين ثلاثة أصابع على مُقَدَّم رأسه، ولا يضع الإبهام والسبابة، ويُجافي كفيه ويَمُدُّهما إلى القفا، ثم يضَعُ كَفَّيه على مُؤخَّرِ رأسه ويَمُدُّهما إلى المُقدَّم، ثم يمسح ظاهر أُذنيه بإبهاميه، وباطنهما بمُسبِّحَتِه.
والسر في ذلك: إيصال الطهور إلى جميع الرأس، ولا يحصل ذلك إلا بالذهاب والرجوع، حتى لو كان حَلَقَ رأسه ولم يكن قد نبت الشعر يكفيه كرةٌ واحدة.
ويُرَتِّبُ الوضوء، فيبدأ بما بدأ الله بذكره في الآية الكريمة [يعني] 4 الوجه، وقد واظب على الترتيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيكون سُنّةً، هذا عندنا، وعند الشافعي فرض 5؛ إذ الفاء للوصل والتعقيب، فلو توضأ وبدأ برجليه قبل ذراعيه، أو بذراعيه قبل وجهه، يُجزئه عندنا، خلافاً له، أما لو بدأ فغسل يده اليسرى قبل يده اليمني، يجوز إجماعاً، وإن بدأ بغسل اليدين من المرافق، جاز أيضاً إجماعاً، لكن خالف السنة.
الجزء 1 · صفحة 16
ولو انغَمَسَ المُحْدِثُ في الماء، ونوى رَفْعَ الحَدَث، فعند الشافعي فيه و جهان:
أحدهما: أنه [لا يجوز]؛ لعدم الترتيب.
والثاني: أنه يجوز، كأن الجميع عضو واحد.
وبالميامن وهكذا التيامُنُ مُسْتَحَبُّ في كل الأمور، حتى إذا أراد ترجيل شعره يبدأ بشعره الأيمن، وإذا أراد لبس خُفَّيهِ يبدأ باليمنى، وإذا دخَلَ المَسْجِدَ يُقدِّمُ رِجله اليمنى، والأصل فيه الحديث المشهور.
والمعاني الناقضة للوضوء: كلُّ ما خرج أي: خُروج ما خرج؛ لأنه عله الانتقاض، وهي عبارة عن المعنى، ثم كلمة «ما» عامة تتناول كل ما يخرُجُ من السبيلين معتاداً أو غيره.
والدَّمُ، والقَيْحُ، والصَّديدُ الجوهري: صَديدُ الجُرح: ماؤهُ الرَّقِيقُ المُختلط بالدم، قبل أن تَغْلُظَ المدة 4 إذا خرج أي: كلُّ واحد منها من البدن فتجاوز إلى موضع يَلْحَقُهُ حُكْمُ التطهير أي: حكم هو تطهير، والمراد: أن يجب تطهيره في الجملة، في الحَدَثِ أو الجنابة، حتى لو سال الدم إلى ما لان من الأنف، انتقض الوضوء؛ لأن الاستنشاق فرض في الجنابة، بخلاف البول إذا نزل إلى قَصَبَةِ الذَّكَر ولم يظهر؛ لعدم [إيصال 0 النجاسة إلى موضع يلحقه حكم التطهير، وعن هذا قالوا: إذا كان في عينه قرحة، ووصل الدم منها إلى جانب آخر من عينه، لا ينقض وضوؤه؛ إذ لم يصل إلى موضع يجبُ غَسْلُهُ في الجملة.
والقيء إذا ملأ الفم وإن كان أقل من ملى فيه لا ينقض وضوءه، هذا عندنا.
وقال الشافعي رحمه الله: لا ينقض في الوجهين.
وقال زفر رحمه الله: ينقض في الوجهين، قياساً على الخارج من السبيلين، وعلى الحدث الحكمي، كالجنون والإغماء، والسكر والنوم.
وللشافعي أنه - صلى الله عليه وسلم - قاء ولم يتوضأ» 4؛ ولأن قليله ليس بحَدَثٍ، فكذا كثيره، كالدمع والمخاط.
ولأصحابنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قاءَ أو رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّا، وَلْيَيْنِ على صَلاتِهِ ما لَمْ يَتَكَلَّمْ 5؛ ولأنَّ الحَدَثَ خُروجُ النَّجَسِ، والخروج: السَّيلان، وقليل القيء ليس بخارج؛ لأنه يمكنه أن يحبسه، فيكون في مَعْدِنِهِ ومظانه، فلم يتم، ولم 7 ينتقض، بخلاف ملاء الفم.
الجزء 1 · صفحة 17
هذا إذا قاء مرة، أو طعاماً، أو ماء، أو سال الدم، وإن قاء بلغماً لا يَنتَقِضُ عند أبي حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف: إِنَّ مِلاءَ الفَمِ يَنْقُضُ؛ لأنه يقوم به النَّجَسُ، وهما يقولان:
إنه طاهر؛ لتوارث الأمّة أَخْذَهُ بالأكمام، وخروج الطاهر لا يكون حدثاً، كالبزاق.
والنوم مُضْطَجِعاً لاسترخاء المفاصل على الكمال، فكان مظنة للخروج عادة، فيأخذ حكم المتيقن به أو مُتَّكِئاً على الوجه، وقيل: على أحد وَرِكَيْه أو مُستنداً إلى شيء لو أزيل عنه لَسَقَطَ، والغَلَبَةُ على العقل بالإغماء، والجنون بالرفع، عطف على الغلبة؛ لأن العقل في الإغماء يكون مغلوباً، وفي الجنون يكون مسلوباً.
والقَهْقَهة أي: قهقهة مُصَلِّ بالغ؛ إذ قهقهة الصبي لا تُبطل الوضوء في الأصح في كل صلاة ذات ركوع وسجود.
واعلم أن القهقهة في خارج الصلاة لا تُبطل الطهارة عندنا، وفي صلاة الجنازة تُبطل الصلاة دون الطهارة، وإن كان في صلاة كاملة؛ فقبل أن يَقْعُدَ قدر التشهد يُبطل الصلاة والطهارة جميعاً، وإن كان قعد قَدْرَ التشهد ثم فَهْقَهَ؛ يُتمِّمُ صلاته، ويَبْطُلُ طُهرُهُ.
وقال الشافعي رحمه الله: القهقهة لا يوجب بطلان الطهارة بحال من الأحوال.
وإنَّما وضع المسألة في القهقهة -[وهي ما] يكون مسموعاً له ولجاره -إذِ الضَّحِكُ - وهو ما يكون مسموعاً له دون جاره - ليس بحدث إجماعاً، لكن يُفسد الصلاة، والتبسم - وهو ما لا صوت فيه - لا يُفسد الصلاة والوضوء جميعاً إجماعاً.
وَفَرْضُ الغُسْلِ: المضمضة والاستنشاق هما عند الشافعي سنتان.
وغَسْلُ سائرِ البَدَنِ أي: جميعه
وسُنتُه: أن يبدأ المُغتَسِلُ فَيَغْسِلَ يديه وفَرجَه، ويُزيل نجاسة بالتنوين 5 بدون الألف واللام، يؤيده قوله: إن كانت على بَدَنِهِ حيث لم يقل: إذا كانت؛ لأنَّها عَسَتْ أن تكون، وعَسَتْ ألا تكون، لكن في أكثر النسخ ويزيل النجاسة بالألف واللام، فقيل: حرف التعريف إما للعهد، ولا عهد ههنا، أو للجنس وأدناه غير مراد؛ لأن أقل من الذرة لا يكون مُراداً، وكذلك أعلاه؛ لعدم تصور جميع النجاسات على بَدَنِ الإنسان. كذا في «الكفاية». ثم قال: قلت: يصحأن يكون
الجزء 1 · صفحة 18
اللام لتعريف الحقيقة المعهودة في الذهن، ويندرج تحته القليل من النجاسة، والكثير منها، وحكم الإزالة لا يختلف فيهما، فيكون المُعرَّفُ هو الأليق بالمقام.
ثم يتوضأ وضوءه للصلاة إلا رجليه استثناء متصل.
ثم يُفيضُ الماء على رأسه، وسائر جسدهِ ثلاثاً، ثم يتنحى عن ذلك المكان فَيَغْسِلَ رِجليهِ هكذا حَكَتْ ميمونة زوجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنت الحارث، خالة عبد الله بن عباس اغتسال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قالوا: هذا فيما إذا كان موضِعُ الغُسل مَجْمَعَ الماء المستعمل، حتى لو كان على لوح لا يُؤخر.
وليس على المرأة أن تنقض ضفائرها في الغسل ولا بلها في الأصحإذا بلغ الماء أصول الشعر احترز بالمرأة عن الرَّجُل؛ لوجوب نقض ضفيرَتِهِ، وتخصيص الشيء في الرواية يدل على نفي ما عداه بالاتفاق، بخلاف المنصوص؛ فإن فيها لا يدل على نفي ما عداه عندنا.
والمعاني الموجبة للغسل: إنزال المني على وجهِ الدَّفْقِ والشَّهوة من الرجل والمرأة حالة النوم واليقظة، هذا عندنا، وأما الشافعي رحمه الله 4 فقد أوجب الغسل بخروج المني كيفما كان 5.
والتقاء الختانين أي: مع تواري الحشفة، والختان: موضع القطع منهما، والتقاؤهما كناية عن الإيلاج من غير اشتراط إنزال على الأصح.
والحيض بالنص والنفاس بالإجماع.
وسَنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغُسْل للجمعة أي: لصلاة الجمعة على الأصح، إليه ذهب أبو يوسف؛ لأنها مؤداة بجمع عظيم، فلها من الفضيلة ما ليس لغيرها، وعند الحسن بن زياد لليوم، إظهاراً لفضله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «سَيِّدُ الأيام يوم الجمعة حتى إِنَّ مَن اغتسل يوم الجمعة فأحدث، وصلّى الجمعة بوضوء، يكون مقيماً للسنة عند الحسن، وعند أبي يوسف لا، ولو اغتسل قبل الصبح وصلى الجمعة به، نال فضل الغسل عند أبي يوسف، وعند الحسن لا.
والعيدين هما بمنزلة الجمعة من حيث الاجتماع.
والإحرام، وعرفة. وليس في المذي الجوهري: المَدي بالتسكين: ما يخرج عند الملاعبة والتقبيل والوَدْي الجوهري: الوَدي بالتسكين: ما يخرج بعد البول، وكذلك الودي بالتشديد غُسْلٌ، وفيهما الوضوء لا يُقال: قد عُرِفَ وجوب الوضوء بالوجوب في السبيلين؛ لأن ذلك بيان
الجزء 1 · صفحة 19
ضمني، وهذا قصدي أو تأكيد، كما في قوله تعالى: {قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [الأنعام: 40]، ولما كانا مشابهين للمني، ولا يوجبان الغُسل، مَسَّتِ الحاجة إلى الذكر، فذكرهما.
والطهارة من الأحداث جائزة بماء السَّماءِ كالمَطَر، وماء الثلج المتقاطر، بخلاف ما إذا لم يكن ذائباً، ولم يتقاطر؛ فإنَّه لا يجوز الوضوء به والأودية، والعيون والآبار، والبحار. ولا يجوز الطهارة بما اعتصر بالقَصْرِ دون المد؛ لأنه ليس بماء حقيقة، وفيه إشارة إلى جواز التوضؤ بماء خرج بنفسه من غير علاج، كالماء الذي يَقْطُرُ من الكَرْمِ من الشَّجرِ، والثَّمَرِ، ولا بماءٍ غَلَبَ عليه غيرُهُ فَأَخْرَجه عن طبع الماء، كالأشربة، والخَلَّ، وماء الباقلاء إن شدَّدت اللام قَصَرتَ، وإن خففت مددت والمَرَقِ، وماءِ الزَّرْدَج 4 هو ما يخرج من العصفر المنقوع، فيُطرح ولا يُصبغ به 5، والصحيح: أنه بمنزلة ماء الزعفران 6، فيجوز به الوضوء على ما اختاره الإمامُ السَّرَخْسي ?، والناطفي ?، لكن المُصَنِّف أجراه مجرى المَرَقِ، فلا يجوز به. ويجوز الطهارة بماء خالَطَهُ شيءٌ فغير أحد أوصافه أي: طعمه، أو لونه أو ريحه كماء المد أي: الشيل والماء الذي يختلط به الأسنان والصابون والزَّعْفَران وما أشبه ذلك، خلافاً للشافعي.
وكل ماء المراد: الدائم الذي لم يكن عشراً في عشر وقعت فيه نجاسة، لم يجز الوضوء به، قليلاً كانت النجاسة أو كثيراً وتذكير «القليل» و «الكثير» لكونهما ملحقين بفعيل بمعنى مفعول؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بحفظ الماء [الدائم] من النجاسة، فقال: «لا يَبولُنَّ أَحَدُكُمْ في الماء الدائم، ولا يَغْتَسِلَنَّ فِيهِ مِنَ الجَنابَةِ.
وجه التمسُّكِ بهذا الحديث: أنَّ مُطْلَقَ النَّهي يوجب التحريم [أو التنزيه وفساد الفعل شرعاً، ولا فصل في الحديث بين دائم ودائم، فهو على العموم إلا أن يصير في حكم الجاري، كالبحر.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِن مَنامِهِ فَلا يَغْمِسَنَّ يَدَهُ في الإناء حتى يَغْسِلَها ثلاثاً؛ فَإِنَّهُ لا يدري أينَ باتَتْ يَدُهُ 5.
وجه التمسك: أنَّه نهي عن الغَمْسِ على وجه التأكيد، والنهي العاري عن التأكيد يقتضي التحريم، فهذا أولى.
وأما الماء الجاري وهو ما يذهب بتبنة، والأصح: أنه ما يعده الإنسان جارياً إذا وقعت فيه نجاسة، جاز الوضوء منه، إذا لم يُرَ لها أثر وهو طَعْمُ، أو لَوْن، أو ريح لأنها لا تَسْتَقِرُّ مع جريان
الجزء 1 · صفحة 20
الماء. والغدير الجوهري: [الغدير]: القطعة من الماء يُغادِرُها السَّيلُ، وهو فعيل بمعنى فاعل؛ لأنَّه يَغْدِرُ بأهلِهِ، أي: ينقطع عند شدة الحاجة إليه العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه أي: لا يتحرك [أحد طرفيه] بالارتفاع والانخفاض ساعة تحريكه بتحريك الطرف الآخر، إذا وقعت [فيه] 4 نجاسة في أحد جانبيه، جاز الوضوء من الجانب الآخر أشار به إلى أنه يتنَجَّسُ موضع الوقوع لأنَّ الظاهر أَنَّ النَّجاسةَ لَا تَصِلُ إليه. وموتُ ما ليس له نفس سائلة أي: دم سائل إذا مات 0 في الماء [مُتعلّق] 6 بالموت، وهذا القيد بناءً على الأكثر؛ إذ الحكم فيما مات في الخارج ثم أُلقي في الماء كذلك في الصحيح؛ لأنَّ المُنجس وهو الدَّمُ معدوم لا يُنَجِّسُهُ وإن كان الماء قليلاً؛ للحديث: «موتُ ما ليس لهُ نَفْسٌ سائلة في الماء لا يُفْسِدُ الماء» ?، خلافاً للشافعي ? كالبق، والذُّباب، والزنابير ? جَمَعَهُ؛ لأنَّ فيه أنواعاً شتّى والعقارب 0. وموتُ ما يعيش في الماء فيه والمراد ما يكون فيه توالده ومثواه في الماء؛ إذ مائي المعاش دون مائي المَولِدِ [يُفْسِدُهُ] لَا يُفْسِدُهُ لعدم الدم؛ لأنَّ الدَّمَوي لا يسكن في الماء؛ لأنَّ الماء يخنقه، ولما كان الموت في المسألة الأولى في غير مَعْدِنِهِ، وكان ذلك موهماً للتنجيس، ناسب نفيه، فقال: لا ينجسه، بخلاف هذه الثانية؛ إذ الموتُ في مَعْدِنِهِ، فلا يُتَوهُمُ تنجسه بواسطة الضرورة، لكن احتمل تغير صفة الماء، فنفاه بقوله: «لا يُفْسِدُهُ» كَالسَّمَكِ والضفدع [والسَّرطان] بحرياً أو برياً، وقيل: البري مفسد، والأول أصح.
والماء المستعمل لا يجوز استعماله في طهارة الأحداث؛ لأنه نجس عندنا، وفي متن «الكنز»: طاهر لا مُطَهِّر 4.
والمستعمل: كلُّ ماءٍ أُزيل به الحَدَثُ، أو استعمل في البدنِ على وجه القربة ثم الصحيح: كونه مستعملاً عند زواله عن العضو، والاجتماع في مكان ليس بشرط.
قال في الفتاوى الظهيرية» 5: اتفق علماؤنا أن الماء الذي تأدت به القربة ما دام يتردد في العضو ولم يُزايله ليس بمستعمل، وإذا زايل العضو ولم يصل إلى الأرض، ولا إلى موضع يستقر فيه، بل هو في الهواء، قال عامة العلماء: هو مُستعمل، حتى إذا نزل على عضو إنسان وجرى فيه لم يصر متوضئاً.
وقال أبو سهل الكبير 6: وبه يقول أصحاب العشرة ببخارى: إنَّ الماء لا يصير مستعملاً ما لم يستقر في مكان من الأرض، أو إناء.
الجزء 1 · صفحة 21
وكل إهاب أي: جلد غير مذبوع دبغ فقد طهر؛ للحديث المشهور وجازت الصلاة فيه ويدخل في ذلك جلد الكلب، خلافاً للشافعي، وجلد الميتة، خلافاً لمالك والوضوء منه، إلا جلد الخنزير لنجاسته والآدمي لكرامته، ثم التقديم دليل التعظيم في موضع التعظيم؛ كقوله تعالى: {وَالسَّنيقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَيْكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: ?-، وأما في موضع الإهانة، فالتعظيم في تأخيره؛ كقوله تعالى: {هَدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ [الحج: 40].
وشعرُ المَيْتَةِ، وعَظمُها وقَرْنُها طاهر عندنا خلافاً للشافعي 4، وهذا الاختلاف بناءً على أن لا حياة للشعر والعظم عندنا، فلا يَحُلُّ الموتُ، فلا يُنَجَّسُ، وعنده فيهما حياة، وعند مالك في العظم حياة دون الشعر.
وفي السن بين العلماء كلامٌ؛ أنَّه عَظْمٌ، أو طَرَفُ عَصَبٍ يابس؛ فَإِنَّ العَظْمَ لا يَحْدُثُ في البدن بعد الولادة، وفي العَصَبِ روايتان؛ في إحدى الروايتين: فيه حياة؛ لما فيه من الحركة، ويتنجس بالموت، وعلى ظاهر المذهب ـ وهو الصحيح - لا خلاف في السن بين علمائنا 5 أنه طاهر.
وإذا وقعت في البئر نجاسة نزحت أي البئر، والمراد: الماء، إطلاقاً لاسم المحل على الحال، كما يقال: جرى النهر، وسال الميزاب وكان نَزْحُ ما فيها من الماء طهارة لها على هذا وقع إجماع الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. فإن ماتت فيها فأرة بالهمزة أو مضفورة الأولى تَرْكُ التاء، قال في «الصحاح: العصفور طائر، والأنثى عُصفورة أو صعوة وجمعه: صعو وصعاء؛ صغار العصافير أو سودانية قيل: طويرة طويلة الذنب على قدر قبضة الكف. وقيل: وقد يُسمّى العُصفور الأسود الذي يأكل العنب والجراد أو سام أبْرَصُ من كبار الوَزَغِ نُزِحَ منها ما بين عشرين دلواً إلى ثلاثين فالعشرون بطريق الإيجاب، والثلاثون بطريق الاستحباب.
قيل: هذا في الفأرة الواحدة، وكذلك [إلى] الأربع، وإن كانت خمساً يُنْزَحُ منها أربعون دلواً إلى التسعين، وإن كانت عشراً فالجميع يُنْزَحُ، كذا في الفتاوى الظهيرية» بحسب بفتح السين وسكونها، هو القَدْرُ كِبَرِ الدَّلو وصِغَرِهِ، وإن ماتت فيها حمامة، أو دجاجة، أو سِنَّورٌ واحد السنانير، وهو الهرة نُزِحَ منها ما بين أربعين دلواً إلى ستين دلوا.
وإن ماتت فيها كلب، أو شاة، أو دابة، أو آدمي نُزِحَ جميع ما فيها من الماء إن أَمْكَنَ روي أن زنجياً مات في بئر زمزم، فأمرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِنَزْحِهِ، وَنُزِحَ الماء كله 4.
الجزء 1 · صفحة 22
ولو استخرج الواقع حياً في الوجوه كلها، لا يجبُ نَزْحُ شَيء إذا لم يُصب فَمُهُ الماء، كذا في الجامع الصغير 5.
وإذا انتفخ الحيوان فيها، أو تفَسَّخَ، نُزِحَ جميع ما فيها، صَغُرَ الحيوان أو كَبُرَ؛ لأن النجاسة فاضَتْ إلى كل الماء.
وعدد الدلاء الجوهري: الدَّلو: واحدة الدّلاء التي يستقى بها، وكذلك الدلاء بالفتح، الواحدة: دلاة. وجمع الدَّلْوِ في أقل العدد: أدل على أفعل، قلبت الواو ياء لوقوعها طرفاً بعد ضمة، والكثير: دلاء ودلي على فعول يُعتبرُ بالدلو الوسط المستعمل للآبار في البلدان، فإن نُزِحَ منها بدَلْوِ عظيمٍ قَدْرَ مَا يَسَعُ فيه من الدَّلْوِ الوَسَطِ احتسب به؛ [جاز] وذلك ظاهر.
وإن كانت البئر معيناً لا تُنْزَحُ أي: لا يمكن إخراج ما فيها ووجَبَ نَزْحُ ما فيها من الماء كله، كما في بعض الصور المذكورة أخرجوا منها مقدار ما كان فيها من الماء أي: أخرجوا مقدار الماء زمان وقوع النجاسة، وفي كان إشارة إليه، والأصح في ذلك أن يُؤخذ بقول رجلين لهما بصارة في الماء.
وقد روي عن محمد بن الحسن أنَّه قال: يُنْزَحُ منها [ما بين] مِئَتَي دَلو إلى ثلاث مئة هذا بناءً على كثرة الماء في آبار بغداد، والمروي عن أبي حنيفة رضي الله عنه: إذا نُزِحَ [منها] مِئَةٌ دَلو يكفي، فهو بناءً على آبار الكوفة؛ لقلة الماء فيها.
وإذا وُجِد في البئر فأرة، أو [ميتة 0 غيرها، لا يدرى متى وقعت، ولم تنتفخ ولم تتفسح، أعادوا صلاة يوم وليلة، إذا كانوا تَوَضَّؤوا منها، وغَسَلُوا كُلَّ شَيءٍ أصابه ماؤُها [و] لما كان عدم الانتفاخ والتَّفَسُّخ دليل قُرب العهد، قدروا ذلك بيوم وليلة؛ لأن ما دون ذلك ساعات لا يمكن ضبطها.
وإن كانت الفأرة الواقعة، وكذا غيرُها قد انتَفَخَتْ، أو تَفَسَّخَتْ، أعادوا صلاة ثلاثة أيام ولياليها في قول أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن الانتفاخ دليل التقادم، فَقُدْرَ بالثلاث؛ لأنه أدنى حد التقادم، ألا ترى أن من دُفِنَ قبل أن يُصلّى عليه يصلى على قبره إلى ثلاثة أيام، ولا يُصلّى [على قبره بعد ذلك؟ والعلة ما قد عرفت وقالا: ليس عليهم إعادة شيء، حتى يتحققوا متى وقعت؛ إذ اليقين طهارة البئر، فلا يزال بالشك، كمن رأى في ثوبه نجاسة ولا يدري متى أصابته.
الجزء 1 · صفحة 23
وسور الآدمي ولو جنباً، أو حائضاً، أو كافراً، وكذا سُؤرُ الفَرَسِ وما يُؤكل لحمه طاهر إلا في حال شُربِ الخَمْرِ؛ لِنجاسةِ فَمِهِ.
وسور الكلب، والخنزير، وسباع البهائم نجس خلافاً للشافعي رحمه الله فيما سوى الكلب والخنزير 4.
وسورُ الهِرة، والدَّجاجةِ المُخَلَّاةِ، وسباعِ الطَّير، وما يَسكُن في البيوت مثل: الحية، والفأرة؛ مكروه أما كراهة سُورِ الهرة، فرواية «الجامع الصغير» 5. وقال في الصلاة: أحبُّ إليَّ أن يتوضأ بغيره، ولم يذكر الكراهة.
وعن أبي يوسف: أنه لا يُكره، وفي طهارته إجماع، غير أنها إذا أَكَلَتِ الفأرة وشربت من إناء على فورها يتنجَّسُ الماء بلا خلاف، وإن مكنت ساعة، لا.
ثم قال الطحاوي: عِلةُ كراهة سُورِهِ: حُرمة لحمه، وعلى هذا هو إلى التحريم أقرب.
وقال الكرخي: عدم تحاميها الجيف وعلى هذا كراهة التنزيه، وهو الأصح، وأقرب إلى موافقة الأثر، فعلى هذا لو عَلِمَ أنها لم تأكل الجيف، لا يكره التوضو بسوره.
وبهذا تبينَ جَهل العوام في ترك السنور يدخل في لِحافِهِم فَيَلْحَسُهُم، ثم لا يغسلون ذلك الموضع، وذلك مكروه، ولا يُصلّي قبل الغَسْلِ، وكذلك يضعون اللقمة بين يديه فيأكل بعضها ويَدَعُ البعض، ثم يأكله الجاهل ويظنه من إكرام الخبز، وهو مكروه.
وأما سؤر الدجاجة إن تناولت قذراً وشربت الماء، فهو نجس، وإن كانت محبوسة بحيثُ لا يَصِلُ منقارها إلى ما تحت قدميها [فطاهر]، وإن كانت مُخلاةً كُره؛ لتوهم النجاسة، ولم يكن نجساً بالشك.
وأما سؤر سباع الطير، فمكروه أيضاً؛ لأنَّ الطَّير يشرب بالمنقار، وهو عَظْمٌ جاف طاهر، لكن تناوله الجيف غالب؛ فَأُورَثَ الكراهة.
وأما سؤر سواكن البيوت فمكروه قطعاً؛ لأنَّ حُرمة اللحم أوجبت نجاسة السُّوْرِ، إِلَّا أَنَّهَا سَقَطَتِ النَّجاسة بعلة الطواف، فبقيت الكراهة.
واعلم أنه إنَّما يُكره التوضؤ بالسور المكروه عند وجود الماء المطلق، أما عند عدمه فلا يكره.
الجزء 1 · صفحة 24
وسورُ الحِمارِ والبَغْلِ مشكوك فيهما؛ لأنَّ اعتباره بِلَحْمِه يوجِبُ نجاسته، واعتباره بعَرَقِهِ يوجبُ طَهَارَتَهُ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يركب الحمار مغرورياً، والحر حر التهامة، والثَّقَلُ ثِقَلُ النبوة، فالظاهرُ أنَّه يَعْرَقُ ويُصيب ثوبه - صلى الله عليه وسلم -، ثم يُصلي فيه، فقلنا بأنه مشكوك فإن لم يَجِدُ غيرَهُما؛ توضأ بهما وتَيَمَّمَ أي: يَجْمَعُ بينهما وبأيهما بَدَأَ جاز.
[و] قال زُفَرُ: لا يجوز تقديم التيمم حتى يصير عادماً للماء.
ولنا: أنَّ سُورَ الحِمارِ إن كان نجساً فلا يَضُرُّ التيمم، وإن كان طاهراً فالتيمم ضائع، والله أعلم.
بابُ التَّيَمُّمِ
البابُ: النَّوعُ، قال - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ خَرَجَ يَطْلُبُ باباً مِنَ العِلْمِ أي نوعاً.
ومن لم يَجِدِ الماء أي: ماءً يكفي لرَفْعِ الحَدَثِ؛ لأنَّ ما دون ذلك وجوده وعَدَمُهُ سيان؛ إذ لا يثبت فيه استباحة الصلاة، فألحق بالعَدَمِ وهو مسافر، إن كان خارج المصر وإن لم يكن مسافراً بينه وبين المصر نحو ميل أو أكثر الميل: ثلث الفَرْسَخ، وهو اثنا عشر ألف خُطوة، فيكون أربعة آلاف خُطوة، كل خطوة ذراع ونصف بذراع العامة 4.
أو كانَ يَجِدُ الماء، إلا أنه مريض، فخاف إن استعمَلَ المَاءَ اشْتَدَّ مَرَضُهُ، ولا يُعتبرُ خوفُ التَّلَفِ عندنا، خلافاً للشافعي رَحِمَهُ الله 5.
أو خاف الجُنُبُ إِنِ اعْتَسَلَ بالماء أن يقتله البرد، أو يُمْرِضَهُ؛ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ بِالصَّعِيدِ قال قاضي خان: الجنب الصحيح في المِصْرِ إذا خاف الهلاك من الاغتسال يُباح له التيمم في قول أبي حنيفة، والمسافر إذا خاف الهلاك من الاغتسال جاز له التيمم في قولهم، وأما المُحْدِثُ إذا خاف الهلاك من التوضؤ؛ اختلفوا فيه على قول أبي حنيفة، والصحيح: أنه لا يُباح له التيمم.
والتَّيَمُّمُ ضَرْبتان فيه إشارة إلى أنَّ من ضَرَب يديه على الأرض للتيمم، فقبل أن يمسح بهما وجهه أحدث، ثم مسح بهما وجهه؛ لا يجوز، كما لو حصل الحدث في خلال الوضوء. وقيل: يجوز، كمن ملاً كفيه ماء للوضوء ثم أحدث ثم استعمله؛ فإنَّه يجوز يمسح بإحداهما وجهه، وبالأخرى يديه إلى المِرْفَقين قياساً على الوضوء.
الجزء 1 · صفحة 25
والتيمم في الجنابة والحدث سواء عند أصحابنا، وعليه العلماء، وكذا الحيض والنفاس، وعند بعض الناس: لا يتيمَّمُ الجُنُب والحائض والنفساء، والمسألة مختلف فيها بين الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فمنهم من جوز، ومنهم من لم يجوز.
ويجوز التيمم عند أبي حنيفة ومحمد بكل ما كان من جنس الأرض قيل:
كل ما يحترق ويصير رماداً كالشجر، أو يَنْطَبع ويلين كالحديد، فليس من جنس الأرض، وما عدا ذلك من جنس الأرض كالترابِ، والرَّمْلِ، والحَجَرِ ولو بلا نقع 4؛ إذ لو كان صخراً لا تراب عليه، وضرب المتيمم يده عليه ومسح، لكان طهوره عندنا والجص، والنورة همز واو النورة خطأ، كذا في «المغرب» 5 والكحل، والزرنيخ. وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بالتراب والرَّمْلِ خاصةً وعند الشافعي: لا يجوز إلا بالتراب خاصة.
والنِّيَةُ فَرْضٌ فِي التَّيْتُمِ خلافاً لزُفَرَ وَ مُسْتَحَبُّ في الوضوء، وينقُضُ التَّيْتُمَ كل ما ينقض الوضوء؛ لأَنه خَلَفٌ عنه وينقُضُهُ أيضاً رؤية الماء إذا قَدَرَ على استعماله، فإذا قَدَرَ على الماء ولم يتوضأ، ثم عَدِمَ، أعاد التيمم.
ولا يجوزُ التَّيْتُمُ إلا بصعيد طاهر؛ لأنَّ الطَّيِّبَ أُريد به الطاهر في قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6].
ويُستحب لمن لم يَجِدُ الماء في أوَّلِ الوقت، وهو يرجو أن يَجِدَهُ في آخر الوقت، أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت، فإن وجد الماء توضأ، وإِلَّا تَيَمَّمَ وصلى ويُصلي بتيَمُّمِهِ ما شاءَ من الفرائض والنَّوافِلِ وقال الشافعي: يَتَيَمَّمُ لكل فرض؛ لأنه طهارة ضرورية.
قلنا: التراب بدل الماء بالنص، فيثبت له حُكْمُ الأصل، وحُكْمُه: أَنَّه طهارة مطلقة غير ضرورية.
ويجوز التيمم للصحيح في المِصْرِ إذا حضرت جنازة، والوَليُّ غيرُهُ قَيَّدَ بذلك إشارة إلى أنه لا يجوز للولي، هو الصحيح فخافَ إِن اشْتَغَلَ بالطهارة أن تفوته الصلاة لتحقق العجز حيث لا تُقضى وكذلك مَن حَضَرَ العِيدَ، فَخافَ إِنِ اشتغل بالوضوء أن تفوته صلاة العيد، يتَيَمَّمُ ويُصلّي؛ لأنَّها لا تُعاد.
وإن خاف من شَهِدَ الجُمعة إن اشتَغَلَ بالطهارة أن تفوته صلاة الجمعة إذا توضأ، لم يتيمم، ولكنه يتوضأ، فإن أدرك الجمعة صلاها، وإلا صلى الظهر أربعاً؛ لأنها تفوتُ إلى خَلَفٍ وهو
الجزء 1 · صفحة 26
الظهر، بخلاف العيد وكذلك إذا ضاق الوقت، فخشي إن توضأ فات الوقت، لم يتيمم، ولكنه يتوضأ ويصلي ما فاته؛ إذ القوات إلى خلف، وهو القضاء.
والمسافر إذا نسي الماء قيد بالنسيان؛ لأن في الظَّن لا يجوز له التيمم بالإجماع، ويعيد الصلاةَ في رَحْلِهِ، فَتَيَمَّمَ وصلّى، ثم ذكر الماء في الوقت أو بعده لم يُعد صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد رَحِمَهُ الله، وقال أبو يوسف: يُعِيدُ؛ لأنَّ [رَحْلَ المسافر] لا يخلو عن الماء غالباً، فكان عليه الطلب كما لو كان في العمران، أو صلّى بالتيمم وعلى ظهره قربة ماء قد نسيه، أو كان عالماً بالماء وظن أنه قد فني.
لهما: أنه عاجز عن استعمال الماء بأمر سماوي، كما لو كان على رأس بئر مُغطى، وهو لا يعلم به.
وليس على المُتيَمِّمِ إِذا لم يَغْلِبُ على ظنّه أنَّ بقربه ماء، أن يطلب الماء هذا عندنا، وعند الشافعي لا يجوز التيمم قبل الطلب في الفلوات؛ لأن عدم الوجود لا يكون بدونِ الطَّلَبِ، [قال الله تعالى: {قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا [الأنعام: 45]، قلنا: قد يكون بدون الطلب كالوجود] 4، قال: «مَنْ وَجَدَ لُقطة فَلْيُعَرِّفها» 5 فقد سماه: واجداً، وإن لم يوجد منه الطلب.
فإن غَلَبَ على ظنّه أنَّ بِقُرْبِهِ هناك ماءً، لم يَجُزُ لَهُ أن يتيمم حتى يطلُبَهُ ويجب طلبه قَدْرَ غَلُوةٍ لو ظنّه قريباً، وإلا فلا؛ كيلا ينقطع عن رفقته.
وإن كان مع رفيقه ماء، طلبه منه قبل أن يتيمم قال بعض العلماء: إنَّما يجب السؤال في غير موضع عِزَّةِ الماء، وقيل: إن غَلَبَ على ظنه الإعطاء وجب السؤال، وإلا فلا فإن مَنَعَهُ منه، تَيَمَّمَ وصلّى وقبل طلبه جائز أيضاً، خلافاً لهما.
باب المسح
المسح على الخفين جائز بالسنة المشهورة من كلِّ حَدَثٍ موجبه
الوضوء أي: دون من عليهِ الغُسلُ؛ فَإِنَّ الجُنُبَ إذا تيمم، ثم أحدث ومعه ماء قَدْرَ ما يتوضأ به، فتوضأ به ولبس خُفَّيه، ثم مرَّ بماء يكفيه للاغتسال ولم يغتسل، ومضى حتى حضرت صلاة وعنده من الماء قدر ما يتوضأ به؛ تيمم، فإن أَحْدَثَ بعد ذلك يتوضأ ويَنْزِعُ خُفَّيه؛ لأنه لما مرَّ بماء يكفيه للاغتسال بعد لبس الخف، عاد جنباً، فيجب عليه نَزْعُ الخُفَّينِ.
الجزء 1 · صفحة 27
إِذا لَبِسَ الخُفَّين على طهارة كاملة، ثم أحدث، فإن كان مقيماً، مسح يوماً وليلة وعند مالك: لا يمسح المقيم وإن كان مسافراً، مسح ثلاثة أيام ولياليها وعند مالك: مدة المسح في حق المسافر غير مؤقتة، بل يمسح عليهما كما شاءَ إذا لبسهما على الطهارة.
وابتداؤها عقيب الحَدَثِ عندنا، وعند الشافعي من وقت المسح، وعند مالك من وقت اللبس 4.
والمَسحُ على الخُفَّين. على ظاهرهما وعند الشافعي: المَسْحُ على. ظاهر الخف فرض، وعلى باطِنِهِ سُنَةٌ 5 خُطوطاً بالأصابع، يبدأ من رؤوس الأصابع إلى الساق والبداية من الأصابع استحباب، اعتباراً بالأصل، وهو الغسل، ولو بدأ من أصل الساق ومد الأصابع جاز.
وفرض ذلك: مقدار ثلاثة أصابع من أصابع اليد سواء مدها من رؤوس الأصابع إلى الساق، أو وضعها وضعاً ثم رفعها ..
وقال الكرخي: من أصابع الرجل، والأصح ما في الكتاب؛ لأن المسح يتأذى باليد والرجل محله، والفعلُ لا يُضافُ إلى محله، بل إلى فاعله.
ولا يجوز المسح على خفَّ فيه خَرْقٌ كثير بالثاء المنقوطة المثلثة الفوقية، أو بالباء المنقوطة بالواحدة التحتية، والأول أولى، يدل على ذلك ما بعده، وهو قوله: وإن كان أقل من ذلك جاز يتبيَّن منه أي: يظهرُ ويُرى مقدار ثلاث أصابع من أصابع الرجل إنما اعتبر في الخَرْقِ أصابعُ الرِّجْلِ؛ لأنَّ الخَرْقَ يمنعُ قطع السفر وتتابع المشي به، والمشي يوجد من الرّجل فاعتبر به، ثم المعتبر أصغر الأصابع على الأصح احتياطاً.
وقال شمس الأئمة: المعتبر في الخَرْقِ أكبر الأصابع إذا كان الخَرْقُ عند أكبر الأصابع، وإن كان عند أصغر الأصابع يعتبر أصغر الأصابع.
فإن كان أقل من ذلك جاز وقال زُفرُ والشافعي: لا يجوز مطلقاً قل أو كثر.
ولا يجوز المسح على الخُفَّين لمن وجب عليه الغُسل للحديث، وقد مرَّ صورته.
ويَنْقُضُ المسح ما ينقض الوضوء وشيء آخر أيضاً كما قال: ويُنقضه أيضاً نَزْعُ الخُفْ، ومُضِيُّ المُدةِ. فإذا مَضَتِ المُدة نَزَعَ خُفَّيهِ، وَغَسَلَ رِجْلَيه، وصلّى، وليس عليه إعادة بقية الوضوء وعبارة «الوقاية» هذه: وناقضه ناقض الوضوء، ونَزْعُ الخُفْ، ومضي المدة، وبعد أحد هذين على المتوضّى غَسْلُ رِجْلَيه فَحَسْبُ.
الجزء 1 · صفحة 28
ومن ابتدأ المسح وهو مقيم، فسافر قبل تمام يوم وليلة، مَسَحَ تمام ثلاثة أيام ولياليها عملاً بإطلاق الحديث، بخلاف ما إذا اسْتَكْمَلَ المُدَّةَ ثم سافر؛ لأنَّ الحدث قد سرى إلى القَدَمِ، والخُفْ ليس برافع.
ومن ابتدأ المسح وهو مسافر ثم أقام، فإن كان مسح يوماً وليلةً أو أكثر، لَزِمَهُ نزعُ خُفَّيهِ لاستكماله مدة الإقامة، ورخصة السفر لا تبقى بعده وغَسْلُ رِجليه، وإن كان مسح أقل من يوم وليلةٍ، تَمَّمَ مَسْحَ يوم وليلة ليستكمل مُدَّةَ الإقامة.
ومن لبس الجُرْموق هو الذي يُلبس [فوق الخُفْ] فوق الخفْ مَسَحَ عليه هذا فيما إذا لَبِسَهُما فوقَ الخُفَّين قبل أن يُحْدِثُ، فلو أحدث ومسح بالخف، ثم لبس الجُرموق، لم يمسح على الجرموق، ثم هذا المَسْحُ عندنا. وعند الشافعي: لا يجوز المسح على الجرموق؛ إذ البدل لا يكون له بدل 4، ولنا: مَسْحُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهما 5.
ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفة رضي الله عنه، إلا أن يكونا مُجَلَّدَين جورب مجلد الذي وُضِعَ الجلد على أعلاه وأسفله أو مُنْعَلَين بالتخفيف وسكون النون، يقال: أنعَلَ الخُفَّ ونَعَلَه جَعَلَ له نعلاً، وجورب مُنْعَل: هو الذي وضع على أسفله جلدةٌ كالنعل للقدم وقالا: يجوز المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين بحيث يستمسكان على السَّاقِ بلا [شَدَّ] لا ينشفان الماء تأكيد للثخانة.
قال في «الكافي»: قال أبو حنيفة أولاً: لا يجوز المسح على الثخينين؛ لأنَّ مواظبة المشي فيه غير ممكن، فصار كالرقيق، ولما مَرِضَ قال لعوّادِهِ: فعلتُ ما كنت منعت عنه. فاستدلوا على رجوعه، والفتوى على قولهما 4.
ولا يجوز المسح على العمامة، والقلنسوة، والبَرْقُع، والقفازين في الأصح المختار؛ لأنَّ الرخصة لدفع الحَرَج، ولا حرج في نَزْعِ هذه الأشياء.
ويجوزُ المَسْحُ على الجبائر وإن شدَّها على غير وضوء؛ لفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك وأمره علياً بذلك، فإن سَقَطَت الجبيرة عن غيرِ بُرْءٍ، لم يَبْطُلِ المَسْحُ؛ لقيامِ العُذرِ وإن سَقَطَتْ عن بُرءِ، بَطَلَ؛ لِزَوالِهِ، والله أعلم.
باب الحيض
الجزء 1 · صفحة 29
أقل الحيض: ثلاثة أيام ولياليها، وما: ا نقص من ذلك فليس بحيض، وهو استحاضة، وأكثره عشرة أ أيام، وما زاد على ذلك. فهو استحاضة هذا عندنا.
وعند الشافعي: أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً، وعند أبي يوسف: أقله يومان وأكثر اليوم الثالث؛ إقامة [الأكثر مقام الكل.
وما تراه المرأة من الحُمْرة، والصفرة، والكدرة وتفسير الكدرة: أن يكون على لون الماء الكَدِرِ في أيام الحيض، فهو حَيْضُ حتى ترى البياض خالصاً الحمرة والصفرة في أيام الحيض حيض بالإجماع، وكذا السواد، والخضرة، والكدرة، على كل حال، تقدَّم أو تأخَّرَ، والأصل فيه قوله تعالى: {قُلْ هُوَ أَذَى
[البقرة:] وجميع هذه الألوان في حكم الأذى إلا البياض الخالص؛ لقول عائشة رضي الله عنها: ما سوى البياض الخالص حَيْضُ.
وقال أبو يوسف: إن تقدمت الكدرة لا يكون حيضاً، وإن تأخرت يكون [حيضاً]؛ لأنَّ كُدرة الشيء يتبع ما فيه، فلو كان من الرحم، لتأخر الخروج عن الصافي.
قلنا: لا يتبع؛ لأنَّ فَمَ الرَّحِم منكوس، فتخرُجُ الكدرة أولاً كالجَرَةِ إِذا ثُقِبَ أسفلها.
والحيض يُسقط عن الحائض الصلاة، ويُحَرِّمُ عليها الصوم، وتقضي الصوم؛
إذ لا حرج فيه ولا تقضي الصلاة دفعاً للحرج، وتحقيقه: أن الحيض يمنع وجوب الصلاة، وصحة أدائها، لكن لا يمنع وجوب الصوم، فَنَفْسُ وجوبه ثابتة، بل يمنع صحة أدائه، فيجب القضاء إذا طَهُرَت.
ولا تدخل الحائض المسجد للحديث تعظيماً لشأن المسجد، وكذلك الجنب، إلا عابري سبيل ولا تطوف بالبيت وإن حاضت بعد الدخول، وكذلك إذا طافت خارج المسجد، لا يجوز مع جوازه للطاهر؛ لما أنَّ الطواف بالبيت كالصلاة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الطَّوافُ بالبَيْتِ صَلاةٌ».
ولا يأتيها زوجها فلو قالت: حِضْتُ، وكذَّبَها الزَّوجُ، حَرُمَ وطؤها، وإِنْ وطئها لا شيء عليه سوى التوبة.
وقيل: إن كان في أوَّل الحيض، يُستَحبُّ أن يتصدق بدينار، وفي آخره بنصف.
وقال بعض الناس: يجب، وإن استباحا ذلك يكفران بالإجماع.
قال في الكشاف»: وبين الفقهاء خلاف في الاعتزال:
الجزء 1 · صفحة 30
فأبو حنيفة وأبو يوسف يوجبان اعتزال ما اشتمل عليه الإزار.
ومحمد بن الحسن رضي الله عنه لا يوجب اعتزال الفَرْجِ.
وروى محمد حديث عائشة رضي الله عنها: أنَّ عبد الله بن عمر سألها: هل يُباشِرُ الرجل امرأته وهي حائض؟ فقالت: تَشُدُّ إزارها على سَفِلَتِها، ثم ليُباشِرُها إن شاء، وما روى زيد بن أسلم أنَّ رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما يَحِلُّ من امرأتي وهي حائض؟ قال: «لِتَشُدَّ عليها إزارها، ثمَّ شأنك بأعلاها»، ثم قال: وهو قول أبي حنيفة رَحِمَهُ اللهُ.
وقد جاء ما هو أرخص من هذا عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يجتنب شعار الدم، وله ما سوى ذلك.
ولا يجوز لحائض ولا نُفَساء ولا جُنُب قراءة القرآن بخلاف المُحْدِث؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَقْرَأُ الحائض والجنب شيئاً من القرآن، وهو حجة على مالك في الحائض، وهو بإطلاقه يتناول ما دون الآية، فيكونُ حُجَّةً على الطحاوي في إباحته 4.
ولا يجوز المُحْدِثٍ مَسَّ المُصْحَفِ إلا أن يأخُذَهُ بغلافه والمراد: غلاف متجاف 5، أي: ما يكون بائناً بين الماس والممسوس، ولا يكون تبعاً لأحدهما، كالكم في حق الماس، والجلد المُشَرَّزِ في حق الممسوس على الأصح.
وقيل: المكروه مس المكتوب لا موضع البياض، ذكره الإمام التمرتاشي ?.
ولا بأس بكتابة القرآن إذا كانت الصحيفة أو اللوح على الأرض أو الوسادة عندهما.
ولو تمضمض الجُنُبُ أو غَسَلَ يديه، روي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه قال: لا بأس أن يقرأ القرآن أو يَمَسَّهُ.
قال العلامة نجم الدين الزاهدي: ورأيتُ جواب أستاذي نجم الأئمة البخاري في «الفتاوى»: أنه لا بأس به.
واختلفوا في مس المُصْحَفِ بما عدا أعضاء الطهارة، وبما غُسِلَ من الأعضاء قبل كمال الوضوء، والمنع أصح، كذا في «الكفاية».
وإذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيام، لم يَجُز وطوها حتى تغتسل، أو يمضي عليها وقت صلاة كاملة يوجد الجواز بمضي وقت يسع الغُسل والتحريمة.
الجزء 1 · صفحة 31
فإن انقطع دمها لعشرة أيام، جاز وطؤها قبل الغُسل؛ إذ لا مزيد للحيض على العشرة، إلا أنه لا يُستحب للنهي في القراءة بالتشديد.
قال في «الكشاف» في قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:] وقرئ: يطهرن أي: يتطهرن، بدليل: فإذا تطهَّرن، وقرأ عبد الله: حتى يتطهرن، و يطهرن بالتخفيف، والتطهر الاغتسال، والظهر: انقطاع دم الحيض، وكلتا القراءتين مما يجب العمل به، فذهب أبو حنيفة رضي الله عنه إلى أنه له أن يقربها في أكثر الحيض بعد انقطاع الدم وإن لم تغتسل، وفي أقل الحيض لا يقربها حتى تغتسل، أو يمضي عليها وقت صلاة.
وذهب الشافعي رَحِمَهُ الله إلى أنه لا يقربها حتى تطهر وتتطهر، فجمع بين الأمرين، وهو قول واضح، ويعضده قوله: فإذا تطهرن.
والظهر إذا تخلل بين الدَّمين في مدة الحيض، فهو كالدم الجاري في أصحالروايات عنه؛ لأن استيعاب الدم مدة الحيض ليس بشرط بالإجماع، فيُعتبرُ أوَّلُهُ وآخره كالنصاب في باب الزكاة، وصورته مراهقة رأت يوماً دماً وثمانية ظهراً ويوماً دماً. يكون الكل حيضاً عنده، وفي رواية أخرى عن أبي حنيفة: يُشترط نصاب الحيض في المدة، وهي ثلاثة أيام ولياليها.
وأقل الظهر: خمسة عشر يوماً، ولا غاية لأكثره؛ لأنه قد يمتد إلى سنة فما فوقها، فما دامَتْ تَرى الظهر تصومُ وتُصلّي، وإن استغرق عُمُرَها.
ودم الاستحاضة: هو ما تراه المرأة أقل من ثلاثة أيام، أو أكثر من عشرة أيام، فحكمه حكم الرعاف الدائم، لا يمنع الصوم ولا الصلاة ولا الوطء قال في الجامع الصغير»: المستحاضة: مَن لا تَجِدُ وقت صلاة بلا عُذرٍ.
وإذا زاد الدم على عشرة أيام، وللمرأة عادة معروفة دونها رُدَّت إلى أيام عادتها، وما زاد على ذلك فهو استحاضة. وإن ابتدأت مع البلوغ مستحاضة حال مقدرة، كما في قوله تعالى: {فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: ? فحيضها عشرة أيام من كل شهر، والباقي استحاضة فيكون حيضها: عشرة أيام، وطهرها: عشرون عندنا.
وللشافعي فيه قولان:
في قول: يوم وليلة؛ لأنه متيقن.
الجزء 1 · صفحة 32
وفي قول: يُعتبر بحيض نساء عشيرتها، وهي ست، أو سبع، وهو الأصح، كذا في المذهب.
والمستحاضة، ومَن بِهِ سَلَسُ البَولِ، والرُّعافُ الدائم، والجرح الذي لا يَرْقاً، يتوضؤون لوقت كل صلاة، فيُصلّون بذلك الوضوء في الوقت ما شاؤوا من الفرائض والنَّوافِلِ ما لم تُحْدِثُ حَدَثاً آخر، ما بقي الوقت، وهذا عندنا.
وعند الشافعي: تتوضَّأُ لكل فرض؛ لأنَّ هذه طهارة ضرورية جوزت مع المنافي، فالضرورة في حق الفَرْضِ، فإذا صلَّت الفَرْضَ، فقد ارتفعت الضرورة، فظَهَرَ حُكم المُنافي.
ولنا قوله: «المُسْتَحاضةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، وتُصَلِّي بوضوئها ما شاءَتْ مِنَ الفَرائِضِ والنَّوافِلِ؛ ولأنَّ الوقتَ شُرِعَ للأداء، فأُقِيمَ الوقتُ مُقامَ الأداء تسهيلاً للأمر عليها؛ لأنَّ الأداء قد يطول وقد يقصر.
فإذا خَرَجَ الوقتُ، بَطَلَ وُضوؤهُم أي: تنتَقِضُ الطهارة عند خروج الوقت عند أبي حنيفة ومحمد لا غير، وعند زفر: عند دخول الوقت لا غير، وعند أبي يوسف: عند أيهما كان.
وثمرة الخلاف بين أبي يوسف وصاحبيه تظهر فيما إذا توضأ بعد طلوع الشمس فزالت الشمس، حيث ينتقض عند أبي يوسف لوجود دخول الوقت، ولا ينتقض عندهما لعدم الخروج، ولو توضأ في وقت الفجر، ثم طَلَعَتِ الشمس ينتقض عندهم للخروج، إلا عند زُفَرَ لعدم الدخول.
وإنما قال: وكان عليهم استئناف الوضوء لصلاة أخرى مع أنه يلزم من قوله: بَطَلَ وضوؤهم؛ لجواز أن يبطل الوضوء لحق صلاة، ولا يبطل الصلاة أخرى، ولا يجب الاستئناف لحق تلك الصلاة، كما قال الشافعي ببطلان طهارة المستحاضة للمكتوبة بعد أدائها، وبقاء طهارتها للنوافل.
والنفاس: هو الدَّمُ الخارج عقيب الولادة، والدم الذي تراه الحامل ابتداء وما تراه المرأة في حال ولادتها قبل خروج الولد استحاضة عندنا، وعند الشافعي من اعتباراً بالنفاس. حيض
ولنا: أنَّ الحيض دمُ رَحِمٍ، وخروج الدم من رَحِمِ الحامل لا يُتَصَوَّرُ لانسدادِهِ بالولد.
الجزء 1 · صفحة 33
وأقل النفاسِ لا حَدَّ لَهُ؛ لأنَّ تقدم الولد أمارة ظاهرة على كون الدم من الرحم، فلا حاجة إلى ما يؤيد كونه من الرَّحِمِ، بخلاف الحيض؛ فإنَّه لم يوجد هناك ما يدل على أنها من الرحم، فَجَعَلَ الامتداد مرجحاً وأكثره: أربعون يوماً عندنا، وعند الشافعي: ستون يوماً.
وبالجملة أكثر النفاس أربعة أمثال أكثر الحيض، فعلى قوله أربعة أضعاف خمسة عشر يكون ستين، وعلى قولنا أربعة أضعاف عشرة يكون أربعين.
وما زاد على ذلك فهو استحاضة. وإذا جاوز الدم الأربعين، وقد كانت هذه المرأة ولدت قبل ذلك، ولها عادة معروفة في النفاسِ، رُدَّت إلى أيام عادتها كما عرفت في الحيض فإن لم يكن لها عادةً [فابتداء] نفاسها أربعون يوماً لإمكان جَعْلِهِ نفاساً.
ومَن وَلَدت وَلَدَين في بَطْنٍ واحدٍ، فنفاسُها ما خَرَجَ مِن الدَّمِ عَقيبَ الولد الأول عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمدٌ وزُفَرُ: من الولد الثاني لانقضاء العدة [به]، ولهما أنَّ النفاس مأخوذ من تنفسِ الرَّحِمِ، أو من خروج النَّفس، وأيهما كان فقد وُجِد، فكان نفاساً، والعدة تعلقت بوضع حَمْلٍ مضاف إليها، فيتَناوَلُ الجميع، والله أعلم.
باب الأنجاس
تطهير النجاسة أي: إزالتها واجبٌ مِن بَدَنِ المُصلّي، وثَوبِهِ، والمكان الذي يُصلّي عليه. ويجوز تطهير النجاسة بالماء وبكل مائع طاهر يمكن إزالتها به، كالخل، وماء الورد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد وزُفَرَ والشافعي: لا يجوز إلا بالماء.
وإذا أصابَتِ الخُفَّ نَجاسة لها جزم كالروث، والعذرة، والدَّمِ، والمني فجفت، فدَلَكَهُ بالأرض؛ جاز خلافاً لمحمد إلا في المني خاصة.
والمني نَجِسٌ يجبُ غَسْلِ رَطْبِهِ، فَإِذا جَفَّ على الثوب أجزأ فيه الفَرْكُ؛ لقوله لعائشة رضي الله عنها: «فاغْسِليهِ إنْ كانَ رَطْباً، وافركيه إن كان يابساً».
وقال الشافعي رَحِمَهُ اللهُ: المَني طاهر، والحديث حجة عليه.
والنجاسة إذا أصابَتِ المرآة أو السَّيف اكتفي بمَسحِهِما إذا لم يَتَدَاخَلُهُ النجاسة، وما على الظاهر يزولُ بالمسح.
الجزء 1 · صفحة 34
وإذا أصابت الأرض نجاسةٌ، فَجَفَّتْ بالشمس وذهب أثرها، جازَتِ الصلاةُ على مكانها؛ لأن طهارة الأرض يُبْسُها، بذلك ورد الحديث 4، خلافاً لزُفَرَ والشافعي رَحِمَهُما الله حيث لم يوجد المزيل، ولا يجوز التيمم بها وبهذا تعلق زُفَرُ والشافعي في عدم جواز الصلاة عليها 5.
قلنا: اشتراط طهارة التراب في التيمم ثبت بنص قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا
صَعِيدًا طيبا [المائدة: 6، فلا يتأدى بما ثبت بالحديث.
ومن أصابته من النجاسةِ المُغَلَّظَةِ كالدم، والبول، والغائط، والخَمْرِ وخرء الدجاج، وبول الحمار مقدار الدرهم فما دونه؛ جازت الصلاة معه، وإن زاد لم يَجُز هذا عندنا.
وعند زُفَرَ والشافعي: لا يجوز مطلقاً، قليلاً أو كثيراً.
وإن أصابته نجاسة مخففة، كبَولِ ما يُؤكل لحمه وكذا بولُ الفَرَسِ جازت الصلاة معه، ما لم تبلغ رُبع الثوب قيل: المراد بربع: أدنى ثوب يجوز فيه الصلاة، كالمئزر، وقيل: ربع الموضع الذي أصابه، كالذيل والكم مثلاً.
وتطهير النجاسة التي يجب غسلها على وجهين:
فما كان له منها عَيْنٌ مَرتيَةٌ؛ فطَهَارَتُهُ زوال عينها، إلا أن يبقى من أثرها ما يَشُقُ إزالتها؛ لأنَّ الحَرَج موضوع شرعاً.
وما ليس له عين مرئية أي: بعد الوصول والجفاف، كالبول، والخمر فطهارَتُهُ أَن يُغْسَلَ حتى يغلب على ظَنِّ الغاسل أنَّه قد طَهُرَ فقيل: يغسِلُهُ ثلاثاً، ويعصره في كل مرة إن أمكن، وإلا يُعْسَلُ ويُترَكُ إِلى عَدَمِ القطرات، ثُمَّ وَثُمَّ، وهكذا، وذلك لأنَّ غالب الظَّنِّ يحصل عنده، يؤيده قوله: «إذا استيقظ أحدُكُم من منامه ... إلى ا آخر الحديث؛ لأنه لما أمر بالغسل ثلاثاً بالنجاسة الموهومة ففي النجاسة المتحققة أولى.
والاستنجاء سُنَّةٌ يُجْزِئُ فيه الحَجَرُ، وما قامَ مَقامَه كالمَدَرِ يَمْسَحُهُ حتى ينقيه، وليس فيه عَدَد مسنون عندنا.
قال العلماء: إن حَصَلَ الإنقاء بحجر واحد؛ يكتفي به، ويكون مقيماً للسنة وإلا فالسُّنَّةُ ثلاثة أحجار، أو حَجَرٌ له ثلاثة أطراف، وتاركه مسيء.
وقال الشافعي رَحِمَهُ اللهُ: السُّنَّةُ في أحجار الاستنجاء: الثلاث بكل حال في الأصح عنده.
الجزء 1 · صفحة 35
وغَسْلُهُ بالماء أي: بعد الحَجَرِ أفضل وقيل: أدب، وقيل: سُنّة في زماننا؛ لأن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يَبْعَرون بعراً، والقوم يَثْلِطُونَ ثلطا.
وصفة الاستنجاء: أن يستنجي بيدِهِ اليُسرى بعدما استرخى كل الاسترخاء، إذا لم يكن صائماً، ويُصَدِّدُ الرَّجُل أُصْبُعَهُ الوسطى على سائر الأصابع صعوداً قليلاً في ابتداء الاستنجاء، ويغسِلُ موضِعَهُ، ثم يُصَعّدُ بِنْصِرَهُ إِذا غَسَلَ مَرَّات، ثم يُصعد خنصره، ثم سبابته، ويغسل موضعه حتى يطمئن قلبه أنه قد طَهُرَ.
والمرأة تُصَعّدُ بِنْصِرَها وأوسطها جميعاً معاً، ثم تفعل بعد ذلك كما يفعل الرجل على ما وصفنا؛ لأنها لو بدأت بإصبع واحدة كالرجل، عسى أن يقع إصبعها في موضعها فتتلذذ، فيجب عليها الغُسل وهي لا تشعر به، كذا قال الإمام ظهير الدين في فتواه، وأنت ترى أنه جعل جملة الأصابع أربعة، والمذكور في «الوقاية»: [غسله] ببطن إصبع أو إصبعين أو ثلاث 5.
واعلم أنه لا يُقَدَّرُ الغسل بالمرات إلا إذا كان موسوساً، فيقدر بالثلاثة [في
حقه، وقيل: بالشبع، وقيل: بالتسع، وقيل: بالعَشْرِ.
ومنهم من قدَّر في الإحليل بالثلاث، وفي المَقعَدِ بِالخَمْسِ.
فإن جاوزت النجاسة مخرجها، لم يَجُز فيه إلا الماء في الأصح وفي بعض النسخ: إلا المائع.
ولا يستنجي بعظم لورود النهي؛ لأنه طعامُ الجِنِّ ولا بروث كذلك للنجاسة، فإن ارتكب النهي واستنجى بهما، يُجزته؛ لحصول المقصود ولا بطعام؛ لأنه إضاعة وإسراف ولا بيمينه؛ لورود النهي، والله أعلم.
كتاب الصلاة
الصلاة في اللغة: عبارة عن الدعاء، وفي الشريعة: [عبارة] عن أركان معلومة، وأفعال مخصوصة. ولما كانت عماد الدين بدأ بها، ولما كانت الأوقات أسباباً لنفس وجوب الصلاة، قدَّمَ ذكرها قائلاً:
أول وقت صلاة الفَجْرِ، إنما بدأ ببيان وقت الفجر مع أنَّ الظُّهَرَ أَوَّلُ صلاة فرضَتْ؛ لأنه متفق عليه، حيث لم يختلفوا في أوله وآخره، أو لكونه أول النهار إذا طلع الفجر الثاني، وهو البياضُ المُعتَرِضُ في الأُفُقِ [احْتَرَزَ بالمعترض عن الفجر المستطيل، وهو الفجر الكاذب الذي
الجزء 1 · صفحة 36
يعقبه ظلام وآخِرُ وقتها: ما لم تطلع الشمس. وأول وقت الظهر: إذا زالَتِ الشمس، وآخر وقتها عند أبي حنيفة رضي الله عنه: إذا صار ظلُّ كل شيء مثلَيْهِ سوى في الزَّوالِ في «المبسوط»: طريق معرفة الزوال أن تنصب عوداً مستوياً في أرض مستوية، فما دام ظل العود في النقصان، عُلِمَ أنَّ الشمس في الارتفاع لم تزل بعد، وإن استوى الظلُّ عُلِمَ أَنَّه حالةُ الزَّوالِ، فإذا أخذ الظل في الزيادةِ، عَلِمَ أنها زالَتْ، فيخط على رأس الزيادة، فيكون من رأس الخط إلى العود في الزَّوالِ، فإذا صارَ ظِلُّ العود مثلَيْهِ من رأس الخط لا من
العود، خرج وقت الظهر عنده، وعندهما: إذا صار مثله من ذلك الخط، كما قال:
وقالا: آخر وقتها: إذا صار ظلُّ كل شيء مثله. وأوَّلُ وقتِ العَصْرِ: إذا خرج وقت الظهر على القولين فعندنا: إذا صارَ ظِلُّ كُلَّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ يخرجُ وَقتُ الظهر، ويدخل وقت العصر، وعندهما: إذا صار ظِلُّ كُلَّ شَيْءٍ مثلَهُ يَدْخُلُ العَصْرُ وآخر وقتها: ما لم تَغْرُبِ الشمس أي: زمانٌ قُبيل غُروب الشمس.
وأوَّلُ وقتِ المَغْرِبِ: إِذا غَرَبَتِ الشمس، وآخر وقتها: ما لم يَغِبِ الشَّفَقُ، وهو البياض الخالِص الذي يُرى في الأُفُقِ بعد الحمرة عند أبي حنيفة، وقالا: هو الحمرة وهو رواية عن أبي حنيفة، وعليه الفتوى.
وأول وقت العشاء: إذا غابَ الشَّفَقُ، وآخِرُ وقتها: ما لم يَطْلع الفجر. وأوَّلُ وقت الوثر: بعد العشاء، وآخر وقتها: ما لم يطلع الفجرُ. وَيُسْتَحَبُّ الْإِسْفَارُ بِالفَجْرِ أسفر الصبح أضاء، وفي الحديث: «أسْفِرُوا بالفَجْرِ؛ فإنَّه أَعْظَمُ للأجْرِ أي: صَلُّوا صلاةَ الفَجْرِ مُسْفِرِينَ، هذا عندنا، خلافاً للشافعي رَحِمَهُ اللهُ، قَالَ: وَأُحِبُّ تعجيل الصلاة لأول وقتها.
والإبراد بالظهر في الصيف، وتقديمها في الشتاء.
ويُستَحَبُّ تأخيرُ العَصْرِ ما لم تَتَغَيَّرِ الشمس في الصيف والشتاء.
و يُستَحَبُّ تعجيلُ المَغرِب؛ لأنَّ تأخيرها مكروه؛ لما فيه من التشبه باليهود، وقال - صلى الله عليه وسلم -: لا تَزالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ ما عَجَّلوا المَغَرِبَ وأخروا العِشاء».
و يُسْتَحَبُّ تأخيرُ العِشاء إلى ما قَبْلَ ثُلُثِ الليل؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لولا أنْ أشُقَّ على أُمَّتي لأخَّرْتُ العِشاء إلى ثُلُثِ الليل» 4.
الجزء 1 · صفحة 37
ويُسْتَحَبُّ في الوِتْرِ لِمَن يألف صلاة الليل أي: يُستَحَبُّ لمن يَثِقُ بالانتباه إلى أن يؤخر الوِتْرَ إلى آخر الليل لا لغيره، كما قال: فإن لم يَثِقُ بالانتباه، أوْثَرَ قبل النوم؛ إذ بذلك ورد الحديث، والله أعلم.
باب الأذان
الأذانُ سُنَةٌ للصَّلواتِ الخَمْسِ والجُمُعة أي: سُنّة للفرائض فحسب دون ما سواها كالتراويح، والوتر، والعيدين، والكسوف؛ لأنَّ السُّنَنَ والتطوُّعات مكملات للفرائض وأتباع لها، فالأذان للأصل أذان للتبع، والوتر وإن كان واجباً عنده، لكنه يؤدى في وقت العشاء، فاكتفى بأذانه.
وصفة الأذان أن يقول: الله أكبر الله أكبر ... إلى آخره فهي خمس عشرة كلمة، وعند أبي يوسف ورواية للحسن: ثلاث عشرة 4؛ لتركهما تكبيرتين من أوله، وعند الشافعي رَحِمَهُ اللهُ: تسع عشرة مع الترجيع، وعند مالك رَحِمَهُ الله: سبع عشرة؛ لتركه تكبيرتين من [أوله].
ولا ترجيع فيه عندنا، خلافاً للشافعي رَحِمَهُ الله؟.
وكيفيته: أن يذكر الشَّهادتين مع خفض الصوت مرتين، ثم يعود فيذكرهما برفع الصوت، والصحيح: أنه ليس بركن؛ إذ لا إبلاغ فيه.
ويزيد في أذان الفجر بعد «الفلاح»: الصلاة خير من النوم، مرتين. والإقامة مثل الأذان، إلا أنه يزيد فيها بعد الفلاح»: قد قامت الصلاة، مرتين.
ويترسل في الأذان أي: يفصل بين الكلمتين، وفي الصحاح»: ترسل في قراءته، أي: اتَّادَ فيه وَيَحْدُرُ في الإقامة الجوهري: حَدَرَ في قراءتِهِ [وأذانِه] يَحْدُرُ
حذراً، أي: أسرع.
ويستقبل بهما القبلة، فإذا بلغ إلى الصلاة، والفلاح؛ حول وجهه يميناً وشمالاً مع ثبات قدميه مكانهما، قال في الجامع الصغير»: ويستقبل في أذانه إلا في الحَيْعَلة؛ لأن في الأذان مناجاة ومناداة، فيستقبل بالمناجاة، ويتوجه في المناداة، ولا بأس أن يستدير في صومعته؛ لأنه أبلغ في الإعلام.
الجزء 1 · صفحة 38
ويُؤذِّنُ للفائتة ويُقيم أي: إذا صلى فائتة واحدةً فإن فاتته صلوات، أَذَّنَ للأولى وأقام، وكان مخيراً في الثانية؛ إن شاء أذَّنَ وأَقامَ، وإن شَاءَ اقْتَصَرَ على الإقامة قيل: هذا الخيار فيما إذا قضاها في مجلس واحد، أما إذا قضاها في مجالس، يُشترط كلاهما.
وينبغي أن يؤذن ويقيم على طهر، فإن أذن على غير وضوء جاز، ويُكره أن يُقيم على غير وضوء ولم يُعادا أو أن يُؤذِّنَ وهو جُنبٌ أي: يُكره أذان الجنب، وكذا إقامته، فيعاد هو لا هي؛ لأن تكرار الأذان مشروع في الجملة، كما في الجمعة فيعاد أذانه في الأصح، بخلاف الإقامة، حيث لم يُشرع تكرارها.
ولا يُؤذن لصلاة قبل دخول وقتها ومن ثم قالوا: ينبغي أن يكون المؤذن عالماً بالأوقات؛ لينال ثواب المؤذنين، فلو أذن قبل الوقت، يُعاد في الوقت عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وقال أبو يوسف، والشافعي رَحِمَهُما الله: لا يُعاد في الفجر، فعندهما لا يكره لو أذن في النصف الأخير من الليل 5، والله أعلم.
باب شروط الصلاة
وقوله: التي تَتَقَدَّمُها [صفةٌ] مؤكدة لا مُميزة؛ إذ ليس من الشروط ما لا يكون متقدماً حتى يكون احترازاً عنه، وهو قريب من أسلوب قوله تعالى: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا} [المائدة: 44].
وقوله: يجب على المُصلّي أن يُقدِّم الطهارة إنما أعاده، وإن كان قد علم مما تقدم كونها شرطاً للصلاة؛ ليكون الباب مشتملاً على جملة الشروط من الأحداث الحكمية والأنجاس الحقيقية على ما قدمناه في باب الأنجاس.
ويستر عورته، والعورة من الرَّجُلِ: ما تحت السرة إلى الركبة، والركبة من العورة عندنا، خلافاً للشافعي، وفي الشرة الخلاف على العكس.
وبَدَن المرأة الحرة كله عورة، إلا وجهها، وكفيها، وقدميها ذِكْرُ القدمين في بعض النسخ متروك، فيكون تنصيصاً على أنَّ القَدَم عورة، والصحيح: أنها ليست بعورة؛ لأنها تُبتلى بإبداء القَدَمِ إِذا مَشَتْ حافية، أو متنعلة، فربما لا تجد الخف.
الجزء 1 · صفحة 39
وما كان عورة من الرجل، فهو عورة من الأمة مع زيادة؛ إليها أشار بقوله: وبطنها وظهرها عورة، وما سوى ذلك من بَدَنها فليس بعورة بذلك ورد الأثر؛ لقول عمر رضي الله عنه: ألقي عنك الخمار يا دفار، أتتشبهين بالحرائر؟!.
ومن لم يجد ما يُزيل به النجاسة، صلى معها ولم يُعد صلاته فإن صلى عارياً وربع ثوبه طاهر، لم يجز، وفي أقل من ربعه الأفضل صلاته فيه.
ومن لم يجد ثوباً صلى عرياناً قاعداً المراد من القعود: أن يمد رجليه نحو القبلة يومى بالركوع والسجود كما فعله الصحابة رضي الله عنهم فإن صلى قائماً أجزاء، والأول أفضل وجه القيام: أداء الأركان، لكن نُدِبَ القُعود؛ لأن ستر العورة الغليظة وَجَبَ لِحَقِّ الصلاة وحق الناس، وذا إنما يحصل بالقعود في حق العريان، على أنه لا خَلَفَ للسَّتْرِ إذا صلى قائماً، والإيماء خَلَفٌ عن الأركان.
وينوي للصلاة التي يدخل فيها بنية لا يَفْصِلُ بينها وبين التحريمة بعمل لا يليق بالصَّلاةِ قال في شرح الطحاوي»: الأفضل أن يَشْغَلَ قلبه بالنية، ولسانه بالذكر، ويده بالرفع.
قال في «الهداية والنية: هي الإرادة، ثم جَعَلَ الشَّرط أن يعلم بقلبه أي صلاة يصلي، لكن الأصح أنه لا يكون نية؛ لأنَّ النية غير العلم بها، ألا يرى أن مَن عَلِمَ الكفر لا يكفر، ولو نواه يكفُرُ، والمسافر إذا عَلِمَ الإقامة لا يصير مقيماً، ولو نواها يصير مقيماً؟
وعبارة «الوقاية هكذا: ويَصِلُ قَصْدَ قلبه صلاته بتحريمتها، والقصد مع لفظه أفضل.
ويكفي للنقل والتراويح وسائر السُّنَنِ نية مطلق الصلاة، وللفَرْضِ شرط تعيينه، لا نية عدد ركعاته، وللمقتدي نية صلاته واقتدائه 5 به.
ويستقبل القبلة إلا أن يكون خائفاً، فيصلي إلى أي جهة قَدَرَ؛ إذ قبلة خائف الاستقبال جهة قُدْرَتِهِ.
فإن اشتبهت عليه القبلة، وليس بحضرته من يسأل له عنها، اجتهد وصلى؛ فإن الصحابة رضي الله عنهم تحروا وصلوا، ولم ينكر عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
فإن عَلِمَ أَنَّه أخطأ بعدما صلّى، فلا إعادة عليه عندنا، وعند الشافعي: يُعيد إذا اسْتَدبر.
الجزء 1 · صفحة 40
وإن علم ذلك أي: الخطأ، [أو] تحول رأيه إلى أخرى وهو في الصلاة استدار إلى القبلة، وبنى عليها؛ لأنَّ أهل قباء لما سمعوا بتحول القبلة استداروا كهياتهم، واستَحْسَنَهُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 5، والله أعلم.
باب صفة الصَّلاةِ
قال في «الكفاية»: الوصف والصفة مصدر، كالوعد والعدة، والمتكلمون فرقوا بينهما، فقالوا: الوصف يقوم بالواصف، والصفة تقوم بالموصوف، فقول القاتل: زيد عالم، وصف لزيد، لا صفة له، وعلمه القائم به صفته، لا وصفه.
فرائض الصلاة سنة
هذا على تأويل: فروض الصلاة سنة، وذكرها بلفظ الفرائض؛ لما أنها أعم من الأركان والشروط؛ إذ لفظ الفرائض يتناولهما؛ فإن الأربعة منها، وهي: القيام والقراءة، والركوع والسجود أركان أصلية، والتخريمة شرط جواز الصلاة والقعدة الأخيرة وإن كانت فرضاً إلا أنها ليست بركن أصلي في الصلاة، بدليل: أنها لم تشرع في الركعة الأولى، وإنما شرعت هي شرطاً للتحليل، كذا في مبسوط شيخ الإسلام».
التحريمة التحريمة والتحريم: جعل الشيء محرماً، والتاء لتحقيق الاسمية وإنما سقيت تكبيرة الافتتاح: تحريمة؛ لأن بها تَحْرُمُ الأشياء المباحة قبل الشروع.
والقيام، والقراءة، والركوع والسجود كل ذلك بالقرآن الكريم والقعدة الأخيرة مقدار التشهد، وما زاد على ذلك أي: على مقدار التشهد، يعني: القعود الذي يصلي فيه على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدعو ويسلم فهو سنة. فإذا دخل الرَّجُلُ أي: إذا أراد الدخول والشروع في الصلاة كبر حاذقاً، وهذا مع التكبير شرط " عندنا، ركن عند الشافعي رحمه الله ورفع يديه مع التكبير يُشير بهذا اللفظ إلى اشتراط المقارنة على ما روي عن أبي يوسف، وحكي عن الطحاوي، لكن الأصح تقديم الرفع على التكبير؛ لأن فعله نفي الكبرياء عن غير الله، والنفي مقدم على الإثبات حتى يُحاذي بإبهاميه شحمة أُذُنَيْهِ وعند الشافعي رَحِمَهُ اللهُ: يرفَعُ إلى منكبيه.
وعبارة «الوقاية هذه: فإن أراد الشروع كبر حاذقاً بعد رفع يديه، غير مُفَرِّج أصابعه ولا ضام، ماساً بإبهاميْهِ شَحْمَتَي أذنيه، والمرأة ترفع حذاء منكبيها 4.
الجزء 1 · صفحة 41
فإن قال بدلاً عن التكبير: الله أجل، أو أعظم، أو الرحمن أكبر أو: لا إله إلا الله، أو بالفارسية أجزاه عند أبي حنيفة ومحمد رَحِمَهُما الله، وقال أبو يوسف رَحِمَهُ اللهُ: لا يجوز إلا بلفظ التكبير ثم عند أبي يوسف يجوز قول المكبر الله أكبر، أو الله الأكبر، أو الله الكبير.
وقال الشافعي رَحِمَهُ الله: لا يجوز إلَّا بالأولين.
وقال مالك رَحِمَهُ الله: لا يجوز إلا بالأول 5.
ويعتمد بيده اليمنى على اليسرى، ويضعهما تحت سُرَّتِهِ وعند الشافعي رَحِمَهُ اللهُ: على الصَّدْرِ.
وقال مالك رَحِمَهُ الله: يُرسل إرسالاً، وإن شاء اعتمد، فالإرسال عنده عزيمة،
والاعتماد رخصة.
تم يثني، و يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ،
ولا إله غيرك ولا يوجه، قال في الكشاف»: «سبحان في الأصل: مصدر، ثم صار علماً للتسبيح، وهو منصوب بفعل لازم إضماره، وبحمدك في موضع الحال، أي: [نسبحك حامدين لك؛ لأنه لولا إنعامك [بالتوفيق]، لم نتمكن
من عبادتك.
ويستعيد أي: يقول: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وهو الأولى، ويقرب منه: أعوذ بالله، ثم التعود تبع للقراءة دون الثناء، خلافاً لأبي يوسف رَحِمَهُ الله.
ويقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ويُسر بها وعند الشافعي: يجهز عند الجَهْرِ بالقراءة 2.
ثم يقرأ فاتحة الكتاب وسورة معها ولا يسمي بين الفاتحة والسورة، خلافاً للشافعي رَحِمَهُ الله أو ثلاث آيات من أي سورة شاء، فإذا قال الإمام: ولا الضالين، قال: أي: الإمام في الأصح آمين، ويقولها المُؤنَم، ويُخْفُونَها؛ لأنَّ
مبنى الدعاء على الإخفاء.
واعلم أنه قد اختلف في القراءة على خمسة أقوال:
قال الأصم: ليست بفرض أصلا، حتى إنه لو لم يقرأ في الصلاة مع
القُدْرَةِ يُجْزِئُهُ.
الجزء 1 · صفحة 42
وقال الشافعي رَحِمَهُ اللهُ: فرض في الركعات كلها.
وقال الحسن البصري: فرض في ركعة واحدة 5.
وقال مالك رضي الله عنه: فرض في ثلاث ركعات.
وقال أصحابنا رضي الله عنهم: فرض في ركعتين من غير تعيين.
ثم يكبر خافضاً بلا مد.
ويركع، ويعتمد بيديه على ركبتيه، ويفرج أصابعه قال في «الهداية»: ولا يندب إلى التفريج إلا في هذه الحالة؛ ليكون أمكن من الأخذ، ولا إلى الضم إلا في حالة السجود، وفيما وراء ذلك يُترك على العادة.
ويبسُطُ ظَهْرَهُ، ولا يرفع رأسه، ولا يُنَكِّسُهُ بل يُسَوّي رأسه بعجزه؛ لأنه مأمور بالاعتدال في الركوع، والاعتدال فيه: أن يكون ظهره مستوياً من الجانبين، لا يرفعُ عَجْزَهُ أعلى من رأسه، ولا رأسه أعلى من عَجْزِهِ.
ويقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، ثلاثاً، وذلك أدناه وإن زاد فهو أفضل.
ثم يرفع رأسه، ويقول: سمع اللهُ لِمَن حَمِدَه، ويقول المؤتم: ربنا لك الحمد ولا يقولها الإمام عند أبي حنيفة، وعندهما يقولُها. فإذا استوى قائماً كَبَّرَ وَسَجَدَ ووضع ركبتيه أولاً واعتمد بيديه على الأرض ثانياً ووضَعَ وجَهَهُ بينَ كَفَّيهِ ويديه حذاء أُذنيه، ضاماً أصابعه ثالثاً وسجد على أَنفِهِ وَجَبْهَتِهِ، فَإِن اقْتَصَرَ على أحدهما؛ جاز عند أبي حنيفة، وقالا: لا يجوز الاقتصار على الأنف إلا من عُذْرٍ، فإن سَجَدَ عَلى كَوْرِ عِمامَتِهِ، أو فاضلِ ثوبِهِ؛ جاز عندنا، وكور العمامة دورها. وعند الشافعي رَحِمَهُ الله: لا يجوز.
ثم الخلاف فيما إذا وجَدَ حَجْمَ الأرض، أما بدونه، فلا يجوز إجماعاً.
وتفسير وجدان الحجم ما قالوا: لو أنه بالغ لا يتَسَفلُ رأسه أبلغ من ذلك.
ويبدي أي: يُظهر ضَبْعَيْه، ويُجافي بطنه عن فخذيه هذا في الرجال؛ إذ المرأة تنخفض، وتُلْزِقُ بطنها بفخذيها ويوجه أصابع رجليه نحو القبلة، ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، ثلاثاً، وذلك أدناه. ثم يرفع رأسه، ويُكبر الرفع فرض ليتحقق الانتقال إلى السجدة الثانية.
الجزء 1 · صفحة 43
فإذا اطمأن جالساً، كَبَّرَ وسَجَدَ، فإذا اطمأن ساجداً، كَبَّرَ وَرَفَعَ رأسه أولاً، ثم يديه، ثم ركبتيه واستوى قائماً على صدور قدميه، ولا يَقْعُدُ والشافعي: يقعد، وتسمى جلسة الاستراحة، ثم ينهض معتمداً على الأرض ولا يعتمد بيديه على
الأرض بل [على ركبتيه، فالخلاف بيننا وبينه في موضعين
أحدهما: في اعتماد اليدين، فعندنا يعتمد على ركبتيه، وعنده: على الأرض.
والثاني: الجلسة الخفيفة.
قال شمس الأئمة الحلواني: الخلاف في الأفضل، حتى لو فعل كما هو مذهبنا لا بأس به عند الشافعي، ولو فعل كما هو مذهبه لا بأس به عندنا، كذا في
المحيط.
ويفعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الأولى، إلا أنه لا يستفتح، ولا يتعود، ولا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى والشافعي رحمه الله: يرفع في الركوع، والرفع منه.
فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الثانية افتَرَشَ رِجْلَهُ اليُسرى، فجلس عليها، ونَصَبَ اليُمنى نصباً، ووجه أصابعها أي: أصابع رجله اليمنى نحو القبلة، [هكذا] 5 وصَفَتْ عائشة رضي الله عنها قعود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة، ووضع يديه على فخذيهِ، وبَسَطَ أصابعه موجهاً إلى القبلة، وعند الشافعي رَحِمَهُ اللهُ: يَضَعُ يده اليمنى على فخذه اليمنى ويَقْبِضُ أصابعه إلا المسبحة؛ فإنه يشير بها متشهداً، ويبسط يده اليسرى على فَخِذِهِ اليُسرى كنحن.
ويتشهد، والتشهد أي: الذي أخذ به علماؤنا، وهو تشهد ابن مسعود رضي الله عنه: التحيات الله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
واعلم أنه متى أخذ في التشهد، فانتهى إلى قوله: أشهد أن لا إله إلا الله، هل يُشير بسبابته اليمني؟
اختلف المشايخ فيه:
فعن الحلواني: يقيم أصابعه عند قوله: لا إله، ويَضَعُ عند قوله: إلا الله؛ ليكون النصب كالنفي، والوضع كالإثبات.
الجزء 1 · صفحة 44
وفي المحيط»: وقيل: رفع سبابة اليد اليمنى في التشهد عند أبي حنيفة ومحمد رضي الله عنهما والشافعي رضي الله عنه من السنن 5، و 7 في ظاهر الأصول لا يرفعها، وكذا يُروى عن أبي يوسفَ رَحِمَهُ الله ?.
قال العلامة الزاهدي: لما اتفقت الروايات عن أصحابنا جميعاً في كونه سُنّة، وكذا عن الكوفيين والمدنيين، وكثرت الأخبار والآثار، كان العمل بها أولى.
ولا يزيد على هذا في القعدة الأولى. ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب خاصة وهي أفضل، وإن سبح أو سكت، جاز.
فإذا جَلَسَ في آخر الصلاةِ، جَلَسَ كما جَلَسَ في الأولى هذا عندنا، وعند الشافعي: السنة في التشهد الثاني التورك، وهي هيئة جلوس المرأة، تجلس على اليتها اليسرى مخرجة رجلها من الجانب الأيمن في التشهدين وتشهد، وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - اختلفوا في كيفيتها، سئل محمد عن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وكان ابن عباس وأبو هريرة يصليان على نحو ما بينا، إلا أنهما كانا يزيدان: وارحم محمداً وآل محمد، كما رحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد.
وحكي عن محمد بن عبد الله أنه كان يكره قول المصلي: وارحم محمداً وآل محمد.
وقال الفقيه أبو جعفر: أما أنا فأقول: وارحم محمداً وآل محمد، واعتمادي عليه للتوارث الذي وجدته في بلدي وبلدان المسلمين. وكان الشيخ الإمام أبو الحسن يقول: معنى قولنا: ارحم محمداً، راجع إلى أمة محمد.
ودعا بما شاء للمؤمنين والمؤمنات، ولنفسه، ولوالديه إذا كانا مؤمنين هكذا ذكره الطحاوي، وهو الصحيح؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «كل صلاة لم يُسْتَغْفَر فيها للمؤمنين والمؤمنات فهي خداج مما يُشبه ألفاظ القرآن كقوله: رب اغفر لي ولوالدي، ولمن دخل بيتي مؤمناً، وللمؤمنين والمؤمنات يوم يقوم الحساب ونحو قوله: رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي والأدعية المأثورة نحو: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من
عندك؛ إنك أنت الغفور الرحيم.
الجزء 1 · صفحة 45
وكان ابن مسعود رضي الله عنه يدعو بكلمات، منهنَّ: اللهم إني أسألك من الخير كله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله، ما علمت منه وما لم أعلم.
ولا يدعو بما يُشبه كلام الناس كقوله: اللهم اقض ديني، أو زوجني فلانة، أو غير ذلك مما يُسأل من الناس عرفاً، تحرزاً عن فساد الجزء الملاقي لكلام الناس.
ثم يُسلم عن يمينه بنية مَن ثَمَّةَ من البَشَرِ والملك فيقول: السلام عليكم ورحمة الله، ويسلم عن يساره مثل ذلك والمؤتم ينوي إمامه في جانبه، وفيهما إن حاذاه، والإمام بهما [القوم والحفظة]، والمُتَفَرِدُ المَلك فقط.
ويجهر الإمام بالقراءة في الفَجْرِ، والركعتين الأوليين من المغرب والعشاء أداء وقضاء إن كان إماماً وكذا الجهر في الجمعة والعيدين ويخفي القراءة فيما بعد الأوليين، وإن كان المصلي منفرداً، فهو مُخَيَّرٌ، إِن شَاءَ جَهَرَ وأَسْمَعَ نَفْسَهُ لكونه إمام نفسه، والإمام إنَّما [يجهز] الإسماع القوم؛ ليتدبروا في قراءته، فيحصل لهم إحضار القلب، قال الله تعالى: {كِتَبُ أَنزَلْتَهُ إِلَيْكَ مُبَرك لِيَدَّبَّرُوا وَابْنِهِ، وَلِسَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبَاب ص: 9 فلما كان إمام نفسه احتاج إلى إسماع نفسه؛ ليكون أقوى في التفكر والتدبر وإحضار القلب، فيجهر، ويكتفي بأذناه الحصول المقصود به وإن شاء خافت؛ لأن الجهر الإسماع من خَلْفَهُ، وليس خلفه أحد ليُسمعه. ثم هذا فيما إذا أدى، وإذا قضى خافت حتماً.
ويُخفي الإمام القراءة في الظهر والعصر وإن كان بعرفة، خلافاً لمالك.
والوتر ثلاث ركعات هو واجب عندنا، وقالا - وهو قول الشافعي رحمه الله: سنة لا يفصل بينَهُنَّ بسلام، ويَقْنُتُ في الثالثة قبل الركوع وعند الشافعي: بعد الركوع في جميع السنة خلافاً للشافعي؛ إذ عنده لا يَقْنُتُ إِلَّا في النصف الأخير من رمضان؛ لما روي أن عمر رضي الله عنه لما أمر أبي بن كعب بالإقامة في ليالي رمضان، أَمَرَهُ بالقُنوتِ بالنصف منه 5. قلنا: المراد بالقنوت: طول القراءة، لا القنوت في الوثر.
ويقرأ في كل ركعة من الوتر بفاتحة الكتاب وسورة معها روي «أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ في الأولى بعد الفاتحة: سبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية: قل يا أيها الكافرون وفي الثالثة: قل هو الله أحد، ثم قنت قبل الركوع
الجزء 1 · صفحة 46
فإذا أراد أن يَقْتُتَ كَبر ورفع يديه، ثم قنت، ولا يقنت في صلاة غيرها خلافاً للشافعي في الفجر.
وليس في شيء من الصلاة قراءة سورة بعينها، لا يُجزئ غيرها، فلا ينبغي أن يقرأ سورة معينة على الدوام؛ لأن الفرض مُطلق القراءة؛ لقوله تعالى: {فَأَقْرَبُوا مَا يَفْتَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ} [المزمل ? والتعيين على الدوام يفضي إلى أن يعتقد بعض الناس واجباً، وأنه لا يجوز، لكن لو قرأ بما ورد به الآثار أحياناً يكون حسناً، ولكن لا يواظب عليها؛ لما ذكرنا، كذا في تحفة الفقهاء.
ويُكره أن يتَّخِذَ سورة بعينها الصلاة، لا يقرأ غيرها قيل: إنَّما يُكره الملازمة إذا لم يعتقد الجواز بغيره، أما إذا اعتقد الجواز بغيره، وإنما قرأها لأنها أيسر عليه، فلا يكره.
وأدنى ما يُجزئ من القراءة في الصَّلاةِ: ما يتناوله اسم القراءة عند أبي حنيفة رضي الله عنه وهو آية واحدة.
وقال أبو يوسف ومحمد رحمها الله: لا يجوز أقل من ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة، قال في الكفاية»: ثم على قول أبي حنيفة رَحِمَهُ اللهُ إِذا قرأ آيةً قصيرة هي كلمة أو كلمتان، نحو قوله: كَيْفَ قَدَّرَ [المدير: ? ثم نظر [المدثر:] وما أشبه ذلك، يجوز يجو بلا خلاف بين المشايخ و، وأما إذا قرأ آية قصيرة هي؟ كلمة واحدة نحو قوله: {مُدهامتان [الرحمن: 64، أو آية قصيرة هي حرف واحد، نحو قوله: ص ام: فوت القلم: ق [ق: فإن هذه آيات عند بعض القراء، اختلف المشايخ فيه، وإذا قرأ آية طويلة في ركعتين، نحو: آية الكرسي وآية المداينة؛ قرأ بعضها في ركعة، والبعض في ركعة، اختلف المشايخ فيه على قول أبي حنيفة رضي الله عنه:
قال بعضهم: لا يجوز؛ لأنه ما قرأ آية تامة في كل ركعة.
وعامتهم على أنه يجوز؛ لأن بعض هذه الآيات يزيد على ثلاث آيات قصار أو يعدلها، فلا تكون قراءته أدنى من قراءة ثلاث آيات، كذا في المحيط.
ولا يقرأُ المُؤتَم خَلفَ الإمام مطلقاً، خلافاً للشافعي رَحِمَهُ اللهُ في الفاتحة.
ومن أراد الدخول في صلاة غيره، يحتاج إلى نيتين: نية الصلاة، ونية المتابعة
قالوا: وإن أراد تسهيل الأمر على نفسه يقول: شرعت في صلاة الإمام. فيكفيه ذلك، ويكون نية للاقتداء، ولما يصليه الإمام.
وقال قاضي خان: والأحسن أن يقول: نويت أن أصلي مع الإمام ما يُصلّي الإمام.
الجزء 1 · صفحة 47
والجماعة سنة مؤكدة أي: سُنّةٌ تُشبه الواجب؛ لأن إلحاق الوعيد إنما يكون بترك الواجب، أو بترك السنة المؤكدة، وإنها ليست بواجبة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الجماعة مِن سُنَنِ الهُدى، فيكون سنة مؤكدة.
وذكر محمد أن أهل بلدة لو اجتمعوا على ترك الجماعة، نضربهم ولا نقاتلهم.
وقيل: الجماعة فرض، وقيل: فرض كفاية.
وأولى الناس بالإمامة أعلمهم بالسنة أي: بالأحكام التي تتعلق بالصَّلاة، إذا كان يُحْسِنُ من القراءة ما يجوز به الصَّلاة، والذي روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَنَّه قال: يَؤُم القوم أقرؤُهم لكتاب الله تعالى. إنما قاله في زمانه؛ لأنهم كانوا [يتلقَّوْنَ] القرآن بأحكامه، حتى روي أن عمر رضي الله عنه حفظ سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة، فالأقرأُ فيهم كان أعلم، فأما في زماننا فقد يكون الرَّجُلُ ماهراً في القراءة، ولا حظ له من العلم، فالأعلم بالسنة أولى.
فإن استووا فأَقْرؤُهُم أي: [أعلمهم] 5 بعلم القراءة، يقف في موضع الوقف، ويصل في موضع الوصل وغير ذلك من التشديد والتخفيف وغيرهما.
فإن استووا فأورَعُهم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: مَن صلَّى خَلْفَ عالم تقي، فكأَنَّما صلى خَلْفَ نَبِي ?.
فإن تساووا، فأسنهم؛ لأنه أعظمهم حرمة عادة، ورغبة الناس في الاقتداء به أكثر.
وبكره تقديم العبد، والأعرابي، والفاسق، والأعمى قال شيخ الإسلام خواهر زاده: هذا إذا كان من البصراء من هو أفضل منه، أما إذا لم يكن [غيره] أفضل منه فهو أولى، ألا يرى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين خرج إلى غزوة تبوك استَخْلَفَ ابن أم مكتوم بالمدينة ليصلي بالناس، ولم يكن ثمة أفضل منه، وكذا عثمان بن مالك وجابر كانا يؤمان بعدما كُفَّ بَصَرُهما؛ لأنه لم يكن في البصراء [من هو] أفضل منهما؟ وولد الزنا، فإن قدموا؛ جاز؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: صَلُّوا خَلْفَ كُلَّ بَرُ وفاجِرٍ 5.
وينبغي للإمام ألا يُطوّل بهم أي: بالجماعة الصلاة، وإن طَوَّلَ كُرة؛ لما فيهم من المريض، والكبير، وذي الحاجة.
ويُكره للنساء أن يُصَلِّينَ وحدَهُنَّ جماعةً، فإن فَعَلْنَ وقفت الإمامُ وسَطَهُنَّ، أنت الفعل وإن كان لفظ «الإمام» يستوي فيه المُذَكَّرُ والمؤنَّثُ، إشارة إلى أنَّ الإمام هنا المرأة.
ومن صلى مع واحد، أقامه عن يمينه أي: أمره الإمام بأن يقوم عن يمينه، ثم في لفظ الإقامة إشارة إلى أن المأمور يجب أن يُطيع وينقاد لإمامه، ثم إن كان المقتدي أطول، وكان سُجودُهُ
الجزء 1 · صفحة 48
قُدامَ الإمام، لم يَضُرَّهُ؛ إذ العبرة لموضع الوقوف لا لموضع السجود، كما لو وقف في الصف ووقع سجوده أمام الإمام لطوله، كذا في المبسوط.
وإن تفاوت الأقدام صغراً وكبراً، فالعبرة بالساق والكعب، وفي الأصحأنه ما لم يتقدم أكثر قدم المقتدي لا يُفسد، ونقل ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه، وروي أنه صلى بعلقمة والأسود رضي الله عنهما فقام وسطهما 5.
فإن كان مع اثنين تقدم عليهما ففي الزيادة لا يأمرهم الإمام بالتأخر عنه، بل الأولى أن يتقدم هو عليهما؛ فإنَّ هذا أيسر من ذلك على ما لا يخفى.
ولا يجوز للرجال أن يقتدوا بامرأة للحديث أو صبي؛ لأنه متنقل، فلا يجوز اقتداء المفترض به.
ثم المختار: عدم الجواز في الصلاة كلها؛ لأن نقل الصبي دون نقل البالغ، حيث لا يلزمه القضاء بالإفساد بالإجماع، كذا في «الهداية» ?.
ويُصَفُ الرجال، ثم الصبيان، ثم الجنائي، ثم النساء الجنائي بفتح الخاء: جمع الخنثى، كالحبالي جمع الحبلي.
فإن قامت امرأة مشتهاة إلى جنب رجل بحيث لا حائل بينهما وهما مشتركان في صلاة واحدة تحريمة، وأداء فَسَدَت صلاته إن نوى إمامتها، وإلا صلاتها، وإن شئت تفصيل المقام وتوضيحه فعليك بصدر الشريعة.
ويُكره للنساء المراد الشواب منهن حضور كل الجماعة، ولا بأس بأن تخرج العجوز في الفجر والمغرب والعشاء ويكره في الظهر والعصر.
ولا يُصلي الطاهر خلف من به سلس البول وهو الذي لا يستَمْسِكُه ولا الطاهرات خلف المُستحاضة؛ لأن الصحيح أقوى حالاً من المعذور، ولا القارئ خلف الأمي ولا يصح أيضاً اقتداء الأمي بالأخرس؛ لأن الأخرس لا يأتي بالتخريمة، وهي فرض، والأمي يأتي بها، فصار كاقتداء القارئ بالأمي. ويصح اقتداء الأخرس بالأمي ولا المكتسي خلف العريان للقوة.
ويجوز أن يؤم المتيمم المتوضئين عند أبي حنيفة وأبي يوسفَ رَحِمَهُما الله؛
لأن التيمم طهارة مطلقة حتى لا يتقدر بوقت الصلاة، ولو كانت ضرورية لتقدَّر به كطهارة المستحاضة، فكان المتيمم كالمتوضئ، وعند محمد رَحِمَهُ الله طهارة ضرورية فلا يجوز
الجزء 1 · صفحة 49
والماسح على الخُفَّينِ الغاسلينَ؛ لأنَّه غَسَلَ قَدَمَيْهِ فَلَبِسَ الخُفَّ، والخُفْ مَنَعَ سرايةَ الحَدَثِ إلى القدم، فهو باقي على كونه غاسلاً، وما على الخفْ طَهُرَ بالمسح، فكان المسح على الخف كغسل الرجل.
ويُصلّي القائم خلف القاعد كما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي توفي فيه، وكان آخر صلاته صلى قاعداً والقوم خلفة قيام، وعند محمد: لا يجوز.
ولا يُصلّي الذي يركع ويسجد خلف المومى؛ لقوة الأولى، خلافاً لزفر رَحِمَهُ الله.
ولا يُصلّي المفترض خلف المُتنفل؛ لأن الاقتداء بناء، ووصف الفرضية معدوم في حق الإمام، فلا يتحقق البناء على المعدوم.
ولا مَن يُصلّي فرضاً خلف من يصلي فرضاً آخر؛ لأن الاقتداء شركة في التحريمة، وموافقة في الأفعال، فيجب الاتحاد.
وعند الشافعي رحمه الله: يصح في جميع ذلك؛ لأن الاقتداء عنده أداء على سبيل الموافقة من غير معنى التضمن، وعندنا: معنى التضمن مراعي
ويُصلي المتنقل خلف المُفترض؛ لأن الحاجة في حقه إلى أصل الصلاة وهو موجود في حق الإمام فيتحقق البناء.
ومن اقتدى بإمام، ثم عَلِمَ أنه على غير وضوء، أعاد الصلاة قيد بالعلم بعد الاقتداء؛ لأنه لو عَلِمَ قبل الاقتداء، لا يجوز الاقتداء به بالإجماع.
ويكره للمصلّي أن يعبث بثوبه، أو بِجَسَدِهِ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثلاثاً: الرفث في الصوم، والعبث في الصلاة، والضحك في المقابر.
قال الإمام بدر الدين الكردري: العَبَثُ الفعل الذي فيه غَرَضٌ ولكن ليس بشرعي، والسفه: ما لا غَرَضَ فيه أصلاً.
ولا يُقلب الحصى؛ لأنه نوع عَبَث إلا ألا يُمكنه السجود، فيسويه مرة
واحدة لقوله: يا أبا ذر، مرةً أو ذَرْ وفي بعض الروايات: «وإن تركتها فهو خير لك من مئة ناقة سود الحدقة تكون لك 4، كذا في المبسوط 5.
ولا يفرقع أصابعه الفَرْقَعة تنقيض الأصابع؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعلي رضي الله عنه: إني أحب لك ما أُحِبُّ لنفسي، لا تفرقع أصابعك وأنت تصلي.
الجزء 1 · صفحة 50
ولا يتخصَّرُ هو وضع اليد على الخاصرة، وهو فعل المصاب، وحالة الصلاة حال يناجي فيها العبد ربه، فهي حال الافتخار، لا حال إظهار المصيبة؛ ولأنه فعل أهل الكتاب، قال - صلى الله عليه وسلم -: الاختصار في الصلاة هي راحة أهل النار، وقد نهينا عن التشبه بهم.
ولا يُسدل ثوبه هو أن يَضَعَ الرداء أو القباء على كتفيه، ولا يدخل يده في الكمين، في الخلاصة: وهو مكروه، سواء تحته قميص أو لا.
ولا يَعْقِصُ شَعرَه صورته: أن يَشُدَّ ضفيرتيه حول رأسه كما يفعله النساء، أو يجمع شعره فيعقده 0 في مؤخر رأسه، وكُلُّ ذلك مكروه، [و] روي عن عمر رضي الله عنه أنه من برجل ساجد عاقص شعره، فحله حلا عنيفاً، وقال: إذا طول أحدكم شَعرَهُ، فَلْيُرْسِلُهُ يَسْجُد معه.
ولا يكف ثوبه هو أن يرفع الثوب بين يديه، أو من خلفه إذا أراد السجود، كذا في «المغرب» ?.
ولا يلتفت في الهداية»: لو نظر بمُؤْخِرِ عينه ? يمنة ويسرة من غير أن يلوي عنقه، لا يكره؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يُلاحظ أصحابه في الصلاة بموق عينيه.
ولا يقعي هو القعود على اليته ناصباً ركبتيه، هو الصحيح؛ لأن إقعاء الكلب يكون بتلك الصفة.
وقيل: الإقعاء: أن يَنْصِبَ قدميه كما يفعل في السجود، ويضع آليته على عقبيه، وكذا لا يفترس ذراعيه.
ولا يرد السلام بلسانه؛ لأنه كلام ولا بيَدِهِ؛ لأنه سلام معنى، حتى لو صافح بنية التسليم يُفْسِدُ صلاته.
ولا يتربَّعُ إلا من عُذْرٍ؛ لأن فيه ترك سُنّةِ القُعود.
ولا يأكل ولا يَشرَبُ؛ لأنه ليس من أعمال الصلاة، أما إذا كان بين أسنانه شيء فَابْتَلَعَهُ، لا يُفْسِدُ صلاته؛ لأن ما بين أسنانه تبع لريقه، ولهذا لا يفسد به الصوم.
قال بعضهم: هذا إذا كان ما بين أسنانه قليلاً ما دون الحمصة، فأما إذا كان أكثر من ذلك، يُفسد صلاته، وسوى بينها وبين الصوم.
وقال بعضهم: ما دون ملأ الفم لا يُفسد صلاته، وفرق بين الصلاة وبين الصوم، كذا قال قاضي خان.
الجزء 1 · صفحة 51
فإن سَبَقَهُ الحَدَثُ، انصرف على صلاته أي: من غير توقف، حتى لو مكن ساعة يصير مؤدياً جزءاً من الصلاة مع الحدث، فَيَفْسُدُ ما أَدي، فَيَفْسُدُ الكل ضرورة؛ لأن الصلاة الواحدة لا تتجزأ صحة وفساداً إن لم يكن إماماً، وعند الشافعي رحمه الله: تبطل صلاته، ويجب الاستئناف إذا توضاً، ولا يبني.
فإن كان إماماً، استخلف وتفسيره أن يأخذ بثوبه ويجره إلى المحراب وكان مالك رَحِمَهُ الله يقول في الابتداء: يبني، ثم رجع وقال: لا يبني، فعابه محمد في كتاب «الحج» برجوعه من الأثر إلى القياس. وتوضأ ويبني على صلاته ثم إن شاء يتم حيث توضاً وإن شاء توضأ وعاد إلى المكان الأول أي: يتخير فيميل إما إلى قلة المشي كما في الأول، وإما إلى أداء الصلاة في مكان واحد كما في الثاني والاستئناف أفضل تحرزاً عن شبهة الاختلاف.
وإن نام فاحْتَلَمَ، أو جُنَّ، أو أغمي عليه، أو قهقة؛ استأنف الصلاة والوضوء، فإن تكلم في صلاته عامداً، أو ساهياً؛ بطلت صلاته؛ لأن الكلام قاطع.
وإن سَبَقَهُ الحَدَث بعد التشهد، توضأ وسلَّم؛ لأن التسليم واجب، فلا بد من التوضؤ ليأتي به هذا عندنا، وعند الشافعي رَحِمَهُ اللهُ فرض، إِلَّا أَن عنده لا يجوز البناء.
وإن تعمَّدَ الحَدَثَ في هذه الحالة، أو تكلم، أو عَمِلَ عملاً يُنافي الصلاة وهو ما يعد في عُرفهم كثيراً تمت صلاته؛ لوجود الخروج بصنعه، ولا إعادة عليه؛ لأنه لم يبق عليه شيء من الأركان.
وإن رأى المُتَيَمَّمُ الماء في صلاتِهِ؛ بَطَلَت صلاته؛ لوجوب الوضوء بوجدان الماء في خلال صلاته، فتَفْسُدُ وإن رآه بعدما قعَدَ قدر التشهد، أو كان ماسحاً على خُفيه، فانتقضت مُدَّةُ مَسحِهِ، أو خَلَعَ خُفَّيه بعمل رفيق أي: يسير؛ إذ لو عمل هناك عملاً كثيراً، يتم صلاته كما مر أو كان أمياً، فتعلم سورة قيل: أراد به تذكر سورة قد نسيها؛ لأن التعلم لا بد له من المعلم، وذلك فعل ينافي الصلاة؛ فيتم صلاته بالاتفاق، وقيل: تعلم بلا عمل كثير أو كان عرياناً، فوجد ثوباً أو كان مومناً فقدر على الركوع والسجود، أو تذكر أن عليه صلاة قبل هذه، أو أحدث الإمام القارئ، فاستَخْلَفَ أمياً، أو طلعت عليه الشمس في الفجر، أو دخل وقت العصر في الجمعة أو كان صاحب عُذر فزالَ عُذرُهُ، كالمُستحاضة أو كان ماسحاً على الجبيرة، فسقطت عن برء، بَطَلَت الصلاة في قول أبي حنيفة رَحِمَهُ الله، وقالا: تمت صلاته ومبنى الخلاف على أن الخروج بصنعه
الجزء 1 · صفحة 52
فرض عنده لا عندهما، فاعتراض هذه العوارض عنده في هذه الحالة كاعتراضها في خلال الصلاة، وعندهما كاعتراضها بعد التسليم، والله أعلم.
باب قضاء الفوائت
ومن فاتته صلاة، قضاها إذا ذَكَرَها، وقدَّمها على صلاةِ الوَقْتِ، إلا أن يخاف فوْتَ صلاة الوقت، فيُقدم صلاة الوقت، ثم يقضيها قال في الجامع الصغير: رَجُلٌ فاتته خمس صلوات، لا يُصلّي الوقتية إذا تذكرها وفي الوقت سعة.
وقال الشافعي: يجوز؛ لأن الوقت يقبلهما، ولا لإحديهما تعلق بالثانية.
لنا: الشرع جَعَل وقت [التذكرِ] وقت الفائتة بالحديث، وهو: «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذَكَرَها؛ فَإِنَّ ذلك وقتها.
وإن فاتته صلوات، رتبها في القضاء كما وجبت في الأصل، إلا أن تزيد الفوائت على ست صلوات أي: ست أوقات فيسقط الترتيب فيها ثم المراد: أن تصير الفوائت - حديثة كانت أو قديمة - ستاً ودخل وقت السابعة؛ فإنه يجوز أداء السابعة، ولو حمل الكلام على الحقيقة، لا يجوز أداؤها، والله أعلم.
باب الأوقات التي يكره فيها الصلاة
لا تجوز الصلاة عند طلوع الشمس، ولا عند قيامها في الظهيرة، يعني: وقت الاستواء ولا عند غروبها كلُّ ذلك ثبت بالحديث، ولا يُصلّي جنازة، ولا يسجد للتلاوة؛ لأنها في معنى الصلاة؛ إذ النهي عن الصلاة باعتبار التشبه لمن يعبد الشمس، والتشبه يحصل بالسجود.
إلا عصر يومه بالإضافة، وقد احترز به عن قضاء عصر يوم سابق على اليوم وقت تغير الشمس؛ فإنه لا يصح، والفرق: أنَّ النقصان في الصلاة كان باعتبار وقوعها في الوقت المكروه، فإذا لم تقع فيه بأن فاتت، [بقيت] واجبة على الكمال، خالية عن الفساد، فلم يجز قضاؤها فيه عند غروب الشمس؛ وذلك لأن الجزء المقارن للأداء سبب لوجوب الصلاة، وهو ناقص في العصر، فيصير الواجب ناقصاً؛ إذ الحكم نتيجة السبب، فإذا أداهُ، أَدَاهُ كما وَجَبَ، فَلا تَفْسُدُ باعتراض الفساد بالغروب
الجزء 1 · صفحة 53
ويُكره له أن يتنقل بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس قيل: في هذين اللفظين نوع إشكال، وهو أنه يجئ الكراهة إلى الطلوع وإلى الغُروب، وحكم ما بعد الغاية يُخالف حكم ما قبلها، وهنا ليس كذلك؛ إذ الكراهة ثابتة بعد الطلوع إلى ارتفاعها، وبعد الغروب إلى أداء المغرب.
قلنا: المخالفة بالحكم ثابتة؛ لأن الكراهة الثابتة قبل الطلوع وقبل الغروب ليكون الوقت مشغولاً بالفرض، والكراهة بعد الطلوع والغروب لمعنى آخر، فيثبت نوع مخالفة بين حكمي الغاية وبعدها.
ولا بأس بأن يُصلّي في هذين الوقتين أي: بعد صلاة الفجر إلى أن تأخذ الشمس في الطلوع، وبعد العصر إلى أن تتغير الشمس الفوائت، ويسجد للتلاوة ويصلي على الجنازة أيضاً ولا يُصلي ركعتي الطواف؛ لأن الوجوب لغيره وهو ختم الطواف، فصار كالنفل بالنظر إلى الوقت، وقد ظهر أثره في النقل، فكذا فيها.
ويكره أن يتنقل بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتي الفجرِ؛ لأنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يرد عليهما مع حرصه على الصلاة ولا يتنقل قبل المغرب أي: قبل صلاة فرض المغرب، حذراً من تأخير المغرب.
قال في «الكفاية: الأوقات التي يكره فيها الصلاة اثنا عشر: فثلاثة منها يكره الصلاة فيها المعنى في الوقت، وهي: وقت الطلوع، والغروب، والاستواء، فلذلك يكره فيها جنس الصلوات فرضاً ونفلاً، والبواقي لمعنى في غير الوقت، فلذلك أثر في النوافل، وما في معنى النوافل، لا في [الفروض]، وتلك البواقي تسعة هي: بعد طلوع الفجر، وبعد الفريضة قبل طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر قبل التغير، وبعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، وعند الخطبة يوم الجمعة، وعند خطبة العيدين، وعند خطبة الكسوف، وعند خطبة الاستسقاء، والله أعلم.
بابُ النَّوافِلِ
السنة في الصلاة: أن يُصلي ركعتين بعد طلوع الفجر، وأربعاً قبل الظهر بتسليمة واحدة عندنا، خلافاً للشافعي رَحِمَهُ الله وركعتين بعدها، وأربعاً قبل العصر وهو الأصح، وإن شاء ركعتين لاختلاف الآثار وركعتين بعد المغرب وأربعاً قبل العشاء، وأربعاً بعدها على الأصح وإن
الجزء 1 · صفحة 54
شَاءَ رَكعتين. ونوافِلُ النَّهَارِ إن شاء صلى ركعتين بتسليمة واحدة، وإن شاء أربعاً، ويكره الزيادة على ذلك؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - ما كان يزيد في النهار على الأربع.
وأما نافلة الليل، قال أبو حنيفة رَحِمَهُ الله: إن صلى ثماني ركعات بتسليمة واحدة جاز، وتكره الزيادة على ذلك؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يُصلي بالليل ركعتين، وأربعاً، وستا، وثمانياً، ولم يُرو أنه صلى بتكبيرة أكثر من ذلك وقال أبو يوسف ومحمد رَحِمَهُما الله: لا يَزيدُ بالليل على ركعتين بتسليمة واحدة.
واعلم أن الأفضل عند الشافعي رَحِمَهُ اللهُ: مثنى بالليل والنهار؛ للحديث: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، وعندهما: مثنى مثنى بالليل؛ للحديث: «صلاة الليل مثنى مثنى، وأربعاً بالنهار؛ لاشتهار حديث الأربع قبل الظهر والعصر، وعند أبي حنيفة رَحِمَهُ الله أربعاً بالليل والنهار؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي أربعاً بالليل والنهار على ما روت عائشة رضي الله عنها.
والقراءة في الفرض واجبة في الركعتين الأوليين عندنا، وعند الشافعي رَحِمَهُ اللهُ في الركعات كلها وهو مُخَيَّر في الركعتين الأخريين؛ إن شاء قرأ أي: الفاتحة وإن شاء سَكَتَ أي: مقدار تسبيحة، ولو قام بقدر ما ينطلق عليه اسم القيام يكفيه، ذكره الإمام المعروف بخواهر زاده، وقيل: مقدار ثلاث تسبيحات وإن شاء سبح لكن الأفضل أن يقرأ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - داوم على ذلك، والمداومة مطلقاً لا يدل على الوجوب، بل على السنة، وإنما يدل على الوجوب أن لو كانت مقرونة بغير ترك.
والقراءة واجبة في جميع رَكَعَاتِ النَّفل؛ إذ كلُّ شَفْع منه صلاة على حدة، والقيام إلى الثالثة بمنزلة تحريمة مبتدأة، حتى لا يجب بالتحريمة الأولى إلا ركعتان في المشهور عن أصحابنا، ولهذا قالوا: يستفتح في الثالثة؛ أي: يقرأ: سبحانك ..... بلا رفع اليد وفي جميع الوتر احتياطاً.
وَمَن دَخَلَ أي: شَرَعَ في صلاةِ النَّفْلِ، ثم أفسدها؛ قضاها عندنا، خلافاً للشافعي رَحِمَهُ الله.
وإن صلى أربع ركعات أي: شرع في الأربع، إطلاقاً للمُسبب على السَّبَبِ وقعد في الأوليين بعدما قرأ فيهما ثم أفسد الأخريين أي: قَعَدَ. ثم قام إلى الأخريين، ثم أفسدها قضى ركعتين؛ لأنَّ الشَّفْعَ الأول قد تم، والقيام إلى الثالثة كتحريمة مبتدأة، فيكون ملزماً.
الجزء 1 · صفحة 55
ويُصلّي النافلة قاعداً مع القدرة على القيام اختلفوا في كيفية القعود، والمختار أن يقعد كما يقعد في حالة التشهد؛ لأنه عُهد مشروعاً في الصلاة وإن افتتحها قائماً، ثم قعد أي: من غير عذر جاز عند أبي حنيفة، وهذا استحسان وقالا: لا يجوز إلا بعذر وهو القياس.
ومن كان خارج المصر جاز له أن يتنقل على دابته إلى أي جهة توجهت يومي إيماء وهل يُشترط التوجه إلى القبلة عند ابتداء الصلاة؟
ذكر في المحيط»: ومن الناس من يقول: إنَّما يجوز التطوع على الدابة، إذا توجه إلى القبلة عند افتتاح الصلاة، ثم تركها وانحرف عنها، وأما إذا افتتح الصلاة إلى غير القبلة، لا يجوز؛ لأنه لا ضرورة في حالة الابتداء، إنما الضرورة في حالة البقاء، إلا أن أصحابنا لم يأخذوا به؛ لأنه لا فَضْلَ في النص.
وفي الإيضاح»: واستقبال القبلة في الابتداء ليس بواجب.
وقال الشافعي: هو واجب.
وذكر في الخلاصة أن كيفية الصلاة على الدابة: أن يُصلي بالإيماء، فيجعل السجود أخفض من الركوع من غير أن يَضَعَ رأسه على شيء؛ سائرة دابته أو واقفة، كذا في الكفاية»، والله أعلم.
باب سجود السهو
سجود السهو واجب في الزيادة والنقصان بعد السلام أي: بعد سلام واحد في رواية، وقيل: بعد سلامين يسجد سجدتين، ثم يتشهد ويسلم، والسهو يلزم إذا زاد في صلاتِهِ فعلاً من جنسها ليس منها، أو تَرَكَ فعلاً مسنوناً أراد به الواجب ولما كان وجوبه بالسنة سماه: سُنّة.
أو تَرَكَ قراءة فاتحة الكتاب أي: في الأوليين، وإن تَرَكَها في الأخريين من الفرض، لا يجب إلا في رواية الحسن عن أبي حنيفة أو القنوت، أو التشهد، أو تكبيرات العيدين، أو جَهَرَ الإمام فيما يُخافت، أو خافَتَ فيما يُجْهَرُ؛ لأنَّ الجهر في موضعه، والمخافتة في موضعها من الواجبات.
وسهو الإمام يوجب على المؤتم السجود، فإن لم يسجد الإمام لم يسجد المُؤتم كيلا يصير مخالفاً لإمامه وإن سها المؤتم، لم يلزم الإمام ولا المؤتم السجود؛ إذ لو سجد وحده، كان مخالفاً لإمامه، ولو تابعه الإمام، ينقلب الأصل تبعاً.
الجزء 1 · صفحة 56
ومن سها عن القعدة الأولى في الفرائض الرباعية والثلاثية ثم تذكر وهو إلى حال القعود أقرب بأن لم يرفع ركبتيه عاد وجلس، وتشهد ولا سهو وإن كان إلى حال القيام أقرب بأن رفع الركبتين لم يعد، ويسجد للسهو؛ لأنه ترك الواجب، وهو القعدة الأولى.
قال في الكفاية»: وفي ظاهر الرواية: إن لم يستو قائماً؛ يعود، وإن استوى قائماً، لا؛ لأنه إذا استوى قائماً اشتغل بفرض القيام، فلا يترك الفرض للواجب، بخلاف ما لو لم يستو قائماً.
وأصل هذا ما ذكر في المبسوط» و «المحيط» أنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه قام من الثانية إلى الثالثة قبل أن يقعد، فسبحوا له، فعاده وروي أنه لم يعد، ولكن سبح لهم فقاموا، ووجه التوفيق: أن العود كان حين لم يَسْتَوِ قائماً، وعدمه كان بعدما استوى قائماً.
ومن سها عن القعدة الأخيرة، فقام إلى الخامسة في الرباعية، أو إلى الرابعة في الثلاثية، أو الثالثة في الثنائية رجع إلى القعدة ما لم يسجد في الخامسة أي: يعود ما لم يقيدها بالسجدة ويسجد للسهو، فإن قيد الخامسة بسجدة، بَطَلَ فرضُهُ عندنا خلافاً للشافعي رضي الله عنه وتحولت فرضه نفلاً عندنا، وعند أبي يوسف، خلافاً لمحمد وكان عليه أن يضم إليها ركعة سادسة ظاهر عبارة الكتاب على إيجاب الضم؛ لأن كلمة على للإيجاب، وليس كذلك؛ إذ لو لم يضم، لا شيء عليه؛ لأنه مظنون الوجوب، والمظنون غير مضمون، ومن ثم قال في الوقاية»: وضم سادسة إن شاء.
وإن قعد في الرابعة قَدْرَ التشهد، ثم قام ساهياً إلى الخامسة ولم يُسلم يظنها أي: القعدة الأخيرة القعدة الأولى مفعول ثان لـ «يظن» عاد إلى القعود ما لم يسجد في الخامة، ويُسلم ولا سهو أصلاً وإن قيد الخامسة بسجدة ثم تذكر ضم إليها ركعة أخرى؛ لأن التنقل بالركعة عندنا ليست بمشروعة؛ لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن البتيراء وقد تمت صلاته، والركعتان له نافلة ولا قضاء لو قطع، ولا تنوبان عن سنة الظهر في الأصح ويسجد للشهو استحساناً.
ومن شك في صلاته فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً، وذلك أوَّلُ ما عَرَضَ له معناه: أن الشهو ليس بعادة له، لا أنه لم يشك في عمره قط، كذا في «المبسوط. وقال فخر الإسلام البزدوي: أول. سهو وقع له في تلك الصلاة، وقيل: أول ما عَرَضَ له في عمره، ولم يكن سها في صلاة قط من حين بلغ، والأول أشبه بالفقه استأنف الصَّلاةَ؛ إذ لا حرج فيه وإن كان الشك يعرض له كثيراً، بنى على غالب ظنه دفعاً للحرج لو استأنف إن كان له ظن، وإن لم يكن له ظن، بنى على اليقين للحديث.
الجزء 1 · صفحة 57
قال في الوقاية»: وإن لم يغلب أخذ الأقل، وقَعَدَ في كل موضع ظَنَّهُ آخر صلاته 4، والله أعلم.
باب صلاة المريض
إذا تعذر حقيقة أو حكماً على المريض القيام؛ صلى قاعداً، يركع ويسجد، فإن لم يستطع الركوع والسجود أوماً برأسه قاعداً إيماء وجعل السجود أخفض من الركوع قالوا: والمريض الذي له رخصة القعود: أن يزداد ذلك المرض بالقيام.
وقيل: أن يصير صاحب فراش.
وقيل: ألا يقدر أن يذهب إلى حوائج نفسه خارج الدار.
وقيل: أن يكون بحال لو قام سَقَطَ من ضعف، أو دوران رأس.
ولو كان يقدر على القيام لو صلّى في بيته، وإن خرج إلى الجماعة يَعْجِزُ عن القيام، فماذا يصنع؟
قال بعضهم: يصلي في بيته قائماً إحرازاً للركن.
وقال بعضهم: يخرج إلى الجماعة، ويصلي قاعداً.
وإن كان يخاف العدو إن صلى قائماً، أو كان في خباء لا يستطيع أن يقيم صلبه، وإن خرج لم يستطع أن يصلي من الطين والمطر؛ فإنَّه يُصلّي قاعداً.
ولا يرفع إلى وجهه شيئاً يسجد عليه فإن فَعَلَ وهو يَخفِضُ رأسَهُ، صح وإلا لا.
فإن لم يستطع المريض القعود استلقى على ظهره، وجَعَلَ رِجليهِ إلى القبلة قيل: ينبغي للمستلقي أن ينصب ركبتيه إن قدر عليه حتى لا يَمُدَّ رجليه إلى القبلة وأوْماً بالركوع والسجود والقيام والقعود أيضاً.
ثم المراد من الاستلقاء: أن يوضع له وسادة تحت رأسه حتى يكون شبه القاعد، ليتمكن من الإيماء؛ إذ حقيقة الاستلقاء يمنع الأصحاء عن الإيماء، فكيف بالمرضى؟ كذا قال الإمام بدر الدين الكردري.
فإن اضطجع على جنبه، ووجهه إلى القبلة، وأوما؛ جاز والأول أولى.
فإن لم يستطع الإيماء برأسه، أخر الصلاة أشار به إلى أنه لا يسقط عنه فرض الصلاة عند العجز عن الإيماء، وإن كان العجز أكثر من يوم وليلة إذا كان مفيقاً، هو الصحيح.
الجزء 1 · صفحة 58
قال في الجامع الصغير»: فإن عجز عن الإيماء فهل يسقط الفرض عنه، أم يقضي إذا صح؟
اختلفوا، والأصح: أنه لا يسقط، وذكر الإمام قاضي خان في ظاهر الرواية: يسقط إذا اشتد المرض حتى عجز عن الإيماء بالرأس، وذكر محمد في «النوادر: أنَّ من قطعت يداه من المرفقين، وقدماه من الساقين، لا صلاة عليه.
ولا يومئ بعينه، ولا بقلبه، ولا بحاجبه وقال زُفَرُ: يومئ أولاً بالحاجبين القرب الحاجب من الرأس، ثم بالعينين إن عَجَزَ، ثم يقلبه إن عجز.
فإن قدر على القيام، ولم يقدر على الركوع والسجود، لم يلزمه القيام، وجاز أن يصلي قاعداً؛ لأنه أشبه بالسجود وهو المقصود؛ لأنه غاية التعظيم يومي إيماء ثم هذا لبيان الأفضلية؛ إذ لو أوماً قائماً يجوز.
قال في الإيضاح»: وإن عجز عن الركوع والسجود، وقدر على القيام، صلى قاعداً بإيماء، فإن صلى قائماً بإيماء أجزاه، ولا يستحب له ذلك.
وقال زُفَرُ والشافعي رَحِمَهُما الله يصلي قائماً؛ لأن القيام ركن، فلا يسقط بالعجز عن أداء ركن آخر.
فإن صلى الصحيح بعض صلاته قائماً، ثم حَدَثَ به مرض، أتمها قاعداً، يركع ويسجد، أو يومئ إن لم يستطع الركوع والسجود، أو مستلقياً إن لم يستطع القعود؛ لأنه بناء الأدنى على الأعلى، فصار كالاقتداء.
ومن صلى بعض صلاته قاعداً يركع ويسجد لمرض به، ثم صح، بنى على صلاته قائماً هذا عند أبي حنيفة وأبي يوسفَ رَحِمَهُما الله، وعند محمدٍ رَحِمَهُ اللهُ: استقبل، بناءً على اختلافهم في الاقتداء.
فإن صلى بعض صلاته بإيماء، ثم قَدَرَ على الركوع والسجود، استأنف الصلاة عند العلماء الثلاثة، خلافاً لزُفَرَ؛ إذ عنده يبني؛ إذ على أصله يجوز اقتداء [الراكع] بالمومئ.
ومن أغمي عليه خمس صلوات فما دونها، قضاها إذا صح خلافاً للشافعي فإن فاتته بالإغماء أكثر من ذلك، لم يقض؛ لأنَّ المُدَّةَ إِذا طالَت كَثُرَتِ الفوائت فيحرج في الأداء، بخلاف ما إذا قَصُرَت؛ لقلة الفوائت.
الجزء 1 · صفحة 59
باب سجود التلاوة
قال في بعض شروح الهداية»: كان من حق هذا الباب أن يقترن بسجود الشهر؛ لأن كلا منهما سجدة، لكن لما كان صلاة المريض بعارض سماوي كالسهو [الْحَقَّتْها المناسبة] بها، فتأخر سجود السهو ضرورة، وهو من قبيل] إضافة الحكم إلى سبيه.
فإن قيل: كان الواجب أن يقول: سجدة التلاوة والسماع؛ لأن السماع سبب كالتلاوة؟
أجيب: بأن التلاوة لما كانت سبباً للسماع أيضاً، كان ذكرها مشتملاً على الشماع من وجه، فاكتفى بها 4.
سجود التلاوة في القرآن أربعةَ عَشَرَ عندنا، وعند الشافعي رَحِمَهُ الله كذلك، لكن في الحج عنده سجدتان، وليس في سورة ص عنده سجدة 0:
في آخر الأعراف، وفي الرَّعد، والنَّحْلِ، وبني إسرائيل، ومريم، والأولى في الحج، والفرقان، والنمل، و الم تنزيل [السجدة: -، وص، وحم السجدة، والنجم، و إذَا السَّمَاء أَنشَقَّتْ الانشقاق:، وسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: ثم موضع السجدة في حم السجدة عقيب قوله: تَعْبُدُونَ فصلت: ? عند الشافعي؛ لاقتران الأمر به، وعند أبي حنيفة عقيب قوله: {لَا يَسْتَمُونَ [فصلت: ?؛ لأنه تمام المعنى.
وقد وقع في تفسير الكواشي» [أن] موضع السجدة عند الشافعي رَحِمَهُ الله عند قوله: لَا يَسْتَمُونَ} [فصلت: ? أيضاً، وليس ببعيد.
والسجدة واجبة وعند الشافعي: سُنّة في هذه المواضع على التالي ولو إماماً والسامع؛ سواء قصد سماع القرآن أو لم يقصد، إنما ذكره؛ لأن في بعض الآثار: السجدة على مَن جَلَسَ لها فتوهم أن السجدة إنما تَجِبُ على من هو قاصد لها، وليس كذلك.
وإذا تلا الإمام آية السجدة سَجَدَها في الصلاة، ولا يقضي خارجها وَسَجَدَ المأموم معه وإن لم يسمع؛ [الالتزام 0 متابعته فإن لم يَسْجُدِ الإمام لم يَسْجُدِ المأموم. وإن تلا المأموم، لم يَسْجُدِ الإمام ولا المأموم مطلقاً، لا في الصلاة ولا بعدها عند أبي حنيفة وأبي يوسف رَحِمَهُما الله.
وقال محمد: يسجدونها بعد الفراغ، كما لو سمعوا من أجنبي.
الجزء 1 · صفحة 60
لهما: أن المقتدي محمول عنه القراءة، فصار قراءته كشكوته، بخلاف ما لو سمعوا من أجنبي أو حائض أو جنب أو صبي أو كافر؛ لأن السماع قد صح ممن لم يتحمل عنه القراءة، فوجب بقراءته، كذا في الجامع الصغير.
وإن سمعوا وهم في الصلاة آية سجدة من رجل ليس معهم في الصلاة، لم يسجدوها في الصلاة؛ لأنها ليست بصلاتية، وسجدوها بعد الصلاة أي: إذا فرغوا؛ لأن السبب قد تحقق، والمانع قد زال فإن سجدوها في الصلاة، لم تُجزهم؛ لما عرفت، فيعيدونها ولم تَفْسُدِ الصَّلاة؛ لأنَّ السجدة من أفعال الصلاة، كالسجدة الثالثة.
وفي النوادر»: أنه يُفْسِدُ؛ لأنهم زادوا فيها ما ليس منها، وقيل: هو قول محمد.
ومن تلا آية سجدة [خارج الصلاة] فلم يَسْجُدُها حتى دخل في الصلاة، فتلاها أي: أعادها وسَجَدَ لها، أجزائه السجدة عن الثلاوتين؛ لأن الثانية أقوى؛ لكونها صلاتية، فاستتبعت الأولى.
وفي النوادر»: يسجد أخرى بعد الفراغ؛ لأن للأولى قوة السَّبْقِ، فاستويا،
قلنا: للثانية قوة اتصال المقصود فترجحت بها، كذا في «الهداية».
وإن تلاها في غير الصَّلاةِ، فسجد لها، ثم دخل في الصلاة فتلاها، سجد لها، ولم تجز السجدة الأولى؛ لأن الثانية هي [المستتبعة، ولا وَجْهَ إلى إلحاقها بالأولى؛ لأنه يؤدي إلى سَبْقِ الحُكم على السبب.
ومن كرر تلاوة سجدة واحدة في مجلس واحد، أجزَأَنَّهُ سَجدة واحدة أي:
إذا قرأ آية السجدة فسجدها، ثم قرأها في مجلس، فليس عليه أن يسجدها، وإن قرأها ولم يسجدها حتى قرأها في مجلسه ثانياً، فعليه سجدة واحدة، وإن قرأها وسجدها، ثم ذهب ورجع، ثم قرأها، سجدها ثانية، وإن لم يسجد الأولى حتى رجع فقر أها، سجدها سجدتين؛ لأن الأصل أن تكرار آية السجدة في مجلس لا يوجب إلا سجدة واحدة، كالشهو في الصلاة الواحدة؛ لأنها حق الله تعالى، وحقوق الله تعالى يجري فيها التداخل، بخلاف تشميت العاطس، حيث يجب بكل مرة؛ لأنها حق العيد.
ومن أراد السجود كبر قال في المبسوط»: التكبير ليس بواجب كما في الصلاة".
الجزء 1 · صفحة 61
وفي المحيط»: وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يكبر عند الانحطاط لأن التكبير للانتقال من الركن، وعند الانحطاط لا ينتقل من الركن.
ولم يرفع يديه خلافاً للشافعي وسَجَدَ، ثم كَبَّرَ ورَفَعَ رأسه، ولا تشهد عليه ولا سلام خلافاً لبعض أصحاب الشافعي.
قال الإمام ظهير الدين والمستحب أنه إذا أراد أن يسجد؛ يقوم ثم يسجد وإذا رفع رأسه من السجود يقوم ثم يقعد، وماذا يقول في السجدة؟
الأصح أن يقول في هذه الشجدة من التسبيح ما يقول في سجدة الصلاة، وبعض المتأخرين استحسنوا قول: سبحان ربنا إن كانَ وَعْدُ رَبَّنَا لَمَفْعُولًا الإسراء 08، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول في سجوده إذا سجد للتلاوة: سجد وجهي للذي خَلَقَهُ وشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وقوته، وقد جاء في الأخبار أن رجلاً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: يا رسول الله، رأيت في المنام كأني أقرأ سورة ص تحت شجرة، فلما بلغت آية السجدة، خرت الشجرة للسجود، فسمعتها تقول في السجود: اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني وزراً، واجعل لي بها عندك ذخراً. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك إذا قرأ سورة ص سَجَدَ، وقال في سجوده مثل ما حكى له ذلك الرَّجُل عن الشجرة، والله أعلم.
باب صلاة المسافر
السفر الذي يتغير به الأحكام أن يقصد الإنسان موضعاً بينه أي: بين الإنسان وبين المقصد مسيرة ثلاثة أيام ولياليها على القصد؛ لأن المشقة لا تحصل بأصل الخروج، فلا بد من اعتبار القدر، فقدرناه بثلاثة أيام؛ لأنه حد الجمع، ثم الأيام للمشي، والليالي للاستراحة.
وقدر السيرة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ثم ما في الكتاب عندنا، وعند الشافعي: يوم وليلة في قول، وعن أبي يوسف: أنه قدر بيومين والأكثر من اليوم الثالث.
ثم المعتبر في هذا الباب الوسط، إليه أشار بقوله: بسير الإبل، ومشي الأقدام؛ لأنه الوسط، وعن أبي حنيفة: أنه اعتبر ثلاث مراحل، وهذا قريب من الأول، لأن المعتاد من السير في كل يوم مرحلة واحدة خصوصاً في [أقصر أيام السنة.
الجزء 1 · صفحة 62
قال في الجامع الصغير: وبعض المشايخ قدرها بالفراسة، فمنهم من قدرها بخمسة عشر فرسخاً، ومنهم بثمانية عشر، ومنهم بإحدى وعشرين.
ولا يعتبر في ذلك الشير الشير في الماء أي: لا يعتبر بالماء السير في البر.
قال في الجامع الصغير: ويُعتبر في الجبل ما يليق بحال الجبل وإن كان في السهل يُقطع بمدة يسيرة، وفي البحر يعتبر أن تكون الرياح مستوية غير عالية ولا ساكنة كم تسير؟ فيجعل ذلك أصلاً.
وفرض المسافر عندنا في كل صلاة رباعية: ركعتان، لا يجوز له الزيادة
عليهما أي: القصر في السفر عزيمة غير رخصة، لا يجوز غيره، وعن عمر رضي الله عنه: صلاة السفر ركعتان، تمام غير قضر على لسان نبيكم، وعن عائشة رضي الله عنها: «أول ما فُرضَتِ الصلاة فرضت ركعتين ركعتين، فأُقرت في السفر، وزيدت في الخضر.
والشافعي رحمه الله ذهب إلى التخيير، وقال: فرضه الأربع، والقَصْرُ رُخصة 4.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه أتم في السفر 5، وعن عائشة رضي الله عنها: اعتمرت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة إلى مكة، حتى إذا قدمت مكة، قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، قصرتُ وأتمَمْتُ، وصُمْتُ وأفطرت، فقال: أحْسَنتِ يا عائشة وما عاب علي 6، وكان عثمان رضي الله عنه يُتِمَّ وَيَقْصُرُ، كذا في الكشاف ?.
فإن صلى المسافر أربعاً، وقد قَعَدَ في الركعة الثانية من الأوليين مقدار التشهد، أجزأته الركعتان عن فرضه أي: تم فرضه، وأساء بتأخير السلام، وسبيه:
عدم قبول صَدَقَةِ الله؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - قال: صَدَقَةٌ تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صَدَقَتَهُ وكانت الأخريان له نافلة كما لو صلى الفجر أربعاً وإن لم يقعد مقدار التشهد في الركعتين الأوليين، بطلت صلاته؛ لترك ما فرض عليه، أعني: القعدة.
ومن خرج مسافراً صلى ركعتين إذا فارق بيوت المصر أي: من الجانب الذي يخرج منه المسافر من البلدة؛ إذ هو المعتبر، لا الجوانب التي بحذاء البلدة حتى إذا خلف الأبنية التي في الطريق الذي خرج منه قصر الصلاة، وإن كان بحذائه أبنية أُخَرُ من جانب آخر من المصر.
الجزء 1 · صفحة 63
وإذا خرج الرجل مسافراً، فلما سافر بعض الطريق تذكر شيئاً قد نسيه في المصر، فعزم على الرجوع إلى الوطن لأجل ذلك، إن كان ذلك وطناً أصلياً له، يصير مقيماً بمجرد العزم على الرجوع، وإن لم يكن وطناً أصلياً له يَقْصُرُ.
ولا يزال المسافر على حُكْمِ السَّفَرِ حتى ينوي الإقامة في بلد أو قرية خمسة عشر يوماً فصاعداً، فيلزمه الإتمام.
واعْلَمْ أَن نية الإقامة لا تصح إلا في موضع الإقامة ممن يتمكن من الإقامة، وموضع الإقامة: العمران، والبيوت المتخذة من الحَجَرِ والمَدرِ والخشب، إليه أشار بقوله:
في بلد، لا الخيام، والأخبية، والوَبَر وعن أبي يوسف: أن أرباب المواشي إذا نزلوا أرضاً كثر ماؤها وكلوها، ونصبوا المخابز، ونووا الإقامة خمسة عشر يوماً، والماء والكلأ يكفيهم لتلك المدة؛ كانوا مقيمين، وكذلك التراكمة، والأعراب.
وإن نوى الإقامة أقل من ذلك، لم يتمم بل يقصر، هذا عندنا، وعند مالك، والشافعي، والليث: إذا أقام أربعاً، أو أكثر؛ أتم الصلاة، وإن لم ينو الإقامة
فالخلاف بيننا وبينه في موضعين
أحدهما: في قدر نية الإقامة.
والثاني: في اشتراط أصل النية.
ومن دخل بلداً ولم ينو أن يُقيم فيه خمسة عشر يوماً، وإنما يقول: غداً أخرج، أو بعد غد أخرج، حتى بقي في البلد سنين، صلى ركعتين؛ لأن القصر كان ثابتاً بيقين، فلا يزول إلا بيقين مثله، ولم يوجد، على أن ابن عمر رضي الله عنه أقام بأذربيجان ستة أشهر وكان يقصر.
ويروى أيضاً: أن سعد بن أبي وقاص أقام شهرين بقرية من قرى نيسابور وكان يقصر الصلاة، وعَلْقَمة أقام بخوارزم سنتين وكان يقصر الصلاة، وأنس أقام بنيسابور شهراً وكان يقصر 4.
وإذا دَخَلَ العَسْكَر أرض الحرب فنووا الإقامة خمسة عشر يوماً، لم يتموا الصلاة بل قصروا، وكذا إذا حاصروا حصناً فيها، [أو 0 أهل البغي في دارنا في
غير مصر إذا نووا الإقامة مدتها.
الجزء 1 · صفحة 64
وإذا دخل المسافر في صلاة المقيم أي: اقتدى المسافر بالمقيم مع بقاء الوقت، أتم الصلاة أربعاً؛ لأنه صار مقيماً في حق هذه الصلاة؛ لكونه تبعاً للإمام، داخلاً في ولايته، وإقامة الأصل يوجب إقامة التبع، كالعبد والجندي يصيران مقيمين بنية المولى والأمير؛ لثبوت التبعية في حقهما، والحكم في التبع يثبت بشرط الأصل، حتى لو نوى المولى الإقامة ولم يعلم العبد حتى قصر أياماً، ثم علم؛ قضى تلك الصلوات، كذا في «الكفاية».
وإن دخل معه في فائية، لم تجز صلاته خلفه؛ إذ بعد الوقت يتقرر الفرض ركعتين، فلا يقبل التغيير أصلاً، فيصير اقتداء مفترض بمتنقل؛ لأنه إن كان في الشفع الأول، فالقعدة فرض في حقه، نقل في حق الإمام، وإن كان في الشفع الثاني، فالقراءة فرض في حقه، نقل في حق الإمام، وهذا لا يجوز.
وإذا صلى المسافر بالمقيمين أي: إذا أم المسافر المقيمين صلى ركعتين وسلم، ثم أتم المقيمون صلاتهم بغير قراءة في الأصح ويُسْتَحبُّ له إذا سلَّمَ أن يقول للمقيمين: أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر يقال: إنا سافر، وقوم سَفْرٌ، مثل: صاحب وصحب.
وإذا دَخَلَ المُسافر مصره، أتم الصلاة وإن لم ينو الإقامة أي: لا يحتاج إلى عزم جديد.
ومن كان له وطن أصلي فانتقل عنه، واستوطن غيره، ثم سافر فدخل وطنه الأول، لم يتم الصلاة بل يقصر، فإذا انتقل من البلد الذي تأهل به بأهله وتوطن ببلدة أخرى، لا تبقى البلدة المنتقل عنها وطناً له، حتى لو دخلها لا يصير مقيماً إلا بنية الإقامة، ألا ترى أن مكة كانت وطناً أصلياً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم لما هاجر عنها إلى المدينة بأهله وتوطن ثمة، انتقض وطنه بمكة، ومن ثم قال - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع: «أتموا صلاتكم يا أهل مكة؛ فإنا قوم سفره وهذا معنى قولهم: ويُبطل الوطن الأصلي مثله، سواء كان بينهما مدة السفر أو لا، لا السَّفَرُ، ووطن الإقامة مثله، والسفر، والأصلي.
وإذا نوى المسافر أن يُقيم بمكة ومنى خمسة عشر يوماً، لم يتم قال في الهداية»: لأن اعتبار النية في موضعين يقتضي اعتبارها في مواضع، وهو ممتنع لأن السفر لا يغرى عنه، إلا إذا نوى أن يُقيم بالليل في أحدهما، فيصير مقيماً بدخوله فيه؛ لأن إقامة المرء مضاف إلى مبيته.
ومَن فاتته صلاة في السَّفَرِ، قضاها في الحضر ركعتين، ومن فاته صلاة في الحضر، قضاها في السَّفَرِ أربعاً؛ لأن القضاء بحسب الأداء، والمعتبر في ذلك: آخر الوقت.
الجزء 1 · صفحة 65
لا يقال: الوجوب يضاف إلى كل الوقت؛ لأنا نقول: الوجوب يُضاف إلى الجزء الذي يتصل به الأداء إذا وجد الأداء، فإذا لم يوجد الأداء تنتقل السببية جزءاً فجزءاً إلى آخر الأجزاء، فيكون الآخر معتبراً في السببية، حيث يتقرر فيه الوجوب؛ لأنه لم يبق بعده ما يحتمل انتقال الشبيبية إليه، بدليل وجوب الصلاة على من أسلم في آخر الجزء، أو بلغ فيه، أو طهرت عن الحيض فيه.
والعاصي والمطيع في سفرهما في الرخصة سواء عندنا، وعند الشافعي رَحِمَهُ اللهُ: سَفَرُ المعصية لا يُفيد الرخصة، وذلك كمن سافر بنية قطع الطريق، أو البغي على الإمام العدل، وكذلك المرأة إذا حجَّت من غير مَحْرَم، والعبد إذا أبق من مولاه.
الوداع: «أتموا صلاتكم يا أهل مكة؛ فإنا قوم سفره وهذا معنى قولهم: ويُبطل الوطن الأصلي مثله، سواء كان بينهما مدة السفر أو لا، لا السَّفَرُ، ووطن الإقامة مثله، والسفر، والأصلي.
وإذا نوى المسافر أن يُقيم بمكة ومنى خمسة عشر يوماً، لم يتم قال في الهداية»: لأن اعتبار النية في موضعين يقتضي اعتبارها في مواضع، وهو ممتنع لأن السفر لا يغرى عنه، إلا إذا نوى أن يُقيم بالليل في أحدهما، فيصير مقيماً بدخوله فيه؛ لأن إقامة المرء مضاف إلى مبيته.
ومَن فاتته صلاة في السَّفَرِ، قضاها في الحضر ركعتين، ومن فاته صلاة في الحضر، قضاها في السَّفَرِ أربعاً؛ لأن القضاء بحسب الأداء، والمعتبر في ذلك: آخر الوقت.
لا يقال: الوجوب يضاف إلى كل الوقت؛ لأنا نقول: الوجوب يُضاف إلى الجزء الذي يتصل به الأداء إذا وجد الأداء، فإذا لم يوجد الأداء تنتقل السببية جزءاً فجزءاً إلى آخر الأجزاء، فيكون الآخر معتبراً في السببية، حيث يتقرر فيه الوجوب؛ لأنه لم يبق بعده ما يحتمل انتقال السبيبية إليه، بدليل وجوب الصلاة على من أسلم في آخر الجزء، أو بلغ فيه، أو طهرت عن الحيض فيه.
والعاصي والمطيع في سفرهما في الرخصة سواء عندنا، وعند الشافعي رَحِمَهُ اللهُ: سَفَرُ المعصية لا يُفيد الرخصة، وذلك كمن سافر بنية قطع الطريق، أو البغي على الإمام العدل، وكذلك المرأة إذا حجَّت من غير مَحْرَم، والعبد إذا أبق من مولاه.
الجزء 1 · صفحة 66
باب صلاة الجمعة
ناسب باب الجمعة لما قبله في أن كلا منهما يتصف بواسطة:
الأول: بواسطة السفر، والثاني: بواسطة الخطبة.
إلا أن الأول شامل لكل ذوات الأربع، والثاني خاص في الظهر، والخاص بعد العام؛ لأن التخصيص يعتمد العموم.
لا تَصِحُ الجُمُعة إلا في مصر جامع وظاهر المذهب في حد المضر الجامع: أن يكون فيه جماعات الناس، وأسواق التجارات، وسلطان، وقاضي يُقيم الحدود، ويُنفذ الأحكام، ويكون فيه مفتي.
وقيل: ألا يسعهم أكبر مساجدهم لو اجتمعوا فيه.
أو في مصلّى المِصْرِ أو فنائه وهو الموضع المُعد لمصالح المصر، وهو مُتَّصِلٌ بالمضر، [فقدَّرَهُ] بعضهم بالغلوة، [وبعضهم] بفر سَخَينِ 4، وبعضهم بثلاثة أميال 5، وبعضهم بمنتهى صوت المؤذن.
وإلى القول الثاني مال شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده، وشمس الأئمة الحلواني.
ولا يجوز في القرى، ولا يجوز إقامتها إلا للسلطان أو مَن أَمَرَهُ السلطان.
ومن شرائطها الوقت، فتصح في وقت الظهر، ولا تصح بعده؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: إذا مالَتِ الشَّمسُ فَصَلِّ بالنَّاسِ الجُمُعة.
ومن شرائطها: الخُطبة قبل الصَّلاةِ، يخطب الإمام خطبتين يفصل بينهما بقَعْدَةِ الفَضْلُ بين الخطبتين في الجمعة بقدر ما يتمكن في موضع جلوسه ويستقر كل عضو منه في موضعه، ثم يقوم من غير لبث سُنَّةٌ عندنا، فرض عند الشافعي.
يخطب قائماً على الطهارة، فإن اقتصر على ذكر الله تعالى جاز عند أبي حنيفة، وقالا: لا بد من ذكرٍ طويل يُسمّى: خُطبة قال في الجامع الصغير»: إمام خَطَبَ بتسبيحة أجزأته، وقالا: لا يُجزئه إلا بما يتعارفه الناس خطبة، وعن أبي يوسف مثل قول أبي حنيفة، وعن أبي حنيفة: لو عطس وهو على المنبرِ، فَحَمِدَ العَطْسَتِهِ، أجزاته عن الخطبة.
وقال الشافعي: لا يجوز حتى يخطب خطبتين كما هو المعروف اعتباراً بالعادة 4.
وهما يقولان: الواجب خطبة، وليس كل كلام خطبة.
الجزء 1 · صفحة 67
ولأبي حنيفة: أنَّ الخُطبة ذِكْرٌ، فإذا سبح فقد ذكر الله، أي: حصل الذكر؛ لقوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9، قال بعض المفسرين: ذكر الله إنما هو الخطبة. وقال في الكشاف والتسمية الله الخطبة: ذكراً له.
قال أبو حنيفة: إن اقتصر الخطيب على مقدار يُسمى ذكراً الله، كقوله: الحمد لله سبحان الله؛ جاز.
وعن عثمان أنه صعد المنبر، فقال: الحمد الله، فأرتج عليه، فقال: إن أبا بكر وعمر كانا يُعدان لهذا المقام مقالاً، وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال وسيأتيكم الخُطَبُ. ثم نَزَلَ، وكان ذلك بحضرة الصحابة، ولم ينكر عليه أحد.
وعند صاحبيه والشافعي: لا بد من كلام يُسمّى خُطبة.
وإن خَطَبَ قاعداً، أو على غير طهارة؛ جاز لحصول المقصود ويُكره المخالفة التوارث؛ لأن القيام فيها متوارث.
ومن شرائطها الجماعة اتفاقاً وأقلهم عند أبي حنيفة ثلاثة سوى الإمام؛ لأن أدنى الجماعة ثلاثة وقالا: اثنان سوى الإمام وعند الشافعي: لا بد من أربعينَ رَجُلاً كلُّهم أحرار مُقيمونَ.
ويجهر الإمام بالقراءة في الركعتين، وليس فيهما قراءة سورة بعينها. ولا تجب الجمعة على مسافر؛ إذ يُخْرَجُ في الحضور ولا امرأة؛ لأنها مشغولة بخدمة الزوج ولا مريض، ولا أعمى وإن وجد قائداً يقوده. وقالا: يلزمه إذا وجد قائداً ولا عبد؛ لأنه مشغول بخدمة المولى.
فإن حضروا وصلوا مع الناس، أجزأهم عن فرض الوقت؛ لأنهم تحملوه فصار كالمسافر إذا صام.
ويجوز للمسافر والعبد والمريض أن يَؤُم في الجمعة هذا عندنا، وعند زُفَرَ لا يُجزئه؛ إذ لا فرض عليه، فأشبة 4 الصبي والمرأة.
قلنا: السقوط رُخصةً، فإذا حضروا يقعُ فرضاً، والصبي مسلوب الأهلية، والمرأة لا تصلح لإمامة الرجال.
ومن صلى الظهر في منزله قبل صلاة الإمام، ولا عُذْرَ لهُ، كُرِهَ له ذلك، وجازت صلاته عندنا، وعند زُفَرَ لا تُجْزِئُهُ فإن بدا له أن يحضر الجمعة فتوجه، بطلت صلاة الظهر عند أبي حنيفة بالشعي أي: كما خرج وقالا: لا تبطل حتى يدخل مع الإمام أي: لا تبطل ما لم يدخل في الجمعة؛
الجزء 1 · صفحة 68
لأنه أمر ينقض الظهر حكماً بواسطة أداء الجمعة لا قصداً؛ لأن نقض العبادات قصداً حرام، ولأبي حنيفة أنه أمر بالسعي إليها فمن ضروريه بطلان الظهر؛ لأن الجمعة مع قيام الظهر لا يُتَصَوَّرُ، وإنما تبطل إذا كان الإمام في الجمعة حين خرج هو من داره، فلما انتهى إليه فرغ؛ ولأن السعي من خصائص الجمعة، فقام مقام الأداء في موضع الاحتياط، وإن خرج من منزله بعد فراغ الإمام عن الجمعة، لم ينتقض ظُهْرُهُ في قولهم جميعاً.
ويكره أن يصلي [المعذورون الظهر بجماعة يوم الجمعة، وكذلك أهل السجن؛ لأن في عقد الجماعة للظهر معارضة الجمعة على سبيل المخالفة، والمعارضة على سبيل الموافقة بدعة، بأن صلوا الجمعة في موضعين، فهذا أولى، وإن صلوا أجزأهم؛ لاستجماع شرائط الجمعة.
قال في الكفاية»: وذكر الإمام التمرتاشي: مريض يصلي الظهر في منزله يوم الجمعة بأذان وإقامة، قال محمد هو حسن، وكذا جماعة المرضى، بخلاف المسجونين؛ فإنه لا يباح لهم ذلك؛ لأن المرضى عاجزون، بخلاف المسجونين؛ لأنهم إن كانوا ظلمة، قدروا على إرضاء الخصم، وإن كانوا مظلومين أمكنهم الاستغاثة، فكان عليهم حضور الجمعة، وألا يعارضوها بجماعة.
وفي التفاريق: يصلي المعذور الظهر بأذان وإقامة، وإن كان لا يُستَحَبُّ الجماعة.
ومن أدرك الإمام يوم الجمعة، صلّى معه ما أدرك، ويبني عليها الجمعة، وإن أدركه في التشهد، أو في سجود السهو، بنى عليها الجمعة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: إن أدرك معه أكثر الركعة الثانية بأن أدركه في الركوع بنى عليها الجمعة، وإن أدرك أقلها بأن أدرك بعدما رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية بني عليها الظهر فيُصلي أربعاً؛ لأنَّ إقامة الجمعة مقام الظهر ثبت بالنص، بخلاف القياس عند وجود جميع الشرائط، وقد عُدِم بعضها ههنا، كالجماعة والإمام.
ولهما: أنه مُدرك للجمعة في هذه الحالة، حتى يُشترط نية الجمعة، وهي ركعتان، ولا وجه لما ذكره؛ لأنهما مختلفان لا يُبنى أحدهما على تحريمة الآخر.
وإذا خرج الإمام ثم صعد المنبر يوم الجمعة، تَرَكَ الناسُ الصلاة أي: صلاة التطوع، وأما الفائتة فيجوز وقت الخطبة من غير كراهة والكلام أي: الذي هو من كلام الناس، وأما التسبيح وأشباهه، فلا على الأصح، وقال في العيون: المراد من الكلام إجابة المؤذن، أما غيره من الكلام فيكره إجماعاً، والأصل في هذا: أن ما يؤدي إلى الحرام فهو حرام، والكلام قد يمتد فيؤدي إلى الإخلال بفرض استماع الخطبة حتى يفرغ من خطبته هذا عندنا.
الجزء 1 · صفحة 69
وقالا: لا بأس بالكلام إذا خرج الإمام قبل أن يخطب، وإذا نَزَلَ قبل أن يُكَبِّر.
وإذا أذن المؤذنون بلفظ الجمع في بعض النسخ، وفي البعض بلفظ المفرد يوم الجمعة الأذان الأول وهو الأذان على المنارة ترك الناس البيع والشراء، وتوجهوا إلى الجمعة؛ لقوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة: 9 أي: فامضوا، وليس المراد: الإسراع، بل الذهاب بالسكون والوقار، قال - صلى الله عليه وسلم -: إذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فلا تأتوها تسعون، ولكن التوها وعليكم السكينة والوقار.
وإذا صَعِدَ الإمام المنبر جَلَسَ، وأذن المؤذنون بين يدي المنبر بذلك جرى التوارث، ثم لفظ الجمع لإخراج الكلام مخرج العادة؛ فإنَّ المتوارث في أذانِ الجمعة اجتماع المؤذنين، ليبلغ أصواتهم أطراف المصر الجامع.
فإذا فرغ من خُطبَتِهِ، أقاموا الصَّلاةَ وصلى الإمام ركعتين.
باب صلاة العيدين
يُستَحَبُّ في يوم الفطر أن يَطْعَمَ الإنسانُ قبل الخروج إلى المُصلّى كما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ الفطر ضد الصوم، والصوم من أول اليوم، فكذا الفطر الذي هو ضده ويغتسل ويتطيَّبَ كما في يوم الجمعة ويلبس أحسن ثيابه جديداً أو غسيلاً ويتوجه إلى المصلى بعد أدائه صدقة الفطر.
قال في التجنيس: ويُستَحَبُّ أن يخرج يوم العيد من طريق ويرجع من طريق آخَرَ؛ لأن مكان القربة يشهد لصاحبه، وفيما قلنا يكثر الشهود.
ولا يُكَبِّرُ أي: جَهْراً في طريق المصلّى عند أبي حنيفة فلو كبر من غير جهر [لكان] حَسَناً ويُكبر جهراً عند أبي يوسف ومحمد اعتباراً بالأضحى.
قلنا: الأصل في الثناء والدعاء: الإخفاء، لكن الشرع ورد بالجهر في الأضحى؛ لكونه يوم تكبير، ولا كذلك الفطر.
ولا يتنقل في المصلى قبل صلاة العيد عندنا، خلافاً للشافعي.
قيل: الكراهة في المصلى خاصة، وقيل: فيه، وفي غيره عامة.
الجزء 1 · صفحة 70
فإذا حَلَّتِ الصلاة يحتمل أن يكون من الحلول، أي: الوجوب، أو من الحل بارتفاع الشمس، دخل وقتها إلى الزوال، فإذا زالت الشمس، خرج وقتها. ويصلي الإمام بالناس ركعتين؛ يُكبر في الأولى تكبيرة الافتتاح ثم يثني قبل الزوائد، وهي ثلاث في كل ركعة.
4
وقال ابن أبي ليلى: يأتي بالثناء بعد التكبيرات الزوائد، وأما التعوذ فيأتي به عند أبي يوسف: عقيب ثناء الافتتاح قبل الزوائد، وعند محمد: بعد الزوائد حين يريد القراءة؛ لأنه للقراءة عنده، كذا في المبسوط.
وثلاثاً بعدها لا يُخَلَّلها الذكر، قال في المبسوط»: وروي عن أبي حنيفة أنه سَكَتَ بين كل تكبيرتين بقدر ثلاث تسبيحات؛ لأن صلاة العيد تقام بجمع عظيم، فإن والى بين التكبيراتِ، يَشْتَبِهُ على من كان نائياً عن الإمام، والاشتباه يزول بهذا القدر من المكث، ثم قال: هذا القدر ليس بلازم، [بل] يختلف ذلك بكثرة الزحام وقلته؛ لأن المقصود إزالة الاشتباه عن القوم، وذلك يختلف بكثرة القوم وقلتهم.
ثم ليس بين التكبيرات ذكر مسنون عندنا.
وقال الشافعي: يقول بين كل تكبيرتين: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضاً.
ثم يقرأ يقرأُ فاتحة الكتاب ا وسورة معها، ثم يكبر تكبيرة يركع [بها] ثم، يبتدئ في الركعة الثانية بالقراءة، فإذا فرغ من القراءة كبر ثلاث تكبيرات، وكبر تكبيرة رابعة يركع بها. ويرفع يديه في تكبيرات العيدين أي: يرفع يديه في الزوائد كما في الافتتاح، فيوجد رفع اليد فيما سوى [تكبيرتي الركوع.
ثم يخطب بعد الصلاة خطبتين، يُعلمُ الناس فيها صدقة الفطر وأحكامها وهذه تخالف خطبة الجمعة من وجهين:
أحدهما: أن الجمعة لا تجوز بدون الخطبة، وصلاة العيد تجوز بدونها.
والثاني: أن في الجمعة تُقدَّمُ الخُطبة على الصلاة، وفي العيدين تُؤخَّرُ عن الصلاة، فإن قدم الخطبة في صلاة العيد، جاز أيضاً، ولا تُعاد الخطبة بعد الصلاة، كذا قال قاضي خان.
الجزء 1 · صفحة 71
ومَن فاتته صلاة العيد مع الإمام، لم يَقْضِها أي: إن صلى الإمام وهو لم يُدركه، وفاتته معه، لم يقضها، وله أن يصلي ركعتين أو أربعاً كصلاة الضحى في سائر الأيام.
وفي المحيط»: فإن أحب أن يصلي، فالأفضل أربع ركعات؛ لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: من فاتته صلاة العيد صلى أربع ركعات، يقرأ في الأولى: وسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى:، وفي الثانية: {وَالشَّمْسِ وَضُحَهَا} [الشمس:
، وفي الثالثة: وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل:، وفي الرابعة: {وَالضُّحَى الضحى: روى في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعداً جميلاً وثواباً جزيلاً، كذا في «الكفاية».
فإن غُمَّ الهلال على الناس، فشهدوا عند الإمام برؤية الهلال بعد الزوال من يوم العيد صلى العيد من الغد للعذر، وقد ورد فيه الحديث.
4
فإن حَدَثَ عُذر منع من الصلاة في اليوم الثاني، لم يصلها بعده؛ إذ الأصل عدم القضاء كالجمعة، والترك في اليوم الثاني كان بالحديث، ولم يوجد في اليوم الثالث.
ويستحب في يوم الأضحى أن يغتسل ويتطيب كذلك ويُؤخر الأكل حتى يفرغ من الصلاة ولو أكل قبل الصلاة لا يكره في الأصح ويتوجه إلى المصلى، وهو أي: والحال أنه يُكبر في الطريق جهراً.
ويصلي الأضحى ركعتين كصلاة الفطر، ثم يخطب بعدها خُطبتين يُعلِّمُ الناس فيها الأضحية وتكبيرات التشريق؛ لأنه مشروع الوقت، والخطبة ما شرعت إلا لتعليمه.
فإن حَدَثَ عُذر منع الناس من الصلاة في يوم الأضحى، صلاها من الغد وبعد الغد، ولا يُصليها بعد ذلك لكونها مؤقتة بوقت الأضحية فيتقيد بأيامها، ثم هذا في العذر كما قال، ولو أخر بغير عذر وصلى أيامها، جاز أيضاً، لكنه أساء؛ إذ التأخير بغير عذر مخالف للمنقول.
وتكبير التشريق أوَّلُهُ: عَقيب صلاة الفَجْرِ من يوم عرفة، وآخِرُهُ: عقيب صلاة العصر من يوم النحر عند أبي حنيفة وهو مذهب ابن مسعود؛ لأن الأصل في الأذكار ترك الجهر إلا ما وقع عليه اتفاق الصحابة، وذلك في ثمان صلوات وقالا: منه إلى صلاة العصر أي: يُختم عقيبها من آخر أيام التشريق وهي ثلاث وعشرون صلاة، وهو قول علي؛ لأن إتيان ما ليس عليه خير من أن يترك ما عليه.
الجزء 1 · صفحة 72
قال في الجامع الكبير والفتوى على قولهما.
ثم قوله: والتكبير عقيب الصلوات المفروضات [مبتدأ وخبر، وكذا قوله: وهو مبتدأ أيضاً، والخبر أن يقول مرة واحدة: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد هو المأثور عن خليل الرحمن صلوات الله عليه وسلامه، هذا عندنا، وعند الشافعي: تكبيرات التشريق كتكبير الصلاة: الله أكبر، لكن ثلاث مرات.
قال أبو حنيفة: هذا على الرجال المقيمين الأحرار في دير المكتوبات المؤديات بالجماعات [المستحبة] في الأمصار، دون أهل القرى والمسافرين، وجماعات النساء والمنفردين، إلا أن يدخلوا في جماعات الرجال في المصر، فحينئذ كبروا تبعاً.
وقالا: على كل من صلى المكتوبة؛ لأنها تبع للمكتوبة.
ولأبي حنيفة: الجهر بالتكبير من شعار الإسلام، فيختص بالمصر وأهله كالجمعة.
وبعض مشايخنا قالوا: التكبير جهراً في غير هذه الأيام [لا] يُسَنُّ إلا بإزاء العدو، واللصوص، والحريق، والمخاوف.
ولو نسي الإمام لم يترك القوم؛ لأنه مشروع في إثر الصلاة، فلم يكن الإمام من شرطه، لكن متصلاً بالصلاة، والله أعلم.
باب صلاة الكسوف
قرن هذا الباب بما قبله؛ لأنهما يؤديان بالجماعة نهاراً بغير أذان وإقامة، ثم لما كانت صلاة العيد واجبة في الأصح قدمها.
إذا انكَسَفَتِ الشَّمس، صلّى الإمام بالناس إما في الجامع، أو في المصلى؛ إذ الجماعة فيها سنة بالإجماع ركعتين كهيئة النافلة أي: بغير أذان وإقامة، ويجوز أن يكون احترازاً عن قول أبي يوسف؛ فإنَّه قال: كهيئة صلاة العيد في كل ركعة ركوع واحد وعند الشافعي: ركوعان.
ويُطول القراءة فيهما المراد: بيان الأفضلية لما فيه من متابعة النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ قد صح في الحديث أن قيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الركعة الأولى بقدر سورة البقرة، وفي الركعة الثانية بقدر سورة آل عمران، وفي الحقيقة يقرأ فيهما ما يشاء ويخفي الإمام القراءة عند أبي حنيفة، وقالا: يَجْهَرُ وفي رواية محمد مع أبي حنيفة.
الجزء 1 · صفحة 73
ثم يدعو بعدها حتى تنجلي الشمس. ويصلي بالناس الإمام الذي يصلي بهم الجمعة؛ لأنه أقامها رسول الله، فإنَّما يُقيمها [الآن] من هو قائم مقامه فإن لم يحضر الإمام المذكور صلى الناس فرادى في مساجدهم، إلا إذا كان الإمام الأعظم الذي يصلي بهم الجمعة والعيدين أمرهم بذلك، فحينئذ يجوز أن يصلوا بجماعة، يؤمهم فيها إمام حيهم.
وليس في خُسوف القمر جماعة، وإنما يصلي كل واحد بنفسه لتعذر الاجتماع بالليل، أو لخوف الفتنة.
وليس في الكسوف خُطبة؛ إذ لم يشتهر به الأثر، هذا عندنا، وعند الشافعي: يخطب خطبتين بعد السلام كما في العيدين، والله أعلم.
باب الاستسقاء
قال أبو حنيفة: ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة، فإن صلى الناس وحداناً، جاز، وإنما الاستسقاء الدعاء والاستغفار. وقال أبو يوسف ومحمد: يصلي الإمام بالناس ركعتين بجماعة كصلاة العيد، إلا أنه ليس فيها تكبيرات يجهر فيهما بالقراءة كما في صلاة العيد.
ثم يخطب خطبتين كما في العيد عند محمد، وعند أبي يوسف: يخطب خطبة واحدة ويستقبل القبلة بالدعاء وعن أبي يوسف: إن شاء رفع يديه في الدعاء، وإن شاء أشار بإصبعيه.
ويقلب الإمامُ رِداءَهُ، ولا يَقْلِبُ القوم أرديتهم وصفته: إن كان مربعاً، جعل أعلاه أسفله، وإن كان مدوّراً، جعل الجانب الأيمن على الجانب الأيسر.
قال شمس الأئمة السرخسي: ولا تأويل له سوى أنه ينال بتغيير الهيئة ليتغير الهواء.
ولا يحضر أهل الذمة الاستسقاء؛ لأنه لاستنزال الرحمة، وإنما تنزل عليهم اللعنة.
قال الإمام ظهير الدين وإنما يخرجون إلى الاستسقاء ثلاثة أيام، ولم ينقل أكثر من ذلك، ولا يُخرج فيه المنير، ويخرجون مشاة في ثياب خَلَقٍ، أو غسيل، أو مرقعة، متذللين، خاشعين، متواضعين، ناكسي رؤوسهم، ثم في كل يوم يُقدِّمون الصدقة قبل الخروج، ثم يخرجون، والله أعلم.
باب قيام شهر رمضان
الجزء 1 · صفحة 74
يُستَحَبُّ، ذكر الاستحباب، والأصح أنها سُنَّةٌ واظب عليها الخلفاء الراشدون، وعدم مواظبته كان لخشية أن يكتب علينا. أن يجتمع الناس في شهر رمضان بعد العشاء، فيُصلّي بهم إمامُهُم خَمْسَ ترويحات، في كل ترويحة تسليمتان فيكون عشر تسليمات، ثم السنة فيها الجماعة على وجه الكفاية، حتى لو امتنع أهل المسجد عن إقامتها كانوا مسيئين، والمتخلف بعد إقامة البعض تارك للفضيلة، ولا يكون مسيئاً ولا تاركاً للسنة لو صلّى في بيته.
ويجلس بين كل ترويحتين مقدار ترويحة، ثم يوتر بهم، ولا يُصلّى الوتر جماعة في غير شهر رمضان وعليه انعقد الإجماع، والله أعلم.
باب صلاة الخوف
صلاة الخَوْفِ مسنونة في زماننا عند أبي حنيفة ومحمد، خلافاً لأبي يوسف فإنه قال: كانت في حال حياته خاصة، ثم لم تبق مشروعة بعده - صلى الله عليه وسلم -.
إذا اشتدَّ الخَوفُ من عدو أو سبع.
اعلم أن اشتداد الخوف ليس بشرط عند عامة المشايخ، فجعلوا سبب الجواز نفس خوف العبد من غير ذكر الاشتداد.
جَعَلَ الإمام الناس طائفتين هذا إذا تنازع القوم في الصلاة خلف الإمام فقال كل طائفة منهم: إنا نصلي معك، وأما إذا لم يتنازع القوم خلفه؛ فإنَّ الأفضل للإمام أن يجعل القوم طائفتين، فيأمر طائفة ليقوموا بإزاء العدو، ويُصلي بالطائفة التي معه تمام الصلاة، ثم يأمر رجلاً من الطائفة التي بإزاء العدو حتى يصلي بهم تمام صلاتهم أيضاً، والطائفة التي صلوا مع الإمام أولاً يقومون بإزاء العدو.
طائفة في وجه العدو، وطائفة خلفه، فيصلي بهذه الطائفة التي خلفه ركعة إن كان مسافراً وسجدتين، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية، مضت هذه الطائفة إلى وجه العدو، وجاءت تلك الطائفة، فيصلي بهم الإمام ركعة وسجدتين، وتشهد وسلم الإمام وحده ولم يسلم القوم، وذهبوا إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الأولى فصلوا وحداناً؛ لأن صلاة الإمام قد تمت ركعة وسجدتين بغير قراءة؛ لأنهم لاحقون؛ لكونهم خلف الإمام من حيث الحكم؛ إذ قد أدركوا أول الصلاة
الجزء 1 · صفحة 75
وتشهدوا، وسلموا، ومضوا إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلوا ركعة وسجدتين بقراءة؛ لأنهم مسبوقون وتشهدوا، وسلموا ثم هذا الذي ذكر عندنا.
وعند الشافعي: يُصلي بالطائفة الأولى ركعة، ويقف فيصلون الركعة الثانية قبل الإمام، ويسلمون فينصرفون إلى وجه العدو، ثم تجيء الطائفة الثانية، فيصلي بهم الإمام الركعة الثانية، ويتشهد فيقف حتى يتم هؤلاء صلاتهم، فيُسلم بهم الإمام.
فإن كان الإمام مقيماً صلّى بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعتين لما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر بالطائفتين ركعتين ركعتين ويُصلي بالطائفة الأولى ركعتين من المغرب، وبالثانية ركعة؛ لأن تنصيف الركعة الواحدة غير ممكن، فجعلها في الأولى أولى بحكم الشبق؛ إذ هو من أسباب الترجيح.
وقال الثوري رَحِمَهُ اللهُ: يُصلّي بالطائفة الأولى ركعة، وبالثانية ركعتين؛ لأن فرض القراءة في الركعتين الأوليين، فينبغي أن يكون لكل طائفة في ذلك حظ.
ولا يقاتلون في حال الصلاة، فإن فعلوا ذلك بطلت صلاتهم عندنا، خلافاً لمالك.
وإن اشتد الخوف، صلوا وحداناً أي: فرادى ركباناً والمراد من اشتداد الخوف هنا: هو ألا يدعهم العدو أن يُصلوا وهم نازلون، بل يهجمونهم بالمحاربة فيصلون ركباناً فرادى، وذلك لأن الصلاة على الدابة يجوز بعذر دون هذا العذر، فلأن يجوز بهذا أولى، كذا في «الكفاية».
يومئون بالركوع والسجود إلى أي جهة شاؤوا، إذا لم يقدروا على التوجه إلى القبلة؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 9، والله أعلم.
باب الجنائز
قيل: الجنازة بالفتح: الميت، وبالكسر: الشرير.
إذا احْتُضِرَ الرَّجُلُ أي: قَرْب من الموت وُجّه إلى القبلة على شقه الأيمن هذا هو السنة، لكن اختير الاستلقاء؛ لكونه أيسر لخروج الروح ولقْنَ الشَّهَادَتين. فإذا مات شدوا لَحْبَيهِ، وغمضوا عينيه بذلك جرى التوارث، ثم فيه تحسينه
فيستَحْسَنُ.
الجزء 1 · صفحة 76
فإذا أرادوا غَسْلَهُ، وضعوه على سرير لينصب الماء عنه، ثم الأصح أن يوضع مستلقياً على قفاه، ثم قيل: طولاً نحو القبلة كالمختصر، والأصح الوضع كما يتيسر؛ إذ لا اختصاص للغسل بالقبلة، وعليه شمس الأئمة السرخسي.
وجعلوا على عَوْرَتِهِ أي: الغليظة في الأصح خرقة، ونزعوا ثيابه وقميصه.
وعند الشافعي:: السنة أن يُغسل في قميص واسع الكمين.
ووَضَّؤوه قيل: هذا في حق البالغ والصبي الذي يعقل الصلاة، وأما الصبي الذي لا يعقل الصلاة؛ فإنَّه يُغسل ولا يوضأ وضوءه للصلاة؛ لأنه كان لا يُصلّي ولا يُمَضْمَضُ، ولا يُستنشق خلافاً للشافعي.
ثم يفيض الماء عليه ثلاثاً، وإن زاد على الثلاث، جاز كما في حالة الحياة ويُجمرُ سريره وتراً التجمير والإجمار: التطيب، أي: يُدارُ المَجْمَرُ حوالي السرير ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً ويُغلى الماء بالسدر وقال الشافعي: الأفضل أن يُغسل بالماء البارد، إلا أن يكون عليه وسخ، أو نجاسة لا تزول إلا بالماء الحار، فحينئذ يغسل بالماء الحار أو بالحُرْضِ وهو الأشْنانُ فإن لم يكن، فالماء القراح أي: الذي لا يشوبه شيء.
ويغسل رأسه ولحيته بالخطمي وهو خطمي العراق، وهو مثل الصابون في التنظيف.
ثم يُضْجَعُ على شِقِّهِ الأيسر، فيُغَسَّلُ بالماء والسدر حتى يُرى أن الماء قد وصل إلى ما يلي التَّحْتَ منه، ثم يُضْجَعُ على شِقْهِ الأيمن، فَيُغَسَّلُ بالماء والسدر حتى يُرى أن الماء قد وصل إلى ما يلي التَّحْتَ منه، ثم يُجْلَسُ، وَيُسْئِدُهُ العَاسِلُ إليه، ويَمْسَحُ بِطْنَهُ مَسْحاً رفيقاً أي: بلُطْفِ دونَ عُنف، خلافاً للشافعي فإن خَرَجَ منه شيءٌ غَسَلَهُ، ولا يُعِيدُ غَسْلَهُ، ثم ينشفه بثوب أي: يأخُذُ ماءه حتى يجف كي لا تبتل أكفانه.
وَيَجْعَلُهُ 4 في أكفانه] *، ويَجْعَلُ الحَنوط وهو عطر مُركَّبٌ من أشياء طيبة في رأسه ولحيته، والكافور على مساجِدِهِ أي: مواضع سجوده، يعني: بها جَبْهَتَهُ، وأنفه، ويديه، وركبتيه، وقدميه؛ لأنه كان يسجد بهذه الأعضاء، فتَخْتَصُّ بزيادة الكرامة.
واعْلَمْ أنَّ المرأة تُغَسْلُ زوجها عند موته إجماعاً، لكن عندنا في العدة، وعند الشافعي في العدة وبعدها، بأن ولدت من ساعتها.
والزوج لا يُغَسْلُ زوجته عندنا. وعند الشافعي: يجوز.
الجزء 1 · صفحة 77
والسنة أن يُكفِّنَ الرَّجُلُ في ثلاثة أثواب: إزار، وقميص، ولفافة ليس فيها عمامة، واستحْسَنَ المتأخرون العمامة فإن اقتصروا على ثوبين: إزار ولفافة جاز ويُسمى: كَفَنَ الكفاية.
وإذا أرادوا لف اللفافة عليه، ابتدأوا بالجانب الأيسر فألقوه عليه، ثم الأيمن، فإن خافوا أن ينتشر الكفن عنه عقدوه.
وتكفن المرأة في خمسة أثواب: إزار، وقميص، وخمار، وخرقةٍ تُرْبَطُ بها ثدياها، ولفافة وهذا كفن السنة للمرأة فإن اقتصروا على ثلاثة أثواب: إزار، و خمار، ولفافة جاز ويُسمّى: كَفَنَ الكفاية أيضاً، ويُكْرَهُ الأقل من ذلك.
ويكره في الرَّجُل الاقتصار على ثوب واحد إلا في حالة الضرورة، ويُسمى: كفن الضرورة، فإذن الكفن على ثلاثة أنواع.
ويكون الخمار فوق القميص تحت اللفافةِ، وَيُجْعَلُ شَعرُها ضَفِيرَتَين على صدرها.
ولا يُسَرَّحُ شَعرُ الميت الجوهري: تسريح الشعر: إرسالُهُ وحَلَّهُ قَبلَ المَشْطِ ولا لِحْيَتُهُ، ولا يُقص ظفره وفي الكل خلاف الشافعي ولا يُعْقَصُ شَعرُهُ عقْصُ الشعرِ: ضَفْرُهُ، وَلَيْهُ على الرأس.
قال الشافعي: يُزالُ شعره الذي حقه الإزالة، فعنده يُسْتَحَبُّ حَلْقُ شعرِ الإِبْطِ والعانة، أما حلق الرأس لمن كان يتزَيَّنُ بحَلْقِهِ في حياتِهِ، فُيَسْتَحَبُّ، وإلا فلا.
قلنا: لا يُفعل شيء من ذلك، ولا يُستَحَبُّ، سواء كان شعر العانة، أو الإبط، أو الرأس.
عليه؛ لأنها فريضة. وتُجَمَّرُ الأكفان كالسرير قبل أن يُدرج فيها وتراً. فإذا فرغوا [منه] صلوا
واعلم أنها فرض على الكفاية، إن أدى البعض سقط عن الباقين، وإلا فالجميع أئم.
وأولى الناس بالصَّلاةِ عليه السلطان إن حَضَرَ، فإن لم يحضر فالقاضي، فإن لم يحضر فيستَحَبُّ تقديم إمام الحي؛ إذ قد رضي به في حال حياته ثم الولي على ترتيب العصبات، هذا عندنا وعند محمد.
وقال أبو يوسف، والشافعي: ولي الميت أولى بالصلاة على الميت على كل حال.
فإن صلى عليه غير الولي أو السلطان، أعاد الولي إن شاء وإن صلى الولي لم يجز لأحد أن يُصلّي بعده هذا إذا كان حق الصَّلاةِ له، بأن لم يحضر السلطان، أما إذا حضر وصلى عليه الولي، يُعيده السلطان، وعن البقالي 4: إذا كان الولي أفضل من إمام الحي، سقط اعتبار إمام الحي.
الجزء 1 · صفحة 78
فإن دُفِنَ ولم يُصَلَّ عليه، صلي على قبره إلى ثلاثة أيام أي: صلي على قبره ما لم يُظَنَّ أَنَّهُ تَفَسَّخَ، فَقُدِّر بثلاثةِ أيامٍ.
قال في الكفاية: وإنما لا يخرج عن القبر؛ لأنه قد سلم إلى الله تعالى، وخرج عن أيدي الناس.
قالوا: وما ذكر أنه لا يُخرج من القبر، فذلك فيما إذا وضع اللبن على اللَّحْدِ وأهيل التراب عليه، أما إذا لم يوضع اللبن على اللحد، أو وضع لكن لم يُهل التراب عليه، يُخْرَجُ ويُصلّى عليه؛ لأن التسليم لم يتم، كذا في المحيط.
والصلاة: أن يُكبر تكبيرة يحمد الله عقيبها، ويثني على الله عز وجل، ثم يكبر تكبيرة ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الثناء على الله تعالى يعقبه الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يكبر تكبيرة، ثم يدعو فيها لنفسه، وللميت، وللمسلمين والدعاء المعروف هو: اللهم اغفر لحينا وميتنا ... إلى آخره، فإن لم يُحسن، يأتي بأي دعاء شاء، كذا قال الإمام قاضي خان.
وإن كان الميت صبياً، فعن أبي حنيفة رحمه الله، يقول بعد الثالثة: اللهم اجعله لنا فرطاً، واجعله لنا أجراً وذخراً. ولا يستغْفِرُ؛ لأنه لا ذنب له.
ثم يكبر تكبيرة رابعة ويُسلم وليس بعد التكبيرة الرابعة دعاء سوى السلام في ظاهر المذهب.
وقيل: يقول: ربنا لك الحمد، آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا برحمتك عذاب القبر وعذاب النار.
وقيل: يقول: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بِالْحَقِّ .. [آل عمران: ? إلى آخره، وقيل: يقرأ:
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ إلى آخره [الصافات: ??-?].
ولا يصلى على ميت في مسجد جماعة أي: تكره إن كان الميت في داخله ولو كان خارجه، اختلف المشايخ.
فإذا حملوه على سرير، أخذوا بقوائمه الأربع فيوضع مقدم الجنازة على يمين الواضع، ثم اليمين المؤخر، ثم الأيسر المُقَدَّمُ، ثم الأيسر المُؤخَّرُ، ثم هذا عندنا.
وقال الشافعي: السنة أن يحملها رجلان يضعها السابق على أصل عنقه، والثاني على أعلى صَدْرِهِ؛ لأن جنازة سعد بن معاذ رضي الله عنه حملت كذلك.
الجزء 1 · صفحة 79
قلنا: كان ذلك لازدحام الملائكة.
و يمشون به مُسرعين دون الخَبَبِ هو ضربٌ مِنَ العَدْوِ فَإِذَا بَلَغُوا إِلى قَبْرِهِ كرة للناس أن يجلسوا قبل أن يوضع الميت عن أعناق الرجال لشبهة الاحتياج إلى التعاون، والقيام أمكن منه.
ويُحفر القبر ويُلْحَدُ واللحد هو السنة دون الشق، خلافاً للشافعي، هو احتج بتوارث أهل المدينة، ولنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّحْدُ لنا والشَّقُّ لغَيْرِنا.
ويُدخل الميت فيه مما يلي القبلة أي: توضع الجنازة في جانب القبلة من القبر، ويُحمل منه الميت، فيوضع في اللحد، وعند الشافعي: يُسل 4.
وإذا وُضِعَ في لَحْدِهِ، قال الذي يضعه: بسم الله، وعلى ملة رسول الله، ويوجه إلى القبلة، وتُحَلُّ العُقدة التي على الكفن خيفة الانتشار.
ويُسوى اللبن عليه، ويُكرَهُ الآجُرُ والخَشَبُ؛ إذ هما للإحكام، والقبر موضع البلى ولا بأس بالقصب ثم يُهال التراب عليه.
قال في الجامع الصغير: ويُستَحَبُّ اللبنُ والقَصَبُ؛ لما روي أنه جُعِلَ على قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللبنُ والقَصَب.
ويكره الأجر لوجهين:
أحدهما: ما مر.
والثاني: أنه شيءٌ مَسَّتْهُ النار، فيكره تفاؤلاً، هذا إذا كان حول الميت، وإن كان فوقه لا يكره؛ لأنه يكون عصمة من السبع.
ويُسَنَّمُ القَبْرُ، ولا يُسَطَّحُ خلافاً للشافعي.
ومن استهل بعد الولادة الاستهلال: أن يكون منه ما يَدُلُّ على حياته من بكاء، أو تحريك عضو سُمّي، وغُسْلَ، وكُفْنَ، وصلي عليه بذلك ورد الحديث وإن لم يَسْتَهِلْ، أَدْرِجَ في خرقة كرامة لبني آدم ولم يُصَلَّ عليه للحديث، وغسل، وهو المختار، والله أعلم.
باب الشهيد
الجزء 1 · صفحة 80
الشَّهِيدُ: مَن قَتَلَهُ المُشركون، أو وُجد في المعركة ميتاً وبه أثر الجراحة ليدل على أنه قتيل، لا ميت حتف أنفه أو قَتَلَهُ المسلمون ظُلماً، ولم يَجِبْ بِقَتْلِهِ دية أي: عند وجود القتل، حتى إذا سقط القصاص بعارض الأبوة ووَجَبَتِ الدِّية كان شهيداً.
فَيُكَفَّنُ ويُصلّى عليه عندنا، خلافاً للشافعي؛ لأن السيف محاءٌ للذنوب، فأغنى عن الشفاعة.
لنا أنه صلى على شهداء أحدٍ.
ولا يُغَسَّلُ والأصل فيه: شهداء أحد؛ فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَمَرَ بِتَرْكِ غَسْلِهِم، ولم يكُن كلهم قتيل الشيف.
وإذا استَشْهَدَ الجُنُبُ، غُسْلَ عند أبي حنيفة؛ لأن حنظلة قُتِلَ جُنُباً، فَغَسَّلَتْهُ الملائكة، وغسلهم للتعليم، وصار كما لو كان على بَدَنِهِ نجاسة لا يَسقط غسلها وكذلك الصبي إذا استشهد غُسل عنده؛ لأنه غير مستشهد لنفسه وماله.
وقالا: لا يُغَسَّلَانِ؛ لأنَّ حكم الجنابة يسقط بالموت، والصبي كالبالغ.
ولا يُفْسَلُ عن الشهيد دمه، ولا يُنْزَعُ عنه ثيابه، لقوله - صلى الله عليه وسلم - في شهداء أحد: زملوهم بكلومهم ودمائهم؛ لأن ما من جريح يُجْرَحُ في سبيل الله إلا ويجيء يوم القيامة وأوداجه تَشْخَبُ دَماً، اللون لون الدم، والريح ريح المسك.
ويُنزَعُ عنه الفرو، والحشو، والخُفُ، والسلاح، والقلنسوة وما لا يصلحللكفن؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - نزع من قتلى أحد هذه الأشياء؛ ولأنها ليست من جنس الكفن.
قال في الوقاية: ويُزادُ ويُنقص ليتمَّ كَفَتُهُ، أي: إذا كان ناقصاً عن العَدَدِ المسنون يُزاد، وإذا كان [زائداً] على العدد المسنون يُنقص، كل ذلك ليتم كَفَتُه، ولا يقع تبذيراً، أو تقتيراً.
وأما تفسير صدر الشريعة وهو أي: لو لم يكن معه ما يكون من جنس الكفن كالإزار ونحوه يُزاد، ولو كان ما ليس من جنسه يُنقص، فبمراحل عما ذكرنا، فتدبر.
وَمَنِ ارْتَنَّ غُسْلَ، والارتثاث: أن يأكل ويشرب؛ لأنَّ شهداء أحد ماتوا عطاشاً والكأس تدار عليهم، فلم يشربوا خوفاً من نقصان الشهادة أو يداوى، أو يبقى حياً حتى يمضي عليه وقت صلاة وهو يعقِلُ، أو يُنقل من المعركة.
الجزء 1 · صفحة 81
واعلم أنه لو حمل من المعركة فمات على [أيدي الرجال، غُسل؛ لأنه يحتمل أنه مات بشيء أصابه في الحمل، وكذا لو حمل ليمرض أو ليتداوى، فمات؛ غُسل، ولو حُمِلَ أو جُرَّ بِرِجْلِهِ لئلا تَطَأَهُ الخيول، فمات؛ لم يُغسل، وعن أبي يوسف: لو مضى عليه في المعركة وقت صلاة كامل وهو يَعْقِلُ، ثم مات؛ غُسْلَ.
وفي السير»: لو مضى عليه يوم أو ليلةٌ غُسل، وإن كان أقل لم يُغسل، ولو صلى مكانه أو تكلم غُسل، ولو أوصى ثم مات غُسْلَ، وكذا إذا آواهُ خَيمةٌ، هذا إذا أوصى بأمر ديني غُسل عند أبي يوسف، وعند محمد: لا.
ولو أوصى بأمر دنياوي غُسل بالإجماع.
ومَن قُتِلَ في حَدٌ، أو قصاص، غُسْلَ، وصلي عليه؛ لأنه لا يوصف بكونه مظلوماً.
ومَن قُتِلَ من البغاة، أو قطاع الطريق، لم يُصَلَّ عليه اقتداء بعلي رضي الله عنه في ترك الصلاة على البغاة، وقطاع الطريق في معناهم.
وعبارة «الوقاية» هذه: وإن قُتِلَ لِبَغْيِ، أو قطع طريق؛ غُسل، ولا يُصلى عليه.
واعْلَمْ أنَّ الموت لما كان آخر العوارض، ذكر باب صلاة الجنازة آخراً للمناسبة، إلا أن هذا يقتضي أن يذكر الصلاة في الكعبة قبلها، ولكن أُخر ليكون ختم كتاب الصلاة بما يُتبرك بها حالاً ومكاناً، فقال بعد ذلك:
باب الصلاة في الكعبة
الصلاة في الكعبة جائزة؛ فَرْضُها ونقلها عندنا، وعند الشافعي أيضاً، خلافاً لمالك في الفرض.
فإن صلى الإمام بجماعة، فَجَعَلَ بعضُهُم ظَهْرَهُ إِلى ظَهْرِ الإمامُ؛ جاز؛ لأنه متوجه إلى القبلة، ولا يعتقد إمامه على الخطأ، بخلاف مسألة التحري ومن جَعَلَ منهم ظَهْرَهُ إلى وجه الإمام، لم تَجُز صلاته لتقدمه على إمامه، ولو جَعَلَ وجهه إلى وجه الإمام، جازت صلاته، ويُكره.
وفي «الإيضاح: وينبغي لمن يواجه الإمام أن يَجْعَلَ بينه وبين الإمام سترة، احترازاً عن التشبه بعابد الصورة، وأما إذا كان على يمين الإمام أو يساره فهو أيضاً جائز
الجزء 1 · صفحة 82
فإن صلى الإمام في المَسْجِدِ الحَرام، وتحلق الناس أي: صاروا حَلْقَةً حَلْقَةً حول الكعبة، وصلوا بصلاة الإمام، فمن كان منهم أقرب إلى الكعبة من الإمام، جازت صلاته إذا لم يكن في جانب الإمام؛ لأنَّ التَّقَدَّمَ والتأخر إنما يظهرُ عندَ اتحاد الجانب.
ومن صلى على ظَهْرِ الكعبة، جازَتْ صَلاتُهُ لكن يُكرَهُ؛ لما فيه مِن تَرْكِ التعظيم، والله أعلم.
كتاب الزكاة
الزكاة في اللغة: هي الزيادة، أو التطهير.
وفي الشريعة: عبارة عن إيتاء جزء من النصاب الحولي إلى الفقير.
الزكاة واجبة أراد به الواجب القطعي، وهو الفَرْضُ على الحر، المسلم، البالغ، العاقل، إذا مَلَكَ نِصاباً ملكاً تاماً من كل وجه، رقبة ويداً وحال عليه الحَوْلُ أُقيم ذلك مُقامَ النَّمَاءِ؛ لاشتماله على الفصول الأربعة.
واعْلَمْ أن أداء الزكاة يمكن بدون النماء، إلا أنه يصير به أيسر، حيث لا ينقص] أصل المال، وإنما يفوت بعض النماء، غير أنَّ الشَّرعَ أَقامَ المُدَّةَ في النصاب المعد للنماء مُقام حقيقته تيسيراً؛ لأنَّ [في] التعليق بحقيقة النمو ضرب حرج.
وليس على صبي، ولا مجنون، ولا مكاتب زكاة لعدم الاختيار في الأولين، وعدم الملك من كل وجه في الثالث؛ إذ المكاتب مالك يداً لا رَقَبَةً، وفي الأَوَّلَين خلاف الشافعي.
ومن كان عليه دين يحيط بماله، فلا زكاة عليه خلافاً للشافعي 5، اعتباراً التحقق السَّبَب.
قلنا: اعتبر معدوماً لكونه مشغولاً به لحاجته الأصلية كالماء المستحق بالعطش.
وإن كان ماله أكثر من الدين زكى الفاضل إذا بَلَغَ نِصاباً لفراغه عن الحاجة.
ثم المراد بالدين: [دين له] مطالب من جهة العباد، كالقرض، وثمن المبيع لأنه إذا لم يكن له مطالب، كدين النذور والكفارات لا يمنع؛ لأنه لا يُحبس بها في الدنيا.
وليس في دور السكنى وثياب البَدَنِ، وأثاث المنازل، ودواب الركوب وعبيد الخدمة، وسلاح الاستعمال زكاة؛ لأنها مشغولة بالحاجة الأصلية، وليست بنامية أيضاً.
الجزء 1 · صفحة 83
ولا يجوز أداء الزكاة إلا بنية مقارنة للأداء، أو مقارنة لِعَزْلِ مقدار الواجب تيسيراً، بخلاف ما إذا نوى الزَّكَاةَ، فَجَعَلَ يَتصَدَّقُ إلى آخر السنة، ولم تَحْضُره النية؛ فإنه لا يجوز؛ لما أن النية يُعتبر اقترانها بالفعل ولم يوجد، كذا في «الإيضاح».
وَمَن تَصَدَّقَ بجميع ماله لا ينوي الزكاةَ، سَقَط فرضها عنه وببعضه لا عند أبي يوسف، والله تعالى أعلم.
باب زكاة الإبل
ليس في أقل من خمس ذودٍ صَدَقَةٌ الدَّودُ من الإبل: ما بين الثلاث إلى العشر، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها فإذا بلغت خمساً سائمة، وحال عليها الحول، ففيها شاة إلى تسع أي: مع تسع فإذا كانت عشراً، ففيها شاتان إلى أربع عشرة، فإذا كانت خمس عشرة، ففيها ثلاث شياه إلى تسع عشرة، فإذا كانت عشرين، ففيها أربع شياه إلى أربع بالتنوين وعشرين، فإذا كانت خمساً وعشرين، ففيها بنت مخاض وهي التي طعنت في الثانية إلى خمس وثلاثين، فإذا كانت ستاً وثلاثين، ففيها بنت لبون وهي الطاعنة في الثالثة إلى خمس وأربعين، فإذا كانت ستاً وأربعين، ففيها حقةٌ وهي الطاعنة في الرابعة إلى ستين، فإذا كانت إحدى وستين، ففيها جَذَعة وهي الطاعنة في الخامسة إلى خمس وسبعين، فإذا كانت ستاً وسبعين، ففيها بنتا لبون إلى تسعين، فإذا كانت إحدى وتسعين، ففيها حقتان إلى مئة وعشرين إلى ههنا إجماع العلماء.
ثم إذا زادت على مئة وعشرين تستأنف الفريضة، فيكون في الخَمْسِ شاةٌ مع الحقتين وهلم جراً كما في الابتداء وفي العشر أي: يجب في مئة وثلاثين شاتان وحقتان وفي خمس عشرة أي: في مئة وخمسة وثلاثين ثلاث شياه مع الحقتين وفي عشرين أي: في مئة وأربعين أربع شياه مع الحقتين وفي خمس وعشرين أي: في مئة وخمس وأربعين بنت مخاص مع الحقتين إلى مئة وخمسين، فيكون فيها ثلاث حقاق. ثم تُستأنف الفريضة، ففي الخمس أي: إذا كانت مئة وخمسة وخمسين يجب شاة أي: مع الواجب المتقدم الذي يليه، وهو ثلاث حقاق، وكذلك فيما بعده، أعني قوله: وفي العشر أي: في مئة وستين شاتان مع ثلاث حقاق وفي خمس عشرة أي: في مئة وخمسة وستين ثلاث شياء مع ثلاث حقاق وفي عشرين أي: في مئة وسبعين أربع شياء مع ثلاث حقاق وفي خمس وعشرين أي: في مئة وخمسة وسبعين بنت مخاص مع ثلاث حقاق وفي ست وثلاثين أي: في مئة وست
الجزء 1 · صفحة 84
وثمانين بنت لبون مع ثلاث حقاق فإذا بلغت مئة وستاً وتسعين، ففيها أربع حقاق إلى مئتين فإذا كانت مئتين؛ إن شاء أدى منها أربع حقاق من كل خمسين حقةً، وإن شاء أدى خمس بنات لبون من كل أربعين بنت لبون.
ثم تستأنف الفريضة أبداً، كما تُستأنف في الخمسين التي بعد المئة والخمسين، يعني: كلما بلغت خمسين تستأنف الفريضة حتى يجب في كل خمسين حقة، هذا عندنا، خلافاً للشافعي.
والبُخْتُ والعراب سواء في وجوب الزكاة، والبخت، جمع بختي: وهو الذي يولد من العربي والعجمي، منسوب إلى بخت نصر، والعراب جمع عربي، وأما العرب فهو جمع عربي في الأناسي، ففرقوا في الجمع بين الأناسي والبهائم، والله أعلم.
بابُ صَدَقَةِ البَقَرِ
ذكر هذا الباب عقيب باب الإبل المناسبة بينهما من حيث الضخامة.
ليس في أقل من ثلاثين من البَقَرِ صَدَقَةٌ، فإذا كانت ثلاثين سائمة، وحال عليها الحول، ففيها تبيع أو تبيعة التبيع: ولد البقرة في أول سنة، والأُنثى تبيعة، ثم لا شيء في الزيادة حتى تبلغ أربعين.
وفي أربعين مُسِنٌ أو مُسِنَةٌ وهي التي جاوزت حولين بأن طَعَنَتْ في الثالثة،
وهذا بالإجماع.
فإذا زادت على الأربعين، وجَبَ في الزيادة بقدر ذلك إلى ستين عند أبي حنيفة على رواية الأصل ففي الواحدة الزائدة رُبَعُ عُشْرٍ مُسِنَةٍ، وفي الاثنين نصفُ عُشْرِ مُسِنَةٍ، وفي الثلاث ثلاثة أرباع عُشْرِ مُسِنَةٍ، وفي الأربع عُشْرُ مُسِنَةٍ وأما على رواية الحسن عنه فلا شيء في الزيادة حتى يصير خمسين، فيجب فيها " مُسِنَةٌ ورُبع مُسنَةٍ أو ثلث تبيع، وروى أسد بن عمرو عنه: أنه لا شيء في الزيادة حتى تبلغ ستين، وهذا قولهما كما قال: وقالا: لا شيء في الزيادة حتى تبلغ ستين لقوله - صلى الله عليه وسلم - المعاذ: لا تأخذوا من أوقاص البقر شيئاً، وفشره بما بين أربعين إلى ستين، قلنا: قد قيل: إن المراد منها: الصغار فيكون فيها أي: الستين تبيعان أو تبيعتان، وفي سبعين مسنة وتبيع، وفي ثمانين مُستان، وفي تسعين ثلاثة أتبعة، وفي المئة تبيعتان ومُسنّة، وعلى هذا يتغيَّرُ الفَرضُ في كل عشر من
الجزء 1 · صفحة 85
تبيع إلى مسنّة، ومن مُسنة إلى تبيع فيجب في مئة وعشرة تبيع ومستان، وفي مئة وعشرين أربع أتبعة، أو ثلاث مسنات، وهكذا إلى غير النهاية.
والجواميس والبقر سواء لتناولهما اسم [البقر]؛ إذ هو نوع منه.
قال في الهداية»: إلا أن أوهام الناس لا يسبق إليه في ديارنا لقلتِهِ، فلذلك لا يحنث به في يمينه: لا يأكل لحم البقر.
قال فخر الإسلام في مبسوطه: حتى لو كثرت في موضع ينبغي أن يَحْنَتَ، والله أعلم.
بابُ صَدَقَةِ الغَنَمِ
قدم هذا الباب على باب الخَيْلِ؛ لأن زكاةَ الغَنَمِ مُتَّفَقٌ عليها، وزكاة الخيل فيها اختلاف.
ليس في أقل من أربعين شاة صدقة، فإذا كانت أربعين سائمة، وحال عليها الحول، ففيها شاة إلى مئة وعشرين، فإذا زادت واحدة، ففيها شاتان إلى مشين فإذا زادت واحدة، ففيها ثلاث شباه إلى [أربع مئة فإذا بلغت أربع مئة، ففيها أربع شياه، ثم في كل مئة شاة.
والضَّأن، والمَعْزُ سواء أي: في تكميل النصاب، لا في أداء الواجب، والله أعلم.
باب زكاة الخيل
إذا كانت الخَيْلُ سائمة ذكوراً وإناثاً وحال عليها الحول فصاحبها بالخيار؛ إن شاء أعطى عن كل فَرَس ديناراً، وإن شاء قومها وأعطى عن كل متتي درهم خمسة دراهم قال في المبسوط»: قيل: هذا التخيير في أفراس العرب؛ لتقاربها في القيمة، فأما في أفراسنا فيقوم [جَزْماً من غير خيار.
واعلم أنه ليس في الخيل نصاب مقدر عنده، وقيل: نصابها اثنان؛ ذكر وأنثى، وقيل: ثلاثة، وقيل: خمسة.
وليس في ذكورها منفردة زكاة قيل: هذا بالإجماع، فتكون رواية الزكاة عن أبي حنيفة في الذكور المنفردة على ما وقع في الهداية» غير مقبولة، والأصحأن عنده في الذكور روايتين أصحهما عدم الوجوب، وأما في الإناث المنفردات فيجب في رواية الكرخي دون الطحاوي.
الجزء 1 · صفحة 86
وقالا: لا زكاة في الخيل وهو قول الشافعي، وعليه الفتوى، حتى أجمعوا على أن الإمام لا يأخذ صدقة الخيل جبراً وإن كان له ذلك في صدقة سائر السوائم.
ولا شيء في البغال والحمير؛ فإنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال حين سُئِلَ عنهما: الم ينزل علي فيهما شيء إلا هذه الآية الجامعة: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًا يَرَهُ} الزلزلة: 7-8 إلا أن يكون للتجارة لوجود النماء كما في عروض التجارة، فتعلق الزكاة حينئذ بالمالية.
وليس في الفضلانِ والحُمْلان والعجاجيل صدقة عند أبي حنيفة في أصحأقواله، وكذا عند محمد إلا أن يكون معها كبار إذا كان فيها واحد من المسان جُعِلَ الكل تبعاً له في انعقادها نصاباً دون تأدية الزكاة.
وقال أبو يوسف: يجب فيها واحدة منها قال في الكفاية»: صورة المسألة: إذا اشترى خمسة وعشرين من الفصلان، أو أربعين من الحملان، أو ثلاثين من العجاجيل، أو وهب له، هل ينعقد عليه الحَوْلُ أم لا؟
في قول أبي حنيفة ومحمد: لا ينعقد، وفي قول الباقين: ينعقد، حتى لو حال الحول من حين ملكه تجب الزكاة.
ومَن وَجَبَ عليه سن أي: مُسِنٌ قلم توجد أي: المُسِنُّ الواجب أخذ المُصَدِّقُ أعلى منها ورَدَّ الفَضْلَ مثلاً: إذا وَجَبَ عليه في إبله بنت لبون ولم يوجد، يأخُذُ [الحقَّةَ ويَرُدُّ الفَضْلَ] أو أخذ دونها وأخذَ الفَضْلَ فإذا وجبت الحقة ولم يوجد؛ يأخذ بنت لبون] ويأخذ الفضل أيضاً.
واعلم أن ظاهر قوله: أخذ المُصَدِّقُ أعلى أو أخذ دونها يدل على أن الخيار إلى المُصَدِّقِ يُعَيِّنُ أياً شاء، وليس كذلك، بل الخيار إلى المالك على الصحيحإن شاء أدى القيمة، وإن شاء أدى الزائد وأخذ الفضل، أو الناقص وفَضْل القيمة على ما لا يخفى.
ويجوز دفع القيمة في الزكاة عندنا كما قلنا، خلافاً للشافعي.
وليس في العوامل لم يذكر الحوامل لتناولها العوامل والعلوفة أي: التي
تعطى العلف؛ ضد السائمة صَدَقة عندنا خلافاً لمالك.
ولا يأخُذُ المُصَدِّقُ خيار المال أي: خيار الواجب، نظراً إلى المالك ولا رذالته نظراً إلى الفقراء ويأخُذُ الوسط لما فيه من رعاية الجانبين.
الجزء 1 · صفحة 87
ومن كان له نصاب مننا درهم مثلاً فاستفاد وحصل في أثناء الحَوْلِ مِن جنيه أي: حصل في أثناء الحول مئة درهم بميراث، أو هبة، أو غيرهما ضمه إليه أي: ضم هذا المستفاد، وهو المئة، إلى ذلك النصاب، وهو المئتان وزكاه
به أي: بحَوْلِهِ، ثم هذا الضم عندنا.
وعند الشافعي: يُعتبر للمستفاد حول جديد.
والسائمة هي: الإبل التي تكتفي بالرعي في أكثر حَوْلِها، فإن عَلَفَها نَصْفَ الحَول أو أكثر، فلا زكاة فيها لكونها علوفة، أما في صورة الأكثر فظاهر؛ لأن القليل تابع للأكثر، وأما في صورة نصف الحول، فلوقوع الشك في ثبوت سبب الإيجاب؛ فلا يجب، لا يقال: تُرجح جهة الوجوب بجهة العبادة؛ إذ الترجيح إنما يكون بعد ثبوت السبب.
والزكاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف [تَجِبُ في النصاب دون العفو، وقال محمد وزفر: فيهما، مثلاً: إذا كان له ثمانون شاة، وحال عليها الحول، فهلك أربعون قبل أداء الواجب، فبقي الشاة الواجبة عند أبي حنيفة وأبي يوسف صرفاً للهلاك إلى العفو؛ إذ الواجب - وهو الشاة الواحدة - إنما هو في أربعين، لا في المجموع، فلو هلك أربعون من ثمانين بعد الحول قبل الأداء، كان الواجب على حاله، وعند محمدٍ وزُفَرَ: إنما بقي ثلث شاء؛ لأن في مئة وأربعين شاة شاة.
وإذا هَلَكَ المال بعد وجوب الزكاة أي: بعد الحول سَقَطَتْ عندنا، وعند الشافعي: يَضْمَنُ إن لو كان الهلاك بعد التمكن من الأداء.
وإذا هلك البعض سقط حِصَّتُه.
وإن قدم الزكاة على الحول وهو مالك للنصاب؛ جاز خلافاً لمالك رَحِمَهُ الله، والله أعلم.
باب زكاة الفضة
?
ليس فيما ا دونَ مِي دِرْهَم صَدَ م صَدَقَةٌ، فإذا كانت منتي درهم وحال عليها الحول، ففيها خمسة دراهم، ولا شيء في الزيادة قل أو كثر حتى يبلغ أربعين درهماً، فيكون فيها أي: في أربعين درهماً درهم واحد.