الجزء 1 · صفحة 1
إسعاف المولى القدير شرح زاد الفقير
للعلامة أحمد بن إبراهيم التونسي الحنفي الأزهري المصري
توفي سنة (1127هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 2
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم يسر
الحمد لله الذي جعل الصَّلاة عماد الدين، وحبله الواثق المتين، والسبب الذي من تمسك به فاز باليقين، وطهر بها قلوب العارفين عن أنجاس أنحاس العاتين والمتمردين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مخلصة لربّ العالمين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الذي جاهد في الله حق جهاده حتى تبين الحق أتم تبيين، صلَّى الله وسلَّم عليه، وعلى آله وأصحابه الذين فازوا منه بالهداية والعناية في البداية والنهاية، فكانوا مصدراً للسالكين ونجوماً للمهتدين.
أما بعد، فيقول مستمد العون من مولاه القدير، المقر بعجزه مع التقصير، أحمد بن إبراهيم التونسي الحنفي الأزهري المصري: لما كانت المقدمة المنسوبة إلى العالم الشهير والجهبذ التحرير الكمال بن الهمام المسماة بزاد الفقير مشتملة على تلخيص في العبارة، مع تدقيق ونضارة، ولم يكن عليها شرح وافياً بمرادها، متمماً لفوائدها، التمس مني بعض فضلاء الروم، الجامع بين المنطوق والمفهوم، محرر المنثور والمنظوم، أن أكتب عليها شرحاً مبيناً لمعانيها، ضابطاً لمبانيها، مبرزاً لفوائدها، ناظماً لفرائدها، فأضربت عن ذلك صفحاً، وطويت عنه كشحاً، فكرَّر القول ثانياً، فلم أزل لعنان الإجابة ثانياً، فألح عليّ في القول وألزم.
فرأيت أن إجابته ألزم، بيد أنّي مقر بالعجز والتقصير معترف بقلة الجد والتشمير، لكني أستمدُّ من إحسان اللطيف الخبير الميسر لكل عسير، فأجبته إلى سؤاله وسميته «إسعاف المولى القدير شرح زاد الفقير».
والله أسأل أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وموجباً للفوز بجنات النعيم، إنَّه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير. فأقول وبالله التوفيق وبيده أزمة التحقيق:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
(بسم الله الرحمن الرحيم) ابتدأ المصنف رحمه الله تعالى مقدمته بالبسملة وعقَّبها
الجزء 1 · صفحة 3
بالحمدلة اقتداء بالكتاب العزيز وعملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر» وفي رواية «كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم» وروى الخطيب في جامعه: «ببسم الله الرحمن الرحيم» والبال: الحال والشأن.
وأمر ذو بال: أي: ذو حال وشأن يهتم به أي شريف. والبال أيضاً: القلب كأنَّ الأمر لشرفه وعظمه قد ملك قلب صاحبه لاشتغاله به وقيل شُبّه بذي قلب على سبيل الاستعارة المكنية وفي وصف الأمر بذلك وتقييده به فائدتان: الأولى رعاية تعظيم اسم الله حيث يبدأ به في الأمور التي لها شأن وخطر. والثانية: التيسير على الناس في محقرات الأمور.
والتسمية والحمدلة كل منهما وسيلة لغيره فلا يحتاج إلى بداءة بتسمية وحمدلة، على أنا نقول: في كل من التسمية والحمدلة كما يحصل البركة لغيره يجب أن يحصل مثل ذلك لنفسه، كالشاة من أربعين تزكي نفسها وغيرها.
ثم معنى بدء الأمر ذي البال باسم الله: تصديره به وذكره بادئ بدء وجعل ذكره أول عمل تعمله ثم تتبعه بباقي عملك، هذا هو الشائع المتبادر في بدء الشيء بالشيء كما نص عليه في الكشاف، ودرج عليه عمل السلف والخلف، ومن ثم قالوا إن بين ظاهري الحديثين تعارضاً؛ لأن العمل بأحدهما يفوت العمل بالآخر، وأجيب: بحمل الابتداء على العرفي الذي يعتبر الشروع في الشيء إلى حين الأخذ في المقصود، أو يُحمل على الأعم من الحقيقي والإضافي، أي: فيكون الابتداء بالحمدلة أو البسملة ولو اضافياً محصلاً للمقصود، لكن خص الحقيقي بالبسملة، والإضافي بالحمدلة للإجماع على ذلك، وللاقتداء بالكتاب العزيز والإضافي:
هو الذي يعتبر مبدوءاً به بالإضافة إلى ما بعده فيشمل الخطبة بأسرها. ثم الباقي لبسم الله متعلقة بمحذوف أي: أؤلف ونحوه؛ لأنَّ كل فاعل يضمر ما جعل التسمية مبدأ له فيقدر خاصاً كأؤلف في هذا المقام وتقديره مؤخراً كما في: ?بِسْمِ اللهِ مجراها? [هود:] أولى لاقتضاء المقام مزيد اهتمام بتقديم اسمه، واعتناء بشأنه تعظيماً وتبركاً به، مع إفادة التقديم اختصاصه به في كل أمر ذي بال؛ لجعله آلة له من حيث إنّه لا يعتد به شرعاً ما لم يصدر به ولا يرد: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق:]. لاقتضاء المقام تقديم الفعل؛ لأنه أمر بايجاد القراءة من غير اعتبار تعديته إلى مقروء أي: أوجدها مبتدئًا باسم الله فقُدم، وإن كان اسمه تعالى أهم في نفسه؛ لأن القراءة هنا أهم من حيث أنه مقام تعليم؛ لأنها أول سورة نزلت: وقيل: الباء
الجزء 1 · صفحة 4
للاستعانة أو الملابسة. و (الله): اسم للذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد المعبود بالحق (والرحمن الرحيم): صيغتا مبالغة من الرحمة: أي رقة القلب والعطف، أعني الميل النفساني المستحيل عليه تعالى لكونه كيفية نفسانية فهي إما مجاز مرسل في الإحسان علاقته اللازمية والملزومية، أو السببية والمسببيَّة فيكون صفة فعل، أو في إرادته فيكون صفة ذات، وإما تمثيل بأن مُثلت حاله تعالى بحال ملك عَطفَ على رعيته ورقَّ لهم فعمّهم معروفه فأطلق عليه الاسم وأريد به غايته فهو وإن استحال باعتبار المبدأ يجوز باعتبار الغاية التي هي فعل، أو إرادته لا مبدأه الذي هو انفعال فهو استعارة تمثيلية.
(الحمد لله رب العالمين) اقتباس لطيف من القرآن الكريم والفرقان القديم من غير اشعار بأنه منه إذ هو شرط الاقتباس حاول به افتتاح كتابه هذا ثم الحمد هو ما يقابل النعمة أو غيرها، من ثناء وتعظيم باللسان فقط.
والشكر: ما يقابل النعمة فقط بإظهار وتعظيم. قولاً أو عملاً أو اعتقاداً، بما يلوح بتعظيمه وينبيء عن تمجيده، من اتصافه بصفات الكمال إلا أنه يُترجم عنه بالمقال، وقرنه باسم الذات دون غيره من أسمائه تعالى؛ حذراً من توهم اختصاصه بشيء دون شيء، ولامه للجنس والمراد مطلق المسمّى من غير أن يتعرض للقيد لا أن يعتبر فيه عدم القيد، وهي تفيد الاستغراق بحسب المقام، أو لام الاختصاص في الله أي: جنس الحمد مختص بالذات المستجمع لجميع الصفات المستحق لجميع المحامد، قاله مسكين. وإنما اختار كونها للجنس، على كونها للاستغراق؛ لأن لام التعريف الداخلة على المصادر الأصل فيها أن تكون للجنس كما في المطول. ومعنى قوله والمراد مطلق المسمى أي: المراد مطلق مسمى الحمد: أي: مسماه المطلق عن القيد أي: ماهيته لا بشرط شيء لا ماهيته بشرط لا شيء، فإنه وإن جاز في التعريفات إلا أنه قليل الاستعمال كما نبه عليه الحفيد في حواشي المطول. والربّ أصله بمعنى التربية أي: تبليغ الشيء شيئاً فشيئاً إلى كماله ثم وصف به للمبالغة فهو مصدر بمعنى فاعله كالصوم والعدل وقيل هو صفته من ربه يربه فهو رب. ثم سمي به المالك لأنه يحفظ ما يملكه ويربيه لكن ردّ هذا بأنه خلاف الأصل ولا يطلق على غيره تعالى إلا مقيداً، فيقال: ربّ الدّار، وربّ الدّابة، وربّ العبد.
هذا هو المشهور وفيه بحث إذ ورد في صحيح مسلم: «لا يقل أحدكم ربي بل سيدي ومولاي». فلعل الجواز في المقيد يختص بغير أولي العلم وأما قول يوسف عليه الصَّلاة والسَّلام: {إِنَّهُ رَبِّي} [يوسف:] فملحق بالسجود في الاختصاص بزمانه.
الجزء 1 · صفحة 5
والعالمين: اسم جمع عالم، وهو اسم لما يعلم به كالطابع، ثم غلب على ما سوى الله تعالى جواهر وأعراضاً وهي لإمكانها وافتقارها إلى مؤثر واجب لذاته تدل على وجوب وجوده، وجمع ليشمل أجناسه المختلفة، وبالياء والنون تغليباً للعقلاء، وقيل هو اسم وضع لذوي العلم من الإنس والملائكة والجن، وتناول غيرهم بطريق التَّبع وعليه فالعالمين جمع له.
(ولا حول ولا قوة إلا بالله) قيل معناه: لا حركة عن المعصية ولا قوة على الطاعة إلا بتوفيق الله كذا في المصباح المنير (العلي) المتعالي (العظيم): اسمان من أسمائه تعالى ومعناه البالغ في العظمة (وهو حسبي) أي: محسبي وكافيَّ (ونعم الوكيل) عطف إما على جملة وهو حسبي والمخصوص بالمدح محذوف، وإما على حسبي أي: وهو نعم الوكيل فالمخصوص هو الضمير المتقدم على ما صرح به صاحب المفتاح وغيره في نحو: (زيد نعم الرجل)، وعلى كل تقدير قد عطف الإنشاء على الإخبار كذا أفاده السعد في مختصره. (قال) فعل ماض من القول وأصله قَوَلَ على وزن نصر، تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت الفاء فصار قال (العبد): أي: المتعبد مأخوذ من العبودية التي هي التذلل والخضوع لا من العبادة التي هي غاية التذلل. وللعبد إطلاقات ليس هذا محل بسطها وهو مرفوع على الفاعلية بقال (الفقير) بالرفع أيضاً على أنه صفة العبد وهو صيغة مبالغة ومعناه: الكثير الفقر. أو صفة مشبهة باسم الفاعل ومعناه: الدائم الفقر والحاجة. وهو أولى من الأول؛ لأنّ ما يحصل في الأزمان المتطاولة أقوى مما يحصل بالكثرة في زمان واحد
(محمد) بالرفع على أنه بدل من العبد، أو عطف بيان فإن نعت المعرفة إذا تقدم عليها أعرب بحسب العوامل. وأعربت هي بدلاً أو عطف بيان وصار المتبوع تابعاً، ونعت النكرة إذا تقدم عليها انتصب على الحال كقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:]. (ابن عبد الواحد) بالرفع صفة محمد وهي أبداً في مثل هذه المواضع تقع صفة لما قبلها مضافة لما بعدها (ابن همام الدين) بالجر صفة عبد الواحد بن عبد الحميد، الإسكندري مولداً، السيواسي منتسباً، الشهير بابن همام الدين، لَقبُ والده العلامة عبد الواحد كان عبد الواحد أبو المؤلف قاضي سيواس البلد الشهير ببلاد الروم ومن بيت العلم والقضاية قدم القاهرة وولي خلافة الحكم بها عن القاضي الحنفي بها ثمة، ثم ولي قضاء الحنفية بالإسكندرية وتزوج بها بنت القاضي المالكي يومئذ فولدت له المصنف.
ومدحه الشيخ بدر الدين الدماميني بقصيدة بليغة شهد له فيها بعلو الرتبة في العلم وحسن السيرة في الحكم، ثم رغب عنها ورجع الى القاهرة وأقام بها مكباً على الاشتغال في
الجزء 1 · صفحة 6
العلم إلى أن مات كذا ذكره المصنف رحمه الله. كذا ذكره ابن أمير حاج في شرحه لتحرير المصنف.
وأما المصنف فهو: العلامة كمال الدين محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود السيواسي ثم السكندري، ولد تقريباً سنة تسعين وسبعمائة وتفقه بالسراج قاراء الهداية وغيره، وتقدم على أقرانه وبرع في العلوم وكان علامة زمانه نظاراً قرره الأشرف شيخاً في مدرسته فباشرها مدة ثم تركها وولي مدرسة الشيخونية، ثم تركها أيضاً.
وله تصانيف منها: شرح الهداية، والتحرير في أصول الفقه. مات في رمضان سنة إحدى وستين وثمانمئة كذا ذكره السيوطى في حسن المحاضرة.
أقول: وقد بقي له من المؤلفات كتاب المسايرة في التوحيد ومناقبه كثيرة شهيرة وصلى عليه قاضي القضاة سعد الدين الديري الحنفي ودفن بالقرافة في تربة ابن عطاء الله السكندري وقد بلغ السبعين وكانت جنازته حافلة.
(سألني) أي طلب مني يقال: (سأله كذا وعن كذا) وفي كذا بمعنى سؤالاً وسآلة ومسألة ويقال: سال يسال كخاف يخاف كذا في «القاموس». (بعض الفقراء) فاعل سأل والفقراء: جمع فقير بوزن فعيل من الفقر مأخوذ من انكسار الفقار بتقديم الفاء على القاف وهو الظهر الذي لا يبقى مع انكساره قدرة أي: المحتاجين (من طلبة العلم) بيان للفقراء، جمع، طالب ككتبة جمع كاتب، وسحرة جمع، ساحر، وقذفة جمع قاذف. من طلبه طلباً بالتحريك وتطلبه وأطلبه كافتعله حاول وجوده وأخذه والمراد بهم المنهمكون في تحصيله
(وأنا على جناح سفر) أي: على جانب وطريق سفر، والجناح في الأصل للطائر كاليد للإنسان والجمع أجنحة ففيه استعارة بالكناية، وذلك أنه شبه السفر بطائر له جناح تشبيهاً مضمراً في النفس، وأثبت له شيئا من لوازم المشبه به تخييلاً.
(أن أكتب) الجملة في تأويل مصدر معمول سألني: أي: كتابة أو في كتابة على ماتقدم (له) أي: لأجله (مقدمة) من قدّم اللازم بمعنى تقدم، فهي متقدمة بنفسها فليس في دالها على هذا إلا الكسر، أو المتعدي فيجوز في دالها الفتح والكسر. فبالكسر: اسم فاعل بمعنى أنها مقدمة لغيرها، ممن اعتنى بها وفهم معناها على غيره من أقرانه.
وإسناد التقديم إليها مجاز إذ المقدم في الحقيقة إنما هو المعرفة المترتبة على ممارستها، فهو من قبيل المجاز العقلي. وبالفتح: اسم مفعول بمعنى أنها مقدمة على غيرها من الكتب لما
الجزء 1 · صفحة 7
اشتملت عليه مما يقتضي تقديمها، فتقديمها لا بجعل جاعل بل بالاستحقاق الذاتي. والكسر هو المختار قال في القاموس: «قَدَمَ القَوْمَ، كَنَصَرَ، قَدْماً وقُدُوماً وقَدَّمَهُم واسْتَقْدَمَهُم: تَقَدَّمَهُم»، ومقدّمة الجيش. وقال غيره: (تقدّمتُ القوم)، سبقتهم. ومنه مقدمة الجيش: الذين يتقدمون بالتثقيل اسم فاعل، ومقدمة الكتاب مثله.
وفي الاصطلاح: هي الألفاظ المخصوصة الدالة على المعاني المخصوصة على ما اختاره سيد المحققين. (في) أحكام (الصلاة) من فرائضها وواجباتها وسننها وآدابها (وشروطها) وما يتبع ذلك من بيان أوقاتها وغير ذلك مما اشتملت عليه المقدمة
(سهلة الانقياد) حال من المقدمة، ولا يخفى ما في قوله سهلة الانقياد من الاستعارة، فانّه شبه مقدمته بشخص مطيع لكل ما يؤمر به تشبيهاً مضمراً في النفس استعارة بالكناية، وإثبات الانقياد تخييل. والمعنى: إنها تفيده الأحكام بسهولة وقرب إلى فهمه من غير إلغاز ولا غرابة في الألفاظ كما يفيده قوله:
(واضحة) أي بيّنة ومكشوفة المراد: أي ما يُراد منها من المسائل الفقهية (يستفيد منها كل مرتاد) أي: كل طالب ففي «المصباح»: «وَارْتَادَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ طَلَبَهُ وَرَادَهُ يَرُودُهُ رِيَادًا مِثْلُهُ». وفي «المغرب»: وارتاد الكلأ بمعنى راده ومنه حديث عثمان: «كانا يعدان لهذا المقام مقالاً».
وروى يرتاد ومنه: «إذا بال أحدكم فليرتد لبوله» أي: ليطلب مكاناً ليناً المراد منه.
(فأجبته إلى بغيته) أي: طلبه بالشروع فيه تقول: بَغَيْتُهُ أَبْغِيه بَغْيًا طَلَبْتُهُ وَابْتَغَيْتُهُ وَتَبَغَيْتُهُ مِثْلُهُ وَالاِسْمُ الْبُغَاءُ وِزَانُ غُرَابِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَا مَعْنَاهِ يُنْدَبُ نَدْبًا مُؤَكَّدًا لَا يَحْسُنُ تَرْكُهُ وَاسْتِعْمَالُ مَاضِيهِ مَهْجُورٌ وَقَدْ عَدُّوا يَنْبَغِي مِنْ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَا تَتَصَرَّفُ فَلَا يُقَالُ: انْبَغَى وَقِيلَ فِي تَوْجِيهِهِ: إِنَّ انْبَغَى مُطَاوِعُ بَغَى وَلَا يُسْتَعْمَلُ انْفَعَلَ فِي المُطَاوَعَةِ إِلَّا إِذَا كَانَ فِيهِ عِلَاجٌ وَانْفِعَالٌ مِثْلُ: كَسَرْتُهُ فَانْكَسَرَ وَكَما لَا يُقَالُ: طَلَبْتُهُ فَانْطَلَبَ وَقَصَدْتُهُ فَانْقَصَدَ لَا يُقَالُ: بَغَيْتُهُ فَانْبَغَى لِأَنَّهُ لَا عِلَاجَ فِيهِ وَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ.
وَحُكِيَ عَنْ الْكِسَائِيِّ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ الْعَرَبِ وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَا أَي: «مَا يَسْتَقِيمُ أَوْ مَا يَحْسُنُ». كذا في «المصباح المنير».
(معترفاً بالعجز والتقصير) هذا تواضع منه رضي الله عنه، وإلا فمقامه أعلى وأغلى وقوله: معترفاً حال من التاء في فاجبته أي مقراً (وسميتها) أي: المقدمة، والتسمية: وضع
الاسم للمسمَّى (بزاد الفقير) زَادُ المُسَافِرِ طَعَامُهُ الْمُتَّخَذُ لِسَفَرِهِ وَالْجُمْعُ أَزْوَادٌ وَتَزَوَّدَ لِسَفَرِهِ وَزَوَّدْتُهُ أَعْطَيْتُهُ زَادًا. كذا في «المصباح المنير».
وفي هذا الاسم لطيفة لا تخفى وهو أنّ هذه المقدمة شيء لطيف خفيف المؤنة كزاد المسافر الذي يكون كافياً له مع خفة حمله، فكذلك هذه المقدمة خفيفة الحمل خفيفة المؤنة في تحصيلها مع كثرة نفعها والاستغناء بها عما يثقل حمله من الكتب الكبار المؤلفة في الصلاة وأحكامها.
(والله عوني) أي: معيني على تأليفها إذ لا يستعان في الأمور كلها إلا به. والْعَوْنُ الظَّهِيرُ عَلَى الْأَمْرِ وَالْجَمْعُ أَعْوَانٌ وَاسْتَعَانَ بِهِ فَأَعَانَهُ وَقَدْ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ فَيُقَالُ اسْتَعَانَهُ وَالاِسْمُ الْمَعُونَةُ. كذا في «المصباح المنير».
(ونعم النصير) أي: الناصر. نَصَرْتُهُ عَلَى عَدُوِّهِ وَنَصَرتُهُ مِنْهُ نَصْراً أَعَيْتُهُ وَقَوَّيْتُهُ وَالْفَاعِلُ
نَاصِرٌ وَنَصِيرٌ وَجَمْعُهُ أَنْصَارٌ مِثْلُ يَتِيمِ وَأَيْتَامٍ كذا في «المصباح».
[باب المياه]
(باب المياه) الباب يجمع على أبواب، ويضاف للتخصيص فيقال: (باب الدار)، و (باب البيت).
والبواب: حافظ الباب، وهو الحاجب. وبوّبت الأشياء تبويباً: جعلتها أبواباً متميزة. هذا معنى الباب لغة كما في المصباح المنير.
واصطلاحاً عبارة عن مسائل تغيرت أحكامها بالنسبة لما قبلها وما بعدها، غير مترجمة بكتاب ولا فصل. ثم هو كغيره من التراجم اسم للألفاظ أو للنقوش أو للمعاني، أو لاثنين منها أو للثلاثة. احتمالات سبعة ومختار سيد المحققين أنه اسم للألفاظ باعتبار دلالتها على المعاني. وهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي: هذا باب. ويجوز نصبه على أنه مفعول فعل محذوف تقديره أقرأ باب المياه وباب، مضاف والمياه مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة وإضافته على معنى اللام.
والمياه جمع ماء في الكثرة، ويجمع جمع قلة على أمواه على الأصل إذ أصل ماء: مَوَهَ
الجزء 1 · صفحة 8
قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ثم أبدلت الهاء همزة، وفيه لغة على الأصل وهو أصل مرفوض فيما أبدل من الهاء إبدالاً لازماً فإن الهمزة فيه مبدلة عن الهاء في موضع اللام.
(الماء) بالمد، وعن بعضهم قصره: جسم لطيف سيال به حياة كل نام.
(إما) بكسر الهمزة حرف تفصيل (ماء بئر) إضافته للتفريق لا للتقييد، إذ هو قيد منفك بالانفصال (أو جار) بالرفع المقدر عطف على ماء كماء البحار، وماء الأنهار وما أشبه ذلك (أو راكد) بالرفع أيضا عطف على جار كماء الغدران وماء الأودية والكل ماء مطلق؛ لأنه باق على أوصاف خلقته وحكمه: أنه طاهر وطهور وسيأتي تفصيله في كلامه.
(فماء البئر يتنجس بوقوع النجاسة فيه) أي: إذا كانت دون عشر في عشر كما نقله شارحه عن الحاوي، ونقله ملا خسرو عن قاضي خان وغيره، لأنها لو كانت عشراً في عشر لا تنجس ما لم يتغير لون الماء أو طعمه أو ريحه.
ثم مسائل البئر مبنية على اتباع الآثار؛ لأن الأقيسة فيها متعارضة ففي قياس: يجب أن لا يطهر أبدا وهو قول بشر المريسي؛ لأنه لايمكن غسل حجارتها وحيطانها.
وفي قياس آخر: يجب أن لا تنجس وهو ما روي عن محمد أنه قال: اتفق رأيي ورأي أبي يوسف أن ماء البئر في حكم الماء الجاري؛ لأنه ينبع من أسفلها ويؤخذ من أعلاها فلا تتنجس بوقوع النجاسة فيها كحوض الحمام إذا كان الماء ينصب فيه من أعلاه ويغترف من أسفله لا يتنجس بإدخال اليد النجسة فيه بلا خلاف.
فتركنا القياس وأخذنا بالأثر وهو في المقادير كالخبر كذا ذكره الزيلعي شارح «الكنز».
فلذا جعله المصنف قسيماً للراكد والجاري.
(قلَّت) النجاسة (أو كثُرت كقطرة بول) أو قطرة خمر أو دم (ولو) كان البول (من صبي لم يطعم) خصّه لأنَّ فيه خلاف الشافعي وإلا فالصبية كذلك إذ لا يجب الغسل في بول الصبي عنده إذا أصاب الثوب لكن يكفي النضح، وفي الأنثى الصبّ.
وعندنا لا بد من غسله كبول الكبير. وقوله (لم يطعم): أي: لم يأكل.
يقال: طَعِمَ يَطْعَمُ من باب تعب طعم، ويطلق على كل ما يساغ حتى الماء وذوق الشيء، واحترز بالبول عما اذا وقع فيها مخاط أو بزاق فإنها لا تنجس لكنه يكره، كما نقله القُهستاني
الجزء 1 · صفحة 9
عن «زبدة الفتاوي».
(وكذا) أي: مثل ذا في الحكم (وقوع رجل) ومثله المرأة فالمراد بالرجل الشخص (لم يستنج بالماء) بل بالحجر أو لم يستنج أصلاً فإنه ينجس البئر؛ لأن الحجر مقلل لا مطهر. فإذا جلس في ماء قليل بعد الاستنجاء بالحجر نجسه.
وماء البئر إذا كان دون عشر في عشر من قبيل الماء القليل كما سبقت الإشارة إليه (أو بخرقة أو ما يقوم مقامهما) أي: مقام الماء والخرقة من كلِّ قالع للنجاسة كحشيش وقطن (فإنه ينجسها) أي: البئر
وقد جعل المصنف الخرقة وما يقوم مقامها مثل الماء في الحكم وليس كذلك، فقد جعل الخرقة والقطنة نحو الحجر في بحث الاستنجاء.
والذي يظهر من كلامهم أن ما في بحث الاستنجاء من أن الخرقة والقطنة أو الخشبة في حكم الحجر في أنّ كلاً منها مقلل للنجاسة لا مطهر، فاذا وقع المستنجي بهذه الاشياء في البئر وأصاب فرجه الماء وجب نزح جميع ماء البئر لتنجسه ويشهد لصحة ما قلنا ما في «البزازية»: خرج الواقع في البئر حيا إن آدميا مستنجياً بالماء فلا نَزْحَ والا فالكل.
فقد جعل جميع أنواع الاستنجاء بغير الماء مقابلا للاستنجاء بالماء.
ثم اعلم أنّ الجنب اذا انغمس في البئر لطلب الدلو، وكان مستنجياً بالماء ولم يكن على بدنه نجاسة حقيقية ولم يتدلك ففيه مذاهب ثلاثة لأئمتنا الثلاثة:
فعند أبي حنيفة: الرجل والماء نجسان.
وعند أبي يوسف: كلاهما بحاله.
وعند محمد: كلاهما طاهران.
وجه قول محمد أنّ الرجل طاهر لعدم اشتراط الصب وكذا الماء لعدم نية القربة وهي شرط عنده عند بعضهم، أو للضرورة وهو المعتمد.
ووجه قول أبي يوسف أن الرجل بحاله لعدم الصب، وهو شرط عنده في غير الماء الجاري، وكذا الماء بحاله لعدم نية القربة وإزالة الحدث.
ووجه قول أبي حنيفة: أنّ الماء تنجس باسقاط الفرض عن البعض بأول الملاقاة، والرجل نجس لبقاء الحدث في بقية الأعضاء؛ لانغماسه في ماء مستعمل وهو نجس عنده،
الجزء 1 · صفحة 10
فعلى هذا لا يقرأ القرآن
قالوا: وهو الأصح.
أو لنجاسة الماء المستعمل على اختلاف الأقاويل فيه تغليظا وتخفيفا لعدم تجزؤ الحدث زوالا كما لا يتجزأ ثبوتاً فيقرأ القرآن إذا غسل فاه واستنشق.
قال في «الخانية»: وهو الأظهر.
وفي «الخلاصة»: والأصح أن نجاسته بنجاسة الماء حتى لو تمضمض واستنشق حل له قراءة القرآن.
وعند رواية ثالثة الرجل طاهر؛ لأنَّ الماء لا يعطى له حكم الاستعمال قبل الانفصال، وهي أوفق الروايات عنه كما في شرح «الكنز» للزيلعي وهي الصَّحيحة كما في «النهر» نقلاً عن «فتح القدير» للمصنف.
قيّدنا بالجنب أو المحدث؛ لأنَّه لا يصير مستعملاً بانغماس الطاهر اتفاقاً. ويكون لطلب الدلو؛ لأنَّه لو كان للاغتسال صار مستعملاً اتفاقا أي: بين الإمام والثالث لما مرّ من اشتراط الصبّ على قول الثاني ولم يوجد، وبالاستنجاء بالماء؛ لأنَّه لو كان بالأحجار تنجس كل الماء اتفاقا كما تقدم عن «البزازية»، وبعدم الدلك؛ لأنه لو تدلّك صار مستعملاً وكأنه لقيامه مقام نية الاغتسال، والمراد صار ما اتصل بأعضائه وانفصل عنها مستعملاً لا كل الماء بناء على اعتبار الأجزاء في اختلاط المستعمل بغيره، ولا شك في كثرة الطهور بالنسبة إليه كما صرح به بعضهم.
وغير خاف أنّ اعتبار الغلبة بالأجزاء في المستعمل شامل لما إذا ألقي في الطاهر أو انغمس الرجل فيه وبه علم جواز الوضوء من الفساقي الموضوعة في المساجد بشرط أن لا يكون المستعمل فيما يغلب على الظن مساوياً، وأن لا يقع فيها نجاسة.
ولو تكرر الاستعمال: الظاهر أنه يجمع كذا في «النهر».
هذا ولو وقعت الحائض إن كان بعد انقطاع الحيض فهي كالجنب وان كان قبل انقطاع الحيض فكالطاهر غير المحدث قاله الحلبي.
تنبيه: ما قدمناه من أحكام وقوع الرجل في البئر خاص بالمسلم، أما الكافر إذا وقع فيها تنزح كلها؛ لأنه لا يخلو عن نجاسة حقيقية أو حكميَّة حتى لو تيقنا بطهارته بأن اغتسل
الجزء 1 · صفحة 11
ثم وقع في ساعته لا ينزح منها شيء.
وفي «شرح الوهبانية»: «وأما المسلم بعد الموت فنقل فيها عن البئر عن المعلى عن أبي يوسف لو وقع قبل الغسل في الماء، أفسده لا بعده».
وبه جزم في «التجنيس والمزيد».
وفي «الذخيرة»: أن أبا القاسم الصفار قال: لا يفسد على الوجهين.
وأن أبا بكر الأعمش قال: يفسد في الوجهين، والكافر الميت يفسد في الوجهين جمعياً.
وفي «التجنيس» وهو كالخنزير.
وفي «شرح المجمع» للإمام العيني أن هذا في غير السّقط، أما في السقط فينزح الجميع قبل الغسل وبعده، كذا نقله شارحه الغزي.
(أو) وقع في البئر (قليل روث) وهو: خرؤ ما له حافر من الحيوانات كالبغل والحمار والفرس.
(أو أخثاء بقر) وهو خرؤ ما له ظلف كالبقر والجاموس.
والقليل واحدة أو اثنتان وهذا ما قاله السرخسي ظاهر الرواية أن الروث والمفتت يفسد.
(أما بعر المعز والإبل والغنم فلا ينجس البئر بوقوعه إلا إذا استكثره الناظر ولو منكسراً) والفرق بينه وبين الروث والخِثْي وهو وجه الاستحسان: أن البعر صلب وما عليه من الرطوبة رطوبة الأمعاء فلا تنتشر من سقوطها في الماء نجاسة، وهذا يشير إلى أن المنكسر ينجس وهو الموافق لقول السرخسي إلا أنه عفي عنه للضرورة.
قال الزيلعي: أما البعر فللضرورة لأنَّ الآبار في الفلوات ليس لها رؤوس حاجزة، والإبل والغنم تبعر حولها فتلقيه الريح فيها، فلو أفسد القليل لزم الحرج وهو مدفوع. فعلى هذا لا فرق بين الرطب واليابس والصحيح والمنكسر والبعر والخثي والروث لشمول الضرورة.
وبعضهم يفرق والظاهر الأول.
وكذا لا فرق بين آبار المصر والفلوات في الصحيح لما قلنا.
الجزء 1 · صفحة 12
فتبين بهذا أنّ ما قاله المصنف مقالة البعض، وأنّ الصحيح عدم الفرق.
بل جعله في غاية البيان ظاهر الرواية وأشار إلى أنّ القليل لا ينجس البئر بخلاف الكثير.
واختلفوا في حده:
فقيل: الثلاث كثير، وإلى هذا يشير قول «الكنز»: «لا ببعرتي إبل وغنم». واستدل عليه بأنّ محمداً قال في «الجامع الصغير»: «فإن وقعت فيها بعرة أو بعرتان لم يفسد الماء» فدل أن الثلاث تفسد.
وهذا الاستدلال ليس بقوي؛ لأنه ذكر فيه إن وقعت فيها بعرة أوبعرتان لا تفسد حتى يفحش، والثلاث ليس بفاحش.
وروي عن أبي حنيفة أن الكثير ما يستكثره الناظر، وهو المذكور في المتن.
والقليل ما يستقله وعليه الاعتماد قاله الزيلعي.
وقيل: الكثير ما يغطي وجه الماء كله.
وقيل: ما لا يخلو كل دلو عن بعرة.
إلا أنّ الذي رجّحه الكثير أنه ما يستكثره الناظر، قاله في «النهر» شرح «الكنز».
قيَّد بالبئر؛ لأنَّه لو وقع في الإناء أفسده قل أو كثر.
و الشاة تبعر في المحلب إن رُمي من ساعته ولم يظهر له أثر لا ينجس للضرورة.
(وتنجس البئر بموت الآدمي) فيها أي: في البئر سواء كان كافراً أو مسلما.
وأما إذا مات خارجها وألقي فيها فقد تقدم تفصيله وحكمه.
(أو ما يقاربه) أي: الآدمي في الجثة (كالشاة) والحمار والكلب والإوز الكبير، أما الصغير منه فكالحمامة كما في «النهر» نقلاً عن «الخلاصة».
(وتطهيرها بنزح جميع ما فيها فيما ذكرنا) من الآدمي وما قاربه في الجثة فلا يحتاج إلى شيء آخر من نقل طينها، وغسل حيطانها.
حتى لو أصاب آجرها نجاسة فسالت حتى وصلت الماء فنزح الماء طهر الآجر لمجرد النزح كذا في «فتح القدير» للمصنف.
الجزء 1 · صفحة 13
وهذا كله بعد إخراج الواقع، أما قبله فلا تطهر، لكن هذا محله إذا أمكن إخراجه.
أما إذا تعذر وكان متنجساً فلا يجب الإخراج.
قال في «فتح القدير»: وقالوا لو تلطخ عظم بنجاسة فوقع وتعذر إخراجه تطهر البئر بالنزح ويجعل ذلك غسلا للعظم.
ونقل القُهستاني معزياً إلى «الجواهر»: «ولو وقع عصفور في بئر فعجزوا عن إخراجه فما دام فيها فنجسة، فتترك مدة يعلم أنه استحال وصار حمأة وقيل مدة ستة أشهر». هذا إذا أمكن نزحها.
وإن كانت معيناً لا يمكن نزحها، أُخرج قدر ما فيها من الماء، ويعرف ذلك بأن يفوض إلى رجلين لهما بصارة في الماء فأي مقدار حكما به ينزح.
وهو الأصح والأشبه بالفقه لكونهما نصاب الشهادة الملزمة. وقيل يقدر ما فيها.
وروي عن أبي يوسف في ذلك وجهان:
أحدهما: أن يحفر حفرة عمقها ودورها مثل موضع الماء منها ويجصص ويصب فيها، فإذا امتلأت فقد نزح ماؤها.
والثاني: أن يرسل قصبة في الماء ويجعل علامة لمبلغ الماء، ثم ينزح عشر دلاء ثم تعاد القصبة، فينظر كم انتقص فان انتقص العشر فهو مائة، ولكنه لا يستقيم إلا اذا كان دور البئر من أول حد الماء إلى قعر البئر متساوياً.
وقيل ينزح مئتا دلو إلى ثلاثمائة وهو مروي عن محمد، أفتى بما شاهد في آبار بغداد؛ لأن آبارها كثيرة الماء لمجاورتها دجلة.
(وكذا إذا انتفخ الميت فيها ولو صغيرا) يعني: إذا مات في البئر حيوان دموي وانتفخ فيها أو تفسخ وإنما تركه لأنّ حكمه يعلم من الانتفاخ بالأولى فإنه ينزح ماؤها كله، صغر الحيوان أو كبر؛ لانتشار البلة في أجزائها ولهذا ينزح جميع مائها. لو وقع فيها ذنب فأرة غير مشمع، وكذا إذا كانت الفأرة مجروحة ولو أخرجت حية (أما إذا لم ينتفخ) الحيوان الواقع في البئر (وهو صغير) أي: والحال أنه صغير، احترز به عن الكبير كالآدمي والشاة، فإن حكمهما قد تقدم (فطهارتها) مبتدأ وخبر، قوله الآتي ينزح عشرين فقول الشارح الغزي متعلق بطهارتها فيه مؤاخذة ظاهرة وقوله: (إن كان الواقع فيها فأرة) تفصيل لما أجمله (أو ما يقاربها
الجزء 1 · صفحة 14
في الجثة) كعصفور ووزغ كبير. ولا فرق بين أن يموت فيها أو خارجها وتلقى فيها ميتة.
(مما) أي: حيوان له دم سائل احترز به عمّما ليس له دم سائل كالعقرب والزنبور والسرطان. فإن موت هذه الأشياء وما شاكلها في البئر لا ينجسه (بنزح عشرين) دلواً على سبيل الوجوب (أو ثلاثين دلواً) على سبيل الاستحباب.
قال في «شرح المجمع»: يعني يستحب الزيادة على عشرين إلى ثلاثين.
وفي «المجتبى» وإن مات فيها فأرة، أو عصفور، أو سودانية أو سام أبرص، نزح منها ما بين عشرين دلواً إلى ثلاثين بحسب كبر الدلو وصغرها.
وقيل: بحسب كبر الفأرة وصغرها.
وقيل: بحسب البئر.
وقيل: الواجب عشرون دلواً، والباقي استحباب.
فهذا يشير إلى أن نزح ما بين عشرين دلواً إلى ثلاثين على سبيل الوجوب، ويفيد أنه المذهب الحكاية الثاني بصيغة قيل، كذا قاله الشارح الغزي.
وقد تبع في ذلك صاحب «البحر» حيث قال: ولم يصرح في ظاهر الرواية بالمستحب، وإنما فهمه بعض المشايخ من قول محمد ينزح في الفأرة عشرون أو ثلاثون وفي الهرة أربعون أو خمسون.
ولم يرد التخيير بل بيان الواجب والمندوب، وليس بمتعين لاحتمال كونه لبيان اختلاف الواقع صغراً أو كبراً، فيجب الأقل في الصغير، والأكبر في الكبير، وقد ذكره في «البدائع» عن بعضهم.
ورده أخوه في «النهر» بقوله: هذا الاحتمال ساقط لما مر من أن مسائل الآبار مبنية على الآثار، والوارد فيما استدل به محمد إنما هو إيجاب العشرين في نحو الفأرة، والأربعين في نحو الحمامة مطلقا.
ولو صح هذا الاحتمال لبطل ذلك الاستدلال، ولهذا تعين حمل كلام محمد على ما فهمه المشايخ أي: من بيان الوجوب والاستحباب، لا الترديد بين الصغير والكبير.
(بالدلو المعتاد) للآبار في البلاد، وقيل يعتبر في كل بئر دلوها واختاره في «الهداية» وغيرها؛ لأنه المذكور في «كافي» الحاكم الذي هو جمع كلام محمد كذا في «النهر».
الجزء 1 · صفحة 15
وعن الإمام دلو يسع صاعاً كما في «المحيط».
وقيل: يسع خمسة أمناء.
وقيل: منوين والدلو المنخرق كالصحيح إلا إذا ذهب منه نصف الماء فصاعدا كما في «الزاهدي» قاله القهستاني. والحلبي معزيا إلى «البزازية».
ولو نزح بدلو عظيم يسع عشرين دلواً بمرة واحدة يكفي، ولا يشترط أيضاً أن ينزح العشرين في وقت واحد، حتى لو نزح في كل يوم دلوين أو ثلاثة إلى أن نزح العشرين في أيام متعددة أجزأه كما في التبيين للزيلعي.
ولا يحكم بطهارة البئر ما لم ينفصل الدلو الأخير عن رأس البئر عندهما.
وعند محمد تطهر بالانفصال عن الماء، ولا اعتبار بما يتقاطر للضرورة.
وثمرة الخلاف تظهر: فيما إذا انفصل الدلو الأخير عن الماء ولم ينفصل عن رأس البئر، واستقى من مائها رجل ثم عاد الدلو.
فعندهما: الماء المأخوذ قبل العود نجس.
وعنده طاهر كذا قاله الزيلعي أيضا.
(والفأرتان والثلاث) والأربع (كالواحدة) في الحكم المتقدم يروى ذلك عن أبي يوسف.
وفي «المبسوط»: ظاهر الرواية أن الثلاث كالهرة وهو المنقول عن محمد، ومقتضاه أن الست كالشاة.
وأجمعوا أن الهرتين كالشاة كذا في «النهر»
(وفي الخمس إلى التسع أربعون إلى خمسين كما في الهرة والدجاجة وما يقاربها) في الجثة كحمامة، وهذا بيان الواجب والمستحب أيضا على منوال ما سبق في الفأرة.
واختلف كلام محمد في الحمامة:
ففي الأصل: يندب زيادة عشرين يعني على الأربعين.
وفي الجامع الصغير: عشرة وهو الأظهر، ولذا اختاره المصنف في المتن بقوله: إلى خمسين. والعشر كالشاة فينزح كل الماء.
الجزء 1 · صفحة 16
واعلم أن ما كان بين الصغير والكبير يجعل صغيرا.
فما كان فوق الفأرة ودون الحمامة يلحق بالفأرة.
وما كان فوق الدجاجة دون الشاة يلحق بالدجاجة. كذا في التبيين.
والهرة مع الفأرة كالهرة كذا في التجنيس وغيره.
(والأربع كالثلاث في قول أبي يوسف، وكالخمس في قول محمد، فلا تطهر إلا بنزح أربعين) مفرع على قول محمد. ثم هذا كله إذا مات الحيوان فيها.
فأما إذا أخرج حياً فقد اختلفوا فيه:
والصحيح أنه إن لم يكن نجس العين ولم يكن في بدنه نجاسة ولم يدخل فاه في الماء لم ينجس الماء.
وإن أدخل فاه فيه فمعتبر بسؤره.
فان كان سؤره طاهراً فالماء طاهر، وإن كان نجساً فالماء نجس، فينزح كله.
وإن كان مشكوكاً فالماء مشكوك فينزح جميعه.
وإن كان مكروهاً فمكروه، فيستحب نزحها.
وإن كان نجس العين كالخنزير فإنه ينجس الماء وان لم يدخل فاه.
وفي الكلب روايتان بناء على أنه نجس العين أو لا.
والصحيح أن لا يفسد ما لم يدخل فاه؛ لأنه ليس بنجس العين الجواز الانتفاع به حراسة واصطياداً وإجارة وبيعاً كذا في «التبيين».
ثم اعلم أن هذا كله فيما إذا علم وقت الوقوع.
أما إذا جهل فيحكم بنجاسة البئر منذ يوم وليلة إذا لم يكن الحيوان منتفخا ولا متفسخا،
ومنذ ثلاثة أيام في المنتفخ والمتفسخ، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
وقالا: يحكم بنجاستها من وقت العلم فقط كما في وجدان النجاسة في الثوب، فلا يلزمهم إعادة شيء من الصلوات، ولا غسل ما أصابه ماؤها وهو القياس، فصار كمن رأى
الجزء 1 · صفحة 17
في ثوبه نجاسة لا يدري متى أصابته، فإنه لا يعيد ونقله في «النهر» عن الصباغي.
ثم قال في «غاية البيان»: وما قاله الإمام أحوط، وما قالاه بالناس أرفق.
وفي «فتاوى العتابي»: أن قولهما هو المختار.
ورده الشيخ قاسم بمخالفته لعامة الكتب، فقد رجح دليله في كثير منها وقد علمت أنه الأحوط.
(وإذا طهرت بالنزح طهر الدلو والرشا) بالكسر والمد أي: الحبل (والبكرة) ما يوضع فيه الحبل، ويستخرج عليه الماء كالدولاب (ويد النازح) وكذا طينها وحجارتها كما تقدم، ونواحيها ويد المستقي تبعاً لطهارة البئر، وكذا في كل موضع نزح مقدار ما وجب.
وفي وجوب نزح الكل إذا وصل إلى حد لا يملأ نصف الدلو، كان نزحا للكل.
ويحكم بطهارة البئر وتوابعها، ذكره البزازي.
وذكر قاضي خان: إذا بقى مقدار ذراع أو ذراعين يصير الماء طاهراً وطهوراً. وهو أوسع، وذلك أحوط. كذا ذكره الحلبي.
قيل: هذا في حق هذه البئر، وأما في حق غيرها كدم الشهيد يد ذكره في المغني.
وقيل: ينزح حمأتها.
وقيل: يطهر بدونه، وبه نأخذ كما في الزبدة كذا في القهستاني.
وهذا من غرائبه فإن غالب الكتب ذكرت الطهارة مطلقاً فكان المعول على ما عليه الأكثر.
(أما إذا لم يكن للواقع دم) أي سائل قيدنا به لأن المعتبر عدم السيلان لا عدم أصله، حتى لو وجد حيوان له دم جامد غير سائل لم يكن موته في الماء منجساً كما في «القهستاني» نقلاً عن «حاشية الهداية» وغيرها.
(كالسمك والسرطان والضِفدع) بكسر الضاد في الأفصح، والفتح ضعيف.
والأنثى ضفدعة بالفتح (برية) وهو ما لا يكون بين أصابعه سترة (وبحرية) وهو ما يكون بين أصابعه سترة.
وهذا هو الذي جزم به في «الهداية» وصححه في «السراج»؛ لأنه لا دم له سائل.
الجزء 1 · صفحة 18
ومن هنا قال ابن أمير حاج محل عدم الإفساد في البري ما إذا لم يكن له نفس سائلة، فإن كان أفسد على الأصح.
وعن محمد: كراهة شرب الماء الذي تفتت فيه ضفدع، لا لنجاسته بل لحرمة لحمه، وقد صارت أجزاؤه في الماء.
وهذا يؤذن بأنها تحريمية، ولذا عبر في «التجنيس» بالحرمة.
(وكل ما يعيش في الماء) وهو ما يكون توالده ومثواه فيه، سواء كانت له نفس سائلة، أو لا في ظاهر الرواية.
وعن الثاني أن ذا الدم السائل ينجس.
أما مائي المعاش كالإوز، فيفسده في أصح الروايتين؛ لأن له نفسا سائلة.
واتفقت الروايات على الإفساد في غير المائي، كذا في «النهر» نقلا عن «شرح الجامع» لقاضي خان.
فما في «المجتبى» من تصحيح عدم الإفساد به غير ظاهر نعم اختلفت الرواية في الكلب المائي كما في «الدراية»، أما الخنزير المائي فأجمعوا على عدم التنجيس به كذا في «النهر» معزياً إلى «الخلاصة».
(فلا ينجس) ماء البئر (بموته) أي موت ما لا دم له سائل، وما يعيش في الماء، ولا فرق في الصحيح بين أن يموت في الماء أو خارج الماء ثم يلقى فيه.
وكذا لا فرق بين الماء وغيره من المائعات كذا ذكره الزيلعي في «شرح الكنز».
وذكر الحلبي: أنَّ الحية المائية إذا كانت كبيرة لها دم سائل إذا ماتت في الماء لا تنجسه على الأصح، وأن ما ذكر في الميتة من التنجس مبني على غير الأصح. قال: لأن فيها ما ليس بدم حقيقة إذ الدموي لا يعيش في الماء.
وأما الوزغة إذا كانت كبيرة بحيث يكون لها دم سائل، فإنها تفسد الماء لما تقدم في الضفدع البري.
(كما لا يتنجس ما في الأواني من ماء أو غيره) من المائعات كالسيرج والزيت والدهن والعصير.
الجزء 1 · صفحة 19
قال الحلبي وإن مات في غير الماء من الأطعمة والأشربة ففيه تفصيل:
أما السمك فإنه لا ينجسه بلا خلاف.
وأما الضفدع إذا مات في العصير ونحوه، فقد اختلف المتأخرون في كونه يفسده أو لا، وأكثرهم على أنه لا ينجس.
قال في «الهداية»: لانعدام المعدن فيها.
وفي «الكافي»: وقيل: لا يفسد وهو الأصح؛ لأنه لا دم فيه؛ لأن الدموي لا يعيش في الماء.
وفي «الهداية»: الضفدع البحري والبري سواء،
وقيل: البري يفسد الماء لوجود الدم وعدم المعدن.
(واعلم) أيها الطالب (أن الواجب) في نزح البئر (إخراج مقدار ما عيناه) من نزح العشرين إلى الثلاثين في الفأرة وما قاربها في الجثة، والأربعين إلى الخمسين في الدجاجة وما قاربها في الجثة.
(وقت الوقوع) أي: وقت وقوع الحيوان وموته فيها.
(حتى لونزح بعض الواجب) تفريع على وجوب نزح المقدار الواجب وقت الوقوع (ثم ذهب) إلى مصالحه (وجاء في اليوم الثاني) أو الثالث أو الرابع (فوجد ماءها) قد (زاد على) قدر (ما تركه عليه بأن كانت البئر معينة) أي: لها عين جارية لا يمكن نزحها إلا بحرج عظيم (لا يجب نزح جميع ما وجب على) القول (الصحيح) كما في قاضي خان، بناء على عدم وجوب توالي النزح وهو المعتمد كما تقدمت الإشارة إليه.
(بل) يجب نزح (مقدار ما ترك) أي: الذي ترك. مثاله: لو وجب فيها نزح عشرين فنزح منها عشرة دلاء، ثم جاء بعد يومين أو ثلاثة فوجد ماءها قد زاد عن الحالة التي كان عليها، فإنه لا يزاد على ما كان باقياً عليه، فينزح منها العشرة الباقية ولا شيء عليه غيرها في الصحيح.
(ولو وقع فيها) أي: البئر (خرء ما) أي: حيوان (يؤكل لحمه) كائناً (من الطير) كالحمامة والعصفور ونحوهما.
(لا يفسد الماء لأنه ليس بنجس) للإجماع العملي على اقتناء الحمامات في المسجد الحرام
الجزء 1 · صفحة 20
من غير نكير، مع العلم بما يكون منها، ولعدم استحالته إلى نتن وفساد.
وقيل: إنه نجس لكن عفي عنه ضرورة، حكاه في «المعراج» وغيره.
قال في «البحر»: لم يذكروا لهذا الخلاف فائده مع اتفاقهم على سقوط حكم النجاسة.
قال في «النهر»: وأقول يمكن أن تظهر فيما لو وجد في ثوب أو مكان، وثمة ما هو خال عنه لا يجوز الصلاة فيه على الثاني لانتفاء الضرورة، ويجوز على الأول.
ثم فرع عليه قوله: (فلا ينجس الثوب أيضا) أي: مع عدم تنجس الماء (به) أي: بإصابته؛ لطهارته، أو للعفوعنه.
(فاعلمه) أي: هذا الحكم فإنه ضروري لك.
ومما يجانس هذا الحكم البيضة إذا وقعت من الدجاجة في الماء، أو في المرق لا تفسده، وكذا السخلة إذا وقعت من أمها رطبة في الماء لا تفسده؛ لأن الرطوبة التي عليها ليست بنجسة؛ لكونها في محلها.
وكذا الإنفحة بكسر الهمزة وفتح الفاء وقد تكسر وهي: ما يكون في معدة الرضيع من أجزاء اللبن.
طاهرة عند أبي حنيفة رحمه الله إذا خرجت من شاة ميتة سواء كانت جامدة أو مائعة،
وعندهما: المائعة نجسة، والجامدة متنجسة تطهر بالغسل.
أما لو خرجت من مذكاة فلا خلاف في طهارتها، والخلاف في لبن الميتة على هذا، كذا في المنية وشرحها.
ولما كان من الطيور المأكولة اللحم ما يستحيل خرؤه إلى نتن وفساد، كان خارجاً عن هذا الحكم، فلذلك استثناه بقوله: (إلا الدجاج والبط والإوز) فإن خرءها يفسد الماء والثوب لنجاسته، فهو استثناء متصل.
وفي «البزازية» وخرء البط إن كان يعيش بين الناس ولا يطير فكالدجاج، وإن كان يطير ولا يعيش بين الناس فكالحمامة؛ لإمكان التحرز في الأول دون الثاني؛ لأنه يزرق في الهواء.
الجزء 1 · صفحة 21
(وخرء ما لا يؤكل لحمه من الطير) كالصقر والبازي والشاهين والحدأة وما أشبه ذلك (خفيف) أي: نجس خفيف في قول أبي حنيفة.
وعند أبي يوسف ومحمد: مغلظة. وهذه رواية الهندواني عنهم.
وروى الكرخي أنه طاهر عندهما، وعند محمد: نجس نجاسة مغلظة.
وقيل: أبو يوسف مع أبي حنيفة في التخفيف أيضا فحصل لأبي يوسف ثلاث روايات، ولأبي حنيفة روايتان، ولمحمد رواية واحدة.
والصحيح رواية الهندواني كما في «التبيين» للزيلعي.
قال ابن أمير حاج ورواية الهندواني أوجه، وصحح في «المبسوط» و «الحقائق» رواية الكرخي كما في النهر، لكن المتون درجوا على تصحيح قول أبي حنيفة من أن نجاسته مخففة، فلذا اختاره الشيخ في المتن.
ثم فرع عليه بقوله: (فلا يمنع حتى يفحش على قول أبي حنيفة) أفاد بهذا أن أصل المروي عن أبي حنيفة في المنع التقدير بالكثير الفاحش على ما هو دأبه في مثله من عدم التقدير.
فما عدّ فاحشا منع، وما لا فلا.
حتى روي عنه أنه كره تقديره.
وقال: الفاحش يختلف باختلاف طباع الناس.
وقد روي عنه تقدير الفاحش بربع الثوب، وجرى عليه في «الكنز»، وهو مروي عن الإمام ومحمد.
قال في «النهر»: وهو الصحيح.
وعنه: ربع أدنى ثوب تجوز فيه الصلاة، وعن أبي يوسف شبر في شبر، وعنه ذراع في ذراع ومثله عن محمد.
وعن محمد أن يستوعب القدمين.
ويظهر أن لاعتبار الربع أحسن لاعتبار الربع كثيراً كالكل في مسألة الثوب، ينجس إلا ربعه، وانكشاف ربع العضو من العورة.
غير أن ذلك الثوب الذي هو عليه إن كان شاملاً اعتبر ربعه، وإن كان أدنى ما تجوز
الجزء 1 · صفحة 22
فيه الصلاة اعتبر ربعه لأنه الكثير بالنسبة إلى الثوب المصاب. كذا في «الفتح».
وجعل الأقطع: ربع أدنى ثوب تجوز فيه الصلاة أصح ما روي فيه.
وفي «التحفة»: أنه الأصح كما في «النهر».
والحاصل أنه يعتبر ربع الجميع إن كان لابساً لثوب كامل، أما إذا لم يكن عليه إلا ثوب تجوز فيه الصلاة اعتبر ربعه أي اتفاقاً.
وقيل: إنما يعتبر ربع المصاب كالذيل والكم والدخريص وصححه في «البدائع» وغيرها.
قال في «الحقائق»: وعليه الفتوى.
واعتبار ربع الثوب الكامل أولى لما مر، ولا شك أن ربع المصاب ليس كثيراً فضلاً عن أن يكون فاحشاً، ولضعف وجه هذا القول لم يعرج عليه في «فتح القدير».
(وعلى قول ظاهر عنده) أي: عند أبي حنيفة على رواية الكرخي كما تقدم، ويتفرع على هذا القول (أنه لا ينجس الماء وعلى هذا حال الثوب وغلّظه محمد) وقد تقدم ما فيه كفاية في ذكر الخلاف.
* * *
[مطلب في: الماء الجاري]
وهو ما يذهب بتبنة كما في «الكنز»، وهذا قول البعض.
والأصحُّ أنه ما يعدُّه الناس جارياً كما في «النهر».
وقيل: هو ما يطيق حمل شيء وإن قل كما في «المجتبى».
وقيل: غير ذلك.
(لا ينجس بوقوع النجاسة فيه) بيان الحكمه، ثم لا فرق فيه بين أن تكون النجاسة خفيفة أو غليظة كثيرة أو قليلة مرئية أو غير مرئية.
الجزء 1 · صفحة 23
(إلا إذا ظهر لونها أو ريحها أو طعمها) فلو بال إنسان فيه، فتوضأ آخر من أسفله جاز ما لم يظهر أثره؛ لأن النجاسة لا تستقر مع جريان الماء، بخلاف الراكد في الصحيح.
وعن محمد لو كسرت خابية خمر في الفرات ورجل يتوضأ أسفل منه، فما لم يجد في الماء طعم الخمر أو لونه أو ريحه جاز هذا كذا في «الفتح».
وهذا ما أشار إليه المصنف بقوله: (حتى لو اغترف من جرية النهر المحتملة لعذرة مما يقرب منها) متعلق باعترف أي: لو اغترف مما يقرب من العذرة (جاز) اعترافه (والماء طاهر) أي: وطهور (ما لم يتغير) بظهور أثر العذرة، (فلو) استقرت المرئية فيه بأن (جرى على جيفة أو فيها) مثلاً (إن كان ماء) أي: الماء الذي (يلاقي) أي: يصيب (الجيفة أكثر) من الماء الذي لا يلاقي الجيفة بل كان أكثر (الجرية أو) كان (الملاقي) للجيفة في جريه (وغيره سواء) بأن كان المار على الجيفة مساوياً للماء الذي لا يمر عليها (فالماء نجس) في الصورتين.
(وإلا) أي: وإن لم يكن أكثره يلاقي الجيفة، ولا مساوياً بل كان الذي يلاقي الجيفة أقل من المار بعيداً عنها (فطاهر).
والعذرات في السطح كالميتة في الماء، إن كان يجري عليها نصفه أو كانت على رأس الميزاب فهو نجس، وإن كانت متفرقة وأكثره يجري على الطاهر فهو طاهر.
وكذا ماء المطر إذا جرى على عذرات واستقر في موضع فالجواب كذلك.
ومن هنا يعلم حكم ماء بركة الفيل بالقاهرة وأنه طاهر إذا كان ممره طاهراً أو أكثر ممره على ما عرف في ماء السطح.
فلو اجتمع الداخل قبل أن يصل إلى الماء الذي يبقى فيها في مكان نجس حتى صار عشراً في عشر، ثم اتصل بذلك الماء الكثير كان الكل طاهرا كذا قال المصنف في «فتح القدير».
(أقول) ويلحق به أيضا ماء بركة الأزبكية، حيث كان أكثر الماء لا يمر على النجاسة فتنبه، فإن بعض أغبياء الحنفية غلط فيه، وجعل هذا الماء الكثير نجساً.
وأما التوضي في عين، والماء يخرج منها، فإن كان في موضع خروجه جاز، وإن كان في غيره فكذلك إن كان قدره أربعاً في أربع فأقل، فإن كان خمساً في خمس اختلف فيه واختار السغدي جوازه.
والخلاف مبني على أنه هل يخرج المستعمل قبل تكرير الاستعمال إذا كان بهذه المساحة
الجزء 1 · صفحة 24
أو لا، وهذه مبنية على نجاسة المستعمل. كذا في «فتح القدير» للمصنف.
(الماء الراكد) أي: الساكن (إن كان مقدار محله) أي: محل الماء الراكد (عشرة أذرع في عشرة أذرع) فيكون بسط الماء مائة ذراع فيكون (بذراع الكرباس) وهو ست قبضات ليس فوق كل قبضة أصبع قائمة.
وقيل: المعتبر ذراع المساحة وهو: سبع قبضات فوق كل قبضة أصبع قائمة.
وقيل: المعتبر في كل زمان ومكان ذرعانهم صحح كلاً من هذه الأقوال من ذهب إليه.
قال الشارح الغزي: أقول: ينبغي أن يعتمد على هذا أي: على اعتبار كل زمان ومكان بذراعهم لسهولته وقربه إلى القوانين الفقهية.
وأقول بل الذي ينبغي أن يعول عليه اعتبار ذراع الكرباس؛ لأنه أقصر الذرعان فهو أيسر وأضبط فكان الاعتماد عليه أظهر.
(جاز الاغتسال فيه والوضوء منه) فلا يضره تقاطر الماء المستعمل فيه، بخلاف ما لو توضاً من إناء أو ما دون ذلك فلا يتوضأ ولا يغتسل فيه بل يتوضأ ويغتسل خارجه.
(ولا يتنجس إلا إذا تغير أحد أوصافه) وهي اللون والطعم والرائحة؛ لأنه في حكم الجاري.
وهل يتنجس موضع الوقوع أم لا؟
أشار في «الكنز إلى أنه لا يتنجس موضع الوقوع بقوله: فهو كالجاري وهو مروي عن أبي يوسف، وبه أخذ مشايخ بخارى.
ولكن الأصح أن موضع الوقوع يتنجس. ذكره في «المبسوط» و «البدائع» و «المفيد» وإليه أشار القدوري بقوله: جاز الوضوء من الجانب الآخر كذا في «التبيين».
لكن الأول هو الذي ينبغي تصحيحه كما في «الفتح» فلا فرق بين المرئية وغيرها.
ويوافقه ما في «المبتغى» قوم يتوضؤون صفاً على شط نهر جاز، فكذا في الحوض؛ لأن ماء الحوض في حكم ماء جار.
وإنما أراد الحوض الكبير بالضرورة. وسياق كلام المصنف يفيده، قال في النصاب وغيره وعليه الفتوى كذا في «النهر».
الجزء 1 · صفحة 25
(ويعتبر في عمقه أن يكون لا ينكشف ما تحت الماء إذا رفع بيديه) من الأرض وقيل: الصحيح أنه إذا أخذ وجه الأرض يكفي، ولا تقدير فيه في ظاهر الرواية كذا في الفتح.
لكن المذكور في المتن هو المفتى به كما في النهر.
ثم اعتبار العشر في العشر هو مختار عامة المتأخرين، قال أبو الليث وعليه الفتوى.
وقال الكرماني في «إيضاحه»: إنه الظاهر عن محمد، إلا أن المصرح به في غير موضع أن الظاهر عن الإمام وهو الصحيح: التفويض إلى رأي المبتلى به.
وفي كافي الحاكم الشهيد عن أبي عصمة كان محمد يوقت بعشرة في عشرة، ثم رجع إلى قول الإمام وقال: لا أوقت فيه شيئاً.
قال في النهر: وأنت خبير بأن اعتبار العشر أضبط ولا سيما في حق من لا رأي له من العوام، فلذا اختاره الأئمة الأعلام.
وقوله في البحر»: إنّه لا يعمل إلا بما صح عن الإمام، ولم يصح عنه اعتبار العشر، ولا عن محمد لما علمت.
ممنوع بأنه لو كان كما قال لما ساغ لهم الخروج من ذلك المقال كيف وقد اعترف بأن أكثر تفاريعهم على اعتبار العشر في العشر.
قال: ولو فرع على اعتبار غلبة الظن فيوضع مكان لفظ عشر في عشر لفظ كثير أو كبير.
وهو كلام حسن يجب المصير إليه والمعول عليه، كيف وقد اختاره أصحاب المتون.
(هذا) كله (إذا كان مربعاً فان كان) الماء الراكد محله (مدوراً قدر ثمانية وأربعين ذراعاً) وقيل: يقدر بأربعة وأربعين ذراعاً قال المصنف في «الفتح».
والمختار ستة وأربعون، وفي الحساب بأقل منها بكسر للنسبة لكن يفتى بستة وأربعين لئلا يتعسر رعاية الكسر، والكل تحكمات غير لازمة إنما الصحيح ما قدمناه من عدم التحكم بتقدير معين.
لكن قد علمت أن التقدير أضبط خصوصاً في حق من لا رأي له من العوام والله الموفق.
هذا ونقل في الدرر عن الظهيرية: أن الحوض المدور يعتبر فيه ستة وثلاثون ذراعاً هو
الجزء 1 · صفحة 26
الصحيح فإن هذا المقدار إذا ربع يكون عشراً في عشر؛ لأن الدائرة أوسع الأشكال، وهو مبرهن عليه عند الحساب.
واستوضحه محشيه الشرنبلالي بما لا مزيد عليه فليكن هذا هو المعول عليه.
ثم العبرة لحالة الوقوع حتى لو نقص بعده لا يتنجس، وعلى العكس لا يطهر.
وإذا تنجس حوض صغير فدخله ماء حتى امتلأ ولم يخرج منه شيء فهو نجس، وإن خرج من جانب آخر قال أبو بكر الأعمش لا يطهر حتى يخرج مثل ما كان فيه ثلاث مرات.
وقال غيره: لا يطهر حتى يخرج مثل ما كان فيه مرة واحدة.
وقال أبو جعفر الهندواني يطهر بمجرد الدخول من جانب والخروج من جانب، وهو اختيار الصدر الشهيد؛ لأنه يصير جارياً، والجاري لا يتنجس ما لم يتغير بالنجاسة كذا في المنية.
(وإن كان ما محله عشرة أذرع مسقفا) أو منجمداً (وله ثقب) أو ثقب المنجمد، وبقي الماء متصلاً به والثقب كحفيرة في أسفلها ماء (فتوضأ فيها إنسان) أو وقعت فيه نجاسة أو ولغ فيه كلب (إن كان الماء متصلاً بالثقب لا يجوز) لوقوع الغسالة في ماء قليل، وهو قول نصير بن يحيى وأبي بكر الإسكاف (وإلا) أي وإن لم يكن الماء متصلا بالثقب ولم تنفصل بقعة منه عن سائره كما في الصورة الأولى (جاز) بلا خلاف بين المشايخ لكون الماء تحت السقف عشراً في عشر (وقيل يجوز مطلقاً) أي: سواء كان الماء متصلاً بالثقب أو لا، وهو قول عبد الله بن المبارك وأبي حفص الكبير البخاري والفتوى على قول نصير وأبي بكر الإسكاف.
إلا أن الماء إن كان متصلاً بالجمد أو بالسقف فلا يخلص بعضه إلى بعض، فيكون وقوع النجاسة أو الماء المستعمل في ماء قليل فيفسده. والحوض المنجمد كالحوض المسقف في الخلاف والحكم والتفصيل.
(وإن كان مقدار محله أقل من عشرة (أذرع في عشرة أذرع) يتنجس بوقوع النجاسة فيه (لئلا يصير مستعملا)، قليلة كانت أو كثيرة، (ظهر أثر النجاسة أو لا)، ولو زاد على قلتين فامتنع الغسل والوضوء فيه) خلافاً للشافعي فإن عنده الكثير مقدر بقلتين فلا تتنجس بوقوع النجاسة فيه إلا إذا ظهر أثر النجاسة، والقلتان على ما في كتب الشافعية خمسمائة رطل بالبغدادي، ومقدارهما بالمساحة ذراع وربع طولاً، ومثله عرضاً، ومثله عمقاً بذراع الآدمي المعتدل المذكور في قصر الصلاة، قاله الإسنوي وغيره.
الجزء 1 · صفحة 27
(وينجسه كل ما ينجس البئر) وسائر المائعات كالماء في القلة والكثرة كما في التبيين.
ولو كان للماء طول دون عرض قال في «الاختيار» وغيره: الأصح أنه إن كان بحال لو ضم بعضه إلى بعض يصير عشراً في عشر فهو كثير، وهذا تفريع على التقدير بعشر، ولو فرعنا على الأصح ينبغي أن يعتبر أكبر الرأي لو ضم، ومثله لو كان عمق بلا سعة، ولو بسط بلغ عشراً في عشر اختلف فيه:
صحح جعله كثيراً، والأوجه خلافه؛ لأن مدار الكثرة عند أبي حنيفة على تحكيم الرأي في عدم خلوص النجاسة إلى الجانب الآخر، وعند تقارب الجوانب لا شك في غلبة الخلوص إليه، والاستعمال يقع من السطح لا من العمق وبهذا يظهر ضعف ما اختاره في الاختيار؛ لأنه إذا لم يكن له عرض فأقرب الأمور الحكم بوصول النجاسة إلى الجانب الآخر من عرضه، وبه خالف حكم الكثير إذ ليس حكم الكثير تنجس الجانب الآخر بسقوطها في مقابله بدون تغير. كذا في «الفتح».
وقال صاحب «الدرر»: وقد يعتبر ما هو بقدره بأن يكون له طول وعمق وعرض له لكن لو بسط صار عشراً في عشر لم يذكر حكمه في ظاهر الرواية بل قال أبو سليمان الجرجاني: لا يتوضأ به؛ لأن النجاسة تصل إلى العرض.
وقال أبو نصر: يتوضأ به؛ لأن اعتبار العرض وإن أوجب التنجس، لكن اعتبار الطول لا يوجبه فلا يتنجس.
هو أي: كونه طاهراً هو المختار لا ما قال أبو سليمان كذا في «عيون المذاهب» و «الظهيرية».
وبه يحصل الجواب عن الأوجه التي قررها في «الفتح».
فروع: يتوضأ من الحوض الذي يخاف فيه قذر ولا يتيقن، ولا يجب أن يسأل إذ الحاجة إليه عند عدم الدليل، والأصل دليل يُطلق الاستعمال.
وكذا إذا وجده متغير اللون والريح ما لم يعلم أنه من نجاسة لأن التغير قد يكون بطاهر وقد ينتن الماء بالمكث، وكذا البئر الذي يدلى فيها الدلاء والجرار الدنسة يحملها الصغار والصبية لا يعلمون الأحكام ويمسها الرستاقيون بالأيدي الدنسة ما لم يعلم يقينا النجاسة، ولوظن الماء نجساً فتوضأ ثم ظهر له أنه طاهر جاز.
الجزء 1 · صفحة 28
وفي «فوائد الرستغْفَني»: التوضي بماء الحوض أفضل من النهر؛ لأن المعتزلة لا يجيزونه من الحياض فيرغمهم بالوضوء منها.
قال في «الفتح»: وهذا إنما يفيد الأفضلية لهذا العارض، ففي مكان لا يتحقق النهر أفضل.
قالوا: ولا بأس بالتوضي من حب يوضع كوزه في نواحي الدار ويشرب منه ما لم يعلم به قذر، ويكره للرجل أن يستخلص لنفسه إناء يتوضأ منه ولا يتوضأ منه غيره.
ولا يكره الوضوء والاغتسال بماء زمزم، وعن أحمد يكره، كذا في شرحه للغزي».
وكذا لا يكره بما قصد تشميسه أي تسخينه بالشمس.
وقال الشافعي وأبو الحسن التميمي: يكره.
وفي قوله: قصد إشارة إلى أنه لو لم يقصد لم يكره اتفاقا كما في «الدرر».
* * *
[مطلب في الأسار]
(والسؤر) بالهمز بقية الماء التي يبقيها الشارب في الإناء، أو في الحوض.
ثم استعير لبقية الطعام وغيره (من سباع البهائم) جمع سبع وهو كل ما يصيد بنابه (كالأسد والضبع) والذئب والدب والفهد (نجس) نجاسة مغلظة ويعلم منه حكم الكلب والخنزير بالأولى (إلا سباع الطير) وهي كل ما يصيد بمخلبه (كالبازي والصقر) والشاهين
الجزء 1 · صفحة 29
والحدأة (و) إلا سؤر (سواكن البيت كالحية والفأرة) والوزغة والعقرب (فإنه مكروه) كراهة تنزيه كما أفصح عن ذلك قوله في «المستصفى».
ويعني من السؤر المكروه أنه طاهر لكن الأولى أن يتوضأ بغيره.
وحينئذ فيشكل إطلاق الكراهة لانصرافها إلى التحريم قال الثاني: قلت للإمام إذا قلت في شيء أكره فما رأيك فيه؟ قال: التحريم.
(وكذا الهرة) أي مثل ما تقدم في الحكم بكراهة سؤرها؛ لحرمة لحمها كما قال الطحاوي: وهذا يقتضي أنها تحريمية.
وقال الكرخي لعدم تحاميها النجاسة وهذا يقتضي التنزيه، وهو الصحيح.
حتى لو كانت بمرأى منه في زمان يمكن غسلها فيه فمها بلعابها فلا كراهة، وهذا يقتضي إذا لم يكن فور أكلها الفأرة، فإن كان فور أكلها الفأرة كان سؤرها نجساً ما لم يمض زمن يمكن أن تلحس فيه فمها بلعابها فيطهر.
ثم محل الكراهة إذا وجد غيره، أما إذا لم يوجد غيره فلا كراهة في التوضي به.
وعلى هذا لو أكلت الهرة من طعام فإن كان صاحبه فقيراً أكله بلا كراهة، وإلا فيكره أكله.
(والدجاجة المخلاة) أي: المسيبة لأنها تجول في العذرات ولا تتحامى النجاسات، وكذا الإبل والبقر الجلالة.
(و) السؤر (من البغل والحمار مشكوك) في طهوريته لا في طهارته (فيجب الجمع بينه وبين التيمم) واختلف في النية في الوضوء بسؤر الحمار، والأحوط أن ينوي كما في «النهر» نقلا عن «الفتح».
ويشترط النية عند التوضي بنبيذ التمر كالتيمم أيضا كما في الزيلعي فتلخص مما ذكره أن السؤر ثلاثة أنواع: نجس ومكروه ومشكوك.
وبقي نوع رابع لم يذكره المصنف وهو سؤر الآدمي، وحكمه أنه طاهر مطلقا سواء كان مسلماً أو كافراً، جنباً أو طاهراً، حائضاً أو نفاساً صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أنثى.
وما في «المجتبى» من كراهة سؤرها للأجنبي كسؤره لها ليس لعدم طهارته، بل للاستلذاذ الحاصل للشارب إثر صاحبه كذا في «النهر».
الجزء 1 · صفحة 30
ونقل الشارح الغزي) عبارة «المجتبى» ولم ينبه على هذا التأويل وهو مما يجب التنبيه عليه، والمسألة مقيدة بأن لا يكون في فمه نجاسة.
حتى لو شرب الماء فور شربه الخمر كان سؤره نجساً، إلا أن يبلع ريقه ثلاثاً عند الإمام قيل: والثاني، ويسقط اشتراط الصب في هذه الحالة، والتقييد بالثلاث جرى عليه كثير.
وفي «الخلاصة»: إن تردّد في فيه بحيث لو كان على ثوب طهر فالفم طاهر.
وقيده بعض شرّاح القدوري» بأن لا يكون شاربه طويلاً؛ لأن الشعر لا يطهر باللسان.
قال الحلبي: وكأنه لأن اللسان لا يتمكن من استيعابه بإصابة بليه ثم أخذ ما عليه من البلة النجسة مرة بعد أخرى، وإلا فهو ليس أدون من الشفتين والفم في التطهير بالريق بناء على قولهما من أن غير الماء يطهر.
ومثل الآدمي سؤر الفرس في ظاهر الرواية عن الإمام كما هو قولهما وهو الصحيح.
وكذا سؤر كل ما يؤكل لحمه من الحيوانات، ويلحق به ما ليس له نفس سائلة مما يعيش في الماء كما في الشرح.
ومعنى قوله: (فيجب الجمع بينه وبين التيمم) عدم خلو الصلاة الواحدة عنهما حتى لو توضأ بالسؤر وصلى ثم أحدث وتيمم وصلّى تلك الصلاة جاز وهو الصحيح؛ لأن المطهر أحدهما لا المجموع، فإن كان السؤر صحت ولغت صلاة التيمم، أو التيمم فبالعكس.
لكن نقل الشرنبلالي في حاشيته عن شيخه المحبي: أنه يكره فعله في المرتين ولا يحل؛ لأنه استلزم أداء صلاة بغير طهارة متيقنة، بخلاف ما إذا لم يحدث بينهما حيث يكره المرة في الأولى دون الثانية.
هذا وأما بنبيذ التمر فالمفتى به فيه قول أبي يوسف أنه يتيمم ولا يتوضأ به، وروى نوح بن أبي مريم رجوع أبي حنيفة إليه.
وعرق كل حيوان معتبر بسؤره إلا عرق الحمار فإنه طاهر بالحديث وهو ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب الحمار معروريا.
* ... * ... *
الجزء 1 · صفحة 31
[باب إزالة الحدث والخبث]
(باب إزالة الحدث والخبث) الأصغر والأكبر عن البدن وهو النجاسة الحكمية، والخبث عن بدن المصلي وثوبه ومكانه وهو النجاسة الحقيقية.
وعرفوا الحدث بأنه مانعية شرعية تقوم بالأعضاء إلى غاية استعمال المزيل وهو الماء أو الصعيد.
وعرفوا الخبث بأنه: (اسم لعين مستقذرة شرعا). فخرج بقولهم شرعاً نحو المخاط والبزاق فإنه مستقذر طبعا لا شرعا.
(إذا أراد) أي: قصد الشخص (الصلاة) سواء كانت فرضاً أو نفلاً أو صلاة جنازة، ومثله ما هو جزء منها كسجدة التلاوة (و) الحال (هو) أي: المصلي (محدث) أي: حدث كان سواء كان حدثه أصغر أو أكبر (وجب) أي فرض، وإنما عبر بالوجوب نظراً لمقدار ما يجب الرفع عنه (عليه) أي: على المصلي (رفع) أي: إزالة (الأصغر) وهو ما يوجب الوضوء (والأكبر) وهو ما يوجب الغسل من جنابة وحيض ونفاس (بالماء) الطاهر (أو الصعيد) عند عدم الماء وهو اسم لكل ما صعد على وجه الأرض من أجزائها، وسيأتي بيانه في بحث التيمم.
وفي قول المصنف (إذا أراد الصلاة إلى آخره) إشارة إلى أن سبب الطهارة هو إرادة الصلاة مع التلبس بالحدث.
وقيل سببها الحدث.
والأصح كما في «الخلاصة» أن سببها إقامة الصلاة.
وفي «المحيط» أن سبب وجوبها إنما هو إرادة الصلاة بالنص، وشرط وجوبها الحدث، وركنها غسل الأعضاء الثلاثة مع مسح الرأس، وحكمها استباحة الصلاة.
(أما) إزالتها (بالماء فلا بد) أي: لا غنى (بعد كونه) أي: الماء (طاهراً من كونه طهوراً) أي: مطهراً لغيره (و) يُعرف (ذلك بعدم كونه مستعملاً) وهو الباقي على أوصاف خلقته لم يستعمله أحد في واحد من الأمور الثلاثة الآتية.
(ويثبت) أي: يتحقق الاستعمال (بأمور) ثلاثة: (الأول بإسقاط الفرض) عن عضو المحدث، ومعنى إسقاطه عنه: أنه إذا غسل عضواً من أعضائه لا يزول حدثه؛ لأن الحدث لا
الجزء 1 · صفحة 32
يتجزأ زوالاً كما لا يتجزأ ثبوتا على الأصح، لكن إذا أتم غسل باقي الأعضاء سقط عنه افتراض غسل ذلك العضو وزال حدثه (وذلك) أي: ثبوت الاستعمال بأحد أمرين (إما بالاستقرار في مكان) من أرض أو ثوب أو إناء أو كف المتوضاء على ما اختاره في «الكنز» وهو قول طائفة من مشايخ بلخ واختاره فخر الإسلام وغيره.
وفي الخلاصة» وغيرها أنه المختار (أو بالانفصال عن العضو) وهو الأصح.
وأثر الخلاف يظهر فيما لو انفصل فسقط على عضو إنسان محدث فأجراء عليه صح على الأول، لا الثاني كما في «النهر».
وإنما اختار الثاني في المتن؛ لأن المحققين عليه لأن سقوط الاستعمال حال تردده على العضو للضرورة ولا ضرورة بعد الانفصال كذا ذكره المصنف في «فتح القدير» وإنما يثبت الاستعمال بالانفصال عن عضو.
(في غير قصد اغتراف) وهو أخذ الماء باليد (وإخرج شيء من الماء ككوز من زير) وهو الخابية. (والثاني) من الأمور الثلاثة التي يثبت بها الاستعمال (رفع الحدث) بنوعيه عن البدن (بنية أو بغير نية) اعلم أنه لا خلاف بين الثلاثة في أن الماء يصير مستعملاً برفع الحدث أيضا قاله الجرجاني، وادعى الرازي أن هذا قول الإمام وأبي يوسف وخصه محمد بإقامة القربة.
واستدل له الرازي بمسألة البئر من طهارة الماء والرجل لعدم نية إقامة القربة، ورده السرخسي بأنه إنما لم يستعمل للضرورة، ألا ترى إلى قولهم جميعاً لو أدخل المحدث أو الجنب أو الحائض اليد التي طهرت لاغتراف الماء لا يستعمل للحاجة، فالأصح عنه أن إزالة الحدث بالماء مفسدة له، وعلى هذا تفرع ما لو أخذ الجنب الماء بفيه لا يريد المضمضة ثم غسل به يديه أجزأه لعدم استعماله عنده للحاجة.
قال الأقطع: «وهو الصحيح».
وقال الثاني: لا يبقى طهوراً وهو الأصح إما لسقوط الفرض به، أو لأنه خالطه البزاق.
قال في «النهر»: ومقتضى ما سبق ذكر الإمام مع الثاني، والتعليل بسقوط الفرض دون رفع الحدث بناء على ما سبق من ترجيح عدم تجزؤ الجنابة كالحدث زوالا أو ثبوتاً، وبين ما إذا
الجزء 1 · صفحة 33
كان الاستعمال في رفع الحدث بغير نية بقوله:
(بأن كان الاستعمال بغيره) أي: بغير قصد رفع الحدث (وهو محدث فإنه يرتفع بذلك الحدث، وبسبب عدم اشتراط النية في ارتفاع الحدث، وعدم ثبوت الاستعمال قبل الانفصال كان أوفق الروايات عن أبي حنيفة في الجنب المنغمس لطلب الدلو أنه طاهر، والماء مستعمل) يعني: أن رواية أن الجنب المنغمس في البئر لطلب الدلو يصير طاهراً والماء مستعملاً أوفق بأصول الإمام؛ لأنه يرى عدم اشتراط النية لرفع الحدث، ولصيرورة الماء مستعملاً.
(والثالث) من الأمور الثلاثة (استعماله) أي: الماء (للقربة) وهي ما يتقرب به إلى الله لطلب الأجر (بأن يكون) مريد الاستعمال (طاهراً) عن الحدثين (يريد) باستعماله (زيادة النور) أي: زيادة الأجر، وذلك كالوضوء على الوضوء فإنه نور على نور، لكن لا للتعليم ولذا جزم في المبتغى بأنه لا يصير به مستعملاً، يعني إذا لم يرد به سوى مجرد التعليم، فإن قلت: التعليم قربة، قلت: سلمناه إلا أن الاستعمال نفسه ليس قربة، والتعليم أمر خارج عنه.
(وكذا لو غسل اليد الطاهرة) أي عن الحدثين (قبل الأكل) أو منه علله في المحيط بأنه أقام به قربة، قال في «البحر» وهذا يفيد اشتراط قصدها.
وعليه فينبغي اشتراطه في كل سنة كغسل الفم والأنف ونحوهما وفي ذلك تردد، وقالوا بوضوء الحائض يصير مستعملاً لأنه يستحب لها الوضوء لكل فريضة، وأن تجلس في مصلاها قدرها كيلا تنسى عادتها.
قال في «النهر»: ومقتضى كلامهم اختصاص ذلك بالفريضة، وينبغي أنها لو توضأت لتهجد عادي لها، أو صلاة ضحى وجلست في مصلاها أن يصير مستعملاً ولم أره لهم.
* * *
الجزء 1 · صفحة 34
[مطلب في: حكم الماء المستعمل]
ولما أنهى الكلام على ما يصير الماء به مستعملاً، أخذ يتكلم على حكمه فقال: (ويجوز استعمال المستعمل في غير الوضوء كالشرب وتطهير الثوب) والبدن عن الخبث فإنه يزيل الأخباث لا الأحداث عند الإمام والثاني كذا في غير موضع.
وعبارته في «المجتبى»: ويجوز إزالة النجاسة بالمستعمل على الرواية الظاهرة، وغاية الأمر أن محمداً وإن أخذ برواية الطهارة إلا أنه خالف في كونه مزيلاً للأخباث وعلى هذا فقوله في «فتح القدير» بعد حكاية الروايات ومن رواها وكل أخذ بما روى أي في خصوص الطهارة والنجاسة لا مطلقا كذا في «النهر».
وقوله: (لأنه طاهر) بيان لصفته في (المختار من الروايات) الثلاثة وهو رواية محمد عن الإمام، وهذه الرواية هي المشهورة عن الإمام واختارها المحققون قالوا: وعليها الفتوى لا فرق في ذلك بين الجنب والمحدث، واستثنى الجنب في التجنيس إلا أن الإطلاق أولى، وعنه أنه نجس مخفف، وعنه أنه مغلظ، ومشايخ العراق نفوا الخلاف وقالوا: إنه طاهر عند الكل.
وقد قال في «المجتبى»: الرواية عن الكل أنه طاهر غير طهور، فالاشتغال بتوجيه التغليظ والتخفيف مما لا جدوى له، وحمل في «البحر» ما في «الخلاصة» من كراهة شرب الماء المستعمل على رواية الطهارة، وحمله في «النهر» على رواية النجاسة، بناء على أن المطلق منها ينصرف إلى التحريم.
وقد قال في «البدائع»: يكره التوضي في المسجد عند الإمام والثاني.
وقال محمد: لا بأس به يعني بناء على طهارته عنده لا عندهما. نعم لو توضأ في إناء فيه جاز عندهم كما في «الخانية».
* * *
[مطلب في الطهارة الصغرى والطهارة الكبرى]
ثم لما فرغ من بيان المياه وأنواعها وأحكامها، شرع في بيان الطهارتين الصغرى والكبرى بادئاً بالطهارة الصغرى؛ لكثرة الاحتياج إليها، ولأنها جزء الطهارة الكبرى، ولتقدمها في القرآن وتعليم جبريل.
فقال: (وفروض رفع) الحدث (الأصغر) أي: أركانه (التي لا تصح الصلاة مع ترك
الجزء 1 · صفحة 35
شيء منها أربعة) وهي المذكورة في آية الوضوء الفروض جمع فرض.
والفرض لغة جاء لمعان منها: التقدير يقال: فرض القاضي النفقة أي قدرها ومنه: ?سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا? [النور:] على قراءة التخفيف أي: قدرناها، ومنها الإنزال كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ} [القصص:] أي: أنزل، ومنها القطع يقال: فرض القصار الثوب أي قطعه.
ومعناه شرعاً: ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه يكفر جاحده ويستحق العقاب تاركه. وهو وإن كان تعريفاً بالحكم إلا أن الفقهاء يتسامحون في مثله؛ لأن الحكم محط أنظارهم.
الأول: (غسل الوجه) بفتح الغين، لغة: إزالة الوسخ عن الشيء بإجراء الماء عليه.
وبضمها: اسم لغسل تمام الجسد، وللماء الذي يغتسل به وبكسرها: ما يُغسل به الرأس من خطمي ونحوه.
وعرفاً: هو الإسالة، وحدها أن يتقاطر الماء ولو قطرة عندهما، وعند الثاني يجزئ إذا سال على العضو وإن لم يقطر كذا في «الفتح».
قال في «النهر»: وفي «الذخيرة» قيل تأويل ما عن الثاني أنه سال قطرة أو قطرتين ولم يتدارك، وبهذا عُرف أن ذكر التقاطر مع الإسالة كما جرى عليه كثير مما لا حاجة إليه؛ لأنه حيث أخذ في مفهومها لم تصدق بدونه.
والوجه: ما يواجه به الإنسان غيره، وهو من المواجهة وهي المقابلة.
ولما كان الوجه من المحدودات الحسية بين طوله وعرضه فقال: (وهو من قصاص الشعر) أي: أطرافه وقوله: (في العادة) دفع لما يرد عليه من الأغم: وهو الذي نزل شعره على جبهته، والأصلع: وهو الذي انحسر شعره عن مقدم رأسه.
والقُصًاص: مثلث القاف، والضم أعلاها حيث ينتهي نبته في الرأس، إذ المراد بالشعر شعر الرأس وهذا الحد لم يذكر في ظاهر الرواية، وإنما ذكر في غير رواية الأصول وهو صحيح كذا في «البدائع».
فالتعريف المطرد إنما هو من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل اللحيين، فقول المصنف: في العادة أي في الغالب وقوله: (إلى أسفل الذقن) بيان لانتهاء الطول وهو مجتمع اللحيين وهما تثنية الحي وهما العظمان اللذان عليهما الأسنان في جانبي الحنك ثم فرع على قوله في العادة
الجزء 1 · صفحة 36
قوله: (حتى لو كان أصلع لا يجب أن يبلغ الماء إلى قصاص شعره) بل لو مسح على الصلعة أجزأه في الأصح كما في «الخلاصة»، يعني إذا بلغ ذلك ربع الرأس.
وفي «المجتبى» قيل: إن قل فمن الوجه، وإلا فمن الرأس.
ثم بين عرض الوجه بقوله: (ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن) وهو من عطف الجمل إذ لا يصح عطفه على قوله: إلى أسفل الذقن.
والأذن: بضم الذال ولك إسكانها تخفيفاً من الأذن بفتحتين وهو الاستماع، وشحمتها ما لان منها ولم يثنها مع أنه الأصل لما أن لكل أذن شحمة اختصاراً أي: ومبدأ عرضه من شحمة الأذن إلى الأخرى فدخل البياض الذي بين العذار والأذن فيجب غسله.
لذلك قال: (ولو بعد نبات العارض) وهو ما على الخد من الشعر، وعن أبي يوسف أنه لا يجب، وظاهر رواية المذهب الذي عليه أكثر المشايخ وهو الصحيح الأول.
وعم التّعريف ما ظهر من الشفة عند انضمامها، لا ما استتر.
وقيل: إنها تبع للفم مطلقاً، والأول أصح.
وعم أيضاً اللحية والشارب، لكن في اللحية تفصيل بينه بقوله: (ولا يجب ايصال الماء إلى داخل اللحية إن كانت كثيفة) لا ترى بشرتها (وفي الخفيفة يجب إن كانت بحيث يرى منابتها) وعلى هذا فقول من قال يجب ايصال الماء إلى ما تحت الشارب محمول على ما إذا كان خفيفاً ترى بشرته.
وعمّ التعريف أيضاً داخل العينين، غير أنه سقط للحرج، وخرج النزعتان بفتح النون والزاي ولك إسكانها، وهما الموضعان المختلطان بالناصية في جانبي الجبين اللذان ينحسر الشعر عنهما في بعض الناس؛ لأنها من الرأس، ولا يقال للمرأة نزعاء، بل يقال لها زعراء، والعرب به تمدح؛ لأنه آية الذكاء والسخاء، وتذم بالغمم لأنه بالضد.
ولما اختلفت الروايات في اللحية بين ما هو الأصح بقوله: (والأصح افتراض غسل ما يلاقي البشرة من اللحية) والبشرة ظاهر الجلد.
(وقيل مسحه) وهو مارواه بشر عن أبي يوسف.
وقيل: مسح ربعها وهو رواية الحسن عن الإمام.
وثمة رواية أخرى وهو مسح ما لاقى البشرة، ورجحها قاضي خان في شرح: «الجامع
الجزء 1 · صفحة 37
الصغير»، وعليها جرى في «المجمع».
وفي «البدائع»: روى ابن شجاع عن الإمام وزفر أنه إذا مسح ثلثاً أو ربعاً جاز.
وقال أبو يوسف: إذا لم يمسح شيئاً منها جاز، وهذه الروايات مرجوع عنها، والصحيح وجوب الغسل.
قال في «الظهيرية»: وعلية الفتوى فلذلك اختاره المصنف في المتن.
ولا خلاف في أن المسترسل لا يجب غسله ولا مسحه لكن يُسن.
(و) الثاني من الفروض الأربعة: (غسل اليدين مع المرفقين) عبَّر بمع إشارة إلى أن إلى في الآية بمعنى مع كقوله تعالى: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} [هود:] وإلى دخول المرفقين في غسل اليدين خلافاً لما يقوله زفر: أن المرفقين لا يدخلان في الغسل، بناء على أن الغاية لا تدخل تحت المغيا، ونحن نقول بالدخول إذا كانت غاية إسقاط كما هنا، فإن اليد لغة من رؤوس الأصابع إلى المنكب.
فلما قال: {إِلَى المَرَافِقِ} [المائدة:] كأنه تعالى قال والله أعلم: اغسلوا أيديكم مسقطين إلى المرافق، فيكون غاية لمقدر كما في الهداية».
هذا ولو خُلق له يدان فالتامة هي الأصلية، فما حاذى من الزائد محل الفرض يجب غسله.
فلذلك قال: (ويجب غسل النابت في محل الفرض) كالأصابع الزائدة، والكف الزائدة والسلعة وما لا فلا.
قال في النهر: ولم أر في كلامهم ما لو كانتا تامتين، أو منفصلتين، والظاهر وجوب غسلهما في الأول وواحدة في الثاني.
وأقول: قال القهستاني شارح «النقاية»: وفي الكلام إشعار بأنه لا يغسل ثنتان من جانب من اليد والرجل، نعم إذا بطش ومشى بهما يغسلان كالأصبع الزائدة والثآليل، وعزاه إلى الزاهدي. ومنه يستفاد حكم المسألة والله الموفق.
تنبيه: لو كان في أظفاره طين أو عجين فالفتوى على أنه مغتفر، قروياً كان أو مدنياً، ولو أمر الماء على شعر الذقن، ثم حلقه لا يجب غسل الذقن.
وفي البقالي لو قص الشارب لا يجب تخليله وإن طال يجب تخليله وإيصال الماء إلى
الجزء 1 · صفحة 38
الشفتين.
ولا يجب نزع الخاتم وتحريكه إن كان واسعاً، والمختار في الضيق الوجوب.
ولو قطعت يده أو رجله فلم يبق من المرفق والكعب شيء سقط الغسل، ولو بقي وجب، ولو طالت أظفاره حتى خرجت عن رؤوس الأصابع وجب غسلها قولاً واحداً كذا في «فتح القدير».
(و) الثالث من الفروض الأربعة (مسح مقدار ربع الرأس) المسح لغة: امرار اليد على الشيء.
وعرفاً: إصابة الماء العضو سواء كان المصاب به عضواً ولو ببلل باق فيه بعد غسل لا مسح أو لا، حتى لو أصابه من المطر قدر الفرض أجزأه، ثم الإجزاء بالبلل الباقي هو المشهور، ومنعه الحاكم وعامة المشايخ خطؤوه، والصحيح ما قاله الحاكم، فقد نص الكرخي في «جامعه الكبير» عن الإمام والثاني مفسراً معللاً بأنه إذا مسح رأسه بفضل غسل ذراعيه لم يجز إلا بماء جديد كذا في «إيضاح الإصلاح» كذا في «النهر».
وإنما قال: (مقدار ربع الرأس)، ولم يقل ومسح ربع الرأس؛ لأن في مقدار فرض المسح روايات أشهرها ما قاله المصنف.
والثاني مقدار الناصية اختارها القدوري، وفي «الهداية» وهي الربع، والتحقيق أنها أقل منه، ولذا ذكر الإسبيجابي رواية الناصية ثم قال: هذا إذا بلغت ربع الرأس، وإلا فلا يصح المسح، وفي البدائع: وروى الحسن أنه الربع، وذكر الكرخي والطحاوي أنه مقدار الناصية.
الثالث: مقدار ثلاثة أصابع رواها هشام عن الإمام، قيل: وهي ظاهر الرواية، وفي «البدائع» أنها رواية الأصول، وصححها في «التحفة» وغيرها، وفي «الظهيرية» وعليها الفتوى؛ لأن المسح يكون بالآلة وهي الأصابع عادة، والثلاث أكثرها وللأكثر حكم الكل.
لكن نسب في «الخلاصة» رواية الثلاث إلى محمد وعلى ذلك جرى في «النهاية»، وتفرع على الروايتين ما لو وضع ثلاث أصابع ولم يمدها جاز على رواية الثلاث لا الربع ولو منصوبة؛ لأنه لم يأت بالقدر المفروض وهذا بالإجماع.
أما لو مدها حتى بلغ القدر المفروض لم يجز أيضاً عند أصحابنا الثلاثة خلافاً لزفر.
الجزء 1 · صفحة 39
(لا بأصبع أو أصبعين) وهو على الخلاف أيضاً إذا بلغ القدر المفروض بالمد كذا في «البدائع» (إلا إذا مسح بجوانبها الأربع) لم يذكر هذا في ظاهر الرواية، وقد قال بعضهم: يجوز، وهو الصحيح.
ولو مسح بأطراف أصابعه لا يجوز سواء كان الماء متقاطراً أو لا هو الأصح كذا في «النهر» معزياً إلى «الخلاصة».
(و) الرابع من الفروض: (غسل الرجلين مع الكعبين) والكعبان هما العظمان الناتئان من جانبي القدم أي: المرتفعان هذا هو المنقول عن أهل اللغة، لا ما رواه هشام أنه عن محمد من أنه المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك.
فقد اتفق الشارحون تبعاً لما في المبسوط أنه سهو منه، وما قاله محمد إنما هو في المحرم إذا لم يجد نعلين فإنه يقطع خفه أسفل من هذين الكعبين، فأما كعب الطهارة ففسره في الزيادات بما قلنا، وفي الآية إشارة إليه وذلك أنه لما كان في كل يد مرفق واحد قوبل جمع الأيدي بجمع المرافق على اعتبار انقسام آحاد أحد الجمعين على أحاد الجمع الآخر وهو من الإيجاز البليغ، ولو اتحد في الرجل لقبح الكلام فيه بهذا المنوال، فلما عدل عن ذلك الأسلوب وقوبل جمع الرجل بتثنية الكعب علم أنه في كل رجل متعدد.
وفي أبي داود: «حين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بتسوية الصفوف فكان الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه وكعبه بكعبه» ولن يتحقق الإلصاق إلا بما قلنا هذا إذا كانت رجلاه متحفيتين.
* * *
الجزء 1 · صفحة 40
[مطلب في: المسح على الخفين]
(فإن كان رجلاه مستورتين بالخف أو الجورب) وهو خف من كتان أو قطن ونحو ذلك (الثخين) وهو الذي لا يشف الماء (المستمسك بنفسه) من غير ربط على الساق.
(قام المسح على الحائل) وهو الخف أو الجورب أو نحوهما مما يجوز المسح عليه كالمجلد: الذي وضع الجلد على اعلاه وأسفله، والمنعل: الذي وضع الجلد على أسفله فقط على القدم دون الكعبين (مقام الغسل) أي: ناب مناب غسل الرجلين (بشرط أن يكون لبسهما) أي: لبس الخفين، وما في معناهما (على طهارة كملت) احترز به عن الطهارة الناقصة حقيقة كلمعة من الأعضاء لم يصبها الماء، وأخرج به الشارح الزيلعي أيضاً طهارة المتيمم، وصاحب العذر، والمتوضئ بنبيذ التمر لعدم طهارتهم، ومنعه في «النهر» بأنه لا نقض فيها ما بقي شرطها.
وإنما لم يمسح المتيمم والمعذور بعد الوقت لظهور الحدث السابق عند رؤية الماء وخروج الوقت، والمسح إنما يزيل ما حل بالممسوح لا بالقدم، ولذا جوزنا لذي العذر المسح في الوقت كلما توضأ لحدث غير الذي ابتلي به إذا كان السيلان مقارنا للوضوء واللبس، أما إذا كان على الانقطاع كان كغيره من الأصحاء.
وقوله: (قبل الحدث الموجود بعد اللبس) ظرف لكملت والمراد قبيل الحدث، وحاصله أنه يشترط لصحة المسح أن يلبس خفيه على طهارة كاملة وقت الحدث، لا وقت اللبس ولا وقت المسح، حتى لو توضاً مرتباً وغسل إحدى رجليه، ولبس الخف ثم غسل الأخرى ولبس الخف، ثم أحدث جاز له المسح؛ لأنه صدق عليه أن طهارته تامة وقت الحدث، وفيه خلاف الشافعي رحمه الله.
(و) يشترط (أن لا يكون في الحائل الساتر) للرجل من خفّ وجورب ونحوهما (خرق) بضم الخاء الاسم، وبالفتح المصدر والمراد هنا الأول (يظهر) أي: يستبين (منه) أي: من ذلك الخرق (قدر ثلاث أصابع من) أصابع (الرجل أصغرها) بدل من ثلاثة، لعدم إمكان قطع المسافة به عادة (وإن كان) الخرق (أقل منها) أي: الثلاثة (جاز) أي: المسح، وهذا مقيد بقيود:
الأول: أن لا يكون الخرق على نفس الأصابع، فإن كان اعتبر ثلاث منها أيتها كانت هو الأصح كما في النهر نقلاً عن «التتمة».
الجزء 1 · صفحة 41
حتى لو كان الخرق على الإبهام وجارتها وهي قدر ثلاث أصابع من أصغر أصابع القدم لم يمنع.
الثاني: أن يكون الخرق عرضاً فإن كان طولاً ولم ير من القدم شيء، ولم ينفرج من المشي لصلابته لم يمنع، وإن كان أوسع من ثلاث أصابع.
الثالث: أن لا يكون الخرق على العقب، فإن كان فلا بد في المنع من ظهور أكثره كما جزم به في الاختيار. تبعاً لقاضي خان، وذكره الشارح الزيلعي عن الغاية بقيل، معللاً بأن الأصابع يعتبر أكثرها، فكذا العقب.
قيّد بالأصابع؛ لأن ظهور الأنامل لا يمنع على الأصح.
وقيل يمنع ورجحه السرخسي.
وفي «البدائع» أنه الصحيح.
ولو لم يكن له أصابع اعتبر بأصابع غيره، وقيل بأصابعه لو قائمة، ويعرف صغرها وكبرها بصغر القدم وكبره.
قال في «البحر»: وهذا أوجه لأن من الأصابع ما يكون صغيراً أو كبيراً.
قال في «النهر»: وأقول تقديم الشارح وغيره للأول يفيد أنه الذي عليه المعول، والمراد بالغير من له أصابع تناسب قدمه صغراً وكبراً لا مطلقاً؛ لأن اعتبار الموجود أولى من غيره.
(وإن تعددت الخروق جمعت في خف واحد) وإنما يجمع من الخروق قدر ما يدخل فيه المسلة فإن بلغت القدر المذكور منعت المسح (لا) تجمع إذا كانت الخروق المانعة (في الخفين) بأن كان في خف قدر أصبعين وفي الآخر قدر أصبع أو أصبعين فلا يجمع ولا يمنع.
(وله أن يمسح إن كان مقيماً يوماً وليلة، وإن كان مسافراً ثلاثة أيام ولياليها) بيان لمدة المسح (و) ابتداء (أول المدتين) أي: مدة المقيم ومدة المسافر يحسب من وقت (الحدث بعد اللبس) لامن وقت اللبس؛ لأنه لو لم يحدث حتى مضت المدة عليه لم يجب النزع، حتى لو توضأ ولبس خفيه وقت الفجر، ثم أحدث وقت الظهر فابتداء مدة مسحه من وقت الظهر لا من وقت الفجر.
قال في «المجتبى»: والمقيم في مدة مسحه قد لا يتمكن إلا من أربع صلوات وقتية بالمسح كمن توضأ ولبس خفيه قبل الفجر ثم طلع الفجر وصلاها وقعد قدر التشهد فأحدث
الجزء 1 · صفحة 42
لا يمكنه أن يصلي من الغد على هيئته الأولى لاعتراض ظهور الحدث في آخر الصلاة.
(فإذا كملت) المدة (ليس له أن يمسح بعدها حتى ينزع ويغسل رجليه) لانتقاض المسح بمضي المدة، وظهور حدثه السابق إن لم يخف ذهاب رجليه من شدة البرد، فإن خافه خوفاً ارتقى إلى غلبة الظن جاز له المسح.
قال الشارح الزيلعي: لأنه مع الضرر يصير كالجبيرة وهي غير مؤقتة.
وهذا يقتضي وجوب استيعابه بالمسح و به صرح في «المعراج»، وفي «الخانية»: انقضت المدة ولا ماء يمضي فيها على الأصح، إذ لا فائدة في النزع.
وقيل تفسد ويتيمم وهذا أشبه واختاره في «الفتح» إذ عدم الماء لا يمنع السراية ومنع الفائدة، وأن الرجلين لاحظ لهما في التيمم ممنوع، إذ طهارة التيمم تشملهما أيضاً.
(هذا) أي: مسح المقيم يوماً وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها (إذا لم يكن معذوراً فإن كان) الماسح (صاحب عذر) بأن كان به (جرح) سائل (ونحوه) من الأعذار كالرعاف وانفلات الريح واستطلاق البطن وما أشبه ذلك ليس له المسح المدة المذكورة في حال من الأحوال (إلا) أنه يمسح (في وقت الصلاة) أي: ما دام الوقت باقياً (فإذا خرج وقت الصلاة ودخل) وقت (آخر وجب النزع إن كان توضأ ولبس على السيلان وإلا) أي: وإن لم يكن توضأ ولبس على السيلان، بل توضأ ولبس على الانقطاع (فإنه يستكمل المدة كغيره) من الأصحاء.
(وصفة المسح) على الخفين على الوجه المسنون (أن يبدأ من رؤوس الأصابع) من الرجل (إلى الساق) وأن يكون المسح (خطوطاً بالأصابع) فلو عكس أو مسح عرضاً جاز، لكنه خلاف السنة (والفرض منه) أي: من المسح (قدر ثلاثة أصابع من اليد) لأنها آلة المسح فيعتبر بأصابعها هو الأصح كما في البدائع، وقيدها في الخانية بأصغرها. ولم يضف اليد إلى اللابس إيماء إلى أنه لو أمر من يمسح على خفيه ففعل صح كما في الخلاصة.
وأفاد أن الفرض هو ذلك المقدار من كل رجل على حدة فلو مسح على واحدة مقدار أصبعين، وعلى الأخرى مقدار خمس لم يجز.
وعُلم منه أنه لو مسح بواحدة مرة حتى بلغ قدر الفرض لم يجز أيضا، ولو بجوانبها الأربع ينبغي أن يجوز اتفاقا، ولو بأصبع واحدة ثلاث مرات إن أخذ ماء جديداً لكل مرة،
الجزء 1 · صفحة 43
وقد مسح ثانياً غير ما مسحه أولاً جاز، وإلا فلا.
وقالوا: لو مسح بالإبهام والسبابة إن كانتا مفتوحتين جاز.
وفي الخلاصة: لو مسح بظاهر كفه جاز، والمستحب أن: يمسح بباطنه.
وكأن المراد باطن الكف والأصابع.
واختلفوا فيما لو أصاب خُفَه الطل، ورجح الشارح وغيره الإجزاء؛ لأنه ماء، لا نفس دابة في البحر.
قال الولوالجي وهذا مما لا يعرف بالفقه لكن الظاهر أنه ماء ..
(ولا يجوز المسح إلا على محل وجوب الغسل) بأن يكون أسفل الكعبين، فلو مسح على ساق الخف فوق الكعبين، أو على باطن الخف لا يجوز، ومحل المسح من رؤوس الأصابع إلى معقد الشراك (ثم ينتقض هذا المسح، ويجب النزع والغسل إذا خرج ظهر القدم إلى الساق) أي: ساق الخف (وإن بقي من ظهره) أي: من ظهر القدم (شيء في الخف) فقد اختلف فيه:
(فعند أبي حنيفة رحمه الله إن زال العقب من موضعه انتقض وإلا فلا) يعني بأن أخرجه، حتى لو خرج لا عن قصد بأن كان واسعاً يرتفع العقب برفع الرجل إلى الساق، ويعود بالوضع جاز له المسح. كذا في الفتح.
وقيده في المحيط بأن يبقى فيه قدر الفرض (وصححه في الإيضاح).
وعند أبي يوسف: يُعتبر خروج أكثر القدم، وهو الأصح كما في «النهر».
(وعند محمد إن بقى مقدار محل الفرض) وهو قدر ثلاث أصابع (لم ينتقض) مسحه (وإلا) أي: وإن لم يبق مقدار محل الفرض (انتقض) مسحه وعليه أكثر المشايخ كذا في المعراج وغيره، وفي النصاب أنه الصحيح.
(ولو كان صدر القدم في محله، والعقب يدخل ويخرج لا ينتقض) وقال بعض المشايخ: إن كان الباقي أكثر بحيث يمكنه المشي فيه كذلك لا ينتقض.
قال في «البدائع»: وهذا يوافق قول الثاني من اعتبار أكثر القدم ولا بأس بالاعتماد عليه.
وفي «فتح القدير»: وهذا في التحقيق مرمى نظر الكل، فمن نقض بخروج العقب
الجزء 1 · صفحة 44
ليس إلا لأنه وقع. عنده أنه مع حلوله في الساق لا يمكنه تتابع المشي فيه، بخلاف ما إذا كانت تعود إلى محلها عند الوضع، ومن قال الأكثر فلظنه أن الامتناع منوط به، وكذا من قال بكون الباقي قدر الفرض، وهذه الأمور إنما تبنى على المشاهدة ويظهر أن ما قاله الإمام أولى لأن بقاء العقب في الساق يعين على مداومة المشي دوساً على الساق.
وحاصل ما ذكره المصنف أن نواقض المسح ثلاثة مضي مدة المسح وخروج الوقت في حق المعذور، ونزع الخف. وبقي كل ما ينقض الوضوء أيضاً فإنَّ ما ينقض الأصل ينقض الخلف، وبقي أيضاً ما لو دخل الماء خفه فغسل أكثر قدمه، فإنه ينتقض على الأصح كما في «الذخيرة»، وقيل لا ينتقض مطلقاً.
قال في «النهر»: وقدمنا عن «السراج» ترجيحه.
* * *
[مطلب في: المسح على الجبيرة]
(ولا يجوز المسح على شيء وجب غسله) هذا شروع في بيان المسح على الجبيرة وما شاكلها (إلا إذا کان به جراحة فليمسح على جبيرتها) وهي: عيدان تربط على الجرح تجبر بها العظام، وقد تطلق على الخرقة الموضوعة على القرحة، لا فرق بين كونها في البدن أو في الرأس، غير أنه إن بقي من الرأس ما يجوز المسح عليه مسح عليه، وإلا فعلى العصابة كما في «البدائع».
ونقل في «المبتغى» خلافاً في الوجوب فيما إذا كان بكلها جراحة، وما في «البدائع» ترجيح الوجوب وهو الذي ينبغي التعويل عليه.
واعلم أن المنقول في «القنية»: أنه إذا كان بها وجع وهو يتضرر بالمسح سقط عنه والفرق بين هذا وبين الجبيرة لا يخفى وقوله: (إن ضر حلّها وغسل ما تحتها) بيان لشرط المسح على الجبيرة، أما إذا كان لا يضره فلا يجوز المسح عليها.
والحاصل أنه إن ضره الغسل لما تحتها، ولم يضره المسح عليه وجب المسح على نفس الجراحة، ولا يجوز المسح على الجبيرة، وإن كان يضره الغسل والمسح جاز أن يمسح عليها، وكذا لو كان لا يضره المسح على ما تحتها، لكن يضره حل الرباط فإنه يجوز المسح عليها، هكذا يجب أن يحفظ والناس عنه غافلون، وذكر في «النهر» معزياً إلى «شرح الجامع» لقاضي خان: أنه إن كان يضره الماء البارد دون الحار تعين الحار، وجزم في «السراج» بعدم لزوم الحار.
الجزء 1 · صفحة 45
وقوله: فليمسح، إشارة إلى لزومه إلا أن الافتراض قولهما، وعن الإمام وجوبه لكن حكى في «الخلاصة» رجوع الإمام إلى قولهما، ويوافقه ما في «شرح المجمع».
وقيل: الوجوب متفق عليه وهذا أصح وعليه الفتوى؛ لأن المسح على الجبيرة كالغسل لما تحتها، ووظيفة هذا العضو الغسل عند الإمكان، والمسح على الجبيرة عند عدمه كالتيمم، فكما لا يقال إن الوضوء لا يجب عند العجز عن الماء فلا يجب التيمم كذلك.
لا نقول إن غسل ما تحتها ساقط ليسقط المسح، بل واجب بدليله كما وجب التيمم بدليله.
وفصّل الرازي بين ما إذا كان تحت الجبيرة لو ظهر يمكن غسله، يجب المسح، وإلا فلا.
قال الصيرفي: وهذا أحسن الأقوال
ويؤيده ما في «المستصفى» أن الخلاف في المجروح، أما المكسور فيجب عليه المسح اتفاقاً.
قال في «البحر»: فمبنى ما في «المستصفى» على تفصيل الرازي لا كما توهمه في «فتح القدير» أنه مبني على أن خبر علي في المكسور.
قال في «النهر»: وغير خاف أن التفصيل مبني أيضاً على أثر علي بناء على أن المكسور لا يضره الغسل، فما في «فتح القدير» أوجه.
واعلم أن محل الخلاف ما إذا كان المسح فوقها لا يضره فإن ضره فلا خلاف في سقوطه كما في «البدائع».
(ويمسح المقتصد على جميع العصابة) هذا إحدى الروايتين، وروي الاكتفاء بالأكثر، واختاره غير واحد.
قال في «الخلاصة»: وعليه الفتوى كذا في «النهر».
(إن ضره حلّها) سواء كان تحتها جراحة أو لا، وهذا شامل لما إذا شد العصابة على الجرح وما حوله من الصحيح كالمقصود، وما إذا شدها على غير جرح كالكي والكسر، وهو مقيد بما إذا كان الغسل أو المسح على نفس الجراحة يضره، حتى لو لم يضره تعين، وإن زادت
الجزء 1 · صفحة 46
الجبيرة على نفس الجراحة إن ضره الحل بأن كان في محل لا يقدر على ربطها بنفسه، ولا يجد من يربطها مسح على الكل كذا في «فتح القدير».
تنبيه: هل يجب إيصال الماء إلى الموضع الذي لم تستره العصابة بين العصابة؟
جزم في «الخلاصة» بأنه فرض.
وفي غيرها أنه يكتفى بالمسح.
قال في «الذخيرة»: وهو الأصح؛ لأنه لو كلف ذلك ربما ابتلت العصابة ونفذت البلة إلى موضع الجرح، وهذا من الحسن بمكان.
(وإن سقطت الجبيرة) أو العصابة (على غير برء فهو على طهارته) ولا يبطل مسحه، وليس عليه إعادتها بعينها، حتى لو وضع غيرها لا تجب إعادته لكنه أحسن.
وما في «الذخيرة»: «لو جعل عصابتين ومسح على العليا ثم رفعها لا تجزيه حتى يمسح على الباقية بمنزلة الخفين والجرموقين كذا عن الثاني» يحمل على أنه قوله لا قول الإمام، ويدل على ذلك ما في القنية: لو سقطت لا عن برء لم يبطل المسح عند الإمام ويبطل عندهما.
(وإن سقطت على برء) أي: صحيحة (وجب غسل ما تحتها) وبطل المسح، ولم يُذكر في عامة الكتب ما إذا وجد البرء ولم تسقط. وذكر الكرابيسي أن المسح يبطل كذا في «المجتبى».
قال في «النهر»: وينبغي أن يقيد بما إذا لم يضره إزالة الجبيرة، أما إذا ضرته لشدة لصوقها به فلا.
* * *
[مطلب في: سنن الوضوء]
(وسنن الوضوء) ذكر سنن الوضوء بعد الفرائض إيماء إلى أنه لا واجب في الوضوء، وإلا الذكر مقدماً. وإنما لم يكن له واجب؛ لئلا تساوي الوسيلة المقصود.
وأما الوضوء نفسه فينقسم إلى:
الجزء 1 · صفحة 47
فرض: وهو الوضوء للفريضة والجنازة والتلاوة
وواجب: وهو الوضوء للطواف.
ومندوب: وهو الوضوء للنوم، وعن الغيبة والكذب وإنشاد الشعر والقهقهة، ومن غسل الميت، ومنه الوضوء على الوضوء كذا في «الخلاصة».
زاد الهندي في مختصره المسمى «بالشامل» والنظر إلى محاسن المرأة، والاختلاف في النقض، ولوقت كل صلاة.
والتقييد بالفريضة يخرج النافلة، مع أنه قد مر وجوبه عند إرادتها وبالترك يسقط، والظاهر أنه عنى به ما يُعاقب على تركه.
ثم السنن: جمع سنة، وهي لغة: الطريقة مُرْضِية كانت، أو غير مُرْضِية.
وشرعاً: الطريقة المسلوكة في الدين من غير لزوم، يثاب فاعلها ويلام تاركها ولا يعاقب.
(النية) أي: نية المتوضئ رفع الحدث، أو إقامة الصلاة كذا في «الكافي»، وإنما لم يقل أي نية الوضوء لما أن المذهب أنه لا بد في تحصيل السنة من أن ينوي ما لا يصح إلا بالطهارة من العبادة، أو رفع الحدث، أو إقامة الصلاة، أو امتثال الأوامر كما في «المعراج».
وهو ظاهر في أن نية الطهارة لا تكفي وكأنه لتنوعها، ومقتضاه الاكتفاء بنية الوضوء بل هي أولى من رفع الحدث لتنوعه أيضاً، ومن ثم جزم المصنف في فتح القدير بأنها كافية. ومحلها عند غسل الوجه، والتلفظ بها مندوب، والأصح أن الوضوء الخالي عنها لا ثواب فيه، وقيل يثاب وضُعّف.
(وغسل اليدين) الطاهرتين، أما غسل المتنجستين على وجه لا يفضي إلى تنجس الماء أو غيره ففرض (ثلاثاً في الابتداء) أي: في ابتداء الوضوء؛ لأنهما آلة التطهير (إلى الكوعين) الحصول الكفاية بذلك، والمراد إلى الرسغين وهو مفصل الكف في الذراع، والقدمين في الساق.
والكوع هو العظم الذي يلي الإبهام في رأس الزند، ويقابله الكرسوع: وهو العظم الذي يلي الخنصر من اليد في طرف الزند، والرسغ ما بينهما. والبوع: هو العظم الذي يلي إبهام الرجل، ويقال: الغبي الذي لا يعرف كوعه من بوعه.
الجزء 1 · صفحة 48
ثم السنة فيهما أن يغسلهما قبل الاستنجاء وبعده على الأصح، مستيقظاً كان، أو لا.
والتقييد به في كلام غيره اتفاقي إذ الأصح الذي عليه الأكثر أنه سنة مطلقاً، لكنه عند توهم النجاسة سنة مؤكدة، كما إذا نام لا عن استنجاء، أو كان على بدنه نجاسة غير مؤكدة عند عدم توهمها، كما إذا نام لا عن شيء من ذلك، أو لم يكن مستيقظاً عن نوم.
واعلم أن هذا الابتداء وإن كان سنة إلا أن الغسل يقع فرضاً، وإلى ذلك أشار محمد بقوله بعد ذكر غسل الوجه ثم يغسل ذراعيه.
وقيل: هو سنة تنوب عن الفرض.
ثم كيفية الغسل: أنَّ الإناء إن أمكن رفعه غسل اليمني ثم اليسرى ثلاثاً، أو لم يمكن لكن معه إناء صغير فكذلك، وإلا أدخل أصابع يده اليسرى مضمومة دون الكف وصب على اليمنى، ثم يدخل اليمنى ويصب على اليسرى.
قال في «المضمرات» فلو كانتا نجستين أمر غيره بذلك، فإن لم يجد أدخل منديلاً ليغسل بماء تقاطر منه، فإن لم يجد رفع الماء بفيه، فإن لم يقدر تيمم وصلّى ولا إعادة عليه كذا في «النهر».
(والتسمية) المنقول عن السلف فيها كما ذكره الطحاوي أن يقول: بسم الله العظيم، والحمد الله على الإسلام، والمتبادر لفظ بسم الله الرحمن الرحيم، وقد قيل: إنه الأفضل، لكن بعد التعوذ. وذكر الزاهدي) ي أنه يجمع بينهما. ولو هلل أو كبر أو حمد كان مقيماً للسنة كذا في «المحيط». يعني: لأصلها وكمالها بما سبق.
ويسمي قبل الاستنجاء لكن لا حال انكشاف العورة، ولا في محل النجاسة تعظيماً لاسم الله تعالى، وإنما يُسمي قبل الاستنجاء؛ لأنه ملحق بالوضوء من حيث إنه طهارة، ويسمي بعده عند ابتداء غسل سائر الأعضاء هو الأصح، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند دخول الخلاء: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث».
يعني ذكران الشياطين وإناثهم، ثم كونها سنة هو المختار للطحاوي، وكثير من المتأخرين، ورجح في «الهداية» ندبها.
قيل: وهو ظاهر الرواية كذا ذكره في «النهر».
الجزء 1 · صفحة 49
فرع: نسي التسمية في الابتداء ثم ذكرها وسمى لا يكون آتياً بالسنة، بخلاف الأكل ونحوه، والفرق أن الوضوء عمل واحد، والأكل أعمال، وهذا إنما يستلزم تحصيل السنة في باقي الأكل لا استدراك ما فات، وفي السراج أنه يأتي بها لئلا يخلو وضوءه عنها.
(والسواك) أي: ومن سنن الوضوء السواك قيل: أي: استعماله فحذف المضاف لأمن اللبس، إذ هو اسم للخشبة ولا حاجة إليه؛ لأنه ثبت لغة إطلاقه على الاستياك أيضا فكان تفسيره به كما في «فتح القدير» أولى.
ثم السواك عند المضمضة كما ذكره في «مبسوط» شيخ الإسلام، و «التحفة»، وجزم به في «فتح القدير» وغيره.
وقد عده المصنف هنا من السنن، وقال الشارح الزيلعي: الأصح أنه مستحب؛ لأنه ليس من خصائص الوضوء.
وفي «الفتح» وهو الحق، ويوافقه ما في «المقدمة الغزنوية» يستحب في خمسة مواضع: اصفرار السن، وتغير الرائحة، والقيام من النوم، والقيام إلى الصلاة، وعند الوضوء.
زاد غيره: وعند قراءة القرآن واجتماع الناس، هذا ويندب إمساكه بيمينه بأن يجعل الخنصر أسفله، والإبهام أسفل رأسه، وباقي الأصابع فوقه بذلك جاء عن ابن مسعود، ولأنه من أعمال الطهارة، وقياس أن فيه إزالة الأذى أن يكون باليسرى، قال في النهر: وقد رأيته قولاً لغير أصحابنا.
ويستاك طولاً وهو عرض الفم، لا عرضاً بأن يكون في طول الأسنان؛ لأنه يجرح اللثة.
وأقله ثلاث في الأعالي، وثلاث في الأسافل بثلاث مياه، ويسوك الحنك أيضا مبتدئاً من الجانب الأيمن ثم الأيسر في الأعالي والأسافل، ويستاك بكل عود إلا الرمان والقصب، وأفضله الأراك، ثم الزيتون.
ويندب أن يكون ليناً خالياً عن العقد طوله شبر أو أقل لا أزيد؛ لأن الزائد يركب عليه الشيطان، ويقوم الأصبع أو الخرقة الخشبية مقامه عند فقده، أو فقد أسنانه في تحصيل ثوابه، والأفضل حينئذ أن يبدأ بأسنانه اليسرى، ثم اليمنى، ويقوم العلك مقامه للمرأة مع القدرة عليه، فيندب لها فعله لضعف بنيتها، وعند فقده يقوم الأصبع لها مقامه كالسواك،
الجزء 1 · صفحة 50
ومنافعه وصلت لنيف وثلاثين منفعة، أدناها إماطة الأذى، وأعلاها تذكير الشهادة عند الموت.
(وغسل اللحية) ولو كثيفة، والمراد ما استرسل منها، وإلا فقد علمت أن غسل ما لاقي البشرة فرض على الصحيح من الرواية.
(و) غسل (أصابع اليدين والرجلين) أي: تخليلها، وذكر في اليدين تشبيك بعضها ببعض، وفي الرجلين أن يخلل بخنصر يده اليسرى يبدأ بخنصر رجله اليمنى ويختم بخنصر رجله اليسرى من أسفل القدم، وهذا إذا كانت أصابعه مفرجة، أما إذا كانت منضمة فالتخليل واجب.
(ومسح جميع الرأس) مرة مستوعبة لرواية الترمذي: «أن علياً رضي الله عنه توضأ فغسل أعضاءه ثلاثاً، ومسح رأسه ثم قال: هذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويُسن الاستيعاب بماء واحد، وكيفيته أن يبل يديه، ويضع بطون ثلاث أصابع من كل كف على مقدم رأسه، ويعزل الإبهام والسبابة من كل كف، ويجافي الكفين ويمدهما إلى قفاه، ويمسح جانبي رأسه بكفيه، ويمسح ظاهر أذنيه بباطن إبهاميه، وباطن أذنيه بباطن سبابته، ويمسح رقبته بظاهر يديه حتى يصير ماسحاً ببلل لم يصر مستعملا، هكذا روت عائشة مسحه عليه الصلاة والسلام.
وليست هذه الكيفية أمراً لازماً، والمقصود الاستيعاب بأي وجه كان.
(والمضمضة) أي: غسل الفم (والاستنشاق) أي: غسل الأنف (كل مرة بماء جديد) أي: يأخذ لكل مرة ماءً جديداً، ولو أخذ كفاً من ماء وتمضمض منه ثلاث مرات أجزأه، بخلاف الاستنشاق.
والمبالغة في المضمضة إلى أن يصل الماء إلى رأس الحلق مستحبة، إلا أن يكون صائماً، وكذا المبالغة في الاستنشاق وهو أن يجذب الماء بالنفس حتى يصل إلى ما صلب من الأنف (ثلاثا) أي: يتمضمض ثلاثاً ويستنشق ثلاثاً.
(والتثليث) أي: تثليث الغسل أي: جعله ثلاثاً، أي: ومن سنن الوضوء أن يغسل كل عضو ثلاث مرات، ويكره الزيادة على الثلاث إلا لضرورة طمأنينة القلب عند حصول الشك، وفي كلامه إيماء إلى الثانية، والثالثة سنة، وهو الحق كما في «الفتح».
الجزء 1 · صفحة 51
لكن صحح في «السراج» أنهما سنتان مؤكدتان، ويؤيده حديث: «أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» «وأنه توضأ مرتين مرتين وقال: هذا وضوء من يضاعف الله له الأجر مرتين، وأنه توضأ ثلاثاً ثلاثاً»، وقال: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي فمن زاد عن هذا أو نقص فقد تعدى وظلم.
وذلك أنه جعل للثالثة جزاء مستقلا وهو يؤذن باستقلالها، إلا أنها جزء سنة فلا يثاب عليها وحدها، ولو اقتصر على الأولى ففي إثمه قولان:
قيل: يأثم لتركه السنة المشهورة.
وقيل: لا لأنه قد أتى بما أمر به كذا في «السراج».
واختار في «الخلاصة» أنه إن اعتاده أثم، وإلّا لا.
وينبغي أن يكون شقي هذا القول محمل القولين كذا في «النهر».
قال في «البحر»: وينبغي ترجيح عدم الإثم لقولهم والوعيد لعدم رؤيته الثلاث سنة، فلو أثم بنفس الترك لما احتيج إلى هذا الحمل.
واختلف في معنى التعدي والظلم على أقوال، ثالثها: ما جزم به في «الهداية».
وقال في «البدائع»: إنه الأصح أن ذلك يرجع إلى الاعتقاد، حتى لو رأى سنية العدد وزاد لقصد الوضوء على الوضوء، أو لطمأنينة القلب، أو نقص الحاجة، فلا بأس به.
ونقل في «الخلاصة» الاتفاق على عدم كراهة الوضوء على الوضوء بعد الفراغ من الأول، وعارضه في «البحر» بما في «السراج» من أنه مكروه في مجلس واحد للإسراف.
قال في «النهر»: وأقول لا تدافع في كلامهم لاختلاف الموضوع، وذلك أن ما في الخلاصة فيما إذا أعاده مرة واحدة، وما في «السراج» فيما إذا كرره مراراً، ولفظه في «السراج»: لو كرر الوضوء في مجلس واحد مراراً لم يستحب بل يكره، لما فيه من الإسراف. فتدبر.
(إلا في مسح الرأس) فإنه غير مسنون بل هو مكروه كما في «المحيط»، وفي «الخلاصة»: إنه بدعة، لكن جزم في «الخانية» بعدم كراهته كذا في «النهر».
(ومسح الأذنين بماء الرأس) أي: مسح كل الأذنين ظاهرهما بالإبهامين، وباطنهما بالسبابتين هو المختار، وعن الحلواني يدخل الخنصر في أذنيه ويحركها بماء الرأس لخبر الأذنان من الرأس والمراد أنهما يمسحان بماء الرأس، وما روي أنه عليه الصلاة والسلام: «أخذ ماء
الجزء 1 · صفحة 52
جديداً» يجب حمله على فناء البلة، أما لو أخذه. مع بقائها في الخلاصة وعليه، جري مسكين أنه حسن، وعلى هذا فالخلاف إنما هو في الاكتفاء بماء الرأس الإقامة السنة، عندنا يكون به مقيماً، وعند الشافعي لا، أما في الجديد فإنه يكون مقيماً لها اتفاقاً.
(والترتيب) أي: غسل الأعضاء مرتبة (بأن يوقع الفرض) أي: غسل الأعضاء المفروضة (على الترتيب الذي أوقعناه) أي: عند عد فرائض الوضوء، ذلك بأن يغسل الوجه أولاً، ثم اليدين إلى المرفقين، ثم يمسح رأسه، ثم يغسل رجليه.
(والتيامن) أي: البداءة باليمين في غسل اليدين والرجلين وكذا في الأعضاء المغسولة احتراز عن الممسوحة كالأذنين فإنه يندب مسحهما معا؛ لأنه أسهل، وكذا المسح على الخفين، وألحق بعضهم الخدين فيما يعم إذا لم يمكنه غسلهما معاً بأن كان أقطع، فإنه يبدأ بالأيمن وقد عده المصنف في السنن، وهو الحق كما قاله في «الفتح». وعده في «الكنز» من المستحبات.
(والدلك) وهو: إمرار اليد على الأعضاء المغسولة في المرة الأولى.
(والموالاة) وهو: أن يغسل العضو الثاني قبل جفاف الأول في اعتدال الزمن والبدن وعدم العذر، حتى لو فني ماؤه فذهب لطلبه فلا بأس به على الأصح.
وفي «المعراج» عن الحلواني: تجفيف الأعضاء قبل غسل القدمين فيه ترك الولاء، وقيل: هو أن لا يشتغل بين أفعال الوضوء بعمل ليس منه.
وقيل هو أن لا يمكث مقدار ما يجف فيه العضو حكاهما في «البدائع».
قال في «النهر»: واعلم أن مقتضى تعريف الولاء أنه لو توضأ وضوءاً منكوساً غسل فيه العضو الثاني قبل جفاف الأول أنه يكون آتيا بسنة الموالاة.
(والبداءة بغسل أصابع الرجلين عند غسل الرجل) وكذا البداءة بغسل أصابع اليدين عند غسل اليد.
(وتحريك الخاتم إن كان واسعاً وإلا) أي: وإن لم يكن واسعاً بل كان ضيقاً (فتحريكه فرض) أو نزعه.
(ومسح الرقبة مستحب) أي ظاهرها بظاهر يديه، وقيل أنه بدعة، والأصح أنه أدب كذا في «الخلاصة».
الجزء 1 · صفحة 53
وقال الفقيه أبو جعفر إنّه سنة؛ وبه أخذ كثير من العلماء كذا في «مسكين»؛ لأنه عليه الصلاة والسلام مسح ظاهر رقبته مع مسح الرأس ولا كلام أن مسح الحلقوم بدعة.
والمستحب لغة: الشيء المحبوب.
وعرفاً: قيل هو ما فعله عليه الصلاة والسلام مرة، وتركه أخرى.
والمندوب ما فعله مرة أو مرتين تعليماً للجواز. وفيه قصور إذ ما رغب فيه.
كذلك (ومن آداب الوضوء) جمع أدب، وهو المندوب (عدم الإسراف) وهو: الزيادة على السنة في المرات والمواضع (والتقتير) وهو: التضييق (في الماء) بحيث يصل إلى حد الدهن، وقد عده المصنف من الآداب كما في «الفتح»،، وعده في «الخانية» من السنن.
قال في «البحر»: ولعل ما في «الخانية» أوجه؛ لأنه على كونه مندوباً لا يكون الإسراف فيه مكروهاً، وعلى كونه سنة يكون مكروهاً تنزيهاً.
وصرح الزيلعي بكراهته وكراهة لطم الوجه بالماء، وحينئذ فيكون سنة لا مندوباً.
وفي «المبتغى» جعل الإسراف من المنهيات فيكون تحريمية وهو الظاهر، إذ إطلاق الكراهة مصروف إلى التحريم، فما في «المبتغى» موافق لما في الشرح.
والمراد بالسنة السنة المؤكدة لإطلاق النهي عن الإسراف، وبه يضعف جعله مندوباً.
نعم لطم الوجه بالماء مكروه تنزيهاً، قال الحلبي: والمسألة مقيدة بماء النهر والمملوك، أما الموقوف على من يتطهر فلا خلاف في حرمة الإسراف فيه، وماء المدارس من هذا القبيل.
(وأن يشرب فضل وضوئه) بفتح الواو أي ما يتوضأ به (أو بعضه قائماً) أو قاعداً (مستقبل القبلة) كذا في «الخلاصة» لما روي عن علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله.
ويقول المتوضئ عقب شربه اللهم اشفني بشفائك، وداوني بدوائك، واعصمني من الوهل - بفتح الواو والهاء مصدر وهل بكسر الهاء إذا ضعف - والأمراض والأوجاع.
ويكره الشرب قائماً إلا هذا، وشرب ماء زمزم لأن النبي صلى الله عليه وسلم: «شرب ماء زمزم قائماً»، وأما كراهة الشرب قائما فيما عدا هذين الموضعين فلقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يشرب أحدكم قائماً فمن نسي فليستقاء» وأجمع العلماء على أن هذه الكراهة كراهة تنزيه لا تحريم؛ لأنها لأمر طبي لا لأمر ديني.
الجزء 1 · صفحة 54
وفي «الفتاوى العتابية»: ولا بأس بالشرب قائماً ولا يشرب ماشياً ورخص للمسافر إذا كان ماشياً.
وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام الشرب قائماً في غير ما تقدم، وكذا الأكل.
عن أم ثابت رضي الله عنها قالت: «دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرب من في قربة معلقة قائماً، فقمت إلى فيها فقطعته». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وإنما قطعت فم القربة ليكون عندها للتبرك.
وعن علي رضي الله عنه: «أنه أتى باب الرحمة فشرب قائماً وقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما رأيتموني فعلت» رواه البخاري.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كنا نأكل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام» رواه البخاري والترمذي وقال حديث حسن صحيح كذا أفاده الحلبي.
(و) من الآداب (استقبال القبلة عند توضئه) لأن الوضوء عبادة ومقدمة لها، فيختار له خير المجالس وهو ما استقبل به القبلة (وأن يملأ إناءه بعد فراغه استعداداً لصلاة أخرى) قطعاً لطمع الشيطان عن تكاسله، وليكون أسهل عليه إذا أراد الوضوء بعد ذلك.
(والتسمية عند غسل كل عضو) وأما في ابتداء الوضوء فسنة مؤكدة كما تقدم.
ويقول عقب الفراغ قائماً: (و) من الآداب أن يقول: (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله) عند كل عضو، قال في «فتاوى قاضي خان»: يسمي عند غسل كل عضو ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
(و) من الآداب (أن لا يكلم الناس في الوضوء) بكلام الدنيا بل الأدعية المأثورة.
(و) ومن الآداب (أن يستر عورته فيه) أي: في الوضوء حين فرغ من الاستنجاء، وتجفيف المحل؛ لأن الكشف كان لضرورة وقد زالت وكشف العورة في الخلوة لغير ضرورة خلاف الأدب لقوله عليه الصلاة والسلام الله أحق أن يستحيى منه.
(و) من الآداب (أن يتولى) أي: يباشر (أمر وضوئه بنفسه) ولا يأمر غيره بأن يهيئ له وضوءه، أو يصب عليه لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «أنا لا أستعين في وضوئي بأحد».
الجزء 1 · صفحة 55
وعن الوبري لا بأس بصب الخادم، وهو لا ينافي ترك الأدب إذا كان بطيب نفس ومحبة بدون أمر وتكليف لما روى أنه عليه الصلاة والسلام كان يصب عليه الوضوء ويهيأ له».
(و) من الآداب أن (يقول عقب الفراغ) من الوضوء (قائماً) مشيراً بسبابته: (أشهد أن لا إله إلا الله) ناظراً إلى السماء (وأشهد أن محمدا رسول الله) ناظراً إلى الأرض، وأن يقول بعد الفراغ من الوضوء: (سبحانك اللهم وبحمدك) أي: نسبحك حامدين لك على التوفيق لتسبيحك أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك تأكيد لقوله وحدك (أستغفرك) أطلب منك المغفرة (وأتوب إليك) أي: أرجع إلى طاعتك عن معصيتك (وأشهد أن محمداً عبدك ورسولك اللهم اجعلني من التوابين) أي: الكثيري التوبة (واجعلني من المتطهرين) عن قاذورات المعاصي وأوساخها، واجعلني من عبادك الصالحين، واجعلني من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
ومن الآداب وضع الإناء على يساره إلا أن يغترف منه فعلى يمينه، وجعل يده على عورته وغسلها ثلاثاً، والتأهب للوضوء قبل الوقت في غير صاحب العذر.
قال الحلبي: وعندي أنه من آداب الصلاة والذكر المحفوظ وهو أن يدعو عند غسل كل عضو بما جاء في الآثار عن السلف الصالحين.
فيقول بعد التسمية: الحمد لله الذي جعل الماء طهوراً، والإسلام نوراً وقائداً ودليلاً إلى جناتك جنات النعيم، وإلى دارك دار السلام.
وعند المضمضة: اللهم اسقني من حوض نبيك كأسا لا أظمأ بعده أبداً، أو اللهم أعني على ذكرك وشكرك وتلاوة كتابك.
وعند الاستنشاق: اللهم لا تحرمني رائحة نعيمك وجناتك، أو اللهم روحني من رائحة الجنة وارزقني نعيمها، ولا ترحني رائحة النار.
وعند غسل الوجه: اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، أو اللهم بيض وجهي بنورك يوم تبيض وجوه أوليائك، ولا تسود وجهي بذنوبي يوم تسود وجوه أعدائك.
وعند غسل اليد اليمنى: اللهم أعطني كتابي بيميني، وحاسبني حساباً يسيراً.
وعند غسل اليد اليسرى: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي، ولا من وراء ظهري.
الجزء 1 · صفحة 56
وعند مسح الرأس: اللهم حرم شعري وبشري على النار، وأظلني تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، أو اللهم غشني برحمتك، وأنزل عليَّ من بركاتك.
وعند مسح الأذنين: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وعند غسل الرجلين: اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل فيه الأقدام، وقيل: هذا عند غسل الرجل اليمنى.
وأما عند اليسرى فيقول: اللهم اجعل لي سعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً، وعملاً متقبلاً، وتجارة لن تبور.
وأن يقرأ ?إِنَّا أَنزَلْنَاهُ? [الدخان:] بعد الفراغ من الوضوء مرة أو مرتين أو ثلاثاً.
ومن الآداب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند غسل كل عضو.
قال الهندي وغيره: ولم يثبت منه إلا الشهادتان بعد الفراغ من الوضوء.
لكن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال ما لم يشتد ضعفه.
ومن الآداب أن يتوضأ في موضع طاهر؛ لأن لماء الوضوء حرمة، كذا في «المضمرات» وأن يبدأ في غسل الوجه من أعلاه، وفي اليد والرجل من أطراف الأصابع كما في «الدراية»، وأن يبدأ في المسح من مقدم رأسه، وأن يصلي ركعتين في غير وقت كراهة.
ومن الآداب أن يمسح موضع الاستنجاء بخرقة بعد الغسل قبل أن يقوم ليزول أثر الماء المستعمل بالكلية، وإن لم يكن معه خرقة جففه بيده.
ومن الآداب أيضاً استصحاب النية إلى آخر الوضوء، وتعاهد مآق العين، وفي الخلاصة: يجب أيضا إيصال الماء إليه.
ومن الآداب تجاوز حدود الوجه واليدين والرجلين؛ ليستيقن غسلهما. ويطيل الغرة، ويحفظ ثيابه من التقاطر.
والآداب كثيرة وفيما ذكرناه كفاية.
(وأنواع الوضوء: الفرض، والواجب: كالوضوء للطواف والمندوب: كالوضوء عقيب الغيبة والكذب والضحك) وهو ما يكون مسموعاً له ولجيرانه ممن هو بقربه
الجزء 1 · صفحة 57
(والقهقهة) أي: الوضوء من القهقهة خارج الصلاة (وإنشاد الشعر) الحصول اللذة (كلها على السواء) في الأفعال يعني أن الوضوء بأقسامه الثلاثة الفرض والواجب والمندوب سواء في الأفعال المتقدمة.
* * *
[مطلب في: الغسل]
(أما رفع الحدث الأكبر) وهو الاغتسال من الجنابة والحيض والنفاس (بالماء) وسيأتي مقابله في قوله: وأما الطهارة بالصعيد.
(ففرضه) أي: ركنه وهو مصدر مضاف فيعم؛ لأن فروض الغسل ثلاثة: (غسل) جميع (الفم والأنف وسائر) أي: باقي (البدن) وإنما كان غسل الفم والأنف فرضاً في الغسل، سنة في الوضوء عندنا للأمر بالأطهر - بضم الهاء - الذي هو تطهير جميع البدن الواقع على الظاهر والباطن في قوله تعالى: ?وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ? [المائدة:].
إلا أن ما يتعذر الإيصال إليه أو يتعسر، ساقط للحرج كداخل العينين، وباطن الجرح فإنه يورث العمى في العينين، والضرر في الجرح، فأفاد أن كل ما يمكن تطهيره يجب غسله، وباطن الفم والأنف يمكن غسله بخلاف الوضوء فإنّ المأمور به فيه غسل الوجه، وهو ما يقع به المواجهة ولا تقع المواجهة بداخل الأنف والفم.
وقال عليه الصلاة والسلام: «تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشرة.
«ورُوي فاغسلوا الشعر ففي الفم بشره»، وهي الجلدة التي تقي اللحم من الأذى، وفي الأنف شعر وبشرة، ويجب أيضاً غسل السرة وأثناء اللحية، وتغسل فرجها الخارج كما في «المحيط».
ويجب تحريك الخاتم والقرط الضيقين، وعليه إزالة ما يمنع ايصال الماء إلى بدنه كشمع وجلد سمك ونحو ذلك مما يمنع إيصال الماء لا ما لا يمنع كتراب وطين على ظفر، لا فرق في ذلك بين قروي ومدني، واختلف فيها على ظفر الصباغ، والفتوى على أنه غير مانع.
الجزء 1 · صفحة 58
قال في «الفتح»: ويجوز للجنب أن يذكر الله تعالى ويأكل ويشرب إذا تمضمض.
وهو ظاهر في أنه لا يحل قبلها.
وقيده في «البزازية» بالعبّ حيث قال: يحل للجنب شرب الماء قبل المضمضة على وجه السنة، وإن لا على وجهها لا؛ لأنه شارب الماء المستعمل.
فإما أن يُخرّج على رواية تجزؤ الجنابة، أو أنه تبين بأخرة الأمر أنه شارب له.
وإما على رواية الطهارة فيحل، قال في «الخانية»: «إذا أراد الجنب أن يأكل أو يشرب فالمستحب له أن يغسل يديه وفاه وإن ترك لا بأس به».
واختلفوا في الحائض قيل: هي كالجنب وقيل لا يستحب لها إذ بالغسل لا تزول نجاسة الحيض بخلاف الجنابة.
قالوا: وله أن يعاود أهله قبل الغسل، إلا إذا احتلم فلا يأتي أهله ما لم يغتسل. ذكره في «المنتقى» كذا في «الفتح».
قال ابن أمير حاج: وظاهر السنة إنما يفيد الاستحباب، لا نفي الجواز المفاد من ظاهر كلامه، والحكمة في ذلك أنه ربما يأتي الولد أبهل.
فائدة: لو نسي غسل فمه لكنه شرب الماء، إن كان على وجه السنة لا يكفيه، وإلا كفاه.
وشرط في الواقعات أن يمجه.
قال في الخلاصة: وهذا أحوط ووَجْهَهُ في «النهر»: بأن الماج خارج عن العهدة بيقين، بخلاف غيره وهذا هو معنى الاحتياط.
(وسننه) أي: سنن رفع الحدث الأكبر (النية) وهي: أن ينوي رفع الحدث الأكبر، أو استباحة الصلاة، حتى إن الجنب إذا انغمس في الماء الجاري، أو في الحوض الكبير للتبرد، أو قام في المطر الشديد وتمضمض واستنشق في جميع ذلك يخرج من الجنابة عندنا.
خلافا للأئمة الثلاثة؛ لأن المقصود حصول الفعل المأمور به وقد حصل، فلا فرق بين كونه عن قصد أو لا، إلا أنه إذا لم ينو لا يحصل له ثواب.
(والبداءة بغسل اليدين إلى الكوعين) لأنهما آلة التطهير، وقيده بعض المتأخرين بأن لا يكون على بدنه نجاسة، فإن كانت بدأ بإزالتها كما في «النهر» عن «المبسوط».
الجزء 1 · صفحة 59
(والرجلين إلى الكعبين) أي: إذا توضأ ولم يكونا في مستنقع الماء (والفرج) أي: وغسل الفرج والدبر، ووسطه بين غسل اليدين وإزالة النجاسة؛ لأنه مظنتها فيلحق باللاحق في صورة، وبالسابق في أخرى، ومن هنا ظهر نكتة عدوله عن ثُم الواقعة في عباراتهم، وعلم به أن غسله سنة وإن لم يكن به نجاسة.
(وإزالة نجاسة إن كانت على البدن) أي: ومن سنن رفع الحدث الأكبر البداءة بإزالة نجاسة إن وجدت على البدن لئلا تشيع.
(ثم يتوضأ) كوضوئه للصلاة فيسمي وينوي ويمسح رأسه، وهو ظاهر الرواية وهو الصحيح.
(إلا رجليه) فإنه يؤخر غسلهما إلى ما بعد الفراغ من الغسل، فيتنحى عن ذلك الموضع ويغسلهما (إن كان في مجتمع الماء المستعمل) أي: الغسالة (وإلا) أي: وإن لا يكن في مجتمع الماء المستعمل (فلا يؤخرهما).
(و) من سنن رفع الحدث الأكبر (تثليث الصبّ المستوعب) بأن يفيض الماء على بدنه ثلاثاً حتى يستوعب سائر جسده في كل مرة، فيبدأ بالمنكب الأيمن ثم الأيسر ثم الرأس، قال في «المجتبى»: وهو الصحيح.
وقيل: يبدأ برأسه وهو ظاهر الرواية ويشهد له ظاهر حديث ميمونة رضي الله عنها.
وقيل: إنه الأيمن، ثم الرأس ثم الأيسر.
(ولا يجب على المرأة نقض ذوائبها) جمع ذؤابة وهي الخصلة من الشعر (بل يكفيها إيصال الماء إلى أصولها) الحديث أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه في غسل الجنابة؟ فقال: لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين، وفي رواية: أفأنقضه للحيض والجنابة؟ قال: لا إلى آخره.
ولا يجب بلّ ذوائبها وهو ما استرسل من شعرها.
وفي «صلاة البقّالي»: الصحيح إنه يجب غسل الذوائب وإن جاوزت القدمين.
وفي «مبسوط بكر»: في وجوب إيصال الماء إلى شعب عقائصها اختلاف المشايخ وفي «الهداية».
الجزء 1 · صفحة 60
وليس عليها بل ذوائبها وهو الصحيح. وكذا صححه غيره وهو الوجه، للحصر المذكور في الحديث وللحرج.
وهذا إذا كانت ذوائبها مضفورة، فإن كانت منقوضة يفترض عليها إيصال الماء إلى أثنائها اتفاقاً لعدم الحرج، بخلاف الرجل فإنه يجب عليه إيصال الماء إلى أثناء الشعر وإن كان مضفوراً؛ لأنه لا ضرورة في حقه لإمكان الحلق.
فلذلك قال: (وينقضها الرجل إن كانت له) كذا ذكر الفرق بين الرجل والمرأة في «غنية الفقهاء.
وذكر في «المحيط»: أن الرجل إذا أضفر شعره كما يفعله العلويون أي: المنسوبون إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبعضهم يخصهم بمن كان من غير فاطمة رضي الله عنها، والأتراك جمع ترك بضم التاء اسم جنس كالعرب وزناً.
هل يجب ايصال الماء إلى أثناء الشعر؟
عن أبي حنيفة روايتان نظراً إلى العادة وعدم الضرورة، وذكر الصدر الشهيد أنه يجب إيصال الماء إلى أثناء الشعر في حقه لعدم الضرورة والاحتياط.
قال في «الخلاصة»: وفي شعر الرجل يجب إيصال الماء إلى المسترسل ولم يذكر غير ذلك وهو الصحيح كذا أفاده الحلبي.
* * *
[مطلب في: ما يحرم على المحدث]
الجزء 1 · صفحة 61
(ويحرم على المحدث) حدثاً أصغر (مس المصحف) والمراد القرآن ولو آية، وكذا كل ما فيه آية تامة من لوح أو درهم أو نحو ذلك لإطلاق قوله تعالى: ?لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ? [الواقعة:].
وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يمس القرآن إلا طاهر» قيد به لأن مس كتب الحديث والفقه الأصح أنه لا يكره عند الإمام، ويكره عندهما كذا في «الخلاصة».
وفي «شرح الدرر» ورخّص المسّ باليد في الكتب الشرعية إلا التفسير، ذكره في مجمع الفتاوى وغيره.
ولا يخفى أن مقتضى ما في الخلاصة عدم الكراهة مطلقاً لأن من أثبتها حتى في التفسير نظر إلى ما فيها من الآيات، ومن نفاها نظر إلى أن الأكثر ليس كذلك، وهذا يعم التفسير أيضاً، إلا أن يقال: إن القرآن فيه أكثر من غيره.
أما الكتابة فتكره وإن كانت الصحيفة على الأرض، وذكر القدوري عدمها فيما إذا كانت على الأرض، قيل: هذا قول الثاني.
قال في «الفتح»: وهو أقيس لما أنه في هذه الحالة ماس بالقلم، وهو واسطة منفصلة فكان كثوب منفصل، إلا أن يمسه بيده.
قالوا: ولا بأس بدفع المصحف ونحوه لغير البالغ المحدث على الأصح، وهذا صريح في أن دفعه للمحدث البالغ لا يجوز.
(والصلاة) أي: وكذا يحرم على المحدث الصلاة.
(و) يحرم (بالأكبر) كالجنابة والحيض والنفاس.
(دخول مسجد) مطلقاً سواء كان على وجه العبور، أو لا.
(والتلاوة مع ذلك) أيضاً أي: يحرم على الجنب ونحوه مع حرمة المس والصلاة تلاوة القرآن.
* * *
الجزء 1 · صفحة 62
[مطلب في: التيمم]
ولما فرغ من الكلام على الطهارة عن الحدثين بالماء، شرع في الكلام على الطهارة بغير الماء فقال: (وأما الطهارة بالصعيد) وهو كل ما كان من جنس الأرض (ففي الأصغر والأكبر على السواء) يعني أن التيمم للوضوء والجنابة والحيض والنفاس على حد سواء.
(وصفته) أي: كيفية التيمم (أن يضرب بيديه ضربة) على جنس الأرض (يمسح بها) أي بالضربة (وجهه و) يضرب بيديه ضربة (أخرى) يمسح بها (يديه إلى المرفقين) مع دخول المرفق في المسح عند علمائنا الثلاثة، خلافاً لزفر، حتى لو كان مقطوع اليدين من المرفق يمسح موضع القطع عندنا خلافاً له.
قال في «المحيط»: ولو كان القطع فوق المرفق لا يجب يعني اتفاقاً (مع الاستيعاب) في كل من الوجه واليدين، وهذا هو ظاهر الرواية عن الإمام وعليه الفتوى.
وعليه (فينزع الخاتم) والقرط الضيقين،. أو يحركهما، وكذا سوار المرأة إن كان ضيقاً فإنه يجب تحريكه أو نزعه. (ويخلل الأصابع) أي: يشبك بعضها ببعض عند الضرب.
قال في «الحلية»: ويمسح من وجهه ظاهر البشرة والشعر على الصحيح.
الجزء 1 · صفحة 63
وفي «المجتبى»: ومسح العذار شرط على ما حكي عن أصحابنا والناس عنه غافلون. وفي عطف اليدين بالواو إيماء إلى عدم اشتراط الترتيب.
وقالوا: لا يشترط المسح باليدين أيضاً حتى لو مسح بإحدى يديه وجهه وبالأخرى يديه أجزأه في الوجه واليد، ويعيد الضرب لليد الأخرى.
نعم المسح بجميع اليد أو أكثرها شرط حتى لو مسح بأصبع أو أصبعين وكرر حتى استوعب لا يجوز بخلاف مسح الرأس كذا في «النهر» نقلاً عن «السراج».
ثم (محل ضربه ما كان من أجزاء الأرض مما لا ينطبع) ولا يترمد بالنار، فخرجت الأشجار والزجاج المتخذ من الرمل وغيره، والماء المنجمد والمعادن إلا أن تكون في محلها، فيجوز بالتراب الذي عليها.
وقيده الإسبيجابي بأن يستبين أكثر التراب بمدة عليه، وإن كان لا يستبين لا يجوز.
وعلى هذا كل ما لا يجوز عليه التيمم، وهو حسن فليحفظ، والذي لا ينطبع (كالتراب والرمل والحجر الصلد) أي: اليابس الذي لا غبار عليه.
(والحائط من المدر والنورة والكحل والزرنيخ)
والمَغْرَة والكبريت والياقوت والزبرجد والزمرد والفيروزج والعقيق والبلخش والسبخة والمرجان لا اللؤلؤ؛ لأن أصله ماء.
قال في «النهر»: وإدخال المرجان فيما لا يجوز به التيمم كما في «الفتح» فَسَبْقُ قلم، والصواب الجواز به كما في عامة الكتب.
(والكيزان والجفان إذا لم يكن مطلياً) بالآنك - بمد الهمزة وضم النون وهو الرصاص المذاب، لوقوعه على غير جنس الأرض، ثم بطن الجفان وظهرها على السواء فأيهما كان مطلياً بالآنك لا يجوز التيمم به، وما ليس مطلياً به جاز.
(إلا أن يكون عليه غبار فيجوز عنده) كما في الحنطة ونحوها فإنه على الخلاف (والأرض المتندية برش الماء) أي: يجوز التيمم بالأرض المتندية بسبب رش الماء عليها أي التي حصل فيها نداوة (إلا الطين) أي: لا يجوز التيمم بالطين؛ لأن الغالب عليه الماء، وفيه تشويه الوجه.
الجزء 1 · صفحة 64
وقال شمس الأئمة الحلواني: «لا يتيمم بالطين» أي: لا ينبغي أن يفعل، وإن فعل يجوز وهو الظاهر الحصول المقصود، وفيه خلاف أبي يوسف.
(وطريق التيمم منه) على القول بالجواز (أن يلطخ جسده أو ثوبه، فإذا جف ضرب عليه) قال في «النهر» نقلاً عن «الولوالجية»: المسافر إذا كان في ردغة طين، ولم يجد الصعيد نفض ثوبه وتيمم بغباره، وإن لم يكن عليه غبار لطخ به ثوبه حتى إذا جف تيمم به؛ لأنه بهذا يحصل التراب.
وإن ذهب الوقت قبل أن يجف لا يتيمم.
قالوا: هذا قول الثاني، فأما عند الإمام فإن خاف ذهاب الوقت تيمم بالطين؛ لأنه من أجزاء الأرض إلا أنه لا يتيمم قبل خوف ذهاب الوقت لئلا يتلطخ وجهه فيصير مثلة.
ومعناه لا ينبغي له فعل ذلك بلا ضرورة، ولو فعل جاز؛ لأنه تيمم بما هو من أجزاء الأرض ولا جائز أن يكون من أجزائها في حال دون حال.
(ولا يجوز بالمنطبع كالمعادن إلا أن يكون عليه غبار) فيجوز التيمم بغباره، لا به.
(ولا بالملح المائي) رواية واحدة (والمختار) من الروايتين (في الملح الجبلي الجواز) وعليه الفتوى كما في «النهر» عن «التجنيس».
(ولو أصاب وجهه وذراعيه غبار عند مهب الريح أو مسقط حائط فمسح به وجهه وذراعيه مع النية جاز عند الإمام) ومحمد، سواء وجد تراباً أو لا آخر غيره، أو لم يجد.
وعند أبي يوسف لا يجوز إن وجد تراباً آخر غيره؛ لأن الغبار ليس تراباً من كل وجه فجاز عند الضرورة لا عدمها.
ولهما أنه تراب رقيق فجاز به مطلقاً كما في الخشن.
(ولو اختلط بالتراب غيره) كرماد (فالحكم للغالب) لأن المغلوب بالنسبة للغالب كالعدم.
(وشروطه) أي: شروط التيمم (ثلاثة) أي: المتفق عليها، وإلا فالاستيعاب شرط أيضاً وقيل: ركن.
(الأول) من الشروط الثلاثة: (النية) وهي أن ينوي عبادة مقصودة لا تصح إلا بالطهارة أو استباحة الصلاة أو رفع الحدث، وذلك كسجدة التلاوة، وصلاة الجنازة.
الجزء 1 · صفحة 65
فخرج بالعبادة سجدة الشكر على قولهما خلافاً لمحمد بناء على أنها ليست بقربة عندهما، وقربة عنده.
وبالمقصودة: التيمم لدخول المسجد ولو جنباً، أو مس المصحف كذلك، والأذان والإقامة.
وبقولنا لا تصح إلا بالطهارة الإسلام والسلام ورده، وقراءة القرآن للمحدث، وزيارة القبور.
لكن لا ينبغي عد الإسلام هنا كما وقع في «فتح القدير» وغيره لأنه يوهم أن يصح معه لكن لا يصلي به كغيره، وليس مراد العدم أهليته للنية، والمراد بعدم الصحة هنا عدم الجواز، فليس له أن يصلي به.
أما لو تيمم الجنب لقراءة القرآن ففيه روايتان، وصحح في «السراج» وغيره عدم الجواز، وجزم في «البدائع» وغيرها بالجواز.
وقول المصنف: (ويكفي للحدثين أن ينوي الطهارة في المختار) متضمن لما ذكرناه من الشروط فلا ينافي ما تقدم (فقد روي عن محمد أن من تيمم يريد الوضوء أجزاه عن الجنابة، وكذا إذا نوى به) أي: بالتيمم (استباحة الصلاة) فإنه يجوز له أن يصلي بذلك التيمم.
(الثاني) من الشروط (العجز عن) استعمال (الماء إما لمرض) وليس المراد مطلق المرض، بل مرض يغلب على الظن باستعمال الماء ازدياده فلذلك وصفه بقوله: (يزيد) أو يمتد سواء كان بالتحرك أو بالاستعمال.
وكذا إذا لم يقدر على استعمال الماء بنفسه، ولم يجد من يفعل ذلك، فإن وجد خادماً أو ما يستأجره به أو من لو استعان به أعانه فظاهر المذهب أنه لا يتيمم اتفاقاً.
وعن الإمام يتيمم بناء على أن القادر بقدرة الغير لا يعد قادرا عنده.
وعندهما يعد قادراً فلا يتيمم.
وعلى هذا الخلاف لو عجز عن التوجه إلى القبلة أو عن السعي إلى الجمعة أو الحج ووجد من يفعله.
الجزء 1 · صفحة 66
(أو يُبطئ) برأه (باستعماله أو بالتحرك لاستعماله) هذا كله لعدم الماء حكماً (وإما لعدم الماء حقيقة بأن كان بينه وبين الماء ميل) أي: مقداره، وهو ثلث الفرسخ أربعة آلاف ذراع، والتقدير بالميل هو المختار.
وعن الكرخي: هو أن لا يسمع صوت أهل الماء، وبه أخذ أكثر المشايخ كذا في «الخانية».
(لا أقل منه إلا أن يخاف من الذهاب إليه انقطاعه عن الرفقة وشبهه) أي: بشبه الانقطاع عن الرفقة وهو مروي عن الثاني، واستحسن المشايخ هذه الرواية كما في «التجنيس» وغيره.
(أو حكماً كما إذا خاف سبعاً أو لصاً عنده) أي: الماء (أو فقد آلة الاستقاء) كالدلو والرشا.
(والقدرة على ثمنه) أي: الماء (بمنزلة القدرة عليه) لكن يقيد بثمن المثل، أما الزيادة عليه فإن كانت يسيرة فهي بمنزلة القدرة عليه، (إلا إذا كان بغبن فاحش).
وقد اختلفوا في تقديره: (وهو ضعف القيمة) بأن يشتري ماء يساوي درهماً بدرهمين، أو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين، أو ما يساوي درهماً بدرهم ونصف.
وعلى الأول اقتصر في «النهاية» و «البدائع» فلذلك اختاره المصنف في المتن.
(الثالث) من الشروط الثلاثة: (طهارة الصعيد) لقوله تعالى: ?فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا? [النساء:) (حتى لو تنجست الأرض ثم جفت) بالشمس أو بالريح، وذهب أثر النجاسة (طهرت في حق الصلاة عليها، لا في حق التيمم) منها.
(ولا يتيمم مع القدرة على الماء) في حال من الأحوال (إلا إذا خاف فوت صلاة جنازة لا ينتظر فيها) والظاهر أن المراد بالخوف غلبة الظن.
قال في «البحر»: أطلقه وقيده في «الهداية» بأربعة أشياء: حضور الجنازة، وكونه صحيحاً، وكونه في المصر، وكونه غير ولي.
والمراد خوف فوت كل التكبيرات كما في «البدائع» لا فرق بين المحدث والجنب والحائض والنفساء إذا انقطع دمها.
الجزء 1 · صفحة 67
وقوله لا ينتظر فيها يفيد أنه لو كان ينتظر كالولي والسلطان لا يتيمم، نعم ظاهر الرواية أن من لا يخاف الفوت يتيمم أيضاً لكراهة الانتظار بها ولو لم ينتظر، قال السرخسي: الأصح أنه يجوز له التيمم.
ولو جيء بأخرى بعد الفراغ من الأولى أعاد التيمم عند محمد، لا عندهما كذا في «المجمع».
وقيده في «المستصفى» بما إذا لم يتمكن من التوضؤ، فإن تمكن ثم زال تمكنه عاد اتفاقاً، وفي «الولوالجية» وعليه الفتوى كذا في «النهر».
(أو فوت صلاة العيد) أي: التيمم في المصر لخوف فوت صلاة العيد، وذلك إن كان إماماً بأن يخاف زوال الشمس من يوم العيد، وإن كان مقتدياً بان يخاف أن تفوته الجماعة مع الإمام (لو اشتغل بالوضوء أو سبقه الحدث في صلاة العيد) وخاف فساد صلاة العيد؛ لأنه: يوم زحمة (فيتيمم للبناء) أي: البناء على صلاته مطلقاً (سواء شرع فيها) أي في الصلاة (بالوضوء أو بالتيمم).
* * *
[مطلب في: نواقض الطهارة الصغرى]
ولما فرغ من بيان الطهارة عن الحدثين بالماء أو التيمم، شرع فيما يرفعهما، إذ رافع الشيء يكون بعد تحققه
فلذلك قال: (نواقض الطهارة) أي: هذه مباحث نواقض الطهارة عن الحدثين.
والنواقض: جمع ناقضة والمراد بها العلة الناقضة، والنقض في الأجسام إبطال تركيبها، وفي المعاني إخراجها عما هو المطلوب منها. قيل: الأول حقيقة، والثاني مجاز.
الجزء 1 · صفحة 68
(ينقض الصغرى) أي: ينقض الوضوء (كل ما يخرج من السبيلين) تثنية سبيل وهو الطريق، والمراد القبل والدبر سميا بذلك لأنهما طريقان للبول والغائط، وأشار بقوله: (كل ما يخرج إلى آخره)، أن الناقض للوضوء إنما هو النجس الخارج لا خروجه؛ لأن الضد هو المؤثر في رفع ضده، والخروج شرط فقط ولا وجود للمشروط بدون شرطه، فلا يرد ما قالوا: إن الناقض هو الخروج لا النجس، إذ لو نقض لما حصلت طهارة لشخص، إذ الإنسان مملوء بالدماء والظاهر الأول،
ثم إن قوله: (كل ما يخرج من السبيلين)، أي: سواء كان معتاداً أو غير معتاد وهو معنى قوله: (ولو دودة أو حصاة) لقوله عليه الصلاة والسلام حين سئل عن الحدث: «ما يخرج من السبيلين.
وكلمة ما عامة تتناول المعتاد وغيره، خلافاً لمالك في غير المعتاد. ثم خروجه يكون بالظهور على رأس السبيل حتى لا ينتقض بنزول البول إلى قصبة الذكر، ولو نزل إلى القلفة انتقض.
وإن حشى إحليله بقطن فخروجه بابتلال خارجها، وإن حشت المرأة فرجها به، فإن كان داخل الفرج فلا وضوء عليها.
خلافاً لأبي يوسف فيما إذا علمت أنها لو لم تحشه لخرج.
ولو أدخلت في فرجها أو دبرها يدها أو شيئاً آخر ينتقض وضوءها إذا أخرجته؛ لأنه يستصحب النجاسة فدخل كل ذلك تحت قوله: كل ما يخرج من السبيلين.
وأما الريح الخارجة من قُبُلِ المرأة وذَكَرِ الرَّجل فلا تنقض الوضوء؛ لأنه اختلاج وليس بريح.
وعن محمد أنه حدث من قبلها قياساً على الدبر.
وعلى هذا الخلاف الدودة الخارجة من قبلها، وقد حكى الحدادي الإجماع على النقض في الدودة، وجزم به في الخانية».
وإن كانت المرأة مفضاة وهي: التي صار مسلك بولها وغائطها واحداً، أو التي صار مسلك بولها ووطئها واحداً، فيستحب لها الوضوء من الريح احتياطاً ولا يجب؛ لأن اليقين لا يزول بالشك.
الجزء 1 · صفحة 69
وقال أبو حفص «يجب».
وقيل: إن كانت الريح منتنة يجب وإلا فلا.
والخنثى إذا تبين أنه رجل أو امرأة فالفرج الآخر منه بمنزلة القرحة، فلا ينتقض الخارج منه ما لم يسل، وأكثرهم على إيجاب الوضوء عليه.
قال في «النهر»: إلا أن الذي ينبغي التعويل عليه هو الأول.
وقال في «البحر»: وحاصله أن الخنثى المشكل ينتقض وضوءه بخروج البول من فرجيه جميعا سال أو لا، تبين حاله أو لا.
وفي «التوشيح» يؤخذ في الخنثى المشكل بالأحوط وهو النقض. وهو يفيد ترجيح الثاني.
(وكل خارج من غيرهما) أي: وينقض الوضوء كل خارج من غير السبيلين (كالدم والقيح والصديد إن جاوز موضع مخرجه) أي: مخرج ما ذكر، لأن الخروج إنما يتحقق بوصوله إلى موضع يجب تطهيره في الجنابة ونحوه؛ لأن ما تحت الجلد مملوء بالدم فبالظهور لا يكون خارجاً بل بادياً وهو في موضعه، بخلاف السبيلين لأن ذلك الموضع ليس بموضع النجاسة فيستدل بالظهور على الانتقال عن موضعه،
وكذا لو علا على رأس الجرح لا ينتقض ما لم ينحدر؛ لأنه ليس بسائل، وبه يتحقق الخروج.
وقال محمد: «ينتقض». والأول أصح.
ولو نزل الدم من الأنف انتقض وضوءه إذا وصل إلى ما لان منه، لأنه يجب تطهيره، ولا فرق بين الدم والصديد والقيح والماء.
خلافاً للحسن في غير الدم بجعله كالعرق واللبن والمخاط.
ولنا أنه دم تم نضجه؛ لأن الدم ينضج فيصير صديداً، ثم يزداد نضجاً فيصير قيحاً ثم يزداد نضجاً فيصير ماء.
فإذا تم نضجه فلا يتغير يـ فصار كسائر أنواعه كذا ذكره الزيلعي نقلا عن «الغاية».
وذكر عن قاضي خان: «أن خلاف الحسن في الماء لا غير».
الجزء 1 · صفحة 70
فتلخص من هذا أن ما خرج من غير السبيلين ينقض الوضوء بشرط أن يسيل إلى موضع يلحقه حكم التطهير، وإنما قلنا يلحقه حكم التطهير، ولم نقل يلحقه التطهير الخروج داخل العينين وباطن الجرح، فإنه إذا كان في عينه دمل فانفجر، وسال دمه داخل العين ولم يتجاوز داخل العين فإنه لا ينتقض الوضوء، مع أن حقيقة التطهير فيها ممكنة، وإنما الساقط حكمه.
وكذا داخل الجرح، ودخل في ذلك الفصد، فإنه ينقض الوضوء؛ لأن الدم وصل إلى موضع يلحقه حكم التطهير؛ لأنه أعم من الثوب والبدن والمكان، والمراد السيلان ولو بالقوة، لما قالوه من أنه لو مسح الخارج كلما خرج، ولو تركه لسال نقض.
ولو في عينه رمد أو عمش والدمع يسيل منها قالوا يؤمر بالوضوء لوقت كل صلاة لاحتمال أن يكون قيحاً أو صديداً.
وفي «المجتبى» الدم والقيح والصديد وماء الجرح والنفطة وماء السرة والثدي والعين والأذن لعلة سواء على الأصح.
وهذا يدل على أن من رمدت عيناه، ونزل منها الماء يجب عليه الوضوء، والناس عنه غافلون. ويؤمر بالوضوء لوقت كل صلاة لاحتمال أن يكون من جرح من الجفون.
(والمباشرة الفاحشة) أي: وينقضه أيضاً المباشرة الفاحشة، وهي أن يلتقيا متجردين وانتشرت آلته ولاقى فرجه فرجها أو الدبر، ولا فرق فيها بين أن تكون بين الرجل والمرأة، أو بين الرجلين، وكذا بين المرأتين.
وكما ينتقض وضوء الرجل ينتقض وضوء المرأة أيضاً؛ لأن المباشرة لا تخلو عن مذي غالباً.
وقد قيل: إن المذي في النساء أغلب، وهذا يقتضي نقض وضوئها بالأولى.
(وقيء ملأ الفم لا دونه) أي: وينقضه قيء ملأ الفم لا ما دون ملئ الفم، وإنما أفرد القيء بالذكر مع أنه داخل في الخارج النجس لما أنه يخالفه في حد الخروج.
ولا فرق بين أنواع القيء سواء قاء طعاماً أو ماء أو مرة أي صفراء، لأنها نجسة، خلافاً للحسن في الماء والطعام إذا لم يتغيرا، واختلفوا في ملء الفم:
فقال بعضهم: ما لم يمكن ضبطه إلا بكلفة.
الجزء 1 · صفحة 71
وقيل: ما لم يمكن الكلام معه، وبعضهم قدره بالزيادة على نصف الفم، والأول أصح.
(إلا إذا كان) القيء (دماً مائعاً) فإنه ينقض، وإن كان اقل من ملء الفم.
(أما لو كان غير مائع فـ) إنه يعتبر فيه (ملء الفم) على المختار كما قاله الزيلعي؛ لأنه ليس بدم وإنما هو سوداء احترقت.
وإنما اعتبر في القيء ملء الفم؛ لأن للفم حكم الخارج حتى لا يفطر الصائم بالمضمضة، وله حكم الداخل حتى لا يفطر بابتلاع شيء بين أسنانه مثل الريق فلا يعطى له حكم الخارج ما لم يملأ الفم كذا ذكره الزيلعي.
(أو بلغما فـ) إنه (لا ينتقض) وإن ملأ الفم، سواء نزل من الرأس، أو صعد من الجوف.
خلافاً لأبي يوسف في الصاعد من الجوف.
فإن اختلط البلغم بالطعام اعتبر الغالب، ولو استويا اعتبر كل على حدة، هذا إذا قاء ملء الفم مرة.
(ولو قاء مراراً قليلاً قليلاً) أي: كل مرة دون ملء الفم (ولو جمع ملأ الفم) وقع الخلاف بين أبي يوسف ومحمد في اعتبار السبب، أو المجلس.
(فعند أبي يوسف) يعتبر المجلس (إن كان في محل واحد) بأن كانت المرات كلها في مجلس واحد، تجمع عنده فإن بلغت ملء الفم (نقض) القيء (وإلا) يكن المجلس متحداً (فلا) نقض ولا جمع وإن اتحد السبب.
(والاعتبار عند محمد لاتحاد السبب) باتحاد (الباعث وهو الغثيان) أي: قيام النفس، فإن قاء مراراً ونفسه قائمة فإنه يجمع وينقض إن ملا الفم وإن اختلف المجلس، وإن اختلف السبب بأن سكنت نفسه فلا ينقض وإن اتحد المجلس.
فصارت الصور أربعاً:
إما أن يتحد المجلس والسبب فإنه ينقض اتفاقاً.
أو يختلفا فلا نقض اتفاقاً.
الجزء 1 · صفحة 72
أو يتحد المجلس ويختلف السبب، أو بالعكس ففيهما الخلاف.
وقد سوى المصنف بين القولين.
قال في النهر: والأصح قول محمد. واقتصر عليه في «الكنز».
(وكذا) أي: ينقض الوضوء (لو ظهر الدم على رأس الجرح فأخذه) بقطنة أو خرقة (وهو بحيث لو تركه جاوز) الجرح (نقض) الوضوء لأنه سائل بقوة نفسه حكماً كما تقدم (وإلا فلا) لأنه غير سائل بقوة نفسه.
* * *
[مطلب في: النواقض الحكمية]
(وينقضه) أيضاً (الجنون) هذا شروع في النواقض الحكمية، وما تقدم الحقيقية ولذلك أعاد الفعل.
الجزء 1 · صفحة 73
والجنون مرض يزيل الحجى.
قال في «البحر»: وظاهر كلامهم أن العته لا ينقض لقولهم بصحة العبادة معه.
فإن قلت: سقوط التكليف عنه يؤذن بزوال العقل، قلت: إنما نقص فقط لقولهم: إنه كالصبي، وفسروه بمختلط الكلام فاسد التدبير إلا أنه لا يضرب ولا يشتم كذا في «النهر».
(والإغماء) وهو كما في التحرير للمصنف: آفة في القلب أو الدماغ تعطل القوى المدركة والمحركة عن أفعالها. مع بقاء العقل مغلوباً.
وظاهر ما في «القاموس» أن الغشى نوع منه، وهو الموافق لما في حدود المتكلمين إلا أن الفقهاء يفرقون بينهما كالأطباء والغين فيه مضمومة كذا في «المغرب». كذا في «النهر».
(والنوم المزيل للمسكة) أي: القوة الماسكة، وهو أن ينام مضطجعاً أو متوركاً - وهو أن. ينام على أحد وركيه. مع زوال مقعدته عن الأرض أو منكباً على وجهه أو مستلقياً على قفاه، مستنداً إلى شيء لو أزيل لسقط.
وهذا لا يخلوا إما أن تكون مقعدته زائلة عن الأرض أو لا، فإن كانت زائلة نقض بالإجماع، وإن كانت غير زائلة فقد ذكر القدوري ينتقض.
وهو مروي عن الطحاوي، والصحيح أنه لا ينتقض. رواه أبو يوسف عن أبي حنيفة.
وكذا لو صلّى المريض مضطجعاً ونام في صلاته انتقض وضوءه هو الأصح، وفي «الغزنوية». وعليه الفتوى.
وحيث كان النوم الناقض مقيداً بزوال المسكة (فلذا لم ينقض نوم القائم والقاعد والراكع والساجد لبقاء الاستمساك) وهذا على إطلاقه إذا نام في الصلاة.
وأما خارجها فيشترط أن يكون على الهيئة المسنونة، قال في «البدائع»: وهذا هو القياس في الصلاة إلا أنا تركناه بالنص.
وسجود السهو والتلاوة كالصلبية، وكذا الشكر في ظاهر الرواية لا فرق بين غلبته وتعمده، وعن الثاني النقض في الثاني.
وفي مفسدات «الخانية»: لو تعمده في السجود فسدت لا الركوع».
قال في «الفتح»: كأنه لقيام المسكة فيه بخلاف السجود.
الجزء 1 · صفحة 74
(ولو سقط النائم عن القعود إن لم يستيقظ عند اتصاله بالأرض نقض، وإلا فلا) وهذا مروي عن الإمام، واعتبر محمد الانتباه قبل مزايلة المقعدة.
وقيل: الفتوى على الأول.
وقال الحلواني: ظاهر المذهب عن الإمام هو الثاني.
فائدة: من الخصائص أن نومه ليس بناقض، لما ورد في الصحيحين «أن النبي صلى الله عليه وسلم نام حتى نفخ ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ». ولما ورد في حديث آخر: «إن عيني تنامان ولا ينام قلبي».
(وينقضه) أيضاً (القهقهة في الصلاة المطلقة) وهي ذات الركوع والسجود، واحترز بها عن صلاة الجنازة، وسجدة التلاوة، فإن القهقهة فيهما غير ناقضة للوضوء، وإن كانت مفسدة لهما.
والقهقهة: هي ما يكون مسموعاً له ولجيرانه، والمراد من بقربه.
واحترز بالقهقهة عن الضحك: وهو ما يكون مسموعاً له دون جيرانه، فإنه غير ناقض للوضوء، وإن كان مفسداً للصلاة.
وعن التبسم: وهو ما لا يكون مسموعاً له ولا لجيرانه، فإنه لا ينقض الوضوء، ولا يفسد الصلاة جميعا.
وأفاد إطلاقه الوضوء أنه لا فرق فيه بين أن يكون ضمن غسل أو لا، وهو الذي رجحه المتأخرون.
(إلا إذا كان نائماً وقهقه في صلاته لا ينقض، لكن تفسد صلاته في المختار) وعليه الفتوى.
وفي قهقهة الناس الناسي روايتان، وجزم الشارح بالنقض؛ لأن حالته مذكرة
(وهذه المسألة عجيبة) حيث اعتبر فعل النائم في شيء ولم يعتبر في شيء آخر.
(وضحك الصبي والبالغ على السواء) في أن قهقهة الصبي تبطلهما.
وقيل يبطل الوضوء فقط.
الجزء 1 · صفحة 75
وقد حكى في السراج الإجماع على عدم النقض في الصبي، وإن جعله في الدراية أحد أقوال ثلاثة.
* * *
[مطلب في: نواقض الطهارة الكبرى]
ولما فرغ من نواقض الطهارة الصغرى شرع فيما ينقض الكبرى، فقال: (وينقض الكبرى) أي: ويرفع حكم الطهارة الكبرى وهي الاغتسال من الجنابة (خروج المني) إلى ظاهر الفرج؛ لأنه لا يجب الغسل ما لم يخرج إلى ظاهره، أما الرجل فظاهر، وكذا المرأة في رواية على ما نبينه إن شاء الله تعالى.
ثم هو من الرجل ماء ثخين أبيض، ومن المرأة ماء رقيق أصفر
(على وجه الدفق والشهوة) والمراد بالدفق الدفع والصب، يقال: دفق الماء دفقاً صبه صباً، فيه دفع وشدة. وماء دافق، ذو دفق على طريقة النسب كذا في «المغرب»، أو من مجاز الإسناد.
وقال ابن عطية: يصح أن يكون الماء دافقاً؛ لأن بعضه يدفق بعضاً أي: يدفعه، فمنه دافق، ومنه مدفوق، وذكر في ضياء الحلوم» من مصادره الدفوق أيضاً يتعدى، ولا يتعدى.
والشهوة اللذة، ثم الشهوة شرط عندنا، وعند الشافعية لا تشترط، وثمرة الخلاف تظهر فيما لو خرج منيه بحمل شيء ثقيل أو ضربة إنسان على صلبه فخرج منيه، عندنا لا يجب، وعنده يجب.
اعلم أنه يشترط خروج المني من مقره، وهو الصلب على وجه الشهوة عند أبي حنيفة ومحمد، وإن خرج بعد ذلك من رأس الذكر لا عن شهوة.
وعند أبي يوسف يشترط الشهوة عند انفصاله من رأس الذكر.
وأثر الخلاف يظهر فيما لو احتلم أو نظر بشهوة فأمسك ذكره حتى سكنت شهوته، ثم أرسله فنزل المني كالبول من غير شهوة، وجب عليه الغسل عندهما لا عنده.
وكذا لو خرج منه بقية المني بعد الغسل قبل أن يبول أو ينام أو يمشي خطوات.
قال في «النهر» نقلاً عن «السراج»: والفتوى على قول أبي يوسف في الضيف، وعلى قولهما في غيره.
الجزء 1 · صفحة 76
لكن لا بد أن يقيد بما إذا خاف الريبة كما في غاية البيان وغيرها، زاد في «المستصفى» أو استحيى.
وأجمعوا أن المرأة إذا جومعت واغتسلت قبل أن تبول، ثم خرج منها بقية مني الرجل أنه لا غسل عليها.
(والإيلاج) أي: الإدخال ولو بحائل توجد معه حرارة الفرج على الأصح، ولا فرق بين إدخال الحشفة أو مقدارها من مقطوعها (في قُبل آدمي) أي: يجامع مثلها، سواء أنزل أو لم ينزل، فلا يجب بوطء بهيمة وميتة وصغيرة لا يجامع مثلها إلا بالإنزال.
قال في «السراج»: والصحيح أنه متى أمكن الإيلاج في محل الجماع من الصغيرة ولم يفضها فهي ممن يجامع مثلها.
(أو دُبره) لغير الفاعل، فلو أولج في دبر نفسه فلا غسل عليه، إذ هو أولى من الصغيرة والميتة في قصور الداعي، وعرف بهذا عدم الوجوب بإيلاج الأصبع.
ولا يرد الخنثى المشكل حيث لا غسل عليه ولا على كمن جامعه إلا بالإنزال؛ لأن الكلام في دبر وقبل محققين.
(ويجب على المفعول به الغسل أيضاً) أي: كما يجب على الفاعل.
(ولو أصبح) أي: استيقظ من النوم، وتعبيره بأصبح بناء على الغالب (فوجد ماء رقيقاً) إذ لو كان ثخيناً أبيض علم أنه مني (وشك) أي: تردّد (في كونه منياً أو غيره) كالمذي مثلاً (ولا يتذكر احتلاماً) وعلم حكم ما إذا تذكر الاحتلام بالأولى (وجب الغسل وإن علم) أي: تيقن (أنه غير مني فلا) أي: فلا غسل عليه، (وإن تذكر احتلاماً ولم ير بللاً فلا).
فحاصله: أن المسألة على اثني عشر وجهاً؛ لأنه إما أن يعلم أنه مني، أو مذي، أو ودي، أو يتردد بين المني والمذي، أو المني والودي، أو المذي والودي، فهذه ستة أوجه وكل منها إما مع تذكر الاحتلام، أو لا.
فيجب الغسل اتفاقاً فيما إذا علم أنه مني أو مذي، أو شك في كونه واحداً من الثلاثة، أو من الأخيرين وقد تذكر احتلاما، ولا يجب اتفاقاً فيما إذا علم أنه ودي، تذكر احتلاماً أو لا، أو مذي ولم يتذكر، أو شك في أنه مذي أو ودي.
الجزء 1 · صفحة 77
أما لو شك في أنه واحد من الثلاثة، ولم يتذكر احتلاماً وجب الغسل عندهما، لا عند أبي يوسف.
ولو احتلمت المرأة ولم يخرج منها المني، إن وجدت لذة الإنزال وجب عليها الغسل؛ لأن ماءها ينزل من صدرها إلى رحمها، بخلاف الرجل حيث يشترط في حقه الظهور إلى ظاهر الفرج حقيقة على ما بينا.
ولو جامعها فيما دون الفرج فدخل الماء في فرجها لا غسل عليها، ولو ظهر بعده. الحبل وجب الغسل عليها.
وكذلك البكر إذا جومعت وسبق الماء حتى حبلت من ذلك؛ لأنها لا تحبل إلا إذا أنزلت؛ لأن الولد يخلق من مائهما.
وقال أبو جعفر: إن خرج إلى ظاهر الفرج يجب، وإلا فلا. وهو ظاهر الرواية. وقال الحلواني: وبه يؤخذ هذا.
(فصل في) بيان أحكام (رفع الخبث) هو لغة: الحاجز بين الشيئين.
يجوز أن يكون بمعنى الفاعل، أي: هذا فاصل لما قبله عما بعده، أو بمعنى المفعول أي: هذا مفصول عما قبله.
واصطلاحاً: اسم المسائل داخلة تحت الباب.
والخبث: اسم للنجاسة الحقيقية
والحدث: اسم للنجاسة الحكمية والنجس يعمهما.
(رَفعُهُ) مبتدأ (عن بدنه) متعلق بالرفع (وثوبه) معطوف على بدنه (ومكان الصلاة) عطف عليه أيضاً (من شروط الطهارة) خبر قوله رفعه (كرفع الحدثين) أي: كما أن رفع الحدثين وهو النجاسة الحكمية من شروط الطهارة.
اعلم أن الكلام فيه من وجهين، أحدهما في وجوب غسل النجس، والثاني: فيما يطهر به.
أما الأول: فهو واجب لقوله تعالى: ?وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ? [المدثر:] أي: طهرها من النجاسات، وما نقل خلاف ذلك من تفسير الآية لا يوافق ظاهر اللغة، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «حتيه ثم اقرصيه، ثم اغسليه بالماء».
الجزء 1 · صفحة 78
وأما الثاني: وهو ما يطهر به النجس، فبكل مائع يمكن إزالته به كالخل ونحوه عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى
وقال: محمد وزفر والشافعي لا يجوز إلا بالماء.
(والنجاسة) على نوعين أحدهما: (خفيفة وهي بول ما يؤكل لحمه) كبول الإبل والبقر والغنم (وبول الفرس) وإنما نص عليه للاختلاف في أكل لحمه، وعلى كل تقدير فليست كراهة لحمه للنجاسة بل لأنها آلة الجهاد.
(وأما الأخثاء والروث فعنده غليظة، وعندهما خفيفة) اعلم أنهم اختلفوا فيما يثبت به الغليظة والخفيفة.
فعند أبي حنيفة الغليظة: ما ثبتت نجاسته بنص لم يعارضه نص آخر يخالفه، كالدم ونحوه مما لم يوجد فيه تعارض نصين.
والخفيفة: ما تعارض النصان في نجاسته و طهارته، وكان الأخذ بالنجاسة أولى لوجود المرجح، مثل بول ما يؤكل لحمه فإن قوله عليه الصلاة والسلام: استنزهوا من البول. يدل على نجاسته وخبر العرنيين يدل على طهارته، فخف حكمه للتعارض.
وعند أبي يوسف ومحمد: ما ساغ الاجتهاد في طهارته فهو مخفف؛ لأن الاجتهاد حجة في وجوب العمل به.
وثمرة الخلاف تظهر في الروث والختي والبعر ونحوها، فعند أبي حنيفة مغلظة؛ لأن ما روي عنه عليه الصلاة والسلام من: «أنه ألقى الروثة وقال إنها رکس» لم يعارضه نص آخر، ولا اعتبار عنده بالبلوى في موضع النص كما في بول الآدمي، فإن البلوى فيه أعمّ.
وعندهما مخففة لاختلاف العلماء فيه، فإن مالكاً يرى طهارتها لعموم البلوى لامتلاء الطرق بها، بخلاف بول الحمار وغيره مما لا يؤكل لحمه؛ لأن الأرض تَنْشِفُه.
ثم الاخثاء، جمع ختي بكسر المعجمة، وسكون المثلثة: الخارج من ذي ظلف كالبقر.
والروث: هو الخارج من ذي حافر كالحمار والفرس.
والبعر: للإبل والغنم خاصة.
والغائط للآدمي، ولا خلاف بين الإمام وصاحبيه في تغليظ ما من الآدمي ونحو الكلب ورجيع السباع.
الجزء 1 · صفحة 79
واعلم أن الظاهر من إطلاقهم نجاسة شيء التغليظ، كالآسار النجسة، وثوب الحية الذي لم يدبغ، والدودة الساقطة من السبيلين على القول بأنها ناقضة، وما أبين من الحي، ومثانة الغنم ومرارته.
(و) الثانية: (غليظة كالدم) المسفوح في غير الشهيد له لا لغيره، فخرج الباقي في اللحم المهزول والعروق والكبد، وفي القنية أنه نجس وقيل: طاهر.
(وبول ما لا يؤكل لحمه) كالبغل والحمار (والخمر) خصها بالذكر لاتفاق الروايات على تغليظها، وفي باقي الأشربة ثلاث روايات: التغليظ والتخفيف والطهارة كذا في «البدائع».
قال في «النهر»: وينبغي ترجيح التغليظ لما مر وكون الحرمة ليست قطعية لا أثر له في التخفيف ولذا أول قول صاحب «الهداية» في المغلظة؛ لأنها ثبتت بدليل مقطوع به أي بوجوب العمل به، لكن في «منية المفتي»: صلّى وفي ثوبه دون الكثير الفاحش من السكر أو المنصف تجزئه في الأصح، وهذا يفيد ترجيح التخفيف.
(ولحم الميتة والعذرات وسؤر الكلاب وبعض ما تقدم من الأسار) كسور الكلب والخنزير.
ولما فرغ من بيان حقيقة النجاسة بنوعيها، شرع في بيان حكمهما فقال: (فيجب تطهير البدن والثوب من الغليظة إذا بلغت قدر درهم) وهو الدرهم الكبير وهو المثقال (وزناً) ويفترض إذا كانت أكثر من قدر الدرهم (وبسطاً قدر عرض باطن الكف في المائع) وطريق معرفته أن تأخذ كفاً من الماء وتبسطه لا كل البسط.
فقدر ما يبقى في الكف من الماء هو قدر مقعر الكف ما عدا مفاصل الأصابع، ووفق الهندواني باعتبار المساحة في الرقيق كالبول، والوزن في الثخين، واختاره كثير ورجحه الشارح وغيره.
وفي البدائع»: إنه المختار عنده مشايخ ما وراء النهر.
والاعتبار لوقت الإصابة حتى لو كان وقت الإصابة درهماً فانبسط حتى صار كثيراً منع عند الأكثر، واختار المرغيناني أنه لا يمنع، وفي «التجنيس» شرع فيها ومعه ثوب قد أصابه دهن نجس أقل من قدر الدرهم فانبسط حتى صار أكثر منه فسدت صلاته بالإجماع.