المدرسة الحديثية .......
... عند فقهاء الحنفية
جارٍ تحميل الكتاب…
المدرسة الحديثية .......
... عند فقهاء الحنفية
الطبعة الأولى
1446هـ ـ 2025م
المدرسة الحديثية
عند فقهاء الحنفية
(يشتمل على (15) دراسة وبحث و (50) أصل في القبول والرد)
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمّد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، ومَن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن من أكبر المشكلات في أذهان المشتلغين بالفقه الحنفي، هي فهم الاستدلال للمذهب؛ لشيوع مدرسة المحدثين بين الحنفية المعاصرين، مما أظهر إشكالاً واضحاً في الاستدلال؛ لأن أصول مدرسة المحدثين تمثل أصول الشافعية والحنابلة عموماً؛ لأنهما مدرستان اعتمدا في الوصول لما قال وفَعَل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على النقل الحديثي المشهور عند المحدثين من خلال الرجال، في حين أن المذهب الحنفي والمالكي اعتمدا على النقل المدرسي المشهور في الفقهاء، كما سيأتي مفصلاً.
وبالتالي صار مبنى كل مدرسة مختلفاً عن الأخرى، فعندما نعتمد على أصول مدرسة أخرى في تصحيح وتضعيف الأحاديث لمدرستنا، سيكون
حكماً على مسائلنا بأصول مذهب آخر، مما يؤدي إلى ضعفها، وتناقض الدارسين في فهمها، والتشكيك في مسائلها، وضعف الثقة بها، وإساءة الظنّ بأئمتها.
وبدأ ظهور المشكلة عند متأخري الحنفية، حيث شاع بينهم طريقة المحدثين مما انعكس سلباً من جهة ترجيح ما ليس براجح بناء على ظواهر الأحاديث الثابتة بطريق المحدثين.
وأول مَن توسَّع في هذا المضمار ابن الهمام، ثم تبعه جمع من الكبار: كابن أمير الحاج، والحلبي، والشرنبلالي، والحصكفي، والقاري، واللكنوي، وغيرهم من محدثي الفقهاء الذين يغلب عليهم عدم التمكُّن الحديثي، وخفاء أن للحنفية مدرسة كاملة في قبول الأخبار وردها؛ لذلك قالوا ما قالوا، وسيأتي تفصيل الكلام في حال هذه المدرسة.
بخلاف المتقدمين من أئمة المذهب: كعيسى بن أبان، والكرخي، والطحاوي، والجصاص، والقدوري، والسرخسي، والكاساني، وغيرهم ممن كانت فكرة وجود المدرسة الحدثية الكاملة ظاهرة عندهم، فالتزموا المذهب، ولم يخرجوا عنهم لظواهر الأحاديث، ورجَّحوا بناء على المعاني الفقهية، لا الظواهر الحديثية.
فما كان مجرد مناقشات في الكتب والمجالس عند المتأخرين في القرن التاسع، صار خروجاً عن المذهب عند المعاصرين، بسبب شيوع مدرسة المحدثين بينهم.
وكنت منذ سنوات عديدةٍ أهتم بهذا الموضوع وأبحث فيه، وأكتب فيه، حتى زادت الأبحاث والكتابات عن عشرة، فكانت خلاصتُها وجود مدرسة متكاملة للحنفية في الحديث؛ لذلك رغبتُ هاهنا بجمع عامّة ما كتبتُ في هذا السفر؛ ليسهل على الدارسين الاطلاع عليه، ومعرفة عظمة مدرستنا الحديثية، وللتنبيه على ضرورة الاستمرار في البحث العميق؛ لإظهار كامل جوانب هذه المدرسة، وللسعي الحثيث لتكوين منهاج خاص يمكن دراسته في كافة المؤسسات التعليمية؛ لإيضاح منهج الحنفية في الحديث، كما هو حاصل في مدرسة المحدثين الذين ظهر عندهم علم خاصُّ يُسمَّى علوم الحديث «مصطلح الحديث»، فلا بدّ من إخراج «مصطلح حديث الفقهاء» الذي به نخرج من الإشكاليات السابقة.
وبدأت بحمد الله ظهور العديد من الدراسات المعاصرة في بيان منهج الحنفية في الحديث، وهذه باكورة خير بأن نبدأ نفكر في الأمر ونبحث فيه، ولكن يَغلب عليها العموم والسطحية، فلا نستطيع الاعتماد عليها؛ لأنها لن تحلّ المشكلة؛ لعدم وضوحها في إثبات مدرسة مستقلة للحنفية حديثياً.
وبالتالي صار عندنا ثلاثة اتجاهات في فهم علاقة الفقه بالحديث، وهي على النحو الآتي:
الأول: مدرسة المحدثين، وهو أن مدرسةَ المحدثين حاكمةٌ على الفقه، فكلُّ مسألة فقهية تخالف ما صحَّحه المحدثون تردُّ ولا تُقبل، وهذه فكرةٌ ضالة خطيرة، يَتبناها المبتدعة، ممن يُريدون هدم المذاهب، وإشاعة أفكارهم الضلالية، ومخاطرها لا تنتهي في هدم الدين، وشيوع الفكر المتطرف
والتكفيري، وللأسف يَتبنّاها كثيرٌ من المعاصرين من حيث إنهم لا يدرون أنهم لا يدرون.
والثانية: مدرسة الفضلاء والأكابر من علماء العصر، وهي أن المحدثين تحكمون على الحديث من جهة السند والصحيح والرد، والفقهاء يحكمون عليه من جهة العمل، فلا يلزمهم حكم المحدثين بالتصحيح إن خالف الحديث شروطهم من جهة العمل.
فالحكم على الحديث له مرحلتان: الأولى من قبل المحدثين فيما يتعلق بالتصحيح والضعيف، والثانية من قبل الفقهاء، من جهة العمل به.
وهذه المدرسة تجعل حكم الفقهاء تابعاً لحكم المحدثين، فحكم المحدثين لازم في حقهم، ثم لهم أن يردوا الحديث إن خالف شروط العمل، وبالتالي ليس لهم أن يعملوا بحديث رده المحدثون.
وهذا يخالف ما يقرره الفقهاء من عدم اعتمادهم طريقةَ المحدثين أصلاً، قال الجصاص (¬1): «فإن قيل: يحيى بن أبي أنيسة لا يحتج بحديثه، قيل له: هذا قول جهال لا يُلتفت إلى جرحهم ولا تعديلهم، وليس ذلك طريقة الفقهاء في قبول الأخبار»، فانظر كيف رفض طريق المحدثين، وصرح بأنها مختلفة عن طريق الفقهاء في القبول والرد.
¬
(¬1) في أحكام القرآن1: 200.
وقال أيضاً (¬1): «وهذا الذي ذكرناه طريقة أصحاب الحديث، والفقهاء لا يعتبرون ذلك في قبول الأخبار وردها، وإنما ذكرنا ذلك ليعرف به مذهب القوم فيه دون اعتباره والعمل عليه»، وهذا نصُّ صريح في اختلاف المدرستين وعدم اعتماد الفقهاء على المحدثين أصلاً.
وهذا الاتجاه مخالف لما هو مسلّمٌ بأن الفقيه «المجتهد» يَحكم على الحديث ابتداء، وهذه الفكرة فيها إشكالية تعليق العمل بالحديث على قبول أهل الحديث ابتداءً؛ لأنهم من المكن أن يُضعّفوا الحديث أصلاً، وهو صحيح على شروطنا، وإشكالية جعل المجتهد مقلّداً لأهل الحديث، ومحاكمة أصول الحنفية بأصول أهل الحديث، وبالتالي فإن من أخذ بهذه الفكرة ما استطاع أن يَنصر المذهب على الكمال؛ لأنه جعل الفقهاء تابعين للمحدثين، وهذا باطل؛ لأن فقهاء المذاهب كانوا في القرن الثاني قبل ظهور مدرسة المحدثين.
وسبب انتشار هذا الفكر ضعفُ فكرة النقل المدرسي، وظهور مدرسة محدثي الفقهاء، والاختزال الذي حصل في كتب الأصول، بحيث أصبح فيها اختصار مخلّ، لا يوضح أصولنا في باب السنة، وعدم استقلال الحديث بكتابة خاصة، وكتابة أهل الحديث في مصطلح الحديث متأخراً، وهذه العبارات منقولة عن مدرسة محدثي الفقهاء، وهم ليس من المشتغلين بالحديث، فابن عابدين وابن الهمام والشرنبلالي ليسوا من المحدثين، فأحسن
¬
(¬1) في أحكام القرآن1: 72.
أحوالهم أنهم ذكروا «أحاديث الأحكام» وما اشتغلوا في تخريجها، ولا في الرجال، وعندهم نوع اجتهاد، وكذلك القاريُّ ليس بمحقق.
فالمحدث من اشتغل حقيقةً في تخريج الأحاديث، ومعرفة أحوال الرجال، والجرح والتعديل: مثل ابن قطلوبغا؛ لذلك وجدناه لم يخرج عن المذهب، وردَّ على شيخه ابن الهمام في خروجه.
والثالثة: مدرسة المحققين، وهو أن للحنفية مدرسة حديثية متكاملة لها أصولها الكاملة في كيفية قبول الأخبار وردها، بني عليها الفقه ابتداء عند المجتهدين المطلقين، واعتمد عليها في الاستدلال في كتب الحنفية المتقدمين، ويعدّ هذا الكتاب إظهاراً لها ولمنهجها.
فابن دقيق العيد يُبيِّن أن الفقهاء يصححون، كما يفعله المحدثون فيقول: «هذا الحديث قد صححه بعضهم، وهو صحيح على طريق الفقهاء؛ لأنه وإن كان مضطرب الإسناد، مختلفاً في بعض ألفاظه، فإنه يجاب عنه بجواب صحيح، بأن يمكن الجمع بين الروايات» (¬1).
والجصاص من أكثر من يتكلم عن استقلال الفقهاء في أصولهم للحكم على الحديث، فيقول في إحدى المنقاشات (¬2): «فإن قيل: إن أكثر هذه الأخبار التي رويتموها في إيجاب الوضوء على المستحاضة لا يصححها أهل النقل، أما حديث حبيب بن أبي ثابت عن عروة فهو مرسل؛ لأنّ حبيباً لم ير
¬
(¬1) ينظر: إعلاء السنن1: 272 ..
(¬2) في شرح الجامع الكبير1: 25.
عروة، وحديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده ساقط؛ لأنّ جده مجهول لا يُدرى من هو.
قيل له: ليس طريقنا في قبول الأخبار طريق أصحاب الحديث، وليسوا عيّازا علينا فيما يجب قبوله أو ردّه، وإنَّما ينظر في قبول الأخبار التي نقل الفقهاء من السلف وقبولهم لما رووه واستعمالهم، ثم لا يضره الإرسال عندنا، ولا كونه مجهولاً عند أصحاب الحديث من قبل أنه صار عندنا معروفاً عدلاً بنقل العلماء حديثه، والرواة عندئذ لا سبيل لنا إلى معرفة عدالتهم وصحة نقلهم مع عدم مشاهدتنا إياهم إلا من جهة نقل أهل العلم عنهم، فكلُّ واحد من هذه الأخبار التي ذكرناها لو انفردت لأوجب الحكم بنفسه على الأصل الذي بينا، فكيف وقد تواترت حتى كادت توجب العلم والعمل، مع ما عاضدها من استعمال السلف من الصحابة والتابعين لها».
وفي مناقشة أخرى يبين أن طريقنا مختلف عن المحدثين، فيقول (¬1): «وهذا الحديث وإن كان أصحابنا من أهل الحديث يتكلمون فيه من جهة أنهم يضعفون الحارث بن وجبة، ومن جهة أن أيوب رواه عن ابن سيرين من كلامه غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإن طريق الفقهاء في قبول الأخبار غير طريق هؤلاء».
¬
(¬1) في شرح مختصر الطحاوي للجصاص1: 343.
والقُدُوريُّ في مواضع عديدة يُصرِّح بأن للمحدثين طريقهم الخاص في الحديث، فيقول (¬1): «هذا خبر لا يصح الاحتجاج به على طريق أصحاب الحديث»، ويقول (¬2): «إلا أن هذا الحديث غير معتمد على طريق أصحاب الحديث»، ويقول (¬3): «فتقبل زيادته عليه على طريق أصحاب الحديث».
فالحاصل وجود مدرستين كبيرتين مشهورتين في الحكم على الحديث ابتداء من عصر السلف، وهما مدرسة الفقهاء، ومدرسة المحدثين، قال الجصاص (¬4): «إنه إذا ظهر في السلف استعماله والقول به، مع اختلافهم في شرائط قبول الأخبار وتسويغ الاجتهاد في قبولها وردها، فلولا أنهم قد علموا صحته واستقامته لما ظهر منهم الاتفاق على قبوله واستعماله، وهذا وجه يوجب العلم بصحة النقل».
فمدرسة الفقهاء تحكم ابتداءً على الحديث وتقبله، وبها يظهر صحة مخرج الحديث فيُقبل، وردّه فيُرد، وهم لا يعتمدون على مدرسة المحدثين في قبول الحديث ورده؛ لاختلاف المنهجية والأصول؛ لأن مدار مدرسة الفقهاء على العمل والمعنى، ومدرسة المحدثين على الرجال، كما سيأتي مفصلاً.
¬
(¬1) في التجريد4: 1854.
(¬2) في التجريد9: 4612.
(¬3) في التجريد9: 4612.
(¬4) في الفصول1: 175.
وهذا المجموع من الأبحاث والدراسات سميته:
«المدرسة الحديثية عند فقهاء الحنفية»
ليكون معبراً حقيقة على المدرسة الثالثة عند المحققين، وكان تقسيمه على تمهيد وأربعة فصول.
فالتمهيد في مقدمات متعلقة بوصول الحديث للمجتهدين، واستيعاب المذاهب للحديث، والتقليد للحديث الصحيح، ومدرسة محدثي الفقهاء.
والفصل الأول في أن الكوفة أقوى المدارس الحديثية.
والفصل الثاني في أن أبا حنيفة إمام الفقهاء والمحدثين.
والفصل الثالث في مدرسة الحنفية الحديثية.
والفصل الرابع في أصول ومعالم مدرسة الفقهاء الحديثية وتطبيقاتها.
وفي الختام أسأل الله - عز وجل - أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين، وأن يغفر لنا خطايانا ويكفر عنا سيئاتنا، ويرحمنا برحمته، ويرزقنا الهداية إلى سبيله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
في صويلح، عمان، الأردن الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
24 ـ 1ـ 2025م ... عميد كلية الفقه الحنفي بجامعة العلوم الإسلامية العالمية
المبحث التمهيدي
يشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: وصول الحديث للمجتهدين:
هل جميع أحاديث الأحكام اطلع عليها علماء المذهب، وعملوا بما علموا منها، وتركوا ما تركوا منها لأسباب وموجبات؟ أم أن المذهب لم يطلع على بعضها؟؛ لذلك قال ما قال لعدم علمه بها، ولو علمها لقال شيئاً آخر.
هذه أبرز شبهةٍ شاعت بين المعاصرين، وكانت سبباً في ابتعادهم عن الفقه من منابعه الصافية في المذاهب الفقهية المتبعة، واتسع الكلام كثيراً في فوات أحاديث النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - للمجتهدين، حتى وصل الأمر في الواقع إلى فقد الثقة بمذاهبهم، ففي كلِّ مسألة تطرح يقول القائل: لعلّ الحديث لم يصل إلى المجتهد، فصار سبب الاختلاف بين الفقهاء في الأذهان هو عدم وصول حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - للمجتهد، قال النَّعمانيُّ (¬1): «من الخطأ أن نقول إن أبا حنيفة
¬
(¬1) في مكانة الإمام أبي حنيفة ص325.
ردّ الحديث، فهذه كلمةٌ خطيرةٌ لا يرددها إلا جاهلٌ أو مغرض، ونحن ما دمنا نثق بالأئمةِ يجب أن نقول: إنّ الحديثَ لم يثبت عنده».
ويمكن أن نردَّ على شبهةِ عدم وصول الحديث بوجهين:
* الأوّل: الإيجاب:
وهو الموافقة على صحّة هذا الأمر، وهو أنّ الأحاديث لم تصل إلى المجتهد، ولكن أي أحاديث هذه التي لم تصل، فله احتمالات:
1. أنّ جميع الأحاديث لم تصل للمجتهد، وهذا لا يقول به عاقل؛ لأنها وصلت للقاصي والدّاني، فكيف لم تصل للمجتهد.
2.أنّ أكثرَ الأحاديث لم تصل للمجتهد، وهذا لا يُقبل في حقّ العلماء، فكيف في حقّ المجتهدين، والأحاديثُ متوافرةٌ في الكتب ومنثورة ومتداولة.
3.أنّ بعضَ الأحاديث المشهورة في الأبواب لم تصل للمجتهد، ومثلُها تكون منتشرةً وشائعة، ولا تخفى على المشتغلين بالعلم، فكيف تخفى على المجتهدين.
4.أن بعض الأحاديث خفية، وهذا هو المعروف عند مَن يقول بعدم وصول أحاديث النَّبي - صلى الله عليه وسلم - للمجتهدين، ومع التَّسليم بصحَّته، لكن بُني عليه في هذا الزَّمان إسقاط المذاهب جملةً وتفصيلاً؛ بالاعتراض على فروعها وعدم قبولها بحجّة عدم وصول الحديث، مع التَّسليم أنّ مثل هذا لا يكون إلا فيما خفي وندر، فلمّا بني عليها ما نرى من هدم الشَّريعة كان الواجب
علينا رفض هذه الفكرة، وعدم قبولها؛ لأثرها السَّيء، ونتائجها الفاسدة في إضاعة شريعة الإسلام.
* والثَّاني: السَّلب:
وهو رفضُ صحّة هذه الفكرة بأنّ المذاهبَ كانت مستوعبةً للأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يفتها شيءٌ منها، وهذا ما صرَّحَ به كبارُ العلماء، قال الصَّالحي (¬1): «اعتُذر بترك أبي حنيفة أحاديث الآحاد؛ لعدم اطلاعه على بعضها، وفيه بعد»: أي يبعد أن يكون مَن وصل لهذه الدرجة العلمية الرفعية لم يطلع على جميع الأحاديث ويستوعبها، وجوابها بتمامه في الفقرة التي تليها وما بعدها.
المطلب الثاني: استيعاب المذاهب للأحاديث:
إنَّ عدد الأحاديث في الكتب الفقهية بالآلاف، حيث يعتبرون كل ما صحّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من (8) إلى (12) ألف حديث، وأحاديث الفقه جزءٌ منها على اختلاف في تقديرها، في حين نجد المسائل الفقهية تعد بالملايين، فدونك «الفتاوى العالمكرية»، و «المحيط البرهاني»، وغيرها.
وهذه المسائل ليست مبنية على أحاديث خاصة، وإنَّما على قواعد للأبواب، اعتني في بنائها على القرآن والسنة وآثار الصحابة - رضي الله عنهم -، فالمسائل
¬
(¬1) في عقود الجمان ص397.
التي دليلها صريح ومباشر قليلة جداً، وجلّ المسائل مبنية على القواعد والأصول.
وبالتالي عندما تطرح فكرة عدم وصول الحديث أساساً للخلاف بين الفقهاء، فإنَّ النقاش يكون في هذا النزر اليسير؛ لأنَّ أصول الأبواب تحتاج في بنائها لأحاديث مستفيضة ومشهورة، لا يخفى مثلها على المجتهدين، فيكون التحقيق استبعاد مثل هذه الفكرة من أن تكون ذات تأثير بالغ لو سلمنا بتحققها، وإنَّما يظهر الاختلاف واضحاً بسبب البناء الأصولي.
كما أنَّ سبب عدم وصول الحديث للأئمة ذكره بعضهم وسكت عنه آخرون، فلم يكن مرضياً من الجميع، بخلاف الاختلاف الأصولي، فإنَّه محلُّ اتفاق.
وهذا السبب محل شكّ بخلاف غيره، فإنَّه محل جزم، والشكُّ فيه يأتي من كونه شهادة على النفي، وشهادة النفي لا تقبل، كما هو مفصَّل في كتب القضاء.
فيمكن أن يكون ادّعاء عدم وصول الحديث في مسألة معينة مجرد تخيل ووهم عند القائل، لا في نفس الأمر؛ لأسباب عديدة، منها:
الأول: أئمة المذاهب هم أئمة الحديث وحفاظه:
إنَّ أئمة المذاهب الفقهية بلغوا الدرجة العليا في الحديث؛ لأنَّ درجة المجتهد المستقل بالمعنى الأكمل لا يستحقها إلا مَن وصل إلى أعلى المراتب في الحديث، وشهرة مالك والشافعي وأحمد في ذلك معروفة لا يناقش فيها،
وأبو حنيفة شأنه مثل شأنهم عند أهل العلم والإنصاف، فكيف يكون مجتهداً إن لم يكن كذلك عند أهل العقل، وكيف يجتهد ومادة الاجتهاد الخصبة هي الحديث إن لم يبلغ في معرفته ذروته، قال الحافظ الذهبي: (¬1): «أبو حنيفة، فقيه الملة، عالم العراق، عني بطلب الآثار، وارتحل في ذلك، وأما الفقه والتدقيق والرأي، إليه المنتهى، والناس عليه عيال في ذلك، طلب الحديث وأكثر منه في سنة مئة وبعدها».
قال أبو حنيفة: «عجباً للناس يقولون: أفتي بالرأي! ما أفتى إلا بالأثر» (¬2).
وقال الفضيل بن عياض: «كان أبو حنيفة إذا وردت عليه مسألة فيها حديث صحيح اتبعه، وإن كان عن الصحابة والتابعين فكذلك، وإلا قاس فأحسن القياس» (¬3).
وقال أبو حنيفة: «ليس لأحدٍ أن يقول برأيه مع كتاب الله تعالى، ولا مع سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا ما أجمع عليه الصحابة - رضي الله عنهم -، وأما ما اختلفوا فيه فنتخير من أقوالهم أقربه إلى كتاب الله والسنة ونجتهد، وما جاوز ذلك
¬
(¬1) في سير أعلام النبلاء 6: 396.
(¬2) ينظر: عقود الجمان ص174.
(¬3) ينظر: عقود الجمان ص172.
فالاجتهاد بالرأي يوسع الفقهاء من عرف الاختلاف وقاس، وعلى هذا كانوا» (¬1).
فانظر كيف كان أئمة الجرح والتعديل والحفظ في زمن الإمام أبي حنيفة يرجعون إليه، فشعبةُ يراسله، والأعمش يطلب قوله في كيفية أداء المناسك ليعمل به، ويحيى بن سعيد القطان ووكيل بن الجراح يعملوا بقوله، وابن المبارك على مذهبه، ويحيى بن معين يفتي بقوله (¬2).
وقال يحيى بن سعيد القطان: «لا نكذب الله تعالى ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، ولقد أخذنا بأكثر أقواله، وقال يحيى بن معين: وكان يحيى بن سعيد: يذهب في الفتوى قول الكوفيين، ويختار قول أبي حنيفة من أقوالهم، ويتبع رأيه من بين أصحابه» (¬3).
وقيل لمسعر: «لم تركت رأي أصحابك وأخذت برأي أبي حنيفة؟ فقال: أنا فعلت ذلك لصحة رأيه، فأْتوا بأصح منه لأرغب عنه إليه» (¬4).
وقال أبو يوسف: «سفيان الثوري أكثر متابعة لأبي حنيفة مني» (¬5).
¬
(¬1) ينظر: عقود الجمان ص175.
(¬2) ينظر: مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث ص98 - 99.
(¬3) ينظر: عقود الجمان ص195.
(¬4) ينظر: عقود الجمان ص196.
(¬5) ينظر: عقود الجمان ص191.
وقال ابن خلدون: «ويدلّ على أنَّ أبا حنيفة من كبار المجتهدين في علم الحديث اعتماد مذهبه بينهم بين معاصريه من الأئمة، والتعويل عليه، واعتباره ردّاً وقبولاً» (¬1).
وانظر كيف ذكره من ألفوا في طبقات الحفاظ من حفاظ الحديث: كالذهبي، وابن عبد الهادي، وابن ناصر الدين، وابن المبرد الحنبلي، والسيوطي، والبَدَخْشي، وغيرهم، وأنَّه كان من أول مَن تكلَّم في الجرح والتعديل، فطعن في جابر الجعفي، وقَبِل النقادُ كلامه فيه (¬2)، لكنَّه كان محدّثاً على طريق الفقهاء لا المحدثين.
الثاني: المذاهب علوم واسعة مستوعبة للحديث:
إننا عندما نتكلم عن المذاهب نتكلّم عن علوم مستقرّة لها قواعد، وهي من أوسع علوم الدنيا؛ لأنَّها تمثل الإسلام التطبيقي العملي، وقد نالت خدمة لم ينلها علم قط، وبالتالي لم نعد نتكلم عن فتاوى لشخص هل فاته الحديث أو لا، كما يظنّه بعضهم، بل عن علم بناه مئات الآلاف من العلماء، من الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى يوم الدين، ونسبته إلى رجل من بينهم؛ لكثرة جهده في تنقيحِه وتحقيقِه ونقلِه.
فمثلاً المذهب الحنفي أساسه يعود للصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، فإن فاته شيءٌ من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد كان يترك قوله لقول
¬
(¬1) ينظر: أثر الحديث ص118.
(¬2) ينظر: مكانة أبي حنيفة في الحديث ص58 - 80.
عمر - رضي الله عنه -، فسيعرفه من الفاروق - رضي الله عنه -، وإن فاتهما فعليُّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - سيعوِّضه؛ لأنَّه استمر في إكمال بنيان علم أهل الكوفة عندما نقل الخلافة إليها، وبقي لأربع سنوات خليفة للمسلمين، وإن فاتهم فقد حل فيها ألف وخمسمائة صحابي، منهم سبعون بدرياً، وإن فاتهم فكبار التابعين كانوا في الكوفة، وسافروا في البلاد، وجمعوا من كل صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن فات أحدَهم فلن يفوت الآخرين، وهكذا الحال مع تابعي التابعين، فوجد في مرحلة التكوين في المذهب مئات العلماء إن لم يكونوا آلافاً، وضعوا أسسه وقواعده، والمذهب مكون من الكلّ، وفوت الحديث عند الصحابة والتابعين وتابعيهم - رضي الله عنهم - أمر في غاية البعد.
وهذا يردُّ لك أقوى دليل اعتمد عليه مَن ذكر هذا السَّبب، وهو أنَّ بعضَ الصَّحابة - رضي الله عنهم - كانت تفوتهم بعض الأحاديث، حيث إنَّ بحثنا هنا عن مذهب وعلم وليس عن شخص، فردُّ مسألة في المذهب المكوَّن من جمع من الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين وتابعيهم بهذا السبب ليس دقيقاً، كما لاحظت.
الثالث: البناء المدرسي للمذهب الحنفي والمالكي:
إنَّ الفقه الحنفي والمالكي بُني بناءً مدرسياً طبقة عن طبقة، من الصحابة والتابعين، لا رجل عن رجل، كما في الأسانيد، وبالتالي لهم طريق أخرى تضاف لطريقة المحدثين في الوصول لأقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله، وهذا يُبعد فكرة عدم وصول الحديث لهم؛ لوجود هذا الطريق الوثيق من عشرات الصحابة - رضي الله عنهم - ومئات من التابعين في النقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلو فات أحدهم لن يفوت الكل.
قال الأعمش: «قال لي حبيب بن أبي ثابت ـ وهو كوفي أيضاً ـ أهل الحجاز وأهل مكة أعلم بالمناسك، قال الأعمش: فقلت له: فأنت عنهم ـ أي تكون نائباً عنهم في المناظرة ـ وأنا عن أصحابي ـ أي أهل الكوفة ـ، لا تأتي بحرف إلا جئتك فيه بحديث» (¬1).
وقال أبو يوسف: «كان أبو حنيفة إذا صَمَّم على قول دُرْتُ على مشايخ الكوفة، هل أجد في تقوية قوله حديثاً أو أثراً؟ فربما وجدت الحديثين والثلاثة، فأتيته بها، فمنها ما يقول فيه: هذا غير صحيح، أو غير معروف، فأقول له: وما علمك بذلك مع أنَّه يوافق قولك؟ فيقول: أنا عالم بعلم أهل الكوفة» (¬2).
الرابع: رحلة كبار التابعين في طلب الحديث:
إنَّ الناظر في أحوال كبار التابعين: كالنخعي، والشعبي، ومسروق، وسعيد بن جبير، وابن المسيب، وغيرهم، يجد أنَّهم رحلوا في طلب العلم، قال الشَّعبي: «ما رأيت أحداً أطلب للعلم في أفق من الآفاق من مسروق» (¬3)، وقال سعيد بن المسيب: «إن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: أثر الحديث ص120 عن الحلية ص5: 47.
(¬2) ينظر: أثر الحديث ص119 عن الخيرات الحسان ص61.
(¬3) ينظر: مقدمة نصب الراية ص305.
(¬4) ينظر: جامع بيان العلم ص94.
وبالتالي اعتبار أنَّ الرحلة في طلب الحديث كانت في زمن الشافعي وأحمد أمر بعيد غير مسلَّم، وإنَّما جمع الأحاديث للحفاظ وأهل الاجتهاد فريضة لم يقصر في أدائها في زمن من الأزمان، فلا عبرة لما يقال: إنَّ مذهب الشافعي وأحمد بني على الحديث أكثر من غيره بسبب الرحلة في طلب الحديث في زمنهم، بل إنَّ طلب الحديث كان عند من سبقهم كما هو عندهم، ويمكن تصحيح المعلومة بأنَّ يقال: إن من قبلهم بنى مذهبه على الأحاديث بطريق النقل المدرسي أكثر من الأحاديث بطريق رواية الرجال، في حين أنَّ الشافعي وأحمد بنيا مذهبهما على الحديث بطريق الأسانيد أكثر من طريق المدرسة، والله أعلم.
الخامس: المجمع العلمي والحديثي في مكة والمدينة:
كانت مكة والمدينة ملتقى العلماء من كلِّ حدب وصوب يقصدونها؛ لأداء المناسك، وينتفعون بها بجمع علم جم من أئمة الأمصار كافّة، فأبو حنيفة: يذكرون أنَّه حجّ واعتمر أكثر من خمسين مَرّة، ومعلومٌ أنَّهم في كلّ مرّة يُمكن أن يمكثوا أشهراً.
ولم يقتصر الأمر على هذا، فإنَّ أبا حنيفة لما ضايقه بنو أمية في الكوفة، وأرادوا أن يجبروه على القضاء ذهب لمكة والمدينة، ومكث سنوات، فيكون بذلك جمع علم وحديث هذين المصرين، وأخذ علم وحديث كافة الأمصار من العلماء الذي يقصدون الحرمين، وهذا ما حصل مع مالك؛ إذ مُكثه في المدينةِ أغناه عن الرحلة لكافة البلاد لجمع الحديث؛ لأنَّ علماء عامّة البقاع يقصدون المدينة؛ لزيارة الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وفي هذا ردٌّ على مَن يظنٌّ أنَّ
علماء كلّ بلد لم يكن لهم اطّلاع على علم وحديث البلاد الأُخرى، ثُمَّ حصل هذا الجمع فقط في عصر الإمام الشافعي.
السادس: تمسك أصحاب أبي حنيفة بفقهه مع رحلتهم في طلب الحديث:
رحل أصحاب أبي حنيفة إلى البلاد لطلب الحديث، ورغم ذلك تمسكوا بمذهب شيخهم أكثر فأكثر، وردّوا على مسائل غيرهم، وقابلوا الأحاديث التي سمعوها منهم بأحاديث أخرى تؤيد مسلك إمامهم، فانظر إلى أبي يوسف، رغم رحلته وطلبه للحديث لم يقبل بمذهب الأوزاعي، حتى ألَّف كتاب: «الرد على الأوزاعي»، ردّ فيه عليه، وانتصر لشيخه أبي حنيفة، وألَّف كتاباً آخر في بيان قول ابن أبي ليلى مع قول أبي حنيفة، واختار قول شيخه ورجحه.
وانظر إلى محمد بن الحسن، فقد سافر للمدينة لسماع «الموطأ» على مالك، وفي روايته له بعد ذكره للأحاديث عن مالك إن كان يخالفها، فإنَّه يذكر رأيه ويُبيّن مستنده، وألَّف كتاباً كاملاً، في الردّ على أهل المدينة، واسمه: «الحجة على أهل المدينة»، وهو مطبوع في أربع مجلدات، انتصر فيه لمسائل أبي حنيفة وبيّن أدلتها، فلولا أنَّ الكوفة ومدرستها فيها الغناء الكامل في الحديث، لرأيتهم تأثروا بحديث غيرهم، ورجَّحوا أقوالهم على أقوال إمامهم.
السابع: الاعتماد على عمل الصحابة - رضي الله عنهم - في قبول الحديث ورده:
إنَّ الحنفية اعتمدوا على عمل الصحابة - رضي الله عنهم -، فهو يمثل الترجمان الصحيح لما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من المعاني المقصودة للأحاديث، ويعتبر آخر ما استقرّت عليه الشريعة من أحكام، فهو يمثل المحكم فيما ورد عن الحضرة النبوية - صلى الله عليه وسلم -، فيقدمونه على بعض الأحاديث لذلك؛ ولأنَّ عمل الصحابة - رضي الله عنهم - بالحديث وروايتهم له ـ ونقصد من بلغوا درجة الاجتهاد منهم ـ يمثل تصحيحاً منهم للحديث، ولم يكن معهوداً عندهم الاصطلاحات المتأخرة في التَّصحيح، وإنَّما يعتبر بالعمل والفتوى والرواية، حتى كان الحديث المشهور عند الحنفية هو حديث الآحاد الذي تلقاه السلف بالقبول: أي صححه كبار الصحابة والتابعين، وعملوا وأفتوا به، حيث ترتفع درجته إلى حيز المتواتر.
وبالتّالي تركهم لبعض الأحاديث ليس لأنَّها لم تصل لهم، ولكنَّها تحتاج مع الرواية إلى عمل من السلف ـ وهم مجتهدو الصحابة وكبار التابعين ـ، فما لم يعملوا به منها، فهو محلّ نظر في صحّتها في نظرهم إن جاءت بمعنى مخالف لما عملوا به، فتردُّ أو تؤل على معنى خاصّ.
الثامن: للفقهاء مدرسة حديثية في تصحيح الحديث:
إننا نلاحظ أنَّ للفقهاء مدرسة متكاملة في قبول الأحاديث وردّها لا يسيرون فيها على طريق المحدثين، قال الجصاص (¬1): «لا أعلم أحداً من الفقهاء اعتمد طريق المحدثين ولا اعتبر أصولهم».
¬
(¬1) في شرح مختصر الطحاوي4: 244 عن دراسة عن اللباب1: 26.
فمثلاً: إن جاء حديث آحاد في مسألة تعمّ بها البلوى: أي تقع كثيراً ويحتاج الناس إلى حكمها، فإنَّ الحنفية لا تقبله؛ لأنَّ حاجة الناس للمسألة كثيراً تقتضي أن يروى بطرق مشهورة أو متواترة؛ لأنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بلَّغ الشريعة، والصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يبذلون كلَّ جهدهم في نشرها، فخفاء الحديث مع شدة الحاجة له تشير إلى مشكلة فيه من ضعف: كحديث: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (¬1)، فالوضوء يحصل كل يوم مرات من المسلم، فعدم اشتهار الحديث مع كثرة الحاجة له يرشد إلى عدم صحة مخرجه.
التاسع: بناء الأبواب الفقهية على القرآن والأحاديث المشهورة والمتواترة:
إننا نلاحظ أنَّ أبا حنيفة بنى أبواب فقهه على ظواهر القرآن والأحاديث المتواترة والمشهورة، فمثلاً: الأصل في اعتماد الذكاة للمأكول، قوله - جل جلاله -: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} المائدة: 3، وكلُّ ما لم يكن مذكى لا يؤكل إلا بشروط الصيد الواردة في أحاديث عديدة، والأصل فيما يؤكل وما لا يؤكل الحديث المشهور: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كلِّ ذي ناب من السباع، وعن كلّ ذي مخلب من الطير» (¬2)، والأصل في كتاب القضاء هو حديث: «البيّنةُ على المدعي، واليمين على مَن أنكر» (¬3)، وحديث: «إذا اختلف المتبايعان والسلعة
¬
(¬1) في سنن أبي داود 1: 25، وسنن ابن ماجه 1: 139.
(¬2) في صحيح مسلم 3: 1543، وسنن أبي داود 2: 383.
(¬3) عن ابن عباس - رضي الله عنهم - في السنن الصغير للبيهقي 4: 188.
قائمة فالقول قول البائع أو يترادَّان» (¬1)، وكل حديث يأتي مخالفاً للمشهور والمتواتر لا يقبل إلا بحمله على معنى معين، فلم يقبلوا أحاديث الضب والضبع وغيرها؛ لمخالفتها للحديث المشهور، ولم يقبلوا حديث الشاهد واليمين؛ لمخالفته الحديث المشهور، وهكذا.
وبالتالي عدم قبولهم للأحاديث ليس لعدم اطلاعهم عليها، ولكن لتواتر وشهرة أحاديث معينة عندهم في كل باب، اعتمدوا عليها في تأصيل المسائل وتقعيد الأصول، ورواية غيرها من الأحاديث لم يبلغ مرتبتها من القوة حتى يعتمد عليه.
العاشر: عدم الوقوف على دليل المجتهد قطعاً:
فإننا لم نقف على أدلة الأئمة جزماً، فما نقل لنا عنهم بالدرجة الأولى هي الفروع، وما نرى من أدلة في كتب مذهبهم فهي من وضع علماء المذهب، استدلوا بها للإمام لا غير، فضعفها لا يدلّ على ضعف دليل الإمام.
قال الكيرانوي (¬2): «ينبغي أن يعلم أنَّ ضعف أدلة المقلدين وأجوبتهم ليس دليلاً على ضعف مذهب الإمام؛ لأنَّه يمكن أن يكون ذلك؛ لقصور أفهام المقلدين، وعدم وصولهم إلى كنه قول الإمام ومأخذه، فلا ينبغي أن يعتقد بضعف أدلة المقلدين وأجوبتهم ضعف مذهب الإمام، بل ينبغي أن
¬
(¬1) عن ابن مسعود - رضي الله عنه - في المعجم الكبير 10: 174.
(¬2) في فوائد في علوم الفقه ص6، كما في التمذهب ص113.
يطلب له دليل أو جواب آخر، ولا يترك التقليد لمجرد توهم ضعف المذهب؛ لأنَّ حكم الضعف على مذهب المجتهد من شأن المجتهد دون المقلد».
الحادي عشر: التعليل بالأصول لا بعدم وصول الحديث:
إنَّهم يعللون للمسائل في كتب الأصول والفروع في سبب اختيار المجتهد لها، ولا يقولون: قال كذا لعدم وصول الحديث له، فدل على أنَّه ليس سبب في اختياراتهم واختلافاتهم.
فبعد هذا العرض والنقل المستفيض يتبين لنا بكل وضوح أنَّ عدم عمل الفقهاء بالحديث وتركهم له، له أسباب عديدة، وليس راجعاً لعدم وصوله لهم، ولكن لأنَّهم عندما طبقوا عليه قواعدهم في التصحيح والعمل، لم يكن صالحاً فتركوه.
المطلب الثالث: التقليد للحديث الصحيح:
شاعت في هذا العصر مقولة عن الإمام الشافعي: «إذا صح الحديث فهو مذهبي»، وفَهِمَ عامّة المعاصرين هذه المقولة فهماً خاطئاً، وحملوها على غير محملها، فكانت سبباً للاستدراك على الأئمة، ورد قولهم؛ لظاهر حديث وقفوا عليه، وأصبحت طريقاً للتَّرجيح بين المذاهب بغير طريقِ رسم المفتي، وكذلك سبيلاً لترك التقيّد بمذاهب المقتدين أصلاً، حتى صار هذا الكلام مغمزةً في كثيرٍ من المسائل الواردة عن الأئمة أنَّها تُخالف الحديث، وسبباً في ردّ كثيرٍ من فروعهم، وفهمها الصحيح هو:
1. إنَّ مَن ذكر هذا القول من الأقدمين ذكره على سبيل الثناء والرفعة لهؤلاء الأئمة، لا لانتقاصهم بالطعن فيما ورد عنهم من مسائل أنَّها تخالفُ النُّصوص.
قال العلامة محمد العربي بن التباني (¬1): «جُلّ العلماء الذين ذكروه: كالحافظ ابن عبد البر، إنَّما ذكروه وعدّوه من مناقبهم، والجمّاعون المتشبعون بما لم يعطوا يذكرونه لثلبهم وثلب أتباعهم، فهذا صاحب مجلة ((المنار))، زعم أنَّ المذاهب الأربعة فيها مئات المسائل مخالفة للكتاب والسُّنَّة، ولم يُبرهنّ على مسألة واحدة في المذاهب الأربعة مخالفة للكتاب والسُّنَّة، فضلاً عن المئات التي أرسلها في الدَّعوى الجوفاء، والكلام لا ضريبة عليه، فأي فرع من فروع الأئمة جاء الحديث مخالفاً له ... فهذا لا يتفوّه به إلا سيئ العقيدة في أئمة الدين المشهود لهم بالخيرية من سيد المرسلين، وفي أتباعهم حملة الشَّريعة إلينا».
2. إنَّ هذا الكلام ليس للعوام، وإنَّما لأهل النظر المشتغلين بعلوم الشريعة ممَّن بلغوا مرتبةَ الاجتهاد، ولو في المذهب، أو في هذه المسألة، وعلى ذلك أَطبقت كلمةُ العلماء.
قال الإمامُ ابنُ الصلاح: «فليس كلّ فقيه يسوغُ له أن يستقل بالعمل بما رآه حجّة من الحديث ... وروينا عن ابن خزيمة ـ الإمام البارع في الحديث والفقه ـ أنَّهُ قيل له: هل تعرف سنةً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحلال والحرام لم
¬
(¬1) في الاجتهاد ص112.
يودعها الشَّافعيُّ كتابه؟ قال: لا، وعند هذا أَقول: مَن وَجَدَ من الشَّافعيين حديثاً يُخالف مذهبَه نظر: فإن كَمُلَت آلات الاجتهاد فيه، إمّا مطلقاً، وإمّا في ذلك الباب، أو في تلك المسألة، كان له الاستقلال بالعمل بذلك الحديث، وإن لم تكمل فيه آلته، ووجدَ حزازة في قلبه من مخالفة الحديث بعد أن بحث، فلم يجد لمخالفته عنه جواباً شافياً، فلينظر هل عمل بذلك الحديث إمام مستقل؟ فإن وجده، فله أن يتمذهب بمذهبه في العمل بذلك الحديث، ويكون ذلك عذراً له في ترك مذهب إمامه في ذلك» (¬1).
وقال الإمامُ النوويُّ (¬2): «إنَّما هذا ـ يعني كلام الشافعيّ ـ فيمن له رتبة الاجتهاد في المذهب، وشرطه أن يغلب على ظنه أنَّ الشافعيّ لم يقف على هذا الحديث، أو لم يعلم صحّته، وهذا إنَّما يكون بعد مطالعة كتب الشّافعيّ كلّها، ونحوها من كتب الأصحاب الآخذين عنه، وما أشبهها، وهذا شرطٌ صعب، قلَّ مَن يتّصف به، وإنَّما اشترطوا ما ذكرنا؛ لأنَّ الشَّافعيّ ترك العمل بظاهر أحاديث كثيرة رآها، ولكن قام الدَّليل عنده على طعن فيها، أو نسخها، أو تخصيصها، أو تأويلها، ونحو ذلك».
وقال الإمام تقي الدين السُّبكي (¬3) تعقيباً على قولهما: «وهذا الذي قالاه ليس رداً لما قاله الشَّافعيّ، ولا لكونه فضيلة امتاز بها عن غيره، ولكنَّه تبيين
¬
(¬1) معنى قول الإمام المطلبي إذا صح الحديث فهو مذهبي ص106 - 107.
(¬2) في المجموع 1: 105.
(¬3) في معنى قول الإمام المطلبي ص108 - 109.
لصعوبة هذا المقام، حتى لا يغتر به كلّ أحدٍ، والإفتاء في الدِّين كلّه كذلك، لا بدَّ من البحث والتَّنقير عن الأدلة الشرعيَّة حتى ينشرح الصَّدر للعمل بالدَّليل الذي يحصل عليه، فهو صعبٌ، وليس بالهيِّن كما قالاه، ومع ذلك ينبغي الحرصُ عليه وطلبه» (¬1).
3. أن يكون هذا الحديث صحيحاً عند إمام المذهب بالشروط المفصّلة في أصوله، فلا شكّ أنَّ إمامه كان له اطلاع واسع على متون السنة إلا أنَّه لم يعمل ببعضها لعوارض ظهرت له: كالنسخ، والشذوذ، والتأويل وغيرها، قال العلامة عبد الوهاب الحافظ (¬2): «لا بُدَّ ... مصححاً عنده ـ إمام المذهب ـ بالشروطِ التي اشترطها، لا عند مَن روى الحديث».
4. إنَّ هذا اللفظ بهذه الصيغة واردٌ عن الإمام الشافعي فحسب؛ إذ إنَّه عبّر فيه أنَّ أصل مذهبه هو الحديث الصحيح، ومع ذلك يردّه إن كان منسوخاً: كحديث الحجامة السابق، أو مخصصاً، أو مؤولاً.
أمّا غيره فلهم ألفاظ قريبة منه: كقول الإمام أبي حنيفة: «إذا جاء الحديث فعلى الرأس والعين» (¬3)، وقول الإمام مالك: «ما من أحد إلا
¬
(¬1) ومن أراد زيادة التفصيل فليراجع البحر المحيط 8: 345 - 346 وحاشية الجمل 2: 67.
(¬2) في الاجتهاد ص174 - 175.
(¬3) ينظر: الميزان الكبرى 1: 66. ومقدمة معنى قول الإمام المطلبي ص8 عن مناقب الإمام أبي حنيفة للموفق المكي1: 77.
ومأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا صاحب هذه الروضة» (¬1)، وهذا تأكيد منهما على أنَّهما يلتزمان ويتحرّيان في استنباط الأحكام الفقهية سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إلا أنَّهما لهما قواعدهما في قبول الحديث النبوي الشريف.
المطلب الرابع: مدرسة محدثي الفقهاء:
ظهرت مدرسة عند الحنفية من محدثي الفقهاء كان لهم عناية فائقة بجمع الأدلة مِنَ الأحاديث النبوية في تأييد فروع المذهب الحنفي، وإعمال قواعد وأصول المحدثين في الاستدلال.
ومن أبرز شخصيات هذه المدرسة: ابن الهمام (ت861هـ) في «فتح القدير»، وابن أمير حاج (ت879هـ) في «حَلَبة المُجلي» (¬2)، والحلبي (ت956هـ) في «غنية المستملي» (¬3)، والقاري (ت1014هـ) في «فتح باب العناية»، والشُّرُنْبلالي (ت1069هـ) في «المراقي»، والحصكفي (ت1088هـ) في «الدر المختار» (¬4)، واللكنوي (ت1304هـ) في «عمدة الرعاية» و «السعاية» و «التعليق الممجد».
¬
(¬1) ينظر: مقدمة معنى قول الإمام المطلبي ص9 عن مختصر المؤمل ص33.
(¬2) ينظر: الرسالة المستطرفة ص146 - 147.
(¬3) ينظر: الشقائق النعمانية ص295 - 296.
(¬4) ينظر: خلاصة الأثر 4: 63 - 65.
وبهذه الطريقة قدمت هذه المدرسة خدمة عظيمة للمذهب الحنفي حيث أصبح فقه الحنفية مؤيداً بطريق المحدثين، فجمعوا فيها بين طريقة الحنفية في الفقه وبين المحدّثين في الاستدلال.
ويؤخذ على مدرسة محدثي الفقهاء من متأخري الحنفية أنَّهم وافقوا سير طبقة المجتهد المنتسب في اعتمادِهم أُصولاً للتَّرجيح مشوا عليها، ولكن هناك تفاوت ظاهر بينهم وبين هذه الطبقة في التمكّن مِنَ الأصول والفروع، يظهر فيها ضعف ترجيحاتهم بخلاف طبقة المنتسب، فإنَّ ترجيحَها من أقوى التَّرجيحات، وكذلك تخريجها وأصولُها التي اعتمدوها قويّةٌ بالمقارنة مع أصولِ الأئمة.
وأمّا هذه المدرسة المتأخرة فمدار أصولهم على أصول المحدّثين، مع ضعفٍ ظاهر منهم لما يوردون من أحاديث في استدلالاتِهم يرجِّحون من خلالها، حتى أنَّ إمامَ هذه المدرسة ـ وهو الإمامُ ابنُ الهُمام ـ تكلّموا فيه أنَّه لم يكن مِنَ المشتغلين والمتمرّسين في علم الحديث، حيث وصفه تلميذه السَّخاوي (¬1) بقوله: «وكان إماماً علامّة عارفاً بأصولِ الدِّيانات، والتَّفسير، والفقه وأصوله، والفرائض والحساب، والتَّصوف، والنَّحو والصَّرف، والمعاني والبيان والبديع، والمنطق والجدل، والأدب والموسيقى، وجلّ علم النَّقل والعقل، متفاوت المرتبة في ذلك، مع قلّةِ علمِه في الحديث، عالم أهل الأرض، ومحقِّق أولى العصر، حجة أعجوبة، ذا حجج باهرة، واختيارات
¬
(¬1) في الضوء اللامع8: 131.
كثيرة، وترجيحات قويّة، بل كان يصرّح بأنَّه لولا العوارض البدنية من طول الضعف والأسقام وتراكمهما في طول المدد لبلغ رتبة الاجتهاد ... ».
وقال تلميذه ابن قطلوبغا: إنَّه لا يتلفت لأبحاث شيخنا المخالفة للمذهب (¬1)، وَنُقل عن الكشميري (¬2): «أنَّ الشيخ ابن الهمام كل ما ذكره في «فتحه» من أدلة مذهبنا، مستفاد من تخريج الإمام الزيلعي، ولم يزد عليه دليلاً، إلا في ثلاثة مواضع: منها مسألة المهر، وقدر ما يجب».
ويظهر من حالهم غفلةٌ واضحةٌ عن طريقةِ الفقهاء في تصحيح الأحاديث وقَبولها وردّها، قال الجصّاص (¬3): «لا أعلم أحداً مِنَ الفقهاء اعتمد طريق المحدِّثين ولا اعتبر أصولهم»، لا سيما أنَّ الوقوفَ على النّصوص الحديثيّة بصورتها الأدقّ والأحكم بالنسبة إلى طبقة المنتسب أقوى؛ لقربها مِنَ العهد النبويّ، فحكمُهم أصحُّ وأثبتُ وأَصوب، كما صَرَّح الذهبيُّ (¬4): «وهذا في زماننا يعسُرُ نقدُه على المحدِّث، فإنَّ أولئك الأئمة: كالبُخاريّ، وأبي حاتم، وأبي داود، عاينوا الأصول، وعَرَفوا عِلَلَها، وأمّا نحن فطالَتْ علينا الأسانيد، وفُقِدَت العباراتُ المُتيقّنة، وبمثلِ هذا ونحوه دَخَل الدَّخَلُ على الحاكم في تصرُّفِهِ في المستدرك».
¬
(¬1) ينظر: رد المحتار3: 74.
(¬2) في مقدمة نصب الراية1: 8.
(¬3) في شرح مختصر الطحاوي4: 244.
(¬4) في الموقظة ص46.
ويلاحظ عدم انتباه مَنْ في هذه المدرسة لقضيّة النَّقل المدرسيّ المتوارث المعتبر عند الحنفيّة والمالكيّة.
وهذا يفسّر ردّ ابن عابدين لكثير من أقوالِهم وترجيحاتِهم والرّجوع إلى مَنْ سبقهم في الوقوف على المعتبر مِنَ المذهب، وهم متفاوتون في الاعتماد على الحديث.
• • •
الفصل الأول
الكوفة أقوى المدارس الحديثية
«الاعتماد على النقل المتوارث في مدرسة الكوفة الفقهية»
تمهيد:
المكتوب هنا كتبته سابقاً تحت عنوان: «الاعتماد على النقل المتوارث في مدرسة الكوفة الفقهية»، وهاهنا أهذبه وأبوبه بحيث يتلاءم مع فكرة المقصود من هذا الجمع من خلال المطالب الآتية:
المطلب الأول: المذهب الحنفي والمالكي بنيا على النقل المدرسي:
إن مَن يكثر الاشتغال بفقه السادة الحنفية يلمح بكلّ وضوح وجلاء أنهم بنوا جلّ المسائل على آثار الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم -، لا سيما الذين توطنوا وعاشوا في الكوفة، فكثيراً ما يرد في كتبهم الفقهية للاستدلال على بعض الأحكام أنهم قالوا به للتوارث، أي لما ورثه شيوخ المدرسة أبو حنيفة وأصحابه عن شيوخهم من التابعين والصحابة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
بل إن منشأ اعتماد أكثر مسائلهم في الاستنباط والتفريع هو ما تلقوه عن الصحابة - رضي الله عنهم - في الكوفة، فهو مذهب تأسس وبني على فقه وآثار السلف - رضي الله عنهم - في تلك البقعة التي كانت عاصمة الإسلام، ومهد علومه المختلفة في مرحلة تكوين المذهب ونشأته.
لذلك يمكننا القول: إنه مذهب مدرسي تكّون من اجتهادات والصحابة والتابعين وتابعيهم، وعمل الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - هو النقل عنهم والتقعيد لمسائله والتفريع والتأصيل لها، فهو مذهب متوارث جيلاً بعد جيل من الترتيب والتهذيب إلى يومنا هذا.
وهذا الذي نقوله ليس فهماً لنا، وإنما ظاهر وواضح عند علماء المذاهب عبر القرون، وما طعن الطاعنون في مسائل المذهب من حيث الاستدلال إلا لخفاء هذه الحقيقة الجلية عنهم، وعُزوبها عن أنظارهم.
فالمذهب الحنفي والمذهب المالكي مذهبان بُنيا على الفقه المتوارث عن الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم -، فهما مدرستان أساسهما آثار الصحابة واجتهاداتهم، وهذه الحقيقة مشهورة جداً بالنسبة للمذهب المالكي فيما يسمّى عندهم (إجماعَ أهل المدينة (، وقد ألفت فيه بحوث عديدة وطبع بعضها في دار البحوث للدراسات، دبي، والأمر لا يختلف في المذهب الحنفي من حيث المبدأ إلا أنه يسمّى (التوارث (في كتب السادة الحنفية، وليس الإجماع.
ويدلّ على ذلك العديد من عبارات علماء المذهب الحنفي، ومنهم مثلاً الإمام القدوري (ت428هـ) عند احتجاجه في مسألة خلافية بين الحنفية
والمالكية، إذ قال (¬1): «وقولهم: إن أهل المدينة يفعلون وينقلون لا يصحّ؛ لأن أهل الكوفة يفعلون وينقلون، ومَن انتقل إلى الكوفة من الأئمة أكثر ممن بقي بالمدينة».
ورغم كل هذه الأهمية لهذا الموضوع فإنني لم أقف على دراسة فيه، لذلك سأفصل الكلام في إثبات هذه الحقيقة بالتركيز على المكانة العلمية الرفيعة للكوفة.
وسعياً في تحقيق ذلك فسيكون الكلام في حال الصحابة - رضي الله عنهم - الذين نزلوا في الكوفة وما قاموا به من نشر للعلم، ثم في كيفية نقل فعلهم وأقوالهم وتواترها جيلاً بعد جيل إلى أن وصلت إلى إمام الأئمة أبي حنيفة - رضي الله عنه - الذي نقل فقه إلينا بطرق متواترة أو مشهورة.
فمَن يدقِّق النظر يجد أن فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقوله المنقول من خلال مدرسة الكوفة ظفر بعناية فائقة في كل طبقة من الطبقات حتى وصل إلينا، بلا شكّ في رجل من السند، أو وهم راوٍ، أو تدليس شيخ، أو اضطراب لفظ وسند، أو انقطاع، أو نقل حديث بالمعنى، أو غيرها مما يقع في الحديث النبوي الشريف؛ لأنه نقل من طريق الفقهاء الكبار الضابطين في كل طبقة البالغ عددهم حدّ التواتر، بخلاف ما يكون مروياً بطرق بعض الرواة، وبطرق آحاد.
¬
(¬1) التجريد 1: 411.
بسبب ذلك وجدنا الإمام مالكاً - رضي الله عنه - لا يعير بالاً لحديث مخالف لعمل أهل المدينة، ليس لأن فعل أهل المدينة مقدّم على كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا عاقل يقول بذلك، بل لأنه - رضي الله عنه - يسعى للتثبت فيما نقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالكل راجع له - صلى الله عليه وسلم -، ومسترشد بقوله، فما نقل بطرق متواترة من فعل وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصحابة - رضي الله عنهم - المقيمين بالمدينة، ومن التابعين ومن بعدهم - رضي الله عنهم - جزماً أقوى مما نقل بطرق آحاد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يمكن أن يكون الراوي نسي أو أخطأ، أو غيَّر معنى، أو غير ذلك مما يطول (¬1).
وهذا الأمر بتمامه حاصل بالكوفة، فهي حاضرة الإسلام بعد المدينة المنورة، وفيها حلّ كبار الصحابة - رضي الله عنهم -، وفقَّهوا أهلها، وحمل عنهم التابعون ومَن بعدهم، وعلى رأسهم الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه -، فكل ما يخالف العمل المتوارث المنقول من فعل وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - بالطرق المتظافرة نجد الإمام أبا حنيفة لا يتركه لحديث حفظ راويه أو نسي، كما كان يفعل أئمة مدرسة الكوفة من قبله، فها هو الإمام إبراهيم النَّخَعيّ - رضي الله عنه - يحتجّ بذلك العمل المتوارث من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين نزلوا في الكوفة في مسألة، فيقول:
¬
(¬1) وتمام الكلام في عمل أهل المدينة في الكتب المتخصصة في ذلك مثل: عمل أهل المدينة، وخبر الواحد إذا خالف عمل أهل المدينة، والمسائل التي بناها الإمام مالك على عمل أهل المدينة، وغيرها من مطبوعات مركز البحوث في دولة الإمارات.
«هبط الكوفة ثلاثمئة من أصحاب الشجرة، وسبعون من أهل بدر، لا نعلم أحداً منهم قصر، ولا صلَّى الركعتين اللتين قبل المغرب» (¬1).
فهذه الحقيقة واضحة لكل مشتغل بالمذهب الحنفي والاستدلال له، فكل مسألة خالف فيها أبو حنيفة غيره وأعوزه الحديث فيها، وجدنا أنه قد قال بها ابن مسعود - رضي الله عنه -، أو علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، أو غيرهم من الصحابة - رضي الله عنهم - الذي حلّوا في الكوفة، وكان عمل فقهاء أهل الكوفة المعتمدين عليها، حتى وصل للإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، فاعتماده - رضي الله عنه - على هذا النقل المستفيض عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغنيه عن حديث الآحاد فيها.
وحاصل الكلام أن مدرسة المدينة ومدرسة الكوفة اعتمدتا في فقههما على النقل المتوارث جيلاً بعد جيل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما اختلف فيه، فكل منهما يقدم ما نقل مجتهدو الصحابة - رضي الله عنهم - الذي حلوا في بلده، ومَن بعدهم من الفقهاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويحتج به، وهذا وإن كان مصرحاً به في كتب المالكية ومنها «الموطأ»، إلا أننا نلاحظ الأمر نفسه متبعاً في كتب الأحناف ضمناً لمن يراجع كتب الاستدلال لهم: ككتاب «إعلاء السنن» وغيره، بخلاف ما عند الشافعية من الاعتماد على نقل الثقة عن غيره إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهذا هو سبيل الإمام الشافعي - رضي الله عنه - للظفر بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لتأخره زماناً عن الإمام أبي حنيفة والإمام مالك، وتنقله بين البلاد، فلمّا لم يحصل له ما حصل لهما من النقل المدرسي المتوارث، ولا ضير عليه في ذلك؛ لأن كلّاً
¬
(¬1) ينظر: طبقات ابن سعد 6: 9.
منهما أصَّل الأصول المعتبرة في استخراج الفروع ونقل فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى غدا كلّ واحد منهما لإحكام قواعده راجحاً في ذاته إذا نظرنا لمسائله من خلال أصوله، مرجوحاً لمقلّد غيره إذا نظر له من خلال أصول غيره.
وتوضيحاً لما أجمل نبسط الكلام في مدرسة الكوفة، واهتمامها بنقل فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالطرق المعتبرة المعتمدة، ببيان حال صحابته - صلى الله عليه وسلم - في الكوفة وأصحابهم وأصحاب أصحابهم، فنقول وبالله التوفيق:
المطلب الثاني: طبقات علماء الكوفة:
تمهيد في بناء الكوفة:
إن بعد افتتاح العراق في خلافة الفاروق - رضي الله عنه - بنيت الكوفة سنة سبع عشرة للهجرة، بناها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على يد سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - (¬1)، وأسكن حولها الفصّح من قبائل العرب (¬2)، فعمرُ - رضي الله عنه - أول مَن مصَّر الأمصار: الكوفة، والبصرة، والجزيرة، والشام، ومصر، والموصل، وأنزلها العرب، وخط الكوفة والبصرة خططاً للقبائل، وهو أول مَن استقضى القضاة في الأمصار، وهو أول مَن دوَّن الديوان، وكتب الناس على قبائلهم، وفرض لهم الأعطية من الفيء، وقسَّم القسوم بين الناس، وفرضَ لأهل بدر
¬
(¬1) ينظر: وفيات الأعيان 1: 207، وغيرها. قال ابن جرير: في سنة 15هـ مَصَّرَ سعدُ الكوفة، فليحرر. ينظر: تاريخ الخلفاء 1: 131، وغيره.
(¬2) ينظر: مقدمة نصب الراية ص301، والمدخل إلى الفقه الإسلامي ص86، وغيرها.
وفضلهم على غيرهم، وفرض للمسلمين على أقدارهم، وتقدمهم في الإسلام (¬1).
الطبقة الأولى: الصحابة:
أولاً: عدد الصحابة - صلى الله عليه وسلم - الذين توطنوا الكوفة:
فاق عدد الصحابة الذي حلَّوا بالكوفة ألفاً وخمسمئة، بينهم كبار المجتهدين والفقهاء: كعليٍّ، وابن مسعود، وأبي موسى الأشعري وغيرهم، فعن قتادة قال: «دخل الكوفة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ألف وخمسون، منهم ثلاثون بدريون» (¬2)، قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (¬3): «بينما ترى محمد بن الربيع الجيزي - رضي الله عنه - والسيوطي - رضي الله عنه - لا يستطيعان أن يذكرا من الصحابة - رضي الله عنهم - الذين نزلوا مصر إلا نحو ثلاثمئة صحابي، تجد العجلي يذكر أنه توطَّن الكوفة وحدها من الصحابة - رضي الله عنهم - نحو ألف وخمسمئة صحابي، بينهم نحو سبعين بدرياً، سوى مَن أقام بها، ونشر العلم بين ربوعها، ثم انتقل إلى بلد آخر، فضلاً عن باقي بلاد العراق».
وهذا التوطن من هذا الجم الكبير من الصحابة - رضي الله عنهم - في الكوفة لا سيما من الكبار منهم كان له الأثر البالغ في تفقيه أهلها، والارتقاء بهم، وهذا محسوس لكل دارس متتبع ذلك؛ لأنه واقع ملموس في زمن الصحابة - رضي الله عنهم -
¬
(¬1) ينظر: الطبقات الكبرى 5: 255، وغيرها.
(¬2) ينظر: الإرشاد 2: 533، وغيره.
(¬3) في مقدمة نصب الراية ص304.
ومن بعدهم، فعن قتادة عن خيثمة ابن أبي سبرة الجعفي - رضي الله عنه - قال: «أتيت المدينة فسألت الله تعالى أن ييسر لي جليساً صالحاً، وقال إبراهيم: سألت الله أن يرزقني جليس صدق، فيسَّر لي أبا هريرة - رضي الله عنه -، فجلست إليه، فقلت: إني سألت الله أن ييسر لي جليساً صالحاً فوفقت لي، فقال: ممن أنت؟ فقلت: من أهل الكوفة جئت لألتمس الخير والعلم. قال حماد: فقال: تسألني وفيكم علماء أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - وابن عمه عليّ بن أبي طالب، وفيكم سعد بن مالك مجاب الدعوة، وفيكم عبدالله بن مسعود صاحب وسائد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونعليه، وفيكم حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعمار بن ياسر الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وسلمان صاحب الكتابين، قال قتادة: الكتابان: الإنجيل والفرقان» (¬1).
فإن الصحابة - رضي الله عنهم - هم الذين نقلوا لنا هذا الدين عن صاحب الرسالة - صلى الله عليه وسلم -، وهم أعرف الناس بالإسلام، وأكثرهم فهماً لها؛ لأنهم عايشوا نزول القرآن، وتعلموا أحكامه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفقهوا مسائله، قال الإمام الشافعي - رضي الله عنه - عنهم - رضي الله عنهم -: «أدَّوا إلينا سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وشاهدوه والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عامّاً وخاصّاً، وعَزْماً وإرشاداً، وعرفوا من سننه ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع وعقل، وأمر
¬
(¬1) ينظر: حلية الأولياء 4: 120، وغيرها.
استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد، وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا» (¬1).
ففقه مدرسة الكوفة مبنيّ على ما نقله وقال به صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي مقدمتهم ابن مسعود - رضي الله عنه -، وهذه ميزة لهم لا تعدوها ميزة؛ لأنه لا يشك عالم عاقل في أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا من أكثر الخلق تتبعاً لآثار النبي - صلى الله عليه وسلم - في قولهم وسلوكهم، وأشدّ الناس أمانة على دين الله تعالى، فمن يتمسك بهديهم، فهو على هدى؛ لأنه سائر على شرع الله - جل جلاله -.
وقد بينت كتب التراجم الخاصة بالصحابة - رضي الله عنهم - كـ «الإصابة» لابن حجر وغيره الصحابةَ الذين نزلوا في الكوفة، ولا يمكننا في هذا المقام ذكرهم وحصرهم، وإنما نكتفي بالإشارة في ذكر مشاهيرهم، وعرض بعض أسماء غيرهم:
ثانياً: ابنُ مسعود وعليٌّ (عمدة فقه الكوفة:
كتبت في كليتنا الموقرة رسالة ماجستير في أثر ابن مسعود - رضي الله عنه - في فقه الحنفية، وجمع ما يقارب (500) مسألة لهذا ودرست، وتبين أن (92%) موافق للمذهب الحنفي، وأن عامة المسائل المشهور في المذهب هي أقوال ابن مسعود - رضي الله عنه -، سواء عدم رفع اليدين في الصلاة، أو التأمين سراً، أو عدم الجهر بالبسملة وغيرها، وبالتالي يظهر أن المذهب الحنفي هو مذهب ابن مسعود - رضي الله عنه - بحق، ولكن تم تطويره حتى وصل لما عليه الآن.
¬
(¬1) ينظر: عبد الله بن مسعود ص247، وغيره.
1.عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -:
فقيه الكوفة (¬1)، وأحد أذكياء العالم (¬2)، وهو من أوائل مَن أسلم، قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «لقد رأيتني سادس ستة، وما على ظهر الأرض مسلم غيرنا» (¬3)، وهو أول مَن جهر بالقرآن بمكة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬4)، وكان من أشد الناس ملازمة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فعن أبي موسى - رضي الله عنه -، قال: «قدمت أنا وأخي من اليمن، فمكثنا حيناً، وما نحسب ابن مسعود وأمَّه إلا من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لكثرة دخولهم وخروجهم عليه» (¬5)، ورخص له النبي - صلى الله عليه وسلم - بما لم يرخص لغيره، فعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذنك عليَّ أن ترفع الحجاب، وأن تستمع سوادي - أي سري - حتى أنهاك» (¬6).
وكان - رضي الله عنه - من أكثر الصحابة - رضي الله عنهم - ملازمة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فعن القاسم بن عبد الرحمن - رضي الله عنه - قال: «كان عبد الله يُلبس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعليْه، ثم يمشي أمامه بالعصا، حتى إذا أتى مجلسه نزع نعليه، فأدخلهما في ذراعه، وأعطاه العصا،
¬
(¬1) ينظر: طبقات المحدثين 1: 24، وغيرها.
(¬2) ينظر: سير أعلام النبلاء 1: 462، وغيرها.
(¬3) في حلية الأولياء 1: 126، والمستدرك 3: 313، وصححه، ووافقه الذهبي، قال الشيخ شعيب: وهو كما قالا. ينظر: هامش السير 1: 464.
(¬4) في سيرة ابن هشام 1: 314، والإصابة 6: 215، قال الشيخ شعيب: رجاله ثقات. ينظر: هامش السير 1: 466.
(¬5) سنن النسائي الكبرى 5: 103، وصحيح البخاري 3: 1373، وغيرها.
(¬6) في صحيح مسلم 4: 1708، وصحيح ابن حبان 15: 545، وغيرها.
وكان يدخل الحجرة أمامه بالعصا» (¬1)، هذا الأمر جعله من أكثر الصحابة - رضي الله عنهم - حالاً وصفة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى قال عنه حذيفة - رضي الله عنه -: «كان أقرب الناس هدياً، ودَلّاً، وسمتاً برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن مسعود، حتى يتوارى منّا في بيته، ولقد علم المحفظون (¬2) من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - أن ابن أم عبد هو أقربهم إلى الله زلفى» (¬3).
ونال - رضي الله عنه - من فيض النبوة وعلمها ما فاق به غيره، فعن أبي الأحوص - رضي الله عنه - قال: «كنا في دار أبي موسى مع نفر من أصحاب عبد الله، وهم ينظرون في مصحف، فقام عبد الله، فقال أبو مسعود: ما أعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك بعده أعلم بما أنزل الله من هذا القائم، فقال أبو موسى: أما لئن قلت ذاك لقد كان يشهد إذا غبنا، ويؤذن إذا حجبنا» (¬4). وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: «لقد قرأت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضعاً وسبعين سورة، ولقد عَلِمَ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إني أعلمهم بكتاب الله، ولو أعلم أنّ أحداً أعلم منِّي لرحلت إليه، قال شقيق: فجلست في حلق أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فما سمعت أحداً يرد ذلك عليه ولا يعيبه» (¬5).
وعن يحيى بن سعيد أن رجلاً سأل أبا موسى الأشعري - رضي الله عنه - فقال: «إني مصصت عن امرأتي من ثديها لبناً، فذهب في بطني، فقال أبو موسى: لا
¬
(¬1) ينظر: سير أعلام النبلاء 1: 469 - 470، وغيره.
(¬2) في سير أعلام النبلاء 1: 470: المتهجدون، وقال الذهبي: لعله المجتهدون.
(¬3) في جامع الترمذي 5: 673، وقال: حديث حسن صحيح.
(¬4) في صحيح مسلم 1: 1912، وغيره.
(¬5) في صحيح مسلم 4: 1912، وغيره.
أراها إلا قد حرمت عليك. فقال عبد الله بن مسعود: انظر ماذا تفتي به الرجل؟! فقال أبو موسى: فماذا تقول أنت؟ فقال عبد الله بن مسعود: لا رضاعة إلا ما كان في الحولين. فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما كان هذا الحبر بين أظهركم» (¬1).
ولا أعظم من أن يشهد بفضله - رضي الله عنه - ومكانته مشكاة النبوة، ومما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «رضيت لأمتي ما رضي لهم ابن أم عبد، وكرهت لأمتي ما كره ابن أم عبد» (¬2). وقال - صلى الله عليه وسلم -: «تمسّكوا بعهد ابن أم عبد» (¬3). وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن سرَّه أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد» (¬4). وقال - صلى الله عليه وسلم -: «خذوا القرآن من أربعة: من ابن أم عبد فبدأ به ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وسالم مولى أبي حذيفة» (¬5).
¬
(¬1) في موطأ مالك 2: 607، وسنن البيهقي الكبير 6: 233، وسنن النسائي الكبرى 4: 71، ومسند أحمد 1: 463، وغيرها.
(¬2) في المعجم الأوسط 7: 70، ومسند البزار 5: 354، وفيه: لا نعلم أسند منصور عن القاسم عن أبيه عن عبد الله إلا هذا الحديث ولا نعلم رواه مسنداً إلا عمرو بن أبي قيس.
(¬3) في مصنف ابن أبي شيبة 7: 433، صحيح ابن حبان 15: 328، والمستدرك 3: 79، وجامع الترمذي 5: 668، والسنة 2: 580، وغيرها.
(¬4) في صحيح ابن حبان 15: 542، واللفظ له، والمستدرك 2: 247، والأحاديث المختارة 1: 385، وغيرها.
(¬5) في صحيح مسلم 4: 1913، واللفظ له، وصحيح البخاري 3: 1385، وغيرهما.
فأي فقه يكون صادراً ممَّن لازم النبي - صلى الله عليه وسلم - منذ بدء الإسلام، ولم يكن يحتجب عنه، وكان مشهوراً بالعلم والفضل، حتى شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، لهو أحرى بالقبول والتلقي والعمل من غيره، فهو - رضي الله عنه - من أعلى الصحابة - رضي الله عنهم - مكانة في العلم والفقه، بحيث لا يستغني عنه مثل عمر - رضي الله عنه - في فقه ويقظته (¬1)؛ لذلك قال عمر - رضي الله عنه - عنه: «كُنَيف ملئ فقهاً» (¬2). وفي رواية: «علماً» (¬3). وقال علي - رضي الله عنه -: «علم القرآن والسنة» (¬4). وقال الشعبي - رضي الله عنه -: «ما كان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أفقه صاحباً من ابن مسعود» (¬5). وما ورد في فضل ابن مسعود - رضي الله عنه - في كتب السنة شيء كثير جداً (¬6)، وليس هنا محل استقصاؤه، وإنما التنبيه على علمية وفضل هذا الصحابي الذي قام عليه فقه الكوفة.
فابن مسعود - رضي الله عنه - عُني بتفقيه أهل الكوفة، وتعليمهم القرآن من سنة بناء الكوفة إلى أواخر خلافة عثمان - رضي الله عنه - عناية لا مزيد عليها، إلى أن امتلأت
¬
(¬1) ينظر: مقدمة نصب الراية ص301 - 302، وغيرها.
(¬2) في مصنف ابن أبي شيبة 6: 384، والمعجم الكبير 9: 85، وفي مجمع الزوائد 9: 291: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(¬3) في مصنف عبد الرزاق 10: 13، وآثار أبي يوسف ص133، والمعجم الكبير 9: 349، في مجمع الزوائد 6: 303،: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إلا أن قتادة لم يدرك عمر ولا ابن مسعود.
(¬4) ينظر: طبقات الشيرازي ص24، وغيره.
(¬5) ينظر: المصدر السابق ص25، وغيره.
(¬6) ينظر: مقدمة نصب الراية ص301 - 302.
الكوفة بالقراء، والفقهاء المحدثين، بحيث أبلغ بعض ثقات أهل العلم (¬1) عدد من تفقه عليه، وعلى أصحابه، نحو أربعة آلاف عالم (¬2)، قال الإمام السَّرَخسي (¬3): «كان - رضي الله عنه - بالكوفة وله أربعة آلاف تلميذ يتعلمون بين يديه، حتى روي أنه لمَّا قدم علي - رضي الله عنه - الكوفة وخرج إليه ابن مسعود - رضي الله عنه - مع أصحابه حتى سدوا الأفق، فلمَّا رآهم علي - رضي الله عنه - قال: «ملأت هذه القرية علماً وفقهاً».
فتلاميذه - رضي الله عنه - كانوا علماء الكوفة، الذي يرشدون الناس إلى خيرهم في دنياهم وآخرتهم، ومنارة للمستنيرين بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال سعيد بن جبير - رضي الله عنه -: «كان أصحاب عبد الله سُرُج هذه القرية» (¬4)، ومن أمثلة شدّة عنايته - رضي الله عنه - بتعليم أصحابه ما ورد عن علقمة - رضي الله عنه -: «كنا عند عبد الله، فجاء خبَّاب بن الأرت - رضي الله عنه - حتى قام علينا، في يده خاتم من ذهب، فقال: أكلُّ هؤلاء يقرؤون كما تقرأ؟ فقال عبد الله: إن شئت أمرت بعضهم يقرأ، قال: أجل، فقال: اقرأ يا علقمة. فقال فلان: أتأمُره أن يقرأ وليس بأقرئنا؟ قال عبد الله: إن شئت حدثتك بما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قومه وقومك. قال علقمة: فقرأت خمسين آية من سورة مريم، فقال عبد الله: ما قرأ إلا كما أقرأ. ثم قال عبد الله:
¬
(¬1) هو الإمام السرخسي في المبسوط 16: 68.
(¬2) ينظر: مقدمة نصب الراية ص302.
(¬3) في المبسوط 16: 68.
(¬4) ينظر: طبقات الشيرازي ص81، وطبقات ابن سعد 6: 10، وغيرها.
ألم يأن لهذا الخاتم أن يطرح؟ فنزعه، ورمى به، وقال: والله لا تراه علي أبداً» (¬1).
ومعلوم أن علم العالم يظهر بتلاميذه الذين يقومون بنقل مسائله ونشرها بين الناس، فلولا التلاميذ يضيع فقه الإمام كائناً من كان، فهم حلقة نقله إلى الآخرين (¬2)، يوضح ذلك قول الإمام الشافعي: «الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به» (¬3)، وقد كان ابن مسعود - رضي الله عنه - من النفر القلائل من الصحابة - رضي الله عنهم - الذين تيسر لهم التلاميذ الكثر، فقاموا بنقل علمهم وفقهم الذي ورثوه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال علي بن المديني: «لم يكن من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد له أصحاب يقولون بقوله في الفقه إلا ثلاثة: عبد الله ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس - رضي الله عنهم -» (¬4).
وقال محمد بن جرير: «لم يكن أحد له أصحاب معروفون، حرَّروا فتياه ومذاهبه في الفقه غير ابن مسعود - رضي الله عنه - وكان يترك مذهبه وقوله لقول عمر - رضي الله عنه -، وكان لا يكاد يخالفه في شيء من مذاهبه، ويرجع من قوله إلى قوله» (¬5).
¬
(¬1) قال الشيخ شعيب في هامش السير 1: 471: رجاله ثقات.
(¬2) ينظر: المدخل إلى الفقه الإسلامي ص181.
(¬3) ينظر: وفيات4: 127 - 128، وطبقات الشيرازي ص75 - 76، والأعلام6: 115.
(¬4) ينظر: ابن مسعود - رضي الله عنه - ص279، وغيره.
(¬5) ينظر: مقدمة نصب الراية ص305، والمدخل إلى الفقه الإسلامي ص89، وابن مسعود - رضي الله عنه - ص279، وغيرها.
بسبب ذلك نجد التابعي الكبير مسروق - رضي الله عنه - يقول: «شاممت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجدت علمهم انتهى إلى ستة: نصفهم أهل الكوفة (¬1): إلى عمر، وعلي، وعبد الله، ومعاذ، وأبي الدرداء، وزيد بن ثابت، فشاممت هؤلاء الستة فوجدت علمهم انتهى إلى عليّ وعبد الله» (¬2).
فعمر - رضي الله عنه - لم يتوطَّن الكوفة، ولكن شيخ الكوفة ابن مسعود - رضي الله عنه - كان يتابعه في اجتهاداته، ويترك اجتهاده لاجتهاد عمر - رضي الله عنه -، مما جعل فتاوى عمر - رضي الله عنه - مصدراً أساسياً في فقه أهل الكوفة، ويدرك ذلك كلّ مشتغل بالاستدلال لمسائل أهل الكوفة، فإنها تكون موافقة لقول عمر - رضي الله عنه -.
لهذا قال الإمام الكوثري (¬3): «وبهذا يكون حتى علم عمر - رضي الله عنه - قد غذيت به الكوفة وكان مستنداً لهم في فقههم، فإن كان ذلك يكون قد اجتمع لهم علم أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فحقّ لهم أن يبنوا لمن خلفهم هذا البنيان الفقهي الشامخ الذي بهروا به الأبصار.
¬
(¬1) ينظر: طبقات الشيرازي ص25، وغيره.
(¬2) في المعجم الكبير 9: 94، والجرح والتعديل 7: 27، وسير أعلام النبلاء 1: 493، وصفوة الصفوة 1: 403 والطبقات الكبرى 2: 351، وعلل المديني ص42، ومجمع الزوائد 9: 160، وينظر: ابن مسعود - رضي الله عنه - ص279، والمدخل إلى الفقه الإسلامي 89، وغيرها.
(¬3) في مقدمة نصب الراية ص305.
وكان بين فقهاء الصحابة مَن يوصي أصحابه بالالتحاق إلى ابن مسعود، إقراراً منهم بواسع علمه، كما فعل معاذ بن جبل - رضي الله عنه -، حيث أوصى صاحبه عمرو بن ميمون الأودي - رضي الله عنه - باللحاق بابن مسعود - رضي الله عنه - بالكوفة»؛ لأنه كان من أعظم فقهاء الصحابة أجمعين، توفي - رضي الله عنه - بالمدينة سنة (32هـ) (¬1). وسيأتي مزيد التفصيل في ذكر تلاميذ هذا الصحابي الجليل - رضي الله عنه - فيما بعد.
2.علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -:
وهو رابع الخلفاء الراشدين الذي قال فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنه مَن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (¬2).
وقد تربَّى - رضي الله عنه - في بيت النبوة، وتزوج قرة عين المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، لذلك قال - صلى الله عليه وسلم - فيه: «علي مني، وأنا من علي» (¬3)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: مشاهير علماء الأمصار 1: 10، وغيرها.
(¬2) في صحيح ابن حبان 1: 179، والمستدرك 1: 174، والمسند المستخرج 1: 35، وجامع الترمذي 5: 44، وسنن الدارمي 1: 57، وغيرها.
(¬3) في جامع الترمذي 5: 636، وحسنه، وسنن ابن ماجة 1: 44، ومصنف ابن أبي شيبة 6: 371، ومسند أحمد 4: 165، ومسند أبي يعلى 1: 293، والمعجم الكبير 4: 16، وغيرها.
(¬4) في صحيح مسلم 4: 1870، وصحيح البخاري 3: 1359، وغيرها.
وكان - رضي الله عنه - من كبار علماء ومجتهدي الصحابة - رضي الله عنهم -، حتى بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن ليعلم ويفتي أهلها، فعن علي - رضي الله عنه - قال: «بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن فقلت: يا رسول الله، تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء؟! قال: فضرب بيده في صدري، ثم قال: اللهم اهد قلبه وثبت لسانه. قال: فما شككت بعد في قضاء بين اثنين» (¬1). وقال فيه - صلى الله عليه وسلم -: «أنا مدينة العلم وعليّ بابها» (¬2)، وقال عمر - رضي الله عنه -: «علي أقضانا» (¬3).
وعن سعيد بن المسيب - رضي الله عنه -: «كان عمر يتعوذ من مُعْضلة ليس فيها أبو الحسن» (¬4). وعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «إذا حدثنا ثقة علي بفتيا لا نعدوها» (¬5). وعن عائشة (أن علياً ذكر عندها فقالت: «أما إنه أعلم من بقي بالسنة» (¬6). وقال: «علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أعلم أهل المدينة بالفرائض علي بن أبي
¬
(¬1) في سنن ابن ماجة 2: 774، ومسند البزار 3: 125، ومسند عبد بن حميد 1: 61، قال السيوطي في تاريخ الخلفاء ص170: أخرجه الحاكم وصححه.
(¬2) في المستدرك 3: 137، وصححه، والمعجم الكبير 11: 65، قال السيوطي في تاريخ الخلفاء ص170: هذا حديث حسن على الصواب. لا صحيح كما قال الحاكم، ولا موضوع كما قاله جماعة منهم ابن الجوزي والنووي، وقد بينت حاله في التعقبات على الموضوعات.
(¬3) في المستدرك 3: 345، ومصنف ابن أبي شيبة 6: 138، ومسند أحمد 5: 113، وغيرها.
(¬4) ينظر: فتح الباري 13: 343، وتهذيب الكمال 20: 485، وتهذيب التهذيب 7: 296، وصفوة الصفوة 1: 314، والاستعياب 3: 1103، والطبقات الكبرى 2: 339، والإصابة 4: 568، وتاريخ الخلفاء ص171 وغيرها.
(¬5) ينظر: الطبقات الكبرى 2: 338، وفتح الباري 7: 73، وتاريخ الخلفاء ص171.
(¬6) ينظر: تاريخ الخلفاء ص171، وغيرها.
طالب» (¬1). وعن سعيد بن المسيب - رضي الله عنه -: «لم يكن أحد من الصحابة يقول سلوني إلا علي» (¬2).
وقال مسروق - رضي الله عنه -: «انتهى العلم إلى ثلاثة: عالم بالمدينة، وعالم بالشام، وعالم بالعراق. فعالم المدينة علي بن أبي طالب، وعالم العراق عبد الله بن مسعود، وعالم الشام أبو الدرداء، فإذا التقوا سأل عالم العراق وعالم الشام عالم المدينة، ولم يسألهما» (¬3).
وبانتقال عالم المدينة - رضي الله عنه - إلى الكوفة اجتمع علمه - رضي الله عنه - وعلم ابن مسعود - رضي الله عنه - لأهلها؛ إذ أن باب مدينة العلم، لم يكن بأقل عناية بالعلم من ابن مسعود - رضي الله عنه -، فوالى تفقيههم، إلى أن أصبحت الكوفة لا مثيل لها في أمصار المسلمين، في كثرة فقهائها، ومحدثيها، والقائمين بعلوم القرآن، وعلوم اللغة العربية فيها، بعد أن اتخذها علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، عاصمة الخلافة، وبعد أن انتقل إليها أقوياء الصحابة - رضي الله عنهم - وفقهاؤهم، توفي سنة (40هـ) (¬4).
وهذا المذكور من حال علي وابن مسعود - رضي الله عنه - غيض من فيض، إذ لا يتسع المقام الإحاطة بحالهما، وإنما المراد التنبيه والإشارة إليه؛ لأن على
¬
(¬1) في الاستيعاب 3: 1105، وتاريخ الخلفاء ص171، وغيرها.
(¬2) ينظر: تاريخ الخلفاء ص171، وفيض القدير 4: 357، وفتح الباري 8: 599، وتهذيب التهذيب 7: 297 وتهذيب الكمال 20: 487، وغيرها.
(¬3) ينظر: المصدر السابق ص23، وغيره.
(¬4) ينظر: المدخل إلى الفقه الإسلامي ص88، وغيره.
علمهما المنقول عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واجتهادهما وفقههما اعتمد فقه أهل الكوفة، فما من مسألة يطول فيها الكلام على المذهب الحنفي الممثل لمدرسة الكوفة إلا وتجد أنهم يحتجون بما يروى عن علي - رضي الله عنه - أو ابن مسعود - رضي الله عنه -؛ لما عرف من حالهما، وفضلهما، قال الإمام السَّرَخسي - رضي الله عنه - (¬1) في مسألة استدل فيها الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - بقول إبراهيم النخعي - رضي الله عنه -: «وما ذكر هذا على سبيل الاحتجاج بقول إبراهيم؛ لأن أبا حنيفة - رضي الله عنه - كان لا يرى تقليد التابعين، وكان يقول: هم رجال ونحن رجال، ولكن ظهر عنده أنّ إبراهيم فيما كان يُفتي به يعتمدُ قول عليّ وابن مسعود - رضي الله عنهم -، فإن فقه أهل الكوفة دار عليهما، وكان إبراهيم أعرف الناس بقولهما، فما صح عنه فهو كالمنقول عنهما، فلهذا حشا الكتاب من أقاويل إبراهيم - رضي الله عنه -».
ثالثاً: تراجم علماء الصحابة الذي سكنوا الكوفة:
1.سعد بن أبي وقاص:
وهو فاتح العراق، وباني الكوفة، وأول والٍ عليها من قبل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، ثم عزل، ووليها من قبل عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وآخرهم موتاً، وكان أحد الفرسان، وأول مَن رمى بسهم في سبيل الله، وأحد الستة أهل الشورى، وقال عمر - رضي الله عنه -: «إن أصابته الإمرة فذاك، وإلا فليستعن به الوالي»، وكان مجاب الدعوة مشهوراً بذلك.
¬
(¬1) في المبسوط 11: 2.
روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيراً، وروى عنه بنوه إبراهيم، وعامر، ومصعب، وعمر، ومحمد، وعائشة، ومن الصحابة عائشة، وابن عباس، وابن عمر، وجابر بن سمرة - رضي الله عنهم -، ومن كبار التابعين سعيد بن المسيب، وأبو عثمان النهدي، وقيس بن أبي حازم، وعلقمة، والأحنف وآخرون، توفي سنة (51هـ) (¬1).
2.عمار بن ياسر - رضي الله عنه -:
تولى إمارة الكوفة بعد سعد - رضي الله عنه -، فكتب عمر - رضي الله عنه - إلى أهل الكوفة: «أما بعد: فإني قد بعثت إليكم عماراً أميراً، وعبد الله قاضياً ووزيراً، وإنهما من نجباء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وممّن شهد بدراً، فاسمعوا لهما وأطيعوا، فقد آثرتكم بهما على نفسي» (¬2)، وكان بعثهما ليعلموا أهلها القرآن، ويفقهوهم في الدين، ويجيبوا عن أسئلتهم فيما يقع لهم، قال الشعبي - رضي الله عنه -: «سئل عمار عن مسألة، فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا. قال: فدعونا حتى يكون، فإذا كان تجشَّمناه لكم».
وهو ممَّن قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اهتدوا بهدي عمّار» (¬3)، وعن عمر بن الحكم - رضي الله عنه -: «كان عمار يعذَّب حتى لا يدري ما يقول، وكذا صهيب - رضي الله عنهم -،
¬
(¬1) ينظر: الإصابة 3: 73 - 74، وتاريخ الخلفاء 1: 153، وغيرها.
(¬2) ينظر: طبقات الشيرازي ص24، وغيره.
(¬3) في صحيح ابن حبان 15: 328، والمستدرك 3: 79، وجامع الترمذي 5: 668.
وفيهم نزلت: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (¬1)».
روى عنه: عليّ، وابن عباس، وأبو موسى الأشعري، وأبو أمامة الباهلي، وجابر بن عبد الله، ومحمد بن الحنفية، وعلقمة، وزرّ، وأبو وائل، وهمام بن الحارث، وغيره - رضي الله عنهم -.
وكان سلوكه في اقتفاء حال النبي - صلى الله عليه وسلم - منارة يقتدي بها أهل الكوفة في التواضع وغيره، فعن عبد الله بن أبي الهذيل - رضي الله عنه -: «رأيت عماراً اشترى قتاً (¬2) بدرهم، وحمله على ظهره، وهو أمير الكوفة»، توفي سنة (37هـ) (¬3).
3.أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه -:
وهو ممن ولي إمرة الكوفة والبصرة لعمر - رضي الله عنه -، وجاهد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحمل عنه علماً كثيراً، واستعمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعاذاً على زَبيد، وعَدَن، واستعمله عثمان - رضي الله عنه - على الكوفة، وكان عمر - رضي الله عنه - إذا رآه قال: «ذكِّرنا ربنا يا أبا موسى»، فيقرأ عنده. وكان أبو موسى - رضي الله عنه - هو الذي فقَّه أهل البصرة وأقرأهم، سكن الكوفة، وتفقه به أهلها حتى استعمله عثمان عليهم بعد عزل سعيد بن العاص (¬4).
¬
(¬1) النحل:41.
(¬2) القت: وهو الرطبة من علف الدواب. ينظر: هامش السير 1: 423، وغيرها.
(¬3) ينظر: سير أعلام النبلاء 1: 406 - 428، وغيرها.
(¬4) ينظر: الإصابة 4: 211 - 213، وسير أعلام النبلاء 2: 380 - 381، وغيرها.
وقال أنس - رضي الله عنه - بعثني الأشعري - رضي الله عنه - إلى عمر - رضي الله عنه - فأتيته فسألني عنه، فقلت: «تركته يعلم الناس». قال: «أما أنه كيس فلا تسمعها إياه» (¬1). وقال أبو البختري: سئل عليٌّ - رضي الله عنه - عن أبي موسى - رضي الله عنه -، فقال: «صُبغ في العلم صبغة». وقال الأسود بن يزيد: «لم أر بالكوفة أعلم من عليّ وأبي موسى» (¬2)، توفي بالكوفة سنة (42هـ) (¬3).
وقال الشعبي: «يؤخذ العلم عن ستة: عمر، وعبد الله، وزيد، يشبه علمهم بعضه بعضاً، وكان عليّ، وأبيّ، وأبو موسى يشبه علمهم بعضه بعضاً، يقتبس بعضهم من بعض» (¬4).
4.حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه -:
وهو من نجباء أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو صاحب السرّ، بعثه عمر - رضي الله عنه - على المدائن، فقرأ عهده عليهم، فقالوا: سل ما شئت، قال: طعاماً آكله، وعلف حماري هذا ما دمت فيكم من تِبْن. فأقام فيهم ما شاء الله، ثم كتب إليه عمر: اقدم. فلما بلغ عمر قدومه، كَمَنَ له على الطريق، فلما رآه على الحال
¬
(¬1) قال الشيخ شعيب في هامش السير 2: 390: رجاله ثقات، أخرجه ابن سعد 4: 108، وابن عساكر 506 - 507.
(¬2) ينظر: سير أعلام النبلاء 2: 388، وغيرها.
(¬3) ينظر: طبقات الفقهاء 1: 25، وتاريخ الخلفاء 1: 156، وسير أعلام النبلاء 2: 382.
(¬4) ينظر: سير أعلام البلاء 2: 389، و غيرها.
التي خرج عليها، أتاه فالتزمه، وقال: أنت أخي، وأنا أخوك. قال أبو إسحاق: «كان حذيفة يجيء كل جمعة إلى الكوفة» (¬1).
والكلام في فضله ومكانته طويل، أكتفي منه بقول علي - رضي الله عنه -: «عَلِمَ المنافقين، وسأل عن المعضلات، فإن تسألوه تجدوه بها عالماً» (¬2)، توفي بالمدائن سنة (36هـ).
5.سلمان الفارسي - رضي الله عنه -:
وهو من مشاهير الصحابة - رضي الله عنهم - الذي ورد في حكمته وفضله آثار عديدة، يضيق المقام عن بسطها، نقتصر منها على ما قاله حميد بن هلال: «أُوخي بين سلمان وأبي الدرداء، فسكن أبو الدرداء الشام، وسكن سلمان الكوفة، وكتب أبو الدرداء إليه: سلامٌ عليكم. أما بعد، فإن الله رزقني بعدك مالاً وولداً، ونزلت الأرض المقدسة. فكتب إليه سلمان: اعلم أن الخير ليس بكثرة المال والولد، ولكن الخير أن يعظم حلمُك، وأن ينفعك علمُك، وإن الأرض لا تعمل لأحد، اعمل كأنك ترى، واعدُد نفسَك من الموتى»، توفي بالمدائن سنة (36هـ) (¬3).
¬
(¬1) ينظر: سير أعلام النبلاء 2: 366، وغيرها.
(¬2) قال الشيخ شعيب في هامش السير 2: 363: رجاله ثقات.
(¬3) ينظر: سير أعلام النبلاء 1: 548، 554 وغيرها.
6.البراء بن عازب - رضي الله عنه -:
وهو ممن استصغر يوم بدر، وشهد خمس عشرة غزوة، وما قدم النبي المدينة حتى قرأ سوراً من المفصل، وكان ممَّن بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن مع علي - رضي الله عنه -، ثم رجع معه، فأدركوا حجة الوداع سنة عشر (¬1). قال الذهبي (¬2): «الفقيه الكبير أبو عمارة الأنصاري الحارثي المدني نزيل الكوفة، من أعيان الصحابة - رضي الله عنهم -»، توفي سنة (72هـ).
رابعاً: ذكر بعض الصحابة - رضي الله عنه - الذين نزلوا الكوفة:
سبق أن ذكرنا أنه نزل الكوفة ما فاق عن الألف والخمسمئة صحابي، ولا يمكننا في هذا المقام ذكرهم وبيان حالهم، وإنما نمثل بذكر بعضهم:
1. الأغلب بن جثم بن عمرو العجلي الراجز المشهور. قال ابن قتيبة - رضي الله عنه -: «أدرك الإسلام فأسلم، وهاجر ثم كان ممن سار إلى العراق مع سعد، فنزل الكوفة واستشهد في وقعة نهاوند» (¬3).
2. أنس بن الحارث بن نبيه، وقال ابن منده: «عداده في أهل الكوفة». وقال البخاري: «قتل مع الحسين بن علي» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة 1: 211، وغيرها.
(¬2) في سير أعلام النبلاء 3: 194 - 195.
(¬3) ينظر: الإصابة 1: 98، وغيرها.
(¬4) ينظر: المصدر السابق 1: 121، وغيرها.
3. أهبان بن أوس الأسلمي، قديم الإسلام صلى إلى القبلتين، ونزل الكوفة، ومات بها في ولاية المغيرة، قال البخاري: «له صحبة يعد في أهل الكوفة» (¬1).
4. بشير بن معبد أبو معبد الأسلمي، قال ابن حبان: «له صحبة، عداده في أهل الكوفة». وقال البخاري: «له صحبة، حديثه في الكوفيين» (¬2).
5. بُلَيْل بن بلال بن أحيحة الأنصاري، ذكره خليفة فيمن نزل الكوفة من الصحابة. وقال العدوي: «شهد أحداً وما بعدها» (¬3).
6. ثابت بن قيس بن الخطيم الأنصاري الظفري، وقال أبو عمر: «هو مذكور في الصحابة، استعمله سعيد بن العاصي على الكوفة لما طلبه عثمان لشكوى أهل الكوفة منه» (¬4).
7. جابر بن سمرة بن جنادة العامري السوائي، أخرج له أصحاب الصحيح، وعن جابر - رضي الله عنه - قال: «جالست النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر من مائة مرة». قال ابن السكن: «نزل الكوفة، وابتنى بها داراً، وتوفي فيها سنة 74هـ» (¬5).
¬
(¬1) ينظر: المصدر نفسه 1: 141، وغيرها.
(¬2) ينظر: نفس المصدر 1: 314، وغيرها.
(¬3) ينظر: الإصابة 1: 329، وغيرها.
(¬4) ينظر: المصدر السابق 1: 393، وغيرها.
(¬5) ينظر: الإصابة 1: 431، وغيرها.
8. جابر بن طارق بن أبي طارق الأحمسي البجلي، وكان من أهل القادسية، سكن الكوفة (¬1).
9. جرير بن عبد الله بن جابر البجلي الصحابي الشهير، وكان جرير جميلاً، قال عمر - رضي الله عنه -: «هو يوسف هذه الأمة»، وقدمه عمر في حروب العراق على جميع بجيلة، وكان لهم أثر عظيم في فتح القادسية، ثم سكن جرير الكوفة وأرسله علي - رضي الله عنه - رسولاً إلى معاوية - رضي الله عنه -، ثم اعتزل الفريقين وسكن قرقيسيا حتى مات سنة (ت51هـ) (¬2).
10. جعدة بن خالد بن الصمة الجشمي، قال ابن السكن: «إنه نزل الكوفة» (¬3).
11. جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي، ثم العلقي، أبو عبد الله، سكن الكوفة، ثم البصرة، قدمها مع مصعب بن الزبير، وروى عنه أهل المصرين (¬4).
12. الحارث بن سويد التميمي (أبو عائشة) يقال: أدرك الجاهلية، ونزل الكوفة (¬5).
¬
(¬1) ينظر: المصدر السابق 1: 432، وغيرها.
(¬2) ينظر: المصدر نفسه 1: 475، وغيرها.
(¬3) ينظر: نفس المصدر 1: 483، وغيرها.
(¬4) ينظر: الإصابة 1: 509، وغيرها.
(¬5) ينظر: المصدر السابق 2: 157، وغيرها.
13. حبة بن خالد الخزاعي، صحابي، نزل الكوفة (¬1).
14. حُبْشي بن جنادة بن نصر السَّلولي، صحابي، شهد حجة الوداع، ثم نزل الكوفة، يكنى أبا الجَنُوب، روى عنه أبو إسحاق السبيعي وعامر الشعبي، وصرح بسماعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال العسكري: «شهد مع علي مشاهده» (¬2).
15. الحجاج بن عبد الله الثقفي، ذكره خليفة فيمن نزل البصرة، ثم الكوفة من الصحابة - رضي الله عنهم - (¬3).
16. حذيفة بن أُسيد الغفاري، أبو سريحة، شهد الحديبية، وذكر فيمن بايع تحت الشجرة، ثم نزل الكوفة، روى عنه الشعبي وغيره، توفي سنة (42هـ) (¬4).
17. حصين بن سبرة، له إدراك، وسمع من عمر - رضي الله عنه -، نزل الكوفة، روى عنه إبراهيم التيمي، ذكره البخاري أيضاً (¬5).
18. حنظلة بن الربيع بن صيفي، روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكتب له وأرسله إلى أهل الطائف فيما ذكر ابن إسحاق، وشهد القادسية، ونزل الكوفة (¬6).
¬
(¬1) ينظر: المصدر نفسه 2: 14، وغيرها.
(¬2) ينظر: الإصابة 2: 13، وغيرها.
(¬3) ينظر: المصدر نفسه 2: 33، وغيرها.
(¬4) ينظر: المصدر السابق 2: 43، وغيرها.
(¬5) ينظر: نفس المصدر 2: 174، وغيرها.
(¬6) ينظر: المصدر نفسه 2: 134، وغيرها.
19. خباب بن الأرتَّ بن جندلة التميمي، أبو عبد الله، سبي في الجاهلية، فبيع بمكة فكان مولى أم أنمار الخزاعية، وكان من السابقين الأولين، روى الباوردي أنه أسلم سادس ستة، وهو أول من أظهر إسلامه، وعُذِبَ عذاباً شديداً لأجل ذلك، وشهد المشاهد كلها، وآخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين جبر ابن عتيك، روى عنه أبو أمامة وابنه عبد الله بن خباب، وأبو معمر، وقيس ابن أبي حازم، ومسروق وآخرون، وعن زيد بن وهب قال: «لما رجع عليّ - رضي الله عنه - من صفين مرَّ بقبر خباب - رضي الله عنه -، فقال: رحم الله خباباً، أسلم راغباً، وهاجر طائعاً، وعاش مجاهداً، وابتلى في جسمه أحوالاً، ولن يضيع الله أجره»، وشهد خباب بدراً، وما بعدها، ونزل الكوفة ومات بها سنة (37هـ) (¬1).
20. دُكَين بن سعيد الخثعمي، وهو معدود فيمن نزل الكوفة من الصحابة - رضي الله عنهم - (¬2).
21. زياد بن حُدَير الأسدي، نزيل الكوفة، له إدراك، وكان كاتباً لعمر - رضي الله عنه - على العشور (¬3).
22. سالم بن عبيد الأشجعي، من أهل الصفة، ثم نزل الكوفة، وروى له من أصحاب السنن (¬4).
¬
(¬1) ينظر: الإصابة 2: 285، وغيرها.
(¬2) ينظر: نفس المصدر 2: 390، وغيرها.
(¬3) ينظر: نفس المصدر 2: 641، وغيرها.
(¬4) ينظر: الإصابة 3: 10، وغيرها.
23. سبرة بن الفاكه المخزومي، صحابي، نزل الكوفة (¬1).
24. سعد بن إياس بن أبي إياس، أبو عمرو الشيباني، أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم -، نزل الكوفة (¬2).
25. سلمان بن ربيعة بن يزيد الباهلي، أبو عبد الله، له صحبة، روى عنه كبار التابعين كأبي وائل وأبي ميسرة وأبي عثمان النهدي وسويد بن غفلة، وشهد فتوح الشام، ثم سكن العراق، وولي غزو أرمينية في زمن عثمان، فاستشهد قبل الثلاثين أو بعدها، وقال ابن حبان: «وهو أول مَن استقضي على الكوفة، وكان رجلاً صالحاً يحج كل سنة» (¬3).
26. سلمة بن سلامة الثعلبي، من أهل الكوفة (¬4).
27. سلمة بن يزيد بن مشجعة الجعفي، نزل الكوفة (¬5).
28. سمعان بن هبيرة بن مساحق الأسدي، أبو السمالّ، الشاعر، له إدراك، ونزل الكوفة (¬6).
¬
(¬1) ينظر: الإصابة 3: 31، وغيرها.
(¬2) ينظر: المصدر نفسه 3: 254 وغيرها.
(¬3) ينظر: نفس المصدر 3: 139، وغيرها.
(¬4) ينظر: نفس المصدر 3: 149، وغيرها.
(¬5) ينظر: المصدر السابق 3: 156، وغيرها.
(¬6) ينظر: المصدر نفسه 3: 264، وغيرها.
29. شريك بن طارق بن سفيان الحنظلي، ذكره الواقدي وخليفة بن خياط وابن سعد فيمن نزل الكوفة من الصحابة - رضي الله عنهم - (¬1).
30. شَكَل بن حميد العبسي، صحابي، نزل الكوفة (¬2).
31. شيبان بن مالك الأنصاري السَّلَمي، قال مسلم وابن حبان: «له صحبة»، وقال البغوي: «سكن الكوفة» (¬3).
32. صخر بن العَيْلة بن عبد الله البجلي الأحمسي، قال البغوي: «سكن الكوفة» (¬4).
33. صفوان بن عَسَّال المرادي، له صحبة، وقال البغوي: «سكن الكوفة»، وقال ابن أبي حاتم: «كوفي له صحبة مشهور» (¬5).
34. ضرار بن الأزور الأسدي، أبو الأزور، قال البخاري وأبو حاتم وابن حبان: «له صحبة». وقال البغوي: «سكن الكوفة» (¬6).
35. طارق بن أشيم بن مسعود الأشجعي، قال البغوي: «سكن الكوفة» (¬7).
¬
(¬1) ينظر: الإصابة 3: 346، وغيرها.
(¬2) ينظر: المصدر السابق 3: 253، وغيرها.
(¬3) ينظر: المصدر السابق 3: 368، وغيرها.
(¬4) ينظر: المصدر السابق 3: 416، وغيرها.
(¬5) ينظر: المصدر السابق 3: 436، وغيرها.
(¬6) ينظر: المصدر نفسه 3: 481، وغيرها.
(¬7) ينظر: نفس المصدر 1: 507، وغيرها.
36. طارق بن شهاب بن عبد شمس البجلي الأحمسي، أبو عبد الله، رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو رجل، قال البغوي: «ونزل الكوفة» (¬1).
37. طارق بن عبد الله المحاربي، صحابي، نزل الكوفة، وروى عنه أبو الشعثاء وربعي بن خراش وأبو ضمرة (¬2).
38. طارق بن علقمة بن أبي رافع، قال البغوي: «سكن الكوفة» (¬3).
39. عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي، أبو معاوية، شهد الحديبية، وروى أحاديث شهيرة، ثم نزل الكوفة، توفي سنة ست أو سبع وثمانين (¬4).
40. عبد الله بن أبي عقيل الثقفي، ذكر الطبري أنه نزل الكوفة، وكان أحد الأمراء الأربعة الذين توجّهوا في خلافة عمر - رضي الله عنه - للأحنف بمرو الشاهجان (¬5).
¬
(¬1) ينظر: الإصابة 3: 510، وغيرها.
(¬2) ينظر: المصدر السابق 3: 511، وغيرها.
(¬3) ينظر: نفس المصدر 3: 512، وغيرها.
(¬4) ينظر: المصدر نفسه 4: 18، غيرها.
(¬5) ينظر: المصدر السابق 4: 180، وغيرها.
الطبقة الثانية: كبار التابعين:
أولاً: علماء الكوفة أصحاب ابن مسعود وعلي - رضي الله عنهم -:
إن مؤسس مدرسة الكوفة هم صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين رووا فعله وقوله إلى أهل الكوفة، وعلى رأسهم ابن مسعود - رضي الله عنه - وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وبانيها هم التابعون من تلاميذ الصحابة - رضي الله عنهم - الذي حلّوا فيها، وفي مقدمتهم علقمة والأسود، ومسروق وشريح - رضي الله عنهم -، فإنهم حافظوا على ما ورثوه من فقه الصحابة - رضي الله عنهم -، وما نقلوه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأضافوا إليه ما جدَّ من فروع بنوها على ما عرفوه، وهكذا الحال فيمن بعدهم كما سيأتي، وهذه كلمة جامعة من المؤرخ الذهبي توضح ذلك، إذ قال (¬1): «أفقه أهل الكوفة عليٌّ وابن مسعود (، وأفقه أصحابهما علقمة، وأفقه أصحابه إبراهيم، وأفقه أصحاب إبراهيم حماد، وأفقه أصحاب حماد أبو حنيفة، وأفقه أصحابه أبو يوسف، وانتشر أصحاب أبي يوسف في الآفاق، وأفقههم محمد، وأفقه أصحاب محمد أبو عبد الله الشافعي».
قال المحدث الكبير الشعبي - رضي الله عنه -: «ما كنت أعرف فقهاء الكوفة إلا أصحاب عبد الله - رضي الله عنه - قبل أن يقدمَ علينا عليٌّ - رضي الله عنه -، ولقد كان أصحاب عبد الله - رضي الله عنه - يسمون قناديل المسجد أو سرج المصر» (¬2).
¬
(¬1) في سير أعلام النبلاء 5: 236.
(¬2) ينظر: سير أعلام النبلاء 4: 309، وغيرها.
وقال إبراهيم التيمي - رضي الله عنه -: «كان فينا ستون شيخاً من أصحاب عبد الله» (¬1)، وليس المقصد من كلامهم حصرهم، وإنما بيان أرفعهم وأعلاهم مكانة من المشهورين المعروفين، وإلا فقد فاق أعدادهم آلاف على ما سيأتي.
وفي الصفة العامة للعلماء الكبار الذين ربَّاهم ابن مسعود - رضي الله عنه - يقول الحافظ الشعبي: «ما رأيت أحداً كان أعظم حلماً، ولا أكثر علماً، ولا أكف عن الدماء من أصحاب عبد الله، إلا ما كان من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» (¬2)، ولا غرابة في ذلك؛ لأنهم تعلموا وتأدبوا على أفضل الخلق بعد الأنبياء، وهم صحابة الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -، وفي طليعتهم عليٌّ - رضي الله عنه - الذي تربى في حجر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وابن مسعود - رضي الله عنه - الذي وصفه حذيفة - رضي الله عنه - كما مرَّ: «إنه أقرب الناس هدياً ودلاً وسمتاً برسول الله - صلى الله عليه وسلم -».
فلم يكن علمهم الذي ورثوه عن الصحابة - رضي الله عنهم - مقتصراً على ألفاظ مجردة جافة، بل شمل الخُلُق والسلوك مع القول والفعل، فكانوا أعظم مَن حمل الإسلام عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بكل ما فيه من قول وعمل وعقيدة وسلوك، وكانوا أحرص الناس على ذلك في حياتهم، حتى كتب الله لهم القبول، ونشر علم هذه المدرسة الممثلة للإسلام الحق بمعنى الكلمة إلى أرجاء الأرض، فأصبح عامة المسلمين في بقاع الأرض يتعبدون الله على ما
¬
(¬1) ينظر: طبقات ابن سعد 6: 10، وغيرها.
(¬2) ينظر: المصدر السابق 6: 11 - 12، وغيرها.
ورثوه عن مدرسة الكوفة، وشمل ذلك الدول المتعاقبة في الإسلام في الحكم والتطبيق في القضاء وغيره لفقه هذه المدرسة الأمينة العظيمة العريقة.
ثانياً: ذكر أسماء بعض أصحابهما:
إن من أراد الاستفاضة في معرفة أصحاب ابن مسعود وعلي - رضي الله عنهم - فليراجع «الطبقات الكبرى» لابن سعد، فإنه أورد أسماء الذين رووا عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، وترجم لهم، وأحاط بشيء من أخبارهم، وقد قسمهم إلى عدّة طبقات، أذكرهم هاهنا كما فعل العلامة عبد الستار الشيخ (¬1) على سبيل الإجمال والإيجاز؛ ليتبيَّن لنا كم كان العلم الذي نشره عبد الله والصحابة - رضي الله عنهم - عامة، ثم مدى إقبال أولئك العظماء على الصحابة - رضي الله عنهم -؛ ليأخذوا عنهم ما حفظوه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
1) طارق بن شهاب. 2) قيس بن أبي حازم. 3) رافع بن أبي رافع. 4) سويد ابن غفلة. 5) الأسود بن يزيد. 6) مسروق بن الأجدع. 7) سعيد بن نمران. 8) النزّال بن سبرة. 9) زهرة بن حميضة. 10) معدي يكرب. 11) علقمة بن قيس. 12) عبيدة بن قيس. 13) أبو وائل. 14) زيد بن وهب. 15) عبد الله بن سَخْبرة. 16) يزيد بن شريك. 17) أبو عمرو الشيباني. 18) زر بن حبيش. 19) عمرو بن شرحبيل. 20) عبد الرحمن ابن أبي ليلى. 21) عبد الله بن عكيم. 22) عبد الله بن أبي الهذيل. 23) حارثة بن مُضَرّب.
¬
(¬1) في كتابه النافع الماتع: ابن مسعود عميد حملة القرآن، وكبير فقهاء الإسلام ص282 - 284.
24) عبد الله ابن مسلمة. 25) مرّة بن شراحيل. 26) عبيد بن نضلة. 27) عمرو بن ميمون. 28) المعرور بن سويد. 29) همّام بن الحارث. 30) الحارث بن الأزمع. 31) الأسود بن هلال. 32) سليم بن حنظلة. 33) النعمان ابن حميد. 34) عبد الله بن عتبة. 35) أبو عطية الوادعي. 36) عامر بن مطر. 37) عبد الله بن خليفة. 38) عبد الرحمن بن يزيد. 39) الحارث بن سويد. 40) الحارث بن قيس. 41) الحارث الأعور. 42) عمير بن سعيد. 43) سعيد بن وهب. 44) هبيرة بن يريم. 45) عمرو ابن مسلمة. 46) أبو الزعراء. 47) أبو عبد الرحمن السلمي. 48) عبد الله ابن معقل. 49) عبد الرحمن بن معقل. 50) سعد بن عياض. 51) أبو فاخته. 52) الربيع بن عميلة. 53) قيس بن السكن. 54) الهزيل بن شرحبيل. 55) الأرقم بن شرحبيل. 56) أبو الكنود الأزدي. 57) شداد بن معفل. 58) جبة بن جوين. 59) خمير بن مالك. 60) عمرو بن عبد الله. 61) عبد الله بن سنان. 62) زاذان أبو عمرو الكندي. 63) عباد بن عبد الله. 64) كميل ابن زياد. 65) قيس بن عبد. 66) حصين بن قبصة. 67) أبو القعقاع الجرمي. 68) أبو رزين. 69) عرفجة. 70) عبد الرحمن بن عبد الله. 71) شتيرين شكل. 72) أبو الأحوص. 73) الربيع بن خُثَيم. 74) أبو العبيدين. 75) حريث بن ظهير. 76) حسام أبو سعيد. 77) قبيصة بن برعة. 78) صلة بن زفر. 79) أبو الشعثاء المحاربي. 80) المستورد بن الأحنف. 81) عامر بن عبدة. 82) ابن معيز السعدي. 83) شداد بن الأزمع. 84) عبد الله بن ربيعة. 85) عتريس بن عرقوب. 86) عمرو بن
الحارث. 87) ثابت بن قطبة. 88) أبو عقرب الأسدي. 89) عبد الله بن زياد. 90) خارجة بن الصَّلْت. 91) سَحيم بن نوفل. 92) عبد الله بن مرداس. 93) الهيثم بن شهاب. 94) مروان أبو عثمان. 95) أبو حيان. 96) أبو يزيد. 97) عبيدة ابن ربيعة. 98) الأخنس. 99) أبو ماجد الحنفي. 100) أبو الجعد. 101) سعد بن الأخرم. 102) ضرار الأسدي. 103) أبو كنف. 104) عم مهاجر بن شماس. 105) أبو ليلى الكندي. 106) الخشف بن مالك. 107) المنهال. 108) نُفَيع. 109) عدسة الطائي. 110) سليمان بن شهاب. 111) مؤثرة بن غفارة. 112) وألان. 113) عميرة بن زياد. 114) أبو الرضراض. 115) أبو زيد. 116) وائل بن مهاثة. 117) بلاز بن عصمة. 118) وائل بن ربيعة. 119) الوليد بن عبد الله. 120) عبد الله بن حلام. 121) فلفلة الجعفي. 122) يزيد بن معاوية. 123) أرقم ابن يعقوب. 124) حنظلة بن خويلد. 125) عبدالرحمن بن بشر. 126) البراء بن ناجية. 127) تمام بن حذلم. 128) حوط العبدي. 129) عمرو ابن عتبة. 130) قيس بن عبد. 131) قيس بن حبتر. 132) العنبس بن عقبة. 133) لقيط بن قبيصة. 134) حصين بن عقبة. 135) شبرمة بن الطفيل. 136) عبد الرحمن بن خنيس. 137) عمير. 138) كردوس بن عباس. 139) سلمة ابن صهيبة. 140) عبدة النهدي. 141) أبو عبيدة بن عبد الله. 142) خثيمة بن عبد الرحمن. 143) سلمة ابن صهيب. 144) مالك بن عامر. 145) عبد الله بن سخبرة. 146) خلاس بن عمرو. 147)
الربيع بن خيثم. 148) عتبة بن فرقد. 149) زياد بن جرير. 150) زيد بن صوحان.
ثالثاً: ترجمة مشاهير أصحابهما:
بعد ذكر مجموعة من أصحابهما، يحسن بنا أن نُسَلِّطَ الضوءَ على أبرز هؤلاء الأصحاب بذكر شيء من أحوالهم، يكون فيه تمام التصور لهذا الحلقة من حلقات مدرسة الكوفة:
1.علقمة بن قيس النخعي - رضي الله عنه -، أبو شبل الكوفي، وهو أبرز من نقل علم ابن مسعود - رضي الله عنه -، حتى شهد له ابن مسعود بذلك فقال - رضي الله عنه -: «لا أعلم شيئاً إلا وعلقمة يعلمه». وقال عثمان - رضي الله عنه -: «علقمة أعلم بعبد الله». وقال ابن المديني: «أعلم الناس بعبد الله علقمة والأسود وعَبيدة والحارث». وقال داود بن أبي هند: «قلت للشعبي: أخبرني عن أصحاب عبد الله كأني أنظر إليهم. قال: كان علقمة أبطن القوم به، وكان مسروق قد خلط منه ومن غيره، وكان الربيع بن خيثم أشد القوم اجتهاداً، وكان عَبيدة يوازي شريحاً في العلم والقضاء».
وقال ابن سعد (¬1): «عن إبراهيم عن علقمة، قال: كان عبد الله يشبه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في هديه ودَله وسَمته، وكان علقمة يشبّه بعبد الله ... فعن أبي معمر قال: دخلنا على عمرو بن شرحبيل فقال: انطلقوا بنا إلى أشبه الناس هدياً وسمتاً بعبد الله، فدخلنا على علقمة ... فعن إبراهيم: إن علقمة قرأ على عبد
¬
(¬1) في الطبقات الكبرى 3: 154، 6: 89.
الله. فقال: رَتل. فداك أبي وأمي، فإنه زين القرآن». فهذه النصوص تفيدنا أن شيئاً من علم ابن مسعود - رضي الله عنه - لم يضِعْ؛ لحرص أمثال علقمة - رضي الله عنه - على أخذ علمه المأخوذ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفقهه الذين بناه عليه.
بل إن سعة علم علقمة جعلته مقدماً على بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العلم، قال قابوس بن أبي ظبيان: قلت لأبي: «كيف تأتي علقمة وتدع أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -؟! قال: يا بني، إن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا يسألونه».
ولم يكن علمه مقتصراً على ابن مسعود وعليٍّ والصحابة الذين حلّوا في الكوفة - رضي الله عنهم - فقط، بل شمل غيرهم من كبار فقهاء الصحابة في البلاد الأخرى، فإن له رحلة إلى أبي الدرداء - رضي الله عنه - بالشام، وإلى عمر، وزيد، وعثمان ابن عفان وعائشة - رضي الله عنهم - بالمدينة، وهو ممن جمع علوم الأمصار، توفي بالمدينة في سنة (62هـ) (¬1).
2.مسروق بن الأجدع الهمداني - رضي الله عنه -، معمّر مخضرم، أدرك الجاهلية، روى عن عمر، وعلي، وعبد الله، وخباب، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عمرو، وعائشة - رضي الله عنهم -، وله رحلات واسعة في العلم، حتى قال الشعبي عنه: «ما رأيت أحداً أطلب للعلم في أفق من الآفاق من مسروق». وهذا الكلام ينقض ما توهمه بعضهم من أن الرحلة في طلب الحديث والعلم كان في
¬
(¬1) ينظر: طبقات الحفاظ 1: 20، وتهذيب الكمال 20: 300 - 308. والتقريب ص337، وطبقات الشيرازي ص79، والطبقات الكبرى 6: 86، ومقدمة نصب الراية ص304 - 305، وغيرها.
عصر الشافعي وأحمد - رضي الله عنهم -، مما أوصلهم إلى تضعيف ردّ كثير من مسائل من سبقهما بحجة أن الحديث لم يصلهما؛ لتقصير في طلبه، وهذه فرية بلا مرية، سيأتي تفصيل ردها.
وكان عالماً عابداً خاشعاً متواضعاً زاهداً، فعن أبي إسحاق: «حج مسروق فما نام إلا ساجداً على وجهه». وعن مسروق قال: «كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بنفسه». وروي أن مسرق أخذ بيد ابن أخ له، فارتقى على كناسة بالكوفة، فقال: ألا أريكم الدنيا؟! هذه الدنيا: أكلوها فأفنوها، ولبسوها فأبلوها، وركبوها فأضنوها، سفكوا فيها دماءهم، واستحلوا فيها محارمهم، وقطعوا في أرحامهم».
وكان من أعلم الناس بالفقه والقضاء، قال الشعبي - رضي الله عنه -: «كان مسروق - رضي الله عنه - أعلم بالفتوى»، وقال مسروق: «لأن أقضي بقضية فأوافق الحق أو أصيب الحق أحب إلي من رباط سنة في سبيل الله».
ونختم الكلام في ترجمته بكلمة لطيفة منه تبيِّن أن ديننا دين اتباع لا ابتداع، وأن مدرسة الكوفة ما نالت ما عليه من المجد والرفعة إلا بهذا الاتباع لسنن مَن قبلهم، فهذا مسروق، وهو أحد أعلامها يقول عند موته: «اللهم لا أموت على أمر لم يسنّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا أبو بكر ولا عمر، والله
ما تركت صفراء ولا بيضاء عند أحد من الناس غير سيفي هذا، فكفنوني به»، توفي سنة (63هـ) (¬1).
3.الحارث بن عبد الله الأعور الهَمْداني - رضي الله عنه -، ويسمّى راوية علي - رضي الله عنه -، كما كان يسمى سعيد بن المسيب - رضي الله عنه - راوية عمر - رضي الله عنه -، وما ذلك إلا لحرصهما على تتبع لكل ما كان يصدر عن هذين الصحابيين من قول وفعل.
وكان يعد من أكابر علماء الكوفة، قال ابن سيرين - رضي الله عنه -: «أدركت الكوفة وهم يقدمون خمسة: مَن بدأ بالحارث ثنَّى بعَبيدة، ومن بدأ بعَبيدة ثنَّى بالحارث، ثم علقمة الثالث، ثم مسروق، ثم شريح - رضي الله عنهم -»، توفي سنة (65هـ) (¬2).
4.عَبيدة بن عمرو (¬3) المرادي السَّلماني، أبو مسلم - رضي الله عنه -، وهو من كبار فقهاء التابعين من أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود - رضي الله عنه -، سمع عمر وعلياً والزبير بن العوام، قال ابن سيرين: «قدمت الكوفة وبها خمسة من العلماء: عبيدة، وعلقمة، ومسروق، والحارث، والضحاك».
¬
(¬1) ينظر: الإرشاد 2: 534، والطبقات الكبرى 6: 76 - 78، وتقريب التهذيب ص460، وطبقات الشيرازي ص80، وتسمية فقهاء الإمصار 1: 128، ومقدمة نصب الراية ص305، وابن مسعود ص290 - 292، وكشف الظنون 1: 430، وأبجد العلوم 2: 180.
(¬2) ينظر: النجوم الزاهرة 1: 185، وتهذيب الكمال 5: 244 - 252، وطبقات الشيرازي ص81، والتقريب ص86، وغيرهم.
(¬3) وقال ابن قتيبة: هو عبيدة بن قيس، والأشهر الأول، كما في التدوين في تاريخ قزوين 1: 118 - 119.
وكان عالماً كبيراً بصيراً بمعرفة الفرائض، حتى أن مثل القاضي شريح المعروف بكمال اليقظة في الفقه، وأحكام القضاء، كان يسأله في الفرائض، قال أبو إسحاق - رضي الله عنه -: «كان يقال: ليس بالكوفة أعلم من عبيدة بالفريضة والحارث الأعور، وكان عبيدة يجلس في المسجد، فإذا ورد على شريح فريضة فيها حد رفعها إلى عبيدة، ففرض»، توفي سنة (72هـ) (¬1).
5.عمرو بن ميمون الأودي - رضي الله عنه -، من قدماء أصحاب معاذ بن جبل - رضي الله عنه -، معمِّر مخضرم، أدرك الجاهلية، روى عن عمر وعبد الله، وسمع من معاذ باليمن في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وروى عن أبي مسعود الأنصاري، وعبد الله ابن عمرو، وسلمان بن ربيعة، والربيع بن خيثم، وحجّ مئة عمرة وحجة، توفي سنة (74هـ) (¬2).
6.عبد الله بن حبيب السلمي الكوفي - رضي الله عنه -، مقرئ الكوفة الإمام العلم، عرض القرآن على عليّ - رضي الله عنه -، وهو عمدته في القراءة، وقد فرَّغ نفسه لتعليم القرآن لأهل الكوفة بمسجدها، أربعين سنة، ومنه تلقى السبطان الشهيدان القراءة بأمر أبيهما، وعاصم تلقى قراءة عليٍّ - رضي الله عنه - عنه، وهي القراءة التي يرويها حفص عن عاصم، وقراءة عاصم بالطريقين في أقصى درجات التواتر في جميع الطبقات، وعرض السلمي أيضاً على عثمان - رضي الله عنه - وزيد بن ثابت - رضي الله عنه -.
¬
(¬1) ينظر: الإرشاد 2: 534 - 535، وطبقات الشيرازي ص80، والتدوين في تاريخ قزوين 1: 118 - 119، ومقدمة نصب الراية ص304، وابن مسعود ص288، وغيرها.
(¬2) ينظر: الطبقات الكبرى 6: 117، ومقدمة نصب الراية ص304، وغيرها.
قال أبو عمرو الداني: «أخذ القراءة عرضاً عن عثمان وعلي وزيد وأبي وابن مسعود. أخذ عنه القرآن: عاصم بن أبي النجود، ويحيى بن وثاب، وعطاء بن السائب، وعبد الله بن عيسى، ومحمد بن أبي أيوب، والشعبي، وإسماعيل ابن أبي خالد، وعرض عليه الحسن والحسين رضي الله عنهما».
قال أبو إسحاق: «كان أبو عبد الرحمن السلمي يقرئ الناس في المسجد الأعظم أربعين سنة»، فهذه النصوص تفيدنا أن علم أهل الكوفة الذي ورثوه عن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن مقتصراً على الفقه والحديث والسلوك فحسب، بل شمل كيفية قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - للقرآن، فمن أهل الكوفة أبرز مَن عرف بالتلقي للقرآن، ومَن إليه المنتهى في قراءته، توفي سنة (74هـ) (¬1).
7.الأسود بن يزيد بن قيس النخعي - رضي الله عنه -، مُعَمِّر مخضرم، روى عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وسلمان، وأبي موسى، وعائشة - رضي الله عنهم -، حج ثمانين، ما بين حجة وعمرة وهو ابن أخ علقمة، وكان خال إمام أهل العراق، إبراهيم النخعي، وهو من قالت فيه عائشة (: «ما مات رجل بالعراق أكرم عليَّ من الأسود».
وكان مع علمه الوفير عابداً زاهداً، قال الذهبي - رضي الله عنه -: «ورد أنه كان يصلي في اليوم والليلة سبعمئة ركعة». عن علي بن مدرك: «إن علقمة كان
¬
(¬1) ينظر: سير أعلام النبلاء 4: 267 - 268، ومعرفة القراء الكبار 1: 52 - 53، ومقدمة نصب الراية ص304، وابن مسعود ص294 - 295، وغيرها.
يقول للأسود: لم تعذب هذا الجسد؟! فيقول: إنما أريد له الراحة»، توفي سنة (74هـ) (¬1).
8.شريح بن الحارث الكندي الكوفي، أبو أمية - رضي الله عنه -، مُعَمِّر مخضرم، وَلي قضاء الكوفة في عهد عمر وعثمان وعلي ومعاوية - رضي الله عنهم - ستين سنة إلى أيام الحجاج، فاستعفى، وله مئة وعشرون سنة، فمات بعد سنة، وهو الذي يقول فيه عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -: «قم يا شريح! فأنت أقضى العرب».
فناهيك بقاضٍ يكون مَرْضيَّ القضاء في عهد الراشدين، وفي الدولة الأموية طول هذه المدة، وقد غَذَّى بأقضيته الدقيقة فقه أهل الكوفة، ودربهم على الفقه العلمي.
فهذا أشهر قضاة الإسلام، المشهود لهم بالمكانة السامية الرفيعة، من أهل الكوفة، ومن ناشري الفقه في ربوعها؛ إذ إن مَن كان بهذه المنزلة تكون أقضيته مشهورة متداولة بين العامة والخاصة، قال ابن سيرين: «إن شيوخ أهل الكوفة أربعة: عبيدة السلماني، والحارث الأعور، وعلقمة بن قيس، وشريح وكان أحسنهم»، توفي سنة (80هـ) (¬2).
¬
(¬1) ينظر: العبر 1: 86. والتقريب ص50، وطبقات الشيرازي ص79، ومقدمة نصب الراية ص305، وابن مسعود ص289 - 290، وغيرها.
(¬2) ينظر: طبقات الحفاظ 1: 27، وفيات الأعيان 2: 460 - 463، ومرآة الجنان 1: 158 - 159، والعبر 1: 89 وطبقات الشيرازي ص80 - 81، والأعلام 3: 236، ومقدمة نصب الراية ص305، وغيرهم.
9.زر بن حُبَيْش بن حباشة الأسدي، أبو مريم - رضي الله عنه -، معمِّر مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، ولم ير النبي - صلى الله عليه وسلم -، مقرئ الكوفة مع السلمي، كان يؤم الناس في التراويح، وهو ابن مئة وعشرين سنة، وهو راوية قراءة ابن مسعود، ومنه أخذها عاصم. وكان زرٌّ - رضي الله عنه - من أعرب الناس، وكان ابن مسعود - رضي الله عنه - يسأله عن العربية، توفي سنة (83هـ) بوقعة دير الجماجم (¬1).
10.سويد بن غَفَلة المَذحِجي، أبو أمية الجُعْفي - رضي الله عنه -، مخضرم، من كبار التابعين، ولد عام الفيل، قدم المدينة يوم دفن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان مسلماً في حياته، ثم نزل الكوفة، وصحب أبا بكر - رضي الله عنه -، ومَن بعده، توفي سنة (80هـ) (¬2).
11.عبد الرحمن بن أبي ليلى - رضي الله عنه -، أدرك مئة وعشرين من الصحابة - رضي الله عنهم - كما مرّ، وولي القضاء، قال الذهبي (¬3): «من أئمة التابعين وثقاتهم»، توفي سنة (83هـ) (¬4).
12.شقيق بن سلمة الأسدي أسد خزيمة الكوفي، أبو وائل - رضي الله عنه -، أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يره، وحدث عن عمر، وعثمان، وعلي، وعمار، ومعاذ، وابن مسعود، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وحذيفة وعائشة، وخباب، وأسامة بن
¬
(¬1) ينظر: سير أعلام النبلاء 1: 166، ومقدمة نصب الراية ص304، والأعلام 3: 75.
(¬2) ينظر: تقريب التهذيب ص201، ومقدمة نصب الراية ص304، وغيره.
(¬3) في الميزان 4: 311.
(¬4) ينظر: ميزان الاعتدال 4: 311، ومقدمة نصب الراية ص305، وغيرها.