الجزء 1 · صفحة 7
شرح القدوري على مختصر الكرخي
للامام أبي الحُسَيْن القُدُورِيّ أَحمد بن مُحَمَّد البَغْدَادِي الحَنَفِي
توفي سنة (428هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
الجزء 1 · صفحة 8
بسم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
الحمد لله ولي الحمد ومستحقه، والصلاة على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وآله، ذكرتم وفقنا الله وإياكم لمصالح الدين حال مختصر الشيخ أبي الحسن الكرخي رحمة الله عليه والحاجة إلى شرحه، وهو كتاب يجمع من فروع الفقه ما لا يجمعه غيره، وقد كان أبو علي الشاشي رحمه الله تعالى يقول: من حفظ هذا الكتاب فهو أحفظ أصحابنا، ومن فهمه فهو أفهم أصحابنا.
وهو كتاب مختلف الترتيب؛ لأنه ابتدأه على أن يكون كتاباً صغيراً ثم زاد فيه بعد مضي العبادات، فلما تجاوز الرهن بسطه بسطاً مستوفياً.
وقد عزمت على إملاء كتاب جامع في شرحه أعتمد فيه بيان الفروع، والروايات، والزوائد التي لا بد منها وترتيبها، وأورد في مسائل الخلاف ما استقل به من غير بسط؛ لأني استوفيت ذلك في كتاب التجريد، وألحق بفروعه ما يليق بها؛ ليعتدل أول الكتاب وآخره في الاستيفاء، ثم ألحق بالكتاب الكتب، وأستوفي شرح جميعه معتمداً على الله تعالى في التوفيق ما أغفله له من والتسديد والعصمة.
وأقدم على ذلك مسألة في تقديم مذهب أبي حنيفة له في الجملة على سائر فقهاء الأمصار، والله الموفق والمعين.
الجزء 1 · صفحة 9
قال الشيخ الجليل أبو الحسين أحمد بن محمد البغدادي رحمه الله تعالى: الكلام في تقديم مذهب أبي حنيفة له على غيره من المذاهب، إنما يتبين باستقراء المسائل والنظر في دلائلها؛ ليأخذ المجتهد بما يصح عنده في كل مسألة منها، إلا أنا ندل على هذا في الجملة؛ لأنّ من ليس بمجتهد إذا أراد الأخذ بقول فقيه، لزمه الرجوع إلى أولى الفقهاء في نفسه، والذي يدل على أن مذهب أبي حنيفة له أولى من غيره من المذاهب أنه رحمه الله تعالى ولد في عصر الصحابة، وتفقه في زمن التابعين وأفتى معهم، وناظر الشعبي وطاووس وعطاء، وقد قال: خير القرون قرني الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب، فيشهد الرجل قبل أن يستشهد»، فمن نشأ وتعلّم وأفتى في عصر عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهله، كان أبعد من البدع ممن نشأ في الزمان الذي لم يعدّل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهله، وقد روى أبو حنيفة رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك، وعبد الله بن جَزْء الزبيدي، و أبي الطفيل عامر بن واثلة وغيرهم من الصحابة، وأدرك عبد الله بن أبي أوفى أيضاً.
ويدل عليه: أن الله تعالى ضَمِن حفظ الشريعة، فأمر بتعلمها والتفقه فيها، فأول من دون الفقه ووضع فيه كتاباً ورَتَّبه أبو حنيفة رحمه الله تعالى، ويستحيل يضمن الله تعالى حفظ الشريعة، ثم يكون المبتدئ بتدوينها على غير الحق، ويدل عليه: أنه وضع هذا المذهب شورى بينهم ولم يستبد بوضع المسائل، وإنما كان يُلقيها على أصحابه مسألة مسألة، فيعرف ما عند كل واحدٍ منهم، ويقول ما عنده، ويناظرهم حتى يستقيم أحد القولين فيثبته أبو يوسف حتى أثبت الأصول كلها.
الجزء 1 · صفحة 10
وكان له أصحاب لم يتفق الفقيه مثلهم، منهم: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وزفر بن الهذيل التميمي، ومحمد بن الحسن الشيباني، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وداود الطائي، وعافية بن يزيد الأودي، ويوسف بن خالد السمتي، والقاسم بن معن المسعودي، وحفص بن غياث، ووكيع بن الجراح، ومالك بن مغول البجلي.
فهؤلاء هم العلماء علما بالحديث والسنة، والسيرة، والعربية، والحساب، فإذا كان هذا المذهب وضع على اتفاق من جماعتهم كان أصح مما يبتدئ به الواجد بنفسه، ويرجع فيه إلى اجتهاده؛ ولأنه أخذ العلم عن حماد بن أبي سليمان، وأخذ حمّاد عن إبراهيم النخعي، وأخذ إبراهيم عن علقمة، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، وشريح، وأخذ هؤلاء العلم عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأخذ هؤلاء العلم عن رسول الله الله حتى قال عليه ـ لما دخل الكوفة ورأى أصحاب عبد الله بن مسعود قال: «لقد ترك ابن مسعود هؤلاء سُرح هذه القرية.
ولا يوجد لأحد من الفقهاء طريق مثل هذا؛ لأن مالكاً أخذ العلم عن نافع، ونافع لا يُعرف بالفقه، وإنما هو من أهل الرواية.
وأصحاب الشافعي الله يُنكرون أخذه الفقه من مالك ويضيفونه إلى مسلم بن خالد الزنجي، وهو ليس بفقيه، وإنما هو من أصحاب الحديث، وقد ضعفوه، ولو أنصفوا لأضافوه إلى محمد بن الحسن، وبشر المريسي؛ فإنه أخذ العلم عنهما، وهما أفقه من رأى، وقد بان ذلك في علمه بعد رجوعه من العراق وقبل ذلك.
ولأنه رحمه الله تعالى أوّل من تكلم في الشروط، ووضعها، وقد قال الله تعالى: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبُ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ} البقرة: فأخبر أن الله تعالى هو المعلم للشروط، وهو علم لا ينفرد وإنما يتفرع على كل الفقه، فصحتها تدل على صحته.
الجزء 1 · صفحة 11
ولأنه رحمه الله تعالى أوّل من وضع كتاباً في الفرائض، وقد قال النبي: «الفرائض نصف العلم، وهو أول علم يُرفع من هذه الأمة»، فإذا وفق الله تعالى المبتدئ بوضعها، فالظاهر أنه يرزقه التوفيق فيها.
ولأن مذهبه يجمع علوماً لم يجمعها فقيه، ذلك: من العربية، والمسائل المقولة على وفق النحو والحساب والمسائل التي يتعب باستخراجها أهل الجبر والمقابلة، ولا تجد هذا لأحد من الفقهاء.
ومن ثُمَّ ينبغي لطالب الحقيقة أن لا ينجر وراء آراء تلك الفئة الواقعة في التفريط والإفراط في الحب والبغض، والمفاضلة بين الأئمة بذكر مناقب إمامه، ومثالب الآخرين، وتتبع العثرات التي لا يخلو منها عالم.
وإنما عليه أن يعطي لكل ذي حق حقه ومكانته، من غير أن يبخس حقوق ومكانة الأئمة الآخرين، وينبغي له ذكر محاسن وفضائل الجميع، والترحم والدعاء لهم، قال الله: {وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَالإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمُ الحشر:.
هذا مع ما اشتهر من قوة تفريعه واقتداره على ابتداء وضع هذه المسائل، وسرعة جوابه فيها، ومواصلته للحجج.
وكثرة عبادته حتى قيل: إنه صلى الفجر بطهارة العشاء أربعين سنة، وقرأ القرآن في ركعة واحدة في الكعبة، وامتنع من تولي القضاء فضُرب عليه بالسوط حتى قيل: إنه لا ذكر عند ابن شبرمة فقال: «لقد قرطم له وقرطم لنا فلقطنا ورفع رأسه.
الجزء 1 · صفحة 12
فإن قيل: بأن مذهب الشافعي أولى؛ لأنه رجل من قريش وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأئمة من قريش»، وقد قال: قدَّموا قريشاً ولا تتقدموها». فالجواب: أن الصحابة اختلفوا فلم يرجّح أحدٌ قول ابن عباس على قول زيد بن ثابت بأنه من قريش، فدلَّ إجماعهم على أن التقديم لم يرد به رسول الله صلى الله عليه وسلم التقديم في العلم، وقد قال: اليس العربي على عجمي فضل إلا بالتقوى»، وقال: «لو كان العلم معلقاً بالثريا لسبق إليه غلمان من أبناء فارس»، وإذا اعتبر العلماء في زمن التابعين ومن بعدهم، وجد الغالب عليهم الموالي. فإن قالوا: إن أبا حنيفة رحمة الله عليه كان قوياً في القياس، ومالكاً في الحديث، والشافعي فيهم.
قيل لهم: بل أبو حنيفة قوي فيهما؛ لأن شعبة بن الحجاج البصري قال: كان أبو حنيفة عارفاً بحديث أهل بلده، وقال عبدالله ابن المبارك: كيف تقولون إن أبا حنيفة لا يعرف الحديث، وهو يقول: زيد بن عياش لا يُقبل خبره، وإذا رجعت إلى مسند أبي حنيفة الله، وجدته أكبر من مسند الشافعي. وكيف تُدعى للشافعي المعرفة بالحديث، وهو يقول في خبر القُلتين: بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسناد لا يحضرني أنه قال: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً، وهذا خبر لم يقل به أحد من الفقهاء غيره، ثم لم يُعرف إسناده.
وخطأه أحمد بن حنبل في قوله: «إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين»، وقال: هذا لا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما قضى به عمر.
وقال: روى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت في الفجر شهراً ثم تركه» فلم يعرف ما رواه أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مازال يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا، فلم يعرف ذلك، وإن وافق مذهبه.
وقال: بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم كلاماً معناه: «أن فيما سقت السماء العشر»، وهذا الخبر أظهر من أن ينقل بالمعنى.
الجزء 1 · صفحة 13
وقال: روي عن النبي الله أنه قال: «الولاء نسب» والخبر: «الولاء لحمة كلحمة النسب».
فإن قيل: إن الشافعي كان يعرف العربية وكان أبو حنيفة لا يعرفها؛ لأنه حكي عنه أنه قال: ولو ضربه بأبا قبيس.
قيل لهم: أما دعواكم معرفة الشافعي باللغة فليس عليه دليل، والمأخوذ عليه من الغلط في اللغة كثير؛ وذلك أنّه قال في كتابه: ماء مالح، وإنما هو ماء ملح.
وقال في أحكام القرآن: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} النساء: أي: لا تكثر عيالكم، وإنما معناه لا تميلوا.
وقال: إذا أشلى كلبه، يريد إذا أغراه، وإنما يقال: أشلاه إذا استدعاه. وقال: ثوب يسوي كذا، وهذا من كلام العامة، وإنما يقال: ثوب يساوي كذا.
وزعم أن الواو للترتيب، وقد أجمع أهل اللغة على خلاف ذلك.
وقال: الغرم الهلاك، والغرم اللزوم.
فأما أبو حنيفة فليس يمكن أن يُدعَى في كتابه خطأ في العربية، وإنما يحكي الناس هذه الحكاية ولا يعرفون صحتها، ولا وجدت له في كتاب، ثم إن صح ذلك، فهي لغة للعرب فصيحة؛ لأنّ. بني الحارث بن كعب يقولونها، قال سيبويه: وهذا هو القياس وقد جاء القرآن به في قراءة من قرأ إِنْ هَذَانِ لَسَحَرَانِ طه:. وأنشدوا فيه: إن أباها وأبا أباها * قد بَلَغَا في المجد غَايَناه فإن قالوا: إن أبا حنيفة تكلّم عليه الأئمة ولم يتكلموا على الشافعي، فحكي عن سفيان الثوري أنه قال: استتيب أبو حنيفة من الكفر مرتين. وقال بعضهم: كان شيطاناً خرج من البحر.
فالجواب: أنهم لو رجعوا إلى ما قال صاحبهم كان أولى بهم، وقد قال الشافعي: «الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة»، وقال لما خرج من العراق: رأيت محمد بن الحسن إذا قرأ القرآن فكأن القرآن نزل بلسانه، وما رأيتُ عالماً إذا سُئل عن شيء لم يتغير وجهه إلا محمد بن الحسن، ولقد أخذتُ من علمه حِمْل جملٍ بُخْتِي ذَكَر».
الجزء 1 · صفحة 14
فأما من تكلم في أبي حنيفة من أهل عصره فللمنافسة؛ لأنه تقدمهم في العلم فشقّ عليهم، ولم يمت سفيان حتى تاب من الكلام في أبي حنيفة، وقد وجد كتاب الرهن حين مات تحت وسادته. وروى عن أبي حنيفة ودلسه. فأما قوله: إنه استتيب من الكفر، مرتين، فإنه كان يلاحي بذلك، وذلك أن الشراة لما دخلوا الكوفة أخذوا أبا حنيفة فقالوا له: تُب من الكفر؛ لأنهم يكفرون من خالفهم، فقال: أنا تائب إلى الله تعالى من كل كفر، فأفرجوا عنه، فقيل لكبيرهم: إنما عنى بالكفر الذي أنت عليه، فاسترده وقال له: إنك تبت من الكفر وتريد به ما نعتقده فقال له: أبعلم تقول ذلك أم بظن؟ فقال: بل بظن، فقال: قال الله تعالى: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} الحجرات: وهذه خطيئة منك، وكل خطيئة عندك كفر، فتب أنت من الكفر! فقال: أنا تائب إلى الله من كل كفر، ثم قال لأبي حنيفة: فتب أنت من الكفر فقال: أنا تائب إلى الله تعالى من كل كفر.
فقال الناس قد استتيب أبو حنيفة من الكفر مرتين، وهم يريدون هذا. وأما من مدح أبا حنيفة من العلماء فهم أكثر من أن يُحصى، وقد حكينا ما قال الشافعي فيه.
وأما مالك له فإنه سئل عنه فقال: رأيت رجلاً لو قال إن هذه الأسطوانة من ذهب لدَلَّ عليه».
وقد حكي عن ابن سُريج وهو أفقه أصحاب الشافعي ـ أنه بلغه أن رجلاً يذكر أبا حنيفة، فدعاه وقال: يا هذا إن لأبي حنيفة ثلاثة أرباع الفقه بالإجماع، والربع الآخر لا يسلمه للناس، فقال له: وكيف يكون ذلك؟ فقال: لأنّ الفقه سؤال وجواب، وهو الذي وضع كل أسئلة الفقه، فله النصف، ثم أجاب عن هذه الأسئلة، فزعم مخالفوه أنه أصاب وأخطأ، فإذا جُعِل خطؤه بصوابه كان له نصف النصف الآخر، ويبقى الربع، فزعم أنه أصاب، ويزعمون أنه أخطأ، فله ثلاثة أرباع الفقه بالاتفاق، وسنبين إن شاء الله تعالى من يشهد لهذه الجملة في تضاعيف المسائل، والله المعين والموفق للصواب.
الجزء 1 · صفحة 15
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الطَّهَارَة
اللغة: هي النظافة، وفي الشرع:
قال الشيخ رحمه الله تعالى: الطهارة في عبارة عن غسل بصفة، والوضوء في اللغة: الوضاءة وهي الحسن، ويقال: وجه وضيء أي: حَسَن، وفي الشريعة عبارة عن غسل أعضاء مخصوصة، فإن كان أهل اللغة يعرفونه هذا فالاسم لغوي، وإن كانوا لا يعرفونه فهو اسم شرعي فيه معنى اللغة.
والأصل في وجوب الطهارة قوله: لا صلاة إلا بطهارة، ولا صدقة من غلول .. قال أبو الحسن: طهارة الأبدان من الأحداث طهارتان: غسل ووضوء بالماء عند وجوده، وبالتراب عند عدمه».
وإنما قسم أبو الحسن الطهارة المجتمع عليها، ولم يدخل في القسمة ما اختلف فيه من الطهارة بغير الماء وهو الوضوء بنبيذ التمر.
والأصل في وجوب الوضوء: قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلوة ... الآية المائدة:، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ثم يديه ثم المسح برأسه ثم يغسل
رجليه»، وقد دلّ على هذه القسمة: قوله تعالى {وَإِن كُنتُم جنبا فَأَطَهَرُوا ... ، ثم قال تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا.
قال أبو الحسن: وفرض الوضوء ما نص الله عليه في كتابه: وهو غسل الوجه واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، وتدخل المرافق والكعبان في ذلك عندنا.
فأما الوجه فهو من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن إلى شحمتي الأذن؛ لأنّ الوجه عبارة عما يواجه الإنسان في العادة، والكلام فيه يقع في فصول: أحدها: أن إيصال الماء إلى داخل العينين ليس بواجب؛ لأن في ذلك مشقة، والفروض تسقط بالمشقة؛ ولأنهما في حكم الباطن، والوضوء لا يتعلق بالبواطن.
والثاني: أن المضمضة والاستنشاق لا يجبان في الوضوء، ومن أصحاب الحديث من أوجبهما ومنهم من أوجب الاستنشاق دون المضمضة وهذا فاسد.
الجزء 1 · صفحة 16
لنا: قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ والوجه عبارة عن الظاهر دون الباطن، وعَلَّم النبي الله الأعرابي الوضوء ولم يذكر له المضمضة والاستنشاق مع جهله بالأحكام، ولو كانت واجبة لذكرها؛ ولأن وجوبها مما تعم البلوى به، ويحتاج جميع الناس إلى معرفته، فلو وجب لبَيِّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم للجماعة، ولو فعل ذلك لنقل من طريق الاستفاضة، فلما لم ينقل نَقْل الاستفاضة، دلّ على أنه غير واجب.
والثالث: أن إيصال الماء إلى ما تحت شعر اللحية ليس بواجب، قال أبو حنيفة: وإنما مواضع الوضوء ما ظهر منها».
وقال الشافعي: «إن كان شعرها كثيفاً فكذلك، وإن كان خفيفاً يجب إيصال الماء إلى البشرة»، وهذا فاسد؛ لأنّ ما لا يجب إيصال الماء إليه إذا تكاثف عليه الشعر لم يجب إذا خف كبشرة الرأس.
والرابع: وجوب مسح ما يلاقي بشرة الوجه من اللحية، قال أبو يوسف: قال أبو حنيفة: وليس تخليل الشعر من مواضع الوضوء، وإنما مواضع الوضوء ما ظهر منها، وهذا يقتضي وجوب إمرار الماء على ظاهر اللحية.
وذكر ابن شجاع عن الحسن عن أبي حنيفة وزفر: أنه إذا مسح من لحيته ثلثاً أو ربعاً جاز، وإن مسح أقل من ذلك لا، قال: وقال أبو يوسف: وإن لم يمسح منها شيئاً، جاز.
وجه رواية أبي يوسف: أن الفرض كان متعلقاً بالبشرة فإذا سترها الحائل لم يسقط الفرض وإنما ينتقل إلى الحائل كشعر الرأس.
وجه رواية الحسن: أن فرضها المسح، والممسوحات لا يجب فيها الاستيعاب كمسح الرأس.
وجه قول أبي يوسف: أنه لو وجب تطهيرها لكان الواجب المسح وهي من الوجه وفرضه الغسل فيجتمع في عضو واحد وجوب الغسل والمسح، وهذا لا يجوز كسائر الأعضاء.
والفصل الخامس: ما استرسل من الشعر عن العضو، فعندنا: يجب لا إيصال الماء إليه، وقال الشافعي: مسح جميع اللحية واجب.
الجزء 1 · صفحة 17
لنا: أن الفرض كان متعلقاً بالبشرة فإذا انتقل إلى الحائل ثبت فيما لاقى موضع الفرض دون غيره كمسح الخفّ؛ ولأن ما استرسل من اللحية يلاقي موضعاً لو ظهر لم يجب غسله، فلا يجب إيصال الماء إليه في الوضوء كطرف الذؤابة.
والفصل السادس: وأما غسل البياض الذي بين العذار والأذن فعند أبي حنيفة ومحمد واجب، وروي عن أبي يوسف: أنّه لا يجب لهما: أنّه يجب غسله قبل نبات الشعر، فحيلولة الشعر بينه وبين الوجه لا يسقط الوجوب كالجبهة لما وجب غسلها قبل نبات شعر الحاجب، وجب بعده.
وأما أبو يوسف فيقول: إن الفرض قد سقط عمّا تحت العذار: وهي إلى الوجه أقرب، فسقوطه عما هو أبعد أولى.
فَصل: دخول المرفقين في غسل اليدين
غسل اليدين إلى المرفقين فواجب للآية ويدخل في الغسل: المرافق عندنا، وعند زفر: غسل المرافق لا يجب.
لنا: قوله تعالى {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} المائدة:، والغاية تدخل في الكلام تارة ولا تدخل أخرى، والحدث متيقن فلا يسقط الفرض بالشك؛ ولأن الغاية إذا كانت محتملة ففعله بيان لها، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه توضأ فأدار الماء على مرفقيه»، ولأنه مفصل ينتهي. إليه الوضوء، فوجب دخوله فيه كالزند.
وأما زفر فيقول: إن الغاية لما كان فيها احتمال لم يجز إيجاب الفرض بالشك
فَصْل: مقدار مسح الرأس
وأما مسح الرأس فواجب لقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} المائدة:
والخلاف في مقدار الواجب منه.
قال أصحابنا: الواجب مسح مقدار الناصية، وروي عنهم ربع الرأس،
وروي مقدار ثلاثة أصابع من أصابع اليد.
وقال مالك: لا يجوز حتى يمسح جميع الرأس أو أكثره.
وقال الشافعي: إذا مسح ما يتناوله اسم المسح جاز.
الجزء 1 · صفحة 18
وأما الكلام على مالك فما روى المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه بال وتوضأ ومسح على ناصيته وخفيه»، وهو لا يترك بعض الواجب، ولأنه مسح بأكثر أصابع يده فصار كما لو مسح أكثر رأسه، والذي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأسه، لا دلالة فيه؛ لأنه قد يزيد على الواجب طلباً للفضيلة، ولا مسح بجميع يجوز أن ينقص من الواجب.
وأما الكلام على الشافعي: فقوله تعالى: {وَأَمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ.
قلنا: الباء عند أهل اللغة للإلصاق؛ وذلك يقتضي الجميع أو المقصود، وهذا لا يتأتى في شعرة واحدة ولأنه حكم يختص بالرأس، فلا يتقدر بأدنى ما يدخل تحت الاسم، كوجوب الدم في الحلق.
فصل: وضع الإصبع من غير إمرار
وقد اختلفت الرواية عن أصحابنا فيمن أخذ الماء فوضع ثلاث أصابع وضعاً ولم يمررها. فقالوا في إحدى الروايتين: يجوز، وفي الأخرى: لا يجوز.
وإنما قالوا: لا يجوز، إذا قدروا المفروض بالناصية؛ لأنه إذا وضعها بغير إمرار لم يستوف مقدار الناصية، فلا بد له من الإمرار حتى يستوفيه.
وفي الرواية التي قدّروا الواجب بثلاث أصابع، أجازوا وضعها من غير إمرار؛ لأنّ المعتبر هناك إصابة الماء دون المسح، ألا ترى أنهم قالوا: لو أصاب رأسه ماء المطر، ولم يمسحه، ولم يمسحه، جاز.
فصل: المسح بإصبع واحدة
قال أصحابنا: لا يجوز المسح بإصبع واحدة وإن مسح بها مقدار ثلاث أصابع. وقال زفر: يجوز المسح. قال ابن رستم عن محمد: لا يجوز حتى يعيدها إلى الماء ثلاث مرات يمسح بها في كل مرة.
لنا: أن المقصود من المسح إمساس الماء، فإذا حصل المقصود صار مستعملاً، ولا يجوز المسح به؛ ولأن الاستيعاب إذا لم يجب، فالمقصود يحصل بنفس الوضع، ولا يقال: فيجب أن لا يجزئ عن المسنون فيما زاد على الربع.
قلنا لما كان المسنون الاستيعاب صار في حكم السنة، كالغسل، وجه قول زفر: إن شرط الاستعمال مفارقة الماء للعضو فصار كالمغسول.
فَصْل: الواجب في الرجلين
الجزء 1 · صفحة 19
والواجب عندنا غسل الرجلين، وقال قوم: الواجب المسح، ومن الناس من قال: هو مخيّر بين الغسل والمسح، وقال بعض المتأخرين: يجب عليه الجمع بينهما
والدليل على ما قلناه: ما روي أن النبي علم الأعرابي الوضوء وقال: لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه، ثم يديه، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجليه، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ وغسل رجليه وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم داوم على غسل رجليه، وأطبقت الأمة على نقل ذلك، ولم ينقل عنه المسح إلا شاذاً م جهات ضعيفة، ومن يخالف في هذه المسألة يقول: إن الغسل لا تجزئ به الصلاة، وهذا خلاف الإجماع المنقول من طريق الاستفاضة.
فإن قالوا: يجوز الغسل والمسح جميعاً إلا أن المسح أفضل، أدى ذلك إلى أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم داوم على ترك الفضيلة، وهذا لا نظن به، فإن قالوا كل واحدٍ منهما جائز والغسل أفضل قلنا: العضو الذي فرضه المسح لا يكون غسله أفضل كمسح الرأس.
وأما قوله: وَأَمْسَحُوا بِرُهُ وسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} المائدة: 1 قالوا: روي عن ابن عباس قال: نزل جبريل بغسلين ومسحين». وقد قرئت هذه الآية بقراءتين، قراءة النصب وظاهرها توجب الغسل؛ لأنه عطف الأرجل على المغسول فصار تقديرها فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم وامسحوا برؤوسكم، والقراءة الأخرى قراءة الخفض، وظاهرها: يقتضي المسح؛ لأنه تعالى عطفها على الممسوح فتقديرها وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم.
الجزء 1 · صفحة 20
والدليل على أن ظاهر كل واحدة من القراءتين ما ذكرنا أن من قرأ من الصحابة بالنصب اعتقد الغسل، ومن قرأ منهم بالخفض اعتقد أيضاً المسح، وهم أهل لغة ولسان، ولولا أن ظاهر كل واحدة من القراءتين ما اعتقده من قرأها، وإلا لطولب بالدليل على عدوله عن الظاهر، فإذا احتملت الآية الأمرين، كان فعله صلى الله عليه وسلم بياناً للاحتمال، وقد بينا أنه غسل رجليه وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به.
فإن قالوا: لا نسلم أن ظاهر قراءة النصب تفيد الغسل، بل تفيد المسح، ونصب عطفاً الأرجل على الموضع والمجاورة؛ لأن المسح موضعه نصب، وإنما خفضه بدخول حرف الجر فيه وهي الباء، فإذا عطف عليه فهو مخيّر إن شاء عطف على لفظه، وإن شاء عطف على موضعه، وهذا ظاهر في اللغة وقد أنشدوا فيه:
مُعَاوَيَ إننا بَشَر فأشجح * فَلَسْنا بالجبال ولا الحديد
فالجواب: أن سيبويه قد ذكر أن الأجود هو العطف على اللفظ، فأما العطف على الموضع للمجاورة فليس هو في الظهور كالعطف على اللفظ؛ فإذا كان هذا تركاً للظاهر خرج منه ما قلنا.
وقد قيل: إن العطف على الموضع إنّما يخيّر بينه وبين العطف على اللفظ إذا لم يلتبس، فأما إذا التبس لم يخير، كما قالوا رأيت زيداً ومررت بعمرو، فإذا قلت وبكراً وأردت عطفه على عمرو، لم يخير ولم يجز النصب فيه عطفاً على الموضع؛ لأنه يلتبس أنه مَرْني أو ممرور به، كذلك في مسألتنا لما اختلف ما قبل العطف، لم يجز العطف على الموضع لما فيه من الالتباس بين الغسل والمسح.
فإن قيل: على ما ذكرتم فعلام تُحمل قراءة الخفض؟
قلنا قد قال أهل اللغة: إنّها خفض على المجاورة كقوله تعالى: {وَحُورُ عين} الواقعة:. وقولهم جحر ضب خرب، وخرب صفة للجحر، فكان ينبغي أن يرفعه إلّا أنه جرّه بالمجاورة وأنشد في ذلك سيبويه:
كان ثُبْيَراً في عَرَانينِ وَبْلِه * كبير أناس في بِجادٍ مُزَمَّلِ
الجزء 1 · صفحة 21
فإن قيل: إنّما يكون الخفض بالمجاورة إذا لم يكن هناك حرف عطف، فأما مع حرف العطف فلم يتكلم العرب به.
قلنا: هذا ليس بصحيح ا لقوله تعالى: {وَحُورُ عِينٌ؛ ولأن جريراً قال:
فهل أنت إن ماتت أتانك راحل إلى آل بسطام بن قيس فخاطب فخفض خاطب بالمجاورة مع حرف العطف.
قالوا: ولأن حرف العطف يجعل بين الجملتين من الامتزاج والملابسة ما لا يكون مع عدمه، فإذا جاز الاتباع في الإعراب مع عدم الملابسة والامتزاج، فمع وجوده أولى.
فصل: غسل الكعبين
وأما الكعبان فغسلهما واجبان مع الرجل؛ وقال: زفر: لا يجب، والكلام في ذلك كالكلام في المرفقين وقد مضى.
فصل: الكعب من الرّجل
وأما الكعب الذي يجب غسله فهو الناتئ الذي في مفصل القدم.
وروى هشام عن محمد: أنّه المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك وهذا ليس بصحيح.
لهما: قوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} المائدة: ولو كان المراد به ما قال محمد، لقال: وأرجلكم إلى الكعاب؛ لأنّ ما كان واحداً من واحد فتثنيته بلفظ الجمع، قال الله تعالى: {إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} التحريم: ولم يقل قلباكما، وكلّ ما كان اثنين من واحد فتثنيته بلفظ التثنية، كما قال الله تعالى: إِلَى الْكَعْبَينِ دل على أن المراد به اثنان من كل رجل، وهذا على قولهما صحيح؛ لأنّ في كل واحد منهما كعبين، فلما قال الله تعالى: {إِلَى الْكَعْبَيْنِ} دل على أن المراد به اثنان؛ ولأن إطلاق الكعب يتناول العظم الناتئ ألا ترى أنه إذا قيل ضُرب كعب فلان، فهم منه هذا، فكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألصقوا الكعاب بالكعاب» وأراد به ما ذكرناه؛ ولأن الكعب مأخوذ من الكعوب الذي هو النتوء، ومنه جاريةٌ كاعبٌ، إذا نتأ صدرها وهذا يوجد في مفصل القدم دون غيره.
الجزء 1 · صفحة 22
فأما محمد فإنه يقول: الكعب عبارة عن المفصل، ومنه كعوب الرمح لمفاصله، وفي وسط القدم مفصل، والناتئ أيضاً مفصل، والاسم إذا تناول شيئين حمل على أشهرهما، وهذا الذي رواه هشام سهو.
وإنما قال محمد: إن الكعب هو مفصل القدم في مسألة المحرم إذا لم يجد نعلين، أنه يقطع الخف أسفل الكعب، فقال: إن الكعب ها هنا الذي في مفصل القدم، فَنقَل هشام ذلك عنه إلى الطهارة، وإلا فلا خلاف في مسألة الطهارة بينهم.
فصل: النية في الطهارة
والنية ليست من شرائط الطهارة بالماء عندنا. وقال الشافعي: هي شرط
لنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم علم الأعرابي الوضوء ولم يذكر له النية مع جهله بالأحكام؛ ولأن الطهارة بالماء شرط لا تصح الصلاة مع القدرة إلا به، فلم نضطر إلى النية كإزالة النجاسة؛ ولأنه حكم ثبت في حق الكافر فلا يشترط فيه النية كستر العورة.
فَصْل: الترتيب في الطهارة
وأما الترتيب فليس بشرط في الوضوء ولا في التيمم، وقال الشافعي: هو شرط، وقد روى أبو داود في سننه: أن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم فمسح يديه ثم مسح «أن وجهه»، وعن علي الا الله أنه قال: «لا أبالي بأي أعضائي بدأت»؛ ولأن أعضاء الطهارة لا يجب فيها الترتيب كاليمين والشمال.
فصل: الموالاة في الوضوء
والموالاة ليست بشرط في الطهارة.
وقال مالك: هي شرط.
لنا: قوله: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه، فيغسل وجهه ثم يديه وثم للتراخي؛ ولأنها طهارة فلم يبطلها التفريق كغسل الجنابة.
فصل: المضمضة والاستنشاق والغسل
قال أبو الحسن والغسل مفروض في جميع البدن مغابنه وغير مغابنه، وداخل الأنف وداخل الفم، لا يجزئ من ترك ذلك في غسله صلاته.
الجزء 1 · صفحة 23
قال رحمه الله تعالى: الأصل في وجوب غسل الجنابة قوله تعالى: {وَان كُنتُمْ جُنُنَا فَأَطَهَرُوا} المائدة: والمراد به جميع البدن، فكأنه تعالى قال: طهروا أبدانكم، فيقتضي ذلك تطهير كل ما يمكن تطهيره من غير مشقة، ولا خلاف في ذلك إلا في المضمضة والاستنشاق.
فعندنا: أنهما فرض في الجنابة.
وقال الشافعي: ليسا بفرض.
والدليل على ما قلناه: قوله: إن تحت كل شعرة جنابة، ألا قبلوا الشعر وأنقوا البشرة»، قال ابن الأعرابي: البشرة في اللغة: الجلدة التي تقي اللحم من الأذى، وروى عليّ عن النبي الله أنه قال: من ترك شعرة من شعره في الجنابة لم يُصبها الماء، أصابه كذا وكذا من النار، قال علي الله: فمن ثم عاديت شعري فحلقته، ومعلوم أن في داخل الأنف شعراً وفي الفم بشرة؛ ولأنه عضو شق إيصال الماء إليه في الوضوء، فكان فرضاً في الجنابة كالأذنين، ولأنه عضو يختص تطهيره باسم، فوجب تطهيره في الجنابة كالرأس.
واحتج الشافعي: أن أم سلمة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إني امرأة أشد ضفر رأسي فما أصنع به في الجنابة؟ فقال: «أما أنا فأحثي على رأسي وسائر جسدي ثلاث حثيات من ماء، فإذا فعلت ذلك فقد طهرت، وهذا لا دلالة فيه؛ لأنّ قوله: أحثي على رأسي وسائر جسدي يتناول الفم والأنف؛ لأنه من الجسد، وقياسهم على الوضوء لا يصح؛ لأنه يسقط فيه أكثر الظواهر؛ فلأن يسقط فيه البواطن أولى.
فصل: ضربات التيمم
قال أبو الحسن والتيمم عند عدم الماء للوضوء والغسل سواء، وهما ضربتان ضربة للوجه، وضربة أخرى لليدين إلى المرفقين، يعم بذلك العضوين جميعاً ويدخل في ذلك المرفقان.
والأصل في ذلك قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيْبًا فَأَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ} المائدة: وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء ... .
الجزء 1 · صفحة 24
والدليل على أن التيمم للجنابة والحدث سواء: ما روي عن عمار ابن ياسر أنه قال: أصابتني جنابة فتمعكت في التراب كما يتمعك الحمار، فذكرتُ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أصرت حماراً، إنّما كان يكفيك أن تضرب بيديك على الأر. رض فتمسح بهما وجهك وتضرب بهما ضربة أخرى وتمسح بهما ذراعيك، والكلام في تفصيل التيمم وصفته يأتي في كتاب التيمم إن شاء الله تعالى بالدقة.
فَصل: مسنونات الوضوء
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: والمسنون في الوضوء تسمية الله تعالى في ابتدائه إلى آخر ما ذكر.
قال رحمه الله تعالى: وجملة هذا أن مسنونات الوضوء على ضروب منها ما يتقدم عليه، ومنها ما يوجد عند افتتاحه، ومنها ما يوجد في خلاله.
فالذي يتقدم عليه: السواك، وهو سنة بدليل ما روي عن النبي أنه قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك لكل صلاة» وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة بسواك أفضلُ من كذا كذا صلاة بغير سواك، وقال: «أوصاني خليلي جبريل بالسواك، حتى خفت كاد يزدردني، وقال: «طهروا مسالك القرآن بالسواك».
فَصْل: التسمية في الوضوء
والتسمية في ابتداء الوضوء سنة لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل أمر ذي بال لم يُبدأ فيه باسم الله تعالى فهو أبتر».
وقال: «من توضأ وذكر اسم الله تعالى كان طهوراً لجميع بدنه، ومن يتوضأ ولم يذكر الله تعالى كان طهوراً لما أصاب الماء» ه. وقد قال قوم: إن التسمية فرض، وهذا غلط لهذا الخبر، ولأنها عبادة ليس في أثنائها ذكر واجب، فلا يجب في ابتدائها ذكر، كالصوم.
فإن احتجوا بقوله: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه.
قلنا لهم: خبر الواحد لا يثبت به وجوب ما يعم البلوى به على ما قدمناه؛ ولأنه محمول على نفي الكمال كقوله: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، ونحو ذلك.
فضل غسل اليدين قبل الوضوء
الجزء 1 · صفحة 25
قال: وغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء لمن استيقظ من منامه سنة لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا استيقظ أحدكم من منامه، فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يدهه. وقد قال قوم بوجوب ذلك، واختلفوا فمنهم من أوجبه من نوم الليل والنهار، ومنهم من أوجبه من نوم الليل، خاصة، والدليل على أنه ليس بواجب أنه إن كان غسلا من حدث لم يجب فيه غسل العضو مرتين، وإن كان غسلا من نجاسة، فالأصل في يده يقين الطهارة، ويجوز أن تكون نجست، ويجوز أن تكون لم تنجس، فلا يجب التطهير بالشك.
فأما الخبر فلا دلالة فيه على الوجوب؛ لأن قوله: «لا يدري أين باتت يده معناه لا يدري أين باتت يده في مكان طاهر من بدنه أو نجس، ومن شكّ في النجاسة، فإن غسلها مستحب، وليس بواجب.
فصل: المضمضة والاستنشاق في الوضوء
قال: والمضمضة والاستنشاق سنتان في الوضوء؛ لقوله: «بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائماً، وتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فتمضمض واستنشق.
وقد قال بعض الناس بوجوب ذلك في الوضوء، وهذا ليس بصحيح؛ لأنّ بواطن البدن لا يجب غسلها في الوضوء، كسائر المغابن.
فضل: تكرار الغسل ثلاثاً
وتكرار الغسل ثلاثاً سنة، لأن النبي وتوضأ مرة مرة وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، وتوضأ مرتين مرتين وقال: «هذا وضوء من يضاعف الله له الأجر مرتين، وتوضأ ثلاثاً ثلاثاً، وقال: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي، ووضوء خليلي إبراهيم، فمن زاد أو نقص فقد تعدى وظلم، معناه: من نقص عن الواحدة أو زاد على الثلاث.
وقد قال أصحابنا: إذا زاد في الوضوء على ثلاث مرات كره له ذلك، إلا أن يقصد به ابتداء وضوءاً آخر وتجديده؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الوضوء على الوضوء نور على نور.
فضل تكرار مسح الرأس
الجزء 1 · صفحة 26
وليس في المسح على الرأس تكرار مفروض ولا مسنون، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: «إن مسح رأسه ثلاثاً بماء واحد كان مسنوناً».
وقال الشافعي: السنة أن يمسح رأسه ثلاث مرات بثلاث مياه.
لنا: ما روي أن عثمان الله توضأ بالمقاعد، فغسل وجهه ثلاثاً،، ويديه ثلاثاً، ومسح برأسه وأذنيه مرة واحدة وغسل رجليه ثلاثاً، وقال: «هكذا توضأ، رسول الله.
ومعلوم أن الحكاية تقع بالوضوء الكامل ليقتدي به الناس، ولا يجوز أن يقال: قد روي في هذا الخبر أنه مسح برأسه ثلاثاً؛ لأنّ أبا داود قال سننه: الصحيح من حديث عثمان رواية من روى أنّه في مرة واحدة؛ مسح مرة ولأنه مسح في الطهارة، فلا يُسَنُّ فيه التكرار، كالتيمم ومسح الخف؛ ولأن كل حكم يختص به الرأس من بين سائر الأعضاء لا يسن فيه التكرار كالحلق.
وأما الذي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثاً ثلاثاً وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي فلا دلالة فيه؛ لأنّ أكثر ما فيه أن يكون مسح رأسه ثلاثاً، وذلك لا يقتضي تكرار الماء، وهذا موضع الخلاف؛ لأنّ الحسن روى عن أبي حنيفة أنه قال: إن مسح رأسه ثلاثاً بماء واحد، جاز.
فصل: مسح الأذنين
ومسح الأذنين سنة، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه وأذنيه وصدغيه وأفعاله في القُرب أقل أحوالها أن تفيد السنة.
فضل:
قال أصحابنا: السنة في الأذن أن يمسح أذنيه بالماء الذي يمسح به رأسه.
وقال الشافعي: يأخذ لهما ماءً جديداً.
لنا: ما روي أن النبي علوم مسلح برأسه وأذنيه، وقال: «الأذنان من الرأس». ولا يجوز أن يكون بين مكانهما خلقة؛ لأنّ هذا يُعلم مشاهدة، ولا يجوز أن يكون قال ذلك؛ لأنّ طهارتهما المسح؛ لأنّ اتفاق العضوين في التطهير لا يوجب إضافة أحدهما إلى الآخر، فلم يبق إلا أن يكون المراد: أنهما يمسحان مع الرأس؛ ولأنه ممسوح مسنون فلا يفرد في طهارة الفرض بماء، كما زاد على مقدار الفرض من مسح الرأس.
الجزء 1 · صفحة 27
والذي روي أن النبي الله و أخذ لهما ماءاً جديداً؛ احتمل أن يكون لم يبق على يده بلل.
وعندنا: إذا كان كذلك أفردهما بماء، وقياسهم على المضمضة والاستنشاق لا يصح؛ لأنّ ابن شجاع ذكر عن أصحابنا أنه لو أخذ غرفة فتمضمض بها وغسل وجهه، جاز، وكذلك ذكره الحاكم في المنتقى أيضاً، فعلى هذا لا نسلم قياسهم على المضمضة والاستنشاق.
فصل: تخليل اللحية
وأما تخليل اللحية فقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه قال: إذا أمر الماء على ظاهر لحيته أجزأه، وليس تخليل لحية الشعر من مواضع الوضوء.
وذكر محمد في الآثار عن ابن عمر أنه كان يخلل لحيته.
قال محمد: فأما على قولنا إن شاء خلل وإن شاء لم يخلل، وقال أبو يوسف: أما أنا فأخلل، فحصل من مذهب أبي حنيفة ومحمد أن التخليل جائز وليس بمسنون، وقال أبو يوسف: سنة.
وجه قولهما: أن عثمان الله لما حكى وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخلل؛ ولأن التخليل مبالغة في استيفاء الفرض، وباطن الشعر لا يجب إيصال الماء إليه، فلا يسن تخليله كشعر الرأس.
وجه قول أبي يوسف ما روى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ
شبك أصابعه في لحيته كأنها أسنان المشط.
فضل: تخليل الأصابع
وأما تخليل الأصابع فهو سنة في قولهم جميعاً، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خللوا أصابعكم قبل أن يخللها نار جهنم»؛ ولأن غسل ما بينها واجب، والتخليل يتيقن به استيفاء الواجب، فهو سنة.
فضل: إدخال الماء في العين
وليس إدخال الماء في العين سنة؛ لأنه لم يفعل ذلك؛ ولأن فيه مشقة.
فصل: الترتيب في الوضوء
ولم يذكر أبو الحسن الترتيب، وقد قال محمد في كتاب الطلاق: إن من ترك الترتيب في الوضوء أجزأه، وقد ترك السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ورتَّب،
الجزء 1 · صفحة 28
وقد قالوا: إن الأفضل أن يبتدئ بغسل يمينه قبل شماله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستحب أن يبتدئ في الأمور بالميامن، وقال: إن الله تعالى يحب التيامن في كل شيء».
النية في الوضوء
والنية مسنونة في الوضوء؛ لأنّها تجعل الفعل قربة، ومن توضأ بغير نية سَقَط فرض الوضوء ولم تكن قربة.
فصل: كيفية الغسل
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى والغسل من الجنابة وغيرها: أن يبتدئ بغسل يديه، ثم فرجه، ثم يأتي بالوضوء على ما وصفت لك إلّا القدمين، ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثاً، ثم يتنحى عن مغتسله فيغسل قدميه. والأصل في وجوب غسل الجنابة قوله تعالى: {وَإِن كُنتُم جُنُبا فَأَطَهَرُوا} المائدة:، وقال تعالى: {حَتَّى تَغْتَسِلُوا} النساء: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن تحت كل شعرة جنابة، ألا قبلوا الشعر، وأنقوا البشرة»، ولا خلاف في ذلك.
فرض الغسل وسننه
وأما فرض الغسل من الجنابة، والحيض والنفاس: فهو أن يغسل جميع بدنه ويتمضمض ويستنشق، وقد قدمنا ذلك.
فأما السنة في الغسل: فهي أن يغسل يديه قبل إدخالهما الإناء؛ لأنه لا يأمن أن يكون عليها نجاسة من حال الجماع، فصار كالمستيقظ من منامه، ثم يزيل نجاسته إن كانت على بدنه؛ لأنه إذا لم يبتدئ بإزالتها أصابها الماء، فسرت إلى مكان آخر، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة إلا رجليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا اغتسل، ويؤخر غسل رجليه؛ لأنه إذا اغتسل أصابهما الماء المستعمل، فإذا أخرهما وتنحى عن ذلك المكان وغسلهما أزال عنهما الماء المستعمل، وقد روى الحسن عن أبي حنيفة: أن الجنب يتوضأ ولا يمسح رأسه، ولا يغسل رجليه؛ لأن الغسل لا يثبت فيه المسح، فلا معنى لفعله.
الجزء 1 · صفحة 29
وقد روي صفة الغسل عن رسول الله و عن طريق عائشة وميمونة وأنس، وأكملها حديث ميمونة، رواه ابن عباس عنها قالت: «وضعتُ للنبي صلى الله عليه وسلم غسلاً، فاغتسل من الجنابة فأكفأ الإناء بشماله على يمينه، فغسل كفيه، ثم أفاض الماء على فرجه فغسله، ثم مال بيديه على الحائط أو على الأرض فدلكهما، ثم تمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، وأفاض الماء على رأسه ثلاثاً، ثم أفاض الماء على سائر جسده، ثم تنحى فغسل رجليه.
فصل: الوضوء في غسل الجنابة
وقد قال قوم: إن الوضوء في غسل الجنابة واجب، وهذا غلط ومخالف لظاهر القرآن؛ لأنّ الله تعالى قال: فَأَطَهَرُوا، وقال تعالى: {حَتَّى تَغْتَسِلُوا، وقد روي عن علي بن أبي طالب وابن مسعود أنهما قالا: تجزئ إفاضة الماء؛ ولأننا لو أوجبنا الوضوء، لوجب غسل عضو واحد بسبب واحد مرتين.
فصل: تداخل الحدث
ولا فرق بين جنابة طرأت على حدث أو مبتدأة، ومن الناس من قال: إن المحدث إذا أجنب، وجب عليه الوضوء والغسل معاً، وهذا غلط؛ لأنّ أسباب الحدث إذا تكررت تداخلت، بدلالة المرأة الجنب إذا حاضت، اكتفت بغسل واحد.
فَصْل: الوضوء بعد الغسل
ومن الناس من قال: إن الجنب إذا اغتسل، وجب عليه الوضوء بعد الغسل، وقد روي إنكار ذلك عن علي، وابن مسعود، وقد ذكر لابن عمر فقال: لقد تعمقت، أما يكفيك غسل جميع بدنك؛ ولأن الغسل قد حصل به الطهارة الكبرى، فلا معنى للوضوء بعده.
فَصل: ذلك البدن في الغسل
وقد قال مالك: إن على الجنب أن يدلك بدنه1، وهذا خطأ، لقوله: «أما أنا فأفيض الماء على رأسي وسائر جسدي ثلاث حثيات من ماء»، ولم يذكر الدلك؛ ولأن الدلك إنما يحتاج إليه في إزالة النجاسة لرفع عينها، وليس في الجنابة عين تزال.
فصل: تحريك الخاتم في الغسل
الجزء 1 · صفحة 30
ولم يتعرض أصحابنا لتحريك الخاتم في الوضوء والغسل؛ لأنهم قد بينوا وجوب غسل البدن، فإن كان الماء يصل من حلقة الخاتم، لم يحتج إلى تحريكه، وإن كان لا يصل لضيقه، فلا بد من تحريكه ليغسل ما تحته
:فَصل: أدنى ما يكفي في الغسل والوضوء
قال محمد في الأصل: أدنى ما يكفي في الغسل صاع، وفي الوضوء مدّ، وهذا تقدير المسنون؛ لأنّ الحسن روى عن أبي حنيفة أنه قال: يكفي للوضوء رطلان، وإن توضأ بأقل منه وأسبغ أجزأه، وإن توضأ بأكثر من رطلين ولم يسبغ وضوءه، لم يجزه، قال: فإن أراد أن يستنجي يتوضأ بثلاثة أرطال، رطل للاستنجاء، ورطل لغسل الوجه والذراعين ومسح الرأس، ورطل لغسل القدمين، وإن مسح على خفيه ولم يستنج كفاه رطل واحد.
والأصل في ذلك: حديث عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصَّاعِ».
وروى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يجزئ في الوضوء المد، وفي الغسل الصاع».
والدليل على أن ما دون ذلك يجزئ ما روى عبد الله بن زيد: أن النبي أتى بثلثي مُدَّ فتوضأ به.
باب ما يوجب الوضوء
قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: ما خرج من السبيلين: الدُّبُر والذَّكَر أو فَرْج المرأة، كائناً ما كان، ريحاً أو غيرها، فهو يوجب الوضوء، إلّا الإنزال، والحيض، والنفاس؛ فإن ذلك يوجب الغسل.
والأصل في وجوب الوضوء من الخارج من السبيلين المعتاد: قوله تعالى: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ الْغَابِطِ} المائدة:، والغائط: الموضع المطمئن من الأرض الذي يُقصد للحاجة، وإنما صار اسماً للحاجة؛ لكثرة الاستعمال، كما أن العذرة هي: الفناء، وقد صارت بالعرف اسماً للنجاسة، وقد أوجب الله تعالى الوضوء من الغائط، وأما الخارج من السبيلين إذا لم يكن معتاداً، ففيه الوضوء عندنا.
وقال مالك: لا وضوء فيه، وهذا مثل دم الاستحاضة.
الجزء 1 · صفحة 31
والدليل على وجوب الوضوء منه قوله: المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة، ولأنها نجاسة خارجة من السبيل كالمعتاد.
4 فصل: الوضوء من المَذْي والوَدْي
وعلى هذا المذي يوجب الوضوء، لما روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: كنت رجلاً مذاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته مني فأمرت المقداد فسأله! فقال: «إذا كان ذلك فانضح فرجك بالماء وتوضأ»، والمذي: هو الماء الرقيق الذي يخرج عند الشهوة، وعلى هذا الوَدْي: وهو الماء الأبيض الذي يخرج بعد البول فهو من توابع البول، فيوجب الوضوء، وعلى هذا إذا خرجت الدودة من أحد السبيلين، أو الحصاة؛ فإنّها توجب عندنا الوضوء.
وعند مالك في ذلك كله لا يوجب؛ لأنه غير معتاد.
قلنا: إنها تخرج وعليها نجاسة يسيرة، ويسير النجاسة الخارجة من السبيلين ينقض الطهارة.
فصل: الريح الخارجة من السبيلين
وأما الريح الخارجة من السبيل فإنّها تنقض الوضوء لقوله: «إن الشيطان ليأتي أحدكم فينفخ بين إليتيه فيقول أحدثت أحدثت، فلا ينصرفن حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً».
الريح الخارجة من القبل
فأما الريح الخارجة من ذكر الرجل، ومن قبل المرأة، فقد ذكر أبو الحسن: أنه لا وضوء فيه إلا أن تكون المرأة مفضاة، فيخرج معها ريح منتنة، فيُستحب لها الوضوء.
وروي عن محمد في الريح الخارجة من الذَّكَر أو الفَرْج: الوضوء. فأما وجه ما ذكره أبو الحسن؛ فلأن الفرج الذي هو موضع الوطء ليس بمسلك للبول، فما يخرج من الريح منه لا يصلها النجاسة، والريح طاهرة في نفسها، وخروج الطاهر لا ينقض الوضوء، وإنما ينقض الريح الخارجة من الدبر؛ لأن آخر النجاسة تخرج بخروجها.
وأما إذا كانت مفضاة، صار مسلك البول ومسلك الوطء مسلكاً واحداً، فلا يأمن أن يكون الريح خارجة من مسلك البول، فاستحب لها الوضوء، ولم يوجبه؛ لأنّ يقين الطهارة لا يرتفع بالشك.
الجزء 1 · صفحة 32
وأما الذكر فقد قالوا: إنّه لا يتصور خروج الريح منه، وإنما يحس الإنسان فيه باختلاج، فتظن أن الريح قد خرجت.
فأما وجه رواية محمد: فلأن الذكر مسلك للنجاسة كالدبر، والريح الخارجة منه توجب الوضوء، وما وصل إليه من خارجه ثم عاد، ففيه الوضوء، وهذا مثل الحقنة؛ لأنّها إذا وصلت نجست لاختلاطها بالنجاسة، فإذا خرجت فهي نجاسة خارجة من السبيل فينقض الوضوء.
فصل: دم الاستحاضة
قال أيده الله تعالى: وقد بَيَّنَّا أن دم الاستحاضة حدث، والكلام في كيفية الوضوء منه.
فعندنا أن المستحاضة التي يسيل دمها ولا ينقطع، تتوضأ لوقت كل صلاة وضوءاً واحداً، فتصلي به في الوقت فرض الوقت، وما شاءت من الفوائت والنوافل، فإذا خرج الوقت بطل وضوءها.
وقال الشافعي: إذا توضأت صلت بوضوئها فرضاً واحداً وما شاءت من النوافل، ولا يجوز لها أن تصلي فرضاً آخر حتى تعيد الوضوء.
لنا: حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة»، ولأنها طهارة يجوز أن تؤدي بها فرضاً بعده نفل، فجاز أن تؤدي بها فرضاً بعد فرض كمسح الخفين؛ ولأن كل طهارة جاز أن تؤدي بها فرضاً واحداً، جاز أن تؤدي بها، فرضين، كطهارة من به رعاف متصل.
فصل: طهارة المستحاضة
وقد قال أصحابنا: إن طهارة المستحاضة تبطل بخروج الوقت.
وقال زفر تبطل بدخول الوقت.
ويتعين الخلاف بينهم فيمن توضأت قبل الظهر، قال أصحابنا: تصلي بوضوئها للظهر، وقال زفر: لا تجوز.
لنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل وضوءها متعلقاً بوقت الصلاة، فلو لم يكن هذا الوضوء لصلاة الظهر لم يجز لها أن تصلي، فلمّا جاز عُلم أنه وقع للظهر؛ ولأن المستحاضة إذا توضأت للفجر، فطلعت الشمس، بطل وضوؤها بخروج الوقت وإن كان لم يدخل بالطلوع وقت صلاة.
وجه قول زفر: إن دخول الوقت يبطل الوضوء، كدخول وقت العصر.
فَصل: صلاة المستحاضة
الجزء 1 · صفحة 33
وإنما جوّزنا للمستحاضة أن تصلي مع سيلان الدم؛ لما أن فاطمة روي بنت قيس قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أستحاض فلا أطهر، وأخاف أن لا يكون لي في الإسلام حظ، فقال لها ليس ذلك بحيض، وإنما هي ركضة من الشيطان، أو عرق انقطع، أو داء عرض، فتوضئي لكل صلاة، فقالت: هو أكثر من ذلك، إني أثج الدم ثجاً، فقال: احتسبي وألجمي وصلي، ولو تقطر الدم على الحصير»،
فدلّ على جواز الصلاة مع السيلان.
وقد قال أصحابنا: إن وضوءها يقع للحدث السابق، والصلاة مع الدم في الوقت رخصة، فأما أن يؤثر الوضوء في حدث بعده فلا.
فصل: وضوء المستحاضة للصلاة
ومن الناس من قال: إنّ المستحاضة تغتسل لوقت كل صلاة، وهذا فاسد؛ لما روي أن النبي هو أمر فاطمة بالوضوء، ولأنه قال: «ليس ذلك بحيض وإنما هو دم عرق»، ودم العرق لا يوجب الغسل.
والذي روي أنه أمر حمنة بنت جحش أن تغتسل لكل صلاة؛ فلأنها صلت أيامها المعتادة، فكانت لا تعلم أيام الحيض من أيام الطهر.
وعندنا أن هذه تغتسل لكل صلاة.
وأما من به رعاف دائم، أو سَلَس، بول، أو استطلاق بطن، فهو كالمستحاضة في الطهارة؛ وذلك لأن الحدث به دائم، فهو كالمستحاضة التي حدثها دائم.
:فَصْل: الوضوء من الخارج من البدن
قال أبو الحسن وكذلك سائر ما خرج من البدن من دم، أو قيح، أو صَدِيد، قال رحمه الله تعالى: وجملة هذا أن كل نجاسة خرجت من بدن الإنسان إلى موضع يلحقه حكم التطهير، فإنّها توجب الوضوء عندنا، كالرعاف، والفَصْد، والحِجامة، والقَيْح.
وقال الشافعي: لا يجب الوضوء إلا في الخارج من السبيلين1.
لنا ما روي في حديث تميم الداري عن النبي لا لا أنه قال: «الوضوء من كل دم سائل، ولأنه دم عرق فأشبه دم الاستحاضة؛ ولأن كل حكم تعلق بدم الاستحاضة، تعلق بالدم الخارج من غير السبيل كوجوب إزالته.
فَصل: الوضوء من القيء
وأما القيء ففيه الوضوء عندنا.
وقال الشافعي: لا وضوء فيه
الجزء 1 · صفحة 34
لنا: ما روي عن النبي الله أنه قال: من قاء في صلاته أو رعف أو أمذى، فلينصرف وليتوضأ وليبن على ما مضى من صلاته ما لم يتكلم أو يحدث 4.
وقد روى زيد بن علي عن آبائه عن النبي أنه قال: «القَلْسُ حَدَثُ. ولأنها نجاسة خارجة من البدن، فجاز أن تؤثر في الطهارة، كالخارج من السبيلين.
فصل: القيء بملء الفم
قال أصحابنا: إذا ملأ القيء الفم وجب الوضوء، وإن تقيأ أقل من ملء الفم فلا وضوء فيه، وملء الفم: ما لا يمكن ضبطه. وقال زفر: في قليل القيء وكثيره الوضوء.
لنا: أن القياس يمنع وجوب الوضوء من القيء؛ لأنه ليس بخارج بنفسه، وإنما هو مخرج، ألا ترى أن الأشياء السائلة لا تندفع إلى فوق بطبعها، فلما اندفع القيء علمنا أن الطبيعة دفعته، فصار كالنجس إذا أخرج من الجرح بقطنة، وإنما تركنا القياس في الكثير لاتفاقنا، وما سواه يبقى على أصله، وقد روي أن النبي ذكر ما يوجب الوضوء فقال فيه: «أو دسعة تملأ الفم؛ ولأن ما دون ملء الفم في حكم اليسير، فأشبه ما يخرج مع الجُشاء المتغير. وجه قول زفر أنّ ما توجبه الطهارة يستوي قليله وكثيره، كالخارج من السبيل.
فصل: الوضوء من البلغم
قال أبو حنيفة ومحمد: إذا قاء بلغماً فملأ، فاه، فلا وضوء عليه، وقال أبو يوسف فيه الوضوء.
وجه قولهما: إن البلغم طاهر بدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ النخامة في صلاته بطرف ثوبه فيدلكها، وخروج الطاهر لا يوجب نقض الطهارة، كالدمع والعرق.
وجه قوله أبي يوسف: إن البلغم وإن كان طاهراً فقد اختلط بنجاسة المعدة، فصار نجساً كالماء إذا شربه ثم قاء.
فصل: نقض الوضوء بالقيء دما
وأما إذا قاء دماً فقد روى المُعَلَّى عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنّ يسير الدم ينقض الوضوء، وهي رواية الحسن عن أبي حنيفة.
وروى ابن رستم عن محمد: أنّه لا ينقض حتى يملأ الفم.
الجزء 1 · صفحة 35
وجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف أن المعدة ليست بمحل للدم، وإنما يسيل إليها من فرجة في الجوف، ثم يخرج بدفع الطبيعة له، فهذه نجاسة خرجت بنفسها ثم أخرجت، فهي كدم يؤخذ من رأس الجرح، ولو ترك لسال.
وجه قول محمد: أنه نوع من أنواع القيء كسائر أنواعه.
وقد روى الحسن عن أبي حنيفة في كتاب الصلاة قال: إذا قاء دماً ذائباً نقض الوضوء وإن كان يسيراً؛ لأنه سال من موضعه إلى معدته، ثم خرج وليس بقيء، قال: وإن قاء علقاً من الدم لم ينقض الوضوء حتى يملأ الفم؛ لأنّ العلق يكون في المعدة، وهي السوداء، فصار كالمرة وغيرها.
فصل: الخارج من الرأس
وما خرج من الرأس من دم أو قيح ففيه الوضوء إذا سال إلى موضع يلحقه الاستنشاق من الأنف، ويلحقه التطهير من الأُذُن؛ وذلك لأنها نجاسة خرجت بنفسها إلى موضع يلحقه حكم التطهير، فنقضت الطهارة، وليس كذلك البول إذا نزل إلى قصبة الذكر؛ لأنّ ذلك الموضع لا يلحقه حكم التطهير، فهو كداخل البدن، وقد قالوا في البول إذا خرج إلى القُلْفَة نقض الوضوء؛ لأنّ ه زال عن حكم الباطن، فصار في حكم الظاهر، قالوا: ولو خرج البول من فرج المرأة إلى ما بين الركبتين نقض الوضوء؛ لأن الركبتين على الفرج بمنزلة الأليتين على الدير.
قال: وليس في شيء يخرج من الرأس ـ من دهن سعوط إذا رجع أو غيره، وصل إلى الرأس أو لم يصل، مكث هنالك يوماً أو أكثر ثم خرج ـ وضوء؛ وذلك لأن الرأس ليس بمكان للنجاسة، فما يصل إليه ثم ينفصل يخرج طاهراً، فلا يتعلق بخروجه نقض طهارة.
وقد روى عليّ بن الجعد عن أبي يوسف فيمن استعط فخرج من فمه، فعليه الوضوء؛ وذلك لأنه لا يخرج من الفم إلا ما بعدما ينزل إلى الجوف، فهو في حكم القيء.
فصل: خروج الدم من الفم
وما خرج من نفس الفم من الدم إذا غلب على الريق، ففيه الوضوء؛ وذلك لأن الدم إنّما يخرج من الفم من أصول الأسنان باجتذاب النفس، فإذا غلب على الريق فهذه نجاسة كثيرة أخرجها بفعله، ففيه الوضوء.
الجزء 1 · صفحة 36
وأما إذا كان الريق غالباً فلا وضوء فيه؛ لأنها نجاسة يسيرة لو تركت لم تسل. وإذا تساوى الريق والدم، فالقياس أن لا يجب الوضوء؛ لأنه استوى الموجب والمسقط، والأصل يقين الطهارة فلا يزول بالشك، والاستحسان: أن يجب الوضوء؛ لأنّ الحظر والإباحة لما تساويا كان الحكم للحظر.
فصل: الوضوء من اللمس
قال: وليس في ملموس لشهوة، فرج ولا غيره، وضوء، قال رحمه الله
تعالى: وهذه الجملة تشتمل على مسألتين:
إحداهما مسّ الرجل المرأة، فعندنا أنه لا ينقض الوضوء.
وقال مالك: إن كان بشهوة ينقض، وإن كان بغير شهوة لم ينقض.
وقال الشافعي: ينقض في الوجهين.
لنا: ما روي في حديث عائشة أن رسول الله هل كان يتوضأ ويخرج إلى المسجد فتلقاه بعض نسائه فيصيب من وجهها ولا يتوضأ»؛ ولأنه لمس لا يؤثر في الإحرام بنفسه، فلا يؤثر في الطهارة، كلمس الرجل الرجل؛ ولأنه لمس لا يوجب الغسل، فلا يوجب الوضوء، كمس شعرها.
فصل: الوضوء من مس الذكر
والمسألة الثانية: مس الذكر لا ينقض الوضوء عندنا، وهو قول علي وابن مسعود وحذيفة.
وقال الشافعي: إذا مسه بباطن كفه من غير حائل نقض الوضوء. لنا ما روي في حديث قيس بن طلق عن أبيه طلق بن عليّ أن النبي سئل عن الرجل يمس ذكره في الصلاة، فقال: «لا وضوء فيه، هل هو إلا بضعة منك!»، ولأنه عضو من أعضائه، فلا ينقض الوضوء بمسه كسائر الأعضاء؛ ولأنه إن كان في حكم الأشياء الطاهرة، فمسها لا ينقض الوضوء، وإن كان في حكم النجاسات، فمسه كمس الكلب والخنزير، فلا ينقض الوضوء أصلاً.
افضل: الوضوء بالمزال عن البدن
قال: ولا في مزال عن بدن، ولا موطوء عليه وضوء، ولا إمرار ماء على موضع المزال من ظفر ولا شعر، وهذا صحيح إذا توضأ الرجل ثم قلم ظفره، أو حلق شعره، فلا وضوء عليه، ولا يلزمه إمرار الماء على موضع ذلك، وقال ابن جرير: ينقض الوضوء.
الجزء 1 · صفحة 37
وقد روي عن علي بن أبي طالب له أنه قال في ذلك: ما زاده إلا تطهيراً. وروي عن ابن عباس وابن عمر مثل قولنا؛ ولأن هذا يفعل للنظافة، فلا يبطل به الطهارة كالاغتسال، ولأن الشعر ليس ببدل في الطهارة عن البشرة، وإنما هو نفس الفرض؛ بدلالة أن من كان ببعض رأسه صلع، جاز أن يمسح على الشعر مع القدرة على مسح البشرة، وإذا كان نفس الفرض لم يجب الوضوء بزواله، كمن توضأ ثم تقشر جلده بالشمس.
فأما الموطوء: فهو الرجل يطأ على النجاسة، فإن لم يلتصق به لم يلزمه شيء؛ لأن الفرض في النجاسة أن لا يكون حاملاً لها، فإن التصقت به، فعليه غسلها حينئذ، فأما الوضوء فلا تعلق له بذلك.
فصل: مباشرة الرجل المرأة
وإذا باشر الرجل المرأة مباشرة فاحشة وهي: أن يتجرد وينتشر، ويلاقي فرجه فرجها، فالقياس: ألا يجب الوضوء، وهو قول محمد.
والاستحسان: أن يجب الوضوء وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وجه القياس: أن الملامسة لا توجب الوضوء، وإنما يجب بخروج شيء منه، ولا يعلم ذلك، ولا يجب الوضوء بالشك.
وجه الاستحسان أن الإنسان لا يكاد يبلغ هذه الحالة من امرأته وهو صحيح إلا وينفصل منه شيء، وذلك وإن لم يكن متيقناً فهو غالب، فتعلق الوضوء به كالحدث في حال النوم، وهذا القول يقتضي إذا علم أنه لم ينفصل منه بلة، أن لا يجب الوضوء.
وقد روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة في المباشرة الفاحشة، قال: عليه الوضوء خرج منه شيء أو لم يخرج، ومعنى ذلك أنّه تيقن بخروج شيء منه أو لم يتيقن، وإلّا أدّى ذلك إلى القول بوجوب الوضوء من اللمس، وذلك لا يقوله أحد من أصحابنا.
فَصل: وجود البلل في الفراش
ونظير هذه المسألة ما قالوا في الرجل يصبح فيجد على فراشه أو فخذه مَنْياً، ولا يذكر الاحتلام، أو يتذكره، فالقياس: أنه لا يجب الغسل، وهو قول أبي يوسف.
والاستحسان: أنه يجب الغسل، وهو قول أبي حنيفة ومحمد.
الجزء 1 · صفحة 38
وجه القياس: أنه يحتمل أن يكون انفصل على وجه الدفق والشهوة، ويحتمل أن يكون انفصل على غير دفق وشهوة، فلا يجب الغسل بالشك.
وجه الاستحسان: ما روي عن النبي لو أنه سئل عن الرجل يرى الرؤيا ثم يصبح على جفاف قال: «لا غسل عليه»، فإن رأى بللاً فعليه الغسل وإن لم يتذكر الاحتلام، فَدَلَّ على ما قال.
فإن قيل: كيف توجبون الغسل من المَذْي؟! قلنا: هذا مجاز في الكلام، ومعناه: إن أصبح فرأى بللاً صفته صفة المَذْي؛ لأنّ المَنِيَّ إذا برد يرق ويصير على صفة المذي، فأما أن يكونوا أوجبوا في المذي غسلاً فلا، وقد ذكر الحاكم الشهيد في المنتقى هذه المسألة، فقال: إذا رأى بللاً، وذكر محمد في الأصل: مذياً، وإنما معناه: ما صفته صفة المذي.
فإن قيل: إذا لم يذكر الاحتلام، جاز أن يكون خرج على غير وجه الدفق والشهوة.
قلنا: الأصل أن المني لا يخرج إلا على وجه الدفق والشهوة، وما خرج بغير ذلك يكون بأمر نادر فحملوا الأمر على الأغلب.
فصل: وقوع فأرة في بئر
ونظير المسألتين ما قالوا في البئر يوجد فيها فأرة ميتة، فالقياس: أن لا يجب عليهم إعادة الصلوات إلا من الوقت الذي تيقنوا بوقوعها في البئر، وهو قول أبي يوسف ومحمد.
والاستحسان: أنّها إن كانت منتفخة أعادوا صلاة ثلاث أيام ولياليها، وإن كانت غير منتفخة أعادوا صلاة يوم وليلة وهو قول أبي حنيفة. وجه القياس هو: أنه يحتمل أن يكون وقوعها متقدماً، ويحتمل أن يكون ألقيت بعد موتها الساعة، فلا يجب عليهم إعادة الصلاة بالشك.
وجه الاستحسان هو أن وقوع الفأرة من الحيوان في البئر سبب لموته، فظاهر أن الموت حصل من ذلك السبب، وإن جاز أن يكون من غيره، ألا ترى أن من جرح رجلاً فلم يزل صاحب فراش حتى مات، أن الظاهر أن الموت من الجراحة، وإن جاز أن يكون من مرض حادث، وكذلك القتيل في المحلة يوجد، وكذلك الجنين إذا ألقته الأم عقب ضرب بطنها.
فاعتبر أبو حنيفة في المسائل الثلاث الطهارة والصلاة احتياطاً.
الجزء 1 · صفحة 39
واعتبر أبو يوسف يقين السبب فقال: إن الملامسة سبب لخروج البلة، وهي متيقنة، والاحتلام سبب لخروج المني، وليس بمتيقن، وتقدم أن وقوع الفأرة سبب للإعادة في الصلوات، وليس بمتيقن.
وأما محمد: فقد أخذ بالقياس في المسألتين، وترك القياس في مسألة الاحتلام؛ لأجل الخبر فيه.
فصل: نقض الوضوء بالنوم
قال: وليس على من نام وضوء إلا أن يكون مضطجعاً أو متكئاً، والكلام هاهنا في مسائل النوم يقع في فصول:
أولها: أن النوم هل هو حدث أم لا؟ فمن أصحابنا من قال: إن النوم حدث، ومنهم من قال: إن الحدث ما لا يخلو النائم منه، لا نفس النوم، يعني: من ريح أو غيره.
وجه القول الأول: أن الحدث لو كان غير النوم، وهو غير متيقن، لوجب الوضوء في حال النوم بالشك، وهذا لا يصح.
وجه القول الثاني: قوله: العينان وكاء السَّهِ فإذا نامت العينان استطلق الوكاء»، فبيّن أن الحدث مالا يخلو النائم منه؛ ولأن النوم لو كان حدثاً لما اختلف باختلاف أحوال النائم في صلاة أو غيره، كسائر الأحداث.
فصل: الوضوء من النوم مضطجعاً
وأما نوم المضطجع: فهو يوجب الوضوء في قول جميع الفقهاء. وحكي عن أبي موسى الأشعري: أنه كان إذا اضطجع، أجلس عنده إنسان، فإذا أخبره أنه لم يكن منه شيء، لم يتوضأ.
لنا: قوله: «لا وضوء على من نام قائماً، إنّما الوضوء على من نام مضطجعاً»، وروي أنه دخل المسجد وحذيفة نائم قاعداً؛ فوضع يده بين كتفيه، قال حذيفة فرفعت رأسي إليه فقلت: أفي هذا وضوء؟ قال: «لا حتى تضع جنبك»؛ ولأن الغالب أن المضطجع لا يخلو من حدث، فصار الغالب كالمعلوم.
فصل: النوم قاعداً
وأما إذا نام قاعداً فلا وضوء عليه.
وقال مالك: إن أطال النوم، فعليه الوضوء.
الجزء 1 · صفحة 40
لنا: حديث حذيفة، وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الغاية التي يجب عندها الوضوء أن يضع جنبه، فلا يجوز إيجابه دونها ولا قبلها؛ ولأن الجالس لم يبلغ إلى الاسترسال، ألا ترى أنه لو استرسل لسقط، والتماسك يمنع كمال الغفلة فلو كان منه شيء لأحسّ به؛ ولأن ما يوجب الوضوء لا فرق بين كثيره وقليله، كالنوم حال الاضطجاع.
افضل: النوم في أحوال الصلاة
وأما إذا نام قائماً أو راكعاً أو ساجداً فلا وضوء عليه.
وقال الشافعي: عليه الوضوء.
لنا: ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا نام العبد في سجوده يباهي الله به ملائكته فيقول: انظروا إلى عبدي، روحه عندي وجسده في طاعتي فلو كانت طهارته انتقضت لم يكن في الطاعة.
وروي في حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا وضوء على من نام قائماً، إنما الوضوء على من نام مضطجعاً، فإنه إذا نام مضطجعاً استرخت مفاصله» ولأنه نام في حال من أحوال الصلاة من غير عذر كالقاعد.
فصل: تعمد النوم في السجود
وقد قال أبو يوسف: إنّ من تعمد النوم في حال سجوده، بطل وضوءه، وهذا ليس بصحيح؛ لأنّ ما يوجب الوضوء يستوي فيه العمد وغيره.
وجه قول أبي يوسف: أن الوضوء يتعلق بالنوم، وذلك لا يختلف باختلاف الأحوال، وإنما استحسن في السجود في الصلوات؛ لأنّ من يكثر الصلاة بالليل لا يحترز من النوم في السجود، فإذا تعمّد النوم بقي على أصل القياس. وقد ذكر ابن شجاع مسألة النوم في حال القيام والركوع والسجود، وقال: إنما لا ينقض الوضوء ذلك إذا كان في الصلاة، وأما إذا لم يكن في الصلاة نقض، ولم يذكر ذلك رواية، وإنما ذكره عن نفسه، وهو قول لم يقل به أحد من أصحابنا؛ لأنّ ما يوجب الطهارة لا فرق فيه بين الصلاة وغيرها.
فصل: النوم مستنداً
وقد ذكر الطحاوي فيمن نام مستنداً إلى شيء لو أزيل عنه لسقط: أن عليه الوضوء؛ لأنه بلغ إلى غاية الاسترخاء، ولم يسقط للسند، فصار كالمضطجع.
الجزء 1 · صفحة 41
وذكر خلف بن أيوب عن أبي يوسف قال: سألت أبا حنيفة عمّن استند إلى سَارِية أو رَحْلٍ فنام لولا السارية أو الرَّحْل لم يستمسك، قال: إذا كانت أليتيه مستوثقة من الأرض فلا وضوء عليه.
وهذا خلاف ما ذكره الطحاوي، وهو أشبه بظاهر قوله «لا وضوء على من نام قائماً أو قاعداً ولم يفصل.
فصل: النوم قاعداً
فأما إذا نام قاعداً فسقط، قال خلف بن أيوب عن أبي يوسف: فيمن نام فوقع لم ينتقض وضوئه حتى يستقر نائماً.
وروى ابن رستم عن محمد قال: إن استيقظ حال ما سقط، فلا وضوء عليه. وروى الحسن عن أبي حنيفة قال: ولو استيقظ حال ما سقط جنبه على الأرض وهو نائم، بطل وضوءه، وكذلك إن سقط على قفاه ثم انتبه، وهذا صحيح؛ لأنه إذا استيقظ حال ما وقع على الأرض، لم يوجد جزء من النوم في حال الاضطجاع، فلا، فلا يجب عليه الوضوء، وإن حصل على الأرض نائماً ثم استيقظ، فقد وجد جزء من النوم في حال الاضطجاع، فنقض وضوءه وإن كان يسيرا.
فَصْل: الوضوء من الإغماء والجنون
وفي قليل الإغماء والجنون وكثيرها الوضوء؛ لأنّ يسير الإغماء والجنون أكثر في الغفلة من كثرة النوم، فإذا وجب بالنوم الكثير الوضوء، ففي يسير الجنون والإغماء أولى.
فصل: الوضوء من القهقهة في الصلاة
والقهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود حدث.
وقال الشافعي: ليس بحدث.
الجزء 1 · صفحة 42
لنا: ما روى عمرو بن عبيد عن الحسن عن معبد الجهني أن النبي كان يصلي فدخل أعمى إلى المسجد فسقط في بئر، فضحك قوم من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قضى صلاته قال: مَنْ ضحك منكم قهقهة فليعد الوضوء والصلاة؛ ولأن الطهارة عبادة يبطلها الحدث فجاز أن يبطلها القهقهة كالصلاة، وأما ما دون القهقهة من الضحك فلا يفسد الصلاة، لما روي أن النبي تبسم في صلاته، فلما فرغ سئل عن ذلك، فقال: «أخبرني جبريل أن الله تعالى يقول: من صلى عليك مرة صليت عليه عشراً»، ولم يستأنف الصلاة، وإنما قالوا إن القهقهة في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة لا تبطل الوضوء؛ لأنّ القياس أن لا يبطل القهقهة الطهارة في جميع الأحوال؛ لأنّ ما لا يوجب الوضوء خارج الصلاة، لا يوجبه فيها كالكلام، وإنما تركوا القياس للخبر، والخبر ورد في صلاة كاملة الأركان، فما سواها باق على أصل القياس.
:فَصْل تأثير الكلام على الطهارة قال أصحابنا: إن الطهارة لا تبطل بالكلام الفاحش، ومن الناس من أوجب في ذلك الوضوء.
لنا: ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من حلف فقال في يمينه واللات، فليقل لا إله إلا الله» ولم يوجب عليه الوضوء.
وقال: ومن قال لأخيه تعال أقامرك فليتصدق بشيء»، وقال: الكلام ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء».
فصل: الوضوء مما مسته مسته النار
قال أصحابنا: لا يجب الوضوء من أكل ما مسته النار، ومن أصحاب الحديث من أوجب الوضوء من ذلك.
الجزء 1 · صفحة 43
وقد روي عن ابن مسعود أنّه قال: «الوضوء مما يخرج لا مما يدخل». وروي أن أهل المدينة كانوا يتوضؤون مما مسته النار إلا آل أبي طالب. والدليل على ما قلناه: ما روي في حديث أبي أمامة عن ميمونة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفت له غرفة فأكل، ثم جاء المؤذن فقلت له: الوضوء، فقال: الوضوء علينا مما يخرج لا مما يدخل، وروى ابن عباس عن أبي بكر الصديق أن النبي صلى الله عليه وسلم نهش من كتف، ثم صلّى ولم يتوضأ»؛ ولأنه مأكول كسائر المأكولات.
والذي روي عنه أنه قال: «الوضوء مما مسته النار» فقد أنكره ابن عباس وقال لأبي هريرة: ألسنا نتوضأ بالحميم» وهذا المعنى صحيح؛ لأنّ ما مسته النار لو أبطل الطهارة، لم يقع به الطهارة، أعني الماء السخين. ومعنى الخبر عندنا فليغسل يده، كما روي أنه قال: «الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم».
فَصْل: مس المصحف للمحدث
قال: ولا يمس الذي على غير وضوء مصحفاً، وذلك لما روي أن النبي كتب في كتاب عمرو بن حزم وأن لا يمس القرآن إلا طاهر»؛ ولأنه يباشر القرآن بما يجب غسله، فصار كمسّ من بيده نجاسة، ولا يقال إن الصبيان في الكتاب يمسون القرآن مع الحدث؛ لأنهم غير مكلفين بالعبادات.
فَصْل: مَس المصحف بالغلاف
ولا بأس بمسه بعلاقة، وذلك لأنّ العلاق ليس منه؛ بدلالة أنه لا يدخل في بيعه إلا بالشرط، فصار كمن حمل جوالقاً فيه مصحف، وعلى هذا قال أصحابنا: إن المُحدث لا يمس الدراهم الذي عليها القرآن؛ لأنّ حرمة المصحف
إنّما هي لما كتب فيه، وسواء كتب على الدراهم أو على غيرها فهو سواء.
باب ما يوجب الغُسل
موجبات الغُسْل
الجزء 1 · صفحة 44
قال الشيخ رحمه الله تعالى ويوجب الغسل الجنابة وهي: الإنزال بأي وجه كان سببه، إذا خرج دفقاً تنقطع عنه الشهوة، ويفتر به الذكر؛ وذلك لأنّ خروج المني على هذه الصفة يوجب الجنابة، وقد قال الله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ} المائدة:، وأما إذا خرج المني من غير شهوة مثل: أن يضرب الرجل على ظهره فيسبق المني، أو يصيبه سلس فيخرج المني بغير اختياره، فلا غسل فيه عندنا، وعند الشافعي: يوجب الغسل.
لنا: أنّه خارج على غير وجه الدفق والشهوة فلم يوجب خروجه جنابة كالمذي؛ ولأن هذا الخارج يخرج على صفتين أعلى وأدنى، فأعلاه: ما خرج على وجه الدفق والشهوة وهو العام، وأدناه ما كان على غير وجه الدفق والشهوة، وهو الذي لا يوجد إلا بسبب حادث، فلا يتعلق بالخارج الأدنى ما يتعلق بالأعلى كدم الحيض والاستحاضة.
فصل: الغسل من الاحتلام
والمرأة والرجل في الاحتلام، سواء، لحديث أم سليم «أنها كانت مجاورة لأم سلمة فكانت تدخل عليها، قالت: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في بيتها فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة إذا رأت أن زوجها يجامعها في المنام تغتسل؟ فقالت أم سلمة: تربت يداكِ يا أم سليم فضحتِ النساء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت أم سليم: إن الله لا يستحي من الحق؛ ولأن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يُشكل علينا في ديننا خير من أن نكون منه على عمى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنتِ يا أم سلمة فقد تربت يداك، يا أم سليم عليها الغُسل إذا وجدت الماء».
فصل: الغسل بالإيلاج
قال: والإيلاج في أحد السبيلين من الإنسان، يستوي في ذلك الفاعل والمفعول به، إذا توارت الحشفة، والأصل في الغسل من الوطء بغير إنزال خلاف ما قاله: قوم إن الغسل لا يجب إلا بالإنزال.
الجزء 1 · صفحة 45
لنا: ما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة، وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل»، وقالت عائشة: فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا.
وروي أن عمر بلغه أن زيد بن ثابت يفتي أن لا غسل فيه، فدعاه فقال: من أين لك ذلك؟ فقال: سمعت عمومتي من الأنصار يقولون: إنا كنا نقول على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الماء من الماء فدعاهم عمر وسألهم عن ذلك، فقالوا: هكذا كنا نقول، فأنفذ إلى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فسألهن عن ذلك، فروين أن فيه الغسل، فقال للأنصار: أفهذا شيء سمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم منكم فرضيه من الحكم؟ قالوا: لا، فقال: فلا إذاً، ثم قال لزيد: يا عدوّ نفسك لئن عدت إلى هذا لأوجعنك ضرباً. وروي عن أبي بن كعب أنه قال: كان ذلك رخصة في بدء الإسلام ثم أمرنا بالغسل؛ ولأنه يتعلق به الحد فيتعلق به الغسل كما لو أنزل، وهذا معنى قول علي: كيف توجبون فيه الحد ولا توجبون فيه صاعاً من ماء». وأما الإيلاج في السبيل الآخر فيوجب الغسل؛ لأنه وطء مقصود كالوطء في الفرج، وهذا صحيح على أصل أبي يوسف ومحمد؛ لأنهما سويا بين الوطأين في إيجاب الحد.
فأما على أصل أبي حنيفة فلا يجب الحد بالوطء في غير الفرج، ويجب الغسل؛ لأنّ الطهارة يعتبر فيها الاحتياط، والحد يسقط بالاحتياط.
وأما قول أبي الحسن: إذا توارت الحشفة، فهو صحيح، وقد ذكر محمد: إذا التقى الختانان وغابت الحشفة، وكذلك ذكر الطحاوي، وليس نحتاج إلى الجمع بين الأمرين؛ لأنّ التقاء الختانين لا يحصل إلا بعد تواري الحشفة، ألا ترى أن موضع الختان من الرجل في آخر الحشفة، فإذا انتهى إلى موضع ختان المرأة توارت الحشفة، وإنما جمع بين ذكرهما على طريق التأكيد.
فصل: الغسل من الجماع
الجزء 1 · صفحة 46
قال محمد: في البكر إذا جومعت فسبق الماء فحبلت، فعليها الغسل ليس من قبل الحبل، ولكن لأنّ المرأة لا تحبل حتى تنزل، وإنزال المرأة يتعلق به من الغسل ما يتعلق بإنزال الرجل، بدليل ما روي أن أم سليم سألت النبي عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟ فقال: «إذا كان منها ما يكون من الرجل فلتغتسل.
فصل: الغسل من الحيض والنفاس
قال: والحيض والنفاس يوجبان الغسل.
وأما وجوب الغسل من الحيض فلقوله تعالى {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} البقرة:، فمنع الزوج من وطئها لأجل الاغتسال، ولو لم يكن واجباً، لم يمنعه من حق لأجله.
فأما النفاس فليس في النص دليل على وجوب الغسل منه، إلا أن الأمة أجمعت عليه، فإما أن يكونوا أجمعوا بنص ثم اكتفوا بالإجماع عن نقله؛ لأنه أكد منه، أو يكونوا قاسوه على دم الحيض بعلة أنه دم خارج من الرحم، والقياس يجوز أن ينعقد عليه الإجماع.
فضل: أقل وأكثر مدة النفاس
قال: والنفاس: الدم الخارج عقب الولادة، وليس لقليله حد، وأكثره أربعون يوماً، وهو بعد ذلك إن لم ينقطع استحاضة، وذلك لأنّ النفاس قيل إنّه مأخوذ من تنفس الرحم بالدم، وقيل مأخوذ من خروج النفس: وهو الولد، وقيل: مأخوذ من خروج النفس، وهو الدم، فأي ذلك كان، فهو موجود عقيب الولادة، وإنما فرق أصحابنا بين قليل الحيض وبين قليل النفاس، فلم يقدروا لأقل النفاس مدة، وقدروا لأقل الحيض مدة؛ لأنّ النفاس معه. علم ظاهر يدل على خروجه من الرحم، وهو تقدم الولد عليه، وليس مع الحيض علم يدل على خروجه من الرحم، فإذا امتد في الأيام صار امتداده ظاهراً.
والذي قال به أبو يوسف في مختصره: إن أقل النفاس عند أبي حنيفة خمسة وعشرون يوماً، ليس بتقدير لأقل النفاس، وإنّما قال ذلك في أقل ما تُصدّق فيه النفساء المعتدة في انقضاء عدتها، وليس ذلك بتقدير لأقل النفاس، وإنما هو لمعنى آخر يذكره في العدد.
الجزء 1 · صفحة 47
والذي روي عن أبي يوسف في أقل النفاس: أحد عشر يوماً، فعلى هذه الطريقة إنما قال ذلك فيما تصدق فيه النفساء؛ لأنه يقول: إن أقل النفاس في العادة يزيد على أكثر الحيض، وإلا فلا خلاف بين أصحابنا أن الدم إذا انقطع عن النفساء عقيب الولادة اغتسلت وصلت، وقد دل على ذلك ما روي أن النبي قال: تقعد النفساء أربعين يوماً إلا أن ترى طهراً قبل ذلك، ولم يقدره.
وأما أكثر النفاس: فأربعون يوماً.
وقال الشافعي: ستون يوماً.
وقال مالك: سبعون يوم.
لنا: حديث مسة الأزدية عن أم سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «كانت النفساء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تجلس أربعين يوماً، وكنا نطلي وجوهنا بالورس من الكلف، وروت أم سلمة أن النبي لا وقت للنفساء أربعين يوماً
وروى حميد عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وَفَّتَ للنفساء أربعين يوماً
إلا أن ترى الطهر قبل ذلك
وروى مكحول عن أبي هريرة وأبي الدرداء رفعاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تنتظر النفساء أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، وإن لم تر الطهر فيما بعد أربعين يوماً، فهي مستحاضة، تصنع ما تصنع المستحاضة؛ ولأن ما زاد على الأربعين مدة مختلف في كونها نفاساً، كما زاد على الستين.
فَصْل: أقل الحيض وأكثره
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى والحيض هو الدم الخارج من الرحم تكون به المرأة بالغاً في ابتدائها به، وتعتاده النساء في وقت بعد وقت.
والأصل في هذا أن الحيض معروف في اللغة: وهو خروج الدم، يقولون: حاضت الأرنب، وحاضت السَّمرة إذا خرج منها الصمغ الأحمر.
وقالت فاطمة للنبي: إني أستحاض فلا أطهر الشهر والشهرين. والحيض والاستحاضة في اللغة: عبارة عن معنى واحد، ولهذا قالت فاطمة إني أستحاض فلا أطهر؛ ولأن الاستحاضة استفعال من الحيض، وإنما خصت الشريعة الاسم بدم دون دم، إذا خرج من شخص دون شخص، فجعلت الاستحاضة اسماً للدم الخارج من الفرج من غير الرحم.
الجزء 1 · صفحة 48
فأما حدّ أبي الحسن للحيض فيكتفى في الحد قوله: الدم الذي تصير به المرأة بالغاً بابتدائها به ولا نحتاج إلى قوله وتعتاده النساء في الوقت بعد الوقت، وإنما ذكر ذلك لزيادة البيان.
قال: وأقله ثلاثة أيام، وقد ذكر أبو يوسف في الإملاء: إن أقل الحيض يومان وأكثر اليوم الثالث، وكذلك ذكره محمد في كتاب الصلاة.
وقال الشافعي: يوم وليلة.
لنا: ما روي من حديث أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام، وما زاد على ذلك فهو استحاضة.
وقد روي في تقدير أقل الحيض ثلاثة أيام عن عمر، وعلي، وابن عباس، وعمرو بن العاص، وابن مسعود، وأنس.
وأما طريقة المقادير فلا تعلم إلا من طريق التوقيف، فإذا قاله الصحابي، فكأنه رواه عن رسول الله الله ولو ولو لأن كل مدة جاز للمقيم أن يمسح فيها على الخفين، لم يقدر بها أقل الحيض، كبعض اليوم.
وجه الرواية الأخرى أن الحائض لا يستمر دمها في جميع الأيام، فإذا انقطع قبل آخر اليوم الثالث بساعة، لم تعتد بذلك الانقطاع.
وأما أكثر الحيض فعشرة أيام، وقال الشافعي: خمسة عشر يوماً.
لنا: حديث أبي أمامة؛ ولأن ما زاد على عشرة أيام نادر في أكثر الحيض، فلا يثبت حيضاً بالوجود، كما زاد على خمسة عشر.
:فَصل: زيادة الحيض عن العشرة
قال أبو الحسن: فإن زاد على عشرة أيام فهو استحاضة، وذلك لأننا بينا أن الحيض لا يجوز أن يزيد على العشرة فما زاد عليها فليس بحيض، والدم الخارج من الفرج: إما أن يكون حيضاً أو استحاضة، ثم هو على وجهين: إن كانت المرأة ابتدأت بالدم فرأت أكثر من عشرة أيام، فإن حيضها عشرة، وما زاد استحاضة، وكذلك في كل شهر.
وروي عن أبي يوسف أنّه قال: ينقطع عنها الرجعة لثلاثة أيام، وتقضي الصلاة والصوم، ولا يطؤها الزوج حتى يمضي العشرة، ولا يجوز لها أن تتزوج إلى ما بعد العشرة.
وقال إبراهيم النخعي: ترد إلى عادة نسائها.
الجزء 1 · صفحة 49
وللشافعي قولان: أحدهما: أنها ترد إلى يوم وليلة، والآخر إلى ستة أو إلى سبعة ..
لنا: أن ما دون العشرة ليس بعادة لها، ولا ترد إليه لأجل الاستحاضة كاليومين.
وأما من اعتبر حيض نسائها فليس بصحيح؛ لأنّ النساء يختلفن في عادة الحيض بحسب قوة البدن وصحته، فلا يتفق حيض الأختين ولا حيض الأم والبنت، وإذا لم يكن متفقاً لم يجز العود إليه.
وجه قول أبي يوسف: أن المعتبر في الحيض الاحتياط، ومن الاحتياط أن يؤخذ بأقل الحيض في الرجعة والصوم والصلاة وبأكثر الحيض في التزوج، وإباحة الوطء.
فَصل: المستحاضة وعادتها
وإن كانت المستحاضة لها أيام معتادة ردت إلى عادتها.
وقال الشافعي: يعتبر لون الدم فما دام على لون واحد فهو حيض، فإذا تغير فهو استحاضة.
وقال مالك: تستظهر المستحاضة بعد أيامها ثلاثة أيام، ثم تغتسل وتصلي.
لنا: ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المستحاضة ترد إلى أيامها المعتادة».
وروي أن فاطمة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إني استحاض فلا أطهر، فقال لها: «ليس ذلك بحيض، وإنما هو داء عرض أو عرق انقطع، فإذا كان كذلك فانظري عدد الأيام والليالي اللاتي كنت ترين الدم فيها من كل شهر ثم اغتسلي، وصلّي، ولأنه دم خارج من الرحم، فلا يتميّز باللون كدم النفاس.
والذي قاله مالك مخالف للخبر؛ ولأن الاحتياط يعتبر في فعل الصلاة والصوم، لا في إسقاطهما.
فَصل: الاختلاف في عادة المستحاضة
فإن كانت المستحاضة ترى الدم مرة ستاً ومرة سبعاً، فإذا مضت الست، اغتسلت وصلت وصامت، ولم يطأها زوجها، وانقطعت الرجعة عنها، فإذا مضى اليوم السابع، اغتسلت غسلاً ثانياً، وجاز لزوجها وطؤها، وقضت الصوم في اليوم السابع؛ وذلك لأنه يحتمل أن يكون حيضها إحدى العادتين، فأُخذ لها بالاحتياط.
فصل
فإن زاد الدم على عادتها حتى تمت العشر وانقطع، فهو كله حيض؛ لأنّها لم تصر مستحاضة، والحائض تارة يزيد دمها وينقص تارة، فإذا اعتد بنقصانه، فكذلك بزيادته.
الجزء 1 · صفحة 50
فصل: في حيض الحامل
وقد قال أصحابنا: إن الحامل إذا رأت الدم في أيامها فليس بحيض.
وقال الشافعي: هو حيض.
لنا: قوله في سبايا أوطاس: لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة»، فجعل الحيض علما في نفي الحبل، فدل على أنه لا يجتمع معه؛ ولأنه دم لا يمنع إيقاع الطلاق بحال، فلم يكن حيضاً، كدم الاستحاضة.
وقالوا في الدم الذي تراه المرأة حال الطلق: إنّه دم استحاضة، لا يمنع الصلاة والصوم؛ لأنه حصل مع وجود الحبل.
فأما إذا خرج أكثر الولد فقد روى خلف بن أيوب عن أبي يوسف: أن ما تراه من الدم حينئذ نفاس، قال: وكذا لو انقطع الولد فخرج منها عضواً عضواً، فإذا خرج أكثره فما تراه نفاس؛ لأنّ خروج أكثر الولد كخروجه جميعه، ألا ترى أنّ ما بقي منه لا يمنع خروج الدم.
فصل: الحائض تصلي
والحائض لا تصلي؛ لأنّ الحدث موجود، ووجود الحدث يمنع من فعل الصلاة، ولا تصوم.
لما روي عن عائشة قالت: كن النساء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة»، فدلّ على أن الحيض يمنع الصوم، ولا يأتيها زوجها، لقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} البقرة:.
فصل: قراءة الجنب والحائض القرآن
ولا تقرأ القرآن، وقال مالك: يجوز أن تقرأ القرآن.
لنا: حديث ابن عمر أن النبي له الا الله قال: «لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن»؛ ولأنه غسل واجب فيه جميع البدن، كغسل الجنابة.
وأما الجنب فلا يقرأ القرآن، وقال نفاة القياس: يقرأ القرآن.
لنا: حديث ابن عمر أن النبي الا الله قال: «لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن؛ ولأنه يباشر القرآن بعضو وجب غسله، فلا يجوز، كما لو مسه بنجاسة؛ ولأن في حال الوطئ لا يقرأ، وهو يؤدي إلى الجنابة، فكذلك حال الجنابة.
وقد ذكر الطحاوي رحمه الله تعالى أن الجنب والحائض لا يقرآن الآية التامة ... .
الجزء 1 · صفحة 51
وكان أصحابنا يقولون: الآية وما دونها في تحريم القراءة سواء، وإنما يجوز أن يقرأ ما دون الآية؛ لأنه لا يقصد به القرآن، مثل من قال: بسم الله، يقصد به ذکره تعالى، ولا يريد أن يقرأ الآية، وكمن قال: الحمد الله، يقصد به الشكر، ولا يقصد به ابتداء الفاتحة.
وقد روى عمرو عن محمد أنّه قال: أكره للجنب أن يقول: الحمد لله، ويريد بذلك القرآن، وإن قالها لا يريد به القرآن، فلا بأس به، وإنما يعني بقراءة الحمد ابتداء الفاتحة.
والدليل على أن ما دون الآية لا يجوز؛ للجنب القراءة إذا قصد القرآن؛ لأن المنع لحرمة القرآن، وذلك يستوي فيه القليل والكثير.
قال أصحابنا: لا يجوز للواحد والاثنين أن يسافرا بالقرآن إلى أرض الحرب، ويجوز بالآية والآيتين؛ لأنّ المنع من السفر مخافة أن تناله أيديهم باستخفاف، وهم إنّما يقصدون المصحف، ولا يقصدون ما دونه.
وقد روى ابن سماعة عن أبي يوسف قال: لا يقرأ جنب ولا حائض، ولا يقرأ في المخرج، ولا المغتسل، ولا الحَمَّام، وهو قول أبي حنيفة.
وقال محمد: اقرأ في الحمام إن شئت.
وإنما منع من القراءة في هذه المواضع تنزيها للقرآن عن أماكن النجاسات، والذي قاله محمد؛ فلأن الحمّام أكثر ما فيه أنّه معد للغسل، وليس بموضع للنجاسة، فهو كالبيوت.
وقال أبو يوسف: لا يترك الكافر يمس مصحفاً.
وقال محمد: إن اغتسل فلا بأس؛ لأنّ المانع من مس الكافر المصحف الحدث الذي هو عليه في الغالب، فإذا اغتسل زال الحدث.
وقال أبو يوسف: لا بأس بأن يكتب الجنب القرآن إذا كانت الصحيفة في الأرض؛ لأنه ليس بحامل للمصحف، وإنما يكتب حرفاً حرفاً، والحرف بانفراده ليس بقرآن.
وقال محمد: أحبّ إليّ ألا يكتب؛ لأنه في حكم المماس للحروف.
فَصل: طواف الحائض
ولا تطوف الحائض بالبيت بحجة ولا عمرة.
الجزء 1 · صفحة 52
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة لما حاضت ارفضي عنك العمرة، وافعلي ما: يفعله الحاج غير أنك لا تطوفي بالبيت ولأن الطهارة واجبة في الطواف عند أكثر الناس وإن لم يكن فرضاً، فلم يجز أن تطوف مع فقد الطهارة.
فَصْل: الغسل من الحيض
وإذا انقطع دم الحائض وجب عليها الغسل لرؤية الدم؛ لأن الدم إذا حصل نقض الطهارة الكبرى، ولم يجب الغسل مع سَيَلان الدم؛ لأنه ينافيه، فإذا انقطع أمكن الغسل، فوجب لأجل ذلك الحدث السابق، فأما الانقطاع فهو طهارة، فلا يوجب الطهارة.
فصل: في نوم الجنب
ولا بأس للجنب أن ينام ويعاود أهله قبل أن يتوضأ.
أما فعل الوضوء فلما روت عائشة أن النبي الهلال لو كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة.
وعن عمر قال: يا رسول الله أينام أحدنا وهو جنب؟! قال: «نعم، ويتوضأ وضوءه للصلاة».
وأما جواز تركه فروى الأسود عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم نام وهو جنب من غير أن يمس ماء»؛ ولأن الوضوء يفعل لأداء قربة أو عبادة، وليس في النوم واحد من الأمرين.
فَضل: الجنب إذا أراد الأكل
قال: فإذا أراد أن يأكل، فينبغي أن يتمَضْمَضَ، ويغسل يديه لحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلمرخص للجنب إذا أراد أن يأكل أن يتوضأ»؛ ولأن يد الجنب لا تخلو من نجاسة، فإذا أكل أو شرب الماء فصار الماء مستعملاً فيؤدي إلى أن يكون شرب ماء نجساً على مذهب أبي يوسف.
بَابُ الماء الذي لا يجوز الوضوء به
الماء المطلق
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: كل ماء لم يخالطه نجاسة، ولم يغلب عليه غيره حتى يزيل عنه اسم الماء، فالوضوء به جائز، عذباً كان أو ملحاً، جارياً كان أو راكداً، في بحر كان أو غيره.
الجزء 1 · صفحة 53
قال رحمه الله تعالى والأصل في جواز الطهارة بالماء قوله تعالى: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} الفرقان: وقال: {لِيُطَهِّرَكُم بِهِ} الأنفال:. وقوله: «خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غيّر طعمه أو لونه أو ريحه
وإنما استوى العذب والملح؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن البحر فقال: «هو الطهور ماؤه، والحِلَّ ميتته».
وأما الراكد والجاري؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء يكون في الفلاة، يرده السباع والدواب، فقال: «لها ما أخذت في بطونها، وما بقي فهو لنا شراب وطهور»، وكان النبي يتوضأ من آبار المدينة.
فضل: مخالطة النجاسة الماء
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا خالطته نجاسة إلى آخر الفصل.
قال: فأما إذا خالطت النجاسة الماء، فالذي كان يقصده أبو الحسن: أن كل ما تيقنا وقوع النجاسة فيه، أو غلب على ظنّنا، فإنه لا يجوز الوضوء به، قليلاً كان الماء أو كثيراً، جارياً أو راكداً.
والذي قاله أصحابنا في الغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الآخر أنه لا ينجس، فإنّما قالوا كذلك؛ لأنّ النجاسة إذا حصلت في طرفيه لم تصل إلى الآخر.
وقد روي عن أبي يوسف أنّه قال ـ في الغدير العظيم والماء الجاري ـ: أنّه لا ينجس إلا بظهور النجاسة.
وقال مالك: إذا اختلطت النجاسة بالماء جاز الوضوء به، إلا أن يتغير أحد أوصافه.
وقال الشافعي فيما دون القلتين مثل قولنا وفي القلتين وما زاد عليها، فهو مثل قول مالك.
لنا: قوله: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يعْمِسَنَّ يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً فاحتاط. . من نجاسة لا يشاهدها الإنسان، وذلك لأنه يجوز أن يغير الماء، فلو كان لا ينجس به لم يكن للاحتياط معنى.
الجزء 1 · صفحة 54
وروي أنه قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه وليغسله سبعاً ولم يفصل بين إراقة قلتين وما زاد عليهما؛ ولأنه لا يتوصل إلى استعمال الماء إلا مع النجاسة،، فصار كما لو ظهرت، ولأن النجاسة تؤثر في الماء والثوب، فإذا استوى في الثوب ما طهر وما لم يطهر، فكذلك في الماء.
وأما ما روي أن النبي قيل له إنك تتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الجيف، ومحائض النساء، فقال: «خلق الماء طهوراً لم ينجسه شيء»، فهذا خبر لم يتفق على استعماله، وما ذكرناه من الأخبار اتفق الأمة على استعمالها، فكانت أولى؛ ولأن النبي لا يجوز أن يتوضأ من بئر يلقى فيها الجيف مع علمنا بنزاهته، وإيثاره الرائحة الطيبة وكراهته للخبيثة، وإنما هذه البئر كان يصنع بها ما ذكر في الجاهلية، فسألوه عن حكمها بعد الإسلام؟ فبين لهم أنه إذا لم يكن للنجاسة أثر، لم يعتد بنجاستها من قبل تبيين ذلك.
إن الذي استقر في الشريعة الأمر بحراسة الماء من النجاسات، ولهذا قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم فكيف يلقون النجاسة فيما يتوضئون أن هذا كان من أفعال الجاهلية، فشك المسلمون في حال البئر بعد منه، فعلم انقطاع ما يلقى فيها.
وأما ما تعلق به الشافعي من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً» فخبر ضعيف عند أصحاب الحديث، وهو مدني ولم يروه أهل المدينة، ولا عمل عليه مالك.
وقال الشافعي 1: بلغني عن النبي بإسناد لم يحضرني، فقال أئمة الحديث: ما حضره ولا يحضره أبداً، ومثل هذا الخبر لا يرجع إليه في حكم يخالف الأصول.
فَصل: الاعتبار بغالب الظن
قال: وقد حكينا عن أبي الحسن في تحصيل المذهب أنه قال: كل ما تيقنا فيه جزءاً من النجاسة أو غلب على ظننا لم يجز استعماله، وكان شيخنا أبو عبد الله يقول: كل ما تيقنا فيه.
الجزء 1 · صفحة 55
فأما ما غلب على ظننا فلا نعتبره؛ وذلك لأنّ الماء طاهر بتيقن، فلا يرتفع حكم طهارته إلّا بتيقن، والصحيح ما قاله أبو الحسن؛ لأنهم قد قالوا في الغدير العظيم إذا وقعت النجاسة في أحد جانبيه، وغلب على الظن أنها لم تصل إلى الجانب الآخر، جاز الوضوء به، وإن غلب على الظن أنها وصلت لم يجز الوضوء، فقد منعوا بغالب الظن، وقالوا فيمن أخبره رجل بنجاسة الماء، أنّه لا يتوضأ به، وإن كان خبره لا يوجب الظن ولا يوجب اليقين.
فصل: الاعتبار في التحرك فأما ما قالوا في الغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الآخر، فقد روي عنهم: أن المعتبر في التحرك أن المغتسل إذا اغتسل من أحد جانبيه، فلم يضطرب الجانب الآخر باغتساله، جاز الوضوء من الجانب الآخر وروي عنهم أن المعتبر التحريك الذي يحصل بتوضئ المتوضئ.
وقد روي عن محمد أنه سئل عن ذلك، فقال: إذا كان مثل مسجدي هذا، فذرع فكان عشراً في عشر، والمعتبر في ذلك ليس بالمقادير، وإنما هو بما يغلب على الظن في وصول النجاسة.
وجه قول أبي يوسف في أن الغدير العظيم والماء الجاري لا ينجس إلا بظهور النجاسة، أن الضرورة تقتضي العفو عن ذلك، وإلا حكم بنجاسة البحر إذا وقعت فيه نجاسة، وهذا لا يصح.
:فَصل: اختلاط الطاهر بالماء
وأما الطاهرات إذا اختلطت بالماء، فإما أن يتغير بها أو لا يتغير، فإن لم يتغير جاز الوضوء به بالاتفاق؛ لأنه بقي على الإطلاق كما قبل الاختلاط، وأما إذا تغير فقد قال أصحابنا: إنّه على وجهين فإن طبخ بها حتى تغير، لم يجز الوضوء به، مثل ماء الباقلاء، والمرقة، إلّا أن يطبخ بما يقصد به المبالغة في النظافة مثل الأشنان والصابون فيجوز الوضوء به وإن لم يغيّر ما لم يضر به، كالسويق المخوض، فأما إذا تغير من غير طبخ جاز الوضوء به، ما لم يغلب على الماء. قال أبو يوسف: يجوز الوضوء بماء الزردج فإن غلب على الماء حتى صار شيئاً سبخا لم يجز الوضوء به.
الجزء 1 · صفحة 56
وقال الشافعي: إذا تغير أحد أوصاف الماء لم يجز التوضؤ به إلا في الطين والجص والنورة والنفط والكبريت.
لنا أن مخالطة الطاهرات لا يمنع الوضوء بالماء، فجاز الوضوء به مع تغير أوصافه كالطين والنفط.
فصل: الوضوء بالماء المستعمل
قالوا: ولا يجوز الوضوء بالماء المستعمل.
وقال مالك: يجوز الوضوء به.
لنا: قوله: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة». والنهي عن الاغتسال يدل على الفساد؛ ولأن الفقهاء اختلفوا فيمن معه من الماء ما لا يكفيه للوضوء هل يستعمله أم لا؟ ولم يقل أحد منهم أنه يستعمله في كل أعضائه، فلو جاز الوضوء بالماء المستعمل لنقلوه من عضو إلى عضو؛ ولأنه لما زال به المانع عن فعل الصلاة، فلم يجز الوضوء به، كالماء الذي غسل به النجاسة إذا تغير.
فصل: حكم الماء المستعمل
وروى محمد عن أبي حنيفة: أن الماء المستعمل طاهر غير مطهر للأحداث.
وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه نجس، فإن أصاب الثوب منه أكثر من قدر الدرهم، لم تجز الصلاة فيه.
وروى هشام عن أبي يوسف: أنه يفسد الثوب إذا كان كثيراً فاحشاً.
وروى المعلى عن أبي يوسف أن المحدث إذا توضأ فالماء نجس، وإن توضأ الطاهر لم ينجس.
وجه رواية محمد، وهي الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ بادر أصحابه إلى وضوئه، فمسحوا به وجوههم» فإذا كان نجساً لمنعهم منه.
وروي أنه أعطى فضل وضوءه لوفد فقالوا: إن الطريق بعيد، فقال: «زيدوا فيه ماء؛ فإنه لا يزيده إلا طيباً؛ ولأنه ماء طاهر لاقى محلاً طاهراً، كما لو غُسل به ثوب طاهر.
وجه رواية الحسن: أنه ما زال به المانع عن فعل الصلاة، كالماء الذي غسل به من النجاسة.
وأما رواية المُعَلّى فاعتبر فيها أن ما زال به الحدث، حكم بنجاسته، وما لم يزل به الحدث، لم يتغير عن حاله.
وإنما اعتبر أبو يوسف الكثير الفاحش؛ لأنّ من أصله: أن ما اختلف في نجاسته خفف حكمه، كالأروات.
الجزء 1 · صفحة 57
والذي رواه الحسن من التقدير بأكثر من قدر الدرهم، بعيد؛ لأن الماء المستعمل لا يمكن حفظ الثياب منه.
افضل: الماء المستعمل في الوضوء
قال أصحابنا: إذا توضأ المتوضئ، فالماء مستعمل.
وقال الشافعي: لا يكون مستعملاً.
لنا: أن استعمال الماء فيه قربة، بدليل قوله: «الوضوء على الوضوء نور على نور»، وإذا كان فيه قربة، صار كما لو زال به الحدث.
فَصْل: صيرورة الماء مستعملاً
قال: كان أبو بكر الرازي يقول: إن من أصل أبي يوسف: أن الماء يصير مستعملاً بأحد شرطين: إما أن يستعمله على وجه القربة، أو يرفع به الحدث. وفي أصل محمد: أنه لا يصير مستعملاً إلا أن يستعمله على وجه القربة.
ولم يكن يروي ذلك عنهما، وإنما كان يقول استدلالاً بمسألة في كتاب الصلاة، وهي: أن الجنب إذا نزل بئراً يطلب دلواً، قال أبو يوسف: الماء بحاله والرجل بحاله، وقال محمد: الماء طاهر والرجل طاهر، كما قال أبو بكر. وجه قول أبي يوسف أن الحدث زال بالماء، فصار كما لو استعمل على وجه القربة.
وجه قول محمد: أن الجنب إذا أدخل يده في الإناء يغترف منه، طهرت ولم يصر الماء مستعملاً؛ لأنه لم يستعمله على طريق القربة؛ فإذا ثبت هذا الأصل، قال أبو يوسف ـ في مسألة البئر: إن حكمت بطهارة الرجل حكمت باستعمال الماء، ولو حكمت باستعمال الماء بطلت طهارته؛ لأنه يصير مستعملاً بأول جزء يلاقيه من الماء، فيغتسل بعد ذلك بماء مستعمل، فلا يجوز، وإذا لم تجز الطهارة لم يصر الماء مستعملاً.
وقال محمد: لما لم ينزل للاغتسال لم يكن متقرباً بالاستعمال، فصار طاهراً وبقي الماء بحاله.
الجزء 1 · صفحة 58
وكان شيخنا أبو عبد الله ينكر هذا الخلاف، وقال: لا خلاف بين أصحابنا أن إزالة الحدث توجب استعمال الماء؛ لأنه حصل المقصود بالاستعمال، فصار كما لو قصد القربة، قال: ولا ضرورة بنا إلى إثبات خلاف بغير رواية، وما قالوه في الجنب يدخل يده في الإناء، فإنما ذلك للضرورة، لا لعدم قصد القربة، ألا ترى أنه لو أدخل رجله في الإناء صار مستعملاً؛ لأنه لا ضرورة به إلى ذلك. قالوا: لو أدخل رجله في البئر يطلب دلواً، لم يصر مستعملاً؛ لأن الضرورة تدعو إلى ذلك، فصار كإدخال اليد في الإناء.
وقالوا: لو أدخل رأسه في الماء، يصير مستعملاً، لأنه لا حاجة به إليه.
وأما مسألة البئر فلها وجه يخصها، وهو أن أبا يوسف قال: لو صار الماء مستعملاً، لم يجز به الغسل، وإذا لم يجز الغسل لم يرتفع به الحدث، فيبقى الماء بحاله.
وقال محمد: نزول الجنب إلى البئر ليطلب الدلو موضع للضرورة، ألا ترى أن الناس يشق عليهم إذا حملوا غوّاصاً أن يكلّفوه الاغتسال قبل النزول، فصار ذلك كإدخال اليد في الإناء.
فَصل: الوضوء في المسجد
قال أبو حنيفة، وأبو يوسف يكره الوضوء في المسجد، قال أبو يوسف: إلا أن يكون موضعاً قد أعد لذلك.
قال محمد: إذا لم يكن عليه قذر فلا بأس.
أما أبو حنيفة فيقول: الماء المستعمل مستقذر في العادة؛ ولهذا قالوا يكره شربه، والمسجد يجنّب مما يستقذر كما يجنّب النخامة.
فأما أبو يوسف: فمن أصله أنه نجس والنجاسات لا يجوز إلقاؤها في المسجد.
وأما محمد فمن أصله أنه طاهر، فإذا لم يكن على بدنه نجاسة، صار كاللبن.
فصل: التبرد بالماء
وقد ذكر الطحاوي في مختصره: أن من تبرّد بالماء صار الماء مستعملاً، وأنكر ذلك أبو بكر الرازي في الشرح، قال: إن المتبرد لم يرفع به حدث ولا استعمله على وجه القربة، ويجب أن يحمل قول الطحاوي على المُحْدِث إذا تبرد، فيصير الماء مستعملاً بزوال الحدث به.
باب الأواني والآبار
الجزء 1 · صفحة 59
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى وما كان من هذه المياه في الأواني، فوقعت فيها نجاسة مائعة، فهو نجس، يراق ويغسل الإناء ثلاثاً ما صغر من الإناء وما كبر، غلب على لون الماء وطعمه وريحه، أو لم يغلب.
تطهير الإناء
قال رحمه الله تعالى: الأصل فى ذلك أن مخالطة النجاسة للماء ينجسه وإن
لم يتغيّر أحد أوصافه، فأما الإراقة فإنّما ذكرها ليتبين تطهير الإناء؛ وذلك لا يمكن مع بقاء الماء النجس، فأما وجوب الإراقة زوال عينها، وإن لم تكن مرئية فطهارته موقوفة على الإراقة، وهي على وجهين إن تغيّرت أوصاف الماء بالنجاسة، لم يجز الانتفاع به؛ لأنّها غلبت عليه، فصار كعين النجاسة، وأما إذا لم يتغير الماء، فيجوز الانتفاع به في غير الأبدان، مثل بلّ الطين، وسقي الدواب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في السمن المائع إذا وقعت فيه فأرة: «استصبحوا به:، فدلّ على جواز الانتفاع بالنجس في غير الأبدان.
فأما تطهير الإناء، فقال أصحابنا: كل نجاسة لها عين مرئية فطهارتها موقوفة على غلبة ظن الغاسل في زوالها، وإنّما قدروا بالثلاث؛ لأن الغالب أن الظنّ يوجد عندها.
وقال الشافعي: فيما سوى ولوغ الكلب يكاثر بالماء.
أما ما كان له عين مرئية فإن العلم بزواله يعلم بالمشاهدة، فإذا زالت العين زال حكمها إلّا أن يبقى من أثرها، وما لا يمكن إزالته فلا يضره؛ ولما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في دم الحيض: «اغسليه ولا يضرك أثره».
وأما ما لا عين له مرئية فلا يعلم زواله بيقين، فوجب الرجوع إلى غالب الظنّ، وقد قال في المستيقظ من منامه: «لا يغمسنّ يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً»، فاعتبر ثلاثاً ولم يعتبر المكاثرة.
فَصْل: وقوع ما له دم سائل في الماء
الجزء 1 · صفحة 60
فأما ما وقع في الماء الذي يكون في الأواني مما له دم سائل، وهو يعيش في الماء، فمات فيها، فسبيله سبيل النجاسة المائعة في تنجيس الماء. قال له: وجملة هذا أنّ الحيوان على ضربين منه ماله دم سائل، ومنه ما ليس له دم سائل:
فأما الذي لا دم له سائل كالبَقٌ، والذَّباب، والزنابير إذا مات في الماء، لم ينجس بموته، ولم ينجس ما يموت فيه.
وقال الشافعي: ينجس بالموت، وينجس ما يموت فيه، إلا ما خلق منه. لنا: قوله: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه ثم انقلوه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، وإنّه ليقدّم الذي فيه الداء على الذي فيه الدواء» فأمر بمقله ليستخلص الطعام، فلو كان إذا مات فيه ينجسه، لما أمر بمقله مقلاً يموت معه.
وروي في حديث سلمان أن النبي له الا الله سئل عن إناء فيه طعام أو شراب، يموت فيه ما ليس له دم سائل؟ فقال: هو الحلال أكله وشربه والوضوء منه، ولأنه حيوان ليس له دم سائل كالجراد.
:فَصل: طهارة ما يعيش في الماء
وأما ما له دم سائل فهو على ضربين منه ما يعيش في الماء، ومنه مالا يعيش فيه، فأما ما يعيش في الماء، لا ينجس ما مات فيه.
وقال الشافعي: ينجسه إلا السمك.
لنا: قوله في البحر: هو الطهور ماؤه الحل ميتته» ه، ولأنه حيوان يعيش في الماء كالسمك.
وأما إذا انقطع حيوان الماء في الماء، لم ينجسه في قول أبي حنيفة مد؛ لأن ومحمد؛ مه طاهر، فإن مخالطته للماء لا يؤثر فيه ما لم يغلب عليه.
وقول أبي يوسف: يفسد الماء على أصله: أن دمه نجس.
فَصل: فيما لا يعيش في الماء
وأما ما لا يعيش في الماء مما له دم سائل إذا مات في الماء نجس ونجس الماء؛ لأنه ينجس بنجاسة دمه، فينجس ما يجاوره.
الجزء 1 · صفحة 61
وأما الآدمي إذا وقع في الماء بعد موته، فإنه ينجسه؛ لأنه ينجس بالموت كسائر الحيوانات، والذين قالوا: إن المسلم الميت إذا مات ثم غسل ثم وقع في بئر لم ينجسها؛ فلأنا لما حكمنا بجواز الصلاة عليه، حكمنا بطهارته، فلم الماء حكماً؛ ولهذا قالوا في الكافر إذا غسل ثم ألقي في بئر نجست؛ لأنه ينجس غير محكوم بجواز الصلاة عليه، فبقي على نجاسته.
فَضل: تطهير الآبار من النجاسات
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى فأما الآبار فما وقع فيها نجاسة مائعة، نجست، ونُزِح الماء كله إلّا أن يغلبهم، فإن غلبهم نزحوا قدر ما كان في البئر على قدر اجتهادهم في ذلك.
والأصل في هذا: أن البئر إذا وقع فيها نجاسة، جاز أن تطهر بالنزح.
وقال بِشر المريسي: لا تطهر بالنزح أبداً، وهو القياس.
وقد ذكر محمد قياساً آخر فقال: أجمع رأيي ورأي أبي يوسف: على أنّ البئر كالماء الجاري، وأن الماء لا ينجس، ثم قلنا وما علينا أن نوجب نزح بعضها ولا نخالف الآثار.
والدليل على أن البئر تطهر بالنزح: ما روي عن علي الله أنه قال في البئر: إذا ماتت فيها فأرة ينزح ماؤه، وروي عنه أنه قال: «ينزح منها دلاء» وعن أبي سعيد الخدري في الدجاجة قال: ينزح أربعون دلو.
وعن الشعبي والنخعي في الفأرة: عشرون دلواً.
وروي أن زنجياً وقع في بئر زمزم فمات، فأمر ابن عباس أن ينزح جميع مائها، وذلك في خلافة ابن الزبير، فقد اتفق السلف على تطهير البئر، فلا يجوز مخالفة إجماعهم؛ ولأن النبع في البئر متصل فإذا خرج منها الماء ونبع ماء آخر، دفع النجس إلى وجه الماء، فصار كالنجاسة تقع في الماء الجاري، وهذا وجه تشبيه أبي يوسف ومحمد البئر بالماء الجاري.
وقد روى الحسن عن أبي حنيفة: في حوض الحمام إذا وقعت فيه نجاسة أنه لا ينجس؛ لأنّها لا تستقر مع جريان الماء، لأنّ الماء يتصل جريانه إليه، وآخره منه، فيصير كالماء الجاري.
الجزء 1 · صفحة 62
وجه قول بشر: أن الماء قد ينجس، فإذا نزح بقي الطين فيها على نجاسته، فإذا نبع ماء آخر نجس بذلك الطين، وعلى هذا كلما نزح ما فيها بقي طين نجس، واختلط بماء منبع، وهذا القياس عندنا مخالف للإجماع.
فأما من قال: إن البئر تنزح ثم تغسل فقد غلط؛ لأنّ الغسل إنّما يؤثر فيما ينفصل الماء منه بعد غسله، و الطين إذا غسل بقي الماء مع النجاسة فيه، فدلّ على أن هذا القول مخالف للإجماع، وقد قال الشافعي: إن النجاسة إذا وقعت في البئر ولم تغير أحد أوصاف الماء، جاز الوضوء، وهذا القول مخالف لاتفاق السلف؛ لأنهم أمروا بالنرح ولم يسألوا عن التغيير.
فَصْل: النجاسة تقع في البئر
قال: والنجاسة التي تقع في البئر على ضربين: أحدهما: ينتشر في الماء ولا يمكن إخراج عينه منه، مثل المائعات النجسة، فيجب نزح جميع الماء؛ لأنّ النجاسة اختلطت بجميعه، فيجب إخراجها ليحكم بطهارتها.
وأما إذا كان النجس مما يمكن إخراجه بعينه، مثل الحيوان، فلا يخلو إما أن يخرج منها حياً أو ميتاً.
فإذا أخرج حياً فهو على ضربين إما أن يكون الحيوان طاهراً، أو نجساً، فإن كان طاهراً كالآدمي إذا وقع في البئر، وقد استنجى، وهو طاهر من الجنابة والحدث، فقد روى الحسن في المجرد عن أبي حنيفة: أنه يُنْزَح منها عشرون دلواً؛ لأنّ الماء جرى على أعضاء الطهارة، وذلك يوجب الاستعمال، وإن كان محدثاً يُنزح منها أربعون دلواً؛ لأنّ الحدث زال بالماء، فصار حكمه أكد من حكم المتطهر.
وإن كان جنباً نُزِحَ ماؤها كله؛ لأنّ الحدث زال عن جميع بدنه، فصار جميع مائها مستعملاً، وإن كان لم يستنج بالماء نزح جميع مائها؛ لأن نجاسة الاستنجاء اختلطت بالماء، وقد قال أبو حنيفة في الكافر يقع في البئر موضع ويخرج منها حيا ـ إنه ينزح جميع مائها؛ لأنه لا يخلو بدنه من نجاسة.
الجزء 1 · صفحة 63
وأما الحيوان الطاهر في نفسه إذا لم يكن سؤره مكروهاً، وما ينفصل منه كان طاهراً، إذا وقع فيها وأخرج حياً، لم ينزحوا منها شيئاً مثل الحمام؛ وذلك لأنه طاهر في نفسه، وما ينفصل منه منه يكون طاهراً.
وأما الحيوان الطاهر الذي يحكم بنجاسة بوله، فقد روى الحسن عن أبي حنيفة: في الشاة والحمل إن كان تلطخ أفخاذهما ببولهما، نُزح منها عشرون دلواً.
وقال أبو يوسف: ينزح جميعها.
لأبي حنيفة أن هذه النجاسة مخففة في نفسها، ومخففة لحكم البئر فصارت كعين النجاسة التي هي الفأرة.
وجه قول أبي يوسف: أنّ النجاسة المخفّفة والمغلظة في حكم الماء سواء؛ بدليل أن بول ما يؤكل لحمه إذا وقع في البئر نزحت كبول ما لا يؤكل لحمه.
وأما الحيوان المكروه السؤر كالسنّور، والدجاجة المخلاة، والصقر، والبازي، والفأرة، والحية و العظاءة.
فقد روى الحسن عن أبي حنيفة: أنّه ينزح منها دلو؛ لأن أسارها مكروهة، فينزح دلو للكراهة.
قال: فإن لم يفعلوا أجزأهم؛ لأنّه ليس على وجه الوجوب بدليل الأواني. وأمّا البرْذَوْن والفَرَس فينزح منهما دلو؛ وذلك لأنه طاهر في نفسه، وهو مما لا يتلطخ ببوله، إلا أن سؤره مكروه عند أبي حنيفة.
وأما الحيوان النجس مثل الكلب، والخنزير، والسّباع، والحمار، والبغل، الماء؛ لأنها نجسة في أنفسها، فإذا جاورها الماء نجس بنجاستها، فينزح جميع فوجب نزحه.
وقد قالوا في الكلب إذا ابتل، وانتضح منه على ثوب أكثر من قدر الدرهم، لم تجز الصلاة فيه، كسائر النجاسة المُغَلَّظَة.
فصل: موت الحيوان في البئر
الجزء 1 · صفحة 64
وأما إذا مات الحيوان في البئر فهو على ضربين: إما أن يخرج من غير تغير أو يتغير، فينتفخ أو يتفسخ، فإن كان قد أُخرج منها غير متغير، وهو مما له دم سائل لا يعيش في الماء، فقد قالوا في العصفور والفأرة والعظاءة وسام أبرص أنه ينزح عشرون دلواً، أو ثلاثون، بقدر كبر الحيوان وصغره، واتساع البئر وضيقها، وذلك لما روي عن علي أنه قال في الفأرة تموت في البئر: يُنْزَحُ منها دلو، والذي روي عنه أنّه ينزح الجميع، محمول على الفأرة المنتفخة.
وعن الشعبي والنخعي في الفأرة: عشرون دلواً.
وقد قال ابن رستم عن محمد: إن كل موضع وجب النزح لم ينزح أقل من عشرين؛ لأنه لم ينقل عن السلف أقل من ذلك؛ ولأن هذا الحيوان ضعيف فهو لا يصل إلى كل الماء، وإنما يموت على وجه الماء أو ما يقاربه، فلا يختلط الماء، فالواجب إخراج ما جاوره من الماء، فقدروا في ذلك بغلبة الظنّ بجميع لما قدمنا، واتبعوا فيه السلف.
وأما الدجاجة والسِّنّور، والفاختة، والحمامة وما أشبهها من الحيوان، فقال في الأصل ينزح منها أربعون دلو أو خمسون.
وروى عليّ بن الجعد عن أبي يوسف خمسون أو ستون، وقال الحسن: ستون.
والأصل في ذلك ما روي عن أبي سعيد الخدري في الدجاجة ينزح أربعون دلو؛ لأنّ الدجاجة ضعف الفأرة وزيادة، فينزح منها ضعف ما ينزح من الفأرة؛ ولأنها تلاقي بفضل قوتها من ماء البئر أكثر مما تلاقي الفأرة، وقد قالوا في الفأرتين إذا وقعتا في البئر، أنهما كفارة واحدة، فإن وقعت ثالثة فهن كالحمامة؛ لأنّ الفأرتين كالفأرة الكبيرة، والثلاثة تزيد على ذلك.
فأما الشاة والآدمي، وما جرى مجرى ذلك الحيوان، فإنه ينزح الماء كله؛ لأنه حيوان ثقيل، فإذا اضطرب نزل إلى قعرها، فالتقى بجميع مائها، فيجب أن ينزح جميعه.
وقال أبو حنيفة في إحدى الروايتين: أن الإوزة كالشاة؛ لأنّها تزيد على الدجاجة، وتبلغ مقدار الحمل.
الجزء 1 · صفحة 65
وقال في الرواية الأخرى: إنّها كالدجاجة والسنّور؛ لأنها لا تنزل إلى قعر البئر في الغالب، وأما إذا تغير الحيوان في البئر فانتفخ أو تفسخ، نزح جميع الماء صغيراً كان أو كبيراً؛ لأنه إذا انتفخ سالت منه نجاسة مائعة، واختلطت بالماء فصار كأنها انفردت، وقد قال أصحابنا في ذنب الفأرة إذا وقعت في البئر، ينزح منها جميع مائها.
وقال بعض من لا علم له: كيف ينزح من جميع الفأرة عشرون دلواً، ومن الماء! وهذا غلط؛ لأنّ ذنب الفأرة على موضع القطع منه نجاسة ذنبها جميع الدم، فإذا وقع في الماء ابتل، فصار كقطرة دم وقعت في البئر.
وأما الفأرة إذا لم تنتفخ فلم يختلط بالماء منها شيء، وإنما نجس ما جاورها خاصة، وما نجس بالمجاورة لم ينجس ما جاوزه في حال العذر والضرورة، بدليل قوله له في الفأرة إذا ماتت في السمن الجامد: «ألقوها وما حولها» فحكم بنجاسة ما حولها للمجاورة، ولم يحكم بنجاسة ما جاوره. ووزان الفأرة تقع في البئر وقد قطع ذنبها، أن يجعل على موضع القطع شمع ثم يلقى في البئر.
فصل: نزح ماء البئر
وكل موضع وجب نزح جميع الماء وكانت البئر معيناً لا تنتزح، نزحوا حتى يغلبهم الماء، ولم يقدر أبو حنيفة في الغلبة شيئاً.
وقال أبو يوسف: ينزح بمقدار ما كان فيها.
وقال ابن رستم عن محمد: إذا نزحت منها ما بين مائتين وخمسين إلى ثلاثمائة دلو فقد طهرت.
وجه قول أبي حنيفة: أن نزح جميع الماء لا يمكن، فإذا نزحت حتى تغلب الماء، فقد حدث ماء آخر، دفع ما كان في البئر إلى وجه الماء.
لأبي يوسف أن ما كان فيها نجس، فوجب إخراجها، ويمكن أن يعرف مقداره بأن يغرس في البئر قصبة تجعل مسباراً مثالاً، ويعلم فيها مع وجه الماء، ثم يستقي دلواً، وتعاد القصبة فننظر ثم نقص من المقدار، فيجعل لكل قدر مثل ذلك بعدد الدلو.
وجه قول محمد: أن غالب الآبار لا تزيد على مائتين أو مائتين وخمسين دلواً إلى ثلاثمائة دلوا فاعتبر الغالب.
فصل: في صفة الدلو
الجزء 1 · صفحة 66
فأما صفة الدلو فقد روى الحسن عن أبي حنيفة: أنه دلو يسع صاعاً، وكان أصحابنا يقولون: الدلو المعتاد المتوسط؛ لأنّ السلف أطلقوا ذلك، والمطلق يحمل على الأغلب.
وقد قال في الأصل: إذا وقع في البئر فأرة فجاءوا بدلو عظيم، يسع عشرين دلواً، فاستقوا به مرة واحدة أجزأهم، وهو أحب إلي؛ لأنّ القطر الذي يعود منه إلى البئر أقل.
فصل: في جفاف البئر بعد وقوع الفأرة
وقال أبو يوسف: إذا وقع في البئر فأرة أو غيرها، ثم جفت، ونضب ماؤها، ثم عاد الماء لم تطهر إلا بالنزح.
وقال محمد طهرت البئر بالجفاف.
لأبي يوسف: أن التطهير موقوف على إخراج مقدار منها، فما لم يوجد
التطهير، لم تطهر.
وجه قول محمد أن طهارتها موقوفة على ذهاب الماء، فلا فرق بين ذهابه بالنزح أو بالجفاف.
فَضل: موت فأرة في جُبّ فيه ماء
قال أبو يوسف: إذا وقعت الفأرة في جب فيه ماء فماتت، فصب في البئر، أخرج مقدار ما كان في الجب وثلاثون دلواً هكذا روى ابن رستم عنه. وروى المُعَلَّى عنه: ينزح ما كان في الجب وعشرون دلواً.
وقال محمد: ينزح الأكثر مما كان في الجب ومن عشرين دلواً.
وجه قول أبي يوسف أن الماء الذي نجس بالفأرة كالفأرة، ومعلوم أن الفأرة إذا وقعت في البئر وجب إخراجها، ثم إخراج الدلاء من بعدها، وكذلك هذا.
وجه قول محمد: أن الماء الذي نجس بالفأرة في الجب، كالماء الذي نجس بالفأرة في البئر، فلا يجب نزح أكثر من عشرين دلواً، إلا أن يكون في الجب أكثر من ذلك فيجب إخراج الزيادة؛ لأنا تيقنا مجاورتها للفأرة.
فَصْل: صَبّ الماء المستعمل في البئر
وقال أبو يوسف: في رجل توضأ في طست فصبّ ذلك الماء في بئر آخر، ينزح ماء البئر كله.
وقال محمد: عشرون دلواً.
وجه قول أبي يوسف: أن الماء المستعمل نجس عنده، والنجاسة المائعة إذا اختلطت بالماء نزح جميعه.
وجه قول محمد: أن الماء المستعمل لا يكون بأنجس مما مات فيه فأرة، فإذا لم يجب بذلك الماء نزح جميع الماء، فبهذا أولى.
الجزء 1 · صفحة 67
وقد قال أبو يوسف: في عَظْمِ ميتة وقع في البئر إن كان عليه لحم، أو دَسم، نجس البئر؛ لأنّ تلك النجاسة في حكم المائع، وإن لم يكن عليه لحم ولا دسم، لم ينجس؛ لأنّ عظم الميتة عندنا طاهر.
قال فأما عظم الخنزير، فإنه ينجس، سواء كان عليه لحم أو دسم أو لم يكن؛ لأنّ أجزاء الخنزير محكوم بنجاستها، ممنوع من الانتفاع بها.
فصل: البعرة والبعرتان إذا وقعت في اللَّبَن
وقد قالوا: إنّه في البعر والبعرتين إذا وقعت في اللبن، وأخرجت قبل أن تتفتت أنها لا تنجس اللبن استحساناً؛ لأنّ اللبن لا يخلو حال الحلب من سقوط بعرة فيه، وقد حكمت الأمة بطهارته؛ ولأن البعرة متماسكة وبلة موضع الخلقة على ظاهرها، وتلك البلة طاهرة في الأصل، وإنما نجست بمجاورة النجاسة، فلا ينجس ما يجاورها في حال العذر، وليس كذلك إذا وقعت بعر كثيرة؛ لأنه يصطك بعضها ببعض فتتفتت منها أجزاء في اللبن.
وقد قالوا في البعرة الواحدة إذا تفتتت نجست الماء.
افضل: الأصل في النزح من الآبار
وما ذكره أصحابنا: في البئر من النزح فهو استحسان ورجوع إلى قول السلف، فمن اعترض على ذلك فإنّما عاب السلف؛ ولأن الشافعي لا كلام له علينا في هذا؛ لأنّ البئر تطهر بالنزح بإجماع منا ومنه، وقول أصحابه: إن الدلو المطهر للبئر دلو كيس يخرج الماء النجس من الماء الطاهر، قول باطل باتفاق السلف، ثم قالوا به وزادوا عليه فقالوا في بئر فيها قلتان، وقعت فيها فأرة فماتت ولم يتغير الماء، إنه طاهر يجوز الوضوء به، فإن استقى منها دلواً، فنقصت من قلتين والفأرة فيها، فما في باطن الدلو طاهر، وما بقي في البئر نجس، وما على ظاهر الدلو من البلة نجس، فإن استقوا دلواً فحصلت الفأرة فيه، فما في داخل الدلو من الماء نجس، وما بقي في البئر طاهر، فدلوهم هذا كيس، وقد دخلوا فيما عابوه، إلا أن ما قلناه عضده الإجماع وقول السلف، وما قالوه لا إجماع فيه ولا سلف تقدمهم به.
فضل حصول طهارة البئر بالنزح
الجزء 1 · صفحة 68
قال أبو يوسف: إذا نزحت البئر بإخراج الدلو الأخير، لم تظهر حتى ينفصل منها.
وقال محمد: هي طاهر وإن لم ينفصل منها، وذكر الحاكم قول أبي حنيفة مع أبي يوسف، وليس بمشهور، وجه قول أبي يوسف: أن الطهارة موقوفة على انفصال الماء، فما دام قطرة متصلة بالبئر، فلم يوجد الانفصال، فلا يحكم بالطهارة كالثوب إذا غسل ولم يعصر.
وجه قول محمد: أن الطهارة موقوفة على إخراج مقدار من الماء، وقد أخرج، فلا فرق بين أن يعلق على رأسها أو يزول عنها، فأما القطرة فهو معفو عنها، غير معتد بها، فلا يتعلق بها حكم.
فصل: موت الفأرة في مائع
فإن ماتت الفأرة في شيء غير الماء، فإن كان مائعاً ينجس جميعه، وجاز له استعماله في غير الأبدان، وجاز بيعه، وإن كان جامداً ألقيت وما حولها، وكان الباقي طاهراً، وجاز الانتفاع بما حولها في الأبدان وغيرها.
والأصل في ذلك: ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الفأرة تموت في السمن فقال: إن كان مائعاً فاستصبحوا، وإن كان جامداً فألقوها وما حولها» وقد استخرج أصحابنا من هذا الخبر ما قدمنا من المعنى وأن ما نجس بالمجاورة لم ينجس ما جاوزه في حال العذر والضرورة، وإنما قلنا إن السمن النجس يجوز الانتفاع به في غير الأبدان مثل دباغ الجلد، والاستصباح، ودهن الدواب لقوله: وإن كان مائعاً فاستصبحوا به وروي فانتفعوا به».
بَابُ في المصانع والغُدر والماء المستنقع
قال رحمه الله تعالى: هذا الباب قد بيناه فيما تقدم وذكرنا أن النجاسة تؤثر في الماء بكل حال، وبينا حكم الغدير وما قال أصحابنا فيه وأما الماء إذا وجد متغيراً ولا يعلم وقوع نجاسة فيه، جاز الوضوء به والشرب منه؛ لأنّ الماء قد يتغير بطول المكث وبوقوع الشيء الطاهر فيه، والأصل تيقن الطهارة، فلا ينتقل عنها بالشك، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: خُلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه».
باب الأسار
أنواع الأسار
الجزء 1 · صفحة 69
قال الشيخ رحمه الله تعالى: الأسآر عندنا على أربعة أوجه: سؤر طاهر: هو سؤر الآدمي، وما يؤكل لحمه من الحيوان إلا الدجاجة المخلاة.
وسؤر طاهر مكروه وهو سؤر الهرة، والدجاجة المخلاة، وسباع الطير.
وما سكن البيوت من الحشرات.
وسؤر نجس وهو سؤر الكلب، والخنزير، والسِّباع.
وسؤر مشكوك فيه: وهو سؤر الحمار، والبغل.
فأما سؤر الآدمي فهو طاهر لقوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن ليس بنجس» رواه حذيفة وأبو هريرة.
وشرب النبي الله من لبن وأعطى فضل سؤره لأعرابي كان عن يمينه، فشرب وأعطى فضل سؤره لأبي بكر.
ولأن بدن الآدمي طاهر، ولعابه متحلل من رطوبة لحمه وبدنه، كعرقه، وهذا لا خلاف فيه، وإنما قال قوم: إن سؤر المشرك نجس، والذي يدل على طهارته: أن النبي أنزل وفد ثقيف وهم كفار في مسجده، ونصب لهم قبة، والمسجد ينزّه عن النجاسات؛ ولأن الكافر بعد الإسلام على الصفة التي كان عليها قبله، فإذا حكم بطهارته في أحد الأمرين، فكذلك الآخر، وقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ التوبة: والمراد به: أنه يجب اجتنابهم كما}،
تجتنب النجاسات.
فصل: سؤر الحائض
وسؤر الحائض طاهر، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضاجع نساءه وهن حيض.
وقال لعائشة: ناوليني الخُمْرة! فقالت: إني حائض فقال: «ليس حيضتك في يدك دَل أن النجس من الحائض موضع الحيض خاصة.
فَصْل: سؤر الجُنُب
وسؤر الجنب طاهر لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي أبا هريرة فهم بمصافحته، فقبض يده وقال إني جُنُب، فقال: المؤمن لا ينجس «المؤمن لا ينجس»، ولأنها طهارة من
حدث كالوضوء.
فَصْل: سؤر ما يؤكل لحمه
الجزء 1 · صفحة 70
وأما ما يؤكل لحمه سوى الدجاجة المخلاة، فسؤره طاهر، وقد روي ذلك عن ابن عمر والنخعي، والحسن، والحكم، والدليل عليه ما روى أبو الجهم عن البراء: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أكل لحمه فلا بأس بسؤره»؛ ولأن اللعاب متحلل من بدنه كلبنه، فإذا حكم بطهارة أحدهما، فكذلك الآخر.
فَصِّل: السؤر الطاهر المكروه
وأما النوع الآخر: وهو السؤر الطاهر المكروه، فأوله سؤر الهرة، قال أبو حنيفة ومحمد: الوضوء بغيره أحب إليّ، ذكر ذلك في الأصل والآثار. وروى الكراهة أبو يوسف عن أبي حنيفة في الإملاء والحسن عن أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف: لا يكره، وذكره الطحاوي عن أبي يوسف ومحمد معاً، والصحيح أن محمداً مع أبي حنيفة.
أما طهارة سؤرها: وهو قول ابن عمر، فلما روت عائشة قالت: «رأيت النبي الله يتوضأ بفضلها ويصغي لها الإناء».
وروى أبو قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّها ليست بنجسة، إنّها من الطوافين عليكم والطوافات».
وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّها ليست بنجسة إنّها كبعض أهل
البيت».
وأما الكراهة فوجه قولهما حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يغسل الإناء من ولوغ الهرة مرة»، وروي أنّه قال: «الهرة سبع»، وأقل أحوال ذلك أن يفيد الكراهة؛ ولأنها لا تجتنب النجاسات، فلا يؤمن أن تكون فيها نجاسة، فيكره الوضوء بفضلها، كما يكره الماء الذي أدخل فيه الصبي يده.
وجه قول أبي يوسف: أن النبي لم توضأ بسؤرها، ولو كان مكروها لم يتوضأ به.
فصل: في سبب كراهة السُّؤر
قال الطحاوي: كراهة سؤرها؛ لأنّ أكل لحمها مكروه، وكراهة اللحم يعتبر في السؤر، كما أن لتحريم اللحم إذا لم يكن لحرمة الحيوان أثر في تحريم السؤر.
قال أبو الحسن إنّما يكره لأنّها لا تجتنب النجاسات، والصحيح ما قاله أبو الحسن؛ لأنّ المنع لو عاد إلى اللحم أوجب التحريم دون الكراهة؛ لأنه يفتي بكراهة أكل لحم السنور لأجل التحريم دون الكراهة.
الجزء 1 · صفحة 71
فَصل: في سؤر السنور حال أكلها فأرة
قال أبو حنيفة: في سؤر السنور أكلت فأرة، وشربت من إناء، فإن لأنّ نجاسة الفأرة باقية في فمها، وإن شربت بعد الماء؛ كان في الحال نجس مهلة فسؤرها طاهر؛ لأنّ نجاسة فمها زالت بلعابها.
ومن أصل أبي حنيفة: أن النجاسة تزول بغير الماء ولا يحتاج إلى الصّب.
وقال أبو يوسف ومحمد: الماء نجس.
أما أبو يوسف فمن أصله أن النجاسة تزول بغير الماء إلا أنها لا تزول إلا بالصب.
وأما محمد فمن أصله أن النجاسة لا تزول إلا بالماء.
وقد قالوا فيمن صلّى وهو حامل هرة، أن صلاته مكروهة عند أبي حنيفة من وجهين: أحدهما: لحمله لشيء في صلاته، والثاني: لكراهة سؤرها.
وعند أبي يوسف: يكره لشيء واحد: وهو الحمل.
فَصْل: سؤر الدجاجة المُخَلَّاة
فأما الدجاجة المخلاة فيكون سؤرها مكروهاً؛ لأنها تعبث بالنجاسات، فلا نأمن أن يكون في منقارها نجاسة، وليس كذلك المحبوسة في البيت؛ لأنها لا تعبث كما يكون منها.
ومن أصحابنا من قال: إنّه لا يكره المحبوسة إذا كان علفها في ظرف، فيؤمن أن تجتنب ما يكون منها، وإنما قلنا: إن سؤرها طاهر؛ لأنّ الأصل في منقارها الطهارة، وجواز أن يكون عليها نجاسة كجواز أن لا يكون، فلا تبطل الطهارة بالشك
فصل: سؤر سباع الطير
وأما سِبَاع الطير فأسآرها طاهرة مكروهة، وقال محمد: وهو استحسان.
وجه الكراهة: أنّها تأكل الميتات؛ فلا نأمن أن يكون على منقارها نجاسة، وإنما قلنا: إنّها طاهرة؛ لأنّ الأصل طهارة منقارها؛ لأنه عَظْم، وجواز أن يكون عليه نجاسة كجواز أن لا يكون.
فصل: سؤر ما يسكن البيوت من الحشرات
فأما ما يسكن البيوت من الحشرات كالفأرة والوزغة، والحية فيكره أسآرها؛ لأنّها لا تجتنب النجاسات، فلا يؤمن أن يكون في أفواهها نجاسة.
فصل: سؤر الخنزير
وأما النوع الثالث: وهو الخنزير، فسؤره نجس، وقال مالك: طاهر 1.
الجزء 1 · صفحة 72
لنا: قوله تعالى: {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرِ فَإِنَّهُ رِجس} الأنعام:، وهذه الكناية ترجع إلى نفس الخنزير؛ ولأنه مطلق التحريم كالدم، ولأن الانتفاع به لا يجوز بحال، كسائر النجاسات.
فصل: سؤر الكلب
وسؤر الكلب نجس، وهو قول ابن عمر، وابن عباس
وقال الزهري: إذا لم يجد غيره توضأ به.
وقال الأوزاعي: سؤره نجس في الأواني، وليس بنجس في المستنقع. وقال مالك: سؤره طاهر، وإنما يغسل الإناء منه على طريق العبادة. لنا: حديث عبد الله بن المغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسل سبعاً ويعفر الثامنة بالتراب».
والطهارة ضد النجاسة، والعدد يحتاج إليه للإزالة، وكذلك التعفير؛ لأنّ غسل الإناء لما وجب منه، وغسل الإناء في الشريعة لا يجب إلا للنجاسة. والظاهر من مذهب أصحابنا: أن الكلب نجس، قال محمد في الكتاب: وليس الميت بأنجس من الكلب والخنزير.
وروي عن أبي يوسف في كلب وقع في بئر فخرج منها حياً نجسها، فإن انتفض فأصاب ثوب إنسان أكثر من قدر الدرهم، لم تجز الصلاة فيه، والدليل على نجاسة الكلب نجاسة سؤره بالاتفاق؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على قوم من الأنصار ولم يدخل على آخرين، فقيل له في ذلك، فقال: «إن عندهم كلبا» فقالوا: وعند بني فلان هرة فقال: «الهرة ليست بنجسة» ومفهوم هذا أن الكلب نجس.
ومن أصحابنا المتأخرين من زعم أن الكلب طاهر، واحتج بطهارته على طهارة جلده بالدباغ، وقد روى ابن المبارك عن أبي حنيفة: في كلب أو سنوّر وقع في الماء ثم خرج حياً أنه لا بأس بذلك.
قال أبو عصمة: إن كان الماء أصاب فم الكلب فلا خير فيه، قال وذكر لنا عن محمد: أن الكلب يفسده، والسنور لا يفسده؛ لأنّ دبر الكلب منقلب، فهذا يعضد قول من قال إنّه طاهر.
فضل: سؤر سباع البهائم
وأما سؤر سِبَاع البهائم مثل الأسد والفهد، والذئب، والنمر، فهو نجس عندنا.
وعند الشافعي: طاهر
الجزء 1 · صفحة 73
لنا: أن السبع يمكن الاحتراز من سؤره كالكلب، والخنزير؛ ولأنها محرمة الألبان، فكان سؤرها نجساً كالكلب.
وأما حديث ابن عمر أن النبي الله سئل عن الوضوء بما أفضلت الحمر صلى الله عليه وسلم فقال: «وبما أفضلت السباع محمول على الحمر الأهلية، وسباع الطير. وحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لها ما أخذت في بطونها، وما بقي فهو لنا شراب وطهور ورواه داود بن الحصين عن جابر، وبينهما رجل لم يذكره؛ ولأنّ هذا كان قبل تحريم لحومها.
فصل: سؤر الحمار
وأما النوع الرابع: فهو سؤر الحمار فإنهم شكوا فيه، فلم يحكموا فيه بطهارة ولا نجاسة، وروي عن ابن عمر أنه قال: لا يتوضأ به، وهو قول النخعي، وابن سيرين والشعبي، ونافع ومكحول، وجابر بن زيد، وحماد، والزهري، ومعمر.
وعن عطاء، ومجاهد جواز الوضوء به، وهو قول الشافعي.
وإنما شكوا فيه لتعارض دليلين: أحدهما يقتضي النجاسة، وهو حديث أنس أن النبي أمر مناديه أن ينادي إن الله ورسوله نهاكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنّها رجس» وهذه العبارة تستعمل في النجاسات.
والذي اقتضى الطهارة حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم، وبما أفضلت السباع كلها»؛ ولأن الحمار محرم الأكل، لا لحرمته كالكلب، وهذا يقتضي النجاسة؛ وأنه يسكن مع الآدمي في البيوت كالهر، وهذا يقتضي الطهارة، فتعارض القياسان، ولم يترجح أحدهما على الآخر.
الجزء 1 · صفحة 74
وفي مذهب أبي حنيفة: أن أمارات الشرع يجوز أن تتعارض من غير ترجيح؛ لأنّها تقتضي الظن ويجوز أن يكون حكم الله تعالى الوقف، وليس كذلك الدلائل العقلية؛ لأنّها توجب العلم، فلا يجوز أن تتساوى مع التضاد. أصحابنا ومن من قال: إن جهة الشك أن عرقها طاهر، ولبنها محرم، واللعاب يعتبر باللبن والعرق، فإن ألحق بالعرق كان طاهراً، وإن ألحق باللبن كان نجساً، وإذا لم يحكم فيه بنجاسة ولا طهارة، لم يجز الوضوء به مع القدرة على الماء الطاهر؛ لأنه يؤدي فرضه بالشك، فإن لم يجد غيره توضأ به وتيمم، فإن كان طاهراً أدى فرضه به، وإن كان نجساً فقد أدى فرضه بالتيمم.
فإن قيل: إذا كان نجساً فقد صلّى مع النجاسة في أعضائه.
قلنا: روي عنهم في سؤر الحمار أنه غير معفو عنه في الماء، معفو عنه في الثوب والبدن، فعلى هذه الرواية يسقط السؤال، وقد روي عنهم: أنه غير معفو عنه، فعلى هذا لا يتنجس إلا أن الصلاة تجوز مع النجاسة إذا لم يجد ما يزيلها به.
وأما البغل فهو متولد من الفرس والحمار، فسوره کسور حمار وفرس خلطا فَشُكّ فيه.
فصل: سؤر الفرس
وأما سؤر الفرس فقد ذكر في الأصل: أنه لا بأس به، وهو رواية بشر عن أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو قول ابن عمر.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: كراهته إذا أصاب الثوب وهو كثير فاحش. وجه الرواية الأولى: أن الفرس لا يمكن الاحتراز عنه لمن يألف ركوبه، فعفي عنه؛ ولأنه طاهر لا يتناول النجاسات، وهذا ظاهر على قول أبي يوسف ومحمد؛ لأنّ لحمه غير مكروه.
وجه رواية الحسن: فلأن لحمه مكروه، فأثر ذلك في سؤره.
فصل: سؤر الفيل
قال أبو الحسن قال محمد في سؤر الفيل: إنّه كسور السِّبَاع؛ لأنه سَبع، وهذاصحيح؛ لأنه ذو ناب.
بَاب الأنجاس
حكم ما يخرج من بدن الإنسان
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: كل ما خرج من بدن الإنسان مما يوجب خروجه الوضوء أو الغسل فهو نجس.
الجزء 1 · صفحة 75
قال الشيخ رحمه الله تعالى: وهذا أصل صحيح؛؛ لأنّ طهارة النجاسة وطهارة الحدث كل واحد منهما يراد للصلاة، فما تعلق بخروج أحدهما، جاز أن يتعلق به الآخر، وقد اشتملت هذه الجملة على نجاسة الغائط والبول، ولا خلاف في ذلك، وقد دل عليه قوله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبيثَ} الأعراف:، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: استنزهوا من البول.
وأما الدم والصديد فهو نجس لقوله تعالى أَوْ دَمًا مَّسْئُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزير فَإِنَّهُ رِجْسٌ} الأنعام: والرجس عبارة عن النجاسة.
والقيء نجس؛ لأنه مستحيل إلى النتن والفساد كالغائط، وقد دخل في هذا
دم الحيض والنفاس والاستحاضة.
وقد دل على نجاسة هذه الدماء قوله تعالى: {قُلْ هُوَ أَذَى} البقرة:
وقال في دم الحيض: حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء».
وكذلك المذي؛ لأنّ الطهارة تجب بخروجه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان ذلك فانضح فرجك بالماء وتوضأ» فأوجب الاستنجاء منه؛ ولأن الاستنجاء لا يجب إلا من نجس، وكذلك الودي؛ لأنه تابع للبول في الخروج، فحكمه حكمه.
وأما المني، فهو نجس عندنا، وقال الشافعي: طاهر.
لنا: قوله: «إنّما يغسل الثوب من الدم والمني والبول».
وقال لعائشة: «إذا رأيت المني رطباً فاغسليه» ه؛ ولأنه خارج يتعلق بخروجه نقض الطهارة كالبول، ولأنه مني حيوان مُحَرَّم اللحم، كمني الكلب.
فصل: ما يخرج من بدن الحيوان
قال أبو الحسن: وكذلك الذي يخرج من ذلك من سائر أبدان الحيوان غير الأبوال، وما يستحيل من مأكلها، فإن ذلك مختلف في غير الناس، وإنما قلنا إن ما نجس من الآدمي نجس من غيره؛ لأنّ الآدمي أطهر الحيوان، فما كان نجساً منه أولى أن يكون نجساً من غيره.
افضل: في أرواث الحيوانات
وقد قال أصحابنا: إن الأرواث والأخثاء نجسة.
وقال زفر روث ما يؤكل لحمه طاهر، وهو قول مالك.
الجزء 1 · صفحة 76
لنا: ما روى ابن مسعود لما حمل إلى النبي و الله أحجار الاستنجاء ناوله حجران وروثة فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال إنه رجس؛ ولأن الروث مستحيل إلى النتن والفساد، منفصل من حيوان يمكن الاحتراز عنه، كما ينفصل من الآدمي.
وجه قول زفر: أن الأرواث قد استهان الناس بها بدليل أنهم لا يتجنّبونها في طرقهم وخفافهم، ويستعملونها في البناء، ويطينون بها السطوح، فدلّ ذلك على طهارتها؛ ولأن النبي طاف على بعيره، ولو كان ما ينفصل منه نجساً، لجنب المسجد منه.
فصل: في خُرْءِ الدَّجَاجَة والبَطِّ
وخُرْء الدجاجة، نجس، قال أبو يوسف وكذلك الأوز، وروي عنه في البط
مثله، وقال الثوري: هو طاهر.
لنا أن استحالة ما ينفصل من الدجاجة، كاستحالة ما ينفصل من سائر الحيوان، فإذا حكم بنجاسة إحدى العينين لاستحالتها فكذلك الأخرى.
فصل: في ذَرْق ما يؤكل لحمه من الطير
وأما ذرق ما يؤكل لحمه من الطير: فهو طاهر عندنا مثل الحمام والعصفور.
وقال الشافعي: نجس.
وادعى مالك في هذه المسألة الإجماع في طهارتها.
وروي أن ابن مسعود ذرقت عصفورة عليه، فنكته بيده، وعن ابن عمر: أن حمامة ذرقت على رأسه فمسح رأسه وصلّى؛ ولأن المسلمين لا يتجنبون ذلك في مساجدهم، وفي المسجد الحرام من لدن النبي الله إلى أيامنا هذه، فلو كان نجساً لجنبوه المساجد كسائر النجاسات ولأن استحالتها كاستحالة الطين والحمأة، وذلك لا يوجب النجاسة.
فَصْلَ: ذَرْق سباع الطَّيْر
وأما ذَرْق سباع الطير، فهو طاهر في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال
محمد هو نجس1
وجه قولهما: أن المساجد لا تنزه من ذلك، كما لا تنزه من الحمام؛ ولأن استحالة ذرقها كاستحالة الطين والحمأة، فلا يوجب ذلك النجاسة. وجه قول محمد: أنه مستحيل منفصل من حيوان غير مأكول اللحم كالبهائم.
فَصل: في بول الحيوانات
قال أبو حنيفة وأبو يوسف بول ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه نجس. وقال محمد بول ما يؤكل لحمه طاهر، وهو قول مالك.
الجزء 1 · صفحة 77
وجه قولهما قوله: استنزهوا من البول؛ ولأنه مستحيل إلى النتن والفساد، منفصل من حيوان يمكن الاحتراز منه، كبول الآدمي.
وجه قول محمد: أن النبي الله أمر العُرَنِيين حين انتفخت بطونهم أن يشربوا من ألبان الإبل وأبوالها.
واختلف أبو حنيفة وأبو يوسف في جواز التداوي به، قال أبو حنيفة: لا يجوز التداوي به لقوله: إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرّم عليهم ولأنه مائع نجس كالخمر.
وقال أبو يوسف: يجوز التداوي به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر العرنيين بشربه
للتداوي.
وهذا لا دلالة فيه؛ لأنه علم بالوحي أن الداء الذي بهم لا يزول إلا به، وهذا لا يوجد في غيره.
فَصْل: بول الخفاش والفأرة
وليس بول الخفاش وخرؤه بشيء عندهم جميعاً، ولا ينجس شيئاً؛ وذلك لأن الخفاش لايتجنب منه في المساجد كالعصافير؛ ولأنه لا يمكن الاحتراز من بوله.
وأما الفأرة فبولها وخرؤها نجس؛ لأنه مستحيل إلى النتن والفساد، منفصل من حيوان يمكن الاحتراز منه.
فضل: دم ما ليس له دم سائل
ودم ما ليس له دم سائل كالبق، والبراغيث ليس بنجس.
وقال الشافعي: نجس معفو عنه.
لنا: أن الله تعالى حَرَّم الدم المسفوح، فما ليس بمسفوح على أصل الإباحة؛ ولأنها لا تتجنب في الثياب وإن كثرت، ولا يستحب إزالتها، والنجاسة إذا عفي عنها استحب إزالتها كسائر النجاسات.
وأما دم الحَلَم والوَزَغ فهو نجس؛ لأنه دم سائل وقد حرم الله تعالى الدم المسفوح.
فأما دم السمك فهو طاهر في قول أبي حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف: هو نجس، وبه قال الشافعي.
قال أبو حنيفة: إنما حرم الله تعالى الدم المسفوح، ودم السمك ليس يمسفوح.
وجه قولهما: أنه أبيح أكله، بدمه، فصار دمه كسائر أجزائه؛ ولأنه لو كان نجساً لما جاز استباحته إلا بعد سفحه، كحيوان البر، وقد قيل: إنه ليس بدم، وإنما هو ماء متلون، بدليل أنه يبيض بالشمس، والدماء تسود بالشمس.
الجزء 1 · صفحة 78
وجه قول أبي يوسف: قوله: أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك، والجراد، والكبد والطحال فخص الإباحة بدمين، فلا يثبت دم ثالث؛ ولأنه دم سائل كسائر الدماء. وهذا ليس بصحيح، أما الخبر فدليل عليه؛ لأنه أباح السمك بدمه، وإنما ذكر دمين؛ لأن دم السمك استفيد حكمه بإباحة السمك، فلم يكرره، وأما سائر الدماء فلما كانت نجسة لم يبح تناولها من غير ضرورة، وأما الكبد والطحال فهما طاهران بدليل الخبر، وقد قال أصحابنا في الطحال: إذا طلي به وجه الخف جازت الصلاة فيه؛ لأنه محكوم بطهارته، وقالوا فيما تبقى في العروق واللحم من الدم إنه طاهر، وإن أصاب الثوب منه أكثر من قدر الدرهم جازت الصلاة معه؛ لأنه ليس بدم مسفوح كدم البق؛ ولأنه أبيح أكله به.
وروي عن أبي يوسف أنه قال: معفو عنه في الأكل وإن احمرت القدر منه، وليس بمعفو عنه في الثياب إن أصابها؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه في الأكل، ويمكن في الثياب.
فصل: صوف الميتة وشعرها
ولا ينجس من غير الإنسان والخنزير الشعر، والصوف، والوبر، والريش، والقرن، والعظم، والعصب، والخف، والظلف.
أما طهارة الشعر والريش والوَبَر والصوف، فهو قولنا.
وقال الشافعي: هو نجس من الميت.
لنا: قوله: «لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ ولا بقرونها وصوفها وشعرها إذا غسل بالماء»؛ ولأنه ينفصل من الحيوان حال حياته ويحكم بطهارته، فإذا انفصل بعد الموت، جاز أن يحكم بطهارته كالولد؛ قالوا. ولأنه لو نجس بالموت نجس بانفصاله حال الحياة كاللحم. وأما العظم فهو طاهر عندنا.
وقال مالك والشافعي: هو نجس.
الجزء 1 · صفحة 79
لنا: أن العظم لا حياة فيه، بدلالة أنّ السِّنَّ لو أخذ بعضه بالمبرد لم يألم، ولو كان حيا لألم بالقطع، إذا لم تكن فيه، آفة، وما ليس فيه حياة لا ينجس بالموت، ولا يقال: إنه يضرس فيألم بالضرس؛ لأن الألم يكون فيما يتصل به من العصب واللحم، فيظن الإنسان أن الألم فيه، فإذا تداوى وصل الدواء من خلاله إلى العصب فيسكن؛ لاستحالة أن يألم بالمطعومات، ولا يألم بالقطع.
فَصْل: طهارة القرن والحافر والعَصَب
وأما القرن والحافر والظلف فهي عظام، وأما العصب ففيه روايتان: إحداهما: إنه طاهر؛ لأنه عظم غير متصلب، فصار كسائر العظام.
وأما الرواية الأخرى: إنه نجس؛ بدلالة أن فيه حياة، والحِسُّ يقع به، فيحس بالموت.
فَصْل: طهارة شعر الإنسان
وأما شعر الإنسان فطاهر عندنا، وقال الشافعي نجس2
لنا: ما روي أنه حلق رأسه وقسم شعره بين أصحابه ولو كان نجساً لمنعهم من استعماله، وما كان طاهراً من بدنه كان طاهراً من بدن غيره كالعرق، وما كان نجساً من بدنه كان نجساً من بدن غيره كالدم. وأما عظم الآدمي، فالصحيح أنه طاهر، مُحَرّم لحرمة الآدمي؛ لأنه لا حياة فيه، فلم ينجس بالموت كالشعر، والذي قالوا في سنّ آدمي إن طحن في دقيق، أنه لا يؤكل؛ لأن أجزاء الآدمي يحرم أكلها لحرمته لا لنجاستها، وأما عظم الخنزير فنجس؛ لأنّ تحريم الخنزير مغلّظ، فيتعلق ذلك بما يحله الموت منه وبما لا يحله الموت.
فصل: شَعر الخنزير
وأما شعر الخنزير فقد روي عن أبي حنيفة أنه نجس لما ذكرنا في العظم، إلّا أنه رَخَّصَ للخرّازين في استعماله لحاجتهم إليه؛ لأن غيره لا يقوم مقامه، وقد قال أبو يوسف: لو وقع في ماء نجسه، وروي عنهم: أنه طاهر، وقال محمد: إذا وقع في الماء فلم يغلب عليه، جاز الوضوء؛ لأنه لا حياة فيه، فلا تحله النجاسة الحكميّة، كشَعر غير الخنزير.
فصل: عَرَقُ الجُنُب والحائض
الجزء 1 · صفحة 80
قال: وعَرَقُ الجُنُب والحائض والنفساء طاهر، لما روي عن عائشة قالت: لم يكن لنا إلا فراش واحد، فكنّا إذا حِضْنا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فشددنا الأزر فضاجعنا، فلما اتسع الأمر اتخذنا فراشاً آخر»، ومعلوم أن العرق لا يؤمن عند النوم، فلو كان نجساً لتجنبه؛ ولأن الحيض يوجب طهارة حكمية، فلا يؤثر في نجاسة البدن كالحدث.
فَصْل: فيما بقي من فضل الوضوء والغُسْل
قال: وفضل وضوئهم وما أدخلوا أيديهم للاغتراف منه دون غسلها، فهو طاهر.
والأصل في جواز الوضوء بفضل وضوء المرأة: ما روي في حديث عائشة قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد من الجنابة، ويقول أبقي لي أبقي لي»، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: من أنظف ثياباً وأطيب ريحاً.
وروي جواز الوضوء بفضلهن عن سعيد وأبي هريرة.
وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس على الماء جنابة ولا على الأرض، جنابة، ولا على الثوب جنابة»، والمراد به: أنه لا يتعلق حكمها بالماء.
وفي خبر ابن عباس أن بعض أزواج النبي الله اغتسلت من جفنة فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل منها أو يتوضأ، فقالت: يا رسول الله إني كنت جُنُباً، فقال: الماء لا يجنب»؛ ولأنه لا خلاف أنهما لو استعملا الماء معاً جاز، فكذلك يجوز إذا استعمل أحدهما بعد الآخر، كالرَّ جُلَين.
فصل: في عَرَق كُلِّ شَيءٍ مِثْل سُؤْرِه
قال: وعَرَق كل شيء مثل سؤره؛ وذلك لأن العرق رطوبة متحللة من البدن كاللعاب.
وهذا صحيح على الرواية التي نقول فيها: إن عَرَق الحمار غير معفو عنه. فأما على الرواية الظاهرة، فعرق الحمار طاهر، ولعابه مشكوك فيه، وقال: وما لم يوجب خروجه من الإنسان طهارة، فهو طاهر، وهذا كالدَّمْعِ والعَرَق واللبن؛ لأن إحدى الطهارتين لما لم يتعلق بخروجه، كذلك الأخرى.
باب المقدار الذي يمنع الصلاة من هذه النجاسات
حكم إزالة النجاسة
الجزء 1 · صفحة 81
قال الشيخ رحمه الله تعالى: أصل هذا الباب أن إزالة النجاسة واجبة.
وقال مالك: هي مستحبة.
لنا: قوله في دم الحيض: حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء». وقال لعَمّار: قم بغسل ثوبك» فقال: من نخامة؟ قال: «إنما يغسل الثوب من المني والدم والبول، ومعلوم أن غسل النخامة مستحب، فلو كان غسل النجاسة مستحباً، لم يكن للفرق بينهما معنى؛ ولأنها إحدى الطهارتين، فكان فيها ما هو واجب كطهارة الحدث.
فصل: في قليل النجاسة
وقليل النجاسة معفو عنه، عندنا، وقال: زفر قليلها وكثيرها سواء إلا مقدار
اللمعة من الدم.
لنا ما روي أن النبي ل الله الخلع نعله في الصلاة، فخلع أصحابه نعالهم،
فلمّا سَلَّم قال: أخبرني جبريل أن عليها دم النجاسة معفو يسير سرجنا»، فلولا أن حلمة، وروي سر عنه لاستأنف الصلاة؛ ولأن الصلاة جائزة مع أثر الاستنجاء بالاتفاق، وكان المعنى فيه أنه في حكم اليسير.
فصل: في أنواع النجاسة
والنجاسة على ضربين: مغلظة ومخفّفة.
فالمغلظة: يعفى عنها عن مقدار مساحة الدرهم الكبير، فإن زادت على ذلك لم تجز الصلاة مع القدرة على إزالتها، وإنما قدّروها بمقدار الدرهم لحديث ابن عمر:: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيمن صلى وفي ثوبه الدم أكثر من مقدار الدرهم: أعد الصلاة»، ولأن أثر النجاسة في موضع الاستنجاء معفو عنه، والنجاسة لا تختلف باختلاف مواضع البدن، فإذا عفي عن الأثر في موضع الاستنجاء فجميع البدن في حكمه، ولهذا قال أصحابنا: إن من استجمر بالأحجار وأصابته نجاسة يسيرة لم تجز صلاته فيها؛ لأنه إذا اجتمع زاد على قدر الدرهم، وإنما يعفى عنه مقدار الدرهم لمن استنجى بالماء.
وقال النخعي أرادوا أن يقولوا مقدار المَقْعَدِ فاستقبحوا ذلك، فقالوا: مقدار الدرهم يعفى، يعني فيما عفي عنه من النجاسات.
فصل: في النجاسة المغلظة
الجزء 1 · صفحة 82
والنجاسة المغلظة عند أبي حنيفة: كل عين ورد في نجاستها نص، ولم يرد في طهارتها نص، اختلف الناس فيها أو اتفقوا؛ لأن النص إذا انفرد عن معارضه تأكد حكمه، وعلى هذا قالوا في الأرواث: إنه يعتبر فيها مقدار الدرهم؛ لأن النص ورد بنجاستها، وهو قوله: إنها رجس، ولم يعارض هذا النص إلا الاختلاف، والنص حجة، والاختلاف ليس بحجة، قال الله تعالى: {فَإِن تَنَزَعْتُم فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ النساء:، فأمر برد الخلاف إلى الكتاب والسنة. وأما أبو يوسف ومحمد فقالا: ما ساغ الاجتهاد في طهارته فهو مخفف، ولهذا قالا: إن الأرواث يعتبر فيها أن تبلغ حد الكثير الفاحش؛ لأن تسويغ الاجتهاد فيه يخفف الحكم، فصار كما لو ورد نص يعارض النص.
فَصل: في النجاسة المخففة
وأما ما ورد في نجاسته نص وفي طهارته نص، ودَلَّ الدليل على أن الأخذ بالنجاسة أولى، فهو مخفف مثل بول ما يؤكل لحمه؛ ولأن النص ورد بنجاسته وهو قوله: «استنزهوا من البول، وورد نص بطهارته بدليل خبر العرنيين، فصار معارضاً للنص الذي لو انفرد أوجب الطهارة، فيؤثر في التخفيف، فإذا خف حكم هذه النجاسة، لم يجز أن يساوى ما غلظ حكمه، فقالوا: هي معفو عنها ما لم يتفاحش.
حَدّ الكثير الفاحش
وأما حَدُّ الكثير الفاحش: فقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أنه يكره أن يحد فيه أحداً.
وذكر الحاكم عن أبي حنيفة ومحمد: ربع الثوب، وروي عن أبي يوسف: شبر في شبر، وروي عنه: أكثر من شبر في شبر، وروي عنه: ذراع في ذراع. وروي عن محمد: ربع الثوب وشبر في شبر، وروي عنه: مقدار القدمين. أما وجه الرواية التي منع أبو حنيفة من تقديره: فلأن المستفحش يختلف باختلاف الناس منهم من يستفحش القليل، ومنهم من لا يستفحش إلا الكثير، فوجب أن لا يتقدر ذلك، ويترك الحكم فيه على العادة.
الجزء 1 · صفحة 83
وأما وجه الرواية التي اعتبر فيها ربع الثوب ـ قال الحاكم: وهي الصحيحة من مذهب أبي حنيفة ومحمد فلأن الربع في حكم الجميع؛ بدلالة أن الرائي للشخص يلاقيه أحد جوانبه الأربعة، فيقول: قد رأيته؛ ولأن المسح على الرأس مقدر بالربع، والمسح أخف طهارتي الحدث، فاعتبر فيه تقدير أخف طهارتي النجاسة.
وأما قول أبي يوسف شبر في شبر؛ فلأن هذا في حكم الكثير، ألا ترى أنه يقدر به المذروعات، وقال في الرواية الأخرى أكثر من شبر؛ لأن الشبر لما كان حداً، كان الممتنع ما زاد عليه كقدر الدرهم في المغلظ.
وأما الذي قال: ذراع في ذراع؛ فلأن الذراع أقل ما وضع له مقدار في المساحة، والشبر لم يوضع له قدر، والذي قال محمد في موضع القدمين، فمن أصحابنا من قال: إن ذلك شبر في شبر، ومنهم من قال: لأن الإنسان يمشي غير منتعل فيقع رجله على السرقين فيستبين بذلك، فإن ابتلت قدماه استفحشه، فدلّ أن ذلك هو الكثير الفاحش.
فصل: تطهير بدن المصلي وثوبه وموقع الصلاة
قال: والواجب تطهير بدن المصلي وثوبه والموقع الذي يصلي عليه. فأما الثوب فلقوله: إنما يغسل الثوب من المني والدم والبول. وأما البدن فلأن الأصل في الطهارة يتعلق بالبدن، فإذا تعلقت هذه الطهارة بغير البدن؛ فلأن يتعلق بالبدن أولى؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة: «اغسلي عنك شعار الدم وصلّي».
وأما المكان فلأن النبي نهى عن الصلاة في المجزرة والمقبرة
والمزبلة ومعاطن الإبل»، وهذه مواضع النجاسات.
قال أبو الحسن في قليل النجاسة: إن غسلها أفضل، وهذا صحيح؛ لأن العفو عنها من طريق التخفيف، فإذا استعمل الأغلظ في الطهارة كان أفضل، كمن استنجى بالماء.
فصل: في نجاسة موضع قدم المصلي
وإذا كانت النجاسة في موضع قدم المصلي أكثر من قدر الدرهم، وافتتح الصلاة عليها، فصلاته فاسدة؛ وذلك لأن القيام واجب، وأدنى ما يقوم الإنسان عليه أطراف أصابعه، وذلك أكثر من قدر الدرهم، فمنع الصلاة.
الجزء 1 · صفحة 84
وأما إذا كانت النجاسة في موضع سجوده فروى محمد عن أبي حنيفة: أن صلاته لا تجوز إلا أن يعيد السجود على موضع طاهر، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أن صلاته جائزة.
أما وجه الرواية الأولى: فلأن السجود شرط في الصلاة كالقيام، وكما لا يعتد بالقيام مع النجاسة، فكذلك السجود.
وجه الرواية الأخرى أن الواجب عند أبي حنيفة في السجود أن يسجد على طرف أنفه، وذلك أقل من قدر الدرهم، واستعمال الأقل من مقدار الدرهم من النجاسة لا يمنع صحة الصلاة.
وأما على قولهما فالسجود على الجبهة فريضة، وذلك أكثر من مقدار الدرهم، فإذا استعمله في صلاته لم يجز.
وأما إذا سجد على موضع نجس، وأعاد على موضع طاهر، جاز؛ لأن السجود على النجاسة غير معتد به؛ فكأنه لم يسجد، ولا يجعل ذلك كمن استعمل النجاسة في حال الصلاة؛ لأن الوضع على النجاسة أهون من حملها، بدليل:: أن من وقف على بساط في جانبه نجاسة، جاز، ولو تعمم بثوب طرفه ملقى على الأرض وعليه نجاسة، لم يجز إذا كان يتحرك بحركته، ولو سجد على فراش وجهه طاهر، وفي باطنه نجاسة، جاز، ولو لبس جبة في حشوها نجاسة، لم يجز، وإذا كان حكم الوضع أخف، كان الساجد على النجاسة كمن لم يسجد، وإذا سجد على موضع طاهر جاز.
وأما القيام إذا افتتح على النجاسة، منع ذلك من انعقاد الصلاة، وإن افتتح الصلاة على موضع طاهر، ثم نقل قدمه إلى مكان نجس، ثم أعاده إلى مكان طاهر، صحت صلاته؛ لأن ذلك الوضع على النجاسة غير معتد به، قالوا: إلّا أن يتطاول حتى يصير في حكم الفعل إذا زيد في الصلاة أفسدها.
وأما إذا كانت النجاسة في موضع يديه أو ركبتيه، فصلاته جائزة؛ لما بينا أن الوضع على النجاسة كلا وضع، والسجود على اليدين والركبتين ليس بواجب عندنا
بَاب تطهير هذه النجاسات
الجزء 1 · صفحة 85
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى لا يطهر شيء مما كان فيه من هذه النجاسات من ثوب أو بدن إلا بالغسل، إلّا المني فإنه يجزئ فيه الفرك. والأصل في إزالة النجاسة بالغسل قوله: «إنما يُغسل الثوب من المني والدم والبول، وقوله ل لعائشة: «إذا رأيتِ المني رطباً فاغسليه، وقال في دم الحيض: حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء.
تطهير الثوب من المني
وأما المني إذا كان رطباً فلا يجزئ فيه إلا الغسل؛ لأنه عين نجسة كسائر النجاسات، وإن كان يابساً على الثوب أجزأه الفرك استحساناً، وإن كان على البدن لم يجز فيه إلا الغسل، وروى ذلك الحسن عن أبي حنيفة.
أما وجه القياس فلأنها عين نجسة، فلا تطهر من الثوب بالفرك، كسائر النجاسات، وإنما استحسنوا لقوله: «إذا رأيت المني رطباً فاغسليه، وإن كان يابساً فافركيه، ولأن المني لزج، فإذا جف على الثوب لم يتداخل فيه خلاله،
فإذا فرك زال معظمه ولم يُبقِ ذلك إلا أجزاء يسيرة لا يعتد بها.
وأما البدن فلا يفرك؛ لأنه لا يمكن أن يفرك كما يفرك الثوب، فبقي على أصل القياس، وظاهر ما ذكره أبو الحسن: أن الثوب والبدن سواء في الحَتَّ، إلّا أن الرواية على ما قدمناه.
فصل: في إزالة النجاسات بغير الماء
قال أبو حنيفة وأبو يوسف يجوز إزالة النجاسة من الثوب والبدن بكل شيء يغسل به الثوب، ويعصر فينعصر حتى يسيل، مثل الخل وماء الورد. وروي عن أبي يوسف: الفرق بين الثوب والبدن، فقال: البدن لا يزول إلا بالماء.
وقال زفر ومحمد: لا يجوز إزالة النجاسة إلّا بالماء، وهو قول الشافعي. وجه قولهما ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ولوغ الكلب ـ: «فاغسلوه سبعاً»، ولم يفصل؛ ولأنه تطهير للنجاسة، فلم يختص بالماء كالدباغ؛ ولأنه مائع طاهر، فجاز أن يزول به حكم النجاسة، كالماء.
وجه قول زفر ومحمد قوله في دم الحيض: «حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء»؛ ولأنها طهارة كالوضوء.
فصل: في طهارة ما له عين مرئية
الجزء 1 · صفحة 86
قال أبو الحسن وطهارة ماله عين مرئية زوال عينها لما ذكرنا، إلا أن يبقى أثر لا يزيله الماء، فلا يضره، وما لم يكن له عين مرئية، فطهارته أن يغسل ثلاثاً، فإن غسل مرة واحدة فغلب في ظن الغاسل أن النجاسة قد زالت، أجزأه، أما ما له عين مرئية؛ فلأن الحكم تعلق بحدوثها، فإذا زالت زال الحكم المتعلق بها، وما لم يكن له عين مرئية، فلا يمكن القطع بزوالها، فاعتبر فيها الظن؛ وإنما قدروا الثلاث؛ لأن الغالب أن الإزالة تحصل بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدر بذلك غسل يد المستيقظ، فأما الأثر فمعفو عنه؛ لقوله في دم الحيض: «اغسليه ولا يضرك أثره».
:فَصل: في تطهير الإناء من ولوغ الكلب
قال أصحابنا: إن تطهير الإناء من ولوغ الكلب لا يختص بعدد، وإنما يعتبر غالب الظن في طهارته، وقال الشافعي: يغسل سبعاً إحداهن بالتراب.
لنا: حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً، ولأنها نجاسة غير مرئية كنجاسة البول،
وما روي في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه سبعاً قد عارضه حديث أبي هريرة الذي روى فيه التخيير بين الثلاثة والخمسة، وهو زيادة في اللفظ، فالرجوع إليها أولى، ولا يقال في خبرنا زيادة حكم؛ لأن التخيير زيادة حكم أيضاً؛ ولأن الرجوع إلى زيادة الحكم لو وجب الرجوع، لكان الرجوع إلى حديث عبد الله بن المغفل أولى؛ لأنه قال: وعفّروا الثامنة بالتراب»، وقال أصحاب أهل الحديث: إن إسناده أصح من إسناد أبي هريرة.
وقد قيل: إن النبي لو كان أوجب في بدء الإسلام غسل الثوب من البول سبعاً وغسل الجنابة سبعاً، ثم نسخ ذلك، فيجوز أن يكون أمر بغسل الولوغ سبعاً في ذلك الوقت.
فصل: تطهير الأرض من النجاسة