الجزء 1 · صفحة 7
الذخيرة البرهانية
المسمَّى ذَخِيرَةُ الفَتَاوَى في الفِقْهِ عَلَى المُذْهَبِ الحَنَفِيَّ
تأليف:
الإماء العلامة برهان الدين أبي المعالي محمود بن أحمد بن عَبدِ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنَ مَازَة المرغيناني البُخَارِي
المتوفى سنة 616 هجرية
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء الأول:
يحتوي على: الطَّهَارَة - الصلاة.
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الطهارات
وفصوله ستة عشر:
الفصل الأول: في المياه التي يجوز التوضؤ بها، والتي لا يجوز.
وهو مشتمل على:
? - التوضؤ بماء الثلج.
2 - في الماء الجاري.
3 - الحياض، والغدران، والآبار، والأواني.
الفصل الثاني: في مسائل الوضوء.
وهو مشتمل على نوعين:
نوع في تعليم الوضوء
ونوع في بيان ما ينقض الوضوء وما لا ينقض:
1 ـ في الخارج من غير السبيلين.
2 - في الخارج من السبيلين.
- يدخل في البدن.
4 في مسائل النوم، والنعاس، والإغماء، والغَشْي، والسكر.
ه - مسائل القهقهة.
6 - في انتقاض الطهارة من غير طهور الخارج، ويتصل بها ما لا يكون نجسًا هل
يكون حدثًا.
الفصل الثالث: في مسائل الاغتسال
الجزء 1 · صفحة 9
الفصل الرابع: في بيان ما يتم الوضوء والغسل به وما لا يتم.
ويدخل فيه: نجاسة مسائل الاستنجاء.
الفصل الخامس: في المريض إذا عجز عن الوضوء.
ويتصل به الممنوع من الوضوء في جهة العباد.
الفصل السادس: في التيمم.
ويدخل فيه: الماء الموضوع للشرب وهل يتوضأ منه أم لا، والموضوع للوضوء
هل يشرب منه، ويدخل فيه: تفسير.
الفصل السابع: في المسح على الخفين.
الفصل الثامن: في المسح على الجبائر، وعصابة المقتصد.
ويدخل فيه: مسألة الشقوق.
الفصل التاسع في الحيض والاستحاضة وأصحاب الأعذار. ويدخل فيه: المستحاضة هل تمسح على الخف.
الفصل العاشر: في الرجل يخبر غيره بالوضوء أو بالحدث وفي وقوع الشك في الوضوء وفي الحدث.
الفصل الحادي عشر: في معرفة الأعيان النجسة وغسلها.
ويدخل فيه: هل يكون نجسا.
الفصل الثاني عشر: في تطهير النجاسات.
الفصل الثالث عشر: في الخف النعل إذا أصابته النجاسة.
الفصل الرابع عشر: في عرق الحمار والبغل وسؤرهما وسؤر الفرس والهرة.
الفصل الخامس عشر: في المتفرقات.
وفيه حائض أصابت واغتسلت.
وفيه: رجل رعف ثم بال.
الجزء 1 · صفحة 10
وفيه:
الفصل السادس عشر: في قراءة القرآن والمصاحف.
ويدخل فيه: مسائل المساجد، وعند القبور.
وفيه هل يجوز للجنب أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم.
وفيه:
بسم الله الرحمن الرَّحْيمَ
رب يسر ولا تعسر
الحمد لله مستحق الحمد والثناء، ومنزل اللطف والنعماء، كاشف الضر برأفته، وفارج الهم برحمته، رافع الحق وأصحابه وواضع الباطل وأربابه، الذي نور بصائر العلماء بتسديده، وشرح ضمائر الفقهاء بتأييده.
نحمده على ما أنعم علينا من التوفيق والهداية ونشكره على ما أسدى إلينا حسن النعمة والدراية، ونصلي على خاتم النبيين والمرسلين وعلى أصحابه المهتدين أجمعين، ونسلم عليهم تسليمًا كثيرا.
أما بعد:
فإن سيدنا ومولانا الصدر الشهيد الأكبر إمام أهل الأرض أستاذ البشر، حسام الملة و الدين، بُرهان الأئمة المهتدين تغمده الله بالرحمة والرضوان، جمع مسائل قد استفتي عنها، وأحال جواب كل مسألة إلى كتاب موثوق به، أو إلى إمام معتمد عليه، وهي وإن صغر حجمها فقد هدى إلى كثير من الأحكام نجمها.
وقد جمعت أنا في حداثة سني وعنفوان عمري وصدر أمري في الإفتاء ما رفع إلي من مسائل الواقعات، أيضا وضممت إليها أجناسها من الحادثات.
وجمعت أيضًا جمعا آخر استفني مني مدة مقامي بسمر قند، وذكرت فيها جواب ظاهر الرواية، وأضفت إليها من واقعات النوادر وما فيها من أقاويل المشايخ، وكان يقع في قلبي أن أجمع بين هذه
الجزء 1 · صفحة 11
الأصول الثلاث، وأمهد لها أنساقًا، وأجعلها أصنافا وأجناسًا، وقد انضم إلى ما وقع في قلبي التماس بعض الأحباب فقابلت التماسهم بالإجابة؛ وشرعت في هذا الجمع مستعينا بالله فهو المستعان وعليه التكلان وأوضحت أكثر المسائل بالدلائل، وعملت فيه عَمَل مَنْ طَبَّ لِمَنْ حَبَّ».
وسميت المجموع بـ «الذخيرة» وشحنته بالفوائد الكثيرة، رجاء أن يصير لي ذخيرة في الآخرة يوم تحيا العظام الناخرة، فالمتوقع من كل من ذخيرة يطالعه أنه إن استصوبه فليدع لجامعه بالخير، وإن لم يستصوبه فليعذره، فإن الله تعالى يقول: {وَفَوْقَ كُلَّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} أسأل الله تعالى أن يجعله لوجهه إنه خير مأمول وأكرم مسئول بمنه ولطفه.
كتاب الطهارة
هذا الكتاب يشتمل على سبعة عشر فصلا:
الأول: في المياه التي يجوز التوضؤ بها، والتي لا يجوز:
ذكر في باب الوضوء من الكافي: أن الماء إذا أنتن: أن الماء إذا أنتن، وهو كثير، إن علم أن نتنه لوقوع النجاسة فيه؛ لا يجوز التوضؤ به، وإن لم يعلم، يجوز التوضؤ به؛ لأنه يتغير بطول المكث.
سئل الفقيه أحمد بن إبراهيم: عن الماء الذي يتغير لكثرة الأوراق الواقعة فيه حتى يظهر لون الأوراق في الكف إذا رفع الماء منه، هل يجوز التوضؤ به؟ قال: لا، ولكن يجوز شربه، وغسل الأشياء به؛ أما جواز شربه وغسل الأشياء به، فلأنه طاهر
وأما عدم جواز التوضؤ به؛ لأنه لما غلب عليه لون الأوراق؛ صار مقيدًا؛ كماء الباقلاء وغيره.
وفي الأجناس، ذكر في صلاة الأثر ?: لا بأس بالتوضؤ بماء السيل؛ إذا كان رقة الماء عليه، غالبة وإن كان الطين، غالبا لا يجوز التوضؤ به. وعن أبي يوسف ـ رحمه الله - في الأمالي ماء الصابون إذا كان ثخينا قد
غلب عليه الصابون؛ لا يجوز التوضؤ به؛ كماء الحمص والباقلاء. وإذا كان رقيقا، ولكن علاه بياض الصابون، جاز التوضؤ به.
وعنه: لا يجوز التوضؤ به.
وعنه أيضًا: إذا طبخ الآس، أو البابونج في الماء، فإن غلب على الماء حتى يقال: ماء البابونج، أو
الجزء 1 · صفحة 12
ماء الآس لا يجوز التوضؤ به
والحاصل من مذهب أبي يوسف: أن كل ما خلط به شيء يناسب الماء فيما يقصد من استعمال الماء، وهو التطهر، فالتوضؤ به جائز بشرط ألا يغلب ذلك الشيء على الماء حتى لا يزول به الصفة الأصلية وهي الرقة، وذلك مثل: الصابون، والأشنان.
وإن كان ذلك المخلوط لا يناسب الماء فيما يقصد من استعمال الماء، ففي بعض الروايات، شرط لمنع جواز التوضؤ به؛ غلبة ذلك الشيء للماء وفي بعض الروايات: لم يشترط. ومحمد ـ رحمه الله - اعتبر في جنس هذه المسائل لمنع جواز التوضؤ غلبة المخلوط الماء؛ لكن في بعضها أشار إلى الغلبة من حيث اللون، وفي بعضها أشار إلى الغلبة من حيث الأجزاء
التوضؤ بماء الثلج
التوضؤ بالثلج إن كان ذائبًا بحيث يتقاطر يجوز، وإلا فلا؛ وعلى هذا التيمم حال وجود الثلج إن كان ذائبا؛ لا يجوز. وعلى هذا إذا أصاب بعض جسده بول فبل يده ثلاثا، ومسحها على ذلك الموضع، إن كانت البلَّة من يده متقاطرة جاز، وإلا فلا. وفي شرح الطحاوي:
أن تسييل الماء في الوضوء شرط في ظاهر الرواية، لا يجوز الوضوء? ما لم يتقاطر الماء.
وعن أبي يوسف: أن التقاطر ليس بشرط.
ففي مسألة الثلج: إذا توضأ به إن قطر قطرتين فصاعدا يجوز إجماعا، وإن كان بخلافه، فعلى قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله ـ: لا يجوز، وعلى قول أبي يوسف ـ رحمه الله - يجوز ذكر الحاكم الشهيد - رحمه الله - في المنتقى: عن أبي يوسف - رحمه الله -:: ـ - في رجل أخذ بفمه ماء من إناء فغسل به جسده، أو توضأ به، لم يجز، ولو غسل به نجاسة من بدنه أجزأه. وذكر بعد هذه المسألة: مسائل عن أبي يوسف أيضًا: في البزاق، والنخامة، والمخاط، يقع في إناء الوضوء يجوز التوضؤ به، ويكره له ذلك.
وفي متفرقات الفقيه أبي جعفر رحمه الله -: محدث معه ماء قليل، وعلى يديه نجاسة فأخذ الماء بفيه من غير أن ينوي غسل فيه ثم غسل به يديه
قال: على قول محمد لا تظهر يده، وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف رحمه الله
وفي إحدى الروايتين عن أبي يوسف: تطهر يده؛ وهذا لأن الماء الذي أخذ بفيه خالطه البزاق،
الجزء 1 · صفحة 13
وخرج من أن يكون ماء مطلقًا، فالتحق بسائر المائعات غير الماء، نحو الخل والمرق والدهن، وماء الورد. وفي غسل اليدين? بسائر المائعات سوى الماء المطلق روايتان عن أبي يوسف - رحمه الله - في رواية تطهر؛ كالثوب
وفي رواية: لا تطهر، بخلاف الثوب.
وعن محمد رواية واحدة أن البدن لا يطهر، بخلاف الثوب فإنه يطهر بالإجماع.
قال الفقيه - رحمه الله -: الماء الذي أخذ بفيه اختلط بالبزاق. ولو غسل الثوب بالبزاق الذي اجتمع في فيه يجوز، وهذا أولى.
نوع آخر من هذا الفصل:
في التوضؤ بالماء الجاري:
الماء الجاري يجوز التوضؤ به، ولا يحكم بنجاسته ما لم يتغير طعمه، أو لونه، أو ريحه.
وبعد ما تغير واحد من هذه الأشياء لا يحكم بطهارته ما لم يزل ذلك التغير؛ بأن يرد عليه ماء طاهر حتى يزيل ذلك التغير.
الدليل على أن العبرة في الماء الجاري ما قلنا: ما ذكر محمد ـ رحمه الله ـ في كتاب الشرب: إذا صب حب خمر في الفرات ورجل أسفل منه يتوضأ به أجزأه، إذا لم يتغير أحد أوصاف الماء.
واختلف المشايخ في تحديد أدنى ما يكون من الجريان في حق جواز الوضوء.
قال بعضهم: إن كان بحيث لو اغترف في أعمق موضع من الجدول انقطع جريانه حتى امتلأ ثم جرى فهو ليس بجار، وإن لم ينقطع فهو جار. وقال بعضهم: إن كان بحال لو وقع فيه تبن، أو ورق، ذهب به فهو ماء جار، وإن كان بخلافه فليس بجار. وقال بعضهم: إن كان بحال لو وضع إنسان يده عليه عرضًا ينقطع جريانه، فليس بجار.
وقال بعضهم: إن كان بحال لو رُفع باليدين ينحسر ما تحته، وينقطع الجريان،
فهو ليس بجار.
في النوادر: إذا كان الماء يجري ضعيفًا فأراد إنسان أن يتوضأ منه؛ فإن كان وجهه إلى مورد د الماء
الجزء 1 · صفحة 14
جاز، وإن كان وجهه إلى مسيل الماء لا يجوز؛ إلا أن يمكث بين كل غرفتين مقدار ما يذهب الماء بغسالته.
قالوا: ودلت المسألة على فضيلة أهل الدرب حيث يجوز طهارة عالمهم وجاهلهم.
وفي واقعات الناطفي: الماء الجاري إذا سد من فوق فتوضأ إنسان بما يجري في النهر وقد بقي جري الماء كان جائزا؛ لأن هذا ماء جار
و في واقعات الناطفي: ساقية صغيرة فيها كلب ميت قد سدّ عرضها فجرى الماء عليه، فلا بأس بالتوضؤ أسفل منه
وفي صلاة الأثر لهشام عن أبي يوسف - رحمه الله -: في نهر صغير فيه کلب ميت قد سد عرضه فيجري الماء، فوقه فلا بأس بالتوضؤ أسفل من الكلب إذا لم يتغير لون الماء ولا طعمه ولا ريحه.
وفي فتاوى أبي الليث - رحمه الله -: أن الماء الذي يلاقي الجيفة إن كان أكثر من الماء الذي لا يلاقي الجيفة، أو كانا على السواء؛ لا يجوز التوضؤ به، وإن كان الذي يلاقي الجيفة دون الذي لا يلاقيها يجوز التوضؤ به
قال الفقيه أبو جعفر - رحمه الله -: وعلى هذا أدركت مشايخي، قال ثمة: وإذا كانت الجيفة ترى من تحت الماء؛ لقلة الماء الذي علاها لا لصفائه؛ كان الذي يلاقيها أكثر إذا كان سد عرض الساقية، وإن كانت لا ترى مع صفاء الماء أو لم تأخذ إلا أقل من نصف الساقية فالذي لا يلاقيها أكثر.
وعن بعض المشايخ في كلب ميت يحبس في نهر والماء يجري في جانبي الكلب؛ أنه ينظر إن كان للماء الذي في جانبي الكلب قوة الجريان، أو كان جميع الماء يجري على أعلى الكلب فالماء طاهر، وإن كان الماء يجري في جميع الكلب وليس في جانبيه قوة الجريان فالماء نجس
وكان الشيخ الإمام الجليل 9 أبو بكر محمد بن الفضل - رحمه الله - لا يفرق
ينهما، وكان يقول: الماء نجس في الوجهين جميعا.
حوض صغير: يدخل فيه الماء من جانب ويخرج من جانب فتوضأ فيه إنسان، حكي عن الشيخ الإمام أبي الحسن الرُّسْتُغْفَنِي: أنه كان يقول: إن كان الحوض أربعًا في أربع فما دونه يجوز؛ لأن الظاهر أن الماء لا يستقر في مثله بل يدور حوله، فكان كالماء الجاري. وإن كان الحوض أكثر من أربع في أربع لا
الجزء 1 · صفحة 15
يجوز؛ لأن الماء يستقر فيه فلا يكون كالجاري فلا يجوز التوضؤ فيه؛ إلا أن يتوضأ في موضع دخول الماء أو خروجه.
وفي متفرقات شمس الأئمة الحلواني - رحمه الله -: عين الماء إذا كان خمسا في خمس وكان يخرج الماء منه قال: إن كان يتحرك في جوانبه، يجوز ويستفيض بالحركة، وكان القاضي الإمام ركن الإسلام علي بن الحسين السعدي - رحمه الله - يقول بالجواز في هذه الصورة مطلقًا من غير تفصيل ففي الحوض الصغير الذي يدخل الماء فيه من جانب ويخرج من جانب لا يكره هكذا، وعليه الفتوى؛ لأن هذا ماء جار فيجوز التوضؤ به. وعن الشيخ الإمام الزاهد أبي الحسن: هذا أن من حفر نهرًا من حوض صغير وأجرى الماء في النهر وتوضأ به في حال جريانه فاجتمع ذلك الماء في واستقر فيه، فحفر رجل آخر نهرًا من ذلك المكان وأجرى الماء فيه وتوضأ به في حال جريانه فاجتمع ذلك الماء في مكان آخر أيضًا، ففعل رجل ثالث كذلك، جاز وضوء الكل؛ لأن كل واحد منهم إنما توضأ بالماء حال جريانه، والماء الجاري لا يحتمل النجاسة ما لم يتغير. وعن الحسن بن زياد: ما يدل على عدم جواز وضوء الثاني والثالث، فإنه قال في حفيرتين: الماء يخرج من إحداهما ويدخل في الأخرى فتوضأ فيما بينهما جاز، والحفيرة التي يدخل فيها الماء يفسد.
أحدًا
المسافر: إذا كان معه ميزاب واسع من رفقائه حتى يصب الماء ومعه إدواة من ماء يحتاج إليه، وهو على طمع من وجود الماء ولكن لا يتيقن بذلك، ماذا يصنع؟
حكي عن الشيخ الإمام الزاهد أبي الحسن هذا - رحمه الله ـ أنه كان يقول: يأمر في طرف من الميزاب، وهو يتوضأ في الميزاب، وعند الطرف الآخر من الميزاب إناء طاهر يجتمع فيه الماء، فإن الماء المجتمع يكون طاهرًا وطهورًا؛ لأن استعماله حصل في حال جريانه والماء الجاري لا يصير مستعملاً باستعماله.
والمسألة التي روينا عن الحسن بن زياد تدل على أن الماء المجتمع في مسالة الميزاب يكون نجسا.
ومن المشايخ من أنكر هذا القول وقال: الماء الجاري إنما لا يصير مستعملاً إذا كان له مدد؛ كالعين والنهر وما أشبههما، أما إذا لم يكن له مدد يصير مستعملاً، والصحيح القول الأول بدليل مسألة واقعات الناطفي: أن النهر إذا سد من فوق فتوضأ إنسان بماء يجري في النهر فإن هناك لم يبق للماء مدد، ومع هذا جوز التوضؤ به.
الجزء 1 · صفحة 16
عن أبي يوسف ـ رحمه الله - في تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ»
أن يكون عينا تنبع وهو مقدار القلتين، وهو جار ولها نبعان، فتوضأ رجل في نَبَعانه فلا بأس به.
نوع آخر: في الحياض والغدران، والآبار، والأواني.
وفي الفتاوى قال الفقيه أبو الليث - رحمه الله -: سمعت الفقيه أبا جعفر رحمه الله ـ يحكي عن علي بن أحمد ه، عن نصير، عن أبي سليما الجوزجاني، عن عبد الله بن المبارك -رحمه الله - أنه قال: لا بأس بأن يتوضأ في حوض كان عشرًا في عشر وهو كثير قال أبو سليمان فأتيت العراق وسألت محمدا - رحمه الله ـ عن ذلك فقال: هو كثير، أكثر الأقاويل على هذا، قال الفقيه: وبه نأخذ.
بعد هذا حكي عن أبي الحسن الرُّسْتُغْفَنِي: أنه يعتبر في ذلك ذراعه الكرباس وكان الشيخ الإمام عبد الكريم يعتبر في ذلك ذراع المساحة.
الحوض: إذا كان أعلاه أقل من عشر في عشر، وأسفله عشر في عشر أو أكثر، فوقعت فيه نجاسة لا شك أنه يحكم بنجاسة الأعلى، فإن سفل الماء وصار وجه الماء عشرا في عشر فصاعدا، هل يجوز التوضؤ فيه؟ فقد قيل: لا يجوز.
وقيل: يجوز وهو الأشبه.
وفي فتاوى أهل سمرقند غدير كبير لا يكون فيه ماء في الصيف ويروث فيه
الناس والدواب ثم يملأ في الشتاء ماء، ويرفع عنه الناس الجمد، فإن كان الماء الذي يدخل الغدير أولاً يدخل على مكان نجس؛ فالماء والجمد نجس، وإن كثر الماء بعد ذلك؛ لأنه كلما دخل صار نجسًا.
وإن كان الماء الذي يدخل الغدير أولا: يستقر في مكان طاهر حتى يصير عشرا في عشر ثم ينتهي إلى النجاسة؛ فالماء والجمد طاهران؛ لأن الماء صار كثيرا قبل أن يتنجس فلا يتنجس بعد ذلك باتصال النجاسة به. ومثل هذه المسألة صارت واقعة ببخارى فإن ماء المطر مر على النجاسات واجتمع بعد ما صار نجسًا ودخل حوض حبان، وكان الحوض ملانا وكان ماء المطر أكثر من ماء الحوض فاتفقت فتاوى الأئمة: أن الحوض لا يتنجس لأن جميع ماء المطر لا يتصل بماء الحوض بدفعة واحدة وإنما يتصل بدفعات، فالقدر الذي اتصل بماء الحوض أول مرة ماء الحوض عليه غالب فلا يتنجس ماء الحوض، وكذلك في
الجزء 1 · صفحة 17
كل دفعة.
في نظم الزَّنْدَوَستي إذا كان الحوض كبيرًا وفيه نجاسات فدخل الماء وامتلأ، قال أهل بلخ، وأبو سهيل الكبير البخاري: هو نجس. وقال الفقيه أبو جعفر البلخي والفقيه إسماعيل بن الحسن الزاهد البخاري الكل طاهر وبه أخذ كثير من فقهاء، بخارى وهكذا أفتى الفقيه عبد الواحد مرارًا، وهكذا كان يفتي الفقيه أبو بكر العياضي، وكان يقول: الماء الكثير في حكم الماء الجاري
وإذا انجمد الماء وعلى وجه الجمد ماء، فهذا وما لو كان الماء على وجه الأرض سواء.
وإن كان الماء تحت الجَمد؛ فإن كان الماء مزايلاً عن الجمد؛ كان الجمد كالسقف له، ويكون وجوده والعدم بمنزلة.
وإن كان الماء متصلاً بالجمد؛ فعند بعض المشايخ: العبرة للثقب، فإن كان ماء الثقب يخلص بعضه إلى بعض؛ لا يجوز التوضؤ، به وإن كان لا يخلص يجوز التوضؤ به.
وبعضهم: اعتبروا جملة الماء؛ لأن الكل متصل بعضه ببعض. وعلى هذا الأمر
التوابيت في المشارع 4، بعض المشايخ اعتبر الخلوص في ذلك المكان إذ كان الماء متصلاً بالألواح.
وبعضهم اعتبروا جملة الماء.
وكان الفقيه أبو أحمد العياضي يقول: يجوز التوضؤ في الثقب إذا حرك المتوضئ الماء في الثقب تحريكا شديدًا؛ قال: لأن الماء يجري تحت الجمد بالتحريك.
الحوض إذا كان كبيرًا لا يخلص بعضه إلى بعض فوقعت فيه نجاسة لا تخلو إما إن كانت النجاسة مرئية أو غير مرئية؛ فإن كانت مرئية لا يتوضأ من الجانب الذي وقعت فيه نجاسة، وإنما يتوضأ من ناحية أخرى؛ كما في الماء الجاري. بعد هذا اختلف المشايخ فيه.
قال بعضهم: يحرك الماء بيده مقدار ما يحتاج إليه عند الوضوء والاستقاء، فإن تحركت النجاسة لم يستعمل الماء من ذلك الموضع وإن لم تتحرك يستعمل.
الماء من ذلك الموضع. وقال بعضهم: يتنجس حول النجاسة مقدار حوض صغير وما وراءه طاهر. وقال بعضهم: يتحرى في ذلك، إن وقع تحريه أن النجاسة لم تخلص إلى هذا الموضع توضأ وشرب منه
وينبني على هذا ما إذا توضأ في منبعه ووجد فيها نجاسة بعد الفراغ من الوضوء، إن كانت النجاسة
الجزء 1 · صفحة 18
غير مرئية بأن بال فيها إنسان أو اغتسل فيها جنب. حكي عن مشايخ عراق أنهم قالوا: لا فرق بين النجاسة المرئية وغير المرئية ومشايخ بخاري وبلخ فرقوا بين المرئية وغيرها، فقالوا: في غير المرئية يتوضأ من الجانب الذي وقع فيه النجاسة، كما يتوضأ من الجانب الآخر؛ لأن الحوض الكبير بمنزلة الماء الجاري. والجواب في الماء الجاري على هذا الوجه إن كانت النجاسة مرئية لا يتوضأ من الجانب الذي وقعت فيه النجاسة، وإن كانت غير مرئية يتوضأ من الجانب الذي وقعت فيه النجاسة؛ كما يتوضأ من الجانب الآخر، كذا في الحوض الكبير. الدليل على صحة هذا مسألة كتاب الشرب التي تقدم ذكرها: أن حبا من خمر إذا أريق في الفرات ورجل أسفل منه يتوضأ، جاز إذا لم يتغير أحد أوصاف الماء، كذا هاهنا
وكذلك قالوا: في الماء الجاري إذا كان الرجال صفوفًا وتوضؤوا جاز، كذلك في الحوض الكبير.
وينبني على هذا إذا غسل وجهه في حوض كبير فسقط غسالة وجهه في الماء فرفع الماء من موضع الوضوء قبل التحريك، قالوا: على قول أبي يوسف - رحمه الله - لا يجوز ما لم يحرك الماء؛ لأن الذي وقع فيه ماء مستعمل، والماء المستعمل نجس عنده
وإلى هذا القول كان يميل القاضي الإمام أبو جعفر الأستروشني، وغيره من مشايخ بخاري قال: بالجواز وجعله كالماء الجاري لكثرة الماء، وتوسع فيه لعموم البلوى وإن كان به قرحة فغسل القيح والدماء عنها، أو غسل النجاسة عن عضو من أعضائه أو ثوبه، أو استنجى في الماء الجاري، أو الحوض الكبير، فإذا تغير الماء لا شك أنه يتنجس موضع التغير، وإن لم يتغير يدخل فيه شبهة قول أبي يوسف- رحمه الله -
وإذا كان على شط النهر أو دق، أو على شط 7 الحوض أو دق، قد سد ذلك واستقر فيه الماء، وهو متصل بماء الحوض والنهر؛ إلا أن جريان الحوض والنهر لا يظهر ? فيه، فتوضأ رجل في ذلك الموضع، إن كان مقدار ما فيه من الماء من حيث الطول ... يبلغ ذراعين ونصفا؛ لا يجوز التوضؤ فيه، وإن كان دون ذلك يجوز؛ لأن ذراعين ونصفا ربع الماء الكثير وهو عشر في عشر، وللربع حكم الكل، فلا يكون تبعًا للحوض والنهر غير أنه ليس بكثير حقيقة حتى
يجوز التوضؤ فيه بطريق الاستقلال؛ إذ لو جاز التوضؤ به فيه لجاز بطريق التبعية، وإذا كان بهذا المقدار لا يكون تبعًا
وفي نوادر المعلى عن أبي يوسف - رحمهما الله ـ: أن ماء الحمام بمنزلة الماء 7 الجاري، إذا أدخل يده
الجزء 1 · صفحة 19
فيه وفي يده قذر لم يتنجس واختلف المتأخرون في بيان هذا القول: ومنهم من قال: ماء الحمام عنده بمنزلة الماء الجاري على كل حال؛ لأجل الضرورة؛ ألا ترى أن الماء الراكد وهو الحوض العظيم ألحق بالماء الجاري على كل حال لأجل الضرورة.
وفي نوادر ابن رستم عن محمد رحمه الله تعالى -: قال: اجتمعت أنا وأبو يوسف ـ رحمهما الله - على أن نحكم على ماء البئر أنه لا ينجس؛ لأنه ماء جار ثم قلنا وما علينا أن نأمر بنزح دلاء على ما جاءت به الآثار حتى نتبع السلف فنكون قد حكمنا فيه بالأمرين
وإنما قلنا: إنه ماء جار؛ لأنه ينبع من جانب ويستخرج من جانب. وقيل: أراد بقوله: ماء جار.، ماء ألحق بالماء الجاري حكمًا؛ لأجل
الضرورة؛ لأن التحرز عن وقوع النجاسة في البئر غير ممكن. وقول محمد - رحمه الله ـ في الآخرة وما علينا أن نأمر بنزح دلاء، يتخايل في الظاهر أنه يناقض أول الكلام؛ لأنه في أول الكلام قال: لا ينجس ولكنه في الحقيقة لا يناقض؛ لأن معنى قوله في أول الكلام، «لا ينجس نجاسة لا يمكن رفعها.
هذا كفتوى أبو حنيفة - رضي الله عنه ـ في المؤمن إذا مات لا ينجس، معناه:
لا ينجس نجاسة لا يمكن رفعها.
وعن أبي يوسف - رحمه الله - في النوادر: إذا وقع الحمار في بئر رجل وأخرج يجب نزح ماء البئر كله.
وعنه أيضًا في النوادر: شاة وقعت في بئر ولم تمت فيها؛ لا ينزح منها شيء وفي السنور: إذا لم تمت تنزح عشر دلاء أو نحو ذلك. وعنه رواية أخرى في الشاة:
أنه ينزح ماء البئر ماء البئر كله، علل فقال: لأن البول الذي يجري على فخذيها ورجليها فيها»، وتأويل القول الأول إذا لم يكن على فخذيها ورجليها بول. إبراهيم عن محمد: لو ماتت فأرة في ماء في طست ثم صب ذلك الماء في بئر نزح منها عشرون دلو ??، وهو قول أبي يوسف - رحمه الله -. وقال في موضع آخر: لو ماتت فأرة في حُبِّ ماء فأريق في البئر ماء الجب. قال محمد رحمه الله ينزح من البئر الأكثر من عشرين دلوا ومن ماء الجب.
وقال أبو يوسف - رحمه الله -: ينزح مثل ماء الجب وثلاثون دلوا. ماء الجب وعشرون دلو. وعنه:
الجزء 1 · صفحة 20
ينزح وروى إبراهيم عن محمد - رحمهما الله - في فأرة، أو هرة، أو دجاجة مخلاة، وقعت في بئر فأخرجت منها حية، قال: إن توضأ منه أجزأه، وأحب إلي أن ينزح منها عشرون دلوا، ولا يكون النزح في شيء من الأشياء أقل من عشرين دلوا، وإن كانت الدجاجة غير مخلاة لم ينزح منها شيء أشار محمد ـ رحمه الله ـ في هذه الرواية أن النزح المستحب لا يكون أقل من عشرين، ففي الخُفَّاش ينزح منه دلاء? فإنه قدر النزح في هذه المسألة بعشرين دلوا، والنزح في هذه المسألة بطريق الاستحباب
وقال عقبه: ولا يكون النزح في شيء أقل من عشرين.
وأبو يوسف ـ رحمه الله - يقول: النزح الواجب لا يكون أقل من عشرين، فأما المستحب، يكون أقل من عشرين ولا يكون أقل من عشرة؛ ألا ترى أن في السنور، قال: ينزح عشر دلاء ونحو ذلك بطريق الاستحباب
قال محمد ـ رحمه الله ـ في الثعلب ونحوه ينزح ماء البئر كله.
وعن أبي حنيفة - رضي الله عنه ـ في كلب أو سنور وقع في ماء ثم خرج حيًا فاعتجنوا منه: لا بأس بذلك.
قال أبو عصمة: إذا أصاب فم الكلب الماء فلا خير فيه.
وعن محمد - رحمه الله - أن الكلب يفسد البئر والسنور لا يفسد؛ لأن دبر
الكلب منقلب فلذلك أفسده
وفي نوادر ابن سماعة عن أبي يوسف - رحمه الله -: رجل جنب نزح ? دلوا
من ماء من بئر فصبه على رأسه، ثم استقى دلوا آخر فتقاطر من جسده في البئر، قال: هذا ليس بشيء، وإن كان الماء المستعمل نجسًا عنده؛ فكأنه أسقط اعتبار نجاسته ضرورة أن التحرز عنه غير ممكن وعن أبي يوسف - رحمه الله -: إذا وجب نزح الماء كله من البئر فعجن من ذلك -: الماء لا تطعم من ذلك بني آدم ولا بأس بإطعامه وإلقائه إلى الكلاب7 والسنانير، ولا بأس برش تلك المياه في الطريق وروي عنه في غير هذه الصورة: يطعم ذلك العجين البهائم ولا يسقي ذلك الماء البهائم، وأشار إلى العلة في الطريق، فقال: لأن ما يدخل عليه من إلقاء الطعام من إطعام البهائم والماء لا بأس بصبه
وفي هذا التعليل: إشارة إلى أن هذا العجين ما لا يلقى في الطريق، والمفسدة في إلقائه في الطريق
الجزء 1 · صفحة 21
أعظم من المفسدة في إطعام الكلاب والسنانير.
والماء يصب في الطريق، والمفسدة في الصب في الطريق دون المفسدة في سقي البهائم.
وسئل الإمام الزاهد أبو الحسن الرستغفني رحمه الله -: عمن قدر على الماء الجاري وماء الحوض فالتوضؤ بأيهما أفضل؟ قال: بماء الحوض؛ لأن مذهب الاعتزال قد ظهر في هذا الزمان وهم لا يرون التوضؤ في الحياض، فنحن نتوضأ بماء الحياض رغمًا لأنفهم
وفي المنتقى: ابن سماعة عن محمد - رحمهما الله تعالى -: رجل على جراحته جبائر فمسها في إناء يريد بذلك المسح عليها؛ لم يجزه وأفسد الماء?. وكذلك إن كانت على أصابع رجليه.
وكذلك لو غمس رأسه في الإناء يريد المسح.
وهذا بناء على أن عند محمد الله – رحمه الله - يصير الماء مستعملاً بإقامة القُرْبَة مسحًا كان أو غسلاً، فيفسد الماء بأول الملاقاة فلا يصلح لإقامة المسح
وعن أبي يوسف - رحمه الله -: لا الماء مستعملاً بإقامة قربة يصير المسح، وإنما يصير مستعملاً بإقامة قربة الغسل، فيصير في المسألة روايتان.
وفيه عن إبراهيم عن محمد - رحمهما الله -: جنب غمس يده في تور فتوضأ؛ لم يفسد الماء، ولو غمسها فيه يريد غسلها ودلكها أفسد الماء، ولو كان على أصابع يده أو كفه جبائر فغمسها في الماء يريد بذلك المسح عليها أجزأه ولا يفسد الماء ? قال: واليد لا تشبه غيرها، فقد أشار إلى اعتبار الضرورة في إدخال اليد. وعن أبي يوسف في الجنب إذا أدخل يده في الإناء لا يفسد الماء،
قال: وكذلك إذا أدخل رجله في الإناء لا يفسد الماء والرجل أفحش من اليد.
والقياس: أن تفسده الأصابع، ولكن ترك القياس في اليد والرجل؛ للضرورة، أما الضرورة في اليد فظاهر، وأما الضرورة في الرجل فلأنه قد يقع شيء في البئر فيحتاج إلى التفتيش في البئر.
الفصل الثاني
في مسائل الوضوء
الجزء 1 · صفحة 22
قال محمد - رحمه الله - في الأصل: إذا أراد الرجل أن يتوضأ يبدأ ويغسل يديه ثلاثًا ويستنجي ويغسل وجهه، ثم يغسل ذراعيه. حكي عن الفقيه أبي جعفر الهندواني - رحمه الله -: في كيفية غسل اليدين عند الوضوء: أنه ينظر إلى الإناء إن كان صغيرًا يمكن رفعه لا يدخل يده فيه بل يرفعه بشماله ويصبه على كفه اليمنى ويغسلها ثلاثا ثم يأخذ الإناء بيمينه ويصب على كفه اليسرى، ويغسلها ثلاثًا.
وإن كان الإناء كبيرًا بحيث لا يمكن رفعه إن كان معه إناء صغير يرفع الماء بذلك الإناء ولا يدخل يده فيه، ثم يغسل يده بالكوز على نحو ما بينا. وإن لم يكن معه إناء صغير يدخل أصابع يده اليسرى مضمومة في الإناء، ولا يدخل الكف ويرفع الماء من الإناء ويصب على يده اليمنى، ويدلك الأصابع بعضها يفعل كذلك ثلاثاً، ثم يدخل اليد اليمنى في الإناء بالغا ما بلغ. وقوله عليه الصلاة و السلام: لا يغمس يَدَهُ في الإِنَاءِ».
هذا النهي عندنا محمول على ما إذا كان الإناء صغيرا، أو كان كبيرا ومعه آنية صغيرة، أما إذا كان الإناء كبيرًا وليس معه آنية صغيرة فالنهي محمول على الإدخال على سبيل المبالغة. واختلف المشايخ في موضع غسل اليدين بعضهم قالوا: يغسلهما قبل الاستنجاء، وبعضهم قالوا بعد الاستنجاء، وبعضهم قالوا: يغسلهما مرتين، مرة قبل الاستنجاء ومرة بعد الاستنجاء.
ثم إذا غسل يديه واستنجى وغسل وجهه يغسل اليدين جملة، أو يغسل الذراعين لا غير؟ ذكر في الأصل غسل الذراعين.
واختلف المشايخ: في موضع غسل اليدين.
بعضهم قالوا: يغسلهما مرتين فيه.
بعضهم قالوا: يغسل الذراعين لا غير؛ لأنه غسل اليدين مرة فلا يلزمه الإعادة.
قال شمس الأئمة السرخسي ـ رحمه الله ـ: الأصح عندي الأصح عندي أن يعيد غسل اليدين ظاهرهما وباطنهما؛ لأن الأول كان سنة افتتاح الوضوء فلا ينوب عن فرض الوضوء، وإنه مشكل؛ لأن المقصود هو التطهير فإذا حصل التطهير بأي طريق حصل، فقد حصل المقصود وهو التطهير، ولا معنى لإعادة الغسل.
الجزء 1 · صفحة 23
والبياض الذي بين العذار وبين شحمتي الأذن يجب غسله عند الوضوء هكذا ذكر الطحاوي في كتابه، قال: وهو الصحيح وعليه أكثر مشايخنا وذكر القدوري أنه يجب غسله عند أبي حنيفة ومحمد رضي الله عنهما
وذكر شمس الأئمة الحلواني - رحمه الله - أن عليه أن يبل ذلك الموضع ليس عليه غيره.
قال - رحمه الله -: وفي غسله ضرب كلفة ومشقة، فالأولى أن يقال: يكفيه أن يبله بالماء بناء على ما روي عن أبي يوسف أن المصلي إذا بل وجهه وأعضاء وضوئه بالماء ولم يسل الماء عن عضوه أنه يجوز ولكن قيل: تأويل ما روي عن أبي يوسف أنه سال من العضو قطرة أو قطرتان ولم يتدارك وإيصال الماء إلى داخل العين ساقط. قد روي عن أبي حنيفة ـ رضي الله عنه -: أنه لا بأس بغسل الرجل وجهه وهو مغمض عينيه.
وروى الحسن: أن أبا حنيفة سئل أيغسل العين بالماء؟ قال: لا. وعن الفقيه أحمد بن إبراهيم: أن من غسل وجهه وغَمَّض عينيه تغميضا شديدًا أنه لا يجوز.
وقيل: فيمن رمدت عينه فرمصت واجتمع رمصها في جانب أنه يكلف بإيصال الماء تحت مجمع مجمع الرمص ويجب إيصال الماء إلى الماق.
تخليل الأصابع:
إذا كانت الأصابع مضمومة وهو يتوضأ من الإناء فرض، وإن كان يتوضأ من الماء الجاري أو في الحياض فأدخل رجله الماء وترك التخليل أجزأه وإن كانت الأصابع مضمومة.
هكذا ذكر الزندوستي في نظمه
وفي شرح شيخ الإسلام: أن تخليل الأصابع قبل وصول الماء إلى ما بين الأصابع فرض وبعده سنة مطلقًا.
وذكر شمس الأئمة الحلواني - رحمه الله -: أن تخليل الأصابع سنة مطلقًا. قال - رحمه الله -: ومن الناس من قال: تخليل أصابع القدم فرض، وإذا كان في كفه بلل يمسح به رأسه.
قال محمد - رحمه الله - في الكتاب: يجزئه البلل.
فالمسح بعض مشايخنا قالوا: إنما يجزئه إذا أخذ ذلك من الإناء ولم يستعمله في عضو أعضاء
الجزء 1 · صفحة 24
الوضوء، فأما إذا كان استعمله في عضو من أعضاء الوضوء فالمسح لا يتأدى بهذا البلل، ولكن هذا خلاف ظاهر ما ذكر.
محمد رحمه الله - فقد ذكر عقيب قوله: «إذا مسح ببلل على كفه أجزأه» وهذا بمنزلة أخذه من الإناء فيمسح به ولو كان المراد من البلل الذي على كفه بلل أخذه من الإناء لم يستقم منه قوله: وهذا بمنزلة أخذه من الإناء». والحاصل: أن البلل إذا بقي في كفه بعد غسل عضو من المغسولات جاز المسح به وإذا بقي البلل في يده بعد مسح عضو من الممسوحات لا يجوز المسح بذلك.
وإذا أخذ البلل من عضو من أعضائه لا يجوز المسح به، مغسولا كان ذلك العضو أو ممسوحًا.
وإذا مسح رأسه بالثلج يجوز، هكذا حكي عن بعض مشايخنا، ولم يفصلوا بين ما إذا كان متقاطرًا أو لم يكن.
نوع آخر من هذا الفصل: في بيان ما ينقض الوضوء وما لا ينقض
مسائل هذا النوع " تنقسم أقسامًا:
قسم في الخارج من غير السبيلين:
إذا بزق وخرج في بزاقه دم، إن كان الغالب هو الدم ينتقض وضوؤه وإن كان أقل من ملء الفم، وإن كان الغالب هو البزاق لا ينتقض وضوؤه، وإن كانا سواء ذكر في بعض المواضع القياس أن ينتقض وضوؤه، وفي الاستحسان لا ينتقض.
وذكر شمس الأئمة: أن الدم والبزاق إذا كانا على السواء، وعامة المشايخ على أن وضوءه بهذا ينتقض، وكان الفقيه محمد بن إبراهيم الميداني رحمه الله - يقول: آمره بالوضوء احتياطا وهو باق على الوضوء الأول، وفي القدوري يقول: وإن استويا أعاد الوضوء استحسانًا واحتياطا» ه. وفي النوادر عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: إذا بزق أو امتخط ورأى في ذلك علقة من الدم؛ لم يكن عليه الوضوء؛ فإن كان الذي يرى من الدم في جميع البزاق أو المخاط أو النخامة فكانت حمرته 7، أو صفرته غالبة على البياض، فعليه الوضوء، وإن كان الذي يرى شبيه غسالة اللحم فلا وضوء عليه.
وذكر هشام عن أبي يوسف - رحمه الله -: إذا اصفر البزاق من الدم فلا وضوء عليه، وإذا احمر ففيه الوضوء.
الجزء 1 · صفحة 25
هشام عن محمد - رحمهما الله -: رجل داخل حلقه علقة فخرج منه دم، قال: إذا كان ملء الفم نقض الوضوء، وإن كان أقل منه لا ينقض الوضوء؛ لأنها في معنى القيء، والحكم في القيء ما ذكرنا.
وإن كان في الفم نقض الوضوء إذا كان الدم غالبًا على البزاق.
العرق المدني: إذا خرج من عضو إنسان، ويسمى بالفارسية رشته لا ينقض وضوءه.
استخرج المشايخ هذه المسألة من مسألة الجامع الصغير صورتها:
دابة سقطت من رأس الجرح لا ينتقض وضوؤه.
والمعنى في تلك المسألة: أن الساقط عن رأس الجرح يولد عن محل الطهارة وهو اللحم فيكون طاهرا، هذا المعنى موجود في العرق المدني وكون الخارج من غير السبيلين نجسا أمر لابد منه لانتقاض الطهارة.
و ذكر محمد - رحمه الله - في الأصل: إذا خرج من الجرح دم قليل فمسحه، ثم خرج أيضا فمسحه وكان ذلك كله قبل أن يسيل، فإذا كان الدم بحال لو ترك ما قد مسح منه سال انتقض وضوؤه، وإن كان لا يسيل لا ينتقض
وكذلك إن ألقى عليه رمادًا أو ترابًا ثم ظهر ثانيا وتربه ثم وثم، فهو كذلك يجمع كله.
قالوا: وإنما يجمع إذا كان في مجلس واحد مرة بعد أخرى، أما إذا كان في يجمع، وكذلك لو وضع عليه خرقة حتى نشف جميع ما خرج فلم يسل عن رأس الجرح؛ فإن كان ما نشف بحيث يسيل بنفسه يجعل حدثا وما لا فلا.
وذكر المعلى عن أبي يوسف - رحمهما الله - إذا زال الدم عن رأس الجرح؛ لا ينتقض وضوؤه حتى يسيل.
ولو غرز رجل إبرة في يده وخرج منه الدم وظهر أكثر من رأس الإبرة؛ لم ينتقض وضوؤه.
قال الفقيه أبو جعفر: كان محمد بن عبد الله يميل في هذا إلى أن ينتقض وضوؤه وراه سائلاً.
وفي فتاوى خوارزم: الدم إذا لم ينحدر عن رأس الجرح، ولكن علا فصار أكثر من رأس الجرح لا ينتقض وضوؤه.
الجزء 1 · صفحة 26
والفتوى في جنس هذه المسائل على أنه لا ينتقض وضوؤه.
وإن عصرت: القرحة فخرج منها شيء كثير وكان بحال لو لم يعصرها لا يخرج منه شيء ينتقض الوضوء، في مجموع النوازل، وفيه نظر.
وفيه أيضًا: جرح ليس فيه شيء من الدم والصديد دخل صاحبه الحمام، أو الحوض فدخل الماء الجرح فعصر الرجل الجرح فسال منه الماء؛ لا ينتقض الوضوء.
والحاصل: أن الخارج من غير السبيلين إنما يكون موجبًا انتقاض الوضوء إذا كان سائلاً، أما إذا لم يكن سائلا؛ لا يوجب انتقاض الوضوء وإذا خرج من أذنه قيح، أو صديد ينظر: إن خرج بدون الوجع لا ينتقض، وإن خرج مع الوجع ينتقض وضوؤه؛ لأنه إذا خرج مع الوجع؛ فالظاهر أنه خرج من الجرح، هكذا حكى فتوى شمس الأئمة الحلواني - رحمه الله -
وذكر هشام في نوادره عن محمد - رحمه الله -: أن الشيخ إذا كان في عينيه رمد، أو عمش ويسيل الدموع منها آمره بالوضوء لوقت كل صلاة؛ لأني أخاف أن يكون يتغير ما يسيل منه صديد أو قيح؛ فإنه قد يكون في الجفون جرح.
وإذا عَضَ شيئًا فرأى عليه أثر الدم من أصول الأسنان فلا وضوء عليه، وكذلك الخلال؛ لأنه ليس بسائل، هكذا ذكر في بعض الفتاوى. وذكر الشيخ الإمام علاء الدين في كتاب الشرحين: أن ? من أكل خبز ا، أو شيئًا من الفواكه، ورأى فيه أثر الدم من أصول أسنانه ينبغي أن يضع إصبعه، أو طرف كمه على ذلك الموضع إن وجد فيه أثر الدم، ينتقض وضوؤه وإلا فلا.
وعن محمد - رحمه الله - فيمن استنثر فخرج من وما أشبهه، فلا وضوء عليه؛ لأن الجروح لم تتحقق، ولو تقطر من أنفه علقا علما مثل العدس وما أشبهه، فلا وضوء عليه؛ لأن الجروح لم تتحقق، ولو تقطر من أنفه قطرة دم؛ فعليه الوضوء.
وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه -: أنه أدخل إصبعه في أنفه وأوعبه، فلما أخرجه، رأى على أنملته دمًا فمسح، ثم قام وصلى».
وتأويله عندنا: إذا بالغ في إيعابه حتى جاوز ما لان من أنفه إلى ما صلب وكان الدم فيما صلب من أنفه وكان قليلاً بحيث لو تركه لا ينزل إلى موضع اللين، ومثل هذا ليس بناقض.
الجزء 1 · صفحة 27
ومما يتصل بهذا الفصل:
الخارج من غير السبيلين إذا لم يكن سائلاً، حتى لو لم يكن حدثًا موجبًا انتقاض الطهارة، هل يكون نجسا؟
فعن محمد رحمه الله -: أنه نجس، وبه كان يفتي الفقيه أبو بكر الإسكاف، والفقيه أبو جعفر - رحمهما الله-
وعن أبي يوسف ـ رحمه الله -: أنه طاهر، وبه كان يفتي الفقيه أبو عبد الله القلانسي، ومحمد بن سلمة، وأبو نصر، وأبو القاسم والفقيه أبو الليث - رحمهم الله - حتى إن هذا الخارج لو وقع في الماء فعلى قول من يقول: هو نجس يتنجس الماء، وعلى قول من يقول: هو طاهر لا يتنجس وكذلك إن كان على جسده نجاسة أقل من قدر درهم يضم هذا الخارج إلى ذلك على قول من يقول: بأنه نجس فيمنع جواز الصلاة، وعلى قول من يقول: هو طاهر لا يضم حتى يمنع جواز الصلاة.
وذكر هشام في نوادره عن محمد - رحمه الله -: أن الشيخ إذا كان في عينيه رمد أو عمش وتسيل الدموع منها أمره بالوضوء لوقت كل صلاة؛ لأني أخاف أن يكون ما يسيل منه صديدا أو قيحا فإنه قد يكون في الجفون جرح.
قسم آخر في الخارج من السبيلين:
حكي عن علي الرازي: في المجبوب إذا ظهر أثر البول منه من الموضع الذي يخرج منه البول قال: ينظر إن كان قادرًا على استمساك البول متى شاء أرسله ومتى شاء أمسكه، انتقض وضوؤه.
وإن كان لا يقدر على إمساكه فلا وضوء عليه بالظهور حتى يسيل؛ لأنه بمنزلة الخارج من الجرح.
ولو نزل البول إلى قصبة الذكر؛ لم ينقض الوضوء، ولو خرج إلى القلفة نقض الوضوء، هكذا ذكر القاضي الإمام الإسبيجابي، وهكذا ذكر القدوري وستأتي رواية أبي حنيفة - رضي الله عنه - بخلاف هذا في مسائل الاغتسال إن شاء الله تعالى.
وإذا تبين الخنثى أنه رجل أو امرأة؛ فالفرج الآخر منه بمنزلة الجرح لا ينتقض الوضوء بما يخرج منه ما لم يسل.
الجزء 1 · صفحة 28
وإذا خرج دبره، إن عالجه بيده أو بخرقة حتى أدخله تنتقض طهارته؛ لأنه يلتزق بيده شيء من النجاسات.
وذكر الشيخ الإمام 4 شمس الأئمة الحلواني رحمه الله -: أن بنفس خروج، يعني خروج الدبر تنتقض طهارته، بخروج النجاسة من الباط إلى الظاهر.
والريح الخارج من قبل المرأة وذكر الرجل يوجب الوضوء، هكذا ذكر
القدوري عن محمد - رحمه الله وبه أخذ بعض المشايخ.
وقال أبو الحسن: لا وضوء فيهما إلا أن تكون المرأة مفضاة فيستحب لها الوضوء.
وكان الشيخ الإمام الزاهد أبو حفص الكبير - رحمه الله - يقول: إذا كانت المرأة مفضاة يجب عليها الوضوء، وإن لم تكن مفضاة لا يجب، وهكذا روى هشام في نوادره عن محمد -رحمه الله-
ومن المشايخ من قال في المفضاة: إذا كان الريح مُنتنا يجب الوضوء، وما لا فلا.
وعن محمد رحمه الله - فيمن استنثر فخرج من أنفه علقا علقا مثل الروث دم وما أشبهه، فلا وضوء؛ لأن الخروج لم يتحقق، ولو تقطر من أنفه قطرة دم فعليه الوضوء.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أنه أدخل في أنفه أنمله فأوعبه فلما أخرجه رأى على أنملته دما فمسحه ثم قام فصلى». تأويله عندنا: إذا بالغ في إيعابه حتى جاوز ما لان من أنفه إلى ما صلب وكان الدم فيما صلب من أنفه وكان قليلا بحيث لو ترك لا ينزل إلى موضع اللين ومثل هذا ليس بناقض. والدودة الخارجة من قبل المرأة على الأقاويل التي ذكرنا هنا. ذكر في نظم الزَّنْدَوستي وفي القدوري: أنها توجب الوضوء وإن خرجت من الدبر أوجبت الوضوء.
وفرق بين الخارج من الدبر وبين الخارج من الجراحات فإن الدودة الخارجة عن رأس الجرح لا تنقض الوضوء.
وكذا إن خرجت الدودة من الإحليل لا ينتقض الوضوء. ذكر في فتاوى خوارزم: وإن خرجت الدودة من الفم، فقد قيل: لا ينتقض وضوؤه، وكذلك الخارجة من الأنف والأذن لا ينتقض وضوؤه. ومن توضأ ورأى البلل سائلاً من ذكره، ينتقض وضوؤه؛ فإن كان الشيطان يريه ذلك كثيرًا ولا يستيقن أنه بلل ماء، أو بلل بول؛ مضى في صلاته ولا يلتفت إليه.
الجزء 1 · صفحة 29
قال شمس الأئمة الحلواني - رحمه الله -: وتأويل هذا في الذي يرى البلل على طرف ذكره وقد استنجى فيحتمل أن يكون من بلل الغسل.
وإن علم أنه خرج من داخل الإحليل فهو حدث.
ومن أصحابنا من قال: وإن علم أنه خرج من ذكره لا ينتقض الوضوء ما لم بول يستقين أنه بول، أو مذي إذا كان قد استنجى.
فقد ذكر في بعض النوادر: أن المُستنجي إذا دخل الماء في ذكره ثم خرج؛ لم ينتقض وضوؤه، فيحتمل أن يكون هذا الخارج من ماء الاستنجاء. قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: والحيلة في قطع هذه الوسوسة: أن ينضح فرجه بالماء، فإذا أراه الشيطان ذلك أحال على الماء.
فقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: شكا إلى جبريل - عليه السلام- عن هذا فأمر "أن ينضح فرجه بالماء"
لكن هذه الحيلة إنما تنفعه إذا كان العهد قريبا بحيث لم يجف البلل أما إذا كان بعيدا و جف البلل ثم رأى بللا؛ يُعيد الوضوء.
قسم آخر: في بيان ما يدخل في البدن ثم يخرج:
فإنه على وجهين:
أحدهما: في السبيلين.
والآخر: في غير السبيلين.
أما الأول: فقال في الأجناس: إذا احتقن الرجل بدهن ثم عاد؛ فعليه
الوضوء.
وإن قطر في إحليله دهنًا ثم عاد فلا وضوء عليه عند أبي حنيفة ـ رضي الله عنه- خلافًا لهما.
وفي المنتقى: إبراهيم عن محمد - رحمهما الله ـ في رجل أدخل عودًا في دبره، أو قطنة في إحليله وغيبها كلها ثم أخرجها أو خرجت بنفسها؛ فعليه الوضوء، ولو كان طرف العود بيده ثم أخرجه؛ لم يجب عليه شيء.
الجزء 1 · صفحة 30
قال: ألا ترى أن الرجل لو أدخل المحقنة ثم أخرجها لم يكن عليه الوضوء، هكذا ذكر، وهذا إذا لم يكن على العود والمحقنة بلة، فأما إذا كان عليهما بلة انتقض وضوؤه وإن كان طرفها بيده.
وكذلك في مسألة القطنة إنما ينتقض الوضوء إذا كان عليها بلة. قال ثمة: ألا ترى أن الرجل يتوضأ فيدخل إصبعه في الاستنجاء ولا ينتقض وضوؤه.
وقال: من استنجى فلم يدخل إصبعه فليس بتنظيف.
قال أبو العباس: يراد به في الشرج الظاهر، فإنه متى جاوز الشرج الظاهر كان ذلك تفتيشًا للنجاسة لا تنظيفًا.
وأما الثاني: فما ذكر في الأجناس: وهو ما إذا صب دهنا في أذنه ومكث في دماغه
يوما ثم سال وخرج فلا وضوء عليه.
وإن خرج من الفم نقض وضوءه.
وذكر هذه المسألة في القدوري، وذكر رواية عن أبي يوسف ـ رحمه الله ـ أنه لو
خرج من فمه فعليه الوضوء.
وأشار إلى أن على قول أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما- وإن خرج من الفم فلا وضوء عليه.
قسم آخر في مسائل النوم، والنعاس، والإغماء، والغشي، والسكر:
النوم مضجعًا إنما يكون حدثًا، إذا كان الاضطجاع على غيره، أما إذا كان الاضطجاع على نفسه لا يكون حدثًا، حتى إن من نام واضعًا أليته على عقبيه وصار شبيه المنكبّ على وجهه واضعًا بطنه على فخذيه، لا ينتقض وضوؤه، هكذا ذكر في صلاة الأثر عن محمد رحمه الله ـ.
وعن علي بن يزيد الطبري، قال: سمعت محمدا - رحمه الله - يقول: من نام منكبا على وجهه لا ينتقض وضوؤه.
وقال أبو يوسف - رحمه الله -: اضطجاعه على نفسه واضطجاعه على غيره في زوال الاستمساك على السواء، فيساويه في انتقاض الطهارة.
وفي القدوري: إذا نام خارج الصلاة على هيئة الساجد لا ينتقض وضوؤه وعن ابن شجاع: أنه
الجزء 1 · صفحة 31
ينتقض، قال القدوري: هذا قوله، ولم يقل به به أحد من أصحابنا.
وذكر الحاكم الشهيد: أن فيه اختلاف المشايخ:
عند بعضهم: لا تنتقض طهارته وهو المشهور.
وعند بعضهم: تنتقض
وذكر شمس الأئمة الحلواني ـ رحمه الله ـ في شرحه: إذا نام في سجود الشكر تنتقض طهارته عند، أبي حنيفة - رضي الله عنه -.
وعند محمد رحمه الله -: لأن عنده سجدة الشكر قربة؛ فصارت كسجدة الصلاة.
وإذا نام قاعدًا مستويًا إليتاه على الأرض، ولكن مستندا إلى جدار أوأسْطُوَانة: ذكر شمس الأئمة الحلواني أن ظاهر المذهب ألا تنتقض طهارته وبه كان يفتي أبو الليث الحافظ، وعبد الله المبارك 2. بن وعن الطحاوي: أنه قال: إن كان بحيث لو أزيل الاستناد سقط، فهو كالمُضطجع، وعلى هذا بعض المشايخ.
وهذا لأنه إذا كان بهذه الصفة فقد وجد زوال التماسك؛ لأنه 5 لم يقعد بقوة نفسه إنما قعد بقوة الأسطوانة والحائط. ولو نام قاعدًا مستوي الجلوس فسقط على الأرض، ذكر شمس الأئمة الحلواني - رحمه الله ـ: أن ظاهر الجواب عند أبي حنيفة - رضي الله عنها: أنه إن انتبه قبل أن يزايل مقعده الأرض في حال سقوطه لم تنتقض طهارته.
وروى الحسن عن أبي حنيفة - رضي الله عنهما -: أنه إذا استيقظ حين يضع جنبه على الأرض فلا وضوء عليه، وإن وضع جنبه على الأرض وهو نائم؛ بطل وضوؤه؛ لأنه وجد شيئًا من النوم مضطجعًا فينتقض وضوؤه
وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - لا ينتقض وضوؤه حتى يسقط: على الأرض قبل أن يتنبه، فإذا سقط ثم انتبه؛ فعلى قول أبي يوسف: لا ينتقض وضوؤه حتى يستقر نائمًا على الأرض
وهكذا روى ابن رستم عن محمد - رحمه الله -.
وعن محمد ? في رواية أخرى: أنه لما اضطجع إذا انتبه، فعليه أن يتوضأ؛ لأنه وجد شيئا من النوم مضطجعا.
الجزء 1 · صفحة 32
وإذا كان المريض لا يستطيع الصلاة إلا مضطجعًا فنام في الصلاة مضطجعًا ينتقض وضوؤه.
قال الفقيه أبو الليث - رحمه الله -: لا ينتقض والأول أصح.
وإذا نام راكبا على الدابة، والدابة عريانة، فإن كان في حالة الاستواء أو الصعود لا تنتقض طهارته؛ لأن مقعده يكون متمكنا على ظهر الدابة، فلا يخاف خروج شيء منه، وهو كما لو كان جالسًا على الأرض ومقعده متمكن من الأرض.
فأما في حال الهبوط تنتقض طهارته؛ لأن مقعده لا يكون متمكنا على ظهر
الدابة في هذه الصورة، فهو بمنزلة ما لو نام على الأرض متمكنا. وفي نوادر إبراهيم عن محمد: إذا قعد في صلاته وإحدى أليتيه على قدمه فنام، فلا وضوء عليه.
قال الحاكم أبو الفضل: هذا بخلاف ما روي عنه في كتاب الصلاة.
والنعاس نوعان: ثقيل: وإنه حدث وخفيف: وإنه ليس بحدث.
والفاصل بينهما: أنه إذا كان يسمع ما قيل عنده فهو خفيف، وإن كان يخفى عليه عامة ما قيل عنده فهو ثقيل، هكذا فتوى شمس الأئمة الحلواني - رحمه الله
والإغماء ينقض الوضوء قليله وكثيره، وكذا الجنون وكذا الغَشْي، وكذا السكر
وحد السكر في هذا الباب: والإغماء ينقض ما هو حده في باب الحد، يعرف الرجل من المرأة عند بعض المشايخ، وهو اختيار الصدر الشهيد -رحمه الله -
والصحيح ما نقل عن شمس الأئمة الحلواني: أنه إذا دخل في بعض مشيته تحرك فهذا سكر، ينتقض به الوضوء.
وكذلك الجواب في حكم الحنث إذا حلف أنه ليس بسكران وكان على كيفيته التي قلنا يحنث في يمينه، وإن لم يكن بحال لا يعرف الرجل من المرأة.
قسم آخر: في مسائل القهقهة
والقهقهة في صلاة الجنازة لا تنقض الوضوء صلاة الجنازة لا تنقض الوضوء، وكذلك القهقهة في سجدة التلاوة لا تنقض الوضوء، وكما أن القهقهة فى الصلاة تنقض طهارة الوضوء تنقض، ولا تنقض
الجزء 1 · صفحة 33
طهارة الاغتسال.
طهارة التيمم والقهقهة من النائم في الصلاة لا تنقض الوضوء؛ لأن القهقهة إنما جعلت حدثًا حكما بشرط أن يكون جناية وفعل النائم لا يوصف بكونه 4 جناية ولكن مع أنه لا ينقض وضوءه يفسد صلاته، هكذا حكي عن ظهير الدين المرغيناني - رحمه الله -
والضحك لا ينقض الوضوء وكذلك التبسم.
وحد القهقهة: أن يكون مسموعًا له ولجيرانه، والتبسم ألا يكون مسموعا له ولا لجيرانه.
والضحك: أن يكون مسموعا ولا يكون مسموعا لجيرانه، والضحك إن كان
لا ينقض الوضوء يفسد الصلاة، هكذا ذكر شيخ الإسلام في شرحه. وذكر شمس الأئمة الحلواني - رحمه الله ـ في شرحه: أنها فوق التبسم ودون القهقهة، لا ذكر له في المبسوط وكان القاضي يحكي عن الشيخ الإمام، أنه كان يقول: إذا ضحك حتى بدت نواجذه، ومنعه عن القراءة والتسبيح فقد انتقض وضوؤه.
قسم آخر في انتقاض الطهارة من غير ظهور الخارج:
قال القدوري في كتابه: لو نزل الدم من الرأس إلى موضع يلحقه حكم الأنف والأذنين نقض الوضوء. ولو نزل البول إلى قصبة الذكر؛ لم
التطهير من ينقض الوضوء
ولو خرج إلى القلفة نقض الوضوء.
وكذلك إذا خرج من فرج المرأة إلى الإسْكَتَين.
ومسألة القلفة تنتقض بالجنب الأقلف إذا اغتسل، وسيأتي مسائل الجنب بعد هذا إن شاء الله تعالى.
الفصل الثالث
في مسائل الاغتسال
غلام ابن عشر سنين له امرأة فجامعها فعليها الغسل ولا غسل عليه؛ لأن جماع الغلام ليس بسبب
الجزء 1 · صفحة 34
لنزول مائه حتى يقام مقام النزول، ولكن يؤمر بالغسل اعتيادًا كما يؤمر بالصلاة.
ولو كان الرجل بالغًا والمرأة مراهقة فعليه الغسل ولا غسل عليها.
خروج المني يوجب الغسل إذا كان الخروج على وجه الدفق والشهوة، غير أن عند أبي حنيفة ومحمد ـ رضي الله عنهما - يعتبر الدفق والشهوة حال انفصال المني عن مكانه الأصلي لا حال ظهوره.
وعند أبي يوسف - رحمه الله - يعتبر حال ظهوره، حتى لو احتلم أو مس بشهوة، فانفصل المني على وجه الدفق والشهوة، لكن أمسكه في قصبة ذكره حتى سكنت شهوته، ثم خرج المني من غير شهوة يجب الغسل عندهما، خلافًا لأبي يوسف. ولو خرج المني من غير شهوة بأن حمل شيئًا أو ضُرب على ظهره فخرج منه المني بسبب ذلك، قالوا لم يذكر محمد - رحمه الله ـ هذه المسألة في الكتب.
وعن أبي يوسف ـ رحمه الله -: لا غسل عليه، وهكذا ذكر القدوري في كتابه.
-
وبعض المتأخرين من مشايخنا نحو شاذان بن إبراهيم، وأبي عبد الله الفلاس، قالوا: يجب عليه الغسل.
ولو اغتسل من الجنابة قبل أن يبول أو ينام، وصلى ثم خرج بقية المني؛ فعليه أن يغتسل عندهما؛ خلافًا لأبي يوسف - رحمه الله ـ ولكن لا يعيد تلك الصلاة في قولهم جميعًا، وبقول أبي يوسف أخذ الفقيه أبو الليث، وخلف بن أيوب - رحمهما الله -.
قال محمد - رحمه الله ـ في السير الكبير: وينبغي للرجل إذا أسلم أن يغتسل غسل الجنابة، وعلل فقال: «لأن المشركين إذا أسلموا لا يغتسلون من7 الجنابة ولا يدرون كيف الغسل من ذلك».
وإنما أراد بما قال الله تعالى أعلم أن من المشركين من لا يدين الاغتسال من الجنابة ومنهم من يدين كقريش وبني هاشم، فإنهم توارثوا ذلك من إسماعيل - عليه السلام إلا أنهم لا يدرون كيفيته، وكانوا ل يتمضمضون ولا يستنشقون، وهما فرضان؛ ألا ترى أن فرضية المضمضة والاستنشاق في الاغتسال من الجنابة قد خفي على كثير من العلماء، فكيف على الكفار؟
فحال الكفار على ما أشار إليه في الكتاب لا يخلو عن أحد وجهين: إما ألا يغتسلوا عن الجنابة؛ أو يغتسلوا عنها، ولكن لا يدرون كيفيتها، وأي ذلك ما كان يؤمرون بالاغتسال بعد الإسلام؛ لبقاء حكم
الجزء 1 · صفحة 35
الجنابة. ثم ... فيما ذكر محمد - رحمه الله - بيان أن صفة الجنابة تتحقق في حق الكفار عند وجود سبب وجوبها، وبه تبين أن ما ذكر بعض مشايخنا: أن الغسل بعد الإسلام مستحب فذلك في حق من لم يكن قبل ذلك أجنب، وبه تبين
أن من قال بأن الجنابة في حق الكفار لا توجب الاغتسال بعد الإسلام؛ لأن الكفار غير مخاطبين بالشرائع غير سديد.
فهذا فصل اختلف فيه المشايخ: أن الكفار هل يخاطبون بالشرائع أو لا يخاطبون بها؟.
فمن قال: يخاطبون بها يقول الغسل يجب عليه في حال كفره، ولهذا لو أتى به يصح، وهذا ظاهر.
ومنهم من قال بأنهم لا يخاطبون بها ينبغي أن يقول بوجوب الغسل بعد الإسلام، ولذلك وجهان:
أحدهما: أن الاغتسال لا يجب بالجنابة، ليقال: إنه وقت وجوب الاغتسال غير مخاطب بالشرائع، وإنما وجوبه بإرادة الصلاة وهو جنب؛ كما أن الوضوء لا يجب لالحدث، وإنما يجب بإرادة الصلاة وهو محدث.
قلنا: وهو عند إرادة الصلاة جنب مُسلم فلذلك يلزمه الاغتسال.
والثاني: أن صفة الجنابة تستدام فاستدامتها بعد الإسلام كإنشائها،
ولهذا قلنا: لو انقطع دم الحيض قبل أن تسلم ثم أسلمت لا يلزمها الاغتسال؛ لأنه لا استدامة للانقطاع حتى يجعل دوامه كابتدائه، فلم يوجد سبب وجوب الاغتسال في حقها بعد الإسلام، لا حقيقة ولا حكما، فلا يلزمها الاغتسال. حقها إذا جامع امرأته فيما دون الفرج فدخل الماء فرجها فلا غسل عليها؛ لأن الغسل إنما يجب بالتقاء الختانين أو بنزول مائها، ولم يوجد شيء من ذلك هاهنا، حتى لو حبلت كان عليها الغسل؛ لأنه نزل ماؤها، وإذا حبلت يجب الغسل من وقت المجامعة حتى يجب عليها إعادة الصلاة من ذلك الوقت، ذكره شمس الأئمة الحلواني - رحمه الله - في شرح صلاة المستغني. وإذا أتى امرأته العذراء لا غسل عليه ما لم ينزل، لأن العذرة تمنع التقاء الختانين.
وإذا استيقظ الرجل فوجد على فراشه، أو فخذه بللاً وهو يتذكر احتلامًا، إن أو مذي، فعليه الغسل، وإن تيقن أنه مني، أو تيقن أنه مذي، أو شك أنه تيقن أنه ودي فلا غسل عليه، إن تيقن أنه وَذي
الجزء 1 · صفحة 36
لا غسل عليه، وإن لم يتذكر الاحتلام، إن تيقن أنه ودي لا غسل عليه، وإن تيقن أنه مني كان عليه الغسل، وإن شك أنه مني أو مذي، قال أبو يوسف: لا يجب الغسل حتى يتيقن بالاحتلام.
وقالا: يجب الغسل، هكذا ذكر شيخ الإسلام - رحمه الله.
فقيل له: ذكره في حَيْرَةِ الْفُقَهَاءِ: رجل احتلم ولم ير بللا ثم استيقظ وصلى صلاة الفجر ثم نزل المني قال: يجب عليه الغسل على قياس هذه المسألة ينتفي أن يقال بخروج المذي بعدما استيقظ يجب الغسل. قال - رحمه الله ـ: ما روينا من ألا الحديث يقتضي يجب الغسل في المسألة جميعا ثم أشار إلى الفرق فقال: إذا نزل المني بعد ما استيقظ فالغسل لا يجب بالاحتمال؛ ولهذا لا يقيد بالشهوة.
وإذا خرج المذي وهو يراه لا يلزمه الغسل؛ لأنه مذي وليس فيه احتمال أنه كان منيا، وتغير؛ لأن التغير في الباطن لا يكون أما في الظاهر قد يكون لاحتمال أنه كان منيا ورق بمرور الزمان.
وفي القدوري: إذا استيقظ ورأى على فراشه بللاً ولم يتذكر الاحتلام؛ وجب الغسل عند أبي حنيفة ومحمد ـ رضي الله عنهما - استحسانًا؛ لاحتمال أنه كان منيًا ورق بمرور الزمان.
أنه وقال أبو يوسف: لا يجب حتى يستيقن أنه مني.
قال القاضي الإمام أبو علي النسفي - رحمه الله ـ ذكر هشام في نوادره عن محمد ـ رحمهما الله -: إذا استيقظ فوجد البلل في إحليله ولم يتذكر حلمًا، إذا كان قبل النوم منتشرًا لا غسل عليه وإن كان قبل النوم ساكنًا كان عليه الغسل، قال: وينبغي أن يحفظ هذا، فإن البلوى كثير فيها والناس عنها غافلون.
والمرأة في الاحتلام بمنزلة الرجل والمذكور في الأصل: إذا احتلمت المرأة لا يجب عليها الغسل حتى ترى مثل ما يرى الرجل.
وروي عن محمد - رحمه الله - في غير رواية الأصول: إذا تذكرت الاحتلام والإنزال والتلذذ ولم تر بللاً كان عليها الاغتسال.
وقال شمس الأئمة الحلواني: ولا يؤخذ بهذه الرواية، فإن النساء يقلن: إن مني المرأة يخرج من الداخل كمني الرجل وهو جواب ظاهر الرواية. وقال الفقيه أبو جعفر - رحمه الله -: إن خرج إلى الفرج الخارج يجب عليها الغسل، وإن زال عن مكانه ولم يخرج عن الفرج الداخل؛ لا غسل عليها. وهكذا دم الحيض ما لم يخرج إلى الفرج الظاهر لا يعطي لها حكم الحيض.
الجزء 1 · صفحة 37
كذا فسر في كتابه: عليها أن تتأمل وتنظر في ذلك إن ابتليت». وفي مجموع النوازل: سئل نجم الدين - رحمه الله - عن رجل استيقظ وهو يتذكر احتلامًا ولم ير بللاً ومكث ساعة فخرج مذي قال: لا يلزمه الغسل، لظاهر الحديث، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: مَنِ احْتَلَمَ وَلَمْ يَرَ بَلَلًا فلا شيء عَلَيْهِ.
فقيل له: ذكر في حيرة الفقهاء»: رجل احتلم ليلا ثم استيقظ ولم ير بللاً فتوضأ وصلى صلاة الفجر ثم نزل المني، قال: يجب عليه الغسل. فعلى قياس هذه المسألة، ينبغي أن يقول: بخروج المذي بعدما استيقظ أن يجب عليه الغسل.
قال - رحمه الله - بما روينا من الحديث يقتضي ألا يجب الغسل في المسألتين جميعًا.
ثم أشار إلى الفرق فقال: إذا نزل المني بعدما استيقظ، فالغسل لا يجب بالاحتلام ولهذا لا يعيد الفجر، ولكن بخروج المني وقد زال عن موضعه بالشهوة.
وإذا خرج المذي وهو يراه؛ لم يلزمه الغسل؛ لأنه مذي، وفيه احتمال أنه كان منيا وتغير؛ لأن التغيير في الباطن لا يكون أما في الظاهر قد يكون.
وفي النوازل: إذا احتلم النائم في المسجد، فإن أمكنه أن يخرج من ساعته خرج واغتسل حتى لا يبقى الجنب في المسجد، وإذا لم يمكنه بأن كان وسط الليل ولم يقدر على الخروج فيستحب له، التيمم، حتى لا يبقى جنبا في المسجد الأقلف إذا اغتسل من الجنابة ولم يدخل الماء داخل القلفة أجزأه، وهذه المسألة التي ترد إشكالا فيما إذا نزل البول وخرج إلى القلفة، ذكر الإمام القاضي الأسبيجابي مسألة الأقلف في الوضوء والغسل: على نحو ما ذكرنا وكل واحد منهما يرد إشكالا على الأخرى.
وفي آخر النوازل: في باب التأويلات عن الفقيه أبي بكر: أنه سئل عن الأقلف إذا لم يدخل الماء في الجلدة في الوضوء والغسل؟ قال: في الوضوء يجزئه، وفي الغسل لا يجزئه.
وعن مقاتل بن حيان عن أبي حنيفة - رضي الله عنهما- أنه إذا نزل البول إلى قلفته انتقض وضوؤه، وإن لم يخرج من القلفة، وإذا أجنب وجب غسل ما وَارَت الجلدة.
ومن المشايخ من فرق بين المسألتين، منهم القاضي الأسبيجابي، فقال:
إذا خرج البول من القلفة ينقض الوضوء، وإذا أجنب لا يجب عليه ما وارت الجلدة، وأشار إلى
الجزء 1 · صفحة 38
الفرق فقال: القلفة ظاهرة من وجه فإنك إذا نزعت الجلدة كانت ظاهرة، وإذا تركت كانت باطنة فصار كالفم فإن الفم إذا فتحت كانت ظاهرة وإذا سدت صارت باطنة ثم في الفم لم يجعل ظاهرًا من كل وجه، ولا باطنا من كل وجه، بل عمل بالدليلين، كذا هنا.
وكان الشيخ الإمام نجم الدين النسفي يقول: القُلفة لها حكم الظاهر من كل
وجه، ومن قاسها على الفم فقد أفسده؛ لأنه إذا أعطى لها حكم الباطن ينبغي يقال: لا ينتقض الوضوء بخروج البول إلى القلفة ما لم يملأ القلفة، كما في الفم، إذا قاء لا ينتقض وضوؤه ما لم يكن يملأ الفم. والله أعلم.
الفصل الرابع
في بيان ما يتم الوضوء والغسل به وما لا يتم
وفي الفتاوى: سئل نصير عمن اغتسل من الجنابة وبين أسنانه طعام فلم يصل الماء تحته؟ قال: أرجو ألا بأس به، ووافقه في ذلك أبو بكر الإسكاف، وهكذا ذكر في فتاوى الفضل.
وفي واقعات الناطفي: أنه لا يجوز الغسل ما لم يبلغ ذلك الطعام ويجري الماء عليه.
سئل الفقيه أحمد بن إبراهيم: عن رجل أجنب فاغتسل ولم يتمضمض إلا أنه شرب الماء، هل يقوم شرب الماء مقام المضمضة؟ قال: نعم.
وهكذا أجاب الشيخ الإمام 0 أبو بكر محمد بن الفضل.
وكان الفقيه أبو جعفر يقول: إن بلغ البلل نواحي الفم على حسب ما يبلغ لو تمضمض يجوز، وما لا فلا.
وعن بعضهم إذا كان الرجل جاهلاً جاز، وإن كان عالما لا يجوز؛ لأنه إذا كان عالما يشرب الماء على وجه السنة يمص مصا، وليس فيه مبالغة،
فيصل الماء إلى جميع فمه.
الجزء 1 · صفحة 39
وإن كان جاهلاً يعب عبا، وفيه مبالغة، فيصل الماء إلى جميع فمه. وعن بعضهم: أن الرجل إذا كان مصريًّا لا يجوز، وإن كان بدويا يجوز؛ لأنه إن كان مصريًّا يمص مصّا، وإن كان بدويا يعب عبا.
وعن محمد - رحمه الله - في المنتقى إن كان الشرب يأتي على يجوز، وإن مص الماء مصا لم يأت على جميع فمه، لم يجز. وإن كان على ظاهر يديه جلد سميك، أو خبز ممضوغ، وقد جف
على يديه فاغتسل من الجنابة ولم يصل الماء إلى ما تحته لا يجوز.
وإن كان على يديه أو أعضاء وضوئه خرء الذباب أو البرغوث، فاغتسل أو توضأ ولم يصل الماء إلى ما تحته يجوز ذكره الإمام القاضي علي السغدي في فوائده.
والفرق: أن في المسألة الثانية الاحتراز عنه غير ممكن، وفي الأولى الاحتراز عنه ممكن.
وإذا بقي العجين في ظفر المرأة، ثم اغتسلت من الجنابة، قال أبو بكر: لا يجزئها، وفي الدرن يجزئها؛ لأن الدرن متولد من هنالك. قال الفقيه أبو الليث - رحمه الله -: وقد قيل في القروي: إذا كان في ظفره شيء أنه يجوز وضوؤه وغسله، وفي المدني لا يجوز؛ لأن القروي يكون في أظفاره الطين وذلك لا يمنع وصول الماء، وأما المدني يكون في أظفاره دسومة، وأنه مانع وصول الماء.
وفي الجامع الأصغر: سئل أبو القاسم عن وافر الظفر الذي يبقى في أظفاره الدرن، أو الذي يعمل عمل الطين، أو المرأة التي صبغت أصبعها بالحناء، أو الصرام، أو الصباغ، قال: كل ذلك سواء، ويجزئهم وضوؤهم؛ إذ لا يستطاع الامتناع عنه إلا بحرج، وهكذا روي عن محمد بن سلمة وعن أبي نصر
الدبوسي - رحمهما الله - والفتوى على الجواز من غير فصل بين المدني والقروي.
سئل نجم الدين النسفي: عن المرأة تغتسل من الجنابة أو الحيض؛ هل تتكلف لإيصال الماء إلى ثقب القرط؟ قال: إن كان القرط فيه وتعلم أن الماء لا يصل إليه من غير تحريك فلا بد من التحريك، وإن لم يكن القرط فيه إن وصل الماء إليه من غير تكلف لا يتكلف وإن لم يصل الماء إليه من غير تكلف يتكلف لإيصال الماء إليه.
وإن كان الماء يصل إليه من غير تكلف لا يتكلف.
وإن انضم الثقب بعد نزع القرط وصار بحيث لا يدخل القرط فيه إلا بتكلف لا يتكلف.
الجزء 1 · صفحة 40
وإن كان بحيث إذا أمرت الماء عليه ? دخله، وإن غفلت عنه لا يدخله، أمرت الماء عليه حتى يدخله. ولا يتكلف إدخال شيء فيه سوى الماء من خشب أو نحوه لإيصال الماء إليه.
وفي عيون المسائل: إذا كان في إصبعه خاتم ضيق؛ فالاحتياط فيه إذا لم ينزعه في الوضوء والغسل أن يحركه ليصل الماء إلى ما تحته.
ذكر بلفظ الاحتياط، وإنه واجب، ذكره في كثير من المواضع، وإن لم يكن ضيقًا لا يجب تحريكه.
وفي النوازل: رجل به قرحة فبرئت وارتفع قشرها وأطراف القرحة موصولة بالجلد إلا الطرف الذي كان يخرج منه القيح فإنه مرتفع ولا يصل الماء إلى ما تحت القشر، فإنه يجزئه وضوؤه وإن لم يصل الماء إلى ما تحته؛ لأنه ليس بطاهر.
وإذا اغتسلت المرأة ولم تنقض شعرها إلا أن الماء بلغ أصول شعرها، يجزئها، هكذا ذكر في الأصل.
ويستوي فيه إن بلغ الماء أثناء شعرها أو لم يبلغ، ومن الناس من قال: إذا لم يبلغ الماء أثناء شعرها لا، يجزئها، وإن بلغ أصول شعرها.
وهذا القائل يقيس شعر رأسها على اللحية، فإنه يجب إيصال الماء إلى أثناء اللحية في الاغتسال ولا يكفي الوصول إلى أصل الشعر فكذا شعر الرأس. وإنما يحتج بحديث جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يضر الجنب ولا الحائض ألا ينقض الشعر إذا اغتسل بعد أن يصل الماء شئون الشعر ـ أي: أصول الشعر.
ولأنها إذا نقضت شعرها احتاجت إلى الضفر ثانيًا فيلحقها بذلك حرج، ربما يتناثر شعرها بسبب ذلك وفيه فساد بخلاف اللحية؛ لأنه لا حرج في إيصال الماء إلى أثناء اللحية فيجب إيصال الماء إلى أثناء اللحية.
قال الفقيه أبو جعفر: لو كانت المرأة منقوضة الشعر يجب إيصال الماء إلى أثناء الشعر، وصار الجواب في شعر الرأس في هذه الصورة نظيرة 4 الجواب في اللحية. وفي متفرقات الفقيه أبي جعفر: سئل الفقيه أحمد بن إبراهيم عن امرأة شدت ضفرها، وكانت تستحكم الفتل، فأجنبت واغتسلت وأفاضت الماء على رأسها إلا أن الماء لم يبلغ شعر عقاصها هل يجزئها؟ قال: لا ذكر لهذه المسألة في الكتب، ولكن
الجزء 1 · صفحة 41
ورد فيها الخبر بأن رسول الله حين علم أم سليم الاغتسال قال: صبي على رأسك ثلاث صبات أو حثيات من ماء مع كل صبة عصرة.
وفائدة اشتراط العصرة: أن يبلغ الماء شعر قرونها.
قالوا: ومن الفقيه على أهل المجلس بذكر هذه المسألة.
واذا دتهن رجله ثم توضأ وأمر الماء على رجليه فلم يقبل الماء لمكان
الدسومات جاز الوضوء.
ومن هذا الجنس:
مسائل الاستنجاء أنه من تمام الوضوء، أو ليس من تمام، وأنه نوعان:
أحدهما بالماء.
والثاني: بالأحجار والأمدار، وما يقوم مقامهما.
والأفضل إتباع الماء الأحجار، وعدد الثلاث في الاستنجاء بالأحجار ليس بأمر لازم، والمعتبر هو الإنقاء فإن أنقاه واحدة كفاه، وإن لم ينقه الثلاث زيد عليه.
اتفق أصحابنا - رحمهم الله - أن من استنجى بالأحجار وأنقاه، له أن يصلي من غير استعمال الماء.
واتفق المتأخرون على سقوط اعتبار ما بقي من النجاسة في حق العرق، حتى لو عرق وسال عرقه لا يمنع جواز الصلاة وإن صار أكثر من قدر الدرهم.
ولم يرو عنهم فيما إذا جلس هذا المستنجي في ماء قليل هل يتنجس؟ وحكي عن الفقيه أبي جعفر أنه قال: إن قيل: لا ينجس، فله وجه، وإن قيل: ينجس، فله وجه، وهو الصحيح.
وأما الاستنجاء بالماء؛ فمن المشايخ من لم يقدر في عدد صبات الماء تقديرا، وفوضه إلى رأي المستنجي، وقال: يغسل إلى أن يقع في قلبه أنه قد طهر.
وبعضهم قدره في الإحليل بالثلاث وفي المقعد بالخمس.
وبعضهم قدره بالسبع.
وبعضهم قدره بالتسع، وبعضهم قدره بالعشر.
الجزء 1 · صفحة 42
ثم الاستنجاء بالأحجار إنما يجوز إذا اقتصرت النجاسة على موضع الحدث، فأما إذا تعدت موضعها بأن جاوزت الشرج، أجمعوا على أن ما جاوز موضع الشرج من النجاسة إذا كانت أكثر من قدر الدرهم أنه يفترض غسلها بالماء ولا يكفيها الإزالة بالأحجار.
وكذلك إذا أصاب طرف الإحليل من البول أكثر من قدر الدرهم يجب غسله. وإن كان ما جاوز موضع الشرج أقل من قدر الدرهم، أو قدر الدرهم إلا أنه إذا ضم مع موضع الشرج كان أكثر من قدر الدرهم فأزالها بالأحجار فأزالها بالأحجار ولم يغسلها؛ فعلى قول أبي حنيفة، وأبي يوسف - رضي الله عنهما - يجوز ولا يكره، وعلى قول محمد: لا يجوز إلا أن يغسله بالماء، وهكذا روي عن أبي يوسف أيضًا.
وإن كانت النجاسة على موضع الاستنجاء أكثر من قدر الدرهم فاستنجى بثلاثة أحجار ... وأنقاها ولم يغسلها بالماء، كان الفقيه أبو بكر - رحمه الله - يقول: لا يجزئه.
وعن ابن شجاع: أنه يجزئه، وهكذا حكي عن الطحاوي، قال الفقيه في الفتاوى و به نأخذ والله أعلم.
الفصل الخامس
المريض إذا عجز عن الوضوء
في: الفتاوى: مريض لا يمكنه التوضؤ، أو التيمم، وله جارية، كان عليها أن توضئه؛ لأنها مملوكته وطاعة المالك واجبة إذا عري عن المعصية، وإن كان له امرأة، لا يجب عليها ذلك؛ لأن هذا ليس من حقوق النكاح، ولكن إن تبرعت بذلك فقد أحسنت؛ لأنها أعانته على الطاعة.
وفيه أيضًا: رجل له عبد مريض لا يستطيع أن يتوضأ يجب على مولاه أن يوضئه، ولو كان له امرأة مريضة لا يجب عليه أن يوضئها.
وفي فتاوى ما وراء النهر: رجل شلت يده اليسرى ولم يجد من يصب الماء عليه عند الاستنجاء قال: لا يستنجي.
وإن قدر على الماء الجاري يستنجي بيمينه.
ولو شلت يداه، قال: يمسح يديه على الأرض ووجهه على الحائط ويجزئه، ولا يدع الصلاة.
ذكر الحسن في الهارونيات: عن أبي حنيفة - رضي الله عنهما- أن الرجل إذا كان مقطوع اليدين من
الجزء 1 · صفحة 43
المرفقين ومقطوع الرجلين من الكعبين يوضئ وجهه ويمس أطراف الكعبين والمرفقين بالماء ولم يجزئه إلا ذلك، وهو قول أبي يوسف وفي الزيادات: الرجل المقطوع إذا بقي منه شيء من موضع الوضوء يفترض غسله وإن كان أقل من ثلاثة أصابع.
ومما يتصل بهذا الفصل:
الممنوع عن الوضوء من جهة العباد.
سئل أبو بكر عمن قال لغيره: إن توضأت قتلتك، جاز له أن يتيمم ويصلي. قال الفقيه: ولكن ينبغي له أن يعيد؛ لأن هذا منع جاء من جهة العباد فلا يؤثر في سقوط فرض الوضوء؛ كمن حبس في السجن فصلى بالتيمم؛ فإنه يجزئه إذا لم يجد الماء، ولكن يعيد الصلاة إذا خرج.
قال: وكذلك كل منع وجد من جهة العباد حتى قال في الفتاوى: أسير منعه أن يعيد الكفار من الوضوء والصلاة يتيمم ويومئ، فإذا خرج، قال الفقيه: ينبغي أن يعيد الصلاة.
الفصل السادس
في التيمم
قال محمد رحمه الله ـ في الأصل في صفة التيمم يضرب يديه على الأرض ضربة وينفضهما ويمسح بهما وجهه، ثم يضرب ضربة أخرى وينفضهما ويمسح بهما كفيه وذراعيه إلى المرفقين، ولم يذكر
نصا أنه يضرب ظاهر كفيه على الأرض أو باطنهما، وأشار إلى أنه يضرب باطنهما، فإنه قال في الكتاب: لو ترك المسح على ظاهر كفيه لا يجوز، وإنما يكون تاركًا المسح على ظاهر كفيه إذا ضرب باطن كفيه على الأرض. وعن أبي يوسف في الأمالي: قال: سألت أبا حنيفة ـ رضي الله عنهما- عن كيفية التيمم، قال: يضرب يديه على الصعيد ثم يمسح وجهه، ثم أعاد كفيه جميعًا على الصعيد ثم أقبل بهما وأدبر ثم رفعهما ونفضهما ثم يمسح بكل كف الذراع الأخرى
وتكلموا في قوله: أقبل بهما وأدبر.
بعضهم قالوا يفعل هكذا حتى ينظر أن التراب هل التصق بيده حتى يزيله. والأصح: أنه يضرب بباطن كفيه وظاهره على الأرض، وهذا نص رواية أخرى، بخلاف ما أشار إليه محمد - رحمه الله -
الجزء 1 · صفحة 44
قال مشايخنا: الأحسن في مسح الذراعين: أن يمسح بثلاثة أصابع يده اليسرى أصغرها ظاهر يده اليمنى إلى المرفقين، ويمسح المرفق ثم يمسح باطنهما بالإبهام والمسبحة إلى رؤوس الأصابع، وهكذا يفعل باليد اليسرى. ولو تيمم بجميع الكف والأصابع من غير أن يراعي الكف والأصابع يجوز. قال المعلى في روايته: يمسح ذراعيه إلى الرسغ وفي صلاة الأصل: النفض في كل مرة يرفع يديه من الأرض، مرة واحدة. وقال أبو يوسف ـ رحمه الله - في صلاة الأثر: إذا رفع يديه من الأرض نفضهما نفضتين، فمسح بهما وجهه ولم يخلل - يعني: اللحية وفي الوضوء يخلل اللحية استحسانًا عنده.
ذكر الكرخي في كتابه: أن استيعاب العضوين بالتيمم واجب في ظاهر الرواية
عن الحنيفة، حتى لو ترك المُتيمم شيئًا قليلاً من مواضع التيمم لا يجزئه؛ لأن التيمم قائم مقام الوضوء، ولو ترك المتوضئ شيئًا قليلاً من مواضع الوضوء لا يجزئه كذا هاهنا.
وعن محمد ـ رحمه الله ـ في النوادر: ما يؤيد ما ذكره الكرخي؛ فإنه قال: إذا لم يدخل الغبار بين أصابعه فعليه أن يخلل أصابعه وفي هذه الحالة يحتاج إلى ضربات ثلاث: ضربة للوجه، وضربة لليدين، وضربة التخليل للأصابع وعلى ما روى أبو يوسف عن أبي حنيفة - رضي الله عنهما- أنه يضرب بباطن كفيه وظاهرهما، يحتاج إلى أربع ضربات.
ومسألة «النوادر» دليل على أنه إذا كان في إصبعه خاتم ضيق أو في يد المرأة سوار فلم ينزع في حالة التيمم أنه لا يجوز.
وروى الحسن عن أصحابنا - رحمهم الله -: إذا ترك أقل من الربع يجزئه. وروي عن محمد- رحمه الله - ما يخالف رواية الحسن، فقد روي عنه: أنه لو ترك المسح على ظاهر الكف لا يجزئه وظهر الكف أقل من الربع قال الفقيه أبو جعفر: ظاهر الرواية ما رواه الحسن أن المتروك لو كان أقل من الربع: يجزئه، ويخرج مسألة ظهر الكف، أن الكف عضو على حدة، وظاهر الكف لا يكون أقل من الربع فعلى رواية الحسن يحتاج إلى الفرق بين التيمم وبين الوضوء.
والفرق: أن حكم الوضوء أغلظ من حكم التيمم، ولهذا شرع التيمم في عضوين والوضوء في أربع.
واختلف العلماء في وجوب التيمم في الذراعين.
قال الشافعي رحمه الله في القديم: لا يجب، وهو قول مالك، والأوزاعي.
الجزء 1 · صفحة 45
يعفي في التيمم القليل، إظهارًا لخفته، وقدر الكبير بالربع.
وكان الصدر الشهيد يفتي بأن الاستيعاب شرط وكان يفتي بعدم الجواز في، الخاتم والسوار، وكان يفتي - أيضًا بعدم الجواز فيما إذا لم يمسح الحاجبين و4 فوق العينين.
وإذا كان عامة بدن الجنب جريحًا وشيء منه صحيح، أو كان عامة أعضاء المحدث جريحًا وشيء منه صحيحًا، فإنه يتيمم، ولا يستعمل الماء فيما كان صحيحًا، وإن كان على العكس فإنه يغسل الصحيح ويمسح على الجراحة؛ وهذا لأنه اجتمع ما يوجب الغسل وما يوجب التيمم فلا وجه إلى الجمع؛ لأنه يؤدي إلى الجمع بين الأصل والبدل فصرنا إلى الترجيح ورجحنا بالكثرة، وإن
استويا فلا، رواية في هذا الفصل من مشايخنا؛ من قال: يتيمم ولا يستعمل الماء.
ومنهم من قال: يغسل ما كان صحيحًا ويمسح على الباقي إذا كان المسح لا يضره ثم اختلف المشايخ في حد الكثرة.
فمنهم من اعتبر الكثرة في عدد الأعضاء لا الكثرة في نفس العضو.
بيانه: أنه إذا كان برأس المحدث ووجهه ويديه جراحة والرجل صحيح؛ فإنه يتيمم؛ سواء كان الأكثر من الأعضاء المجروحة جريحة أو أقل.
ومنهم من اعتبر الكثرة في نفس العضو فقال: إن كان الأكثر من كل عضو من أعضاء الوضوء جريحًا كان كثيرًا فيجزئه التيمم وما لا فلا.
سئل الشيخ الإمام السغدي: عن رجل ضرب يديه على الأرض للتيمم ورفعهما فقبل أن يمسح بهما وجهه وذراعيه أحدث بضرط أو ريح أو نحوهما ثم يمسح بهما وجهه هل يجوز ذلك التيمم؟ قال: وقعت هذه المسألة أيام أستاذنا، قال القاضي الإمام المنتسب إلى أسبيجاب 7: يجوز التيمم، بمنزلة من ملأ كفيه ماء فأحدث ثم استعمله في بعض أعضاء الوضوء أليس أنه يصح ذلك؟ كذا هاهنا. وقال السيد الإمام الأجل أبو شجاع - رحمه الله -: لا يجوز؛ لأن الضربة من التَّيَمُّمُ قال – صلى الله عليه و سلم -: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لليَدَيْنِ». فقد أتى ببعض التيمم ثم أحدث فينقضه، كما ينقض الكل إذا حصل بعد الكل، بمنزلة الوضوء إذا حصل الحدث في خلاله ينقض ما وجد؛ كما إذا حصل بعد تمامه ينقض الكل.
الجزء 1 · صفحة 46
وفي الفتاوى: لو تيمم الجنب لصلاة الجنازة، أو لسجدة التلاوة؛ جاز أداء المكتوبة بذلك التيمم.
ولو تيمم لقراءة القرآن أو لمس المصحف أو لدخول المسجد لا يجوز له أن يصلي بذلك التيمم.
قوله: «أو لسجدة التلاوة.» دليل على أن التيمم لسجدة التلاوة جائز.
وفي القدوري: أن التيمم لسجدة التلاوة لا يجوز.
وفي صلاة المستغني لو تيمم لسجدة الشكر على قول أبي حنيفة، وأبي: يوسف - رضي الله عنهما -: لا يصلي المكتوبة بذلك التيمم
وعند محمد: يصلي بناء على أن سجدة الشكر قربة عنده خلافا لهما.
وفي العيون: رجل يرى الوتر ركعة أو التيمم إلى الرسغ ثم يرى الوتر ثلاثا والتيمم إلى المرفقين لا يعيد ما صلى، وإن فعل ذلك من غير أن يسأل أحدا، ثم سأل فأمر بثلاث يعيد ما صلى؛ لأنه في الأول مجتهد وفي الثاني لا.
في فتاوى أبي الليث - رحمه الله - المسافر إذا وجد ماء موضوعًا في الجب وغيره جاز له أن يتيمم؛ لأنه موضوع للشرب عادة، والموضوع للشرب لا يتوضأ به، فلم يقدر على ماء يجوز له التوضؤ به فيجوز له التيمم.
قال: إلا إذا كان الماء كثيرًا فيستدل حينئذ على أنه موضوع للشرب والوضوء به، فحينئذ لا يجوز له التيمم لأنه قدر على ماء يجوز التوضؤ به.
وهذا بخلاف ما لو وضع للتوضؤ، فإنه يجوز أن يشرب منه.
وكان الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل - رحمه الله - يقول: الماء الموضوع يشرب الناس منه، إذا توضأ به رجل حل له ذلك ولو كان وضع ليتوضأ الناس به لا يحل له أن يشرب منه.
فعلى قياس قوله: إذا وجد ماء وضع ليشرب الناس منه لا يجوز له التيمم.
وفي الفتاوى: المريض إذا أقعده المرض بحيث لا يستطيع الحركة، إن كان له خادم، أو عنده من المال ما يستأجر به أجيرًا، أو بحضرته من المسلمين من لو استعان به على الوضوء أعانه، وهو بحال لو وضأه لا يدخله ضرر لا يجوز له التيمم.
الجزء 1 · صفحة 47
وقيل عند أبي حنيفة - رضي الله عنه- يجوز له التيمم. قال الفضلي وهو الصحيح من مذهبه، فإن من أصله: ألا يعتبر قادرًا بقدرة غيره حتى قال لا تجب الجمعة على الأعمى وإن وجد قائدا يقوده.
وعن هذا قلنا: إن على قوله: المريض إذا كان في مكان نجس ولا يمكنه التحول، وهناك من يحوله، فصلى في ذلك المكان يجوز.
وقلنا المريض: إذا كان لا يمكنه التوجه إلى القبلة وعنده من يوجهه فصلى إلى غير القبلة يجوز عنده. وإذا تيمم بالملح إذا كان مائعا؛ لم يجز، وكذلك السبخة إن كانت مائية لا يجوز التيمم بها.
وإن كان الملح جبليا، والسبخة أرضية؛ جاز التيمم بهما عند أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما ـ خلافًا لأبي يوسف ـ رحمه الله ـ بناء على أن عند أبي يوسف ـ رحمه الله - لا يجوز إلا بالتراب والرمل في رواية.
وفي رواية لا يجوز إلا بالتراب. قال محمد - رحمه الله ـ في الأصل: المسافر الذي لا يجد الماء ينتظر إلى آخر الوقت، وإذا خاف فوت الوقت تيمم.
وفي القدوري: ويؤخر المسافر الصلاة إلى آخر الوقت إذا كان على طمع من وجود الماء.
ومعناه: إذا كان يرجو وجود الماء وهو الصحيح، حتى إذا كان لا يرجو وجود الماء لا يؤخر الصلاة عن الوقت المستحب إذ لا فائدة في التأخير.
قال القدوري: وهو استحباب وليس بحتم
وروي عن أبي حنيفة، وأبي يوسف - رضي الله عنهما ـ أنه حتم، وهذا إذا كان الماء بعيدا؛ فأما إذا كان الماء قريبا لا يتيمم، فإذا خاف خروج الوقت،
قال الفقيه أبو جعفر في غريب الرواية: أجمع أصحابنا الثلاثة - رحمهم الله - على هذا.
وعن محمد - رحمه الله ـ في حد القريب: أنه إذا كان بينه وبين الماء دون ميل، قريب، ولا يجزئه التيمم، وإن كان أكثر من ذلك فهو بعيد والميل ثلث فرسخ.
وقال الحسن بن زياد - رحمه الله -: الميل إنما يكون بعيدًا إذا كان على يمينه أو على يساره أو خلفه حتى يصير ميلين ذهابًا، ومجيئًا، فأما إذا كان قدامه فتعتبرميلين.
وفسر ابن شجاع الميل بثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع9 إلى أربعة آلاف ذراع.
الجزء 1 · صفحة 48
وفسر الغلوة بثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة ذراع.
وعن أبي يوسف أن الماء إذا كان بحيث لو ذهب إليه وتوضأ تذهب القافلة وتغيب عن بصره فهو بعيد ويجوز له التيمم وهذا أحسن جدًا. وإن خرج من مصره وليس بمسافر ولم يجد ماء وكان نائيا من المصر جاز له التيمم.
وتكلموا في تقدير النائي، بعضهم قدره بالميل.
وبعضهم بالفرسخ.
أذان البلدة فيه.
وبعضهم بما لو خرج مسافرًا وبلغ ذلك الموضع قصر الصلاة.
وبعضهم: قدره بما إذا كان بحيث لا يسمع أذان البلدة فيه.
وبعضهم قدره بما إذا كان بحيث لا يسمع أصوات الناس.
وبعضهم قدره: بما إذا كان بحيث لو نودي من أقصى المصر لا يسمع.
ومن الناس من قال: لا يجوز التيمم لمن خرج من المصر إلا إذا قصد سفرًا صحيحًا.
ولو أصابه غبار فنوى به التيمم حالة الإصابة، ومسح به وجهه وذراعيه والغبار عليه؛ أجزأه في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه- ذكره في إملاء أبي يوسف رواية ابن سماعة - رحمهما الله -.
في التيمم وفي صلاة الأصل: لو أصاب وجهه وذراعيه غبار، لم يجزئه من التيمم.
قال أصحابنا: تأويله أنه لم يمسح وجهه وذراعيه، فأما إذا مسح جاز، وقد نص على هذا التأويل في كتاب الصلاة لمعلّى فقال: لو كنس دارًا، أو هدم أو حائطا أو كال حنطة فأصاب وجهه وذراعيه غبار؛ لم يجزئه ذلك عن ذلك عن التيمم حتى يمر بيده عليه.
ثلاثة نفر في السفر جنب، وحائض طهرت من الحيض، وميت، ومعهم من الماء قدر ما يكفي لأحدهم، إن كان الماء لأحدهم فهو أحق به، وإن كان الماء لهم لا ينبغي لأحدهم أن يغتسل؛ لأن للميت نصيبًا وإن كان الماء مباحًا فالجنب أحق به وتتيمم المرأة؛ لأن غسل الجنب فريضة ويمكنه الإمامة، وغسل الميت ليس بفريضة فيتمم الميت ويصلي الرجل وتقتدي به المرأة بالتيمم، ولو كان مكان الحائض محدثا
الجزء 1 · صفحة 49
يصرف الماء إلى الجنب؛ لأن في كون التيمم مزيلاً للجنابة خلافًا، فإن عمر وابن مسعود - رضي الله عنهما- لا يريان التيمم للجنب، فكان الصرف إلى الجنابة أولى.
وفي طهارات الواقعات جنب، مسلم وميت مسلم ووجد من الماء ما يكفي لأحد الأمرين، يغتسل الجنب وييمم الميت؛ لأن الغسل من الجنابة ثبتت فرضيته بالكتاب وغسل الميت ثبت بالسنة فكان دونه.
ويجوز التيمم لصلاة الجنازة إذا كان مقتديًا وهو يخاف الفوت؛ فإن كان إماما، أو كان حق الصلاة له؛ جاز التيمم له أيضًا، هكذا ذكر في النوادر.
وعن أبي حنيفة - رضي الله عنه - برواية الحسن: أنه لا يجوز له التيمم؛ لأنه لا يخشى الفوات؛ لأن الناس ينتظرونه ولو لم ينتظروه أجزأه.
قال شمس الأئمة - رحمه الله -: الصحيح هذا أما في ظاهر الرواية فيجوز له التيمم.
الفصل السابع
في المسح على الخفين
قال محمد - رحمه الله - في الأصل: إذا لبس الجرموقين فوق الخفين فهذا على وجهين إن كان الجرموقان من الكرباس، أو ما يشبه الكرباس، أو كانا من الأديم أو ما يشبه الأديم.
فإن كانا من كرباس، أو ما يشبه الكرباس؛ فإنه لا يجوز المسح عليهما إلا أن الكرباس يكونا رقيقين بحيث يصل البلل إلى ما تحتهما؛ لأن الجرموق إذا كان من أو ما يشبهه لا يمكن قطع السفر وتتابع المشي به، فلا يجوز المسح عليهما كما لو لبسهما على الانفراد.
وإن كان الجرموقان من أديم، أو ما يشبهه، أجمعوا على أنه إذا لبس الجرموقين بعد ما أحدث، قبل أن يمسح على الخفين، أو بعد ما أحدث الخفين أنه لا يجوز المسح على الجرموقين.
وأما إذا لبس الجرموقين قبل أن يحدث؛ جاز المسح على الجرموقين عندنا، و به ورد الأثر عن رسول الله له؛ فقد روى عنه المغيرة بن شعبة: «مسح أنه على الموقين».
والموق هو: الجرموق.
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أن عمر - رضي الله عنه ـ: «مسح على جرموقيه ثم قام فصلى المغرب؛ ولأنه بمعنى الخف يمكن قطع السفر به فيجوز المسح عليه.
الجزء 1 · صفحة 50
وحاصل مذهب أصحابنا - رحمهم الله - أنه متى لبس الجرموق على الخف قبل الحدث فالجرموق يصير بدلا عن الرجل ولا يصير بدلا عن الخف، فلا يؤدي إلى أن يكون للبدل بدل ومتى لبس الجرموق على الخف بعد الحدث فالجرموق يصير بدلا عن الرجل ولا يصير بدلا عن الخف فلا يؤدي إلى أن يكون للبدل بدل، ومتى لبس الجرموق على الخف بعد الحدث فالجرموق يصير بدلا عن الخف، فلو جاز المسح على الجرموق أدى إلى أن يكون للبدل بدل، فإنه لا يجوز.
وإن مسح على جرموقيه ثم نزعهما، مسح على خفيه - يعني: يعيد المسح على خفيه - فرق بين هذا وبين ما إذا مسح على خف ذي طاقين ثم نزع أحد طاقيه فإنه لا يمسح على ما ظهر تحته.
وكذلك إذا مسح على خفيه فتقشر جلد ظاهر الخفين ثم رفعه فإنه لا يلزمه إعادة المسح، وكذلك إذا كان الخف مُشعرًا كالخف اليماني فمسح على ظاهر الشعر، ثم حلق الشعر فإنه لا يلزمه إعادة المسح.
والفرق: أن الخف إذا كان ذا طاقين وكل طاق متصل بالآخر غير مزايل عنه فيصيران بحكم الاتصال كشيء واحد؛ كالشعر مع بشرة الرأس اعتبرا شيئًا واحدًا؛ لحكم الاتصال، حتى كان المسح على شعر الرأس كان المسح على البشرة كذلك هاهنا.
وجعل المسح على أحد الطاقين كالمسح على الطاق الآخر، فالممسوح لم يزل عنه من حيث الحكم والاعتبار، فلم يجب إعادة المسح، فأما الجرموق فغير متصل بالخف، بل هو مزايل عنه فلا يجعل المسح على الجرموق كالمسح على الخف، فالممسوح زال حقيقة وحكما فيحل الحدث بما تحته فيلزمه إعادة المسح كما لو أحدث في هذه الحالة.
وإن مسح على جرموقيه ثم نزع أحدهما فإن عليه أن يعيد المسح على الخف البادي وعلى الجرموق الباقي، هكذا ذكر في ظاهر الرواية.
ووقع في بعض نسخ كتاب الصلاة: أنه يخلع الجرموق الباقي، ويمسح على الخفين.
وهكذا روي عن أبي يوسف - رحمه الله - في غير رواية الأصول.
ووجه ذلك: أن الحدث حل بالخف البادي فيحل بالخف الآخر؛ لأن حلول الحدث لا يتجزأ؛ ألا ترى أنه لو كان نزع أحد خفيه حتى حل الحدث بالرجل البادي حل بالرجل الآخر حتى لزمه غسل الرجلين كذا هاهنا.
الجزء 1 · صفحة 51
ووجه ما ذكرنا ما ذكرنا في ظاهر الرواية أن الحدث إنما حل بالخف البادي لزوال المانع وهو الجرموق، هذا المعنى معدوم في الخف الآخر، فلا يحل الحدث بالخف الآخر وإنما يحل بالجرموق الذي على الخف الآخر، فلزمته إعادة المسح على الجرموق الذي على الخف الآخر؛ لأن المسح انتقض في حق الخف البادي فينتقض المسح في حق الجرموق الآخر؛ لأن انتقاض المسح لا يتجزأ.
وكان القياس فيما إذا نزع أحد خفيه ألا يحل الحدث بالرجل الأخرى؛ لقيام المانع به، لكن سقط اعتبار القياس ثمة لضرورة، وهو ألا يصير جامعا بين البدل والمُبدل وهذه الضرورة معدومة فيما نحن فيه فبقي المانع مُعتبرًا. وهذه المسائل كلها دليل على أن من لبس الجرموقين فوق الخفين ومسح على الجرموقين ثم أحدث ونزع الجرموقين جاز له المسح على الخفين.
في النوازل: من أنكر المسح على الخفين يخاف عليه الكفر؛ لأنه ورد فيه ما يشبه المتواتر من الأخبار.
قال: وكتبت في السمرقنديات على قياس قول أبي يوسف ـ رحمه الله - يكفر؛ لأن حديث المسح على الخفين بمنزلة المتواتر، ومن أنكر المتواتر يكفر.
وعلى قول محمد - رحمه الله -: لا يكفر؛ لأنه بمنزلة الآحاد، ومن أنكر الآحاد لا يكفر.
قيل لمحمد: بم جوزت المسح على الخفين إذا كان خبر المسح من أخبارالآحاد؟ وفيه نسخ الكتاب ونسخ كتاب الله بأخبار الآحاد لا يجوز.
قال: ما نسخت به کتاب الله تعالي بل خصصت به کتاب الله تعالى، يريد به تخصيص الحال، وهذا لأن الله تعالى أمر بغسل الرجلين عاما فعم حال الستر والكشف، فجاء هذا الحديث وبين أن الأمر بالغسل مختص بحالة الكشف، وتخصيص الكتاب بالآحاد جائز عندي.
وتفسير المسح على الخفين: أن يمسح ما بين الأصابع إلى الساق ويفرج بين أصابعه قليلاً.
وعن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة - رضي الله عنهما ـ المسح على ظهر قدميه من أطراف الأصابع إلى الساق.
وفي الزيادات: لو مسح على الخف على غير ظاهر القدم لا يجوز.
وفي فوائد الشيخ الإمام الزاهد أبي الحسن الرستغفني ـ رحمه الله -: سئل عن المسح على الخفين يراه الرجل إلا أنه يحتاط وينزع خفيه عند كل وضوء ولا عليهما؟ فقال: أحب إلي أن يمسح على خفيه،
الجزء 1 · صفحة 52
إما لنفي التهمة عن نفسه؛ لأن الروافض لا يرون المسح، فالناس يتهمونه أنه من جملة من لا يرى المسح على الخفين
وإما لأن الآية، وهي قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين) قرئت بقراءتين بالنصب والخفض، فينبغي أن يغسل رجليه حال
وفي الفتاوى: إذا لبس مِكْعَبًا لا يرى من كعبيه إلا قدر إصبع أو إصبعين جاز المسح عليه.
وقد ذكر في الزيادات: إذا كان معه خف لا ساق له وأجاب على نحو ما ذكرنا.
والخف الذي لا ساق له، يراد به المكعب.
نزع الماسح خفه عن إحدى رجليه ينتقض مسحه، وكذلك إذا نزعه حتى بلغ إصبعه موضع الكعب انتقض مسحه عندنا.
وفي كتاب الصلاة لأبي عبد الله الزعفراني ـ رحمه الله ـ: رجل أعرج، يمشي على صدر قدميه وقد ارتفعت عقبه عن عقب الخف، أو كان لا عقب للخف وصدر قدميه في الخف، أو رجل صحيح أخرج عقبه من عقب الخف إلا أن مقدم قدمه في الخف في موضع المسح له أن يمسح ما لم يخرج صدر قدمه من الخف إلى الساق.
ولفظ القدوري: إذا نزع القدم من الخف إلى الساق بطل المسح.
وروي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنه إذا خرج أكثر العقب من موضعه بطل المسح وذكر ثمة أصلاً فقال: إذا صار بحال يتعذر معه المشي المعتاد بطل المسح؛ لأن اللبس وقع له.
المسح على الجوربين إذا كانا من جلد يجوز بالاتفاق، سواء لبس معهما النعلين.
أو لم يلبس، وكذلك إذا كانا من صوف أو شعر؛ إن كانا مجلدين يجوز المسح عليهما بالاتفاق.
وإن كانا من صوف أو شعر، ولم يكونا مجلدين، أو منعلين لم يجز عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -.
وعندهما يجوز إذا كانا ثخينين.
وروي محمد بن سلمة: أن أبا حنيفة - رضي الله عنه مسح على جوربيه قبل موته بثلاثة أيام، ورجع
الجزء 1 · صفحة 53
إلى قولهما.
قال الصدر الشهيد - رحمه الله -: وعليه الفتوى.
وفي صلاة المستغني: إذا كان الرَّجُجُل مقطوع الأصابع وبعض خفه خال من القدم فمسح عليه، ينظر: إن وقع المسح على المشغول مقدار ثلاثة أصابع جاز وإلا فلا، وكذلك لو كان الخف واسعًا وبعضه خال عن القدم.
وذكر أبو علي الدقاق ـ صاحب كتاب الحيض: رجل لبس خفين ولبس فوقهما جرموقين واسعين يفضل من الجرموق على الخف قدر ثلاثة أصابع، فمسح على تلك الفضلة؛ لم يجزه، وإن قدم رجله إلى تلك الفضلة ومسح عليه ثم زال رجله عن ذلك الموضع أعاد المسح.
قال الناطفي في هدايته: وصفة الخف الذي يجوز المسح عليه ما يمكن تتابع المشي به عادة.
وما لا يمكن تتابع المشي به عادة لا يجوز المسح عليه.
والخرق القليل في الخف لا يمنع تتابع المشي به في العادة؛ فلا يمنع والكبير يمنع؛ لأنه لا يمكن تتابع المشي في مثله عادة.
وقدر الكبير بثلاثة أصابع الرجل أصغرها هكذا ذكر في بعض المواضع.
وفي بعض المواضع قدره بالإبهام وجارتيه وهذا في الخرق المنفرج الذي يرى ما تحته من الرجل.
أما إذا كان الخرق طويلاً يدخل فيه ثلاثة أصابع أصغرها وإن أدخلت ولكن لا يرى شيء من الرجل لا يمنع المسح.
وفي صلاة الأثر عن محمد بن الحسن - رحمه الله -: خف فيه فتق مفتوح وبطانة الخف من خرقة أو غيرها لم ينفتق مخروزًا في الخف جاز المسح، وإذا كان الخرق مضمومًا إذا مشي لا ينفتق جاز المسح، وإن كان إذا مشي ينفتح لا يجوز المسح عليه.
وإذا كان الرجل مقطوع الأصابع من الرجل وفي الخف خرق، اختلف المشايخ فيه: منهم من قال: يقدر الخرق بأصابع غيره.
ومنهم من قال تعتبر أصابعه لو كانت قائمة.
الجزء 1 · صفحة 54
وإذا مسح خفه ببلل في يده والبلل ليس بقاطر يجزئه إذا لم يكن البلل مستعملاً؛ لأن الواجب هو المسح في اليدين.
وعن هذا قال أصحابنا: إن من مسح رأسه بالثلج يجوز ولم يفصلوا بين ما إذا كان البلل متقاطرًا أو لم يكن.
إذا مسح رأسه أو خفه برؤوس أصابعه؛ فإن كان الماء متقاطرًا يجوز، وإن لم مسح يكن متقاطرًا لا يجوز؛ لأنه إذا كان متقاطرًا ينزل الماء من أصابعه إلى رؤوسها، فإذا مده كان كأنه أخذ ماء جديدًا.
وإذا مسح بإصبع واحد ثم بلها فمسحها ? ثلاثًا؛ إن مسح في كل مرة في غير الموضع الذي مسح أولا، جاز كأنه مسح بثلاثة أصابع.
ولو مسح بالإبهام والسبابة إن كانتا مفتوحتين جاز؛ لأن بينهما مقدار إصبع، فكأنه ... مسح بثلاثة أصابع.
ذكر في صلاة العيون: أن الماسح على الخف إذا أحدث فانصرف ليتوضأ، فقبل أن يتوضأ انقضت مدة مسحه؛ فله أن يغسل رجليه ويبني على صلاته؛ كالمتيمم إذا أحدث في الصلاة فانصرف فوجد ماء، لا يفسد صلاته، وله أن يتوضأ ويبني على صلاته كذا هاهنا.
وذكر في مجموع النوازل فرعًا لهذه المسألة فقال: لو انقضت مدة مسحه بعد ما عاد إلى مكان صلاته فسدت صلاته، وإذا انقضت مدة مسحه وهو في الصلاة ولم يجد ماء فإنه يمضي على صلاته، ومن المشايخ من قال: تفسد صلاته والله أعلم بالصواب.
الفصل الثامن
في المسح على الجبائر، وعصابة المفتصد
وتدخل فيه مسألة الشقوق، قال الفقيه أبو جعفر ـ رحمه الله ـ في غريب الرواية ذكر في كتاب الصلاة أن من ترك المسح على الجبائر والمسح لا يضره أجزأه، ولم يبين القائل.
قال: وسمعت أبا بكر محمد بن عبد الله يقول: ذلك قول أبي حنيفة ـ رضي الله عنه -.
وقال الحسن: قال أبو حنيفة - رضي الله عنه - إذا مسح على العصابة؛ فعليه أن يمسح على موضع
الجزء 1 · صفحة 55
الجرح على جميع العصابة، أو على الأكثر؛ فقد أوجب المسح على العصابة فصار عن أبي حنيفة روايتان.
قال الفقيه الزاهد أبو حفص السفكردري رحمه الله ـ في مختصر غريب
الرواية: ليس في روايتنا ما حكاه الفقيه أبو جعفر عن كتاب الصلاة، وإنما الذي في روايتنا، وقال أبو يوسف، ومحمد: إذا ترك المسح على الجبائر وذلك لا يضره لم يجزئه، هذا هو المذكور في روايتنا.
لعل ما ذكره الفقيه أبو جعفر في رواياتهم وفي باب الوضوء والغسل من الأصل: إذا اغتسل من الجنابة بالماء ومسح على الجبائر التي على يده على يده أو لم يمسح؛ لأنه يخاف على نفسه إن مسح، يجزئه، ذكره مطلقًا من غير أن يضيفه إلى أحد، ثم ذكر قول أبي يوسف ومحمد على نحو ما حكاه الفقيه أبو جعفر: أنه إذا ترك المسح على الجبائر والمسح لا يضره لا يجزئه.
وذكر الفقيه أبو الليث في مختلفاته: اختلاف المتأخرين في قول أبي حنيفة - رحمه الله - بعضهم قالوا قول أبي حنيفة لا يخالف قولهما؛ لأنهما إنما قالا بعدم الجواز فيمن لا يضره المسح.
وأبو حنيفة: إنما قال بالجواز فيمن يضره المسح وكذا ذكر القدوري في شرحه.
وقال بعضهم: قول أبي حنيفة يخالف قولهما، فإن أبا حنيفة - رحمه الله - يقول: إذا ترك المسح على الجبائر والمسح لا يضره جاز، وقالا: لا يجوز.
وفي شرح الطحاوي والزيادات: أن المسح على الجبائر 7 ليس بفرض عند د أبي حنيفة - رضي الله عنه -.
وفي تجريد القدوري الصحيح من مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أن المسح على الجبيرة ليس بفرض.
وفي باب الوضوء والغسل من الأصل: إذا انكسر ظفره فجعل عليه الدواء أو العلك وقد أمر ألا ينزعه يجزئه، وإن لم يخلص الماء إلى البشرة.
وفي كتاب الصلاة للحسن بن زياد يتوضأ ويمر الماء على العلك، فإن كان إمرار الماء على العلك يضر بالجرح، ذكر أبو الحسن في مختصره: أنه يجوز له ترك المسح؛؛ كما يجوز له ترك المسح على الجبيرة إذا كان المسح يضر بالجرح.
وكان علي بن موسى القمي يقول: قياس مذهب أصحابنا - رحمهم الله- ألا يجوز ترك المسح على
الجزء 1 · صفحة 56
العلك، ويجوز ترك المسح على الخرقة؛ لأن الخرقة تنشف البلة إلى نفسها فيتأدى الماء إلى الجراحة فكان له أن يترك المسح، فأما العلك لا ينشف البلة إلى نفسها فلا يتأدى الماء إلى الجراحة فلا يكون له أن يترك المسح.
وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي - رحمه الله - يقول: المسح على الجبائر إنما يجوز إذا كان لا يقدر على المسح 7 على القرحة، كما لا يقدر على غسلها بأن كان يضرها الماء، فأما إذا كان يقدر على المسح على القرحة فلا يجوز المسح على الجبائر؛ كما لو كان يقدر على غسلها، وكان يقول: ينبغي أن يحفظ هذا فإن الناس عنه غافلون.
وذكر شمس الأئمة الحلواني - رحمه الله - في باب المسح على الجبائر من صلاة المستغني: إذا كان في أعضائه شقاق وقد عجز عن غسله، سقط عنه فرض الغسل، ويلزمه إمرار الماء عليه؛ فإن عجز عن إمرار الماء يكفيه المسح؛ فإن عجز عن المسح سقط عنه المسح - أيضًا - فليغسل ما حوله ويترك ذلك الموضع.
وإذا كان الشقاق في يديه ولا يمكن استعمال الماء وقد عجز عن الوضوء؛ يستعين بغيره ليوضئه به، فإن لم يستعن بغيره، وتيمم، وصلى أجزأه في قول أبي حنيفة، خلافًا لهما.
وإن كان الشقاق في رجله فجعل فيه الدواء، أو الشحم ولا يمكنه إيصال الماء إلى قعره، يؤمر بإمرار الماء عليه فوق الدواء ولا يكلف إيصال الماء إلى قعره، ولا يكفيه المسح.
وإن توضأ وأمر الماء على الدواء وأسقط الدواء، إن سقط برء؛ لزمه غسل ذلك الموضع، وما لا فلا.
وإذا ألقى على بعض أعضائه علقة؛ فسقطت العلقة فجعل الحناء في موضع العلقة ولا يمكنه غسله؛ يلزمه إمرار الماء، وإن عجز عن ذلك لزمه المسح، وإن عجز عن المسح سقط عنه المسح - أيضًا ـ فإن أَمَرَّ الماء عليه أو مسح عليه ثم سقط الحناء فهو على التفصيل الذي قلنا: إن سقط عن برء يلزمه غسل ذلك الموضع، وما لا فلا.
وإن كان في إصبعه قرحة فأدخل فيه مرارة ومسح عليه، روي عن محمد - رحمه الله -: أنه قال: يجوز ولا يُكره، وإن كان فيه شيء من بول الشاة.
ولم يذكر قول أبي يوسف - رحمه الله -: قالوا: وينبغي أن يكون قوله كقول رحمه الله -: وهذا لأن
الجزء 1 · صفحة 57
عند محمد رحمه الله - يجوز شربه للتداوي وغيره.
وعند أبي يوسف ـ رحمه الله -: يجوز شربه للتداوي فيجوز الاستشفاء به.
وأما عند حنيفة - رضي الله عنه -: فإن كان فيها شيء من البول يكره، وإلا فلا.
وفي المنتقى: قال الحسن بن زياد عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: إذا مسح على الجبائر، ثم نزعها ثم أعادها كان عليه أن يعيد المسح عليها.
ورأيت في موضع آخر: إذا سقطت العصابة فبدلها بعصابة أخرى، فالأحسن أن يعيد المسح، وإن لم يعد أجزأه؛ لأن المسح على الأولى بمنزلة الغسل لما تحتها.
وعن أبي يوسف - رحمه الله -: رجل به جرح يضره إمساس الماء فعصبه بعصابتين ومسح على العليا ثم رفعها قال: يمسح على العصابة الباقية بمنزلة الخفين والجرموقين فلا? يجزئه حتى يمسح وفيه ـ أيضًا ـ عن محمد - رحمه الله -: رجل انكسرت يده وهو على وضوء،
فربط الجبائر عليها ثم أحدث، فتوضأ ومسح على الخفين والجبائر ثم برئت اليد قال: يغسل موضع الجبائر ويصلي.
ولو كان على غير وضوء حين انكسرت يده فربط الجبائر عليه وتوضأ ولبس خفيه ثم أحدث وتوضأ ومسح على الخفين والجبائر ثم برئت قال: ينزع خفيه.
وفي الأمالي: عن أبي يوسف - رحمه الله ـ: رجل أحدث وعلى بعض وضوئه جبائر، فتوضأ ومسح عليها، ثم لبس الخف، ثم أحدث، ثم برئ فعليه أن يغسل قدميه ولو أنه لم يحدث بعد لبس الخفين ثم برئ الجرح وألقى الجبائر وغسل موضعه ثم أحدث فإنه يتوضأ ويمسح على الخفين
وعنه أيضًا: في رجل مسح على جبائر إحدى رجليه، وغسل الأخرى ولبس الخفين، ثم أحدث، فعليه أن ينزع ويمسح على الجبائر ويمسح على الخف الآخر.
وإن كان ببعض أعضائه جراحة فجعل عليها الجبائر وهو يزيد على موضع القرحة، جاز له أن يمسح عل جميع العصابة - يعني: على جميع الموضع الذي أخذته العصابة؛ لأن الضرورة موجودة في جميع العصابة؛ لأنه لا يمكن شد العصابة إلا بذلك؛ فصار كما لو كان تحت العصابة كلها جراحة، وثمة يجوز
الجزء 1 · صفحة 58
المسح على جميع العصابة كذا هاهنا.
وعلى هذا المسح على عصابة المفتصد، وكان الإمام القاضي أبو علي النسفي لا المسح على عصابة المفتصد، ويُجيز المسح على خرقة المفتصد.
وذكر القاضي الإمام علاء الدين المعروف بالنسفي: في حق المفتصد إذا كان الفصد في موضع يمكنه أن يشد بنفسه من غير إعانة أحد لا يجوز المسح على العصابة؛ وإن كان في موضع لا يمكنه يجوز المسح على العصابة.
وفي هداية الناطفي: إذا كان حل الجبائر يضر بالجراحة، وتحت العصابة موضع لا جرح به، لم يكن عليه أن يحل الجبائر.
وليس عليه أن يغسل ما تحت العصابة في غير موضع الجراحة.
وإن كان حل العصابة لا يضر بالجراحة ولكن نزع العصابة عن موضع الجراحة يضر بالجراحة فإن عليه أن يحلها ويغسل ما تحتها إلى أن يبلغ موضع الجراحة، ثم يشد العصابة ويمسح على موضع الجراحة، وعامة المشايخ على جواز المسح على عصابة المفتصد.
واختلفوا في القرحة التي تبقى من اليد بين العقدين منهم من قال: يفترض غسله؛ لأنها بادية.
ومنهم من قال: لا يفترض غسله، ويكفيه المسح وهو الأصح؛ لأن بغسل ذلك الموضع تبتل العصابة وربما تنفذ البلة إلى موضع الفصد وفيه ضرر بالمقتصد.
المسح على الجبائر يخالف المسح على الخف في ثلاثة أحكام:
أحدها: أن المسح على الخف لا يجوز إذا حصل اللبس على الحدث، والمسح على الجبيرة يجوز وإن كان شد العصابة على الحدث.
والثاني: أن المسح على الخفين ينتقض بانقضاء مدة المسح ومسح الجبائر لا ينتقض إلا بالحدث؛ كالغسل.
والثالث: ماسح الخف إذا خلع أحد خفيه يلزمه غسل الرجلين، وإذا سقطت الجبائر لا عن برء، لا يلزمه الغسل أصلاً، وإن كان عن برء يلزمه غسل ذلك الموضع خاصة.
ثم إن محمدا - رحمه الله - ذكر في الكتاب استيعاب العصابة في المسح وفيه اختلاف المشايخ:
الجزء 1 · صفحة 59
منهم من قال: يشترط ومنهم من قال: لا يشترط؛ لأنه عسى يؤدي و إلى إفساد الجراحة لكن إذا مسح على أكثر العصابة يكفي ذلك.
والتكرار هل يكون من شرطه؟
منهم من قال: من شرطه فيمسح ثلاث مرات؛ لأنه لو كان بارئًا يغسل ثلاثًا فكذا يمسح عليه ثلاثا إلا أن تكون الجراحة في الرأس فلا يلزمه تكرار المسح.
ومنهم من قال: التكرار ليس بشرط، ويجوز له أن يمسح مرة واحدة، كمسح الرأس والخفين، وهو الأصح عند علمائنا - رحمه الله – والله أعلم.
الفصل التاسع
في الحيض والاستحاضة وأصحاب الأعذار
الاستحاضة إنما تعرف إذا استمر بها الدم وقت صلاة كامل، حتى إنه لو سال الدم في وقت صلاة فتوضأت وصلت ثم خرج الوقت ودخل وقت صلاة أخرى انقطع الدم ودام الانقطاع إلى آخر الوقت توضأت وأعادت تلك الصلاة.
وإن لم ينقطع الدم في وقت الصلاة الثانية حتى خرج الوقت لا تعيد تلك الصلاة؛ لأن في الوجه الأول السيلان لم يستوعب وقت صلاة كامل فلم يحكم باستحاضتها.
وثبوت الطهارة مع السيلان أمر عرف شرعًا في حق المستحاضة، وإذا لم يحكم باستحاضتها تبين أنها صلت بغير طهارة فيلزمها الإعادة.
وفي الوجه الثاني: السيلان استوعب وقت صلاة كامل فحكم باستحاضتها فتبين أنها صلت بطهارة فلا يلزمها الإعادة، وإنما شرطنا استيعاب السيلان وقت صلاة کامل، اعتبارًا لطرف الثبوت بطرف السقوط فإن المستحاضة إذا انقطع دمها وقت صلاة 4 كامل تخرج من أن تكون مستحاضة وإن كان أقل من ذلك لا تخرج من أن تكون مستحاضة.
ومتى حكم باستحاضتها في وقت صلاة إنما يحكم بذلك في وقت صلاة أخرى إذا وجد السيلان في وقت الصلاة الأخرى مقارنا للوضوء، أو طارئًا على الوضوء، ولا يكتفى بوجود السيلان في وقت
الجزء 1 · صفحة 60
صلاة أخرى، سابقًا على الوضوء، حتى إن المرأة إذا استحيضت فدخل وقت العصر ودمها سائل فانقطع وتوضأت والدم منقطع فلما صلت ركعتين دخل وقت المغرب فإنها تمضي على صلاتها، ولو حكم باستحاضتها لانتقضت طهارتها بخروج وقت العصر، فينبغي تمضي على صلاتها وحكم باستحاضتها.
وإذا استحيضت المرأة فتوضأت ولبست خفيها، ثم خرج الوقت حتى انتقضت طهارتها بخروج الوقت فتوضأت وأرادت أن تمسح على خفيها، فإن كان الدم منقطعا وقت الوضوء ? واللبس جميعًا؛ فلها أن تمسح على خفيها.
وإن كان سائلاً وقت الوضوء واللبس أو كان سائلاً وقت الوضوء منقطعا وقت اللبس، أو كان منقطعًا وقت الوضوء سائلاً وقت اللبس، ليس لها أن تمسح عند علمائنا الثلاثة – رحمه الله -.
والوجه في ذلك، وذلك، و هو الأصل في مسائل المستحاضة ومن بمعناها: أن طهارة المستحاضة ومن بمعناها إذا انتقضت بخروج الوقت يستند الانتقاض إلى السيلان السابق؛ لأن خروج الوقت ليس بسبب لانتقاض الطهارة؛ لأنه ليس بحدث ولا يثبت حكم ما بدون السبب، فيثبت الانتقاض مستندا إلى السيلان السابق ليكون الانتقاض بسببه، غير أن الاستناد إنما يظهر في حق القائم من الأحكام لا في حق المنقضي من الأحكام؛ ولهذا لا يظهر في حق الصلاة المؤداة حتى لا يبطل ما أدي من الصلاة.
قلنا: وجواز المسح حكم قائم فيظهر الاستناد في حقه، ويظهر أن اللبس حصل الحدث في هذه الصورة في حق المسح؛ بخلاف ما إذا كان الدم منقطعا وقت الوضوء واللبس؛ لأن هناك وإن استند الانتقاض إلا أنه إنما يستند إلى سيلان الدم يتأخر عن اللبس فلا يظهر أن اللبس حصل مع الحدث.
فإن قيل: لو استند الانتقاض بخروج الوقت، يجب أن يقال: إذا شرعت في التطوع ثم خرج الوقت ألا يلزمها القضاء.
قلنا: هذا ليس بظهور من كل وجه بل هو ظهور من وجه، اقتصار من وجه؛ لأن انتقاض الطهارة حكم الحدث، والحدث وجد في تلك الحالة فهذا يقتضي صيرورتها محدثة من وقت الحدث إلا أن صيرورتها محدثة علقت بخروج الوقت وخروج الوقت وجد الآن، وهذا يقتضي صيرورتها محدثة مقصورًا على الحال؛ فجعلنا هذا ظهورًا من وجه اقتصارًا من وجه.
ولو كان ظهورًا من كل وجه لا يجوز لها المسح ولا يلزمها القضاء ولو كان اقتصارًا من كل وجه يجوز لها المسح ويلزمها القضاء، فإذا كان ظهورًا من وجه
الجزء 1 · صفحة 61
اقتصارًا من وجه، قلنا: لا يجوز لها المسح ويلزمها القضاء، أخذا بالاحتياط من كل وجه
الحائض إذا حبست الدم عن الدرور لا تخرج عن الدرور لا تخرج من أن تكون حائضا. وصاحب الجرح السائل إذا منع الدم عن الخروج يخرج من أن يكون صاحب الجرح السائل.
والفرق: أن قضية القياس أن تخرج المرأة من أن تكون حائضًا لانعدام دم الحيض حقيقة؛ كما يخرج صاحب الجرح السائل من أن يكون صاحب الجرح السائل، إلا أن الشرع اعتبر دم الحيض كالخارج حيث جعلها حائضًا مع الأمر بالحبس، ولم يعتبر كذلك في حق صاحب الجرح السائل، فعلى هذا المقتصد لا يكون صاحب جرح سائل.
من أن تكون
وأما المستحاضة إذا منعت الدم عن الخروج هل تخرج من أن تكون مستحاضة؟ فهذه المسألة مذكورة في موضعين:
أحدهما: أنها تخرج حتى لا يلزمها الوضوء في وقت كل صلاة، وفي الآخر أنها لا تخرج.
وفي المنتقى: عن أبي يوسف - رحمه الله ـ أنه سئل عن المستحاضة تتوضأ ثم تصلي ولا يسيل الدم للاحتشاء؟ قال: ليس هذا بمنزلة الدبر وعليها الوضوء، يريد بهذا أن الاحتشاء إذا منع الدم في حق المستحاضة لا يمنع حكم المستحاضة، وهو الوضوء، وفي الدبر إذا منع الاحتشاء ظهور الدم منع حكمه، وهو الوضوء، حتى إن
من حشى دبره كيلا يخرج منه شيء لا يلزمه الوضوء حتى يظهر منه شيء وفي فتاوى أبي الليث - رحمه الله -: المرأة إذا خرج بعض ولدها إن خرج الأقل لا يكون حكمها حكم النفساء، ولا تسقط عنها الصلاة؛ لأن الأكثر ليس بخارج وللأكثر حكم الكل، ويجب عليها أن تصلي ولو لم تصل تصير عاصية. ثم كيف تصلي؟ قال: يؤتى بقدر فيجعل القدر تحتها، أو تحفر لها حفيرة وتجلس هناك وتصلي، كيلا تؤذي الولد إذا حاضت المرأة في آخر الوقت، أو صارت نفساء، وهو وقت لو كانت طاهرة يمكنها أن تصلي فيه أو لا يمكنها ذلك، يسقط عنها فرض الوقت، لأن الوجوب بآخر الوقت، سواء كان الوقت قليلاً أو كثيرًا فقد وجد سبب الوجوب، وهي ليست من أهل الصلاة فلا تجب عليها الصلاة فلا يجب عليها القضاء. ولا يجوز للحائض والجنب أن يمس المصحف بكمه، أو ببعض ثيابه؛ لأن ثيابه التي عليه بمنزلة يديه، إلا رواية عن محمد - رحمه الله - فإنه يقول: لا بأس بالمس بالكم" ويكره لهما وللمحدث مس كتب
الجزء 1 · صفحة 62
الفقه، وما هو من كتب الشريعة فلا
بأس بالمس بالكم بخلاف مس المصحف.
وفي فتاوى أهل سمرقند: ويكره للجنب والحائض أن يكتب الكتاب الذي في بعض سطوره آية من القرآن، وإن كانا لا يقرآن؛ لأنهما منهيان عن مس القرآن، وفي الكتابة مس؛ لأنه يكتب بقلمه وهو في يده وهو صورة المس.
وفي فتاوى أبي الليث - رحمه الله -: الجنب لا يكتب القرآن وإن كانت الصحيفة على الأرض، ولا يضع يده عليها وإن كان ما دون الآية.
وفي القدوري: لا بأس للجنب أن يكتب القرآن إذا كانت الصحيفة على الأرض.
وقال محمد - رحمه الله -: أحب إلي ألا يكتب ومشايخ بخارى أخذوا بقول محمد - رحمه الله -
المعلمة في حالة الحيض تعلم الصبيان حرفًا فحرفًا ولا تعلم آية كاملة؛ لأن الضرورة تندفع بالأول.
لا ينبغي للجنب والحائض أن يقرأ التوراة، أو الإنجيل، أو الزبور لأن الكل كلام الله تعالى.
وعن محمد ـ رحمه الله -: أنه يكره للجنب قراءة: اللهم إنا نستعينك،
لاحتمال أنها من القرآن ولم يسلم الطحاوي هذه الرواية.
قال الصدر الشهيد وبه يفتي.
وفي فتاوى أبي الليث: المسافرة إذا طهرت من الحيض فتيممت، ثم وجدت الماء جاز للزوج أن يقربها، لكن لا تقرأ القرآن؛ لأنها لما تيممت فقد خرجت من الحيض، فلما وجدت الماء وجب عليها الغسل فصارت بمنزلة الجنب.
وفي فتاوى أهل سمرقند: امرأة تحيض في دبرها لا تدع الصلاة؛ لأن هذا ليس بحيض، ويستحب لها أن تغتسل عند انقطاع الدم ولو أمسك زوجها عن إتيانها أحب إلي، لمكان الضرورة، وهو الدم الخارج من الفرج.
وفي فتاوى: صاحب الجرح السائل إذا أصاب ثوبه من ذلك الدم أكثر من قدر الدرهم؛ لزمه غسل الثوب إذا علم أنه لو غسله لا يصيبه الدم ثانيا وثالثًا، أما لو علم أنه يصيبه لا يفترض عليه غسله. وفي
الجزء 1 · صفحة 63
واقعات الناطفي: إذا كان به جرح سائل وقد شد عليه خرقة فأصابها أكثر من قدر الدرهم، أو أصاب ثوبه أكثر من قدر الدرهم، إن كان بحال لو غسل تنجس قبل الفراغ من الصلاة ثانيا جاز له ألا يغسل ويصلي، وإن كان بخلافه لا يجوز له ألا يغسل.
قال الصدر الشهيد - رحمه الله -: وفي هو المختار.
وفي الأجناس: رجل يسيل أحد منخريه دم فتوضأ والدم سائل ثم احتبس الدم من هذا المنخر وسال من المنخر الآخر انتقض وضوؤه. وإن كان به دماميل أو جدري منها ما هي سائلة، ومنها ما ليست بسائلة، فتوضأ وبعضها سائلة، ثم سالت التي لم تكن سائلة انتقض وضوؤه.
والجدري: قروح وليست بقرحة واحدة.
وفي المنتقى أبو سليمان عن محمد - رحمه الله -: رجل به جُرْحَانِ لَا يَرْقَانِ فتوضأ ثم رقأ أحدهما، قال: يصلي، وكذلك إذا سكن هذا الآخر وسال الذي كان ساكنا؛ لأنهما في هذا بمنزلة واحد.
جرح وفي فتاوى أبي الليث: المستحاضة لا تؤمر بالاستنجاء لوقت كل صلاة إذا لم يكن منها غائط؛ لأنه سقط اعتبار نجاسة دمها.
وفيه أيضًا: رجل رعف أو سال عن جرحه دم ينتظر آخر الوقت؛ فإن لم ينقطع توضأ وصلى قبل خروج الوقت.
الفصل العاشر
في الرجل يخبر غيره بالوضوء أو بالحدث
وفي وقوع الشك في الوضوء وفي الحدث
إبراهيم عن محمد في المتيقن بالوضوء إذا لم يذكر حدثًا، فقال له رجل: إنك بلت في موضع كذا فشك الرجل وصلى بعد ذلك صلوات، قال: إذا شهد عنده عدلان، قضاها وإن شهد واحد عدل لم يقض.
وفي الإملاء: عن محمد - رحمه الله -: إذا وقع في قلب المتوضئ أنه أحدث، وكان ذلك أكثر رأيه فأفضل رأيه فأفضل بذلك أن يعيد الوضوء، وإن صلى على وضوئه الأول؛ كان في سعة من ذلك عندنا.
وإن أخبره مسلم عدل رجل أو امرأة حرة أو مملوكة: أنه أحدث أو رعف، أو نام مضطجعًا؛ لا ينبغي له أن يصلي حتى يتوضأ؛ لأن هذا أمر من أمور الدين، وخبر واحد حجة في أمور الدين.
الجزء 1 · صفحة 64
ولو استيقن بالحدث وشك في الوضوء، فأخبره عدل أنه توضأ، أو ? لم يعرف المخبر لكونه عدلاً إلا أنه وقع في قلبه أنه صادق وسعه أن يصلي.
قال محمد - رحمه الله ـ في الأصل: ومن شك في بعض وضوئه، وهو أول ما شك، غسل الموضع الذي شك فيه، فأما إذا كان يرى ذلك كثيرا فلا يلتفت اليه ويمضي
قالوا: وهذا إذا كان هذا الشك في خلال الوضوء، فأما إذا كان هذا الشك بعد فراغ الوضوء فلا يلتفت إليه ويمضي.
وتكلموا في قوله: وهو أول ما شك فيه.
من المشايخ من قال: أراد به أول ما شك في عمره. ومنهم من قال: أراد به أول شك له وقع في هذا الوضوء. ومنهم من قال: أراد به أن الشك في مثل هذا لم تصر عادة له.
ومن شك في الحدث فهو على وضوئه، ومن شك في وضوئه فهو محدث. قال شمس الأئمة الحلواني - رحمه الله -: لا يدخل التحري في باب الوضوء إلا في فصل رواه ابن سماعة عن محمد - رحمه الله -: إذا كان مع آنية وهو متذكر أنه جلس للتوضي أو للوضوء إلا أنه شك أنه قام قبل أن يتوضأ أو بعد ما توضأ يتحرى ويعمل بغالب رأيه.
وإن شك أنه جلس للتوضؤ أو لا، والآنية هناك موضوعة، فهذا محدث ولا يجوز له التحري.
قال ابن سماعة في نوادره وهو نظير من يذكر أنه دخل الخلاء للتخلي، لكنه شك أنه خرج منها قبل أن يتخلى أو بعد ما تخلى؛ جعل محدثًا ولا يجوزله التحري.
ولو شك أنه دخل الخلاء، أو لم يدخل جاز له التحري والعمل بغالب رأيه، وهذه رواية مستحسنة.
الفصل الحادي عشر
في معرفة الأعيان النجسة وغسلها
يجب أن يعلم أن الأعيان النجسة نوعان:
مائع، وغير مائع، فنبدأ بالمائع:
ذكر الحاكم الشهيد - رحمه الله - في إشاراته: أن النجاسة إذا أخرجت من البئر ولم ينزح شيء من
الجزء 1 · صفحة 65
الماء بعد فنجاسة الماء غليظة، ثم بقدر ما ينزح من الماء تخف النجاسة وتقل، قال: وهذا كما قلنا في الكلب إذا ولغ في إنائين فغسلت إحداهما مرة وغسلت الأخرى مرتين أن كل واحد منهما نجس بعد.
ولو تركا زمانًا ثم غسلا مرة، فإن الذي غسل في المرة الأولى مرتين يطهر، والآخر لا يطهر ما لم يغسل مرة ثالثة.
- نجاسة
قال شمس الأئمة الله - رحمه الله -: قال مشايخنا - رحمهم الحلواني. المياه التي غسل فيها ثوب نجس يجب أن تكون على هذا الترتيب - أيضًا - حتى إن الثوب النجس إذا غسل في ماء طاهر وعصر، ثم غسل في ماء طاهر وعصر، ثم غسل في ماء ثالث طاهر وعصر؛ فإن الثوب يطهر والماء كله نجس فلو أنه أصاب هذا الماء الثالث ثوبًا ينبغي أن يطهر هذا الثوب بالعصر
وإن لم يغسل؛ لأن ما دخل فيه من النجاسة لو كانت في الثوب الأول لكانت تظهر بالعصر ولا يحتاج فيه إلى الغسل.
ولو أصاب الماء الثاني كان طهارته بالعصر والغسل مرة، ولو أصاب الماء الأول كانت طهارته بالعصر والغسل مرتين.
وذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي - رحمه الله ـ في شرحه: أن الماء الثاني والثالث من غسالة الثوب النجس إذا أصاب الثوب لا يطهر الثوب إلا بالغسل ثلاثا، وفرق بين مسألة البئر وبين مسألة الثوب
وفي شرح الجامع من تعليقي مسألة الثوب أن نجاسة المياه على نمط واحد وعند أبي يوسف - رحمه الله.، وعند محمد - رحمه الله - نجاستهما مختلفة.
فمن حكم الماء الأول: أنه إذا أصاب الثوب لا يطهر إلا بالغسل ثلاث مرات ومن حكم الماء الثاني: أنه إذا أصاب الثوب لا يطهر بالغسل إلا لمرتين، ومن حكم الماء الثالث: أنه إذا أصاب من الثوب يطهر بالغسل مرة؛ لأن بالغسل تحركت النجاسة من الثوب إلى الماء فيصير الماء والذي أصابه هذا الماء على الصفة التي كان لثوب الأول والثوب الأول حال إصابة النجاسة، كان بحال لا يطهر إلا بالغسل ثلاثا،
الجزء 1 · صفحة 66
ثلاثا، وبعد الغسل الأول، كان بحال لا يطهر إلا بالغسل مرتين، وبعد الغسل الثاني كان بحال يطهر بالغسل مرة، فكذا الذي أصابه هذا الماء على هذا الترتيب.
بول الهرة نجس إذا أصاب الثوب أكثر من قدر الدرهم منع جواز الصلاة. وحكي عن محمد بن سلام، أنه قال: لو ابتليت به لغسلت، ولكن لا آمر غيري بإعادة الصلاة.
وسئل عنه مرة أخرى فقال: ومن يقدر على الامتناع عنه؟
وبول الفأرة إذا وقع في الماء؛ أفسد الماء حتى لا يجوز التوضؤ به؛ بخلاف ما إذا شربت من إناء حيث لا ينجس الماء.
والفرق: أن القياس في السنور أن يكون نجسًا؛ لأن لعابه نجس لنجاسة لحمه، لكن أسقطنا النجاسة في اللعاب لمكان الضرورة فإنها تقصد الماء للشرب، وصون الأواني عنها غير ممكن، أما لا تقصد الماء لتبول فلا ضرورة في حق بولها فنحكم بنجاستها وأما إذا أصاب بول الفأرة الثوب؛ فقد قال بعض مشايخنا: إنه يتنجس الثوب، وقاسه على الماء.
وقال بعضهم: لا يتنجس الثوب بخلاف الماء.
والفرق: أن صيانة الثوب عن بولها غير ممكن؛ لأن صيانة الثوب في الغالب
إنما تكون باللف في ثوب آخر، ومتى صين على هذا الوجه وبال على الثوب الأعلى يصل إلى الثوب الأسفل.
أما صون الماء عن بولها فممكن؛ لأن الماء إنما يصان بالأواني، والأواني مما وبعد التخمير تقع الصيانة للماء لا محالة، فلم يكن بولها معفوا عنه في الفأرة تخمر الماء.
وقال الحسن بن زياد - رحمه الله -: لو أن جعرًا من جعور وقعت في وقر حنطة وطحنت لم يجز أكلها.
ولو وقعت في دهن فسد الدهن. وقال محمد بن مقاتل: لا يفسد الدهن ولا الحنطة ما لم يتغير طعمه ?. وفي مسائل الشيخ الإمام الزاهد ? أبي حفص - رحمه الله -: وجعر الفأرة إذا
وقع في الرُّب أو في الخل؛ فإنه لا يفسد.
وعن الشيخ الإمام أبي محمد الخَيْزَاخَزي محمد الخَيْزَاخَزي - رحمه الله ـ أنه قال: وقعت لي هذه
الجزء 1 · صفحة 67
المسألة فسألت أبا إسحاق الضرير، فقال: لو كان لي لشربت وأنا لم أشرب ولكن بعته.
الحيوان إذا وقع في البئر، ثم أخرج حيًّا ينظر إن أصاب فمه الماء وسؤره طاهر؛ فالماء طاهر، وإن كان سؤره نجسًا؛ فالماء نجس ينزح كله، وإن كان سؤره مكروها فالماء مكروه كله.
ويستحب أن ينزح عشرون دلوا.
وإن كان سؤره مشكوكا؛ كسور البغل والحمار؛ وجب نزح الماء كله. وإذا لم يصب فمه الماء قال الفقيه أبو الليث ـ رحمه الله ـ في فتاويه: إن كان الواقع كلبًا، أو خنزيرًا؛ يجب نزح الكل وهو الماء جميع وهذا الجواب إشارة إلى أن عين الكلب نجس وهو اختيار الفقيه أبي الليث - رحمه الله.
وذكر في شرح أحمد جي - رحمه الله -: أن الكلب ليس نجس العين، وهو اختيار الصدر الشهيد - رحمه الله ..
وفي تجريد القدوري: أن عين الكلب نجس عند ?ابي يوسف ومحمد رحمهما الله حتى لو وقع في البئر وخرج حيًّا نجسها، وإن انتفض وأصاب الثوب أكثر من قدر الدرهم لم تجز الصلاة فيه.
وعن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: في الكلب إذا وقع في الماء ثم خرج حيًّا لا بأس به.
الخمر إذا وقع في الماء أو الماء إذا وقع في الخمر، ثم صار خلا،، ففيه اختلاف المشايخ، واختيار الصدر الشهيد - رحمه الله -: أنه طاهر وليس بنجس، وكذلك اختياره في الخل.
ولو صب الخل النجس في الخمر حتى صار الكل خلا تبقى النجاسة.
الكلب إذا ولغ في العصير، ثم تخمر ثم تخلل، يجب أن يكون نجسا؛ لأن جزءًا من النجاسة وهو لعاب الكلب فيه قائم، فصار بمنزلة ما لو تفسخ الفأرة في العصير ثم أخرج ثم صار خلا.
غسالة الميت من الماء الأول، أوالثاني، أو الثالث إذا استنقع في موضع وأصاب شيئًا نجسه، وإن أصاب ثوب الغاسل فما دام في علاج الميت فما عليه مما لا يجد با منه ولا يمكنه الاحتراز عنه لا ينجسه.
سئل أبو بكر الإسكاف: عن الدم فقال: إنه نجس مسفوحًا كان، أو غير مسفوح ودم قلب الشاة نجس وليس بمسفوح.
وكان أبو عبد الله القلانسي يقول: الدم الذي ليس بمسفوح ليس بنجس. قال صاحب الجامع الأصغر: وقال محمد بن سلمة: كما قاله أبو عبد الله. وبعض أساتذتنا قالوا: كما قال الفقيه أبو بكر.
الجزء 1 · صفحة 68
ودم الكبد إن لم يكن ذلك الدم متمكنا فيه من غيره فهو طاهر؛ لأن الكبد نفسه دم جامد.
وكذلك اللحم المهزول إذا قطع حتى سال منه الدم، فليس بنجس، ذكره في فتاوى أبي الليث - رحمه الله
والدم الذي ليس بحدث، هل هو نجس؟ كان الفقيه أبو بكر البلخي والفقيه أبو جعفر - رحمهما الله- يقولان: إنه ليس بنجس.
وكان جماعة من مشايخ بلخ منهم أبو نصر بن أبي سلام، وأبو القاسم، وأبو عبد الله القلانسي يقولون: إنه نجس.
والقيء إذا كان أقل من ملء الفم حتى لم يكن حدثًا، هل يكون نجسا؟ فهو على هذا الاختلاف أيضًا.
الحمار إذا شرب من العصير قال ابن مقاتل - رحمه الله ـ: لا بأس بشربه، قال الفقيه أبو الليث: هو خلاف قول أصحابنا – رحمهم الله -
وفي النوازل: البعير إذا اجتر فأصاب الثوب، فحكمه حكم سرقينه؛ لأنه قد واراه في جوفه؛ ألا ترى أن ما يواري جوف الإنسان، وإن كان ماء ثم قاء كان حكمه حكم، بوله كذا، هاهنا وهذا الجواب مستقيم على ظاهر الرواية غير مستقيم على رواية الحسن، استدلالاً بمسألة القيء، فإن أصحابنا - رحمهم الله- جعلوا القيء على ظاهر الرواية كالعذرة والبول.
حتى قالوا: القيء إذا أصاب ثوبه أو بدنه أكثر من قدر الدرهم لا تجوز الصلاة معه وعلى رواية الحسن لم يجعل كذلك حتى كان التقدير فيه بالكثير الفاحش على رواية الحسن.
ووجه ذلك: أن القيء في الأصل طعام طاهر وقد تغير هو عن حاله فلا هو طعام طاهر على الكمال ولا استحال غائطًا على الكمال فلا يعطى له درجة الطعام الطاهر ولا درجة البول والغائط، بل يحكم له بحكم التخفيف، ليكون حكمه مأخوذا كلا الأصلين، فيقدر فيه بالكثير الفاحش كما في سائر النجاسات الخفيفة. وفي الجامع الأصغر: سئل خلف عمن ألقى حجرًا ملطخا بالعذرة في نهر كبير جار فارتفعت قطرات من الماء فأصابت، ثوبه قال إن كان من الماء المتصل بالحجر فسد، وإن كان من غير ذلك الماء لا يفسد، وإن كان لم يعلم فأحب إلي أن يغسله ولو صلى فيه ولم يغسله وسعه.
الجزء 1 · صفحة 69
وسئل ابن شجاع عن هذه المسألة، فقال: عليه أن يغسله، وبه قال نصير، قيل: وهكذا روي عن محمد.
وقال إبراهيم بن يوسف: لا يضره ذلك، وبه قال أبو بكر إلا أن يظهر فيه لون النجاسة. قال الفقيه أبو الليث - رحمه الله -: وبه نأخذ.
وعن الفقيه أبي جعفر في المدر ? إذا أصابه نجاسة فطرح في الماء فأصاب ثوب إنسان منع جواز الصلاة إذا كان أكثر من قدر الدرهم.
وفيه - أيضًا عن إبراهيم - رحمه الله -: حمار بال في الماء وأصاب من ذلك الرش ثوب إنسان قال لا يضره وهو ماء حتى يستيقن أنه بول.
قال الفقيه أبو الليث - رحمه الله ـ: وبه نأخذ.
وسئل الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل - رحمه الله ـ عن الفرس إذا مشى على الماء وعليه راكب فأصاب ثوبه من ذلك الماء، قال: إن كان في رجل الفرس نجاسة نحو السرقين وغيره صار الثوب نجسًا؛ سواء كان الماء جاريًا أو راكدًا، وإن لم يكن في رجله نجاسة لم يضره ذلك.
وسئل أبو نصر: عمن يغسل الدابة فيصيب من مائها أو عرقها، قال: لا يضره ذلك.
قيل له: فإن كانت مرغت في بولها وروثها، قال: إذا جف ذلك وتناثر وذهب عينه لا يضره.
سئل الشيخ الإمام نجم الدين النسفي: في حُبِّ فيه ماء أو رُبّ استخرج منه شيء وجعل في خابية، ثم استخرج من حبّ آخر فيه ماء أو رب شيء منه وجعل في هذه الخابية ـ أيضًا - حتى امتلأت الخابية ? ثم وجدت الخابية فأرة ميتة ولا يدري أن الفأرة من أي الحبَّين ويعلم قطعًا أنها لم تكن
في الخابية قبل هذا فقال: إن غاب هذا الرجل عن الخابية ساعة يتوهم فيها وقوع الفأرة في الخابية فالنجاسة للخابية، والحبَّان طاهران، وإن لم يغب ويعلم أنها من إحدى الحبين فالنجاسة تصرف إلى آخر الحبين.
وسئل هو ـ أيضًا -: عن فأرة ميتة كانت يبست وهي في الخابية وجعل في الخابية الرُّب وظهرت على رأس الخابية فأجاب أن الرب نجس، وهكذا أجاب شيخ الإسلام علي الأسبيجابي ـ رحمه الله تعالى.
قال نجم الدين: النسفي: الفأرة الميتة إذا يبست إن قالوا: إنها تطهر حتى لو صلى وفي جيبه فأرة
الجزء 1 · صفحة 70
ميتة يابسة تجوز صلاته، لكن إذا أصابها بلل حتى ابتلت تعود نجسة في أصح الروايتين عن أبي حنيفة - رحمه الله ـ بمنزلة الأرض النجسة إذا يبست وذهب أثرها ثم أصابها الماء.
وفي فتاوى ما وراء النهر: في كوز فيه ماء وفيه فأرة ميتة غمسه في حب فيه رب، قال إن اغترف به ولم يخرج منه شيء لا يفسده، وإن صب
ماء في الكوز ثم غمسه ثانيًا في الحب فسد ماء الحب للطخ فم الكوز بالرب النجس.
وسئل نجم الدين - أيضًا -: عن رجل في كوزه فأرة ميتة ولا يدري أن الفأرة وقعت في الكوز ابتداء أو في الجرة التي يجعل الماء منها في الكوز، أو في البئر التي نزحوا الماء منها، قال: إذا لم يتيقن بشيء منها فالنجاسة بهذا الكوز خاصة.
قال محمد - رحمه الله - في الأصل: وإذا مر بكنيف? فسال عليه من ذلك الكنيف شيء، إن علم بنجاسته كان عليه غسله وإن علم بطهارته لا يجبر عليه الغسل.
وإن لم يعلم بطهارته ولا بنجاسته ولم يجد من يسأله عنه يتحرى، إن كان أكبر رأيه أنه نجس غسله وإن كان بخلافه لا يغسل.
قال شمس الأئمة الحلواني - رحمه الله - إنما بنى هذا الجواب على عرف.
ديارهم، فأما في ديارنا يغسل لا محالة؛ لأن الكنيف في ديارنا معد لصب النجاسة لا يصب فيه إلا النجاسة، أما في ديارهم كما يصب فيه النجاسة يصب فيه غسالة ماء القدر.
قال شيخ الإسلام - رحمه الله - وصار قياس كنيفهم فيما عندنا من الميزاب؛ فإنه يصب فيه النجاسة والماء فلا جرم لو أصابه شيء من الميزاب كان الجواب على ما ذكر في الكتاب. انتهى النوع الأول.
جئنا الى النوع الثاني: وهو غير المائع:
وفي النوازل للمعلى عن أبي يوسف - رحمه الله - أن المسلم بعد الموت قبل الغسل نجس، لو وقع في الماء أفسد الماء، وبعد الغسل لا يفسد الماء.
وقال أبو القاسم الصفار ـ رحمه الله -: لا يفسد الماء في الوجهين جميعًا. وقال الفقيه أبو بكر الأعمش: يفسد الماء في الوجهين جميعا، وهذا الذي ذكرنا في حق المسلم، فأما الكافر الميت إذا وقع في الماء
الجزء 1 · صفحة 71
يفسد الماء في الوجهين جميعًا.
وفي كتاب الصلاة للحسن: الكافر إذا وقع في البئر وهو حي نزح حي نزح الماء. والسقط إذا وقع في البئر أفسد الماء، وإن غسل عشر مرات. وفي شعر الآدمي عن محمد رحمه الله - روايتان:
في رواية هو نجس، وبه أخذ إمام الهدى أبو منصور - رحمه الله -.
وفي رواية: هو طاهر حتى لو صلى ومعه شعر الآدمي أكثر من قدر الدرهم، جازت صلاته. وبه أخذ الفقيه أبو جعفر، وأبو القاسم الصفار، وعلى هذه الرواية اعتمد الكرخي في كتابه.
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة - رضي الله عنهما -: أن شعر الإنسان إن كان بحيث لو بسط أخذ أكثر من قدر الدرهم، لا تجوز صلاته.
وفي فتاوى أبي الليث عن أبي بكر - رحمهما الله أن جلد الإنسان أو قشره إذا وقع في الماء، إن كان قليلاً مثل ما يتناثر من شقوق الرجل وأشباهه؛ لا يفسده، قيل له: إن كان مقدار الظفر؟ قال: ذلك كثير ويفسده.
وفي العيون عن أبي يوسف: إذا قلع سنه فأعاد سنه إلى مكانه وصلى، أو كان سنه في كمه وصلى جاز، وإن كان أكثر من قدر الدرهم؛ لأن ما ليس بلحم لا يحله الموت فلا يتنجس.
وعن محمد: أنه لا تجوز صلاته إذا كان أكثر من قدر الدرهم، وبه أخذ أبو الليث - رحمه الله -
وعن أبي يوسف ـ رحمه الله - إذا كان سنه وأثبته تجوز صلاته، وإن أثبت سن غيره لا تجوز صلاته قال بين السنين فرق إلا أنه لم يحضرني وفي صلاة المستغني: أسنان الكلب المثبتة طاهرة إن كانت يابسة، لو صلى معها يجوز.
وأسنان الإنسان إذا سقطت نجسة، لو صلى معها لا يجوز.
وحكى الفقيه أبو جعفر - رحمه الله - عن بعض المتقدمين من أصحابنا: أن من أثبت مكان أسنانه أسنان آدمي آخر لا تجوز صلاته، ولو أثبت مكان أسنانه أسنان الكلب جازت صلاته.
قال الفقيه أبو جعفر - رحمه الله -: وتأويله عندنا: إذا كان7 يمكنه قلع هذه أثبتها من غير إيجاع ولا ضرر، أما إذا كان لا يمكنه ذلك إلا بإيجاع الأسنان التي وضرر تجوز صلاته معها.
وفي العيون لو صلت امرأة ومعها قلادة فيها سن كلب، أو ثعلب صلاتها جائزة؛ لأنه يقع عليهما
الجزء 1 · صفحة 72
الذكاة، وكل ما يقع عليه الذكاة فعظمه طاهر؛ بخلاف الآدمي والخنزير. وفي الجامع الأصغر: البيضة المذرة ? لا تجوز معها الصلاة عند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - وعلى قياس قول أبي حنيفة والحسن بن زياد - رحمهما الله - تجوز
وفي الفتاوى: عن أبي عبد الله البلخي أبي: أن الصلاة مع البيضة المذرة جائزة؛ لأنها في معدنه، ولا تجوز مع القارورة الممتلئة من البول، وكذلك البيضة التي فيها فرخ ميت علم بموته قبل الصلاة.
وفي الفتاوى: في بيضة سقطت من دجاجة، أو سخلة سقطت من شاة وهي رطبة أنها نجسة.
قال الفقيه: وهذا على قياس قولهما، أما على قياس قول أبي حنيفة – رضي الله عنه - طاهرة، وإن كانت رطبة؛ لأنها في معدنها.
وفي الجامع الأصغر: عن أبي حفص الكبير - رحمه الله ـ أن الطين إذا جعل فيه السرقين وطين به شيء ويبس، قال: لا بأس أن يوضع عليه منديل مبلول. وفي فتاوى أهل سمرقند: التبن النجس إذا جعل في طين وطين به شيء، قال: إن كان يرى مكانه كان نجسًا، وما لا فلا؛ لأن في الوجه الثاني مستهلك، وفي الوجه الأول لا، فإن ترطب في الوجه الثاني عاد نجسًا في رواية.
وإذا كان الماء، أو التراب نجسًا في الطين قال بعض المشايخ: العبرة للتراب.
وقال الفقيه أبو بكر الإسكاف - رحمه الله - العبرة للماء.
وقال أبو نصر: أيهما ما كان طاهرا فالطين طاهر.
و قال أبو القاسم: أيهما ما كان نجسا فالطين نجس.
وبعض المشايخ قالوا: على قول محمد ـ رحمه الله ـ الطين طاهر، وعلى قول أبي يوسف الطين نجس، وهذا القائل جعل هذه المسألة فرعًا لمسألة أخرى:
أن الكلب والحمار إذا وقع في المملحة وانجمد ملحًا، على قول أبي حنيفة ومحمد ـ رضي الله عنهما- يكون طاهرًا، وعلى قول أبي يوسف ـ رحمه الله ـ يكون نجسًا وكذلك السرقين أو العذرة إذا احترقت بالنار وصار رمادا فهو على هذا الخلاف.
وكذلك بئر البالوعة إذا سد رأسها حتى صار الكل حمأة فهو على هذا الخلاف، فالمذهب عند محمد - رحمه الله - أن النجس ما? يطهر بالتغير والاستحالة، خلافًا لأبي يوسف ـ رحمه الله ـ
الجزء 1 · صفحة 73
وإذا صلى ومعه نافجة مسك، فقد ذكر الفضلي في فتاويه ـ رحمه الله ـ أن النافجة إن ? كانت بحال متى أصابها الماء لا يفسد جازت صلاته؛ لأنها بمنزلة جلد ميتة قد دبغ، وإن كانت ? تفسد متى أصابها الماء، فإن كانت 4 هذه نافجة دابة لم تذك 5؛ لم يجز بمنزلة جلد ميتة لم يدبغ.
وفي البقالي: وأما نافجة المسك فيبسها دباغها، وهذا إشارة إلى جواز الصلاة معها على كل حال.
وفي القدوري: كلُّ شيء دبغ به الجلد بما يمنعه من الفساد ويعمل عمل الدباغ؛ فإنه يطهر، يريد به إذا ألقى جلد الميتة في الشمس حتى يبس، أو عولج بالتراب حتى يبس فهو طاهر وهكذا روي عن أبي يوسف ـ رحمه الله -.
وهذا لأن الدباغ إنما يؤثر في الجلد للاستحالة، فإذا استحال بالشمس، أو التراب كان كما لو استحال بالشب والقرظ، حتى قيل: لو لم يستحل وجف لم يطهر.
وعن أبي يوسف: أنه إذا أتاه من الشمس والريح ما لو ترك؛ لم يفسد كان دباغا.
وذكر الكرخي في جامعه عن محمد في جلد الميتة: إذا يبس ووقع في الماء لم يفسده من غير فصل، وهكذا روى عنه داود بن رشيد، ذكر رواية داود في المنتقى.
وقيل في جلد الميتة إذا يبس بالتراب أوالشمس ثم أصابه الماء، هل يعود نجسا؟
وعن أبي حنيفة - رحمه الله ـ روايتان.
واختلاف الروايات في عود النجاسة عند إصابة الماء دليل على الطهارة قبل إصابة الماء، وهذا يبين أن الصحيح في مسألة النافجة7 جواز الصلاة معها من غير تفصيل.
ولو صلّى ومعه جلد حية أكثر من قدر الدرهم لا تجوز صلاته، مذبوحة كانت أو غير مذبوحة؛ لأن جلدها لا يحتمل الدباغة ليقام الذبح فيها مقام الدباغة. فأما قميص الحية فقد ذكر شمس الأئمة الحلواني - رحمه الله -: أن فيه اختلاف المشايخ. قال بعضهم: إنه نجس.
وقال بعضهم: إنه طاهر، وأشار إلى أن الصحيح أنه طاهر؛ فإنه قال: عين الحية طاهر، حتى لو صلى ومعه حية غير ميتة يجوز.
فإذا كان عين الحية طاهرًا؛ كان قميصه طاهرا - أيضًا.
وخرء الحية وبولها نجس نجاسة غليظة
الجزء 1 · صفحة 74
وفي البقالي: قيل في قطعة جلد كلب تلزق قطعة جلد كلب تلزق على الجراحة في الرأس فيبست إنه كالدباغ، ويعيد ما صلى قبل ذلك.
وفي صلاة النوازل: إذا صلى ومعه مرارة شاة فمرارة كل شيء كبوله، فكل حكم ظهر في البول فهو الحكم في المرارة.
وفي المنتقى: عن محمد الله - صلى ومعه حية، أو سنور، أو فأرة رحمه أجزأه وقد أشار إن كان معه ثعلب أو جرو كلب؛ لم تجز صلاته. وذكر في جنس هذه المسائل أصلاً، فقال: كل ما يجوز التوضؤ بسؤره تجوز الصلاة معه، وما لا يجوز التوضؤ بسؤره لا تجوز الصلاة معه.
الدابة إذا خرجت من المقعد وغسلت فصلى رجل معها جازت صلاته. و ... روى إبراهيم عن محمد - رحمهما الله - أن الكثير الفاحش من الخف أكثر الخف، قال: وأنا لا أرى في الأختاء بأسا.
وروى هشام عن محمد - رحمهما الله - أن الكثير الفاحش أن يستوعب القدمين.
والمذكور عن محمد - رحمه الله - في سائر المواضع أن الفاحش مقدَّر بربع ما أصابه وقدر الفاحش في هاتين الروايتين بما قدر؛ لأن الضرورة هاهنا مُستدامة خصوصا لسائس الدواب، فقدر الكبير فيه بالأكثر، أو بالقدمين، إظهارًا للتوسعة.
وقوله: وأنا لا أرى في الأخثاء بأسًا، فهذا خلاف ما عرف من قوله في الكتب، وكأنه مال إلى قول زفر - رحمه الله ـ في هذه الرواية.
جنب اغتسل وانتضح من غسالته في الإناء، أو على ثوبه قطرات صغار لا يستبين ? أثرها في الماء ولا في الثوب، لا ينجسها وإن استبان أثرها في الماء نجسته وكذلك في الثوب إذا استبان أثرها وهي إذا اجتمعت كانت أكثر من قدر الدرهم نجسته.
وسئل أبو سليمان: عن ماء الجنابة إذا وقع في الإناء وقوعًا يستبين؟ قال: إنها ليست بشيء.
ومعنى قوله: «يستبين»: أن ينفرج ماء الإناء عند وقوع القطرات، أو يرى عين القطرات ظاهرة.
وذكر هذه المسألة في المبسوط، وقال: إن كان الواقع قليلاً لا يفسد الماء، وإن كان كثيرًا يفسده.
وتكلموا في حد القليل والكثير: روي عن محمد - رحمه الله ـ: أنه إذا كان مثل رؤوس الإبر، أو أطراف الإبر فهو قليل، وإن زاد على ذلك فهو كثير وذكر الكرخي: إذا كان مواضع القطر تستبين في الإناء
الجزء 1 · صفحة 75
فهو كثير يفسد الماء، وإن كان لا يستبين في الإناء كالطل فهو قليل لا يفسد الماء.
ذكر في صلاة المستغني لشمس الأئمة الحلواني - رحمه الله -: أنه إذا لف الثوب النجس الرطب المبتل في ثوب طاهر يابس فظهرت نداوته وأثره على الثوب الطاهر، لكن لم يصر رطبا، بل هو بحيث لو عصر لا يسيل منه شيء ولا يتقاطر. من المشايخ من قال: صار نجسا.
ومنهم من قال: لا يصير نجسًا، وهو الأصح. وكذلك الثوب الطاهر اليابس إذا بسط على أرض نجسة مبتلة، وأثر بلة7 النجاسة في الثوب إلا أنه لم يصر رطبًا، وهو بحيث لو عصر لا يسيل منه شيء ولا يتقاطر، لكن يعرف موضع الندوة من سائر المواضع فيه اختلاف المشايخ، والصحيح أنه لا يصير نجسا.
وذكر شمس الأئمة الحلواني هذه المسألة في صلاة الأصل وذكر: إن صار الثوب الطاهر بحيث لو وضع عليه اليد تبتل فقد تنجس، وإن كان لا تبتل اليد بالوضع عليه لا ينجس، وهو قريب من الأول، فإن اليد إنما تبتل بالوضع عليه إذا كان بحال لو عصر يسيل منه شيء أو يتقاطر.
الرجل إذا استنجى بالماء، ثم خرج منه ريح قبل أن تيبس البلة، هل يتنجس من أليتيه الموضع الذي تمر فيه الريح. ولو كان السراويل مبتلاً فأصابه هذا الريح هل يتنجس سراويله؟ اختلف المشايخ فيه عامتهم على أنه لا يتنجس. وكذلك إذا دخل إنسان المربط في الشتاء وبدنه مبتل بالماء أو بالعرق، فجف البلل من حر المربط، أو إذا دخل شيء مبتل في المربط فجف ذلك الشيء من حر المربط لا يتنجس البدن، وذلك الشيء عند عامة المشايخ إلا أن يظهر أثره ? كصفرة ظهرت في السراويل المبتل بعد خروج الريح، أو في ذلك الشيء بعد الإدخال ? في المربط إذا يبس فإن هذا يتنجس؛ لأنه صار متجمدا بظهور الأثرفيه.
وكذلك بخار المربط إذا ارتفع إلى الكَوَّة واستجمد، أو خرج من شق الباب واستجمد، أو ارتفع بخار الكنيف إلى السقف واستجمد ثم ذاب فأي ما أصاب ذلك البلل نجّسه.
وإذا ارتفع بخار الكنيف إلى الطابق واستجمد، إن كان ارتفاعه من موضع نجس فهو نجس، وإذا ذاب ذلك وأصاب شيئًا نجسه، وإن كان ارتفاعه من موضع طاهر فهو طاهر. والله أعلم.
الفصل الثاني عشر
في تطهير النجاسات
يجب أن يعلم أن النجاسة نوعان:
الجزء 1 · صفحة 76
مرئية: وهي التي لها جزم وغير مرئية وهي التي لا جزم لها.
فأما المرئية، فإزالتها بإزالة عينها وأثرها إن كانت شيئًا يزول أثرها، ولا يعتبر فيها العدد، وإن كان شيئًا لا يزول، أثرها فإزالتها بإزالة عينها، ويكون ما بقى من الأثر عفوًا وإن كان كثيرًا.
عرف ذلك بأثر رسول الله فإنه قال لخولة حين اغسليه وَلا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ». والمعنى في ذلك: الحرج.
وبيانه: أن المرأة إذا خضبت يدها، أو رأسها بحناء نجسة، لو شرطنا زوال الأثر لثبوت الطهارة أدى إلى أن تقعد عن الصلاة أياما كثيرة وإنه قبيح.
وكذلك الرجل إذا صبغ ثوبه بصبغ نجس، لو شرطنا زوال الأثر لثبوت الطهارة لتقاعد عن الصلاة إذا لم يكن له إلا هذا الثوب.
وحكي عن الفقيه أبي إسحاق الحافظ: أن المرأة إذا خضبت يدها بحناء نجسة، أو الثوب إذا انصبغ بصبغ نجس يصفر، أو يسيل منه ماء أبيض، ثم يغسل بعد ذلك ثلاثًا، ويحكم بطهارة يدها غسلت يدها وغسل الثوب إلى أن وبطهارة الثوب بالإجماع.
وكان الفقيه أبو جعفر يذكر مسألة الحناء والثوب المصبوغ بالصبغ النجس، وكان يقول: على قول محمد - رحمه الله - لا يطهر.
وكان الفقيه أبو إسحاق الحافظ يقول: هذا يكون في الدم إذا كان عتيقا لا يذهب أثره بالغسل، يغسل إلى أن يصفر، أو يخرج الماء على لونه من الثوب ثم يغسل يده بعد ذلك ثلاثًا، وكذلك الصديد وغيرها من النجاسات العتيقة.
وإذا غمس الرجل يده في السمن النجس، أو أصاب ثوبه سمن نجس ثم غسل اليد، أو الثوب بالماء من غير حرض وأثر السمن باق على يده فقد قال بعض مشايخنا: إنه لا يطهر ما لم يزل أثر السمن.
وبعضهم قالوا يطهر وإن لم يزل أثر السمن، وبه أخذ الفقيه أبو الليث - رحمه الله - وهذا لأن نجاسة السمن باعتبار المجاور، وقد زال المجاور فيبقى على يده سمن طاهر، وهذا ? لأن تطهير السمن بالماء ممكن ألا ترى إلى ما روي عن أبي يوسف - رحمه الله - في الدهن إذا أصابته نجاسة أنه
يجعل في إناء، ثم يصب عليه الماء ثلاث مرات فيعلوا الدهن الماء فيرفع بشيء، هكذا يفعل ثلاث مرات ويحكم بطهارته في المرة الثالثة.
الجزء 1 · صفحة 77
فإن كان العين قد زال مع أثره في المرة الأولى، هل يحكم بطهارته؟ اختلف المشايخ فيه منهم من قال: يطهر؛ لأن النجاسة كانت بسبب العين وقد تيقنا بزوال العين، فيحكم بطهارة الثوب كما لو غسله ثلاثًا.
وقال بعضهم: وإن زال العين بالمرة الأولى ما لم يغسله مرتين أخراوين لا يحكم بطهارته، اعتبارًا بغير المرئي، وهذا لأن المرئي لا يخلو عن المرئي، فإن رطوبته التي اتصلت بالثوب لا يكون مرئيًّا، وغير المرئي لا يطهر إلا بالغسل ثلاثا، فكذا هذا إذا كانت النجاسة مرئية.
وإن كانت غير مرئية؛ كالبول والخمر، ذكر في الأصل، وقال: يغسلها ثلاث غير مرات، ويعصر في كل مرة وقد شرط الغسل ثلاث مرات، وشرط العصر في كل مرة.
وعن محمد في غير رواية الأصول: أنه إذا غسل ثلاث مرات وعصر في المرة الثالثة يطهر
وفي القدوري: وما لم يكن مرئية؛ فالطهارة موكولة إلى غلبة الظن وقدر بالثلاث؛ لأن غلبة الظن تحصل عنده
وفي شرح الطحاوي: وإن كانت النجاسة غير مرئية؛ كالبول والخمر وأشباه ذلك، يغسله حتى يطهر، ولا وقت في غسله، ووقته سكون قلبه إليه، وهذا الذي ذكرنا من اشتراط الغسل ثلاث مرات مذهبنا.
وقال الشافعي - رحمه الله -: إذا كانت النجاسة غير مرئية؛ فإنه يطهر بالغسل مرة واحدة، إلا أن يخرج الماء متغيرا.
وقد روي عن أبي يوسف - رحمه الله -: مثل قول الشافعي ـ رحمه الله ـ فإنه ذكر الحاكم الشهيد - رحمه الله - في المنتقى عنه: إذا غسل مرة واحدة سابغة طهر والوجه لأصحابنا - رحمهم الله - ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ منامه فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثَاً؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ «فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل اليد ثلاثًا من نجاسة غير مرئية، إذا كانت متوهمة؛ فلأن يجب عن نجاسة متحققة أولى وأحرى.
ثم يشترط العصر ثلاث مرات في ظاهر رواية الأصل، وأنه أحوط.
وفي غير رواية الأصول: يكتفى بالعصر مرة، وأنه أرفق بالناس.
الجزء 1 · صفحة 78
وذكر شمس الأئمة الحلواني في صلاة المستغني: أن النجاسة إذا كانت بولا، أو ماء نجسًا، وصب الماء عليه كفاه ذلك، ويحكم بطهارة الثوب على قياس قول أبي يوسف ـ رحمه الله ـ فإنه روي عنه: أن الجنب إذا اتزر في الحمام وصب الماء على جسده من حيث الظهر والبطن حتى خرج عن الجنابة، ثم صب الماء على الإزار، يحكم بطهارة الإزار وإن لم يعصره.
وقال في رواية أخرى: إذا صب الماء على الإزار وأمر الماء بكفيه فوق الإزار فهو أحسن وأحوط، وإن لم يفعل يجزئه.
وفي المنتقى: شرط العصر على قول أبي يوسف ـ رحمه الله -. وقد روى ابن سماعة عنه في الثوب يصيبه مثل قدر الدرهم من البول فصب عليه الماء صبة واحدة وعصر طهر.
وكذلك إذا غمسه غمسة واحدة في إناء أو نهر جار، وعصره فإن ذلك يطهر، وإن غمسه غمسة سابغة؛ لم يطهر.
قال الحاكم الشهيد - رحمه الله ـ يريد به إذا لم يعصره. وبعض مشايخنا قالوا على قول أبي يوسف - رحمهم الله ـ إذا كانت النجاسة رطبة لا يشترط العصر، وإذا كانت يابسة يشترط.
واستدلوا بما روي عنه: أنه قال عقيب مسألة الجنب: إذا اتزر في الحمام وصب: الماء على جسده، ثم صب الماء على الإزار، فإنه يحكم بطهارة الإزار، وكذلك الثوب»، وقد عطف الثوب على الإزار ونجاسة الإزار رطبة؛ لأن نجاستها نجاسة الماء المستعمل؛ فإن الماء المستعمل عند أبي يوسف ـ رحمه الله ـ نجس.
ثم في كل موضع شرط العصر ينبغي أن يبالغ في العصر في المرة الثالثة حتى يصير الثوب بحال لو عصر بعد ذلك لا يسيل منه الماء، ويعتبر في حق كل شخص قوته وطاقته.
وفي فتاوى أبي الليث - رحمه الله -: الثوب النجس إذا غسل ثلاثا وعصر في كل مرة ثم تقاطر منه قطرة ثم أصاب شيئًا، قال: ينظر إن عصره في المرة الثالثة عصرًا بالغ فيه حتى صار بحال لو عصر لم يسل الماء منه، فالثوب طاهر واليد طاهرة وما تقاطر طاهر.
فإن لم يبالغ في العصر في المرة الثالثة وكان الثوب بحال لو عصر سال الماء منه؛ فاليد نجس والثوب نجس وما تقاطر نجس؛ لأن الأول بلة والتحرز عنها غير ممكن، والثاني ماء والتحرز عنه ممكن، هذا إذا أصابت النجاسة شيئًا يتأتى في العصر، فأما إذا أصابت شيئًا لا يتأتى فيه العصر فقام إجراء الماء فيه مقام العصر. حتى حكى عن الفقيه أبي إسحاق الحافظ: أنه إذا أصابت النجاسة البدن يطهر بالغسل ثلاث
الجزء 1 · صفحة 79
مرات متواليات؛ لأن العصر مُتعذر فقام التوالي في الغسل مقام العصر.
وفي فتاوى أبي الليث - رحمه الله - خف بطانة ساقه من الكرباس فدخل في جوفه ماء نجس فغسل الخف ودلكه باليد ثم ملأ الماء ثلاثا و أهراقه إلا أنه لم يتهيأ له عصر الكرباس فقد طهر الخف.
وعلل ثمة وقال: لأن جريان الماء قد يقام مقام الغسل، واستشهد ثمة وقال: ألا ترى أن البساط النجس إذا جعل في نهر وترك فيه يومًا وليلة حتى جرى عليه الماء يطهر.
وإذا أصابت الأرض نجاسة، فإن كانت رخوة طهرت بالصب عليها؛ لأنها تسربت فصار بمنزلة العصر في الثوب.
وإن كانت صلبة فاندفع الماء عن موضع النجاسة طهر ذلك المكان، وينجس الموضع الذي انتقل الماء إليه وإن لم ينتقل الماء عن ذلك المكان، يحفر ذلك هكذا ذكر القدوري.
ومعنى قوله: يحفر ذلك الموضع: أنه يجعل أعلاها أسفلها وأسفلها أعلاها فيطهر.
وفي الطحاوي: إذا كانت الأرض منحدرة وكانت صلبة فإنه يحفر في أسفلها حفيرة ويصب الماء عليها فيجتمع الماء في تلك الحفيرة فيطهر الأرض ثم يكبس الحفيرة، وإن كانت الأرض مستوية وكانت صلبة فلا حاجة إلى غسلها، بل يجعل أعلاها أسفلها، وأسفلها أعلاها ويطهر.
وفي الفتاوى: البول إذا أصاب الأرض واحتيج إلى الغسل يصب الماء عليه، ثم يدلك وينشف ذلك بصوف أو خرقة، فإذا فعل ذلك ثلاثا طهر، وإن لم يفعل كذلك، ولكن صب عليه ماء كثيرًا حتى عرف أنه زالت النجاسة ولا يوجد ذلك لون ولا ريح ثم تركه حتى نشفه الأرض كان طاهرا.
وعن الحسن بن أبي مطيع - رحمه الله - قال: لو أن أرضًا أصابها نجاسة فصب عليها الماء فجرى عليها إلى أن أخذت قدر ذراع من الأرض طهرت والماء طاهر، ويكون ذلك بمنزلة الماء الجاري.
وفي المنتقى: أرض أصابها بول، أو عذرة ثم أصابها المطر وكان المطر غالبًا قد جرى ماؤه عليها فذلك مطهر له وإن كان المطر قليلاً، لم يجر ماؤه عليه لم يطهر.
ثم قال: وليغسل قدميه وخفيه، يريد به، إذا كان المطر قليلاً ووضع قدميه أو خفيه على موضع النجاسة، كان عليه أن يغسل قدميه وخفيه، وهذا لأن غسل كل شيء إنما يكون على حسب ما يليق بذلك الشيء، واللائق بالأرض إجراء الماء عليها وقد وجد إذا كان المطر غالبًا، ولم يوجد إذا كان المطر قليلا
الجزء 1 · صفحة 80
فبقي نجسا.
وإذا وضع عليه خفيه أو قدميه فقد تنجس فيجب الغسل، وإن كان ذلك الموضع
قد يبس قبل المطر فلا يغسل قدميه يريد به إذا كان المطر قليلاً، وهذا إشارة إلى إحدى الروايتين في الأرض النجسة إذا يبست ثم أصابها الماء.
وفي متفرقات الفقيه أبي جعفر عن أبي يوسف ـ رحمهما الله ـ: أنه سئل عن غسل أرض أصابتها نجاسة؟ قال: إذا صب عليها من الماء مقدار ما يغسل به ثوب أصابته هذه النجاسة ثلاث مرات وعصر في كل مرة يطهر طهرت الأرض بهذا المقدار، فبلغ هذا القول أبا عبد الله محمد بن سلمة ـ رحمه الله ـ فأعجبه، وقال: ما أحد لقي أبا يوسف إلا وجد عنده فائدة.
حصير أصابته نجاسة، فإن كانت النجاسة يابسة لا بد من الدلك حتى تلين، وإن كانت رطبة إن كان الحصير من قصب أو ما أشبه ذلك فإنه يطهر بالغسل لا يحتاج إلى شيء آخر؛ لأن النجاسة لا تدخل أجزاء القصب، بل تبقى على ظاهره فيطهر الغسل.
وإن كان الحصير من بردي أو ما أشبه ذلك يغسل ثلاثًا ويوضع عليه شيء ثقيل، أو يقوم عليه إنسان حتى يخرج الماء من أثنائه، هكذا ذكر في بعض المواضع.
وذكر عن الفقيه أحمد بن إبراهيم أن الحصير إذا كان من بردي، يغسل ثلاثا ويجفف في كل مرة، ويطهر عند أبي يوسف خلافًا لمحمد - رحمهما الله وفي شرح الطحاوي أنه لا توقيت في إزالة النجاسة إذا أصابت الحجر أو الآجر، أو شيئًا من الأواني، بل يغسله مقدار ما يقع في أكثر رأيه أنه قد طهر ويشترط مع ذلك ألا يوجد منه طعم النجاسة ولا رائحتها ولا لونها، فأما إذا وجد أحد هذه الأشياء فلا يحكم بالطهارة، قال ثمة وسواء كانت الآنية من خزف أو غيره وسواء كانت قديمة أو حديثة.
وعن محمد - رحمه الله -: أن الخزف الجديد إذا وقع فيه بول أو خمر أنه لا يطهر أبدًا.
وفي النوازل: إن تشربت النجاسة في المصاب، بأن موه السكين بماء نجس، أو كان الخزف والآجر جديدين، على قول محمد لا يطهر أبدًا، وعلى قول أبي يوسف ـ رحمه الله -: يموه الجديد بالماء الطاهر ثلاثا، ويغسل الآجر الجديد والخزف الجديد بالماء ثلاثًا، ويجفف في كل مرة فيطهر.
وحد التجفيف: أن يترك في كل مرة حتى ينقطع التقاطر وتذهب النداوة ولا يشترط اليبس.
الجزء 1 · صفحة 81
وعلى هذا الخلاف: الحنطة إذا أصابها خمر وتشرب فيها وانتفخت من الخمر فغسلها، عند أبي يوسف ـ رحمه الله ـ: أن ينقع في الماء حتى يتشرب الماء كما تشرب الخمر ثم يجفف، يفعل ذلك ثلاثا، ويحكم بطهارتها عند أبي يوسف ـ رحمه الله –
ويشترط ذلك ألا يوجد طعم الخمر ولا لونها ولا ريحها في هذه المسائل مع وقيل: مثل هذا في غسل الخزف الجديد، أن يوضع في الماء حتى يتشرب فيها الماء؛ كالنجاسة، ويطهر في قول أبي يوسف.
ورأيت في المنتقى عن أبي يوسف - رحمه الله - تور كان فيه خمر فتطهيره: أن يجعل الماء فيه ثلاث مرات كل مرة ساعة إذا كان التور جديدا.
رجل اتخذ عصيرًا في خابية فعلى واشتد وقذف بالزبد ثم سكن وانتقص عما كان، ثم صارت الخمر خلا، طهرت الحب كله حتى إن الخل يخرج منه طاهرًا إذا زالت رائحة الخمر لعموم البلوى هكذا ذكر الفقيه أبو جعفر، وأبو الليث رحمهما الله -.
وفي كتاب الأشربة عن الحاكم أبي نصر محمد بنِ مِهْرَوَيْه: أنه قال: لا يطهر ما فوق الخل من الخابية، وكذا في النوازل أجاب أبو القاسم بنحوه.
ووقع في بعض الكتب: إذا تخلل وتطاول مكثه في الدن طهر الحب.
ولو رفع من الدن لما تخلل من غير مكث، فالموضع الذي لوث بالخمر نجس، وأما إذا عالج ذلك الموضع بالخل قبل أن يتطاول مكثه فعلى قول من يرى إزالة النجاسة الحقيقية بغير الماء، يطهر الدن الذي فيه.
العصير إذا غلى واشتد وعلا رأسه فدام فوقع ذلك قدام بعد زمان يعني بعد ما صار خلا وتطاول مكثه عليه؛ فإنه يكون طاهرا لو وضع على قدر مزفت لا يتنجس المزفت، فأما إذا وقع قبل أن يصير خلا فإنه يكون نجسًا، ويتنجس المزفت، وكذلك إذا رفع بعد ما صار خلا ولكن قبل أن يتطاول.
إذا أصابت الحنطة الخمر إلا أنها لم تنتفخ من الخمر فغسلت ثلاثًا ولا يوجد لها طعم ولا رائحة ذكر في بعض المواضع، عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه لا بأس بأكلها.
وفي شرح الطحاوي: أنه لا يحل أكلها، وكأن المذكور في شرح الطحاوي قول محمد – رحمه الله -.
الجزء 1 · صفحة 82
وفي المنتقى: عن أبي يوسف: لو طبخت الحنطة بخمر حتى تنتفخ وتنضج وطبخت بعد ذلك ثلاث مرات، وانتفخت في كل مرة وجفت بعد كل مرة طبخت فلا بأس بأكلها.
وفيه - أيضًا -: الدقيق إذا أصابه خمر لم يؤكل، وليس لها حيلة. وفيه ـ أيضًا ـ: قدر يطبخ فيه لحم وقع فيه خمر فغلى ماه فيه، لا يؤكل، وهذا قول محمد - رحمه الله -
وعن أبي يوسف - رحمه الله - أنه يطبخ بالماء ثلاث طبخات، ويبرد بعد كل طبخة، ويؤكل. وفي مسائل الرُّسْتُغْفَنِي: امرأة تطبخ بقدر فطار طير ? ووقع في القدر ومات، لا تؤكل المرقة بالإجماع؛ لأنه تنجس بموت الطير فيه، وأما اللحم: فينظر إن كان 2 الطير وقع في القدر حالة الغليان لا يؤكل؛ لأن النجاسة تشربت فيه، وإن كان الطير قد وقع في القدر، حالة 4 السكون يغسل ويؤكل، وهذا على 5 قول محمد - رحمه الله ـ فأما على قول أبي يوسف ـ رحمه الله ـ إذا كان الوقوع في القدر حالة الغليان يطبخ في الماء ثلاث مرات، ويبرد في كل مرة ويؤكل.
وكذلك الجمل المشوي، إذا كان في بطنها بعر فأصاب بعض اللحم في حالة الشي فطريق غسله ما ذكرنا عند أبي يوسف ـ رحمه الله -.
أبو يوسف عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - رجل اتخذ مُرَّيَّا من سمك وملح وخمر، قال: إذا صار مرقا لا بأس به، للأثر الذي جاء عن أبي الدرداء - رضي الله عنه -.
وأبو يوسف - رحمه الله - يقول: كذلك إلا في خصلة واحدة، أن السمك إذا كان هو الغالب والخمر قليل وأراد أن يتناوله ساعتئذ ليس له ذلك، وهو كالخبز عجن بالخمر إذا كان الخمر غالبًا ويحول الخمر عن طبعها إلى المُرِّيّ فلا بأس بذلك.
وفيه - أيضًا ـ عن أبي يوسف - رحمه الله - لو أن رجلاً اتخذ من الخمر طيبا، أو ألقى فيه دواء فإنه لا يحل له أن يتطيب وأن يمشط به ولا يحل له بيعها؛ لأن ذلك لا يغيرها عن طبعها.
وكذلك ما خالطه الخمر من الإدام فإن الخمر تحرمه ما خلا خصلة واحدة، وهي أن تكون الخمر غالبة فتحول عن طباعها إلى الخل أو المري.
وعن أبي يوسف ـ رحمه الله - لو أن رغيفًا من الخبز المعجون بالخمر وقع في خل وذهب فيه حتى لا يرى، لا بأس بأكل الخل.
الجزء 1 · صفحة 83
فأما الرغيف فنجس فلا يؤكل.
وفيه - أيضًا -: لو أن خرقة أصابها خمر ثم سقطت في دَن خل، فلا بأس بأكل الخل، ولو وضع رغيف طاهر في خمر ثم وقع في خل طهره الخل.
السيف أو السكين إذا أصابه بول أو دم ذكر في الأصل: أنه لا يطهر إلا بالغسل، وإن أصابه عذرة إن كانت رطبة فكذلك الجواب، وإن كانت يابسة طهرت بالحت عند أبي حنيفة، وأبي يوسف - رحمهما الله - وعند محمد ـ رحمه الله ـ: لا يطهر إلا بالغسل.
والكرخي ذكر في مختصره: أن السيف يطهر بالمسح من غير فصل بين الرطب واليابس، وبين العذرة والبول، وعلل فقال: لأن السيف شيء صقيل، لا تتداخل النجاسة في أجزائه بل تبقى على ظاهره فإذا مسحها لا يبقى فيها إلا شيء قليل، وذلك غير معتبر.
وفي الفتاوى: سئل أبو القاسم، عمن ذبح الشاة بالسكين ثم مسح السكين بصوفها أو بما يطهر به أثر الدم عنه أنه يطهر.
وعنه: أنه لو لحس السيف بلسانه حتى ذهب الأثر فقد طهر.
وعن أبي يوسف - رحمه الله -: أن السيف إذا أصابه دم أو عذرة فمسحه بخرقة أو تراب أنه يطهر، حتى لو قطع به بعد ذلك بطيخًا، أو ما أشبهه كان البطيخ طاهرًا ويُباح أكله.
وقد صح أن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يقتلون الكفار بسيوفهم ويمسحون السيوف ويصلون معها. وإذا وقع على الحديد نجاسة من غير أن يموه بها، فكما يظهر بالغسل يطهر بالمسح بخرقة طاهرة - أيضًا - إذا كان الحديد صقيلاً غير خشن؛ كالسيف والسكين والمرآة ونحوها.
الحديد إذا أصابته نجاسة فأدخله في النار قبل أن يمسحه، أو يغسله ينبغي أن يطهر إذا ذهب أثر النجاسة؛ لكون الحرق كالغسل.
ألا ترى إلى ما ذكر في الفتاوى: إذا أحرق الرجل رأس شاة ملطخ فزال عنه الدم أنه يحكم بطهارته كذا هاهنا بخلاف ما إذا موه الحديد بالماء النجس على قول محمد - رحمه الله - لأن النجاسة قد تشربت فيه بالتمويه.
الجزء 1 · صفحة 84
وبدون التمويه لا تتشرب فيه النجاسة، بل تبقى على ظاهره فتزول بالإحراق.
وإذا أسعرت التنور ثم مسحته بخرقة مبتلة نجسة، ثم خبزت فيه، فإن كانت حرارة النار أكلت البلة قبل إلصاق الخبز بالتنور لا يتنجس الخبز؛ لأن النجاسة لا تبقى إذا يبس التنور بالنار؛ كما لا تبقى نجاسة الأرض إذا يبست بالشمس. وفي المنتقى، قال أبو يوسف - رحمه الله -: في المحتجم لا يجزئه أن يمسح الدم عن موضع الحجامة حتى يغسلها.
قال الحاكم: رأيت عن أبي حفص عن محمد بن الحسن ـ رحمهم الله ـ: أنه إذا مسحه بثلاث خرق نظاف أجزأه.
الثوب إذا أصابه مني، فإن كان رطبًا فلابد من الغسل، وإن كان يابسًا يجوز فيه الفرك، عرف ذلك بما روت عائشة - رضي الله عنها - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لها: إذا وجدت المني على الثوب، فإن كَانَ رَطْبًا فَاغْسِلِيهِ، وَإِنْ كَانَ يَابِسًا فَافْرُكِيهِ».
قال الفقيه أبو إسحاق الحافظ - رحمه الله -: المني اليابس إنما يطهر بالفرك إذا كان رأس الذكر طاهرًا وقت خروجه؛ بأن كان بال واستنجى، أما إذا لم يكن طاهرًا فلا، وهكذا روي عن حسن بن زياد عن أبي حنيفة ـ رضي الله عنهما.
قال الفقيه أحمد بن إبراهيم - رحمه الله -: وعندي أن المني إذا خرج من رأس الإحليل على سبيل الدفق ولم ينتشر على رأسه أنه يطهر بالفرك؛ لأن البول الذي هو داخل الإحليل غير معتبر، ومرور المني عليه غير مؤثر، فأما إذا انتشرالمني على رأس الإحليل لا يكفي فيه الفرك؛ لأن المني في هذه الصورة صار نجسًا بنجاسة البول ونجاسة البول لا تزول بالفرك.
فعلى هذا يقول: إذا بال الرجل ولم يجاوز البول ثقب الإحليل حتى لم يصر رأس الإحليل نجسا ... بالبول ثم احتلم؛ يكفي فيه الفرك.
قيل - أيضًا -: إذا كان رأس الذكر طاهرًا إنما يطهر المصاب بالفرك إذا خرج المني قبل خروج المذي، فأما إذا خرج المذي قبل خروج المني من رأس الإحليل ثم خرج المني؛ لا يطهر الثوب بالفرك.
وإذا فرك المني اليابس عن الثوب وحكم بطهارة الثوب، ثم أصاب الماء ذلك الثوب هل يعود نجسا؟ ففيه روايتان. وإذا كانت النجاسة على بدن الآدمي ذكر في الأصل أنها لا تطهر إلا بالغسل رطبًا كان أو يابسًا لها جزم أو لا جزم لها.
الجزء 1 · صفحة 85
وفي القدوري: لا يطهر شيء مما كان فيه نجاسة من ثوب، أو بدن إلا بالغسل؛ إلا المني؛ فإنه يجوز فيه الفرك إذا كان يابسًا على الثوب.
وإذا كان على البدن لا يكتفى بالحت، ويغسل في رواية الحسن عن أبي حنيفة - رضي الله عنهما - لأن البدن لا يمكن أن يفرك؛ ولأن لين البدن وحرارته تجاذبه فلا يزول بالحت عنه، مثل ما يزول بالفرك في الثوب فبقي على الأصل.
وذكر أبو الحسن الكرخي مسألة المني في مختصره وذكر أنها تطهر بالفرك من غير فصل بين العضو وغيره.
ويجوز إزالة النجاسة من الثوب والبدن بكل شيء ينعصر بالعصر؛ كالخل وماء الورد في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ـ رضي الله عنهما-
وقال محمد وزفر - رحمهما الله -: لا تزول إلا بالماء "
وروي في البدن عن أبي يوسف كذلك.
وفرق أبو يوسف على هذه الرواية بين الثوب والبدن.
والفرق له: أن البدن كما يقبل النجاسة الحقيقية يقبل النجاسة الحكمية 7، ثم النجاسة الحكمية اختص زوالها بالماء، فكذلك النجاسة الحقيقية، ولا كذلك الثوب.
وفي نوادر بشر عن أبي يوسف - رحمهما الله ـ: كل ما غسل به الثوب من شيء نحو الدم وأشباهه، فخرج منه الدم فعصره فانعصر حتى زال فقد ذهب النجس.
والأدهان لا تخرج الدم؛ لأن لها دسومة ولصوقًا بالمحل فلا يقدر على الاستخراج.
قال: ولو غسله بلبن أو خل، فانعصر موضع الدم حتى خرج من الثوب فقد طهر.
وروى الحسن بن زياد عن أبي يوسف - رحمهما الله - إذا غسل الدم من الثوب بدهن، أو سمن، أو زيت حتى ذهب أثره جاز.
ولو أصاب بدنه دم؛ لم يجز إلا أن يغسله بالماء، وقد ذكرنا الفرق بين البدن والثوب على رواية أبي
الجزء 1 · صفحة 86
يوسف - رحمه الله -.
الفأرة إذا وقعت في دن تشاسته ومات واين تشاسة وسيده بودشت، قال نجم الدين النسفي - رحمه الله - ساسته راسه مار بثبوسد فقيل: كرموش أزاول أقتادة باسذكي آب درخت کزده بوذنلي وبك روز رحت كساده نود آب دمکرر محتد ورخت بستند و بعدار جند روز رحنت کساه ندموس بافند آما سده ومعلوم سذكي
موش هم أراول أمتاذست.
قال: الاحتياط في هذا أن يراق؛ لأن القلب لا يسكن إلى طهارته وزوال نجاسته، ولو بذر هذا في الأرض كان حسنًا، وهذا الذي ذكرنا قول محمد - رحمه الله ـ أما على قول أبي يوسف - رحمه الله ـ يغسل النسائج ثلاثا ويجفف في كل مرة، ويحكم بطهارته.
إذا تنجس طرف من أطراف الثوب وصاحب الثوب لا يرى ذلك، يغسل طرفًا من الثوب أي طرف ما كان من غير تحر يحكم بطهارة الثوب.
قال القاضي الإمام أبو علي النسفي - رحمه الله -: ونظير هذه المسألة، الحنطة التي تداس بالحمر فتبول وتروث ويصيب بعض الحنطة ويختلط ما أصيب منها بغيرها قالوا: لو عزل بعضها وغسل ثم خلط الكل أُبيح تناولها، وكذلك لو عزل بعضها ووهبه من إنسان أو تصدق به عليه حل له التناول يعني تناول البقية.
الفصل الثالث عشر
في الخف والنعل إذا أصابته النجاسة
وإذا أصابت النجاسة خفّا أو نعلاً؛ فإن لم يكن لها جرم؛ كالبول، والخمر فلا بد من الغسل رطبا كان أو يابسا.
وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي رحمه الله - يحكي عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل - رحمه الله -: أنه إذا أصاب نعله بول، أو خمر ثم مشى على التراب أو الرمل، حتى لزق به بعض التراب وجف ثم مسحه بالأرض يطهر عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -.
وهكذا ذكر الفقيه أبو جعفر عن أبي حنيفة وأبي يوسف مثل ذلك إلا أنه لم يشترط الجفاف.