تجديد الأفهام في قواعد الصيام ........ ... وتطبيقاته وفتاويه المعاصرة عند الحنفية
جارٍ تحميل الكتاب…
جارٍ تحميل الكتاب…
تجديد الأفهام في قواعد الصيام ........ ... وتطبيقاته وفتاويه المعاصرة عند الحنفية
تجديد الأفهام
في قواعد الصيام وتطبيقاته
وفتاويه المعاصرة عند الحنفية
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي بجامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
يشتمل على (70) قاعدة للصيام و (130) فتوى معاصرة
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحابته الكرام، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
لما كانت مساقات مرحلة الدكتوراة في كلية الفقه الحنفي الغراء تدور على تطبيق الفقه بجميع أبوابه في حياتنا اليومية سواء كان في العبادات أو الأحوال الشخصية أو المعاملات أو القضاء أو السياسة أو العلاقات الدولية أو غيرها، فقد يسر الله تعالى في مادة «تطبيقات في الزكاة والصيام والحج» جمع تطبيقات معاصرة في كتاب الزكاة مع القواعد التي يدور عليها الكتاب.
وفي هذا الكتاب جمعت عامة قواعد الصيام مع توضيح وتطبيق عليها، وذكر لأبرز الفتاوى المعاصرة عليها في المستجدات الحديثة؛ لتكون نموذجاً حيّاً لحياة الفقه المذهبي الحنفي والقدرة على تطبيقه
وعيشه، وأنه يُمثِّلُ أسهل طريقة لفهم الإسلام وحياته؛ لأنّ فقهاءنا لم يتركوا قاعدةً لبناء المسائل إلا وقعَّودها وذكروها في كتبهم، وما علينا إلا دراستها وفهمها.
وسمّيته:
تجديد الأفهام
في قواعد الصيام وتطبيقاته
وفتاويه المعاصرة عند الحنفية
سائلاً المولى عز وجل أن يتقبل هذا العمل ويجعله خالصاً لوجه الكريم، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يهدينا ويبصرنا بالحق دائماً وأبداً، وصلى الله على نبينا المكرم، وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه:
الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي بجامعة العلوم الإسلامية العالية
الأردن، عمان، صويلح
15 - 1 - 2025م
المبحث الأول
وقت الصيام وسببه ونيته وشروطه
القاعدة (1)
الصّوم: إمساكٌ عن المفطّرات حقيقة أو حكماً
من طلوع الفجر الصّادق إلى الغروب من أهله مع النّية (¬1).
* توضيح:
المفطرات سيأتي بيانها، والإمساك حكماً: كمن أكل ناسياً، فإنّه ممسكٌ حكماً (¬2)، وشرط النيّة؛ لتمييز العبادة عن العادة، وشرط من أهله؛ حتى لا يشمل الحائض والنفساء.
* تطبيق:
فلو أكل الصائم عند سماع الأذان من التّلفاز لدولته، ثمّ أُذِّنَ في مسجده بعد لحظات، فصيامه صحيح؛ لأنّ كلاً منهما معتبرٌ في
¬
(¬1) ينظر: تنوير الأبصار 2: 80 - 81، وغيره.
(¬2) ينظر: الدر المختار 2: 80، وغيره.
الإفطار، ويُمكن الفرق بينهما يرجع لانتقال الصّوت بسرعته أو بسرعة الضوء.
ولو أكل عند سماع الأذان من تطبيق هاتفه، ثمّ أذن في مسجده بعده بقليل، فإن كان التّطبيق معتبراً ومعتمداً عليه في الصّلوات في بلده، فإنّ الفروق القليلة تكون معفوة، ولا شيء عليه، وإن لم يكن كذلك فعليه القضاءُ دون الكفارة؛ لوجود الشّبهة، فصار بمنزلة الخطأ، فتسقط الكفارة.
• • •
القاعدة (2)
وقت الصّوم من حين يطلع الفجر المستطير المنتشر
في الأفق إلى غروب الشّمس (¬1).
* توضيح:
يبدأ وقت الصّيام من طلوع الفجر الصّادق، وهو الضّوء العرضي لا الطُّولي، كما في قوله - جل جلاله -: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187].
¬
(¬1) ينظر: الفتاوى الهندية 1: 194، وغيرها.
فالفجر فجران: كاذب تسمّيه العرب ذنب السرحان، وهو البياض الذي يبدو في السماء طولاً ويعقبه ظلام، والفجر الصادق: وهو البياض المنتشر في الأفق، فبطلوع الفجر الكاذب لا يحرم الأكل على الصّائم ما لم يطلع الفجر الصادق؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يغرّنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا وحكاه حماد بيديه قال: يعني معترضاً) (¬1).
* تطبيق:
لو شرب صائمٌ أثناء أذان الفجر؛ لما سمع من جواز ذلك تفسيراً لحديث: (إذا سمع أحدكم النّداء والإناء في يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه) (¬2)، فإنّه يفطر، وعليه القضاء والكفّارة، ولا عبرة بهذه الفتاوى الشّاذة المخالفة للإجماع، وهذا الحديث فيه كلام من جهة الصّحة، وهو مؤوّل على معاني متعدّدة مثل: الأذان الأول، أو أذان المغرب، أو تقديم العشاء على العشاء، وتمامه في «الجامع لأحكام الصيام».
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 770، وغيره.
(¬2) في المستدرك 1: 320، 323، 588، وقال: صحيح على شرط مسلم، وفي سنن البيهقي الكبير 4: 218، وسنن الدارقطني 2: 165، وسنن أبي داود 2: 302، ومسند أحمد 2: 510.
* فتاوى معاصرة:
[1] فتوى: الصيام في البلاد التي يقصر فيها الليل أو النهار:
السؤال: في بلاد القطب الشمالي التي يَقصر فيها الليل جداً أو يَقصر النهار جداً في فترة من السّنة، لكن يتميّز فيها الليل والنّهار، وقد يكون التمييز فيها لا يزيد على نصف ساعة أو ساعة، بحيث يكون الليل مثلاً ثلاثة وعشرين ساعة والنهار ساعة فقط، أو بالعكس يكون النهار ثلاثة وعشرين ساعة والليل ساعة فقط، مثل آيسلندا، فالنهار عندهم في الصيف يمتد إلى (20 - 22) ساعة، والليل في الشتاء يمتد إلى (20 - 22) ساعة، فكيف يصومون إن وافق الصيام هذه الأيام التي يكون فيها الليل أو النهار طويلاً، فإذا كان الليل طويلاً تكون مدة الصيام قصيرة وهي من ساعتين إلى أربع ساعات، وإن كان النهار طويلاً كانت مدة الصيام طويلة جداً؟
الجواب: في حالة أنّ الليلَ قصيرٌ جداً، فإنه توجد جميع الأوقات ما عدا العشاء، فيكون الحكمُ كما هو مشهور في بلغار، تُصَلَّي جميع الصلوات في أوقاتها، ويَصوم الشهر؛ لوجود الفجر والمغرب، وفي صلاة العشاء قولان مصحَّحان، فإن كان شائعاً صلاة العشاء في بلادهم فيصلونها كما يريدون سواء في وقت العشاء أو الفجر، ويكون الفاصلُ بين صلاة العشاء والفجر، نصف الليل بحيث يقسم ما بين الغرب إلى طلوع الشمس قسمين، فيكون ما قبل النصف للمغرب، وما بعده للفجر، ولا يجوز الأكل بعد نصف الليل لدخول وقت الفجر، هذا هو
الحكم في كل البلاد التي يكون ليلها قصيراً سواء في بلغار أو بعض الدول الأوربية.
قال ابن عابدين بعد أن نقل الخلاف في مسألة فاقد وقت العشاء كأهل بلغار: «والحاصل أنهما قولان مصححان، ويتأيد القول بالوجوب بأنه قال به إمام مجتهد وهو الإمام الشافعي.
وقال في «إمداد الفتاح»: وكذلك يقدر لجميع الآجال كالصوم والزكاة والحج والعدة وآجال البيع والسلم والإجارة، وينظر ابتداء اليوم فيقدر كل فصل من الفصول الأربعة بحسب ما يكون كل يوم من الزيادة والنقص كذا في كتب الأئمة الشافعية، ونحن نقول بمثله؛ إذ أصل التقدير مقول به إجماعا في الصلوات» (¬1).
وأما العكس: إذا كان النهار قصيراً جدا أو لا يوجد نهار، فإنها تعتبر بأقرب البلاد إليها التي تظهر في أوقات الصلاة، فتأخذ حكمها للصلاة والصوم، والله أعلم.
[2] فتوى: الصيام في البلاد التي لا تغيب فيها الشمس:
السؤال: البلاد التي يستمر ظهور الشمس فيها ستة أشهر وغيابها ستة أشهر، فمثلاً مناطق القطب الشمالي مثل: ألاسكا، وكندا، والدنمارك، وسيبيريا الشمالية في روسيا، وفنلندا، يستمر النهار فيها
¬
(¬1) في رد المحتار 1: 362.
(24) ساعة في الصيف، والليل (24) ساعة في الشتاء، فما حكم صيامهم؟
الجواب: في البلاد التي يبقى فيها النهار عدّة أشهر، فإن حكمَها بأقرب البلاد إليها التي تظهر فيها أوقات الصلوات بحيث يُصلون ويُفطرون على أوقات تلك البلاد.
وغريب ما تفضل به فقيه العصر الشيخ مصطفى الزرقا بقوله (¬1): «أن يعتمد لها جميعاً (سواء أكانت مما يتميز فيها ليل ونهار أو لا) أوقات مهد الإسلام الذي جاء فيه، ووردت على أساسه الأحاديث النبوية، وهو الحجاز، فيؤخذ أطول ما يصل إليه ليل الحجاز ونهاره شتاء، أو صيفاً فيطبق على أهل تلك البلاد النائية في الصوم والإفطار وتوزيع الصلوات. وإما أن نأخذ أقصى ما وصل وامتد إليه سلطان الإسلام في العصور اللاحقة شمالاً وجنوباً، وطبقه العلماء فيها على ليلهم ونهارهم في فصول السنة، فنعتبره حداً أعلى لليل والنهار للبلاد النائية التي يتجاوز فيها الليل والنهار ذلك الحد الأعلى، ففي تجاوز النهار يفطرون بعد ذلك، وتوزع الصلوات بفواصل تتناسب مع فواصل ذلك الحد الأعلى.
وخلاف ذلك فيه منتهى الحرج الذي صرح القرآن برفعه، كما هو واضح. فإن قيل: كيف نسمح لأناس في رمضان أن يفطروا والشمس طالعة وإن كانت لن تغيب إلا نصف ساعة أو ساعة؟ قلنا: هذا
¬
(¬1) في فتاوى الزرقا ص42.
سيلزمكم في البلاد التي ليلها ستة أشهر ونهارها ستة أشهر، فإنكم وافقتم على أنهم يفطرون في نهارهم الممتد في الوقت الذي حددتموه لهم، على الرغم من أن الشمس طالعة.
فهذا لا يضر بسبب الضرورة. والمهم في الموضوع: رعاية مقاصد الشريعة في توزيع الصلوات وفي مدة الصوم بصورة لا يكون فيها تكليف ما لا يطاق، ويتحقق فيها المقصود الشرعي دون انتقاص.
وبيت القصيد في الموضوع والذي يكون منه المنطلق: هو أن الأحاديث الواردة التي استند إليها القرار يجب أن يفترض أنها مبنية على الوضع الجغرافي والفلكي في شبه الجزيرة العربية وليس بجميع الكرة الأرضية التي كان معظمها من بر وبحر مجهولاً إذ ذاك لا يعرف عنه شيء. بل إن هذه الأماكن القاصية والمجهولة شمالاً وجنوباً مما اكتشف فيما بعد. يجب أن تعتبر مسكوتاً عن حكم أوقات الصلاة والصيام فيها، فهي خاضعة بعد ذلك للاجتهاد بما يتفق مع مقاصد الشريعة».
ووجه الغرابة بما قال الزرقا: أنّ ما ذكره لا أصل له؛ إذ لا يوجد نظيرٌ باعتبار الأحكام بالحجاز، والأصل في بناء الأحكام: أن تكون على النظائر، ويوجد أصل باعتبار الأحكام بالأقرب؛ لأن ما قَرُبَ من شيءٍ أخذ حكمَه، كما في اعتبار القُرب من العامر في أخذ حكمه في وجوب صلاة الجمعة، وفي اعتبار الأرض عشريةً وخراجيةً بأقرب الأراضي إليها، وفي وجوب القسامة على أهل قرية قَرُبَ منهم قتيلٌ عن أهل قريةٍ أُخرى، فكان القُرب معنىً مُعتبراً شَرعاً في بناء الأحكام عليه.
وهذا المعنى أقره مجمع الفقه كما نقل الزرقا في نفس الفتوى، حيث قال: «ففي هذه الحال تقدر مواقيت الصلاة والصيام وغيرهما في تلك الجهات على حسب أقرب الجهات إليها مما يكون فيها ليل ونهار متمايزان في ظرف أربع وعشرين ساعة» (¬1).
• • •
القاعدة (3)
الغروب: هو الحسي
* توضيح:
ومعنى الحسي: هو زمان غيبوبة تمام حمرة الشّمس بحيث تظهر الظّلمة في جهة الشّرق لا الحقيقي الذي يظهر فيه غياب قرص الشّمس؛ لأنّها يمكن أن تكون مختفية خلف الجبال أو البناء فلا يعتبر، فعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم) (¬2)، قال العلامة الحصكفي (¬3): «أي إذا وجد الظلمة حساً في جهته فقد دخل وقت الفطر أو صار مفطراً».
قال الحافظ ابن حجر (¬4): «سقوط قرص الشمس يدخل به وقت
¬
(¬1) ينظر: فتاوى الزرقا ص39.
(¬2) في صحيح البخاري 2: 691، واللفظ له، وصحيح مسلم 2: 772، وغيرهما.
(¬3) في الدر المنتقى 2: 230.
(¬4) في فتح الباري 2: 42.
المغرب، ولا يخفى أنّ محله ما إذا كان لا يحول بين رؤيتها غاربة وبين الرّائي حائل»: أي من جبل أو عمران أو غيرهما، وهذا إنّما يتم في الصحراء لا في العمران (¬1).
* تطبيق:
فلو نظر من شباك المسجد أو البيت فرأى الشمس غائبة فأفطر، ثم أذَّن بعدها، فعليه القضاء، ويلزمه الكفارة إن كان يعلم أنه لم يؤذن، وإن كان لا يعلم، فعليه القضاء فقط؛ لأنّه يكون من الخطأ؛ لأن معرفة طلوع الفجر ومغيب الشمس يدركه الخواص ممن تمرّسوا ذلك وتعلّموه، كما أنه يحتاج إلى صحراء لا جبل ولا عمران فيها، أو بحر حتى يكون الأفق غير محجوب أمام الرائي، وهذا الأمر غير متيسّر لعامة المسلمين.
ولو اعتمد في صيامه وإفطاره على التقاويم الرّسمية الصّادرة من جهات موثوقة كوزارة الأوقاف ودور الإفتاء في الدّول، فإن صيامه صحيح.
• • •
¬
(¬1) ينظر: نيل الأوطار 2: 5 - 6، وغيره.
القاعدة (4)
سبب وجوب صوم رمضان
هو شهود جزء من الشهر (¬1).
* توضيح:
كلُّ مَن يشهد جزءاً من شهر رمضان، وهو مكلّف، وَجَبَ عليه الصّيام، حتى لو جُنَّ كلّ رمضان لم يقض.
* تطبيق:
فلو أفاق مجنونٌ بعض الشّهر -ولو ساعةً- قضى ما مضى من رمضان في ظاهر الرواية (¬2)، ولا فرق في هذا بين ما إذا بلغ مجنوناً، أو بلغ عاقلاً ثم جنّ.
• • •
¬
(¬1) هذا ما مشت عليه المتون كالوقاية ص242، والملتقى 1: 353، والتنوير 2: 82، والغرر 1: 211. قال ابن عابدين في رد المحتار 2: 82 بعد نقل الخلاف: والحاصل أنهما قولان مصححان، وأن المعتمد ما عليه ظاهر الرواية والمتون.
(¬2) ينظر: الهدية العلائية ص152.
القاعدة (5)
سبب وجوب صوم المنذور هو النّذر.
* توضيح:
من نذر الصّوم وجب عليه الصيام لنذره، وبلا نذر لا يجب عليه، فكان وجوب الصيام عليه بعد النذر.
* تطبيق:
فلو عيّن شهراً للنّذر وصام قبله جاز؛ كما إذا قال: لله علي أن أصوم رجباً، فيجوز له أن يصوم قبل أن يأتي رجب؛ لوجود السّبب، وهو النّذر، لكن إذا قَدِمَ رجبٌ وجب وجوباً مضيّقاً؛ لعدم جواز تأخيره عنه.
ولو علّق النّذر على أمرٍ، فلا يجزئه أن يصوم قبل تحققه (¬1).
• • •
¬
(¬1) ينظر: تفصيل هذا المسألة وفروعها كتابي البيان في الأيمان والنذور والحظر والإباحة ص149 - 150، وغيره.
القاعدة (6)
سبب وجوب صوم الكفارة
هو أسبابها من الحنث والقتل
* توضيح:
يجب الصّيام بالحنث في اليمين، والقتل في كفارة القتل، فيصح الصيام بعد تحقق الأسباب لها.
* تطبيق:
فلو قدّم الصيام على الحنث لم يجزئه؛ لعدم وجود السّبب.
• • •
القاعدة (7)
سبب وجوب صوم القضاء
هو ترك أداء صوم اليوم المقضي (¬1).
* توضيح:
مَن أفطر في رمضان بعذر أو بغيره، وجب عليه القضاء لهذا اليوم، ومن شرع في صيام نافلة وأفسدها وجب عليه القضاء، فيكون سبب الصيام هو القضاء لما وجب في ذمته من صيام.
¬
(¬1) ينظر: فتح القدير 2: 302.
* تطبيق:
فلو أفطرت الحائضُ في رمضان وجب عليها القضاء له بعد رمضان على التّراخي، حتى لو جاء رمضان آخر قبل صيامها، فلا يلزمها سوى القضاء لما أفطرت.
• • •
القاعدة (8)
صوم قضاء التّطوع عند الإفساد واجب (¬1).
* توضيح:
يلزمه قضاء صيام يوم أفطره بعد أن شرع فيه متطوّعاً؛ لما روي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (أُهدي لي ولحفصة طعام وكنا صائمتين فأفطرنا، ثمّ دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلنا له: يا رسول الله، إنّا أُهديت لنا هديّة فاشتهيناها فأفطرنا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا عليكما، صوما مكانه يوما آخر) (¬2)، وعن ابن سيرين: أنّه صام يوم عرفة فعطش عطشاً شديداً فأفطر فسأل عدّة من أصحاب النّبي - صلى الله عليه وسلم -، فأمروه أن يقضي يوماً مكانه (¬3).
¬
(¬1) ينظر: البحر الرائق 2: 278، وغيره.
(¬2) في سنن أبي داود 2: 330، واللفظ له، وصحيح ابن حبان 8: 284، وغيرهما.
(¬3) في مصنف ابن أبي شيبة 2: 290، وسنده على شرط الشيخين ما خلا التيمي، فإنه أخرج له أصحاب الأربعة ووثقه ابن سعد وابن سفيان والدارقطني كما في الجوهر النقي 1: 315.
* تطبيق:
فلو أفطر في صيام نافلة؛ لمرض أصابه وجب عليه قضاؤه؛ لثبوت الوجوب بالشّروع.
ولو أفطر في صيام النّفل بسبب زيارة ضيف له، وجب عليه القضاء.
* فتاوى معاصرة:
[3] فتوى: الخطأ في نية الصيام:
السؤال: تسحرتُ لصيام الاثنين وإذ به يوم الأحد، فهل أكمل الصيام؟
الجواب: هذا صيام نافلة فيستحب في الاثنين، ويمكن أداؤه يوم الأحد وإن شاء الله لا ينقص من الأجر شيء، وطالما أنك نويت الصيام من الليل وطلع الفجر مع هذه النية أصبح الصيام لازماً عليك، فلا يجوز لك أن تفطر، ولو أفطرتَ وجب القضاء، والله أعلم.
• • •
القاعدة (9)
صوم العيدين وأيام التّشريق محرمٌ
* توضيح:
يحرم صيام خمسة أيام في السّنة، ويُستحب صيام سواها؛ لما ورد من النّهي عن صيامها، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا صوم في يومين: الفطر والأضحى) (¬1)، وعن عمر - رضي الله عنه -: (إنّ هذين يومان نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم) (¬2)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (أيام التّشريق أيام أكل وشرب) (¬3)، وعن عائشة وابن عمر - رضي الله عنهم -، قالا: (لم يُرّخص في أيام التّشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي) (¬4).
* تطبيق:
فلو شرع المُتنفِّل في صيام العيدين أو أيام التّشريق وأفطر لا يلزمه قضاؤها بإفسادها.
ولو نذر صومها صحّ نذره، وأفطر وقضاها وجوباً.
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 400، واللفظ له، وصحيح مسلم 2: 799، وغيرهما.
(¬2) في صحيح مسلم 2: 799، وغيره.
(¬3) في صحيح مسلم 2: 800، والأحاديث المختارة 9: 254، وغيرهما.
(¬4) في صحيح البخاري 2: 703، وغيره.
وإن صامها عن النذر خرج عن عهدة النّذر مع الحرمة؛ لثبوتها ناقصة وأدائها ناقصة (¬1).
• • •
القاعدة (10)
شرطُ وجوب الصّوم الإسلام والبلوغ والعقل
يجب صوم رمضان على مَن اجتمعت فيه الشّروط التالية:
1. الإسلام؛ فلا يجب الصّوم على الكافر حتى لا يُخاطب بالقضاء بعد الإسلام، لقول - جل جلاله -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183]، فالخطاب موجّه للمؤمنين فحسب في فرضية الصوم عليهم.
2. البلوغ؛ فلا يجب صوم رمضان على الصّبي وإن كان عاقلاً، حتى لا يلزمه القضاء بعد البلوغ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (رُفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) (¬2).
3. العقل؛ فليس الإفاقة من الجنون أو الإغماء أو النّوم من شروط صحّة الصّوم؛ لأنّه يصحّ بدونها؛ لكنّ الإفاقة من شروط
¬
(¬1) ينظر: الهدية العلائية ص174، وغيرها.
(¬2) في سنن أبي داود 4: 141، واللفظ له، وجامع الترمذي 4: 32، وحسنه، وصحيح ابن حبان1: 389، وصحيح ابن خزيمة 2: 102، وغيرها.
الوجوب (¬1)؛ إذ لا يجب الصّوم على المجنون إن استغرق فقدان العقل كل شهر رمضان، بخلاف المغمى عليه والنّائم.
أما إن أدرك جزءاً من الشّهر وهو مفيق، فإنّه يجب عليه صيام ما بقي وقضاء ما فاته.
* تطبيق:
لو أسلم الكافر في بعض شهر رمضان فلا يلزمه قضاء ما مضى؛ لأنّ الواجب لم يثبت فيما مضى، فلا يتصوّر قضاء الواجب.
ولو أسلم في يوم من رمضان قبل الزّوال لا يلزمه صوم ذلك اليوم حتى لا يلزمه قضاؤه؛ لأنّه لم يكن من أهل الوجوب في أول اليوم (¬2).
ولو صام الصبي قبل البلوغ فصيامه صحيح؛ لأن البلوغ شرط لوجوب الصّوم لا لصحته، فعن الربيع بنت معوذ - رضي الله عنه - قالت: (أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة، مَن كان أصبح صائماً فليتم صومه، ومَن كان أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، فكنا بعد ذلك نصومه ونُصوّم صبياننا الصّغار منهم إن شاء الله، ونذهب إلى
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار 2: 81، وغيره.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع 2: 88، وغيره.
المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناهم إياه عند الإفطار) (¬1).
ولو بلغ في يوم من رمضان قبل الزّوال لا يجزئه صوم ذلك اليوم وإن نوى، وليس عليه قضاؤه؛ إذ لم يجب عليه في أوّل اليوم؛ لعدم أهلية الوجوب فيه، والصوم لا يتجزأ وجوباً وجوازاً، فإذا لم يجب عليه البعض لم يجب عليه الباقي.
ولو أفاق المجنون ليلة من رمضان ثم جن باقيه يجب القضاء عليه إن أفاق بعده (¬2).
• • •
القاعدة (11)
شرط وجوب أداء الصوم
الصحة والإقامة والخلو من الحيض أو النفاس
* توضيح:
فلا يجب أداء الصوم في حالة المرض، أو السفر، أو الحيض أوالنفاس، وإن كان يجب القضاء.
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 798، وصحيح البخاري 2: 692، وصحيح ابن حبان 8: 385.
(¬2) ينظر: تبيين الحقائق 1: 313، وغيره.
* تطبيق:
فلو أفطر لمرض لم يجب الصيام عليه حتى يبرأ، فيقضي ما فاته.
ولو أفطر لسفر لم يجب عليه الصيام حتى يقيم، فيقضي ما أفطر.
* فتاوى معاصرة:
[4] فتوى: صوم من طهرت ولم تغتسل:
السؤال: حائض طهرت من حيضها قبل الفجر وأمسكت عن الطعام بنية الصوم، لكن طلع الفجر ولم تغتسل؟
الجواب: بما أنها طهرت قبل الفجر بوقت يكفي للاغتسال، فإن صومها لهذا اليوم صحيح -وإن لم تغتسل-، لكن يفرض عليها الغسل من أجل الصلاة، والله أعلم.
[5] فتوى: صوم اليوم الذي انقطع فيه الحيض:
السؤال: لو أن امرأة طهرت من حيضها بعد الظهر، هل تجوز نيتها للصيام قبل غسلها ظهراً؛ للطهارة من الحيض بنفس اليوم؟
الجواب: لا يجوز صيام اليوم الذي انقطع فيه الحيض؛ لكون الفجر دخل وهي ما زالت حائض، فلم يصح صيام هذا اليوم، مع وجوب الإمساك حرمة لرمضان، والله أعلم.
[6] فتوى: الإفطار لتعذر الاغتسال من الحيض:
السؤال: ما حكم من أفطرت يومين في رمضان لعدم اغتسالها من الحيض؛ لانقطاع الماء عنها؟
الجواب: قد فعلت محرّماً وليس هذا بعذر، وعليها كفارة، والله أعلم.
[7] فتوى: تعمد الحائض للصوم:
السؤال: امرأةٌ سمعت من شخص على الفيس بوك أن المرأة في الحيض والنفاس تبقى صائمة ولا تفطر، وأنها تكون آثمة إذا أفطرت، كيف نقنعها أن هذا الكلام غير صحيح وهي تطلب دليلًا على ذلك؟
الجواب: المسألةُ مجمعٌ عليها بين الفقهاء في وجوب الإفطار، وورد فيها أحاديث في الصحاح، وليس كل أحد يُسمع كلامه إن لم يكن عالماً معروفاً وينقل ما يقول عن مذهب فقهي معتبر، فهذا دين، ولا يجوز العبث به من متهوِّس، والله أعلم.
[8] فتوى: صيام من حاضت قبل المغرب:
السؤال: ما حكم صيام من حاضت قبل أذان المغرب بدقائق قليلة، هل عليها قضاء هذا اليوم؟
الجواب: بطل صيام هذا اليوم، وعليها قضاؤه إن كان فريضة؛ لأنها حاضت قبل انتهاء وقت الصيام، وصيام الحائض لا يصحّ، والله أعلم.
القاعدة (12)
الفطر مباحٌ لمن خاف زيادة المرض أو بطء البرء
أو كان صحيحاً وخشى المرض بالصّوم (¬1).
* توضيح:
فمَن كان مريضاً أُبيح له الفطر في صيام رمضان؛ لقوله - جل جلاله -: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184]، وضابط هذا المرض إحدى ثلاثة، وهي: الزّيادة والتّأخر والخشية للمرض.
* تطبيق:
فلو أَخبر طبيبٌ ثقةٌ أنّ الصيام مضرٌّ للمريض بحيث يزيدُ مرضُه أو يؤخَّرُ شفاؤه، فإنّه يُباح للمريض الفطرُ، والقضاءُ بعد الشفاء.
ولو كان الصّيام يسبب له المرض بالتّجربة يباح له الفطر حتى يَشفى ويَقضي ما أفطر.
* فتاوى معاصرة:
[9] فتوى: إفطار مريض البواسير:
السؤال: شخص يعاني من البواسير، ويستضر بسبب ذلك من إمساك الأمعاء والمعدة، فهل هذا عُذْرٌ مُبيحٌ للإفطار؟
¬
(¬1) ينظر: تبيين الحقائق 1: 333، وغيره.
الجواب: الإفطار مرجعه للضرر بزيادة المرض وتأخر البرء، فيرجع في تقدير ذلك إلى الطبيب، فإن أخبره بلزوم الإفطار يفطر، والله أعلم.
[10] فتوى: الإفطار بسبب ارتجاع المريء:
السؤال: امرأةٌ لديها مرض ارتجاع في المريء ولا تستطيع الأكل إلا في النهار، سَأَلَتِ الطبيبَ فقال: يجب أن تأكلي متى تريدين؛ لأنها تشعر بتعب ودوخان فجأة، وهذا يُقعِدها عن بعض الأعمال، فهل يجوز لها الفطر؟
الجواب: إن كان الطبيب الثقة يخبرها بأن الصيام مضر بها، فعليها أن تفطر وتفدي عن كل يوم بإطعام مسكين، والله أعلم.
[11] فتوى: إفطار مريض الصرع:
السؤال: امرأةُ مصابة بمرض الصرع والشحنات الكهربائية، وفي وقت الظهر يجب أخذ الدواء، فكيف تفعل مع الصيام؟
الجواب: إن كان الطبيب الثقة يخبرها بأنه لا يمكن تعديل وقت الدواء وقت الإفطار، فيجوز لها الفطر ودفع الفدية عن الصيام إن كان الصيام يضر بها، وتكون الفدية عن كل يوم بإطعام مسكين، وهي بمقدار دينارين، والله أعلم.
[12] فتوى: الإفطار بسبب شدة الألم:
السؤال: خلعت ضرس العقل منذ أربعة أيام وأشعر بألم شديد غير محتمل وأحتاج لأخذ مسكن، هل يجوز لي الإفطار ليوم لأخذ المسكن؟
الجواب: يجوز الإفطار بسبب المرض، إن كان الألم لا يطاق، والقضاء بعد رمضان، والله أعلم.
[13] فتوى: صوم المريض الذي يضره الصوم:
السؤال: أصبت بجلطة في القدم والرئة ونصحني الأطباء بعدم الصيام لكني أصوم وأصاب بدوخان؛ وأريد أن أسمع رأيكم؟
الجواب: قال تعالى (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، فإن قال الطبيب الثقة: إنه يجب أن تفطري، فيخشى عليك أن تأثمي بصيامك لما فيه ضرر على حياتك، والله أعلم.
• • •
القاعدة (13)
النّية شرط انعقاد الصّوم لا شرط بقائه منعقداً
* توضيح:
إنّ مجرّد النية لا عبرة به في أحكام الشّرع ما لم يتّصل به الفعل؛ لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (إنّ الله تجاوز لأمتي عن كل شيء حدثت به
أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به) (¬1).
فإنّ النية تشترط لانعقاد الصّوم ولا تشترط لبقائه منعقداً؛ بدليل أنّ الصيام يبقى مع النوم والنسيان والغفلة (¬2).
* تطبيق:
فلو نوى الصّائم الفطر ولم يُحدث شيئاً آخر سوى النّية فصومه تام؛ لأن نية الإفطار لم يتصل بها الفعل، فلم تُنقض نية الصوم بنية الفطر؛ لأنّ نية الصوم نية اتصل بها الفعل فلا تبطل بنية لم يتصل بها الفعل.
• • •
القاعدة (14)
النّية: معرفته بقلبه أنه يصوم (¬3).
* توضيح:
النية: جزم القلب على ما يريد الإتيان به من الصوم (¬4)؛ لأنّ النية من أعمال القلب، وهو محلُّها، وبالتالي استحضاره بأنّه سيصوم غداً يُعتبر نية، وقيامه للسّحور بقصد الصوم نية (¬5).
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 10: 178، والمسند المستخرج 1: 1: 195، ومسند أبي عوانة 1: 76، وسنن النسائي 3: 360، ومسند الطيالسي 1: 322، وغيرها.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع 2: 92، وغيره.
(¬3) ينظر: الفتاوى الهندية 1: 195، وغيره.
(¬4) ينظر: الهدية العلائية ص155، وغيره.
(¬5) ينظر: الهدية العلائية ص155، وغيره.
* تطبيق:
فلو كان مستحضراً أثناء إفطاره أنه سوف يصوم غداً في رمضان يُعدّ نية لصيام الغد.
ولو سُئل هل تصوم غداً فأجاب بلا تفكير: أصوم، يعدّ ناوياً للصيام؛ لوجود الاستحضار منه.
ولو ضبط المنبه على وقت السحور اعتبر نية صحيحة للصيام؛ لاستحضار الصوم.
• • •
القاعدة (15)
التّلفظ بنية الصوم مستحبٌ
* توضيح:
يُستحبُّ للصائم أن يتلفظ بنيته؛ لما في التّلفظ من الاستحضار للنية، واللفظ المستحب: نويتُ أن أصوم غداً عن فرض رمضان (¬1)، أو نويت أن أصوم هذا اليوم- إن نوى نهاراً -لله عزّ وجل.
* تطبيق:
فلو نوى الصيام وهو يُصلّي، فإنّ نيته صحيحة، ولا تُفسد الصلاة إلا إذا تلفظ بالنية.
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار 2: 87، وغيره.
ولو نوى الصيام فقال: أصوم غداً إن شاء الله، فلا تبطل النية بالمشيئة؛ لأنّه يَقصد الاستعانة وطلب التّوفيق لا حقيقة الاستثناء (¬1).
• • •
القاعدة (16)
وقت النية في صوم رمضان والنّذر المعين والنّفل
من الليل إلى ما قبل نصف النّهار الشّرعي (¬2).
* توضيح:
تجوز النية قبل نصف النهار الشرعي إذا لم يُوجد قبل ذلك بعد طلوع الفجر ما يُنافي الصّوم، وإذا وُجد قبله ما ينافيه من الأكل والشرب والجماع عامداً أو ناسياً فلا تجوز النية بعد ذلك (¬3).
والنّذر المعيّن: أي بوقت معيّن خاصٍ: كنذر صوم يوم الخميس مثلاً، فهو في حكم رمضان؛ لتعين الوقت فيهما.
والنهار الشرعي يكون من استطارة الضوء في أفق المشرق إلى غروب الشمس، ونصف النهار الشرعي يكون إلى الضحوة الكبرى.
والضّحوة الكبرى: تبدأ في كل قطر قبل زوال الشمس بعد أن
¬
(¬1) ينظر: الهدية العلائية ص156، وغيرها.
(¬2) ينظر: الهداية 1: 118، وشرح الوقاية ص233، واللباب 1: 163.
(¬3) ينظر: الفتاوى الهندية 1: 196.
كانت عمودية في وسط السماء بنصف حصة فجر ذلك اليوم: أي نصف الوقت من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس (¬1).
* تطبيق:
فلو نوى صيام رمضان أو النّذر المعين أو النّفل ليلاً، ثم رجع عن نيته في الصيام، ثم عاد إلى نية الصيام قبل الزّوال وكان مُمسكاً عن الأكل والشّرب والوطء، فإنّه يصح صيامه (¬2)
ولو نوى قبل أن تغيب الشّمس أن يكون صائماً غداً ثم نام أو أغمي عليه أو غفل حتى زالت الشمس من الغد لم يجز؛ لعدم وقوع النية في وقتها.
ولو نوى الصيام بعد غروب الشمس فإنّه يجوز صومه (¬3).
• • •
¬
(¬1) ينظر: شرح الوقاية لابن ملك ق61/أ، ورد المحتار 2: 85، والهدية العلائية ص155، وغيرها.
(¬2) ينظر: الهدية العلائية ص155 - 156، وغيرها.
(¬3) ينظر: الفتاوى الهندية 1: 195، وغيرها.
القاعدة (17)
تبييت النية من الليل أو النية المقارنة لطلوع الفجر
شرطٌ في القضاء والكفّارات والنّذور المطلقة
* توضيح:
القضاء يدخل فيه صوم قضاء رمضان، وقضاء ما أفسده من نفل، وقضاء النّذر المعيّن.
والنذر المطلق: هو النذر غير المعيّن كنذر صوم يوم مطلقاً دون تحديد لهذا اليوم، والكفّارات مثل: كفارة اليمين، والظهار، والقتل، والإفطار في رمضان، وجزاء الصيد والحلق والمتعة.
فلمّا كانت هذه الصّيامات واجبة في نفسها، وغير محدّدة بزمان، احتاجت إلى تبييت النية من الليل؛ لعدم تعيّن هذه الصيامات (¬1).
* تطبيق:
فلو نوى عن قضاء رمضان أو النذر المطلق أو الكفارة بعد طلوع الفجر كان صيامه تطوعاً، فعليه أن يقضي هذا التطوع إن أفسده، ولم يجزئه عما نوى؛ لعدم وقوع النية في وقتها، وهو قبل الفجر.
ولو ظنّ أنه عليه قضاء يوم، فشرع فيه بشروطه، ثم تبيّن أن لا صوم عليه، فإنّه لا يلزمه إتمام صيامه ولا قضاء عليه؛ لأنه معذور
¬
(¬1) ينظر: شرح الوقاية ص234، وعمدة الرعاية 1: 307، وغيرهما.
بالنسيان، بشرط أن يُفطر فوراً، ولكن الأولى إتمام صيامه، أما لو استمر في الصيام بعد علمه أنّه لا قضاء عليه، فإنّه يصير ملتزماً فلا يجوز له قطع صيامه، فإن قطع الصيام لزمه القضاء (¬1).
* فتاوى معاصرة:
[14] فتوى: منع الزوجة من القضاء:
السؤال: امرأةٌ يمنعها زوجها من صيام قضاء رمضان، فهل تطيع زوجها، ومَن يتحاسب على عدم الصيام هي أم هو لمنعها من الصيام؟
الجواب: صيام قضاء رمضان من فروض العين، فحكمه كرمضان فلا يحتاج فيه لرضا الزوج، ولا يملك منعها منه؛ لأنه حقُ الله تعالى، وهو مقدَّمٌ على حقّ العبد، وإنما يمنعها الزوج من صيام النوافل، والله أعلم.
[15] فتوى: إفساد صيام القضاء للمرض:
السؤال: امرأةٌ أرادت صيام يوم النصف من شعبان بنية صيام الفوائت، لكن لمرض ألمَّ بها لم تستطع إتمام الصيام، فهل تصحّ النية وكسب أجر هذا اليوم الفضيل، وهل عليها قضاء يومين بدل ذلك يوم عن القضاء الأول ويوم عن ما ألزمت نفسها به؟
¬
(¬1) ينظر: الهدية العلائية ص156، وغيره.
الجواب: لا تصح نيتها إلا عن القضاء، ويجب عليها قضاء يوم واحد فقط، وهو بدل يوم القضاء؛ لأنه لم يصح أداء صيام ذلك اليوم، والله أعلم.
القاعدة (18)
أداء رمضان والنّذر المعيّن والنّفل يصحّ بمُطلق النية
* تطبيق:
يصح صيام رمضان والنّذر المعيّن والنفل من غير تقييد بوصف الفرض أو الواجب أو السّنة ويصحّ بنية النّفل؛ لعدم المُزاحم، فإنّ رمضان معيار لم يُشرع فيه صوم آخر، فكان متعيّناً للفرض، والمتعيّن لا يحتاج إلى التعيين، والنذر المعيّن معتبر بإيجاب الله تعالى فيصاب صيام رمضان بمطلق النية، بل تلغو نية التنفل أيضاً (¬1).
* تطبيق:
فلو نوى في النّذر المعيّن واجباً آخر يقع عما نوى بخلاف صوم رمضان؛ إذ يقع عن صوم رمضان؛ لأنّ كل واحد من الوقتين وإن تعيّن صومه إلا أن صيام رمضان معيّن بتعيين مَن له الولاية على الإطلاق، وهو الله تعالى، فثبت التعيين على الإطلاق، فيظهر في حقّ فسخ سائر الصيامات، والنذر المعين تعين بتعيين مَن له ولاية قاصرة وهو العبد، فيظهر تعيينه فيما عينه له فيما إذا نوى صوم التطوع دون الواجبات التي
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار 2: 85، وعمدة الرعاية 1: 307، وغيرهما.
هي حق الله تعالى في هذه الأوقات، فبقيت الأوقات محلاً للواجبات، فإذا نوى واجباً آخر صحّ (¬1).
ولو صام رمضان فلا بد له من نية لكل يوم وإن كان صحيحاً مقيماً؛ لتتميز العبادة عن العادة بالإمساك حمية أو لعذر؛ لأنّ فساد بعض صوم رمضان لا يوجب فساد كل صوم رمضان (¬2).
• • •
القاعدة (19)
صوم القضاء والكفّارات والنّذور المطلقة
لا بُدّ فيه من تعيين المنوي بها
* توضيح:
هذه الصّيامات لما كانت مشروعة في الوقت، وهي متنوّعة، كانت الحاجة فيها إلى التعيين للنية.
* تطبيق:
فلو أراد صيام القضاء فلا بد أن يعيّن الصيام، فلا يصح بمطلق النية.
¬
(¬1) ينظر: البدائع 2: 84، وشرح الوقاية ص234، وتنوير الأبصار والدر المختار 2: 86.
(¬2) ينظر: الدر المختار 2: 87، وغيره.
* فتاوى معاصرة:
[16] فتوى: الجمع بين النفل والقضاء في النية:
السؤال: ما حكم الجمع بين نية صيام أيام القضاء وأيام ذي
الحجة، أو بين صيام الأيام البيض من كل شهر والاثنين والخميس وبين القضاء؟
الجواب: لا تصح نية الجمع، ويقع عن صيام القضاء، والله أعلم.
[17] فتوى: الجمع بين الكفارة والقضاء في النية:
السؤال: ما حكم الجمع بين نية صيام كفارة يمين ونية القضاء؟
الجواب: لا يصح الجمع بين نيتين في الصيام وغيره من العبادات، والله أعلم.
[18] فتوى: التردد في نية الصيام:
السؤال: شخصٌ عليه قضاء رمضان، ونوى الصيام للقضاء ثم نوى النذر المعين، فماذا يقع صومه؟
الجواب: يقع صيامه عن القضاء؛ لأنه أقوى، والله أعلم.
• • •
القاعدة (20)
العمل بالحساب الفلكي قول ضعيف أنسب لزماننا
* توضيح:
لا عبرة لحساب المنجمين والحاسبين في الهلال على المعتمد من مذاهب الأئمة الأربعة؛ إذ أن الفقهاء صرّحوا أنه لا يثبت رمضان إلا برؤية الهلال أو إتمام شعبان، فلا يلزم بقول المؤقتين وإن كانوا عدولاً في الصحيح. وقد حقق ابن عابدين (¬1) بنقول من كتب المذاهب الأربعة، وقال: ((إن المعوّل عليه والواجب الرجوع إليه في مذاهب الأئمة الأربعة المجتهدين- كما هو المحرر في كتب أتباعهم- أنّ إثبات رمضان لا يكون إلا بالرؤية ليلاً، أو بإكمال عدة شعبان، وأنه لا تعتبر رؤيته في النهار حتى ولو قبل الزوال على المختار، وأن لا يعتمد على ما يخبر به أهل الميقات والحساب والتنجيم)).
وألف اللكنوي رسالة مستقلة سماها ((القول المنشور في هلال خير الشهور)) في الاعتماد على الرؤية، فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -، قال - صلى الله عليه وسلم -: (الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين) (¬2)، ومعنى إن غُمّ: أي حال بينكم وبينه غيم فعليكم أن تكملوا
¬
(¬1) في تنبيه الغافل والوسنان ص98 - 110.
(¬2) في صحيح البخاري 2: 674، وصحيح ابن حبان 8: 357، وغيرهما.
عدة شعبان؛ لأنّ الأصل في الشهر هو البقاء (¬1).
ويعتمد قول أهل الحساب، وهذا القول ذهب إليه نزر يسير من الحنفية، قال ابن نجيم الحنفي (¬2): ((قال بعض أصحابنا - رضي الله عنه -: لا بأس بالاعتماد على قول المنجمين، وعن محمد بن مقاتل - رضي الله عنه - أنه كان يسألهم ويعتمد على قولهم بعد أن يتفق على ذلك جماعة منهم))، وذهب ابن سريج وبعض الشافعية وصوبه الزركشي وقطع به التقي السبكي الشافعي في رسالة خاصة سماها: ((العلم المنشور في إثبات الشهور))، ومما قال فيها (¬3): ((إن دلالة الحساب القطعي أو القريب من القطعي على عدم الإمكان أقوى من الريبة، والريبة موجبة للشهادة))، وقال ابن عابدين (¬4): ((إن المتأخرين من الشافعية ردوا كلام السبكي))، وممن ذهب إلى هذا القول القاضي عبد الجبار، وصاحب جامع العلوم (¬5)، فعن ابن عمر - رضي الله عنه -: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر رمضان، فقال: (لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له) (¬6): أي قَدَّروه
¬
(¬1) ينظر: القول المنشور ص148.
(¬2) في الأشباه والنظائر 2: 66.
(¬3) أي في العلم المنشور ص38 - 39.
(¬4) في تنبيه الغافل ص96.
(¬5) ينظر: تنبيه الغافل والوسنان ص99.
(¬6) في صحيح البخاري 2: 674، وصحيح مسلم 2: 759، وغيرهما.
بحساب المنازل، وحمل معناه الجمهور على: قَدِّروا له تمام العدد ثلاثين بدليل الروايات الصريحة السابق ذكرها (¬1).
واختاره شهاب الدّين المرجاني في «ناظورة الحق» (¬2)، والشيخ مصطفى الزرقا في رسالته «اعتماد الحساب الفلكي» (¬3)، فأتى بنقول عن العيني وغيره من شرّاح الحديث تؤكّد أنّ الحديث معلول وأنّ العلّة هي رفع الحرج وليس أنّ الرؤية بذاتها أمراً تعبّدياً، وأوّل نصوص الفقهاء واتفاقهم على اشتراط الرؤية للهلال بأنّه يرجع إلى خوفهم من حصول مفسدتين: الأولى: الاختلاف والنزاع بين الناس بسبب اختلاف الحاسبين؛ لأنّ الحساب في زمانهم كان ظنياً مبنياً على الحدس والتّخمين، والثانية: نشر الشعوذة والتنجيم؛ للارتباط الوثيق في عصرهم بين العرافة والتنجيم والكهانة والسحر من جهة وبين حساب النجوم.
فيمكن الأخذ به للمصلحة ولرفع الحرج ولتغيّر الزمان، بل يُمكننا القول أنَّ الاعتماد عليه أوثق وأضبط في إثبات رؤية الهلال من الاعتماد على شاهدين ليسا معصومين من الوهم وخداع البصر، أو على شاهد واحد حينما يكون الجو غير صاح والرّؤية عسيرة.
فيُفتى بالحساب الفلكي للتّطور العلمي لعلم الفلك ودقَّته، وللحاجة المسبقة من الدول والشركات والأفراد لأيام العطل في
¬
(¬1) ينظر: القول المنشور ص150، وفي ص151: وقد أطال القاري في المرقاة 4: 462.
(¬2) في ناظورة الحق 36 - 37.
(¬3) ينظر: اعتماد الحساب الفلكي لتحديد بداية الشهور القمرية 2: 741 - 752.
الأعياد؛ للتنظيم الإداري للعمل وغيره، وإخراج الناس من الفتنة بأن تُعلن هذه الدّولة، ولا تُعلن الأُخرى بعد سرعة انتشار الخبر بين الدول، ومنع الفتنة في المجتمع عندما يتبع بعضهم دولة ما وآخر دولة أخرى، والمنع من اللغط الكبير الذي يحصل كلَّ سنة عند الفطر والصوم من الصحة والخطأ، ومنع التلاعب من بعض المسؤولين لأغراض سياسية.
* تطبيق:
فلو توافقت دور الإفتاء بالاعتماد على المختصّين بعلم الفلك في تحديد الصوم والفطر لرمضان بالحساب لسنوات عديدة جاز، وكان فيه منفعة للمسلمين، وخروجاً من فتنة واقعة بينهم.
ولو اعتمدت بعض الدول الحساب الفلكي لا يصحّ للناس في الدول الأخرى الاعتماد عليه ما لم تُقرّه الدول التي يعيشون فيها؛ لأنّ الواجب عليهم التزام رأي دولتهم؛ لأن المعتبر في حقِّهم قضاء قاضي دولتهم في الصوم والفطر.
* فتاوى معاصرة:
[19] فتوى: الصيام بحسب التقويم الفلكي:
السؤال: منذ مدة وأنا اتتبع موضوعاً منتشراً عن خطأ في التوقيت الهجري، وهناك أخطاء في رصد الأشهر وأن ما صمناه ليس شهر رمضان وأقاويل حول ذلك، فهل هذا صحيح وهل يوجد دليل حقيقي على صحة حساب الشهور؟
الجواب: المعتبر في حقَّنا قضاء الدولة بالصيام والفطر، وعلينا أن نلتزم معهم بما يقولون، وإن قصروا في ذلك فحسابهم على الله تعالى، والله أعلم.
• • •
القاعدة (21)
المعتمد اختلاف المطالع في الإفطار
واعتباره قولاً مصححاً يمكن العمل به للحاجة
* توضيح:
لا يعتبر اختلاف المطالع على المعتمد، ومعناه: أنه إذا رأى الهلال أهل بلدة ولم يره أهل بلدة أخرى يجب أن يصوموا برؤية أولئك كيفما كان، حتى إذا صام أهل بلدة ثلاثين يوماً وأهل بلدة أخرى تسعة وعشرين يوماً يجب عليهم قضاء يوم، وعليه أكثر المشايخ (¬1)، ونص عليه النَّسَفيّ (¬2) والحلبي (¬3)، وقال ابن الهمام (¬4): «وإذا ثبت في مصر لزم سائر الناس فيلزم أهل المشرق رؤية أهل المغرب في ظاهر المذهب».
¬
(¬1) ينظر: تبيين الحقائق 1: 321، وغيره.
(¬2) في كنز الدقائق 1: 321.
(¬3) في ملتقى الأبحر 1: 239.
(¬4) في فتح القدير 2: 313.
والقول المصحّح أنّه يعتبر اختلاف المطالع، فينظر: فإن كان بين أهل بلد رأوا الهلال وبين أهل بلد لم يروه تقارب بحيث لا تختلف المطالع يجب عليهم أن يصوموا برؤية من رأوه، وإن كان بحيث تختلف لا يجب عليهم الصيام، قال الزيلعيّ (¬1): ((والأشبه أن يعتبر اختلاف المطالع؛ لأن كلَّ قوم مخاطبون بما عندهم وانفصال الهلال عن شعاع الشمس يختلف باختلاف الأقطار، كما أن دخول الوقت وخروجه يختلف باختلاف الأقطار حتى إذا زالت الشمس في المشرق لا يلزم منه أن تزول في المغرب، وكذا طلوع الفجر وغروب الشمس بل كلما تحركت الشمس درجة فتلك طلوع فجر لقوم، وطلوع شمس لآخرين، وغروب لبعض ونصف ليل لغيرهم»، وأيده ملا خسرو (¬2) واختاره صاحب «التجريد» وغيره (¬3).
* تطبيق:
فلو اختلفت الدول في تحديد يوم الصوم والفطر لزم على الناس التزام ما قرَّرتهم دولتهم؛ لأنّه المعتبر في حقهم، وأمكن الاستفادة من القول المُصَّحح الذي يجوز العمل به للحاجة.
¬
(¬1) في التبيين 1: 321.
(¬2) في درر الحكام 1: 201.
(¬3) ينظر: الشرنبلالية 1: 201، وغيرها.
* فتاوى معاصرة:
[20] فتوى: متابعة دولة ثانية في صيام رمضان:
السؤال: السعودية شاهدت الهلال والأردن لم تشاهده، فهل يجوز للأردن أن يأخذ قرار السعودية في الهلال، وكذلك الصين لم تشاهد الهلال، لكن السعودية شاهدت مثلًا، فهل يجب على الصين أن تأخذ بقرار السعودية؟
الجواب: ليس بلازم اتباع دولة لأخرى، وإنما كل بلد فيه مفتٍ وقضاة يقررون، فيلزم كلّ مَن يعيش في هذا البلد اتباع قضاتهم، فإن رأت الدولة اتباع دولة أخرى في مشاهدتهم وصيامهم فيصح، والله أعلم.
• • •
القاعدة (22)
المعتبر في كل دولة قضاء القاضي
لا غير في الصّوم والفطر
* توضيح:
فمَن رأى الهلال لا تُعتبر رؤيته في حقّ الناس ما لم يقض بها القاضي؛ لأنّ العبرةَ بقضاء القاضي لكلِّ دولة في صيامهم وفطرهم، ولا يجوز للمسلمين مخالفة دولتهم بذلك خروجاً من الفتنة.
* تطبيق:
فلو أنّ مسلماً صام مع دولةٍ أُخرى بنيةِ رمضان حَرُم عليه؛ لأنّ رمضان لم يبدأ في دولته، فكان في صومه مع غير بلده زيادة في الشهر ما ليس منه.
ولو أنّ مسلماً أفطر مع دولةٍ قبل إفطار دولته حَرُم عليه، ووجب عليه القضاء لهذا الإفطار بلا كفارة؛ لوجود الشّبهة بقضاء دولة أُخرى واعتبار اتحاد المطالع.
ولو أنّ مسافراً كان في دولة أعلنت الصّيام أو الفطر لزم عليه موافقتهم في صيامهم وفطرهم؛ لأنّ له حكم أهل هذه الدولة عندما يكون بينهم، فيُعتبر في حقّه قضاء هذه الدّولة.
ولو أنّ أردنياً كان في السّعودية فأعلنت السعودية الصّيام قبل الأردن أو بعده وجب عليه الصيام معهم، ثم إن سافر إلى الأردن وجب عليه الفطر مع أهلها، فإن كان صيامه (28) يوماً قضى يوماً.
* فتاوى معاصرة:
[21] فتوى: صيام المقيم في دولة اختلفوا فيها برؤية الهلال:
السؤال: الوالد في أمريكا الآن، وفي نهاية شهر رمضان، من المساجد من أعلن أن اليوم عيد، ومساجد أعلنت أنه المتمم لشهر رمضان، ووالدي صام ذلك اليوم، فهل صيامه صحيح، ولي أخٌ يعيش في ولاية أخرى في ذلك البلد، وأفطر في ذلك اليوم، فهل عليه قضاء؟
الجواب: يلتزمون برأي الجماعة والمجلس للمسلمين إن كان موجوداً عندهم، أو برأي أقرب المساجد لهم، وليس عليهم القضاء، والله أعلم.
[22] فتوى: إفطار المسافر في الطائرة:
السؤال: سافر شخص بالطائرة لمسافات طويلة، ثم ذكر الطيَّار أنه قد حان وقت المغرب في هذه البلد الذين هم فوقها، فهل يفطر المسافر حسب توقيت البلد الذي صام فيه، أم حسب توقيت المكان الذي هو فيه لحظة غروب الشمس؟
الجواب: الطائرة تأخذ حكم البلد التي فوقها سواء كان براً أو بحراً؛ لأنّ هواءها له حكم أرضها، فيجوز له الفطر إذا كان فوق بلاد أذن فيها المغرب، والله أعلم.
[23] فتوى: وصول المسافر إلى بلد غربت فيها الشمس:
السؤال: سافر شخص بالقطار من بلد لم تغرب فيه الشمس بعد، ثم وصل إلى بلد آخر قد غابت فيه الشمس وأذَّن فيه المغرب، فهل يجوز له الإفطار فور وصوله؟
الجواب: يكون للصائم حكم المكان الذي فيه في الصوم والفطر، فمَن كان في الفطر في بلدٍ دخل الغروب فيها أفطر، والله أعلم.
[24] فتوى: السفر إلى بلد صام أهلها قبله:
السؤال: رجلٌ يعيش في الإمارات، وأعلنت الإمارات عن بداية شهر رمضان بعد الأردن بيوم، ثم سافر إلى الأردن نهاية رمضان، وأفطر أهل الأردن قبل الإمارات بيوم، فهنا يصبح صيامه (28) يوماً، فما الحكم؟
الجواب: يجب أن يلتزم في الصيام والإفطار البلدة التي يكون فيها، فإن كان صيامه (28) يوماً، يجب عليه قضاء يوم، والله أعلم.
[25] فتوى: السفر إلى بلد صام أهلها بعده:
السؤال: لو أنّ مسافراً أتم صيام (30) يوماً مع بلده الأصلي ثم سافر إلى بلد لا يزال أهلها صائمون، فهل يصوم أم يفطر؟
الجواب: يصوم معهم حتى يفطروا، ويصوم أكثر من (30) يوماً؛ قال الشِّلبي (¬1): «وعدم فطر الناس اليوم الحادي والثلاثين من صومه موجبٌ للصوم عليه».
• • •
¬
(¬1) حاشية الشلبي، 1:319.
القاعدة (23)
المعتبر في رؤية الهلال واحدٌ عند الصّيام إن كانت مغيمة
واثنان عند الصّيام إن كانت مصحية
وعند الفطر إن كانت مغيّمة أو مصحية
* توضيح:
رؤية هلال صوم رمضان تقبل فيه شهادة مستور الحال أو العدل ـ وهو من ليس بفاسق بيِّن الفسق ـ أو امرأة أو محدوداً في قذف تائباً، ولا يشترط فيه أن يدعيه أحد أو يقول الرائي: أشهد برؤيتي؛ لأنّه أمر ديني فأشبه رواية الأحاديث، وليس من حقوق العباد التي لا بد فيها من الدعوى والشهادة (¬1).
ويشترط قبول جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب في رؤية الهلال عند الصيام والفطر إن كانت الشمس مصحية، ولكن يفتى بأنه يكفي اثنان، وهي رواية عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لتكاسل النّاس، وهو اختيار صاحب البحر ورد المحتار، قال ابن عابدين (¬2): ينبغي ترجيح ما اختاره صاحب البحر من الاكتفاء بشاهدين ولو من مصر، وقد أقرّه عليه أخوه الشيخ عمر في النهر، وكذا تلميذه التمرتاشي في «المنح» وابن حمزة
¬
(¬1) ينظر: عمدة الرعاية 1: 309، والهداية 1: 121، وتنبيه الغافل والوسنان على أحكام هلال رمضان لابن عابدين 1: 216، وغيرهما.
(¬2) في تنبيه الغافل ص80.
النقيب في «نهج النجاة»، والشيخ علاء الدين في «الدر المختار»، والشيخ إسماعيل النابلسي في «الإحكام شرح درر الحكام»، وقال: إنه حسن.
* تطبيق:
فلو رأى الهلال مسلم وكانت السماء مغيمة، فعلى القاضي اعتبار قوله، والقضاء بالصوم للمسلمين.
ولو رأى الهلالَ مسلمان وشهدا أمام القاضي أنهما رأيا الهلال والسماء مصيحة، فعلى القاضي اعتبار قولهما والقضاء بالصوم.
• • •
المبحث الثاني
المفطرات المعتبرة ومنافذها وجوفها وموانعها
القاعدة (24)
الدّاخل من خارج الفم مُفَطِّر إن شعر بطعمه في الحلق
* توضيح:
فليس كل ما يدخل إلى الفم يفطّر بمجرد الدخول، بل لا بد من الشّعور في الطعم في الحلق، فأي شيء يدخل إلى الفم من الخارج ويشعر الصّائم بطعمه في حلقه يكون مفسداً لصيامه. ففي «المراقي» (¬1): «أو مضغ مثل سمسمة: أي قدرها وقد تناولها من خارج فمه حتى تلاشت ولم يجد لها طعماً في حلقه».
* تطبيق:
فلو مصّ أصبعه وشعر بطعمه في حلقه أفطر، وإن لم يشعر بطعمه لا يفطر.
¬
(¬1) في مراقي الفلاح 3: 180.
ولو ذاق طعاماً فشعر بطمعه في حلقه أفطر، وإن لم يشعر بطعمه لا يفطر.
* فتاوى معاصرة:
[26] فتوى: حبة تحت اللسان:
السؤال: هل يفطر الصائم بوُضع حبة تحت اللسان إن كان مريضاً بالذّبحة الصّدرية أو الضّغط أو الشّقيقة، وما أَن تُوضع هذه الحبّة تحت اللسان حتى تبدأ في التّحلل بسرعة خلال دقائق وتختلط باللعاب المُخاطي في الفم، ويتم امتصاص الدّواء مباشرة من الأوعية الدّموية الموجودة في أسفل اللسان، وهي قريبة جداً من الغشاء المخاطي، حيث ينتقل الدّواء إلى الشرايين التّاجية في القلب فيؤدي وظيفته، وقد لا تؤدي حبّة واحدة الغرض المطلوب فيضع المريض الحبّة الثّانية، وإن لم تؤد الغرض وضع الثالثة (¬1).
الجواب: لا يفطر بتعاطيها في الفم؛ لأنه لا يدخل منها شيء إلى الحلق، بحيث يتم امتصاصها دون أن يصل شيء منها إلى الجوف، وهذا إذا ما لفظ المريض البقايا اليسيرة من الحبة التي توضع تحت اللسان، ففي هذه الحالة لا تكون مفسدة للصيام؛ لعدم الشعور بطعمها في الحلق وإن كانت داخلة في الفم، لكن إن تناول المريض أكثر من حبة من هذا الدواء أو حبة واحدة منه وعلم أنه ابتلع جزءاً فسد صيامه، والله أعلم.
¬
(¬1) مفطرات الصائم في ضوء المستجدات الطبية للألفي، مجلة المجمع، العدد (10)، 2: 96.
[27] فتوى: واقي الأسنان ( GUM):
السؤال: ما حكم استخدام الصائم لواقي الأسنان المصنوع من البلاستيك بحيث يوضع على الفكين العلوي والسفلي كما يفعل الرياضيين، لكن مشكلة هذا الواقي أنه يحفز إفراز اللعاب الذي يظهر عند إزالته من الفم؟
الجواب: لا يفطر بوضع واقي الأسنان؛ لعدم دخول شيء منه للحلق، ويكره لتحفيزه للافرازات وتشبهه بالمفطرين، والله أعلم.
[28] فتوى: بصمة الأسنان:
السؤال: ما حكم استخدام مواد الطبع والمقاسات من قبل فنيي الأسنان من أجل أخذ مقاس الفك والأسنان أثناء الصيام في نهار رمضان، وهي عبارة عن بودرة تخلط بالماء وتصبح مثل العجينة وقد يكون عليها نكهات، وهي سريعة الجفاف، ويمكن بقاء بقايا منها على الأسنان؟
الجواب: هذه الهيئة لأخذ مقاسات الأسنان تفطر الصائم إن شعر بطعمها في حلقه، ويلزمه القضاء إن أفطر، وهذا هو الظاهر من استعمالها؛ لذلك كره للصائم كراهة تحريم استعمالها ابتداء، والله أعلم.
[29] فتوى: جلسات تنظيف الأسنان:
السؤال: لو قام الصائم بعمل تنظيف التكلسات بين الأسنان عند الطبيب، حيث يقوم الطبيب باستخدام الماء في التنظيف ثم يضع جل
مادة الفلور على الأسنان باستخدام قالب لمدة دقيقة تقريباً، فما حكم الصيام؟
الجواب: إن شعر بطعم في حلقه من هذا التنظيف يُفطر ويَقضي، لذلك كُره للصّائم عمل التنظيف، وهو صائم، والله أعلم.
[30] فتوى: لصقات تبييض الأسنان:
السؤال: هل يجوز للصائم وضع لصقات تبييض على الأسنان، وهي عبارة عن بلاستيك مرن ورفيع جداً، يوضع بشكل مباشر على الأسنان، يحتوي على مواد مبيضة؟
الجواب: إن كانت هذه المواد تذوب ويشعر بطعمها في حلقه يفطر، وإن كانت لا تذوب، أو لا يشعر بطعمها في حلقه، فلا يفطر، والله أعلم.
[31] فتوى: مقياس الحرارة في الفم:
السؤال: هل يفطر الصّائم بوضع مقياس الحرارة في الفم تحت اللسان؟
الجواب: لا يُفطر؛ لأنّ هذا الفحص خاص بالفم فلا يدخل إلى الجوف ويستقر فيه، ولا طعم فيه أصلاً، والله أعلم.
• • •
القاعدة (25)
ابتلاعُ ما لا يُمكن الاحترازُ عنه إن كان من داخل الفم لا يُفَطِّر
* توضيح:
فما لا يمكن الاحتراز عنه مما يبقى بين الأسنان عادة معفو؛ لما فيه من الحرج؛ لأنَّه قليلٌ لا يُمكن الاحتراز عنه، فجعل بمنزلة الرِّيق (¬1).
قال السّرخسي: ((إذا ابتلع ريقه لم يضر فكذلك ما هو تبع، وهذا إذا كان صغيراً يبقى بين الأسنان عادة، وهو بخلاف ما إذا دخل ذلك القدر في فمه؛ لأنّ ذلك مما يُستطاع الامتناع منه، فإن كان بحيث لا يبقى بين الأسنان عادة يفسد صومه؛ لأنّ هذا لا تكثر فيه البلوى، والتّحرز عنه ممكن، وقدّروا ذلك بالحمصة، فإن كان دونها لم يفسد به الصوم، وقدر الحمصة إذا أدخله في حلقه فسد صومه، وعليه القضاء ولا كفارة عليه في قول أبي يوسف، وقال زفر: عليه الكفارة)) (¬2).
* تطبيق:
فلو تسحّر الصّائم، وبعد طلوع الفجر خرج شيء من بين أسنانه إلى فمه وابتلعه لا يفطر؛ لأنّ مثله لا يحترز عنه، وهو معفو.
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 2: 90، ورد المحتار 2: 98.
(¬2) في المبسوط 3: 94، وينظر: تنوير الأبصار ص 59، وملتقى الأبحر ص 362.
* فتاوى معاصرة:
[32] فتوى: بقاء الطعام بين الأسنان في أطقم الأسنان وبين الحشوات:
السؤال: هل يفطر الصائم لو بقي طعامٌ بين الأسنان الصناعية والحشوات؟
الجواب: الطعام المتبقي بين الأسنان الصناعية والحشوات يأخذ حكم الطعام العالق أو الباقي بين الأسنان الطبيعية، فيكون القليل منه معفو، مما لا يمكن الاحتراز عنه، والله أعلم.
• • •
القاعدة (26)
منافذ الصّيام متعلّقة بعلم التّشريح
* توضيح:
المحدِّدُ للمنافذ هو علم التشريح، وكلُّ ما قرر الأطباء يكون منفذاً، وعامّة الخلاف بين الفقهاء في المنافذ راجعٌ للاختلاف في المعلومة الطبية في كونه مرجع أو لا، كما حصلت المناقشة في اعتبار الإحليل منفذ أو لا.
قال السّندي (¬1): «أفطر الصّائم في إحليله ماء أو دهناً وإن وصل إلى المثانة على المذهب يعني لا يُفطِرُ عندهما، خلافًا لأبي يوسف، قال في «البحر»: وهو مبني على أنّه هل بين المثانة والجوف منفذ أم لا، فقالا: لا، في وصول البول من المعدة إلى المثانة بالترشح، وما يَخْرُجُ رشحاً لا يَعُودُ رشحاً كالجرة إذا سُدَّ رأسها وأُلقِيَ في الحوض يَخرُجُ منها الماء، ولا يَدخُلُ فِيها، ... قال: في «الهداية»: وهذا ليس من باب الفقه؛ لأنّه متعلّق بالطِّب)).
وقال البابرتي (¬2): «يعني ليس هذا الخلاف لهذه الصورة متعلّقاً بباب الفقه، بل هو متعلّق باصطلاح أهل تشريح الأبدان من الحكماء، فلذلك توقّف محمد؛ لأنّه أشكل عليه أمره فاضطرب قوله فيه».
وقال ابن الهمام (¬3): «يفيد أنّه لا خلاف لو اتفقوا على تشريح هذا العضو».
وقال الطحطاوي (¬4): «كذا تقوله الأطباء، إنّما أسنده إليهم؛ لأنّ هذا المقام يرجع إليهم فيه؛ لكونه من علم التشريح».
¬
(¬1) في طوالع الأنوار 2: 76.
(¬2) في العناية 8: 310، والبناية 4: 67،.
(¬3) في فتح القدير 2: 344.
(¬4) في حاشية الطحطاوي على المراقي 1: 66.
* تطبيق:
فلو حدَّد الأطباء أنّ هذا منفذ يُعتبر، ويُعمل به، كما حصل في الآمة والأذن والفرج، فإنها ذُكرت في كتب الفقهاء على أنها منافذ، والفتوى على أنها ليست بمنفذ؛ لأن علم التشريح في زماننا حكم أنها ليست بمنفذ، وسيأتي بيان كلام الأطباء فيها.
• • •
القاعدة (27)
الدّاخل من المنافذ المعتبرة مُفَطِّر إن نفذ إلى الجوف المعتبر
فأي فتحة في الجسم موجودة خِلقة أو صناعة ولها منفذ إلى الحلق أو المعدة أو الأمعاء تُعتبر منفذاً معتبراً ويحصل الفطر بدخول المفطّر منها، وهذه المنافذ المعتبرة هي: الفم، والأنف، والدُّبر والجائفة.
قال الكاساني (¬1): «وما وصل إلى الجوف أو إلى الدّماغ عن المخارق الأصلية: كالأنف والأذن والدّبر؛ بأن استعط أو احتقن أو أقطر في أذنه فوصل إلى الجوف أو إلى الدماغ فسد صومه، أما إذا وصل إلى الجوف فلا شك فيه؛ لوجود الأكل من حيث الصّورة».
وتفصيلها في القواعد الآتية:
¬
(¬1) في البدائع 2: 93.
القاعدة (28)
الفم منفذ معتبر
* توضيح:
يُعَدُّ الفمُ أبرز منفذٍ معتبر في وصول المفطرات إلى الجوف المعتبر؛ لأنه المنفذ الموضوع خلقة لإيصال المفطرات إلى الجوف.
* تطبيق:
فلو أدخل مفطراً معتبراً من الفم إلى الحلق كورق الشجر، فإنه يفطر؛ لأن الفم ما يدخل الغذاء والدواء إلى الجوف عادة.
* فتاوى معاصرة:
[33] فتوى: بخاخ الرّبو والتّبخيرة:
السؤال: هل استعمال الصائم بخاخ الرّبو مفطر، وهو عبارة عن آلة يستخدمها مريض الربو، بها دواء سائل مصحوب بهواء مضغوط بغاز خامل، تَدفع الدواء من خلال جرعات هوائية يجذبها المريض عن طريق الفم، وقد توجد على شكل بودرة دوائية جاهزة داخل الجهاز المخصص للاستنشاق أو في كبسولات خارجية توضع داخل الجهاز يتم تخريمها عند الاستعمال لاستنشاقها، فتعمل كموسّع قصبي تعود معه عملية التنفس لحالها الطبيعي، ويحتوي الدواء السّائل على ثلاثة
مكونات: الماء، وغاز الأوكسجين، والمواد العلاجية، والنسبة الكبرى فيه للماء والباقي على الأوكسجين.
وبعد أخذ البخاخ فإنّ جزءاً منه يترسّب في الفم والبلعوم الفمي ويصل إلى المعدة والأمعاء الدّقيقة بعد البلع، إلا أنّ معظم الدواء بنسبة (60 - 80%) يصل إلى القصيبات الهوائية سواء أكان مضغوطاً أو بودرة، فيكون حجم المادة الدّوائية التي تصل إلى المريء والمعدة والأمعاء ضئيلة جداً، ويمكن تقليلها بأكثر من (50%) إذا تم غسل الفم بعد الاستنشاق، أو استخدم القمع الهوائي في إيصال العلاج (¬1)؟
الجواب: البخاخ مفطر؛ لدخول مفطر معتبر وهو الدواء من منفذ معتبر وهو الفم إلى الجوف المعتبر وهو الحلق، والله أعلم.
[34] فتوى: جهاز الرذاذ البُخاري (التبخيرة النبيوليزير):
السؤال: هل استعمال الصائم لجهاز الرذاذ البخاري (التبخيرة النبيوليزير) مفطر، والتبخيرة جهاز كهربائي يقوم بتحويل محلول المادة الدّوائية إلى بخار مرئي يستنشقه المريض بواسطة كمامة توضع على الأنف والفم، أو من خلال توصيلة توضع في الفم مباشرة، ويُعطى عادة أثناء الأزمات الربوية في المنازل والمستشفيات، وتستمر مدّة الجرعة (10 - 15) دقيقة، ويُعْطَى بدفع عالي يُوصل جزء كبير منه إلى البلعوم، وتكون كمية الدواء التي يُمكن وصولها إلى المعدة باستخدام جهاز
¬
(¬1) ينظر: المفطرات الطبية المعاصرة ص 148.
التّبخيرة أكبر بكثير من الكمية التي تُعطى من خلال البخاخات الأخرى (¬1)؟
الجواب: التبخيرة تفطر الصائم؛ لوصول المفطر المعتبر إلى جوف معتبر، والله أعلم.
[35] فتوى: عملية تنظير المعدة:
السؤال: ما حكم عملية تنظير المعدة للصائم باستعمال المنظار، وهو جهاز يُشبه الأنبوب الدّقيق المرن، بحجم الخنصر في عرضه وبطول حوالي متر، يتّصل رأس هذا الأنبوب بكاميرا تتصل بجهاز تصوير متطور، فيتم إدخاله إلى المعدة لتشخيص الجهاز الهضمي وأخذ خزعات وحقن دوالي المريء ونقاط النزف من المريء لإيقاف النزف.
وقبل إدخال المنظار يقوم الطبيب بوضع قطعة بلاستيكية في الفم بين الأسنان؛ ويتم تخدير الحلق عن طريق استعمال بخاخ خاص فيه دواء يبلعه المريض، وقد يتم استعمال تخدير في الوريد يؤدى إلى نوم المريض بحسب الحالة.
وتُوضع مادة هلامية على المنظار؛ لتسهّل عملية دخوله إلى المعدة، بعد ذلك يتم إدخال طرف أنبوب المنظار عن طريق الفم، وتستغرق
¬
(¬1) المفطرات الطبية المعاصرة للكندي ص 154.
عملية التنظير من لحظة إدخال المنظار إلى إخراجه أقل من خمس دقائق في الحالات العادية (¬1)؟
الجواب: عملية تنظير المعدة تفطر الصائم بسبب التخدير الذي يشعر بطعمه حلقه، ووجود مادة هلامية على المنظار تدخل للجوف، والله أعلم.
[36] فتوى: غسيل المريء والمعدة:
السؤال: ما حكم عملية غسل المريء والمعدة للصائم، والتي تتم بمحاليل مائية عن طريق المنظار، ويغلب على معظم هذه المواد نظراً لتعدّدها وكثرتها التّحلّل والامتصاص عن طريق الجهاز الهضمي، وتكون كمية الدّواء المُستخدم حسب الإجراء الطبي المطبّق على المريض ودرجته ونوع المادة المستعملة؟
الجواب: يفطر الصائم بغسيل المريء والمعدة؛ لإدخال المفطر إلى الجوف، والله أعلم.
[37] فتوى: شرب الدّخان:
السؤال: ما حكم شرب الدخان للصائم؟
الجواب: يفسد صيامه؛ لأنه مفطر معتبر، ولأنّ ذرات الدّخان لها جرم وتدخل عمداً إلى الجوف من منفذ معتبر وهو الفم، ويجب فيه
¬
(¬1) ينظر: المفطرات الطبية المعاصرة ص219.
القضاء والكفارة للتّعمد وكمال الشّهوة والرّغبة (¬1). وهذا لمن تعمد شربه، بخلاف مَن كان يجالسه واستنشقه أو استنشق الأنواع الأخرى للدخان.
قال اللكنوي: «إنَّ الفقهاء قد فَرَّقوا في مواضع عديدة بين الدُّخول والإدخال، فحكموا بالفَساد عند الإدخال دون الدُّخول، وبه يَثْبُتُ المرام؛ لأنّهم قد عَلَّلوا عدم فساد الصَّوم بدخول الدُّخان بعدم إمكان الاحتراز عنه، فإذا شَرب الدُّخان فقد أدخله عمداً، ذاكراً للصوم، فيفسد لا محالة، ويجب القضاء حتماً» (¬2)، والله أعلم.
[38] فتوى: السيجارة الالكترونية:
السؤال: ما حكم استعمال الصائم السيجارة الالكترونية، وهي نوع من أجهزة التّدخين، تَستخدم آلية كهربائية لتوليد الحرارة والبخار من عملية الاحتراق مثل السّجائر العادية، وهذا البخار يحتوي على مواد كيميائية مختلفة بدون دخان.
ويتكون هذا الجهاز من ثلاثة مكونات رئيسية: البطارية، ومولد البخار والحرارة، والسائل، والجزء السائل الذي سيتبخر ويدخل إلى جسم المدخن يتكون من: النيكوتين: وهي مادة تجعل الجسم مدمناً على التدخين، والبروبيلين غليكول: وهو أحد مكونات المواد اللازمة لتكوين البخار، والجلسرين: وهو مرطّب يتم دمجه مع البروبيلين
¬
(¬1) فيض الغمام في الفتاوى المدللة من الصيام ص 136، والإتحاف في إجابة مسائل الصيام والاعتكاف ص190، وص239.
(¬2) في ترويح الجنان بتشريح حكم شرب الدخان ص 129.
غليكول، وعوامل النكهة: وهي مادة كيميائية شائعة الاستخدام في الأغذية، فهي مثل السجائر العادية لكن تختلف عنها بأنها ليس لها رائحة كريهة، ولها عدة نكهات، كما أنّ شكلها أكثر حداثة، لكن من حيث الضرر والإدمان ممكن تكون أكثر خطراً من السجائر العادية؟
الجواب: السيجارة الإلكترونية تُفطر؛ لوجود المفطر، وهو الدخان؛ لاحتوائه على جرم، والله أعلم.
القاعدة (29)
الأنف منفذ معتبر
* توضيح:
يُعدّ الأنف من المنافذ المعتبرة، بحيث لو صب فيها دواء أو استنشق عامداً ما له جرم، فإنه يفطر.
* تطبيق:
فلو صبّ الصائم الدواء في أنفه، فإنه يفطر؛ لكونه منفذاً معتبراً.
ولو وضع السَّعوط في الأنف بأن كان على هيئة بودرة، فإنه يُفطِّر إن شعر بطعمه في حلقه؛ لأنّه يدلُّ على دخوله للجوف، وكذلك إن كان دواء يُصبّ في الأنف (¬1)، قال ناصر الدّين السّمرقندي (¬2): «ومَن ... استعط ... أفطر».
¬
(¬1) لسان العرب 7: 314، والمغرب 1: 397.
(¬2) في الفقه النافع ص 52.
* فتاوى معاصرة:
[39] فتوى: قطرة الأنف:
السؤال: ما حكم استخدم الصائم قطرة الأنف؟
الجواب: يفطر؛ لأنها دواء دخل من منفذ معتبر إلى الجوف، والله أعلم.
[40] فتوى: بخاخ الأنف:
السؤال: ما حكم استعمال الصائم بخاخ الأنف، وهو بخاخ مضغوط يُعطى عن طريق الأنف بمعدل بخّة واحدة لكل فتحة في الأنف، ويتم استنشاقها من خلال الأنف أيضاً، ويتم امتصاص جزء كبير من المادة في الجيوب الأنفية، وما يصل إلى المعدة كمية لا تكاد تذكر هي أقل مما يصل من بخاخ الربو المضغوط، حيث أنّ مقدار البخّة يكون ضئيل جداً أقل من حجم بَخَّة بخاخ الرّبو، فكمية البخة يساوي (64) مايكرو جرام، بينما البخّة في بخاخ الربو المضغوط تساوي (100) مايكرو جرام؟
الجواب: يفطر؛ لكونه إدخال ما له جرم للجوف، والله أعلم.
[41] فتوى: قناع الأوكسجين:
السؤال: ما حكم استعمال الصائم قناع الأوكسجين، وهو عبارة عن أوكسجين يُضغط بطريقة طبية معينة في اسطوانات ذات أحجام متعددة، وتُعطى على حسب احتياج المريض، فهو في الحقيقة مجرد هواء وليس فيه أي مواد عالقة، حتى ما كان محفوظاً في الاسطوانات على شكل سائل فإنّه يتحوّل إلى غاز بمجرد خروجه من الاسطوانة، ويذهب أغلبه عند الاستنشاق إلى الجهاز التّنفسي.
ويتم استخدامه للمرضى في حالات ضيق التنفس، وقد يستخدمه الغواصون تحت الماء، ورجال الإطفاء، ورجال الإنقاذ في بعض الحالات، ورجال الشّرطة والجيش في بعض المهام، أو في حالة إنخفاض الضّغط الجوي في الطائرة، أو نحو ذلك (¬1).
فقناع الأوكسجين يحتوي على غاز الأوكسجين فقط، لكن عند استخدامه قد يُعطى للمريض لوحده مجرّداً، وهي الحالة الغالبة والأكثر استخداماً، فيكون مجرد استنشاق للهواء، وقد يُعطى مع الماء؛ لتجنب حدوث تجريح لطول مدة تناول الأكسجين؟
الجواب: لا يفطر إن كان مقتصراً على الأوكسجين فحسب، وإن أضيف له مواد أخرى كالماء أو غيره فإنه يفطر؛ لوجود المفطر، والله أعلم.
¬
(¬1) المفطرات في مجال التدواي للبار ص90، مجلة المجمع ج2.
[42] فتوى: غاز التّخدير:
السؤال: ما حكم استعمال الصائم غاز التخدير، وهو عبارةٌ عن مجموعة غازات الأوكسجين، وأوكسيد النتروز؛ وهو غاز ليس له لون، ورائحته تؤدي إلى فقدان الوعي، والأنتونوكس؛ وهو خليط من غازي الأوكسجين وأكسيد النتروز بنسبة (50%) كلٍّ منهما يتواجد داخل الأسطوانة بالحالة الغازية، والبروبان الحلقي: غاز لا لون له، ورائحته تشبه رائحة البترول، وهو مخدر فعَّال مع الغازات الأخرى، يتواجد بالحالة السائلة داخل الأسطوانات، وثاني أوكسيد الكربون: غاز لا طعم له، ولا لون ولا رائحة، ويستخدم لإثارة أو تنبيه عملية التنفس، وقد يُصاحب التخدير في بعض الحالات إعطاء المريض سوائل مغذية، أو إدخال أنبوب إلى المعدة لإخراج السوائل المتراكمة (¬1)؟
الجواب: يفطر؛ لوصول المفطر من الغازات المختلفة، وهذا إن كان شيئاً مرئياً استنشق عمداً، أو شعر بطعمه في حلقه، والله أعلم.
[43] فتوى: المراهم الموضعية للأنف:
السؤال: ما حكم استعمال المراهم الموضعية للأنف بأن يكون الدّواء فيها موضعياً لا يتجاوز الأنف ولا يصل إلى الحلق؟
الجواب: لا يفسد الصيام؛ لعدم الوصول إلى الجوف، فمجرد الدخول في الأنف لا يفطر طالما لم يستقر في الجوف، والله أعلم.
¬
(¬1) مفطرات الصائم في ضوء المستجدات الطبية للألفي 2: 98.
[44] فتوى: دهون الفكس للأنف:
السؤال: ما حكم استخدام الصائم لدهون الفكس لتسكين ألم الرشح والسعال، وهذا الدهون أو المرهم يتكون من عدة مواد أهمها الكافور، والمنثول الذي يسكن الألم، وكذلك عطر الليمون وزيت جوزة الطيب والفازلين وغيرها من المواد الفعالة؟
الجواب: إن كان لا يدخل للجوف من الأنف، وإنما يقتصر على الخارج، بحيث ما يدخل مجرد رائحة قوية مؤثرة فلا يفطر، والله أعلم.
• • •
القاعدة (30)
الدُّبر منفذ معتبر
* توضيح:
أكّد الأطباء أنّ الدّبر له منفذ إلى الأمعاء، فتبدأ القناة الشرجية من نهاية المستقيم، وتنتهي بفتحة الشّرج، فالدّبر متّصل بالمستقيم، والمستقيم متّصل بالقولون، وهي المعي الغليظ الذي يبدأ بالقولون السيني، ثم القولون النازل، ثم القولون المعترض، ثم القولون الصاعد، ثم الأعور، ومنه إلى الأمعاء الدّقيقة التي يمكنها امتصاص الدواء أو السائل الداخل من الدّبر (¬1).
¬
(¬1) ينظر: المفطرات في مجال التداوي للبار ص92.
قال ابن عابدين (¬1): ((فإذا أدخل عوداً جافاً ولم يغيبه لا يفسد الصوم؛ لأنّه ليس بداخل من كل وجه، ومثله الأصبع، وإن غيّب العود فسد؛ لتحقق الدّخول، وكذا لو كان هو أو الأصبع مبتلاً؛ لاستقرار البلة في الجوف)).
وقال الزّيلعي (¬2): «والحد الذي يتعلّق بالوصول إليه الفساد قدر المحقنة قال في «الخلاصة»، وقلّما يكون ذلك)).
* تطبيق:
فلو أدخل قطنة في الدّبر ولم يغيبها، إن لم تكن مبتلة لا يفسد صومه، أما إن غيّبها أو كانت مبتلة وإن لم تغب فيفسد صومهما (¬3).
* فتاوى معاصرة:
[45] فتوى: الحُقن والتّحاميل والمراهم الشّرجية:
السؤال: ما حكم ادخال الحقن الشّرجية والتّحاميل من الدُّبر للصائم فهي تصل إلى المستقيم، ومنه تنفذ إلى الأمعاء الغليظة والتي تُعتبر جزءاً من الجهاز الهضمي، ولها قدرة على الامتصاص كما أثبت الطب؟
¬
(¬1) في رد المحتار 1: 149.
(¬2) في تبيين الحقائق 1: 3293.
(¬3) ينظر: الهدية العلائية ص161، وغيرها.
الجواب: يفطر؛ لدخولها من منفذ معتبر إلى جوف معتبر، وهو الأمعاء، والله أعلم.
[46] فتوى: المراهم الشرجية:
السؤال: ما حكم استعمال الصائم للمراهم الشرجية؟
الجواب: إن كانت هذه المراهم خارجية فلا تفطر، أما إن وُضعت في داخل الدبر، فإنها مُفَطِّرة؛ لأنها ستكون مثل الأصبع المبتلة؛ لأنها ستتجاوز موضع المحقنة، والله أعلم.
[47] فتوى: المنظار الشّرجي ( Flexible Sigmoidoscopy):
السؤال: ما حكم التنظير الشّرجي من الدُّبر، ويتم تنظير الجهاز الهضمي بواسطة إدخال المنظار سواء أكان عبر الفم، ويسمّى تنظير هضمي علوي، أم عبر الشّرج، ويسمّى تنظير هضمي سفلي.
والمنظار الشرجي عبارة عن أنبوب رفيع مرن مزود بكاميرا صغيرة في نهايته، يوضع داخل فتحة الشرج ويُحرك ببطء داخل القولون، ويُساعد ضوء موجود في طرف المنظار على تمكين الطبيب من رؤية جدران القولون بشكل جيد باحثاً عن أي تغيير فيها بسبب الإصابة بمرض أو ورم أو أي حالة يمكن أن تتحول ورم سرطاني، كما يمكن للطبيب أن يعرف ما إذا كان هناك نزيف في جدار القولون، وأن يحاول معرفة الآلام التي يشتكي منها المريض ومصدر الدّماء النازفة في حالة النزيف الشّرجي؟
الجواب: إن استعمل مواد هلامية تُساعده على الدخول يُفطر، وإن كان جافاً لا يوجد معه أي مواد لا يفطر؛ لعدم دخول المفطر، إلا إذا أخرج المنظار ثم أدخل في الدبر مرة أخرى وكان مبتلاً، فإنه يُفطر بهذا البلل الذي عليه، والله أعلم.
[48] فتوى: أصبع الفحص الطبي ( Digital Rectal Examination):
السؤال: ما حكم قيام الطبيبُ بفحص الصائم بإدخال الأصبع في الدبر، وهذا الفحص يقوم به الطّبيب للكشف عن مشكلات البروستات، حيث يقوم بإدخال إصبعه - بعد أن يلبس القفازات - في فتحة الشرج لفحص السطح الخارجي الخلفي للبروستات، ولفحص حجم وحالة البروستاتة، ويعتبر هذا الفحص من الفحوص المهمة ليس لتشخيص تضخم البروستات الحميد؛ بل للكشف المبكر أيضاً عن سرطان البروستات، وغالباً ما يستخدم الطبيب مادة مليّنة لتسهيل إدخال أصبعه في فتحة الشرج؟
الجواب: إن كان الأصبع مبتلاً، فإن يفطر بهذا البلل؛ لأنه مفطرٌ معتبرٌ، وإن كان جافاً لا يُفطر إلا إذا أخرج الطبيب الأصبع وأدخله مرة أُخرى وهو مبتلٌ فإنه يُفطر، والله أعلم.
[49] فتوى: مقياس الحرارة الشّرجي:
السؤال: ما حكم إدخال مقياس الحرارة في دبر الصائم لقياس الحرارة؟
الجواب: لا يُفطر ما لم يكن المقياس مبللاً؛ لأن المقياس بنفسه لا يُفطر، وإنما يُفطر بالبلل إن وجد عليه، والله أعلم.
[50] فتوى: إدخال الإصبع في الدّبر لمريض البواسير:
السؤال: هل إدخال الأصبع في الدُّبُر عند الاستنجاء، لمَن يعاني من بواسير ومشاكل في الإخراج مُفَطّر، وإن كان إدخال الإصبع في الشرج أثناء الاستنجاء مُفَطّراً، فما حكم صيام مَن لم يكن يعرف واعتاد ذلك طوال الوقت؟
الجواب: إدخال الإصبع في الدبر مفطر، لا يعد مثل هذا عذراً لأن يفطر إن كان لا يعرف؛ لأنه يمكنه السؤال، فعليه قضاء ما سبق، إلا إذا وجد في مذهب سني آخر أن صيامه صحيح، فلا يقضي، والله أعلم.
• • •
القاعدة (31)
الجائفة منفذ معتبر
* توضيح:
لما كان الجوفُ المعتبرُ هو الحلقُ والمعدةُ والأمعاءُ كان الوصول إليه من المنافذ الأصلية، وهي الفم والأنف والدبر لا غير، فإن وجدت ثُقبةٌ في البطن والظهر موصلة إلى الجوف، فإنها تعتبر منفذاً معتبراً عند أبي حنيفة خلافاً لهما؛ لكونها أدّت وظيفة المنافذ الأصلية.
والجائفة: التي تصل إلى الجوف، والمواضع التي تنفذ الجراحة منها إلى الجوف هي: الصدر والظهر والبطن والجنبان وما بين الأنثيين والدُّبر، ولا تكون الجائفة في اليدين والرّجلين؛ لأنّها لا تصل إلى الجوف.
قال الكاساني (¬1): «ما وصل إلى الجوف ... عن غير المخارق الأصلية؛ بأن داوى الجائفة ... ، فإن داواها بدواء يابس لا يفسد؛ لأنّه لم يصل إلى الجوف ... ، ولو علم أنّه وصل يَفسد في قول أبي حنيفة، وإن داواها بدواء رطب يفسد عند أبي حنيفة. وعندهما: لا يَفسد، هما اعتبرا المخارق الأصلية؛ لأنّ الوصول إلى الجوف من المخارق الأصلية متيقنٌ به ومن غيرها مشكوكٌ فيه، فلا نحكم بالفساد مع الشّك، ولأبي حنيفة: إنّ الدّواء إذا كان رطباً فالظاهر هو الوصول؛ لوجود المنفذ إلى الجوف، فيبنى الحكم على الظاهر».
* تطبيق:
فلو كان للصائم جراحةٌ في بطنه أو ظهره ولا تنفذ إلى الجوف المعتبر فلا يفطر، وإن نفذت إليه أفطر.
* فتاوى المعاصرة:
[51] فتوى: منظار البطن ( LAPROSCOPE):
السؤال: ما حكم استعمال منظار البطن للصائم، وهو عبارة عن
¬
(¬1) في بدائع الصنائع 2: 93.
منظار طبي يدخل إلى التّجويف البطني عبر فتحة صغيرة في جدار البطن؛ وقد يكون لغرض التّشخيص لبعض الأمراض مثل: أخذ خزعة من الكبد، أو الكلية، أو المبايض، أو يكون لغرض العلاج: كإجراء العمليات الجراحية مثل: استئصال المرارة والزّائدة وغيرها من العمليات، ولا يصل إلى المعدة أو الأمعاء، وإنما يُنظر في تجويف البطن والأحشاء (¬1)؟
الجواب: لا يفسد الصّيام بالتّنظير الدّاخل إلى جوف البطن، سواء كان تنظيراً تشخيصياً أو علاجياً، وسواء كان على المنظار مادة هلامية أو لا؛ لأنّه لا يصل شيء منها إلى المعدة والأمعاء، فلم يتحقّق شرط الوصول إلى الجوف المعتبر، وإن كانت الثقبة منفذاً معتبراً إن كانت موصلة للجوف المعتبر، والله أعلم.
[52] فتوى: القسطرة القلبية ( Cardiac Catheterization):
السؤال: ما حكم القسطرة القلبية للصائم، وهي عمليةُ فحص تشخيصي يُجرى تحت التّخدير الموضعي، بواسطة أنبوب دقيق يتم إدخاله عبر الأوردة أو عبر الشرايين، ويصل إلى القلب مباشرة، من أجل تصوير شرايين القلب، أو مداواتها إن وجد فيها مشكلة، مصحوباً بمادة علاجية أو مساعدة، وقد يتم إدخال الأنبوب من أعلى الفخذ، حتى يصل من هناك إلى القلب، أو يتمّ إدخاله من طريق المرفق؟
¬
(¬1) المفطرات في مجال التداوي لمحمد علي البار 10: 243.
الجواب: الثقبة للقسطرة لا تصل للجوف المعتبر، وإنما تصل للقلب، ولا يُعَدُّ القلب جوفاً معتبراً، فلا يُفطر الصائم في هذه العملية، والله أعلم.
[53] فتوى: بزل المثانة ( Paracentesisvesicae):
السؤال: ما حكم بزل المثانة للصائم، وهو إجراء جراحي يتم فيه إدخال إبرة أو قسطرة عن طريق الجلد في منطقة العانة في التجويف البطني بين المثانة وجدار البطن، فيتم إدخال الإبرة عبر جدار البطن السّفلي إلى جوف المثانة، بحيث تُغرز في جوف المثانة ثم يُسحب ما فيها من البول، وقد يكون الغرض منه تشخيصي بأخذ كمية قليلة من السّوائل للاختبار، أو علاجي لتصريف البول في حالات إنسداد عنق المثانة أو الإحليل للحدّ من الضغظ داخل البطن؟
الجواب: إنّ وجود هذه الفتحة بحد ذاتها وتمرير القسطرة فيها وخروج البول منها لا يُفسد الصّوم؛ لأنّ منطقة العانة التي فيها المثانة ليس له علاقة بالجهاز الهضمي، فلا يحصل دخول إلى الجوف المعتبر، كما أنّ خروج النّجاسة لا يؤثّر على الصّوم، والله أعلم.
[54] فتوى: الغسيل الكلوي البريتوني (الديلزة الصفاقية):
السؤال: ما حكم الغسيل الكلوي البريتوني للصائم، ويكون عن طريق الغشاء البريتوني الموجود في البطن، فيتم فيه تصفية الدّم وهو في داخل الجسم، بعكس غسيل الكلى الدموي الذي يتم خارج الجسم.
فيقوم الطبيب بتركيب قسطرة (أنبوب صغير) تتصل بتجويف البطن، بعد عمل فتحة تنفذ من الجسم بجانب السُرَّه وتبعد عنها تقريباً (5 - 10) سنتمتر، وعن طريقها يتم إدخال وإخراج السائل الخاص للغسيل البريتوني من وإلى تجويف البطن من خلال استخدام أنبوب صغير في البطن، ويتكوّن هذا السّائل من الماء النّقي المُضاف إليه الأملاح والمعادن بتركيزات مختلفة، وسكر الجلوكوز الذي له قدرة على جذب الماء الزّائد من الأوعية إلى تجويف البطن.
والغشاء البريتوني (مغلّف الأعضاء) يُحيط بالأمعاء والأعضاء الأخرى في البطن، ويسمح لأمعاء البطن بالتّحرك من غير حدوث احتكاك فيما بينها، ويتكون من طبقتين بينهما سائل ويحتوي على فتحات صغيرة جداً تشبه المنخل، فيكون مشابه للغشاء الموجود في الكلية الصناعية، ويعمل كمُرشِّح يزيل الفضلات من الدّم ويقوم بامتصاصها، لذلك عندما يتم وضع سائل في تجويف البطن فإنَّ الفضلات السّامة تترشح من الدّم الموجود في الأوعية الدموية لأعضاء البطن إلى هذا السائل عن طريق الانتشار، وبعد فترة زمنية محدَّدة يتدفَّق السّائل مع الفضلات المُصفَّاة خارج البطن ويتم التخلّص منه (¬1)، وهناك طريقتان يتم بها استخدام الغسيل البريتوني:
الأولى: الطريقة اليدوية: في هذه الطريقة يقوم المريض بوضع السائل النّقي في تجويف البطن، حيث يترك السائل من (4 – 6)
¬
(¬1) موقع الطبي https://2u.pw/b606Fi.
ساعات، وخلال هذه الفترة تنتقل الفضلات السامة من الدم إلى تجويف البطن ثم إلى السائل، وبعد مرور هذه الفترة يقوم المريض بفتح الأنبوب وتفريغ السائل المحمّل بالسموم والسوائل الزائدة عن حاجة الجسم، ثم يتم وضع سائل نقي مرة أخرى في تجويف البطن، وفي كل مرة يضع المريض كميات تتراوح بين (1 – 3) لتر حسب حجم جسمه، وتتكرر هذه العملية (4 أو 5) مرات يومياً.
الثانية: الطريقة الآلية: وتعتمد هذه الطريقة على استخدام جهاز يقوم بوضع السّائل النّقي وسحب السائل المحمّل بالسّموم لفترة تتراوح من (7 – 9) ساعات أثناء النوم فقط، خلال هذه الفترة يظل المريض موصولاً إلى جهاز الغسيل البريتوني.
وتمتاز هذه الطريقة بعدم حاجة المريض لفصل وإعادة شبك الأنبوب الموجود في البطن، كذلك عدم حاجة المريض إلى وضع وتفريغ السائل بنفسه، ولكن هذه الطريقة تتطلب وجود المريض في السرير خلال فترة الديلزة (¬1).
الجواب: غسيل الكلى البريتوني يتم فيه إدخال مواد سائلة إلى تجويف البطن عن طريق قسطرة تخترق الجلد ثم الدهون ثم الأنسجة والعضلات ثم الغشاء البريتوني بطبقتيه حتى تصل إلى السائل في تجويف البطن، وهذا السائل يحيط بأعضاء التجويف البطني، ويتم امتصاصه
¬
(¬1) غسيل الكلى وأثره على الصيام ص8.
وسحبه إلى الخارج، بدون دخول إلى الأمعاء أو المعدة، وبالتالي لم يتم الوصول إلى الجوف المعتبر، فلا يفطر الصائم، والله أعلم.
• • •
القاعدة (32)
مسام الجلد والأذن والعين والآمة والفرج والإحليل
ليست منفذاً معتبراً
* توضيح:
إن دخل المُفَطِّر من مخارق طبيعية في الجسم لكنّها غير معتبرة كمنفذ فلا يفسد الصوم؛ لأنه يشترط لحصول الفطر وصول المفطّر إلى الجوف المعتبر من منفذ معتبر، والمنافذ غير المعتبرة هي: مسام الجلد، والأذن، والعين، والآمة، والفرج، والإحليل، كما قرّره الأطباء.
قال شيخنا محمد رفيع العثماني (¬1): «(اعتبار الآمة عند أبي حنيفة وعامة المشايخ، وقُبل المرأة عند المشايخ، والأُذن عند جميع الحنفية، والإحليل عند أبي يوسف فيه إشكال من حيث الطب الحديث، فإنّه يُنكر نفوذها إلى الحلق أو المعدة أو الأمعاء؛ لأنَّ الدواء من الآمة إنّما يصل إلى الدّماغ لا إلى الحلق؛ لعدم المسلك بينهما، ولأنَّ الدّواء من قُبل
¬
(¬1) في ضابط المفطرات ص57 - 58.
المرأة إنّما يصل إلى الرّحم أو المثانة، لا إلى الجوف المعتبر، ولأنَّ الدواء أو الماء أو الدهن ونحوها لا يصل بالإقطار في الأذن إلى الحلق».
ويندرج تحته القواعد الآتية:
• • •
القاعدة (33)
المسام للجلد منفذ غير معتبر
* توضيح:
لا تُعَدُّ المسام من المنافذ المعتبرة، بحيث لو دخل مفطّر معتبر من خلالها لا يفطر الصائم به، فعن عائشة رضي الله عنها: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدركه الفجر في رمضان من غير حلم فيغتسل ويصوم) (¬1)، وعن أبي بكر بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعرج يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر) (¬2)، وبالتالي اعتبر الرّشح الحاصل من خلال المسام للداخل معفواً.
* تطبيق:
فلو ادهن أو احتجم لا يفسد صومه، ولو وجد طعم الدهن في
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 681، وصحيح مسلم 2: 780، وغيرهما.
(¬2) في سنن أبي داود 2: 307،والمستدرك 1: 598، وسنن البيهقي الكبير 4: 263، وشرح معاني الآثار 2: 66، وغيرها.
حلقه سواء كان مطيباً أو غير مطيب، ولا يكره له ذلك؛ لأن الأثر في حلقه دخل من المسام وهي غير معتبرة من المنافذ (¬1).
ولو اغتسل في ماء بارد فوجد برده في باطنه، فإنه لا يفسد صومه.
* فتاوى معاصرة:
[55] فتوى: المراهم الجلدية العلاجية:
السؤال: هل يفطر الصائم باستعمال المرهم على الحروق؛ حيث تزيد نسبة امتصاص المرهم عن الحد الطبيعي بسبب إصابة الجلد، كما هو الحال في حروق الدرجة الثانية والثالثة، وفي التقرحات غير السّطحية ونحوها؟
الجواب: لا يفطر الصائم باستخدام مرهم الحروق؛ لأن المسام ليست بمنفذ، قال الكاساني (¬2): «لو دهن رأسه أو أعضاءه فتشرّب فيه أنّه لا يضره؛ لأنّه وصل إليه الأثر لا العين»، والله أعلم.
[56] فتوى: لصقة النيتروجلسرين:
السؤال: ما حكم استعمال الصائم للصقة النيتروجلسرين، وتستخدم لعلاج الذبحة الصدرية، وهبوط القلب، وتوضع على جلد منطقة الصدر، حيث يمتص الجلد العلاج إلى الأوعية الدموية، ومنها
¬
(¬1) ينظر: تنوير الأبصار ورد المحتار 2: 98، وبدائع الصنائع 2: 106، وغيرها.
(¬2) في بدائع الصنائع 2: 93.
إلى القلب، حيث تصل إلى الشرايين التاجية، وتقوم بتوسعتها ومنع انقباضها؟
الجواب: لا يفطر الصائم بهذه اللصقة؛ لأن المسام ليست بمنفذ معتبر، والله أعلم.
[57] فتوى: لصقة النيكوتين:
السؤال: ما حكم استعمال الصائم للصقة النيكوتين، وتستعمل لمساعدة المدخنين على الإقلاع عن التدخين، وذلك عن طريق امتصاص الجلد مادة النيكوتين في الدم، حتى لا يشعر المدخن برغبة في التدخين؟
الجواب: لا يفطر الصائم بوضع لصقة النيكوتين؛ لعدم المنفذ المعتبر، والله أعلم.
[58] فتوى: لصقة الهرمونات:
السؤال: ما حكم استعمال الصائم لصقة الهرمونات، وتعطى للمرضى الذين يعانون من نقص في الهرمونات الضرورية؛ كهرمونات الذكورة، وغيرها؟
الجواب: لا يفطر الصائم بوضع لصقة الهرومات؛ لعدم المنفذ المعتبر، والله أعلم.
[59] فتوى: اللصقة المانعة للشعور بالعطش والجوع:
السؤال: ما حكم استعمال الصائم للصقة تمنع الشعور بالعطش أو الجوع، وتوضع على إحدى الكليتين أو كلاهما، وهي في الحقيقة لا