ومضات النور ........
. في طلب العلم المبرور
جارٍ تحميل الكتاب…
ومضات النور ........
. في طلب العلم المبرور
ومضان النور
في طلب العلم المبرور
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
الأردن، عمان
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بين يدي الكتاب
أحببت أن أقدِّمَ للطالب الراغب في تعلُّم العلوم الشرعية خلاصة نصح وإرشاد مجموعة من الشيوخ الأفاضل ممَّن يعيشون في زماننا وبين أظهرنا، وكان لهم سبق قدمٍ في طلب هذه العلوم، وتجربة في تحصيلها رغم تغيّر الزمان؛ لأكون بذلك جمعت بين خلاصة تجربة أئمتنا السَّابقين كما ستأتيك في صفحات ومضات النور، وبين عصارة نصائح أساتذتنا وإخوتنا المعاصرين كما في النصائح والإرشادات العامة لطالب العلم.
نصائح عامة لطالب العلم
للشيخ قاسم بن نعيم الحنفي
الحمد لله ربِّ العالمين، حَمْداً يُوافي نِعَمَهُ، ويُكافئ مَزيدَهُ، والصَّلاةُ والسلامُ على المبعوثِ رحمةً للعالمين، سيّدِنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبهِ أجمعين.
أما بعد:
فإنّ مما مَنَّن اللهُ به على هذه الأمة المرحومة أَنْ قام علماؤُها بتسجيل تأريخهم الإسلاميّ الحافلِ بالمكرُمات والمَفَاخر؛ ليبقى مَعِيناً يشربُ منه الباديَ والحاضر، ومَعْلماً يَهْتدي به كلُّ سائر.
وكانت تراجمُ علماءِ هذه الأُمة وصالحيها أَعدلَ شاهد، وأَصدقَ مُخْبر على ذلك، فقد حَوَتْ مآثرَهُم الجليلة، وحَكَتْ أحوالَهم المُنيفة، وأَثارَهُم الشريفة التي خَدَمتْ الإنسانية جمعاء.
ولما بدأ التدهورُ العلميُّ يسري في مدارس العلماء، وتراجعَ مستوى الطلبة عمّا كان عليه سَلَفُهم الصالح من الحفظ وعلو الهمّة وحبِّ الشيوخِ والقيام بأداء حقوقهم، انتهض العلماء على اختلاف طبقاتهم ومذاهبهم الفقهية بجمع وتدوين آدابهم مع أساتذتهم، وحفظهم للأوقات، وكثرةِ
ذكرهم لله - جل جلاله -، وحالِهم في الطَلَب، وذلك لتشحيذِ الأَذهان، وإيقاظ الهِمَم، وإيقادِ البصائر، وإيثارِ الآخرةِ على الأُولى، والتأسّي بهديهم وسَمْتِهم، وكيف لا وفي قصصِهم عِبرة، وفي ذكرِهم تَتنزلُ الرحمة.
وقد اعتدنا في مَجالس شُيُوخنا أَنْ يَذكروا لنا طرفاً من عِطْر ذكرهم الفَوَّاح، والله يعلم ماذا كانت تَفْعلُ في نُفُوسنا من تأثيرٍ بليغٍ لا أُطيق بيانَهُ.
فعندما نسمعُ أو نقرأُ عن حفظهم للمطوَّلات، وكثرة تأليفهم نندهش من عُلُو همّتهم أو عن عبادتهم وتعظيمهم لشيوخهم نقول: ما هؤلاء بشراً، بل كأنهم ملائك كرامٌ، أو عن صبرهم في تحقيق المسائل، وتدقيقِ الدلائل، وقد يستغرقُ ذلك سنين طوالاً، نقول: ما يفتح اللهُ للناس من رحمة فلا ممسك لها.
أو عن قراءتهم ومُطالعتِهم التي كان فَلْياً للعبارات نقول: ذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء.
فهذا الإمام النووي عندما كان طالباً للعلم يدعوه شيخه الكمال الأَربلي ليأكل معه، فيقول: يا سيدي اعفني من ذلك، فإن لي عذراً شرعياً فتركه، وسأله بعض إخوانه: ما ذلك العذر؟ فقال: أخافُ أنْ تَسِبقَ عينُ شيخي إلى لقمةٍ فآكلها وأنا لا أَشعُرُ.
وكان - رضي الله عنه - إذا خَرَجَ للدرس ليقرأَ على شيخه يتصدّقُ عنه في الطريقِ بما يتيسّر ويقول: اللهم استر عنّي عيبَ مُعَلِّمي، حتى لا تقع عينيَّ على نقيصة.
ولمَّا تخرَّج وجَلَسَ للتدريس كان يوصي طلبتَهُ أن لا يجيئوا دفعةً واحدةً خوفاً من كِبَرِ الحَلْقة، وإذا درَّس يجلس في عطفة المسجد، ويقول: إن النفس تستحلي رؤية الناس لها، وهي تدرس في صحنِ المسجد أو صدرِه.
فانظر وفقني الله وإياك إلى هذه النفس الطاهرة التي عرفت أن بركةَ العلم تُنال بحفظِ حرمةِ شيوخِهم والأدب معهم.
وهذا الإمام فخرُ الدين الزَّيلعي - رضي الله عنه - كان يقول لطلبته: لا تقتصروا عليَّ في القراءة، فإني ما أجد نفسي إلا كواحد منكم، فإن وجدتم مَن له فضلٌ في العلوم فاقرؤوا عليه لتزدادوا به نفعاً وخيراً.
وكان الإمام الماورديُّ - رضي الله عنه - قد امتنعَ من إظهار كتبه في حياته، وعندما دَنَتْ وفاتُهُ قال لمَنْ يثقُ به: الكتبُ التي في المكان الفلاني كلها من تصانيفي، وإنما لم أُظهرها لأني لم أجدْ نيةً صالحةً، فإذا عاينتُ الموتَ ووقعتُ في النَّزَع فاجعل يَدَك في يدي، فإنْ قَبَضتُ عليها وعصرتُها فاعلم أنه لم يُقْبَل منّي شيءٌ منها فاعْمِدْ إلى الكتب وأَلقها في دَجِلة، وإن بسطتُ يدي ولم أَقبض على يَدك فاعلم أنها قد قُبلَت وأَني ظَفِرتُ بما كنت أرجوه من النيّة.
وقد وقع هذا له وباركَ الله في تصانيفه ببركة نيّته، وحُسْن طويّتِهِ، وسلامةِ صدره من الأدواء الباطنية، وهكذا تكونُ الهمم، وهكذا تكون الرجال.
ولله درُّ أبي الحسن الكرخي - رضي الله عنه - وهو يقول: أوصانا شيوخنا بطلب
العلم، وقالوا لنا: اطلبوه واجتهدوا فيه، وفلأَنْ يُذَمَّ لكم الزمانُ أحسنُ من أن يُذَمَّ بكم الزمان.
فاجتهد ـ أيها الأخ الراغب في تحصيل العلم في أنْ تجدَ شيخاً عالماً عاملاً بعلمه تقيّاً نقيّاً، تقرأ عنده العلوم الشرعيّة، وتحفظَ الأدبَ معه، وأَداءَ حقوق المشيخة، وتجتهدَ في القراءةِ قبل الدرسِ وبعده، وحفظِ المسائل والتمهُّل في فَهْم الدلائل، وتقييد الفوائد، مع الذكر الكثير والطهارة الدائمة، والعبادة والتذلل بين يدي الله - جل جلاله -، فإن الطريق وإنْ صَعُبَ لكن سَهْلٌ على مَنْ سَهَّلَ اللهُ عليه.
وكنت أطلُبُ الوصيةَ من شيخي علاّمة العراق المفتي، سيدي عبد الكريم المدرس - رضي الله عنه - فيقول: ولدي إمَّا إخلاص وإمَّا إفلاس، عليك بتقوى الله واجتناب المحرَّمات، وصحبة الصالحين.
وختاماً انقل قصيدةً غرّاء يوصي فيها شيخ الإسلام تقي الدين السُّبكيُّ ولدَهُ الإمامَ بهاءَ الدين السُّبكي - رضي الله عنهم - كما في ((الطبقات الكبرى)) للتاج السُّبكي (1: 178):
وَخُذِ العُلُومَ بهمّةٍ وتفطّنٍ ... وقريحةٍ سمحاءَ ذات تَوَقُّد
واستنبطِ المكنونَ من أسرارها ... وابحث عن المعنى الأَسدِّ الأَرشد
وعليك أربابَ العلوم ولا تكنْ ... في ضَبْط ما يُلقونه بمُفَنِّد
وإذا أتَتَكَ مقالةٌ قد خالفتْ ... نصَّ الكتاب أو الحديث المُسْنَد
فاقْفُ الكتابَ ولا تَمِلْ عنه وقف ... متأدباً مع كلِّ حَبْرٍ أَوحد
فَلُحُوم أهل العلم سُمَّت للجُنا ... ة عليهمُ فاحفظ لسانَكَ وابْعُد
هذا وأرجو اللهَ - جل جلاله - أَنْ يكونَ كتاب أخي حضرة الشيخ المفضال الدكتور صلاح أبو الحاج نافعاً في بابه، وآخذاً بيد طلاب العلم إلى ما كان عليه سلفنا الصالح من الجدّ والمثابرة وكثرة العبادة، وحضرتُهُ قد عوَّدنا في مؤلفاته الجمع والتحقيق المتين بقلمه السيّال، وفقنا الله وإيّاه لما يحبّه ويرضاه، ونفعنا بآداب شيوخنا، وجعلنا على خطاهم سائرين. آمين.
• • •
الخلاص في الإخلاص
للشيخ قاسم بن نعيم الطائي
الحمدُ الله حقَّ حمده، والصلاةُ والسلامُ على سيّدنا مُحمَّدٍ الذي لا نبيَّ من بعده، وعلى آلهِ وصحبهِ وجنده.
أما بعدُ: فهذه مواقفُ نافعة، ومراصدُ رائعة، أخذتُها من كُتب علمائنا المُحقِّقين، والمُربِّين المُتحقِّقين؛ لتبصير الطالبين في بيان آداب طلب العلم، وتنوير السالكين في الإحتذاء بهدي سيِّد أُولي العزم، وتوضيح ما كان عليه سلفُ الأُمة، من الأَولياء والعلماء من أَهل السُّنة، ببيانٍ مُختصر، وتحقيقٍ مُحرَّر، وجعلتُها تذكرةً لي ولِمَنْ هو مثلي، واللهَ أسألُ أن ينفعنا به للعمل بالكتاب والسنة، وله سبحانه الحمدُ والفضلُ والمنَّة.
يجبُ على العالم والمتعلم وسائر طالبي الحقّ الإخلاصُ للعلم والعمل وسائر الأحوال حتى لا يبقى للشوائب كالرياء والكبر والعجب محلٌّ في العبد بل لا يبقى له إلا شهودُ الاخلاص وإستحقاقُ الثواب عليه، وإن خَطَرَ له طلبُ الثواب لزمهُ أن يشهد ذلك أنه من باب المنّة والفضل قال الله تعالى: {أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر:3]، وقال تعالى: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون} [غافر:14].
والاخلاصُ جوهرُ الأعمال الظاهرة والباطنة بل قَلبُها الحيُّ إن تمَّ تمَّتْ وقُبِلَتْ، وإن فَسد فَسدت ورُدّتْ، ولله درُّ أُستاذنا العلامة الشيخ عبد الكريم المُدرِّس حيث قال لي وأنا في مُقتبل العُمر: ياولدي إما إخلاص وإما إفلاس.
والآثارُ كثيرةٌ في الحثِّ عليه، وبيان فضله وفضل المُخلصين والإهتمام به ولو قلّ العملُ، والوعيد من تركه ولو كَثُرَ العملُ، فقد روى ابن ماجه والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين مرفوعاً أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده لا شريك له وأقامَ الصلاة وآتى الزكاة فارقها واللهُ عنه راضٍ».
وروى البيهقي مرسلاً أن رجلاً قال: «يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: الاخلاص. قال فما اليقين؟ قال: الصدق»، وروى الحاكم وقال: صحيح الإسناد: أن مُعاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال: «يا رسول الله أَوصني، قال: أَخلص نيتَك يَكفِكَ العملُ القليلُ».
وروى البيهقي مرفوعاً: «طُوبى للمخلصين، أولئك مصابيحُ الهدى تَنجلي عنهم كلُّ فتنة عظماء».
وفي رواية لأبي داود وغيره بأسناد جيد مرفوعاً: «أن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وأُبتغي به وجهه».
وروى الشيخان أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنما الأعمال بالنية، وفي رواية بالنيات، وإنّما لكل امرئ ما نوى فمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته الى اللهِ
ورسوله، ومَن كانت هجرته الى دنيا يُصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته الى ما هاجر إليه».
وكان الحسن البصري - رضي الله عنه - كثيراً ما يُعاتبُ نفسه ويُوبِّخُها بقوله: تتكلَّمين بكلام الصالحين القانتين العابدين، وتفعلين فعلَ الفاسقين المنافقين المُرائين، والله ما هذه صفاتُ المخلصين» (¬1).
وكان الفُضيل بن عياض - رضي الله عنه - يقول: «مادام العبدُ يستأنس بالناس فلا يَسلمُ من الرياء» (¬2).
وكان أبو عبد الله الأنطاكي - رضي الله عنه - يقول: «المُتزيِّنون ثلاثةٌ مُتزِّينٌ بالعلم، ومُتزِّينٌ بالعمل، ومُتزِّينٌ بترك التزين، فهو أَغمضُها وأَحبُّها الى الشيطان».
ويقول أيضاً: مَنْ طلبَ الإخلاص في أعماله الظاهرة، وهو يُلاحظ الخلق بقلبه فقد رام المُحال؛ لأنَّ الإخلاص ماءُ القلب الذي به حياتُهُ، والرياءَ يُميتُهُ».
وكان عبد الله بن المبارك - رضي الله عنه - يقول: «إن الرجل ليطوف بالكعبة وهو يُرائي أهلَ خُراسان، فقيل له: وكيف؟ قال: يحبُّ أن يقول فيه أهلُ خراسان إن فلاناً مُجاورٌ لمكة على طواف وسعي فهنيئاً له».
وكان الفضيل - رضي الله عنه - يقول: «أدركنا النَّاس وهم يُراؤون بما يعملون، فصاروا الآن يُراؤون بما لا يعملون».
¬
(¬1) نبيه المغترين ص 8.
(¬2) نفس المصدر ص 8.
وكان يقول - رضي الله عنه -: «العملُ لأجل الناس رياءٌ، وتركُ العمل لأجل الناس شركٌ، والإخلاصُ أن يُعافيَك اللهُ منهما».
قال الإمام الفقيه المحدِّث العارف بالله الشيخ سيدي عبد الوهاب الشعراني - رضي الله عنه - في «تنبيه المغترين» (¬1): «ترك العمل لأجل الناس أن لا يحب أن يعمل إلا في محلّ يحمده النّاس فيه، فإن لم يجد مَن يحمده ترك العمل وكسل عنه»، اهـ.
وللإخلاص شرطٌ وموانعُ وقوادحُ، وسأذكر لك بعضاً من كلٍّ منها ليتبصَّرَ مَن هو مثلي، ويستفيدَ العالم والمُتعلِّم.
أما شرطُهُ: فإتخاذُ شيخ عالم كامل عارف بالله خبير بطرق التربية ليعلمَ طالبُ الحقِّ طريقَ الوصول الى رُتبة الإخلاص، وههنا لا بدَّ من السلوك على أيدي كُمّل الأولياء من السَّادة الصُّوفية من أهل السنة والجماعة لتحصيل الإخلاص؛ إذ ما لا يَتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ، وصرَّح بهذا المفسِّر الآلوسيُّ في كتابه «فيض الوارد» وجميعُ ما ورد في فضل العلم والعمل إنما هو في حقِّ المخلصين السالكين طريق الحقّ عز وجل كما نبَّه عليه العارف الشعراني (¬2).
ولله درُّ سيدي أحمد الرفاعيّ وهو يقول في كتابه حال أهل الحقيقة (¬3):
¬
(¬1) ص 10.
(¬2) لواقح الانوار القدسية ص 16.
(¬3) ص 116.
وهو ـ أي الإخلاص ـ نورُ العارفين بالله؛ إذ الأعمالُ بغير الأخلاص كلُّها ظُلمةٌ، وبه تتنوَّرُ، ولذلك ارتفعت هِمممُ العارفين في الأعمال إلى الإخلاص: {أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر:3].
وأما موانعُهُ: فأكلُ الحرام والشُّبهات وقد قالوا: لا يصحُّ معها إخلاصٌ في عمل؛ لأنه لا يخلُصُ إلا مَنْ دخلَ حضرةَ الإحسان، ولا يدخل حضرة الإحسان ـ التي يعبد فيها المخلص ربه كأنه يراه، فإن لم يكن يراه، فإن العبد يراه ـ إلا المُطهَّر من النَّجاسات الباطنة والظاهرة (¬1).
وكان الحسن البصري - رضي الله عنه - يقول: قبيحٌ بالعالم أن يشبعَ في هذا الزمان من الحلال، فكيف بمن يشبعُ من الحرام.
ومنها: التطاولُ على الغير بما تحفظهُ من كلام الناس وأقوالهم في العلم، فإن ذلك الذي تتطاولُ به ليس من عملك، ولا استنبطته (¬2).
ومنها: أن تحبَّ ذكرَ الناس لك، قال إبراهيم بن أدهم - رضي الله عنه -: «ما اتقى الله مَن أحبَّ أن يذكره النَّاس بخير ولا أخلص له» (¬3).
ولمّا ترك سفيان الثوري - رضي الله عنه - التحديثَ قالوا له في ذلك فقال: «والله لو أعلم أن أحداً منهم يطلب العلم لله تعالى لذهبتُ الى منزله، ولم أُتعبه» (¬4).
¬
(¬1) لواقح الانوار القدسية ص 11.
(¬2) تنبيه المغترين ص 9.
(¬3) نفس المصدر ص 9.
(¬4) نفس المصدر ص 10.
ومنها: حبُّ الدنيا وشهواتها، وكان سفيان بن عيينة - رضي الله عنه - يقول: إذا رأيتُم طالبَ العلم كلما ازداد علماً كلما رَغِبَ في الدُّنيا وشهواتها، فلا تُعلِّموه، فإنكم تُعينونه على دخول النار بتعليمكم إياه» (¬1).
ومنها: عدمُ الورع في تناول الشبهات وعدمُ العمل بما علمه وتعلَّمه، قال الحسن البصري - رضي الله عنه -: ورعُ العلماء إنما هو في ترك تناول الشَّهوات، أمّا في المعاصي الظاهرة فتراهم يتركونها خوفاً من أن تذهبَ عظمتُهم من قلوب الناس (¬2).
وأما قوادحُهُ: فعدمُ العمل بالعلم، قال الإمام الشافعي - رضي الله عنه -: قال لي الإمام مالكٌ - رضي الله عنه -: يا مُحمَّدُ اجعل عملَك دَقيقاً وعلمَك مِلحاً.
وكان منصورٌ المعتمرُ - رضي الله عنه - يقول لعلماء زمانه: إنكم لستُم علماء، وإنما أنتم مُتلذِّذون بالعلم أحدُكم يذكر المسألةَ ويحكيها للناس، ولو أنكم عملتم بعلمكم لتجرّعتم المرار والغصص، ولَحثَّكم علمُكم على الورع حتى لا يجدَ أحدُكم رغيفاً يأكلُهُ (¬3).
وكان الإمام سفيان بن عيينة - رضي الله عنه - يقول: كيف يكونُ حاملُ القرآن عاملاً به، وهو ينام الليل ويُفطر النهار، ويتناولُ الحرام والشبهات، اهـ.
ويقول الإمام سفيان الثوري - رضي الله عنه -: «أُطلبوا العلمَ للعمل، فإن أكثرَ
¬
(¬1) نفس المصدر ص 12.
(¬2) نفس المصدر ص 13
(¬3) نفس المصدر ص 9
الناس قد غلطوا في ذلك، فظنُّوا النجاة بعلمهم من غير عمل به، فأين الآياتُ والأخبارُ الواردةُ في تعذيب مَنْ لم يعملْ بعلمه» (¬1).
ومنها: اختلالُ النية في الطَّلب لا سيما عند انفتاح الدنيا على صاحبها، وكان أبو داود الطيالسي - رضي الله عنه - يقول: «ينبغي للعالم إذا حرَّر كتابه أن يكون قصدُهُ بذلك نصرةَ الدين لا مدحُهُ بين الأقران لحُسن التأليف».
ومنها: إظهارُ عمله للناس كي يحصلَ على الحظوظ الدنيوية والمناصب الزائلة والمظاهر الخدَّاعة، وكان بشر الحافي - رضي الله عنه - يقول: «لا ينبغي لأمثالنا أن يُظهِرَ من أعماله الصالحة ذرةً فكيف بأعماله التي دخلها الرياءُ، فالأَولى بأمثالنا الكتمان» (¬2)، إلا أن يكون في ذلك دعوةُ الناس الى الإقتداء والتخلُّق برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان الإمام سفيان بن عيينة - رضي الله عنه - يقول: «إذا رأيتُم طالبَ العلم كلّما إزداد علماً كلّما رغب في الدنيا وشهواتها، فلا تُعلِّموه، فإنكم تُعينونه على دخول النار بتعليمكم إياه».
ومنها: شهودُ إخلاصه في نفسه وهو يعتقد أنه من خاصَّة أهل الله، ومَنْ كان هذا حالهُ فهو فقيرُ الحال فارغُ القلب قال الامام العارف بالله سيدي الشعراني: «قد أجمع الأشياخ على أن مَنْ شهد في نفسه الاخلاصَ احتاج إخلاصُهُ إلى إخلاص» (¬3)، وسببُ هذا المرض الغرورُ، بل الاغترارُ
¬
(¬1) نفس المصدر ص 9
(¬2) نفس المصدر ص 13.
(¬3) لطائف المنن ص 31.
بمن يَخدعُهُ بالمدح الكاذب، ويُخيِّلُ إليه أنّه من المخلصين، وهو في الحقيقة فارغُ اليدين.
منها: تثاقلُهُ من الاشتغال بالعلم، وعلامتُهُ إنصرافُهُ في الغالب الى مجالس الطعام والمُسامرة والإشتغال بذكر الناس بالسوء بدعوى التحذير الكاذب والنصح الفاسد، بل الإنشغال بالسفر لغرض المتعة وترك المستفيدين منه بلا راعٍ لهم ولا داعٍ، وهذا من أهمّ أسباب ضياع العلم والمدارس وتربية الأهل والطلاب يقول الامام سيدي الشعراني - رضي الله عنه - سمعتُ سيدي علياً الخواصَّ - رضي الله عنه - يقول: «من علامة الإخلاص في العلم أن لا يَثقُلَ عليه الاشتغالُ به عند طلوع روحه، ومتى سُئل عن مسألة وهو محتضرٌ، فقال: إليك عني دلَّ على عدم إخلاصه، فلا فرقَ عند المخلص بين قول مَن يقول له: قل استغفر الله أو سبحان الله، وبين مَن يقول له: علِّمني فروض الوضوء، على حدٍّ سواء، وهذا الخلق قلَّ مَن يتخلَّقُ به من طلبة العلم، بل غالبهم يرى النّاس كلّهم هالكين إلا هو فقط، فإن أمرهم بمعروف بنفسٍ فربَّما قابلت نفسه الأنفس، فوقعت الإبائة، فلم يحصل بذلك ثمرة» (¬1).
فتحصَّلَ من هذا كله أن الاخلاصَ شرطُ صحة الاعمال بل روحُها، وما نُعانيه اليوم من الرُّكود العلمي تارةً، ومن إنزلاقِ أهل العلم في مَهاوي الإنحراف الفكري أو الخلقي وعدم الإستماع الى النصح والتذكير تارةً أُخرى سببُهُ عدمُ الإخلاص في طلب الحق سبحانه، وكان سلف علمائنا
¬
(¬1) لطائف المنن ص 37.
يُفتِّشون أعمالهم الظاهرة والباطنة خشيةَ تسلُّل شوائب الرياء والعجب والكبر وغيره؛ لذا كانت الأمةُ بخير وقوة ومنعة حتى أرست قواعد الحضارة والمدنية، وفي هذا القدر كفاية ههنا لأمثالي وأستغفر الله من كلّ ما يكره الله قولاً وفعلاً وخاطراً وسامعاً وناظرةً ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
• • •
منارات إرشادية في مسيرة طالب العلم
للشيخ محمد عوامة
مقدِّماً بين يدي ذلك سؤال الله - عز وجل - التوفيق والسداد، فأقول:
الإخلاص لله عزَّ وجل:
1 ـ إن اللَّبِنَة الأولى لكل عمل في ميزان الإسلام: الإقدام على العمل مع استحضار الإخلاص لله - عز وجل -، ولا ريب أن هذا الإخلاص سيكون مع عمل موافق للشريعة، ولن يستحضر العامل الإخلاص لله مع عمل مخالف لشريعة الله.
والإخلاص في طلب العلم: أن يلاحظَ الطالب رضاء الله في طلبه، لا لدنيا، ولا لجاه، ولا لوراثة لأبيه وجده من قبله، ولا لأيّ ملحظٍ سوى ذلك، وإخلاص العبد لله في أموره: هو سرُّ نجاحه وفلاحه في الدنيا والآخرة.
ومما يذكره أئمتنا المحدِّثون في كتبهم في الحض على الإخلاص في طلب الحديث الشريف: قول الإمام حمّاد بن سلمة - رضي الله عنه -: ((مَن طلب الحديث لغير
الله مُكِر به))، ولما كان علم الحديث هو العلمَ السائد آنذاك خصَّه حماد بن سلمة بالذكر، ومعلوم بداهة أن طلب علم التفسير ـ مثلاً ـ ليس دون علم الحديث في الشرف والمكانة في الدين، وكذلك سائر علوم الإسلام، فإن طلب أيّ علم منها من غير إخلاص لله تعالى في طلبه سبب لمكر الله - جل جلاله - بصاحبه، {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُون} الأعراف: 99.
وقال غيره: ((من طلب هذا العلم لله سَعِد وشَرُف في الدنيا والآخرة، ومن لم يطلبه لله خسر الدنيا والآخرة)). [فتح المغيث 2: 312].
شرف العلم الذي يحصله طالبه وشرف المكانة التي يتبوأها:
2 ـ وثاني أمر يتوجَّب على طالب العلم أن يعلمه هو: شرف العلم الذي هو بصدد تحصيله، وشرفُ المكانة التي يتبوأها، ليؤدي حق الله تعالى في أمرين اثنين:
أولهما: يعطي العلم حقَّه فيبذل كل نفيس ورخيص ليحصل على أكبر قدر من هذا العلم الشريف الذي اختاره الله تعالى له من بين الملايين من الأمة المحمدية، وليصون هذا العلم العزيز العظيم فلا يمتهنه، وإذا لم يعرف الطالب قيمة العلم، وشرف مكانته فإنه لن يقوم بهذين الحقَّين عليه.
إن على طالب العلم أن يفخرَ بفضل الله عليه، ولا يرى نفسَه ضعيفاً، ويرى زميله في الدراسة الابتدائية ـ مثلاً ـ وقد صار طبيباً، والآخر مهندساً، والثالث رجل أعمال، وبقي هو طالب علم، إمام مسجد، خطيب جمعة!! عليه أن يدرك فضل الله عليه: أن أمره ونهيه وتحليله وتحريمه، من أمر
الله العظيم ونهيه، من تحليل الله وتحريمه، يقول بقول الله، ويقول الله بقوله، فأيُّ شرف أعظم من هذا الشرف! إنه في إمامة المسجد الوسيطُ بين العباد وربهم سبحانه وتعالى، صلاتُهم بصلاته، وصلتُهم بالله بِصِلته، هذه هي المكانةُ المرموقة الحقَّة لطالب العلم إذا عَرَفَ حَقَّ الله وحَقَّ العلم.
إن الحديث عن شرف العلم وفضيلته، وشرف طالب العلم وفضله يستوعب أمسيات وأمسيات، ولكنّي أقتصر على التنبيه إلى معنى واحد فقط، يكون عنواناً ـ إن شاء الله ـ على ما وراءه.
إن الله تعالى أنار للناس عامةً الطريق إلى الإيمان به، والعمل بشرعه، في كتابه الكريم، ولما كان لا بدّ لهذا الكتاب الكريم من مبلغ وشارح له: أرسل رسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم - مبلغاً وداعياً وشارحاً، ولكن محمداً - صلى الله عليه وسلم - ممن تنطبق عليه ـ من هذه الناحية ـ ما ينطبق على البشر جميعهم: الحياة ثم الموت، فكان لا بدّ لسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خلفاء عنه ووراثاً له، فاقتضت حكمة الله تعالى أن يكونوا هم العلماء، وعبَّر - صلى الله عليه وسلم - عن هذا المعنى بقوله الكريم: «إن العلماء ورثة الأنبياء»، وليس فوق هذه الرتبة إلا رتبة معها أو تسبقها، تلك هي رتبة الخلافة عن الله عز وجل في تبليغ شرعه إلى الناس، فكان هذا الخليفةُ هو طالبَ العلم اليوم، وعالمَ الغد، ومفتيَ المستقبل.
وقد قال الإمام ابن القيم كلاماً نفيساً أنقله بطوله من مقدمة كتابه ((إعلام الموقعين)) قال - رضي الله عنه -: ((ولما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلم بما يبلّغ، والصدق فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالماً بما يبلّغ، صادقاً فيه، ويكون ـ مع ذلك ـ حسن
الطريقة، مرضيّ السيرة، عدلاً في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان منصبُ التوقيع عن الملوك بالمحلّ الذي لا يُنكر فضله، ولا يُجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيَّات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات؟!.
فحقيق بمن أُقيم في هذا المنصب أن يُعِدَّ له عُدّته، وأن يتأهب له أُهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أُقيم فيه، ولا يكونَ في صدره حرج من قول الحق والصدع به، فإن الله ناصره وهاديه، وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه ربّ الأرباب فقال - جل جلاله -: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} النساء: 127، وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفاً وجلالة إذ يقول في كتابه: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ} النساء: 176، ولْيعلمِ المفتي عمن ينوب في فتواه، وليوقنْ أنه مسئول غداً، وموقوف بين يدي الله.
وأوّل مَن قام بهذا المنصب الشريف سيّد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين عبد الله ورسوله وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده)). انتهى كلامه.
وهذه المرتبة العظيمة التي لا مرتبة تعدلها ينبغي لصاحبها أن يتصف بأعظم الصفات الكاملة، وقد أشار رحمه الله إلى بعضها.
وأعود إلى مطلع هذه المنارة الإرشادية الثانية التي ابتدأت الحديث عنها:
إن هذه المرتبة تستحق من طالبها أن يبذل للوصول إلى أدنى مراتبها أعلى
وأغلى ما عنده، إنها مرتبةُ الوراثة لرسول الله، إنها حقاً أشرف المراتب وأعلى المقامات.
وإذا كان طالب اليوم، وعالم الغد، ومفتي المستقبل يملك التوقيع عن الله ملك الملوك وجبار الأرض والسموات، فما هو مدى الرفعة التي رفعه الله إليها؟! وإلى أيّ مدى يتوجَّب عليه أن يصون هذا الشرف الرفيع، ويحافظ عليه بروحه ودمه!!.
إنه حقاً يجب على طالب العلم أن يعرف شرف العلم الذي يطلبه، وشرف المكانة التي بوأه الله إياها.
وأيضاً: إن العلم عظيم وشريف، فمن أعطاه حقه من التعظيم والتكريم، كرَّمه العلم ورفعه، ومن قصّر في حقه فإنه هو المُهان لا العلم، العلم يبقى عظيماً بتعظيم الله له؛ لأن العلم الذي نحن بصدد الحديث عنه متمثل بكتاب الله وسنة رسوله، والله عز وجل أجلُّ من أن يترك كتابه وسنة رسوله عبثاً للمفسدين في الأرض.
الازدياد من تحصيل العلم والحرص على الفائدة:
3 ـ المَعْلَم الإرشادي الثالث: هو نابع وتابع للذي قبله. فالذي قبله: أن يبذل طالب العلم أنفس ما لديه في تحصيل العلم، وإن من معالم هذا البذل ومؤشراته الداله على صدق هذا الطالب في طلبه: هو أن يزداد يوماً بعد يوم حباً لتحصيل العلم، وحرصاً على الفائدة، ومحاسبةً لنفسه دقيقة، على كل دقيقة زمنية تمرّ به ماذا استفاد فيها وحصّل:
أليس من الخسران أن ليالياً ... تمرّ بلا نفع وتحسب من عمري!
وللسلف ـ بل لصبيان السلف ـ عجائب. قال الإمام السخاوي 2: 313 ـ من ((فتح المغيث)): ((ومن أبلغ ما يحكى عن السلف في ذلك قول سلمة بن شبيب: كنا عند يزيد بن هارون، فازدحم الناس عليه، فوقع صبيّ تحت أَقدام الرِّجال، فقال يزيد: اتقوا الله وانظروا ما حال الصبي؟! فنظروا فإذا هو قد خرجت حدقتاه وهو يقول: يا أبا خالد زدنا، فقال يزيد: إنا لله وإنا إليه راجعون، قد نزل بهذا الغلام ما نزل وهو يطلب الزيادة؟!)).
وحَضَر الشريف التلمساني ـ وهو في أول طلبه العلم ـ درس أستاذه أبي زيد بن الإمام، وعَرَض الأستاذ للحديث عن الجنة ونعيمها فسأل التلميذ أُستاذه: هل يُقرأ في الجنة العلم؟ فأجابه الأستاذ أبو زيد بجواب عام: نعم، فيها ما تشتهيه الأنفس وتَلَذُّ الأعين. يعني: إن اشتهيت قراءة العلم حقَّق الله لك ذلك، وإلا فلا، فقال التلميذ: لو قلتَ: لا، لقلت لك: لا لذة فيها! فعجب الشيخ منه، ودعا له.
ولم تمض سنوات قلائل إلا وبلغ هذا التلميذ من العلم مبلغاً، وبينما كان في حلقة شيخه أبي زيد نفسه إذْ بالشيخ يقرّر مسألة على خلاف ما هي، فنبّهه التلميذ إلى الصواب فيها، فرجع الشيخ إلى قول التلميذ ودعا له بخير وأنشده البيتين المشهورين مداعباً له:
أعلِّمه الرماية كلَّ يوم ... فلما اشْتَدَّ ساعده رماني
وكم علَّمته نظم القوافي ... فلما قال قافية هجاني
وهاتان القصتان تؤكدان صحّة قول الإمام صاحب ((الحكم)): ((مَن لم
تكن له بداية محرقة، لم تكن له نهاية مشرقة)).
العمل بالعلم:
4 ـ المنارة الرابعة: على طالب العلم خاصة، وعلى كل مسلم عامة أن يرسِّخ في قلبه ولبّه أن العلم للعمل به، لا للخُطَب والمحاضرات، والندوات والمؤتمرات، ولا للمحاورات والمناظرات، ولا للتأليف والتحقيق، إنما العلم للعمل، لينقذ الطالبُ نفسه أولاً من السير إلى الله على غير هدى ولا بصيرة، ثم لينقذَ مِن الأمة مَن يُرشده الله على يده، ليكون عالماً معلماً، هادياً مهدياً، داعياً إلى الله، على نور من الله، هذا هو العلم النافع، الذي علَّمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نسأل الله تعالى إياه صبيحة كل يوم بعد صلاة الفجر: ((اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً طيباً، وعملاً متقبلاً)).
واستعاذ - صلى الله عليه وسلم - من علم لا ينفع، أي: لا ينفع ولا يضر، ذلك أن العلم الذي لا ينفع هو في الحقيقة ضارّ، ينفق فيه الطالب من وقته وجهده وماله دون عائدة ولا فائدة، فهو في خسران، أما العلم الضار المحض: فذاك مستعاذ بالله منه من بابِ أولى.
إذن فالعلوم ثلاثة: علمٌ نافع، وعلمٌ ضار، وعلمٌ غير نافع وغير ضار، فالمسئول من الله تعالى هو العلم النافع، وهو الضالة المنشودة، وما سواه فمستعاذ بالله منه.
روى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (4406) عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان يدعو في سجود التلاوة ويقول: ((اللهم لك سجد سوادي، وبك آمن
فؤادي، اللهم ارزقني علماً ينفعني، وعملاً يرفعني)).
والعلم النافع: هو الذي يحمل صاحبه على العمل بكل ما يعلم، ويبادر إلى ذلك، خشية أن يكون علمه حجة ووبالاً عليه، لا حجة له، وهذا هو واجبٌ خاص على خاصة المسلمين: العلماء وطلاب العلم، وواجب عام على كافة المسلمين إذا سمعوا شيئاً من هدي الإسلام بادروا إلى تطبيقه.
قال الإمام الذهبي في ((السِّير)) 14: 63 في ترجمة أبي عثمان الحيري: كان إذا سمع سنَّة لم يستعملها وقف عندها حتى يعمل بها.
يشير بذلك إلى قصة حكاها الخطيب في ((الجامع)) 1: 145 فيها أن أبا جعفر أحمد بن حمدان النيسابوري كان عمل مستخرجاً على صحيح مسلم، وصار يجلس لقراءته على الناس في مسجده بين المغرب والعشاء، وكان ممن يحضر عليه قراءته صديقه أبو عثمان الحيري، وهو إمام أيضاً، وفي يومٍ صلى أبو جعفر ابن حمدان العشاء وصلى معه أبو عثمان الحيري بإزار ورداء، كهيئة المحرم بالحج أو العمرة ـ وكان ذاك منه في نيسابور ـ فقال ابن أبي جعفر ابن حمدان لأبيه: يا أبة أبو عثمان قد أحرم؟ فقال: لا، ولكنه هو ذا يسمع مني «المسند الصحيح» الذي خرَّجته على «كتاب مسلم»، فإذا سمع بسنَّة لم يكن استعملها ـ أي: لم يكن عمل بها ـ فيما مضى أحب أن يستعملها في يومه وليلته، وإنه سمع في جملة ما قرئ عليَّ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في إزار ورداء، فأحبَّ أن يستعمل تلك السنَّة قبل أن يصبح.
وأبو جعفر ابن حمدان هذا يحكي عن نفسه أنه كان مرة في مجلس الإمام
الكبير أبي عبد الله محمد بن نصر المروزي، فحضرتْ صلاة الظهر، فقام الإمام محمد بن نصر وأذّن للصلاة، قال أبو جعفر: فخرجت من المسجد، فقال ابن نصر: يا أبا جعفر إلى أين؟ فقلت: أتطهَّر للصلاة، فقال: كان ظني بك غيرَ هذا! يدخل عليك وقت الصلاة وأنت على غير طهارة!! [الجامع 1: 143].
وجاء الإمامَ أحمدَ طالبُ علم ونزل ضيفاً عنده، فكان من كرم ضيافة الإمام رضي الله عنه له: أنْ جاءه بالمِطْهرة وفيها الماء، فوضعها قرب غرفة الضيف، وأعدَّها له حتى إذا قام إلى صلاة الليل وجد الماء حاضراً، فلما أصبح الإمام نظر إلى الماء فإذا هو كما وضعه، فقال الإمام: سبحان الله! رجل يطلب العلم لا يكون له ورد من الليل!!. [الجامع 1: 143].
8888 الأدب:
5 ـ المنارة الخامسة لطالب العلم في مسيرته: الأدب. وكلمة الأدب بمعناها العام تشمل الإسلام كله، واجباتِه وكمالاتِه، ومن ذلك: الأدب مع الوالدين، ومع عباد الله أجمعين، ومع خاصة عباد الله: الصحابة والعلماء نَقَلة الشريعة.
ويتصل بهذا اتصالاً كبيراً جداً، ووثيقاً جداً:
النقد:
6 ـ المنارة السادسة وهي: اليقظة في العلم والنباهة فيه، وربط جديدِهِ بقديمه، أقصد المعلومة الجديدة بالمعلومة القديمة، وأعبِّر عن هذا المعنى
بكلمة واحدة: النقد، فهما ركنان أساسيان متآخيان لا ينفكّ أحدهما عن الآخر: الأدب في العلم والنقد، ومعنى هذا: أن طالب العلم عليه أن يكون متوقِّد الذهن حين قراءته فإذا مرّ به قول جديد عليه ربط بينه وبين ما عنده من معلومة أخرى تتصل به، وحاكَمَ بين النقلين أو المعلومتين، فإذا رأى ما يستدعي النظر والتوقف قام وبحث وراجع وقلَّب الكتب والمصادر هنا وهناك، ليصل إلى نتيجة مطَمْئنة، فإن وصل إلى توفيق وجمع بين الأقوال، فبها ونعمت، وهذا هو شأنُ العلماءِ المتمكِّنين، وإن لم يكن الطالب من أهل الدِّراية والترجيح رَجَعَ إلى مَن يَثِقُ به في هذا الباب من أَساتذته ومُربّيه، مهما كان شأن المسألة صغيراً، وإن وجد من نفسه المُكْنة والأهلية: رجَّح وقوّى وأتى من نصوص العلماء بما يكفي ويشفي، والتزم الأدب مع من خالفه من العلماء الآخرين.
هذا هو واجب طالب العلم في مثل هذه المواقف: أدب وتحقيق ونقد، متكافئان لا يطغى أحدهما على الآخر.
وفئتان أُخريان من طلبة العلم على غير هذا السَّنَن، فئة يطغى عندها جانب الأدب مع من يقرأ كلامه الحاليّ الجديد، ولا يحاكمه إلى معلوماته السابقة، فلا يفلح ولا يصل إلى علم صحيح سليم، وفئة يطغى في نفوسها جانب النقد والتمحيص، فتقع في الشَّطط وسوء الأَدب مع الأئمةِ الآخرين.
و «كلا طرفَيْ قصدِ الأمور ذميم»
إن حِلْية طالب العلم: أن يكون يقظاً واعياً محاكماً للأُمور بعقلية العالم
اللمّاح، وبأَدبِ العالمِ المتّزِن النزيه، فيكون قد أَدّى للعلم حَقَّه، وللعلماء حَقّهم، أمّا إذا رَجَح فيه خُلُق الأدب زَلّ وما وصل إلى حقائق العلم، وإذا رَجَح فيه جانب النقد زلّ أَيضاً وحاد عن الحقِّ الواجب على كلِّ مسلم أن يَتَحَلَّى به مع أئمة العلم، وستأتي أمثلة ذلك قريباً.
التثبت:
7 ـ والمنارة الإرشادية السابعة هي: أن يتحلَّى طالب العلم بالتثبُّت في أحواله العلمية كلها: أن يكون متثبتاً فيما يقرأ، وفيما يحفظ، وفيما يفهم من النصوص والمصطلحات، وفيما ينقله من مسائل العلم مشافهة أو كتابة وتدويناً.
ومن ألفاظ المحدثين في أحكامهم على الرواة تعديلاً وثناء على الرجل منهم قولهم فيه: فلان ثَبْت، وعلماء العربية يقولون: الثَّبْت: هو المتثبّت في أموره. ومعنى ذلك: أنه إذا عَرَض لهذا الرجل وقفة في آية كريمة يحفظها، أو في كلمة يرويها أو حكم ينقله وقف ولم يرو ولم ينقل، بل رجع إلى مصادره، رجع إلى المصحف الشريف مثلاً، أو إلى ما يسميه المحدثون: الصحيفة التي كتبها عن شيخه فلان، وتثبَّت من هذه الكلمة كيف كتبها عن الشيخ، أو كيف هي في الكتاب الذي قرأه على الشيخ أو سمعه منه، ثم يرويها.
وتثبُّتُ طالب العلم فيما يقرأ: تأسيس لما يُبنى عليه من الحفظ والفهم، ثم التعليم والتلقين والتأليف والفتيا، وهذه أمور تدخل عند العلماء في باب يسمى عدمُ التثبت فيه: التحريف والتصحيف، ولهم حكايات هي نكت
وطرائف مضحكة!، منها:
أن أصحاب السنن الأربعة رووا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الحِلَق قبل الصلاة يوم الجمعة. قال الإمام الخطابي في شرحه ((معالم السنن)) على ((سنن أبي داود)): ((كان بعض مشايخنا يرويه أنه نهى عن الحَلْق، بسكون اللام، وأخبرنا أنه بقي أربعين سنة لا يحلق رأسه قبل الصلاة يوم الجمعة! فقلت له: إنما هو الحِلَق، جمع الحَلْقة، فقال: قد فرَّجتَ عني، وجزّاني خيراً ـ أي: قال له: جزاك الله خيراً ـ، وكان من الصالحين رحمه الله)). انتهى.
ومنها: ما حكاه الإمام أبو أحمد العسكري في كتابه: ((تصحيفات المحدثين)) 1: 14، وكتابه الاخر ((شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف)) ص 7 أن بعض مشايخ الرواية ـ لا الدراية ـ روى حديثاً قدسياً، جاء معه فيه: ((عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، عن جبريل، عن الله، عن رجل، قال راوي القصة: فنظرت فقلت: من هذا الذي يصلح أن يكون شيخاً لله؟! فإذا هو صحَّفه، وإذا هو: عن الله - عز وجل -)).
وخير وقاية من الوقوع في هذه التصحيفات المنكرات: تلقّي العلم عن الشيوخ المتقنين والمصاحبةُ لهم، ولهذا كانوا ينصحون مَن بعدهم ويقولون: ((لا تحملوا العلم عن صَحَفي، ولا تأخذوا القرآن من مُصْحَفيّ)). وقد صدّر العسكري كتابه ((تصحيفات المحدثين)) بهذا القول عن رجلين ـ كلٌّ بإسناده ـ وصدَّر قولهما بكلمة: ((كان يقال)).
وإذا تجاوز الطالب هذه المرحلة وصار متأهلاً للقراءة والبحث بنفسه:
فمن أهم مظاهر التثبُّت في علمه ونقوله وكتاباته أن يلتزم أمرين:
أولهما: أن يأخذ الأحكام وكلَّ ما يحتاجه من مصادر أصلية قديمة، وكلما رجع إلى الوراء ـ زمناً ـ تقدم إلى النبع الصافي علماً وتحقيقاً، إلا في حقّ عدد قليل من العلماء وكتبهم، فإنهم وإنْ تأخروا زمناً لكنهم يحكون الأئمة المتقدمين في علومهم وتحقيقهم، ولا بدّ لطالب العلم من الرجوع إلى كتبهم فيما يعتمده من أقوال وفتاوى.
ثانيها: أن يراجع مصادر العالم الذي يقرأ له إن كان ناقلاً، حتى لو كان هذا العالم الذي يقرأ له ممن وصفتهم قبلُ: أنهم يحكون الأئمة المتقدمين في علومهم، وهذا تطبيق للمنارتين السابقتين: الخامسة والسادسة: الأدب: برجوعنا واعتمادنا لكتب أئمتنا، والنقد: بمراجعاتنا للكتب التي ينقلون عنها؛ للتثبت من النقول.
ونحصل بهذا الأمر على نتائج عديدة مفيدة: منها: البراهين العلمية على إمامة أئمتنا ودقتهم فيما ينقلون، وعمن ينقلون.
ومنها: تصفية ما قد يكون حصل لأحدهم من سهو في النقل، فإذا كان في كتاب الإمام الفلاني ألف نقل، وأقدمتُ على تحقيقه، والتزمت تخريج نقوله الألف، وتبيَّن لي أنه سها في اثنين أو ثلاثة، فأكون قد خدمت هذا العالم وبرهنت برهاناً عملياً على إمامته، وعلى دقته في نقوله وأحكامه، وأكون أيضاً قد خدمت العلم والدين خدمة علمية حقَّقتُ فيها الصواب في هاتين المسألتين أو الثلاثة، وأكون قد قدَّمت لطلاب العلم والقارئين المستفيدين
منه كتاباً كلُّه نقول محققة سليمة، وهذه غاية تُقصد لذاتها.
ترك الأقوال الشاذة النادرة:
8 ـ المنارة الإرشادية الثامنة لطالب العلم: أن يلتزم في عمله وفتواه ما عليه جماهير علماء المسلمين في أقوالهم ومذاهبهم، ويترك الأقوال الشاذة أو النادرة ـ كما سماها بعض السلف ـ، يترك تلك الأقوال جانباً مهجورة، كما تركها علماؤنا وأئمتنا مهجورة. ولا أقصد بقولي: أن نأخذ بما عليه جماهير علمائنا: أي: أن نأخذ المسألة التي اتفق على القول بها جماهيرهم؛ لأنّ اتفاقَ جماهيرهم على قول واحد نادر جداً جداً، إنما أَقصد: أن الحكم الفلاني جاء فيه عن علمائنا السابقين قولان أو ثلاثة أو أربعة، ولأَفرِض أنّ كلَّ مذهبٍ من المذاهبِ الأربعةِ المشهورةِ قال قولاً في هذا الحكم، ومع كلِّ إمامٍ من الأئمةِ الأربعةِ أئمةٌ آخرون من السلف ممن قبلهم وممن بعدهم: موافقون له في قوله، وشَذَّ عن هذه الجمهرة الكبيرة من علمائنا واحد أو اثنان أو ثلاثة فقال قولاً خامساً مخالفاً للأقوال الأربعة، فإن واجب طالب العلم أن لا يخرج عن قول من الأقوال الأربعة إلى ذاك القول الخامس المخالف لجماهير العلماء.
هذا خطأ كبير يعيشه كثير من طلاب العلم في زماننا، بل إنه يحلو في نفوسهم، نتيجة الفوضى العلمية التي عاشوها، وقد قال الإمام الأوزاعي رحمه الله: ((من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام))، وهذا كلام إمام مجتهد
أدرك الصدر الأول من أئمة الإسلام، وكانت وفاته سنة 157 هـ، وعرف ما فيه من أَقوالٍ بعيدةٍ شاذةٍ لا يجوز العمل بها، مع جلالةِ أَصحابها، وشيوخُه جلُّهم من التابعين كبارهم أو صغارهم.
وقال سليمان التيمي ـ وهو أسبق زمناً من الأوزاعي ـ: ((لو أخذتَ برخصة كل عالم اجتمع فيك الشرُّ كلُّه))، وممن روى هذه الكلمة عنه الإمام حافظ المغرب ابن عبد البر وقال: ((هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً)).
وفي ((طبقات الشافعية الكبرى)) للتاج السبكي 2: 125 حكاية بعض الأقوال الشاذة عن بعض الأجلّة، وعلَّق عليها من كلام أحد أئمة الحديث والفقه: أبي عليّ الكرابيسي، قال الكرابيسي: ((فإن قال قائل: هؤلاء ـ أي أصحاب الأقوال الشاذة ـ من أهل العلم، قيل له: إنما يهدم الإسلام زلة عالم، ولا يهدمه زلة ألف جاهل، قد حكم بعض أهل العلم بما لا يحلّ له، ولا يجوز في الإسلام، فقد قضى شُريح بقضايا ليس عليها أحد من المسلمين، ولا له حجة من كتاب ولا سنة ولا أثر، ولا يثبت بجهة من الجهات)).
ولو بحث باحث عن ترجمة القاضي شُريح لرأى أنه أقضى قضاة الإسلام لولا ما جاء عن النبي في سيدنا عليّ أنه أقضى الصحابة رضي الله عنهم جميعاً، ومع ذلك ترى ما يقوله الكرابيسي في بعض أقضية شريح، فلا يجوز لمن يتمسك بقول شاذ نادر ضعيف الخلاف أن يَتَجوَّه علينا بأنه قول فلان وهو إمام، وهو حجّة، وهو مجتهد، وهو وهو .. ، فنحن إذن نَتَجوَّه عليه أيضاً بأن الإمام فلاناً وفلاناً ـ ومئات من الأئمة ـ خالفوه، بل هجروا قوله وما قالوا به.
وإذا كان على طالب العلم أن يحذر الأخذ بخلاف الواحد أو الاثنين لجماهير علماء الإسلام، فعليه أن يحذر أمراً آخر أشدَّ خطأً وخطراً منه، هو أن يجعل عالماً أو عالمين حَكَماً على جماهير علماء الإسلام، فيجعل الأخذ بقول هذا وذاك شعاراً له ودثاراً، وينبِذ وينبِز كل قول لغيره!!.
فالحَذَر الأول: أن يلجأ إلى قول عالم أو عالمين خالفا الجماهير، ليرقِّع دنياه أو دنيا غيره بدينه، أو ليترخَّص في نفسه أو في نفس غيره.
أما الحَذَر الثاني: فأن يُسْلِم قياده العلمي إلى واحد أو اثنين من علماء المسلمين، فكلُّ ما يصدر عنهما تبنَّاه ونافح عنه وكافح، ودفع عنه ودافع، وترك السواد الأعظم والآلاف المؤلفة من علماء الأمة! وهذا منهج لا يسوغ علماً ولا عقلاً.
سبع وصايا لطلاب العلم:
وأختم كلامي ـ وأعتذر عن طوله ـ بوصايا أسردها سرداً:
ـ الوصية الأولى: أن يُولي طالب العلم، أو وليُّه المرشد له، اهتماماً منه بالغاً بحفظ القرآن الكريم من أول نشأته العلمية.
ـ الوصية الثانية: أن يُولي اهتماماً بالغاً أيضاً بحفظ الأحاديث الشريفة.
ـ الوصية الثالثة: أن يُختار له اختياراً من قبل أحد خاصة أساتذته متنٌ في كل علم من مختصرات العلوم، متن في النحو، كالألفية مثلاً، ومتن آخر في فقه مذهبه، ومتن آخر في علم أصول مذهبه، ومتن في علم العقيدة، وهكذا.
وسبب تركيزي على الحفظ: أنّ القرآن الكريم والسنة الشريفة هما زاد طالب العلم في مستقبله، فإذا أراد أن يلقي خطبة جمعة، أو محاضرة، فسوف يبحث يميناً وشمالاً عن آية أو آيتين، وحديث أو حديثين ليستشهد بهما في حديثه، وإذا فوجئ بمجلس في أمسية مع أهله وزملائه ليستدل على كلمة قالها هو أو غيره بآية أو حديث أُحرج ليقول: أو كما قال الله ـ وهذا حرام لا يجوز ـ أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا يجوز إن أصاب المعنى بدقة، وإلا فلا يجوز. فهذان المصدران الكريمان زاده في حياته العلمية.
أما حفظ الطالب لمتون العلمية فهذا زاده في حياته العلمية، ليستذكر بمحفوظاته الأحكام وضوابطها، وجرت عادة الإنسان أن تنضبط معه الأحكام إذا حفظ النصوص والمتون نثراً أو شعراً، فلو سئل أستاذ اللغة العربية عن مسوِّغات كسر همزة إنّ وفتحها وجواز الوجهين ـ مثلاً ـ لصعب عليه حصرها وتعدادها، إن لم يكن حفظ ذلك من ألفية ابن مالك مثلاً.
وهذا الكمّ الهائل جداً من مؤلفات أئمتنا للمتون العلمية في كل فنون العلم: لم يكن منهم عن عبث وملء فراغ، لا، معاذ الله، إنما هو وسيلة من وسائلهم في ترسيخ العلم لدى الناشئة، وإلى أن يصحبهم حتى القبر.
ـ والوصية الرابعة: أن يكثر طالب العلم من صحبة العلماء والقراءة عليهم، لعددٍ من الكتب المعتمدة في العلوم الأساسية، كاللغة العربية وفنونها، والفقه وأصوله، ثم يتخيَّر من كتب أيّ علم آخر يريد التخصص فيه.
ولكن مع هذه الوصية:
ـ وصية خامسة هي متمثلة بقول الإمام التابعي الكبير محمد بن سيرين رضي الله عنه: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.
إن الطالب ليس له خيار ولا اختيار لأستاذ المادة الفلانية في سنوات الدراسة النظامية، فهو ملزم بحضور المادة الدراسية على الأستاذ دون اختيار منه، ولو لم تكن الأرواح مؤتلفة، أما في دراسته الخاصة وتلقيه للعلم على أستاذ خاص: فهذا له فيه خيار اختيار، وعليه أن يلتزم بوصية الإمام ابن سيرين هذه.
ـ الوصية السادسة: على طالب العلم مهما بلغ شأنه في العلم أن يراجع شيوخه السابقين في حل مشكلاته العلمية، ممن يثق بأهليته لذلك، ولا يتشبَّع بنفسه، ولا تتعذَّر أو تتعسَّر عليه نفسه أن يرجع إلى غيره.
ـ الوصية السابعة: أقولها وفي نفسي خجل منها، وما يدفعني ويجرؤني على قولها إلا حبّ النصح لإخواني طلبة العلم، و «النصح أغلى ما يباع ويوهب»، هي: أن يحرص كلُّ طالب علم على أن يكون له شيخ أو أكثر يتربّى على أيديهم التربية المسجدية المشيخية الخاصة، فلقد خَبَرنا ووعينا أن التربية الجامعية ما آتت ثمارها، ورأينا بأم أعيننا، وببصائر قلوبنا أن الطالب من خريجي الجامعات إن لم يكن له ارتباط علمي روحي وثيق بعالم عامل صالح فلن يكون منه ثمرة صالحة للأمة، ما هي إلا شهادة ووظيفة.
ولن تظفر الأمة بعالم متمكن صالح للفتوى وحلّ معضلاتها وشُبَهها، ثم إيصال الأمانة إلى الجيل الذي بعده، إلا إذا كان متصل السلسلة والسند
بعلماء قبله، وهم عمن قبلهم، وهكذا وهكذا يستمر نقل الوراثة إليه من سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
نسأل الله الكريم أن يجعلنا منهم، ومن أعوانهم، ومن محبيهم، إنه وليّ كل خير.
تجربة في طلب العلم ونصائح للطلبة
أ. د. عبد الملك السعدي
هذا ملخَّص ما أملاه فضيلة الشيخ في منزله صباح يوم الخميس 11 من شهر ذي الحجَّة من سنة 1428 هـ، الموافق 20/ 12/ 2007 م:
* شروط لا بد منها في طالب العلم:
الإمام النووي يقول: «من المطلوب اعتقاد مَن علم وعمل ولازم الأدب وصحب الصالحين».
هذه الأمور الأربعة شروط يجب توافرها في طالب العلم حتى يكون مرشداً:
أولها: العلم، وثانيها: العمل، فلا بدَّ من العلم والعمل معاً، والإمام الجنيد يقول: «من تصوَّف ولم يتفقَّه فقد تزندق، ومن تفقَّه ولم يتصوَّف فقد
تفسَّق، ومن جمع بينهما فقد تحقَّق»، ويُضرَبُ مثلٌ على ذلك: أن رجلاً صوفياً قتل فأرة، ثم رقَّ لها، فحملها وصار يصلي وهي معه، فبطلت صلاته. فهذا مثال من تصوَّف ولم يتفقَّه.
وثالثها: ملازمة الأدب، أي: يلازم أدب النبي - صلى الله عليه وسلم - في أكله، وفي شربه، وفي نومه ... إلخ.
ورابعها: ملازمة الصالحين: فطالب العلم لا بدَّ أن يلازم أهل الصلاح، أما أن يلازم الملوك، أو الأمراء، أو التجار، أو ... ، فهذا ليس بطالب علم، ولا بفقيه، وقد كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقول في دعائه: «اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين».
هذه الأربعة ينبغي أن تكون شعار طالب العلم.
* إعادة القراءة وتكرارها:
يقولون: «العلم يشرد كما تشرد الإبل»، فكيف يتدارك طالب العلم هذا؟
يتداركه إما بالتدريس، أو بالإعادة والتكرار.
وقد رآني شيخنا الشيخ عبد العزيز السامرائي أعيد قراءة الشروح وأكرر دراستها، فقال لي: أنا ألفتُ الطلبة يحفظون المتون، ويُعيدونها ويُكرِّرونها، أما قراءة الشروح وإعادتها وتكرارها فلم أرها عند غيرك. فقلت له: هذه الكتب فيها عبارات دقيقة صعبة، فينبغي إعادتها مراراً حتى تُفهَم وتُحفَظ.
وأذكر أنني حفظت «ألفية» ابن مالك في النحو، وكنتُ أعيدها كل يوم خميس، كنتُ أصلي العصر في مسجد قرب النهر، ثم أسير بجانب النهر وأكررها.
والتدريس يُعَدُّ تكراراً أيضاً، والتدريس مراحل، فيمكن للطالب وهو ما يزال طالباً، إذا انتهى من مرحلة من مراحل طلب العلم أن يُدرِّسها لمَن هو دونه.
* التدرج في طلب العلم:
ومن المهم لطالب العلم أن يتدرَّج في طلبه، فكتاب «جمع الجوامع» مثلاً لا يُقرأ إلا بعد «الورقات»، ثم لمَّا ألَّف الشيخ عبد الوهاب خلاف كتابه في «أصول الفقه»، جعلناه أيضاً قبل «جمع الجوامع»، لأنه يُعَدُّ مقدِّمة في أصول فقه الحنفية، ويُعَدُّ «الورقات» مقدِّمة في أصول فقه الشافعية، ثم ينتقل الطالب لدراسة «جمع الجوامع».
وكذلك علم المنطق، يدرس الطالب أولاً «السُّلَّم المنورق»، وقد شرحتُه، ثم يدرس شرح الفناري على إيساغوجي، ثم كانوا قديماً يدرسون «الشمسية»، لكنها موسَّعة، فجعلنا مكانها «التهذيب» للتفتازاني بحاشية الخبيصي.
وفي نيَّتي أن ألخِّص كتاب التفتازاني بما يناسب عصرنا في كتيِّب صغير أسمِّيه «تهذيب التهذيب».
وفي الفقه الشافعي، يحفظ الطالب متن «الغاية» أولاً، ثم يدرس «عمدة السالك»، ثم «المنهاج».
وفي الفقه الحنفي، يدرس «القدوري»، ثم «ملتقى الأبحر»، ثم «الهداية».
وفي الحديث، يحفظ الطالب «الأربعين النووية»، ثم مختارات من «رياض الصالحين»، ثم يدرس «صحيح البخاري» و «صحيح مسلم». ويدرس مع ذلك علم المصطلح أيضاً.
* الحرص على العلم:
وعلى طالب العلم أن يحرصَ على طلب العلم، وأضربُ مثالاً يُوضِّح أهمية ذلك، وهو أن رجلاً يُعطى في كل ساعة مبلغاً من المال، هذا المبلغ إما أن يحفظه، وإما أن يُنفقه شيئاً فشيئاً، فإذا حفظه تحصَّل لديه مبلغ كبير منه، أما إذا أنفقه شيئاً فشيئاً فلا بدَّ أن ينتهي ولو كان كثيراً. وكذلك العلم.
* العلم والعمل:
ومن المهم جداً لطالب العلم أن يعمل بعلمه، فلا يتهاون بالسنن، ومن الذي يعمل بالسنن إذا لم يعمل بها طالب العلم؟! ومن ذلك الزي الشرعي، فإنه أمر مطلوب لطالب العلم.
صحيح أن الجوهر هو الأساس لا المظهر، لكن إذا اجتمع الجوهر والمظهر فهذا أفضل، والإسلام جواهر ومظاهر، فالإيمان مثلاً جوهر، والأخلاق جوهر، لكن العبادات ظواهر.
ومن أخطاء بعض الصوفية اهتمامهم بالباطن دون الظاهر، وقد رأيتُ أحدهم بغير لحية، فسألتُ أحد تلاميذه فقال: إن له لحية في الباطن.
وبعضهم يقول: لنا الحقيقة، ولكم الشريعة. مع أن الحقيقة والشريعة متلازمتان.
مثال ذلك: البرتقالة: يأكلها البدوي ويستفيد من الفيتامين الذي هو فيها من غير أن يعلم ذلك، ويأكلها الطبيب ويستفيد منها وهو عالم بفوائدها. كذلك المصلي إذا صلَّى وهو يعرف حِكَم الصلاة، كان كالطبيب إذا أكل البرتقالة وهو يعرف فوائدها. وكذلك الصائم إذا صام من غير أن يعرف حِكَم الصيام، وإذا صام وهو يعرف حِكَم الصيام. هذه هي الحقيقة والشريعة.
* الطموح:
ومن المهم لطالب العلم: الطموح، وقد قال - جل جلاله -: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُون} المطففين: 26، فطالب العلم طموحٌ في الازدياد من العلم على الدوام، وإذا رأى من يفوقه في العلم فإنه يغبطه، لا يحسده، أي: يطمح أن يكون مثله أو أحسن منه.
* التواضع:
ومن المهم لطالب العلم: التواضع، فالتكبر مع طلب العلم لا يجوز.
العلمُ حربٌ للفتى المُتعالي ... كالسيل حربٌ للمكان العالي
والعلم يفرض على صاحبه التواضع، وإذا تربَّى طالب العلم تربية دينية صحيحة فإنه لا ينسب إلى نفسه شيئاً من العلم.
وقد سُئل الشيخ محمد النبهان ــ من علماء حلب ــ عن طالب علم يرى في نفسه عجباً أثناء طلبه العلم، فقال له: إذا قرأتَ أو درستَ فاكتب أمام عينيك قوله - جل جلاله -: {ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء} المائدة: 54.
* التعصب لشيخ أو مذهب:
أنا أمقت شيئين: اللامذهبية، والتعصب للمذهب.
فأقول لهؤلاء الذين يأخذون بالحديث ويُناحون الأئمة المجتهدين: أن يُعرب الواحد منهم الحديث، ثم يعمل به، ولن يستطيعوا.
وأضربُ على ذلك مثالاً: نهرٌ بيني وبين رجل، أنا أحضرت الآلات والأدوات والعُمَّال لسحب الماء من النهر وإيصاله إلى البساتين، وهو يحمل بالدلو دلواً دلواً، فكيف يستطيع أن يلحقني؟! ومن كان هذا حالُه عليه أن يأخذ مني لا أن يستقلّ بنفسه فيسحب من النهر مباشرة.
أما التعصب المذهبي، فنرى أناساً يقولون: كل ما لم يقله الإمام أحمد خطأ، أو كل ما ليس من مذهب أبي حنيفة خطأ، أو كل ما ليس في مذهب الشافعي خطأ، ... وهكذا.
ولا يُفهم هذا الكلام في التزام المذهب، فالتزام المذهب غير التعصب، والتعصّب هو أن يقول: مذهبي كلّه صواب، ومذاهب الآخرين
كلها خطأ، وربما توسَّع الأمر أكثر من ذلك إلى التفسيق أو التبديع أو التكفير.
أما مُقلِّدُ إمام من الأئمة أو مذهب من المذاهب فإنه يقول: قد يكون مذهب غيري هو الخطأ، ولا يقول: مذهب غيري خطأ جزماً.
وقد يصل التعصبُ بصاحبه إلى القول بعصمة الإمام بلسان الحال، وإن لم يقولوها صراحة.
* الورع:
وعلى طالب العلم أن يُقلِّل من المباحات، ويترك المكروهات، ويجتنب المحرَّمات، لأن المكروه محرَّم في حق طالب العلم، كما قال الجنيد - رضي الله عنه -: «حسنات الأبرار سيئات المُقرَّبين»، وهذا من باب خلاف الأولى، وكل ما حصل مع الأنبياء من هذا الباب.
إبليس قيل له: اسجد، وآدم قيل له: لا تأكل من هذه الشجرة، فقال إبليس: لا أسجد، وأكل آدم من الشجرة، فهذا خالف، وهذا خالف، وقد سمَّى الله تعالى الأول كفراً، والثاني معصيةً، وذلك لأن العبرة بالإصرار، إبليس أصرَّ فطرده الله من رحمته، أما آدم فاستغفر وتاب فقبله الله، وأنت أيها العاصي إما أن تكون آدمياً أو إبليسياً.
* المداومة على طلب العلم:
الأصل في طالب لعلم مواصلة طلب العلم، وقد ينقطع عن طلب العلم لظروف طارئة، لكن ينبغي له أن يعود إليه في أقرب فرصة، ويحاول أن يتحمَّل المصاعب والشدائد في طلب العلم.
* كثرة الشيوخ لطالب العلم أفضل أم قلتهم:
كثرة الشيوخ تُشتِّت طالب العلم وتُضيعُ وقته، فلا يُكثرُ من الشيوخ إلا إذا كانوا في مكان واحد، وإذا وجد شيخاً موسوعةً في العلوم فهذا أفضل.
والسبب في كثرة شيوخ المتقدِّمين أنهم كانوا يرحلون للجمع، سواء جمع الحديث أو جمع اللغة.
* الموازنة بين طريق المشايخ وطريق الجامعات:
إذا كان هناك قضاء على التراث الشرعي فهو الشهادات، والأصل في الشهادة أنها سلاح وليست علماً، العلم إنما يكون بمزاحمة المشايخ، كما في حديث جبريل - عليه السلام -: «وأسند ركبتيه إلى ركبتيه».
ونحن لم نكن نؤمن بالجامعات، حتى نصحني رجل فقال لي: سيأتي يوم لا يُسمح فيه لأبي حنيفة - رضي الله عنه - بالتدريس إلا بشهادة، فدخلتُ الكلية ... تقدَّمتُ لامتحان القبول فسألتني لجنة الامتحان في «ألفية» ابن مالك، وقد كنتُ درَّستُها قبل ذلك (16) مرَّة، وفعلاً دخلتُ الكلية، واذكر أنه جاءنا
أستاذ لمادة الصرف، فكنتُ أُكثر عليه، حتى جعلني أقوم وأشرح المادة للطلاب مكانه.
ثم تخرَّجتُ من الكلية في بغداد، ثم فتحوا باب التسجيل في الماجستير في جامعة بغداد، فتقدَّمتُ وقُبِلتُ، فدرسنا فصلين، ثم بدأتُ أكتبُ الرسالة، فكتبتُ رسالةً في (1500) صفحة، وعند المناقشة اجتمع كثير من المشايخ لحضورها، لأنه كان من الغريب أن يتقدَّم (شيخ) لنيل شهادة، فكان ذلك مضرب مثل.
ثم ذهبتُ إلى مصر للتسجيل في الدكتوراة في الأزهر الشريف، وكان شيخُ الأزهر الشيخ عبد الحليم محمود، وعندما رآني قال: إذا قُبِلَ عبد الملك في الأزهر ففي ذلك مفخرة للأزهر، لا له.
واعتُقِلتُ في بغداد سنة 1979 م، وعندما خرجت كان قد بقي لي عشرة أيام وأُفصَل من الأزهر، فتدراكت الأمر بصعوبة كبيرة، وبقيت في الدكتوراة أربع سنوات.
* طريقة التدريس في المدارس الشرعية في العراق:
كان الطلبة يدرسون في مدارس الدولة حتى الصف السادس، ثم نستقبلهم بعد الصف السادس، فيدرسون عندنا ست سنوات دراسة شرعية، يحفظون فيها المتون، ويدرسون الشروح، ويُسألون فيها، وكان التحضير إلزامياً.
كانت الدروس تبدأ من الصباح حتى الظهر، ثم من الظهر إلى العصر استراحة، وبعد العصر يدخل الطلبة مصلى كبيراً من أجل التحضير، وكان يُسمَع للطلبة فيه صوت كدويِّ النحل وهم يقرؤون ويحفظون، ويستمرّ ذلك حتى الساعة العاشرة ليلاً.
ولم تكن الدروس تتقيَّد بوقت، فربما يكون هناك درس مدته ربع ساعة، ودرس آخر مدته ساعة ونصف، بحسب موضوع الدرس ومادته.
وكانت الدروس تُعقد في قاعة كبيرة، يجلس كل مدرس في زاوية منها، أو في ركن منها، وحوله مجموعة من الطلبة، فإذا انتهوا من درسه قاموا إلى أستاذ آخر لدراسة مادة أخرى، ويبقى الأستاذ جالساً في مكانه لتأتيه مجموعة أخرى من الطلبة، وهكذا، فكان الطلبة هم الذين ينتقلون من أستاذ العقيدة، إلى أستاذ التفسير، إلى أستاذ الفقه، وهكذا.
وكان هناك مشرفون يُنظِّمون تنقُّلات الطلبة في الفترة الصباحية وفي الفترة المسائية.
وكنا نمتحن الطلبة امتحانات فصلية وامتحانات سنوية، وكنا نُصحِّح لجميع الطلبة، إلا طلبة السنة الأخيرة، فكانت امتحاناتُهم تُصحَّح في وزارة الأوقاف، لأن هذه الامتحانات كانت تؤهِّلهم لدخول الجامعة.
وكان مشايخنا يتبعون طريقة القراءة النصية في دروسهم، يقرأ الطالب من الكتاب، ويشرح الأستاذ خلال القراءة، أما أنا فطريقتي في التدريس أن أبدأ فأعطي فكرة عامة في الموضوع الذي سيقرأ فيه الطلبة، ثم يقرؤون
المتن والشرح وأنا أسمع، فإذا استشكلوا شيئاً سألوا عنه، فأجمع بذلك بين المحاضرة والقراءة.
• • •
آداب المتعلم
أ. د. قحطان عبد الرحمن الدوري
في القران الكريم آياتٌ بيِّنات أوضحت فضل العلم والعلماء منها قوله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} الزمر: 9.
وقوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} المجادلة: 11.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «العلماء ورثة الأنبياء» (¬1)، وإذا لم تكن هناك رتبة فوق النبوة، فلا رتبة تعلو وارث النبوة؛ لذلك قال سفيان بن عيينة - رضي الله عنه -: «أرفع الناس عند الله منزلة مَن كان بين الله وبين عباده، وهم الأنبياء والعلماء».
ومن هنا وجب على مَن يطلب العلم ما يأتي:
1.أن يُراقب الله تعالى في سِرِّه وعلانيتِه، وأن يُحسنَ نيّتَه في طلبِ العلم «فإنّما الأعمال بالنيّات» (¬2)، كما في الحديث الصَّحيح.
وأن يقصدَ به وجه الله تعالى وإحياءَ شرعه الحنيف.
وأن يتحرَّى الحلال في طعامه وشرابه وشأنه كلِّه.
2.أن يُحافظ على شعائر الإسلام من الصّلاة في المساجد والصِّيام وسائر العبادات ويُقيم السنن ويُبطل البدع ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بالأسلوب الحسن، ويجتنب الزَّلات فإن زلّة العالم بَلْقاء مشهورة.
3.أن يكون القدوةَ الصالحة، والمثلَ الحيّ للنَّاس في الامتثال؛ لما ورد في القرآن والسنّة بتخلُّقِه بمكارم الأخلاق، وكفِّ الأذى، والرفق بالفقراء، والبرّ بالنّاس، والأخذ بأحسن الأعمال ظاهراً وباطناً.
¬
(¬1) في صحيح ابن حبان 1: 289، وسنن الترمذي 5: 48، وسنن أبي داود 3: 317، وغيرها.
(¬2) في صحيح البخاري 1: 3. وصحيح مسلم 3: 1515، وغيرهما.
4.أن يطهرَ قلبَه من الغشِّ والدنسِ والغلِّ والحسدِ، وكل منكر؛ لأنّ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، قال: «إن في الجسد مضغة إذا صَلُحت صَلُح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسَد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلب» (¬1).
5.أن يتطهرَ من الحدث ويتنظَّف ويتطيَّب، ويلبس أحسن ثيابه في مجلس الدَّرس إجلالاً للعلم وأهله.
6.أن يتصف بالوقار والسَّكينة والتَّواضع ما وسعه إلى ذلك سبيلاً، ويتجَّنب المزاح في الدَّرس.
7.أن يبادرَ وهو شاب إلى تحصيل العلم ويقسم أوقاته، ويغتنم وقت نشاطه، فإن العمر ساعة تمرّ، قيل: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلَّك.
8.أن يحرصَ على الجدّ والاجتهاد وكثرة الممطالعة بهمة عالية، وعدم تضييع الأوقات في غير طلب العلم إلا لضرورة بالغة من تحصيل الرِّزق وراحةِ الجسم ونحوهما.
9.أن تكون الحكمة ضالّتَه قال رسول - صلى الله عليه وسلم -: «الحكمةُ ضالّة المؤمن أنّى وجدها التقطها» (¬2).
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 28، وصحيح مسلم 3: 1219، وغيرها.
(¬2) في سنن الترمذي 5: 51، وسنن ابن ماجة 2: 1395 بلفظ: (الكلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحقّ بها).
وقال سعيد بن جبير - رضي الله عنه -: «لا يزال الرجلُ عالماً ما تعلَّم العلم، فإذا ترك العلم وظنَّ أنّه قد استغنى واكتفى بما عنده فهو أجهل ما يكون».
10.أن يصون العلم كما صانه علماؤنا الأوائل، فلا يجعله طريقاً ليصل به إلى الجاه والمال والشُّهرة والتَّباهي.
11.أن يتحرَّى رضا أُستاذه ويَتقرَّب إلى الله تعالى بتواضعه له، وأن لا ينسى فضله عليه، وأن يتأوّل أفعاله أحسن تأويل إن بدت له على غير الصَّواب، وأن يُحسن خطابه معه ما وسعه إلا ذلك سبيلاً، وأن يحذرَ من مفاجأته بالردِّ عليه وإحراجه.
12. أن لا يستحي من سؤالٍ عن مشكلٍ أو عن أمرٍ لم يفهمه، لكن لا يُلح بالسَّؤال على الاستاذ.
13.أن يبدأ بالقرآن الكريم وتفسيره ثمّ الحديث النبوي الشريف ثمّ يحفظ من كلِّ فنٍّ مختصراً، وأن يعتني بالحفظ، فيصحِّح أوّلاً ما يريد أن يحفظًه؛ لئلا يقع في تصحيف أو تحريف.
وأن يذاكر ما قرأه على الأستاذ مع أقرانه فإن لم يجد ذاكر مع نفسه.
14.أن يعتني بالكتاب ويُحافظ على ما استعارَ من كتبٍ فلا يَكتب عليها ولا يُتلفَها.
15.أن يلتزمَ الأدب الجمَّ مع الحاضرين في مجلسِ الدَّرس، وأن يجتنب كلَّ عملٍ مكروهٍ فيه.
16.أن يوقِّر أستاذَه ويحترمَه ويُكرمه بحسنِ السَّلامِ وطلاقةِ الوحه، وأن يترضى على العلماء، وأن لا يرفع صوتَه في مجلسهم.
17.أن يزجرَ من يسيء الأدبَ في مجلس الدرس.
18.أن يحسنَ اختيار الصَّديق الصَّالح، «فإنَّ المرء على دين أَخيه فلينظر أحدُكم مَن يُخالل» (¬1)، كما ورد في الحديث الشَّريف، وأن يحترمَ زملاءه في الدرس ويُساعدهم، ويعود مريضَهم.
19.أن يتجنبَ ما يُعاب من العاداتِ والألفاظِ التي لا تليق، فإن ذلك يُّقلل الهيبة ويسقط الحشمة.
20.أن يحرصَ على تحضير المادة العلميّة قبل حلول الدرس ليفهم ما يقول الأستاذ، ويستفسر عمّا احتاج إلى فهمه.
21.أن يحذرَ من الاشتغال بما لا يعنيه.
والحمد لله رب العالمين
• • •
¬
(¬1) في مسند أحمد 14: 141، والمستدرك 4: 188، بلفظ: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل).
إليك يا طالب العلم
للدكتور أكرم عبد الوهاب الموصلي
إن مما ينبغي على طالب العلم الاهتمام به جملة أمور هي له بداية الهداية في طريقه، منها:
1.التحلي بزينة الإخلاص حين الإقدام على الطلب؛ لقوله - جل جلاله -: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} البينة: 5، والرياء مفسد للطلب وقد قال - جل جلاله - في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غير ي تركته وشركه).
ولأجل هذا: قدم المصنفون في الكتب الحديث الشريف: (إنما الأعمال بالنيات).
2.وليمسك طالب بزمام الصبر في طلبه هذا؛ لأن الطريق طويل وبدون الصبر لا يصل، وكم قد نقل لنا من الأخبار عن تضحية طلاب العلم وصبرهم في أسفارهم، وقعودهم على أبواب المشايخ، وتحملهم المشاق رغبة نيل ما عندهم من الخير ... إذ العلم فذلكة الوصول إلى الحق - جل جلاله -.
3.وليقدم في أوائل الطلب من العلوم ما تمسّ إليه الحاجة، من تصحيح العقيدة، وليهتمّ جداً بعلم الفقه ومسائله؛ لأنه ينفعه في ليله ونهاره وحطّه وترحاله ... وقد شاع عند طلبة العلم بيتان للعلامة العمريطي الملقب بشرف الدين قوله:
والعمر عن تحصيل كل علم ... يقصر فابدأ منه بالأهم
فذلك الفقه فإن منه ... ما لا غنى في كلّ حال عنه
4.وليقطع طالب العلم في سيره القواطع، وليمنع الموانع، فإن ذلك من أعظم آفات الطلب، وإذا أمكنه التفرغ للعلم تفرّغ له ... وقد قالوا: ((أعط
العلم كلَّك يعطك بعضه))، وتحصيل العلوم والنبوغ فيه لا يتحقق إلا بذلك، وقد ورد عن الإمام الشافعي في أهمية التفرغ للعلم قوله: ((لو كلفت ببصلة ما حفظت مسألة)).
5.وليقدّم شيخه دائماً، وليكرم موضع حرمته، فإنه لا ينتفع من شيخ إلا بتعظيمه، وقد ورد من تعظيم الطلاب شيوخهم قصص تدفع الهمم من ذلك ما يقول الشافعي - رضي الله عنه -: ((كنت أصفح الورقة بين يدي مالك بن أنس صفحاً رقيقاً هيبة؛ لئلا يسمع وقعها))، وغيرها هذا كثير، ويكفي في ذلك حال سيدنا موسى عليه السلام مع سيدنا الخضر ...
وأيضاً ليعلم طالب العلم أنه لا يتحقق له ذلك إلا بشيخ عالم عارف، وهو معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم))، وهذا هو ديدن الصحابة منه - صلى الله عليه وسلم -، وديدن التابعين من أشياخهم علماء الصحابة - رضي الله عنهم - .. والأمر هكذا إلى عصرنا هذا .. وقد قيل:
من يأخذ العلم عن شيخه مشافهة ... يكن عن الزيغ والتضليل في حَرَم
ومن يكن آخذاً للعلم عن كتبٍ ... فعلمه عند أهل العلم كالعدم
6.وليبالغ في احترام كتب الشريعة التي يكون بسببها نفعه ورقيّه، وليعظم أمرها وقد قال - جل جلاله -: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب} الحج: 32.
7.وإذا أراد الدرس قرأه أولاً قبل حضوره بين يدي شيخه، ثم اعتنى بفهمه لدى الشيخ، ثم يراجعه ثانية ليقف على ما لم يتمّ فهمه ليسأل عنه بعد، والمراجعة الأولى والأخيرة هي جناحا الطائر لا يطير إلا بهما.
8.وليكن مع الطالب كرّاس يسجل فيه ألحوظاته، ولا يملأ بياض الكتاب، وطرّته بسواد الأقلام إلا إذا اقتضى الأمر التصويب والإشارة، ولا يختر الطالب كتاباً للقراءة أو الدرس إلا بتوجيه من الشيخ؛ ليكون الطالب كالمريض لدى الطبيب ... وليحذر الطالب من العجلة في الطلب، فإنّ قليلاً من العلم قرَّ خير من كثير فرّ.
وإذا أمكنه حفظ بعض المتون بتوجيه الشيخ فَعَل، وقد كانوا من قبل يقولون للطالب الذكيّ إذا بدأ بالعلم ((قَوِّ متنكَ بالمتون)).
9.ولا بأس أن يختلف طالب العلم إلى شيوخ عدّة، يأخذ من كل واحد ما هو مبرّزٌ فيه، ولكن بعد الاستشارة وبما يطيقه الطالب، ويمكنه استيعابه وفهمه.
10.وليكرر الطالب ما يقرؤه من الدروس، وبخاصة أول الطلب، وقد قالوا: ((القراءة حرف، والتكرار ألف)).
11.وليكن صفة طالب العلم التواضع واللين، واعتقاد الجهل لينتفع، مع احترام الدرس وخدمتهم قدر الإمكان، وبهذا يرتفع ويرتقي، وأن تفضل الله عليه بفتح العلم دونهم فلا يتعالى عليهم، وليعلم أن فوق كل ذي علم عليم.
• • •
مراعاة ما يستطيعه طالب العلم
للدكتور عبد القادر العاني
أفضل ما يفيد طالب العلم هو:
1. صلاة التهجد قبل صلاة الفجر فإنها تصفي الذهن، وتطهر القلب، وتزكي النفس، وتشعر الإنسان بأنوار العبودية.
2. اعتياد المناجاة لله تعالى مع الدمعة والخشوع.
3. ذكر الله تعالى كثير، وأقل الكثير منه من كل ورد، ألا بذكر الله - جل جلاله - تطمئن القلوب.
4. ملاحظة تزكية النفس وتخليصها من الحسد وأمراض القلب كلها، والشهوة لا يمكن اجتثاثها، ولكن يمكن توجيهها إلى الطاعة من الزواج وطلب العلم.
5. لقمة الحلال لطالب العلم.
6. مَن قرأ خمساً قبل أخذ الدرس وخمساً بعد أخذ الدرس يقل نسيانه.
7. استعمال منشطات الذكاء كأكل (21) زبيبة بعد الفجر، وشمّ ماء الورد الأصلي في الصباح والظهر والليل، وهي مفيدة لتنشيط الذكاء.
8. التزام الخلق الحسن، تاج العلم وسنامه تعلماً وتعليماً.
9. محبّة الشيخ شرط للفهم عنه، وبذلك تلتئم الأسرة العلمية، قالوا: العلم رحم بين أهله.
10. الرحلة في طلب العلم، وقد كنا نشدّ الرحال في زيارة العلماء والصالحين رجاء بركتهم ودعائهم كالشيخ أمجد الزهاوي والشيخ أحمد الراوي والشيخ مصطفى النقشبندي.
11. العلم بين اثنين لفهم العبارة وإدارة الفكر نحو فهم المعلومات بصورةٍ أدق خشية أن يسري إلى ذهن الإنسان الوهم والشك ويسحبه علمه.
12. السؤال عن الصغيرة والكبيرة؛ لأن شفاء الجهل السؤال ومفتاح العلم السؤال.
13. العلم أوله صمت وثانيه استماع وثالثه تفكر حتى يطمئن إلى صحة ما عنده ورابعه النشر، فعلى طالب العلم أن لا يتصدر للإفتاء ونقد العلماء وترجيح ما يراه؛ لأنه ليس من أهل الرأي، ولا من أهل الفهم، فالمراد أن يفهم حتى يعلم.
14. من قال: هذا رأيي، بان أنه اجتهاد، والاجتهاد ما دام في دائرة الاجتهاد فغير ملزم لأحد، وليس حجة على مجتهد، ومن هنا قالوا: الاجتهاد لم ينقض بمثله.
15. النفس لا تزكى إلا بصحبة الصالحين، وإذا لم يكن العلماء هم الأولياء فمن هم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
• • •
نصائح لطالب العلم الشرعي
للدكتور معاذ حوى
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وأحبابه.
الأخ الكريم طالب العلم الشرعي، الأخت الكريمة طالبة العلم الشرعي:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
ـ إن العلم الذي تطلبه علمان:
علم تحتاجه في حياتك لتعبد الله تعالى وفق أمره، وهذا علم ليس بالكثير، ولعلّ أكثره مما هو حاصل عندك.
وعلم تتعلمه لتنفع به غيرَك، فتؤجر، وهذا بحر لا ساحل له، مَثل طالب العلم الشرعي فيه كمثل طالب علم الطب، فإن طالب علوم الطب إذا قصَّر حين تحصيله ودراسته في فهم بعض الجوانب، وإذا أهمل في دراسة بعض مسائل اختصاصه وتركها؛ فإنه ربما جاءه مريض يلزمه أن يعالج وفق تلك المسائل المهْمَلَة، فإما أن يعالجه خطأً، وإما أن يجتهد في غير طريق الشفاء، وإما أن يظنه أمراً آخر فيكلفه مالاً ورَهَقاً ثم لا يكون شفاء، وإما أن يقتله بعلاجه بما يضادّ شفاءه.
وكذلك طالب العلم الشرعي، فإهماله لكثير من العلم الذي يستطيع جمعَه وتحصيلَه، إما أن يكون سبباً في فتوى باطلة غير مضرة، وإما أن يكون في فتوى باطلة قاتلة، وربما زَلَّ بفتواه أفراد، وربما زلّ بها مجتمعات، نعوذ بالله من الضلال والإضلال.
وربما كان يشعر بنقص هذا الجانب عنده فيعترف بضعفه ويحيل الفتوى إلى أهلها، وربما كان جاهلاً وهو لا يعرف جهله، فيتعرض للفتنة مشمّراً، وهو يظن أنه بفتواه يكون محسناً.
والأمان من ذلك كلِّه أمران: أولهما: حسن الطلب للعلم، والاجتهاد فيه غاية الاجتهاد، وعدم الإهمال والتقصير، وتدارك النسيان بالمطالعة والمراجعة ومذاكرة أهل العلم. والثاني ـ وهو الأهم: أن يكون العبد في محل التقوى والإحسان ليكون أهلاً للتعليم والتوفيق.
ذلك أن الله تعالى وعد أهل الإحسان بالجزاء لهم بالعلم والحُكْم في قوله - جل جلاله -: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين} القصص: 14، فمَن لا يطلب الصلاح والتقوى لا يكون طالب علم ولا عالماً: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} فاطر: 28، لذلك وصف الله القائمين الليل الخائفين من الله الراغبين في رحمته؛ وصفهم بأنهم العلماء في قوله سبحانه: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ}: أي الذين وصفهم في أول الآية {وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَاب} الزمر: 9.
فطريق العلم والإمامة والسيادة هو التقوى ابتداءاً، واتخاذ أسباب طلب العلم ثانياً، {وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب} هود: 88.
وهذا طريقه واضح سهل، لكنه يحتاج إلى ثبات، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أحب الأعمال إلى الله تعالى ما داوم عليه صاحبه وإن قَلَّ» رواه البخاري ومسلم، يداوم الواحد منا على فرائضه وواجباته، يجتهد في نوافله، يحافظ على قراءة جزء من القرآن، يحافظ على صلاة الضحى كل يوم، يحافظ على مئة من الاستغفار، ومئة من الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومئة من التهليل بكلمة التوحيد: لا إله إلا الله، بعد كل فجر وبعد كل غروب من كل يوم.
الذي يداوم على عمل صالح، والذي يصبر على ترك معصية، والذي يجاهد هواه وشهواته، حتى يلقى الله، فذلك الذي أثبت أنه لو عاش ما عاش؛ فإنه باقٍ على العهد، حافظٌ للود، فدوامه هو صبره الذي يؤجر عليه بغير حساب؛ لأنه يُكتب له كأنه دام عليه إلى ما لا نهاية، لذلك كان جزاؤه لا نهاية له، {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَاب} الزمر: 10.
فالذي لا يصبر يعطى أجر عمله فحسب، والذي يصبر يعطى أجر عمله وأجر صبره: {يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} القصص: 54، وأجر صبرهم أكبر من أجر عملهم، كما أشارت الآية السابقة، لأنه عملهم محدود وأجر الصبر غير محدود.
وبهذا يتبين لنا أن محور الحياة دائر على العلم والعمل الصالح والصبر، وهذا ما جمعته سورة العصر: {وَالْعَصْر. إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر. إِلاَّ الَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر} العصر:3، فالمؤمن المسلم يحتاج إلى العمل الصالح، وإلى التواصي بالحق وهو العلم، وإلى الصبر، فإذا حَصَّل هذه الأمور فقد تَجَنَّبَ الخسران.
ـ ولما كان العلم بحراً واسعاً؛ كان محلاً للخلافات والمتناقضات أحياناً، وكلما ازداد علم المرء زادت محلات شكوكه في علمه، وزاد اضطرابه في كثير من المسائل، لا لكونه قلّ علمه، بل لأنه كان يجهل شيئاً كثيراً مع ظنه أنه يعلم كل شيء، فقلّ الخلاف في دائرة عقله، وكلما اتسع علمه وطلبه وتحصيله كلما برزت له مسائل يتردد فيها، بل يتردد في أصولها ويجد عذراً لكل مجتهد فيها.
ومثل العلم في ذلك كمثل البحر تضطرب أمواجه، لكنها صغيرة، فإذا اتسع البحر فصار محيطاً فإن أمواجه تكون عظيمة هائجة مضطرمة.
ولا نجاة عند اضطراب الموج إلا باللجوء إلا الله - جل جلاله -: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} النمل: 62، {حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِين} يونس: 22، وكذلك إذا سمعت الاجتهادات في المسألة الواحدة فلا تكتفِ باختيار بعضها واتخاذ أسباب العقل والدراسة التي تستطيع تحصيلها، بل اْلْجَأْ إلى الله تعالى العليم الخبير الذي {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء} البقرة: 255، فاطلب الهداية منه إلى الحقّ والصواب من العلم والفهم، فقد
وعد بالهداية من يسأله إياها، كما جاء في الحديث الصحيح القدسي: (فاستهدوني أهدكم).
ـ ولا تنسَ أن من العمل الصالح تعليمَ العلم النافع، والنصيحةَ للمسلمين، فعلّم الناس الخير ما استطعت، لكن لا تدخل فيما لا تعلم، أو فيما أنت فيه على شك، ولا تفرض ما هو محلّ اجتهاد واختلاف بإلزام الناس به، وترفَّقْ بمن تعلِّم كرفق الأم بأبنائها، ولا تشتغل بالعلم على حساب طاعتِك وأذكارِك وإصلاح نفسِك، ولا تشتغل بالتعليم إذا داخلك الغرور في نفسك، فإنّ من علّم الناس على حساب نفسه كان كمن قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -: (مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل الشمعة، تضيء للناس وتحرق نفسها) (¬1)، وقال الله - جل جلاله -: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} البقرة: 44.
وبعد، فهذا نصيب العقل من نصيحتي لك، أما نصيب القلب والروح فاستمع:
إن النفس الطموحة لا تكلُّ عن طلب ما فيه خيرها، وكلُّ خيرنا ما كان خيراً لنا في آخرتنا، فلننظر بعض مطامح الصالحين أين نحن منها:
¬
(¬1) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج 2، ص 167، رقم 1685، وهو حديث حسن صححه بعض العلماء وضعفه بعضهم، وانظر: مجمع الزوائد ج 1، ص 184، وكشف الخفاء رقم 2761.
أين أنت من صفات أحباب الله المؤمنين {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُون. تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون} السجدة: 15 - 16، كان أحد الصالحين كلما استيقظ من الليل قام فتوضأ وصلى ركعتين أو أكثر، وكلما استيقظ فعل ذلك، حتى لقد يقوم في الليل نحو سبع مرات، كلما قام توضأ وصلى ما شاء الله، هذا نموذج من التجافي عن المضاجع، أولئك الذين طمعوا في رحمة الله، وخافوا عقاب الله، قال الله - جل جلاله -: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} الزمر: 9، هؤلاء هم العلماء، لا تَغُرَّنَّك العمائمُ والجبب، ولا حفظ الأقوال، ولا فصاحة اللسان، لا تنفعنا إلا الخشية، وما علامة الخشية إلا قلب يحن إلى مولاه، في هَدْأة الليل، {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا وَأَقْوَمُ قِيلاً} المزمل: 6، يتململ بين يديه ويعتذر، أو يستكين ويتضرع، أو يبكي ويَنْتَحِب، أو يسأل ويفتقر. . أولئك العلماء، أولئك الأتقياء، أولئك الأنقياء.
يقول الله - جل جلاله -: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} الأنفال: 2، كم حَظُّك أيها المسكين من هذه الآية؟ هل ذكرت الله يوماً فارتجف قلبك وخاف؟ وبكت عينك أو سالت دمعتك؟ ورقّت روحك أو شَفَّتْ؟ هل قرأت من كتاب الله آياتٍ؛ فشعرتِ أن معرفتك بالله زادت؟ أو تيقنت أنك بين يدي الله؛ تحت سلطانه وقهره أو تحت رحمته؟ أو تحركتْ هِمَّتُكِ وجارِحَتُكِ إلى العمل بما حَكَمَتْ به آياته؟
يقول الله سبحانه: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} الزمر: 23، هل قرأت القرآن فاهتز قلبك، واقشعر بدنك، أو رق قلبك، وذاب حسك؟
أين أنت يا مسكين؟ هذه أوصاف المؤمنين، فضلاً عن المحسنين!
{وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ} النحل: 30، هل رأيتِ مقاديرَ الله كلَّها سواءاً، كلَّها خيراً، أم تتنغص من عاديات الدهر: من وَعْكَةٍ نَزَلَتْ، أو مقالة بَهَتَتْ، أو جيب فَرَغَتْ، أو علامةٍ انحطت؟
لقد قيل: الرضا بمكروهات القضاء أدنى درجات اليقين.
هل عرفت من أحوال المحبين شيئاً، يحبون ما يصنع بهم مولاهم، ولا يرون منه إلا خيراً، يتلذذون بأقداره مهما تلونت، فإن فعل المحبوب محبوب، وضرب الحبيب زبيب.
أين تَطَلُّعُك إلى مقامات تشرئب إليها أعناق الصديقين «لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم» رواه الإمام مسلم، ليس الذكر والعمل الصالح والاجتهاد والإقبال مقبولاً إذا قصد منه العبد أن يرى الملائكة، لكن ذكر النبي العظيم - صلى الله عليه وسلم - له في الحديث إنما هو علامةٌ على بلوغ المقام والرتبة، وإنما المطلوب أن يتطلع أحدنا إلى هذا المقام؛ بأن يرغب في دوام الذكر، ويجتهد في ذلك، ولا
يَزال يذكر، ولا يَغفل عن الذكر؛ حتى يصير حاله من قوله - جل جلاله -: {وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا} الكهف: 24.
متى تزول الغشاوة عن عينيك فتبصر النور {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّور} النور: 40، {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء} النور: 35، {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ} الزمر: 22، متى تصير عيناً من عيون الرحمن؟ يهابُك الناس ويتقونَك: (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله) (¬1)، يتقونك؛ لما أمدَّك اللهُ به من نور وعرفان، تستحق معه وصف الربانية: {وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُون} آل عمران: 79.
أتعجب أن يمن الله على خواصّ عباده بالفراسة، وقد صاروا بالله خبراء؟ {الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} الفرقان: 59، فما العجب، أيلتقط الحديد والمعدن والزجاج (¬2) صوراً من وراء حجاب وينقلها، ولا يلتقط القلب الأنور مثل ذلك وأعظم منه؟ ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصف القلبَ الأجردَ قلبَ المؤمن بأن (فيه مثل السراج يزهر) (¬3).
إلى متى تنتظرون؟ أتغرقون في مغاصات الدراسات؟ أم تنتظرون هموم الأزواج والأولاد؟ أم تنتظرون أياماً تزيد معها العلاقات؟ أم
¬
(¬1) حديث صحيح رواه الإمام الترمذي وغيره.
(¬2) أي التلفاز والكمبيوتر والهاتف ونحوها.
(¬3) جزء من حديث حسن رواه الإمام أحمد وغيره.
تنتظرون صحبة إلى الدنيا طامحين؟ أم تنتظرون قضاء الحاجات والمشتهيات؟ وهيهات؟
قُضِيَتِ الأيامُ، وجاءتِ السكراتِ. .
فماذا عَمِلْت من جَمالات؟
وكم جمعت من علامات؟
وأين اسْتَقَرَّتِ المقامات؟
وماذا كان لك في القبر من رفيقات؟
نصائح مجملة لطلاب العلم:
ـ أن يخلصوا لله في طلب العلم.
ـ أن يعتمدوا على الله ويتوكلوا عليه في توفيقهم لتحصيل العلم وفهمه وإدراك الحق منه.
ـ أن يصبروا على طلب العلم، ولا يقصروا في طلبه، فيكون تقصيرهم سبباً في أن يفتوا بغير علم.
ـ أن يكونوا على حظ عظيم من العبادة والذكر والأخلاق، ليكونوا محل توفيق الله.
ـ أن يكونوا على ارتباط دائم بالقرآن الكريم، تلاوة وفهماً ودراسة وحفظاً وعملاً، فمن حفظ كتاب الله سَهُل عليه العلم كثيراً.
ـ أن يحذروا من معصية الله، فإن معصية العالِم أشد سوءً وأعظم بشاعة، والحجة قائمة عليه.
ـ أن يحرصوا على صحبة العلماء، والصبر على مجالستهم، وعدم تفويت هذه الفرصة في مرحلة التحصيل وطلب العلم.
ـ أن يجتهدوا بالأنفع من العلوم قبل النافع، وأن ينصرفوا عن تعلم ما لا ينفع.
ـ أن يجعلوا اهتمامهم بمعرفة الصحيح من السنة، ويتجنبوا بناء علومهم على الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وأن يتجنبوا روايتها والوعظ بها.
ـ أن يحترموا علماء الأمة المشهود لهم بالعلم والاجتهاد والتقوى، ويحترموا اجتهاداتهم، ويعذروهم فيما أخطؤوا فيه.
ـ لا تكن سبباً في سبّ شيوخك وشتمهم، بإساءة أدبك أو النقل عنهم لما لا ينبغي أن ينقل، فهم يتكلمون الشيء في موضعه بحكمة، فلا تتكلمه في غير موضعه، ثم تنسبه لشيخك، فيذم الناس شيخك؛ لأنهم سمعوا شيئاً استغربوه ولم يسمعوا دليل الشيخ، ولا عرفوا حكمته.
ـ أن يبتعدوا عن الجدل والخصام والتباغض فيما بينهم.
ـ أن لا يتجرؤوا على الفتوى فيما ليسوا بمتأكدين من الحقّ فيه.
ـ أن لا يتجرؤوا على قول الباطل والنفاق، فإنه خسران لهم وإضلال للخلق، فإن لم يقدروا أن يقولوا الحقّ؛ فلا يقولوا باطلاً ونفاقاً، يسخطون به الله تعالى ويُضِلُّون به الخلق.
ـ لا تتكلم بكل ما عندك من علم، تخيَّر له أهله ووقته ومناسبته.
ـ أن لا يطلبوا الدنيا بعلمهم، بل عليهم أن يجعلوا علمهم خالصاً لله، مع تحريهم الحلال والمباح في الرزق، وأن يثقوا بكفالة الله لطالب العلم إذا أخلص وصدق.
ـ أن يحرصوا على العمل بما علموا.
ـ أن يحرصوا على تعليم الخلق وهدايتهم ونصيحتهم، وأن لا يقصروا في ذلك ولا يتكاسلوا عنه، وخاصة بعد أن يأذنهم العلماء ويجيزوهم بالتعليم والتربية والدعوة.
نصائح عملية في طلب العلم:
ـ ابدأ بالعلم مما يعتبر فريضة من العقائد والفقه والتزكية.
ـ لا تتغيب عن دروس الشيخ والأستاذ الذي اقتنعت بعلمه وتقواه.
ـ لا تكثر السؤال إلا الضروري، ولا تستعجل السؤال مما تتوقع أن تأتيك إجابته.
ـ اسأل عما يشكل، وخاصة الإشكال الكبير، لكن انتظر حتى يُتم الأستاذ كلامه فربما أجابك ضمن كلامه، فلا تحتاج لسؤاله ومقاطعته.
ـ اكتب ملاحظاتك على هامش الكتاب الذي تدرسه، فذلك أدعى لبقائها والاستفادة منها عند الدراسة، ثم عند تدريسها إذا صرت أستاذاً، وإن أمكنك أن تصور
الكتاب المنهجي الذي تدرسه؛ فتجعل له هامشاً عريضاً لا كتابة عليه للكتابة والتعليق والهوامش؛ فذلك حسن.
ـ توسع في العلم وكتبه بتدرج، ولا تنتقل إلى مستوىً أعلى وأنت لم تتم المستوى الأدنى منه، الذي يتناسب مع قدرتك العلمية ووقتك وفهمك.
ـ لا تقطع طلب العلم، فاستمر عليه طول عمرك ولو قليلاً، ولا تكن ككثير من طلاب العلم يبدأ الدرس بالطهارة ثم ينقطع في باب الصلاة، ثم يبدأ درساً آخر وينقطع في الصلاة، وهكذا يعيش عمره لا يمر على أبواب الدين، فلا بد من المثابرة والمتابعة.
ـ طالع كتباً منهجية، ترتقي بمستواك وتصل بك إلى نتيجة، ولا تجعل مطالعتك فوضوية أو في جانب دون جانب أهم منه، فتتسع أفهامك في جانب وتكون خالياً في جانب آخر.
ـ وبعد إدراك جوانب العلم في الجملة فالتخصص في جانب منها له أهميته ويجعلك منتجاً بحق، ولا تكون معتدياً في العلوم كلها.
ـ وأنت تطلب العلم؛ اسمع ما عند الآخرين، وتعرف إلى المدارس العلمية الأخرى في العلم والدعوة، بعد أن تحصِّل الأساس الذي يكفيك كحد أدنى في دينك وعلمك.
• • •
نصائح وتوجيهات لطلاب العلم الشرعي
مستقاة من تجربتي العلمية
للشيخ أحمد الجمال الحموي
1. يجب أن تكون نيّة طالب العلم نية خالصة لله تعالى، فلا يبتغي به جاهاً، ولا مالاً، ولا منصباً، ولا شيئاً من حطام الدنيا ومتاعها، ولا يصح أن يتعلم ليجادل العلماء ولا السفهاء.
2. إذا لم يعمل طالب العلم بما علم يكون كالحمار يحمل أسفاراً، ونعيذ الجميع من هذا، فالتطبيق والعمل أمران مهمان.
3. على طالب العلم أن يجهد في تمتين صلته بالله تعالى وذلك بدوام الذكر والمراقبة والشعور العميق بأن الله تعالى يراه، وأن يكون له أوقات يخلو فيها بربه عز وجل، وقد كان هذا شأن علمائنا الذين أحدثوا تغييراً في مجتمعاتهم، ولن تجد عالماً ترك أثراً في الناس ما لم يكن ربانياً.
4. مجاهدة النفس المجاهدة المشروعة من عوامل تكوين شخصية العالم، لذا لا بد منها لطلاب العلم.
5. السلوك الحسن يجب أن يكون سمةً من سمات طالب العلم، ولا خير في طالب علم سيء السلوك.
وينبغي أن يعمل طالب العلم على أن يكون قدوةً حسنة للناس، وألا يكون ممن قال الله - جل جلاله - فيهم: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} البقرة: 44.
6. على طالب العلم أن يكون مظهره حسناً كأنه شامة بين الناس، وألا يظن أن الزهد يعني القذارة والفوضى والمظهر المنفر.
7. ومن الأمور الملحة أن يديم طالب العلم تلاوة كتاب الله تعالى وأن يحرص على حفظه، مع السعي لتدبره وفهمه، فالصلة مع كتاب الله لها نور خاص إضافة إلى أنه زاد.
8. من الأمور التي فرط فيها كثير من علمائنا: الحديث النبوي الشريف، حتى صار لا يتحدث بهذا العلم إلا أدعياء السلفية، ومن هنا أصبح من الواجب أن يقرأ طالب العلم الكتب الستة على شيخ عارف متقن لعلم الحديث.
9. على طالب العلم أن يعتز بعلمه دون تكبر، لا أن يعتز بنفسه، وألا يذل العلم الذي يحمله.
10. العلم إذا أعطيته كلك أعطاك بعضه، ومن هنا كان لا بد أن يقبل طالب العلم على العلم بشغف مع الشعور بلذة العلم وأجره، وأن يمنح ذاته كلها للعلم.
11. لا ينال العلم مستح ولا متكبر، وطالب العلم الحق لا يستحي من السؤال ولا يتكبر عنه.
12. إن العلم يرسخ بالمدارسة، فليكثر الطالب منها ما استطاع.
13. إن من الأمور التي تمنح الطالب بركة العلم: احترام كتب العلم وأدواته، فلا يوضع كتاب على الارض مثلاً، ولا يرمي القلم الذي تشرف بكتابة العلم باستخفاف، وهكذا.
14. ومن الأمور التي تضفي النور والبركة على طالب العلم توقير العلماء والأساتذة ومحبتهم وحسن العلاقة معهم، وعدم ذكرهم إلا بخير، وألا تكون العلاقة معهم علاقة التعلم فقط بل هي أعمق وأدوم من ذلك.
15. لكل شيء زكاة، وزكاة العلم نشره وبثّه، وإن من إقبال الإسلام انتشار العلم وعدم حجبه عن العامة.
16. لا خير فيمن يأخذ علمه من الكتب وبلا أستاذ، فليكن دأب طالب العلم الجثو على الركب والتلقي من العلماء، مع الصبر على شدتهم ومر الجفاء إن حصل منهم.
17. علوم الآلة مفتاح العلوم كلها، فمن لم يتقنها لن يكمل علمه، فليحرص طالب العلم على التعمق فيها.
18. لكل علم أصل، فالدراسات القرآنية أصلها علوم القرآن، والدراسات الحديثية أصلها علوم الحديث، والدراسات الفقهية أصلها أصول الفقه، فعلى طالب العلم أن يبدأ من كل علم بأصوله.
19. من الأفضل أن يفرغ طالب العلم جهده في فن واحد، بعد أن يكون قد درس فنون العلم كلها، وهو ما يسمى في عصرنا بالتخصص.
20. التمذهب من غير تعصب خير لطالب العلم من الفوضى والانتقاء المبني على الهوى، إذ من الصعب أن يدرس طالب العلم المذاهب كلها مع دليل كل مسألة في كلّ مذهب من المذاهب.
كما أن دراسة المذاهب جميعها تشتت الذهن حتى يغدو العالم في حيرة عندما يريد أن يفتي في مسألة ما.
21. ليس من المقبول عندما يتصدر الإنسان للفتوى أن يكتفي بمراجعة كتاب واحد في الفقه ليأخذ حكم المسألة المطروحة، فقد يجد من الشرح والتوضيح والقيود في بعض الكتب ما لا يجده في كتاب واحد.
22. أنصح الحنفي بقراءة شرح عقود رسم المفتي قراءة متأنية ليكون على دراية بالمذهب، وكذلك أنصحه بقراءة القواعد الفقهية، وهي موجودة في مقدمة مجلة الأحكام العدلية، كما أن العلامة أحمد الزرقا قد شرحها شرحاً مفيداً.
23. أوصي طالب العلم أن يحمل دفتراً صغيراً يقيد فيه طرائف العلم ولطائفه وغرائبه، ويسجل أين يمكن أن يجد المسائل النادرة، فكم من شاردة يمر الإنسان بها ثم يعز عليه العثور عليها عندما يحتاجها.
24. على كل طالب علم تكوين مكتبة يجمع فيها من كل فن أمهات كتبه، وتزخر بكتب ما أولاه عنايته وتخصص به من علم شرعي.
آداب طالب العلم
للدكتور أحمد حسنات
ينبغي على كل من توجَّهت إرادته لطلب العلم أن يتصف بجملة من الآداب والمهمات، ومن هذه الآداب:
1 - إخلاص النية لله تعالى: فالعلم من أكثر الأمور التي يدخلها حظّ النفس، بل حظّ النفس فيه عظيم، لما للعلماء من منزلة رفيعة، ومكانة مرموقة عند الله - جل جلاله -، وعند رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وعند عامّة الناس وخاصتهم، فالعلمُ قد يطلب لجلب حظوظ النفس كالجاه والسمعة، وقد يطلب لمكسب مادي دنيوي، وقد يطلب لأجل الله - جل جلاله -، ابتغاء لمرضاته وطلباً لرضوانه وعلياء جنانه، فينبغي لطالب العلم أن يصحّح نيّته وقصدَه من العلم؛ ليكون ممن نعتهم الله - جل جلاله - بخشيته بقوله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} فاطر: 28، وليعلم طالب العلم أن الإخلاص سبيل التعلم؛ لقوله - جل جلاله -: {وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ} البقرة: 282.
2 - تقديم الأولى فالأولى من العلوم: فالعلوم ليست كلها في مرتبة واحدة؛ فهناك العلوم الدينية والعلوم الدنيوية، ومنها ما هو فرض
عين وأخرى فرض كفاية، فعلى طالب العلم أن يبدأ بالمهم فالمهم من هذه العلوم؛ فيقدِّم العلوم الدينية على غيرها إلا إن تعيَّنت عليه، ويقدم فرض العين على فرض الكفاية، إلا إن تعين عليه أيضاً، ولا ينبغي على الطالب أن ينتقل عن علم الا آخر إلا إذا اتقن العلم الأول، وعليه أن لا يضيع جهوده، ويشتت فكره في استجلاب العلوم دفعة واحدة، وكما ينبغي على طالب العلم أن يراعي الأولوية بين العلوم؛ عليه أن يراعي الأولوية في العلم نفسه، فيتدرج في الطلب، ولا يطلب العلم دفعة واحدة، بل عليه أن يبدأ بتصوّر مسائل لعلم أولا بحيث يحيط بها جميعها إن أمكن، ومن ثمّ يحقّق تلك المسائل ويستدلّ عليها، ولا يبغي أن يصرف وقته في معرفة الخلاف وأدلته في بداية الطلب، فذلك مضيعة للوقت والجهد معاً.
3 - اختيار المعلم الناصح: من أولى المهمات لطالب العلم أن يختار معلماً ناصحاً يثق بدينه وعلمه، يسلم له أمره، ويقبل على نصحه، وليحذر الطالب من الاكتفاء بالكتب دون المعلم، فإن الكتبَ مزلّة لطالب العلم، والعلم هو المرشد للطالب، والمبين له الطريق القويم، وعلى الطالب أن ينظر الى معلمه نظرة إجلال وإكبار، وأن يظهر له التواضع والخضوع، وأن لا يظهر له الضجر والملل، وليحذر طالب العلم من التنقل بين الشيوخ والعلماء، فان ذلك مضيعة لوقته وتشتيتاً لفكره، وليحرص على ملازمته ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
4 - اختيار الصحبة المعينة على العلم: ينبغي على طالب العلم أن يختار الصديق الذي يعينه على طلب العلم ويشدّ على يديه ويتذاكر معه، وعليه أن لا يكثر من الصحبة التي قد تعيقه عن سلوك طريق العلم، فالصحبة من أقوى الأسباب التي تعين طالب العلم، وتذلل له العديد من العقبات في سبيله، وعليه أن لا يبخل على الصحبة بالمذاكرة في العلم، فإن المذاكرة من أكثر الأسباب التي تركز العلوم في الذهن.
5 - الابتعاد عن مشاغل الدنيا وسفاسف الأمور: أن من أكثر المعيقات لطالب العلم الانشغال بالدنيا وأهوائها من الأهل والأولاد والزوجة والأصدقاء، ومتع الدنيا ومشاغلها، من لعب ولهو، وانتظار وتسويف، فليحرص طالب العلم على الاكتفاء من الدنيا بما يعينه في مهمته، وأن لا يصرف وقته إليها، فإن الدنيا ومشاغلها لا تنتهي، واذا أعطاها طالب العلم اهتمامه، فلن يصل في العلم إلى شيء.
6 - الصبر والتفاني في سبيل العلم: فالعلم بحاجة إلى الصبر في الطلب، وتحمل المشاق من السفر، والترحال، وترك الأهل والأوطان، وعلى طالب العلم أن يعطي العلم من وقته وجهده ما استطاع، فبمقدار ما يعطي العلم العلم يعطيه، ولا ينبغي له الملل والسأم إن لم يحصل شيئاً، بل عليه بالصبر والمثابرة، والمعاودة مرّة بعد مرّة، حتى يحصل مقصوده.
7 - الابتعاد عن الكبر والعجب والخجل: وهذه الأخلاق الذميمة من أسوأ الأخلاق التي تقصم ظهر طالب العلم، وقد قيل قديماً: ضاع العلم بين الكبر والخجل، وقيل: حبّ الظهور قاصم للظهور.
• • •
نصائح وإرشادات عامة للطالب
للدكتور محمد العايدي
قد امتدحت الشريعة الغراء العلم والعلماء وجعلت لكل ضوابط وقيود ينضبط فيها حتى يكون العلم نافعاً مثمراً، فقال الله - جل جلاله - عن العلماء: {وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُون} آل عمران: 79؛ لأن العالم الذي لا يتصف بكونه ربانياً في علمه: أي لا ينسب علمه إلى ربه تعالى، فإنه لا ينتفع بعلمه، بل سيكون علمه سبباً للضلال والإعراض والهلاك.
وكما جعلت الشريعة المشرفة هذه القيود والضوابط للعالم، كذا جعلت قيوداً وضوابطاً لطالب العلم الشرعي؛ لينتفع بما يتعلم بما فيه خيري الدنيا والآخرة، فمن هذه القيود التي جعلتها لطالب العلم:
1. أن يبتغي في طلبه وجه الله تعالى، ولا يقصد سمعة أو وجاهة، أو مكسب دنيوي.
2. أن يعمل بعلمه؛ لأن ثمرة العلم العمل، فعلم بلا عمل شجرة بلا ثمر، وهذا قد نص عليه القرآن الكريم والسنة المطهرة في كثير من المواضع،
فقال - جل جلاله -: {وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ} البقرة: 282، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم).
3. أن لا يهب ويعطي هذا العلم إلا لأهله، فلله در الشاعر حيث قال:
ومَن منح الجهال علماً أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم
4.أن لا ينازع العلم أهله، بل يجلس متأدباً في حضرة العلماء فلا يتكلم إلا لفائدة، ولا يسكت عند الحاجة، ولا ينصح أو يرشد في المجلس إلا إذا طلب منه، فإن النصح والإرشاد في المجلس إنما هو للعالم صاحب المجلس؛ لأنه أدرى بطلابه متى ينصح ومتى لا ينفع النصح معهم في وقت من الأوقات.
ولا يقعد في المجالس الخاصة بكبار طلبة العلم كعن يمين العالم أو يساره، وكذا لا يجلس في وسط المجلس، ولا يخرج عن الترتيب المألوف الذي اختاره العالم لمجلسه، وكذا عليه أن يحضر مبكراً، ولا يتأخر عن المجلس، وإذا حبسه عذرٌ فعليه أن يعلم أستاذه بذلك.
5.أن يكون سلوكه بين الناس حسناً حتى لا يسيء إلى العلم الذي ينتمي إليه، والعلماء الذين يحضر عليهم، وكذا أن يكون مظهره حسناً في لباسه ومشيه، فلا يراه الناس بثياب رثة أو متسخة، ولا يمشي مشية منتقده كأن يمشي متبختراً أو متعاجزاً.
ويجب أن يعتقد أن هذا العلم شرف عظيم له، وأن الله قد اختاره واصطفاه من بين كثير من الناس، فيحمد الله على هذا الاختيار، ويستشعر