أصول الإفتاء وآدابه
ا. د. محمد تقي عثماني
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
أصول الإفتاء وآدابه
ا. د. محمد تقي عثماني
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحَمْدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلامُ على سيدنا خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى كلِّ مَنْ تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أمَّا بعد: فكُنْتُ أثناء تدريسي طلبة التخصُّص في الإفتاء في جامعة دار العلوم كراتشي أمليتُ عليهم مذكرة لخصتُ فيها (شرح عقود رسم المفتي) لابن عابدين رحمه الله تعالى وأضَفْتُ إليها بعض الفوائد في معرفة حقيقة الفتوى؛ وتاريخها؛ وشروطها وآدابها؛ من كتب مختلفة.
ولم يزل الطلاب يتناقلُونَ هذه المذكرة فيما بينهم، لتُعينَهم في مهامهم، وقد طَلَبَ مِنّي كثيرٌ منهم أن تُطَبَعَ هذه المذكرة، حتّى يُكْفَوْا مؤونة النقل والتصوير، ولكني كنتُ لا أريد أن تُطبع هذه المذكرة قبل أَنْ أُعيد فيها النظر، وأستأنفها في صورة تأليف مستقل.
فمَضَتْ على ذلك سِنُونَ لازدحام أشغالي، وتتابع أسفاري، ثم أتاح الله سبحانه فرصةً لإعادة النظر فيها، فراجعتُ كثيراً منَ الكُتب طالباً للعلم، ودارساً للموضوعاتِ الشَّائِكَةِ الَّتي كنتُ بنفسي أحتاج إلى تنقيحها وضبطها، فحذفتُ مِنْ تلك المُذكَّرةِ أشياء، وتعرَّضتُ لكثير من المباحث التي لها صلة قوية بالموضوع، واجتهدتُ ما في وُسْعِي أن أنقحَ المسائل التي تحتاج إلى تنقيح بدراسة وافيةٍ، ثمَّ عَرَضْتُ نتائج دراستي في هذا الكتاب، حتّى يكون تأليفاً جامعاً يفي بمقاصده، ويُعينُ أمثالي من طَلَبَةِ العلم في أداء مُهِمَّتهم، وقد حان - والحمد كلُّه الله تبارك وتعالى ـ أن أنشره في صورة هذا الكتاب الذي هو بين أيديكم، وأشكر الله سبحانه على هذا التوفيق، وأسأله أن يقدر فيه النَّفَعَ بقدرته ورحمته.
ولا يَسَعُني هاهنا إِلَّا أَنْ أَشْكُرَ بصَمِيمِ قلبي الأخَ في الله صاحبي الفاضل الشَّيخ شاكر صديق جاكهورا حفظه الله تعالى، الذي أعانَني طوال هذا العمل في مراجعة الكتب، واستخراج المسائل، ونقل النصوص الفقهيَّة، وهو الذي جَمَعَ تراجم موجزة للفقهاء الذين جاء ذكرهم في الكتاب، وهي مذكورة في الحواشي تحت اسم كلِّ مَنْ جَاءَ ذكرُهُ لأَوَّل مرة، واقتصر على مَنِ اشتهر في الفقه والطلاب في حاجة إلى معرفته؛ وأمَّا الَّذين هم في غنى عن التعريف، مثل: الصحابة المعروفين، والأئمة الأربعة، وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى فلا داعي لتعريفهم، إذ يعرفهم كل أحدٍ. فجزاه الله تعالى خيراً، وأجزل له المثوبة في الدُّنيا والآخرة، ووفقه لما يُحبُّه ويرضاه.
وسيجد القارئ الكريم في آخرِ الكتاب قائمة بأسماء المترجم لهم إن شاء الله تعالى.
وأسأل الله العلي العظيم أن يتقبَّلَ هذا الجهد المتواضع في جنابه، ويُعمِّم نفعه، ويجعله ذُخراً لهذا العبد الضعيف يومَ لا ينفع مال ولا جاه ولا بنون إنّه تعالى على كُلّ شيءٍ قدير، وبالإجابة جدير.
ربيع الأول هـ
محمد تقي العثماني
الفصل الأول: الفتوى وخطورتها
المبحث الأول
الفتوى في اللغة والاصطلاح
الفتوى في اللغة:
الفتوى: بفتح الفاء؛ وقيل: بضم الفاء أيضاً، كما في (تاج العروس)؛ ولكنَّ الأوَّل أصحُ وأشهر. والفتيا: بضم الفاء، كلاهما يُجمع على الفتاوي (بكسر الواو) والفتاوى (بفتح الواو والألف المقصورة)، وكلٌّ من الجَمْعين سائغ مستعمل في كلام العلماء.
و (الفتوى) و (الفتيا) تُستعملان كحاصل مصدر من قولهم: أفتى يُفتي إفتاء، ومعناه في اللُّغة: الإجابة عن سؤال، سواء أكان متعلقاً بالأحكام الشَّرعيَّة أم بغيرها، كما في قوله تعالى حكايةً عن مَلِك مصر: يَتَأَيُّهَا الْمَلَأُ أفتُونِي فِي رُيَنى إِن كُنتُمْ لِلره يا تعبُرُونَ} [يوسف:].
وحكاية عن صاحب يُوسفَ: يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَتٍ خُضْرٍ وَأَخَرَ يَابِسَتِ لَعَلَّى أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ} [يوسف:].
وكما في قوله تعالى حكاية عن ملكة سبأ: يَتَأَيُّهَا الْمَلَؤُا أَفْتُونِي فِي أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُون} [النمل:].
وفي كلا الموضعين استعملت الكلمة للإجابة عن سؤالٍ لا يتعلّق بالأحكام الشرعية.
الفتوى في الاصطلاح
ثم قد خُصَّتِ الكلمة للإجابة عن سؤال شرعي، وفي هذا المعنى أصول الإفتاء وآدابه
استعملها القرآن الكريم حيثُ قال: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فيهِنَّ} [النساء:].
وحيث قال: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُم في الكلالة} [النساء:]. وفي هذا المعنى استعملها النبي
الكريم الله في غير واحد من أحاديثه الشريفة، كما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم: «أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الفُتْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ».
فمعنى الكلمة في اصطلاح اليوم: «الجوابُ عَنْ مسألة دينية».
وإِنَّما اخترنا لفظ «الدينيَّة»، دونَ الشَّرعيَّة» لأنَّ المُفتي لا يُجيبُ عن الأحكامِ الشَّرعيّة العمليَّةِ فحسب، بل ربما يُجيب عن مسائل دينيَّةٍ اعتقادية، وعن معنى الأحاديث، وكيفيَّةِ، إسنادها، وما إلى ذلك من المسائل التي تتعلق بالدين وعُلومِه.
المبحث الثاني
أقسام الفتوى
ثمَّ إِنَّ كلمة الفتوى والإفتاء أُطلِقَتْ في كلام القوم على معانٍ ثلاثة، يُمكن أن نقسمها إلى ثلاثة أقسام: الفتوى التشريعية، والفتوى الفقهية، والفتوى الجزئية.
أولاً: الفتوى التشريعية:
أما الفتوى التشريعية، فهي التي صدرت مِنَ الشّارع، إمّا بِوَحْيِ متلو في القرآن الكريم، أو بوَحْيِ غير متلوّ في سُنَّةِ النَّبيِّ الكريم صلى الله عليه وسلم في الجواب عن سؤال، أو لبيان نازلة في عهد النبي الكريمة الله، فأصبحت شرعاً عاماً. وذلك مثل قوله تعالى المذكور فيما سبق: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ [النساء:].
وقوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ في الكَللَة [النساء:].
وقوله تعالى: {يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجَّ} [البقرة:].
وقوله تعالى: {يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدُّ عَن سبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرُ بِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلُ [البقرة:].
وقوله تعالى: {يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمُ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَفْعِهِمَا وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة:].
وقوله تعالى: {يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذات ينِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ: إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [الأنفال:].
وكذلك ما رُوي في قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَدِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرُ) [المجادلة:] أنَّه نزل في خُوَيْلَة بنتِ ثَعْلَبة حينما ظاهَرَ عنها زوجها أوس بن
الصَّامت.
ومثال الفتوى التشريعية الصادرة من الرسول الكريم: ما رواه البخاري وغيره: عن ابن عباس الله: أَنَّ امْرَأَةٌ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَحُجَّ أَفَأَحُجُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ حُبِّي عَنْهَا.
وهذا النوع من الفتوى قد انقطع بانقطاع الوحي على خاتم النبيين.
ثانياً: الفتوى الفقهية:
والمراد بالفتوى الفقهية: ما يبوح بها فقيه من الفقهاء، لا كجواب عن سؤال في حادثة مخصوصة، وإنما عند تفريعه للفروع، أو في جواب سؤال عام من غير علاقته بجزئيّة معيّنة، وهذا شأنُ الفقيه الذي يدوّن مسائل الفقه، فيتصور جزئيات لم يُسأل عنها، ولكنَّه يَسْتَنْبِط حكمها بالأدلة الشرعية، وببينه في كتاب أو رسالة، أو في جواب سؤال عام، أو سؤال نشأ عن افتراض، مثل: أن يُسأل: ما هو الحكم فيمن قال لامرأته: سَرَّحتُكِ؟) دون أن يُحالَ السُّؤال إلى واقعة معينة.
ثالثاً: الفتوى الجزئية
والمراد بها: الجواب عن السؤال في واقعة معينة بتنزيل الفقه الكلّي على الموضع الجزئي، مثل: أَنْ يُسأل عن رجل معيّن ترك والديه وزوجةً وابناً وبنتاً، فكيف تُقسم تركته بين ورثته؟
وأكثر ما يُظْلَقُ لفظ الإفتاء على هذا النوع، وإن كان يُطلق على الفتوى الفقهية أيضاً.
المبحث الثالث
الفرق بين الإفتاء والقضاء
والفرق بين الفتوى والقضاء يتضح بأمور آتية:
الأول: أن الفتوى تبيين للحكم الشَّرعيّ فقط من الجواز أو الندب أو الوجوب أو الكراهة أو الحُرمة وليس في الإفتاء الزام حِسِّيٌّ على المستفتي بأن يعمل بمقتضاها.
أما القضاء، فهو إلزام حِسِّيٌّ على المحكوم عليه بالحكم الذي صدرَ من القاضي.
الثاني: أنَّ الفتوى مبنيَّةٌ على السّؤالِ الَّذي قدمه السائل إلى المفتي، فيُبيِّنُ المفتي الحكم الشَّرعيّ على فرض أنّ السُّؤال مطابق للواقع، وليس من وظيفته أن يُحقق صحته في نفس الأمر بطلب البينة وغيرها. ولذلك يقول المفتي: (الحكم في الصُّورة المسؤول عنها كذا)، ولا يلزم منه أن تكونَ الصورة المسؤول عنها موافقة للواقع في نفس الأمر.
الثالث: الفتوى تجري فيما يترتب عليه الوجوب، أو الحرمة، أو الإباحة، أو النَّدبُ، أو الكراهة، أو الصحة، أو البطلان.
أما القضاء، فلا يجري فيما يترتب عليه النَّدبُ، أو الكراهةُ التّنزيهيّةُ، لأنَّ النَّدب والكراهة حثّ على الفعل أو الترك من غير إلزام، والقضاءُ إجبار وإلزام.
الرابع: أنّ الفتوى لا تقتصر على الأحكام الفقهيّة، بل تتعلّق بالعقائد والعبادات أيضاً.
والقضاء لا يتعلّق بالعقائد والعبادات إلا عن طريق التبعية.
المبحث الرابع
تهيب السلف للفتيا
قال الإمام النوويرحمه الله تعالى في مقدمة (شرح المهذب): (اعلم أنّ الإفتاء عظيمُ الخَطَرِ، قديرُ الموقع، كثير الفضل، لأن المفتي وارث الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه وقائم بفرض الكفاية، ولكنه مُعَرَّضُ للخطر، ولهذا قالوا: المُفتي موقع عن الله.
فيجب على المفتي أن يشعُر بخُطورة منصب الإفتاء، وأنه ليس إبداء للآراء الشخصية، أو تحكيماً للعقل المجرَّدِ، أو تفعيلاً للعواطف النفسية، وإنما هو تبيين لما شرع الله الا الله لعباده من شرائع وأحكام لحياتهم الفردية والاجتماعيةِ التي تَضْمَنُ لهم السعادة الأبدية في الدنيا والآخرة.
وكفى لخطورة هذا المنصب ومهابته أنَّه نيابة عن الله الله ورسوله في بيان تلك الأحكام، وتوقيع عن رب السماوات والأرض ورب العالمين، كما سمّاه الإمام النووي وابن القيمرحمهما الله تعالى.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: وَإِذَا كَانَ مَنْصِبُ التَّوقِيعِ عَنِ الْمُلُوكِ بالمحل الذي لا يُنْكَرُ فَضْلُهُ، وَلَا يُجْهَلُ قَدْرُهُ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ السَّنِيَّاتِ، فَكَيْفَ بِمَنْصِبِ التَّوقِيْعِ عَنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ؟! فَحَقِيق بِمَنْ أُقِيمَ فِي هَذَا الْمَنْصِبِ أَنْ يعدَّ لَهُ عُدَّتَهُ، وَأَنْ يَتَأَهَّبَ لَهُ أَهْبَتَهُ، وَأَنْ يَعْلَمَقَدْرَ الْمَقَامِ الَّذِي أُقِيمَ فِيْهِ، وَلَا يَكُون فِي صَدْرِهِ حَرَجٌ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ وَالصَّدْعِ بِهِ؛ فَإِنَّ اللهَ ناصِرُهُ وَهَادِيهِ، وَكَيْفَ وَهُوَ الْمَنْصِبُ الَّذِي تَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ رَبُّ الأَرْبَابِ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى علَيْكُمْ فِي الْكِتَبِ} [النساء:]
وَكَفَى بِمَا تَوَلَّاهُ اللهُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ شَرَفاً وَجَلَالَةٌ؛ إِذْ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُم في الكللة} [النساء:].
ولِيَعْلَم الْمُفْتِي عَمَّنْ يَنُوبُ فِي فَتَواهُ، وَليُوقِن أَنَّهُ مَسْؤُولٌ غَداً، وَمَوْقُوفٌ بَيْنَ يَدَي الله.
كما يكفي لبيان خُطورته ما رُوي عن النَّبيِّ الكريم: أنَّه قال: أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ.
وهناك آثار كثيرة تدلُّ على تهيبِ السَّلف للفتيا، وتحرزهم من ذلك مهما أمكن، نذكر منها ما يلي:
أخرج ابن عبد البررحمه الله تعالى بسنده إلى عُقبة بن مسلم قال: صحبتُ ابنَ عُمَرَ أربعة وثلاثين شهراً، فكثيراً ما كان يُسْألُ فيقول: لا أذري، ثم يلتفتُ إليَّ فيقول: أتدري ما يُريدُ هؤلاء؟! يُريدون أن يجعلوا ظهورنا جسراً لهم إلى جهنّم».
وقال الخطيب البغداديرحمه الله تعالى في باب الزجر عن التسرع إلى الفتوى مخافة الزّلل: قال الله تبارك وتعالى: ستكتب شَهَدَهُمْ وَيُسْتَلُونَ} [الزخرف:]، وقال تعالى: لِيَسْتَلَ الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ [الأحزاب:]، وقال تعالى: مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَيدٌ [ق:]، وكانت الصحابة رضوان الله عليهم لا تكادُ تُفتي إلا في ما نزل، ثقةً منهم بأنّ الله تعالى يوفّق عند نزول الحادثة للجواب عنها، وكان كلُّ واحدٍ منهم يَوَدُّ أنّ صاحبه كفاه الفتوى.
ثم أخرج الخطيب بسنده عن البراء بن عازب الله قال: «لقد رأيتُ ثلاثمئة من أهل بدر ما منهم من أحدٍ إِلَّا وَهُوَ يُحِبُّ أَن يَكْفِيَه صاحبه الفتوى.
وعن الإمام الشافعي قال: «ما رأيتُ أحداً جمعَ اللهُ فِيهِ مِنْ آلةِ الفتيا ما جُمِعَ في ابنِ عُيَيْنَة؛ أسكتَ عَنِ الفتيا منه». . وعن سفيان بن عيينة قال: أعلمُ النّاس بالفتوى أسكتهم فيها، وأجهلُ النَّاس بالفتوى أنطقهم فيها».
وعن بشر بن الحارث قال: «مَنْ أحبَّ أن يُسأل، فليس بأهل أن يُسأل».
وعن عطاء بن السائب قال: أدركتُ أقواماً إن كان أحدهم يُسألُ عن الشيء فيتكلّمُ وإنه ليَرْعَد».
وعن الأشعث، عن محمد ابن سيرين قال: «كان إذا سُئِل عن شيء من الفقه؛ الحلال والحرام، تغيَّر لونه وتبدّل، حتّى كأنَّه ليس بالذي كان.
وعن أحد تلامذة الإمام مالك رحمه الله تعالى قال: «واللهِ إنْ كانَ مالك إذا سُئِلَ عَنْ مسألة كأنه واقف بين الجنَّةِ والنَّارِ».
وعن محمد بن المُنْكَدِرِ قال: «إنَّ العالِمَ بين الله وبين خلقِهِ، فَلْيَنْظُرْ كيف يدخل عليهم».
وعن عبد الله بن عمر قال: «إنَّكم تستفتوننا استفتاء قوم، كأنَّا لا نُسأل عما نفتيكم به».
وعن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى: «مَن تكلّم في شيءٍ مِنَ العلم وتقلّده وهو يَظُنُّ أنّ الله لا يَسْأله عنه: كيف أفتيتَ في دينِ الله؟ فقد سهلت عليه نفسه ودينه.
وعنه رحمه الله تعالى قال: «لولا الفَرَقُ مِنَ اللهِ أن يضيعَ العلمُ ما أفتيتُ أحداً، يكون له المهنا وعليَّ الوِزْرُ.
وعن محمد بن واسع قال: «أوّلُ مَنْ يُدْعَى إلى الحساب يوم القيامةِ الفقهاء».
وعن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى قال: «يُغْفَرُ للجاهل سبعونَ ذنباً قبل أن يُغْفَرَ للعالم ذنب واحدٌ.
وعن ابن خَلْدَة: أنّه قال لربيعة بن أبي عبد الرحمن: «إني أرى النّاسَ قد أحاطوا بكَ، فإذا سَأَلَكَ الرّجُلُ عَنْ مسألة فلا تَكُنْ هِمَّتُك أن تُخَلِّصه، ولكن لتكُن هِمَّتُكَ أَنْ تُخَلِّص نفسك».
وعن مالك رحمه الله تعالى،، عن ابن هرمز: «أنّه كان يأتيه الرّجلُ فيسأله عن الشيء فيخبره، ثُمَّ يبعث في إثره من يردُّه إليه، فيقول له: إِنِّي قد عَجِلْتُ، فلا تقبل شيئاً ممَّا قلتُ لكَ حتّى ترجع إليَّ. قال: وكان قليلاً مَنْ يُفْتِي مِنْ أهل المدينةِ.
وقال مالكٌ: وليسَ مَنْ يخشَى اللَّهَ كَمَنْ لا يخشاه».
مالك رحمه الله تعالى أيضاً قال: ما علمت فقُله ودلّ عليه، وما لم تَعْلَمْ فاسكُتْ عنه، وإِيَّاكَ أنْ تتقلد للنَّاسِ قلادة سُوْءٍ».
وجاء عن أبي سعيد عبد السّلامِ الملقب بسُحْنُونَإمام وصاحب (المدوّنة): أنه قال: أشقى النّاسِ مَنْ باعَ آخرته بدنياه، وأشقى مِنْهُ مَنْ باعَ آخرته بدنيا غيره».
قال الحافظ ابن الصلاح رحمه الله تعالى بعد نقل هذا القول: ففكّرتُ فيمن باع آخِرته بدنيا غيره، فوجدتُه المفتي، يأتيه الرّجلُ قد حنث في امرأته ورقيقه فيقول له: (لا شيء عليك، فيذهب الحانِتُ، فيتمتع بامرأته ورقيقه، وقد باع المفتي دينه بدنيا هذا.
وقال الخطيب بعد روايةِ بعض ما ذَكَرَ مِنَ الآثار: «قَلَّ مَنْ حَرِصَ على الفتيا، وسابق إليها، وثابر عليها، إلَّا قَلَّ توفيقه، واضطرب في أمره. وإن كان كارهاً لذلك، غير مُؤثِرٍ له ما وَجَدَ عنه مَنْدُوحة، وأحال الأمر فيه على غيره، كانت المعونة له من الله تعالى أكثر».
واستدل على قوله بالحديث الصحيح: «لَا تَسْأَلِ الإمارة، فإِنَّكَ إِنْ أُعطيتها عن مسألة وكلت إليها،
وإن أعطيتها عن غيرِ مسألةٍ أُعِنْتَ عليها.
وذكر النووي رحمه الله تعالى: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «أدركتُ عشرين ومئة من الأنصار، الصحابة، يُسْأَلُ أحدهم عن مسألة، فيَرُدُّها هذا إلى هذا، حتَّى تُرفَع إلى الأول.
وفي رواية: «ما منهم مَنْ يُحدِّثُ بحديث إلَّا وَدَّ أن أخاه كفاه إيَّاه، ولا يُستفتى عَنْ شَيءٍ إِلَّا وَدَّ أن أخاه كفاه الفتيا».
وأخرج الخطيب رحمه الله تعالى عن عُمير بن سعيد، قال: سألتُ علقمةعَنْ مسألةٍ، فقال: انْتِ عَبَيْدَةَ فَسَلْهُ، فأتيتُ عَبِيْدَةَ، فقال: انت علقمة، فقلتُ: علقمة أرسلني إليك، فقال: انتِ مسروقاًفَسَلْهُ، فأتيتُ مَسْرُوْقاً فسألته، فقال: انتِ علقمة فَسَلْهُ، فقلتُ: علقمة أرسلني إلى عبيدة، وعبيدة أرسلني إليك، قال: فَأْتِ عبد الرحمن بن أبي ليلى، فأتيتُ عبد الرحمن بن أبي ليلى فسألته فكرهه، ثم رجعت إلى علقمة فأخبرته، قال: كان يقال: أَجْرَأُ القومِ على الفتيا أدناهم علماً.
وذكر النووي رحمه الله تعالى: عن ابن مسعود وابن عباس. قالا: مَنْ أَفْتَى عَنْ كُلِّ ما يُسْأَلُ فهو مجنون.
وعن الشعبيوالحسن وأبي الحصينرحمهم الله قالوا: «إِنَّ أحدكم ليفتي في المسألة، ولو وَردتْ على عُمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر.
وعن سفيان بن عيينة وسُحْنُون: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً».
وعن الشافعي رحمه الله تعالى: أنّه قد سُئِلَ عن مسألةٍ فلم يُجب، فقيل له، فقال: حتَّى أدري أنَّ الفضل في السكوت أو الجواب».
وقد عقد الإمام الدارمي باباً في مقدّمة سننه، وترجمه: «بابُ مَنْ هاب الفتيا، وَكَرِهَ التنطع والتَّبدُّعَ». وأخرج فيه: عن زُبيد، قال: ما سألتُ إبراهيم (يعني النخعي رحمه الله تعالى) عن شيء إلا عرفتُ الكراهية في وجهه».
وأخرج: عن عمرو بن أبي زائدة قال: ما رأيتُ أحداً أكثرَ أنْ يقول إذا سُئِل عن شيء: (لا علم لي به من الشعبي.
وعن ابن عون قال: كان الشعبي إذا جاءه شيء اتقى، وكان إبراهيم يقول ويقول ويقول.
قال أبو عاصم: «كان الشعبي في هذا أحسن حالاً عند ابن عون من إبراهيم.
وأخرج أيضاً عن جعفر بن إياس قال: قلتُ لسعيد بن جبير: ما لَكَ لا تقولُ في الطلاق شيئاً؟
قال ما منه شيء إلا قد سألتُ عنه، ولكنّي أكره أنْ أُحِلَّ حراماً، أو أحرم حلالاً».
وأخرج ابنُ عبد البر رحمه الله تعالى: عن ابن عوف قال: «كنتُ عند القاسم بن محمد؛ إذ جاءه رجل فسأله عن شيء فقال القاسم: لا أُحْسِنُه.
فجعل الرّجلُ يقول: إنّي دُفِعتُ إليكَ لا أَعْرِفُ غيرك.
فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي، وكثرة النّاسِ حولي، والله ما أحسنه.
فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه يا بن أخي الزمها، فو الله ما رأيتُكَ في مجلس أنبل منك اليوم. فقال القاسم: والله لأن يُقْطَعَ لساني أحَبُّ إليَّ مِنْ أنْ أتكلّم بما لا عِلْمَ لي به».
وقد رُوِيَتْ عن الإمام مالك رحمه الله تعالى روايات كثيرة في تورّعه عن الفتيا ذكرها القاضي عياضرحمه الله تعالى في بسط وتفصيل، ننقل منها جملة:
قال عبد الرحمن العُمَرِيّ: قال لي مالك: رُبَّما وردتْ عليَّ المسألة تمنعني مِنَ الطَّعامِ والشَّرَابِ والنَّومِ».
- وقال ابن القاسم: سمعتُ مالكاً يقول: «إنّي لأفكرُ في مسألة منذُ بضع عشرة سنة، فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن».
وقال ابن مهدي: سمعتُ مالكاً يقول: ربَّما وردتْ عليَّ المسألةُ. فأَسْهَرُ فيها عامّة ليلي».
- وقال ابن عبد الحَكَم: كان مالكٌ إذا سُئِلَ عن المسألة قال للسائل: انصرف حتى أنظُرَ فيها». فينصَرِفُ ويتردّدُ فيها. فقلنا له في ذلك، فبكى وقال: إنّي أخافُ أن يكونَ لي مِنَ السّائلِ يوم وأيُّ يوم!».
قال: وزاد: كان مالك إذا جَلَسَ نكّسَ رأسه، ويحرك شفتيه بذكر الله، ولم يلتفت يميناً ولا شمالاً، فإذا سُئِلَ عن مسألة تغيَّر لونه، وكان أحمر بصُفرة، فيصفر، وينكّسُ رأسه، ويحرِّكُ شفتيه. ثم يقول: «ما شاء الله ولا قوّةَ إِلّا باللهِ». فربَّما يُسْأَلُ عن خمسين مسألةً فلا يُجيبُ منها في واحدةٍ. . - وقال بعضُهم: «لكأنّما مالكٌ والله إذا سُئِلَ عن مسألة واقف بين الجنة والنار.
-وقال موسى بن داود: ما رأيتُ أحداً من العلماء أكثرَ أَنْ يقول: (ما أُحسِنُ) من مالك».
- وقال ابن مهدي: سأل رجلٌ مالكاً عن مسألة، وذكر أنّه أُرسل فيها ستة أشهر من المغرب فقال له: «أخبرِ الَّذي أرسلك أنّه لا عِلْمَ من مسير لي بها». قال: ومَنْ يعلمُها؟ قال: «مَنْ علَّمه الله».
وسأله رجل عن مسألة استودعه إيّاها أهلُ المغرب، فقال: «ما أدري! ما ابتلينا بهذه المسألة في بلدنا، ولا سمعنا أحداً مِنْ أشياخنا تكلّم بها، ولكن تعود.
فلمّا كان مِنَ الغَدِ جاءَه، وقد حمل ثقله على بغلة يقودها، فقال: «مسألتي!».
فقال: «ما أدري ما هي؟».
فقال الرجل: يا أبا عبد الله! تركتُ خلفي مَنْ يقولُ: ليس على وجه الأرض أعلمُ مِنْكَ.
فقال مالك غير مستوحش: «إذا رجعت فأخبرهُمْ أَنِّي لا أُحْسِنُ».
وسأله آخر فقال: يا أبا عبد الله! أجبني.
فقال: «ويحك، أتريد أن تجعلني حُجَّةً بينك وبين الله؟! فأحتاجُ أنا أوّلاً أن أنظر كيف خلاصي
ثم أخلّصك».
قال ابن أبي حازم قال مالك: إذا سألك إنسان عن مسألة فابدأ بنفسك فأخرزها». وقال خالد بنُ خِراش: قدمتُ من العراق على مالك بأربعين مسألةفما أجابني منها إلا في خَمْسِ».
- وقال مالك: سمعتُ ابنَ هُرْمُزَ يقول: ينبغي أن يورث العالِمُ جلساءه قول: لا أدري حتى يكون ذلك أصلاً في أيديهم يفزعون إليه، فإذا سُئِلَ أحدهم عمّا لا يدري، قال: لا أدري)».
- وقال ابن وهب: «كان مالك يقول في أكثر ما يُسأل عنه: لا أدري».
قال عمر بن يزيد: فقلت لمالك في ذلك، فقال: «يرجعُ أهل الشام إلى شامِهم، وأهل العراقِ إلى عراقهم، وأهل مصر إلى مصرهم، ثم لعلي أرجع عما أفتيتهم به قال: فأخبرتُ بذلك الليث، فبكي، وقال: مالك والله أقوى من الليث أو نحو هذا».
قال ابن وهب: سألت مالكاً في ثلاثين ألف مسألة نوازل في عمره، فقال في ثلثها أو شطرها أو ما شاءَ الله منها: «لا أحسن، ولا أدري».
وقال بعضهم: إذا قلت أنتَ يا أبا عبد الله: (لا أدري) فَمَنْ يدري؟ قال: ويحك ما عرفتني؟ وما أنا؟ وأي شيء منزلتي حتى أدري ما لا تَدْرُون؟! - ثم أخذ يحتج بحديث ابن عمر، يقول: (لا أدري) فمن أنا؟ - وإنما أهلك النّاسَ العُجْبُ وطلب الرئاسة. وهذا يضمحل عَنْ قليل».
وقال مصعب: سُئِلَ مالك عن مسألة فقال: «لا أدري» فقال له السائل: إنّها مسألة خفيفة سهلة، وإنّما أردتُ أن أُعْلِمَ بها الأمير - وكان السائل ذا قدر - فغضب مالكٌ وقال: «مسألةٌ خفيفة سهلة؟! ليس في العلم شيء خفيف، أما سمعت قول الله تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلا [المزمل:] فالعلم كلُّه ثقيل، وبخاصة ما يُسأل عنه يوم القيامة».
وقال له ابن القاسم: ليس بعد أهل المدينة أعلم بالبيوع من أهل مصر. فقال مالك: ومِنْ أينَ علموها؟ قال: مِنْكَ قال مالك: «ما أعلمها أنا، فكيف يعلمونها؟!».
- وقال القَعْنَبِيُّ: دخلتُ على مالك فوجدته باكياً، فسألته فقال: «وَمَنْ أحقُّ بالبكاء منِّي؟! لا أتكلم بكلمةٍ إِلَّا كُتبتْ بالأقلام، وحُمِلَتْ إلى الآفاق».
وقال سُحْنُون رحمه الله تعالى: «إنّي لأسأل عن مسألة فأعرفُ في أي كتاب وورقة وصفحة وسطر، فما يمنعُني عن الجواب فيها إلا كراهة الجرأة بعدي على الفتيا».
ويقول العلامة الماورديّ الشّافعيرحمه الله تعالى في (كتاب أدب الدنيا والدين): وممَّا أُنْذِرُكَ به من حالي أنّي صنفتُ في البيوع كتاباً، جمعته ما استطعتُ من كتب النَّاس، وأجْهَدتُ فيه نفسي، وكَدَدتُ فيه خاطري، حتّى إذا تهذب واستكمل، وكِدتُ أُعْجَبُ به، وتصوّرت أنّي أَشَدُّ النَّاسِ اطلاعاً بعلمه، حضرني - وأنا في مجلسي ـ أعرابيان، فسألاني عَقَداه في البادية على شروط تضمّنت أربع مسائل، ولم أعرف لشيء منها جواباً، فأطرقْتُ مفكراً، وبحالي وحالهما معتبراً، فقالا: أما عندك فيما سألناك جواب، وأنتَ زعيم هذه الجماعة؟ فقلت: لا. فقالا: إيهاً لك. وانصرفا، ثمَّ أتيا مَن قد يتقدّمه في العلم كثير من أصحابي، فسألاه، فأجابهما مُسْرِعاً بما أقنعهما، فانصرفا عنه راضيين بجوابه، حامدين لعلمه. فكان ذلك زاجر نصيحة، ونذير عِظَةٍ، تذلَّلَ لهما قياد النفس، وانخفض لهما جناح العُجب.
الفصل الثاني مَنَاهِجُ الفَتْوَى فِي عَهْدِ السَّلَفِ
المبحث الأول
الفتوى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
أوّلُ من قام بمنصب الإفتاء سيّد المرسلين وخاتم النبيين، وكان يُفتي عن الله الله بوحيه المُبين، وكانت فتاواه و جوامع الأحكام، وهي أكبر مأخذ للشّريعة الإسلامية بعد القرآن الكريم، وكانت الصحابة يحفظونها في الصُّدور والزُّبر.
ولم يكن أحد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتغل بمنصب الإفتاء غيره، غير أنه رُبَّما فوَّضَ أمرَ الإفتاء أو القضاء إلى بعض أصحابه، ولعلّه ليُمَرَّنهم على الاجتهاد والاستنباط.
مثل: ما رواه الحاكم: عن عبد الله بن عمرو ا: أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَال لِعَمْرِو: «اِقْضِ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: أَقْضِي بَيْنَهُمَا وَأَنْتَ حَاضِرٌ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، عَلَى أَنَّكَ إِنْ أَصَبْتَ فَلَكَ عَشْرُ أُجُوْرٍ، وَإِنِ اجْتَهَدتَ فَأَخْطَأْتَ فَلَكَ أَجْرٌ».
ومثل: ما روي عن مَعْقِل المُزنِي الله الله قال: أَمَرَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ أَقْضِيَ بَيْنَ قَوْمٍ، فَقُلْتُ: ما أُحْسِنُ أَنْ أَقْضِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «اللَّهُ مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَحِفْ عَمْداً».
وكذلك بعثَ رسول الله الله بعض الصَّحابة إلى البلاد النائية، فأذِنَ لهم بالإفتاء والقضاء، كما أخرج المحدّثون عن أصحاب معاذ بن جبل الله لَمَّا أَرَادَ النبي لا أَنْ يَبْعَثَ مُعَاذاً إلى الْيَمَنِ، قَالَ: «كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءُ؟».
قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللهِ.
قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللهِ؟».
قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا فِي كِتَابِ اللهِ؟».
قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْبِي وَلَا آلُو.
فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَدْرَهُ فَقَالَ: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي وَفَّقَ رسول رَسُولِ الله لِما يُرْضِي رَسُولَ الله».
وهذا الحديث، وإن أعله بعض المحدّثين بجهالة الحارث بن عمرو، وجهالة من روى عنهم من أصحاب معاذ أصحاب معاذ بن جبل الله، ولكن تلقاه علماء كل عصر ومصر بالقبول.
يقول الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: (فهذا حديث، وإن كان عَنْ غيرِ مُسمَّينَ فهُم أصحاب معاذ، فلا يضره ذلك، لأنَّه يدلُّ على شهرة الحديث، وأنَّ الَّذي حدَّثَ به الحارث بن عمرو عن جماعة من أصحاب معاذ، لا عن واحدٍ منهم، وهذا أبلغ في الشُّهرة عن واحدٍ منهم لو سمي. كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى؟! ولا يُعرفُ في أصحابه مُتّهم ولا كذَّابٌ ولا مجروح، بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم، ولا يشُلُّ أهل العلم بالنَّقل فيذلك. كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث؟! وقد قال بعض أئمة الحديث: إذا رأيتَ شعبة في إسنادِ حديث فاشدد يديك به.
قال أبو بكر الخطيب وقد قيل: إنّ عُبادة بن نُسَيِّ رواه عن عبد الرحمن بن غَنْم عن معاذ وهذا إسناد متصل، ورجاله معروفون بالثقة، على أنَّ أهل العلم قد نقلوه واحتجوا به، فوقفنا بذلك على صحته عندهم».
ثمَّ إن هذا الحديث مؤيّد بحديث صحيح أخرجه الشيخان عن عمرو بن العاص له: أنه سمع
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ.
المبحث الثاني
منهج الصحابة والتابعين في الإفتاء
وإن ما جاء في حديث مُعاذ الله ثابت عن عدة صحابة العمل به.
فقد أخرج الدارمي في (سننه): عن شريح: أَنَّ عمر بن الخطاب له كتب إليه: «إنْ جاءَك شيءٌ في كتاب الله فَاقْضِ به، ولا تلفِتَنَّكَ عنه الرجال، فإن جاءَكَ ما ليس في كتاب الله، فانْظُرْ فِي سُنَّةِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فاقض بها، فإن جاءكَ ما لَيْسَ في كتاب الله، ولم يكن فيه سُنَّةٌ مِنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانظر ما اجتمع عليه النَّاسُ فخُذْ به، فإِنْ جَاءَكَ ما ليس في كتاب الله، ولم يكن فيه سنةٌ مِنْ رسول الله، ولم يتكلم فيه أحدٌ قَبْلَكَ، فاختر أي الأمرين شئت إن شئتَ أن تجتهد برأيك ثم تتقدم، فتقدم، وإن شئتَ أنْ تتأخَّرَ فتأَخَّرُ، ولا أرى التأخر إلا خيراً لك.
وأخرج الدارمي أيضاً: عن عبد الله بن مسعود له قال: «فإذا سُئِلتُم عن شيء فانظروا في كتاب الله، فإنْ لم تَجِدُوهُ في كتابِ اللهِ، ففي سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم تجدوه في سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أجمع عليه المسلمون، فإن لم يكن فيما اجتمع عليه المسلمون، فاجتهد رأيك.
وأخرج أيضاً: عن عبد الله بن يزيد قال: كان ابن عباس لا إذا سُئل عن أمر، فكان في القرآن أخبر به وإن لم يكن في القرآن، وكان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر به فإن لم يكن، فعن أبي بكر وعمر نا، فإن لم يكن، قال فيه برأيه.
وأخرج البيهقيعن مَسْلَمَةَ بنِ مَخْلَدٍ: أَنَّه قام على زيد بن ثابت ه فقال: يا ابن عم! أُكْرِهنا على القضاء.
فقال زيد: «اقض بكتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله ففي سنة النبي، فإن لم يكن في سُنَّةِ النَّبي، فادع أهل الرأي ثم اجتهد، واختر لنفسِكَ ولا حَرَج.
وكذلك أخرج البيهقي: عن إدريس الأوْدِي قال: أخرج إلينا سعيد بن أبي بردة كتاباً، فقال: هذا كتاب عمر الهلهلهلهله إلى أبي موسى له ـ فذكر الحديث، وفيه -: «الفهم الفهم فيما يَخْتَلِجُ في صدرك ممَّا لم يبلغك في القرآنِ والسُّنَّةِ، فتعرّفِ الأمثال والأشباه، ثمَّقسِ الأمورَ عند ذلك، واعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها فيما ترى».
فهؤلاء الصَّحابة و لا اله كلهم مَشَوْا على الأصل الذي ذكر في حديث معاذ الله ممَّا يُقوّي ذلك الحديث، ويدلّ على صحة قول ابن القيم رحمه الله تعالى أنَّ حديثَ مُعاذ عَمِلَ به السلف الصالحون.
السنن الكبرى للبيهقي، كتاب آداب القاضي، باب ما يَقْضِي به القاضي ويفتي به المفتي ... إلخ: /.
المبحث الثالث
الفتوى في عهد الصحابة
ذكر ابن القيم في إعلام الموقعين أنّ الَّذين حفظت منهم الفتيا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مئة ونيف وثلاثون نفساً ما بين رجل وامرأة.
فكان المُكْثِرُونَ منهم سبعاً: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود وعائشةُأمُّ المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عبّاس وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وذكر ابن حزم: أنّه يُمكن أن يجمع من فتاوى كلّ واحدٍ منهم سفر ضخم.
قال: وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب ابن أمير المؤمنين المأمون فتيا عبد الله بن عباس له في عشرين كتاباً، و أبو بكر محمد المذكور أحد أئمة الإسلام في العلم والحديث.
وأما المتوسطون من الصحابة فيما رُوي عنهم من الفتيا، فعددهم أكثر، منهم: م أبو بكر الصديق وأم سلمة وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وأبو موسى الأشعري، وسعد بن أبي وقاص، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، ومعاذ بن جبل، وطلحة والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعِمران بن حصين وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومُعاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
قال ابن حزم يمكن أن يُجمع مِنْ فتيا كلّ واحدٍ منهم جزء صغير جداً.
والباقون من الصَّحابة والا الله مُقلّون في الفتاوى، لا يُروى عن واحدٍ إلا المسألة والمسألتان، والزيادة اليسيرة على ذلك، ويمكن أن يُجمع من فتيا جميعهم جزء صغير بعد التقصي والبحث.
ثم ذكر ابن القيم أسماء هؤلاء المُقلّين من الصحابة ناقلاً عن ابن حزم رحمهما الله تعالى.
ثم استغرب أنه عدَّ منهم ماعزاً والغامدية و الالها، وقال: «العلّه تخيل أن إقدامهما على جواز الإقرار بالزنى من غير استئذان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك هو فتوى لأنفسهما لجواز الإقرار، وقد أقرا عليها. فإن كان تخيل هذا فما أبعده من خيال! أو لعلّه ظفر عنهما بفتوى في شيء من الأحكام.
وقد جمع بعض العلماء المعاصرين فتاوى هؤلاء الصَّحابة لليله في جمع كتب مفردة، نذكر منها ما يلي:
- مَوْسُوعةُ فقهِ أبي بكر الصديق الله: تأليف الدكتور محمد روّاس (دار النفائس). جي
- مَوْسُوعةُ فقه عمر بن الخطاب الله: تأليف الدكتور محمد روّاس جي (مكتبة الفلاح).
- فقه عمر بن الدكتور رويعي بن راجح الرحيلي (جامعة أم القرى). الخطاب الله له موازناً بفقه أشهر المجتهدين: تأليف
- فقه: تأليف العلامة الشاه ولي الله الدهلوي رحمه الله عمر فينا تعالى، وترجمه إلى الأرديّة أبو يحيى إمام خان نوشهري (إدارة ثقافت إسلامي لاهور).
- مَوْسُوعةُ فقهِ عثمان بن عفان لهلهلهله: تأليف الدكتور محمد رواسقلعة جي (جامعة أم القرى).
- مَوْسُوعةُ فقه علي بن أبي طالب الله: تأليف الدكتور محمد رواس
قلعة جي (دار النفائس).
- مَوْسُوعةُ فقه عائشة أم المؤمنين لا حياتها وفقهها: تأليف الشيخ سعيد فايز الدخيل (دار النفائس).
- مَوْسُوعةُ فقه عبد الله بن مسعود الله: تأليف الدكتور محمد رواس قلعه جي (جامعة أم القرى).
- فقه أنس بن مالك لله، جمعاً ودراسة تأليف الدكتور عبد المحسن بن محمد بن عبد المحسن المنيف.
- مَوْسُوعةُ فقه عبد الله بن عمر ا، عصره وحياته: تأليف الدكتور محمد رواس قلعه جي دار النفائس.
- انفرادات ابن عباس له عن جمهور الصحابة في الأحكام الفقهية (دراسة مقارنة تأليف محمد سميعي سيّد عبد الرحمن الرستاقي: (مكتبة الفرقان).
ـ معجم فقهِ السَّلف عترةً وصحابةٌ وتابعين: تأليف الشيخ محمد المنتصر الكتاني (جامعة أم القرى، مطابع الصفا بمكة المكرمة).
المبحث الرابع
الفتوى في عهد التابعين
كان المرجع في الفتاوى بعد الصَّحابة إلى كبار التابعين، وكانوا منتشرين في البلاد التي عمرها
المسلمون في فتوحاتهم، وقد عدَّ العلّامة ابن القيم في أوائل إعلام الموقعين عدداً عديداً منهم، كما أن كثيراً من الحُفَّاظ ألّفوا في طبقاتهم أجزاء ومجلدات.
وقد انقسم فقهاء التابعين على قسمين:
القسم الأول: مَنْ كان مُعْظَمُ اشتغاله برواية الحديث، ولا يتكلم في الفقه إلا بما كان صريحاً في الكتاب والسُّنّة، ولم يكن يَصْرِفُ همه إلى استنباط المسائلِ الجُزئيّة التي لم تقع بعد، وكان ذلك من أجل أنّ مُعظَمَهم كانوا يكرهون الخوض في الرأي والقياس، ويهابُونَ الفتيا والاستنباط إلا لضرورة لا يجدون منها بُدّاً. واستندوا في ذلك إلى ما رُوي عن رسول الله أنه عاب كثرة السؤال.
والقسم الثاني: مَنْ نَصَبَ نفسه للفقه والفتوى، فلم يقتصر على رواية الأحاديث والآثار، بل اجتهد في جمع المسائل، وتفريع الجزئيات، حتى كان له في كل باب من الفقه فتوى، ومنهم مَنْ دوَّن فقهه في كتاب، مثلُ الشعبي ومكحول.
القسم الأول: الفقهاء الذين مَنْعُوا من الإفتاء فيما لم يقع
ذهب هذا القسم إلى أن المفتي أو الفقية ينبغي أن يقتصر على المسائل الواقعة الحقيقيّةِ الَّتي عُرضت عليه من أحدٍ ممن ابتلي بتلك المسائل، ولا ينبغي للفقيه أن يشتغل بتفريع الجزئيات، وبيان حكم الأمور التي لم تقع فعلاً، فإنّه غير مكلف بذلك.
- وربما يُستدل على صحة هذا القول بالحديث المرفوع المروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمنمرسلاً، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَا تَسْتَعْجِلوا بالبَلِيَّةِ قَبْلَ نُزُولِهَا، فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لَمْ يَزَلْ مَنْ يُوَفَّقُ وَيُسَدَّدُ، وَإِنَّكُمْ إِن اسْتَعْجَلْتُمْ بِهَا قَبْلَ نُزُولِهَا تَفَرَّقَتْ بِكُمُ السُّبُلُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا. وَأَشَارَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ. أخرجه البيهقي في (المدخل).
وأخرجه الدارمي في مقدمة (سننه): عن وهب بن عمرو الجُمحي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَعْجَلُوْا بِالْبَلِيَّةِ قَبْلَ نُزُولِهَا، فَإِنَّكُمْ إِنْ لَا تَعْجَلُوْهَا قَبْلَ نُزُولِهَا لَا يَنْفَكَ الْمُسْلِمُونَ وَفِيْهِمْ - إِذَا هِيَ نَزَلَتْ - مَنْ إِذَا قَالَ وُفِّقَ وَسُدّدَ، وَإِنَّكُمْ إِنْ تَعْجَلُوهَا، تَخْتَلِفْ بِكُمُ الْأهْوَاءُ، فَتَأْخُذُوْا هَكَذَا وَهَكَذَا» وَأَشَارَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ.
وأخرج الدارمي عن عدّةٍ مِنَ الصَّحابة والتابعين كراهية الإفتاء فيما لميقع.
فأخرج عن حماد بن زيد المِنْقَرِي قال: حدّثني أبي قال: جاء رجل يوماً إلى ابن عمر، فسأله عن شيءٍ لا أدري ما هو، فقال له ابن عمر: لا تسأل عما لم يكن، فإنّي سمعتُ عمر بن الخطاب يلْعَنُ مَنْ سأل عما لم
يكن.
وعن الزهري قال: بلغنا أنَّ زيد بن ثابت الأنصاري كان يقولُ إذا سُئِل عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا: نعم، قد كان، حدث فيه بالذي يعلمُ والذي يرى، وإن قالوا لم يكُن، قال: فَذَرُوه حتى يكون.
وعن عامر قال: سُئِل عمار بن ياسر عن مسألة، فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا، قال: دعونا حتّى تكون، فإذا كانت تجشَّمْنَاها لكم.
وعن طاوسقال: قال عمر على المنبر: «أُحَرِّجُ باللهِعلى رجلسأل عما لم يكُن، فإنّ الله قد بَيْنَ مَا هُوَ كائنٌ».
وأخرج الخطيب: عن ابن عمر قال: (يا أيُّها الناس! لا تسألوا عمّا لم يكن، فإنّ عمر كان يلعنُ، أو يسُبُّ مَنْ سأل عما لم يكن. وأخرج عن الشعبي، عن مسروق، قال: سألتُ أُبي بن كعب عن شيء، فقال: أكان بعدُ؟ قلتُ: لا، قال: فأجِمَّناحتَّى يكونَ، فإذا كانَ اجتهدنا لك رأينا.
وأخرج: عن موسى بن علي: أنه سأل ابن شهاب عن شيء، فقال ابن شهاب ما سمعتُ فيه بشيء، وما نزل بنا، فقلتُ: إنَّه قد نزل ببعض إخوانك، فقال: ما سمعتُ فيه بشيء، وما نزل بنا، وما أنا بقائل فيه شيئاً.
وأخرج: عن مالك، قال: أدركتُ هذه البلدة، وإنّهم ليكرهون هذا الإكثار الذي فيه اليوم يريدُ المسائل.
• القسم الثاني: الفقهاء الذين أفتوا في المسائل التي لم تقع وحجتهم:
أمَّا العُلماء الذين نَصبُوا أنفسهم لبيانِ الأحكام الفقهية وتدوينها بما يُيَسِّرُ لمن جاء بعدهم الوقوف عليها عند الحاجة، فتكلموا في المسائل المحتملة، التي لم تقع بعد، وحَمَلُوا ما ذكرنا من آثار الصحابة والتابعين على التورّع والاحتياط.
فقال البيهقي رحمه الله تعالى بعد نقل هذه الآثار: «وبَلَغَني عن أبي عبد الله الحليميرحمه الله تعالى أنه أباحَ ذلك للمتفقهة الذين غرضُ العالم مِنْ جوابهم تنبيههم وإرشادهم إلى طريق النظر والإرشاد، لا ليعملوا».
ثم قال الإمام البيهقي: وعلى هذا الوجه وضعَ الفقهاء مسائل المجتهدات، وأجروا بآرائهم فيها لما في ذلك من إرشاد المتفقهة، وتنبيههم على كيفية الاجتهاد».
وقال الخطيب بعد رواية آثار الصحابة والتابعين:
فهذا ما تعلّق به مَن مَنَعَ من الكلام في الحوادث قبل نزولها، ونحن نُجِيبُ عنه بمشيئة الله وعونه:
أمَّا كراهة رسول الله له المسائل، فإنّما كانَ ذلك إشفاقاً على أمته ورأفةً بها، وتحتناً عليها، وتخوفاً أن يُحَرِّمَ اللهُ عند سؤال سائل أمراً كان مُباحاً قبل سؤاله عنه، فيكون السؤال سبباً في حَظِّرِ ما كان للأمة منفعة في إباحته، فتدخل بذلك المشقة عليهم، والإضرار بهم. وهذا المعنى قد ارتفع بموتِ رسول الله، واستقرّت أحكامُ الشّريعة، فلا حاظر ولا مبيح بعده».
ثم استدلَّ الخطيب رحمه الله تعالى على جواز السؤال عما لم يكُن بحديث رافع بن خديج لله، قال: قلت يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَخَافُ أَنْ نَلْقَى الْعَدُوَّ غَداً، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدّى، فَنَذْبَحُ بالقَصَبِ؟ فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَا انْهَرَ الدَّمَ، وَذَكَرْتَ عَلَيْهِ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، مَا خَلَا السِّنَّ وَالظُّفْرَ».
فلم يعب رسول الله الله مسألة رافع عمّا لم ينزل به، لأنه قال: غداً، ولم يقل له: لم سألت عن شيء لم يكن بعد؟.
وكذلك استدل الخطيب بحديث يزيد بن سلمة، عن أبيه: أَنَّ رَجُلاً قَامَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَيْنَا أَمَرَاءُ يَسْأَلُوْنَا الْحَقِّ، وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا، فَنُقَاتِلُهُمْ؟ فَقَامَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: تَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَمْرِ لَمْ يَحْدُثُ بَعْدُ؟ فَقَالَ: لَأَسْأَلَنَّهُ حَتَّى يَمْنَعَنِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ لَو كَانَ عَلَيْنَا أَمَرَاءُ يَسْأَلُونَا الْحَقَّ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا، أَنْقَاتِلُهُم؟ قَالَ: «لَا عَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ، وَعَلَيْهِم مَا حُمِّلُوْا.
قال الخطيب رحمه الله تعالى: فلم يمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الرجل من مسألته، ولا أنكرها عليه، بل أجابه عنها من غير كراهة، وفي الآثار نظائر كثيرة لما ذكرناه.
وأما تحريجُ عمر في السؤال عما لم يكن، ولعنه مَنْ فَعَل ذلك، فيحتمل أن يكون قصد به السؤال على سبيل التعنّت والمغالطة، لا على سبيل التفقه وابتغاء الفائدة. ولهذا ضَرَبَ صَبيغ بن عِسل ونفاه، وحرمهرزقه وعطاءه، لمّا سأل عن حُروفٍ من مشكل القرآن، فخَشِيَ عمر أن يكونَ قَصَدَ بمسألته ضعفاء المسلمين في العلم، ليُوقع في قلوبهم التشكيك والتضليل بتحريف القرآن عن نهج التنزيل وصرفه عن صواب القول فيه إلى فاسد التأويل.
ومثل هذا قد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عنه والذم لفاعله
ثم أخرج الخطيب حديث معاوية الله: أَن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ الأغْلُوطات).
قال عيسى: والأغلوطاتُ: ما لا يحتاج إليه من كيف وكيف.
وحديث ثوبان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سَيَكُونُ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتِي يُعَلِّمُونَ فُقَهَاءَهُمْ بِعُضْلٍ الْمَسَائِلِ، أُولَئِكَ شِرَارُ أُمَّنِي».
وأخرج عن الحسن البصري رحمه الله تعالى قال: «شِرَارُ عبادِ اللهِ ينتقون شرار المسائل يُعْمُون بها عباد الله.
ثم قال الخطيب رحمه الله تعالى: وقد رُوي عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وغيرهما من الصحابة: أنهم تكلّموا في أحكام الحوادث قبل نزولها، وتناظروا في علم الفرائض والمواريث، وتبعهم على هذه السبيل التابعون ومن بعدهم من فقهاء الأمصار، فكان ذلك إجماعاً منهم على أنه جائز غير مكروه، ومباح غير محظور.
وأما حديث زيد بن ثابت وأبي بن كعب، وعمار بن ياسرفإِنَّه محمول على أنّهم توقَّوا القول برأيهم خوفاً من الزلل، وهيبة لما في الاجتهاد من الخطر، ورأوا أنَّ لهم عن ذلك مندوحة فيما لم يحدث من
النوازل، وأن كلامهم فيها إذا حدثت تدعو إليه الحاجة، فيوفق الله في تلك الحال من قصد إصابة الحق.
وقد روى عن معاذ بن جبل نحو هذا القول».
ثم أخرج بسنده عن الصلت بن راشد قال: سألتُ طاوساً عن شيء، فانتهرني، وقال: أكان هذا؟ قلتُ: نعم! وقال: الله؟ قلت: الله! قال: إنَّ أصحابنا أخبرونا عن مُعاذ بن جبل أنّه قال: «أَيُّهَا النَّاسُ! لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله فيذهب بكم هاهنا وهاهنا، فإنَّكم إن لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله، لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم مَنْ إذا سُئِلَ سُدّدَ، أو قال: وفق». قال الخطيب: «وهذا فِعْلُ أهل الورعِ والمُشْفِقين على دينهم).
أئمة الفتوى في عهد التابعين
وكان كل واحد من علماء هذين القسمين يأخذ في فتاواه بما يتيسر له من الأحاديث وآثارِ الصَّحابة، وانتصب في كل بلد من البلاد الإسلامية إمام يتبعه كثير من الناس في الفقه والفتوى.
وكان في المدينة: سعيد بن المُسَيِّب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعُروة بن الزبيروعبيد الله، والقاسم بن، محمّد، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد، رحمهم الله تعالى،
ويُقال لهم: الفقهاء السبعة
وقد ذكر بعضُهم أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام من جملتهم عوضاً عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وقد جمعهم بعض الناس في شعر:
الا كُلُّ مَنْ لا يَقْتَدِي بِأَئِمَّةٍفَقِسْمَتُه ضِيْرَى عَنِ الحَقِّ خَارِجَهُ
َخُذْهُمْ: عُبَيْدُ اللَّهِ، عُرْوَةُ، قَاسِمٌ سعيد، أبو بكر، سليمان، خارجة
وذكر ابن القيم البيتين هكذا:
إذا قيلَ: مَنْ في العلم سبعة أبحرٍروايتهم لَيْسَتْ عَنِ العلمِ خَارِجَه
فقل: هُمْ عُبيد الله، عروة، قاسمسعيد، أبو بكر، سليمان، خارجه
وكان من فقهاء المدينة غير السّبعة المذكورين نافع وابن شهاب الزهري، والقاضي يحيى بن سعيد، وأبان بن عثمان، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعلي بن الحسين زين العابدين، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، و أبو جعفر الباقر، وأبو الزّنادِ عبد الله بن ذَكْوَان، رحمهم الله تعالى.
وأما في مكة المكرّمة: فاشتهر منهم: عطاء بن أبي رباح، وعلي بن أبي طلحة، ومجاهدُ بنُ جَبْرِ، وعمرو بن دينار، وعبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، وعبد الملك بن جُرَيْج، وغيرهم رحمهم الله تعالى. واشتهر في الكوفة إبراهيم النخعي، وعامر بن شراحيل الشعبي، وعلقمة، والأسود، ومُرّة الهمداني وسعيد بن جبير، ومسروق بن الأجدع، وعبيدة بن عمرو السلماني، والقاضي شريح بن الحارث الكندي، وإبراهيم بن يزيد النخعي رحمهم الله جميعاً.
واشتهر في البصرة: الحسن البصري (وهو) الحسن بن أبي الحسن يسار مولى زيد بن ثابت ومحمّد بن سيرين وأبو العالية الرياحي، وأبو الشَّعْثَاء جابر بن زيد، وقتادة بن دِعامةَ السَّدُوْسيرحمهم الله تعالى.
ومن أهل الشام: أبو إدريس الخولاني، ومكحول بن أبي مسلم، ورَجاءُ بن حَيْوَةَالكندي، وعمر بن عبد العزيز، وشُرَحْبيل بن السمط، وقَبِيْصَةُ بنُ ذُؤَيْب رحمهم الله تعالى.
واشتهر من أهل مصر: تلامذة عبد الله بن عمرو، مثل: أبي الخير مَرْثَدِ بن عبدِ اللهِ اليَزَني، ويزيد بن أبي حبيب رحمهما الله تعالى. واشتهر في اليمن طاوسُ بنُ كيسان الجَنَدِي، وَوَهْبُ بن مُنَبِّه الصنعاني، ويحيى بن أبي كثير رحمهم الله تعالى.
ومُعْظَم فتاوى هؤلاء مرويّةٌ في الموطات والمسانيد والسنن، مثل: (مصنف ابن أبي شيبة) و (مصنف عبد الرّزّاق) وكتاب (شرح مشكل الآثار) و (شرح معاني الآثار للطحاوي.
وقد استقصى العلّامة ابن القيم أسماء المفتين من التابعين في (إعلام الموقعين).
المبحث الخامس
أسباب اختلاف الصحابة والتابعين والفقهاء
قال الإمام الشيخ المحدّث ولي الله الدهلوي رحمه الله تعالى في كتابه (حجة الله البالغة): اعلم أن رسول الله لم يكن الفقه في زمانه الشريف مدوّناً، ولم يكن البحث في الأحكام يومئذ مثل البحث من هؤلاء الفقهاء، حيث يبينون بأقصى جهدهم الأركان والشروط وآداب كلّ شيء، ممتازاً عن الآخر.
أما رسول الله، فكان يتوضأ، فيرى الصحابة وضوءه، فيأخذون به مِنْ غيرِ أن يبيِّن أن هذا ركن وذلك أدب، ولم يُبيِّن أن فُروضَ الوضوء سنة أو أربعة، ولم يفرض أنه يحتمل أن يتوضأ إنسان بغيرِ مُوالاة، حتَّى يحكم عليه بالصحة أو الفساد، إلا ما شاء الله.
وكان الناس يستفتونه في الوقائع فيفتيهم، وتُرفع إليه القضايا فيقضي فيها، ويرى الناس يفعلون معروفاً فيمدحه، أو مُنْكَراً فيُنْكِرُ عليه ... فرأى كل صحابي ما يسره الله له من عبادته وفتاواه وأقضيته،
فحفظها وعقلها، وعَرَفَ لكلِّ شيءٍ وجهاً من قِبَل حُفوفِ القرائن به فَحَمَل بعضها على الإباحة، وبعضها على النّسخ، لأمارات وقرائن كانت كافية عنده، ولم يكن العُمدة عندهم إلا وجدان الاطمئنان والثلج، من غير التفات إلى طرق الاستدلال، كما ترى الأعراب يفهمون مقصود الكلام فيما بينهم، وَتَنْتَلِجُ صدورهم بالتصريح والتلويح والإيماء من حيث لا يشعرون، فانقضى عصره الكريم وهم على ذلك.
ثمَّ إنّهم تفرقوا في البلاد، وصار كلُّ واحدٍ مُقتدى به في ناحيةٍ منَ النواحي، فكثرت الوقائع ودارت المسائل، فاستفتوا فيها، فأجاب كلُّ واحد حسبما حفظ أو استنبط، وإن لم يجد فيما حفظ أو استنبط ما يصلُحُ للجواب اجتهد برأيه، وعَرّف العلة التي أدار رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها الحكم في منصوصاته، فطرَّدَ الحكم حيثما وجدها، لا يألو جهداً في موافقة غرضه. فعند ذلك وقع الاختلاف بينهم.
ثم بين الشيخ الدهلوي رحمه الله تعالى أسباب الخلاف الذي ظهر بين الصحابة في الفروع الفقهيّة، وهي التي لا تخفى على مَنْ درَسَ كتب الأحاديث والآثار وشروحها من المحدثين والفقهاء.
والذي يظهرُ مِنْ تتبع منهج الصَّحابة والتابعين في ذلك العهد أنهم كانوا يبذلون أقصى الجهد ليجدوا شيئاً منصوصاً من القرآن الكريم أو مِنْ سُنَّةِ النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في قضيّةٍ عَرّضت لهم، ولو بأن يسألوا مَنْ هو أدنى منهم رتبة، فإن وجدوا نصاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق
يثقون به، عَضُوا عليه بالنواجذ، وابتهجوا بذلك وانشرحوا.
فهذا أبو بكر الله جاءته جدة تسأله ميراثها، فقال: «مَا لَكِ فِي كِتَابِ الله شَيْءٌ، وَمَا عَلِمْتُ لَكِ في سُنَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئاً، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ. فَسَأَلَ النَّاسَ، فَقَالَ الْمُغِيْرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: حَضَرْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أَعْطَاهَا السُّدُسَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَأَنْقَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
وروى لنا علقمه، عن عبد الله بن مسعود ه: أَنَّهُ أَتَاهُ قَوْمٌ فَقَالُوا: إِنَّ رجلاً مِنَّا تَزَوَّجَ امْرَأَةٌ، وَلَمْ يَفْرِضُ لَهَا صَداقاً، وَلَمْ يَجْمَعْهَا إِلَيْهِ حَتَّى مَاتَ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: مَا سُئِلْتُ مُنْذُ فَارَقْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ هَذِهِ، فَأْتُوا غَيْرِي فَاخْتَلَفُوا إِلَيْهِ فِيهَا شَهْراً، ثُمَّ قَالُوا فِي آخِرِ ذَلِكَ: مَنْ نَسْأَلُ إِنْ لَمْ نَسْأَلُكَ؟ وَأَنْتَ مِنْ جِلَّةِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ وَ بِهَذَا الْبَلَدِ، وَلَا نَجِدُ غَيْرَكَ. قَالَ: سَأَقُولُ فِيْهَا بِجُهْدِ رَأْيِي، فَإِنْ كَانَ صَوَاباً فَمِنَ اللَّهِ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ خَطَأَ، فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْهُ بَرَاءٌ، أَرَى أَنْ أَجْعَلَ لَهَا صَدَاقَ نِسَائِهَا لا وَكُسَ وَلَا شَطَط، وَلَهَا الْمِيْرَاتُ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ أَربَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً».
قَالَ: وَذَلِكَ بِسَمْعِ أَنَاسٍ مِنْ أَشْجَعَ، فَقَامُوا فَقَالُوا: «نَشْهَدُ أَنَّكَ قَضَيْتَ بِمَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي امْرَأَةٍ مِنَّا يُقَالُ لَهَا: بِرْوَعُ بِنْتُ وَاشِقٍ. قَالَ: فَمَا رُبيَ عَبْدُ اللَّهِ فَرِحَ فَرَحَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا بِإِسْلَامِهِ.
واستشار سيدنا عمر بن الخطاب الله المهاجرين والأنصار ومهاجرة الفتح أثناء رحلته إلى الشام وقد وقع بها وباء الطاعون، فجاء عبد الرحمن بن عوف الله، وكان متغيباً في بعض حاجته، فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْماً، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضِ فَلَا تَقْدِمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضِ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ فَحَمِدَ الله عُمَرُ، ثُمَّ انْصَرَف.
ومع ذلك، فقد احتاج الصحابة في كثير من المسائل أن يلجؤوا إلى القياس والرأي، ورُبَّما وقع بينهم اختلاف لاختلاف الأنظار؛ فمثلاً:: لم يجدوا نصاً في أنّ الجدَّ يَحْجُبُ الإخوة في الميراث أو لا يحجب، فلجؤوا إلى القياس؛ فذهب جمع كبيرٌ من الصحابة، مثل: أبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان، ومعاذ بن جبل له وغيرهم إلى أن الجد يحجب الإخوة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى حكاية عن يوسف: وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ مَابَاوَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ [يوسف:] حيث جعل إبراهيم وإسحاق أباً، وقال ابن عباس: يرثني ابن ابني دون إخوتي، ولا أرث أنا ابن ابني؟. وحاصل قياسه: أن الحفيد إن كان حاجباً لإخوة، فكذلك ينبغي للجد أن يكون حاجباً لهم.
وكان علي بن أبي طالب وابن مسعود وزيد بن ثابت وغيرهم يقاسمون الجد مع الإخوة.
وقد ورد في قياسهم قصّةٌ لطيفة للإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى رويت في بعض مسانيده نوردها لنفعها أبو حنيفة كان عند جعفر بن محمد الصادق بالمدينة، فقال هشام بن الحَكَم: يا ابن رسول الله! هذا أبو حنيفة صاحب القياس» ثم قال له: مِن أينَ أخذت القياس؟» فقال له: من قول علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت الله حين شاورهما عمر بن الخطاب الله في الجد مع الإخوة فقال له علي: أرأيت يا أمير المؤمنين! لو أن شجرة انشعب منها غُصْنُ، ثمَّ انشعب من الغُصْن غُصْنان، أيهما أقرب إلى أحد الغصنين؟ أصاحبه الذي خرج منه، أم الشجرة؟ قال زيد بن ثابت: لو أنّ جَدْوَلاً انبعث فيه ساقية، ثم انبعث من الساقية ساقيتان، أيهما أقرب؟ إحدى الساقتين أقرب إلى صاحبها أم الجدول؟ فأمسك عمر في الجد والإخوة فهذا علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت قاسا لعمر بن الخطاب». فسكت جعفر عنه ان نه. وحاصل كل من ا التمثيلين الجد والأخ متساويان في القرب إلى الميت، فيُشاركان في الميراث.
وأخرج الإمام مالك رحمه الله تعالى عن ثور بن زيد الدِّيلي: أنَّ عمر بن الخطاب له استشار في الخمر يشربُها الرجل، فقال له علي بن أبي طالب: نرى أنْ تَجْلِدَه ثمانين، فإنّه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى أو كما قال فجلد عمرُ في الخمر ثمانين). ولم يكن ذلك إثبات الحد بالقياس، وإنَّما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب أربعين، إما بسوط له طرفان أو بنعلَيْن، فالقضية التي عُرضت على الصحابة هي: هل يُعتبرُ عدد الضرب أربعين، أو ثمانين بالنظر إلى تعدد الآلة. وما ذكره سيدنا علي الهلال له إنما هو ترجيح أحد الاحتمالين بالقياس. وقد أوضحت ذلك في تكملة فتح الملهم) بتوفيق الله سبحانه.
ثمَّ إِنَّ الصَّحابة والالا لا تفرّقوا في البلاد، وعلموا أصحابهم، فأخذ التابعون، وتمسكوا بما أخذوا منهم فترجّحَ عند كل واحدٍ منهم غالباً ما أخذ من شيخه وأهل بلده من الصحابة رضي الله تعالى عنهم: أجمعين.
ويقول الشيخ ولي الله الدهلوي رحمه الله تعالى: «وكان سعيد وأصحابه يذهبون إلى أنَّ أهل الحرمين أثبتُ الناس في الفقه، وأصل مذهبهم فتاوى عبد الله بن عمر وعائشة وابن عباس وقضايا قضاة المدينة. وكان إبراهيم وأصحابه يَرَوْن أنّ عبد الله بن مسعود وأصحابه أثبتُ الناس في الفقه، وأصل مذهبه فتاوى عبد الله بن مسعود وقضايا علي ها وفتاواه، وقضايا شريح وغيره من قضاة الكوفة.
وكان سعيدُ بنُ الْمُسَيِّب لسان فقهاء المدينة، وكان أحفظهم لقضايا عمر بن الخطاب، ولحديث أبي هريرة، وإبراهيم لسان فقهاء الكوفة. فإذا تكلّما بشيء ولم ينْسِبَاه إلى أحد، فإنَّه في الأكثر منسوب إلى أحد
من السلف صريحاً أو إيماءً ونحو ذلك، فاجتمع عليهما فقهاء بلادهما، وأخذوا عنهما وعقلوه وخرجوا عليه، والله أعلم.
المبحث السادس تدوين الفقه
وكان الفقه في عهد الصحابة وكبارِ التّابعين مرتبطاً برواية الحديث. وكان مِنْ رُواة الحديث مَنْ اقتصر على رواية الأحاديث والآثار كما بلغته، دون أن يدخُل في استنباط الأحكام الفقهية منها إلا نادراً.
ومنهم مَنْ جمع بين الرّواية واستنباط الأحكام الفقهية منها، بحيث يُعلم تلاميذه الأحكام الفقهية مع رواية الأحاديث التي بَلَغَتْه من مشايخه.
ودعت الحاجةُ بعد انتشار الإسلام في مختلف بقاع الأرض أن يكون هناك فقه مدوّن يُمكن أن يصير مرجعاً للعامة والخاصة عندما يحتاجون إلى معرفة الأحكام الفقهيّة في حياتهم، فدوّن بعضُ التَّابعين الأحاديث والآثار مرتبة على الأبواب الفقهيّة، وكان ذلك بداية لتدوين الفقه؛ مثل: الأبواب للشعبي، وسنن مكحول الشّامي رحمهما الله تعالى.
وذكر الرّامَهُرْمُزِيُّ (رحمه الله تعالى: أنّ أوّل من صنف وبوب الرّبيع بن صبيح بالبصرة، ثمَّ سعيد بن أبي عَرُوبَة بها، وَمَعْمَرُ بنُ راشد باليمن، وابنُ جُريج بمكة، ثم ذكر الإمام مالكاً وغيره.
وقد ألف الإمام أبو حنيفة كتاب الآثار ويُقال: إنّ ابن أبي ذئب ألف موطاً أكبر من (موطأ مالك) رحمهم الله تعالى.
ثم تلاهم سفيانُ الثَّوري وابنُ عُيينة وعبد الرزاق وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهم رحمهم الله تعالى.
المبحث السابع
أصحاب الحديث وأصحاب الرأي
وعندما تشعبت المسائل الفقهيّة أخلص جمع من العلماء جهودهم لاستنباط الأحكام الفقهيّة وتعليمها وتدوينها، وحينئذ انقسم العلماء إلى قسمين:
قسم كان معظم عنايته برواية الأحاديث والآثار، إما دون الخوض في استنباط الأحكام بتاتاً، وإما بذكر الأحكام المستنبطة تبعاً، وسُمُّوا أصحاب الحديث.
وقسم نصبوا أنفسهم لاستنباط الأحكام، ولم يدخلوا في رواية الأحاديث إلا عند الحاجة إلى الاستدلال على مسألة فقهيّة، ولُقَبوا أصحاب الرأي.
وقد اغتر بعضُ النّاس بهذه التسمية، فزعم أن أصحاب الحديث لا يَرَوْن القياسَ حُجّةٌ في الشرع،
وأن أصحابَ الرّأي يُقدِّمون رأيهم على النصوص، والعياذ بالله من ذلك.
والحق ما ذكرنا من أن تقسيم العلماء إلى هذين القسمين ليس إلا بالنسبة إلى مجال اشتغالهم الاختصاصي، وإلا فالكل يقدم نصوص الكتاب والسُّنّة على القياس والاجتهاد على اختلاف بينهم في تفسير النصوص.
واغتر كثيرون بلفظ «الرأي» فزعموا أنّ الرّأي عبارة عن الآراء الشخصية المبنية على العقل المجرّد، وليس الأمر كذلك، فإنّ لفظ «الرأي» في هذه التسمية مأخوذ من حديث معاذ الله الله الذي هو الأصل في حُجية الاجتهاد، وفيه: «أجتهد رأيي»، والمراد منه قياس غير منه قياسُ غير المنصوص على المنصوص، كما يظهرُ من كتاب عمر إلى أبي موسى ما فيما أخرج البيهقي: عن إدريس الأوْدِي قال: أخرج إلينا سعيد بن أبي بردة كتاباً، فقال: هذا كتاب عمر الا الله إلى أبي موسى له ـ فذكر الحديث وفيه: - «الفهم الفَهْمَ فيما يختلج في صدرِكَ ممَّا لم يبلغك في القرآنِ والسُّنّة، فتعرّف الأمثال والأشباه، ثمَّ قِسِ الأمور عند ذلك، واعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحقِّ».
فحاشا أصحاب الرّأي أن يُقَدِّموا رأيهم الشَّخصيَّ على نصوص الكتاب والسنة.
فقد روى وكيع: عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى الذي اشتهر بكونه من مبرزي أصحاب الرأي: أنّه قال: «البولُ في المسجدِ أحسنُ من بعض قياسهم».
وروى الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى عن الحسن بن صالح قال: كان النعمان بن ثابت فَهِماً عالماً مُتَثَبِّتاً في علمه، إذا صح عنده الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعده إلى غيره.
وكذلك ما زعم بعضُ النّاسِ مِنْ أنَّ أصحابَ الرّأي هُمُ الحنفية فقط؛ غير صحيح، فإنّ هذا اللقب كان لجميع الفقهاء الذين فرغوا أنفسهم لاستنباط الأحكام الشّرعيّة، أو تغلغلوا في تفريع الجزئيات. وقد استخدم هذا اللقب لفقهاء المالكيّة. ولذلك سمّى الحافظ ابن عبد البر المالكي رحمه الله تعالى شرحه للموطأ: الاستذكار لما تضمنه الموطأُ مِنْ معاني الرأي والآثار).
وقد عقد ابن قتيبة رحمه الله تعالى في كتابه (المعارف) باباً في ذكر أصحاب الرأي، فعدَّ منهم: ابن أبي ليلى وأبا حنيفة، وربيعة الرأي، وزفر)، والأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وأبا يوسف، و محمد بن الحسن رحمهم الله تعالى.
ويذكر الحافظ أبو الوليد الفَرَضي بعض الفقهاء المالكية بهذا الاسم، فيقول مثلاً في أحمد. هلال بن زيد العطار كان حافظاً للشروط، نبيلاً بن في الرأي على مذهب أصحاب مالك.
وتبين بهذا أن اسم أصحاب الرّأي كان يُطلق على غير الحنفية من الفقهاء في بداية الأمر. ولكنَّ الَّذي يظهر أنَّ توسع فقهاء الحنفية في تفريع الجزئيات جعل هذا اللقب شبه خاص بهم، وزد على ذلك أن الذين لم يتعمقوا في أدلة مذهب الحنفية، ورأوا بعض مسائلهم مخالفة في الظاهر لبعض الأحاديث التي بلغتهم، مع عدم تنبههم للأحاديث التي استدل بها الحنفية، زعموا أنّها (أي: المسائل) مبنيّة على الرأي المجرد، واشتهر ذلك على السنة بعض النَّاس، حتّى تأثر بعضُ المخلصين من المحدثين بهذه الدعاية الخاطئة، فاصطلحوا على تخصيصهم بلقب «أصحاب الرأي»، ونقموا ذلك على الحنفية.
والحق ما قاله سليمان بن عبد القويّ الصُّوفي الحنبليرحمه الله تعالى في (شرح مختصر الروضة)
واعلم أن أصحابَ الرّأي بحسب الإضافةِ هم كل من تصرف في الأحكام بالرأي، فيتناول جميع عُلماء الإسلام، لأن كل واحد من المجتهدين لا يستغني في اجتهادِه عن نظر ورأي، ولو بتحقيق المناط وتنقيحه الذي لا نزاع في صحته. وأمَّا بحسب العَلَمية، فهو في عُرف السلف علم على أهل العراق وهم أهل الكوفة، أبو حنيفة ومن تابعه منهم».
ثم ذكر بعض الوجوه التي ترك الحنفيَّةُ بها ظاهر بعض الأحاديث، وما طعن به بعض العلماء فيه من أجل ذلك.
ثم قال: وكثر عليه الطعن من أئمةِ السَّلف، حتّى بلغوا فيه مبلغاً، ولا تطيب النفس بذكره. وأبى الله إلا عصمته مما قالوا، وتنزيهه عما إليه نسبوه. وجملة القول فيه: أنّه قطعاً لم يُخالفِ السُّنَّة عناداً، وإنما خالف فيما خالف منها اجتهاداً لحُجَجِ واضحة، ودلائل صالحة لائحة، وحُجَجه بين النَّاس موجودة. وقل أن ينتصف منها مخالفوه وله بتقدير الخطأ أجر، وبتقدير الإصابة أجران والطاعنون عليه إمّا حُسّادٌ، أو جاهلون بمواقع الاجتهاد. وآخر ما صح عن الإمام أحمد الهلال له إحسان القول فيه، والثناء عليه. ذكره أبو الورد من أصحابنا في كتاب أصول الدين)، والله أعلم بالصواب.
المبحث الثامن
ظهور المذاهب الفقهية
على الرغم من كثرة الفقهاء المجتهدين في زمان التابعين وأتباعهم، فإنَّ معظمهم كانوا يُفتون فيما يُعْرَض عليهم من المسائل، دون أن يقصدوا بيان الأحكام الفقهية كقانون مدوّن شامل لجميع الأبواب، وكان الناس يستفتون في مسائلهم اليومية من يتيسر لهم من أهل بلدهم، دون أن يلتزموا فقيهاً واحداً في جميع المسائل.
وكان من حكمة الله أن يُدوّن الفقه في صورة قانون جامع شامل يفي بحاجات النَّاس المتكاثرة بمرور الأيام، وأن لا يتمكَّنَ النَّاسُ من تفسير الأحكام الشرعية بطريق عشوائي يؤدّي إلى اتباعالأهواء.
وقيضَ الله سبحانه من أجل ذلك الفقهاء المتبوعين، الذين شرحوا أحكام الشريعة الإسلامية في كل ناحية من نواحي الحياة بجهد لا نظير له في الأديان الأخرى، فوقفوا حياتهم على الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية من منابعها الأصيلة من القرآن والسُّنَّة والجماع، والقياس.
وأكب تلامذتهم على تدوين ما سمعوا منهم في صورة كتب جامعة، مثل (المدونة) الجامعة للأحكام الفقهية على طريق الإمام مالك، وكُتب الإمام محمد بن الحسن على طريق الإمام أبي حنيفة رحمهم الله تعالى، ثم تلاهم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، فدوّن فقهه بنفسه في كتاب (الأم)، تلامذة الإمام أحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى فقهه بروايات دونها وجمع من جاء بعدهم.
وهكذا ظهرت المذاهب الفقهية الأربعةُ بصورتها المتكاملة، وعلى الرغم من أن المذاهب الفقهيّة لم تكن محصورةً على هذه المذاهب الأربعة، بل كان هنالك جماعة من الفقهاء الكبار نهجوا المنهج نفسه، ولكن لم تُدوّن، مذاهبهم، ولم تنتشر مثل المذاهب الأربعة، وإنّها - وإن كان لها ذكر في الكتب الْمُعْتَنِيَة بذكر مذاهب الفقهاء جزئيّاً - لا تُوجد اليوم بصورتها المتكاملة، فاقتصر النَّاسُ بمشيئة الله تعالى على مذاهب الفقهاء الأربعة.
فانتشر المذهب الحنفي في العراق، حتَّى أصبحَ المذهب السائد في القضاء زمن العباسيين، لكون الإمام أبي يوسف قاضي القضاة أيّامَ هارون الرشيد، وانتشر منها إلى معظم البلاد الإسلامية، وخاصةً في بلاد ما وراء النهر وتركية والهند والسند، وأصبح هذا المذهب قانوناً رسمياً في الخلافة العثمانية وما تحتها من البلاد.
وانتشر مذهب المالكية في بلادِ المغرب من الأندلس والجزائر، و مراكش وتونس وغيرها.
وانتشر مذهب الشافعية في مصر والشام وماليزية وأندونيسية وغيرها. كما انتشر مذهب الحنابلة في مناطق من جزيرة العرب وغيرها.
المبحث التاسع
مسألة التقليد والتَّمَذْهب
كان النَّاسُ يستفتون العلماء منذ قديم في المسائل التي يحتاجون إليها، لأن العامة النَّاس لا يستطيعون استنباط الأحكام الشرعية من مآخذها الأصيلة، فلا بُدَّ لهم من الرّجوع إلى مَنْ عنده معرفة بهذه الأحكام،
وهو الذي أمر به الله في قوله الكريم: فَتَلُوا أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النحل:]، وما دام المفتي موثوقاً بعلمه وتقواه، فلم يكونوا يطالبونه بالدليل على ما يقول، وهو معنى التقليد في الاصطلاح، إذ عرفوه بالعمل بقول الغير من غير معرفة دليله، أو مطالبته بالدليل.
ولكن لم يكونوا في خير القرون يُقيّدون أنفسهم بالاستفتاء من عالم واحد، بحيث لا يُجوِّزون الاستفتاء من عالم آخر، وإن كان الأفراد لهم مناسبة خاصة بعالم من أهل بلده، فكانت ثقتهم به أكثر من غيره، فيرجعُ بفضل تلك المناسبة والثّقة إلى ذلك العالم في جميع مسائله أو في معظمها.
ومن ذلك ما أخرجه البخاري رحمه الله تعالى: عن عكرمة: أنَّ أَهْلَ المدينة سألوا ابن عباس نا: هل يجوز للمرأة إذا حاضت أن تَنْفِر إلى وطنها بعد طوافِ الزيارة وتترك طواف الوداع؟ فأجابهم ابن عباس بأنه يجوز لها أن تنفر وتترك طواف الوداع، فقالوا له: «لا نأخذ بقولك، وندع قول زيد».
وفي رواية للإسماعيلي: لا تُبالي أفتيتنا أو لم تُفتِنا، زيد بن ثابت يقول: لا تنفر.
وفي رواية للطيالسي: لا تُتابِعُكَ يا ابن عبّاس وأنت تُخالِفُ زيداً. وذلك لما كان لهم من زيادةِ الثّقة بزيد بن ثابت الله.
ثمَّ إن زيد بن ثابت الهلال له رجع عن قوله لما عرف حديث صفية لنا، كما أخرجه مسلم عن طاوس: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسِ؛ إِذْ قَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ ثابت: تُفْتِي أَنْ تَصْدُرَ الْحَائِضُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ؟».
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِمَّا لَا، فَسَلْ فُلَانَةَ الأَنْصَارِيَّةَ (والظاهر: أنها أم سليم كما في رواية البخاري) هَلْ أَمَرَها بذلك النَّبِيُّ؟».
قالَ: فَرَجَعَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَضْحَكُ وَهُوَ يَقُوْلُ: «مَا أَرَاكَ إِلَّا قَدْ صَدَقْتَ.
ولما رجع زيد بن ثابت الله الله عن قوله اقتنع أهل المدينة بأنها يجوز لها أن تنفر.
ومن ذلك: ما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: عن أبي مسلم الخولاني رحمه الله تعالى قال: أتيتُ مسجد أهل دمشق، فإذا حلقة فيها كهول من أصحاب النبي، وفي رواية كثير بن هشام: فإذا فيه نحو ثلاثين كهلاً من أصحاب النبيوإذا شاب فيهم أكحل العينين، براقُ الثّنايا، كلما اختلفوا في شيءٍ رَدُّوه إلى الفتى، قال: قلتُ لجليس لي: من هذا؟ قال: هذا مُعَاذُ بْنُ جَبَل!».
وفي رواية أخرى: إذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه، وصدّروا عن رأيه». ونظائر ذلك كثيرة.
والحاصل أن كثيراً من العامَّةِ كانوا يرجعون إلى مَنْ يثقون به، ويُرجحون فتاواه على فتاوى غيره.
وكان هناك من لا يقتصر على الاستفتاء من واحد، لأن المذاهب لم تكن مدونة في ذلك العصر، فما كانوا يرون محظوراً في أن يَسْتَفْتُوا كُلَّ مَنْ تيسر لهم، وإن كان غير مَنْ يرجعون إليه عادةً.
ولم يكن هناك خوفٌ من أن يَنْتَقِيَ الإنسان من المذاهب المختلفة ما وافق أهواءه، لأنه كان مِنَ العَسير أن يعرف المستفتي قول مَنْ يستفتيه قبل أن يسأله، وذلك لعدم تدوين المذاهب.
أما بعدما دونت المذاهب الفقهيَّةُ الأربعةُ بصفة خاصة، وألفت فيها الكتب، وأصبحت لها مدارس تقتصر على دراستها، فأصبحت أقوال هذه المذاهب معروفة مشتهرة بين النَّاس؛ فلو أتيح لكلِّ أحدٍ أن ينتقي من هذه الأقوال ما شاء متى شاء، لأدَّى ذلك إلى اتِّباع الهوى، دون اتباع الشريعة الغراء.
ولا شك أن كل واحدٍ مِنْ هؤلاء الفقهاء إنَّما اختار قولاً على أساس قوَّة دليله عنده، وليس على أساس ما يَهْوَاهُ قَلْبُه؛ فكان لمجتهد آخر أن يختار أو يرد ما قاله من أجل دليل أقوى يظهر له من مصادر التشريع الإسلامي.
ولكن العامي الذي لا يستطيعُ أن يُقَارِنَ بين هذه الآراء على أساس الأدلة الشرعية، لو أتيح له أن يأخُذَ بما شاء، ويردَّ ما شاء، فإنّه يُخشى عليه أن يأخُذ من هذه الأقوال ما يُوَافِقُ هواه، وليس لدليل شرعي كان أساساً لذلك القول.
وبالتالي، فإنّ كلَّ واحدٍ من هذه المذاهب له نظام خاص يعمل في إطاره، بحيث إنَّ كثيراً من مسائله مرتبط بعضها ببعض؛ فلو أُخِذ منه حكم وترك حكم آخر يرتبط به لاختل ذلك النظام، وحدثت حالة من التلفيق لا يقول بصحتها أحد، ومن العسير على العامي أن يعرف هذه الدقائق،
فلو فتح باب الانتقاء للعامة، لأدَّى ذلك إلى فوضى في أحكام الشريعة الغراء ومن هنا دعَتِ الحاجة إلى التَّمذهب بمذهب معين لا لأن المتمذهب بمذهب معيَّن يعتقد أنَّ إمامه مُطاع بنفسه، والعياذ بالله العظيم، بل لأنه يثق بعلمه بالشَّريعة وأدلتها أكثر من غيره، أو لأن معرفة مذهبه أيسر له بالنسبة إلى غيره من أصحاب المذاهب الأخرى.
وبهذا التمذهبِ انتظمت أوضاعُ النّاسِ في الامتثال بالشريعة، دون اتباع الأهواء والعشوائية في ذلك، لأنَّ الانتقاء من أقوال الفقهاء بالتشهي، لا على أساس الدليل ممَّا ذمَّه العلماء قديماً وحديثاً.
قال الإمام مَعْمَرُ بنُ راشد رحمه الله تعالى: «لو أنّ رجلاً أخذ بقول أهل المدينة في استماع الغناء، وإتيان النساء في أدبارهنَّ، وبقول أهل مكة في المتعة والصَّرفِ، وبقول أهل الكوفة في المُسْكِرِ، كان شرَّ عبادِ اللهِ».
وقال الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى: ونظيرُ هذا أن يعتقد الرَّجلُ ثبوت شُفعة الجوار إذا كان طالباً لها، وعدم ثبوتها إذا كان مشترياً، فإنَّ هذا لا يجوز بالإجماع.
وكذا من بنى على صحة ولاية الفاسق في حال نكاحه، وبنى على فساد ولايته في حال طلاقه، لم يجز ذلك بإجماع المسلمين.
ولو قال المستفتي المعين: أنا لم أكن أعرف ذلك، وأنا مِنَ اليوم أَلْتَزِمُ ذلك، لم يكن له ذلك، لأنّ ذلك يفتحُ بابَ التَّلاعب بالدين، وفتح الذريعة إلى أن يكون التحليل والتحريم بحسب الأهواء.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ووجهه أنه لو جاز اتِّباعُ أي مذهب شاء، لأفضى إلى أن يلتقط رُخَص المذاهب متبعاً هواه، ويتخير بين التحليل والتحريم، والوجوب والجواز، وذلك يؤدي إلى انحلال ربقة التكليف، بخلاف العصر الأوّل، فإنّه لم تكن المذاهب الوافية بأحكام الحوادث مهذبةٌ وعُرِفَتْ. فعلى هذا يلزمه أن يجتهد في اختيار مذهب يُقلّده على التعيين.
وقال ابنُ خَلدون رحمه الله تعالى: ووقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة، ودَرّس المقلّدون لِمَنْ سواهم، وسَدَّ النَّاسُ باب الخلافِ وطرُقَه لما كَثُرَ تشعب الاصطلاحاتِ في العلوم، ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد، ولما خُشِيَ من إسنادِ ذلك إلى غير أهله، ومَنْ لا يُوثَق برأيه ولا بدينه، فصرحوا بالعجز والإعواز، وردُّوا الناس إلى تقليد هؤلاء كل من اختص به من المقلدين، وحظروا أن يُتداول تقليدهم لما فيه من التَّلاعُبِ، ولم يبق إلا نقل مذاهبهم وعمل كل مقلد بمذهبِ مَنْ قلده منهم بعد تصحيح الأصول، واتصال سندِها بالرواية، لا محصول اليوم للفقه غيرُ هذا، ومدعي الاجتهاد لهذا العهد مردود منكوص على عقبه، مهجور تقليده. وقد صار أهل الإسلام اليومَ على تقليد هؤلاء الأئمة الأربعة.
وقال الشيخ ولي الله الدهلوي رحمه الله تعالى: «اعلم أنَّ النَّاس كانوا في المئة الأولى والثانية غيرَ مُجمعين على تقليد مذهب واحد بعينه، وبعد المئتين ظهر فيهم التمذهب للمجتهدين بأعيانهم، وقلَّ مَنْ لا يعتمدُ على مذهب مجتهد بعينه وكان هذا هو الواجب في ذلك الزمان.
فإن قلت: كيف يكون شيء واحدٌ غير واجب في زمان، وواجباً في زمان آخر، مع أن الشرع واحد؟.
قلت: الواجب الأصلي هو أن يكون في الأُمَّة مَنْ يعرفُ الأحكام الفرعية من أدلتها التفصيلية، أجمعَ على ذلك أهل الحقِّ، ومقدمة الواجب واجبة؛ فإذا كان للواجب طرق متعدّدة، وجب تحصيل طريق من
تلك الطرق مِنْ غيرِ تعيين، وإذا تعيَّن له طريق واحد، وجب ذلك الطريق بخصوصه ... وعلى هذا ينبغي أنَّ القياس وجوب التقليد لإمام بعينه، فإنَّه قد يكون واجباً، وقد لا يكون واجباً.
وقال في موضع آخر: إنّ هذه المذاهب الأربعة المدونة المحررة قد اجتمعت الأمة، أو من يُعتد به منها على جواز تقليدها إلى يومنا هذا، وفي ذلك من المصالح ما لا يخفى، لا سيما في هذه الأيام التي قصرت فيها الهمم جداً، وأُشْرِبتِ النُّفوسُ الهوى، وأُعجِبَ كلُّ ذي رأي برأيه.
وبالرغم من أنَّ الفقهاء المجتهدين كانوا متوافرين في كلِّ قطر من الأقطار المسلمة، فكان من مشيئة الله تعالى أنه لم تُدوَّن مذاهبهم تدويناً شاملاً كما دُونتْ مذاهب الفقهاء الأربعة، وتواترت نسبتها إليهم، وتكاثر تلاميذهم الذين درسوها ومحصوها تمحيصاً، وفرعوا عليها، ولم يُتَّفق مثل ذلك للمذاهب الأخرى.
قال الشيخ وليُّ الله الدهلوي رحمه الله تعالى: (وبالجملة، فالتَّمَذْهُبُ للمجتهدين سير ألهمه الله تعالى العلماء، وجمعهم عليه مِنْ حيثُ يشعرون أو لا يشعرون.
ومن هنا قال العلماء: إنّه يجب على المجتهد أن يُقلّد أحد هذه المذاهب الأربعة، وأن لا يُقلّد مذهباً سواها.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: وليس له التَّمذهب بمذهب واحد من أئمة الصحابة واللين وغيرهم من الأولين، وإن كانوا أعلم وأعلى درجةً ممن بعدهم، لأنهم لم يتفرغوا لتدوين العلم، وضبط أصوله وفروعه، فليس لأحدٍ منهم مذهب مهذب محرَّرٌ مقرّر، وإنما قام بذلك من جاء بعدهم من الأئمة النَّاحلين لمذاهب الصَّحابة والتابعين، القائمين بتمهيد أحكام الوقائع قبل وقوعها الناهضين بإيضاح أصولها وفروعها، كمالك وأبي حنيفة وغيرهما.
وَنَقَلَ المُناوِيُّ عن الحافظ الذهبي رحمهما الله تعالى: أنه قال: ويجب علينا أن نعتقد أنَّ الأئمة الأربعة والسفيانين والأوزاعي وداود الظاهريوإسحاق بن راهويه وسائر الأئمة على هدى، ولا التفات لمن تكلم فيهم بما هم بريئون منه، والصَّحيحُ وفاقاً للجمهور أنَّ المُصيب في الفروع واحد، والله تعالى فيما حكم عليه أمارة، وأنَّ المجتهد كُلف بإصابته، وأن مخطئه لا يأثَم بل يؤجَرُ. فَمَنْ أصابَ فله أجران، ومَنْ أخطأ فأجر، نعم! إن قصَّرَ المجتهدُ أيْمَ اتفاقاً، وعلى غير المجتهد أن يقلّد مذهباً معيناً ... لكن لا يجوز تقليدُ الصَّحابةِ وكذا التابعين، كما قاله إمام الحرمين، من كلِّ مَنْ لم يدوّن مذهبُهُ، فيمتنعُ تقليد غير الأربعة في القضاء والإفتاء؛ لأنَّ المذاهب الأربعة انتشرت وتحررت، حتى ظهر تقييد مطلقها، وتخصيص عامها،
بخلاف غيرهم لانقراض أتباعهم. وقد نقل الإمام الرازي رحمه الله تعالى إجماع المحققين على منع العوام من تقليد أعيان الصحابة وأكابرهم.
وقال الشيخ وليُّ الله الدهلوي رحمه الله تعالى في موضع آخر: اعلم أنَّ في الأخذ بهذه المذاهب الأربعة مصلحة عظيمة، وفي الإعراض عنها كلها مفسدة كبيرة، ونحن نبين ذلك بوجوه ....
وقال في موضع آخر: فإذا كان إنسان جاهل في بلاد الهند أو في بلاد ما وراء النهر، وليس هناك عالمٌ شافعي ولا مالكي ولا حنبلي، ولا كتاب من كتب هذه المذاهب، وجب عليه أن يقلد مذهب أبي حنيفة، ويحرم عليه أن يخرج مِنْ، مذهبه لأنّه حينئذٍ يَخْلَعُ رِبْقَةَ الشَّريعة، ويبقى سُدى مهملاً، بخلاف ما إذا كان في الحرمين، فإنه متيسر له هناك معرفة. المذاهب، ولا يكفيه أن يأخذ بالظنّ من غير ثقة، ولا أن يأخذ من السنة العوام، ولا أنْ يأخذ من كتاب غير مشهور، كما ذكر ذلك في (النهر الفائق شرح كنز الدقائق).
فظهر بهذا كله أنَّ المقصود هو اتِّباعُ ما جاء من الأحكام الشرعية في القرآن والسُّنَّة، وبما أنَّه لا يتيسر لغير المجتهد عادةً أن يستنبط هذه الأحكام بنفسه، إما لكونه لا يستطيع أن يفهمها، أو لأنَّ النُّصوص تحتمل أكثر من معنى، أو لتعارض الأدلة في الظاهر، فإنَّه يعتمد على قول مجتهد يثق بقوله أكثر من غيره، أو على قول مجتهد مذهبه معروف في بلاده. وهذا هو التَّمذهب أو التقليدُ الشَّخصي.
ولكن لا ينافي التَّمذهبُ بمذهب معين أن يأخذ عالم متبحر له نظر في أدلة الأحكام في مسألة من المسائل قولاً من مذهب آخر، لا على أساس التشهي، بل على أساس أدلة قوية ظهرت له.
ومن هنا أفتى كثير من فقهاء الحنفيَّةِ في كثيرٍ من المسائل بقول يخالف قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى كما فعلوا في مسألة المزارعة، وفي الاستئجار على تعليم القرآن الكريم، وفي مسألة خيار المغبون وغيرها من المسائل المعروفة. وذلك لما صرح به علماؤنا من أن تقليد إمام معين ليس حكماً شرعياً بنفسه، وإنَّما هو فتوى أُصْدِرت لتنظيم أمور الدين، ولتجنب ما يُخشى في غيره من مفاسد التلاعب واتباع الأهواء.
وسمعت من والدي العلامة المفتي محمد شفيعرحمه الله تعالى غير مرة يحكي قول شيخ الهند الإمام الشيخ محمود الحسن رحمه الله تعالى: «إنَّ تقليد مذهب معين ليس حكماً شرعياً في نفسه، ولكنه فتوى أُصْدِرَتْ لتنتظم بها أمور الدين».
قال الإمام الشيخ أشرف علي التهانويرحمه الله تعالى في بعض مواعظه: اسو ہم تقليد تشخص کو في نفسہ فرض يا واجب نہيں کہتے، بلکہ يوں کہتے ہيں کہ پر شخصي ميں دين کا
انتظام ہوتا ہے اور ترک تقليد ميں بے انتظامي ہوتي ہے?"
فنحن لا نعتقد أنَّ التَّقليد الشخصي فرضٌ أو واجب في نفسه، بل نقول: إنَّ التَّقليد الشخصي تنتظمُ به أمورُ الدين، وفي ترك التَّقليد فوضى ومن لوازم هذا القول أنَّه حيثُ وقع الأمنُ من اتباع الهوى، فلا بأسَ بالأخذ بما هو أرجح دليلاً لعالم أهل للنظر في الأدلة.
قال الإمام الفقيه الشَّيخ رشيد أحمد الكنكوهيرحمه الله تعالى:
اسي واسطے تقليد غير شخصي کو فقہاء نے کتابوں ميں منع لکھا ہے، مگر جو عالم غير شخصي کے سبب ميتلا ان مفاسد مذکورہ کا نہ ہو، اور نہ اسکے سبب سے عوام ميں ہيجان ہو، اُسکو تقليد غير شخصي اب بھي جاتر ہو گي?"
«إِنَّ الفقهاء مَنعوا العامَّةَ من التقليد غيرِ غيرِ الشَّخصيّ (وهو أن يُقَلِّد مذهباً في مسألة، وغيره في مسألة أخرى) بسبب هذه (المفاسد).
ولكنَّ العالم الذي يأمنُ مِنْ هذه المفاسِدِ، فَإِنَّه يجوز له التَّقليد غيرُ الشَّخصيّ اليوم أيضاً، بشرط أن لا يُحْدِثَ بذلك بلبلة واضطراباً في العامة»
وقال في موضع آخر:
"الغرض بعد ثبوت اس امر کے کہ يہ مسئلہ اپنے امام کا خلاف کتاب وسنت کے ہے، ترک کرنا ہر مؤمن کو لازم ہے، اور کوئي بعد وضوح اس امر کے اس کا منکر نہيں، مگر عوام کو يہ تحقيق ہي کيونکر ہو سکتا ہے?
والحاصل أنه إذا ثبت أنَّ هذه المسألةَ مِنْ إمامنا تُخَالِفُ الكتاب والسُّنَّة، لزم كلَّ مؤمن أن يتركها، ولا أحد ينكره بعد وضوح ذلك. ولكن كيف يمكن للعامة أن يُحَقِّقُوا هذا الأمر؟!».
وفصل شيخ مشايخنا الإمام أشرف علي التهانوي رحمه الله تعالى هذه المسألة باعتدال واتزان بالغ، فلا بأس بإيراد كلامه بلفظه متبوعاً بترجمته العربية:
"جس طرح تقليد کا انکار قابل ملامت ہے، اسي طرح اس ميں غلو وجمود بھي موجب مذمت ہے? اور تعيين طريق حق کے لئے) اوپر ثابت ہو چکا ہے کہ تقليد مجتہد کي اس کو شارع و باني احکام سمجھ کر نہيں کي جاتي، بلکہ اسکو مين احکام اور موضح شرائع و مظہر مراد اللہ در سول اعتقاد کرکے کي جاتي ہے? پس جب تک کوئي امر منافي اور رافع اس اعتقاد کا نہ پايا جاويگا، اس وقت تک تقليد کي جاديگي، اور جس مسئلے ميں کسي عالم وسيع النظر، ذکي
الفہم، منصف مزاج کو اپني تحقيق سے، يا کسي عامي کو ايسے عالم سے، بشرطيکہ منتقي بھي ہو، بشہادتِ قلب معلوم ہو جاوے کہ اس مسئلے ميں رائج دوسري جانب ہے، تو ديکھنا چاہئے کہ اس مرجوح جانب ميں بھي دليل شرعي سے عمل کي گنجائش ہے يا نہيں؟ اگر گنجائش ہو، تو ايسے موقع پر جہاں احتمال فتنہ و تشويش عوام کا ہو، مسلمانوں کو تفريق کلمہ سے بچانے کيلئے اوليا يہي ہے کہ اس مرجوح جانب پر عمل کرے? دليل اس کي يہ حديثيں ہيں????? حضرت عائشہ رضي اللہ عنہا سے روايت ہے کہ مجھ سے ارشاد فرمايارسول اللہ صلي اللہ عليہ وسلم نے کہ " تم کو معلوم نہيں کہ تمہاري قوم يعني قريش نے جب کعبہ بنايا ہے، تو بنياد ابراہيمي سے کمي کردي ہے?" ميں نے عرض کيا" يا رسول اللہ! پھر آپ اسي بنياد پر تعمير کراد بيجئے?" فرمايا کہ اگر قريش کا زمانہ کفر سے قريب نہ ہوتا تو ميں ايسا ہي کرتا?" روايت کيا اسکو بخاري و مسلم نے ترمذي اور نسائي اور مالک نے ف: يعني لوگوں ميں خوامخواہ تشويش پھيل جاوے گي کہ ديکھو! کعبہ گراديا، اسلئے اس ميں دست اندازي نہيں کرتا? ديکھئے! باوجوديکہ جانب راجح يہي تھي کہ قواعد ابراہيمي پر تعمير کر ديا جاتا، مگر چونکہ دوسري جانب بھي يعني نا تمام رہنے دينا بھي، شرعاً جائز تھي، گو مرجوح تھي، آپ نے بخوف فتنہ و تشويش اسي جانب مرجوح کو اختيار فرمايا??? (نيز) حضرت ابن مسعود? سے روايت ہے کہ انہوں نے (سفر ميں) فرض چار رکعت پڑھي، کسي نے پوچھا کہ " تم نے حضرت عثمان پر (قصر نہ کرنے ميں) اعتراض کيا تھا، پھر خود چار پڑھي؟ " آپ نے جواب ديا کہ خلاف کرنا موجب شر ہے???اس حديث سے بھي معلوم ہوا کہ باوجوديکہ ابن مسعود (رضي اللہ عنہ) کے نزديک جانب راج سفر ميں قصر کرنا ہے، مگر صرف شر اور خلاف سے بچنے کے لئے اتمام فرماليا جو جانب مرجوح تھي، مگر معلوم ہوتا ہے کہ اسکو بھي جائز سمجھتے تھے? بہر حال! ان حديثوں سے اس کي تائيد ہو گئي کہ اگر جانب مرجوح بھي جائز ہو تو اسي کو اختيار کرنا اولي ہے? اور اگر اس جانب مرجوح ميں گنجائش عمل نہيں، بلکہ ترک واجب يا ارتکاب امر ناجائز لازم آتا ہے، اور بجز قياس کے اس پر کوئي دليل نہيں پائي جاتي، اور جانب راج ميں حديث صحيح صريح موجود ہے، اُس وقت بلا تردد حديث پر عمل کرنا واجب ہوگا، اور اس مسئلے ميں کسي طرح تقليد جائز نہ ہوگي، کيونکہ اصل دين قرآن و حديث ہے، اور تقليد سے يہي مقصود ہے که قرآن و حديث پر سہولت
و سلامتي سے عمل ہو، جب دونوں ميں موافقت نہ رہي، قرآن و حديث پر عمل ہوگا? ايسي حالت ميں بھي اسي پر جمے رہنا يہي تقليد ہے جسکي مذمت قرآن وحديث واقوال علماء ميں آئي ہے، چنانچہ حديث ہے??? حضرت عدي بن حاتم سے روايت ہے کہ ميں حضور صلي اللہ عليہ وسلم کے حضور ميں حاضر ہوا اور آپ کو يہ آيت پڑھتے سنا جس کا ترجمہ يہ ہے کہ ((اہل کتاب نے اپنے علماء اور درويشوں کو رب بنا رکھا تھا خدا کو چھوڑ کر اور ارشاد فرمايا کہ "وہ لوگ انکي عبادت نہ کرتے تھے، ليکن وہ جس چيز کو حلال کہديتے، وہ اسکو حلال سمجھنے لگتے، اور جس چيز کو حرام کہہ ديتے، اسکو حرام سمجھنے لگتے" روايت کيا اسکو ترمذي نے? مطلب يہي ہے کہ اُن کے اقوال کو جو يقيناً انکے نزديک بھي کتاب اللہ کے خلاف ہوتے، مگر انکو کتاب اللہ پر ترجيح ديتے? سو اسکو آيت اور حديث ميں مذموم فرمايا گيا، اور تمام اکابر محقيقين کا يہي معمول رہا کہ جب انکو معلوم ہو گيا کہ يہ قول ہمارا يا کسي کا خلاف حکم خدا اور سول کے ہے فورا ترک کر ديا? چنانچہ حديث ميں ہے?? ٹميلہ انصاري سے روايت ہے کہ کسي نے ابن عمر سے کچھوے کے کھانے کو پوچھا، انہوں نے يہ آيت قل لا اجد الخ پڑھ دي (جس سے استنباط کرنا حکم حلت کا تھا) ايک معمر آدمي انکے پاس بيٹھے تھے، انہوں نے کہا کہ ميں نے ابو ہريرہ سے سنا ہے کہ رسول اللہ صلي اللہ عليہ وآلہ وسلم کے سامنے کچھوے کا ذکر آيا، تو آپ نے يہ فرمايا کہ " منجملہ خبائث کے وہ بھي خبيث ہے"? ابن عمر نے فرمايا کہ " اگر يہ بات رسول اللہ صلي اللہ عليہ وآلہ وسلم نے فرمائي ہے تو حکم يوں ہي ہے جس طرح حضور نے فرمايا?" روايت کيا اسکو ابو داود نے? اور علماء حنفيہ بھي ہميشہ اس عمل کے پابند رہے ? چناچہ جواب شبہ چہار دہم ميں ان حضرات کا امام صاحب کے بعض اقوال کو ترک کر دينا مذکور ہو چکا ہے، جن سے منصف آدمي کے نزديک ان حضرات پر تعصب و تقليد جامد کي اس تہمت کا غلط ہو نا متيقين ہو جاويگا جس کا منشا اکثر پر بلا درايت نظر کرنا ہے? اور مقصد سوم ميں ايسي نظر کا غير معتمد عليہ ہو نا ثابت کر ديا گيا ہے? ليکن اس مسئلے ميں ترک تقليد کے ساتھ بھي کسي مجتہد کي شان ميں گستاخي و بدزباني کرنا، يا دل سے بد گماني کرنا کہ انہوں نے اس حديث کي مخالفت کي ہے، جائز نہيں، کيونکہ ممکن ہے کہ انکو يہ حديث نہ پہنچي ہو، يا بسندِ ضعيف پہنچي ہو، يا اسکو کسي قرينہ شرعيہ سے ما ل سمجھا ہو، اس لئے وہ معذور
ہيں، اور حديث نہ پہنچنے سے ان کے کمالِ علمي ميں طعن کرنا بھي بد زباني ميں داخل ہے، کيونکہ بعض حديثيں اکابر صحابہ کو جنکا کمال علمي مسلم ہے، کسي وقت تک نہ پہنچي تھيں، مگر انکے کمال علمي ميں اسکو موجب نقص نہيں کہا گيا، چنانچہ حديث ميں ??? عبيد بن عمير سے حضرت ابو موسيا کے حضرت عمر کے پاس آنے کي اجازت مانگنے کے تھے ميں روايت ہے کہ حضرت عمر نے فرمايا که "رسول اللہ صلي اللہ عليہ وآلہ وسلم کا يہ ارشاد مجھے مخفي رہ گيا، مجھے بازاروں ميں جا کر سودا سلف کرنے نے مشغول کر ديا? " روايت کيا اسکو بخاري نے ???اسي طرح مجتہد کے اُس مقلد کو جس کو اب تک اس شخص مذکور کي طرح اس مسئلے ميں شرح صدر نہيں ہوا، اور اسکا اب تک يہي حسن ظن ہے کہ مجتہد کا قول خلاف حديث نہيں ہے، اور اس گمان سے اب تک اس مسئلے ميں تقليد کر رہا ہے، اور حديث کو رد نہيں کرتا، ليکن وجہ موافقت کو مفضل سمجھتا بھي نہيں، تو ايسے مقلد کو بھي بوجہ اس کے کہ وہ بھي دليل شرعي سے متمنک ہے، اور اتباع شرع ہي کا قصد کر رہا ہے، بُرا کہنا جائز نہيں? اسي طرح اُس مقلد کو اجازت نہيں کہ ايسے شخص کو بُرا کہے کہ جس نے بعذرِ مذکور اس مسئلے ميں تقليد ترک کر دي ہے، کيونکہ اُن کا يہ اختلاف ايسا ہے جو سلف سے چلا آيا ہے، جس کے باب ميں علماء نے فرمايا ہے کہ اپنا مذہب ظناً صواب محتمل خطا، اور دوسرا مذہب ظناً خطاً محتمل صواب ہے، جس سے يہ شبہ بھي دفع ہو جاتا ہے کہ جب سب حق ہيں، تو ايک ہي پر عمل کيوں کيا جاوے؟ پس جب دوسرے ميں بھي احتمالِ صواب ہے، تو اس ميں کسي کي تضليل يا تفسيق يا بدعتي وہابي کا لقب دينا، اور حسد و بغض و عناد و نزاع و غيبت وسب و شتم، و طعن ولعن کا شيوہ اختيار کرنا جو قطعاً حرام ہيں، کس طرح جائز ہوگا؟
البتہ جو شخص عقائد يا اجماعيات ميں مخالفت کرے، يا سلف صالحين کو بُرا کہے، وہ اہل سمنت والجماعت سے خارج ہے، کيونکہ اہل سنت و جماعت وہ ہيں جو عقائد ميں صحابہ رضي اللہ عنہ کے طريقے پر ہوں، اور يہ امور اُن کے عقائد کے خلاف ہيں، لہذا ايسا شخص اہل سنت سے خوارج اور اہل بدعت و ہوئي ميں داخل ہے? اسي طرح جو شخص تقليد ميں غلو کرے کہ قرآن و حديث کو رد کرنے لگے، ان دونوں قسم کے شخصوں سے حتي الامکان اجتناب و احتراز لازم سمجھيں، اور مجادلہ متعارفہ سے بھي اعراض کريں?" ? "
ترجمته:
كما أنَّ إنكار التَّقليدِ موجب للملامة، فإنَّ الغُلو والجمود فيه موجب لمذمة أيضاً. وقد تقدَّم أنَّ المجتهد لا يُقلَّد لتعيين الحقِّ باعتقاد أنَّه شارع ومُنشئ للأحكام، وإنَّما يُقلَّدُ باعتقادِ أنَّه مُبيِّنٌ للأحكام، وموضح للشرائع، ومُظْهِرُ المُراد الله تعالى والرَّسول صلى الله عليه وسلم.
ولذا، فإنَّ التَّقليد إنَّما يُعمَلُ به إذا لم يظهر أمرٌ يُنافي ذلك الاعتقاد أو يرفعه.
فإن تبيَّن لعالم واسع النَّظر، ذكيّ الفهم، مُنصفِ الطَّبع بتحقيقه، أو لعامي بواسطة مثل ذلك العالم، بشهادة قلبه بشرط أن يكون متَّقياً، أنَّ الرَّاجح في هذه المسألة جانب آخر، فلينظر هل هناك احتمال لجواز العمل بالجانب المرجوح على أساس دليل شرعي (ولو كان مرجوحاً) أم لا؟.
فإن كان هناك سَعةٌ، ويُخشى في إظهار الخلافِ من فتنة وتشويش للعوام، فالأولى في مثل هذه الحالة العمل بالجانب المرجوح، وقاية لعامَّةِ المسلمين من تفريق الكلمة.
ويدل على ذلك ما رَوَتْه عائشة و الله قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ حِيْنَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟.
فَقَالَ: لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالكُفْرِ لَفَعَلْتُ أخرجه السِّنَّةِ إِلَّا أبا داود.
فبالرغم من أن بناء الكعبة على قواعد إبراهيم ل كان راجحاً، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم اختار الجانب المرجوح خشية الفتنة والتشويش، لأن هذا الجانب المرجوح كان جائزاً شرعاً، وإن كان مرجوحاً ...
وكذلك عن ابن مسعود الله الله: أنه صلى أربعاً، (يعني: في السفر) فقيل له: عِبْتَ على عثمان، ثمَّ صليت أربعاً؟ فقال: «الخلاف شر» أخرجه أبو داود.
فبالرغم من أنَّ الرَّاجح عند ابن مسعود لاله كان هو القصر في السفر، فإنّه أتم الصَّلاةَ تجنباً للخلاف والشر، والظَّاهِرُ أنَّه كان يرى جواز ذلك أيضاً. فتأيد بذلك ما ذكرنا أنَّه إنْ كانَ الجانب المرجوح جائزاً، فاختياره أولى؛ تجنباً للفتنة والتشويش.
أما إن كان الجانب المرجوحُ لا يحتمل الجواز، بل يستوجب ترك واجب، أو ارتكاب محظور، وليس له دليل سوى القياس، ويوجد حديث صحيح صريح في الجانب الراجح، فيجب العمل بالحديث من غير تردد، ولا يجوز التقليد في هذه الحالة أصلاً، لأنَّ أصل الدين هو القرآن الكريم والسنة، وليس
المقصود منَ التَّقليد إلَّا العمل بهما بسهولة وسلامة. فلما انتفت الموافقة بينهما، وجب العمل بالقرآن والسُّنَّة والجمود على التقليد في مثل هذه الحالة. هو التَّقليدُ الَّذي وَرَدَ ذمه في القرآن والسنة وفي كلام العلماء.
فروي عن عدي بن حاتم الله قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ} [التوبة:] قَالَ: «إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُم كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا شَيْئًا اسْتَحَلُوه، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئاً حَرَّمُوهُ) أخرجه الترمذي.
ولم يزل عملُ السَّلفِ والمحققين أنَّهم كلَّما ظهر لهم أن قولهم أو قول غيرهم مخالف لأمرٍ مِنَ الله تعالى أو مِنْ رسوله أقْلَعُوا عنه من ساعته.
كما رُوي عن نُمَيْلةَ الأنصاري الله قال: سُئل ابن عمر لنا عن أكل القنفذ، فتلا: قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمَا عَلَى طَاهِرِ يَطْعَمُهُ الآية [الأنعام:]، فقال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة يقول: ذُكِرَ الْقُنْفُذُ عند رسول الله، فَقَالَ: الخَبِيْنَةٌ مِنَ الْخَبَائِثِ فَقَالَ ابنُ عُمَرَ: إِنْ كَانَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هَذَا فَهُوَ كَمَا قَالَ ما لم نذر. أخرجه أبو داود.
ولم يزل علماء الحنفية أيضاً ملتزمين بهذا الأصل، فإنهم تركوا أقوال إمامهم في عدة مسائل، وتبيَّن بذلك لكلِّ منصف أنَّ ما اتهمهم به بعض النَّاس من التعصب والتَّقليدِ الجامد خطاً قطعاً، منشؤه النظر في الروايات بغير دراية ... ولكن لا يجوز مع ترك التقليد في تلك المسألة الوقوع في شأن المجتهد بإطالة اللسان في جنابه، أو إساءةِ الظَّنِّ في القلب بأنَّه تَرَك الحديث الصحيح، لأنَّه من الممكن أن يكون ذلك الحديث لم يبلغه، أو بلغه بسند ضعيف، أو يكون ذلك الحديث مؤوّلاً عنده بقرينة شرعيَّةٍ، فإنَّه معذور. وإنَّ الطعن في كمال علمهم بعدم اطلاعهم على ذلك الحديث مِنْ جُملة إطالة اللسان في جنابهم، فإنَّه قد ثبت أنَّ بعض الأحاديث لم تبلغ بعض أكابر الصحابة الذين لا شبهة في كمال علمهم ولم يُعتبر ذلك نقصاً في كمالهم.
فقد رُوي عن عُبيد بن عمير رحمه الله تعالى في قصة استئذان أبي موسى له قول عمر الله: خَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ، أَلْهَانِي الصَّفَقُ بالأسْواقِ» أخرجه البخاري)
وكذلك إذا كان بعض المقلّدين لذلك المجتهد لم ينشرح صدره في تلك المسألة، وهو يحسبُ بحُسن الظَّنِّ بالمجتهد أن قوله ليس مخالفاً للحديث، فلا يزال يقلده في تلك المسألة بسبب هذا الظن، ولا يردُّ الحديث الصحيح، ولكن لا يفهم موافقة إمامه لذلك الحديث الصحيح تفصيلاً، فإنه لا يجوز ذمُّ ذلك
المقلد، لأنَّه أيضاً متمسك بدليل شرعي، ولا يقصِدُ إِلَّا اتِّباعَ الشَّريعة.
وكذلك لا يجوز لذلك المقلّد أن يذم ذلك العالم الَّذِي تَرَكَ التَّقليد في تلك المسألة بالعُذر المذكور، لأنَّ اختلافهم هذا نظير الاختلافِ الَّذي وقع بين السلف، والذي قال فيه العلماء: «إنَّ مذهبنا صواب ظنّاً يحتمل الخطأ، ومذهب غيرنا خطأ ظنّاً يحتمل الصواب» فلما كان الجانب الثاني محتملاً للصواب أيضاً، فكيف يجوز بذلك تضليل أحدٍ أو تفسيقُه أو رَمْيُه بالبدعة أو الوهابية وإحداث الحسد والبغض والعناد والنزاع والغيبة والسب والشتم والطعن واللعن الذي هو حرام قطعاً.
نعم! إنَّ الرَّجل الَّذي يُخالِفُ جمهور المسلمين في عقائدهم، أو في المسائل المُجمَعِ عليها، أو يُطيلُ لسانه في جناب السلف الصالح، فإنَّه خارج عن أهل السُّنَّة والجماعة، لأنَّ أهل السنة والجماعة هم الذين يسلكون طريق الصحابة، وإنَّ هذه الأمور مخالفة لعقائدهم، فكان هذا الرّجلُ خارجاً عن أهل السُّنَّة، وداخلاً في أهل البدع والأهواء.
وكذلك الرجل الذي يغلو في تقليده، بحيث يردُّ القرآن والحديث من أجله، فالواجب الاجتناب والاحتراز من هذين الرَّجلين، مع الإعراض عن المجادلة المتعارفة، وهذا هو الحقُّ الوسط.
وأما ما عدا ذلك فغلط وشَطط، اللهم أرنا الحق حقاً، وارْزُقْنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه.
فتبين بهذا أنَّ التَّمذهب بمذهب معيّن، وتقليد مجتهد ليس إلا للوصول إلى ما ثبت من الأحكام الشرعيَّة من الكتاب والسنة ممن لا يستطيع أن يوفق بين الأدلة المتعارضة. ولذلك صرّح العلماء بأن التقليد لا حاجة إليه في العقائد والأحكام المنصوصة قطعاً، مثل: فرضيَّة الصَّلاة، والصوم، والزَّكاة، والحج، وحرمة الخمر والخنزير والربا، والكذب، والخديعة، والخيانة، من الأحكام التي لا مجال فيها للاجتهاد، ولا تحتمل فيه النُّصوص أكثر من معنى.
وكذلك ليس معنى التَّمذهب أن لا يخالف علماء ذلك المذهب قول إمامهم في شيء من المسائل.
منه ما روي عن الإمام الطحاوي- وهو حنفي المذهب - أنه قال: كان أبو عُبيد ابن حَرْبَوَيْهِيُذاكرُني بالمسائل. فأجبته يوماً في مسألة.
فقال لي: «ما هذا قول أبي حنيفة!».
فقلتُ له: «أيُّها القاضي أو كلَّ ما قاله أبو حنيفة أقولُ به؟!».
قال: «ما ظَنَنْتُكَ إِلَّا مُقلّداً».
فقلتُ له: «وهل يُقلّد إِلَّا وهل يُقلّد إلا عصبي؟».
فقال لي: «أو غبي فطارت هذه الكلمة بمصر، حتّى صارت مثلاً».
وما قصده الطحاوي رحمه الله تعالى هو أنَّ التَّمذهب بمذهب معيَّنٍ لا يُنافي أن لا يأخذ عالمٌ مثلُ الطحاوي بقول غير قول إمامه في شيء من المسائل، وإلا صار تعصباً.
ومن هنا يتبين أنَّ التَّقليد له درجات:
فالدرجة الأولى: تقليد العامي الذي ليس له معرفة بالقرآن والسنة، ولا تبحر في العلوم المتشعبة منهما، ويدخلُ فيهم الذين تخرجوا من المدارس والجامعات الدينية، ولم تحصل لهم ملكة يستطيعون بها المقارنة بين الآراء الفقهية في ضوء الكتاب والسنة.
وحكم هؤلاء أن يلتزموا مذهب إمام معين، ولا يأخذوا إلَّا بأقوال إمامهم، فإنَّ قولَ إمامهم دليل في حقهم، وليس لهم أن يحكموا على أقوال إمامهم بأنها معارضة للكتاب أو السُّنَّة بمجرد رأيهم، لأنه لا يتوافر لديهم ما يجب لمثل هذا الحكم.
والدرجة الثانية: تقليد عالم متبحر، وهو الذي وإن لم يبلغ درجة الاجتهاد الكلي، لكنَّه لِسَعَة معرفته بعلوم القرآن والسنة، وتبحره في مذهب إمامه، وطول ممارسته بالفقه والفتيا لدى أساتذة مهَرَةٍ، تحصلت له ملكة قوية في النظر في دلائل الأحكام الفقهية، فإنَّ مثل هذا العالم، وإن كان يقلد إمامه في معظم الأبواب الفقهيّة، لكنَّه إذا وجد قولاً لإمامه معارضاً لنص صريح، ولم يجد مع طول بحثه ما يُعارضُ ذلك النص، فإنّه يجوز له أن يترك قول إمامه من أجل ذلك النص الصريح، كما أسلفنا في عبارة الإمام الشيخ أشرف علي التهانوي رحمه الله تعالى.
وكذلك إذا شعر مثل هذا العالم بأنَّ في مذهب إمامه في مسألة من المسائل حرجاً شديداً، وأن هناك حاجةً عامة لدفع هذا الحرج باختيار مذهب فقهي آخر من المذاهب الأربعة المتبوعة، جاز له أن يُفتي أو يعمل بقول مجتهد آخر غير إمامه، كما فعله الحنفية في مسألة زوجة المفقود وغيرها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في موضعه، ولكن الأحوط في هذا الزمان في المسائل التي تعُمُّ بها البلوى أن لا يستبد الرَّجل في مثل هذه المسائل برأيه الفريد، بل يشاور غيره من العلماء، ولا يُفتي فتوى عامَّةٌ إِلَّا بعد حصول اتفاقِ جماعة من العلماء الراسخين.
والدرجة الثَّالثة: تقليد مجتهد في المذهب، وهو الذي وإن كان مقلّداً لإمامه في الأصول، لكنّه حصل له نوعٌ من الاجتهاد في الفروع أو في النوازل، ويندرج فيه أصحاب التخريج والترجيح، والمجتهدون في
المسائل كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
والدرجة الرابعة: تقليد مجتهد مطلق، فإنه وإن كان مستقلاً في استنباط الأحكام الشَّرعيَّة من الكتاب والسُّنَّة، لكن لا محيص له مِنْ نوع من التقليد، وهو أن ينظر في أقوال السَّلف من الصحابة والتابعين، ويتمسك بها في شرح أحكام القرآن والسُّنَّة فربَّما لا يوجد نص صريح من الكتاب والسُّنَّة، ولكن يوجَدُ قول لأحد الصَّحابة أو التابعين، فيُقدِّمه على رأيه الخاص.
وهذا كما أنَّ أبا حنيفة رحمه الله تعالى كثيراً ما كان يأخذ بقول إبراهيم النخعي، والشَّافعيّ يأخذ بقول ابن جريج، ومالكاً يأخذ بقول أحد الفقهاء السبعة بالمدينة المنورة.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في المجتهد المطلق: «ولا يُنافي اجتهاده تقليده غيره أحياناً، فلا تجد أحداً من الأئمَّة إِلَّا وهو مقلّدٌ مَن هُوَ أعلم منه في بعض الأحكام، وقد قال الشافعي رحمه الله تعالى في موضع من كتاب الحج: قلتُه تقليداً لعطاء»
الفصل الثالث طبقات الفقهاء
المبحث الأول
طبقات فقهاء الحنفية
ذكر العلامة ابن عابدينرحمه الله تعالى في (شرح عقود رسم المفتي أن فقهاء الحنفية على طبقات، قد حصرها العلامة ابن كمال باشافي سبع طبقات:
الطبقة الأولى: طبقةُ المجتهدين في الشرع، كالأئمة الأربعة، ومَنْ سَلَكَ مسلكهم في تأسيس قواعد الأصول واستنباط أحكام الفروع من الأدلة الأربعة من غير تقليد لأحدٍ لا في الفروع ولا في الأصول.
الطبقة الثانية: طبقةُ المجتهدين في المذهب، كأبي يوسف ومحمد، وسائر أصحاب أبي حنيفة، القادرين على استخراج الأحكام من الأدلة المذكورة على حسب القواعد التي قررها أستاذهم، فإنَّهم وإن خالفوه في بعض أحكام الفروع، لكنهم يقلدونه في قواعد الأصول.
الطبقة الثالثة: طبقةُ المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن المذهب، كالخصَّافوأبي جعفر
الطحاوي، وأبي الحسن الكرخي
وشمس الأئمة الحلواني، وشمس الأئمة السرخسي، وفخر الإسلام البزدوي، وفخر الدين قاضي خان، وغيرهم، فإنَّهم لا يقدرون على مخالفة الإمام، لا في الأصول، ولا في الفروع، لكنهم يستنبطون الأحكام من المسائل التي لا نصَّ فيها عنه على حسب أصول قررها، ومقتضى
قواعد بسطها.
الطبقة الرابعة: طبقه أصحاب التَّخريج من المقلدين: كالرازيوأضرابه، فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلاً، لكنهم لإحاطتهم بالأصول، وضبطهم للمآخذ، يقدرُونَ على تفصيل قول مجمل ذي وجهين، وحكم محتمل لأمرين، منقول عن صاحب المذهب، أو عن أحدٍ من أصحابه المجتهدين برأيهم ونظرهم في الأصول، والمقايسة على أمثاله ونظائره من الفروع وما وقع في بعض المواضع من (الهداية) من قوله: كذا في تخريج الكرخي وتخريج الرازي من هذا القبيل.
• الطبقة الخامسة: طبقةُ أصحاب الترجيح من المقلدين، كأبي الحسين القدوري، وصاحب (الهداية) وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض آخر بقولهم: هذا أولى»، وهذا أصح رواية»، وهذا أوضح»، و «هذا أوفقُ بالقياس»، و «هذا أرفق للناس».
الطبقة السادسة: طبقة المقلّدين القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف، وظاهر الرواية، وظاهر المذهب، والرواية النادرة، كأصحاب المتون المعتبرة كصاحب (الكنز)، وصاحب (المختار)، وصاحب (الوقاية)، وصاحب المجمعوشأنهم أن لا ينقلوا في كتبهم الأقوال المردودة والروايات الضعيفة.
الطبقة السابعة: طبقةُ المقلدين الذين لا يقدرون على ما ذكر، ولا يُفرقون بين الغَثّ والسمين ولا يميزون الشمال. من اليمين، بل يجمعون ما يجدون كحاطب ليل؛ فالويلُ لِمَنْ قلدهم كل الويل».
هذه عبارة ابن كمال باشا كما نقلها ابن عابدين رحمه الله تعالى في (شرح عقود رسم المفتي عن بعض رسائله وذكر ذلك الطَّحطاويرحمه الله تعالى أنه ذكر في رسالة (وقف البنات).
وقد أخذ منه كثير من العلماء المتأخرين، فذكروا طبقات الفقهاء على ما ذكره ابن كمال باشا رحمه الله تعالى دون نقد أو تثبت، ولكن انتقده جمع من العلماء الراسخين الذين جاؤوا بعده، لأنَّ في كلامه ملاحظات من وجوه شتّى:
الملاحظة الأولى في تقسم ابن كمال باشا رحمه الله تعالى: أنه عد الإمام أبا يوسف ومحمد بن الحسن
الشيباني رحمهما الله تعالى من المجتهدين في المذهب، الذين يُقلّدون إمامهم في الأصول. وقد شدَّدَ في الرَّد على ذلك العلامة شهاب الدين المَرْجَانِيُّ رحمه الله تعالى في كتابه (ناظورة الحق)، ومولانا الشيخ عبد الحي اللكنويرحمه الله تعالى في مقدمة (الجامع الصغير) وفي (عُمدة الرعاية)، بأن مخالفتهما للإمام أبي حنيفة في الأصول غير قليلة، حتى قال الإمام الغزاليرحمه الله تعالى في كتابه (المنخول): إنّهما خالفا أبا حنيفة في ثُلثي مذهبه.
وكذلك حقَّق العلامة المرجاني رحمه الله تعالى، وقال في الصاحبين الله تعالى: «وحالُهُم في الفقه، وإن لم يكن أرفع من مالك والشافعي، فليسوا بدونهما، وقد اشتهر في أفواه الموافق والمخالف، وجرى مجرى الأمثال قولهم: «أبو حنيفة أبو يوسف» بمعنى أنَّ البالغ إلى الدرجة القصوى في الفقاهة أبو يوسف».
ونقل النووي في تهذيب الأسماء عن أبي المعالي الجُوَيْني: «أَنَّكل ما اختاره المُزَنِيُّأرى أنَّه تخريج ملحَقِّ بالمذهب، لا كأبي يوسف ومحمد، فإنهما يخالفان أصول صاحبهما.
ومن ثُمَّ قال الإمام اللكنوي رحمه الله تعالى: «فالحق أن يُقالَ: إنَّهما مجتهدان مستقلان، وقد بلغا مرتبة الاجتهاد المطلقِ، إِلَّا أَنَّهما لِحُسنِ تعظيمهما لأستاذهما، وفرّط إجلالِهما له أصلا أصله، وتوجها إلى نقل مذهبه، وانتسبا إليه.
فكأنه جعلهما من المجتهدين المنتسبين دون المجتهدين في المذهب؛ وإن المجتهد المنتسب قسم مستقل من الفقهاء لم يذكره ابن كمال باشا رحمه الله تعالى، وذكره كثيرون ممن ذكروا طبقات الفقهاء، ولكنهم اختلفوا في مصداقه على ثلاثة أقوال:
أحدها: ما ذكره الشيخ اللّكنوي رحمه الله تعالى من أن المجتهد المنتسب مجتهد مطلق في الحقيقة ولا يُقلّد أحداً لا في الأصول ولا في الفروع، ولكنه ينسب نفسه إلى أستاذه إجلالاً له وتعظيماً.
والثاني: ما ذكره الإمام النووي عن ابن الصلاح رحمهما الله تعالى من أن المجتهد المنتسب مجتهد مطلق، ولكنّه يُنسَبُ إلى المجتهد المستقل لسلوكه طريقه في الاجتهاد، وحكى عن أبي إسحاقالإسفرايينيقال: إنهم صاروا إلى مذهب الشافعي لا تقليداً له، بل لما وجدوا طرقه في الاجتهاد والقياس أسدَّ الطُّرُقِ، ولم يكن لهم بد من الاجتهاد؛ سلكوا طريقه، فطلبوا معرفة الأحكام بطريق الشافعي.
وذكر أبو علي السِّنجِيُّ نحو هذا فقال: اتَّبعنا الشافعي دون غيره، لأنَّا وجدنا قوله أرجح الأقوال وأعدلها، لا أننا قلدناه.
فالحاصل أن المجتهد المنتسب إنّما يُنسَبُ إلى مجتهد مستقل، لأنَّ اجتهاده وافق اجتهاد من انتسب إليه في معظم المسائل، لا أنه قلده في الأصول أو الفروع. وهو الذي اختاره ابنُ الصلاحوالسيوط يرحمهما الله تعالى.
وزاد السيوطي: فبين المستقل والمطلق عموم وخصوص، فكلُّ مستقل مطلق، وليس كل مطلق مستقلاً.
والقول الثالث ما ذكره الشيخ عبد الوهاب الشعرانيرحمه الله تعالى؛ حيث قال: وجميعُ من ادعى الاجتهاد المطلق (يعني في العصور المتأخرة عن الأئمة المتبوعين) إنَّما مراده المطلق المنتسب، الذي لا يخرجُ عن قواعد إمامه، كابن القاسم وأصبغ مع مالك، وكمحمد وأبي يوسف مع أبي حنيفة، وكالمُزَنيِّ والرَّبيعمع الشافعي.
وهذا الكلام يشعِرُ بأنَّ الشيخ الشعراني رحمه الله تعالى جعل المجتهد المنتسب مقلداً لإمامه في الأصول، وحاله كحال المجتهد في المذهب فيما ذكره ابن كمال باشا، ولكنَّ الشّعراني رحمه الله تعالى جعله مجتهداً مطلقاً، فلعل مراده ما ذكره الشَّيخ ولي الله الدهلوي رحمه الله تعالى في (الإنصاف) أن المجتهد المنتسب قسم بين المجتهد المطلق والمجتهد في المذهب.
قال رحمه الله تعالى: ثم اعلم أن هذا المجتهد (يعني المجتهد المطلق) قد يكون مستقلاً، وقد يكون منتسباً إلى المستقل. والمستقل من امتاز عن سائر المجتهدين بثلاث خصال كما ترى ذلك في الشافعي ظاهراً):
أحدها: أن يتصرّف في الأصول والقواعد التي يستنبط منها الفقه، كما ذكر ذلك في أوائل (الأم).
وثانيها: أن يجمع الأحاديث والآثار، فيُحصل أحكامها، وينبة لأخذ الفقه منها، ويجمع مُخْتَلَفَها، ويُرجُحَ بعضها على بعض، ويُعين بعض محتملها.
وثالثها: أن يُفرِّعَ التَّفاريعَ الَّتي تَرِد عليه مما لم يُسبق في الجواب فيه من القرون المشهود لها بالخير.
وخصلة رابعة تتلوها: وهي أن ينزل له القبولُ من السَّماء.
والمجتهد المطلق المنتسِبُ: هو المقتدي المسلم في الخصلة الأولى، الجاري مجراه في الخصلة الثانية.
والمجتهد في المذهب: هو الذي مسلّم منه الأولى والثانية، وجرى مجراه في التفريع على منهاج تفاريعه.
والذي يظهر من كلام الشيخ الدهلوي رحمه الله تعالى أنَّ المجتهد المنتسب يُقلّد من انتسب إليه في
أوجه الاستنباط الأساسية، مثل: حُجية المرسل، وعدمها، والترجيح على أساس صحة الإسناد، أو على أساس فقه الرواة، وما إلى ذلك من الأصول التي ثبتت عن المجتهدين بصراحة، وإن كان يُخالف إمامه في بعض الأصول المذكورة في كتب الأصول، مثل: الجمع بين الحقيقة والمجاز، أو أنَّ المجاز خَلَفٌ عن الحقيقة في التكلم أو في الحكم.
ومعظم هذه الأصول لم تثبت عن الفقهاء صراحةً، وإنما استنبطها الأصوليون من الفروع المروية عنهم، والذي خالف فيه الصاحبانِ أبا حنيفة رحمهم الله تعالى هو مثل هذه المسائل الأصولية التي قد يُخالِفُ فيها المجتهد المنتسب إمامه. أما المجتهد في المذهب، فلا يخالفه في شيء من الأصول، بل يُفرّعُ المسائل على قواعد إمامه.
ومن هنا تَظْهَرُ وَجَاهةً ما قاله العلامة المرجاني والشيخ اللكنوي رحمهما الله تعالى مِنْ أنَّه لا يصح كونُ الإمام أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى من المجتهدين في المذهب، وإنما كلُّ واحدٍ منهما مجتهد مطلق منتسب إلى أبي حنيفة رحمهم الله تعالى. والظَّاهِرُ أنَّ الإمام زفر كذلك، والله أعلم.
فأما المجتهد في المذهب، كما عرفه ابن كمال باشا، فيمكن أن يُعد منه أمثال الإمام أبي جعفر الطحاوي، والشَّيخ ابن الهمامصاحب (فتح القدير)، والإمام أبي الحسن الكرخي رحمهم الله تعالى من الحنفية، والإمام أبي إسحاق المَرْوَزِيّ، والغزالي من الشافعية، والقاضي أبي بكر ابن العربيوابن عبد البر من المالكية وابن عبد الهادي وابن رجب من الحنابلة، فإنَّهم قد يُخالفون إمامهم في بعض الفروع، ولكنهم يقلدونه في الأصول.
الملاحظة الثَّانية: أنَّ بعض هذه الطبقات أقسام متباينة، مثل: المجتهد المطلق، والمجتهد في المذهب، وبعضُها ليست أقساماً متباينة، فيمكن أن تجتمع في شخص واحد، مثل: المجتهدين في المسائل» و «أصحاب التخريج» و «أصحاب الترجيح».
والذي يظهر لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه أنَّ هذه الأقسام للوظائف لا للأشخاص، والمراد أن وظائف الفقهاء تنقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة، ولا يلزم من ذلك أن لا يكونَ الرجلُ الواحد يتولى جميع هذه الوظائف، أو بعضها في وقت واحد، وهذا كما أنَّ العلماء ينقسمون إلى مفسر ومحدث وفقيه ومتكلم، ولكن ربَّما يقعُ أنَّ الرجل الواحد تصدق عليه جميع هذه الألقاب، فهو من حيثُ اشتغاله بالقرآن مفسر، ومن حيث اشتغاله بالحديث محدث، ومن حيث اشتغاله بالفقه فقيه؛ فكذلك يجوز أن يكونَ الرَّجلُ الواحد مجتهداً في المسائل، وأهلاً للتَّخريج والترجيح في وقت واحد.
ولذا ذكروا أبا جعفر الطحاوي من أهل الاجتهاد في المسائل، ثم عده بعضهم من أصحاب التخريج ويظهر لي أنه من المجتهدين في المذهب، كما يتضحُ من واقعته مع القاضي أبي عبيد ابن حربويه من حكيناها في مبحث التقليد.
الشافعية التي
وكذلك ذُكِرَ العلامةُ النَّسَفِيُّ رحمه الله تعالى حسب التقسيم المذكور من الطبقة السادسة الذين هم أصحابُ التّمييز، مع أن كثيراً من الفقهاء الحنفية جعلوه من المجتهدين في المذهب، حتّى قيل: لم يوجد مجتهد في المذهب بعد العلامةِ النَّسفي، كما ذكره بحر العلوم رحمه الله تعالى في (شرح التحرير) و (شرح مسلم الثبوت). ورجّح المرجاني رحمه الله تعالى أنَّ كلَّ هؤلاء مجتهدون في المذهب.
الملاحظة الثالثة: قال الإمام اللكنوي رحمه الله تعالى بعدما سَرَدَ كلام ابن كمال باشا، وذكر أن كثيراً ممَّن جاء بعده قلده في هذه التقسيمات أن في إدراج الفقهاء المذكورين تحت أقسام مختلفة نظراً من وجوه شتّى، فقال:
منها: أن قولهم في الخصَّاف والطحاوي: (إنَّهم لا يقدرون على مخالفة إمامهم، لا في الأصول ولا في الفروع) يردُّه النظر في أحوالهم المذكورة في طبقات الحنفية، وأقوالهم وآرائهم المأثورة في الكتب الفرعية والأصلية.
ومنها: أنَّ عدهم أبا بكر الرازي الجصاص من الذين لا يقدرون على الاجتهاد مطلقاً بعيد جداً، مع عدهم شمس الأئمة الحَلْوَانِيُّ والسَّرَخْسِيَّ والبزدوي وقاضي خان في المجتهدين في المذهب العله يريد المجتهدين شأناً، وأوسع في المسائل) مع أن الرازي أقدمُ منهم زماناً، وأعلى منهم: منهم علماً، وأدق منهم سراً. ومنها: أن شانَ القُدوري أَجَلُّ من قاضي خان، وصاحب (الهداية) إن لم يكن أجل منه فليس بأدنى منه، فَجَعْلُ قاضي خان في مرتبة ثالثة، وحظ القدوري وصاحب (الهداية) عنها ليس مما ينبغي.
وبمثله اعترض العلامة المرجاني رحمه الله تعالى، وزاد: «ولكن لما كان الغالب على فقهاء العراق السَّذاجة في الألقاب، وعدم التلون في العنوانات، والغضاضةً في الجَرْي على منهاج السلف في التجافي عن الألقاب الهائلة والأوصاف الحافلة، والتّحاشي عن الترفع، وتنويه النَّفس، وإعجاب الحال تديناً وتصلباً وتورُّعاً وتأدباً، كما كان الغالب عليهم الخمولة والاجتناب عن ولاية القضاء وتناول الأعمال السلطانية .... فكانوا يذهبون مذهبهم في الاكتفاء بالتمييز عن غيرهم بأسماء ساذجة يبتذلها العامة، ويمتهنها السُّوقة من الانتساب إلى الصناعة أو القبيلة أو القرية أو المحلة، أو نحو ذلك، كالخصَّاف
والجصاص، والقُدوري والثلجي، والطحاوي، والكرخي، والصَّيْمَري، فجاء المتأخرون منهم على
منهاجهم في الاكتفاء بها، وعدم الزيادة عليها في الحكاية عنهم.
وأما الغالب على أهل خُراسان ولاسيما ما وراء النهر في القرون الوسطى والمتأخرة، فهو المغالاة في التّرفع على غيرهم، وإعجاب حالهم ... فلقبوا بالألقاب النّبيلة، ووُصفوا بالأوصاف الجليلة، مثل: شمس الأئمة، وفخرِ الإسلام وصدر الشريعة واستمر الحال في أخلافهم على ذلك المنوال ... فإذا ذكروا واحداً من أنفسهم بالغوا في وصفه وقالوا: الشيخ الإمام الأجل الزاهد الفقيه ونحو ذلك، [و] إذا نقلوا كلاماً عن غيرهم فلا يزيدون على مثل قولهم: قال الكرخي، والجصاص، وربَّما يقتدي بهم من عداهم ممَّن يتلقَّى منهم الكلام، فيظُنُّ الجاهِلُ بأحوال الرجال، ومراتبهم في الكمال، وطبقات العلماء، ودرجات الفقهاء، ظَنَّسَوْءٍ، فيأخذ في الاستدلال بنباهة الأوصاف على نباهة الموصوف، فيحمله
ذلك على الإنكار بما عداهم واستخفاف رجال الله سواهم.
وقد كان ابن الكمال على ولاية عمل الإفتاء من جهة الدولة، فأحوجه ذلك إلى مراجعة كتب الفتاوى والإكثار من مطالعة ما فيها في تحصيل أربه، والتخلص من كُرَبه، ووقع نظره فيما سار به أهل ما وراء النهر من رفع أنفسهم والوضع من غيرهم، فانتزع إليهم)
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: إن كان التقسيم الذي ذكره ابن كمال باشا للوظائف، لاللأشخاص كما قدَّمنا، فرُبَّما يرتفعُ الإشكال الذي ذكره الإمامان اللكنوي والمرجاني رحمهما الله تعالى، حيثُ إِنَّ كونَ القُدوري وصاحب (الهداية) من أصحاب الترجيح لا يُنافي كونهما من المجتهدين في المسائل، وإن سبب ذكرهما في عداد أصحاب الترجيح راجع إلى ما كثر في كتبهما من ترجيح بعض روايات المذهب على بعض، وليس معنى ذلك أنهما غير قادرين على الاجتهاد في المسائل. والله سبحانه أعلم.
الملاحظة الرابعة: أنَّ ما ذكره ابن كمال باشا رحمه الله تعالى في الطبقة السابعة، إنَّما يُريدُ به مؤلّفي الكتب التي لا اعتماد عليها في الفتوى، مثل: (القنية)، والقُهستاني، وغيرها، مما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى، ولذلك قال: «ويل لمن قلدهم كل الويل».
وقد ذكر ابن عابدين رحمه الله تعالى أنَّ أصحاب الطبقة الثالثة والرابعة والخامسة من الطبقات السبعة التي ذكرها ابن كمال باشا (يعني: المجتهدين في المسائل وأصحاب التخريج وأصحاب الترجيح) داخلون في معنى المجتهد في المذهب.
ثم قال رحمه الله تعالى: وإِنَّ مَنْ عداهم يكتفي بالنقل، فإنَّ علينا اتباع ما نقلوه لنا عنهم من
استنباطاتهم غير المنصوصة عن المتقدمين، ومن ترجيحاتهم، ولو كانت لغير قول الإمام ... لأنَّهم لم يُرجحوا ما رجّحوه جُزافاً، وإِنَّما رجحوا بعد اطلاعهم على المآخذ، كما شهدت مصنفاتهم بذلك، خلافاً لما قاله في (البحر)».
المبحث الثاني طبقات فقهاء الشَّافعيّة
كما قسم الحنفية فقهاءهم على أقسام سبعة مذكورة فيما سبق، قسم الشَّافعيَّةُ فقهاءَهم على خمس طبقات فصلها الحافظ ابن الصلاح رحمه الله تعالى.
• فالطبقة الأولى: هي طبقة المجتهد المطلق المستقل: وقد عرفه ابنُالصلاح رحمه الله تعالى بقوله: «هو الذي يستقل بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشَّرعيَّة من غير تقليد وتقيد بمذهب أحد».
وقوله: «الَّذي يستقل» خرج به المجتهد المنتسب.
والطبقة الثانية: المجتهد المطلق المنتسب: وهو الذي سبق بيانه من عبارة (شرح المهذب للإمام النووي، المنقولة عن أبي إسحاق الإِسْفَرَابِيْنِي رحمهما الله تعالى، من أنَّه إنَّما انتسب إلى الشَّافعي رحمه الله تعالى؛ لأنَّه سَلَكَ مَسْلَكَه في الاجتهاد، فوافق اجتهاده اجتهاد الشافعي رحمه الله تعالى، لا أنَّه قلده.
ويندرج فيه أمثالُ المُزَنِيِّ وأبي ثور وابن المنذر رحمهم مقدمة (المجموع شرح المهذب)
ولكن قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: قلتُ: دعوى انتفاء التقليد مطلقاً من كل وجه لا يستقيم، إلا أن يكونوا قد أحاطوا بعلوم الاجتهاد المطلق، وفازوا برتبة المجتهدين المستقلين، وذلك لا يُلائِمُ المعلوم من أحوالهم أو أحوال أكثرهم.
ولعل مثل هذا التّقليد في بعض المسائِلَ لا يُنافي كونَ الرَّجل مجتهداً مطلقاً، كما أسفلنا عن ابن القيم رحمه الله تعالى.
وقال ابن الصلاح رحمه الله تعالى بعد بيان هذا القسم: فتوى المنتسبين في هذه الحالة في حكم فتوى المجتهد المستقل المطلق، يُعمل بها، ويُعتد بها في الإجماع والخلاف».
الطبقة الثالثة: المجتهد المقيَّد: وهو الذي يستقل بتقرير مذهب إمامه بالدَّليل، غير أنَّه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده.
قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: ومن شأنه أن يكون عالماً بالفقه، خبيراً بأصول الفقه، عارفاً بأدلة الأحكام تفصيلاً، بصيراً بمسالك الأقيسة والمعاني، تام الارتياض في التخريج والاستنباط، قيماً بإلحاق ما ليس بمنصوص. عليه في مذهب إمامه بأصول مذهبه وقواعده، ولا يعرى عن شوب من التقليد له
لإخلاله ببعض العلوم والأدوات المعتبرة في المستقل، مثل: أن يُخلَّ بعلم الحديث، أو بعلم اللغة العربية - وكثيراً ما وقع الإخلال بهذين العلمين في أهل الاجتهاد المقيد - ويتَّخِذَ نصوص إمامه أصولاً يستنبط منها نحو ما يفعله المستقل بنصوص الشارع، وربَّما مر به الحكم ـ وقد ذكره إمامه بدليله - فيكتفي بذلك، ولا يبحث هل لذلك الدليل من معارض؟ ولا يستوفي النظر في شروطه كما يفعله المستقل، وهذه صفة أصحاب الوجوه والطُّرُقَ في المذهب، وعلى هذه الصفة كان أئمة أصحابنا أو أكثرهم».
ثم ذكر رحمه الله تعالى فوائد مُهمَّةٌ بالنسبة إلى هذا القسم: -
منها: أنه قد يُوجَدُ من المجتهد المقيَّد الاستقلال بالاجتهاد والفتوى في مسألة خاصة، أو باب خاص، كما تقدم في النوع الذي قبله. ومنها: ان ا مثل هذا المجتهد المقيَّدَ مِنْ وظائفه التخريج على مذهب إمامه.
والتخريج له معنيان:
الأول: أن لا يكون في مسألةٍ نص من إمامه، فيُخرجُ حكمها على وِفْقِ أصوله، بأن يجد دليلاً من جنس ما يحتج به إمامه، وعلى شرطه، فيفتي بموجبه. وفي هذه الحالة قد يكون تخريجه مخالفاً لتخريج غيره من بعض الأصحاب، وحينئذٍ يُسمَّى كلُّ واحد من التَّخريجين وجهاً في الاصطلاح، وهؤلاء هم أصحابُ الوجوه.
والمعنى الثَّاني من التَّخريج: أن يوجد من الإمام نصان مختلفان في صورتين مختلفتين، وكلاهما يمكن أن يُخرَّجَ منه الحكم في الصورة المطلوبة، فيختار هذا المجتهد أحد النصَّين للتخريج على أساسه، فهذا القولُ يُسمّى «مُخرَّجاً».
وشرط التخريج المذكور عند اختلاف النَّصَّين ألا يجد بين المسألتين فارقاً، ولا حاجة في مثل ذلك إلى علةٍ جامعة، وهو من قبيل إلحاق الأمة بالعبد في قوله: مَنْ أعتقَ شِرْكاً له في عبد؛ قوم عليه قيمةَ عَدْلٍ، فأعطى شركاءه حصصهم، وعُتِق عليه».
ومهما أمكنه الفرقُ بين المسألتين لم يجز له على الأصح التخريج، ولزمه تقريرُ النصَّين على ظاهرهما، معتمداً على الفارق، وكثيراً ما يختلفون القول بالتخريج في مثل ذلك لاختلافهم في إمكان الفرق.
ومنها: أنَّه إن أفتى مثل هذا المجتهد في مسألة غير منصوصة من إمامه، ولكن خرج المسألة حسب ما ذكرناه فهل العامل بفتياه يُعتبرُ مقلداً لإمامه، أم مقلداً لهذا المجتهد المقيد؟.
فاختار إمام الحرمين الجُوَيْني وابن الصلاح رحمهما الله تعالى أنَّه يُعتبرُ مُقلّداً لإمامه، لأنَّ القولَ
مُخرَّج على أصوله.
وخالفهم الشيخ أبو إسحاق الشيرازيرحمه الله تعالى، وقال: إنَّه لا يجوز أن تنسب تلك المسألة إلى الشافعي رحمه الله تعالى.
الطبقة الرابعة: أن لا يبلُغَ رتبة أئمة المذاهب أصحاب الوجوه والطرق، غير أنَّه فقيه النَّفس، حافظ لمذهب إمامه، عارف بأدلته، قائم بتقريرها وبنصرته، يصوِّرُ، ويجرِّدُ، ويمهد ويقررُ، ويوازن، ويرجُحُ، لكنه قصر عن درجة أولئك إما لكونه لم يبلغ في حفظ المذهب مبلغهم، وإما لكونه لم يرتض في التخريج والاستنباط كارتياضهم، وإما لكونه غير متبحر في علم أصول الفقه، على أنَّه لا يخلو. مثله في ضمن ما يحفظ من أطراف من قواعد أصول الفقه، وإما لكونه الفقه ويعرفه من أدلته، عن مقصراً في غير ذلك من العلوم التي هي أدوات الاجتهاد الحاصل لأصحاب الوجوه والطرق.
وهذه صفة كثير من المتأخرين إلى أواخر المئة الرابعة من الهجرة، المصنفين الذين رتَّبوا المذهب وحرَّروه، وصنفوا فيه تصانيف بها معظم اشتغال الناس اليوم، ولم يلحقوا بأرباب الحالة الثانية في تخريج الوجوه، وتمهيد الطرق في المذهب.
وأما في فتاواهم فقد كانوا يتبسطون فيها كتبسط أولئك، أو قريباً منه، ويقيسون غير المنقول والمسطور على المنقول والمسطور في المذهب، غير مقتصرين في ذلك على القياس الجلي وقياس لا فارق» الذي هو نحو قياس الأمة على العبدِ في إعتاق الشَّريك، وقياس المرأة على الرَّجل في رجوع البائع إلى غير ماله عند تعذر الثّمن.
وفيهم من جُمِعَتْ، فتاواه، وأفردتُ بالتَّدوين، ولا يبلغ في إلحاقها بالمذهب مبلغ فتاوى أصحاب الوجوه، ولا يقوى كقوتها، والله أعلم.
الطبقة الخامسة: أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه في واضحات المسائل ومشكلاتها، غير أن عنده ضعفاً في تقرير أدلته، وتحرير أفيسته. فهذا يُعتمد نقله وفتواه به فيما يحكيه مِنْ مسطورات مذهبه مِنْ منصوصات إمامه، وتفريعات أصحابه المجتهدين في مذهبه وتخريجاتهم. وأما ما لا يجده منقولاً في مذهبه، فإن وجد في المنقول ما في معناه بحيث يُدرك من غير فضل فكرٍ وتأمل أنَّه لا فارق بينهما، كما في الأمة بالنسبة إلى العبد المنصوص عليه في إعتاق الشَّريك، جاز له إلحاقه به، والفتوى به.
وكذلك ما يعلم اندراجه تحت ضابط منقول ممهد في المذهب، وما لم يكن كذلك، فعليه الإمساك عن الفتيا فيه.
ومثل هذا يقعُ نادراً في مثل الفقيه المذكور؛ إذ يَبْعُد ـ كما ذكر الإمام أبو المعالي الجويني - أن تقعَ واقعةٌ لم يُنَصَّ على حكمها في المذهب، ولا هي في معنى شيء في المنصوص عليه فيه من غير فرق، ولا هي مندرجة تحت شيء من ضوابط المذهب المحررة فيه.
ثمَّ إنَّ هذا الفقية لا يكونُ إِلَّا فقية النفس، لأن تصوير المسائل على وجهها، ثم نقل أحكامها بعد استتمام تصويرها جليَّاتِها وخفيَّاتِها، لا يقوم به إلا فقيه النفس، ذو حظ من الفقه.
قلت: وينبغي أن يكتفي في حفظ المذهب في هذه الحالة، الحالة وفي التي قبلها بأن يكونَ المُعْظَمُ على ذهنه لدربته، متمكناً من الوقوف على الباقي بالمطالعة، أو ما يلتحق بها على القُرب».
ثمَّ قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: «وهذه أصناف المفتين خمسةٌ، وما مِنْ صِنْفٍ منها إِلَّا ويُشتَرَط فيه حفظ وشروطهم، وهي المذهب وفقه النفس. وذلك فيما عدا الصنف الأخير الذي هو أخشها.
فمَن انتصب في منصب الفتيا، وتصدَّى لها وليس على صفة واحدٍ من هذه الأصنافِ الخمسة، فقد باء بأمر عظيم؛ {أَلَا يَظُنُّ أُولَيْكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ) ليوم عظيم} [المطففين].
ومن أراد التصدي للفتيا ظانّاً كونه من أهلها فليتهم نفسه، وليتَّقِ الله ربَّه تبارك وتعالى، ولا يُخْدعَنَّ عن الأخذ بالوثيقة لنفسه والنظر لها.
ولقد قطع الإمام أبو المعالي وغيره بأنَّ الأصولي الماهر المتصرف في الفقه لا يحلُّ له الفتوى بمجرد ذلك، ولو وقعت له في نفسه واقعةً لزمه أن يستفتي غيره فيها، ويلتحق به المتصرف النظار البحاث في الفقه أئمة من الخلاف وفحول المناظرين. وهذا لأنَّه ليس أهلاً لإدراك حكم الواقعة استقلالاً، لقصور، آلته، ولا من مذهب إمام متقدم لعدم حفظه له، وعدم اطلاعه عليه على الوجه المعتبر» والله أعلم.
وهذه الطبقات التي ذكرها ابن كمال باشا من الحنفية والحافظ ابن الصَّلاح رحمهما الله تعالى من الشَّافعيّة يُوجَدُ نحوها عند المالكية والحنابلة أيضاً، وإن لم أجد منهم التّصريحَ بهذه الأسماء
المبحث الثالث
طبقات مسائل الحنفية
اعلم أنَّ الحنفية كما قسَّموا الفقهاء على طبقات، كذلك قسموا المسائل على درجات ليختار المفتي عندَ التَّعارض ما هو من الدرجة العليا، ولا يرجح عليه ما هو مرجوح.
وقد ذكر العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى في (شرح عقود رسم المفتي)، وفي شرح مقدّمة (الدر المختار): أنَّ مسائل أصحابنا الحنفية على ثلاث طبقات:
الأولى: مسائل الأصول:
وتُسَمَّى ظاهر الرّواية أيضاً، وهي مسائل مرويَّةٌ عن أصحاب المذهب، وهم أبو حنيفة، وأبو يوسف ومحمد، ويقال لهم: العلماء الثلاثة، ويلحق بهم زفر والحسن بن زيادوغيرهما رحمهم الله تعالى جميعاً، ممن أخذ الفقه عن الإمام أبي حنيفة.
لكن الغالب الشائع في ظاهر الرّواية أن يكون قول الثلاثة، أو قول بعضهم. ثم هذه المسائلُ الَّتي تُسمَّى: (ظاهر الرواية) أو (الأصول) هي ما وُجد في كتب الإمام محمد التي هي: (المبسوط)، و (الزيادات)، و (الجامع الصغير)، و (السير الصَّغير)، و (الجامع الكبير)، و (السير الكبير)، وإنما سُمِّيت ظاهر الرواية، لأنَّها رويت عن. محمد برواية النقات فهي ثابتة عنه، إما بالتَّواتر، أو بالاستفاضة.
الثانية: مسائل النوادر
وهي المروية عن أصحابنا المذكورين، لكن لا في الكتب المذكورة، بل إما في كُتب أُخَر لمحمد، كـ (الكَيْسَانيَّات)، و (الهارونيات)، و (الجرجانيات)، و (الرُّقِّيَّات)، وإنّما قيل لها: غير ظاهر الرواية، لأنها لم ترو عن محمد بروايات ظاهرة ثابتة صحيحة كالكتب الأولى، وإما في كُتب غير الإمام محمد، ككتاب (المجرَّد للحسن بن زياد وغيرها، منها كتاب (الأمالي) لأبي يوسف، وإمَّا برواية مفردة كرواية ابن سَمَاعةوالمعلى بن منصوروغيرهما في مسائل معيَّنة.
• الثالثة: الفتاوى والواقعات
وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخّرون لمَّا سُئلوا عنها، ولم يجدوا فيها رواية عن أهل المذهب المتقدمين.
ونذكر فيما يلي ما ينبغي معرفته في كلِّ طبقةٍ من هذه الطبقات الثلاث:
الطبقة الأولى
مسائل الأصول أو ظاهر الرواية
الأكثرون من فقهاء الحنفيَّة على أنَّ مسائل الأصول وظاهر الرواية تعبيران لمعنى واحد ولا فرق بينهما، وذكر ابن كمال باشا في (شرح الهداية) أنَّ هناك فرقاً بينهما، والذي يظهر من الفرق في كلامه هو أنَّ مسائل الأصول: ما جاءت في الكتب السِّنّة للإمام محمد، وظاهر الرواية: ما ثبت أئمة المذهب برواية صحيحة، وأفتى بها المجتهدون بعدهم، سواء كانت الرواية عن غير الإمام محمد رحمه الله تعالى واستنتج من هذا أنَّ رواية (النَّوادر) قد تكونُ ظاهر الرواية، وبنى ذلك على عبارة من (مبسوط) السَّرَخْسِي،
حيث ذكر رواية الحسن بن زياد، وسماها ظاهر الرواية.
ولكن ردَّ عليه ابنُ عابدين رحمه الله تعالى بأنَّ كونَ الرِّواية مرويَّةً عن الحسن لا يُنافي كونَها في الكتب الستة لمحمد، فيمكن أن تكون سُمِّيتِ الرواية ظاهر الرّواية من هذه الجهة)
- (مبسوط) الإمام محمد رحمه الله تعالى:
أوَّلُ الكُتب الستة تأليفاً هو (المبسوط)، ويُسمَّى (الأصل) أيضاً،
وسُمِّي أصلاً لأنه صُنّف أوّلاً، ولأنَّه أهمها وأطولها، وأكثرها تفصيلاً، وهو أيضاً أصل الكتب الأخرى من ظاهرِ الرّواية.
وقال حاجي خليفة في (كشف الظنون): «وللإمام محمد الشيباني المتوفى سنة تسع وثمانين ومئةٍ (مبسوط) ألَّفه مفرداً، فأوَّلاً ألف مسائل الصَّلاة، وسماه (كتاب الصَّلاة، ومسائل البيوع، وسماه (كتاب البيوع)، وهكذا الأيمان والإكراه. ثمَّ جُمعت فصارت مبسوطاً، وهو المراد حيثما وقع في الكتب: قال محمد في كتاب فلان»
يعني حينما يقول الفقهاء في كتبهم: قال محمد في (كتاب المضاربة) أو في (كتاب المأذون مثلاً، فإنَّما يُريدون هذه الكتب من (المبسوط).
وروى الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى بسنده عن أبي علي الحسن بن داود قال: «فخرُ أهل البصرة بأربعة كُتب منها: كتاب البيان والتبيين) للجاحظ، وكتاب الحيوان له و كتاب سيبويه)، وكتاب الخليل (العين). ونحنُ (يعني: أهلَ (الكوفة نفتخِرُ بسبعة وعشرين ألف مسألة في الحلال والحرام عملها رجل من أهل الكوفة يُقال له: محمد بن الحسن، قياسية عقليَّةٌ لا يسعُ النَّاسَ جهلها».
وإليه أشار المزني رحمه الله تعالى حين سُئل عن الإمام محمد، فأجاب: «أكثرهم تفريعاً».
وقال الشيخ محمد زاهد الكوثريرحمه الله تعالى: «أكبر ما وصل إلينا من كتب محمد هو كتاب (الأصل) المعروف بـ (المبسوط)، وهو الذي يقال عنه: إنَّ الشافعي كان حَفِظه، وألف (الأم) على محاكاة (الأصل).
وأسلم حكيم من أهل الكتاب بسبب مطالعة (المبسوط) هذا قائلاً: هذا كتاب محمدكم الأصغر، فكيف كتاب محمدكم الأكبر؟!.
وهو في ستة مجلدات، وكلُّ مجلد منها نحو خمسمئة ورقة، يرويه جماعة من أصحابه؛ مثل: أبي سليمان الجَوْزَجَانِيِّ، ومحمَّد بن سَمَاعة التميمي، وأبي حفص الكبير البخاري.
وقد قدر الله سبحانه ذيوعاً عظيماً لهذا الكتاب، يحتوي على فروع تبلغ عشرات الألوف من المسائل في الحلال والحرام، لا يسعُ النَّاسَ جهلها، وهو الكتاب الذي كان أبو الحسن ابن داود يُفاخر به أهل البصرة.
وطريقته في الكتاب سَردُ الفروع على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف مع بيان رأيه في المسائل، ولا يسرُدُ الأدلة حيث تكون الأحاديث الدالة على المسائل بمتناول جمهور الفقهاء من أهل طبقته، وإنَّما يَسْرُدُها في
مسائل رُبَّما تعزب أدلتها عن علمهم؛ فلو جُرِّدت الآثار من هذا الكتاب الضخم، تكون في مجلد لطيف.
والنسخة المشهورة لهذا الكتاب هي من رواية أبي سليمان الجَوْزَجَاني رحمه الله تعالى، وكثير من مسائله جاءت جواباً على أسئلة أبي سليمان الجَوْزَجَانِيِّ، وكثير منها جاءت ابتداءً من الإمام محمد رحمهما الله تعالى. وذكر الإمام محمد رحمه الله تعالى في أوّل الكتاب منهجه في بيان مذاهب الأئمة الحنفيَّة الثَّلاثة فقال: «قد بيّنتُ لكم قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقولي. وما لم يكن فيه خلاف، فهو قولنا جميعاً».
وقد نشرها العلامة أبو الوفاء الأفغاني رحمه الله تعالى، والدكتور مجيد الخدوري بتحقيق النسخ المختلفة، وقد طبع مراراً، ولكنَّ القَدْر المطبوع من الكتاب ليس كاملاً، بل هو مشتمل على سنّة عشر كتاباً، بينما كتاب (الأصل) يحتوي على ثلاثة وخمسين كتاباً ذكرها ابن النديم في (الفهرست).
وقد تناول جماعةٌ من فقهاء الحنفية هذا الكتاب بالشرح، منهم: شيخ الإسلام أبو بكر المعروف بخُوَاهَرْ زَادَه، ويُسمى (مبسوط البكري)
ومنهم: شمس الأئمة الحَلْوَانِيُّ (المتوفَّى سنةأو هـ)، وحيثُ وقع في الخلاصة (نسخة شيخ الإسلام وغيره، فالمراد مبسوطاتهم
ـ الجامع الصغير
والذي يظهرُ أنَّ الكتابَ الَّذي صنّفه الإمام محمد رحمه الله تعالى بعد (المبسوط) هو (الجامع الصغير).
وذكر الإمام عبد الحي اللكنوي رحمه الله تعالى في مقدمة شرحه لهذا الكتاب عن شمس الأئمَّة السَّرَحْسيّ رحمه الله تعالى قال: «كان سبب تأليف محمد أنه لما فرغ من تأليف الكتب، طلب منه أبو يوسف أن يؤلف كتاباً يجمعُ فيه ما حَفِظَ عنه ممَّا رواه له عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى، فجمعه، ثمَّ عرضه عليه
، فقال: نِعِمَّا حفظ، إلَّا أنَّه أخطأ في ثلاث مسائل. فقال محمد: أنا ما أخطأتُ ولكنك نسيت الرواية.
وذكر عليّ القُمِّيُّ: أنَّ أبا يوسف مع جلالةِ قدرِهِ كان لا يُفارِقُ هذا الكتاب في حضر ولا في سفر.
وكان علي الرازي يقول: من فهم هذا الكتاب فهو أفهم أصحابنا، ومَنْ حفظه كان أحفظ أصحابنا، وإنَّ المتقدمين من مشايخنا كانوا لا يقلدون أحداً القضاء حتى يمتحنوه، إن حفظه قلدوه القضاء، وإلّا أمروه بحفظه.
وكان شيخنا الحَلْوَانِيُّ يقول: إنَّ أكثر مسائله مذكورة في (المبسوط)؛ وهذا لأنَّ مسائل هذا الكتاب تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسم: لا يوجد لها روايةٌ إلَّا هاهنا.
وقسم: يوجد ذكرها في الكتب، ولكن لم يُنصَّ فيها أنَّ الجواب قول أبي حنيفة أم غيره، وقد نصَّ هاهنا في جواب كلِّ فضل على قول أبي حنيفة.
وقسم أعاده هاهنا بلفظ آخر، واستفيد من تغيير اللفظ فائدة لم تكن: مستفادة باللفظ المذكور في الكتب.
ومراده بالقسم الثالث ما ذكره الفقيه أبو جعفر الهِنْدُوَانِيُّفي مصنف كشف الغوامض) انتهى.
ثم قال الإمام اللكنوي: قال قاضي خان في شرحه: اختلفوا في مصنف (الجامع الصغير) قال بعضهم: من تأليف أبي يوسف ومحمد، وقال بعضهم: هو من تأليف محمد، فإنه حين فرغ من تصنيف (المبسوط) أمره أبو يوسف أن يصنف كتاباً ويروي عنه، فصنف ولم يرتب. وإنما رتبه أبو عبد الله الحسن بن أحمد الزعفرانيالفقيه الحنفي انتهى.
وقال فخرُ الإسلام البزدوي في شرحه: «كان أبو يوسف يتوقع من محمد أن يروي كتباً عنه، فصنف هذا الكتاب وأسنده عن أبي يوسف عن أبي حنيفة. فلما عُرِضَ على أبي يوسف استحسنه، وقال: حفظ أبو عبد الله إلا في مسائل أخطأ في روايتها، فلما بلغ محمداً قال: حفظتها ونسي. وهي ست مسائل. واعتمد مشايخنا رواية محمد» انتهى.
وفي (غاية البيان شرح الهداية لأمير كاتب الإثقَانِي في باب الأذان: اذكر محمد في الجامع الصغير) أبا يوسف باسمه دون كنيته، حتَّى لا يكون وهمُ التّسوية في التَّعظيم بين الشيخين، لأنَّ الكنية للتعظيم، وكان محمد مأموراً من جهة أبي يوسف بأن يذكره باسمه، حيث يذكر أبا حنيفة. رحمهم الله تعالى. فَعَنْ هذا قال مشايخنا ببخارى: من الأدب أن لا يدعو بعض الطلبة بعضهم بلفظ (مولانا) عند أستاذهم،
احترازاً عن التّسوية في التعظيم بين الأستاذ والتلميذ». انتهى.
وفيه: «إنَّما سُمِّي (المبسوط) أصلاً؛ لأنَّه صنفه محمد أولاً، ثمَّ صنف (الجامع الصغير)، ثم (الجامع الكبير)، ثم (الزيادات)» انتهى.
وفي شرح شمس الأئمة السرخسي لـ (السير الكبير): «إن آخر تصانيفه هو (السير الكبير)، وقبله صنف (السير الصغير).
وقد خُدم هذا الكتابُ من قِبَلِ الفقهاء الحنفية من جهاتٍ شتّى شرحاً وتحشية وتلخيصاً.
ومن أشهر شروحه: شرحُ الإمام أبي جعفر الطحاوي (المتوفى سنة هـ)، وشرح الإمام أبي بكر الجصَّاص الرّازي (المتوفى سنة هـ)، وشرح الإمام أبي عمرو الطبري (المتوفى سنة هـ)، وشرح البلخي (المتوفى سنة هـ)، وشرح قاضي خان (المتوفى سنة هـ)، وشرح الصدر الشَّهيد (استشهد سنة هـ)، وشرح أبي نصر العتابي (المتوفى سنة هـ)، وشرح الفقيه أبي الليث السمرقندي (المتوفى سنةهـ)، وشرح فخر الإسلام البزدوي (المتوفى سنة ئهـ)، وشرح القاضي الإسْبِيْجابي (المتوفى سنة هـ)، وشرح أبي جعفر الهِنْدُوَانِي (المتوفى سنة هـ)، وشرح أبي الحسن الكرخي (المتوفى سنة هـ) رحمهم الله تعالى.
وقد استقصى الإمامُ اللكنوي رحمه الله تعالى جميع شروحه المعلومة مع ذكر تراجمِ الشُّرَّاحِ في مقدّمة شرحِهِ لـ (الجامع الصغير)، فجزاه الله تعالى خيراً.
- الجامع الكبير:
والَّذي يظهرُ أنَّ الجامع الكبير ألَّفه الإمام محمد رحمه الله تعالى بعد (الجامع الصغير)، وهو كتاب بديعُ، تَحَيَّرَ فطاحِلُ العلماءِ مِنْ دقَّتِه وتَغَلْغُله في التفريعات.
قال العلامة أكمل الدِّين البَابَرْنِيُّرحمه الله تعالى: «هو كاسمهلجلائل مسائل الفقه جامع كبير قد اشتمل على عُيونِ الرّوايات، ومتون الدرايات، بحيث كاد أن يكونَ مُعْجِزاً، ولتمام لطائف الفقه منجزاً، شهد بذلك بعد إنفاد العمر فيه واردوه، ولا يكادُ يُلم بشيء من ذلك عادوه. ولذلك امتدت أعناق ذوي التحقيق نحو تحقيقه، واشتدَّت رغباتهم في الاعتناء بحل لفظه وتطبيقه، وكتبوا له شروحاً، وجعلوه مبيناً مشروحاً.
=
وقال الإمام محمد بن شجاع الثَّلجيرحمه الله تعالى: «ما وُضِعَ في الإسلام كتاب في الفقه مثل جامع محمد بن الحسن الكبير».
وقال: «مَثَلُ محمد بن الحسن في الجامع الكبير) كرجل بنى داراً، فكان كلما علاها، بنى مرقاة يرقى منها إلى ما علاه من الدار، حتَّى استتم بناءها كذلك، ثم نزل عنها وهدم مراقيها، ثمَّ قال للناس: شأنكم فاضعدوا».
وقال الشيخ. محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى بعد أن نقل كلام الثلجي: والحق أنَّ هذا الكتاب آيةٌ في الإبداع، ينطوي على دقة بالغة في التفريع على قواعد اللغة وأصول الحساب، خلا ما يحتوي عليه من المُضي على دقائق أصول الشَّرع الأغرّ، فلعله ألفه ليكون محكّاً لتعرف نباهة الفقهاء، وتيقظهم في وجوه التفريع، يحار العقل في فهم وجوه تفريعه في ذلك إلى أن تُشْرح له، وهو كما قال ابن شجاع أولاً وآخراً، إلا أن مراقي الكتاب أعيدت إلى أبواب الكتاب، كما يظهر من شرحي الجمالِ الحَصِيرِيعلى (الجامع الكبير) حيث يقول في صدر كل باب من أبواب الكتاب: أصل الباب كذا وبُنِي الباب على كذا. فبذلك سهلت معرفة وجوه التفريع جداً.
وقال الإمام أبو بكر الرازي في شرح الجامع الكبير): «كنتُ أقرأ بعض مسائل من (الجامع الكبير) على بعض المبرزين في النحو (يعني أبا علي الفارسي)، فكان يتعجَّبُ مِنْ تغلغل واضع هذا الكتاب في النحو.
وكتب جمال الدين بنُ عُبيد الله من الموصل في المحرم سنة خمس عشرة وستمئة إلى القاضي شرف الدين بنِ عُنَيْن يقول فيه: كنتُ مُذْ زمن طويل تأملتُ (كتاب الجامع الكبير) لمحمد بن الحسن رحمه الله تعالى، وارتقم على خاطري منه شيءٌ، والكتاب في فنّه عجيب غريب، لم يصنف مثله.
وقال شمس الأئمة السِّرَخْسِيُّ رحمه الله تعالى: «مَنْ أراد امتحان المتبحرين في الفقه، فعليه بأيمان الجامع.
وروى (الجامع الكبير) جماعةٌ من أصحاب الإمام محمد، ومن أشهر رواة الكتاب أبو سليمان الجوْزَجَاني، وأبو حفص الكبير، وعلي بن معبد بن شداد، وهشام بن عبيد الله الرازي، ومحمد بن سماعة التميمي.
ولدقة مسائل الكتاب وصعوبة تخريجها، شرحه كثير من أئمة الفقهاء كالإمام أبي حازم عبد الحميد بن عبد العزيز (المتوفى سنة هـ)، والإمام علي بن موسى القُمِّي (المتوفى سنةهـ)، والإمام أحمد بن محمد الطلحاوي (المتوفى سنة (هـ)، وأبي عمرو. أحمد بن محمد الطبري (المتوفى سنة هـ، وأبي بكر أحمد بن علي الجصاص الرازي (المتوفى سنة هـ)، والفقيه أبي الليث نصر بن محمد السمرقندي (المتوفى سنة هـ)، ومحمد
بن علي الشهير بابن عَبْدَكَ الجُرْجَانِيِّ (المتوفى سنة هـ)، وشمس الأئمة عبد العزيز بن أحمد الحَلْوَاني (المتوفى سنةهـ)، وشمس الأئمة أبي بكر محمد بن أحمد السِّرَخْسِي (المتوفى سنة هـ)، وفخر الإسلام علي البزدوي (المتوفى سنة هـ)، والصدر الشهيد حسام الدين عمر بن عبد العزيز بن مازه البخاري (المتوفى شهيداً سنة هـ)، والإمام برهان الدين محمود بن أحمدصاحب (المحيط البرهاني) (المتوفى سنة هـ)، وعلاء الدين محمد بن عبد الحميد السمرقندي (المتوفى سنة هـ)، وأبي حامد أحمد بن. العتابي البخاري (المتوفى سنة هـ)، والحسن بن منصور الأَوْزْجَنْدِي (قاضي خان) (المتوفى سنة هـ)، وبرهان الدين علي بن أبي بكر عبد الجليل المَرْغِيْنَانِي (المتوفى سنة هـ)، وجمال الدين محمود بن أحمد الحَصِيرِي البخاري (المتوفى سنة هـ).
- الزيادات، وزيادات الزيادات:
كلاهما تكملة لـ (الجامع الكبير)، فقد قال الشيخ أبو الوفاء الأفغاني مقدمة (شرح زيادات الزّيادات ناقلاً عن قاضي خان رحمهما الله تعالى: «لأنه لما فرغ من تأليف (الجامع الكبير) تذكَّرَ فروعاً لم يذكرها فيه، فصنف كتاباً آخر ليذكُرَ فيه تلك الفروع، وسمَّاه الزيادات)، ثم تذكَّر فروعاً أُخرى، فصنف كتاباً آخر ليذكُرَ فيه تلك الفروع الأخرى، وسماه (زيادات الزيادات)، فقُطِع عن ذلك ولم يُتِمَّه. كذا قاله قاضي خان في شرحه».
وبما أنه تكملة لـ (الجامع الكبير، فإنَّ أسلوبه لا يختلف عن أسلوب (الجامع الكبير) في دقَّة المسائل، والتوسع في التَّفاريع على فرض وقوعها.
ورُوي أنَّ الإمام أبا يوسف لما فرَّع فروعاً دقيقةً في أحد مجالس إملائه قال: «يشقُ تفريع هذه المسائل على محمد بن الحسن».
ولما بلغه ذلك، ألَّف (الزيادات) لتكونَ حجَّةٌ على أنَّ أمثال تلك الفروع، وما هو أدقُّ منها لا يشُقُّ عليه تفريعُها.
وقد اعترض بعضُ النَّاس على هذا التغلغل في تفريع الجزئيات التي ربما تكون بعيدة عن الواقع.
ولكن وجهَهُ شمسُ الأئمَّة السِّرَخْسِيُّ رحمه الله تعالى بقوله:
«فإن قيل: لماذا أورد هذه المسائل مع تيقن كل عاقل بأنَّها لا تقع، ولا يُحتاج إليها؟.
قلنا: لا يتهيا للمرء أن يعلم ما يُحتاجُ إليه إلَّا بتعلم ما لا يُحتاج إليه، فيصير الكل من جملة ما يُحتاجُ إليه لهذا الطريق، وإنما يستعد للبلاء قبلنزوله.
وبما أن هذا الكتاب تكملةٌ، فإنَّه لم يستوعب جميع الأبواب الفقهية، ومعظم مسائله متعلق
بالمعاملات.
وقد شرح الكتاب جمع من العلماء، منهم: محمد بن سَمَاعة (المتوفى سنة هـ)، وأبو نصر العَتَّابِيُّ (المتوفى سنة هـ)، وبرهان الدين بن مازه (المتوفى سنة هـ)، وتاج الدين الكَرْدَرِيُّ (المتوفاهـ)، وأبو حفص سراج الدين الهندي (المتوفى سنة هـ)، وشمس الأئمة الحَلْوَانِيُّ (المتوفّى سنة هـ، وشمس الأئمة السِّرَخْسِيُّ (المتوفى سنة هـ)، وأبو عبد الله الجرجاني، وقاضي خان (المتوفى سنة هـ) رحمهم الله تعالى.
وكان الكتاب وشروحه عزيزة الوجود في مكتبات العالم، فقام ابن أختي الشيخ محمد قاسم أشرف بتحقيق (شرح الزيادات) لقاضي - رحمه الله تعالى بجهد مشكور، ونشر الشَّرحَ في ستة مجلدات بتعليقات فائقة وتدقيق النسخ وتصحيحها، وألف مقدّمة ضافية نافعة يتحدث فيها عن الإمام محمد وكتبه، وعن قاضي خان ومؤلفاته، وعن كتاب (الزيادات) ونُسخه، بما جعل هذا الكنز المخبوء بمتناول أهل العلم، فجزاه الله تعالى خيراً، وبارك في عمره وعلمه وعمله.
ومن مزايا هذا الكتاب أن قاضي خان رحمه الله تعالى يشرح في أوَّل كل باب الأصول التي بنى عليها الإمام محمد مسائل ذلك الباب، فيسهل بذلك للطلاب أمثالنا فهم المسائل ومآخذها. وقد جمع المحقق الشيخ محمد قاسم أشرف حفظه الله تعالى في آخرِ الكتاب القواعد والضوابط الفقهية التي تُستخلص من (شرح الزيادات).
ه - السير الصغير
هذا الكتاب موضوعه أحكامُ السِّير، ويُقال: إنَّه تلخيص ما ورد في كتاب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى في عِلْمِ السِّيرِ، الذي أملاه على تلامذته: الإمام أبي يوسف ومحمد بن الحسن، وزفر بن هذيل، وأسد عمرو بن والحسن بن زياد اللُّؤْلُوِيِّ، وحفص بن غياث النخعي، وعافية بن يزيد، وحماد ابنه، وأضرابه من الأئمة الكبار، فرَوَوا عنه الكتاب، وزادوا فيه، ورتبوه بترتيبات مختلفة، وهذَّبوه حتَّى نُسِبتُ هذه الترتيبات الجديدة كلها إلى أصحابها، ولم يصل إلينا إلَّا كتاب الإمام محمد رحمه الله تعالى باسم (السير الصغير)، وقد أخذه الإمام الحاكم الشهيد رحمه الله تعالى في كتابه (الكافي) بتمامه، وشرحه شمس الأئمة السَّرَخْسِيُّ رحمه الله تعالى في (المبسوط) حتَّى قال في آخر المجلد العاشر: «انتهى (شرحُ السير الصغير) المشتمل على معنى أثير بإملاء المتكلم بالحق المنير، المحصور لأجله شبه الأسير، المنتظر للفرج من العالم القدير.
وقد حقق هذا الكتاب الدكتور محمود أحمد غازي رحمه الله تعالى، ونشره على أساس عدة نُسخ
خطيَّة، وشرحه بالإنكليزية، وقدم له، فجزاه الله تعالى خيراً، وقد طبع في إدارة البحوث الإسلامية في إسلام آباد.
- السير الكبير
وهذا الكتاب آخرُ الكتب الستَّةِ تأليفاً، كما ذكره شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى في مقدّمة شرحه، وذكر سبب تأليفه أن كتاب (السير الصغير) وقع في يد الإمام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي رحمه الله تعالى عالم أهل الشَّام، فقال: لِمَن هذا الكتاب؟ فقيل: لمحمد العراقي، فقال: «وما لأهل العراقِ والتَّصنيف في هذا الباب؟ فإنَّه لا علم لهم بالسير، ومغازي رسول الله، وأصحابه كانت من جانب الشام والحجاز دون العراق، فإنّها مُحْدَثة الفتح». فبلغت مقالة الأوزاعي محمداً، فغاظه ذلك، وفرّغ نفسه حتى صنف هذا الكتاب.
وحكي: أنه لما نظر فيه الأوزاعي، قال: الولا ما ضمنه من الأحاديث، لقلتُ: إنَّه يضَعُ العلم من عند نفسه وإنَّ الله عيّن جهةً إصابة الجواب في رأيه، وصدق الله العظيم: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف:].
ثم أمر محمد رحمه الله تعالى أن يُكتب هذا الكتاب في ستين دفتراً، وأن يُحْمَلَ على عجَلةٍ إلى باب الخليفة. فقيل للخليفة: قد صنف محمد كتاباً يُحْمَلُ على العَجَلة إلى الباب. فأعجبه ذلك، وعده من مفاخر أيامه. فلما نظر فيه ازداد إعجابه به. ثمَّ بعثَ أولاده إلى مجلس محمد ر تعالى ليسمعوا منه هذا الكتاب وكان إسماعيل بن توبة القزويني مؤدب أولاد الخليفة، فكان يحضُرُ معهم ليُحفظهم كالرقيب، فسمع الكتاب. ثمَّ اتَّفَقَ أَنَّه لم يبق من الرُّواةِ إلَّا إسماعيل بن توبة، وأبو سليمانَ الجَوْزجَانِيُّ، فهُما رَوَيا عنه هذا الكتاب.
وإِنَّ السَّرَخْسِيَّ ذكر في مقدمته أنَّ الإمام محمداً لم يذكر في هذا الكتاب أبا يوسف رحمهم الله جميعاً، وحيثُ احتاج إلى ذكره في إسناد حديث قال: أخبرني الثّقة ثمَّ ذكر عِدَّةَ حكايات لاستحكام النفرةبينهما، ولكن أنكر شيخنا العلامة العُثماني التهانويرحمه الله تعالى قبول هذه الحكايات، ونسبها إلى الأعداء، أنَّهم: استخرجوا من اختلافهم الناشئ عن الاجتهاد الصحيح أباطيل مختلقة عليهم، ليضعوا مِنْ شأنهم بنقل الطعن عن بعضهم في بعض وكذا ما حكي من أسباب استحكام النفرة بينهما ـ كما في. مقدمة (المبسوط للسرخسي ـ باطل مختلق عليهم، فقد كان شأنهما أرفع وأَجَلَّ من أن تُنسب إليهما أمثال هذه الأباطيل. نعوذ بالله من شَرِّ مَنْ وضعها.
ولكن يبدو ممَّا ذكره السَّرَخْسِيُّ رحمه الله تعالى أنَّ الإمام محمداً لم يذكر الإمام أبا يوسف في هذا
الكتاب، وذلك يدلُّ على أنه كان بينهما شيء، وإن لم يكن ما ذكر في هذه الحكايات ممَّا لا يُتَصَوَّرُ من مسلم متدين، فضلاً. عن أمثال أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى، ويمكن لعدم ذكره سبب آخر، وهو ما ذكره ابن نجيمرحمه الله تعالى، قال: «كُلُّ تأليف لمحمد بن الحسن موصوف بـ (الصغير) فهو باتفاق الشيخين أبي يوسف ومحمد، بخلاف (الكبير)، فإنَّه لم يُعرض على أبي يوسف.
وبالجملة، فإنَّ كتاب (السير الكبير) من أقدم ما أُلف في القانون الدولي، وفي أحكام الحرب والسلم بهذا البسط والتفصيل في زمان لم يكن للعلاقات الدولية قانون مدوّن معترف به قبله.
فهذه الكتب السنة هي التي سُمِّيت ظاهر الرّواية)، ومن أجل كونها أصلاً في معرفة المذهب الحنفي، فإنَّ الإمام الحاكم الشهيد رحمه الله تعالى جمع مسائلها ملخصةً في كتابه (الكافي)، وهو الكتاب الذي شرحه شمس الأئمة السَّرَخْسِيِّ رحمه الله تعالى باسم (المبسوط) في ثلاثين مجلداً، وأصبح هو مأخذاً لمن جاء بعده.
قال العلامة الطَّرَسُوْسِيُّ: مبسوط) السَّرَخْسِي لا يُعْمَلُ بما يخالفه، ولا يُرْكَنُ إلَّا إليه، ولا يُفتى ولا يُعَوَّلُ إِلَّا عليه.
وهناك ثلاثةُ كتب أخرى للإمام محمد رحمه الله تعالى ذكر بعضُ المؤلّفين فيها أنَّها يُمْكِنُ إلحاقها بالقسم الأوّل، يعني بكتب ظاهر الرواية، لشهرتها وأهميتها، وهي (موطأ) الإمام محمد، وكتاب (الآثار)، وكتاب (الحُجَّة على أهل المدينة)، والظَّاهِرُ أنَّها وإن كانت بمثابة كُتب ظاهر الرواية في صحة نسبتها إلى الإمام محمد، واشتهارها فيما بين أهل العلم، ولكنها ليست موضوعةً لبيان المذهب وفروعه.
وإنَّما الأوّلان موضوعهما رواية الأحاديث والآثار، وما جاء فيهما من المسائل الفقهية فإنَّها جاءت تبعاً.
والكتاب الثالث موضوعُه الخلافيَّات.
أمَّا كُتب ظاهر الرواية، فإنَّها وُضعت لبيان المذهب أصلاً، فصارت المعتمدة لمعرفة المذهب الحنفي. ولعلَّ مِنْ أجل هذا لم يذكر فقهاء الحنفية هذه الكتب، لا في ظاهر الرواية، ولا في النوادر، لأنَّها ليست من النوادر، لشهرتها عن الإمام محمد وليست من ظاهر الرواية؛ لأنَّها لم توضع لبيان المذهب، ولكنَّ الظَّاهر أنَّ رتبتها فوق النوادر، ويؤخذ بما جاء فيها إلا ما عارض الكتب الستة، والله أعلم.
الطبقة الثانية
مسائل النوادر
الطبقة الثانية من مسائل الحنفية ما يسمَّى النَّوادر، وهي مسائل مرويَّةٌ أئمة المذهب، لكن لا في كتب ظاهر الرواية) بل في كتب أخرى.
وهي على قسمين:
• الأول: ما رُوي عن الإمام محمد رحمه الله تعالى، ولكن في كتب غيرِ كُتب (ظاهر الرّواية مثل: (الكيسانيَّات)، و (الهارونيات)، و (الجرجانيات)، و (الرَّقِّيَّات). وإنَّما قيل لها غير ظاهرِ الرواية، لأنها لم ترو عن الإمام محمد بروايات ظاهرة ثابتة صحيحة كالكُتب الأولى.
والقسم الثاني من النَّوادِرِ: ما رُوي في كتاب لغير الإمام محمد، مثل: كتاب (المجرد) للحسن بن زيادوغيرها، ومثل: (الأمالي) لأبي يوسف رحمه الله تعالى، ومن هذا القبيل روايات مفردةٌ رُوِيَت عن بعض أصحاب المذهب، مثل رواية ابن سماعة، ومعلى بن منصور وغيرهما في مسائل معينة.
وهذا مثل ما روى الحسن بن زياد رحمه الله تعالى عن الإمام أبي حنيفة من أنه يجوزُ الرَّمي قبل الزَّوال في اليوم الثاني عشر من ذي الحجة لمن أراد أن يتعجل إلى مكة، وكما روى عنه أبو عضمةأنَّه يُجيز أداء الزَّكاة إلى بني هاشم في هذا الزمان، وإن كان ممتنعاً في ذلك الزمان.
وعنه وعن أبي يوسف: أنَّه يجوز أن يَدْفَعَ بعض بني هاشم إلى بعض زكاتهم. وهذا خلاف ظاهرِ الرّواية أنه لا يجوز دفع الزكاة إليهم مطلقاً.
والأصل المعمول به عند فقهاء الحنفيَّة أنّهم يُفتون بظاهر الرواية، ولا يأخذون بالنوادر إن عارضت ظاهر الرواية إلا قليلاً.
ولكن ذكر الشَّيخ بدر عالم، والشَّيخ أحمد رضا البِجْنَوْرِيُّرحمهما الله تعالى عن شيخ مشايخنا الإمام أنور شاه الكشميري رحمه الله تعالى: أنَّه قال في (أماليه) على (صحيح البخاري): إنَّه يُختار من روايات الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى ما كان أقرب إلى الحديث سواء كان من الروايات النادرة أو غير المشهورة عنه.
وقال ابن عابدين رحمه الله تعالى ما كان من المسائل في الكتب التي رُوِيَتْ عن محمد بن الحسن روايةٌ يُفتى به، وإن لم يُصرحوا بتصحيحه، نعم! لو صححوا رواية أخرى من غير كتب ظاهر الرواية يُتَّبِعُ ما صححوه». ثم نقل ذلك عن الطَّرسُوسِيِّ رحمه الله تعالى.
ومما أفتوا به برواية (النَّوادر) مسألةُ ارتدادِ الزوجة، وكان الحكم على ظاهر الرواية أن تُجبَرَ على الإسلام، وعلى نكاح جديد بزوجها.
ورواية (النوادر) أنَّها تُسترقُ في دار الإسلام، وتكون فيئاً للمسلمين فيشتريها الزوج من الإمام، أو يصرفُها إليه لو كان مصرفاً. فأفتى كثير من المشايخ بهذه الرواية، وقالوا: من تصفّحَ أحوال نساء زماننا وما يقعُ منهنَّ من موجبات الردَّةِ مكرَّراً في كلِّ يوم، لم يتوقف في الإفتاء برواية (النوادر)».
ولكن ذكر والدي رحمه الله تعالى أنّه لا يُمكِنُ العمل اليوم بظاهر الرواية ولا برواية النوادر، لعدم قوَّةِ المسلمين على العمل بذلك، فلا سبيل إلا إلى القول بما أفتى به مشايخ سمرقند وبخارى من أنَّ النكاح لا ينفسخ بردتها.
وكذلك أفتوا برواية (النوادر) في نذر اللجاج، وهو النَّدْرُ المعلَّق على أمرٍ يُريدُ النَّاذر الاجتناب منه، مثل أن يقول: إن شربتُ الخمرَ فعليَّ صومُ شهر. و ظاهرُ الرِّواية فيه: أنَّه إن شربَ الخمرَ وجب عليه الوفاء لا غير، وروايةُ (النَّوادِرِ) أَنَّه يُخيَّرُ بين الوفاءِ بالنَّذر والكفَّارة، وهو مذهب الشافعي ومحمد رحمهما الله تعالى، وذكر ابن الهمام أنَّه مروي في (النَّوادر)، وأنَّه مختار المحققين. وعليه مشى أصحاب المتون.
وكذلك حكوا في ظاهر الرّواية أنَّه يُشترط المِصْرُ لنفاذ قضاء القاضي، وروايةُ (النَّوادر) أنَّه ليس بشرط، ثمَّ أفتوا برواية (النوادر)، كما حكاه ابن عابدين رحمه الله تعالى عن (البزازيَّة).
وكذلك يجب في ظاهر) (الرّواية على مَنْ يشهد على إقرار امرأة بشيء إن كان رأى وجهها عند التحمُّل، وروايةُ (النَّوادر) أنَّه لا يشترط رؤية وجهها.، وبه أفتى جمع من العلماء.
أمَّا إذا كان الحكم مسكوتاً عنه في ظاهر الرواية)، ومذكوراً في (النَّوادر)، فإنَّه يؤخَذُ به، إلا أن يكون خلافاً للأصول الثابتة في (ظاهر الرواية)؛ قال ابن نجيم رحمه الله تعالى: «المسألة حيث لم تُذكر في (ظاهر الرّواية)، وثبتت في رواية أخرى؛ تعيَّن المصير إليها».
ومنه ما رُوي في (النَّوادر) أنَّ الَّذي شرع في الركعة الثالثةمن سُنَّة الظهر أو الجمعة، وقيَّدها بالسجدة، وقامت الصلاة، فإنَّه يُتِمُّها أربعاً. وهو الذي اختاره المشايخ.
و المسائل من هذا القبيل كثيرة تجدها في المحيط البرهاني) كما سيأتيإن شاء الله تعالى.
وقال ابن أمير حاج رحمه الله تعالى: «لو وُجِدَ بعضُ نُسخ (النَّوادر) في زماننا، لا يَحِلُّ عَزْرُ ما فيها إلى محمَّد، ولا إلى أبي يوسف، لأنَّها لم تشتهر في عصرنا في ديارنا، ولم تُتداول. نعم! إذا وُجِدَ النَّقل عن (النَّوادر) مثلاً في كتاب مشهور معروف كـ (الهداية) و (المبسوط) كان ذلك تعويلاً على ذلك الكتاب».
الطبقة الثالثة
مسائل الفتاوى والواقعات
الطبقة الثالثة من مسائل الحنفيّة: الفتاوى والواقعات. وقال فيها ابن عابدين رحمه الله تعالى: «هي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون لما سئلوا عن ذلك، ولم يجدوا فيها رواية عن أهل المذهب المتقدمين، وهم أصحاب أبي يوسف ومحمد وأصحاب أصحابهما، وهلم جراً، وهم كثيرون، وموضع معرفتهم كتب الطبقات لأصحابنا، وكتب التواريخ.
فمن أصحاب أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى مثل: عصام بن يوسف، وابن رستم وابن رستم، ومحمد، ومحمَّد بن سَمَاعة، وأبي سليمان الجَوْزَجَانِيِّ، وأبي حفص البخاري. ومن بعدهم، مثل: محمد بن سلمة، ومحمد بن مقاتل، ونصير بن يحيى، وأبي النصر القاسم بن سلام».
وبما أن الفتاوى والواقعات تشتمل على مسائل لم ينص عليها أصحاب المذهب، فإنَّها قد تكون استنباطاً جديداً من القرآن والسُّنَّة على أصل الحنفية، وقد تكون تخريجاً أو قياساً على بعض المسائل التي نصوا عليها، وقد تكون ترجيحاً لبعض الأقوال المروية عنهم على بعض.
قال ابن عابدين رحمه الله تعالى: وقد يتَّفِقُ لهم أن يُخالفوا أصحابَ المذهب لدلائل وأسباب ظهرت لهم.
وأوَّلُ كتابٍ جُمع في فتواهم فيما بلغنا (كتاب النوازل) للفقيه أبي الليث السمرقندي، ثمَّ جمع المشايخ بعده كتباً أخر، كـ (مجموع النوازل) و (الواقعات) للنَّا طفي، (والواقعات) للصدر الشهيد.
ثم ذكر المتأخّرون هذه المسائلمختلطة غير مميزة، كما في (فتاوى قاضي خان) و (الخلاصة) وغيرهما، وميّز بعضُهم كما في كتاب (المحيط) لرضي الدين السَّرَخْسِي، فإِنَّه ذكرَ أوَّلاً مسائل الأصول)، ثمَّ (النوادر)، ثم (الفتاوى)، ونعم ما فعل.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: هذا ما ذكره ابن عابدين رحمه الله تعالى بالنسبة لـ (محيط) رضي الدِّين السَّرَخْسِي. والظاهر أنَّه لم يطلع عليه بنفسه، ولا على المحيط البرهاني).
والحقيقة التي ظهرت بعد طباعة المحيط البرهاني): أنَّ هذا الوصف يصدق عليه دونَ مُحيط) رضي الدِّين السَّرَخْسِي؛ فإنَّه قال الإمام برهان مقدمة (محيطه): وجمعتُ مسائل المبسوط والجامعين والسير الدين في والزيادات، وألحقتُ فيها مسائل النوادر والفتاوى والواقعات، وضممتُ إليها من الفوائد التي استفدتها من سيدي مولاي والدي تغمده الله تعالى بالرَّحمة، والدَّقائقِ الَّتي حفظتها من مشايخ زماني، وفصلتُ الكتاب تفصيلاً، وجنّست المسائل تجنيساً»
وذكر محقق الكتاب ابنُ أختي الشَّيخ نعيم أشرف حفظه الله تعالى: أنَّه اطلع على نُسخة من المحيط
الرَّضوي)، وقال: «طالعتُ بعض المواضع منها، فوجدتُ المسائل فيها ممزوجةً غير مرتبة، خلاف ما سمعتُ ورأيتُ في كلام بعض المشايخ أنَّهم ذكروا أنَّ رضي الدين السرخسي ميّز ورتَّبلمسائل، فذكر أوّلاً مسائل ظاهر الرواية، ثمَّ النَّوادر، ثم الفتاوى والواقعات. بل وجدتُ هذه الميزة تماماً في المحيط البرهاني). وقد طبع الكتاب والحمد الله تعالى بتحقيقه، فوجد الأمرُ كما وَصَف.
تقسيم الشيخ ولي الله الدهلوي لمسائل الحنفية
وقد قسم الشيخ المحدِّثُ وليُّ اللهِ الدِّهْلَوِيُّ رحمه الله تعالى طبقاتِ المسائل على أربعة أقسام:
القسم الأوَّل: قسمٌ تقرَّرَ في ظاهر الرواية:
وحكمه: أنَّهم يقبلونه في كلِّ حالٍ، وافقت الأصول أو خالفت. قال: ولذلك ترى صاحب (الهداية) وغيره يتكلفون بيان الفرق في مسائل التجنيس.
والقسم الثاني: هو رواية شادَّةٌ عن أبي حنيفة وصاحبيه وحكمه: أن لا يقبلوه إلَّا إذا وافق الأصول. قال: «وكم في (الهداية)
ونحوها من تصحيح لبعض الروايات الشّاذَّةِ لحالِ الدَّليل».
والقسم الثالث: هو تخريج المتأخرين، اتَّفق عليه جمهور الأصحاب:
وحكمه: أنهم يُفتون به على كلِّ حالٍ.
والقسمُ الرَّابع: هو تخريجُ المتأخرين، لم يتَّفق عليه جمهورُ الأصحاب:
وحكمه: أنَّ المفتي يَعْرِضه على الأصولِ والنَّظائرِ مِن كلام السلف، فإن وجده موافقاً للأصولِ والنَّظائر أخذ به، وإلَّا تركه.
ونقل الإمام عبد الحي اللكنوي رحمه الله تعالى تقسيم الشيخ ولي الله الدهلوي هذا، ثمَّ قال: «لعلك تتفطَّنُ من هذا البحث أنه ليس كلُّ ما في الفتاوى المعتبرة المختلفة كـ (الخلاصة) و (الظهيرية) و (فتاوى قاضي خان) وغيرها من الفتاوى التي لم يميز أصحابها بين المذهب والتَّخريج وغيره؛ قول أبي حنيفة وصاحبيه، بل منها ما هو منقول عنهم، ومنها ما هو مستنبط الفقهاء، ومنها ما هو مخرج الفقهاء، فيجب على الناظر فيها أن لا يتجاسر على نسبة كلِّ ما فيها إليهم، بل يميز بين ما هو قولهم وبين ما هو مخرج بعدهم، ومن لم يميز بين ذلك وبين هذا أشكل الأمر عليه.
ألا ترى في مسألة العشر في العشر في بحث الحياض، فإنَّ الفتاوى مملوءة باعتباره، والفتوى عليه مع أنه ليس مذهب صاحب المذهب، وإنما مذهبه كما صرح به محمد في (الموطأ) وقدماء أصحابنا؛ هو أنه
لو كان الحوض بحيثُ لا يتحرَّك أحد جوانيه بتحريك الجانب الآخر لا يتنجس بوقوعِ النَّجاسة فيه، وإلَّا يتنجس. ومَنْ لم يتفطنه وظنَّ أَنَّه مذهب صاحب المذهب، تعسر عليه تأصيله على أصل شرعي معتمد عليه.
ثم ذكر الإمام اللكنوي تقسيماً آخر لمسائل الحنفية بحسب قوة الدليل، وذكر أنه إذا تبين للعالم في مسألة أن مذهب إمامه يُعارِضُ حديثاً صحيحاً، فإنَّه يعمل بما وافق الحديث، وبهذا لا يخرج عن التقليد. وهذا إنَّما يتأتى فيمن يصلح للنظر في الدلائل، وقدمنا شروطها وآدابها في مبحث التقليد.
وأما المفتي الحنفي المقلّدُ الَّذي لا يستطيعُ النظر في ذلك يجب عليه أن يلتزم بقواعد رسم المفتي التي شرحها العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى في (شرح عقود رسم المفتي).
ونُريد الآن أن نأتي بتلك القواعد بتلخيص، وبشيء من الشرح والإيضاح من مصادر أخرى. والله سبحانه هو الموفق:
الفصل الرابع تَلْخِيصُ قَوَاعِدِ رَسْمِ المُفْتِي على مذهب الحنفية
الأصل الأول
شروط المفتي
«لا يجوزُ الإفتاء لِمَنْ لم يتعلَّم الفقة لدى أساتذةٍ مَهَرَةٍ، وإِنَّما طالع الكتب الفقهية بنفسِهِ.
كما لا يجوز الإفتاء لكلِّ مَنْ تعلَّمَ الفِقِّة لدى الأساتذة، حتَّى تَحْصُلَ له مَلَكَةٌ يَعْرِفُ بها أصول الأحكام وقواعدها وعِلَلَها، ويميز الكتب المعتبرة مِنْ غيرها.
***
هذه المسألة ذكرها ابن عابدين رحمه الله تعالى ناقلا العلامة ابن حجر الهَيْتَمِي.
عن فتاوى
وما ذكره رحمه الله تعالى يرجعُ إلى شروط أهلية المفتي، وقد بسطها الفقهاء في كتبهم، يتلخّصُ منها: أنَّ المفتي يُشْتَرَط فيه: البلوغ، والعقل، والعلم، والتجربة، والعدالة، وثِقَةُ العُلماء به، ونذكر فيما يلي بعض التفاصيل لهذه الشروط:
شروط أهلية المفتي:
فأما العقل والبلوغ، فهما من الصفاتِ العامة الَّتِي لا بُدَّ من وجودهما لصحة أي تصرف ذي شأن.
ولا تشترط الذكورة والحريَّة نَصَّ عليه الفقهاء، ولذلك جاز الإفتاء للمرأة والعبد إن توافرت فيهم الشروط الأخرى.
قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: ولا يُشترط في المفتي الحرية والذكورة، كما في الرَّاوي، وينبغي أن يكون كالراوي أيضاً في أنَّه لا تؤثر فيه القرابة، والعداوة، وجرُّ النَّفع ودفعُ الضَّرر، لأنَّ المفتي في حكم مَنْ يُخبر عن الشَّرعِ بما لا اختصاص له بشخص، وكان في ذلك كالراوي، لا كالشاهد، وفتواه لا يرتبط بها إلزام، بخلاف القاضي.
وأما العلم، فلقول الله: وقُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والاثم وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزِلَ بِهِ سُلْطَنَا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف:].
ولقول الرسول الكريم: إنَّ اللهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِماً، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا.
ولقوله: (مِنْ أُفْتِي بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهِ.
على أنَّ اشتراط العلم للفتيا أمر بديهي لا يحتاج إلى كثير تذليل؛ ولكن ما هي الدَّرَجةُ المطلوبة من العلم حتى يتأهل المرء للإفتاء؟.
فيه كلام طويل للأصوليين، وقد اشترط المتقدمون أن يكون المفتي مجتهداً، فذكر جمع من الفقهاء أنَّ مِنْ شروط المفتي أن يكون مجتهداً، فلا يجوز لمقلد أن يُفتي غيره، وإنَّما يجوز له العمل لنفسه بالتقليد.
قد ذكر الحافظ ابن الصَّلاح عن الإمام الحَلِيمِي إمام الشافعيين بما وراء النهر، والقاضي أبي المحاسن الرُّؤْيَانيصاحب (بحر المذهب) وغيرهما رحمهم الله تعالى أنَّه لا يجوز للمقلد أن يُفتي بما هو مقلد فيه.
ثم توسع الفقهاء في ذلك نظراً لحاجة الزَّمان، ونُدْرة المجتهدين أو فقدانهم، فأجازوا الفتوى لغير مجتهد على طريق التخريج على مذهب مجتهد.
وذكر الشيخ أبو محمد الجُوَيْني في شرحه لرسالة الشافعي عن شيخه أبي بكر القفال المَرْوَزِيّ: أنَّه يَجُوزُ لِمَنْ حَفِظَ مذهب صاحب مذهب ونصوصه أن يُفتي به، وإن لم يكن عارفاً بغوامضه وحقائقه.
وخالفه الشيخ أبو محمد وقال: لا يجوز أن يُفتي بمذهب غيره إذا لم يكن متبحراً فيه، عالماً بغوامضه وحقائقه كما لا يجوز للعامي الذي جمع فتاوى المفتين أن يُفتي بها، وإذا كان متبحراً بها جاز أن يُفتي بها.
وكذلك حكى ابن القيم رحمه الله تعالى الخلاف، ثم رجح أنه يجوز الإفتاء لغير المجتهد عند الحاجة وعدم العالم المجتهد.
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: توقيف الفتيا على حصول المجتهد يُفضي إلى حرج عظيم، أو استرسالِ الخَلْقِ في أَهْوِيتِهم، فالمختارُ أنَّ الرَّاوي عن الأئمة المتقدمين، إذا كان عدلاً متمكناً من فهم كلام الإمام، ثمَّ حكى لمقلّد قوله، فإنَّه يُكتفى به؛ لأن ذلك مما يغلب على ظن العامي أنه حكم الله عنده، وقد انعقد الإجماع في زماننا على هذا النوع من الفتيا. هذا مع العلم الضَّروري بأنَّ نساءَ الصَّحابة كُنَّ يرجِعْنَ في أحكام الحيض وغيره إلى ما يُخبر به أزواجُهنَّ عن النبي، وكذلك فعل عليه حين أرسلَ المِقْدَاد بن الأسود في قصة المذي، وفي مسألتنا أظهر، فإنَّ مراجعة النبي إذ ذاك ممكنة، ومراجعة المقلد الآن للأئمة السابقين متعذرة، وقد أطبق النَّاسُ على تنفيذ أحكام القضاة، مع عدم شرائط الاجتهاد اليوم انتهى
ولكن جواز الإفتاء للمقلّد معناه: أنَّه ناقل لفتوى إمامه، وليس مفتياً بنفسه.
قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: قولُ مَنْ قال: لا يجوز أن يُفتي بذلك، معناه: أنَّه لا يذكره في صورة ما يقوله من عند نفسه، بل يُضيفه إلى غيره، ويحكيه عن إمامه الذي قلده، فعلى هذا من عددناه في المفتين من المقلدين ليسوا على الحقيقة من المفتين، ولكنهم قاموا مقام ا معهم. وسبيلهم في ذلك أن يقول مثلاً: فعدوا معهم. مذهب الشافعي كذا وكذا، أو مقتضى مذهبه كذا وكذا، وما أشبه ذلك. ومَنْ ترك إضافة ذلك إلى إمامه إن كان ذلك منه اكتفاء بالمعلوم عن الحال عن التصريح بالمقال، فلا بأس.
والمراد: أنه إذا كان المفتي معروفاً بأنَّه يُفتي على مذهب أبي حنيفة أو الشافعي، فلا داعي لذكر ذلك تصريحاً كل مرة.
ولابن الهمام وتلميذه ابن أمير حاجكلام طويل في الموضوع والذي وصل إليه ابن أمير حاج في الأخير هو نفس ما ذكره ابن الصلاح رحمه الله تعالى، قال: هذا، وفي شرح الهداية) للمصنف (يعني ابن الهمام رحمه الله تعالى بعد أن حكى أنه ذكر أنَّه لا يُفتي إلَّا المجتهد، قال: وقد استقر رأي الأصوليين على أن المفتي هو المجتهد فأما غير المجتهدِ ممَّن يحفظ أقوال المجتهدين، فليس بمُفت، والواجب عليه إذا سُئل أن يذكر قول المجتهد كأبي حنيفة على جهة الحكاية، فعُرف أنَّ ما يكون في زماننا ليس بفتوى، بل هو نقل كلام المفتي، ليأخذ به المستفتي وطريق نقله كذلك عن المجتهد أحد أمرين: إما أن يكون له سند فيه إليه، أو يأخذه من كتاب معروف تداولته الأيدي، نحو كتب محمد بن الحسن ونحوها من التصانيف المشهورة للمجتهدين، لأنه بمنزلة الخبر المتواتر عنهم والمشهور. هكذا ذكر الرازي.
• هل يُشترط للمفتي بمذهب أن يعرف دليله؟
وقد رُوي عن الإمام أبي حنيفة وغيره من المجتهدين رحمهم الله تعالى: أنهم قالوا: «لا يحلُّ لأحدٍ أن يُفتي بقولنا حتَّى يَعْلَمَ مِن أين قلنا؟
وذكر ابن عابدين رحمه الله تعالى احتمالين في تفسير هذا القول
: الأول: أنَّ مخاطب هذا القول مجتهد مطلق، فلا يجوز له تقليد إمام إلَّا بعد ظهور دليله عليه.
والثاني: أنَّ مخاطبه مجتهد في المذهب، ولا يجوز له أن يُخرج مسائل جديدة على مذهب إمامه إلَّا بعد أن يتحقق لديه دليل إمامه في القول الذي يُخرج عليه مسألة جديدة. وهذا ظاهر، لأنَّ التَّخريج لا يمكن من دون معرفة الدليل والعلَّةِ الَّتي بني عليهما الحكم المخرج عليه. والحقيقة أنه لا تعارض بين الاحتمالين فيمكن أن يكون كلا الأمرين مراداً لهم.
فالصحيح أنَّ الإفتاء بالمعنى الحقيقي لا يتحقق إلا في المجتهد، سواءٌ كان مجتهداً مطلقاً، أو مجتهداً في المذهب أمَّا مَنْ لم يكن مجتهداً في المذهب، فليس بمُفْتِ حقيقةً، وإِنَّما هو ناقل لفتوى الإمام، كما صرح بذلك ابن الصلاح وابن الهمام وغيرهما. رحمهم الله تعالى.
ما يشترط للمفتي المقلد عند نقل فتوى الإمام:
ولكن حينما يحكي المفتي غير المجتهد قولاً لإمامه، فإنَّه ليس نقلاً عشوائياً، وإنّما يحتاجُ إلى علم وفِطْنَةٍ ومَلكة فقهيَّةٍ لا يُمْكِن أن تستقيم الفتوى من دونها، وذلك لأمور:
الأمر الأول: لابد من تنقيح مذهب المجتهد، والتأكد من صحة نسبته إليه، فقد توجد أغلاط في النقل عنه، وقد ذكر ابن عابدين تعالى عدة أمثلة لمثل هذه الأغلاط فقال: وقد يتفق نقل قول في نحو عشرين كتاباً من كتب المتأخرين، ويكون القول خطاً أخطأ به أوَّلُ واضع له، فيأتي من بعده وينقله عنه، وهكذا ينقل بعضُهم عن بعض».
وقد ذكر رحمه الله تعالى عدة أمثلة لذلك:
فمنها: أنه وقع في السراج الوهاج) و (الجوهرة شرح القدوري) أنَّ المفتى به صحة الاستئجار على تلاوة القرآن، ونقل ذلك كثير ممن جاؤوا بعده، مع أن ذلك خطأ، فإنَّ المفتى به هو صحة الاستئجار على تعليم القرآن، وليس على تلاوة القرآن، لأنَّ فتوى الجواز مبني على الضرورة في التعليم والإمامة والأذان ولا يتعدى إلى ما لا ضرورة فيه.
ومنها: ما ذكر في (البزازيَّة) من أنَّ مذهب الحنفية عدم قبول توبة ساب الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك على أساس ما ذكره ابن تيمية رحمه الله تعالى في (الصارم المسلول، ونقل عنها ابن الهمام
وغيره كذلك، ولكن المذهب المذكور في كتب المتقدمين من الحنفية مثل (كتاب الخراج) لأبي يوسف و (شرح الطحاوي)، و (التف) للسُّغُديهو قبول توبته. وأما عدم قبول توبته، فذكره ابن تيمية رحمه الله تعالى مذهباً لغير الحنفية.
ومنها: ما وقع في (الدرر) وشرح (المجمع) لابن ملك، وتبعه في (التنوير) من أنَّ المرتهن إن ادَّعى هلاكَ الرَّهْنِ بلا برهان، فإنَّه يضمنه، وإن برهن على ذلك، فلا يضمَنُ شيئاً، مع أنَّ المذهب ضمانه بالأقل من قيمته ومن الدين، بلا فرق بين ثبوت الهلاكِ ببرهان وبدونه، ونبه ابنُ عابدين رحمه الله تعالى في حاشيته على الدر المختار)، وقد التزم ابنُ عابدين رحمه الله تعالى في هذه الحاشية بمراجعة أصل الكتب المتقدمة التي هي مأخذُ المذهب، ولهذا كانت حاشيته من أحسن المآخذ المعتبرة للفقه الحنفي، فجزاه الله تعالى خيراً.
الأمر الثاني: أنَّ الكُتب الفقهيَّةَ لها أسلوب يخصها، فربَّما يذكرُ الفقهاء كلاماً مطلقاً، ويقصدون بذلك شيئاً مقيَّداً اعتماداً على ذكر تلك القيود في مواضع أخرى، أو على فهم القارئ العالم، فمجرد مطالعة كتاب الفقه رُبَّما يؤدي إلى خلاف المقصود.
وأما من قرأها لدى أساتذة، مهرة فإنه يتنبه لمثل ذلك، فلا يقع في خطأ، ولهذا لا يكفي معرفة اللغة العربية فقط، بل يجب التفقه على أستاذ ماهر.
- الأمر الثَّالث: أنَّه ربَّما توجد روايات مختلفة عن المجتهد، ولا بدَّ من ترجيح بعضها على بعض، إما بقوَّة النقل وشهرته، وإما بترجيح أصحاب الترجيح على أساس قوَّة الدليل كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
فلا بد للمفتي، وإن كان ناقلاً من أن يتثَبَّتَ في ما هو راجح، ونقل ابن عابدين رحمه الله تعالى عن خير الدين الرَّمْلِي رحمه الله تعالى قال: ولا شك أن معرفة راجح المختلف فيه من مرجوجه، ومراتبه قوَّة وضعفاً؛ هو نهاية آمال المُشَمِّرين في تحصيل العلم. فالمفروض على المفتي والقاضي التثبتُ في الجواب، وعدمُ المجازفة فيهما، خوفاً من الافتراء على الله تعالى. الأمر الرابع: أنَّه لا يكفي للمفتي، ولو كان ناقلاً، أن يعرف القول الصَّحيحَ الرَّاجح المروي عن المجتهد، وإنَّما يحتاج بعد ذلك إلى تنزيل ذلك القول على الواقعة الجزئية التي سُئل عنها.
ويجب لذلك الفهمُ الصَّحيح والملكة الفقهية، فإنَّ مثل هذا المفتي، وإن لم يكن مجتهداً في معرفة الأحكام الشَّرعيَّة، ولكنه لا محيص له من نوع من الاجتهاد، وهو الاجتهاد في تعيين الواقع المسؤول عنه،
الحكم عليه. وهذا النوع من الاجتهاد جارٍ إلى يوم القيامة.
وقد بسط الإمام الشاطبيرحمه الله تعالى القول في تفصيل هذا النوع، فنُورِدُ كلامه هنا بلفظه لما فيه من الفوائد. قال رحمه الله تعالى: الاجتهاد على ضربين:
أحدهما: لا يمكن أن ينقطعَ حتَّى ينقطعَ أصل التكليف، وذلك عند قيام الساعة.
والثاني: يمكن أن ينقطع قبل فناء الدُّنيا. فأما الأول: فهو الاجتهاد المتعلّق بتحقيق المناط، وهو الذي لا خلاف بين الأمة في قبوله ومعناه أن يثبت الحكم بمُدرَكه الشرعي، لكن يبقى النظر في تعيين محله، وذلك أنَّ الشارع إذا قال: {وَأَشْهِدُوا ذَوَى عدل منكم [الطلاق:] وثبت عندنا معنى العدالة شرعاً، افتقرنا إلى تعيين من حصلت فيه هذه الصفة، وليس النَّاسُ في وصف العدالة على حد سواء، بل ذلك يختلف اختلافاً متبايناً، فإنَّا إذا تأملنا العدول، وجدنا لانصافهم بها طرفين وواسطة ... وهذا الوسط غامض، لا بد فيه من بلوغ حد الوسع، وهو الاجتهاد؛ فهذا مما يفتقرُ إليه الحاكم في كلِّ شاهد، كما إذا أوصى بماله للفقراء؛ فلا شك أنَّ من النَّاس من لاشيء له، فيتحقق فيه اسم الفقر، فهو من أهل الوصية. ومنهم مَنْ لا حاجة به ولا فقر، وإن لم يملك نصاباً، وبينهما وسائط ... فينظر فيه: هل الغالب عليه حكم الفقر أو الحكم الغنى؟.
وكذلك في فَرْضِ نفقات الزوجات والقرابات، إذ هو مفتقر إلى النظر في حال المنفق عليه والمنفق وحال الوقت، إلى غير ذلك من الأمور التي لا تنضبط بحصر ولا يمكن استيفاء القول في آحادها، فلا يمكن أن يُستغنى هاهنا بالتقليد، لأنَّ التَّقليد إنَّما يُتصور بعد تحقيق مناط الحكم المقلد فيه، والمناط هنا لم يتحقق بعد، لأنَّ كلَّ صورة من صوره النازلة نازلة مستأنفة في نفسها لم يتقدَّم لها نظير، وإن تقدم لها في نفس الأمر، فلم يتقدم لنا، فلا بد من النظر فيها بالاجتهاد.
وكذلك إن فرضنا أنه تقدَّم لنا مثلها، فلا بد من النظر في كونها مثلها أو لا، وهو نظر اجتهادي أيضاً ... ويكفيك من ذلك أن الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها، وإنما أنت بأمور كلية، وعبارات مطلقة، تتناول أعداداً لا تنحصر، ومع ذلك، فلكل معين خصوصية ليست في غيره، ولو في نفس التَّعيين، وليس ما به الامتياز معتبراً في الحكم بإطلاق، ولا هو طردي بإطلاق بل ذلك منقسم إلى الضربين، وبينهما قسم ثالث يأخذ بجهة من الطرفين؛ فلا تبقى صورة من الصور الوجودية المعينة إِلَّا وللعالم فيها نظر سهل أو صعبٌ، حتّى يحقق تحت أي دليل تدخل، فإن أخذتَ بشبه من الطرفين، فالأمر أصعب، وهذا كله بين لمن شدا في العلم ...
فالحاصل أنه لا بدَّ منه بالنسبة إلى كل ناظر وحاكم ومفت، بل بالنسبة إلى كل مكلف في نفسه ... ولو فُرِض ارتفاع هذا الاجتهاد، لم تتنزل الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلا في الذهن؛ لأنَّها مُطلَقات وعمومات، وما يرجع إلى ذلك منزّلات على أفعال مطلقات كذلك، والأفعال لا تقع في الوجود مطلقةً، وإنما تقع معيَّنة مشخّصةً، فلا يكون الحكم واقعاً عليها إلا بعد المعرفة بأنَّ هذا المعين يشمله ذلك المطلق أو ذلك العام، وقد يكون ذلك سهلاً، وقد لا يكون، وكلُّه اجتهاد.
الأمر الخامس: أنَّ الفتوى قد تختلف باختلاف الأشخاص، نظراً إلى خصوص أحوالهم وباختلافِ العُرفِ وأحوالِ الزَّمان حسب تحقيق المناط، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
الأمر السادس: أن كثيراً من المسائل الجديدة تنشأ في كل عصر، وحدثت في عصرنا هذا بصفة خاصة، حيثُ تغيرت مناهج الحياة إلى حد كبير عما كانت معهودةً في عهدِ المجتهدين السابقين. فلا يوجد لمثل هذه المسائل ذكر صريح في كتبهم حتَّى يُنقل بعينه، وإنما يحتاج المفتي المعاصر في معرفة حكمها، إما إلى تنزيلها على العمومات الواردة في كلامهم، أو القياس والاستنباط من نظائرها وأشباهها؛ وإنَّه عمل دقيق لا بد له من بصيرة ثاقبة، وفهم المبادئ الشَّرعية فهماً صحيحاً.
ونظراً إلى هذه الأمور السنّة، لا بد للمفتي، وإن كان مقلّداً، تكون له بصيرة في جميع هذه الأمور. وإنَّ مثل هذه البصيرة لا تحصل بمجرد مطالعة الكتب وحفظ جزئيات الفقه، وإنما تحتاج إلى ملكة فقهية، وتجربة لا تكاد تحصلُ إلَّا بممارسة الفتوى والتمرن عليها لدى أساتذة مهرة. ولذلك قالوا: ليس كل من قرأ الكتب الفقهية أهلاً للإفتاء حتّى يكون قد تدرب على الإفتاء بصفة مستقلة، وشهد له العلماء بأنه أهل للإفتاء.
وقد حكي عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه قال: «ليس كلُّ مَنْ أحب أن يجلس للحديث والفتيا، جلس حتى يُشاوِرَ فيه أهل الصلاح والفضل وأهل الجهةِ مِنَ المسجد، فإن رأوه لذلك أهلاً جلس، وما جلستُ حتى شهد لي سبعون شيخاً من أهل العلم أني موضع لذلك».
وقال ابن وهب: وجاء رجل يسأل مالكاً عن مسألة، فبادر ابن القاسم فأفتاه، فأقبل عليه مالكٌ كالمُغضَبِ، وقال له: جَسَرْتَ على أن تُفتي يا عبد الرحمن - يكررها عليه؟! ما أفتيتُ حتى سألتُ: هل أنا للفتيا موضع؟ .. فلما سكن غضبه، قيل: له من سألت؟ قال: الزهري وربيعة الرأي. وعلى هذا الأساس قال ابن حجر الهَيْتَمِيُّ، كما نقل عنه ابن عابدين رحمهما الله تعالى:
سئل رحمه الله تعالى في شخص يقرأ ويطالع الكتب الفقهية بنفسه، ولم يكن له شيخ يقرّر له المسائل
الدينية والدنيوية، ثمَّ إِنَّه يُسأل عن مسائل دينية ودنيوية، فيفتيهم، ويعتمد على مطالعته في الكتب، ولم يتوقف فيما يُسأل عنه، هل يجوز له ذلك؟ وإذا قلتم بعدم الجواز، فماذا يستحقه من
قبل الله تعالى ورسوله. . .
فأجاب نفع الله تعالى، به بقوله: لا يجوز لهذا المذكور الإفتاء بوجه من الوجوه، لأنه عامي جاهل، لا يدري ما يقول، بل الذي أخذ العلم عن المشايخ المعتبرين، لا يجوز له أن يُفتي من كتاب ولا من كتابين، بل قال النووي رحم رحمه الله تعالى: ولا في عشرة، فإنَّ العشرة والعشرين قد يعتمدون كلهم على مقالةٍ ضعيفة في المذهب، فلا يجوز تقليدهم فيها، بخلافِ الماهر الذي أخذ العلم عن أهله، وصارت له فيه ملكة نفسانية، فإنَّه يميز بين الصحيح من غيره ويعلم المسائل وما يتعلّق بها على الوجه المعتد به، فهذا هو الذي يُفتي النَّاس، ويصلح أن يكون واسطة بينهم وبين الله تعالى.
وأما غيره، فيلزمه إذا تسوّر هذا المنصب الشريف التعزير البليغ، والزجر الشديدُ الزَّاجرُ له ولأمثاله عن هذا الأمر القبيح الذي يؤدي إلى مفاسد لا تُحصى. والله أعلم.
وقال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في (الفقيه والمتفقه): ينبغي لإمام المسلمين أن يتصفَّحَ أحوال المفتين، فمَنْ كان يصلح للفتوى أقره عليها، ومن لم يكن مِنْ أهلها منعه منها ... وأوعده بالعقوبة إن لم ينته عنها ...
والطريق للإمام إلى معرفة حالِ مَنْ يُريد نصبّه للفتوى أن يسأل عنه أهل العلم في وقته والمشهورين من فقهاء عصره».
وقال مالك رحمه الله تعالى: ولا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلاً لشيء حتى يَسْأل مَنْ هو أعلم منه.
ونقل ابن عابدين رحمه الله تعالى أنه قال في آخر (منية المفتي): الو أنَّ الرَّجل حفظ جميع كتب أصحابنا، لابد أن يتتلمذ للفتوى حتّى يهتديإليه، لأنَّ كثيراً من المسائل يُجاب عنه على عادات أهل الزمان فيما لا يُخالف الشريعة».
وفي ضوء أقوالِ السَّلف هذه لا ينبغي أن ينتصبَ الرَّجلُ للفتوى إلَّا إذا أجازه بذلك مشايخه وأساتذته.
الأصل الثاني
إذا كان في المسألة قول واحد
إذا كانت المسألة ليس فيها إلَّاقولٌ واحد لفقهاء الحنفية المتقدمين منهم والمتأخرين، تعيَّن الأخذُ
به.
إنَّ تقسيم المسائل إلى طبقات مختلفةٍ يؤثر في المسائل الَّتي وُجدت فيها أقوال مختلفة في المذهب، فأما إذا لم يكن في المسألة إلا قول، واحد يتعيَّن الأخذُ، به سواء أكانت تلك المسألة من ظاهر الرواية، أم من النوادر، أو الواقعاتِ والفتاوى، إلَّا إذا عُلم بالبداهة أنَّ تلك المسألة معلولةٌ بعلةٍ قد فُقدت كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
الأصل الثالث
إذا كان في المسألة قولان أو روايتان إذا كان في المسألة قولان أو روايتان عن الإمام أبي حنيفة، أُخذ بالآخر منهما، أو بما ثبت اختياره مِنْ قِبَلِ الإمام.
وإن لم يثبُتْ منه اختيارٌ، عُمِلَ بما اختاره الإمام أبو يوسف، ثم بما اختاره الإمام محمد، ثمَّ بما اختاره زُفَرُ والحسن بن زياد رحمهم الله تعالى.
أما إذا كان هناك اختلاف بين اختيار أبي حنيفة واختيار صاحبيه، فإن كان المفتي من أهل الاجتهاد، يتخيَّرُ، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد، يأخذُ بقول الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
الواقع أنه قد تُنسب إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى أقوال أو روايات كثيرة رُبَّما تبدو متعارضة. وله حالات:
الحالة الأولى: أنَّ الإمام رحمه الله تعالى ذهب إلى قول في بداية الأمر، ثمَّ رجع عن قوله ذلك إلى قول آخر، كما رُوي عنه في مسألة الوضوء بالنبيذ وغيرها. فالأصل أن يؤخذ بقوله الأخير الذي رجع إليه.
والحالة الثانية: ما ذكره ابن عابدين رحمه الله تعالى من أنه قد لا يترجح عنده أحد القولين فيستوي رأيه فيهما، ولذا تراهم يحكون عنه في مسألة القولين على وجه يُفيدُ تساويهما عنده، فيقولون: وفي المسألة عنه روايتان أو قولان.
وإن لم يثبت عن الإمام اختيار أحدِ القولين وترجيحه في مثل هذا، فالأصلُ الَّذي مشى عليه فقهاء الحنفيّة، وذكره ابن عابدين في منظومة (رسم المفتي)، أنه يؤخذ بما اختاره الإمام أبو يوسف، وإن لم يثبت منه اختيار، يؤخَذُ بما اختاره الإمام محمد، ثمَّ بما اختاره الإمام زُفَرَ والحسن بن زياد - رحمهم الله جميعاً ـ فهما في مرتبة واحدة، وقيل: زفر مقدم على الحسن بن زياد.
والحالة الثالثة: ما ثبت عن أصحابه من الإمام أبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد رحمهم
الله تعالى مِنْ أنَّهم لم يقولوا قولاً إِلَّا وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
وقد نقل ابن عابدين رحمه الله تعالى عن (الحاوي القدسي): «روي عن جميع أصحابه الكبار كأبي يوسف ومحمد وزفر والحسن أنهم قالوا: ما قلنا في مسألة قولاً إلَّا وهو روايتنا عن أبي حنيفة، وأقسموا عليه أيماناً غلاظاً، فلم يتحقق إذن في الفقه جواب ولا مذهب إِلَّا له، كيف ما كان، وما نُسب إلى غيره إلَّا بطريق المجاز للموافقة».
ومعناه على ما حققه العلّامة الكوثري رحمه الله تعالى أنَّ الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى كان يُبدي أمام تلامذته احتمالات مختلفة في مسألةٍ واحدةٍ وكان أصحابه يأخذون بأحدِ هذه الاحتمالات، فكأنَّ كُلَّ واحدٍ منها رواية عنه، لأنَّه هو الذي أثار تلك الاحتمالات بأدلتها.
ونحكي هنا كلام العلامة الكوثري رحمه الله تعالى بلفظه لما فيه من فوائد؛ قال رحمه الله تعالى: (ومنشأ ادّعاء أنَّ تلك الأقوال كلها أقوال أبي حنيفة، هو ما كان يجري عليه أبو حنيفة في تفقيه أصحابه من احتجاجه لأحد الأحكام المحتملة في مسألة، وانتصاره له بأدلة، ثم كرروه بالرد عليه بنقض أدلته، وبترجيحه الاحتمال الثاني بأدلة أخرى، ثم نقضها بترجيح احتمال ثالث بأدلة تدريباً لأصحابه على التَّفقه على خُطوات ومراحل إلى أن يستقر الحكم المتعين في نهاية التمحيص، ويدون في الديوان في عداد المسائل الممحصة، فمنهم من ترجح عنده غيرُ ما استقر عليه الأمر من تلك الأقوال باجتهاده الخاص، فيكون هذا المترجح عنده قوله من وجه، وقول أبي حنيفة من وجه آخر، من حيثُ إِنَّه هو الذي أثار
هذا الاحتمال ودلَّل عليه أوّلاً، وإن عدل عنه أخيراً.
ومصداق ذلك ما أخرجه ابن أبي العَوَّام)، عن محمد بن أحمد بن حماد عن محمد بن شجاع: سمعت الحسن بن أبي مالك، وعباس بن الوليد، وبشر بن الوليد، وأبا علي الرّازي، يقولون: سمعنا أبا يوسف يقول: «ما قلتُ قولاً خالفتُ فيه أبا حنيفة إلا وهو قول قد قاله أبو حنيفة ثمَّ رَغِبَ عنه». اهـ.
وحكى الكَرْدَريعن النيسابوري: أنَّ أبا يوسف لما ولي القضاء دخل عليه إسماعيل بن حماد بن الإمام، وتقدَّم إليه خصمان، فلما جاء أوان الحكم، قضى برأي الإمام. فقال له: كنتَ تُخالِفُ الإمام في هذا!. قال: إِنَّما كُنَّا نخالِفُه لنستخرج ما عنده من العلم، فإذا جاء أوانُ الحكم ما يرتفع رأينا على رأي الشيخ». اهـ.
ومثله عن محمد بن الحسن.
وأخرج ابن أبي العَوَّام عن إبراهيم بن أحمد بن سهل، عن القاسم بن محمد أبيه، عن أبي سليمان
الجَوْزَجاني، عن عن بن الحسن، قال: كان أبو حنيفة قد حُمِل إلى بغداد، فاجتمع أصحابه جميعاً، وفيهم أبو يوسف، وزفر، وأسد بن عمرو، وعامَّةُ الفقهاء المتقدمين من أصحابه، فعملوا مسألة أيَّدوها بالحِجاج، وتنوّقوافي تقويمها، وقالوا: نسألُ أبا حنيفة أوَّلَ ما يقدم.
فلمَّا قدِمَ أبو حنيفة كان أوّل مسألةٍ سُئِلَ عنها تلك المسألة، فأجابهم بغير فصاحوا به من نواحي الحلقة: يا أبا حنيفة بلَّدَتْك الغُربة. عندهم،، فقال لهم: رفقاً رفقاً! ماذا تقولون؟.
قالوا: ليس هكذا القول.
قال: بحُجَّةٍ أم بغير حُجَّة؟.
قالوا: بل بحجة.
قال هاتوا!.
فناظرهم فغَلبَهم بالحِجاج، حتَّى ردّهم إلى قوله، وأذعنوا أنَّ الخطأ منهم، فقال لهم: أعرفتم الآن؟.
قالوا: نعم.
قال: فما تقولون فيمن يزعم أنَّ قولَكم هو الصواب، وأنَّ هذا القول خطأ
قالوا: لا يكون ذلك، قد صح هذا القولُ.
فناظرهم حتَّى ردّهم عن القولِ، فقالوا: يا أبا حنيفة ظلمتنا، والصَّوابُ كان معنا.
قال: فما تقولون فيمن يزعم أنَّ هذا القول خطأ والأوَّل خطأ، والصواب في قول ثالث؟.
فقالوا: هذا ما لا يكون.
قال: فاستمعوا. واخترع قولاً ثالثاً ونارَهم عليه، حتّى ردَّهم إليه، فأذعنوا وقالوا: يا أبا حنيفة علمنا.
قال: الصواب هو القول الأوّل الذي أجبتُكم به لعلة كذا وكذا، وهذه المسألة لا تخرُجُ من هذه الثَّلاثة الأنحاء، ولكلّ منها وجه في الفقه ومذهب، وهذا الصَّواب فخذوه وارفضوا ما سواه». اهـ.
وهكذا كان تدريبه لأصحابه على الفقه، وتمرينه على مدارج فمثله يكون كثير الذِّكرِ للاحتمالات في المسائل، وقد يترجح عند هذا ما لا يترجح عند ذاك من أصحابه، فيكون هو مُثير أغلب تلك الاحتمالات، فمُعْظَمُ تلك المسائل الخلافية من تذكير الإمام لأصحابه».
والحاصل: أنَّ أصحاب الإمام أبي حنيفة رحمهم الله تعالى إنَّما اختاروا في كلِّ مسألة من أحد
الاحتمالات التي أثارها الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، ثم ما استقرَّ عليه الإمام صار مذهباً له، وما استقر عليه رأي أحد أصحابه، نُسب إليه.
وفي هذه الحالة، إن اختلفت أقوال أصحابه عما استقر عليه رأي الإمام، فإنَّ فيه ثلاثة أقوال:
الأوّل: أنَّه يؤخَذُ بقول الإمام أبي حنيفة فقط.
والثَّاني: أنَّ المفتي مخيَّر في أخذ ما شاء منها.
والثَّالث: أنَّه إن كان المفتي من أهل الاجتهاد، يتخيَّر، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد، يتّبع قول الإمام. وهذا هو الصحيح.
ونقل ابن عابدين عن البيريرحمه الله تعالى قال: «والمراد بالاجتهاد أحد الاجتهادين، وهو مجتهد في المذهب، وعُرف بأنَّه المتمكن من تخريج الوجوه على منصوص إمامه، أو المتبحر في مذهب إمامه، المتمكن من ترجيح قول على آخر.
الأصل الزابع
يفتي المفتي المقلد بما رجحه أصحاب الترجيح
المفتي المقلد يُفتي بما رجحه أصحابُ الترجيح من مشايخ الحنفية، ولا يأخُذُ بالأقوال المرجوحة».
***
لا شكّ أنَّ الأصل في مذهب الحنفيَّة أنَّ الفتوى على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى كما فصَّلناه في الأصل الثَّالث، ولكن أصحاب الترجيح في المذهب قد يُرجحون مسائل بخلاف ذلك، وذلك لأنهم كما قال ابن عابدين رحمه الله تعالى: اطلعوا على دليلِ الإمام، وعرفوا مِنْ أينَ قال؟ واطلعوا على دليل أصحابه، فقد يُرجّحونَ دليل أصحابه على دليله، فيفتون به. ولا يُظَنُّ بهم أنَّهم عَدَلوا عن قوله لجهلهم بدليله، فإنَّا نراهم قد شَحَنُوا الأدلة، كتبهم بنصب ثم يقولون: الفتوى على قول أبي يوسف مثلاً. وحيثُ لم نكن نحنُ أهلاً للنظر في الدَّليل، ولم نَصِلْ إلى رتبتهم في حصولِ شرائط التفريع والتأصيل، فعلينا حكاية ما ينقلونه، لأنَّهم هم أتباعُ المذهبِ الَّذين نصبوا أنفُسَهم لتقريره وتحريره باجتهادهم. والحاصل: أنَّ أصحاب الترجيح لهم صفتان:
الأولى: أنَّهم نصبوا أنفسهم لتنقيح مذهب الحنفية وتحريره.
والثانية: أنَّهم من أهل الاجتهاد الذين هم مخاطبون بقول الإمام أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعالى: «لا يحلُّ لأحدٍ أن يُفتي بقولنا حتى يعلم من أين قلنا؟».
وبما أن جميع أقوال أصحاب أبي حنيفة رواية عنه أيضاً، كما سبق تفصيله في الأصل الثَّالث، فهم يأخذون منها ما يترجح دليله عندهم؛ فالمسألةُ الَّتي رجّحها هؤلاء يجب على المفتي المقلد اتباعها، سواء أكان المرجّح قولاً للإمام الأعظم، أم لأحدٍ من أصحابه، فهم يرجحون مذهب الصَّاحِبَين تارةً، ومذهب أحدهما أخرى، بل رجحوا قولَ زُفر رحمه الله تعالى في عشرين مسألة ذكرها ابن عابدين ونظمها في باب النفقة من (ردّ المحتار)، فما رجّحه أصحابُ التَّرجيح مقدَّم على كل ما سواه، لأنَّهم مع شدَّةِ وَرَعِهم والتزامهم بالمذهب، رجّحوا هذا القول لأسباب وضحت لهم من قوة الدليل، ومن ضرورةِ النَّاس، وتغيُّرِ الزَّمان والعُرف، وغير ذلك، فالعمل بترجيحهم أولى.
وعلى هذا، فلا يجوز العمل أو الإفتاء بالمرجوح، إلَّا في بعض المواضع، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيانُها في الأصل الحادي عشر.
الأصل الخامس
يعتمد المفتي على الكتب المعتبرة في المذهب
يجب على المفتي أن لا يعتمد إلَّا على الكُتب المعتبرة في المذهب، ولا يعتد بأقوال منقولةٍ في كتب غير معتبرة».
***
إنَّ من أهم ما يشترط للمفتي: أن يعرف الكتب المعتمدة من غيرها. والكتب المعتمدة في المذهب هي التي عَوَّلَ عليها المتبحرون من أصحاب المذهب، وتناولوها بالثّقة والاعتماد وأفتوا بها وقد ذكر غير واحد من الفقهاء كتباً لا يجوز الإفتاء بمسائلها ما لم يُعرَف مأخذها أو دليلها.
وقد عدَّ العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى منها: (شرح النُّقاية) للقهستاني المسمَّى (جامع الرُّموز)، و (الدر المختار)، و (الأشباه والنظائر)، و (شرح الكنز لمنلا مسكين والقِنْيَة) للزَّاهدي، و (النَّهر الفائق) لابن نجيم، و (شرح الكنز) للعيني.
وضم إليها بعضُهم: السراج الوهاج)، و (الجوهرة النيرة) شرح القدوري، و (كنز العباد في شرح (الأوراد لعلي بن أحمد الغَوْرِي، و (خزانة الروايات)، و (خلاصة) الكَيْدَانِي، و (الحاوي) للزَّاهدي، و (الفتاوى الصوفية)، و (فتاوى الطوري) وغيرها.
ولا بد من معرفة وجوه كونها غير معتبرة، وهي متعددة:
الوجه الأول: عدم الاطلاع على حال مؤلفه:
ربما يكون الكتابُ غير معتبر لعدم معرفة حال المؤلّف، فإنَّه لا يُعْرَفُ هل كان فقيهاً موثوقاً به، أم جامعاً للرطب واليابس؟.
فمنها: (خلاصةُ الكَيْدَانِي، فإنَّه لا يُعْرَفُ مؤلّفها، وقد ثبت أنه ذكر فيها روايات واهية بالرُّغم من أنَّ الكتاب كان متداولاً في بلاد ما وراء النهر حفظاً وتدريساً.
- ومنها: (خِزَانَةُ الرّوايات)، فإنَّ مؤلّفَه غيرُ معروف، وقد نسبه صاحِبُ (كشف الظنون) إلى قاضي جَكَن الهندي الكَجُراتي، ولا يُعْرَفُ حاله، ويوجد فيها أيضاً روايات واهية غير موثوق بها.
ومنها: كتب القُهُسْتَانِيِّ، فإنَّها وإن تداولها النَّاس، ولكنه رجل لا يُعْرَفُ حاله، وقد جاء في (كشف الظنون) عن المولى عصام الدين رحمه الله تعالى أنه لم يكن من تلامذة شيخ الإسلام الهَرَوِيِّ، وإنما كان دلال كتب في زمانه، ولا كان يُعرف بالفقه من بين أقرانه، فجمع في شرحه هذا بينَ الغَثّ والسمين من غير تصحيح ولا تدقيق.
ومنها: (شرح الكنز) لمنلا مسكين. ويُقال: إنَّه فقيه من علماء الحنفية من أهلِ هَرَاة، وسكن سمرقند، وفرغ من تأليفه سنة (هـ)، ولكن لا يُعرف حاله أكثر من ذلك.
الوجه الثَّاني: جمع المؤلف روايات ضعيفة:
الوجه الثاني في كون الكتاب غير معتبر أن يَجْمَعَ مؤلّفه روايات ضعيفة، وحاصله أنَّ مؤلّفي هذه الكتب، وإن كانوا معروفين بالعلم والفقه، ولكنَّهم لم يلتزموا في هذه الكتب بالاقتصار على الروايات الصحيحة، بل نقلوا كل ما وجدوا من قول أو رواية من غير تحقيق أو تنقيح.
- فمنها: (القِنْية) للزَّاهدي: فإنَّ مؤلّفَه مختار بن محمود بن محمد أبا الرجاء نجم الدين الزَّاهدي معروف بكونه عالماً، وهو معتزلي الاعتقاد، حنفي الفروع، كان من زمين قصبة من قصبات خَوارِزْم.
وقال الشيخ اللكنوي رحمه الله تعالى: «كان من كبار الأئمة وأعيانِ الفقهاء ... وهو مع جلالته متساهل في نقل الروايات.
وقد ذكر قبل كل مسألة رمزاً لمأخذ تلك المسألة، وقد شرح الرموز في مقدمة كتابه. وذكر في هذا الفهرست أسماء كتب غريبة لا يُسْمَعُ عنها خبر. نعم! إذا كانت المسألة في (القنية) منقولة من المآخذ المعتبرة، فلا بأس بالاعتماد عليها.
ومِن الرواياتِ الضَّعيفة التي نقلها الزَّاهدي: أنَّ الكُحْل يجب تركه يوم عاشوراء، وذكر الطحطاوي في باب ما يُفْسِدُ الصَّومَ من شرحه لـ (الدر المختار): أنَّ هذا لا يُعوَّلُ عليه، لأنَّ (القِنية)
ليست من الكتب المعتبرة.
وكذلك كتابه (الحاوي) معروف بنقل روايات ضعيفة، ولذا قال ابن وَهْبَانوغيره: «إنَّه لا عبرة بما يقوله الزَّاهدي مخالفاً لغيره»، كما ذكره ابن عابدين رحمه الله تعالى في كتاب الإجارة من (تنقيح الحامدية).
وإضافة إلى ذلك فقد ظهر اعتزاله في بعض المسائل، كما أنَّه ردّ على صاحب (الهداية) في مسألة إهداء الثَّواب ورجّح أنَّه لا يجوز إهداء ثواب أي عمل لآخر.
فلما ذكر الحَصْكَفِيُّرحمه الله تعالى مسألة إهداء الثواب، قال: ولقد أفصحَ الزَّاهدي عن اعتزاله هنا». وقال ابنُ عابدين تحته: «حيث قال في (المجتبى) بعد ذكره عبارة (الهداية): قلتُ: ومذهب أهل العدل والتَّوحيدِ أنَّه ليس له ذلك ... إلخ» فَعَدل عن الهداية)، وسمّى أهل عقيدته بأهل العدل والتَّوحيد لقولهم بوجوب الأصلح على الله تعالى، وأنَّه لو لم يفعل ذلك، لكان جوراً منه تعالى. والعياذ بالله من ذلك.
وقد عد العلماء المتأخرون المحيط البرهاني) من هذا القسم، فإنَّ مؤلّفه وإن كان من أعيان علماء الحنفية، حتى عُدَّ من المجتهدين في المسائل، ولكن نص الفقهاء كابن نجيم وابن الهمام بأنَّه لا يجوز الإفتاء به، وعلله بعضهم بكونه جامعاً للرطب واليابس.
ولكن ذكر العلامة اللكنوي رحمه الله تعالى هذا الكلام من هؤلاء العلماء، ثم كتب في حاشية (النَّافع (الكبير) ما نصه: «وقد وفقني الله بعد كتابة هذه الرسالة بمطالعة (المحيط البرهاني) فرأيتُه ليس جامعاً للرطب واليابس، بل فيه مسائل منفّحةً، وتفاريعُ مرصصة، ثم تأملتُ في عبارة (فتح القدير) وعبارة ابن نجيم فعَلِمتُ أن المنع من الإفتاء منه ليس لكونه جامعاً للغث والسمين، بل لكونه مفقوداً نادر الوجود في ذلك العصر. وهذا الأمر يختلف باختلاف الزمان.
وعليه، فذكر الفقهاء المتأخرين له في جملة الكتب التي لا يُفتى بها لكونه من القسم الرابع الآتي، لا في هذا القسم.
وقد طبع هذا الكتاب اليوم بفضل الله تعالى في خمسة وعشرين مجلداً، وقد حققه ابن أختي الفاضل الشَّيخ نعيم أشرف حفظه الله تعالى بمقابلة عِدَّةِ نُسخ خطيَّةٍ حصل عليها من مكتبات متفرقة، وقد طالعت منه قدراً يُعتد به، وإنه ذكر في جميع الأبواب مسائل ظاهر الرواية)، ثم (مسائل النوادر)، ثمَّ النوازل والفتاوى بترتيب جيد، فلا يُمكن القول بأنَّه خلط بين الرطب واليابس.
نعم! توجد فيها رواياتُ النَّوادر)، ولكنّها ممتازة كل الامتياز عن (ظاهر الرواية)، فيُطبق عليها ما ذكرنا من أحكام (النوادر)، دون أن يقع أي التباس أو اشتباه. فينبغي أن يُعَدَّ هذا الكتاب من أمهات