الجزء 1 · صفحة 1
الكافي
للإمام محمد بن محمد بن أحمد المروزي الحنفي، المشهور بالحاكم الشهيد
توفي سنة (344هـ)
حققه:
بولاط بيك عبدالله
جمالبيك رسقولبيك
سيد علي سلطانوف
عبد العزيز قلمورزا
عبد المجيد بيكبوتايف
عبد العظيم فايزولويف
خليل أبو غنيم
تاريخ الطبع: 1446هـ ــ 2025م.
الناشر: مركز أنوار العلماء التابع لرابطة علماء الحنفية العالمية.
[الترقيم موافق للمطبوع]
الجزء 1 · صفحة 7
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحْبه وسلِّم تسليمًا كثيرًا، آمين
الحَمْدُ لله ربّ العالمين، والعاقِبَةُ للمُتّقين، والصّلاةُ والسَّلامُ على سيّدنا محمّدٍ، وعلى آله الطَّيّبين.
قال أبو الفَضْلُ محمد بن أحمد الحاكم: قد أَوْدَعْتُ كتابي هذا معاني محمد بن الحسن في كُتُبِهِ المبسوطة! وما في الجوامع! المؤلّفة مع اختصار كلامِه، وحَذْفِ المكرّر من مسائله قاصدًا تَسْهيلَ سُبُلِ الرّاغبين في حِفْظه إليه، وتَخْفِيفَ المُؤْنَة عنهم في كتابَتِهِ، وقِراءتِهِ، وحَمْلِهِ في السَّفَرِ والحَضَرِ، واللهُ وليّ النَّفْع به، والعِصْمَةِ من الزَّلَلِ فيه
كتاب الصّلاة
قال محمد بن الحسن س: اذا أراد الرَّجلُ الصّلاةَ فليتوضّأْ.
والوُضوءُ أنْ يبدأ فيَغْسِلُ يَديه ثلاثاً، ويُمْضَمْضُ فاه ثلاثاً، ثمّ يَسْتَنْشِقُ ثلاثاً، ثمّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ ثلاثاً، ثمّ يَغْسِلُ ذراعيه ثلاثاً، ثمّ يَمْسَحُ برأْسِه وأُذُنَيْه مرَّةً واحدةً، ثمّ يَغْسِلُ رِجْلَيْه ثلاثاً ثلاثاً، وإن توضّأَ مَثْنى مثنى، أو واحدةً واحدةً سابِغَةً أَجْزَأَهُ.
وإذا أراد الرّجل الدُّخولَ في الصّلاة كبَّر، ورَفَعَ يَديه حِذاءَ أُذُنيه، ثمّ يقول: سبحانك الله وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدّك، ولا إله غيرُك.
ويتعوَّذُ بالله من الشّيطان الرّجيم في نَفْسه، ثمّ يَفْتَتِحُ القراءةَ، ويُخْفي بسم الله الرّحمن الرّحيم. وقال أبو يوسف س في الإملاء!: أحبّ إليّ أن يَزيدَ في الافتتاح} إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا مسلما وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِين {الأنعام:79} قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله {الأنعام:162 حتّى يَفْرُغَ من الآية، ثمّ يكون التّعوّذ بَعْده.
ولا يَرْفَعُ يديه في شيءٍ من التَّكْبيرات في الصّلاة سِوى تَكْبيرة الافتتاح.
الجزء 1 · صفحة 8
ولا يَتعوَّذُ إن كان خَلْف الإمام، ويُخْفي الإمامُ بسم الله الرّحمن الرّحيم، ثمّ يَقْرَأُ ويَجْهَرُ في موضع الجَهْر، ويُسرُّ في موضع الإسْرار، وإن كان وَحْدَهُ جَهَرَ في صلوات الجَهْر إن شاء. وأَسْمَعَ نَفْسَهُ، وإن شاء أسرّ، والجَهْرُ أَفْضلُ.
وكان ابن أبي ليلى س يقول: إن جهّرتَ ببسم الله الرّحمن الرّحيم فحَسَنُ، وإن أَخْفَيْتَ فحَسَنٌ.
والقِراءةُ في الرّكعتين الأُوْلَيَيْن، يقرأُ في كلّ رَكْعَةٍ بفاتحة الكتاب وسورةٍ، وفي الأُخْرَيَيْن بفاتحة الكتاب، وإن لم يقرأ في الأُخْرَيَيْن أَجْزَأَهُ.
وإذا أراد أن يَرْكَعَ كبَّر، ووضَع يديه على رُكْبَتَيْه وفرَّج بين أصابِعِه، وبسَط ظَهْرَهُ ولم يُنَكِّسْ رأْسَهُ ولم يَرْفَعْهُ، فإذا اطمأنّ راكعاً رفَع رأْسَهُ فقال: سمِع اللهُ لمن حَمِدَه، وقال من خَلْفَهُ: ربّنا لك الحمدُ، ولم يَقُلْها هو في قول أبي حنيفة س، ويقولهُا في قول أبي يوسف ومحمد ب.
ثمّ يَنْحطّ فيكبِّرُ ويَسْجُدُ، فإذا اطمأنّ ساجداً رفَع رأْسَهُ وكبّّر، فإذا اطمأنّ قاعداً سجَد الأُخْرى فكبَّر ويقول في رُكوعه: سبحان ربّي العظيم ثلاثًا، وفي سُجوده: سبحان ربّي الأَعْلى ثلاثاً، وذلك أَدْناه.
ويَضَعُ يديه في السّجود حذاء أُذْنَيْه، ويُوَجِّهُ أصابِعَهُ نحْوَ القِبْلة، ويَعْتَمِدُ على راحَتَيْه، ويُبْدِي ضَبْعَيْه، ويُجافِي بَطْنَهُ عن فَخْذَيْه، ولا يَفْتَرِشُ ذَراعيه، ويكبُِّر مع الانحطاط والارتفاع، ويَنْهَضُ على صُدور قَدَمَيْه حتّى يستتمّ قائمًا كما هو من السُّجود، ولا يَقْعُدُ.
ويَحْذِفُ التّكبير حَذْفاً، ويُوجّه أصابِعَ رِجْلَيْه في سُجُوده قِبلَ القِبْلة، ويَعْتَمِدُ بِيَمينِهِ على يَساره في قِيامه، وإذا قعَد في الثّانية أو الرّابعة افتَرَشَ رِجْلَهُ اليُسْرى فجعَلها بين ألْيَتَيْه وقعَد عليها، ونصَب اليُمْنى نَصْباً ووجّه أصابِعَ رِجْلَه اليُمْنى نحْوَ القِبْلة، ويكون مُنْتهى بَصَرِهِ في صلاته إلى مَوْضع سُجُوده.
ولا يَلْتَفِتُ، ولا يَعْبَثُ بشيءٍ من جَسَدِه أو ثِيابه.
ولا يُقَلِّبُ الحَصَى، ولا يُفَرْقِعُ أصابِعَهُ، ولا يضعُ يديه على خاصرتَيْه، ولا يُقْعِي إقعاءً، ولا يتربّع بغير عُذْرٍ،
وإن كان الحَصَى لا يُمكّنُهُ من السُّجود فلا بأس أن يُسوِّيَهُ مرّةً واحدةً، وتَرْكُهُ أحبُّ إليّ.
ويُكْرَهُ أن يمسح جَبْهَتَهُ من التّراب قبل أن يَفْرُغَ من صلاته، ولا يُكْرَهُ أن يمسح وَجْهَهُ من الغُبار بعد أن يَفْرُغَ من صلاته قبل أن يُسلّم.
الجزء 1 · صفحة 9
والتّشهُّدُ أن يقول: التّحيّاتُ لله والصّلواتُ والطَّيِّبَاتُ، السّلامُ عليك أيّها النبيُّ ورحمةُ الله وبركاتُهُ، السّلامُ عليْنا وعلى عباد الله الصّالحين، أَشْهَدُ أن لا إله إلا الله، وأشهَدُ أنّ محمداً عَبْدُهُ ورسولُه!، لا يزيدُ على هذا في الرّكعة الثّانية، وأمّا في الرّكعة الرّابعة فيَدْعُو بعده، ويسأل حاجَتَهُ.
فإذا فرَغ من صلاته قال عن يمينه: السّلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره مثل ذلك، وينوي بالتّسليم الأوّل مَن عن يَمينه من الحَفَظَةِ، والرّجالِ، والنّساءِ، وبالثّانية مَن عن يساره منهم، فإن كان الإمام في الجانب الأيمن نواه فيهم، وإن كان في الجانب الأَيْسر نواهُ فيهم.
ويكره في الصّلاة تغطية الفَمِ، وأن يصلّي وهو مُعْتجرٌ، أو عاقصُ شَعْرِهِ.
ويضع رُكْبْتَيه على الأَرْض قبْل يديه اذا انحطّ للسّجود، فإذا ارتفَعَ رفَع يديه قبل رُكْبَتَيْه، ويُخْفِي الإمامُ التّشهُّدَ، والتّعوّذَ، والبَسْملةَ، وآمينَ، واللّهمّ ربّنا لك الحمد، ويقول الإمامُ عند فراغِه من فاتحة الكتاب: آمينَ، ويقولها: القومُ أيضًا ويخفونها.
وما يُسْمَعُ من النّفخ فهو قَطْعٌ للصّلاة عند أبي حنيفة ومحمد ب، وليس بقَطْعٍ لها في قول أبي يوسف س الأوّل إلّا أن يُريد بذلك التّأْفيفَ، ثم رجَع فقال: صلاتُهُ تامّةٌ وإن أرادا به التّأْفيفَ، وأمّا إذا كان نَفْخاً لا يُسْمَعُ فصلاتُهُ تامّةٌ وقد أساءَ.
ولا بأْسَ بأن يصلّي الرَّجلُ في ثوبٍ واحدٍ متوشّحاً به ويُؤمّ كذلك.
ويُكْرَهُ للمصلّي أن يكفّ ثيابَهُ أو يَرْفَعَها، أو يرفعَ شَعْرَهُ، ويسجد على أَنْفه وجَبْهَتِه، فإن سجَد على أحدهما دون الآخر أَجْزَأَهُ في قول أبي حنيفة س وهو مسيءٌ، ولم يجزه عند أبي يوسف ومحمد ب إن لم يَسْجُد على جَبْهَتِهِ، (وروى أسدُ بن عمرو: عن أبي حنيفة س قال: لا يُجْزِئُهُ السّجودُ على الأَنْف وَحْدَهُ).
وإذا انتهى الرّجلُ إلى الإمام وقد سبَقه بركعتين وهو قاعدٌ، قال: يكبّرُ تكبيرةً يَفْتَتِحُ بها الصّلاة، ثمّ يكبِّر أُخْرى فيَقْعُدُ بها، ويجوز افتتاحُ الصّلاة بالتَّهْليل والتَّسْبيح في قول أبي حنيفة ومحمد ب، ولا يجوز في قول أبي يوسف س إن كان يَعْرِفُ أنّ الصّلاة تَفْتَتِحُ بالتّكْبير وكان يُحْسِنُهُ، ويجوز افتتاحُها بالفارسيّة عند أبي حنيفة س وكذلك القراءةُ بالفارسيّة والدّعاء، ولا يجوز عند أبي يوسف ومحمد ب إلّا أن يكون لا يُحْسِنَ العربيّة.
وإذا افتتح الصّلاة قبل الإمام، ثمّ كبّر الإمامُ فصلّى الرّجلُ بصلاته لم يجز إلّا أن يُجدِّدَ التَّكْبيرَ بعد تكبير الإمام بنيّة الدّخول في صلاته، وإذا سلّم الإمام من الظُهْر، أو المَغْرب، أو العِشاء فكرهتُ له
الجزء 1 · صفحة 10
المُكْثَ قاعداً، ولم أُكْرهْه في الفَجْر والعَصْر، ولا يتطوّعُ في مكانه الّذي صلّى فيه عَقِبَ الصّلاة الّتي يُتطوّعُ عقيبُها.
ولا يستقبل القَوْمَ بوَجْهه إذا كان بحذائه من يُصلّي شيئاً بقي عليه من صلاته، وإذا كان الإمامُ مع القوم في المسجد فإني أحبّ لهم أن يقوموا في الصفّ إذا قال المؤذّن: حيّ على الفلاح، فإذا قال: قد قامت الصّلاة كبّر الإمامُ والقومُ في قول أبي حنيفة ومحمد ب، وإن أخّر التّكبيرَ حتّى يفرغ من الإقامة فلا بأس به، وقال أبو يوسف س: لا ينبغي أن يكبّر حتى يَفْرُغَ المؤذّن من الإقامة، وإن لم يكن الإمام معهم في المسجد كرهتُ لهم أن يقوموا في الصفّ والإمامُ عنهم غائبٌ.
ويغطّي فاه إذا تثاوَبَ في الصّلاة، وأكره أن يكون الإمامُ على الدُّكّان والقومُ على الأرض، أو الإمامُ على الأرض والقومُ على الدّكّان.
ويجوز إمامة العبد، والأعرابي، والأعمى، وولد الزّنا، والفاسق، وغيرِهم أحبّ إليّ.
ويؤمّ القومَ أقرؤُهم لكتاب الله أ، وأعلمُهم بالسّنّة، وأفضلُهم وَرْعاً، فإن كانوا سواءً فأكبرُهم سِنّاً.
ويُكْرَهُ للرّجل أن يؤمّ الرّجل في بيته إلّا أن يأْذن له، وإذا كان الإمامُ مع الرّجلين نتقدّم الإمامُ فصلّى بهما، فإن لم يتقدّم وصلّى بهما فصلاته تامّةٌ، وإن كان القومُ كثيراً فقام الإمامُ وَسَطَهُمْ، أو في مَيْمنة الصّفّ، أو في مَيْسَرَتِه فقد أساء، وصلاتُهم تامّةٌ، وإن كان معه رجلٌ واحدٌ وقَف عن يمين الإمام، وإن صلّى خلْفه جازت صلاته، وكذلك إن وقَف عن يسار الإمام فهو مسيءٌ.
باب الوضوء والغسل
الجزء 1 · صفحة 11
ويبدأ في غسل الجنابة بيديه فيغسلهما، ثم يغسل فَرْجَهُ، ويتوضأُ وضوءَهُ للصّلاة غَيْرَ رِجْليه، ثم يُفيضُ الماءَ على رأْسه، وسائرِ جَسَدِهِ، ثم يَتنحَّى فيَغْسِلُ قَدَمَيْه.
وأَدْنَى ما يَكْفي في غسْل الجنابة من الماء صاعٌ، وفي الوُضوء مُدٌّ من ماءٍ، وكذلك غُسل المرأة من الحيض، فإن لم تَنْقُض رأسها إلّا أن يكون الماء يبلغ أصول الشعر أجزأها.
جُنُبٌ اغتسل فإن انتضح من غُسله شيءٌ في إنائه لم يفسد عليه الماء، وإن كان ذلك الماء يَسيلُ في إنائه لم يجز الاغتسال بذلك الماء.
ولا يجوز التّوضّؤ بماءٍ مُسْتَعْمَلٍ في وُضوءٍ أو غَسْل شيءٍ من البدن، ويجوز التّوضّؤُ بالماءِ المُسْتعمَلِ في غيْر البَدَنِ من الطّواهر.
ولا بأس بسؤر الحائض، والجُنُبِ، والمُشْرِك، وسؤْرِ كلّ ما يُؤْكل لَحْمُهُ من الدَّوابّ والطّيور ما خلا الدّجاجة المخلاّة فإنّ سؤْرها مكروهٌ، وإن توضأ به جاز إذا لم يكن في منقارها قَذَرٌ.
ولُعابُ ما يُؤْكَلُ لَحْمُهُ من الدّواب لا يفسد الماء، ولا الثّوب، ولا بأس بالصّلاة فيه وعليه ذلك الثّوبُ، وكذلك عَرَقُها لا بأْس به.
ولا يصلح التّطهّر بسؤْر ما لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ من الدّواب والسّباع، ولعابُه يفسد الماءَ، وإن صلّى بذلك الماء أعاد صلاته، ولا بأْس بسؤر الفَرَس والبِرْذَوْن.
وإن أصاب لعابُ دابّةٍ لا يُؤْكَلُ لَحْمُها، وعرقُها ثوبًا، فصلّى فيه أجزْتُهُ صلاتَهُ وإن فَحُشَ، قال: وفي الإملا! عن أبي حنيفة س في لعاب الحِمار والبغل أنّه قال ما لم يَفْحُش.
ويكره سؤْرُ السِّنَّور، والحيّة، والفأْرة، وسِباع الطَّيْر، وإن توضأ به أجزأه، وقال أبو يوسف س: في الإملا! أُرخّص في سؤر السِّنَّور خاصّةً للأَثَر.
وإن مات في الإناء ذُبابٌ، أو زُنْبُورٌ، أو عَقْرَبٌ، أو خُنْفُساءُ، أو ما أشبه ذلك مما ليست لها دمٌ سائلٌ لم تفسده، وإن وقَع فيه خَمْرٌ، أو دَمٌ، أو عَذِرَةٌ، أو بَولٌ أَفْسَدَهُ، وإن بَزَقَ فيه، أو امتخَطَ لم يفسده.
وإن أدخل فيه الجنبُ أو الحائضُ يَدَهُ قَبْل أن يغسلها وليس عليها قَذَرٌ لم يفسده، وقال أبو يوسف س: في الإملاء! اذا غمَس الجنبُ يَدَهُ، أو رِجْلَهُ في البئر لم يفسده وقد أساءَ، وهذا استحسانٌ في العضو ونحوه، وكان ينبغي في القياس أن يفسده الإصْبع.
قال: وإن أَدْخل فيه بعضَ جسده أَفْسَدَهُ وإن لم يكن فيه قَذَرٌ، وفي الأَصْل!: إذا اغتسل الطّاهر في بِئْرٍ أَفْسَدَهُ، وإن انغمس فيه يَطْلُبُ دَلْواً وليس على بَدَنِهِ نجاسةٌ ولم يَتَدَلّك فيه لم يفسده،
الجزء 1 · صفحة 12
وإن انغمس فيه جُنُبٌ يطلب دلوًا لم يفسده، ولم يجزه من الغُسْل في قول أبي يوسف س، وقال محمد س: لا يفسد الماء ويجزيه من الغُسل!، وقال أبو يوسف س: في الاملاء! يفسد الجُنُبُ البِئْرَ إن اغتسل فيه أو لم يغتسل وإن كان انغمَسَ لإخراج الدَّلْو، ولا يشبه الطّاهر.
وإن وقع بولُ ما يُؤْكل لحمُهُ في البئر أَفْسَدَهُ في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ب، ولا يُفْسِدُه في قول محمد س ويتوضأ به ما لم يَغْلِب على الماء.
ولا بأس بشرب بول ما يُؤْكل لَحْمُهُ في قول أبي يوسف ومحمد ب، وكَرِهَهُ أبو حنيفة س.
وإن أصاب ثوباً فصلّى فيه أجزأه ما لم يكن كثيراً فاحشاً في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ب، وقال محمد س: يجزيه وإن كان كثيراً فاحشاً، والكثيرُ الفاحشُ في الثّوب هو الرُّبُعُ فصاعداً، وقال أبو يوسف س في الإملاء!: شِبْرٌ في شِبْرٍ.
والمستحبّ للرّجل أن يقول: بسم الله حين يَبْتَدِئُ في الوُضوء وإن لم يقل أَجْزأَهُ، وإن بدأ في وُضوئه بذِراعيه قَبْلَ وَجْهِهِ، أو برِجْلَيْه قَبْلَ رأْسه أَجْزأَهُ.
وأَفْضَلُ له أن يبدأ بيديه، ثمّ بوجهه، ثمّ بذراعيه، ثمّ برأْسه، ثمّ برجليه، وكذلك إن غَسَلَ بَعْضَهُ وترَك بَعْضَهُ حتّى جفّ ما قد غُسل أجزأه.
ولا يفسد خُرْءُ الحمام والعصفور وبولُ الخفافيش الماءَ، ويفسده خرءُ الدّجاج، وموتُ الضفدعِ والسّمكِ والسّرطانِ في الماء لا يفسدُهُ.
وإذا ماتت الفأْرة في البئْر فاسْتُخْرجت حين ماتتْ نُزح من البئْر عِشْرون دلواً، وإن ماتت في جُبٍّ أهريق كلّه، فإن كان الذّي مات في البئر سنّورٌ أو دجاجةٌ اسْتُخْرجت عنها، ونُزح أربعون دَلْواً بعد إخراجها، وإن كان شاةٌ نُزح ماءُ البِئْر كلِّهِ.
وكذلك إن كان انتفَخَ شيءٌ مما تقدّم ذِكْرُهُ أو تفسّخ نُزح الماء كلُّهُ حتّى يَغْلِبَهُم، وكذلك لو وَقَعَ في البِئْر بولٌ، أو عَذِرَةٌ.
وقال محمد س في النّوادر!: إن نزح ثلاث مئة دَلْوٍ، أو مائتي دَلْوٍ ولم ينزف فقد غلَبهم الماء، وقال أبو يوسف س: يُنْزَحُ منها قَدْرُ ما كان فيها من الماء.
وإذا وُجدت فأْرةٌ ميتةٌ في البِئْر غير مُنْتَفَخَةٍ وقد كان توضّأَ منها رجلٌ وصلّى يوماً قال: يُعيد الوضوءَ والصّلوات، وإن كانت منتفخةً وإنّما كان وُضوءه من تلك البئر أيّاماً ولا يعلم متى وَقَعَتْ
الجزء 1 · صفحة 13
فيها أعاد صلاتَه ثلاثةَ أيّامٍ استحسانًا واحتياطاً في قول أبي حنيفة س، وفي قول أبي يوسف ومحمد ب ليس عليه أن يُعيدَ شيئاً من صلاته ما لم يَعْلَمْ أنّه توضّأَ منها وهي فيها.
وإن اطّلع على نجاسة البِئْر أَكْثَرَ من قدر الدّرهم في ثوبه الّذي صلّى فيه ولا يدري متى أصابَهُ لم يُعِد شيئًا في قولهم جميعا.
وقال إذا صلّى الرّجلُ وفي ثوْبه من الرَّوْث والسِّرقين، أو بول ما لا يؤكل لَحْمُهُ من الدّواب، أو خُرْء الدّجاج أكَثْر من قدْر الدّرهم لم تجزه صلاته في قول أبي حنيفة س، وقال أبو يوسف ومحمد ب: تجزيه في الرَّوْث والسِّرقين ما لم يكن كثيراً فاحشاً.
وأَدْنَى ما ينبغي أن يكون بين بئر الماء وبين بئْر البَوْل خمسةُ أَذْرُعٍ، وفي رواية أبي حفص:: سبْعة أَذْرُعٍ، ورواية النّوادر! والأمالي! خمسةٌ، فإن وُجد في الماء ريحُ البَوْل أو طَعْمُهُ فلا خَيْرَ فيه، وإن كان بينهما ضِعْف ذلك، وإن لم يوجد شيءٌ من ذلك فيه فلا بأْس به وإن كان بينهما أقلّ من ذلك.
ولا بأس بأن يغتسل الرّجلُ والمرأةُ من إناءٍ واحدٍ، وإذا نَسي الجُنُبُ المَضْمَضَةَ والاستنشاقَ أو بَقِيَ من بَدَِنِهِ موضعٌ أقلّ من قدْر الدرهم لم يُِصِبْه الماء فإنّه يَغْسِلُ ما بَقِيَ منه، ويُعيدُ صلاتَهُ إن كان صلّى، ومثله لوكان محدثًا فنَسِيَ المضمضةَ والاستنشاقَ في وُضوءه ذلك أجزأته صلاتُه.
وإن ضَحِكَ فيها أعاد الوُضوءَ والصَّلاةَ، ولو كان نَسِيَ مسْحَ الرّأْس في الوُضوء فضَحِكَ لم يَلْزَمْه تجديدُ الوُضوء ولم تجزه صلاتُهُ إن لم يقهقه، فإن مسَح رأْسَه بماءٍ أَخَذَهُ من لِحْيَتِهِ لم يجزه، وإن مسَح بماءٍ بَقِيَ في كفّه أجزأه كأنّه أَخَذَ من الإناء، وهذا إذا لم يكن استعمله في شيءٍ من أعضائه.
ولا يجزي مسْحُ الرّأس بإصْبعٍ أو إصْبعين، ويجزيه بثلاثة أَصابِعَ، وقال محمد س في نوادر! إبراهيم بن رستم:: إذا مسَح خفّه بإصبعٍ واحدٍ أَمَرَّها على خفِّه لا يجزيه حتّى يعيدها ثلاثَ مرّاتٍ في الماء؛ لأنّه في المرّة الأُوْلى حين أزالها عن موضعها فذلك ماء قد توضأ به، قال ولو وضَع ثلاث أصابع، ثمّ رفَعها من غير أن يَمُرَّها أجزأَهُ.
وإذا كان شعْرُه طويلاً فمسَح ما تحت أُذُنَيْه منه لم يجزه، وإن مسَح ما فوقها أجزأه، وأحبُّ إليَّ أن يمسح ما أَقْبل من أُذنيه وما أَدْبر مع الرّأس؛ لأنّهما من الرأْس، فإن مسَح رأْسه دون أُذُنيه أجزأه، وإن مسَح أُذُنَيْه دون رأْسه لم يجزه، ومن توضّأَ ثمّ جزّ شَعْرَهُ، أو قلم أَظْفارَهُ أو نَتَفَ إبْطَهُ، أو أَخَذَ من شاربه لم يكن عليه إمساسُ الماء شيئاً من ذلك ولا تجديد الوضوء، وكذلك إن مسّ ذَكَرَهُ، وكذلك إن نظَر إلى فَرْج امرأةٍ ما لم يخرج منه شيءٌ.
الجزء 1 · صفحة 14
وفي المنيّ الغُسلُ، وفي المذِيّ والوديّ الوُضوءُ، والمنيُّ: خاثرٌ أبيض يَنْكسرُ منه الذَّكَرُ، والمَذيُّ: رقيقٌ إلى البياض، والوَديُّ: رقيقٌ يجيء بعد البَوْل، ولا يجب الوضوءُ بالقُبْلة والمُلامسة للشَّهْوة، إلّا أن يُباشرَها وليس بينهما ثوبٌ فيَنْتَشِرُ لها فيجبُ عليهما الوضوءُ في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ب، ولا يجب في قول محمد س.
وإذا جامع الرّجلُ امرأتَهُ فالتَقَى الختانان وتوارَتْ الحَشَفَةُ وجَب الغُسل أَنْزَلَ أو لم ينزل، ولا يجب الغُسل بالجمِاع فيما دون الفَرْج ما لم ينزل المنيُّ.
ومن احتلم ولم ينزل المنيّ ولم يرَ شيئاً فلا غُسْل عليه، فإن علِم أنّه لم يحتلم ولكنّه استيقظ فوجَد على فراشه أو فَخْذه مَنيًّا وقد رأى رؤْيًا أو لم يرَ، قال: هذا عليه الغُسل آخذُ فيه بالثِّقَة، وإن رأى وَديًّا فهذا بولٌ فلا غُسْل عليه وهذا قول أبي حنيفة ومحمد ب، وقال أبو يوسف س: لا غُسْل عليه في الأوّل أيضًا حتّى يستيقن أنّه احتلم، والمرأةُ كالرّجل في الاحتلام.
وإذا أجنبت المرأةُ ثمّ أَدْرَكَها الحَيْضُ فإن شاءت اغتسلت وإن شاءت أخّرت حتّى تَطْهُر، وإذا عَرَقَ الجنبُ أو الحائضُ في الثّوب لم يَضرَّهُ، وإذا وقعَتِ الجِيفَةُ أو غيرُها من النّجاسات في حوضٍ صغيرٍ يخْلُصُ بعضُه إلى بعضٍ لم يستعمل، وإن كان كبيراً لا يَخْلُصُ بعضُه إلى بعضٍ فلا بأْس بأن يتوضّأ من ناحيةٍ أُخْرَى.
قال الحاكم:: وذكر ابن المبارك عن أبي حنيفة ب: في الماء يصيبه الدّمَ في جانبٍ منه ولم يصب الجانب الآخر توضأ منه، قال أبو عصمة:: كان محمد بن الحسن س: يوقِّتُ في ذلك عشرة في عشرةٍ ثمّ رجَع في ذلك إلى قول أبي حنيفة س وقال: لا أُوقّتُ فيه شيئاً، وفي إملاء! أبي يوسف س قال أبو حنيفة س: في حوضٍ أو مصبغة إذا حُرّكت ناحيةٌ منه لم تضطرب النّاحيةُ الأخرى فهذا مثل الماء الجاري لا ينجسه بولٌ يقع فيه، أو دمٌ، أو جِيفةٌ إلّا ذلك الموضع.
وسُئل عبد الله بن المبارك س عن الماء متى يجوز فيه الوضوءُ؟ فقال: إذا كان مثل دكّاني هذا لا ينجسه شيءٌ، قال: فقدَّرُوه فوَجَدُوه عشرةً في عشرةٍ أو نحو ذلك، قال أبو عصمة:: فهذا حسنٌ عندنا وبه نأخذ.
قال: ويتوضأ الرجل من الحوض الّذي يخاف أن يكون قذرٌ أو لا يستيقنه قبل أن يسأل عنه، وليس عليه أن يسأل عنه، ولا يدع التوضُّؤَ منه حتّى يستيقن أنّه قذرٌ، وكذلك إن كان قد أَنْتَنَ من غير أن يكون فيه جِيفةٌ.
الجزء 1 · صفحة 15
ويجزي الجُنُبَ غسْلَ كلّ شيءٍ مرّةً إذا أَنْقى الفَرْجَ، وإذا نسي المتوضئ مسح رأْسه، ثم أصابه من ماء المطر مقدارُ ثلاثة أصابع فمسَحه بيده، أو لم يمسحه أجزأه من المَسْح، وكذلك الجُنُبُ إن وقَف في المطر حتّى يغسله، ويجزي الوضوءُ والغُسْل من الجنابة بغير نيّةٍ.
ولا بأْس بالتّمسّح بالمِنديل بعد الوُضوء والغُسل، ولا بأس للجُنُب أن ينام أو يعاوِد أَهْله ولم يتوضأ فإن أراد أن يأكل فأحبّ أن يَغْسل يديه ويتمضمض ثمّ أَكَلَ وإن ترك ذلك لم يضرَّهُ.
وإذا كانت الجبائر في موضعٍ من مواضع الوضوء مسَح عليها، فإن خاف الضرَر من المسح لم يمسح، والمسح عليه كغسله، فإن لم يخف وترَك المسْحَ لم يجز به في قول أبي يوسف ومحمد ب، وجاز في قول أبي حنيفةس.
وإن كانت الجراحة في جانب رأسه لم يجزه إلّا أن يمسح من بقيّة رأْسه مقدار المسح، فإن مسح على جبائر يديه ودخل في الصّلاة ثمّ سقطت الجبائر عنه مضى في صلاته.
قال أبو الفضل:: وهذا إذا كان سقوطُها من غير بُرْءٍ، ولا يشبه هذا المسح على الخفّين.
وإذا قلس الرّجل أقلَّ من مِلْءِ فِيه فلا وضوء عليه، وإن قلَس بمِلْء فيه مِرَّةً أو طعامًا أو ماءً فعليه الوضوءُ، وإن قلَس بلغماً أو بزاقاً لم يلزمه الوضوء في قول أبي حنيفة ومحمد ب إلّا أن يكون معه ماءٌ أو طعامٌ، وقال أبو يوسف س: البَلْغم مثل المِرّة.
وإن خرَج من قُرْحةٍ دمٌ أو صديدٌ أو قَيْحٌ فسال عن رأْس الجُرْح نَقَضَ وضوءَهُ وإن لم يسل لم ينقض الوضوءُ، وإن بزَق فخرَج من فيه دمٌ فإن كان الدَّمُ هو الغالبُ نقَض الوضوء، وإن كان البزاقُ هو الغالبُ فلا وضوء عليه، وإن كان سواءً فأحبّ إليّ أن يعيد الوضوء أخذاً بالثِّقَةِ.
والقَهْقهةُ في الصّلاة تنقض الوضوء، والتّبسّمُ لا ينقض، ولا ينقض النَّوْمُ الوضوءَ قائماً وراكعاً وساجداً وقاعداً، وينقضه مضطجعاً ومتكئاً على إحدى أليتيه، وقال أبو يوسف س في الإملاء!: لا وضوءَ عليه في النّوم في السّجود إذا غلَبَه، وإن تعمّد ذلك أفسَدَ صلاتَه ووضوئَهُ، قال: وكان أبو حنيفة س يقول: جملة صلاته تامّةٌ ولا أحفظ أنّي سألته عن العَمْد أو الغَلَبَةِ، وأمّا في القيام والقعود والرّكوع فسواءً تعمّد النّوم أو غلَبه في قولهم جميعاً.
وإذا مسَح الدّمَ عن الجراحة قبل أن يَسيل فإن كان لو ترَك ما مسَح منه سال أعاد الوُضوء، ولا ينقض الوضوءَ الكلامُ الفاحشُ ولا شيءٌُ مما مسَّتْه النارُ أو لم تمسّه النّارُ من الأَطْعمة وغيرها.
الجزء 1 · صفحة 16
ويخلِّلُ لِحْيَتَه وأصابِعَه في الوُضوء، فإن لم يُخلّل لحيتَهُ أجزأه، وإذا حتّ النّجاسة عن الثّوب لم يجزه إلّا في المنيّ اليابس، ولا يجزيه في الخفّ في الرَّطْب ويجزيه في اليابس إلّا في البَول وشِبْهِهِ في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ب، وقال محمد س: لا يجزيه في الخفّ أيضاً إلّا في المنيّ.
ولا يجب عليه في تغميض الميّت وحَمْلِهِ وغَسْلِهِ وضوءٌ ولا غُسل عليه، إلّا أن يصيبَ يده أو جسَده شيءٌ فيغسلُهُ، والحجامةُ تُوجب الوضوءَ، وغسلَ موضع الحِجامة، فإن ترَك ذلك الموضع وهو أكثر من قدْر الدّرهم لم يجزه الصّلاة عليه، وإذا خرج من ذَكَرِه بولٌ لم يسل أو من دُبره نُدُوَّةٌ أو دابّةٌ أو ريحٌ انتقض وضوؤُه، وإن رعُف قليلاً لم يسل لم ينقض وضوؤُهُ.
وقال محمد س في النّوادر! إذا نزل الدّمُ إلى قَصَبَةِ الأَنْف انتقض وضوءَه، وإذا وقع البولُ في قَصَبَةِ الذَّكَر لم ينتقض وضوؤُه، وقال أيضاً: في مَن قاءَ دماً قال: لا وضوء عليه حتّى يملأ الفمَ؛ لأن الجُرْحَ إذا كان في الجوف فليس يخرج وإنّما هذا قيءٌ وليس بدَمٍ.
ويتوضأ صاحب الجرح السّائل لوقت كلّ صلاةٍ ويصلّي بذلك الوضوء ما شاء من الفروض والنّوافل مادام في الوقت، وإن سال الدّمُ ونفذ الرِّباطَ إلّا أنّه يغسل ما أصاب ثوبَهُ من ذلك، فإن لم يغسلْه وصلّى عليه وهو أكثر من قدر الدّرهم لم يجزه، وإن سال الدّمُ من موضعٍ آخر أعاد الوضوء.
ومن خاض ماءَ المَطَر إلى المسجد، أو داس الطِّينَ لم ينقض ذلك وضوءه، ويمسح عن قدميه ويصلّي، وقال أبو يوسف س في الإملاء! أكره أن يمسح ذلك بحائط المسجد من داخل أو بإسطوانة من أساطينه، ومن سال عليه من موضعٍ شيءٌ لا يدري ما هو فغسْله أحسن وتركه جائزٌ، فإن كان أكثر ظنّه أنّه قذرٌ غسَله.
وإن انتضح عليه من البول مثل رؤوس الإبر لم يلزمه غسله، ومن شكّ في نقض وضوئه وهو أوّل ما شكّ غسل الموضع الذّي شكّ، وإن كان يعرض له هذا كثيراً لم يلتفت إلى ذلك، ومن شك في الحدث فهو على وضوئه، ومن كان محدثاً فشكّ في الوضوء فهو على حدثه.
ومن توضّأ ثمّ رأى البلل سائلاً من ذَكَره أعاد الوضوء، فإن كان الشّيطان يريه ذلك كثيراً ولا يعلم أنّه بولٌ أو ماءٌ مضى على صلاته، وأرى له أن ينضح فرجه بالماء إذا توضأ في مثل هذه الحالة، وليس دم البقّ والبراغيث والسّمك بشيءٍ، وأمّا دم الحَلَم فإن كان أكثر من قدر الدرهم أعاد ما صلّى عليه، وإذا أدخل الصبيّ يده في كوز وليس على يده قذر فأحبّ إلي أن يتوضأ بغيره.
الجزء 1 · صفحة 17
وإذا أراد أن يتوضأ بماء فأخبره بعض أهله أنه قذرٌ لم يتوضأ به، ولا بأس بأن يتوضأ من جبّ يوضع كوزه في نواحي الدّار ما لم يعلم فيه قذرٌ، وإذا وقع بَعر البقر والغنم والإبل في البئر لم يضره ما لم يكن كثيراً فاحشاً فإن كان كثيراً فاحشاً كان عليهم أن ينزفوا ماء البئر.
قال أبو حنيفة س في الإملاء!: إن كان رطباً فقليله وكثيره يفسد الماء، وأمّا السرقين فقليله وكثيره يفسد الماء رطباً كان أو يابساً، وقال أبو يوسف س: إن كان بشيءٍ يسيرٍ أي من اليابس لم يفسده أستحسن ذلك ولا أحفظ عن أبي حنيفة س.
ولا يتوضأ أحدٌ بشيءٍ من الأشربة سوى الماء إلّا نبيذ التَّمْر عند عدم الماء، وإن تيمَّم مع ذلك أحبّ إليّ وهذا قول أبي حنيفة س، وقد قال في الجامع! يتوضأ به ولا يتيمم، وقال أبو يوسف س: يتيمم ولا يتوضأ به، وقال محمد س: يتيمّم ويتوضّأُ بعد ذلك، وروى نوح: في الجامع! عن أبي حنيفة س أنّه رجَع عن هذا القول وقال يتيمّم ولا يتوضّأ به؛ لأنّ النّبيّ ع توضأَ بمكَة، وآيةُ التّيمّم نزلت بالمدينة.
والإغماءُ ينقض الطّهارة في الأحوال كلّها، ويقطع الصّلاة ويمنع القوم من البناء عليها، ومن الائتمام بإمام آخر فيها، وكذلك موت الإمام، وليس الغُسل بواجبٍ يومَ الجُمُعة، ويوم عرفة، وفي العيدين، وعند الإحرام، ولكنّه حسنٌ.
باب البئر وما ينجسها
وإذا ماتت الفأرة في البئر فنزف منها عشرون دلواً وهي فيها لم تطهر، فإن أخرجت الفأرة ثم نزف منها عشرون دلواً وهو يقطر في البئر لم يضره ذلك، فإن صبّ الدلو الأخير فيها أو في بئر طاهرة فعليهم أن ينزفوا دلواً مثله، وإنما تطهر البئر الثانية كما كان يطهر الأولى حين كان هذا الدلو فيها، وإن صبّ الدلو الأوّل منها في بئر طاهرة كان عليهم أن ينزفوا منها عشرين دلواً، وإن صبّ الدلو الثاني فيها كان عليهم أن ينزفوا منها تسعة عشر دلواً، وإن صبّوا الدلو العاشر فعليهم أن ينزفوا منها عشر دلاءٍ، قال الحاكم:: هكذا الجواب في رواية أبي سليمان: وليس بسديد وصوابه أن ينزح أحد عشر دلواً، وهكذا الجواب في رواية أبي حفص:.
وإن أخرجت الفأرة فألقيت في هذا البئر الطاهرة وصب فيها أيضاً عشرون دلواً من ماء الأول فعليهم إخراج الفأرة ونزح عشرين دلواً مثل ما كان في الأوّل، وإذا أخرجت الفأرة من البئر وجاؤوا بدلوٍ عظيم يسع عشرين دلواً بدلوهم فاستقوا به دلواً واحداً أجزأهم وقد طهرت البئر.
الجزء 1 · صفحة 18
فإن توضأ رجل من هذه البئر ثم صبّ فيها ذلك الدلو لم يفسد وضوء ذلك الرجل إلّا أن يكون الدلو بعد في البئر لم ينح عنها ولا يجزي حينئذٍ من توضأ منها، لأنه يقطر فيها فإذا نحّي عنها فقد طهرت وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ب، وقال محمد س: يجزيه.
ثوب نجس غسل في اجّانة بماءٍ نظيف وعصر ثم غسل في أخرى وعصر ثم غسل في ثالثة وعصر، قال: قد طهر الثوب والمياه كلها نجسة، فإن غسل في أربعة كان هذا الماء الرابع طاهرًا ولا بأس بالوضوء منه، وإن توضأ رجل متوضئ في أواني أكثر من ثلاث لم يجز لأحد أن يتوضأ بشيء من ذلك، وإن اغتسل الجنب في ثلاث أبار أو أكثر منها فقد أفسدها كلها، ولا يجزيه غسله في قول أبي يوسف س، وقال محمد س: يخرج من البئر الثالثة طاهرا ولا يستعمل المياه.
فأرة وقعت في بئر فماتت فيها، وفأرة أخرى وقعت في بئر أخرى فماتت فيها فاستقي من أحدهما عشرون دلواً وصبّ في الأخرى أجزأهم نزف عشرين دلواً من هذه البئر، فإن مانت فأرة في بئر ثالثة فنزف من البئرين الأوليين أربعين دلواً وصبّ في هذه الثالثة قال: ينزف منها أربعون دلواً، إنما أنظر إلى ما وجب عليها وما صبّ فيها فينزف الأكثر منها، وإن كانوا صبّوا فيها من إحدى البئرين عشرين دلواً ومن البئر الثالث دلوًا ودلوين فعليهم أن ينزفوا من هذه الثالثة عشرين دلوا وتلك الزّيّادة التي صبّوها فيها من الثالثة.
فأرة ماتت في سمن جامد قال: يرمى بها وبما حولها ويؤكل السمن، وإن ماتت في سمن ذائب لم يؤكل ويستصبح به ويدبغ به الجلد ثم يغسل الجلد بالماء، ويجوز بيع هذا السمن إن بيع، وللمشتري الخيار في رده بعيب النجاسة إذا علم به.
فأرة ماتت في جبّ فيه خل أو ماء فأدخل يده فيه ثم أخرجها ثم أدخلها قبل أن يغسلها في عشر خوابي خل أو ماء فقد أفسدهن كلهنّ، قال الحاكم:: وذهب بعض مشايخنا إلى أن هذا الجواب في الماء على مذهب أبي يوسف س فإن صبّ منها خابية في بئر ماء فعليهم أن ينزفوا منها الأكثر من عشرين ومن مقدار الخابية.
ولا بأس بلبس ثياب أهل الذمة والصلاة فيها ما لم يعلم أن فيها قذر، وأمّا الإزار والسراويل فإنه يكره الصلاة فيها قبل الغسل وإن صلى فيها أجزأه؛ لأن عامة من ينسج الثياب أهل الذمة.
باب المسح على الخفين
ويمسح المقيم كمال يوم وليلة من وقت الحدث إذا لبس خفّيه على طهارة تامة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهنّ من كل حدث ما لم يلزمه الغُسل، فإن غسل رجليه فقط ولبس خفيه ثم أحدث لم يجز له
الجزء 1 · صفحة 19
أن يمسح عليها إلّا أن يكون أكمل وضوءه قبل الحدث، ومسح الخف مرة واحدة يبدأ من قبل الأصابع حتى ينتهي إلى أسفل الساق، وإن مسح خفه بإصبع أو إصبعين لم يجزه، وإن مسح بثلاثة أصابع أجزأه.
والخرق اليسير في الخف لا يمنع من المسح عليها إلّا أن يكون مقدار ما يخرج منه ثلاثة أصابع أصغر الأصابع فيمنع حينئذٍ منه لأنه قد بدا الأكثر من نصف أصابعه، وسواء كان الخرق على ظاهر الخف أو باطنه أو من ناحية العقب، وتجمع الخروق في قدم واحد، ولا تجمع في قدمين، وإن مسح باطن خفيه دون ظاهرهما لم يجزه، ولا يجزي المسح على العمامة والقلنسوة، والخمار، ولا يجوز المسح على الجوربين في قول أبي حنيفة س إلّا أن يكونا مجلدين، ويجوز في قول أبي يوسف ومحمد ب إذا كانا ثخينين.
ويمسح على الجرموقين فوق الخفين إلّا أن يكون مسح على الخفين قبل لبس الجرموقين، فلا يمسح حينئذٍ على الجرموقين لأنه لا يعلوه المسح، وإذا مسح على الجرموقين ثم نزع أحدهما مسح على الخف الطاهر وعلى الجرموق الباقي لأنه إذا انتقض بعض مسحه انتقض جميعه، وكذلك الماسح على الخفين إذا نزع أحدهما انتقض مسحه في الرجلين جميعاً وعليه غسلهما، وقال ابن أبي ليلى س: يصلي وإن خلع الخفين
وإذا انقض وقت المسح ولم يحدث في تلك الساعة فعليه نزع خفيه وغسل رجليه وليس عليه إعادة الوضوء، وإذا توضأ ونسي مسح خفيه ثم خاض الماء فأصاب ظاهر خفيه وباطنهما قال يجزيه من المسح، وإذا استكمل الرجل مسح الإقامة ثم سافر نزع خفيه وإن لم يكن استكمله حتى سافر مسح إلى استكمال الثلاث بما مضى منه في حال الإقامة.
وإذا قدم المسافر مصره بعد مسح يوم وليلة أو أكثر نزع خفيه، وإذا توضأ الرجل ومسح على الجبائر ولبس خفيه ثم أحدث وقد برأ ذلك الجرح فتوضأ فعليه أن ينزع خفيه وإن لم يكن برأ فله أن يمسح على خفيه، وإن لم يحدث حتى برأ فغسل موضع الجرح ثم أحدث فله أن يمسح على خفيه.
وللماسح أن يؤم الغاسل، وإذا أراد أن يبول فلبس خفيه ثم بال فله أن يمسح على خفيه، وإذا بدا للماسح أن يخلع خفيه فنزع القدم من الخف غير أنه في الساق بعد فقد انتقض مسحه، وقال في الإملاء!: وكذلك إذا أخرج أكثر من نصف القدم إلى الساق، وإذا لبس الخفين على طهارة التيمم أو الوضوء بنبيذ التمر ثم وجد الماء نزع خفيه، وإن لبست المستحاضة الخفين على سيلان الدم بعد الوضوء، ثم أحدثت حدثاً آخر مسحت ما دامت في الوقت ولم تمسح بعد مضيه وإذا كان الدم منقطعا
الجزء 1 · صفحة 20
وقت الوضوء واللبس مسحت يوما وليلة، وإن كان الدم منقطعا ففيه الوضوء، واللابس مسحت يوما وليلة.
وإذا كان مع المسافر ماء قدر ما يتوضأ به وفي ثوبه دم ليغسله ذلك الماء غسل به ذلك الدم ويتيمم للحدث، وقال حماد بن أبي سليمان:: يتوضأ بذلك الماء.
باب التيمم
قال: وينتظر المسافر الذي لا يجد الماء إلى آخر الوقت ثم يتيمم صعيداً طيّباً فيضع يديه على الأرض ثم يرفعهما فينفضهما ويمسح بهما وجهه ثم يضعهما ثانية على الصعيد ثم يرفعهما فينفضهما ثم يسمح بهما كفيه وذراعيه إلى المرفقين فإن مسح وجهه وذراعيه ولم يمسح ظهر كفّيه قال: لا يجزيه، قال أبو الفضل: وقال أبو يوسف س في الإملاء! سألت أبا حنيفة س عن التيمم فقال: الوجه والذراعين إلى المرفقين فقلت كيف؟ فقال: يضع بيديه على الصعيد فأقبل بهما وأدبر على الصعيد ثم رفعهما ونفضهما ثم مسح وجهه ثم عاد كفيه جميعا على الصعيد فأقبل أدبر بهما ثم رفعهما ثم نقضهما ثم مسح بكل كف على ظهر الذراع الأخرى وباطنها إلى المرفقين، قال: وقال أبو حنيفة س: إذا لم يكن على طمع من وجود الماء يتيمم وصلى في أوّل الوقت.
وكل شيء من الأرض يتيمّم به من تراب أو طين أو جصّ أو نورة أو زرنيخ أو حجارة أو حائط أو غير ذلك فهو جائز، وقال أبو يوسف س في الأملاء! الصعيد هو التراب النظيف ولا يكون من غيره وإن كان خرج من الأرض، ولا يجزي من تيمم بحائط أو صخرة لا صعيد عليها، وإذا نفض ثوبه أو لبده فتيمم بغباره وهو يقدر على الصعيد أجزأه في قول أبي حنيفة ومحمد ب، وقال أبو يوسف س: لا يجزيه إذا كان يقدر على الصعيد.
وإن تيمم في أوّل الوقت أجزأه فإن وجد الماء بعد فراغه من الصلاة لم يلزمه إعادتها، ويؤمّ المتيمم المتوضئين في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ب، وقال محمد س: لا يؤمّ، والجنب والحائض والمحدث في التيمم سواء.
ويجوز للمريض في المصر أن يتيمم إذا لم يستطع الوضوء أو الغسل للمرض ويصلى به ما شاء من الصلوات ما لم يحدث أو تزول العلة، وكذلك المسافر إذا لم يجد الماء فتيمم به صلى به ما شاء ما لم يجد الماء أو يحدث، فإن وجد المسافر الماء فلم يتوضأ به ثم حضرت الصلاة فلم يجد الماء أعاد التيمم ولا يجزي التيمم بأقل من ثلاثة أصابع.
الجزء 1 · صفحة 21
وإذا أجنب المسافر فلم يجد من الماء إلّا قدر ما يؤضيه فإنه يتيمم ولا يتوضأ به، فإن أحدث بعد ذلك توضأ به فإن توضأ به ولبس خفيه ثم مرّ بالماء فلم يغتسل ثم حضرت الصلاة وعنده من الماء ما يوضيه قال: يتيمم ولا يتوضأ به، فإن تيمم ثم حضرت صلاة أخرى وقد سبقه الحدث فإنه يتوضأ وينزع خفيه فيغسل رجليه وإن لم يكن مرّ بالماء قبل ذلك مسح على خفيه، وإذا كان مع المحدث من الماء ما يكفي لوضوئه غير أنه يخاف العطش يتيمم ولا يتوضأ به، وإذا تيمم المسافر والماء منه قريب لم يعلم به أجزأه تيممه.
فإن وجد بئراً فيها ماء لا يستطيع أن يأخذ منه تيمم فهذا غير واجد، وإذا كان مع رفيقه ماء فأبى أن يعطيه إلّا بثمن كثير فله أن لا يقبله ويتيمم إلّا أن يجده بثمن رخيص كما يجد الناس في ذلك الموضع، وقال أبو يوسف س: سألت أبا حنيفة س عن المسافر لا يجد الماء أيخرج عن يمين الطريق أو يساره قال: إن طمع ذلك فليفعل ولا يبعد فيضر بالقافلة أو بنفسه ولا يطلب ذلك إلّا أن يخبر بماء أو يطمع فيه فيطلبه الغلوة ونحوها لا يبلغ ميلاً.
وإذا كان المسافر في طين وردغة لا يجد ماء ولا صعيداً نفض لبده أو سرجه أو ثوبه وتيمم بغباره، فإن كان المطر قد أصاب جميع ذلك لطخ الطين ثوبه فإذا جفّ تيمم به ولم يصل بغير وضوء ولا تيمم وإن ذهب الوقت.
وإن وجد سؤر حمار أو بغل توضأ به وتيمم، وإن قدم التيمم على الوضوء فلم يضره، وإذا أصاب بدن المتيمم نجاسة لم ينقض ذلك تيممه ويمسح بخرقة أو بتراب ثم يصلي به فإن صلى ولم يمسحه أجزأه، وغسل الكافر ووضوؤه جائز يصلي به إذا أسلم ولا يجوز تيممه في قول أبي حنيفة ومحمد ب، ويجوز في قول أبي يوسف س، وإن تيمم وهو مسلم ثم ارتد ثم أسلم فهو علي تيممه.
وللمسافر أن يطأ جاريته وإن علم أنه لم يجد الماء، ومن تيمم يريد تعليم إنسان ولا يريد به الصلاة لم يجزه، وإذا طهرت المسافرة من حيضها فلم تجد الماء فتيمّمت وصلت فلزوجها أن يجامعها، مرّ مسافر بمسجد فيه عين ماء وهو جنب ولا يجد غيره قال يتيمم ثم يدخل المسجد فيستقي منه وإن لم يكن معه ما يستقي به ولا يستطيع أن يغترف منه ولكنه يستطيع أن يقع فيه وهو عين صغيرة قال يتيمم بالصعيد، ولا يتوضأ بسؤر الكلب ولكنه يتيمم.
وإذا تيمم لسجدة تلاوة أو صلاة نافلة فله أن يصلي فيه المكتوبة، ويتيمم لصلاة الجنازة في مصر ولا يتيمم لسجدة تلاوة في المصر، ويتيمم لعيد إذا شهده في الجبانة لأنه خارج من المصر فإن رجع للوضوء فاتته الصلاة وليس صلاة العيد إلّا مع الإمام وصلاة العيد والصلاة على الجنائز سواء.
الجزء 1 · صفحة 22
وكذلك إن سبقه الحدث في صلاة العيد عند أبي حنيفة س، وقال أبو يوسف ومحمد ب: إذا دخل في الصلاة متوضئاً ثم أحدث انصرف وتوضأ وبنى عليه لأنه لا تفوته الصلاة، فإن كان كل هؤلاء يجدون الماء من غير أن تفوتهم الصلاة على الجنازة وصلاة العيد فلم يجزهم التيمم.
وأما الجمعة فلا تيمم لها وإن خاف الفوت، ولا يجوز التيمم من مكان قد كان فيه بول أو نجاسة وإن ذهب أثره، وإذا افتتح الصلاة بالتيمم ثم سبقه الحدث فلم يجد ماءً يتيمم وبنى، وإن وجد ماءً وقد سبقه الحدث أو لم يسبقه استقبل الصلاة بعد الوضوء، وإن كان الإمام متيمماً فأحدث فاستخلف متوضئاً ثم وجد الإمام الأوّل الماء فسدت صلاته وحده كأنه قد تكلم، وإن كان الإمام متوضئاً والخليفة متيمماً فوجد الخليفة الماء فسدت صلاته وصلاة الأول والقوم جميعاً، وإذا أمَّ المتيمم المتوضئين فأبصر بعضهم الماء ولم يعلم به الإمام والآخرون حتى فرغوا فسدت صلاة من أبصر خاصة، وهذا بمنزلة إمام صلى قوم وتحرى القبلة فأخطأ وعرف الذي خلفه أنه غير القبلة فصلاة الإمام تامة وصلاة القوم فاسدة، وإذا رأى المتيمم في صلاته سراباً فظنّ أنه ماء فمشى إليه ساعة فإذا هو سرابٌ فعليه أن يستأنف الصلاة.
ومن استيقن بالتيمم فهو على تيممه حتى يستيقن بالحدث أو بوجود الماء، ومن استيقن بالحدث فهو على حدثه حتى يستيقن بالوضوء أو التيمم، وإذا أراد التيمم فتمعّك بالتراب ودلك به جسده كله فإن كان قد أصاب وجهه وذراعيه وكفيه أجزأه وإن بدا بذراعيه في التيمم أو مكث بعدما تيمم وجهه ساعة ثم بدا بذراعيه أجزأه.
وإن تيمم جنب أو حائض من مكان ثم وضع آخر يديه عليه على ذلك المكان فتيمم منه أجزأه، وإذا تيمم وهو مقطوع اليد من المرفق فعليه أن يمسح موضع القطع ولا يجزيه تركه وإن كان قطع من فوق المرفق لم يكن عليه مسحه، وإذا تيمم وفي رحله ماء لا يعلم به وصلى أجزأته صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد ب لأنه لا يكلف إلّا بعلمه، وقال أبو يوسف س: لا يجزيه.
وإذا كان به جدري أو جرح في رأسه وعامة جسده يتيمم وليس عليه غسل ما لا يمكنه غسله، وإن كان الجراحات في رأسه وفي إحدى يديه غسل سائر جسده ومسح الجراح بالماء، وإن لم يمكنه مسح على الخرقة التي على الجراحة، وإذا أجنب الصحيح في المصر فخاف أن يقتله البرد إن اغتسل فإنه يتيمم في قول أبي حنيفة س وكذلك المسافر، وقال أبو يوسف ومحمد ب: يجزيه ذلك في السفر ولا يجزيه في الحضر.
الجزء 1 · صفحة 23
وأما المحبوس في المصر في مكان قذر لا يجد فيه تراباً نظيفاً يتيمم به ولا مكاناً نظيفاً يصلي فيه ولا ماء يتوضأ به فلا يصلي في قول أبي حنيفة س، ويصلي في قول أبي يوسف ومحمد ب بالإيماء ثم يعيد، وقال أبو الفضل: وذكر في كتاب الزيادات! قول محمد س مثل قول أبي حنيفة س وكذلك في رواية أبي حفص: في هذا الكتاب قول محمد مع أبي حنيفة.
وإن وجد تراباً نظيفاً يتيمم به وصلى في قولهم جميعاً وأعاد إذا خرج، مسافر جنب غسل فرجه ووجهه وذراعيه ورأسه ثم إهراق الماء فتيمم بالصعيد وافتتح الصلاة ثم قهقه فيها ووجد الماء للغسل قال يغسل وجهه وذراعيه ومسح برأسه ويغسل ما بقي من جسده سوى الرأس والفرج، والقهقهة ههنا بمنزلة الحدث تنقض الوضوء ولا تنقض ما مضى من الغسل.
جنب اغتسل فلم يبق من جسده إلّا موضع درهم لم يجد له ماء فتيمم وصلى ثم وجد له ماء يغسل ذلك الموضع كان عليه أن يغسله ولا يتيمم لأنه طاهر فإن كان أحدث قبل ذلك غسل ذلك الموضع بالماء ويتيمم للحدث وإن بدأ بالتيمم أجزأه، قال محمد: وإذا افتتح الصلاة بالتيمم ثم وجد سؤر حمار أو نبيذ تمر مضى في صلاته، فإذا فرغ منها توضأ بما وجد من ذلك وأعاد الصلاة.
وكذلك لو كان افتتحها على الوضوء بنبيذ التمر والتيمم ثم وجد سؤر حمار في مذهب محمد س، وإذا تيمم المحدث في صلاته ثم وجد الماء بعد ما قام في مقامه توضأ ليصلي بقية صلاته فسدت صلاته وإن وجده قبل أن يقوم في مقامه توضأ وبنى استحباباً.
ذكر المسائل المعدودة لأبي حنيفة س
قال: وإذا فرغ المصلي من تشهّد ولم يسلّم حتى انتقض وقت مسحه، أو وجد في خفّه شيئاً فنزعه فانتقض به مسحه فسدت صلاته وعليه إعادتها في قول أبي حنيفة س، وكذلك المتيمم اذا وجد الماء، ومصلي الجمعة إذا خرج وقتها، ومصلي الفجر إذا طلعت الشمس، والعاري إذا وجد الستر، والأميّ إذا تعلّم القراءة، والقارئ إذا استخلف أميّاً، والمومي إذا قدر على القيام والركوع، والسجود والمصلي يذكر صلاة عليه قبلها، وصاحب الجرح السائل إذا ذهب الوقت، والمستحاضة، وكذلك إن عرض جميع ذلك في سجدتي السهو.
وقال أبو يوسف ومحمد ب: قد مضت صلاته في جميع ذلك وخرج به منها وجازت عنه، فإن كان سلم عن يمينه ثم عرض له شيء من ذلك وليس عليه سجود السهو فقد مضت صلاته في قولهم جميعا، وجازت عنه، وإن كان عرض ذلك قبل أن يقعد قدر التشهد أعاد صلاته، وإن كان قعد
الجزء 1 · صفحة 24
قدر التشهد ثم تعمد الكلام أو الحدث أو القهقهة أو الخروج من المسجد لم يكن عليه إعادة الصلاة، وفي الإملاء! عن أبي يوسف س أن أبا حنيفة س كان يقول أولاً: من تعلم السورة في خلال صلاته أنه يقرأ ويبني ثم رجع عن ذلك.
باب الأذان
ويستقبل الرجل في أذانه القبلة حتى إذا انتهى إلى الصلاة والفلاح حوّل وجهه يميناً وشمالاً وقدماه مكانهما، فإذا فرغ من الصلاة والفلاح حوّل وجهه إلى القبلة، والأذان والإقامة مثنى مثنى وآخر الأذان لا إله إلّا الله ويجعل أصبعيه في أذنيه عند أذانه وإن لم يفعل لم يضره، وإن استدار في صومعته لم يضره، ولا يثوّب في شيء من الصلوات إلّا في الفجر، وكان التثويب الأوّل في الفجر بعد الأذان: الصلاة خير من النوم مرتين، فأحدث الناس هذا التثويب وهو حسن.
ويترسّل في الأذان ويحدر الإقامة وإن خالف فيهما أو في أحدهما لم يضره، ويجوز الأذان والإقامة على غير وضوء، ويكره الأذان قاعداً ويجزيه، ولا بأس بأن يؤذّن واحد ويقيم آخر، وإن ترك استقبال القبلة في أذانه جاز وهو مكروه.
ويؤذن المسافر راكباً إن شاء، وينزل للإقامة أحبّ إلينا، وإن اقتصر المسافر على الإقامة أجزأه وإن تركها فقد أساء، وليس على النساء أذان ولا إقامة، وإن صلى أهل مصر جماعة بغير أذان ولا إقامة فقد أساؤوا.
وإن صلى رجل في بيته وحده فاكتفى بأذان الناس وإقامتهم أجزأه وإن أذّن وأقام فحسن، وليس لغير الصلوات الخمس والجمعة أذان، ولا يتكلم المؤذن في أذانه وإقامته، وإن أذّن قبل دخول الوقت أعاد في قول أبي حنيفة ومحمد ب، وقال أبو يوسف س أخيراً: لا بأس بأن يؤذّن للفجر خاصة قبل طلوع الفجر، وإذا دخل القوم مسجداً قد صلى فيه أهله كرهت لهم أن يصلوا جماعة بأذان وإقامة ولكن يصلون وحداناً بغير أذان ولا إقامة، فإن كان المسجد على الطريق فصلى فيه قوم مسافرون بأذان وإقامة ثم جاء آخرون فلا بأس بأن يفعلوا مثل ذلك أيضاً، وإن صلى فيه أهله قبل أن يحضر الآخرون ثم حضر الآخرون صلوا وحداناً.
ومن فاتته صلاة عن وقتها وقضاها في وقت آخر أذن لها وأقام واحدا كان أو جماعة، ولا يجوز لمن فاتته ظهر أمسه أن يقتدي بمن يصلي ظهر غير ذلك اليوم فيها، وإن اقتدى به كان متطوعا وهذا خلاف ما قال في زيادات الزيادات!، ويجوز أذان العبد والأعرابي وولد الزنا والأعمى، وأحبّ أن
الجزء 1 · صفحة 25
يكون المؤذن عالماً بالسنة، وإن أذّن للقوم غلام مراهق أجزأهم والرجل البصير أحبّ إليّ منه ومن الأعمى، وإن أذّنت لهم امرأة جاز وهو مكروه.
ويؤذن المؤذن حيث يكون أسمع للجيران أحبّ إليّ، ويرفع صوته ولا يجهد نفسه، ولا أكره أن يتطوّع في صومعته، وأحبّ له أن يحذف قوله: ألله أكبر، وإذا افتتح الأذان فظنّ أنها الإقامة فأقام في آخرها ثم علم فأحبّ إليّ أن يتمم الأذان ثم يقيم، وإن كان في الإقامة فظن أنها الأذان فصنع فيها ما يصنع في الأذان ابتدأ بالإقامة من أوّلها، فإن غشي عليه في الإقامة ثم أفاق فأحبّ إليّ أن يبتديها من أوّلها.
وكذلك إن رعف فيها أو أحدث فذهب فتوضأ ثم جاء فأحبّ إليّ أن يبتديها من أوّلها، قلت: فكيف يصنع إذا أحدث في إقامته؟ قال: يتمّ الإقامة ثم يذهب فيتوضأ ويصلي، وإذا قدّم المؤذن في أذانه أو إقامته بعض الكلمات على بعض فإنه يعيد الكلمة المتأخرة حتى تكون بعد التي قبلها، وإذا وقع في إقامته فمات أو أغمي عليه فأحبّ إلي أن يبتدئ غيره الإقامة من أوّلها.
مؤذن أذّن ثم ارتدّ قال إن اعتدوا بأذانه وأمروا من يقيم ويصلي أجزأهم، ويقعد المؤذن بين الأذان والإقامة في جميع الصلوات إلّا في المغرب في قول أبي حنيفة س، وقال أبو يوسف ومحمد ب: يجلس أيضاً فيها جلسة خفيفة، وإن لم يقعد بينها في شيء من الصلوات فوصل الأذان والإقامة كرهته له.
ويكره أن يؤذن في مسجدين ويصلي في أحدهما، ويكره للمؤذن والإمام طلب الأجر على ذلك من القوم وإن عرف القوم حاجته فأعطوه شيئاً بغير طلب كان حسناً، والذي يواظب على الأذان للصلوات كلها أحبّ إليّ من غيره، وأذان السكران والمجنون فأحبّ أن يعاد، ولا يجوز لأهل المسجد أن يقسموا المسجد وينصبوا وسطه حائطاً فإن فعلوا فليكن بكل فريق منهم مؤذن على حدة ما لم ينقضوا القسمة لأنهما مسجدان.
باب مواقيت الصلاة
قال: ووقتُ الفجر من حين يطلع الفجر المعترض في الأفق إلى طلوع الشمس، ووقت الظهر من حين تزول الشمس إلى أن يكون الظل قامة في قول أبي يوسف ومحمد ب، ووقت العصر من حين يكون الظل قامة فيزيد على قامة إلي أن تغرب الشمس، وقال أبو حنيفة س: لا يدخل وقت العصر حتى يصير الظل قامتين.
الجزء 1 · صفحة 26
قال أبو الفضل: وذكر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ب: أن الظل إذا صار قامة خرج وقت الظهر، وحكى أبو عصمة: عن أبي سليمان: عن أبي يوسف س قال: خالفت أبا حنيفة س في وقت العصر فقلت أوّله إذا كان الظل قامة على الآثار التي جاءت، قال أبو عصمة:: هذا خلاف ما في كتاب الصلاة لمحمد س.
ويكره أن يؤخر صلاة العصر إلى أن تتغير الشمس، فإن صلاها حين تغيرت الشمس قبل أن تغيب أجزأه، ووقت المغرب من حيث تغرب الشمس إلى أن يغيب الشفق، ويكره له تأخيرها إذا غابت الشمس، والشفق البياض في قول أبي حنيفة س، وفي قول أبي يوسف ومحمد ب الحمرة.
قال: وروى أسد بن عمرو: عن أبي حنيفة س قال: الشفق الحمرة، ووقت العشاء من حيث يغيب الشفق إلى نصف الليل، ومن صلاها قبل طلوع الفجر بعد مضي نصف الليل أجزأه، وأكره له تأخيرها إلى تلك الساعة.
وينوّر بالفجر، فيبرد بالظهر في الصيف ويصليها في الشتاء حين تزول الشمس، ويصلي العصر في آخر وقتها والشمس بيضاء لم تتغير، ويؤخر العشاء ما بينه وبين ثلث الليل والرخصة إلى نصف الليل، وإن كان غيم أخّر الفجر والظهر والمغرب وعجّل العصر والعشاء.
ولا يجمع بين الصلاتين في وقت أحدهما في سفر ولا حضر ما خلا عرفة والمزدلفة، وإن صلى المسافر الظهر في آخر وقتها والعصر في أوّل وقتها والمغرب في آخر وقتها والعشاء في أوّل وقتها أجزأه ذلك، ووقت الوتر من حين يصلي العشاء إلى الفجر، وأفضله في آخر الليل، وإن صلاها قبل العشاء لم يجزه، وإن صلى العشاء على غير وضوء ثم أوتر سحرا على وضوء ثم ذكر أنه صلى العشاء على غير وضوء أعادها دون الوتر في قول أبي حنيفة س، ويعيد الوتر معها في قول أبي يوسف ومحمد ب، وإن ذكرها بعد أيام قلائل فلا يعيد وتر الليالي الأخر.
ولا يتطوع بعد طلوع الفجر بغير ركعتي الفجر إلى أن تطلع الشمس وترتفع ولا عند انتصاف النهار ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس ويصلي المغرب، ويقضي الفوائت بعد الفجر قبل طلوع الشمس وبعد العصر قبل الغروب، ويصلي على الجنازة ويسجد للتلاوة ولا يركع ركعتي الطواف، وأما عند الطلوع أو الغروب أو الانتصاف فلا يصلي فرضاً ولا نفلاً ولا يسجد للتلاوة ولا غيرها إلّا عصر يومه هذا فإنه يصليها.
وإذا نسي صلاة الفجر حتى زالت الشمس ثم ذكرها بدأ بها فإن كان قد صلى الظهر وفرغ منها قبل أن يذكر الفجر فقد جازت الظهر ويقضي الفجر وحدها، وإن ذكر الفجر في آخر وقت الظهر ولم
الجزء 1 · صفحة 27
يصل الظهر والوقت لا يسعهما جميعا بدأ بالظهر ثم قضى الفجر، وكذلك إن ذكر الوتر في وقت الفجر بدأ بالوتر ثم بركعتي الفجر ثم بالفجر وإن خاف فوت الفجر بدأ بها فإذا ابيضت الشمس أوتر.
ومن صلى من الفجر ركعة ثم طلعت الشمس فسدت صلاته، ومن صلى من العصر ركعة ثم غربت الشمس مضى فيها وجازت صلاته، ومن افتتح تطوّعاً ثم ذكر صلاة فرض عليه فائتة لم يفسد تطوعه عليه.
والتطوع قبل الظهر أربعاً لا فصل بينهنّ وبعدها ركعتان، وأما قبل العصر فإن تطوعت أربع ركعات فحسن وبعد المغرب ركعتان، وإن تطوعت بعد العشاء فحسن، وقبل الفجر ركعتان، ويكره الكلام بعد انشقاق الفجر إلّا بخير، والتطوع قبل الجمعة أربع ركعات لا فصل بينهنّ إلّا بالتشهد، ولا صلاة قبل صلاة العيد، وأما بعدها فأربع ركعات لا فصل بينهنّ إلّا بالتشهد حسن.
وطول القيام أحبّ إليّ من كثرة الركوع والسجود، والتطوع بالليل ركعتان ركعتان أو أربع أربع، أو ست ست، أو كان ثمان أي ذلك ست وأحبه إلي أربع أربع في قول أبي حنيفة س، وقال أبو يوسف ومحمد ب: تطوع بالليل مثنى مثنى، وأما تطوع النهار فأربع أربع، وتأويل الأثر الذي جاء لا يصلي بعد صلاة مثلها في ترك القراءة في الأخريين، لأنك لا تقرأ فيهما إن شئت في الصلاة المكتوبة.
رجل افتتح التطوع ينوي أربع ركعات ثم تكلم قال عليه قضاء الركعتين لأنه لا يكون داخلاً في الأربع حتى يتشهد ويقوم في الثالثة.
وإن صلى أربعاً ركعات بغير قراءة فإنه يقضي ركعتين، فإن قرأ في الأولى والثالثة والرابعة فعليه قضاء أربع ركعات في قول أبي حنيفة س، وقال أبو يوسف س: عليه في الوجهين جميعاً أربع ركعات، وقال محمد وزفر ب: أرى عليه ركعتين، فإن قرأ في الأخريين ونوى بهما قضاء الأوليين لم يكن قضاءً؛ لأنها صلاة واحدة ولا يكون بعضها قضاء عن بعض وعليه قضاء ركعتين، فإن دخل معه رجل في الأخريين فصلى بهما معه فعليه قضاء الأوليين كما يقضي الإمام.
وإن كان دخل معه رجل في الأوليين فلما فرغ منها تكلم الرجل ومضى الإمام في صلاته حتى صلى أربع ركعات فعلى الرجل الذي كان خلفه أن يقضي ركعتين وإن كانت الصلاة كلها صحيحة لم يكن على الرجل إلّا قضاء الركعتين لأنه خرج من أن يكون هذا إمامه قبل أن يدخل في الأخريين، وإذا صلى الرجل الفجر ثم ذكر أنه لم يكن صلى ركعتي الفجر لم يقضهما في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ب، وقال محمد س: أحبّ إليّ أن يصليهما إذا ارتفعت الشمس.
الجزء 1 · صفحة 28
باب القيام في الفريضة
ويقرأ الإمام في الفجر في الركعتين جميعاً بأربعين آية مع فاتحة الكتاب، قال الحاكم:: يريد به سواها ويقرأ في الظهر نحواً من لذلك أو دونه ويقرأ في الركعتين الأوليين من العصر بعشرين آية مع فاتحة الكتاب، وكذلك العشاء، ويقرأ في المغرب في كل ركعة سورة قصيرة خمس آيات أو ست آيات مع فاتحة الكتاب، ويقرأ في كل ركعة من الأخريين في المكتوبة بفاتحة الكتاب إن شاء، وإن شاء سبح وإن شاء سكت.
وما قرأ في الوتر من شيء فهو حسن، وقد بلغنا عن النبي ع أنه قرأ في الركعة الأولى سبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية بقل يأيها الكافرون، وفي الثالثة بقل هو الله أحد، وقنت فيها بعدما فرغ من القراءة قبل أن يركع الثالثة، ولا قنوت في شيء من الصلوات سوى الوتر، وكان يقال مقدار القيام للقنوت مقدار إذا السماء انشقت وليس فيه دعاء موقت، ويرفع يديه حين يفتتح القنوت ثم يكفهما.
وترفع الأيدي في سبع مواطن في افتتاح الصلاة وقنوت الوتر وفي العيدين، وعند استلام الحجر الأسود وعلى الصفا والمروة وبعرفات، وبجمع وعند الجمرتين وقال أبو يوسف س: في الإملاء! يستقبل بباطن كفّيه القبلة عند افتتاح الصلاة واستلام الحجر وقنوت الوتر وتكبير العيدين، ويستقبل بباطن كفيه السماء عند رفع الأيدي على الصفا والمروة وبعرفات وبجمع وعند الجمرتين.
وإذا أمّ رجل نساء في مسجد جماعة ليس معهنّ رجل فلا بأس بذلك، وأما إن يخلوا بهنّ في بيت أو مكان غير المسجد فإني أكره له ذلك إلّا أن يكون معهنّ ذات محرم منه، رجل فاتته صلاة الجماعة في مسجد حيّه قال إن أتي مسجدًا آخر يرجوا أن يدرك الجماعة فيه فهو حسن، وإن صلى في مسجد حيّه فهو حسن.
ولا بأس بأن يتطوع فيه قبل المكتوبة إذا لم يخف فوت الفرض، وإذا أخذ المؤذن في الإقامة كرهت للرجل أن يفتتح التطوع إلّا ركعتي الفجر فإني لا أكرههما وذلك إذا انتهى الى المسجد والقوم في جماعة لم يتطوع إلا ركعتي الفجر فإنه يصليهما إن رجى أنه يدرك ركعة في الجماعة، فإن خاف فوت الجماعة دخل مع القوم.
رجل سلم على تمام في نفسه من صلاته ثم اقتدى به رجل وكبر ثم ذكر الإمام أن عليه سجدة تلاوة أو أنه لم يقرأ التشهد في الرابعة وقد قعد قدره وتكلم قال صلاة الإمام تامة وصلاة المقتدي به
الجزء 1 · صفحة 29
أيضاً تامة لأن تسليم الإمام لم يكن قاطعاً، وإن كان ذكر أن عليه سجود السهو لم يكن المؤتم داخلاً في صلاته في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ب ويكون داخلاً في قول محمد وزفر ب.
باب الحدث في الصلاة
رجل دخل في الصلاة ثم أحدث حدثاً من بول أو غائط أو ريح أو قيء أو شيء سبقه لا يتعمد له قال إن كان إماماً تأخر وقدّم رجلاً ممن خلفه فصلى بالقوم ثم يذهب هو فيتوضأ ويبني على صلاته إن لم يتكلم، فإن كان حين رجع إلى أهله بال قال لا يبني إذا تعمد شيئاً من هذا.
وإن تكلم في صلاته ناسياً أو عامداً استقبل الصلاة، وإن ضحك دون القهقهة يمضي على صلاته، وإن قهقه استقبل الوضوء والصلاة ناسياً كان أو عامداً، وإن قهقه بعد ما قعد قدر التشهد فعليه أن يعيد الوضوء لصلاة أخرى، وليس عليه إعادة هذه الصلاة، وكذلك لو قهقه في سجدتي السهو، فإن قهقه القوم بعده لم يكن عليهم وضوء، وإن قهقهوا معه سواء فعليه وعليهم إعادة الوضوء.
إمام أحدث فقدم رجلاً قد فاتته ركعة قال: يصلي بهم، فإذا تشهد تأخر وقدم رجلاً من غير أن يسلم بهم فسلم بهم ثم يقوم هو فيقضي ما بقي من صلاته وسلم، وإن توضأ الأول وصلى في بيته ما بقي من صلاته فإن كان صلى بعدما فرغ الإمام الثاني فصلاته تامة وإن صلى قبل ما فرغ الإمام الثاني من صلاته فصلاة الأول فاسدة، وإن قعد الإمام الثاني في الرابعة قدر التشهد وهي له الثالثة ثم قهقه أعاد الوضوء والصلاة وصلاة القوم تامة وأما الإمام الأول فإن كان قد فرغ من صلاته خلف الثاني مع القوم فصلاته تامة، فإن كان في بيته لم يدخل مع الإمام الثاني في الصلاة فصلاته فاسدة، قال وفي رواية أبو الفضل: أبي حفص: أن صلاته تامة والأول أشبه بالصواب.
رجل سلم من الركعتين في الظهر ناسياً ثم ذكر فظن أن ذلك يقطع الصلاة فاستقبل التكبير ينوي به الدخول في الظهر ثانية وهو إمام قوم وكبروا معه ينوون ذلك فهو على صلاته الأولى يصلي ما بقي منها ويسجد للسهو.
الجزء 1 · صفحة 30
رجل افتتح الصلاة فصلى ركعة ثم جاء قوم فاقتدوا به فلما فرغ من صلاته وقعد قدر التشهد قهقه أو أحدث متعمداً قال صلاة الإمام تامة وصلاة القوم فاسدة في قول أبي حنيفة س، وقال أبو يوسف ومحمد ب: لا تفسد صلاة القوم، وإن كان الإمام تكلم أو خرج من المسجد لم تفسد صلاة القوم في قولهم جميعا وكان ذلك كالتسليم منه.
وإذا صلى الرجل بعض صلاة مكتوبة في المسجد وحده ثم أقيم لها فيه فإن كان لم يصل أكثرها قطعها في موضع القطع إن لم يصر مؤدياً لأكثر الصلاة وإن كان بلغ موضع القطع ولم يجعله مؤدياً لأكثر الصلاة قطعها حيث انتهى ودخل مع الإمام، وكذلك إن كان قد ركع في الثالثة فإن كان قد سجد فيها سجدة أتمها لأنه قد صلى أكثرها وكانت هي فريضة، ودخل مع الإمام في الظهر والعشاء متطوعاً ولم يدخل فيما سواهما ويكره له الدخول مع الإمام في المغرب متطوعاً بها فإن دخل لزمه إتمام أربع ركعات.
ومن صلى الظهر يوم الجمعة إذا صلى الجمعة مع الإمام فهي فريضة فيصير الظهر تطوعاً وإذا أحدث الإمام فلم يقدم أحداً حتى خرج من المسجد قال صلاة القوم فاسدة أستحسن ذلك وأراه قبيحاً أن يكون قوم في الصلاة في مسجد وإمامهم في أهله، قال وذكر أبو عصمة: أن صلاة الإمام لا تفسد، وذكر الطحاوي:: في كتابه أن صلاة الإمام فاسدة، فإن قدم القوم رجلاً قبل خروج الإمام من المسجد قال صلاته وصلاتهم تامة وكان ذلك كتقديم الإمام نفسه.
فإن قدم كل فريق من القوم رجلاً فسدت صلاتهم جميعاً، وإن قدم الكل رجلاً واحداً إلّا رجلاً أو اثنين نوى الانفراد بصلاته فصلاة الجماعة تامة وصلاة المنفرد فاسدة، وإن لم يكن خلف الإمام إلّا رجل واحد صار إماماً إن قدمه الإمام أو لم يقدمه الإمام ونوى هو الإمامة أو لم ينوها.
فإذا توضأ الإمام الأول ورجع دخل مع هذا في صلاته، فإن لم يرجع حتى أحدث هذا فخرج من المسجد فسدت صلاة الإمام الأول وإن لم يخرج حتى رجع الإمام الأول ثم خرج صار الإمام الأول إماماً له. إمام أحدث فانتفل وقدم رجلاً جاء ساعتئذٍ فلما قدمه كبر ونوى أن يؤمهم بصلاة الإمام قال يجزيهم.
وإن نوى أن يصلي بهم صلاة مستقبلة فصلى بهم والقوم ينوون صلاة الأول قال صلاة هذا الإمام الثاني تامة وصلاة القوم فاسدة. إمام أحدث وهو مسافر وخلفه مقيمون ومسافرون فقدم مقيماً قال يتم بهم صلاة المسافرين ثم يقدم رجلاً من المسافرين يسلم بهم ويقوم المقيمون فيتمون وحداناً، فإن اقتدوا به فيما يقضون فسدت صلاتهم.
الجزء 1 · صفحة 31
وكذلك إن مضى هذا الإمام في صلاته والقوم معه حتى أتمّ بهم صلاة الإقامة فسدت صلاة المقيمين خاصة، وإن فعل ذلك ولم يقعد في الركعتين قدر التشهد فسدت صلاته وصلاة القوم كلهم وصلاة الإمام الأول، إمام افتتح الصلاة ولم يقرأ وركع ولم يسجد ثم رفع رأسه فقرأ وركع وسجد وأدرك معه رجل هذا الركوع الثاني قال يجزيه ولا يعتد بالركوع الأول وإن كان قرأ قبل الركوع الأول فالركوع هو الأول والسجود له، وهذا الداخل في صلاته لم يدرك معه الركعة ولا يعتد بما ركع معه.
وكذلك إن كان الإمام أحدث حين فرغ من الركوع الأول واستخلف رجلاً فإن الخليفة يعتد بذلك الركوع إن كان الإمام قرأ قبله، وإن لم يكن قرأ قبله لم يعتد به، إمام أحدث فقدم رجلاً على غير وضوء أو قدم صبياً أو امرأة قال صلاته وصلاة القوم فاسدة.
أميٌّ صلى بقوم يقرؤون وبقوم أميّين قال صلاة الإمام وصلاة القوم كلهم فاسدة في قول أبي حنيفة س، وقال أبو يوسف ومحمد ب: صلاة الإمام ومن لا يقرأ تامة، أميّ صلى بعض صلاته ثم تعلم سورة فقرأها فيما بقي من صلاته قال صلاته فاسدة مثل الأخرس، وكذلك إن كان الإمام قارئاً فقرأ في الركعتين الأوليين ثم أحدث فاستخلف أمياً فسدت صلاتهم، وكذلك إن استخلفه بعد ما سجد في الرابعة ومضى وقت القراءة، أميّ اقتدى بقارئ بعد ما صلى ركعة فلما فرغ الإمام قضى الأمي ركعته قال صلاته فاسدة في القياس، وأستحسن أن أجيزها.
رجل صلى في المسجد وحده تطوعاً فأحدث فانفتل وتوضأ يجزيه أن يصلي في بيته قال أي ذلك ما فعل فحسن، رجل صلى أربع ركعات تطوعاً فلم يقعد في الثانية قال يجزيه أستحسن وأجعلها بمنزلة الفريضة، وذكر أبو عصمة: أن محمدا س قال: لا يجزيه.
امرأة صلت خلف الإمام فوقفت وسط صف الرجال قال تفسد صلاة ثلاثة رجال الذي عن يمينها والذي عن يسارها والذي بحذائها خلفها ولا تفسد صلاة الآخرين لأنهم صاروا كالحائط بينها وبين الآخرين، وكذلك المرأتان فإن كان صف تام من النساء وراءهن صفوف من الرجال فسدت صلاة تلك الصفوف كلهم استحساناً، والقياس فيه مثل الأول.
امرأة صلت بحذاء الإمام تأتم به وهو يؤمها فسدت صلاته وصلاتها وصلاة القوم، وإذا لم ينو الإمام إمامتها لم تكن داخلةً في صلاته ولم يضرها قيامها بجنبه إذا لم تكن معه في صلاته، وإذا اسبق الرجل والمرأة ببعض الصلاة فإذا سلم الإمام قاما يقضيان فوقف أحدهما بجنب الآخر لم تفسد صلاة الرجل وإن كانا لاحقين فسدت صلاته.
الجزء 1 · صفحة 32
وإن كان الإمام يصلي الظهر فائتمت به امرأة فقامت بحذائه تريد التطوع بصلاتها معه وقد نوى الإمام إمامتها قال صلاتهم كلهم فاسدة وعليها قضاء التطوع، وإن كانت نوت العصر لم تجزها صلاتها ولم تفسد على الإمام صلاته.
ويصلي العراة وحداناً قعوداً بإيماء فإن صلوا جماعة قياماً بركوع وسجود أجزأهم، فإن كان مع العاري ثوب مملوء دما، فإن صلى فيه أو عرياناً أجزأه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ب، وقال محمد س: لا يجزيه الصلاة إلا في الثوب النجس، وإن كان النجس من الثوب بمقدار ثلاثة أرباعه أو أقل لم تجز الصلاة عاريا في قولهم جميعاً، وقال الحاكم:: هكذا فسره في الزيادات!.
وإذا أحدث الرجل في ركوعه أو سجوده فذهب فتوضأ وجاء لم يجزه الاعتداد بالسجود والركوع الذي أحدث فيه، لأن الحدث قد نقضه، فإن كان إماما أحدث وهو راكع فتأخر وقدم رجلاً مكث ذلك الرجل راكعا كما هو قد ركعه، وإذا لم يحدث ولكنه وذكر في الركعة الثانية سجدة من الركعة الأولى أو سجدة تلاوة فخر ساجداً ثم رفع رأسه قال إن احتسب بذلك الركوع جاز وإن عاد فيه فهو أحب إلي.
وإن أدرك الرجل مع الإمام ركعة من المغرب فلما سلم الإمام قام يقضي قال يصلي ركعة ويقعد لأنها ثانية ما صلى ثم يصلي ركعة أخرى ويقعد لأنها آخر الصلاة ويقرأ فيهما جميعا بالسورة لأنه يقضي أول صلاة الإمام وإن أدرك الركعة الآخرة من الوتر مع الإمام وقنت فيها معه لم يقنت فيما يقضي لأنها أول صلاته.
وأحب إلي أن يكون بين يدي المصلي في الصحراء شيء وأدناه طول ذراع فإن لم يكن بين يديه شيء لم يقطع صلاته من مر بين يديه من رجل أو امرأة أو كلب أو حمار أو غير ذلك، ويدفع المار عن نفسه ما ليس فيه مشيٌ ولا علاج، وحكى أبو عصمة: عن محمد س: إذا لم يجد شيئاً قال لا يخط بين يديه خط فإن الخط وتركه سواء.
وإذا انفرد المصلي خلف الإمام عن الصف لم تفسد صلاته وكذلك إن كان الواقف بجنبه غير طاهر، فإن كان بين المصلي وبين الإمام حائط أجزته صلاته وإن كان بينهما طريق يمر فيه الناس أو نهر عظيم لم تجزه إلا أن تكون الصفوف متصلة على الطريق فيجوز حينئذ.
والفتح على الإمام لا يفسد الصلاة والإمام مسيء في إلجاء القوم إليه، وينبغي له أن يجاوز إلى آية أو سورة أخرى أو يركع، والفتح على غير الإمام يفسد الصلاة إلا أن يريد به التلاوة دون التعليم.
الجزء 1 · صفحة 33
وقتل الحية والعقرب في الصلاة لا يفسدها، وإن رماها بالحجر لم تفسد صلاته وهو مكروه، وإن أخذ قوساً فرمى بها فسدت صلاته، وكذلك لو أدهن أو سرح رأسه أو أرضعت امرأة صبيها، وكذلك إن قاتل رجلاً أو أكل أو شرب متعمداً أو ناسياً، فمن كان بين أسنانه شيء فابتلعه لم يضره، وكذلك إن قلس أقل من ملئ فيه ثم رجع فدخل جوفه وهو لا يملكه.
وإذا انتضح البول على المصلي أكثر من قدر الدرهم من موضع فانفتل فغسله لم يبن على صلاته، وإن كان في ثوبه ألقاه وصلى في غيره وإن سأل من دُمّل به دم توضأ وغسل وبنى، وإن أصابته بندقة أو حجر فشجته فسال من ذلك دم لم يبن على صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد ب، وقال أبو يوسف س: يبني إذا توضأ.
رجل نام في صلاته فاحتلم فالقياس أن يغتسل ويبني ولكن أستحسن أن يستقبل وإن وقع عن المصلي ثوبه فقام عرياناً وهو لا يعلم به ثم ذكر من ساعته فتناول ثوبه فلبس قال يمضي على صلاته، وإن صلت المرأة وربع رأسها مكشوف عادت الصلاة وإن كان أقل من ذلك لم تعد وهذا قول أبي حنيفة ومحمد ب، وقال أبو يوسف س: لا تعيد حتى يكون النصف مكشوفاً، وكذلك الشعر والبطن والفخذ، وانكشاف الفرج والدبر يفسد صلاة المصلي رجلاً كان أو امرأة.
وتقعد المرأة في صلاتها كأستر ما تكون لها، رجل دعا في صلاته فسأل الله الرزق أو العافية لم تفسد صلاته، وكذلك إن قال: اللهمّ أكرمني أو أنعم عليّ أو أصلح لي أمري فاغفر لي ولوالدي وارزقني حج بيتك وما أشبه ذلك، وإن قال اللهمّ اكسني ثوباً أو زوجني فلانة أو ما أشبه ذلك من حديث الناس فسدت صلاته.
وإذا مر المصلي بآية فيها ذكر الموت أو النار فوقف عندها وتعوذ بالله من الشيطان واستغفر وهو وحده في التطوع فذلك حسن، وإن كان إماماً كرهته له ولم أفسد صلاته، وكذلك إن كان خلف الإمام فإنه يستمع وينصت، وإذا مرت الحائض بين يدي المصلي فقال سبحان الله أو أومأ بيده، ليصرفها لم يقطع ذلك صلاته وأحب إلي أن لا يفعل.
فإذا استأذن عليه انسان فسبح وأراد به إعلامه أنه في الصلاة لم يقطع صلاته وإن أخبر بخبر يسوئه فاسترجع لذلك وأراد جوابه فهذا يقطع صلاته، وإن أراد به تلاوة القرآن لم تفسد صلاته، وكذلك إن أخبر بخبر يسره فقال الحمد لله وما أشبه ذلك وأراد جوابه قطع صلاته، وإن لم يرد جوابه ولكنه حمد الله وسبح فقال هذا لا يكون كلاماً وصلاته تامة، وقال أبو يوسف س: التحميد وما أشبهه لا يقطع الصلاة وإن أراد به الجواب.
الجزء 1 · صفحة 34
وإن أنشد في صلاته شعراً فيه تحميد أو شبهه فسدت صلاته، فإذا قرأ القرآن في صلاته من المصحف فسدت صلاته في قول أبي حنيفة س، وقال أبو يوسف ومحمد ب صلاته تامة ويكره ذلك، لأنه يشبه فعل أهل الكتاب. رجل صلى ومعه جلد ميتة مدبوغة قال لا بأس بذلك، وكذلك جلود السباع، وإن كان غير مدبوغ وصلى لم يجز.
وإن كان معه شيء كثير من لحم الميتة فصلاته فاسدة، وإن صلى ومعه صوفها أو عظم من عظامها فصلاته تامة لأنهما لا يحتاجان إلى الدباغ، رجل صلى وقدامه عذرة قال لا يفسد ذلك صلاته وإن كان ذلك حيث يسجد أو حيث يقوم فصلاته فاسدة، وفي الإملاء! عن أبي حنيفة س قال: إذا كان موضع القدم طاهراً وكان السجود على موضع النجاسة فصلاته تامة، وجعل موضع السجود بمنزلة موضع الكف والركبة، وقال أبو يوسف س: لا يشبه موضع السجود موضع الكف والركبة.
فإذا سجد على موضع قذر لم يجزه تلك السجدة، فإن أعادها على موضع نظيف تمت صلاته، وإن انصرف من صلاته وتكلم قبل أن يعيدها فسدت صلاته، رجل صلى على مكان من الأرض قد كان فيه نجاسة فجفّت وذهب أثرها جازت صلاته، ولا يجزيه أن يتيمم منه، وإن كان الأثر باقياً لم يجزه الصلاة عليه، وإن كان ذلك على بساط لم يجزه الصلاة عليه وإن ذهب أثر النجاسة.
ويجوز الصلاة على الطنفسة أو الحصير والمسيح، وكذلك إن وضع ثوبه فسجد عليه يتقي بذلك حر الأرض وبردها، ولا بأس بأن يصلي على الثلج إذا كان متمكناً يستطيع أن يسجد عليه، ويكره أن يكون قبلة المسجد إلى حمام أو مخرج أو قبر ولا تفسد صلاته.
ويكره للمسافرين أن يصلوا على الطريق وينبغي لهم أن يتنحوا، ومن زحمه الناس فلم يجد موضعاً للسجود فسجد على ظهر إنسان أجزأه، ومن اقتدى بالإمام ينوي صلاته ولا يدري أنه الظهر أو الجمعة أجزأه المكتوبة أيهما كان، وإذا دخل معه الصلاة ولم ينو صلاة الإمام فصلى معه فإذا هي الجمعة فصلاته فاسدة، وفي غير رواية أبي سليمان: أنه إذا نوى الظهر فإذا هي الجمعة أو نوى الجمعة فإذا هي الظهر وهذا هو الصحيح أيهما كان.
وإذا صلى الرجل المكتوبة كرهت له أن يعتمد على شيء إلا من عذر، وإن صلى فصلاته تامة، ومن نسي تكبير الافتتاح وقرأ لم يكن داخلاً في الصلاة فإن ذكر ذلك فكبر للركوع لم يجز عن تكبيرة الافتتاح، وإذا افتتح الصلاة قائماً ثم أراد أن يقعد من غير عذر فله ذلك عند أبي حنيفة س استحساناً، وقال أبو يوسف ومحمد ب: لا يجزيه.
الجزء 1 · صفحة 35
وإن افتتحها قاعداً ثم بدا له أن يقوم فيصلي بعضها قائما وبعضها قاعداً أجزأه، وإن افتتح التطوع على غير وضوء أو على ثوب نجس لم يكن داخلاً فيه ولم يلزمه القضاء، وإن افتتحه نصف النهار أو حين تحمر الشمس أو بعد الفجر قبل طلوع الشمس فصلى فقد أساء ولا شيء عليه، وإن قطعه فعليه القضاء في ساعة تحل فيها الصلاة.
وإذا صلت المرأة وهي حاملة صبيها أجزأها وهي مسيئة، وكذلك من صلى وفي فمه شيء أو في يده متاع يمسكه ولم يضع يده في الركوع على ركبتيه أو في السجود على الأرض، وإذا أقعى المصلي في صلاته أو تربع من غير عذر فقد أساء وصلاته تامة.
والمصلي قاعداً تطوعا يتربع ويقعد كيف شاء وأن يصلي محتبيا، وإذا صلى فوق المسجد مقتديا بالإمام أجزأه، وكذلك إن كان على سطح بجنب المسجد وليس بينهما طريق، ولا بأس بالصلاة في بيت في قبلته تماثيل مقطوعة الرأس، وإن لم تكن مقطوعة الرأس كرهتها في القبلة وفي البيت وعلى اللباس والبساط إلا أنه على البساط أيسر لما فيه من الرخصة.
رجل قارئ دخل في صلاة أمي تطوعاً أو في صلاة امرأة أو جنب أو على غير وضوء ثم أفسدها على نفسه فليس عليه قضاؤها لأنه لم يدخل في صلاة تامة، وإذا وقفت جارية لم تحض إلا أنها تعقل الصلاة عند رجل خلف الإمام وهو يؤمها في صلاته فسدت صلاة الرجل استحساناً.
ألا ترى أنها لو صلت بغير وضوء أو عريانة أمرتها أن تعيد الصلاة، ولو صلت بغير قناع أستحسن أن أجيزها صلاتها والأمة إذا صلت بغير قناع وكذلك المكاتبة وأم الولد فأعتقت في صلاتها أخذت قناعها ومضت في صلاتها.
باب صلاة المريض
وإذا لم يستطع المريض أن يسجد على الأرض أومأ إيمائا وهو قاعد ويجعل السجود أخفض من الركوع، ولا يقوم وإن قدر على القيام إذا لم يستطيع السجود، وإن لم يستطع القعود صلى مضطجعاً على قفاه متوجها نحو القبلة، ويؤم المومئ من هو مثله ولا يؤم من يقدر على السجود، ويقتدي المومئ بالمصلي قائماً أو قاعداً، فإن نزع الماء من عينيه وأمر أن يستلقي أماما على ظهره ونهي عن القعود والسجود أجزأه وإن يصلى مستلقياً مومئاً.
الجزء 1 · صفحة 36
مريض أو صحيح صلى بغير القبلة متعمداً لم يجزه، وإن كان خطأ منه ذلك أجزأه، وإن صلى قبل الوقت عمداً أو خطأ أو بغير وضوء أو بغير قراءة لم يجزه، قوم مرضى يصلون في بيت بالليل قام واحد منهم فأمهم فصلى بعضهم إلى القبلة وبعضهم لغير القبلة وهم يظنون أنهم أصابوا القبلة قال صلاتهم جائزة، قال أبو الفضل: وهذا إذا ما لم يعلم المؤتم أنه قد خالف إمامه فيما وقع تحريه عليه ولم يكن أمامه.
وإذا تبين للمسافر في بعض الصلاة أنه قد أخطأ القبلة قال الحاكم:: وهو في الصلاة صرف وجهه إليها وبنى عليها، والمومئ يسجد للسهو بإيماء، وإذا أغمي على الرجل يوماً وليلة قضى الفوائت، وإذا أغمي عليه أكثر من ذلك لم يقض، وإذا لم يستطع السجود لمرض أو جراح أو خوف فهذا كله سواء ويومئ، وكذلك إن لم يستطع أن يقرأ مع ذلك أومأ بغير قراءة.
وإن كان بجبهته جرح لا يستطيع السجود عليه لم يجزه الإيماء وعليه أن يسجد على أنفه، ويكره للمومئ أن يرفع إليه عوداً أو وسادة يسجد عليه فإن فعل به أجزأه، إن كان قد خفض رأسه للركوع شيئاً ثم خفضه للسجود وقرب إليه العود، وإن كان رفع إليه من غير أن يخفض رأسه شيئا أو يومئ لم يجزه.
إمام صلى قاعداً بركوع وسجود وخلفه قوم يصلون قياماً قال يجزيهم وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ب، وقال محمد س: لا يجزيهم، وإن افتتح الصلاة بإيماء ثم برئ وصح استقبلها، وإن افتتحها قائماً صحيحاً ثم أصابه وجع لا يستطيع معه غير الإيماء مضى فيها في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ب، وقال محمد س: يستقبل، وإن افتتحها قاعداً بركوع وسجود فصلى ركعتين ثم برئ وصح فإنه يقوم ويمضي فيها بقول أبي حنيفة وأبي يوسف ب، وقال محمد س يستقبل.
وقال في الإملاء!: إذا صار من القيام إلى الإيماء أجزأه أن يتمم وفي القياس لا يجزيه، ولكن القياس في هذا فاحش، وذكر هذه المسألة في موضع آخر في الأمالي! فقال: لا يجزيه في قول أبي حنيفة س، وقال أبو يوسف س: أرجوا أن يجزيه، وقال فيه أيضا إن صلى ركعة بثوب ثم ذهب الثوب أجزأه أن يبني ويومئ، وقال فيه أيضًا: وإن صلى ركعة وهو آمن ثم خاف فركب وهرب فله أن يبني، وإن صلى على دابته وهو خائف ركعة ثم أمن فنزل استقبل، وقال فيه أيضا: إن صلى تطوعاً راكباً ثم نزل من غير خوف فعليه أن يستقبل وفي القياس يجزيه ولكن النزول عمل والركوب عمل يقطع ذلك وهذا خلاف ما قال في الأصل!
الجزء 1 · صفحة 37
باب سجود السهو
وإذا صلى الرجل فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً وذلك أوّل ما سهى يستقبل الصلاة، وإن بقي ذلك غير مدة تجزي الصلاة وأتم الصلاة على ذلك ويتشهد ويسلم ويسجد سجدتي السهو، ثم يتشهد ثم يسلم، ومن سهى عن قيام أو قعود أو قراءة فغير شيء من ذلك عن جهة أو شيئا أو تكبيرات العيدين أو قنوت الوتر أو قراءة التشهد فعليه سجدتا السهو، فإن سهى عن الثناء والتعوذ والتكبيرات في الركوع والسجود أو تسبيحاتهما لم يسجد للسهو.
وإن سهى عن فاتحة الكتاب في الركعة الأولى أو بدأ بغيرها فلما قرأ من السورة شيئاً ذكر قال تعوذ فيبدأ بفاتحة الكتاب وعليه سجدتا السهو، وإن قرأ في الأوليين سورة سورة ولم يقرأ بفاتحة الكتاب وهي صلاة العشاء فإن شاء قرأ بفاتحة الكتاب في الأخر بين وإن شاء لم يقرأ، فإن قرأ لم يكن قضى عما ترك، وإن قرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب دون السورة قرأها في الأخريين وجهر، وإذا قرأ في كل ركعة من صلاته بآية آية أجزأه إن لم تكن آية قصيرة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ش، ثم رجع أبو حنيفة س فقال: يجزيه وإن كانت قصيرة.
قال: وحكي عن أبي يوسف س أنه قال: لا يجزيه بأقلّ من ثلاث آيات، قال أبو الفضل وحكي إبراهيم بن رستم عن محمد قال قولنا في ذلك ثلاث آيات قصار أو آية كثيرة مثل أيها الذين أو أيها الكرسي.
وإذا جهر الإمام فيما يخافت فيه أو خافت فيما يجهر فيه سجد للسهو وإن كان وحده لم يسجد وبسهو الإمام يوجب عليه وعلى من خلفه السجود، وبسهو المؤتم لا يوجبه، وإذا سلم في الرابعة ساهياً بعد قعوده مقدار التشهد ولم يتشهد وكان عليه سجدة تلاوة أو سجدة صلبية عاد إلى قضاء ما عليه ثم يسلم ويسجد للسهو.
وإن كان سلم عامداً فقد قطع صلاته وليس عليه إعادتها إلا من السجدة الصلبية أو لم يقعد قدر التشهد، وإذا شك في شيء من صلاته ثم استيقن به فإن كان تفكره حين شك فيه شغله عن شيء من صلاته سجد للسهو، وإن كان لم يشغله ولم يطل حتى استيقن فلا سجود عليه، وإذا نهض من الركعتين ساهياً فلم يستتم قائماً حتى ذكر فقعد فعليه سجود السهو.
وإذا سهى في صلاته مرات لم يجب عليه إلا سجدتان، وإذا أراد أن يقرأ سورة فأخطأ فقرأ غيرها فلم يكن عليه سجود السهو، ومن سجد للسهو قبل التسليم أجزأه، وإن شك من سجود السهو
الجزء 1 · صفحة 38
عمل بالتحري ولم يسجد لهذا السهو وإن سلم وهو لا يريد أن يسجد للسهو لم يكن تسليمه ذلك قطعاً ويسجد، وإن سبقه الحدث بعدما سلم أو بعدما سجد سجدة واحدة للسهو توضأ وأعاد فأتم وإن كان إماما استخلف من يتم بالقوم.
وإذا أحدث الإمام في خلال صلاته وقد سهى واستخلف رجلاً فيها أيضا كفاه سجدتان لسهوه وسهو الأول، فإن لم يكن الأول سهى لزمه سجود السهو لسهو الثاني، ألا ترى أن الثاني لو أفسد الصلاة على نفسه فسدت على الأول، ولو أفسد الأول على نفسه لم تفسد على الثاني، ويسجد المسبوق مع الإمام سجود السهو قبل أن يقوم إلى قضاء ما سبق فإن لم يفعل سجد في آخر صلاته استحساناً.
وإن سها فيما يقضي كفاه سجدتان لسهوه ولما عليه من قبل الإمام، وإن كان سجد مع الإمام سجد لسهوه في آخر صلاته، فإن دخل المسبوق في صلاته بعدما سلم قبل أن يسجد معه فإن لم يسجد معه قضى في آخر صلاته، وإن دخل في صلاته بعدما سجد سجدة واحدة وهو في الثانية فإنه يسجدها معه ولا يقضي الأولى.
وكذلك إذا دخل في صلاته بعدما سجدهما لم يقضهما، ولا يتبع الإمام في تكبير التشريق وتلبية الإحرام حتى يفرغ من صلاته، وإذا ذكر سجدتين من ركعتين بدأ بالأولى منهما، وكذلك إن كانت إحداهما لتلاوة وإذا سلم وانصرف ثم ذكر أن عليه سجدة صلبية أو سجدة تلاوة، فإن كان في المسجد ولم يتكلم عاد إلى صلاته، وإن كان قد خرج من المسجد استقبل الصلاة في السجدة الصلبية خاصة وإنما قدر المسجد استحساناً، وإن كان في صحراء فوقته أن يجاوز أصحابه.
رجل صلى الظهر خمس ركعات ولم يقعد في الرابعة قال صلاته فاسدة وأحب الي أن يشفع الخامسة بركعة ثم يسلم ويستقبل الظهر، وإن كان قعد في الرابعة قدر التشهد فقد تمت الظهر والخامسة تطوع ويشفعها بركعة وإن لم يفعل فلا شيء عليه.
رجل افتتح الصلاة وقرأ وركع ولم يسجد ثم قام فقرأ وسجد ولم يركع فهذا قد صلى ركعة، وكذلك إن ركع أولا ثم قرأ وركع وسجد فإنما صلى ركعة واحدة وقد بطلت الأولى، وكذلك إن سجد أولا سجدتين ثم قام فقرأ الثانية وركع ولم يسجد ثم قام فقرأ وسجد في الثالثة ولم يركع فإنما صلى ركعة واحدة، وكذلك إن ركع في الأولى ولم يسجد وركع في الثانية ولم يسجد ثم قام فقرأ أو سجد في الثالثة ولم يركع فإنما صلى ركعة واحدة وفيما بأن السجدتان للركعة الأولى وبطلت الوسطى.
الجزء 1 · صفحة 39
وإذا سلم في الركعتين من الظهر ساهياً مضي على صلاته ويسجد للسهو وليس ذلك كالكلام ناسياً، وإذا سهى المصلي فسجد في الركعة الواحدة ثلاث سجدات أو ركع ركوعا بعد ركوع قبل أن يسجد قال لا تفسد صلاته ما لم تكن الزيادة ركوعا مقيدا بسجدة، وإذا سهى الإمام في الصلاة ثم أحدث فاستخلف مسبوقا فأتم بهم الصلاة تأخر من غير أن يسلم وقدم مدركا أدرك أول الصلاة فيسلم بهم وسجد سجدتي السهو ويسجد هو معه ثم يقوم إلى قضاء ما سبق به وحده.
وإن لم يكن مدرك فيهم قام كل واحد منهم إلى قضاء ما سبق به وحده وسجد للسهو في آخره استحسانًا، وكذلك صلاة المقيم مع المسافر سجد معه للسهو إذا سجد ثم يقوم إلى تمام صلاته وإن سهى فيما بقي سجد أيضاً.
وأما اللاحق فلا يسجد مع الإمام ولكنه يبدأ بما عليه وإن سجد مع الإمام للسهو لم يجز عليه أن يعيد إذا فرغ من قضاء ما عليه، وعلى المسبوق أن يقرأ فيما يقضي ولا تنفعه قراءة الإمام وإن كان قد قرأ فيما أدرك معه، وكذلك إن كان هذا المسبوق قرأ خلف الإمام فيما صلى معه، وإذا قام المسبوق إلى قضاء ما عليه بعدما تشهد الإمام قبل أن يسلم فقضاؤه أجزأه.
وإن قام إليه وقضاه قبل أن يقعد الإمام قدر التشهد لم يجزه، وقال في نوادر! أبي سليمان: عن محمد بن الحسن س: إن كان مسبوقا بركعة ففرع الإمام من مقدار التشهد قبل أن يركع هذا المسبوق، فإن قرأ بعد قعود الإمام مقدار التشهد من القرآن ما يجوز به الركعة جازت صلاته، وإن كان مسبوقا بثلاث ركعات فإن ثبت قائماً ساعة بعد قعود الإمام قدر التشهد أجزأه لأنه يقضي القراءة في الركعتين الباقيتين.
وفي الأصل! فإن قام بعدما يتشهد الإمام وعليه سجود السهو فقرأ وركع فإنه يرفض ذلك ويخر فيسجد مع الإمام ثم يقضي الركعة ويعيد بما صنع، وإن كان ركع وسجد لم يعد إلى السجود مع الإمام، وإذا اقتدى أحد المسبوقين بالآخر فيما يقضيان فسدت صلاة المؤتم، وكذلك المقيمان إذا صليا خلف المسافر فسلم الإمام وقاما إلى إتمام صلاتهما فاقتدى أحدهما بالآخر، وإذا اقتدى المتطوع بمصلي الظهر في أول صلاته أو في آخرها ثم قطعها فعليه قضاء أربع ركعات، وإذا افتتح الظهر ونوى أن يصليها ستاً ثم بدا له فسلم على الأربع تمت صلاته وليس عليه شيء.
وكذلك إن افتتحها المسافر ينوي أن يصليها أربعا ثم بدا له فصلى ركعتين فصلاته تامة، وكذلك لو نوى أن يقطعها بكلام أو غيره فتلك النية ساقطة ما لم يعمل بها، وإذا لم يقرأ في الركعة من التطوع فسدت صلاته وكذلك إن ترك القراءة في ركعة من صلاة الفجر، وإذا توهم مصلي الظهر أنه قد أتمها
الجزء 1 · صفحة 40
فسلم ثم علم أنه صلى ركعتين وهو على مكانه لم يسلم فإنه يتمها ويسجد للسهو، وإن لم يسلم ولكنه نوى القطع لصلاته والدخول في صلاة أخرى تطوعاً وهو ساهي ثم ذكر ذلك بعدما دخل في التطوع فإنه يمضي في التطوع ثم يعيد الظهر.
وإذا سهى الإمام في صلاة الخوف سجد للسهو وسجدت الطائفة التي معه أيضاً، وأما الطائفة الأولى فإنها تسجد إذا فرغت من قضاء ما عليها، رجل افتتح الصلاة فقرأ ثم شك في تكبير الافتتاح فأعاد التكبير والقراءة ثم علم أنه قد كان كبر قال عليه سجدتا السهو، وكذلك إن كان ركع قبل أن يشك أو سجد يعتد به وبنى على ذلك الركوع أو السجود وليس تكبيره الثاني يقطع الصلاة.
وإذا كان في الظهر فتوهم أنه في العصر وصلى على ذلك ركعة أو ركعتين فلا سهو عليه لأنه يعلم ما صلى إلا أن يتفكر في ذلك تفكراً يشغله عن ركعة أو سجدة أو يكون في ركوع أو سجود فيطول تفكره ذلك فأستحسن إذا تغير عن حاله بالتفكر فإن أجعل عليه سجدة السهو، وإن شك في صلاة قد صلاها قبل هذه الصلاة فتفكر في ذلك وهو في هذه الصلاة لم يكن عليه سجود السهو، وإن شغله تفكره لأنه لم يشك في هذه.
وإذا قعد المصلي في آخر صلاته قدر التشهد ثم شك في شيء من صلاته حتى شغل ذلك عن التسليم ثم ذكر أنه في الصلاة فسلم فعليه سجدتا السهو، فإن عرض ذلك له بعدما سلم تسليمة فلا سجود عليه.
وإذا أحدث في خلال صلاته فذهب يتوضأ عرض له هذا الشك حتى شغله وضوؤه ساعة فعليه سجدتا السهو، وإذا صلى ركعتين تطوعا وسهى فيهما فسجد لسهوه بعد التسليم ثم أراد أن يبني عليهما ركعتين لم يكن له ذلك.
قال محمد بن الحسن س: في رجل صلى العشاء فسهى فيها فسجد وقرأ سجدة التلاوة فلم يسجدها وترك سجدة من ركعة ساهياً ثم سلم وهو ذاكر لسجدة التلاوة خاصة أو ذاكر لسجدة الركعة خاصة فسدت صلاته في الوجهين جميعاً لأنه لا يستطيع أن يقضي التي كان ذاكراً لها بعد التسليم.
وإذا جعلت عليه قضاء التي كان ناسياً لها وجب أن يقضي الذي كان ذاكرا لها، وإن نسي القنوت في الوتر ثم ذكر بعدما رفع رأسه لم يقنت وإن قنت لم يسقط عنه سجود السهو ولو صلى ركعتين تطوعاً فسهى فيها وتشهد ثم قام فصلى ركعتين فعليه أن يسجد لسهوه في الأوليين
الجزء 1 · صفحة 41
باب صلاة المسافر
وأقل ما يقصر فيه الصلاة من السفر إذا قصد به مسيرة ثلاثة أيام ويقصر حين يخرج من مصره ويخلف درب المصر، وأقل الإقامة خمسة عشر يوماً للأثر عن ابن عمر ب، وإذا قدم الكوفي مكة وهو ينوي أن يقيم بها وبمنى خمسة عشر يوماً فهو مسافر لأنه لم ينو الإقامة في بلد واحد، وليست مكة ومنى في الموضع كمصر واحد.
وكذلك من أقبل من الجبل يريد الحيرة وأهله بها فمر بالكوفة صلى بها صلاة مسافر حتى يأتي الحيرة، وإذا خرج من مصره مسافراَ قبل فوت وقت الصلاة صلاها صلاة مسافر، وإن قدم مصره قبل فوت الوقت صلاها صلاة مقيم، وإذا كان شيء من ذلك بعد فوت الوقت صلاها كما فات، وإذا قرب المسافر من مصره فحضرت الصلاة صلاها صلاة مسافر ما لم يدخل مصره.
وإن كان خرج من مصره مسافراً ثم بدا له أن يعود إلي مصره لحاجة قبل أن يسير مسيرة ثلاثة أيام صلى صلاة مقيم في انصرافه، رجل خرج من مصره مسافراً فحضرته صلاة فافتتحها ثم أحدث فانفتل ليأتي مصره فيتوضأ ثم علم أن معه ماء فإنه يتوضأ ويصلي صلاة مقيم لأنه حين أجمع رأيه على دخول المصر وجب عليه ما وجب على المقيم.
وكذلك إن نوى المقام وهو في الصلاة ثم بدا له أن يمشي علي سفره فهو مقيم حتى يسير بعد فراغه من الصلاة ولا يكون مسافراً بالنية كما يكون مقيما بالنية لأن السفر عمل، مسافر صلى في سفره أربعاً أربعاً قال إن كان قعد في كل ركعتين قدر التشهد فصلاته تامة والآخران له تطوع وإن كان لم يقعد فصلاته فاسدة.
مسافر صلى الظهر ركعتين وعليه سجود السهو فسلم ثم نوى الإقامة قال صلاته تامة وليس عليه سجود السهو ونيته هذه قطع للصلاة ألا ترى أنه لو قهقه في هذا الحال لم يكن عليه وضوء، ولو كان في صلاة لكان عليه الوضوء وإنما بدا له المقام حين فرغ من صلاته.
وإن سجد لسهوه سجدة أو سجدتين ثم نوى الإقامة فعليه أن يكمله أربع ركعات ويسجد في آخرها سجدتي السهو؛ لأن هذا بدا له المقام وهو في الصلاة ألا ترى أنه لو قهقه كان عليه الوضوء، ولو اقتدى به رجلاً كان داخلاً في صلاته وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ب، وقال محمد س: لا يصير داخلاً، وكذلك أيضاً في جميع هذه الوجوه.
الجزء 1 · صفحة 42
مسافر أمّ مسافرين ومقيمين فصلى بهم ركعة وسجدة ثم أحدث فقدم رجلاً دخل في معه الصلاة ساعتئذ وهو مسافر قال لا ينبغي لذلك الرجل أن يتقدم ولكن ينبغي للإمام أن يقدم غيره فإن تقدم ذلك المسافر فينبغي له أن يسجد تلك ثم يصلي بهم.
فإن سهى عن تلك السجدة وصلى بهم ركعة وسجدة ثم أحدث فقدم رجلاً دخل في الصلاة ساعتئذ وذهب فتوضأ وجاء فرجع الإمام الأول فإن سجد هذا الإمام الثالث تلك السجدة الأولى سجدها معه الإمام الأول والقوم ولا يسجدها الإمام الثاني ثم يسجد السجدة الأخرى ويسجدها معه الإمام الثاني والقوم ولا يسجدها الأول، ويصلي الإمام الأول الركعة الثانية بغير قراءة فإن أدرك مع الإمام الثالث السجدة الأخيرة سجدها معه وتشهد الإمام الثالث ثم يتأخر ويقدم رجلاً قد أدرك أول الصلاة فسلم بهم وسجد للسهو ويسجدون معه ثم يقوم الثاني فيقضي الركعة التي سبق بها ويقرأ فيها ويكمل المقيمون صلاتهم وحداناً.
مقيم صلى بقوم الظهر فلما صلى ركعة وسجدة أحدث فقدم مسافراً فسهى عن هذه السجدة وصلى بهم ركعة وسجدة ثم أحدث فقدم مدركاً فسهى عن السجدتين وصلى بهم ركعة وسجدة ثم أحدث فقدم مدركاً فسهى عن الثلاث السجدات وصلى بهم ركعة وسجدة ثم أحدث فقدم مدركاً وتوضأ الأئمة الأربعة ورجع قال ينبغي لهذا الإمام الخامس أن يسجد بهم السجدة الأولى ويسجد معه الأئمة الأربعة والقوم جميعاً ثم سجد بهم السجدة الثانية ويسجدونها معه غير الإمام الأول ويسجد السجدة الثالثة ويسجدونها معه غير الإمام الأول والثاني ثم يسجد السجدة الرابعة ويسجد معه القوم إلا الإمام الأول والثاني والثالث ويقضي الأول الركعة الثانية ويقعد فيها ثم يقضي الثالثة والرابعة ويقضي الثاني الركعة الثالثة والرابعة ويقضي الثالث الركعة الرابعة.
ومن أدرك منهم الإمام الآخر في سجدة من ركعته التي يقضي سجد معه فيها ثم يسلم وسجد سجدتي السهو ويسجد القوم معه ومن فرغ من الأئمة من صلاته.
مقيم صلى بمقيمين ركعة من الظهر وسجدة ثم أحدث فقدم رجلاً جاء ساعتئذ فصلى بهم ركعة وسجدة ثم أحدث فقدم رجلاً جاء ساعتئذ فصلى بهم ركعة وسجدة ثم أحدث فقدم رجلاً جاء ساعتئذ فصلى بهم ركعة وسجدة ثم أحدث فقدم رجلاً جاء ساعتئذ ثم توضأ الأئمة الأربعة وجاؤوا قال ينبغي لهذا الإمام الخامس أن يسجد لهم أربع سجدات يبدأ بالأولى فالأولى، ويسجد معه الإمام الأول السجدة الأولى والقوم، ولا يسجدها معه الثاني والثالث والرابع تلك السجدة، ثم سجد الثانية
الجزء 1 · صفحة 43
فسجدها معه الثاني والقوم ولا يسجدها الأول والثالث والرابع ثم يسجد الثالثة فيسجد معه الثالث والقوم إلا الأول ثم يسجد الرابعة ويسجد معه الرابع والقوم.
ومن أدرك من الأئمة في شيء من هذه السجدات فيما يقضي يسجدها معه فإن فرغ الأول من القضاء قعد مع الخامس للتشهد، وأما الثاني والثالث والرابع فليس يقضي أحد منهم ما سبق به قبل دخوله في الصلاة إلا بعدما يفرغ الإمام من صلاته وينبغي للخامس إذا تشهد أن يتأخر ويقدم مدركاً يسلم بهم ويسجد للسهو ويسجد معه القوم غير الإمام الأول إلا أن يكون قد فرغ مما عليه فيسجد معه والأئمة الآخرين إن كانوا قضوا ما سبقهم الإمام به بعد ما دخلوا في الصلاة فسجدوا معه.
رجل دخل مع الإمام في الركعة الثالثة من المغرب ينوي به التطوع قال إذا سلم الإمام قام هذا فصلى ثلاث ركعات يقرأ فيهن جميعاً ويقعد في الأولى منهن لأنها الثانية له ولا يقعد في الثانية لأنها الثالثة له ويقعد في الركعة الآخرة.
رجل اقتدى بامرأة في التطوع قال قد أساء ودخل في غير الصلاة ولا قضاء عليه إن قطع، مسافر أم مسافرين فصلى بهم ركعة ثم نوى الإقامة قال: عليه أن يكمل بهم الصلاة فإن أحدث بعد ذلك واستخلف رجلاً صلى صلاة مقيم، إمام أحدث فاستخلف مدركا قد نام خلفه حتى صلى الإمام ركعة وقدمه قال أبو حنيفة س: إن تأخر وقدم غيره فهو أحب إليّ، وإن لم يفعل وقضى ما عليه وهو قد أمهم وأومأ إليهم فقاموا أجزأه ذلك أيضا، وإن لم يفعل وصلى بهم ثلاث ركعات وتشهد ثم قدم مدركا فسلم بهم وقام فقضى ما عليه أجزأه ذلك أيضاً.
وإن صلى بهم ركعة ثم ذكر ركعته تلك فأفضل ذلك أن يومئ إلى القوم فيقيمون حتى يقضي هو ركعته ثم يصلي بهم بقية صلاتهم، وإن لم يفعل وتأخر حين ذكر ذلك وقدم رجلاً فصلى بهم فهو أفضل، وإن لم يفعل ولكنه صلى بهم وهو ذاكر لركعته أجزأه ذلك أيضاَ.
وليس للمسافر أن يقتدي بالمقيم بعد فوت الوقت، وللمقيم أن يقتدي بهم، والغلام المراهق إذا قام في الصف مع رجل أجزأهما الصلاة، رجل ترك صلاة واحدة ثم صلى شهراً وهو ذاكر لها قال عليه أن يقضي تلك الصلاة وحدها استحسانا، وإن كان صلى يوما أو أقل من ذلك بعدها أعاد ما صلى بعدها أيضاً وهذا قول أبي حنيفة س، وقال أبو يوسف ومحمد ب: في الوجهين جميعا يعيد المتروكة وصلاة يوم وليلة.
وقال أبو حنيفة س: من صلى المغرب بعرفات بعد غروب الشمس فعليه أن يعيدها، فإن لم يعدها حتى طلع الفجر أجزت عنه؛ لأنه صلاها لوقتها، قال: وكذلك يعيد صلاة يوم بعد المتروكة،
الجزء 1 · صفحة 44
فإذا مضى أكثر من ذلك لم يكن عليه قضاء غير المتروكة، رجل صلى الظهر على غير وضوء ثم صلى العصر على وضوء وهو ذاكر لذلك وهو يحسب أنه يجزيه قال عليه أن يعيدهما جميعاً، فإن أعاد الظهر وحدها ثم صلى المغرب وهو يظن أن العصر له جائزة قال يجزيه المغرب ويعيد العصر.
رجل صلى مع الإمام وقد سبقه بركعة فلما سلم الإمام قام فقضى ركعة ثم ذكر الإمام أن عليه سجدة تلاوة فسجدها وتشهد لها وسلم قال صلاة الرجل فاسدة لأن تشهد الإمام أولا قد انتقض فصار هذا كأنه قام بقضاء ما عليه قبل أن يتشهد الامام، وكذلك إن قام بقضاء ركعة قبل أن يسلم الإمام فإن ركع ولم يسجد حتى سجد الإمام فسجد الرجل معه فقد أحسن ويقعد مع الإمام فإذا فرغ قام فقضى ركعته وأعاد القراءة والركوع، فإن كان ركع وسجد سجدة أو سجدتين ثم سجد مع الإمام فسدت صلاته أيضاً.
وإن لم يكن على الإمام سجدة التلاوة فقام هذا المسبوق بركعة قبل أن يقعد الإمام قدر التشهد فقرأ وركع وسجد فإن كان قرأ بعد قعود الإمام ما تجوز به الركعة من القرآن جازت صلاته، وإن كان فراغه من القراءة وفراغ الإمام من مقدار القعود سواء لم تجزه صلاته.
رجل أسلم في دار الحرب فمكث فيها شهرا لم يصل ولم يعلم أن عليه الصلاة فليس عليه قضاؤها، وإن كان في دار الإسلام فعليه قضاؤها، وقال أبو يوسف ومحمد ب: هما في القياس سواء ولا قضاء عليه في الدارين حتى يلزمهما الحجة ولكنا نضع القياس، ونقول بما قال أبو حنيفة س.
رجل ترك الظهر والعصر من يومين مختلفين لا يدري لعل العصر الذي ترك أولا قال يتحرى في ذلك فإن لم يكن فيه رأي وأراد الأخذ بالثقة صلى الظهر ثم العصر ثم الظهر، وقال أبو يوسف ومحمد ب: لا نأمره بذلك وعليه أن يتحرى.
مسافر صلى بمسافر فأحدث الإمام وخرج من المسجد ونوى هذا الثاني أن يصلي لنفسه فقد صار خليفة للخارج، فإن جاء رجل فاقتدى به ثم أحدث الثاني فخرج من المسجد صار هذا الثالث خليفة له فإن أحدث الثالث فخرج من المسجد قبل أن يرجعا الأول والثاني فصلاته تامة وصلاة الأولين فاسدة، فإن لم يخرج حتى جاء ثم أحدث قبل أن يتقدم واحد منهما فسدت صلاتهما وصلاة الثالث تامة.
رجل أم نساء ليس معهن رجل فأحدث فذهب ليتوضأ قال صلاته تامة وصلاة النسوة فاسدة، وإن استخلف امرأة فسدت صلاته أيضاً، فإن تقدمت امرأة منهن من غير أن يقدمها قبل أن يخرج من المسجد قال هذا والأول سواء.
الجزء 1 · صفحة 45
وأكره للمرأة أن تؤم النساء فإن فعلت قامت وسطهن، مسافر صلى الظهر ركعتين بغير قراءة ثم نوى الإقامة قال عليه أن يصلي ركعتين بقراءة، والمسافر والمقيم فيه سواء، وقال محمد س: صلاته فاسدة لأنه أفسدها قبل أن ينوي المقام، مسافر دخل في صلاة مقيم ثم ذهب الوقت لم تفسد صلاته، فإن أفسدها الإمام على نفسه كان على المسافر أن يصلي صلاة السفر.
والتقصير في السفر من صلاة الظهر والعصر والعشاء وتخفيف القراءة في جميع الصلوات، قال وأحب إلي أن يقرأ في الفجر والظهر سورة والسماء والطارق وما أشبهها، وفي العصر والمغرب والعشاء قل هو الله أحد وما أشبهها، ودخول المسافر في صلاة المقيم يلزمه الإكمال إن دخل في أولها أو آخرها قبل السلام.
وتوطين أهل العسكر أنفسهم على الإقامة وهم في دار الحرب يحاصرون لأهل المدينة ساقط وهم مسافرون، وكذلك إن نزلوا مدينة وحاصروا أهلها في بعضها، وكذلك إذا حاربوا أهل البغي في دار الإسلام وحاصروهم.
وقال أبو يوسف س في الإملاء! إذا كان العسكر في مدينة في البيوت فأجمعوا على إقامة خمسة عشر أكملوا، وإذا كانوا في عسكر في الأخبية والفساطيط في سفر فأجمعوا على إقامة خمسة عشر صلوا ركعتين، وفرق بين المدائن والعساكر، وإذا مر الإمام بمدينة وهو مسافر فصلى بهم الجمعة أجزأه وأجزأهم، وكذلك الأمير يطوف في بلاد عمله.
ويصلي المسافر التطوع على دابته بإيماء حيث توجهت به، وإن كان سرجه قذراً لم تفسد صلاته، والدابة أشد من ذلك، وكذلك المقيم يخرج من مصره فرسخين أو ثلاثة فله أن يتطوع على دابته، وقال أبو حنيفة س في الإملاء!: لا يصلي النافلة على الدابة في المصر، وقال أبو يوسف س: لا بأس بذلك.
ولا يصلي المسافر المكتوبة على الدابة إلا من ضرورة، وإذا افتتح التطوع على الأرض وأتمها راكباً لم يجزه، وكذلك إن قال: لله علي أن أصلي ركعتين فصلاهما راكباً وكذلك إن سمع سجدة تلاوة في الأرض فسجدها على الدابة بإيماء، وكل ما وجب من ذلك وهو راكب ثم نزل فقضاه أجزأه.
رجلان في محمل واحد فاقتدى أحدهما بالآخر في التطوع أجزأهما، وأكره له أن يأتم به إذا كان عن يسار الإمام، وإن كان كل واحد منهما على دابة لم يجزئ صلاة المؤتم ونية اللاحق للإقامة وهو في قضاء ما عليه وقد فرغ الامام من صلاة ساقطة لا يلزم الإتمام، وكذلك دخوله المصر.
ونية المسبوق في قضاء ما عليه للإقامة يلزمه الإتمام، وكذلك دخوله المصر ونية المنفرد للإقامة في صلاة افتتحها في الوقت ثم ذهب وقتها ساقطة، وكذلك دخوله المصر ويصلي ركعتين.
الجزء 1 · صفحة 46
خراساني قدم الكوفة ليقيم بها شهراً وخرج منها إلى الحيرة فوطن على إقامة خمسة عشر يوماً ثم خرج منها يريد خراسان ومر بالكوفة قال يصلي ركعتين، وإن لم يكن وطن على اقامة خمسة عشر يوماً بالحيرة صلى بالكوفة أربعاً لأن وطنه بالكوفة لا ينقضه إلا سفر ووطن آخر.
كوفي خرج إلي القادسية لحاجة ثم خرج منها إلى الحفيرة لحاجة ثم خرج من الحفيرة يريد الشام وله بالقادسية ثقل يريد أن يحملهم منها من غير أن يمر بالكوفة قال يصلي ركعتين وإن كان لم يأت الحفيرة ولكنه خرج من القادسية لحاجة حتى إذا كان قريباً من الحفيرة بدا له أن يرجع إلى القادسية فيحمل ثقله منها ويرتحل إلى الشام ولا يمر بالكوفة، صلي أربعاً حتى يرتحل منها استحساناً وهذا كخروجه من القادسية إلي جبانة.
باب الصلاة في السفينة
إذا استطاع الرجل الخروج من السفينة للصلاة فأحب له أن يخرج، وإن صلى فيها قاعداً وهو يستطيع القيام ويستطيع الخروج أجزأه في قول أبي حنيفة س، ولا يجزيه في قول أبي يوسف ومحمد ب، ولا يجزي للمسافر أن يتطوع فيها بالإيماء، وينبغي للمصلي فيها أن يتوجه إلى القبلة كيف ما دارت السفينة ولا يصير مقيما فيها بنية الإقامة.
وكذلك صاحب السفينة إلا أن يكون مقيما في قريته، ولا يجزي أن يأتم رجل من أهل سفينة بإمام في سفينة أخرى إلا أن يكونا مقرونين، وكذلك إن اقتدى من على الجد بإمام في السفينة لم يجزه إذا كان بينهما طريق أو طائفة من النهر، ومن خاف فوت شيء من ماله وسعه قطع صلاته.
باب السجدة
قال: ويكره ترك آية السجدة من سورة يقرأها وإن قرأ آية السجدة من بين السورة فأحب إلي أن يقرأ معها آيات، وإن لم يقرأ معها شيئاً لم يضره، وإن قرأها أو سمعها وهو جنب أو على غير وضوء لم يجز التيمم لها إذا كان يقدر على الماء.
ومن سمعها من صبي أو كافر أو جنب أو حائض فعليه أن يسجد وإن قرأتها الحائض أو سمعتها فلا شيء عليها، وإذا قرأ الرجل سجدة ومعه قوم فسمعوها وسجد فسجدوا معه لم يرفعوا رؤوسهم قبله وإن فعلوا جاز. وليس في قراءة سجدة واحدة أو سماعها مرة بعد أخرى في مجلس واحد قائما أو قاعدا أو مضطجعاً أكثر من سجدة إلا أن يذهب ثم يرجع فيقرأها أو يسمعها بعد رجوعه فيلزمه مرة أخرى، وإن قرأ آية سجدة وسجد لها ثم قرأ آية أخرى فيها سجدة وهو في مجلس سجد لها أيضاً، وكذلك سائر آي السجود في القرآن.
الجزء 1 · صفحة 47
وعدد سجود القرآن أربعة عشر سجدة التي في الأعراف، وفي الرعد، وفي النحل، وفي بني إسرائيل، وفي مريم، وفي الحج هي الأولى، وفي الفرقان وفي النمل، وفي ألم تنزيل، وفي ص وفي حم السجدة، وفي النجم، وإذا السماء انشقت، وفي اقرأ باسم ربك.
فإن تلاها راكباً أجزأه أن يؤمئ وإن تلاها ماشياً لم يجزه أن يومي، وإن قرأها في صلاته وهي في آخر السورة إلا آيات بقين بعدها قال إن شاء ركع لها وإن شاء سجدها، فإن أراد أن يركع بها ختم السورة ثم ركع بها، وإن أراد أن يسجد بها سجد عند الفراغ من السجدة ثم يقوم فيتلوا ما بعدها من السورة ليتم السورة، ثم يركع إن شاء، وإن وصل إليها سورة أخرى فهو أحب إلي.
فإن لم يكن بقي من السورة شيء فسجد لها ثم قام فلا بد من أن يقرأ آيات من سورة أخرى ثم يركع، وإذا قرأ آية السجدة فأراد أن يركع بالسجدة بعينها فالقياس أن الركوع والسجدة في ذلك سواء لأن كل ذلك في صلاة، الا ترى إلى قوله تعالى: وخر راكعاً يعنى ساجداً، وأما الاستحسان فينبغي له أن يسجد وبالقياس نأخذ.
وإذا سلم من صلاته وعليه سجدة تلاوة لا يذكرها فدخل إنسان في صلاته في تلك الحال فهو داخل في صلاته ويعود إليها للسجدة إذا ذكرها ثم يعيد التشهد بعدها، فإن تكلم قبل أن يذكرها في صلاته سقطت عنه، فإن وجبت السجدة عليه في غير الصلاة ثم ذكرها في الصلاة لم يقضها فيها.
وإن سمعها من غيره في الصلاة لم يسجدها فيها حتى يفرغ منها، فإن سجدها فيها لم يجزه ولم تفسد عليه صلاته وعليه أن يسجدها بعد الفراغ من صلاته، وإن سجد سجدة التلاوة لغير القبلة جاهلا أجزأه، وإن ضحك فيها أعادها ولم يعد الوضوء
ولا ينبغي للإمام أن يقرأ سورة فيها سجدة في صلاة لا يجهر فيها بالقرآن فإن قرأها سجدها، ويسجد معه القوم ويكبر بسجدة التلاوة إذا سجدها وإذا رفع رأسه ولا تسليم فيها، رجل قرأ آية السجدة خلف الإمام قال: ليس عليه أن يسجدها ولا على من سمعها من القوم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ب، وقال محمد س: سجدها إذا فرغ من الصلاة وكذلك من سمعها منه.
وإذا سمع المؤتم سجدة من أجنبي سجدها بعد الفراغ من الصلاة، وإن سمعها من الإمام من ليس معه في الصلاة فعليه أن يسجدها، فإن دخل مع الإمام في صلاته سجدها معه، فإن كان الإمام قد سجدها سقطت عن الرجل أيضا، وإن قرأها المصلي وسمعها أيضا من أجنبي أجزته سجدة واحدة، فإن سجدها ثم أحدث فذهب فتوضأ ثم عاد إلى مكانه وبنى على صلاته ثم قرأ ذلك الأجنبي
الجزء 1 · صفحة 48
تلك السجدة فعلى هذا المصلي أن يسجدها إذا فرغ من صلاته، وإن قرأها في غير صلاته فسجد ثم افتتح الصلاة في مكانه فقرأها فعليه سجدة أخرى.
فإن لم يكن سجد أولاً أجزته سجدة واحدة لهما جميعاً، رجل قرأ آية السجدة فسجدها ثم قرأ ثانية بعد ما أطال القعود قال تجزيه الأولى، فإن أكل أو نام مضطجعاً أو أخذ في بيع أو شراء أو عمل يعرف به أنه قطع لما كان قبل ذلك ثم قرأ فعليه سجدة أخرى، وإن نام قاعداً أو أكل لقمة أو شرب شربة أو عمل عملاً يسيراً ثم قرأها فليس عليه أخرى إنما أستحسن إذا طال العمل أن أوجبها.
قال: وإن قرأ آية السجدة فسجد ثم قرأ بعدها سورة طويلة ثم أعاد قراءة تلك السجدة لم يكن عليه أن يسجدها؛ لأن قراءة القرآن من السجود وإن قرأها في الركعة الأولى وسجدها ثم أعادها في الثانية أو الثالثة لم يكن عليه أن يسجدها ولم يذكر فيها اختلافاً.
وذكر في الجامع الكبير! أن هذا هو القياس وهذا آخر قول أبي يوسف س، وقوله الأول وهو قول محمد س أن عليه سجدة أخرى استحساناً، وإذا قرأ الإمام سجدة في ركعة وسجدها وفرغ منها ثم أحدث في الركعة الثانية فقدم رجلاً جاء ساعتئذ فقرأ تلك السجدة فعليه أن يسجدها، لأنه لم يسمع الأولى ويسجدها القوم معه.
وإذا سجدها في الصلاة ثم سلم وتكلم ثم قرأها في مكانه فعليه أن يسجد، وإن قرأها راكباً ثم نزل قبل أن يسير فقرأها فعليه سجدة واحدة باستحسان، وإن كان سار ثم نزل فعليه سجدتان، وإن قرأها على الأرض ثم ركب قبل أن يسير فعليه سجدة واحدة يسجدها على الأرض، وإن قرأها راكباً ونزل ثم ركب تلك الدابة فعليه أن يسجدها على الأرض، وإن قرأها راكبا ثم نزل ثم ركب تلك الدابة فقرأها وهو على مكانه فعليه سجدة واحدة.
وإن قرأها راكبا سائرا مرتين وهو في الصلاة لم يكن عليه إلا سجدة واحدة، وكذلك إن سمعها من غيره مرتين في ركعة أو ركعتين وهو يسير.
باب المستحاضة
إذا أدركها الحيض في شيء من الوقت وقد افتتحت الصلاة أو لم تفتتحها سقطت تلك الصلاة عنها، وإن طهرت من الحيض وعليها من الوقت ما تغتسل فيه فعليها قضاء تلك الصلاة، وإن كان
الجزء 1 · صفحة 49
عليها من الوقت ما لا تستطيع أن تغتسل فيه فليس عليها تلك الصلاة، وإن أدركها الحيض بعد خروج وقت الصلاة فعليها قضاء تلك الصلاة إذا طهرت.
وقال أبو الفضل في نوادر! أبي سليمان: عن محمد س قال: إذا كان حيضها عشراً فرأتها ثم انقطع الدم وبقي عليها من الوقت شيء قليل أو كثير فعليها تلك الصلاة وإن كان حيضها أقل من عشر لم يكن عليها تلك الصلاة إلا أن تقدر على الغسل قبل خروج الوقت، وإذا طهرت من حيضها لم يكن لزوجها أن يطأها ما لم تغتسل أو يذهب وقت تلك الصلاة التي طهرت فيه.
وإذا كان حيضها خمسة أيام في كل شهر فزاد الدم عليها فالزيادة حيض معها إلى تمام العشر فإن زادت على العشر كان حيضها هي الخمسة المعروفة وجميع ما زاد عليها استحاضة وتعيد الصلوات التي تركتها بعد ذلك الخمسة.
امرأة كان حيضها خمسة أيام من أول كل شهر، فتقدم حيضها قبل ذلك بيوم أو يومين أو خمسة قال هي حائض، ألا ترى أن الزيادة بعد أيام حيضها حيض فكذلك ما تقدمها، وإذا كان حيض المرأة مختلفا تحيض مرة خمسة أيام ومرة سبعة أيام، فكانت كذلك مدة ثم استحيضت قال تدع الصلاة أقل ما كانت ثم تغتسل وتصلي، وكذلك تنقطع رجعة زوجها، وليس لها أن تتزوج حتى تمضي سبعة أيام، فإن تزوجت لم يجز أخذ بالثقة.
وتتوضأ المستحاضة لوقت كل صلاة وتصلي في الوقت بوضوء واحد ما شاءت من فرض ونفل وفائتة، فإن أحدثت حدثا آخر في الوقت فعليها الوضوء، وكذلك إن توضأت للحدث أولا ثم سال دم الاستحاضة فعليها الوضوء، وإذا كان حيضها خمسة أيام فحاضت ستة أيام ثم حاضت حيضة أخرى سبعة أيام ثم حاضت حيضة أخرى ستة أيام كان حيضها ستة أيام كلما عاودها الدم مرتين في يوم واحد فحيضها ذلك.
فإن كان حيضها خمسا فحاضتها وطهرت أربعة أيام ثم عاودها الدم يوم العاشر كلّه ثم انقطع وذلك كله حيض ولا يجزيها صومها في الأربعة التي طهرت فيها، والحمرة والصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض حتى ترى البياض خالصاً، وقال أبو يوسف س: في الجامع لا تكون الكدرة حيضاً إلا بعد الدم.
وما رأت النفساء زيادة من الدم على أربعين يوما فهي استحاضة تصلي فيها ويأتيها زوجها، وإن طهرت قبل الأربعين اغتسلت وصلت يغشاها فإن أسقطت سقطا قد استبان بعض خلقه وجب عليها النفاس، وإن لم يستبن من خلقه شيء لم يجب عليها النفاس وذلك حيض.
الجزء 1 · صفحة 50
فإن كانت عادتها في النفاس ثلاثين يوما فطهرت في عشرين يوما وصلت وصامت عشرة أيام ثم عاودها الدم فاستمر بها حتى جاوز أربعين قال هي مستحاضة فيما زاد على الثلاثين يوما ولا يجزيها صومها في العشرة التي صامتها قبل الثلاثين قال أبو الفضل وهذا على مذهب أبي يوسف س مستقيم وفيه على مذهب محمد س نظر.
ودم الحامل ليس بحيض، فإن ولدت ولداً وفي بطنها ولد آخر قال النفاس من الولد الأول في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ب، وقال زفر ومحمد س: النفاس من الولد الآخر، وإذا توضأت المستحاضة والدم سائل ولبست خفيها ثم انقطع الدم فلها أن تمسح عليها ما دامت في وقت تلك الصلاة، وإذا كان الدم منقطعاً في وقت الوضوء ولبست فلها أن تمسح عليها يوما وليلة، وإذا وجب الوضوء بذهاب الوقت وهي في الصلاة استقبلت الصلاة، وإذا وجب لسيلان الدم بنت على صلاتها، وإذا سال الدم من أحد المنخرين فتوضأ له ثم سال من المنخر الآخر فهو حدث جديد وعليه الوضوء وإن سال منهما جميعاً فتوضأ لهما ثم انقطع أحدهما فهو على وضوئه.
باب صلاة الجمعة
لا تجب الجمعة إلا على أهل الأمصار والمدائن ولا يحوز لأهل السواد أن يجمعوا في سوادهم، ولا تجزي لأهل المصر الجمعة بغير خطبة، وإن صلي بهم الإمام الظهر أجزأهم وقد اساء في ترك الجمعة، ويخطب الإمام يوم الجمعة قائماً يجلس جلسة خفيفة ثم يقوم أيضًا ويخطب بتمامها.
إمام خطب جنبا ثم اغتسل وصلى بهم الجمعة أجزأهم وقد أساء في دخول المسجد والخطبة جنباً، وينبغي للإمام أن يقرأ سورة في خطبته، وإذا أحدث الإمام بعد الخطبة فأمر رجلاً فصلى بالناس فإن كان الرجل شهد الخطبة جاز ذلك، وإن لم يكن شهدها لم يجز له أن يصلي بهم الجمعة.
فإن كان شهدها جنباً فلما أمره الإمام بذلك أمر هو رجلاً طاهراً قد شهد الخطبة فصلى بهم أجزأهم، وإن كان المأمور الأول لم يشهد الخطبة لم يجزه أمره لغيره جنبا كان أو طاهراً، وكذلك إن كان المأمور الأول صبيا أو معتوها أو كافرا أو امرأة فأمر غيره بذلك لم يجز الجمعة بأمره.
وإن افتتح الإمام الصلاة ثم أحدث فاستخلف رجلا لم يشهد الخطبة جاز له أن يصلي بهم الجمعة، وكذلك إن أحدث هذا الخليفة فاستخلف آخر وإذا أحدث الإمام قبل افتتاح الصلاة فلم يأمر أحدا فتقدم صاحب شرطة أو أمر القاضي رجلا قد شهد الخطبة فتقدم وصلى بهم الجمعة أجزأهم وأمرهما في جميع هذه الوجوه بمنزلة الإمام.
الجزء 1 · صفحة 51
ولا ينبغي للإمام أن يتكلم في خطبته بشيء من حديث الناس، ولا ينبغي للقوم أن يتكلموا والإمام يخطب، قلت: وهل يرد السلام ويشمت العاطس ويصلي على النبي ع أو يقرأ القرآن قال أحب إلي أن يستمعوا ويُنصتوا، وقال أبو يوسف ومحمد ب: لا بأس بالكلام قبل أن يخطب الإمام ولا بأس بالكلام إذا نزل الإمام قبل أن يفتتح الإمام الصلاة.
قلت: أرأيت الإمام إذا خرج هل يقطع خروجه الصلاة قال نعم، وينبغي لمن كان في صلاته أن يفرغ منها ويسلم إذا خرج الإمام، قلت فإذا خطب كرهت الحديث والكلام قال نعم قلت فهل يكره له ذلك قبل أن يخطب حين يخرج قال نعم، قلت ويكره الكلام ما بين نزوله إلى دخوله في الصلاة قال نعم، قلت ويجب للرجل أن يستقبل الإمام إذا خطب قال نعم.
وقد فسر في الإملاء! أن هذا كله على قول أبي حنيفة س، وإذا خطب يوم الجمعة فقال الحمد لله أو قال سبحان الله أو قال لا إله إلا الله ولم يزد على هذا قال يجزيه على قول أبي حنيفة س، ولا يجزيه على قول أبي يوسف ومحمد ب إلا إذا كان كلاما يسمى خطبة.
والأذان يوم الجمعة إذا ارتقى الإمام المنبر أذن المؤذن وإذا نزل أقام الصلاة بعد فراغه من الخطبة، رجل ذكر في صلاة الجمعة خلف الإمام أن صلاة الفجر عليه وهو يخاف فوت الجمعة إن استقبل بالفجر قال عليه أن يبدأ بالفجر ولا تجزيه الجمعة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ب، وقال محمد س: تجزيه إذا خاف أن تفوته الجمعة مع الإمام ثم يقضي التي ذكرها لأن الجمعة فريضة ولا تجزيه إلا مع الإمام.
رجل زاحمه الناس يوم الجمعة فلم يستطع أن يسجد فوقف حتى سلم الإمام فهذا لاحق يمضي في صلاته حتى يفرغ منها بغير قراءة، فإن لم يقم في الركعة الثانية مقدار قراءة الإمام قال إذا استتم قائماً ثم ركع الثانية أجزأه ولا يجزيه التيمم للجمعة وإن خاف فوتها.
مريض لا يستطيع أن يشهد الجمعة فصلى الظهر في بيته بأذان وإقامة قال هو حسن، ومن صلى الظهر لمرض أو سفر أو لغير عذر ثم صلى الجمعة مع الإمام فالجمعة هي الفريضة فإن أدى الظهر يومها وجاء وقد فرغ الإمام منها قال عليه أن يعيد الظهر في قول أبي حنيفة س، وقال أبو يوسف ومحمد ب: لا ينتقض الظهر ما لم يدخل في الجمعة، وإذا لم يفرغ الإمام من صلاة الجمعة حتى دخل وقت العصر فسدت صلاتهم جميعاً، فإن قهقه الإمام لم يلزمهم الوضوء.
الجزء 1 · صفحة 52
ومن صلى الظهر في منزله لغير عذر قبل أن يصلي الإمام الجمعة أو بعدها جاز عنه، وإذا فرغ الناس فذهبوا بعد ما خطب الإمام لم يصل الجمعة إلا أن يبقى معه ثلاثة رجال سواء أحرار أو عبيد أو مسافرون فيصلي بهم الجمعة فإن صلى بهم ركعة ثم ذهبوا مضى على صلاته الجمعة.
وإن كان ركع ولم يسجد حتى ذهبوا استقبل الظهر في قول أبي حنيفة س، وقال أبو يوسف ومحمد ب: إذا افتتحها وهم معه بنى على الجمعة، رجل صلى الجمعة بالناس بغير أمر الأمير أو خليفته أو صاحب شرطة أو القاضي قال لا يجزيهم، ومن صلى الجمعة في الطاقات أو في السكة أجزأه، وكذلك من صلاها في دار الصيارفة إذا كانت الصفوف متصلة والاصطفاف بين الأساطين غير مكروه فيها.
وإذا أدرك مع الإمام ركعة من الجمعة فقد أدرك الجمعة وإن أدركه في التشهد أو في سجدتي السهو فقد أدركها أيضاً ويصليها ركعتين، وقال محمد س: يصلي أربعاً، وذكر الطحاوي: عن محمد س: أنه إن لم يقعد في الركعتين لم يجزه وهو قول زفر س.
إمام خطب الناس يوم الجمعة فلما فرغ من خطبته قدم عليه أمير آخر قال إن صلى القادم بخطبته الأولى صلى أربعاً، وإن خطب خطبة جديدة صلى ركعتين، ويكره أن يصلي الظهر يوم الجمعة في المصر جماعة في سجن أو في غير سجن، والخطبة يوم الجمعة قبل الصلاة ولا تجزي الصلاة قبلها.
ويجهر القراءة في صلاة الجمعة، ومن أدرك الإمام بعدما رفع رأسه من الركوع فأحدث الإمام وقدمه يسجد بهم السجدتين ولم يحتسب بهما من صلاته ولكن يجعلهما تطوعاً وأجزنا لمن خلفه، وإن أمر الإمام مسافرا أو عبدا أن يقيم الجمعة بالناس جاز ذلك، وما قرأ من القرآن في الجمعة فهو حسن.
ويكره أن يوقت فيه وقتاً، وإذا قام من الركعة الثانية في الجمعة ولم يقعد فإنه يعود فيقعد وإن كان ذلك في صلاة الظهر لم يقعد ومضى في صلاته، وللرجل أن يختبئ في المسجد يوم الجمعة إن شاء وإن شاء لم يفعل، وحكى الطحاوي: عن أبي يوسف س برجلين سوى الإمام وقام الجمعة، وحكي عن محمد س أنه قال: لا بأس بأن يجمع الإمام بالناس في مسجدين في مصر واحد ولا يجمع أكثر منه، وروى أصاحب الأملاء! عن أبي يوسف س أنه قال: لا يجوز أن يجمع في مسجدين في مصر واحد إلا أن يكون بينهما نهر فيكون حكمه حكم المصرين، وإن لم يكن بينهما نهر فالجمعة لمن سبق إليها ويعيد الآخرون وإن صلى أهل المسجدين معاً فصلاتهم فاسدة.
باب صلاة العيدين
الجزء 1 · صفحة 53
والخروج في العيدين على أهل الأمصار دون أهل السواد والقرى، ويبدأ يوم العيد بالصلاة قبل الخطبة، ويجلس في الخطبة جلسة خفيفة ويقرأ فيها سورة من القرآن، ويستمع لها القوم وينصتوا.
وليس في العيدين أذان ولا إقامة، وإن خطب أوّلاً ثم صلى بهم أجزأه، والتكبير في صلاة العيد تسعٌ في الركعة الأولى خمس فيها تكبير الافتتاح والركوع، وفي الثانية أربع فيها تكبير الركوع ويوالي بين القراءة في الركعتين، ويرفع يديه في سائر هذه التكبيرات إلا في تكبيرتي الركوع، وحكي عن أبي يوسف في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى عن أبي ليلى وأبي يوسف أنه قال: لا يرفع يديه في شيء منها ولا شيء على من فاته صلاة العيد مع الإمام، فإن أحب أن يصلي صلى إن شاء ركعتين وإن شاء أربعاً.
وإذا خرج الإمام إلى الجبانة لصلاة العيد فإن استخلف رجلاً يصلي بالناس في المسجد فحسن، وإن لم يفعل فلا شيء عليه، وإن أحدث رجل في الجبانة فخاف إن رجع إلى الكوفة أن تفوته الصلاة وهو لا يجد الماء قال: يتيمم ويصلي مع الناس، وصلاة العيد بمنزلة صلاة الجنازة، لأنها إن فاتت لم يكن عليه قضاء، وكذلك إن كان الإمام هو الذي أحدث، وكذلك إن أحدث بعدما دخل في الصلاة يتيمم فإن لم يتيمم فانصرف إلى الكوفة فتوضأ ثم عاد إلى المصلى فصلى أجزأه في قول أبي حنيفة س، وقال أبو يوسف ومحمد ب: إذا أحدث بعد الدخول في الصلاة لم يجزه التيمم.
وأي سورة قرأ في صلاة العيد جاز، وقد بلغنا أن النبي ع كان يقرأ فيها سبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، وقد يكره أن يتخذ الرجل شيئاً من القرآن حتما لا يقرأ في تلك الصلاة غيرها، وليس قبل العيد صلاة ولا بأس أن يصلي بعدها أربعاً إن شاء.
رجل أدرك مع الإمام ركعة من العيد فلما سلم الإمام قام فقضى قال: يقرأ بفاتحة القرآن وسورة ثم يكبر أربع تكبيرات فركع في آخرهن، وليس على النساء خروج في العيدين وقد كان يرخص لهن في ذلك، فأما اليوم فإني أكره لهن ذلك، وأكره لهن شهود الجمعة والصلاة المكتوبة، وإنما أرخص للعجوز الكبيرة أن تشهد العشاء والفجر والعيدين، وقال أبو يوسف ومحمد ب: يرخص للعجوز في حضور الصلوات كلها وفي الكسوف وفي الاستسقاء.
وللمولى أن يمنع عبده من حضور الجمعة والجماعات، ولا يخرج المنبر في العيدين، وإذا كبر الإمام أكثر من تسع تكبيرات تبعه القوم إلا أن يكبر ما لم يكبر أحد من الفقهاء ولم تجئ به الآثار، وذكر الطحاوي:: فقال: ينبغي أولا في يوم العيد أن يغتسل ويستاك ويتطيب ويقدم صدقته وأن يكبر في طريقه جاهراً به كما يكبر للصلاة، وأن يأخذ في طريق غير طريق الخروج، ويصلي إذا حلت الصلاة
الجزء 1 · صفحة 54
ثم يثني ويتعوذ ثم يكبر في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: مثل ذلك إلا أنه يؤخر التعوذ إلى موضع القراءة.
باب التّكبير في أيام التشريق
قال كان ابن مسعود يبتدئ تكبير أيام التشريق من صلاة الغداة يوم عرفة إلى صلاة العصر يوم النحر، وبه أخذ أبو حنيفة، وكان علي بن أبي طالب يكبر من صلاة الغداة من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق وبه أخذ أبو يوسف ومحمد.
والتكبير أن يقول بعد التسليم: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، وهذا التكبير على أهل الأمصار في الصلوات المكتوبات في الجماعات، ومن دخل في الجماعة من المسافرين والنساء فعليهم التكبير أيضاً، ومن انفرد بصلاته فلا تكبير عليه، وكذلك أهل القرى فلا تكبير عليهم وهذا قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: كل من صلى المكتوبة فعليه التكبير مسافراً كان أو مقيماً رجلاً كان أو امرأة في المصر وغير المصر وهو قول ابن أبي ليلى.
ولا تكبير على المتطوع بصلاته وعلى من أوتر، ويبدأ الإمام إذا فرغ من صلاته بسجود السهو، ثم بالتكبير ثم بالتلبية ويتبع المسبوق الإمام في سجود السهو ولا يتبعه في التكبير والتلبية، فإن نسي الإمام التكبير حتى انصرف من مكانه فإن ذكره قبل أن يخرج من المسجد عاد فكبر، وإن كان قد خرج سقط عنه، وعلى القوم أن يكبروا وإن تكلم ناسياً أو عامداً سقط عنه، وكذلك إن أحدث متعمداً، وإن كان على غير عمد كبر من غير أن يتطهر.
باب صلاة الخوف
وإذا كان الإمام موافقاً للعدو في أرض الحرب فحضرت الصلاة وقفت طائفة بإزاء العدو وصلى بطائفة ركعة وسجدتين ثم انفتلت هذه الطائفة فوقفت بإزاء العدو وجاءت تلك الطائفة فصلى بهم ركعة وتشهد وسلم ثم رجعت هذه الطائفة إلى وجه العدو وجاءت تلك الطائفة فقضوا الركعة الثانية وحداناً بغير قراءة.
فإذا أسلمت وقفت بإزاء العدو وجاءت الطائفة التي صلت مع الإمام الركعة الثانية فقضوا الركعة الأولى وحداناً بقراءة، وإن كان العدو في القبلة فاستطاع أن يصلي بالناس جميعاً ويستقبل العدو فله أن يفعله، وإن شاء صلى كما وصفت لك، وأما في صلاة المغرب فيصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالطائفة الأخرى ركعة، ثم يقضون على ما وصفنا، فإن كانت صلاة الظهر في الحضر صلى بكل طائفة ركعتين.
الجزء 1 · صفحة 55
ومن قاتل منهم في صلاته فسدت صلاته ولا يصلون وهم يقاتلون وإن ذهب الوقت، وكذلك من ركب منهم في صلاته عند انصرافه إلى وجه العدو فسدت صلاته، وليس الركوب كالمشيء لأن المشيء لا بد منه حتى يقفوا بإزاء العدو فلا يصلون جماعة ركباناً قال: وحكي عن محمد بن الحسن س أنه أطلق ذلك في الخوف، وإن صلوا صلاة الخوف من غير أن يعاينوا العدو جازت للإمام ولم تجزهم، وكذلك إن رأوا شيئاً ظنوا أنه العدو ولم يكن العدو وإن كان ذلك السواد عدوا جازت صلاتهم.
باب الشهيد
وقال إذا قتل الرجل في المعركة شهيداً لم يغسل وصلي عليه ويكفن في ثيابه التي عليه غير أنه ينزع منه السلاح والجلد والفرو والحشو والخف والقلنسوة، ويزيدون ما شاؤوا وينقصون ما شاؤوا ويحنطونه إن شاؤوا، وإن حمل من المعركة حيّا ثم مات في بيته أو على أيدي الرجال غسل وما قتل به في المعركة من سلاح أو غيره فهو سواء ولا يغسل.
وإن وجد في المعركة ميتاً ليس به أثر جرح غسل، وإن خرج الدم من فيه أو ذكره أو دبره غسل، وإن خرج من أذنيه أو عينيه لم يغسل ومن قطع عليه الطريق فقتل دون ماله لم يغسل، ومن قتل في المصر بسلاح ظلما يغسل،
وإن قتل بغير سلاح غسل، وإن قتل بحق في قصاص أو رجم أو مات من حد أو تعزير أو قتل وهو ظالم عدا على قوم فكابرهم فقتلوه غسل.
ومن قتله السبع أو تردى من جبل أو مات تحت هدم أو غرق في ماء أو وجد مقتولاً في محلة لا يدرى من قتله غسلوا كلهم، ويصنع بالمحرم إذا مات ما يصنع بالحلال، بلغنا ذلك عن عائشة ل، ومن قتل من أهل العدل في محاربة أهل البغي فهو شهيد، وإذا أغار أهل الحرب على قرية من قرى المسلمين فقتلوا الرجال والنساء والصبيان قال هم شهداء لا يغسلون إلا الصبيان الذين ليست لهم ذنوب يكفرها القتل فإنهم يغسلون وهذا قول أبي حنيفة س، وقال أبو يوسف ومحمد ب: ذلك أطهر لهم وهم شهداء لا يغسلون.
وإذا وجد أطراف ميت أو شيء من بدنه لم يغسل ولم يصل عليه ولكنه يدفن حتى يوجد أكثر من نصف بدنه فيغسل حينئذ ويصلى عليه، فإن وجد نصف بدنه ومعه الرأس صلي عليه، وإن كان مشقوقين بنصفين طويلا فوجد منه أحد النصفين لم يغسل ولم يصل عليه.
وإذا وجد ميت لا يدرى أمسلم هو أم كافر فإن كان في قرية من قرى أهل الإسلام وعليه سيماء المسلمين صلي عليه، وإن كان في قرية من قرى أهل الكفر وليس عليه سيماء المسلمين لم يصل عليه،
الجزء 1 · صفحة 56
وإذا اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار لم يصل عليهم إلا أن يكون موتى المسلمين أكثر وأغلب فيصلى حينئذ عليهم وينووا أهل الإسلام منها بالدعاء ولا بأس بأن يغسل المسلم أباه الكافر إذا مات ويدفنه، وكذلك كل ذي محرم منه وأكره أن يدخل الكافر في قبر قرابته من المسلمين ليدفنه، وقال الطحاوي:: إن حُمل قبل موته أو أكل في مكانه أو شرب أو باع أو ابتاع ثم مات غسل وإن أوصى لم يغسل، وقال محمد س: من قتل بغير حديد مما يقوم مقام الحديد لم يغسل ويقبض.
باب حمل الجنازة
قال وحملها من جوانبها الأربع يبدأ بالأيمن المقدم ثم الأيمن المؤخر ثم الأيسر المقدم ثم الأيسر المؤخر، وإذا حملت جانب السرير الأيسر فذلك يمين الميت، وليس في المشي شيء موقت غير أن العجلة أحب من الإبطاء بها ولا بأس بالمشي قدامها والمشي خلفها أحب إلي، وإذا وضعت الجنازة بالأرض عند القبر فلا بأس بالجلوس وإنما يكره الجلوس قبل أن توضع عن مناكب الرجال.
ويحمل الرجل جنازة الصبي أحب إلي من حمله على الدابة والمولود ميتاً لا يغسل ولا يصلى عليه، وإن ولد حياً ثم مات صنع به ما يصنع بالموتى، وإن قتل الرجل شهيداً وهو جنب غسل في قول أبي حنيفة س ولم يغسل في قول أبي يوسف ومحمد ب، وذكر الطحاوي:: أنه يكفن الجنين الميت ويغسل ويدفن ولا يصلى عليه إلا أن يعلم حياته باستهلال أو غيره، جعلنا الله من الشهداء.
باب غسل الميت
قلت: أرأيت الميت كيف يغسل قال أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم ش أنه قال: يجرد الميت ويوضع على تخت ويطرح على عورته خرقة ثم يوضأ وضوءه للصلاة ويبدأ بميامنه ولا يمضمض ولا يستنشق ويغسل رأسه ولحيته بالخطمي ولا يسرح ثم يضجعه على شقه الأيسر فيغسل بالماء القراح حتى ينقيه ويري أن الماء قد خلص إلى ما يلي التخت منه.
وقد أمرت بالماء قبل ذلك فأغلى بالسدر فإن لم يكن سدر فخرص فإن لم يكن واحد منهما أجزأك الماء القراح ويضجعه على شقه الأيمن فيغسله بالماء القراح حتى ينقيه ويرى أن الماء قد خلص إلى ما يلي التخت منه، ثم تقعده فتسنده إليك فتمسح بطنه مسحاً رفيقاً فإن سال منه شيء مسحته ثم أضجعه على شقه الأيسر فاغسله بالماء القراح حتى ينقيه وترى أن الماء قد وصل إلى ما يلي التخت منه، ثم تنشفه في ثوب وقد أمرت قبل ذلك بأكفانه وسريره فأجمر وترا ثم تبسط اللفافة بسطاً وهي الرداء طولا ثم تبسط الإزار عليه طولاً فإن كان له قميص ألبسته إياه وإن لم يكن له قميص لم يضره.
الجزء 1 · صفحة 57
ثم يوضع الحنوط في لحيته ورأسه ويوضع الكافور على مساجده، فإن لم يكن له كافور لم يضره، ثم يعطف الإزار عليه من قبل شقه الأيسر على رأسه وسائر جسده، ثم يعطفه من قبل شقه الأيمن كذلك، ثم يعطف اللفافة وهي الرداء كذلك، فإن تخوفت أن ينشر عنه عقدته ثم تحمله على سريره، ولا يتبع بنار إلى قبره، فإن ذلك يكره أن يكون آخر زاده من الدنيا نار يتبع بها.
فإذا انتهى به إلى القبر فلا يضره وتر دخله أم شفع، فإذا وضع في اللحد قالوا: بسم الله وعلى ملة رسول الله، ويدخل من قبل القبلة ويلحد ولا يشق ويجعل على لحده اللبن والقصب، ويكره الآجر ويسجى قبر المرأة بثوب حتى يفرغ من اللحد ولا يسجا قبر الرجل، ويسنم القبر ولا يربع ولا يجصص.
وإمام الحيّ أحق بالصلاة على الميت، فإن لم يكن الإمام فالأب أحق من غيره، وابن العم أحق بالصلاة على المرأة من زوجها إذا لم يكن له منها ابن، والصلاة على الجنازة أربع تكبيرات يثنى على الله في التكبيرة الأولى، ويصلي على النبي ع في التكبيرة الثانية، ويستغفر للميت ويشفع له في الثالثة، ويسلم تسليمتين بعد الرابعة، ولا يقرأ فيها شيئاً من القرآن ولا يرفع اليد إلا في التكبيرة الأولى، ويفعل القوم مثل ما يفعل الإمام فيها.
وإذا اجتمعت الجنائز فإن شاؤوا جعلوها صفا وإن شاؤوا وضعوها واحدا خلف واحد، وإن كانت جنائز رجال ونساء وضع الرجال مما يلي الإمام والنساء خلف الرجال مما يلي القبلة، فإن كانت جنازة غلام وامرأة وضع الغلام مما يلي الإمام والمرأة خلفه.
وأحسن مواقف الإمام من الميت في الصلاة عليه بحذاء صدر الميت، وإن وقف في غيره أجزأه، ويتيمم لصلاة الجنازة إذا خاف فوتها في المصر وإن لم يخف الفوت توضأ، وكذلك إن كان قد افتتح الصلاة ثم أحدث تيمم وبنى، وإذا كبر الإمام تكبيرة أو تكبيرتين ثم جاء رجل قال ينتظر حتى يكبر الإمام ويكبر معه.
فإذا سلم الإمام قضى ما بقي عليه قبل أن ترفع الجنازة في قول أبي حنيفة ومحمد ب، وقال أبو يوسف س: يكبر حين يحضره، فإذا صلى على جنازة ثم حضر قوم لم يصلوا عليها ثانية جماعة ولا وحداناً، إمام صلى على جنازة فكبر عليها تكبيرة ثم أتي بجنازة أخرى فوضعت معها قال: يفرغ من الصلاة على الأولى ثم يستأنف الصلاة على الثانية.
الجزء 1 · صفحة 58
وأكره الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس أو غروبها أو نصف النهار، وإن صلوا لم يكن عليهم إعادتها، وإذا أرادوا أن يصلوا على جنازة بعد غروب الشمس بدؤوا بالمغرب، وإذا صلوا على جنازة والإمام غير طاهر فعليهم إعادة الصلاة، وإن كان الإمام طاهرا والقوم على غير الطهارة لم يكن عليهم إعادتها، وإذا أخطأوا بالرأس فجعلوه في موضع الرجلين وصلوا عليها جازت الصلاة، وكذلك إن فعلوه عمداً إلا أنهم قد أساؤوا.
وإن أخطأوا القبلة جازت صلاتهم، وإن تعمدوا خلافها لم تجز، وإن دفن الميت قبل أن يصلى عليه صلى عليه في القبر بإمام، وقال أبو يوسف س: في الإملاء!: يصلي عليه إلى ثلاثة أيام فإن مضت الثلاث قبل أن يصلي عليه لم يصل عليه، قال وأظن قوله قول أبي حنيفة س، وتقف وكذلك قال محمد في النوادر استحسانا النساء خلف الرجال في الصلاة على الجنازة، وإن وقفت امرأة بجنب رجل فيها لم تفسد صلاته، وليس على من قهقه فيها وضوء، وإن صلوها قعوداً أو ركبانا أمرتهم بالإعادة استحساناً.
وإذا مات الرجل في سفر ومعه نساء ليس معهن رجل، فإن كان فيهن امرأته غسلته، ولا تغسله، ولا تغسله أم ولده ولا امرأة قد بانت منه قبل موته ولا ابنته ولا أحد من ذوات محارمه، ويتيممته ذوات محارمه فإن لم يكن فيهن ذوات محرم منه يتيممته الأجنبية من وراء الثوب وصلت عليه وقامت الإمام منهن وسطهن.
ولا يغسل الزوج امرأته بعد موتها ولا أحد من الرجال، فإن كان معهم امرأة كافرة علموها الغسل لتغسلها، وتكفن المرأة في لفافة وهي الرداء، وفي إزار ودرع وحمار وخرقة تربط لها فوق الأكفان عند الصدر فوق اللبّة والبطن حتى لا ينتشر عنها الكفن.
ويوضع الحنوط منها موضعه من الرجل، ولا يسدل شعرها خلف ظهرها، ولكنه يسدل من بين ثدييها من الجانبين جميعًا ثم يسدل الخمار عليه كهيئة المقنعة فوق الدرع وتحت الإزار وإن كفنت المرأة في ثوبين وخمار ولم تكفن في درع جاز.
والخَلِقُ إذا غسل والجديد فيه سواء، والبرود والبياض كل ذلك حسن، ولا ينقص الرجل في الكفن من الثوبين فإن كفنوه في واحد فقد أساؤا، والصبي الذي لم يتكلم إن كفن في خرقتين إزار ورداء فحسن، وإن كان ازاراً واحدا جاز، والغلام المراهق يكفن كما يكفن الرجل.
وإذا احتاجوا إلى دفن الرجلين في قبر واحد قدموا أفضلهما في اللحد وجعلوا بينهما حاجزا من الصعيد، وتغسل المرأة الصبي الذي لم يتكلم، ويغسل الرجل الصبية التي لم تتكلم، وإذا وضأ الميت
الجزء 1 · صفحة 59
غسل رجليه، قوم صلوا على الميت قبل أن يغسل قال تعاد الصلاة عليه بعدما يغسل، فإن كانوا قد دفنوه لم ينبش عنه القبر.
ميت وضع في لحد لغير القبلة أو على شقه الأيسر أو جعل رأسه في موضع الرجلين قال لا ينبش عنه قبره إلا أن يكون وضع اللبن ولم يهل التراب، فينزع اللبن ويهيأ على ما ينبغي ويغسل إن لم يكن غسل، وإن سقط شيء من متاع القوم في القبر فلا بأس بأن يحفروا التراب ليخرجوا متاعهم من غير أن ينبشوا الميت، ويكره أن يجعل على اللحد رفوف خشب، نسأل الله المغفرة
باب صلاة الكسوف
أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم س أن رسول الله ع صلى ركعتين في الكسوف ثم كان الدعاء حتى انجلت الشمس وإنما الصلاة ركعتان كصلاة التطوع إن شئت قصرتها وإن شئت طولتها ثم الدعاء حتى تنجلي الشمس فالصلاة في كسوف الشمس جماعة والصلاة في كسوف القمر حسنه وحداناً.
وكذلك في الظلمة والريح، ويكره صلاة التطوع جماعة ما خلا قيام رمضان وصلاة الكسوف الشمس، ولا يصلي في كسوف الشمس جماعة إلا مع الإمام الذي يصلي الجمعة، فأما أن يصلي الناس في مساجدهم بجماعة فإني لا أحب ذلك وليصلوا وحداناً، ولا يجهر بالقراءة في صلاة الجماعة في كسوف الشمس في قول أبي حنيفة س، ويجهر فيها في قول أبي يوسف ومحمد ب.
باب صلاة الاستسقاء
قال ولا صلاة في الاستسقاء إنما فيه الدعاء، بلغنا عن النبي ع أنه خرج ودعا، وبلغنا عن عمر أنه صعد المنبر فدعا فاستسقى ولم يبلغنا عن النبي ع في ذلك صلاة إلا حديث واحد شاذ لا يؤخذ به، وليس فيه تقليب الرداء وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ب، وقال محمد س: أرى أن يصلي الإمام في الاستسقاء نحوا من صلاة العيد قبل الخطبة، ولا يكبر فيها كما يكبر في العيد، ويقلب الإمام رداءه وقلبه أن يجعل الجانب الأيسر على الأيمن والأيمن على الأيسر، وليس يجب على من خلف الإمام، وإنما يتبع في هذا السنة والآثار المعروفة ولا نحبه أن يخرج أهل الذمة في ذلك مع أهل الإسلام، وينصت القوم لخطبة الاستسقاء ولا يخرج فيه المنبر، وليس فيه أذان وإقامة.
باب الصلاة في الكعبة
الجزء 1 · صفحة 60
وإذا صلى الإمام بمكة وصف الناس حول الكعبة فقامت امرأة بحذاء الإمام، فإن كانت تأتم من الكعبة بالجانب الذي يأتم به الناس ونوى الإمام إمامتها فصلاة الإمام والناس فاسدة، وإن كانت تأتم بالجانب الآخر وهي أقرب إلى الكعبة من الإمام فصلاتهم وصلاتها جائزة، وإن كانت قامت بحذاء الإمام من الجانب الآخر فصلاتهم كلهم تامة إلا من كان إلى جنبها أو بحذائها خلفها.
وإن صلوا فرادى لم تفسد صلاة أحد منهم، غير أن الرجل مشى في قيامه بجنب المرأة أو خلفها، فإن كانت الكعبة بيتاً وقام الإمام يصلي بالناس وصف الناس حول الكعبة وليس بين يدي الإمام ما يستر بينه بين الصف المقابل له أجزأهم جميعاً إلا أن الإمام قد أساء في ترك السترة.
وكذلك لو كان صف النساء مستقبلة، فإن صلى في جوف الكعبة مستقبل حائط من حيطانها فأْتم به قوم حول الكعبة أجزأهم، وإن صلوا معه في جوف الكعبة إلى جهات مختلفة أجزأهم جميعاً إلا من كان قدام الإمام ظهره إلى وجه الإمام فإن صلاة من فعل ذلك فاسدة لأنه صلى وإلى جانب الإمام ظهره، وكذلك لو تخلفوا في الكعبة خلفه أجزأهم، ولا تفسد صلاة من كان قدام الإمام مستقبلة بوجهه، فإن كانوا في غير الكعبة فتحروا القبلة وصلى كل إنسان منهم إلى ناحية بالتحري مؤتمين بالإمام لم يجز من خالف الإمام.
تم كتاب الصلاة كتاب السجدات
قال محمد رجل صلى الغداة وترك منها سجدة قال يسجد تلك السجدة وعليه سجدتا السهو، فإن ترك سجدتين قال يسجد سجدتين ويصلي ركعة، فإن ترك ثلاث سجدات قال يسجد سجدة ويصلي ركعة، رجل صلى الظهر أربع ركعات وترك منها سجدة قال يسجد تلك السجدة وعليه السهو، فإن ترك سجدتين قال يسجد سجدتين ويصلي ركعة، وإن كان ترك ثلاث سجدات قال يسجد ثلاث سجدات ويصلي ركعة، وإن كان ترك أربع سجدات وهو لا يعلم كيف ترك أربع سجدات قال يسجد أربع سجدات ويصلي ركعتين، وإن كان ترك خمس سجدات قال يسجد ثلاث سجدات ويصلي ركعتين، وإن ترك ست سجدات قال يسجد سجدتين ويصلي ثلاث ركعات، وإن كان ترك سبع سجدات قال يسجد سجدة ويصلي ثلاث ركعات، وإن ترك ثماني سجدات قال سجد سجدتين وصلى ثلاث ركعات، وكذلك في العصر والعشاء.
رجل صلى المغرب ثلاث ركعات وترك منها سجدة قال يسجد تلك السجدة، وإن ترك سجدتين قال يسجد سجدتين ويصلي ركعة، وإن ترك ثلاث سجدات قال يسجد ثلاث سجدات
الجزء 1 · صفحة 61
ويصلي ركعة، وإن كان ترك أربع سجدات قال سجد سجدتين ويصلي ركعتين، وإن كان ترك خمس سجدات قال يسجد سجدتين ويصلي ركعتين.
رجل صلى الغداة ثلاث ركعات وترك منها سجدة قال تفسد عليه صلاته، ولو قام إلى الثالثة ثم ذكر ذلك قبل أن يركع أو بعد ما يركع قبل أن يسجد قال يقعد ويسجد تلك السجدة، وإن ذكر ذلك وقد كان سجد في الثالثة قال تفسد عليه.
وإن كان ترك سجدتين من ثلاث ركعات في الغداة فيه قولان، أما أحدهما فتفسد عليه الصلاة ولم يذكر القول الآخر، قال وكذلك إن كان ترك ثلاث سجدات، وإن كان ترك ثلاثة سجدات وإن كان ترك أربع سجدات لم تفسد عليه، وكذلك إن كان ترك خمس سجدات.
رجل صلى الظهر خمس ركعات فترك منها سجدة قال تفسد عليه، وإن كان ترك منها سجدتين قال في هذا قولان، أما أحدهما فتفسد عليه لأنه لعله ترك سجدة من المكتوبة وسجدة من التطوع، وأما القول الآخر فإن ترك من الخمس ركعات سجدتين فقد بقي له أربع ركعات وكذلك صلاة الغداة إذا صلى ثلاثاً وترك منها سجدتين، وإن صلى الظهر خمس ركعات وترك منها ثلاث سجدات قال تفسد عليه، وكذلك إن ترك منها أربع سجدات أو خمس سجدات، فإن ترك منها ست سجدات لم تفسد عليه صلاته ويسجد أربع سجدات ويصلي ركعتين.
وإن كان ترك سبع سجدات قال يسجد ثلاث سجدات ويصلي ركعتين، فإن ترك منها ثماني سجدات قال يسجد سجدتين ويصلي ثلاث ركعات وكذلك العصر والعشاء.
رجل صلى المغرب أربع ركعات وترك منها سجدة قال تفسد عليه، وإن ترك سجدتين قالوا في هذا قولان وهذا كصلاة الغداة أما أحدهما فتفسد عليه، وكذلك إن ترك ثلاث سجدات فسدت عليه، وكذلك إن ترك أربع سجدات، وإن ترك خمس سجدات لم تفسد عليه، ويسجد ثلاث سجدات ويصلي ركعتين.
وإن ترك ست سجدات قال يسجد سجدتين ويصلي ركعتين، رجل افتتح الصلاة خلف الإمام ثم نام حتى صلى الإمام أربع ركعات وترك من كل ركعة سجدة ثم انتبه النائم فأحدث الإمام وقدمه، قال لا ينبغي له أن يتقدم وإن تقدم فلا بأس ويقضي ركعة بسجدة من غير أن يصلي القوم ثم يسجد بهم تلك السجدة فيسجد القوم معه ثم يقوم فيصلي ركعة بسجدة من غير أن يصلي القوم معه، ثم يسجد بهم تلك السجدة ويسجد القوم معه، ثم يقوم في الركعة الثالثة فيصلي بهم ركعة بسجدة من غير أن يصلي القوم معه ثم يسجد بهم تلك السجدة ويسجدونها معه ثم يصنع في الرابعة كذلك.
الجزء 1 · صفحة 62
قلت: أما تفسد عليه قال ولماذا تفسد عليه، قلت؛ لأن الإمام يصير مرة للقوم إماماً ومرة غير إمام فهذا قبيح قال لو كان هذا ركعة لاستحسنت وهذا آخر كتاب الصلاة والسجدات، تقبل الله منها صالح الأعمال.
كتاب الزكاة
قال أبو حنيفة س: ليس في أربع من الإبل السائمة صدقة، فإذا كانت خمسا ففيها شاة، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض، وفي ست وثلاثين بنت لبون، وفي ست وأربعين حقة، وفي احدى وستين جذعة، وفي ست وسبعين ابنتا لبون، وفي احدى وتسعين حقتان إلى عشرين ومائة.
فإذا زادت عليها استأنفت الفريضة، فكان في مائة وخمسة وعشرين حقتان وشاة وفي مائة وثلاثين حقتان وشاتان وفي مائة وخمس وثلاثين حقتان وثلاث شياه وفي مائة وأربعين حقتان وأربع شياه ثم كذلك إلى مائة وخمسة وأربعين ففيه حقتان وابنة مخاض إلى مائة وخمسين ففيه ثلاث حقاق، وإذا زادت عليها استأنفت الفريضة فكان في كل خمس من الزيادة عليها شاة حتى تبلغ خمسا وعشرين فيكون فيها ابنة مخاض مع الثلاث حقاق المتقدمة وجوبها
وفي ست وثلاثين ابنة لبون وفي ست وأربعين حقة مع الثلاث حقاق إلى تمام المئتين، ثم يستأنف الفريضة كذلك، فإن كانت السائمة بين الرجلين لم يجب على كل واحد منهما في نصيبه من الزكاة إلا مثل ما يجب عليه في حال انفراده، وإذا وجبت الفريضة في الأول ولم يوجد ذلك الواجب فيها ووجد أفضل منها أو دونها أخذ المصدق قيمة الواجب فيها إن شاء، وإن شاء أخذ ما وجده ورد فضل القيمة دراهم إن كان أفضل، وإن كان دونه أخذ فضل القيمة.
وروى عن أبي يوسف س في الأمالي! قال: إذا وجبت ابنة مخاض فلم توجد أخذ ابن اللبون الذكر، وليس في الحملان والفصلان والعجاجيل زكاة في قول أبي حنيفة ومحمد ب وهو آخر أقوال أبي حنيفة س، قول محمد مثل قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف س: فيها الزكاة.
منها واذا كان على صاحب السائمة دين يحيط بقيمتها فلا زكاة عليه فيها
فإن حضره المصدق فقال: لم يحل عليه الحول أو قال: علي دين يحيط بها أو قال: ليست هذه السائمة لي وحلف صدق على جميع ذلك، وإن قال: أخذها مصدق آخر مني وحلف وجاء بالبراءة أو
الجزء 1 · صفحة 63
لم يجئ بها، فإن كان عليهم مصدق غيره في تلك السنة صدق أيضاً، وإن لم يكن عليهم مصدق غيره في تلك السنة وقال: قد دفعتها إلى المساكين لم يصدق.
ولا زكاة على الصبي والمجنون والمكاتب في شيء من أموالهم، وكذلك العبد المأذون إذا كان عليه دين، فإن لم يكن عليه دين فهذا بمنزلة ماله لمولاه وعليه فيه الزكاة، وقال ابن أبي ليلى يرى على اليتيم زكاة ماله وإن أداها الوصي من ماله ضمنها وإذا كان عنده من السائمة مقدار ما يجب فيه الزكاة، فاستفاد من ذلك الجنس فائدة قبل الحول شراءً أو هبة أو ميراثاً وما أشبه ذلك ضمه إلى ما عنده وزكاهما جميعاً عند تمام الحول والنصاب إلا أن يكون استفادها وقد تم الحول.
وإذا كانت الفائدة من غير جنس ما عنده من السائمة أو كانت من غير السوائم لم يضمها إلى ما عنده، وإذا لم تكن الإبل والبقر والغنم سائمة فلا زكاة فيها، وكذلك إذا كانت للعمل والعلف في مصر أو غير مصر، والصدقة واجبة في ذكران السوائم وفي أناثها، وإذا باع السائمة قبل الحول بيوم بسائمة مثلها أو بجنس آخر أو بدراهم يريد به الفرار من الصدقة، أو لا يريد ذلك لم تجب الزكاة عليه إلا بحول جديد.
وإذا حال الحول على سائمة فزكاها ثم باعها بدراهم وعنده دراهم فحال الحول على الدراهم التي كانت عنده لم يزك معها ثمن الإبل في قول أبي حنيفة س ويزكيه في قول أبي يوسف ومحمد ب، وإذا أدى عشر طعام أخرجته أرضه ثم باعه بدراهم وحال الحول على دراهمه زكا معه ثمن الطعام في قولهم جميعاً.
وكذلك عبد الخدمة إذا أدى عنه صدقة الفطر ثم باعه بدراهم، وإذا قتل الرجل فقضى على عاقلة قاتله لولده بالدية من الإبل ثم قبضها بعد الحول لم يجب عليه فيه الزكاة حتى يحول الحول على ما يقبض منها، وكذلك المرأة إذا تزوجها رجل على إبل بغير أعيانها، وإن كان تزوجها على إبل سائمة بأعيانها فلم يقبضها حتى حال الحول عليه وهي عشر من الإبل ثم طلقها أو لم يطلقها وقبضتها فلا زكاة عليها في آخر قول أبي حنيفة س، وفي قوله الأول تزكيه إذا قبضت ما يجب فيه الزكاة، وفي قول أبي يوسف ومحمد ب تزكي ما قبضت منها للحول الماضي.
رجل له إبل سائمة فأراد أن يبيعها أو يستعملها أو يعلفها فلم يفعل ذلك حتى حال الحول عليه فعليه زكاة السائمة، رجل له عشر من الإبل السائمة حال عليها الأحوال قبل أن يزكيها، قال عليه للسنة الأولى شاتان وللسنة الثانية شاة، كذلك لما بعدها، فإن كانت خمسا وعشرين فعليه للحول الأول ابنة مخاض وللحول الثاني أربع شياه، وكذلك لما بعدها.
الجزء 1 · صفحة 64
رجل له أربع وعشرون فصيلا وناقة ثنية فعليه فيها ابنة مخاض، رجل له إبل سائمة قد فاشتراها للتجارة قال عليه فيها زكاة التجارة، وإذا كانت السائمة بين رجل وصبي أو بين عاقل ومجنون أو بين مسلم وكافر فعليه في نصيبه زكاة نحو ما يكون عليه بانفراده ولا شيء على شريكه منها، وإذا ذهب العدو بالسائمة أو غصبها غاصب ثم رجعها إلى صاحبها بعد سنين فلا زكاة عليه لما مضى، وكذلك الضالة والدين المجحود.
وإذا كان مقدار ما يجب فيه الزكاة في أول الحول وفي آخره فالزكاة واجبة وإن انتقص فيما بين ذلك وقتا طويلاً ما لا ينقطع أصله من يده، ويحسب على الرجل من سائمته العمياء والعجفاء والصغيرة وما أشبهها ولا يؤخذ شيء منها وكذلك لا يؤخذ الربا والأكيلة والماخض والفحل وخيار السائمة، وإنما يؤخذ من أوساطها.
فالرُّبّا التي تربى ولدها، والأكيلة التي تسمن للأكل، والماخض التي في بطنها ولد، وإذا وجبت الصدقة في السائمة ثم باعها صاحبها والمصدق ينظر إليها ثم يقول: ليس عندي شيء قال إن شاء أخذ المصدق صدقتها بأعيانها من المشتري، وإن شاء أخذ البائع حتى يؤدي صدقتها وإن كان المصدق حضر بعدما تفرقا لم أستحسن له أن يأخذها من المشتري، وإذا نفقت السائمة كلها بعد حلول الحول عليها بطلت الزكاة عنها، وكذلك إن كان حبسها بعدما وجبت الزكاة فيها حتى ماتت لم يضمها وتسقط الزكاة عنه.
فإن هلك بعضها فعليه في الباقي حصته من الزكاة، وتعجيل الزكاة عن المال الكامل الموجود في ملكه من سائمة أو غيرها جائز لسنة وسنتين وأكثر من ذلك، وينظر في السائمة إلى كمال العدد فتجب الزكاة به، وإن كانت قيمته ناقصة عن مائتي درهم، وينظر إلى قيمتها إذا أراد به التجارة، فإن كان أقل من مائتي درهم لم يجب الزكاة فيها وإن كان العدد كاملاً.
وإذا اشتري الإبل للتجارة فلما مضت طائفة من الحول بدا له فجعلها سائمة فراراً من الصدقة قال: لا زكاة عليه حتى يحول الحول من حين جعلها سائمة، ويؤخذ من بنى تغلب صدقة من سائمتهم ضعف ما على المسلم إذا بلغت مقاديرها ما يجب على المسلم في مثله الصدقة.
ويؤخذ من نسائهم بمثل ما يؤخذ من رجالهم، ولا يؤخذ من صبيانهم شيئا وأما مواليهم فلا يؤخذ منهم الصدقة، ولكن يؤخذ على رؤوسهم الخراج، وما أخذ من صدقات بني تغلب وضع موضع الخراج، وإذا ظهر الخوارج على بلد فيها أهل العدل فأخذوا منه صدقة أموالهم ثم ظهر عليهم الإمام حبسها لهم.
الجزء 1 · صفحة 65
وأما فيما بينهم وبين الله فينبغي لهم أن يؤدوها ثانية، وإن أخذوا من أهل الذمة في ذلك البد خراج رؤوسهم لم يأخذهم الإمام فيما مضي واستأنف الأمر معهم، ويقسم صدقة كل ملة في فقرائهم ولا يؤرج إلى غيرهم وإن أخرجها جاز وهو مكروه ومن كان في عسكر الخوارج سنين فلم يود صدقة ماله ثم تاب لم يؤخذ بها؛ لأن أحكامنا لم تكن تجري عليهم، وعليهم أن يؤدوها فيما بينهم وبين الله أ.
ويأخذ العاشر الصدقة من رسول أهل البغي كما يأخذها من المسلم، ومن أسلم في دار الحرب فأقام في تلك الدار سنين وقد عرف أن الزكاة عليه فلم يؤدها ثم خرج إلينا لم يؤخذ بها وعليه أن يؤديها فيما بينه وبين الله أ، وإذا حلف الرجل أنه قد أدى صدقة ماله إلى مصدق كان في تلك السنة فكف عنه المصدق ثم اطلع بعد السنين على كذبه أخذه بتلك الصدقات.
باب صدقة الغنم
قال: ليس في أقل من الأربعين من الغنم السائمة صدقة، فإذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى أربع مائة وفي أربع مائة أربع شياه، فإذا زادت عليها ففي كل مائة شاة، ولا تؤخذ الجذعة من الغنم في الصدقة، ولا يؤخذ إلا الثني فصاعدا، ولا يقبل قول صاحبها دفعت صدقتها إلى المساكين ولا يحسب لها إن كان دفعها.
رجل تزوج امرأة على عبد فدفعه إليها فمر يوم الفطر وهو عندها ثم طلقها قبل أن يدخل بها فعليها زكاة الفطر عنه، وإن كان العبد عند الزوج لم يكن على واحد منهما فيه زكاة الفطر، رجل له مائتا درهم وعليه مثلها دين وله أربعون شاة سائمة فعليه زكاة السائمة لأن الدين محسوب في الدراهم، وإن لم يحضر المصدق وكانت قيمة الغنم مائتي درهم زكى أيهما شاء.
رجل له أربعون شاة سائمة فحال عليه الحولان قال عليه للحول الأول شاة ولا شيء عليه للحول الثاني لأن الغنم قد نقصت من الأربعين، وتفسير قوله لا يفرق بين مجتمع أن يكون للرجل مائة وعشرين شاة ففيها شاة واحدة.
وإن فرقها المصدق فجعلها أربعين أربعين ففيه ثلاث شياه، وتفسير قوله لا يجمع بين متفرق إلا أن يكون بين الرجلين أربعون شاة، فإن جمعها كانت فيه شاة واحدة، ولو فرقها عشرين عشرين لم يكن فيها شيء.
الجزء 1 · صفحة 66
والشريك المفاوض والعنان وغير الشريك كلهم سواء في حكم الصدقة، وإذا مر المسلم على العاشر بالماشية وغيرها من الأموال فقال ليس شيء من هذا للتجارة وحلف على ذلك قال: لا يأخذ منه شيئا وكذلك الذمي والتغلبي وأما الحربي لا على ملك ويؤخذ منه على العشر، رجل مات بعدما وجبت الصدقة في سائمته فجاء المصدق وهو في يدي الورثة قال: لا يأخذ الصدقة منهم لأنها قد خرجت من ملك الذي كانت له.
باب زكاة البقر
قال: ليس فيما دون ثلاثين بقرة سائمة صدقة، وفي ثلاثين منها تبيع أو تبيعة، وفي أربعين منها مسنة، فإذا زادت على الأربعين ففي الزيادة بحساب ذلك في قول أبي حنيفة س، قال أبو الفضل وفي كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى ب، إذا كان له احدى وأربعين بقرة، قال أبو حنيفة س: عليه مسنة وربع عشر مسنة، قال روى الحسن بن زياد س: أنه قال ليس في الزيادة على الأربعين شيء حتى تبلغ البقر خمسين، فإذا بلغت خمسين كان فيها مسنة وربع مسنة.
وروى أسد من عمرو:: عن أبي حنيفة س قال: ليس في الزيادة على الأربعين شيء حتى تبلغ البقر ستين قال أبو يوسف ومحمد ليس في الزيادة على الأربعين شيء حتى تبلغ البقر ستين وهو قول ابن أبي ليلى س.
فإذا بلغت ستين كان فيها تبعان أو تبيعتان إلى سبعين، وفي سبعين مسنة وتبيع، وفي ثمانين مسنتان، وفي تسعين ثلاثة أتبعة، وفي المائة مسنة وتبيعان، وكذلك على هذا القياس، والجواميس بمنزلة البقر، ذكرها وإناثها في الصدقة سواء، وليس في الخيل السائمة الذكور صدقة، فإن كانت إناثاً وذكوراً يطلب نسلها ففي كل فرس دينار، وإن شئت قومتها دراهم فجعلت في كل مائتي درهم خمسة، وهذا قول أبي حنيفة س، وقال أبو يوسف ومحمد ب: ليس في الخيل صدقة، وليس في الحمر والبغال السائمة صدقة في قولهم جميعاً.
باب زكاة المال
قال: ليس في أقل من مائتي درهم زكاة، فإذا بلغت مائتي درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وما زاد على المائتين فليس في الزيادة شيء حتى يبلغ أربعين درهماً، فإذا بلغ المال مائتي درهم وأربعين درهما ففيه ستة دراهم، وكذلك بلغنا عن عمر س وبه كان يأخذ أبو حنيفة س، وقال أبو
الجزء 1 · صفحة 67
يوسف ومحمد ب: عليه في الزيادة على المائتين بحساب ذلك وهو قول ابن أبي ليلى س، بلغنا ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عمر وإبراهيم النخعي ش.
وليس في أقل من عشرين مثقالا من الذهب زكاة فإذا بلغ عشرين مثقالاً ففيه نصف مثقال، وليس في الزيادة عليها شيء حتى تبلغ أربع مثاقيل في قول أبي حنيفة س، وقال أبو يوسف ومحمد ب: فما زاد فبحساب ذلك، وكذلك زكاة مال التجارة تجب بالقيمة يوم حال الحول بالغة ما بلغت.
وإن كانت قبل ذلك أقل منها بعد أن يكون قيمتها في أقل الحول مائتي درهم، ويقومها إن شاء بالدراهم وإن شاء بالدنانير، ولا ينظر جنس ما اشتراها منهما، وما كان من الدراهم والدنانير والذهب والفضة تبراً مكسوراً أو حلياً مصوغاً أو حلية سيف أو منطقة أو غير ذلك ففي جميعه الزكاة إذا بلغ الذهب عشرين مثقالاً أو الفضة مائتي درهم إن نوى به التجارة أو لم ينوها.
وكذلك له إن كان عشرة مثاقيل ذهب ومائة درهم، أو خمسة عشر مثقالاً ذهباً وخمسون درهما فعليه الزكاة فإن كانت له مائة درهم وخمسة مثاقيل ذهب فقيمتها مائة درهم فعليه الزكاةفي قول أبي حنيفة س، وقال أبو يوسف ومحمد ب: لا زكاة عليه، وهو قول أبي حنيفة الأول ذكره في نوادر هشام رجل له على رجل ألف درهم قرض أو من ثمن بيع كان للتجارة فحال الحول ثم قبض منها شيئاً لم يلزمه إخراج شيء من الزكاة حتى يقبض منها أربعين درهما فيخرج حينئذ درهما.
وكذلك في كل أربعين يقبضها بعد ذلك في قول أبي حنيفة س، وكذلك قال في الأمالي! في أجرة دار التجارة أو عبد التجارة، وإن كان المال وجب له على الغريم من ميراث أو إجارة أو ضمان شيء استهلكه من غير التجارة أو ضمان قيمة عبد أعتق شريكه نصيبه منه فهذا كله سواء.
ولا زكاة عليه حتى يقبض منه مائتي درهم بعد الحول فإذا قبضها زكاها، وإن كان من ميراث بلغ أو مهر، أو دية عاقلة فلا زكاة عليه حتى يقبض ويحول عليها الحول بعد القبض، وأما أبو يوسف ومحمد ب فإنما سويا بين جميع ذلك وقالا: كلما قبض منه شيئاً زكاه بمقداره، وإذا كانت ألف مهر فلا زكاة عليها فيها حتى يحول الحول بعد القبض وهو نصاب كامل في قول أبي حنيفة الآخر س، وفي قوله الأول: عليها الزكاة إذا قبضت مائتي درهم، وفي قول أبي يوسف ومحمد ب عليها زكاة ما قبضته من قليل أو كثير
وإن كانت الألف من كتابة أو سعاية لزمت العبد بعتق أحد الشريكين إياه لم يزكها حتى يحول الحول عليها بعد القبض، قال أبو الفضل: ولم يذكرها هنا اختلافا، رجل له ألف درهم فحال عليها
الجزء 1 · صفحة 68
الحول ثم اشترى بها عبدا للتجارة فمات العبد بطلت عنه زكاة الألف، وإن كان اشترى للخدمة لم تبطل عنه زكاة الألف.
رجل له ألف درهم وعليه ألف درهم دين وله خادم لغير التجارة بقيمة عشرة ألف درهم، قال: لا زكاة عليه، أرأيت لو تصدق عليه ألم يكن موضعا لها لأنه مغرم، وروي عن الحسن البصري س أنه قال: إن الصدقة كانت تحل للرجل وهو صاحب عشرة آلاف درهم، قيل وكيف ذلك، قال يكون له الخادم والدار والكراع والسلاح وكانوا ينهون عن بيع ذلك، وقال ابن أبي ليلى س: على الغريم زكاة ما في يديه من مال الزكاة، وقال زكاة الدين على الذي هو في يديه.
وإذا كان للرجل التاجر ديون على الناس وفيهم الملّي وغير الملّي فحال الحول قال إذا خرج منها ما يبلغ أربعين درهما زكى ما خرج وليس عليه أن يعجل زكاة ما لم يخرج، وإن فعله كان فضلاً أخذ به، وليس على التاجر زكاة مسكنه وخدمه ومركبه وكسوته وكسوة أهله وطعامهم وما يتجمل به من آنية ولؤلؤ وفرش ومتاع لم ينو التجارة، وكذلك الفلوس يشتريها للنفقة وكذلك إن كان اشترى جميع ذلك للتجارة ثم بدا له فجعله للمهنة، وإن كان اشترى للمهنة ثم جعله للتجارة لم يكن للتجارة ما لم يبعه.
باب العاشر
قال ومن مر على العاشر بأقل من مائتي درهم من مسلم أو ذمي أو حربي لم يأخذ منه شيئاً وإن علم أن له في منزله مالاً، وإذا مر بمائتي درهم أخذ من المسلم ربع العشر، ومن الذمي نصف العشر، ومن الحربي العشر كاملا، إلا أن يكونوا هم يأخذون من تجارنا أقل من ذلك أو أكثر فيعاملون بمثله فإن ادعى المسلم أن حوله لم يتم وأن عليه ديناً يحيط بماله، وأن هذا مال غيره وأنه ليس للتجارة وحلف على ذلك صدق، وكذلك الذمي ولا يصدق الحربي في شيء من ذلك إلا أن يقول هذا الغلام ولدي أو هذه الجارية أم ولدي فيكف عنه في ذلك.
ولا يأخذ العشر من مال المكاتب، ولا شيء في مال اليتيم إذا قال الوصي هذا مال يتيم في حجري، وكذلك إذا قال هذه بضاعة معي لغلامي وإذا أخبر التاجر العاشر أن متاعه مروي واتهمه العاشر فيه وفي فتحه ضرر عليه حلفه وأخذ منه الصدقة على قوله، والتغلبي والذمي سواء في المرور على العاشر وما يؤخذ منهما، وإذا أخذ العاشر من الحربي العشر لم يطالبه به مرة أخرى ما دام في دارنا إلا إذا أن يحول الحول، وإذا رجع إلى دار الحرب ثم عاد إلى دارنا عشره ثانية وإن كان في يومه ذلك.
الجزء 1 · صفحة 69
وإذا مر العبد بمال مولاه يتجر به لم يأخذ منه العشر إلا أن يكون المولى حاضراً، وكذلك المضارب والأجير، قال أبو الفضل ولم يذكر في هذا الموضع اختلافاً وقد ذكره في الجامع الصغير!، وإذا مر على العاشر بمال ومعه براءة بغير اسمه يقول هذه براءة من عاشر كذا مر به رجل كان هذا المال معه مضاربة.
قال إذا حلف على ذلك كف عنه وإن لم يحلف أخذ منه الزكاة، وإذا مر على عاشر الخوارج فعشره لم يحسبه له عاشر أهل العدل إلا أن ذلك لا يجزيه من زكاته، ولا يجوز من الزكاة عتق رقبة ولا الحج ولا قضاء دين ميت ولا تكفينه ولا بناء مسجد، ولا يعطى منها كافر، ولا بأس أن يعين به حاجاً منقطعاً به أو غازياً أو مكاتباً أو يقضي به دين مغرم حين يأمره.
ويجزيه أن يعطي عن الواجب جنساً آخر من المكيل والموزون أو العروض أو غير ذلك بقيمته، رجل له على آخر دين فتصدق به عليه ينوي أن يكون من زكاة ماله لم يجزهإلا من زكاة هذا الدين إذا كان الغريم فقيراً.
وأما زكاة مال المضاربة فعلى رب المال زكاة رأس المال وحصته من الربح وعلى المضارب زكاة حصته من الربح إذا وصلت إليه إن كان ما يجب فيه في مقدارها زكاة أو كان له من المال ما يجب فيها معه الزكاة، ويأخذ العاشر العشر من مال الصبي الحربي إلا أن يكونوا لا يأخذون من مال صبياننا شيئاً.
وكذلك المكاتب الحربي، وقال في كتاب الجامع! والسير إذا كان مع الحربي أقل من مائتي درهم لم يأخذ منهم شيئا إلا أن يكونوا هم يأخذون شيئاً في مثلها، وإذا مر التاجر على العاشر بالرمان أو البطيخ أو القثاء أو الخيار أو السفرجل أو العنب أو التين قد اشتراه للتجارة وهو يساوي مائتي درهم قال لا يعشرها لأنه لا تبقى، وكذلك الذمي والحربي، وقال أبو يوسف ومحمد ب: يؤخذ من ذلك كله العشر، وإن مر الذمي على العاشر بالخمر والخنازير للتجارة، عشر الخمر من قيمتها ولم يعشر الخنازير، ورواه في الخمر عن إبراهيم س، وكذلك الحربي.
رجل له مائتا درهم فمكثت عنده أشهر ثم وهبها لرجل ودفعها إليه ثم رجع فيها قال يستأنف بها الحول من وقت رجوعه فيها، فإن كانت مكثت عند الموهوب له سنة ثم رجع فيها لم يكن على واحد منهما زكاة تلك السنة، وإذا أخرجت أرض العشر طعاماً فباعه قبل أن يؤدي عشره فجاء العاشر والطعام عند المشتري قال له أن يأخذ عشر الطعام من المشتري، ويرجع المشتري على البائع بعشر الثمن وإن شاء أخذ من البائع، قال أبو الفضل وهذا الجواب خلاف جوابه من السائمة في الظاهر.
الجزء 1 · صفحة 70
وإذا باع الأرض وفيها زرع قد أدرك فعشر الزرع على البائع، وإن باعها والزرع بقل فعشر الزرع إذا حصد على المشتري، وإن باع الزرع وهو فصل ففصله المشتري فالعشر على البائع في الثمن وإن باع الزرع وهو بقل ثم أذن المشتري أن يتركه في أرضه فتركه حتى استحصد فالعشر على المشتري، وكذلك كل شيء من الثمار وغيرها مما فيه العشر يبيعه صاحبه قبل أن يبلغ في أول ما يطلع ثم يتركه المشتري بإذن البائع حتى يبلغ وزكاته على المشتري.
وإذا اشترى أرض عشر أو خراج للتجارة لم يكن عليه زكاة التجارة إنما عليه حق الأرض من العشر أو الخراج، ولا يجتمع العشر والخراج في أرض ولا زكاة التجارة مع أحدهما، وقال ابن أبي ليلى عليه العشر والخراج.
وإن اشترى داراً للتجارة فحال عليها الحول زكاها من قيمتها، رجل مات وله أرض عشر قد أدرك زرعها ووجب عنها العشر قال يؤخذ منها العشر، وروى ابن المبارك عن أبي حنيفة ب قال: لا يؤخذ منها العشر؛ لأنها قد صارت لغيره، ولم يجعله مثل صدقة السوائم في هذا.
رجل له رطبة في أرض العشر وهي تقطع في كل أربعين يوما قال يؤخذ منه العشر كلما قطعت، وإن كان صاحب العنب يبيعه مرة عنباً ومرة زبيبا ومرة عصيرا بأقل من قيمته أو بأكثر أخذ العشر في جميع ذلك من الثمن إذا لم يكن يحابا فيه محاباة فاحشة، رجل له على رجل دين ألف درهم فكابره به سنين وليست له عليه بينة ثم أعطاه قال ليس عليه زكاة ما مضى وكذلك الوديعة، رجل تزوج امرأة على ألف درهم بعينها فلم يدفعها إليها حتى حال الحول فقبضتها لم يكن عليها زكاة ما مضى في قول أبي حنيفة الآخر س ولا على الزوج.
وقال أبو يوسف ومحمد ب: عليها زكاة الألف فإن كانت قبضتها وحال عليها الحول عندها ثم طلقها قبل أن يدخل بها لم يسقط عنها شيء من الزكاة لأنّه ليس عليها رد نصف الألف بعينها إنما لحقها دين بعد الحول وليس هذا كالسائمة.
وإذا حال الحول على مال التفاوضين فأدى كل واحد منهما زكاة المال بغير أمر صاحبه قال يضمن كل واحد منهما ما أدى عن صاحبه لصاحبه لأنه لم يأمره بأدائه فإن كان كل واحد منهما قد أمر صاحبه أن يودي ذلك إذا حال الحول فأدياه معاً ضمن كل واحد منهما حصة الآخر مما أدى وإن أدى أحدهما قبل الآخر ضمن الآخر ما أدى عن صاحبه ولم يضمن الأول.
قلت: لم ضمنته وقد أدى بأمره ولم يعلم أنه قد أدى قال: لأنه أمره أن يودي الزكاة وهذا أدى غير الزكاة، وهذا قول أبي حنيفة س، وقال أبو يوسف ومحمد ب: ليس عليه ضمان، رجل دفن
الجزء 1 · صفحة 71
ماله في أرضه أو في أرض بعض بيوته فخفي عليه موضعه حتى مضى لذلك سنون قال عليه زكاة المدفون في بيوته دون المدفون في أرضه.
باب المعادن وغيرها
وسواء من عمل في معدن الذهب أو الفضة أو النحاس أو الحديد أو الرصاص من حر وعبد ومسلم وكافر وصبي وامرأة ويؤخذ منه خمس ما أصابه وله أربعة أخماس، وسواء إن كان ذلك المعدن في أرض العشر أو في أرض الجبل، وإذا عمل رجل في المعدن يوماً ثم جاء رجل آخر من الغد فعمل فيه حتى أصاب المال أخذ منه خمسه والباقي له دون الأول.
وليس في السمك واللؤلؤ والعنبر يستخرج من البحر شيء في قول أبي حنيفة ومحمد ب، وقال أبو يوسف س في العنبر الخمس قال أبو الفضل: وقد قال أبو يوسف س في الجامع الصغير! وعليه في اللؤلؤ الخمس، وليس في الياقوت والزمرد والفيروزج يوجد في المعدن أو الجبل شيء، وكذلك الكحل والزرنيخ والمغرة والنورة والجص، وأما الزئبق إذا أصاب في معدنه ففيه الخمس في قول أبي حنيفة ومحمد ب، وقال أبو يوسف س: لا شيء فيه.
قال: وحكى عن أبي يوسف أن أبا حنيفة ب كان يقول: لا شيء فيه، قال وكنت أقول فيه الخمس فلم أزل به حتى قال فيه الخمس ثم رأيت أنه لا شيء فيه، وإذا وجد الرجل الركاز من الذهب والفضة والجواهر مما يعرف أنه قديم فاستخرجه من أرض الفلاة قال فيه الخمس وما بقي فهو له، وكذلك إن كان هذا الذي وجده ذميا أو مكاتبا أو صبيا.
وإن وجده في دار رجل وتصادقا أنه ركاز ففيه الخمس والباقي لمالك الدار وكذلك إن كان الواجد ساكنا فيها بإجارة أو عارية فهو لصاحب الدار، فإن كان الواجد قد اشتراها من رجل واشتراها ذلك الرجل من آخر فالركاز للذي كان له الأصل بعدما يخمس وكذلك الأرض وهذا قول أبي حنيفة ومحمد ب، وهو قياس الأثر عن على بن أبي طالب س.
وقال أبو يوسف س: أنا أراه للذي وجده أستحسن ذلك، مسلم دخل دار الحرب بأمان فوجد ركازاً قال إن كان وجده في الصحراء فهو له وليس فيه خمس، وإن كان المعدن في دار المسلم أو أرضه فهو له وليس فيه خمس، وكذلك الذمي، وهذا قول أبي حنيفة س، قال أبو يوسف ومحمد ب: فيه الخمس، وفرق في الجامع الصغير بين الدار والأرض في قول أبي حنيفة س فأوجب في المعدن الخمس إذا كان في الأرض.
الجزء 1 · صفحة 72
حربي دخل دار الإسلام بأمان فأصاب كنزاً أو معدنا قال يؤخذ منه كله، وإن عمل في معدن بإذن الإمام أخذ منه الخمس وما بقي فهو له، ولا شيء في العسل إن كان في أرض الخراج، وإن كان في أرض العشر أو في الجبال ففيه العشر كيف كان صاحبه.
ولا شيء في القير ولا في النفط والملح والطرفاء والقصب الفارسي وإن كان في أرض العشر، ولا يسقط العشر عن الركاز والمعدن وإن كان واجده مغرما، وإذا تقبل الرجل من السلطان معدناً ثم استأجر فيه أجيراً فاستخرجوا منه مالاً قال يخمس، وما بقي فهو للمتقبل، وإن كانوا عملوا فيه بغير إذنه فالأربعة الأخماس لهم من نجومه.
باب عشر الأرضين
و في كل ما أخرجته أرض العشر من الحبوب والبقول والرطاب والرياحين وما أشبهها من الوسمة والزعفران والورد والورس وقصب السكر وقصب الذرة عشر كامل إذا سقته السماء أو سقي سيحا، ونصف العشر إذا سقي بقرب أو دالية أو سانية، وهذا قول أبي حنيفة س، وقال أبو يوسف ومحمد ب: لا عشر في شيء من هذا حتى يبلغ خمسة أوساق، والوسق ستون صاعا، وهذا فيما له ثمرة باقية.
فأما الخضر والبطيخ والقثاء والخيار والبقول فلا عشر فيها، وقال ابن أبي ليلى س: لا عشر إلا في الحنطة والشعير والزبيب والتمر إذا بلغ خمسة أوساق، وإذا أخرجت أرض العشر طعاما وعلى صاحبها دين كمهر لم يسقط عنه العشر، وكذلك الخراج لا يسقط عنه لأجل الدين، وكذلك إن كانت الأرض لمكاتب أو لصبي أو مجنون.
رجل استأجر أرضا من أرض العشر فزرعها قال عشر ما خرج منها على رب الأرض بالغاً ما بلغ، وإن كان صاحبها أعارها إياه فعشرها على الذي زرعها، وأما الخراج فعلى رب الأرض في الوجهين جميعا، وقال أبو يوسف ومحمد ب: العشر فيما أخرجت الأرض في مسئلة الإجارة عليه أيضاً.
الجزء 1 · صفحة 73
مسلم اشترى من كافر أرض خراج فهي خراجية، وإن اشترى كافر من مسلم أرض عشر فأخذها منه مسلم بالشفعة أو كان في البيع خيار أو فساد فرُجعت إلى المسلم فهي عشرية كما كانت، فإن بقيت في ملك الكافر حولت خراجية في قول أبي حنيفة س بمنزلة دار كانت له فجعلها بستاناً، وفي قول أبي يوسف س يضاعف عليه العشر ويوضع موضع الخراج، وفي قول محمد س عليها عشر واحد كما كان يوضع موضع الصدقة بينه في كتاب السير!.
وإن اشترى تغلبي نصراني أرض عشر من مسلم ضوعف عليه العشر فإن أسلم عليها أو باعها من مسلم فعليه العشر مضاعفاً في قول أبي حنيفة ومحمد ب، وقال أبو يوسف س: عليه عشر واحد، وذكر هذه المسئلة بعد هذا الموضع بأوراق فجمع بين القولين قول محمد س وقول أبي يوسف س في إن عليها عشر واحد، قال أبو الفضل وهذا في رواية أبي سليمان:.
وأرض العشر ما في أيدي العرب من أرض الحجاز والبادية لأنهم أسلموا عليها، وكذلك ما استحياه رجل من أرض السواد مما لا يبلغه ماء الأنهار العظام فهو أرض عشر والدار التي أسلم أهلها عليها أرض عشر، وأما أرض الجبل والسواد وما أوجف عليه المسلمون فهي أرض خراج.
وإذا قال صاحب الأرض قد أديت عشر الطعام إلى المساكين لم يقبل قوله وإن حلف على ذلك لأن هذا ما يأخذ السلطان، وإن وضع العشر أو الزكاة في صنف واحد من غير أن يأتي به السلطان وسعه فيما بينه وبين الله، وروى عن عمر بن الخطاب س أنه أتى بصدقة فبعثه بها إلى أهل بيت واحد، وعن ابن عباس وحذيفة ش مثله.
ولا يجوز تعجيل عشر ما لم يزرع وعشر تمر لم يخرج، وقال أبو الفضل قال أبو يوسف س في الإملاء!: يجوز تعجيل زكاة النخل والكرم لسنين وليست كالحرث ولا يعطى من زكاته، وعشر أرضه ولده وولد ولده وأبويه وأجداده ويعطي من سواهم من القرابة ولا يعطي مدبره ولا أم ولده ومكاتبه ولا زوجته ولا تعطي المرأة زوجها في قول أبي حنيفة س، وقال أبو يوسف ومحمد ب: تعطيه.
فإن أعطى أحداً من هؤلاء أو أحدا غنياً أو حربياً وهو لا يعرفهم بذلك بعدما سألوه أجزأه في قول أبي حنيفة ومحمد ب إلا في مماليكه ومكاتبه، وقال أبو يوسف س: لا يجزيه في شيء من ذلك، ويكره أن يعطي رجلا من الزكاة مائتي درهم إذا لم يكن عليه دين أو عيال وإن أعطاه جاز.
وتحل الصدقة لابن السبيل وإن كان له مال في بلده ولا يجب عليه إخراج زكاة ماله حتى يرجع إليه، رجل له على رجل دين فتصدق به على آخر من زكاته وأمره بقبضه فقبضه أجزأه، رجل تصدق
الجزء 1 · صفحة 74
على رجل بدراهم من زكاة مال لرجل بغير أمره ثم علم بعد ذلك فرضي به لم يجزه من زكاته، وإن كان تصدق عنه بأمره أجزأه.
رجل له مائتا قفيز حنطة للتجارة قيمتها مائتي درهم فحال عليها الحول ثم رجعت قيمته إلى مائة درهم قال يتصدق عنها بخمسة أقفزة، وإن أراد أن يؤدي من القيمة يتصدق بخمسة دراهم في قول أبي حنيفة س، وقال أبو يوسف ومحمد ب: يتصدق بدرهمين ونصف.
والعشر واجب في قليل العسل وكثيره عند أبي حنيفة س إذا كان في أرض العشر وقال أبو يوسف س: ليس فيما دون قيمة خمسة أوسق من العسل عشر.
قال أبو الفصل: وقال أبو يوسف س في الأمالي!: والهاروني إذا بلغ العسل عشرة أرطال ففيه العشر، وقال محمد س في نوادر! هشام: إذا بلغ العسل خمسة أفراق والفرق ستة وثلاثون رطلاً بالعراقي ففيه العشر.
رجل له أرض عشر وفيها نخل لا يعلمها بها صاحبها فجاء رجل واحد فأخذ عسلها قال هي لصاحب الأرض وفيه العشر وإن كان لم يتخذ ذلك، وأما الزعفران فلا عشر فيه في قول أبي يوسف س حتى يخرج منه قيمته خمسة أوساق من أدنى ما يكون من قيمة الوسق.
وقال محمد س: ليس فيه شيء حتى يكون خمسة أمناً، وكذلك قصب السكر، ومن كان أحيا أرضاً ميتة لم تكن له إلا بإذن الإمام في قول أبي حنيفة س وقال أبو يوسف ومحمد ب: هي له.
باب ما يوضع فيه الخمس
الجزء 1 · صفحة 75
قال ومن أصاب ركازاً وسعه أن يتصدق بخمسه على المساكين فإذا اطلع الإمام على ذلك أمضى له ما صنع، وإن كان محتاجا إلى جميع ذلك وسعه أن يمسكه لنفسه، وإن تصدق بالخمس على أهل الحاجة من أبائه وأولاده جاز ذلك، وليس هذا بمنزلة عشر الخارج من الأرض وما جبي من الخراج فهو لجميع المسلمين يعطي الإمام فيه أعطيات المقاتلة والذرية وفي نوائب المسلمين ولا يوضع فيما يوضع فيه الزكاة من الفقراء والمساكين، وإن احتاج بعض المسلمين وليس في بيت المال من الصدقات والخمس شيء أعطي الإمام من ذلك أهل الحاجة وسبيل الزكاة والعشر وخمس ما أوجف عليه المسلمون من العدو وأخذوا للفقراء والمساكين.
وما أخذ من أهل الذمة وأهل الحرب إذا مروا على العاشر وضع موضع الخراج وما أخذ من صدقات أهل البادية رد على فقرائهم، وكذلك زكاة كل بلد وقوم، وكذلك صدقة الفطر قال أبو الفضل وحكى ابن المبارك عن أبي حنيفة ب قال: لا تخرج الزكاة من بلد إلى بلد إلا لذي قرابة وبه أخذ محمد بن الحسن س وإن احتاج غيرهم فوضعها الإمام في أهل الحاجة من غيرهم وسعه ذلك.
وإن كان فيهم فقراؤهم أحق من فقراء غيرهم، وإن أخرجها إلى غيرهم جاز وهو مكروه، وما أخذ من بني تغلب وضع موضع الخراج، قال بلغنا في قوله تعالى فإن لله خمسه وللرسول عن عطاء بن أبي رباح س أنه كان يقول: خمس الله ورسوله واحد كان رسول الله ع يضعه في الفقراء والمساكين وابن فصار ذلك على خمسة أسهم فإن لله خمسه وللرسول خمسه واحد ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ومن كان غنياً ولم يغز، وليس في الديوان ولا يلي للمسلمين أمرا لم يعط من الخراج شيء.
وينبغي للإمام أن يتقي الله في المسلمين فلا يدع فقيراً إلا أعطاه حقه من الصدقات حتى يغنيه وعياله ويفرض للقاضين رزقاً بقدر ما يرى مما يكون، ويجب للإمام في نفسه في بيت المال قدر ما يغنيه من العطاء يفرض له ذلك، بلغنا أن أصحاب رسول الله ع فرضوا لأبي بكر س رزقاً من بيت المال، ولا شيء لأهل الذمة في بيت المال وإن كانوا فقراء، ولا يرد عليهم مما أخذ منهم العشار شيئاً، وأمير الجيش في الغنيمة بمنزلة رجل واحد من الجند، هذا آخر كتاب الزكاة، والله أعلم.
كتاب الصوم
ذكر محمد بن الحسن عن طلحة بن عمرو عن مجاهد س: أنه يكرهه أن يقول جاء رمضان وذهب رمضان، وقال لا أدري لعل رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولكن ليقل جاء شهر رمضان وذهب شهر رمضان، وإذا تسحر الرجل وقد طلع الفجر وهو لا يعلم به في شهر رمضان فعليه قضاء ذلك
الجزء 1 · صفحة 76
اليوم، وكذلك إن أفطر وهو يرى أن الشمس قد غابت ولم تكن غابت فعليه القضاء ولا كفارة عليه، وروى ذلك عن عمر بن الخطاب س.
ومن أجنب ليلاً في شهر رمضان فلم يغتسل حتى أصبح فصومه تام بلغنا ذلك عن رسول الله ع أنه كان يفعل ذلك وإن احتلم نهاراً لم يفطره، وإن درعه القيء فلم يفطره، وإن تقيأ متعمداً فعليه القضاء ولا كفارة عليه، وكذلك بلغنا عن علي س وإن احتجم الصائم لم يضره.
وروي أن النبي ع قال أفطر الحاجم والمحجوم فشكا الناس إليه الدم فرخص للصائم أن يحتجم وعن ابن عباس ب أن النبي ع كان يحتجم وهو صائم، وإذا طهرت الحائض في بعض النهار شهر رمضان تركت الأكل فيه وقضته وما قبله من أيام الحيض وإن أكلت فيه لم يلزمها به شيء.
ويقبل الصائم ويباشر إذا كان أمن على نفسه ما سوى ذلك، وبلغنا عن عائشة ل أن النبي ع كان يقبل وهو صائم، وإذا اشتبه شهر رمضان على الأسير في أرض العدو فتحري فصام شهراً ينوي به شهر رمضان أجزأه إن كان أصابه أو أصاب شهرا بعده، وإن أصابه قبله لم يجزه.
وإن صام شهر رمضان تطوعاً وهو يعلمه أو لا يعلمه كان صومه عن شهر رمضان ولا يكون شهر رمضان تطوعا، وإن أصبح في أول اليوم منه صائما متطوعا ثم يتبين له أنه من شهر رمضان أجزأه من الفرض وقال ابن أبي ليلى س: لا يجزيه.
وإن كان أصبح مفطرا فإن تبين قبل الزوال نوى الصوم ولم يكن أكل شيئاً أجزأه الصوم وإن كان أكل شيئا ونوى الصوم بعد الزوال لم تجزه وعليه القضاء وكذلك المسافر اذا دخل مصره وقد كان أصبح مفطرا ولا يأكل واحد منهما ولو كان لم ينو الصوم أو نوى الصوم بعد الزوال لم يجزه وهو منهي عن الأكل في بقية يومه وإن لم يجزه صومه.
رجلٌ أصبح صائما من رمضان قبل أن يتبيّن أنه من رمضان ثم تبين أنه منه فصومه جائز وقد أساء حين تقدم جماعة من الناس به إلا أن يكون أبصر الهلال وحده ورد الإمام شهادته فإنه يصوم ولا يفطر فإن أفطر لم يلزمه الكفارة، رجل قبل امرأته في شهر رمضان فأنزل قال عليه القضاء ولا كفارة عليه، وكذلك المرأة إذا أنزلت.
ومن أكل أو شرب أو جامع ناسياً في صومه لم يفطره ذلك، بلغنا عن نحو ذلك في الأكل والشرب عن رسول الله ع، وإذا تمضمض الصائم فسبقه الماء فدخل في حلقه فعليه القضاء إن كان ذاكراً لصومه وإن لم يكن ذاكراً فلا شيء عليه، وقال ابن ابي ليلى س: لا شيء عليه وإن كان ذاكرا لصومه إذا توضأ لفرض، وإن توضأ لتطوع فعليه القضاء.
الجزء 1 · صفحة 77
والاكتحال لا يضر الصائم وإن وجد طمعه في حلقه، وذكر في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى ب قال أبو حنيفة س: لا بأس أن يكتحل الصائم وبه نأخذ، وكره ابن أبي ليلى س أن يكتحل أو يدهن شاربه.
والسعوط يفطره، وكذلك الحقنة والإقطار في الأذن، وأما الأقطار في الإحليل فلا يفطره عند أبي حنيفة ومحمد ب، وعند أبي يوسف س يفطر، قال أبو الفضل وحكى ابن سماعة: عن محمد س أنه وقف عنه وحكى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ب قال: إن صب في احليله دهناً فوصل إلى مثانته فعليه القضاء، وحكى هشام: عن أبي يوسف س: في السعوط والوجور الكفارة، ومداواة الجائفة والآمة بدواء اليابس لا يفطره.
وبالدواء الرطب الذي يصل إلى الجوف والدماغ يفطره عند أبي حنيفة س ولا يفطره عند أبي يوسف ومحمد ب، رجل أصبح في أهله صائماً ثم سافر قال لا يفطر وإن أفطر فلا كفارة عليه، رجل أصبح صائماً متطوعاً ثم أفطر قال عليه القضاء، رجل أغمي عليه في شهر رمضان ليلا فلم يفق حتى غربت الشمس من بعد الغد قال ليس عليه قضاء اليوم الأول وعليه قضاء اليوم الثاني.
وإذا نظر إلى فرج امرأته فأنزل قال صومه تام ما لم يمسها، وإن جامعها متعمداً قال عليه أن يتم صومه ذلك اليوم ويقضي يوما مكانه ويعتق رقبة فإن لم يجد رقبة فعليه صيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، وكذلك جاء الأثر عن رسول الله ع، وقال ابن أبي ليلى س: ليس عليه التتابع في الشهرين، وكذلك إذا أكل متعمداً وعلى المرأة مثل ما عليه إذا طاوعته، وإن غلبها على نفسها فعليها القضاء والغسل دون الكفارة.
وإن جامعها أياماً في الشهر فعليه كفارة واحدة ما لم يقض تلك الكفارة الأولى، فإن كفر ثم جامع فعليه كفارة أخرى، وكل صوم في القرآن لم يذكر الله متتابعا فله أن يفرقه، وما ذكر متتابعا فليس له أن يفرقه.
رجل جامع امرأته في صوم رمضان ثم حاضت في ذلك اليوم فعليها القضاء دون الكفارة، وعلى الزوج القضاء والكفارة، وقال ابن أبي ليلى س: عليها الكفارة، وإن أصبح صائما في غير رمضان يريد به قضاء رمضان ثم أكل متعمداً فقد أساء ولا كفارة عليه. مسافر أصبح صائما في رمضان ثن أفطر فلا كفارة عليه
رجل كان عليه قضاء أيام من شهر رمضان فلم يقضها حتى دخل رمضان من قابل فصامها فيه قال صيامه عن هذا الداخل وعليه قضاء الماضي.
الجزء 1 · صفحة 78
وإذا شك في الفجر فأحب له أن يدع الأكل، وإن أكل وهو شاك فصومه تام، فإن كان أكثر رأيه أنه أكل والفجر طالع فأحب إلي أن يقضي ذلك اليوم، وإذا صام أهل المصر بغير رؤية فلم يصم رجل منهم حتى أبصر الهلال من الغد فصام أهل المصر ثلاثين يوماً، وصام الرجل تسعة وعشرين يوما ثم أفطروا للرؤية قال ليس على الرجل قضاء ذلك اليوم وقد أخطأ أهل المصر حين صاموا لغير رؤية إلا أن يكونوا رأوا هلال شعبان ثم أحصوا ثلاثين يوما ثم صاموا فيكونون قد أحسنوا وعلى من لم يصم معهم القضاء.
وإذا جامع الرجل امرأته في الفرج وغابت الحشفة ولم ينزل فقد وجب عليهما القضاء والكفارة والغسل، وإن جامع أو أكل أو شرب ناسياً فظن أن ذلك يفطره، فأكل بعد ذلك متعمدا فعليه القضاء ولا كفارة عليه، وإذا أسلم الكافر في نصف من شهر رمضان صام ما بقي ولم يصم ما مضى ويصوم اليوم الذي أسلم فيه، وإن أفطر لم يكن عليه قضاؤه.
ولا تصلي الحائض ولا تصوم فإذا طهرت قضت الصوم ولم تقض الصلاة، وكل وقت جعلتها فيه نفساء أو حائضا فإنها تعيد صوم ذلك اليوم ولا تعيد صلاته وكل وقت عدد في نساء مستحاضة فإنها تعيد صلاتها إن لم تكن صلتها، وإن كانت صلت وصامت فقد جازت صلاتها وصيامها لا يجزي شيء من الصوم الواجب أن يصومه في يوم الفطر والنحر وأيام التشريق، وإن كان على الرجل صيام شهرين متتابعين من فطر أو ظهار فصامها وأفطر منها يوما للمرض أو في أيام النحر فعليه استقبال الصيام.
فإن كانت امرأة فأفطرت فيما بين ذلك للحيض لم يكن عليها استقباله ولكنها تصل الصوم حين تطهر فإن لم تصله استقبلته، وإن صام شهرين أحدهما رمضان لم يكن عما نواه وكان عن رمضان وله أن يفرق قضاء رمضان، وكذلك صوم جزاء الصيد والمتعة.
رجل أصبح صائما ينوي به قضاء رمضان ثم علم أنه ليس عليه شيء منه قال له أن يفطر ولا قضاء عليه وإن أتمه فهو أحسن، وكذلك من أيسر وهو في صوم الكفارة، امرأة أصبحت صائمة متطوعة ثم أفطرت أو لم تفطر ثم حاضت في ذلك اليوم عليها قضاء ذلك اليوم وهو بمنزلة قولها: لله علي أن أصوم هذا اليوم ثم حاضت فيه.
ويجوز له أن ينوي صوم التطوع قبل انتصاف النهار، ولا يجوز له ذلك في قضاء رمضان وفي كل صوم واجب غير معين في ذلك اليوم ولا يكون بنية الصوم بعد انتصاف النهار صائما في تطوع ولا
الجزء 1 · صفحة 79
غيره، ولا يكون صائما في رمضان وغيره ما لم ينوه، وإن اجتنب المفطرات إلى آخر يومه لمرض أو لغير مرض.
فإن أصبح بنية الفطر في رمضان فظن أن تلك النية قد أفسدت عليه صومه فأفتى بذلك فأكل قبل انتصاف النهار فعليه القضاء ولا كفارة عليه للشبهة التي دخلت، وإذا أغمي على الرجل قبل شهر رمضان فلم يفق حتى مضى فعليه قضاؤه، وإن كان جن كذلك لم يكن عليه قضاؤه إلا أن يفيق فيه منه بشيء فيلزمه قضاؤه، وإن جن في شهر رمضان ثم أفاق بعد سنين في رمضان قال عليه قضاء الشهر الأول وقضاء الشهر الآخر الذي أفاق فيه كله.
وليس عليه قضاء الشهور التي في السنين الماضية من ذلك، مريض أفطر في شهر رمضان ثم مات قبل أن يبرأ قال ليس عليه شيء، وإن برأ وعاش شهراً فلم يقض الصوم حتى مات فعليه قضاؤه ولا يجوز أن يصوم عنه أحد، ولكن إن أوصى بالقضاء أطعم عنه مكان كل يوم نصف صاع من حنطة والصاع قفيز الحجاجي وهو ربع الهاشمي وهو ثمانية أرطال.
وإن صح بعد رمضان عشرة أيام ثم مات لم يكن عليه إلا قضاء العشرة الأيام التي صح فيها، وكذلك المسافر في هذه الوجوه، وإذا أفطر الرجل متعمداً في شهر رمضان ثم مرض في ذلك اليوم مرضا لا يستطيع معه الصوم قال عليه القضاء ولا كفارة عليه، وإن لم يمرض ولكنه سافر ولم يكن من نيته السفر فعليه القضاء والكفارة.
مسافر أصبح صائماً ثم قدم المصر فأفتي بأن صيامه لا يجزيه وأنه عاصي فأفطر قال عليه القضاء ولا كفارة عليه، والصوم في السفر أفضل والفطر رخصة، رجل أكل في رمضان ناسياً فظن أن ذلك قد أفسد صومه فأفطر بعد ذلك متعمداً قال عليه القضاء ولا كفارة عليه.
ولا بأس بقضاء رمضان في أيام العشر، وإذا بلغ الغلام في يوم من رمضان فأفطر فلا شيء عليه، وإذا ذاق الصائم شيئا بلسانه ولم يدخله حلقه لم يفطره، ويكره له أن يعرض نفسه لشيء من هذا، وإن دخل ذباب جوفه لم يضره وهو استحسان وذكره في نوادر ابن سماعة، وإن كان بين أسنانه شيء فدخل جوفه وهو كاره لم يفطره.
وإذا قال الرجل: لله علي أن أصوم شهرا فله أن يصومه متفرقا إلا أن ينوي متتابعا، فإن سمى شهرا بعينه فلم يصمه فعليه قضاؤه، وإن أراد يمينا فعليه كفارة يمين أيضا وله أن يفرق القضاء، وإن كان أفطر يوما في ذلك الشهر فقضى ذلك اليوم وحده وعليه كفارة يمين إن كان أراد يميناً، وكذلك
الجزء 1 · صفحة 80
إذا كان قال متتابعا، قال أبو الفضل قال أبو يوسف في الإملاء!: لا يجمع القضاء والكفارة لأنها كلمة واحدة وإن أرادهما فعليه القضاء وحده.
وإن أراد اليمين وحدها دون الإيجاب فهو كما نوى، وإن قال صوم سنة بعينها أفطر يوم النحر ويوم الفطر وأيام التشريف وقضاها، وكذلك المرأة إذا نذرت صوم سنة قضت أيام الحيض، رجل جعل عليه أن يصوم كل خميس يأتي عليه فافطر خميسا فعليه قضاؤه وكفارة يمين إن أراد يمينا فإن أفطر خميسا آخر قضا أيضا ولم يكن عليه كفارة أخرى.
وإن جعل لله علي أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان أبدا فقدم فلان ليلا فلا شيء عليه، وإن قدم فلان في يوم قد أكل فيه فعليه أن يصوم ذلك اليوم فيما يستقبل ولا يقضي هذا اليوم الذي قد أكل فيه، وكذلك إن قدم بعد الزوال وان كان قدم قبل الزوال ولم يكن أكل فيه صامه.
وإن قال: لله علي أن أصوم غدا فيكون غدا يوم الأضحى ولم يكن يعلم به قال عليه قضاؤه وعليه كفارة يمين إن أراد يميناً، وإن أصبح صائما يوم الفطر ثم أفطره قال لا قضاء عليه، قال أبو الفضل وحكى ابن المبارك عن أبي حنيفة ب: في النذر مثل ذلك.
امرأة قالت: لله علي أن أصوم يوم حيضي فلا شيء عليها، وكذلك إن قالت لله علي أن أصوم هذا اليوم وهي فيه حائضا أو قد أكلت فيه، وإذا دخل الغبار أو الدخان في حلق الصائم لم يضره، وكذلك إن طعن برمح في جوفه حتى وصل إلى جوفه، وإن صب الماء في حلقه مكرها فعليه القضاء دون الكفارة، وكذلك إن صب في حلقه وهو نائم.
وللصائم أن يستاك بالسواك ويبله بالماء وبالسواك الرطب أول النهار وآخره، وإذا خافت الحامل أو المرضع على نفسها أو ولدها أفطرت وقضت ولا كفارة عليها، وأما الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم فإنه يفطر ويطعم لكل يوم نصف صاع من حنطة ولا شيء عليه غير ذلك، وإذا أكل الصائم الجص أو الطين الحصاة متعمدا فعليه القضاء ولا كفارة عليه.
الجزء 1 · صفحة 81
ويكره له مضغ العلك ولا يفطره، ولا بأس بأن تمضغ المرأة لصبيها طعاما إذا لم تجد من ذلك بداً قال أبو بكر:: ذكر الطحاوي:: إذا رؤى هلال رمضان أو شوال نهارا قبل الزوال أو بعده فإنه لليلة الجائية.
وقد كان أبو يوسف س قال آخرا: أنه إن كان قبل الزوال فهو للماضية وإن كان بعده فهو للجائية والقياس هو الأول، وتقبل شهادة المسلم والمسلمة عدلا كان الشاهد أو غير عدل بعد أن يشهد أنه رأى خارج المصر أو أنه رأه في المصر وفي المصر علة تمنع العامة من التساوي في رؤيته وإن كان ذلك في مصر ولا علة في السماء لم تقبل في ذلك إلا بجماعة.
باب صدقة الفطر
ذكر حديث عبد الله بن ثعلبة بن صُغَيْر س قال: خطبنا رسول الله ع فقال: أدوا عن كل حر وعبد صغير أو كبير نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو صاع من شعير، وعن ابن عمر ب عن رسول الله ع: أنه كان يأمرهم أن يؤدوا صدقة الفطر قبل أن يخرجوا إلى المصلى، وقال أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم.
وعلى رجل موسر زكاة الفطر عن نفسه وولده الصغار وعن مماليكه للخدمة ما خلا المكاتبين فإنه لا يؤدي عنهم ولا يؤدون عن أنفسهم، ويؤدي المسلم عن مملوكه الكافر ولا يؤدي الكافر عن مملوكه المسلم، وإذا كان للولد الصغير مال أدى عنه أبوه من مال الصغير استحسانا في قول أبي حنيفة س وأبي يوسف وكذلك المعتوه وكذلك الوصي وكذلك يضحي عنه من ماله استحسانا في قول أبي حنيفة ذكر في كتاب الحيل، وقال محمد س: لا يؤدي عنه صدقة الفطر من ماله وإن أدى ضمن ولكن يؤدي عنه من مال نفسه.
وليس على الأب أن يؤدي من ماله عن مماليك ابنه الصغير، ويؤدي عنهم من مال ابنه إن كان له مال، وكذلك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ب، وقال محمد س: لا يؤدي عنهم من ماله ولا من مال ابنه.
وليس على الرجل أن يؤدي عن أولاده الكبار ولا عن إخوته ونوافله الصغار إن كانوا في عياله ولا عن زوجته ولا عن أبويه وقرابته، وليس على الفقير صدقة الفطر.
الجزء 1 · صفحة 82
ومما يستحب يوم الفطر قبل الخروج إلى المصلى أن يستاك ويطعم ويغتسل ويمس طيبا إن وجد ويخرج الصدقة، ويؤدي المولى عن رقيقه صدقة الفطر حيث هو به وإن كانوا في بلد آخر وليست هي كزكاة المال أن يؤدي حيث المال، قال أبو الفضل وحكى: ابن سماعة: عن محمد س أنّه رجع عن هذا القول قال زكاة الفطر والمال سواء ويؤدي حيث المال والمملوك، رجلان بينهما مماليك قال لا يجب عليهما فيهم صدقة الفطر لأنه ليس لواحد منهما مملوك تام، وقال أبو الفضل في موضع آخر قال أبو يوسف ومحمد ب: عليهما لصدقة، وقد ذكر ذلك في بعض روايات هذا الكتاب. وليس على الرجل صدقة الفطر في مماليك التجارة وله أن يجمع صدقة نفسه ومماليكه فيعطيها مسكينا واحدا وإن أعطاه قيمتها جاز
ومن مات من مماليكه وولده ليلة الفطر فلا صدقة عليه فيهم، وإن مات بعد الصبح فالصدقة واجبة عليهم، وإذا مر يوم الفطر وفي يده مملوك قد اشتراه وفي البيع خيار لأحد الرجلين فإنما الصدقة على من يصير العبد له، وكذلك زكاة التجارة إن كان اشتراه للتجارة وإن لم يكن في البيع خيار ولم يكن المشتري قبضه حتى مر يوم الفطر فإن قبضه بعد ذلك فصدقته على المشتري.
وإن مات قبل أن يقبضه فلا صدقة فيه على واحد منهما، وإن لم يمت ورده قبل القبض بعيب أو بخيار رؤية فصدقته على البائع وإن رده بذلك بعد القبض فصدقته على المشتري وإن كان اشتراه شراء فاسداً فمر يوم الفطر قبل أن يقبضه ثم قبضه فأعتقه فصدقته على البائع وكذلك إن مر يوم الفطر وهو مقبوض ثم رده، وإن لم يرده فأعتقه فهي عليه.
وإذا عجز المكاتب فليس على المولى فيه زكاة السنين الماضية لفطر ولا تجارة، وكذلك إن كان عبدا آبقا أو مغصوبا أو مأسوراً، وإذا عجز المكاتب وقد كان قبل الكتابة للتجارة لم يعد إلى حال التجارة وكان فيه زكاة الخدمة، وإذا لم يخرج الرجل صدقة الفطر يوم الفطر حتى ارتد لم يجب عليه صدقة الفطر، وإذا أسلم قبل طلوع الفجر فعليه صدقة الفطر.
وإذا كان لرجل دار وخادم ولا مال له غير ذلك فليس عليه صدقة الفطر، وإذا أذن الرجل لعبده في التجارة فعليه رقبته بالدين ومولاه موسر قال عليه فيه صدقة الفطر وزكاة الفطر في العبد الموصى له لخدمته على مالك الرقبة، وكذلك في الوديعة والعارية والإجارة، وكذلك إن كان في عنقه جناية عمد أو خطأ، وكذلك في الرهن هي على الراهن إذا كان عنده وفاء بالدين وفضل مائتي درهم قال أبو الفضل وفي الأمالي!، وقال أبو يوسف س: ليس على الراهن أن يؤدي الصدقة حتى يفكه فإذا فكه أعطى زكاة ما مضى كالبيع بشرط الخيار.
الجزء 1 · صفحة 83
وقال في الجامع!: زكاة الفطر نصف صاع من بر أو دقيق أو سويق أو زبيب أو صاع من تمر أو شعير في قول أبي حنيفة س، وقال أبو يوسف ومحمد ب: الزبيب بمنزلة الشعير، وحكى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ب أنه قال: ومن الزبيب أيضا نصف صاع، وإذا أراد أن يعطي من جنس آخر من الحبوب أعطى بالقيمة.
باب الاعتكاف
ذكره عن ابن عباس وعائشة ش قالا: لا اعتكاف إلا بصوم، وعن علي س قال: ليس على المعتكف صوم إلا أن يوجبه ذلك على نفسه، وعن حذيفة س قال: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة ولا ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد إلا لجمعة أو غائط أو بول، وإذا خرج لغائط أو بول لم يمكث في منزله بعد فراغه من الطهور.
ويأتي الجمعة حين تزول الشمس فيصلي قبلها أربعا وبعدها أربعا أو ستّا ولم يمكث أكثر من ذلك، قلت ذكر ستا لها روي عن أبي يوسف س، ولا يعود مريضا ولا يشهد جنازة وما كان من أكل وشرب فإنه يكون في معتكفه وإذا مرض المعتكف في اعتكاف واجب فخرج من المسجد يوما أو أكثر من نصف يوم استقبل الاعتكاف في قول أبي يوسف ومحمد ب، وقال أبو حنيفة س إذا أخرج متاعه من غير عذر استقبل الاعتكاف.
وكذلك لو أفطر يومًا استقبله ولا تعتكف المرأة إلا في مسجد بيتها، وإذا قال: لله علي أن أعتكف شهراً أو ثلاثين يوما ولم ينو شهرا بعينه فهو متتابع عليه في ذلك الليل والنهار، ويفتتحه متى ما شاء، فإن فرق استقبله.
وإن قال اعتكاف شهر بالنهار فهو كما قال وإن لم يقل بالنهار ونواه فنيته باطل وإن قال: علي اعتكاف شهر كذا فمضى ولم يعتكفه فعليه قضاؤه وكفارة يمين إن كان أراد يمينا، وإن كان اعتكف ذلك الشهر الذي سماه إلا أنه أفطر منه فعليه قضاء ذلك اليوم، وإذا نذرت المرأة اعتكاف شهر فحاضت فيه فعليها أن تقضي أيام حيضها وتصلها بالشهر فإن لم تصلها به فعليها أن تستقبله.
وإذا اعتكف الرجل من غير أن يوجبه على نفسه فهو معتكف فإن قطعه فليس عليه شيء، وإذا اعتكف في مسجد فانهدم فهذا عذر ويخرج منه إلى آخر، ولا بأس بأن يشتري المعتكف ويبيع في المسجد ويتحدث بما بدا له بعد أن لا يكون فيه مأثم.
وإذا أخرجه السلطان من المسجد مكرها في اعتكاف واجب، فإن دخل مسجدا آخر مكانه استحسنت أن يكون على اعتكافه، وكذلك لو أخذه غريم فحبسه ساعة وقد خرج لغائط أو بول،
الجزء 1 · صفحة 84
وأما في قول أبي حنيفة س فاعتكافه فاسد إذا خرج ساعة لغير غائط أو بول أو جمعة، وإذا أوجب اعتكاف يوم دخل المسجد قبل طلوع الفجر فأقام فيه إلى أن تغرب الشمس، وإن أوجب اعتكاف يومين دخل المسجد قبل غروب الشمس فأقام فيه ليلة ويومها وليلة أخرى ويومها إلى أن تغرب الشمس، وكذلك هذا في الأيام الكثيرة.
وكذلك إن أوجب اعتكاف شهر بعينه دخل المسجد قبل غروب الشمس، وإذا جامع المعتكف أو باشر فيما دون الفرج فأنزل أفسد الاعتكاف، وإن كانت مباشرة بغير إنزال لم يفسد اعتكافه وقد أساء في قول أبي يسف س.
وأما في قول أبي حنيفة س فإن كان خرج من المسجد فقد فسد اعتكافه لأن هذا خروج لغير حاجة، وإذا أوجب على نفسه اعتكاف شهر ثم مات قبل أن يقضي أطعم عنه لكل يوم نصف صاع من حنطة، وإن كان مريضا حين قال فلم يبرأ حتى مات فلا شيء عليه، وإن كان صحيحا فعاش عشرة أيام ثم مات أطعم عنه من جميع شهره ولم يجبر الورثة على ذلك إن لم يكن أوصى به.
وإن نذر اعتكاف ليلة أو اعتكاف يوم قد أكل فيه لم يلزمه شيء، وإن نذر اعتكاف وقت قد مضى وهو يعلم أو لا يعلم فلا شي عليه، وإن أحرم في اعتكافه بحج أو عمرة لزمه الإحرام، وأقام في اعتكافه إلى أن يفرغ منه ثم يمضي في إحرامه إلا أن يخاف فوت الحج فيدع الاعتكاف ويحج ثم يستقبل الاعتكاف والاعتكاف في المسجد الحرام أفضل منه في غيره، وكذلك في مسجد رسول الله ع، وكذلك في مسجد الجامع أفضل منه في غيره ما خلا المسجد الحرام ومسجد الرسول ع، ومسجد بيت المقدس.
وإذا أوجب على نفسه اعتكافا ثم ارتد ثم أسلم فقد سقط عنه الاعتكاف، وإذا نذر المملوك اعتكافا فلمولاه أن يمنعه منه، فإذا أعتق قضاه، وكذلك للزوج أن يمنع المرأة منه، وأما المكاتب فلا يمنع منه، وإذا أكل المعتكف نهارا ناسيا لم يضره، وإن جامع ناسيا فسد اعتكافه والجماع بمنزلة الخروج من المسجد ناسيا أو عامداً.
وإذا أغمي على المعتكف أو أصابه لَمَمٌ فعليه إذا برأ أن يستقبل الاعتكاف، فإن تطاول به ذلك وصار معتوها ثم أفاق بعد سنين كان هذا والفرائض سواء في القياس ولا يقضي ولكنا ندع القياس
الجزء 1 · صفحة 85
فنوجب القضاء، ويلبس المعتكف وينام ويأكل ويتطيب ويدهن بما شاء، ولا بأس بأن يعتكف المملوك بإذن سيده وكذلك المرأة إذا أذن لها زوجها وليس له أن يمنعها.
وأكره للمولى أن يمنع مملوكه منه بعد الإذن وإن منعه لم يكن عليه شيء غير أنه قد أساء وأثم، ولا يفسد الاعتكاف سباب ولا جدال وذلك إن سكر ليلا، وصعوده إلى المئذنة لا يفسد اعتكافه وإن كان بابها خارج المسجد ولا بأس بأن يخرج رأسه من المسجد إلى بعض أهله فيغسله وإن غسله في المسجد في إناء فلا بأس.
وذكر حديث عائشة ل أن رسول الله ع كان إذا أراد أن يعتكف أصبح في المكان الذي يريد أن يعتكف فيه، ولو نذر اعتكاف أيام العيد قضاه في وقت آخر وكفر عن يمينه إن أراد يميناً، وإن اعتكف فيها أجزأه وقد أساء.
كتاب الحيض
قال أبو حنيفة س: أقل الحيض ثلاثة أيام وليالهن، وأكثره عشرة أيام، وروي عن أبي يوسف س في موضع آخر أنه قال: أقله اليومان وأكثره الثلاث، وأقل الطهر خمسة عشر يوما بين القروئين، وليس لأكثره غاية، قال أبو الفضل: وكان بعض مشايخنا يذهب إلى أن الطهر الذي هو غاية ما يصلح أن يجعل عادة بين القروئين شهران، وكل ما رأته المرأة في أيام الحيض من حمرة أو كدرة أو صفرة فهو حيض ما لم ترى البياض خالصاً، إلا في قول أبي يوسف س فإنه يقول: لا تكون الكدرة حيضا إلا بعد الدم.
وكل دمين تخلل بينهما طهر أقل منهما في العدد أو مثلهما أو كان الطهر بينهما أقل من ثلاثة أيام فحكمه كالدم المتصل ما دام في العشرة، وكذلك إذا زاد عليها إلا أن يكون اليوم الأخير من أيام الحيض قد رأت فيه طهرا والدم الذي بينه دم استحاضة فلا يصير ذلك اليوم حيضا في قول محمد س.
وإذا تخلل بينهما من الطهر أكثر منهما في العدد لم يصر ذلك الطهر في حكم الدم، واعتبر حكم كل واحد منهما من الدمين على حدة في قول محمد س، وأما في مذهب أبي يوسف س فإن الطهر بين الدمين إذا كان أقل من خمسة عشر يوما فهو كدم متصل والطهر عنده حتى ينقلب حيضا بإحاطة الدمين به وإن كانا جميعا دم استحاضة وإن كان عدده أكثر من عددها.
ومثال ذلك امرأة رأت في أول ما رأت يوما دما وثمانية طهراً ويوما دما ثم انقطع فليس شيء من ذلك حيض في قول محمد س، وقال أبو يوسف س: العشر كلها حيض، وروى عن أبي حنيفة س أنه قال به أخيراً.