البيان في فقه الأيمان ..........
. والنذور والحظر والإباحة
جارٍ تحميل الكتاب…
البيان في فقه الأيمان ..........
. والنذور والحظر والإباحة
البيان
في فقه الأيمان والنذور
والحظر والإباحة
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
نحمد الله على الهداية، ونشكره على الوقاية، ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونصلي ونسلم على سيدنا وحبيبنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان من أهل العناية إلى يوم نلقاه.
وبعد:
فإنه بعد مضي نصف قرن على التخبط الفقهي الذي عمَّ وطمّ في أوساط عديدة، والذي لم ننل منه سوى التهرب من التطبيق لأحكام الشريعة، وإباحة المحرمات، والتشكيك في الدين، وتجهيل الدارسين وغيره مما يطول ذكره، فإنه قد آن الأوان أن يعود الفقه إلى ما كان عليه من الأصالة والقوّة التي عهدناها به حين حكمت به الدول الإسلامية المتعاقبة، وتخرج من كنفه العلماء العاملون، وأنشأ الطلبة المجدين المثابرين، وحافظ على دين العوام من الزيغ والهوان، وأجاب لهم عن كل ما يقع معهم.
فالواجب علينا الانتقال بالفقه من التثقيف إلى العمل والتطبيق؛ إذ تدريسه بطريقة عرض آراء الفقهاء العظام في أمهات المسائل الفقهية في كل
باب مع أدلتهم وترجيح الأقوى دليلاً، هو تثقيف للطالب المبتدئ المحتاج إلى أن يضبط الأبواب بفروعها ودقائقها على مذهب فقهي معتمد؛ لتتكون لديه الملكة الفقهية، ويتمكن من التطبيق لما درس، وإفادة غيره منه.
وانطلاقاً من هذا الواجب فإنني جمعت هذا الكتاب وسمَّيته بـ:
البيان
في فقه الأيمان والنذور والحظر والإباحة
ولقبته بـ:
صحيح فقه
الأيمان والنذور والحظر والإباحة
سائلين المولى عز وجل أن يوفقنا فيه فيما يأتي:
1. أن يكون صحيحاً طريقةً، وذلك بعرض المسائل الفقهية على نهج سلفنا الصالح، من التأليف والتدريس والتفقيه.
2. أن يكون صحيحاً دليلاً؛ وذلك بذكر الأدلة من القرآن والسنة والإجماع والقياس للمسائل المذكورة، والرجوع إلى مظان الأحاديث النبوية من كتبها الأصيلة، وبيان صحيحها من سقيمها، والتنبيه على مؤولها وغير المعمول بظاهره منها لدى الفقهاء.
3. أن يكون صحيحاً عملاً؛ وذلك بنقل المعتمد من المسائل الفقهية رواية ودراية، فإن العلماء صرحوا بأن الرواية المرجوحة والضعيفة في حكم العدم، وكم من كتب ألفت في الفقه جعلوها من الكتب غير المعتمدة؛ لنقلها للروايات غير المعمول بها دون التنبيه على ذلك، فقد بذلت قصارى جهدي لذكر الصحيح والمعتمد والمفتى به من الفروع، مع التنبيه على غيره في الهامش ما أمكن.
4. أن يكون صحيحاً تفقيهاً؛ وذلك بأن يكون ممهداً للطالب لدراسة متون الفقه وشروحها وحواشيها وفهم عباراتها، والوقوف على قيودها وضوابطها بالحفاظ على عبارة الفقهاء مع فك الضمائر، والتفريع بالنقاط المرقمة ليسهل تصور المسألة وفهمها، والبعد عن العبارات الإنشائية التي تخرج الفقه عن حقيقته؛ لذلك تحتاج القراءة فيه إلى إمعان النظر والتدقيق.
5. أن يكون صحيحاً تخريجاً؛ وذلك بعد تمهيد فروع المذهب الحنفي وذكر ضوابطه ودقائقه المختلفة مع دليلها، فإنه يمكننا معرفة حكم المسائل المستجدة في زماننا على ما سبق من الفروع بالتخريج عليها، والفهم منها.
ونحن أحوج ما يكون إلى ما سبق ذكره لنخرج بالفقه من القيل والقال والجدل والجدال إلى التطبيق الفعلي، فإن الله - جل جلاله - أنزل علينا القرآن الكريم وذكر فيه الصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها مجملة، فقال - جل جلاله -: {وَأَقِيمُوا
الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} (¬1)، وقال - جل جلاله -: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} (¬2)، وقال - جل جلاله -: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} (¬3)، ولم يفصّل فيها في حين أننا نجد القرآن اهتمّ كثيراً بجانب الدعوة في سبيل الله تعالى وكيفيتها ووسائلها، ففي كل سورة من القرآن يذكر الدعوة بذكر أمثلة لها وصور حية من حياة الأنبياء - عليه السلام -.
فهذا يفيدنا أنه يجب علينا أن نفرغ جهدنا للدعوة لله - جل جلاله - (¬4)، ولا يكون ذلك إلا بحصر الجانب الفقهي من الأحكام الشرعية لدى المسلم بمذهب فقهي يعتمد عليه دراسة وتطبيقاً وتدريساً مع ترك الجدال والخلاف.
وبذلك نستيطع تكريس طاقات الأمة للاستفادة منها في المحافظة على الإسلام والمسلمين وإقامة شرعه والحكم بما أنْزل، ونكون خطونا الخطوة الصحيحة؛ لتحقيق قوله - جل جلاله -: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (¬5).
وفي الختام، نتوجه إلى الله سبحانه أن يكون هذا العمل خالصاً لوجه الكريم، وأن يتقبّله منّا، ويجعله في ميزان حسناتنا يوم الدين، وأن يغفر لي
¬
(¬1) البقرة: من الآية43.
(¬2) البقرة: من الآية183.
(¬3) البقرة: من الآية196
(¬4) هذه الفائدة سمعتها من شيخنا العلامة المفتي محمد رفيع العثماني رئيس جامعة دار العلوم بكراتشي حفظه الله تعالى نقلها عن والده الإمام المفتي محمد شفيع رحمه الله تعالى، ونفعنا بعلومهم.
(¬5) الرعد: من الآية11.
ولوالدي وأجدادي وشيوخي وزوجتي وللمسلمين والمسلمات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
الجمعة 29/ربيع الثاني/1425هـ
الموافق 18/حزيران/2004مـ
الأردن/عمان /صويلح
الباب الأول
فقه الأيمان
المبحث الأول
تعريف اليمين
أولاً: لغة:
الأيمان جمع يمين، وهو مشترك بين ما يلي:
1. اليد اليمنى، قال - جل جلاله -: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ} (¬1). (¬2)
2. القوّة؛ قال - جل جلاله -: {لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} (¬3): قيل: أي بقوّة وقدرة. وقيل: أي لأخذنا يده اليمنى فمنعناه عن التصرف. وقال - جل جلاله -: {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ} (¬4)، فيها أقاويل ثلاثة:
أ. ضرباً بيده اليمنى.
ب. ضرباً بالقوة.
¬
(¬1) الواقعة:27.
(¬2) ينظر: فتح باب العناية 2: 246، وغيره.
(¬3) الحاقة:45.
(¬4) الصافات:93.
ت. ضرباً بقسمه الذي قال: {وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} (¬1).
3. القَسَم؛ قال - جل جلاله -: {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ} (¬2)، وقال - جل جلاله -: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} (¬3)، وقال - جل جلاله -: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ} (¬4)، وقال - جل جلاله -: {أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} (¬5)، وسمي القسم يميناً لما يلي:
أ. أنهم كانوا إذا تحالفوا تصافحوا بالأيمان تأكيداً؛ لما عقدوا.
ب. أن الحالف يتقوَّى بيمينه على تحقيق ما قرنه بها من تحصيل أو امتناع (¬6).
قال ابن الهُمام (¬7) (¬8): ((اليمين في الأصل القوة. قال الشاعر:
¬
(¬1) الأنبياء: من الآية57.
(¬2) التوبة: من الآية12.
(¬3) المائدة: من الآية108.
(¬4) التوبة: من الآية12.
(¬5) القلم: من الآية39.
(¬6) ينظر: طلبة الطلبة ص66 - 67، والقاموس 4: 280 - 2815، والمغرب ص515، والمصباح ص682، وغيرها.
(¬7) وهو الفقيه الأصولي المحدث، كمال الدين، محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السَّكَنْدَرِيّ السِّيوَاسِيّ الأصل القَاهِريّ الحَنَفِي، من مؤلفاته: فتح القدير على الهداية، وتحرير الأصول، والمسايرة في العقائد، وزاد الفقير مختصر في مسائل الصَّلاة، ورسالة في إعراب سبحان الله وبحمده، قال اللكنوي: كلها مشتملة على فوائد قلما توجد في غيرها، (790 - 861هـ). ينظر: الضوء اللامع 6: 127. والفوائدص296 - 298. الكشف1: 358.
(¬8) في فتح القدير 4: 114، وغيره.
إن المقاديرَ بالأوقات نازلةٌ ... ولا يمين على دفع المقادير
أي لا قوّة, وسمِّيت إحدى اليدين باليمين لزيادة قوتها بالنسبة إلى الأخرى, وسمي الحلف بالله يميناً؛ لإفادته القوة على المحلوف عليه من الفعل أو الترك، والحمل عليه بعد تردد النفس فيه, ولا شكّ في إفادة تعليق المكروه للنفس على أمر بحيث يَنْزل شرعاً عند نزوله قوّة الامتناع عن ذلك الأمر، وتعليق المحبوب لها على ذلك الحمل عليه فكان يميناً)) (¬1).
ثانياً: شرعاً:
عرف اليمين بتعاريف متنوعة في عباراتها تفيد المقصود، منها:
1. تقوية الخبر بذكر الله أو التعليق (¬2).
بذكر الله: أي والله لأفعلنّ كذا، أو والله لا أفعل كذا.
التعليق: يعني تعليق الجزاء بالشرط نحو: إن فعلت فكذا، أو إن لم أفعل فكذا، أو إن دخلت الدار فأنت طالق أو أنت حر وما أشبه ذلك؛ لأنه التزم حكماً بالشرط، وله ولاية إلزامه؛ وهو ليس بيمين وضعاً، وإنّما سمِّي بها عند الفقهاء؛ لحصول ما هو المقصود من اليمين به، وهو الحمل على الشرط أو المنع عنه، فكان يميناً، حتى لو حلف أن لا يحلف فحلف بالطلاق
¬
(¬1) ينظر: البحر الرائق 4: 2، ورد المحتار3: 45، وغيرهما.
(¬2) درر الحكام 2: 38، وفتح باب العناية 2: 246، وغيرها.
ونحوه حنث بالتعليق (¬1) إلا في خمسة مسائل؛ لأنها لم تتمحض للتعليق (¬2).
¬
(¬1) ينظر: فتح باب العناية 2: 246، ودرر الحكام 2: 38، والتبيين 3: 107، والشرنبلالية 2: 38، ورد المحتار 3: 705، وغيرهما.
(¬2) وهذه المسائل الخمسة هي:
1. ... أن يعلِّق بأفعال القلوب؛ كأنت طالق إن أردت أو أحببت؛ فلأن هذا يستعمل في التمليك؛ ولذا يقتصر على المجلس.
2. ... أن يعلِّق بمجيء الشهر في ذوات الأشهر؛ كأنت طالق إذا جاء رأس الشهر أو إذا أهل الهلال، إن كانت المرأة من ذوات الأشهر دون الحيض؛ لأنه مستعمل في بيان وقت السنة؛ لأن رأس الشهر في حقّها وقت وقوع الطلاق السني لا في التعليق.
3. ... بالتطليق؛ كأنت طالق إن طلقتك؛ فلأنه يحتمل الحكاية عن الواقع، وهو كونه مالكاً لتطليقها فلم يتمحض للتعليق.
4. ... أن يقول: إن أديت إلي كذا فأنت حر, وإن عجزت فأنت رقيق: كقوله: إن أديت إلي ألفاً فأنت حر; وإن عجزت فأنت رقيق؛ فلأنه تفسير للكتابة.
5. ... إن حضت حيضة أو عشرين حيضة؛ كأنت طالق إن حضت حيضة أو عشرين حيضة؛ فلأن الحيضة الكاملة لا وجود لها إلا بوجود جزء من الطهر فيقع في الطهر، فأمكن جعله تفسيراً لطلاق السنة فلم يتمحّض للتعليق.
6. ... وحيث لم يتمحَّض للتعليق في هذه الخمس لا يحمل على التعليق حيث أمكن غيره صوناً لكلام العاقل عن المحظور، وهو الحلف بالطلاق.
وإنّما حنث في: إن حضت فأنت طالق؛ لأنه لا يمكن جعله تفسيراً للبدعي؛ لأن البدعي أنواع, بخلاف السني فإنه نوع واحد, وحنث أيضاً في: أنت طالق إن طلعت الشمس مع أن معنى اليمين، وهو الحمل أو المنع مفقود، ومع أن طلوع الشمس متحقِّق الوجود لا خطر فيه؛ لأنا نقول: الحمل والمنع ثمرة اليمين وحكمته, فقد تم الركن في اليمين دون الثمرة, والحكمة والحكم الشرعي في العقود الشرعية يتعلَّق بالصورة لا بالثمرة والحكمة؛ ولذا لو حلف لا يبيع فباع فاسداً حنث؛ لوجود ركن البيع وإن كان المطلوب منه وهو الملك غير ثابت ينظر: رد المحتار 3: 45 - 46، وغيره.
2. تقوية أحد طرفي الخبر بالمقسم به (¬1).
وطرفا الخبر هما: الفعل والترك.
قال الشُّرُنْبُلاليّ (¬2) (¬3) وشيخ زاده (¬4) (¬5): ((هذا التعريف أولى من تعريف: تقوية الخبر ... ؛ لشموله الحلف بصفات الذات؛ ولكون التقوية لمتعلّق الخبر لا ذات الخبر)).
3. عبارة عن عقد قوي به عزم الحالف على الفعل أو الترك (¬6).
فهو يقوى به عزم الحالف على الفعل في مثل: إن لم أدخل الدار
¬
(¬1) ينظر: ملتقى الأبحر 1: 538، والشرنبلالية 2: 38، ومجمع الأنهر 1: 538، وغيرها.
(¬2) وهو الفقيه أبو الإخلاص، حسن بن عمَّار بن علي الشُّرُنْبَلالِيّ المصريّ الوفائيّ الحَنَفيّ، قال المحبي: كان من أعيان الفقهاء وفضلاء عصره، ومن سار ذكره، فانتشر أمره، وهو أحسن المتأخرين ملكة في الفقه وأعرفهم بنصوصه وقواعده وأنداهم قلما في التحرير والتصنيف، وكان المعوَّل عليه في الفتاوى في عصره من مؤلفاته: حاشية على الدرر والغرر، وشرح الوقاية، وشرح منظومة ابن وهبان، ومراقي الفلاح شرح نور الإيضاح، (994 - 1069هـ). ينظر: خلاصة الأثر2: 38 - 39. طرب الأماثل ص466 - 469. رد المحتار1: 13 - 14.
(¬3) في حاشية الدرر 2: 38.
(¬4) وهو الفقيه عبد الرَّحمنِ بنُ محمَّدِ بنِ سليمان الرومي الحَنفيّ، المعروف بشيخ زاده، من أهل كليبولي بتركيا، من مؤلفاته: مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، نظم الفرائد في مسائل الخلاف بين الماتريدية والأشعرية، (ت1078هـ)، ينظر: الكشف1814:2، الأعلام4: 109.
(¬5) في مجمع الأنهر 1: 538.
(¬6) تبيين الحقائق 3: 107، وتنوير الأبصار 3: 45، والفتاوى الهندية 2: 51، وغيرها.
فزوجتي طالق، وعلى الترك في مثل إن دخلت الدار.
قال ابن الهمام (¬1): ((أما مفهومه الاصطلاحي، فجملة أولى إنشائية مقسم
فيها باسم الله تعالى أو صفة يؤكّد بها مضمون ثانية في نفس السامع ظاهراً، أو تحمل المتكلم على تحقيق معناها.
فدخلت بقيد ظاهراً: الغموس، أو التزام مكروه كَفَّر، أو زوال ملك على تقدير ليمنع عنه، أو محبوب؛ ليحمل عليه، فدخلت التعليقات مثل: إن فعل فهو يهودي، وإن دخلتُ فأنتِ طالق: أي إن دخلتُ؛ لمنع نفسه، وبكسرها؛ لمنعها: أي المرأة، وإن بشرتني فأنت حر)) (¬2).
فبين المفهوم اللغوي والشرعي عموم من وجه لتصادقهما في اليمين بالله، وانفراد اللغوي في الحلف بغيره مما يعظم، وانفراد الاصطلاحي في التعليقات (¬3).
• • •
¬
(¬1) في فتح القدير 5: 59.
(¬2) ينظر: البحر الرائق 4: 300، والشرنبلالية 2: 38.
(¬3) ينظر: مجمع الأنهر 1: 539، وغيره.
المبحث الثاني
مشروعيته
واليمين مشروعة بكتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين:
1. الكتاب؛ فيه آيات عديدة في جوازه، منها قوله - جل جلاله -: {قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} (¬1)، وقوله - جل جلاله -: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (¬2).
2. السنة النبوية؛ ورد فيها أحاديث لا تحصى في القسم بالله - جل جلاله -، بألفاظ مختلفة: كوالذي نفسي بيده، وأيم الله، والذي نفس محمد بيده، والله، وتالله، ورب الكعبة. قال - صلى الله عليه وسلم -: (والله لأغزون قريشاً) (¬3).
3. الإجماع؛ وقد نقله غالبية الفقهاء عند ذكرهم الأيمان (¬4).
• • •
¬
(¬1) يوسف: من الآية85.
(¬2) الشعراء:97.
(¬3) في صحيح ابن حبان 10: 185، وسنن أبي داود 3: 231، وسنن البيهقي الكبير 10: 47، وغيرها.
(¬4) ينظر: فتح باب العناية 2: 246، والتبيين 3: 107، وغيرهما.
المبحث الثالث
أركان اليمين
تمهيد:
ركن اليمين بالله تعالى: هو اللفظ الذي يستعمل في اليمين بالله تعالى، وهو مركب من المقسم عليه والمقسم به.
والمقسم به له حالان:
1. أن يكون صفة، بأن يذكر صفة متعارف عليها لله تعالى: كعزته وعظمته كما سيأتي.
2. أن يكون اسماً، وله وجهان:
أ. أن يكون محذوفاً، مثاله ما جاء في الحديث على لسان سيدنا سليمان - عليه السلام -: (لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، كلهن تأتي بغلام يقاتل في سبيل الله) (¬1).
ب. أن يكون مذكوراً، وله صورتان:
¬
(¬1) في صحيح مسلم 3: 1275، وصحيح البخاري 3: 1038.
1) أن يكون صريحاً، بأن يذكر اسماً من أسماء الله تعالى نحو الله، والرحمن.
2) أن يكون كناية (¬1)، مما يكون اعتقاده كفراً مثلاً: كإن فعل كذا فهو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو بريء عن الإسلام، أو كافر، أو يعبد من دون الله، أو يعبد الصليب، أو نحو ذلك، فالحلف بهذه الألفاظ متعارف بين الناس فإنهم يحلفون بها من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا من غير نكير ولو لم يكن ذلك حلفاً لما تعارفوه؛ لأن الحلف بغير الله تعالى معصية فدلّ تعارفهم على أنهم جعلوا ذلك كناية عن الحلف بالله - جل جلاله - وإن لم يعقل وجه هذه الكناية. فوجه الكناية فيه كقول العرب: لله علي أن أضرب ثوبي حطيم الكعبة إن ذلك جعل كناية عن التصدق في عرفهم وإن لم يعقل وجه الكناية فيه كذا هذا (¬2).
فلا بدّ في ركن اليمين بالله تعالى من ذكر اسم الله - جل جلاله - أو صفته.
أما ركن اليمين بغير الله تعالى: ذكر شرط صالح وجزاء صالح.
ومعنى صلاحية الشرط: أن يكون معدوماً على خطر الوجود.
ومعنى صلاحية الجزاء: أن يكون الجزاء غالب الوجود عند وجود الشرط؛ ليتحقق الحمل أو المنع، وقد يكون متحقّق الوجود عند وجود الشرط كالتعليق بالملك وسببه (¬3).
¬
(¬1) بدائع الصنائع 3: 5، وغيره.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع 3: 8، وغيره.
(¬3) ينظر: التبيين 3: 107، والفتاوى الهندية 2: 51، وغيرهما.
المبحث الرابع
شروط اليمين
أنواع شروط اليمين، هي:
* الأول: شروط الحالف:
1. أن يكون عاقلاً؛ فلا يصحّ يمين المجنون.
2. أن يكون بالغاً؛ فلا يصحّ يمين الصبي وإن كان عاقلاً; لأنها تصرف إيجاب، والصبي والمجنون ليسا من أهل الإيجاب ولهذا لم يصح نذرهما.
3. أن يكون مسلماً؛ فلا يصحّ يمين الكافر (¬1) لما يلي:
أ. قوله - جل جلاله -: {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ} (¬2).
¬
(¬1) وقال الشافعي - رضي الله عنه -: يصح يمين الكافر؛ لأنه يصح استحلافه بالدعاوي، ويصح عنده تكفير الكافر، كما في النكت 3: 172 - 173، وقال محققه: وقد ذكرت في كتب الشافعية من تصح يمينه ومن لا تصح، ولم يصرحوا بها عن الكافر، بل قالوا: تصح اليمين من كل مكلف مختار، ولا تصح من الصبي والمجنون والمكره. ينظر: الحلية 7: 243، ومغني المحتاج 4: 320، وغيرهما.
(¬2) التوبة: من الآية12.
ب. أنّه ليس بأهل لليمين؛ لأن المقصود منها البر تعظيماً لاسم الله
تعالى، والكافر ليس من أهله؛ لأنه هتك حرمة اسم الله تعالى بإصراره على الكفر، والتعظيم مع الهتك لا يجتمعان (¬1).
ت. أن الكفارة عبادة والكافر ليس من أهلها، والدليل على أن الكفارة عبادة أنها لا تتأدّى بدون النية، وكذا لا تسقط بأداء الغير عنه، وهما حكمان مختصان بالعبادات؛ إذ غير العبادة لا تشترط فيه النية (¬2).
واشتراط الإسلام إنما يناسب اليمين بالله تعالى واليمين بالقرب نحو إن فعلت كذا فعلي صلاة , وأما اليمين بغير القرب نحو: إن فعلت كذا فأنت طالق فلا يشترط له الإسلام كما لا يخفى.
والحاصل أن الإسلام شرط لليمين الموجبة لعبادة من كفارة أو نحو صلاة وصوم في يمين التعليق؛ إذ لا كفارة بيمين كافر وإن حنث مسلماً، وأن الكفر يبطلها, فلو حلف مسلماً ثم ارتد ثم أسلم ثم حنث فلا كفارة، وحينئذ فالإسلام شرط انعقادها وشرط بقائها.
وأما تحليف القاضي له فهو يمين صورة رجاء نكوله, ومقتضى هذا أنه لا إثم عليه في الحنث بعد إسلامه ولا في ترك الكفارة, وكذا في حال كفره بالأولى على القول بتكليفه بالفروع (¬3).
¬
(¬1) فتح باب العناية 2: 259، وغيره.
(¬2) ينظر: بدائع الصنائع 3: 11، وغيره.
(¬3) ينظر: رد المحتار 3: 46، وغيره.
ويخرج من شروط الحالف:
1. الحرية؛ فليست بشرط فتصح يمين المملوك إلا أنه لا يجب عليه للحال الكفارة بالمال؛ لأنه لا ملك له، وإنما يجب عليه التكفير بالصوم، وللمولى أن يمنعه من الصوم، وكذا كل صوم وجب بمباشرة سبب الوجوب من العبد؛ كالصوم المنذور به; لأن المولى يتضرر بصومه والعبد لا يملك الإضرار بالمولى، ولو أعتق قبل أن يصوم يجب عليه التكفير بالمال; لأنه استفاد أهلية الملك بالعتق.
2. الطواعية؛ ليست بشرط فيصح من المكره (¬1)؛ لأنها من التصرفات التي لا تحتمل الفسخ، فلا يؤثر فيه الإكراه كالطلاق والعتاق والنذر وكل تصرف لا يحتمل الفسخ.
3. الجد والعمد (¬2)؛ فتصحّ من الخاطئ والهازل (¬3).
فتجب الكفارة وإن كان الحلف بطريق السهو أو الإكراه، قال الإمام المَرْغيناني (¬4) (¬5): ((القاصد في اليمين والمكره والناسي سواء)).
¬
(¬1) وعند الشافعي - رضي الله عنه - إذا فعل المحلوف عليه ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً لم يحنث في أحد القولين. ينظر: النكت 3: 205، وغيره.
(¬2) وعند الشافعي - رضي الله عنه - لا تجب الكفارة إن كان سهواً أو مكرهاً. ينظر: مغني المحتاج 4: 324، والتنبيه ص122، وتحفة المحتاج 10: 3، وتحفة الحبيب 4: 356، وغيرها.
(¬3) ينظر: بدائع الصنائع 3: 10 - 11، والفتاوى الهندية 2: 51، وغيرهما.
(¬4) في الهداية 2: 72.
(¬5) وهو الفقيه الأصولي أبو الحسن، برهان الدين، علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفَرْغَانِيّ المَرْغِينَانِيّ، قال الكفوي: كان إماماً فقيهاً حافظاً مفسِّراَ جامعاً للعلوم ضابطاً للفنون، متقناً محقِّقاً نظاراً مدققاً زاهداً ورعاً بارعاً فاضلاً ماهراً أصولياً أديباً شاعراً لم تر العيون مثله في العلم والأدب، وله اليد الباسطة في الخلاف والباع الممتد في المذهب، ومن مؤلفاته: الهداية، والتجنيس، ومختارات النوازل، وكفاية المنتهى، ومختار الفتاوى، (ت593هـ). ينظر: الجواهر المضية2: 627 - 629. تاج التراجم ص206 - 207. الفوائد ص230. مقدِّمة الهداية3: 2.
والمرادُ بالنَّاسي: السَّاهي (¬1)، وهو الذي حلفَ من غير قصد، كما يقال: ألا تأتيتنا، فقال: بلى والله، من غير قصد اليمين؛ وكذا في الإغماء والجنون، فتجب الكفارة بالحنث كيفما كان؛ لأن وجوب الكفارة تترتب شرعاً على وجود الحنث بفعله وهو لا ينعدم بكونه سهواً أو إكراها أو حالة الجنون أو حالة الإغماء فكلما يوجد الحنث بفعله يترتب عليه وجوب الكفارة ولا ينافي ذلك عدم لزوم الإثم في بعض الصور (¬2).
* الثاني: شروط المحلوف عليه:
إمكان البرّ بها؛ فهو أن يكون المحلوف عليه متصور الوجود حقيقة عند الحلف, بأن يكون موجوداً عند حلفه، وهو شرط انعقاد اليمين فلا تنعقد على ما هو مستحيل الوجود حقيقة, ولا تبقى إذا صار بحال يستحيل وجوده (¬3)، فلو قال: والله لأشربن الماء الذي في الكوز، فإذا لا ماء فيه لم تنعقد اليمين؛
¬
(¬1) جزم كثير باتحاد السهو والنسيان؛ لأن اللغة لا تفرق بينهما، وفرق بينهما كثير من العلماء، وفيه كلام لطيف يطول المقام لو ذكر، فيحسن للوقوف عليه الرجوع إلى التقرير والتحبير 2: 177، ورد المحتار3: 49، وعمدة الرعاية 2: 223، وغيرها.
(¬2) ينظر: شرح الوقاية ص403، وعمدة الرعاية 2: 224، وغيرهما.
(¬3) ينظر: الدر المختار 3: 46، والفتاوى الهندية 2: 51، والهداية5: 139، والعناية 5: 139، وهذا الشرط عندهما خلافاً لأبي يوسف - رضي الله عنه -.
لعدم شرط الانعقاد، وهو تصور شرب الماء الذي حلف عليه (¬1).
وتفصيل هذه المسألة أنها على وجهين:
1. أن تكون مؤقتة بوقت كاليوم، وله حالان:
أ. أن لا يكون فيه ماء، كإن قال رجل لامرأته: إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز اليوم فأنت طالق أو والله لأشربن الماء الذي في الكوز. وليس في الكوز ماء. فلا يحنث سواء علم وقت الحلف أن فيه ماء أو لم يعلم؛ لأنه إن لم يكن فيه ماء يستحيل الشرب منه واليمين على المحال لا تنعقد.
ب. أن يكون فيه ماء فصب (أهرق)، كإن قال رجل لامرأته: إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز اليوم فأنت طالق أو والله لأشربن الماء الذي في الكوز. وكان فيه ماء فأهرق بفعل الحالف أو من غيره قبل غروب الشمس. فلا يحنث؛ لأنه إن كان فيه ماء فصب قبل انتهاء الوقت؛ إذ البرّ في المؤقت يجب في آخر الوقت، وعند ذلك يستحيل البر فيه فبطلت لانعقادها، ثم طرأ العجز عن الفعل قبل آخر المدة لفوات شرط بقائها، وهو تصور البر حال البقاء إلى آخر الوقت؛ لأن للحالف أن يختار الفعل في أي وقت شاء فما لم يمض ذلك الوقت لا يتحقق ترك الفعل؛ لأن الفعل يتعين عليه في آخر أجزاء الوقت المقدر فإذا فات الجزء الآخر فلم يفعل يحنث حينئذ.
2. أن تكون مطلقة لا مؤقتة بوقت، وله حالان:
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 3: 11، والتبيين 3: 135، وغيرهما.
أ. أن لا يكون فيه ماء، كإن قال رجل لامرأته: إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز فأنت طالق. أو والله لأشربن الماء الذي في الكوز. ولم يكن في الكوز ماء. فلا يحنث؛ لأنه لا ينعقد اليمين لاستحالة البرّ للحال؛ إذ لا يتصور البر فلم تنعقد اليمين لفوات المقصود، ولا حنث بدون انعقاد اليمين فلا تجب الكفارة بلا حنث (¬1)، قال الأتقاني (¬2): ((تحقيقه: أن اليمين لا توجب الكفارة لذاتها؛ ولهذا لا تجب الكفارة في اللغو واليمين الغموس مع أنهما يمينان، وإنما تجب الكفارة بالحنث، فكلُّ يمين استحال فيها البر استحال فيها الحنث، فلما استحال شرب ما لم يكن في الكوز استحال البر، فلما استحال البر استحال الحنث؛ لأن الترك إنما يكون فيما يصح وجوده)) (¬3).
ب. أن يكون فيه ماء فصب (أهرق)، كإن قال رجل لامرأته: إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز فأنت طالق. أو والله لأشربن الماء الذي في
¬
(¬1) ينظر: الهداية 5: 138 - 140، والتبيين 3: 134 - 135، وفتح القدير 5: 138 - 140، وحاشية التبيين 3: 134، والعناية 5: 138 - 140، ومجمع الأنهر 1: 464 - 465، والدر المختار 3: 786 - 788، ورد المحتار 3: 786 - 788، وغيرها.
(¬2) وهو الفقيه الأصولي، قوام الدين، أبو حنيفة، أمير كاتب بن أمير عمر بن أمير غازي الإَِتْقَانيّ الفَارَابي الحَنَفي، قال الكفوي: كان رأساً في الحنفية بارعاً في الفقه واللغة، كثير الإعجاب بنفسه شديد التعصب على من خالفه، له: غاية البيان ونادرة الأقران شرح الهداية، وشرح البزدوي، والتبيين شرح المنتخب الحسامي (685 - 758هـ). ينظر: النجوم الزاهرة10: 325 - 326، طبقات ابن الحنائي ص126، الكشف2: 2033، الفوائد ص87 - 90.
(¬3) ينظر: حاشية التبيين 3: 135، وغيره.
الكوز. وكان فيه ماء فأهرق بفعل الحالف أو من غيره، فإنه يحنث؛ لأنها انعقد للتصور وإمكانية البر فيه، فلما فرغ بصب الماء فقد فات البر فيحنث في ذلك الوقت.
وتبطل اليمين عند آخر جزء من الوقت في المؤقتة, ولا تبطل عند آخر جزء من الحياة في المطلقة؛ لأن المقيدة لما كان لها غاية معلومة لم يتعين الفعل إلا في آخر وقتها، فإذا فات المحل فقد فات قبل الوجوب, فتبطل ولا يحنث لعدم إمكان البر وقت تعينه، أما المطلقة فغايتها آخر جزء من الحياة وذلك الوقت لا يمكن البر فيه ولا خلفه وهو الكفارة، ففي تأخير الوجوب إليه إضرار بالحالف؛ لأنه إذا حنث في آخر الحياة لا يمكنه التكفير ولا الوصية بالكفارة, فيبقى في الإثم فتعين الوجوب قبله ولا ترجيح لوقت دون آخر, فلزم الوجوب عقب الحلف موسعاً بشرط عدم الفوات, فإذا فات المحل ظهر أن الوجوب كان مضيّقاً من أول أوقات الإمكان ونظيره ما قرروه في القول بوجوب الحج موسعاً, وبهذا ظهر المعنى الذي لأجله اعتبر آخر الوقت في المؤقتة ولم يعتبر آخر الحياة في المطلقة (¬1).
¬
(¬1) رد المحتار 3: 788، وغيره.
والفرق بين مسألة الكوز سواء كان يعلم بالماء فيه أو لا يعلم (¬1) حيث لا تنعقد اليمين وبين مسألة: ما إذا حلف ليقتلن فلاناً وهو ميت إن علم بموته تنعقد اليمين وإن لم يعلم لا تنعقد:
أنه إذا لم يعلم عقد يمينه على الحياة القائمة، ولم تنعقد اليمين لانعدام المحل كما في مسألة الكوز، وإذا كان عالماً بموته فقد عقد يمينه على تفويت حياة يعيدها الله تعالى، وذلك متصور كما في قوله - جل جلاله -: {فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} (¬2) وتفويت الحياة المحدثة يكون قابلاً لذلك الشخص المحلوف عليه، فتنعقد اليمين ثم يحنث من ساعته لوقوع العجز عادة (¬3).
أما في الكوز فإنه وإن أمكن إحداث الله - جل جلاله - الماء فيه لكنه ماء آخر غير المحلوف عليه. فإن الحلف كان على الماء الكائن فيه حال الحلف ولا ماء فيه إذ ذاك فلذا لا ينعقد (¬4).
¬
(¬1) قال الحصكفي في الدر المختار 3: 788: سواء علم وقت الحلف أن فيه ماء أو لا في الأصح لعدم إمكان البر. وقال ابن عابدين في رد المحتار 3: 787: وصحح الزيلعي الإطلاق, وبه جزم في الفتح. وقال شيخ زاده في مجمع الأنهر 1: 465: كما في أكثر الكتب ويؤيده إطلاقه، لكن الإسبيجابي قيده بعدم علمه بأن لا ماء فيه وأما إذا علم بأن لا ماء فيه يحنث بالاتفاق لتحقق العدم.
قال الطحطاوي: هل يأثم إذا علم أنه لا ماء فيه؟ قياس على ما مر عن التمرتاشي في ليصعدن السماء الإثم. وقال ابن عابدين: وقد مر أن الغموس تكون على المستقبل فهذا منها. ينظر: رد المحتار 3: 787.
(¬2) البقرة: من الآية259.
(¬3) حاشية التبيين 3: 135، وغيره.
(¬4) فتح القدير 5: 140، وغيره.
ويتفرّع على هذا الأصل فروع لا حصر لها منها:
1. إذا حلف ليأكلن هذا الرغيف اليوم فأُكِلَ قبل الليل.
2. إذا حلف ليقضين فلاناً دينه غداً وفلان قد مات ولا علم له، أو مات أحدهما قبل مضي الغد، أو قضاه قبله، أو أبرأه فلان قبله لم تنعقد.
3. إذا حلف لا يعطيه حتى يأذن فلان فمات فلان ثم أعطاه لم يحنث (¬1).
ويخرج بشرط المحلوف عليه السابق:
كون المحلوف متصوّر الوجود عادة بعد أن كان لا يستحيل وجوده حقيقة، فليس بشرط حتى تنعقد على ما يستحيل وجوده عادة بعد أن كان لا يستحيل وجوده حقيقة، كما في مسألة لأصعدن إلى السماء فإنه يحنث للحال (¬2).
وتفصيل هذه المسألة أنها على وجهين:
1. إن كانت اليمين مطلقة: كإن حلف ليصعدن السماء أو ليمسن السماء أو ليقلبن هذا الحجر ذهباً، حنث للحال؛ لأن البرَّ متصوّر حقيقة؛ لأن الصعود إلى السماء ممكن ألا ترى أن الملائكة يصعدونها، وكذلك الجن قال - جل جلاله - حكاية عنهم: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ} (¬3). وكذلك انقلاب الحجر ذهباً ممكن
¬
(¬1) ينظر: فتح القدير 5: 140، وغيره.
(¬2) الفتاوى الهندية 2: 51، وهذا باتفاق الأئمة الثلاثة - رضي الله عنهم -.
(¬3) الجن: من الآية8.
بتحويل الله تعالى، وهو ممكن عند المتكلمين على ما هو الحق من كرامات الأولياء فكان البر متصوراً، فتنعقد يمينه موجبة للبر على وجه تخلفه الكفارة عند فواته كسائر المتصوّرات، بخلاف مسألة الكوز فإنه يستحيل أن يشرب الماء من الكوز الفارغ فلا ينعقد؛ لعدم التصور.
وإنّما يحنث في الحال اعتباراً للعجز الثابت عادة، وهو يصلح لمنع تأخر الحنث دون منع الانعقاد ألا ترى أن الحالف إذا مات يحنث وإن تصور أن يفعل بعده بإحياء الله تعالى؛ ولأن اليمين يعقد للفائدة وقد وجدت، وهي وجوب الكفارة بدلاً عن البرّ، والحكم ببقاء اليمين كان لاحتمال البر، وقد تحقق العجز عنه فلا فائدة في التأخير.
2. إن كانت مؤقتة: كإن حلف ليصعدن السماء هذه السنة، لا يحنث حتى يمضي ذلك الوقت؛ لأنه لم يلتزم البرّ للحال فلا يحنث بتركه للحال (¬1).
* الثالث: شروط الركن، وهي:
1. أن تكون خالية عن الاستثناء، بنحو: إن شاء الله، أو إلا أن يبدو لي غير هذا، أو إلا أن أرى، أو إلا أن أحب (¬2) غير هذا، أو إن أعانني الله، أو يسر الله، أو بمعونة الله، أو تيسيره، ونحو ذلك، فإن قال شيئاً من ذلك موصولاً
¬
(¬1) ينظر: التبيين 3: 135 - 136، وحاشية التبيين 3: 135 - 136، والهداية 5: 141 - 142، والعناية 5: 141 - 142، والدر المختار 3: 789 - 790، ورد المحتار 3: 789 - 790، وغيرها.
(¬2) ينظر: رد المحتار 3: 46، وغيره.
لم ينعقد اليمين، وإن كان مفصولاً انعقدت (¬1) بدليل:
أ. قوله - صلى الله عليه وسلم -: (مَن حلف فقال: إن شاء الله فقد استثنى) (¬2).
ب. قوله - صلى الله عليه وسلم -: (مَن حلف على يمين فقال: إن شاء الله فقد استثنى فلا حنث عليه) (¬3).
ت. قوله - صلى الله عليه وسلم -: (مَن حلف فاستثنى فإن شاء رجع وإن شاء ترك غير حنث) (¬4).
وأجمع العلماء على أن الرجل متى استثنى في يمينه لم يحنث، والاستثناء إنما يمنع انعقاد اليمين إذا كان متصلاً باليمين بحيث لا يفصل بينهما كلام أجنبي، ولا يسكت بينهما سكوتاً يمكنه الكلام فيه، فأما السكوت لانقطاع نفسه أو صوته أو عي أو عارض من عطشه أو شيء غيرها فلا يمنع صحة الاستثناء وثبوت حكمه (¬5).
2. أن لا يكون فاصل من سكوت ونحوه، فلو قال شخص لآخر: قل بالله، فقال: مثله، ثم قال: لتأتين يوم الجمعة، فقال الرجل مثله، فلم يأت لا يحنث؛ لأنه بالحكاية والسكوت صار فاصلاً بين اسم الله تعالى وحلفه (¬6).
¬
(¬1) الفتاوى الهندية 2: 52، وغيرها.
(¬2) في المنتقى: 1: 233، وصحيح ابن حبان 10: 182، وسنن الدارمي 2: 242، سنن أبي داود 3: 225، وسنن النسائي 3: 141، وغيرها.
(¬3) في جامع الترمذي 4: 108، وحسنه.
(¬4) في سنن أبي داود 3: 225، ومسند أبي عوانة 4: 51، وغيرهما.
(¬5) تكملة فتح الملهم ص2: 214، وغيره.
(¬6) ينظر: رد المحتار 3: 46، والفتاوى الهندية 2: 51، وغيرهما.
3. وكذا أن لا يدخل بين الشرط والجزاء حائل فإذا دخل لم يكن يميناً وتعليقاً بل تنجيزاً (¬1).
• • •
¬
(¬1) الفتاوى الهندية 2: 51، وغيرها.
المبحث الخامس
حكم اليمين
سبق أن لليمين هيئتان:
الأولى: يمين بالله تعالى أو بصفاته، قال الزَّيْلَعِيّ (¬1) (¬2): ((واليمين بالله تعالى لا يكره, وتقليله أولى من تكثيره)).
وحكمه البر به أصلاً، والكفارة خلفاً، وأنت خبير بأن الكفارة خاصّة باليمين بالله تعالى، فيجب البرّ فيما إذا حلف على طاعة, ويحرم فيما إذا حلف على معصية، ويندب فيما إذا كان عدم المحلوف عليه جائزاً، وسيأتي تفصيله.
والأصل في اليمين الإباحة (¬3).
¬
(¬1) وهو أبو عمرو، فخر الدِين، عثمان بن علي بن محجن الزَّيْلَعيّ الصُّوفِيّ البَارِعيّ، قال الكفوي: كان مشهوراً بمعرفة الفقه والنحو والفرائض، من مؤلفاته: شرح الجامع الكبير، وبركة الكلام على أحاديث الأحكام، وتبيين الحقائق، (ت743هـ). ينظر: تاج التراجم ص204. الفوائد البهية194.
(¬2) في تبيين الحقائق 3: 107.
(¬3) الأصل في اليمين الإباحة عند المالكية. ينظر: الموسوعة الكويتية 9: 290 - 291، والأصل في اليمين الإباحة عند الحنابلة ما لم يفرط فيها، قال ابن قدامة في المغني 9: 386 - 387: ويكره الإفراط في الحلف بالله تعالى ; لقول الله تعالى: {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ} [القلم:10]. وهذا ذم له يقتضي كراهة فعله. فإن لم يخرج إلى حد الإفراط , فليس بمكروه , إلا أن يقترن به ما يوجب كراهته. وينظر: كشاف القناع 6: 303. وللحنابلة تقسيم في اليمين إلى واجبة وسنة ومكروهة ومباحة وغيرها. وينظر: المغني 9: 388، والموسوعة الكويتية 7: 291، وغيرهما.
والأصل في اليمين الكراهة إلا في طاعة عند الشافعية، قال المحلي في شرحه 4: 274: وتصح اليمين على ماض ومستقبل، نحو: والله ما فعلت كذا أو فعلته والله لأفعلن كذا أو لا أفعله. وهي مكروهة قال تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم}، إلا في طاعة كفعل واجب أو مندوب وترك حرام أو مكروه فطاعة. . وينظر: أسنى المطالب 4: 246، وتحفة المحتاج 1: 13 وغيرهما.
قال السَّرَخْسيّ (¬1) (¬2): ((لا بأس للإنسان أن يحلف مختاراً))؛ بدليل:
1. أنه حلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير مرة من غير ضرورة كانت له في ذلك.
2. أن الحلف بالله تعظيم له , وربّما ضم إلى يمينه وصف الله تعالى بتعظيمه وتوحيده, فيكون مثاباً على ذلك.
3. أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحلف كثيراً, وقد كان يحلف في الحديث الواحد أيماناً كثيرة, وربّما كرر اليمين الواحدة ثلاثاً, ولو كان هذا مكروها, لكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أبعد الناس عنه (¬3). من ذلك:
¬
(¬1) وهو الفقيه الأصولي، أبو بكر، شمس الأئمة، محمد بن أحمد بن أبي سهل السَّرَخْسِيّ، قال الكفوي: كان إماماً علامة حجَّة متكلماً مناظراً أصولياً مجتهداً،. من مؤلفاته: شرح السير الكبير، وأصول السرخسي، وشرح مختصر الطحاوي، توفي في حدود (500)، ينظر: تاج التراجم ص234، الجواهر المضية 3: 78، الفوائد ص261، الكشف1: 112.
(¬2) في المبسوط 8: 149.
(¬3) ينظر: المغني 9: 387 وغيره.
أ. أنه - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبة الكسوف: (والله يا أمة محمد, ما أحد أغير من الله أن يزني عبده, أو تزني أمته, يا أمة محمد, والله لو تعلمون ما أعلم, لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) (¬1).
ب. عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - (جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال فخلا بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: والذي نفسي بيده إنكم لأحب الناس إلي ثلاث مرات) (¬2).
ت. عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (والله لأغزون قريشاً، والله لأغزون قريشاً، والله لأغزون قريشاً ثم سكت فقال: إن شاء الله) (¬3).
وأما قوله - جل جلاله -: {وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ} (¬4). قال الجصاص (¬5) (¬6): ((فيه وجهان:
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 354، وغيره.
(¬2) في صحيح مسلم 4: 1948، وغيره.
(¬3) في صحيح ابن حبان 10: 185، وسنن البيهقي الكبير 10: 47، وسنن أبي داود 3: 231، وغيرها.
(¬4) البقرة:224.
(¬5) وهو الفقيه الأصولي المفسر أبو بكر، أحمد بن عليّ الجَصَّاص الرَّازِيّ، إمام أصحاب أبي حنيفة في وقته، من مؤلفاته: أحكام القرآن، وشرح مختصر الكرخي، وشرح مختصر الطَّحاوي، وشرح الجامع، وأدب القضاء. وشرح الأسماء الحسنى، (305 - 370). ينظر: الجواهر 1: 220 - 224. طبقات ابن الحنائي ص66 - 67. الفوائد ص3 - 54. طبقات المفسرين 1: 55.
(¬6) في أحكام القرآن للجصاص 1: 482 - 483.
الأول: أن تجعل يمينه مانعة من البر والتقوى والإصلاح بين الناس، فإذا طلب منه ذلك قال: قد حلفت؛ فيجعل اليمين معترضة بينه وبين ما هو مندوب إليه أو هو مأمور به من البر والتقوى والإصلاح، فإن حلف حالف أن لا يفعل ذلك فليفعل وليدع يمينه ...
الثاني: أن يكون قوله - جل جلاله -: {عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ} يريد به كثرة الحلف, وهو ضرب من الجرأة على الله تعالى وابتذال لاسمه في كل حق وباطل; لأن تبروا في الحلف بها وتتقوا المأثم فيها ... )).
وقال السَّرَخْسيّ (¬1): ((وتأويل تلك الآية أنه يجازف في الحلف من غير مراعاة البر والحنث)).
وقال ابنُ قدامة (¬2) (¬3): ((فمعناه لا تجعلوا أيمانكم بالله - جل جلاله - مانعة لكم من البرّ والتقوى والإصلاح بين الناس, وهو أن يحلف بالله أن لا يفعل براً ولا تقوى ولا يصلح بين الناس, ثم يمتنع من فعله؛ ليبر في يمينه, ولا يحنث فيها , فنهوا عن المضي فيها)).
¬
(¬1) في المبسوط 8: 149.
(¬2) وهو الإمام الفقيه المحدث الأصولي أبو محمد، موفق الدين، عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي النابلسي الجُمَّاعِيل الصالحي الحنبلي، قال المحبي: انتهت إليه معرفة المذهب، وأصوله كان تقياً ورعاً زاهداً مستغرق الأوقات في العلم والعمل. من مؤلفاته: المغني شرح الخرقي، الكافي، المقنع، العمدة، (541ـ620هـ). ينظر: مرآة الجنان 4: 47 - 48، والأعلام4: 191 - 192.
(¬3) في المغني 9: 387.
الثانية: يمين بغير الله تعالى، ويدخل فيها ما يلي:
أ. تعليق الجزاء بالشرط، وهي مشروعة ولا تكره؛ لأنه ليس فيه تعظيم، بل فيه الحمل أو المنع مع حصول الوثيقة لا سيما في زماننا، فيثق الخصم بصدق الحالف في التعليق بالطلاق وغيره مما ليس فيه حرف القسم.
وإنما كانت الوثيقة فيه أكثر من الحلف بالله تعالى في زماننا؛ لقلة المبالاة بالحنث ولزوم الكفارة. أما التعليق فيمتنع الحالف فيه من الحنث خوفاً من وقوع الطلاق وغيره.
وهذا النوع ينقسم إلى قسمين:
الأول: يمين بالقرب؛ فهو أن يقول: إن فعلت كذا فعلي صوم أو صلاة أو حجّة أو عمرة أو بدنة أو هدي أو عتق رقبة أو صدقة أو نحو ذلك. وهذا هو النذر كما سيأتي تفصيله.
الثاني: يمين بغير القرب؛ فهي الحلف بالطلاق والعتاق (¬1).
وهذا التعليق وإن سمي عند الفقهاء حلفاً ويميناً لكنه لا يسمى قسماً، فإن القسم خاص باليمين بالله تعالى (¬2).
ب. الحلف بغير الله تعالى لا على وجه الوثيقة؛ كاليمين بالآباء والأنبياء (¬3)
¬
(¬1) ينظر: الفتاوى الهندية 2: 51، وغيره.
(¬2) ينظر: البدائع 3: 2، ورد المحتار 3: 722، وغيرهما.
(¬3) روي عن الإمام أحمد أنه تجب الكفارة بالحلف بالنبي إن حنث، قال الموفق في المغني بعد
ذكر الروايتين: والأول أولى ـ أي عدم انعقاد اليمين به ـ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، ولأنه حلف بغير الله تعالى فلم توجب الكفارة بالحنث فيه كسائر الأنبياء؛ ولأنه مخلوق فلم تجب الكفارة بالحلف به؛ ولأنه ليس بمنصوص عليه ولا في معنى المنصوص، ولا يصح قياس اسم الله على اسمه لعدم الشبه وانتفاء المماثلة. ينظر: إعلاء السنن 11: 388، وغيره.
والصوم والصلاة وسائر الشرائع والكعبة والحرم وزمزم ونحو ذلك (¬1)، كقولهم: وأبيك وحياتك ولعمري (¬2) وغيرها، حيث لا يلزمه بالحنث فيه شيء فلا يحصل به الوثيقة, بخلاف التعليق المذكور، فيحمل عليها النهي في الأحاديث، منها: (مَن كان حالفاً فليحلف بالله تعالى) (¬3)، و (إن الله عز وجل ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) (¬4)، و (ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) (¬5)، فيكره الحلف بها للنهي الصريح عن الحلف بالآباء؛ لما فيه من مشاركة المقسم به لله تعالى في التعظيم.
وأما إقسامه - جل جلاله - بغيره: كالضحى والنجم والليل فقالوا: إنه مختصّ بالله تعالى؛ إذ له أن يعظم ما شاء وليس لنا ذلك بعد نهينا (¬6).
¬
(¬1) ينظر: بدائع الصنائع 3: 21، والفتاوى الهندية 2: 51، وغيرها.
(¬2) أي بقاؤك وحياتك , بخلاف لعمر الله فإنه قسم. ينظر: رد المحتار 3: 705، وغيره.
(¬3) في صحيح مسلم 3: 1276، وصحيح البخاري 2: 951، وغيرهما.
(¬4) في صحيح مسلم 3: 1275، وغيره.
(¬5) في صحيح البخاري 6: 2449 وغيره.
(¬6) ينظر: تفصيل حكم الحلف بغير الله في منحة الخالق 4: 301، ورد المحتار 3: 705، والتبيين 3: 107 وحاشية التبيين 3: 107، وغيرها.
ت. تحريم مباح على نفسه بلفظ: حرام علي كذا أو علي حرام كذا (¬1): من طعام أو شراب أو ثياب أو زوجة أو غير ذلك، بأن قال: حرام عليّ ثوب كذا، أو علي حرام أكل فلان وهكذا، فإنه باستباحته ومعاملته معاملة المباح بأن يأكل منه أو يلبسه يكفِّر عن يمينه (¬2)، فهو بهذا التحريم لا يحرم عليه؛ لأنه فيه قلب المشروع، ولا قدرة عليه.
والدليل على اعتبارها يميناً قوله - جل جلاله -: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} (¬3)، وسبب نزول هذه الآية: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمكث عند زينب بنت جحش رضي الله عنها فيشرب عندها عسلاً، فعلمت به عائشة رضي الله عنها، فتواطأت وحفصة رضي الله عنها أيتهما دخل عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - فلتقل: إني أجد منك ريح المَغَافير، أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما فقالت له ذلك، فقال: بل شربت عسلاً عند زينب بن جحش ولن
¬
(¬1) قال برهان الشريعة في الوقاية ص406: قالوا تطلق عرسه، وبه يفتى. قال ابن عابدين في رد المحتار3: 65: وبه أفتى المتأخّرون لا المتقدّمون، وقد توقف البزدوي في مبسوطه في كون عرف الناس إرادة الطلاق به، فالاحتياط أن لا يخالف المتقدّمين. ومثله في فتح القدير5: 91، والبحر الرائق 4: 319، والشرنبلالية2: 42، ومنحة الخالق 4: 319، وحاشية الشلبي (3: 115، وغيرها.
(¬2) وعند الشافعي - رضي الله عنه - هذا الطعام علي حرام لم يلزمه شيء، وإن قال: هذه المرأة أو هذه الأمة علي حرام، وأراد تحريمها لزمه كفارة يمين بنفس اللفظ. ينظر: النكت 3: 203، وغيره.
(¬3) التحريم: من الآية2.
أعود) (¬1)، والمغافير صمخ بعض الشجر يحل بالماء وله رائحة كريهة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكره أن يوجد منه الروائح، فصدق - صلى الله عليه وسلم - القائلة له ذلك من أزواجه، وحرم العسل على نفسه (¬2).
• • •
¬
(¬1) في صحيح مسلم 2: 1100، وصحيح البخاري 5: 2016، وصحيح ابن حبان 9: 489، وغيرها.
(¬2) ينظر: فتح باب العناية 2: 259 - 260، وغيره.
المبحث السادس
أقسام اليمين
أقسام اليمين ثلاثة:
إن الأيمان التي اعتبرها الشرع ورتَّب عليها الأحكام ثلاثة أنواع، وإلا فمطلق اليمين أكثر منها كاليمين على الفعل الماضي صادقاً.
والمراد بترتّب الأحكام عليها ترتّب المؤاخذة الأخروية على الغموس، وعدمها على اللغو, والكفارة على المنعقدة (¬1).
* الأول: غموس:
وهو الحلف على ماض كذباً عمداً؛ فإذا حلف على أمر قد مضى وهو كاذب فيه، ومتعمد للكذب: كوالله ما فعلت كذا عالماً بفعله، ووالله ما له على دين عالماً بخلافه، ووالله إنه زيد عالماً بأنه غيره، قال ملا خسرو (¬2) (¬3):
¬
(¬1) ينظر: درر الحكام شرح غرر الأحكام 2: 38 وغيره.
(¬2) في درر الحكام 2: 38.
(¬3) وهو الفقيه الأصولي، محيي الدين محمد بن فرامُوز بن علي، المعروف بمُلا خسرو، قال الكفوي: كان بحراً زاخراً عالماً بالمعقول والمنقول، وحبراً فاخراً جامعاً للفروع والأصول، من مؤلفاته: غرر الأحكام، وشرحه درر الحكام، وحواشي التلويح، وحاشية شرح الوقاية، ومتناً في الأصول مسمَّى بمرقاة الأصول، وشرحه مرآة الأصول، (ت885هـ)،ينظر: الضوء اللامع8: 279،الفوائد ص302
((والمشهور في عبارة القوم أن الغموس حلف على فعل أو ترك ماض كاذباً عمداً, وذكر ... الفعل والمضي ليس بشرط، بل هو بناء على الغالب)).
وسمِّيت غموساً؛ لأنها تغمس صاحبها في الذنب، ثم في النار، وقد ورد النهي عنها في أحاديث كثيرة منها:
أ. قال - صلى الله عليه وسلم -: (الكبائر: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس) (¬1).
ب. عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهم - قال: جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله ما الكبائر، قال: (الإشراك بالله قال: ثم ماذا؟ قال: ثم عقوق الوالدين، قال: ثم ماذا؟ قال: ثمّ عقوق الوالدين، قال: ثم ماذا؟ قال اليمين الغموس، قلت: وما اليمين الغموس، قال: الذي يقتطع مال امرئ مسلم، هو فيها كاذب) (¬2).
ت. قال - صلى الله عليه وسلم -: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة، فقال له رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله، قال: وإن قضيباً من أراك) (¬3).
¬
(¬1) في صحيح البخاري 6: 2457، وغيره.
(¬2) في صحيح البخاري 6: 2535 وغيره.
(¬3) في صحيح مسلم 1: 122، وصحيح ابن حبان 11: 483، ومسند أبي عوانة 1: 40، وغيرها.
ث. قال - صلى الله عليه وسلم -: (من حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان) (¬1).
ج. قال - صلى الله عليه وسلم -: (اليمين الكاذبة منفقة للسلعة ممحقة للكسب) (¬2).
ح. قال - صلى الله عليه وسلم -: (اليمين الفاجرة التي يقتطع بها الرجل مال المسلم تعقم الرحم) (¬3).
خ. قال - صلى الله عليه وسلم -: (اليمين الفاجر تدع الديار بلاقع) (¬4).
د. قال - صلى الله عليه وسلم -: (من اقتطع مال مسلم بيمين كاذبة كانت نكتة سوداء في قلبه لا يغيرها شيء إلى يوم القيامة) (¬5).
ذ. قال - صلى الله عليه وسلم -: (اليمين الفاجرة تذهب المال أو تذهب بالمال) (¬6).
¬
(¬1) في جامع الترمذي 3: 569، وقال: حديث حسن صحيح.
(¬2) في صحيح البخاري 2: 735، وصحيح مسلم 3: 1228، وصحيح ابن حبان 11: 271، واللفظ له، وغيرها.
(¬3) في مسند أحمد 5: 79، والآحاد والمثاني 2: 421، وغيرهما.
(¬4) في مسند الشهاب 1: 176، وسنن البيهقي الكبير 10: 35، ومسند أبي حنيفة ص246، والمعجم الأوسط 2: 19، وغيرها.
(¬5) في مسند الحارث 1: 515، وغيره.
(¬6) في مسند البزار 3: 245، وقال: فيه علاثة، وهو لين الحديث.
وحكمها استحقاق الإثم لفاعلها، ولا تجب فيها الكفارة إلا التوبة والاستغفار (¬1)، لما يلي:
أ. قال - جل جلاله -: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُه ... } (¬2)، حيث رتِّبت الكفارة على المعقودة، والغموس غير معقودة (¬3)، فالعقد لا يكون إلا فيما يقبل الحل؛ لأنه ضده، والمؤاخذة المطلقة يراد بها المؤاخذة في الآخرة؛ لأنها دار الجزاء، فيحمل عليها.
ب. قال - صلى الله عليه وسلم -: (خمس ليس لهن كفارة: الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبهت المؤمن، والفرار من الزحف، ويمين صبر يقطع بها مال امرئ مسلم) (¬4).
ت. قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: كنا نعدُّ اليمين الغموس من الأيمان التي لا كفارة فيها (¬5).
¬
(¬1) عند الشافعي - رضي الله عنه - تجب الكفارة في اليمين على ماض ومستقبل إن كانت عمداً، خلافاً للأئمة الثلاثة؛ لقوله - جل جلاله -: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}، والمراد القصد؛ لأنه فعل القلب، والمراد بالمؤاخذة الكفارة؛ لأنه تعالى فسَّرها بها في آية أخرى بقوله - جل جلاله -: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُه ... }، والمراد بالعقد القصد أيضاً، وفيه توفيق بين الآيتين؛ ولأن الكفارة شرعت لرفع ذنب هتك حرمة اسم الله تعالى وقد تحقق بالاستشهاد بالله تعالى كاذباً. ينظر: المنهاج 4: 325، ومغني المحتاج 4: 325، وأسنى المطالب 4: 240، وغيرها.
(¬2) المائدة: من الآية89.
(¬3) ينظر: فتح باب العناية 2: 249 وغيره.
(¬4) في مسند أحمد 2: 361، ومسند الشاميين 2: 187، 200، ومسند الفردوس 2: 197، وقال القاري في فتح باب العناية 2: 249: إسناده جيد.
(¬5) ينظر: فتح باب العناية 2: 249، وغيره.
ث. أنها كبيرة محضة والكفارة عبادة، فلا تناط بها كسائر الكبائر؛ وهذا لأن المشروعات اللازمة للعباد ثلاثة أقسام:
1. عبادة محضة وسببها مباح.
2. وعقوبة محضة وسببها محظور محض.
3. ومتردد بين العبادة والعقوبة وهي الكفارة؛ لأنها عبادة من وجه حتى تتأدى بالصوم ويشترط فيها النية، وعقوبة من وجه؛ لأنها شرعت أجزية زاجرة كالحدود فيكون سببها أيضا متردداً بين الحظر والإباحة؛ لتكون العبادة متعلّقة بالمباح والعقوبة بالمحظور؛ كسائر الكفارات مثل كفارة الظهار، فإنها تتعلَّق بالمنكر من القول الزور والعود، وكفارة القتل تجب بالخطأ وهو بالتقصير في التثبت وهو محظور وبالحركة المباحة مثل المشي في الطريق، وكذا كفارة اليمين تجب بالحلف والحنث والأول مباح والثاني محظور.
وأما الغموس فمحظور محض؛ لأن الكذب بدون الاستشهاد بالله تعالى حرام فمعه أولى؛ لأنه ذكر اسم الله تعالى لترويج الكذب، وهو في نهاية الحظر، فلا يصلح سبباً للكفارة؛ ألا ترى أن اللعان استشهاد بالله تعالى وأحدهما كاذب بيقين ولم يوجب الشارع على الكاذب منهما كفارة، ولو كانت الكفارة تجب بها لبيّن له أن عليه أربع كفارات.
وقوله - جل جلاله -: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} (¬1)، فالمراد بها المعقودة، والذي يدل على ذلك أن الله تعالى أمر بحفظ الأيمان بعد ما شرع الكفارة فيها بقوله - جل جلاله -: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ}، والحفظ إنما يتأتى في المستقبل الذي يقبل التضييع، والغموس لا يتصور ذلك فيها، فلا تتناولها الآية.
* الثاني: لغو:
وهو الحلف على ماض كذباً ظناً (¬2)؛ بأن يحلف على أمر في المضي أو الحال، وهو يظن أنه كذلك وليس كذلك، بأن قال: والله فعلت كذلك وما فعل، وهو يظن أنه فعل، أو رأى شخصاً من بعيد فقال: والله إنّه لزيد يظنّه زيداً وهو ليس كذلك (¬3)، فكل هذا لغو؛ لأنها لا اعتبار بها، واللغو اسم لما لا يفيد، يقال: لغا إذا أتى بشيء لا فائدة فيه.
ومن اللغو أيضاً: أن يقول: كلا والله لتفعلنّ كذا، ولا والله لا يكون كذا، فلا كفارة فيه ولا حنث؛ لكونه متعلقاً به لفعل غيره، ويمين الرجل في بيته أكثر ما يكون متعلقاً بفعل غيره لا بفعل المتكلم كما هو مشاهد، وإن حملنا على ما يكون متعلقاً بفعل المتكلم فلا بد من تقييده بالماضي أو بالحال
¬
(¬1) البقرة: من الآية225.
(¬2) واللغو عند الشافعي - رضي الله عنه - أن يجري على لسانه بلا قصد سواء كان في الماضي أو الآتي بأن قصد التسبيح فجرى على لسانه اليمين مثلا. ينظر: المنهاج 4: 325، ومغني المحتاج 4: 325، وأسنى المطالب 4: 240، ودرر الحكام 2: 39، وغيرها.
(¬3) ينظر: حاشية التبيين 3: 107 وغيره.
بأنه يظنه صادقاً فيه؛ لكي تتفق الآثار، ولا يكون داخلاً فيما عقدتم الأيمان (¬1)، فعن عطاء - رضي الله عنه - في اللغو في اليمين قال: قالت عائشة رضي الله عنها: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: (هو كلام الرجل في بيته: كلا والله وبلى والله) (¬2)، وعن معاوية بن حيدة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بقوم يترامون وهم يحلفون أخطأ والله، أصبت والله، فلما رأوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمسكوا، فقال: (ارموا فإنما أيمان الرماة لغو لا حنث فيها ولا كفارة) (¬3).
وحكمها أنه لا إثم فيها؛ قال - جل جلاله -: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} (¬4).
وكل من الغموس واللغوّ يتصوّر في اليمين بالله تعالى ولا يتصور في
¬
(¬1) يرجع حاصل الخلاف بين الحنفية والشافعية في يمين لا يقصدها الحالف في المستقبل فعند الحنفية ليست بلغو، وفيها كفارة، وعند الشافعية هي لغو ولا كفارة فيها. ينظر: إعلاء السنن 11: 369.
(¬2) في سنن أبي داود 3: 223، وسنن البيهقي الكبير 10: 49، وغيرهما، وينظر: نصب الراية 3: 293، والدراية 2: 90، وغيرهما.
(¬3) في المعجم الصغير 2: 271، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 4: 185: رجاله ثقات إلا أن شيخ الطبراني لم أجد من وثقه ولا جرحه. قال التهانوي في إعلاء السنن 11: 370: وقد مرّ في الكتاب وفي المقدمة أن شيوخه الذي لم يضعفوا في الميزان ثقات، فالحديث حسن صحيح، وتأيد به مرسل الحسن البصري - رضي الله عنه -: كان أحدهم إذا رمى حلف أنه أصاب فيظهر أنه أخطا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أيمان الرماة لغو لا كفارة لها ولا عقوبة. ومن أراد الاستفاضة في أدلة يمين اللغو فليراجع إعلاء السنن.
(¬4) البقرة: من الآية225.
اليمين بغيره؛ لأن تعليق الطلاق والعتاق والنذور بأمر كائن في الماضي لا يتحقق فيه اللغو ولا الغموس؛ لأن الطلاق يقع به، وكذا العتاق والنذور سواء كان عالماً وقت اليمين، أو لم يكن عالماً.
* الثالث: منعقدة:
وهي على أمر سيأتي في المستقبل. ولها الأحكام التالية:
الأول: وجوب الكفارة عند الحنث؛ لما يلي:
أ. قوله - جل جلاله -: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُه ... } (¬1)، والمراد به اليمين في المستقبل بدليل قوله - جل جلاله -: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} (¬2) ولا يتصور الحفظ عن الحنث والهتك إلا في المستقبل.
¬
(¬1) المائدة: من الآية89.
(¬2) البقرة: من الآية225.
ب. أن الله - جل جلاله - قال: {بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ}، والعقد يقتضي ارتباط الكلام بالكلام على وجه يتعلَّق بهما حكم، فيصير عقداً شرعياً كسائر العقود الشرعية.
ت. أن الله - جل جلاله - قال: {وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} (¬1)، والنقض يكون في موضع العقد، وهذا إنّما يتصوّر في المستقبل.
الثاني: تجب فيها الكفارة إذا حنث ولو كان حلف مكرهاً أو ناسياً، والمراد بالناسي المخطئ كما إذا أراد أن يقول: اسقني الماء فقال: والله لا أشرب الماء. أو أنه المذهول عن التلفظ به كأن قيل له: ألا تأتينا، فقال: بلى والله غير قاصد لليمين وإنّما ألجأنا إلى هذا التأويل؛ لأن حقيقة النسيان في اليمين لا تتصوّر. ودليل ذلك:
أ. عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قال: ما منعني أن أشهد بدراً إلا أنّي خرجت أنا وأبي حسيل قال: فأخذنا كفار قريش قالوا: إنكم تريدون محمداً فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة فأخذوا منّا عهد الله وميثاقه لننصرفنّ إلى المدينة، ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرناه الخبر فقال: (انصرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم) (¬2)، فبيَّن أن اليمينَ طوعاً وكرهاً سواء، فعُلِمَ أن
¬
(¬1) النحل: من الآية91.
(¬2) في صحيح مسلم 3: 1414 والمستدرك 3: 427 ومصنف ابن أبي شيبة 7: 363، ومسند البزار 7: 228، وشرح معاني الآثار 3: 97، ومسند أحمد 5: 395، والمعجم الكبير 3: 162 وغيرها.
لا تأثير للإكراه في نفي الحكم المتعلّق بمجرّد اللفظ عن اختيار.
ب. أن الشرط هو الفعل، وقد وجد، والفعل الحقيقي لا يصير معدوماً بالنسيان والإكراه (¬1).
الثالث: تجب الكفارة لو حنث مكرهاً أو ناسياً، بأن فعل المحلوف عليه مكرهاً أو ناسياً؛ لأن الفعل حقيقة لا ينعدم بالإكراه والنسيان وتحقق الفعل منه هو الشرط، والحنث ناسياً متصوّر فلا يحتاج إلى التأويل، وكذا لو فعله وهو مغمى عليه أو مجنون لتحقّق الشرط حقيقة ولو كانت الحكمة رفع الذنب، فالحكم يدار على دليله، وهو الحنث لا على حقيقة الذنب كما أدير الحكم على السفر لا حقيقة المشقة (¬2).
الرابع: المنعقدة في وجوب الحفظ أربعة أنواع:
أ. يجب إتمام البر فيها, وهو أن يعقد على فعل طاعة أمر به, أو امتناع عن معصية, وذلك فرض عليه قبل اليمين, وباليمين يزداد وكادة.
ب. لا يجوز حفظها, وهو أن يحلف على ترك طاعة, أو فعل معصية كعدم الكلام مع أبويه أو أحدهما، فيجب أن يحنث في الحال ويكفِّر عنها، بدليل:
¬
(¬1) ينظر: فتح باب العناية 2: 249، وغيره.
(¬2) ينظر: تفصيل أقسام الأيمان في التبيين 3: 107 - 110، ودرر الحكام 2: 38 - 39، ورد المحتار 3: 47 - 50، وحاشية التبيين 3: 107 - 110، وفتح باب العناية 2: 248 - 250، وغيرها.
1. قوله - صلى الله عليه وسلم -: (مَن نذر أن يطيع الله فليطعه، ومَن نذر أن يعصيه فلا يعصه) (¬1).
2. قوله - صلى الله عليه وسلم -: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه) (¬2)، فإن ظاهره يقتضي وجوب الحنث إذا لم يكن المحلوف عليه معصية، وكان الحنث خيراً من البر، فأولى أن يجب عليه الحنث إذا كان معصية.
ت. يتخيّر فيه بين البرّ والحنث, والحنث خير من البر، فيندب فيه إلى الحنث، وهذا في ترك القربة، بدليل:
1. قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا أحلف على يمين فرأيت غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني) (¬3)، وفي رواية: (وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين ثم أرى خيراً منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير) (¬4)، ولعلّ معنى (كفرت عن يميني) في هذه الرواية نويت التكفير عن يميني أو قدم للاهتمام جمعاً مع الرواية السابقة.
¬
(¬1) في صحيح البخاري 6: 2463، وصحيح ابن حبان 10: 233، ومسند أبي عوانة 4: 13، وغيرها.
(¬2) سبق تخريجه.
(¬3) في صحيح البخاري 6: 2443، وصحيح ابن حبان 10: 195، ومسند أبي عوانة 4: 31، وغيرها.
(¬4) في صحيح مسلم 3: 1268، وصحيح البخاري 6: 2444، وغيرهما.
2. قوله - صلى الله عليه وسلم -: (مَن حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليفعل) (¬1).
ث. يستوي فيه البرّ والحنث فيتخيّر بينهما، ويرجّح البر، وهذا في المباح؛ لأن حفظ اليمين أولى؛ بظاهر قوله - جل جلاله -: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} (¬2): أي عن الحنث (¬3).
• • •
¬
(¬1) في صحيح مسلم 3: 1272، والمنتقى 1: 233، وغيرهما.
(¬2) البقرة: من الآية225.
(¬3) ينظر: المبسوط 126 - 127، وفتح باب العناية 2: 258، والفتاوى الهندية 2: 52، وغيرها.
المبحث السابع
حروف القسم
وحروف القسم هي:
1. الباء؛ فهي للإلصاق في الأصل تلصق فعل القسم بالمحلوف به, ثم حذف الفعل لكثرة الاستعمال مع فهم المقصود، فمعنى قوله: بالله أي أحلف بالله. قال الله - جل جلاله -: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ} (¬1) , أو أقسم بالله. قال الله - جل جلاله -: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّه} (¬2) ; والباء هي الأصل وهي أم الباب فتدخل على الظاهر والمضمر كالله وبه؛ ولهذا يصح اقترانها بالكتابة فيقول القائل: به وبك (¬3).
ويجوز إضمار حرف القسم (¬4) فيقول: الله لأفعلن كذا; لأن من عادة العرب حذف بعض الحروف للإيجاز، فإذا أضمر الحرف ولم تعوض منه ها
¬
(¬1) التوبة: من الآية56.
(¬2) الأنعام: من الآية109.
(¬3) ينظر: المبسوط 8: 131، والتبيين 3: 111 وفتح القدير 5: 70، وغيرهما.
(¬4) فيه أن الذي يضمر هو الباء فقط , لأنها حرف القسم الأصلي كما نقله القهستاني عن الكشف والرضي , وأراد بالإضمار عدم الذكر فيصدق بالحذف. والفرق بينهما أن الإضمار يبقى أثره بخلاف الحذف. ينظر: رد المحتار 3: 722، وغيره.
التنبيه ولا همزة الاستفهام ولا قطع ألف الوصل لم يجز الخفض إلا في اسم الله (¬1)، بل ينصب بإضمار فعل، أو يرفع على أنه خبر مبتدأ مضمر أو إضمار خبر وهو الأولى؛ لأن الاسم الكريم أعرف المعارف فهو أولى أن يكون مبتدأ، والتقدير: الله قسمي أو قسم الله لأفعلن، إلا في اسمين فإنه التزم فيهما الرفع وهما أَيْمُنُ اللهِ ولَعَمْرُ اللهِ (¬2). (¬3)
2. الواو؛ وهي تستعار للقسم بمعنى الباء لما بينهما من المشابهة صورة ومعنى, أما صورة; فلأن مخرج كل واحد منهما بضم الشفتين, وأما المعنى؛ فلأن الواو للعطف, وفي العطف معنى الإلصاق إلا أنه لا يستقيم إظهار الفعل مع حرف الواو بأن يقول: أحلف والله; لأن الاستعارة لتوسعة صلات الاسم لا لمعنى الإلصاق, فإذا استعمل مع إظهار الفعل يكون بمعنى الإلصاق؛ ولهذا تدخل على المظهر كقولك: والله والرحمن، ولا تدخل على
¬
(¬1) أي ويختص غير اسم الجلالة كالرحمن والرحيم بغير الجر أي بالنصب والرفع , أما الجر فلا؛ لأنه لا يجوز حذف الجار وإبقاء عمله إلا في مواضع منها لفظ الجلالة في القسم دون عوض نحو الله لأفعلن. ينظر: رد المحتار 3: 722، وغيره.
(¬2) ينظر: المبسوط 8: 131، والهداية 5: 70، والتبيين 3: 111 والجوهرة 2: 193، وفتح القدير 5: 70، والبحر الرائق 4: 313، وغيرها.
(¬3) وهذا ما ذهب إليه المالكية أيضاً، وقال الشافعية: لو قال: الله, بحذف حرف القسم. لم يكن يميناً إلا بالنية , سواء جر الاسم أم نصبه أم رفعه أم سكنه. وقال الحنابلة: يصح قسم بغير حروفه, نحو: الله لأفعلن , جراً ونصباً. فإن رفع فيمين أيضاً إلا إذا كان الرافع يعرف العربية ولم ينو اليمين , فلا يكون يميناً؛ لأنه إما مبتدأ أو معطوف بخلاف من لا يعرف العربية , فلو رفع كان يميناً؛ لأن اللحن لا يضر. ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 7: 253 - 254.
المضمر، فلا يقال: وك، ولا وه، مثل ما يقال: بك، وبه. وإنما تستقيم مع التصريح بالاسم سواء ذكر اسم الله تعالى أو اسم غير الله , فيقول: وأبيك وأبي (¬1).
3. التاء، وهي تستعار لمعنى الواو لما بينهما من المشابهة, فإنّهما من حروف الزوائد، تستعمل العرب إحداهما بمعنى الأخرى كقولهم تراث ووارث, ولكن هذه الاستعارة لتوسعة صلة القسم بالله خاصّة، فهي تدخل على لفظة الله فقط تقول: تالله، قال الله - جل جلاله -: {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا} (¬2)، {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} (¬3). ولا تقول: تالرحمن، ولا تالرحيم، ولا يجوز إظهار الفعل معها لا تقول: أحلف تالله، ولا أقسم تالله (¬4).
هذه الثلاثة هي حروف القسم المشهورة، وذكروا له حروفاً أخرى، وهي:
4. لام القسم: مثل: للهِ. واللام بمعنى التاء، ويدخلهما معنى التعجب وربما جاءت التاء لغير التعجب دون اللام (¬5). وقال السَّرَخْسيّ (¬6): ((يجوز أن
¬
(¬1) ينظر: المبسوط 8: 131، والتبيين 3: 111 وغيرهما.
(¬2) يوسف: من الآية91.
(¬3) الأنبياء: من الآية57.
(¬4) ينظر: المبسوط 8: 131، والتبيين 3: 111 وغيرهما.
(¬5) ينظر: حاشية الطحطاوي على الدر المختار 2: 333، وغيره.
(¬6) في المبسوط 8: 131، وغيره.
يقول: لله; لأن معناه بالله, فإن الباء واللام يتقاربان. قال الله - جل جلاله -: {آمَنْتُمْ لَهُ} (¬1): أي آمنتم به)).
5. حرف التنبيه: كها اللهِ (¬2)، والمراد به هنا محذوف الألف أو ثابتها مع وصل ألف الله وقطعها (¬3).
6. همزة الاستفهام: كآلله (¬4)، وهي همزة بعدها ألف ولفظ الجلالة بعدها مجرور, وتسميتها بهمزة الاستفهام مجاز، والظاهر أن الجر بهذه الأحرف لنيابتها عن أحرف القسم، مثل: آلله (¬5).
7. همزة قطع ألف الوصل: كألله (¬6)، وهي همزة نابت عن حرف القسم وليس حرف القسم مضمراً؛ لأن ما يضمر فيه حرف القسم تبقى همزته همزة وصل، نعم عند ابتداء الكلام تقطع الهمزة فيحتمل الوجهين. أما عند عدم
¬
(¬1) الشعراء: من الآية49.
(¬2) ينظر: التبيين 3: 111، والبحر الرائق 4: 313، ومجمع الأنهر 1: 542، والدر المختار 3: 722، وغيرها.
(¬3) ينظر: رد المحتار 3: 722، وغيره.
(¬4) ينظر: التبيين 3: 111، والبحر الرائق 4: 313، ومجمع الأنهر 1: 542، والدر المختار 3: 722، وغيرها.
(¬5) ينظر: رد المحتار 3: 722، وغيره.
(¬6) ينظر: التبيين 3: 111، والبحر الرائق 4: 313، ومجمع الأنهر 1: 542، والدر المختار 3: 722، وغيرها.
الابتداء كقولك: يا زيد ألله لأفعلن فإن قطعتها كان ممّا نحن فيه، وإلا فهو من الإضمار (¬1).
8. الميم المكسورة والمضمومة والمفتوحة في القسم، مثل: مُ اللهِ (¬2). قال الطَّحْطَاويّ (¬3): ((لعلهم اعتبروا صورتها فعدوها من حروف القسم وإلا فقد سبق أنها من جملة اللغات في أيمُنِ الله كمِنَ الله)) (¬4).
• • •
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار 3: 722، وغيره.
(¬2) ينظر: التبيين 3: 111، والبحر الرائق 4: 313، ومجمع الأنهر 1: 542، والدر المختار 3: 722، وغيرها.
(¬3) في حاشيته على الدر المختار 2: 333، وغيره.
(¬4) ينظر: التبيين 3: 111، والبحر الرائق 4: 313، ومجمع الأنهر 1: 542، والدر المختار 3: 722، وغيرها.
المبحث الثامن
ألفاظ اليمين
الألفاظ نوعان:
* الأول: ما يكون يميناً (ألفاظ اليمين المنعقدة):
- كل أسماء الله - جل جلاله -؛ كقوله: والله والرحمن والحكيم والعليم والحق وغيرها؛ لأنه يعتقد تعظيم اسم الله تعالى فصلح ذكره حاملاً أو مانعاً، سواء تعارف الناس الحلف به أو لم يتعارفوا على الصحيح (¬1)؛ لأن اليمين بالله تعالى ثبت نصاً؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (مَن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) (¬2)، والحلف بسائر أسمائه حلف بالله تعالى، وما ثبت بالنصّ أو بدلالته لا يراعى فيه العرف، وكذا لا يحتاج فيه إلى النية أنه أراد به الحق أو غيره (¬3).
¬
(¬1) وهذا ظاهر الرواية، وقال السرخسي في المبسوط 8: 131: من أصحابنا مَن يقول كل اسم لا يسمى به غير الله تعالى كقوله والله والرحمن فهو يمين , وما يسمى به غير الله تعالى كالحكيم والعالم فإن أراد به اليمين فهو يمين , وإن لم يرد به اليمين لا يكون يميناً.
(¬2) سبق تخريجه.
(¬3) ينظر: الهداية 5: 66، والتبيين 3: 110، والعناية 5: 66، ودرر الحكام 2: 40، وغيرها.
- صفات الله - جل جلاله - المتعارف الحلف بها؛ كعزّته وكبريائه وجلاله وقدرته (¬1) على الصحيح (¬2)؛ لأن الأيمان مبنية على العرف فما تعارف الناس الحلف به يكون يميناً وما لا فلا (¬3)؛ ولأن معنى اليمين وهو القوة حاصل؛ لأنه يعتقد تعظيم الله تعالى وصفاته، والمراد بالصفة: اسم المعنى الذي لا يتضمن ذاتاً ولا يحمل عليها بهو هو كالعزة والكبرياء والعظمة بخلاف نحو العظيم (¬4)، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (بينا أيوب يغتسل عرياناً فخر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحتثي في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى، قال: بلى وعزتك ولكن لا غنى بي عن بركتك) (¬5).
- أقسم أو أحلف أو أشهد أو أعزم وإن لم يقل بالله (¬6)؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أقسم لا أدخل عليكن شهراً ... ) (¬7)، ولأن هذه الألفاظ مستعملة في
¬
(¬1) وعند الشافعي - رضي الله عنه -: إذا قال: وقدرة الله، وقال: لم أرد به اليمين لم يكن يميناً؛ لأن القدرة يحتمل المقدور، فإذا نواه قبل منه. ينظر: النكت 3: 179، وغيره.
(¬2) وقال بعضهم: إن حلف بصفات الذات يكون يمينا وإن حلف بصفات الفعل لا يكون يميناً، والفرق بينهما عندهم أن كل وصف جاز أن يوصف الله تعالى به وبضده فهو من صفات الفعل كالرضا والغضب والسخط والرحمة والمنع والإعطاء، وكل ما جاز أن يوصف به لا بضده فهو من صفات الذات كعزة الله وكبريائه وجلاله وقدرته. ينظر: التبيين 3: 109، وغيره.
(¬3) ينظر: الهداية 5: 66، والتبيين 3: 110، والعناية 5: 66، وغيرها.
(¬4) ينظر: البحر الرائق 4: 307، وغيره.
(¬5) في صحيح البخاري 1: 107، وغيره.
(¬6) إذا لم يذكر الحالف المقسم به بل قال: أقسم , أو أحلف , أو أشهد , أو أعزم لأفعلن كذا، قال المالكية: لو حذف الحالف قوله: (بالله) بعد قوله أحلف أو أقسم أو أشهد كان يميناً إن نواه ـ أي نوى الحلف بالله ـ بخلاف ما لو حذفه بعد قوله أعزم فإنه لا يكون يميناً وإن نواه. وقال الشافعي وزفر - رضي الله عنهم -: لو حذف المتكلم المحلوف به لم تكن الصيغة يميناً ولو نوى اليمين بالله, سواء ذكر فعل القسم أم حذفه. وقال الحنابلة: لو حذف الحالف قوله: (بالله) مثلاً بعد نطقه بالفعل أو الاسم الدال على القسم , نحو: قسماً, لم تكن الصيغة يميناً, إلا إذا نوى الحلف بالله. الكويتية 7: 257، والنكت 3: 176، والتبيين 3: 109، وغيره.
(¬7) في المستدرك 4: 335، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه وفيه البيان أن أقسمت على كذا يمين وقسم. وأقره على تصحيحه الذهبي. ينظر: إعلاء السنن 11: 381.
الحلف عرفاً، وهذه الصيغ للحال حقيقة، وتستعمل في الاستقبال بقرينة السين أو سوف أو إذا أو لن أو على أو أن، فجعل حالفاً بها للحال، ألا ترى إلى قوله - جل جلاله -: {قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} (¬1)، ثم قال - جل جلاله -: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} (¬2)، فسمّاه يميناً وإن لم يذكروا الاسم فدلّ أن الشهادة يمين وأن ذكر الاسم ليس بشرط؛ ولأن اليمين بالله تعالى هو المعهود المشروع وبغيره محظور فينصرف إلى الأول بلا نيّة هو الصَّحيح (¬3)، قال الشُّرنبلالي (¬4): ((إنّما ينعقدا إذا ذكر مقسم عليه لا كما ظنّ أن مجردّ قوله أقسم ونحوه ينعقد)) (¬5).
- لَعَمْرُ الله؛ وجه كون لعمر الله قسماً أن عمر الله بقاؤه، والبقاء صفة، وهو مرفوع بالابتداء, واللام لتوكيد الابتداء, والخبر محذوف, والتقدير: لعمر
¬
(¬1) المنافقون:1.
(¬2) المنافقون: من الآية2.
(¬3) ينظر: التبيين 3: 109، ودرر الحكام 2: 40، ورد المحتار 3: 716، وغيرها.
(¬4) في الشرنبلالية 2: 40، وغيره.
(¬5) فصل ابن نجيم في البحر الرائق 4: 307 - 308 في شرط ذكر المقسم لوجوب الكفارة.
الله قسمي، ومعناه أحلف ببقاء الله ودوامه (¬1)، قال - جل جلاله -: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} (¬2).
- أيم الله؛ وأيم أصله أيمُنُ وهو جمع يمين عند الكوفيين، وحذف الهمزة في الوصل تخفيف، وكذا حذفوا النون تخفيفاً فقالوا: أيم الله وإيم الله بالكسر أيضاً، وربّما حذفوا الياء أيضاً فقالوا: أم الله، وربّما أبقوا الميم وحدها مضمومة ومكسورة، فقالوا: مُ الله، وربما قالوا: مُنُ الله بالضم والفتح والكسر (¬3).
- عهد الله؛ فلأن العهد في الأصل هي المواعدة التي تكون بين اثنين لوثوق أحدهما على الآخر، وهو الميثاق، وقد استعمل في اليمين؛ لقوله - جل جلاله -: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} (¬4)، ثم قال: {وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} (¬5). (¬6)
- ميثاقه؛ لأنّ الميثاق بمعنى العهد (¬7).
- ذمّته؛ لأن الذمة بمعنى العهد؛ ولهذا سمي المعاهد ذمياً (¬8).
¬
(¬1) ينظر: فتح القدير 2: 40، والبحر الرائق 4: 308، وغيرهما.
(¬2) الحجر:72.
(¬3) ينظر: التبيين 3: 110، ودرر الحكام 2: 40، والبحر الرائق 4: 308، وغيرها.
(¬4) النحل: من الآية91.
(¬5) النحل: من الآية91.
(¬6) ينظر: التبيين 3: 110، ودرر الحكام 2: 40، والبحر الرائق 4: 308، وغيرها.
(¬7) ينظر: التبيين 3: 110، والبحر الرائق 4: 308، وغيرهما.
(¬8) ينظر: التبيين 3: 110، والبحر الرائق 4: 308،وغيرهما.
- لفظ النذر: عليّ نذر ونذر الله (¬1)؛ فيشترط أن يذكر المحلوف عليه؛ لكونها يميناً منعقدة نحو أن يقول: عليّ نذر الله لأفعلن كذا, أو لا أفعل كذا، حتى إذا لم يف بما حلف عليه لزمته كفارة اليمين.
وأما إذا لم يسمِّ شيئاً بأن قال: عليّ نذر الله فإنه لا يكون يميناً; لأن اليمين إنما تتحقق لمحلوف عليه، ولكن تلزمه الكفارة، فيكون هذا التزام الكفارة ابتداء بهذه العبارة، وهذا كله إذا لم ينو بهذا النذر المطلق شيئاً من القرب كحج, أو صوم فإن كان نوى بقوله: علي نذر إن فعلت كذا؛ قربة مقصودة يصحّ النذر بها، ففعل لزمته تلك القربة، ويحمل الحديث: (كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين) (¬2) على ما إذا لم تكن له نيّة (¬3).
¬
(¬1) قال المالكية: تلزم كفارة في النذر المبهم. وله أربع صور: (الأولى): علي نذر، (الثانية): لله علي نذر، (الثالثة): إن فعلت كذا أو إن شفى الله مريضي فعلي نذر، (الرابعة): إن فعلت كذا أو إن شفى الله مريضي فلله علي نذرّ, ففي الصورتين الأوليين تلزم الكفارة بمجرد النطق, وفي الصورتين الأخريين تلزم الكفارة بحصول المعلق عليه سواء أكان القصد الامتناع أم الشكر.
وقال الشافعية: من قال: علي نذر، أو إن شفى الله مريضي فعلي نذر، لزمته قربة غير معينة، وله أن يختار ما شاء من القرب: كتسبيح وتكبير وصلاة وصوم. ومن قال: إن كلمت زيداً فعلي نذر أو فلله علي نذر , يخير بين القربة وبين كفارة يمين.
وقال الحنابلة: من قال: علي نذر إن فعلت كذا وفعله فعليه كفارة يمين في الأرجح، ولو قال: لله علي نذر ولم يعلقه بشيء، فعليه كفارة يمين أيضاً في الأرجح. ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 7: 258 - 259 وغيرها.
(¬2) في جامع الترمذي 4: 106، وقال: حديث حسن صحيح، ومصنف ابن أبي شيبة 3: 68، ولفظه في صحيح مسلم 3: 1265 وغيره: (كفارة النذر كفارة يمين).
(¬3) ينظر: البحر الرائق 4: 309، وغيره.
- صيغة النذر: لله عليّ؛ كأن يقول: لله عليّ كذا: صلاة ركعتين، أو صوم يومين مطلقاً عن الشرط , أو معلقاً به (¬1)، وهذه المسألة على وجهين:
الأول: أن يكون النذر مطلقاً، وله صورتان:
1. أن لا يسمي شيئاً، فتجب كفارة يمين في الحال.
2. أن يسمي شيئاً، فيجب الوفاء به.
الثاني: أن يكون النذر معلّقاً بشرط، وله صورتان:
1. أن لا يسمي شيئاً، فتجب كفارة يمين إذا وجد الشرط.
2. أن يسمي شيئاً، وله هيئتان:
أ. إن كان التعليق بشرط يراد كونه: كإن شفى الله مريضي فلله علي صوم، فيجب فيه الوفاء بالنذر.
ب. إن كان التعليق بشرط لا يراد كونه: كإن دخلت الدار، فيتخير بين الوفاء والكفارة على الصحيح (¬2)، وسيأتي تفصيل هذا في النذر.
- عليَّ يمين (¬3)؛ وإن لم يضف إلى الله تعالى إذا علقه بشرك أي بمحلوف
¬
(¬1) قال ابن نجيم في البحر الرائق 4: 309: وقد خلط الزيلعي في مسألة لفظ النذر وصيغة النذر وبينها فرق.
(¬2) ينظر: الدر المنتقى 1: 548، وشرح الوقاية ص407، وغيرهما.
(¬3) وعند الشافعي - رضي الله عنه - إذا قال: علي نذر أو يمين لم يكن ذلك يميناً؛ لانه ليس فيه اسم الله ولا صفته. ينظر: النكت ص3: 204، وغيره.
عليه (¬1). معناه علي موجب اليمين، فيجب عليه فيه كفارة (¬2)، قال ابن عابدين (¬3) (¬4): ((وحاصله أن علي نذر يراد به نذر الكفارة, وكذا علي يمين هو نذر للكفارة ابتداء بمعنى علي كفارة يمين، لا حلف إلا بعد تعليقه بمحلوف عليه فيوجب الكفارة عند الحنث لا قبله)).
- إن فعل كذا فهو كافر؛ لأن حرمة الكفر كحرمة هتك اسم الله - جل جلاله -، فإذا جعل فعله علماً على الكفر فقد اعتقده واجب الامتناع، وقد أمكن القول بوجوب الامتناع بجعله يميناً كما يقول في تحريم الحلال، ولا فرق بين أن يعلّقه بالكفر أو بالتهود أو التنصّر (¬5)، وإن كان قال ذلك لشيء قد فعله في الماضي، فإن كان صادقاً فلا شيء عليه، وكذا إذا كان يعلم أنه صادق عنده، وإن كان يعلم أنه كاذب فالصحيح (¬6) أنه إن كان عالماً أنه يمين لا يكفر في
¬
(¬1) ينظر: الدر المختار ورد المحتار 3: 717، وغيرهما.
(¬2) ينظر: التبيين 3: 110، وغيره.
(¬3) وهو خاتمة المحققين محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز الدِّمَشقيّ الحنفِي، المشهور بابن عابدين، قال الشطي: إنه علامة فقيه فهامة نبيه، عذب التقرير متفنن في التحرير، لم ينسج في عصره على منواله، ولو لم يكن له من الفضل سوى الحاشية التي سارت بها الركبان، وتنافست فيها الناس زماناً بعد زمان لكفته فضيلة تذكر، ومزِّية تشكر، من مؤلفاته: العقود الدرية بتنقيح الفتاوي الحامدية، ونسمات الأسحار على شرح إفاضة الأنوار، ورسائله المشهورة، (1198 - 1252هـ). ينظر: أعيان دمشق ص252 - 255،الأعلام 6: 267.
(¬4) في رد المحتار 3: 717، وغيره.
(¬5) ينظر: البحر الرائق 4: 309، وغيره.
(¬6) وعند محمد بن مقاتل - رضي الله عنه - إن كان يعلم أنه كاذب يكفر؛ لأنه علق الكفر بما هو موجود،
والتعليق بالموجود تنجيز فصار كأنه قال هو كافر، وعن أبي يوسف - رضي الله عنه - أنه لا يكفر اعتباراً للماضي بالمستقبل. ينظر: التبيين 3: 110 - 111، وغيره.
الماضي والمستقبل، وإن كان جاهلاً أو عنده أنه يكفر بالحلف في الغموس أو بمباشرة الشرط في المستقبل يكفر فيهما (¬1)؛ لأنه لما أقدم عليه وعنده أنه يكفر فقد رضي بالكفر (¬2)، وعلى هذا يحمل حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (مًن حلف بملة غير الإسلام كاذباً فهو كما قال) (¬3)، وفي رواية: (كاذباً متعمداً) (¬4). وروي أنه سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يقول: (هو يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام في اليمين يحلف عليه فيحنث قال: كفارة يمين) (¬5)، وقال ابن عباس - رضي الله عنه - في الرجل يقول: ((هو يهودي أو نصراني أو مجوسي أو بريء من الإسلام، قال: يمين مغلظة)) (¬6).
- أنا بريء من النبي أو القرآن أو الكعبة أو الصلاة أو الصوم أو الإسلام؛ لأن التبري منها كفر (¬7)، ولو قال: أنا بريء من المصحف لا يكون
¬
(¬1) وقال الشافعي - رضي الله عنه -: إذا قال: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو بريء من الله لم تجب عليه الكفارة؛ لأنه حلف بمحظور أثبته لنفسه. ينظر: النكت 3: 175، وغيره.
(¬2) ينظر: الدر المختار ورد المحتار 3: 718 - 719، وغيرهما.
(¬3) في جامع الترمذي 4: 115، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(¬4) في مسند أبي عوانة 4: 43، وغيره.
(¬5) في سنن البيهقي الكبير 10: 30 وضعفه وينظر: التحقيق في أحاديث الخلاف 2: 378، وإعلاء السنن 11: 383 وغيرهما، وفيهما أن مذهب الحنابلة أنها يمين.
(¬6) في مصنف عبد الرزاق8: 480 وغيره.
(¬7) ينظر: التبيين 3: 111، فتح القدير 5: 69، والبحر الرائق 4: 309، وغيرها.
يميناً (¬1)، بخلاف ما لو قال: أنا بريء مما في المصحف يكون يميناً; لأن ما في المصحف قرآن، فكأنه قال: أنا بريء من القرآن (¬2).
- أمانة الله (¬3)؛ وهذا على قول محمد: إلا أنه لما سئل عن معناه قال: لا أدري, فكأنه وجد العرب تحلف بأمانة الله تعالى عادة فجعله يميناً كأنه قال: والله الأمين (¬4)، ووجه ذلك أن الأمانة المضافة إلى الله عند القسم يراد بها صفته (¬5).
قال ابن عابدين (¬6): ((إنها يمين هو المعتمد)). وحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
¬
(¬1) قال العيني: وعندي لو حلف بالمصحف أو وضع يده عليه فهو يمين ولا سيما في هذا الزمان الذي كثرت فيه الأيمان الفاجرة ورغبة العوام في الحلف بالمصحف. وعند الثلاثة المصحف والقرآن وكلام الله يمين. زاد أحمد والنبي أيضاً. وأقره في النهر.
قال ابن عابدين في رد المحتار 3: 713: وفيه نظر ظاهر إذ المصحف ليس صفة لله تعالى حتى يعتبر فيه العرف وإلا لكان الحلف بالنبي والكعبة يميناً؛ لأنه متعارف, وكذا بحياة رأسك ونحوه ولم يقل به أحد، على أن قول الحالف وحق الله ليس بيمين, وحق المصحف مثله بالأولى, وكذا وحق كلام الله لأن حقه تعظيمه والعمل به وذلك صفة العبد , نعم لو قال أقسم بما في هذا المصحف من كلام الله تعالى ينبغي أن يكون يميناً.
(¬2) ينظر: درر الحكام 2: 40، وغيره.
(¬3) وعند الشافعي - رضي الله عنه - ليس بيمين؛ لأنه يحتمل العبادات {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ} [الأحزاب: 72]، ويحتمل صفة الله - جل جلاله -. ينظر: النكت 3: 178، وغيره.
(¬4) وعن أبي يوسف - رضي الله عنه - أنه لا يكون يميناً؛ لاحتمال أنه أراد به الفرائض. ينظر: العناية 5: 68 - 69، والتبيين 3: 111،، وغيرهما.
(¬5) ينظر: البحر الرائق 4: 310، وغيره.
(¬6) في رد المحتار 3: 720، وغيره.
(ليس منا من حلف بالأمانة) (¬1)، محمول على النهي عن الحلف بالأمانة غير مضافة إلى الله تعالى كما هو الظاهر المتبادر منه (¬2).
- إن رفع كتاب فقه أو حساب فيه البسملة فقال: هو بريء مما فيه إن فعل (¬3).
- كلام الله تعالى؛ قال ابن الهمام (¬4): ((فيجب أن يدور مع العرف)).
- بحياتي وحياتك وحياة رأسك ورأس السلطان إن اعتقد أن البرّ واجب فيه يُكَفِّر. وفي ((تتمة الفتاوى)) (¬5) قال عليّ الرازيّ (¬6): ((أخاف على من قال بحياتي وحياتك أنه يكفر ـ أي وإن اعتقد وجوب البرّ به يكفر (¬7) ـ, ولولا أن العامة يقولونه ولا يعلمون ـ أي لا يعلمون أن اليمين ما كان موجبها البر أو الكفارة الساترة لهتك حرمة الاسم، وأن في الحلف باسم غيره تعالى تسوية
¬
(¬1) في سنن أبي داود 3: 233، واللفظ له، وصحيح ابن حبان 10: 205، والمستدرك 4: 331، وسنن البيهقي الكبير 10: 30، وغيرها.
(¬2) إعلاء السنن 11: 383، وغيره.
(¬3) ينظر: فتح القدير 5: 69، ورد المحتار 3: 713، وغيرهما.
(¬4) في فتح القدير 5: 69، وغيره.
(¬5) وهي لأبي المعالي لمحمود بن أحمد بن عبد العزيز. ينظر: الجواهر المضية 3: 42، وغيره.
(¬6) وهو الإمام حسام الدين علي بن أحمد بن مكي الرازي، قدم دمشق وسكنها وكان يدرس بالمدرسة الصادرية، والمدرسة النورية، قال ابن قطلوبغا: كان فقيهاً فاضلاً، من مؤلفاته: خلاصة الدلائل وتنقيح المسائل شرح القدوري، وسلوة الهموم، (ت598هـ). ينظر: الجواهر المضية 2: 543 - 544، تاج التراجم ص208.
(¬7) ينظر: الدر المختار ورد المحتار 3: 715، وحاشية الطحطاوي 3: 330، وغيرها.
بين الخالق والمخلوق في ذلك (¬1) ـ لقلت: إنه شرك. وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -؛ لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغير الله صادقاً)) (¬2).
وقال الطَّحْطَاويّ (¬3) (¬4): ((ولعل وجهه أن حرمة الكذب في الحلف به تعالى قد تسقط بالكفارة, والحلف بغيره تعالى أعظم حرمة؛ ولذا كان قريباً من الكفر ولا كفارة له)).
- بسم الله؛ لأن الاسم والمسمّى واحد عند أهل السنة والجماعة، فكان الحلف بالاسم حلفاً بالذات كأنه قال بالله. والعرف لا اعتبار به في أسماء الله - جل جلاله - (¬5).
- لا إله إلا هو (¬6)، وربّ السموات والأرض، وربّ العالمين، ومالك يوم الدين، والأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء (¬7)، ولا
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار 3: 715، وغيره.
(¬2) فتح القدير 5: 69، والبحر الرائق 4: 311، والدر المختار 7: 714 - 715، وغيرها.
(¬3) وهو العلامة الفقيه أحمد بن محمد بن إسماعيل الطَّحْطَاويّ الحنفي، ويقال: الطَّهْطَاوِيّ، ولد بطهطا، بالقرب من أسيوط بمصر، وتعلم بالأزهر، ثم تقلد مشيخة الحنفية، من مؤلفاته: حاشية على الدر المختار، وحاشية على مراقي الفلاح، وكشف الرين عن بيان المسح على الجوربين، (ت1231هـ). ينظر: الأعلام (1: 232 - 233). معجم المؤلفين (1: 271).
(¬4) في حاشيته على الدر المختار 3: 330، وغيره.
(¬5) ينظر: البحر الرائق 4: 305 - 306، وغيره.
(¬6) قال في البحر: ولو قال لا إله إلا الله لا أفعل كذا لا يكون يميناً إلا أن ينوي. ينظر: رد المحتار 3: 715، وغيره.
(¬7) ينظر: البحر الرائق 4: 306، وغيره.
فرق في أسمائه بين أن تكون خاصة, أو مشتركة كالحكيم والعليم والقدير والعزيز فالصحيح أنه لا يتوقف على النية; لأنه لما كان مستعملاً لله - جل جلاله - ولغيره لا تتعيّن إرادة أحدهما إلا بالنية، وهذه الأسماء وإن كانت تطلق على الخلق لكن تعين الخالق مراداً بدلالة القسم؛ إذ القسم بغير الله لا يجوز فكان الظاهر أنه أراد به اسم الله حملاً لكلامه على الصحة إلا أن ينوي به غير الله فلا يكون يميناً; لأنه نوى ما يحتمله كلامه فيصدق في أمر بينه وبين الله تعالى (¬1).
- الله يشهد أني لا أفعل, ومثله شهد الله , عَلِمَ الله أني لا أفعل، قال ابن عابدين (¬2): ((فينبغي في جميع ذلك أن يكون يميناً للتعارف الآن)).
* الثاني: ما لا يكون يميناً:
- عِلْم الله (¬3)؛ لأنه يراد به المعلوم فيقال: اللهم اغفر علمك فيها: أي معلومك؛ ولأنه لم يتعارف الحلف به ولو نوى العلم الحقيقي لا يكون يميناً لعدم العرف (¬4).
¬
(¬1) ينظر: البحر الرائق 4: 306، وغيره.
(¬2) في رد المحتار 3: 719.
(¬3) وعند الشافعي - رضي الله عنه -: إذا قال: وعلم الله كان يميناً؛ لأنه صفة من صفات الذات فأشبه القدرة والعزة. ينظر: النكت 3: 177، وغيره.
(¬4) ينظر: التبيين 3: 110، والهداية 5: 67، والعناية 5: 67، وغيرها.
- غضب الله وسخط الله؛ فإنه يراد به أثره وهو النار؛ ولأنه غير متعارف الحلف بها (¬1).
- رحمته؛ فإنه يراد بها أثرها وهي الجنة؛ ولأنه غير متعارف الحلف بها (¬2).
- عليّ غضب الله أو سخطه ونحوه؛ فهي دعاء على نفسه ولا تعلق له بما نحن فيه، وكذا لم تجر العادة بالتحالف به (¬3).
- والنبيّ والقرآن والكعبة لأفعلن كذا (¬4)؛ ويراد بالقرآن الحروف التي في اللهوات والنقوش التي في المصاحف (¬5)؛ ولأن الحلف بها غير متعارف؛ ولقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو يصمت) (¬6).
قال ابن الهُمام (¬7): ((ثم لا يخفى أن الحلف بالقرآن الآن متعارف فيكون يميناً كما هو قول الأئمة الثلاثة, وتعليل عدم كونه يميناً بأنه غيره تعالى; لأنه مخلوق; لأنه حروف وغير المخلوق هو الكلام النفسي.
منع ـ أي كونه غير يمين ـ بأن القرآن كلام الله مُنْزل غير مخلوق.
¬
(¬1) ينظر: الهداية 5: 67، والتبيين 3: 111، والعناية 5: 68، وكمال الدراية ق388.
(¬2) ينظر: كمال الدراية ق388، والهداية 5: 67، والتبيين 3: 111، والعناية 5: 68، وغيرها.
(¬3) ينظر: التبيين 3: 111، وغيره.
(¬4) ينظر: التبيين 3: 111، وغيره.
(¬5) ينظر: التبيين 3: 111، وغيره.
(¬6) سبق تخريجه.
(¬7) في فتح القدير 5: 69، وينظر: البحر الرائق 4: 311، وغيره.
ولا يخفى أن المنْزل في الحقيقة ليس إلا الحروف المنقضية المنعدمة وما ثبت قدمه استحال عدمه, غير أنهم أوجبوا ذلك; لأن العوام إذا قيل لهم القرآن مخلوق تعدوا إلى الكلام مطلقاً)).
وفي ((المضمرات)) (¬1): ((وقد قيل هذا في زمانهم, أما في زماننا فيمين وبه نأخذ ونأمر ونعتقد)). وقال محمد بن مقاتل الرازي - رضي الله عنه - (¬2): ((إنه يمين, وبه أخذ جمهور مشايخنا))، وقال ابن عابدين - رضي الله عنه - (¬3): ((فهذا مؤيدٌ لكونه صفة تعورف الحلف بها كعزة الله وجلاله)).
- حق الله (¬4)؛ لأن الحق المضاف إلى الله تعالى طاعته، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً) (¬5)، والحلف بالطاعة لا يكون
¬
(¬1) للفقيه يوسف بن عمر بن يوسف الصُّوفِيّ الكادوري البَزَّار الحنفي، قال الكفوي: شيخ كبير وعالم نحرير جمع علمي الحقيقة والشريعة، من مؤلفاته: جامع المُضْمَرات والمشكلات شرح مختصر القُدُوريّ قال الإمام اللكنوي: وهو شرح جامع للتفاريع الكثير، وحاوٍ على المسائل الغزيرة (ت832هـ). ينظر: كشف الظنون (2: 1632). الفوائد البهية (ص380). الأعلام (9: 321).
(¬2) وهو الإمام الفقيه محمد بن مقاتل الرَّازِيّ، من أصحاب محمد، قاضي الرَّي، (ت248هـ). ينظر: الجواهر المضية (3: 372). الفوائد البهية (ص329). التقريب (ص442).
(¬3) في رد الحتار 3: 713.
(¬4) وعند الشافعي - رضي الله عنه -: إذا قال: وحق الله كان يميناً؛ لأنه يمين معتادة بصفة مضافة إلى الله تبارك وتعالى بمعنى فأشبه العزة. ينظر: النكت 3: 177، وغيره.
(¬5) في صحيح مسلم 1: 58، وصحيح البخاري 5: 2224، وصحيح ابن حبان 1: 441.
يميناً؛ لأنه حلف بغير الله تعالى (¬1).
- حقّاً؛ لأن المنكر منه يراد به تحقيق الوعد، فكأنه قال: أفعل كذا حقيقة لا محالة (¬2).
قال ابن نُجيم (¬3) (¬4): ((وحقّ منكَّراً يمينٌ على الأصح إن نوى)).
- وجه الله؛ لأنه يراد به الذات ويراد به الثواب، يقال: أفعل هذا لابتغاء وجه الله تعالى: أي ثوابه (¬5).
- إن فعلته فعلي غضب الله وسخطه أو أنا زانٍ أو سارق أو شارب خمر أو آكل ربا؛ فلعدم التعارف بالحلف بها (¬6)؛ ولأن معنى اليمين أن يعلق ما
¬
(¬1) ينظر: التبيين 3: 111. وعن أبي يوسف - رضي الله عنه - أنه يمين، قال الموصلي: والمختار أن يكون يميناً اعتباراً بالعرف. ورده في ابن الهمام بأن التعارف بعد كون الصفة مشتركة في الاستعمال بين صفة الله تعالى وصفة غيره, ولفظ حق لا يتبادر منه ما هو صفة الله بل ما هو من حقوقه. ينظر: البحر الرائق 4: 311، ومنحة الخالق 4: 311، وغيرهما.
(¬2) ينظر: التبيين 3: 111، وغيره.
(¬3) وهو العلامة الفقيه الأصولي، زين العابدين، إبراهيم بن محمد ابن نُجَيْم المِصْريّ، من مؤلفاته: البحر الرائق شرح كنْز الدقائق، الرسائل الزينية، والأشباه والنظائر، ووفتح الغفار شرح المنار، والفتاوي، ولب الأصول اختصر فيه التحرير، قال الإمام اللكنوي عن مؤلفاته: كلُّها حسنةٌ جداً، (926 - 970هـ). ينظر: التعليقات السنية (ص221 - 222). الكشف (1: 385، 2: 1515). الرسائل الزينية (ص7).
(¬4) في البحر الرائق 4: 311.
(¬5) وعن أبي يوسف - رضي الله عنه - أنه يكون يمينا لأن الوجه يذكر بمعنى الذات قال الله - جل جلاله -: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: 27]. ينظر: التبيين 3: 111، والبحر 4: 310
(¬6) ينظر: التبيين 3: 111، وغيره.
يوجب امتناعه عن الفعل بسبب لزوم وجوده عند الفعل، وليس بمجرد وجود الفعل يصير زانياً أو سارقاً؛ لأنه لا يصير كذلك إلا بفعل مستأنف يدخل في الوجود, ووجود هذا الفعل ليس لازماً لوجود المحلوف عليه حتى يكون موجباً امتناعه عنه فلا يكون يميناً؛ لأنه لا أثر للتعليق في وجود هذه الأشياء، بخلاف الكفر فإنه بالرضا به يكفر من غير توقّف على عمل آخر (¬1).
وقال في ((المحيط)) (¬2): ((والحاصل أن كل شيء هو حرام حرمة مؤبدة بحيث لا تسقط حرمته بحال كالكفر وأشباهه, فاستحلاله معلق بالشرط يكون يميناً, وما تسقط حرمته بحال كالميتة والخمر وأشباه ذلك فلا)) (¬3).
- أنا بريء من حجّتي التي حججت أو صلاتي التي صليت؛ لأنه تبرأ عن فعله لا عن الحجة المشروعة (¬4).
- بحرمة الله أو شهد الله أو لا إله إلا الله (¬5)؛ أي ما لا يحل انتهاكه فهو في الحقيقة قسم بغيره تعالى (¬6).
¬
(¬1) ينظر: البحر الرائق 4: 312، وشرح ابن ملك على الوقاية ق130/ب، وغيرهما.
(¬2) للإمام محمد بن أحمد بن عبد العزيز ابن مازه البخاري، برهان الدين، قال الكفوي: كان إماماً فارساً في البحث عديم النظير، له مشاركة في العلوم وتعليق في الخلاف، من مؤلفاته: المحيط البرهاني، وذخيرة الفتاوي، (ت616). ينظر: الجواهر 3: 233 - 234. الفوائد ص291 - 292. الكشف2: 1619.
(¬3) ينظر: الفتاوى الهندية 2: 55، ورد المحتار 3: 714، وغيرهما.
(¬4) ينظر: رد المحتار 3: 713 - 714، وغيره.
(¬5) ينظر: فتح القدير 5: 69، وغيره.
(¬6) ينظر: رد المحتار 3: 720، وغيره.
المبحث التاسع
تكرار اليمين
تعدّد الكفارات بتعدد الأيمان، وفي اعتبار تكرار اليمين أصولٌ يحسن الوقوف عليها لضبط مسائلها عن غيرها، وهي:
الأصل الأول: في جنس مسائل البراءة في الأيمان أنه متى تعدَّدت صيغة البراءة تعددت الكفارة, وإذا اتحدت اتحدت (¬1)، ومن أمثلته:
أ. إن قال: إن فعلت كذا فأنا بريء من الكتب الأربعة فعليه كفارة واحدة؛ لأنها يمين واحدة. ولكن إن قال: أنا بريء من التوراة وبريء من الإنجيل وبريء من الزبور وبريء من الفرقان فعليه أربع كفارات; لأنها أربعة أيمان (¬2).
ب. إن قال: أنا بريء من الله ورسوله فعليه كفارة واحدة إن حنث; لأنها يمين واحدة، ولكن إن قال: أنا بريء من الله وبريء من رسوله فعليه كفارتان إن حنث; لأنهما يمينان (¬3).
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار 3: 713، والبحر الرائق 4: 309، وغيرهما.
(¬2) ينظر: البحر الرائق 4: 309، وغيره.
(¬3) ينظر: البحر الرائق 4: 309، وغيره.
ت. إن قال: إن فعلت كذا فهو بريء من الله تعالى وبريء من رسوله، والله ورسوله بريئان منه، ففعل يلزمه أربع كفارات
ث. إن قال: أنا بريء مما في المصحف فهو يمين واحدة، وكذا لو قال: هو بريء من كل آية في المصحف فهو يمين واحدة (¬1).
الأصل الثاني: أن الحالف بالله إذا ذكر اسمين وبنى عليهما الحلف، له الأحوال التالية:
1. إن كان الاسم الثاني نعتاً للاسم الأول ولم يذكر بينهما حرف العطف كانا يميناً واحدة باتفاق الروايات كلها، كما في قوله: والله الرحمن لا أفعل كذا.
2. إن كان الاسم الثاني يصلح نعتاً للاسم الأول وذكر بينهما حرف العطف كانا يمينين في ظاهر الرواية، كما إذا قال رجل: والله والرحمن لا أفعل كان يمينين حتى إذا حنث بأن فعل ذلك الفعل كان عليه كفارتان.
3. إن كان الاسم الثاني لا يصلح نعتاً للأول، فإن ذكر بينهما حرف العطف، كانا يمينين في ظاهر الرواية وهو الصحيح، كما في قوله: والله والله لا أفعل كذا.
4. إن كان الاسم الثاني لا يصلح نعتاً للأول، ولم يذكر بينهما حرف
¬
(¬1) ينظر: الفتاوى الهندية 2: 77، وغيره.
العطف كانتا يميناً واحدة باتفاق الروايات، هكذا ذكره شيخ الإسلام (¬1) - رضي الله عنه -، وإن نوى به يمينين يكون يمينين (¬2).
الأصل الثالث: إذا أعاد اليمين في مجلسه أو في مجلس آخر فعليه كفارات بعدد إعادته إذا نوى يميناً أخرى أو نوى التغليظ أو لم يكن له نية، أما إن نوى بالكلام الثاني اليمين الأول، فعليه كفارة واحدة، وعن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: تقبل نيّته إن كانت يمينه بحجّة أو عمرة أو صوم أو صدقة، وأما إن كانت يمينه بالله فلا يصح نيته وعليه كفارتان (¬3).
وبيان ذلك على ما قاله السرخسي (¬4): ((إذا حلف الرجل على أمر لا يفعله أبداً، ثم حلف في ذلك المجلس أو في مجلس آخر لا يفعله أبداً، ثم فعله، كانت عليه كفارة يمينين؛ لأن اليمين عقد يباشره بمبتدأ وخبر، وهو شرط وجزاء، والثاني في ذلك مثل الأول فهما عقدان, فبوجود الشرط مرة
¬
(¬1) وهو الإمام الفقيه أبو الحسن عليُّ بن محمد بن إسماعيل الإسْبِيجَابِيّ، السَّمَرْقَنْدِيّ، قال الكفوي: لم يكن أحد يحفظ مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه - ويعرف مثله في عصره، عمَّر العمر الطويل في نشرالعلم، من مؤلفاته: شرح مختصر الكرخي، والمبسوط، (454 - 535هـ). ينظر: الجواهر (2: 591)، هدية العارفين (1: 697)، الفوائد (ص209).
(¬2) الفتاوى الهندية 2: 76. وينظر: فتح القدير 5: 79، ورد المحتار 3: 714، وغيرها.
(¬3) ينظر: الدر المختار 3: 714، والفتاوى الهندية 2: 57، وفتح القدير 5: 79، وغيرها، قال ابن عابدين في رد المحتار 3: 714: لعل وجهه أن قوله إن فعلت كذا فعلي حجة ثم حلف ثانيا كذلك يحتمل أن يكون الثاني إخبارا عن الأول , بخلاف قوله والله لا أفعله مرتين فإن الثاني لا يحتمل الإخبار فلا تصح به نيّة الأول.
(¬4) في المبسوط 8: 157 - 158، وغيره.
واحدة يحنث فيهما، وهذا إذا نوى يميناً أخرى، أو نوى التغليظ؛ لأن معنى التغليظ بهذا يتحقق، أو لم يكن له نية؛ لأن المعتبر صيغة الكلام عند ذلك، ثم الكفارات لا تندرئ بالشبهات خصوصاً في كفارة اليمين؛ فلا تتداخل ـ أي اليمينان ـ، وأما إذا نوى بالكلام الثاني اليمين الأول، فعليه كفارة واحدة؛ لأنه قصد التكرار، والكلام الواحد قد يكرر، فكان المنوي من محتملات لفظ، وهو أمر بينه وبين ربه.
وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة - رضي الله عنهم - قال: هذا إذا كانت يمينه بحجة أو عمرة أو صوم أو صدقة, فأما إذا كانت يمينه بالله تعالى فلا تصح نيّته، وعليه كفارتان قال أبو يوسف - رضي الله عنه -: هذا أحسن ما سمعنا منه، ووجهه أن قوله: فعليه حجة مذكور بصيغة الخبر، فيحتمل أن يكون الثاني هو الأول، فأما قوله: والله؛ هذا إيجاب تعظيم المقسم به نفسه من غير أن يكون بصيغة الخبر, فكان الثاني إيجاباً كالأول فلا يحتمل معنى التكرار؛ لأن ذلك في الإخبار دون الإيقاع والإيجاب, وإذا كانت إحدى اليمينين بحجة، والأخرى بالله فعليه كفارة وحجة; لأن معنى تكرار الأول غير محتمل هنا فانعقدت يمينان، وقد حنث فيهما بإيجاد الفعل مرة فيلزمه موجب كل واحد منهما)).
ومن أمثلته:
أ. إن قال رجل لآخر: والله لا أكلمه يوماً، والله لا أكلمه شهراً، والله لا أكلمه سنةً، إن كلمه بعد ساعة فعليه ثلاثة أيمان، وإن كلمه بعد الغد فعليه
يمينان، وإن كلمه بعد الشهر فعليه يمين واحدة، وإن كلمه بعد سنة فلا شيء عليه (¬1).
ب. إن قال: هو يهودي إن فعل كذا، وهو نصراني إن فعل كذا فهما يمينان، ولو قال: هو يهودي هو نصراني إن فعل كذا فهو يمين واحدة. قال ابن الهمام (¬2): ((يفيد أن في مثله تعدد اليمين منوط بتكرر المحلوف عليه مع تكرر الالتزام بالكفر)).
• • •
¬
(¬1) ينظر: الفتاوى الهندية 2: 57، وفتح القدير 5: 79، وغيرهما.
(¬2) في فتح القدير 5: 79.
المبحث الأول
قاعدتان في اعتبار الأيمان
القاعدة الأولى: الأيمان تبنى على العرف:
ومعنى ذلك أن اليمين مبنيّة على العرف ما لم ينو ما يحتمله اللفظ (¬1)؛ لأن المتكلم إنما يتكلم بالكلام العرفي أعني الألفاظ التي يراد بها معانيها التي وضعت لها في العرف، كما أن العربي حال كونه بين أهل اللغة إنما يتكلم بالحقائق اللغوية فوجب صرف ألفاظ المتكلم إلى ما عهد أنه المراد بها.
فمثلاً: من حلف لا يهدم بيتاً، وهدم بيت عنكبوت (¬2)، فإنه إن كان نوى هدم بيت عنكبوت في عموم قوله بيتاً حنث، وإن لم يخطر له فلا؛ لانصراف الكلام إلى المتعارف عند إطلاق لفظ بيت؛ لأن الكلام ينصرف إلى العرف إذا
¬
(¬1) الأصل أن الأيمان مبنية عند الشافعي - رضي الله عنه - على الحقيقة اللغوية، وعند مالك - رضي الله عنه - على الاستعمال القرآني - رضي الله عنه -، وعند أحمد - رضي الله عنه - على النية. ينظر: الدر المختار 3: 743، وغيره.
(¬2) وعند الشافعي - رضي الله عنه - إذا حلف لا يدخل بيتاً فدخل بيت من شعر حنث؛ لأن ما حنث به البدوي حنث به الحضري. ينظر: 3: 186، وغيره.
لم تكن له نيّة، وإن كان له نيّة شيء واللفظ يحتمله انعقد اليمين باعتباره (¬1).
القاعدة الثانية: الأيمان مبنيّة على الألفاظ لا على الأغراض:
ومعنى ذلك أن مبنى الأيمان على الألفاظ العرفيّة (¬2) لا على الأغراض: أي المقاصد والنيات (¬3) , فصار الحاصل أن المعتبر إنما هو اللفظ العرفي المسمّى, وأما غرض الحالف فإن كان مدلول اللفظ المسمّى اعتبر، وإن كان زائداً على اللفظ فلا يعتبر (¬4).
وكل من القاعدتين متمم ومكمل للمقصود من الأخرى: لأن قاعدة بناء الأيمان على العرف معناه أن المعتبر هو المعنى المقصود في العرف من اللفظ المسمى, وإن كان في اللغة أو في الشرع أعم من المعنى المتعارف, ولما كانت هذه القاعدة موهمة اعتبار الغرض العرفي وإن كان زائداً على اللفظ المسمى وخارجاً عن مدلوله فإنهم دفعوا ذلك الوهم بذكر القاعدة الثانية وهي بناء الأيمان على الألفاظ لا على الأغراض, فقولهم لا على الأغراض
¬
(¬1) رد المحتار 3: 743، وغيره.
(¬2) واحترز به عن القول ببنائها على عرف اللغة أو عرف القرآن، ففي حلفه لا يركب دابة ولا يجلس على وتد, لا يحنث بركوبه إنساناً، وجلوسه على جبل، وإن كان الأول في عرف اللغة دابة, والثاني في القرآن وتداً.
(¬3) احترز به عن القول ببنائها على النية.
(¬4) رد المحتار 3: 743، وغيره.
دفعوا به توهم اعتبار الغرض الزائد على اللفظ المسمى, وأرادوا بالألفاظ الألفاظ العرفية بقرينة القاعدة الأولى, ولولاها لتوهم اعتبار الألفاظ ولو لغوية أو شرعية فلا تنافي بين القاعدتين (¬1).
وتفصيل ذلك فيما يلي:
أولاً: استعمال الألفاظ له صورتان:
الأولى: حقيقة: وهو أن تستعمل فيما وضعت له لغة.
الثانية: مجاز: وهو أن تستعمل في غير ما وضعت له في اللغة لقرينة، وله حالان:
1. العام: ويكون بأن يعرض للمجاز كثرة استعمال عند قوم بحيث لا يستعمل اللفظ في غيره أو يستعمل قليلاً في غيره، مثاله: لفظ: الدابة؛ فإنها في أصل الوضع اسم يوضع لما يدب على الأرض ثم خصصت بذوات الأربع مما يركب وشاع العرف العام بذلك حتى صار استعمال اللفظ فيه حقيقة عرفية لا يراد به غيرها حتى تركت به الحقيقة الأصلية.
2. الخاص: وهو كالألفاظ المصطلح عليها في الشرع أو في عرف طائفة كالصلاة والحج، فإنهما في اللغة اسم للدعاء وللقصد إلى معظَّم، ثمّ خصّا في عرف الشرع بهذه الأفعال المخصوصة، وكالفاعل والمفعول في عرف النحاة. فهذا القسم شاع عند أهله حتى صار حقيقة اصطلاحية بحيث لا يفهم منه
¬
(¬1) رد المحتار 3: 744، وغيره.
في تخاطبهم غيره وتركت به الحقيقة الأصلية، فالعرف له اعتبار في الكلام؛ لأنه السابق إلى الأفهام، قال السيد الشريف (¬1): ((إن اللفظ عند أهل العرف حقيقة في معناه العرفي مجاز في غيره)) (¬2).
ثانياً: تخصيص اللفظ العام بما يلي:
1. العرف العملي؛ مثاله: لو قال: حرمت الطعام، وعادتهم أكل البر، انصرف الطعام إلى البرّ.
2. العرف القولي؛ وأن يتعارف قوم إطلاق لفظ بحيث لا يتبادر عند سماعه إلا ذلك المعنى، مثاله: إطلاق الدابة على الحمار، والدراهم على النقد الغالب (¬3).
ونصّوا على أن اللفظ العام يخصّ ولا يزاد:
ومعنى: يخص؛ أن اللفظ إذا كان عاماً يجوز تخصيصه بالعرف، فالغرض العرفي يخصص عمومه، فإذا أطلق اللفظ العام ينصرف إلى المتعارف منه (¬4). مثاله: من حلف لا يأكل رأساً، فإنه يحنث بالرأس الذي
¬
(¬1) وهو الإمام الأصولي المتكلم المنطفي الفقيه، أبو الحسن، علي بن محمد بن علي الحسيني الجُرْجَانِيّ، أبو الحسن، المعروف بالسيد الشَّريف، من مؤلفاته: الشريفية، وحواشي شرح الشمسية، وشرح المواقف، وشرح الوقاية، وحاشية الهداية، (740 - 816هـ). ينظر: الضوء اللامع 5: 328 - 330. الفوائد ص212 - 224. الأعلام5: 159.
(¬2) رفع الانتقاض ودفع الاعتراض 1: 277، وغيره.
(¬3) رفع الانتقاض ودفع الاعتراض 1: 277، وغيره.
(¬4) ينظر: رد المحتار 3: 744، وغيره.