وظائف المجتهدين ........
....... عند الحنفية
جارٍ تحميل الكتاب…
وظائف المجتهدين ........
....... عند الحنفية
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
وظائف المجتهدين
عند الحنفية
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* نشر في مجلة العلوم الإنسانية في جامعة النجاح.
ملخص البحث:
تحدّثتُ فيه عن أبرز القضايا الأصوليّة، وهي مسألةُ الاجتهاد ببيان حقيقتها من خلال تفصيل وظائف المجتهد، فبيَّنتُ أنَّ للمجتهد عشرةُ وظائف من حيث الاستقراء الواقعي والتّاريخي للتّصرُّفات التي تصدر عنه، وهذه العشرة ترجع إلى خمسةٍ رئيسية، وهي الاستنباطُ من الكتاب والسنة، والتّخريجُ على أقوال المجتهدين، والتّرجيحُ والتّصحيحُ بين آراء الأئمة الأعلام، والتَّمييزُ بين الظّاهر والصّحيح والضَّعيف وغيره، والتَّقرير والتَّطبيق للأحكام بالتصور وأصول الإفتاء، وأشرت قبله إلى أنَّ الاجتهاد شرط العمل؛ لأنَّ الحق واحد عند الله - جل جلاله -، مع بيان أبرز طبقات المجتهدين.
* * *
Roles of the mujtahid according to the Hanafi school
Research Summary:
I have spoken in this paper about the most fundamental of issues related to the principles of jurisprudence (usul al-fiqh) - the issue of independent reasoning (al-ijtihad) - by explaining, in detail, the roles played by a mujtahid. I explain that a mujtahid has ten roles by examining historical and current evidence of the types of activity that he engages in. Furthermore, these ten can be reduced to five main roles. The first is deriving legal rulings directly from the Qur'an and Sunnah. The second is extracting legal rulings from the opinions and principles of previous scholars. The third is collating and deeming opinions correct or weak. The fourth is
differentiating between opinions from the dhahir ar-riwayah, opinions deemed correct, opinions deemed weak and other types of opinions. The fifth is application of these rulings within the framework of legal verdicts (al-ifta'). I also indicate, before entering this discussion, that independent reasoning by a mujtahid is a condition of acting upon a ruling, because truth is one according to Allah, not many. I also detail the most important classes of mujtahids.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
الحمد لله رَبّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيد المرسلين والنّبيين، وعلى آله و صحابته، ومَن سار على دربه، واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد:
فإنَّ الاجتهاد من أكثر القضايا إثارةً بين المتخصِّصين بالعلم الشرعي، وهو من أكثر الأمور غموضاً وخفاءً، كما لا يخفى على المختصين، والبحث فيه شائك ومتشعبٌ جداً، وبعد تفكّر وتأمّل في الأمر لسنوات، رأيت سبب هذه الخفاء والإشكال هو عدم تصور حقيقة الاجتهاد، ولا أقصد معناه الاصطلاحي؛ لأنَّه معلومٌ لكل أحد.
وإنَّما قصدت بحقيقته معرفته من خلال الوظائف التي يقوم بها المجتهد، فهي أكثر شيء تُصوره وتبيِّنه، فصرفت عنان التّفكير للتَّدبّر في ذلك، واستقصاء واستقراء ما يتعلَّق بتصرّفات فقهائنا وأئمتنا، فوجدتها
تنحصر في خمس رئيسية يتفرع عليها غيرها: وهي استنباط وتخريج وترجيح وتمييز وتقرير.
وأهمية البحث: تنبع من أهمية الاجتهاد في الشريعة الذي يُمثل روحها وجوهرها؛ لأنَّ حياة الإسلام في الواقع بالاجتهاد، وهذا البحث يتحدثّ عن أهم أمور الاجتهاد ببيان الوظائف للمجتهد، وتوضيح الصورة التي يحصل الاجتهاد فيها، وهي متعدّدة، تبدأ بالاستنباط وتنتهي بالتطبيق للحكم.
وهذه المعرفة للوظائف توقظ الهمّة والرغبة للباحث والطالب أن يسلكها ويسعى لتحصيلها، وتمكنه من فهم الاجتهاد الحاصل في التّاريخ والمراحل التي مرّ بها، وتبصّره بكيفيّة الاجتهاد لما يَجِدُّ من مسائل، وتجعل قضيّته ممكنةً ومقدورةً، بعيداً عن النظرة النظرية للمسألة.
ومشكلة البحث: تظهر في الإجابة عن هذا السؤال، وهو هل للمجتهد وظائف متعددة؟ ويتفرّع عليه:
هل تطبيق الفقه يحتاج للاجتهاد؟
وهل للاجتهاد طبقات ومراحل؟
وهل تتفاوت درجات كل وظيفة من وظائف المجتهد؟
الدراسات السابقة: لم أقف في حدود علمي وبحثي على دراسة سابقة متعلّقة بالوظائف للمجتهد، وإنما تعرض العثماني (¬1) للقول بأن طبقان ابن كمال باشا هي أحرى أن تكون وظائف للمجتهدين، والله أعلم.
واتبعت في بحثي المنهج الاستقرائي في كتب الفقه والأُصول لتتبع تصرّفات الفقهاء، ثمّ المنهج الاستنباطي فيما تحصَّل إليَّ من الدِّراسة لِأتوصل إلى حصر وظائفِ المجتهدين.
وتحقيقاً للمقصودِ من البحث، سعيتُ في قسمته إلى تمهيدٍ ومبحثين وخاتمة:
المبحث الأول: في الترجيح والطبقات عند الحنفية، وفيه مطالب:
المطلب الأول: في الترجيح شرط العمل.
المطلب الثاني: في طبقات المجتهدين عند الحنفية.
المبحث الثاني: في وظائف فقهاء الحنفية.
الخاتمة: في بيان أبرز نتائج البحث.
سائلاً المولى - عز وجل - أن يوفقنا لما يُحبُّه ويَرضاه ويَهدينا سبيل الحقّ.
¬
(¬1) العثماني، محمد تقي الدين. (1432هـ).أصول الإفتاء. طبعة مكتبة معارف القرآن، كراتشي، باكستان. ص 101 - 102.
تمهيد:
أولاً: تعريف الاجتهاد:
الاجتهاد لغةً: بذل الوسع والمجهود (¬1).
واصطلاحاً: استفراغُ الفقيه الوسعَ لتحصيل ظنٍّ بحكم شرعيٍّ فرعيٍّ (¬2).
وقد وقع لبس كبير في قضية الاجتهاد، بحيث لا يتصور إلا بصورته المطلقة الموجودة في المجتهد المطلق الذي يستنبط الأحكام من الكتاب والسنة، وفي الحقيقةِ فإن الاجتهاد المطلق هو نوعٌ من أنواع الاجتهاد، ولا يمثل جميع أنواع الاجتهاد، بل هو أنواع متعدّد، كما هو ملاحظٌ من التَّعريف أوّلاً، ومما سيأتي من كلام.
ومَن لا ينتبه لهذه النُّكتة لا يعيش الفقه والإسلام بحقيقته العملية،
¬
(¬1) الرازي، محمد بن أبي بكر. (1420هـ). مختار الصحاح. ط5. الدار النموذجية، بيروت، ص63، ج هـ د.
(¬2) الفناري، محمد بن حمزة. (1289هـ).فصول البدائع في أصول الشرائع. مطبعة يحيى أفندي. ج2/ص 474.
فيكون بعيداً عن الواقع، والذي نريده هاهنا أن يكون الكلام في وظائف المجتهد استقراء للواقع لا مجرد فرضيّات عقليّة:
فمن حيث الاستقراء: مضى على اجتهادات علماء الأمّة ما يزيد عن 14 قرناً، سَلَكتْ فيه مناهج وطُرُق في التَّوصلِ إلى الأحكامِ الشرعيّةِ والتعرّف عليها والإفتاء بها والتقنين منها، فيريد الباحث من حيث استقراء التَّاريخ الفقهيّ أن ندركَ ذلك ونقرِّرَه.
ومن حيث الواقع: أننا نعيش الإسلام في حياتنا ونجتهد في تطبيقِه على أنفسِنا وأهلينا ومجتمعنا، والإسلام العمليّ التطبيقيّ مرجعه إلى الفقه بالدرجة الأولى، فكلُّ أعمال جوارحنا معالجتها في الفقه، وإن كان للتَّربيةِ الأثرُ البالغ على أفعال الحواسّ، لكن في النَّتيجة هي تصرّفات تحتاج أحكاماً، ومعرفتُها مردُّها للفقه.
ثانياً: الاجتهاد حقيقة واقعيّة:
إنَّ عيشَ وتطبيقَ أي علم يحتاج إلى اجتهادٍ فيه؛ لتمييزِ صحيحِه من سقيمِه، وتَصَوُّر كيفيةِ العملِ به، وتخريج المسائل المستجدّة على أصول أئمّتنا في الاجتهاد.
وهذا أمرٌ لا ينبغي أن يختلف فيه اثنان، وإلاّ لكان العلمُ نظريّاً خياليّاً لا يُطبّقُ ولا يُعاش، فطالما نريده علماً عمليّاً في حياتنا لا بدّ فيه من
الاجتهاد، وقدر المتخصّصين فيه يتميَّز بقدر اجتهادهم، وهذا يظهر في مختلف العلوم حتى عند أربابِ الصَّنائع.
إذن فالواقعُ يفرضُ علينا أنَّه لا بُدَّ من الاجتهادِ في العلمِ طالما أنَّه يُعاشُ في الحياة، لكن على درجاتٍ وصورٍ متفاوتةٍ فيه.
فالفكرةُ الشَّائعةُ بين الطلبةِ من توقّف الاجتهاد وإغلاق بابه، وهل يوجد مجتهد في هذا الزَّمان؟ اعتقد أنَّ طرحها وسؤالها خطأٌ؛ لأنَّ هذه حقيقةٌ كالشَّمس، كيف يكون علمٌ معاشٌ ومطبّقٌ بدون اجتهاد، كيف يُفهمُ ويُميّزُ ويُعملُ بالعلم بدون اجتهاد، قال ابن قُطْلُوبُغا: «إن قلت: قد يحكون أقوالاً بلا ترجيح، وقد يختلفون في الصَّحيح، قلت: يُعملُ بمثل ما عَملوا به من اعتبارِ تغيُّر العرفِ وأَحوالِِ النَّاس، وما هو الأرفق، وما ظهرَ عليه التَّعامل، وما قَوِيَ وجهُه، ولا يخلو الوجودُ عَمَّن يُميّزُ هذا حقيقةً لا ظَنّاً، وعلى مَن لم يُميِّز أن يرجعَ لمَن يميّز؛ لبراءةِ ذمّتِهِ» (¬1).
وعليه فإنَّ تطبيق الفقه في الواقع يحتاج إلى اجتهادٍ، فالفكرةُ التي لا بُدّ من تقريرِها في ذهنِ كلِّ مُتعلِّمٍ للفقه: أنَّ الفقهَ حالُه مثل سائر العلوم،
¬
(¬1) ابن قطلوبغا، قاسم. (2002م). التصحيح والترجيح على مختصر القدوري. ط1. دار الكتب العلمية. بيروت. تحقيق: ضياء يونس، ص131 - 132، وينظر: الحصكفي، محمد بن علي بن محمد. (د. هـ). الدر المختار شرح تنوير الأبصار. دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج1/ص 78.
يحتاج إلى دراسةٍ لمعرفةِ قواعدِه وأسسِه ومبادئِه وأمّهات مسائلِه، كما هو الحال في علمِ الهندسةِ أو الطبّ أو غيرِهما.
وتدرس العلوم المختلفة من أجل التوصل إلى تكوين الملَكَة العلميّة، ويتعرّف طريقة أهل العلم في الفهم والبناء وتحليل الأمور، وبقدرِ اجتهادِ الشَّخص بالدِّراسة الذَّاتية والالتقاء بالأساتذة وتحقُّق الذَّكاء لديه يستطيع أن يتوصَّل إلى تكوين الملَكَة في العلم الذي تخصَّص فيه.
وتطبيق المرء للعلم في حياتِه وإفادةِ مجتمعه به وزيادتِه لمسائلِه راجعٌ إلى مقدارِ الملَكَة التي كوَّنها فيه، وهذا الأمرُ متحقِّق في الفقه؛ لأنَّه علمٌ كسائر العلوم تكوَّن من اجتهاداتِ العلماءِ فيه، وهذه الاجتهاداتُ منبعُها الملَكَات، وبقدرِ تحصيلها يستطيع أن يتصرَّفَ في هذا العلم ويُضيف إليه معارف وإفادات مبنيّة على أُسس العلم التي تَمَكَّن منها.
فعلى الرَّاغبِ في الفقه عموماً، وفي الفقه الحنفي خصوصاً أن يَجِدَّ ويجتهد في طلبِه بما قلتُ، ويَسعى جاهداً لتكوين مَلَكَةٍ فقهيّةٍ قويّة، يستطيع بها تطبيقَه على نفسِهِ ومَن حولَه، وعلى تحقيقِ مسائلِهِ وتحريرِها وبيان حكم ما جَدَّ منها.
ثالثاً: الاستقراءُ التَّاريخي للطَّبقات:
ممَّا سبق يتبيَّن أنَّ الاجتهاد في نفسِهِ موجودٌ لا محالة؛ لأنَّه روحُ العلم، وبه حياتُه وتطبيقُه، وبدونه ينعدم العلم، ولكنَّه يَمرُّ بمراحل في نشأةِ العلوم وتكوّنِها، فينتقلُ من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ، فالعلمُ في كلِّ مرحلةٍ فيه يحتاج إلى نوعٍ جديدٍ من الاجتهاد؛ لأنَّ المرحلةَ السَّابقة اكتملت، والعلمُ في استمرارِ وزيادةٍ، وإلا لم يكن علماً.
وليس كلُّ عالم فيه يبدأُ من جديدٍ، بل يستمرُّ في البناءِ على علمِ مَن سبقه حتى يعظم بنيان العلم وتُشيَّدُ قواعدُه وأُسُسُه وتَزدادُ فروعُه ومسائلُه، فيكون علماً مرغوباً فيه، نافعاً للمجتمعات، ولو بدأ كلُّ عالم فيه من البدايةِ واجتهد فيما قاله غيرُه، لبقي العلم في محلِّه ولم يُكمل بُنيانُه.
وهذا يقتضي حصول مرحليّة في الاجتهادِ في العلم، تنقلُه من طورِ إلى طور، وهو ما نقصدُه بالاستقراءِ التَّاريخي للعلم لا سيما في المذهب الحنفي، حيث نلحظ فيه هذا التَّطوُّر الاجتهادي وانتقالُه من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ، وهو واضحٌ جَليٌّ في علمِِ الفقه ـ كما سيظهر ذلك في الدراسة التالية ـ.
ويُخرجنا من مُشكلةِ تقسيم الطَّبقات لابن كمال باشا التي هي وظائف في الحقيقة لا طبقات، كما يُقرِّرَه شيخنا العثماني، حيث يقول:
«إنَّ هذه الأقسام للوظائف لا للأشخاص، والمرادُ أنَّ وظائف الفقهاء تنقسم إلى هذه الأقسام ... ، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون الرَّجل الواحدُ يتولَّى جميع هذه الوظائف أو بعضَها في وقتٍ واحدٍ، وهذا كما أنَّ العلماءَ ينقسمون إلى مفسّرٍ ومُحدِّثٍ وفقيهٍ ومُتكلّمٍ، ولكن رُبّما يقع أنَّ الرَّجلَ الواحدَ تصدُق عليه جميعُ هذه الأَلقاب، فهو من حيث اشتغاله بالقرآن مُفسِّرٌ، ومن حيث اشتغاله بالحديث مُحدِّثٌ، ومن حيث اشتغاله بالفقه فقيهٌ، فكذلك يجوز أن يكون الرَّجلُ الواحدُ مجتهداً في المسائل وأهلاً للتَّخريج والتَّرجيح في وقتٍ واحدٍ» (¬1).
وتقريراً لما سبق نحتاج قبل الكلام في الوظائف أن نعرض موجزاً في مبحث مستقل لأبرز أسباب الاجتهاد، وهو الترجيح؛ لأنَّه شرط العمل، وكذلك بيان تعدد أنواع الاجتهاد، وهو المرحلية التاريخية التي مرّ بها.
* * *
¬
(¬1) العثماني، أصول الإفتاء ص 101 - 102.
المبحث الأول
في الترجيح والطبقات عند الحنفية
المطلب الأول: الترجيح شرط العمل (الحقُّ واحدُ عند الله لا متعدِّد):
في هذ المطلب نعرض لأحد أهم أسباب الاجتهاد، وهو عدم جواز العمل بقول إلا بعد ترجيحه بالاجتهاد فيه، فالاجتهاد هو الطريق للوصول للراجح من القول للعمل، وبالتّالي الاجتهاد بطريق الاستنباط من الكتاب والسنة وطريق التَّخريج من فروع وقواعد الفقهاء نسعى فيه للوصول للحقّ عند الله - عز وجل -؛ لأنَّه واحد، فنحتاج أن نُميزه عن غيره لتطبيقه، وهذا يمثل الوظيفتين الأُولى والثّانية.
وأمّا الوظيفتين الثَّالثة والرَّابعة وهما: الترجيح والتمييز، فهذا المطلب يتحدَّث عن سببهما، وهو عدم جواز العمل إلا بالرَّاجح؛ لأنَّ
المرجوحَ في مقابل الرَّاجح كالعدم، وبالتَّالي وجودهما مبنيٌّ على الوقوف على الحقّ؛ لأنَّه واحدٌ لا متعددٌ.
وأمّا الخامسةُ، وهي التَّقرير، فلا يكون التثبت من مناسبة الحكم للمكلّف أو الواقع إلا بالاجتهاد، وهذا لسعيه لإصابة ما هو الحقّ عند الله تعالى، فيكون الكلام فيها كالكلام في الوظيفة الأولى والثانية.
ومما يُلمس أن كثيراً من المشتغلين على الفقه في المؤسسات العلمية ممن لم يدرسوا الفقه على أساتذة وعامّة الطلبة الدّارسين له سلكوا مذهب المعتزلة القائلين بتعدّد الحقّ (¬1)، حتى صارت نظرتُهم إلى أقوال الفقهاء المختلفة أنَّها محلّ اختيار كلّ واحد منهم، فيحقُّ له أخذ ما شاء منها، وترك ما شاء؛ لأنَّها كلُّها حقّ، ففي كلّ مسألةٍ يدرسونها يأخذون فيها عدّة آراء فقهيّة: منها: مَن يقول: بالحلّ، ومنها: مَن يقول: بالحرمة، ومنها: مَن يقول: بالكراهة، وهكذا، دون بيانٍ للرّاجح منها في الغالب، فيكون هذا الطالب المبتدئ هو المختار لما يُريد بما تمليه عليه نفسه على حسب حاجته، فيوماً يقول: بالحرمة، ويوماً يقول: بالإباحة، وغيرها على حسب المصلحة العقليّة.
¬
(¬1) البصري، محمد بن علي. (1403هـ). المعتمد في أصول الفقه. ط1، دار الكتب العلمية، بيروت. ج2 ص376.
أولاً: أقوال العلماء في الحق عند الله - جل جلاله -:
القول الأول: قول المعتزلة وبعض المتكلّمين (¬1): المجتهدُ مصيبٌ، والحقُّ عند الله متعدّد؛ لأنَّ الحكمَ ما أدّى إليه اجتهاد كلُّ مجتهد، فإذا اجتهدوا في حادثةٍ فالحكم عند الله تعالى في حقّ كلّ واحد ما اجتهد به.
واحتجوا بالآتي:
1.إنَّ اجتهد جماعةٌ في القبلةِ كان اجتهادُهم صواباً، حتى تأدّى الفرض عنهم جميعاً، ولا يتأدّى الفرض عنهم إلا بإصابة المأمور به مع
إحاطة العلم بخطأ من استدبر الكعبة (¬2).
والمناقشة له:
إنَّ المتحرّي يخطئ ويصيب أيضاً كغيره من المجتهدين؛ إذ لو صلّى جماعة وتحرّوا القبلة واختلفوا، فمَن علم منهم حال إمامه وهو مخالفه فسدت صلاته؛ لأنَّه مخطئ للقبلة عنده، ولو كان الكلُّ صواباً والجهات قبلة لَمَا فسدت (¬3).
¬
(¬1) منهم القاضي حسين، ينظر: الزركشي، محمد بن بهادر الزركشي. (1989م). البحر المحيط في أصول الفقه. ط1. الكويت. تحقيق: الدكتور عمر الأشقر، ج 8/ص 284.
(¬2) السغناقي، حسام الدين حسين بن علي. (1422هـ). الكافي شرح البزدوي. ط1. مكتبة الرشد، ج 4/ص 1847 - 1848.
(¬3) السغناقي، الكافي شرح البزدوي، ج 4/ص 1847 - 1848، و التَّفْتَازَانِيّ، سعد الدِّين مسعود بن عمر بن عبد الله. (1324هـ).التلويح في حل غوامض التنقيح. ط1. المطبعة الخيرية، مصر ج2/ص 238 ..
2.إنَّ الأحكام تختلف عند اختلاف الرُّسل بين قومين في زمان واحد: كإبراهيم - عليه السلام - ولوط - عليه السلام - (¬1).
والمناقشة له:
إنَّ الشَّيءَ الواحد جاز أن يكون حراماً لشخص حلالاً لشخص
آخر: كأم المرأة حرام على زوج ابنتها حلال لغيره، وكذلك سائر المحرّمات من الأمّ والبنت وغيرها، وكذلك المال لمالكه حلال ولغيره حرام، فكذلك يجوز أن تثبت الحرمة في حقّ أُمّةٍ، والحلّ في حقّ أمّةٍ أُخرى.
قال الكوثريّ: «والرأي الذي يُنسب إلى المعتزلة، يبيح لغير المجتهدِ الأخذُ بما يروقه من الآراء للمجتهدين، لكن أقلّ ما يجب على غير المجتهد في باب الاجتهاد أن يتخيَّر لدينه مجتهداً يراه الأعلم والأورع، فينصاع لفتياه.
وأمّا تتبّعه الرُّخص من أقوال كلِّ إمام، والأخذ بما يوافق الهوى من آراء الأئمّة، فليسا إلا تشهّياً محضاً، وليس عليهما مسحة من الدّين أصلاً، كائناً من كان مبيح ذلك؛ ولذلك يقول الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينيّ الإمام عن تصويب المجتهدين مطلقاً: «أوله سفسطة وآخره
¬
(¬1) الكوثري، محمد زاهد بن الحسن. (1994م). مقالات الكوثري. المكتبة الأزهرية للتراث. ـ مقالة اللامذهبية قنطرة اللادينية ـ ص223 - 225.
زندقة» (¬1)؛ لأنَّ أقوالهم تدور بين النفي والإثبات، فأنى يكون الصواب في النفي والإثبات معاً ... ؟
نعم إنَّ من تابع هذا المجتهد في جميع آرائه، فقد خرج من العهدة، أصاب المجتهد أم أخطأ، وكذا المجتهدون الآخرون؛ لأنَّ الحاكم إذا اجتهد وأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر واحد» (¬2).
القول الثاني: قول عامّة الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة: المجتهدُ يُخطئ ويُصيب، والحقُّ عند الله واحدٌ، وإن لم يتعيَّن لنا فهو عند الله مُتعيِّن؛ لأنَّ حكمَ الاجتهاد الإصابة بغالب الرأي، وليس القطع بالوصول إلى الحقّ؛ لأنَّ الحقَّ في موضع الخلاف واحد (¬3).
واحتجوا بالآتي:
1.قال - جل جلاله -: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} (¬4)، ... وإذا
¬
(¬1) الزركشي، البحر المحيط. ج8 ص290.
(¬2) الكوثري، مقالات الكوثري. ص223 - 225، والبُخَارِيّ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي (1407هـ). صحيح البخاري. ط3. دار ابن كثير واليمامة. بيروت. تحقيق: الدكتور مصطفى البغا. ج6/ ص 2676،
(¬3) ابن أمير الحاج، أبو عبد الله محمد بن محمد الحَلَبِيّ. (1996مـ). التقرير والتحبير شرح التحرير. ط1. دار الفكر، بيروت، ج3/ص 306 - 307، والزركشي، البحر المحيط. ج8 ص290، وأبو يعلى، محمد بن الحسين، ابن الفراء، (1410هـ). العدة في أصول الفقه، ط2، والقرافي، شرح تنقيح الفصول. ج2 ص470.
(¬4) سورة الأنبياء: الآية79.
اختصَّ سليمان - صلى الله عليه وسلم - بالفهم، وهو إصابة الحقّ بالنّظر فيه كان الآخر خطأً (¬1).
2.وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه -: «إنَّ رجلين اختصما إلى النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال لعمرو: اقض بينهما، فقال: أقضي بينهما وأنت حاضر يا رسول الله، قال: نعم، على إنَّك إن أصبت فلك عشر أجور، وإن اجتهدت فأخطأت فلك أجر» (¬2).
3.وعن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثمّ أخطأ فله أجر» (¬3).
4.وعن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - حين سئل عن الكلالة قال: «إنّي سأقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأً فمنّي ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولد، فلمّا استخلف عمر - رضي الله عنه -، قال: إنّي
¬
(¬1) البزدوي، علي بن محمد بن حسين (د. هـ). أصول البزدوي. دار الكتاب الإسلامي، ج 4/ص 17.
(¬2) الحاكم، محمد بن عبد الله. (1411هـ). المستدرك على الصحيحين. ط1. دار الكتب العلمية. بيروت. تحقيق: مصطفى عبد القادر، ج4/ص 99، وقال ابن قطلوبغا: ورجاله رجال الصحيح. ابن قطلوبغا، قاسم، تخريج أحاديث البزدي، مركز العلماء العالمي للدراسات، الاردن، ص280
(¬3) مسلم بن الحجاج القُشَيْريّ النَّيْسَابوريّ (د. هـ). صحيح مسلم. دار إحياء التراث العربي. بيروت. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ج 1/ص 134.
لأستحيي الله أن أردّ شيئاً قاله أبو بكر» (¬1).
5.وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «إذا حاصرتم أهل حصن فأرادوكم على أن تنزلوهم على حكم الله فلا تنزلوهم على حكم الله، فإنَّكم لا تدرون ما حكم الله فيهم، ولكن أنزلوهم على حكمكم ثم احكموا فيهم ما شئتم ... » (¬2).
وجه الدلالة: وجود حكم واحد لله، وليس كلُّ ما يقول المجتهد حكم الله - جل جلاله -؛ لأنّه لا يدري حكم الله يقيناً، وبالتَّالي لا يُسلِّموا لهم أنّ ما قالوه حكم الله - جل جلاله -، ويدعون غيره.
قال التفتازانيّ: «وأمّا السنّة والأثر فالأحاديث والآثار الدّالة على ترديد الاجتهاد بين الصواب والخطأ، وهي وإن كانت من قبيل الآحاد، إلا أنَّها ... متواترة ... من جهة المعنى، وإلا لم تصلح للاستدلال على
¬
(¬1) الدارمي، أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن. (1407هـ). سنن الدارمي. ط1. دار التراث العربي، بيروت. تحقيق: فواز أحمد وخالد العلمي، ج 2/ص 462، البَيْهَقِي، أحمد بن الحسين بن علي. (1414هـ). سنن البَيْهَقِي الكبير. مكتبة دار الباز. مكة المكرمة. تحقيق: محمد عبد القادر عطا، ج6، ص 223، والأزدي، ربيع بن حبيب بن عمر. (1415هـ). مسند الربيع. ط1. دار الحكمة. بيروت. تحقيق: محمد بن إدريس، وعاشور بن يوسف، ج1، ص 305.
(¬2) ابن منصور، سعيد. (1414هـ). سنن سعيد بن منصور. ط1. دار العصيمي. الرياض. تحقيق: الدكتور سعد أل حميد، ج2/ص 230، والبيهقي، السنن الكبير، ج 9/ص 96.
الأصول» (¬1).
6. والإجماع، قال علاء الدّين السمرقنديّ: «إنَّ الصّحابة - رضي الله عنهم - أجمعوا على جواز القياس مع مخالفة البعض في جواب المسائل والتّخطئة، حتى شدّدوا على عبد الله بن عبّاس - رضي الله عنهم - في جواز ربا النّقد (¬2) ... فالصّحابة الذين جوّزوا القياس أجمعوا على جواز الخطأ على القياس، وإجماع الصّحابة - رضي الله عنهم - حجّة قاطعة» (¬3).
ونَقل الإجماع أيضاً شيخ الإسلام شمس الدين الفناريّ (¬4).
فلم تكن مناقشةٌ حقيقيةٌ لأدلتهم؛ لقوتها وظهورها؛ ولذلك كان
¬
(¬1) التفتازاني، التلويح، ج 2/ص 239.
(¬2) قال الدكتور عبد الملك السعدي في تعليقه على الميزان ج2/ص 1055: «استدل على ذلك بما رواه الشيخان: أنَّه روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إنَّما الربا في النسيئة» انظر: البخاري، الصحيح، ج3/ص 21، ومسلم، الصحيح، ج2/ص 6218، وقد رجع عن رأيه هذا حينما بلغه حديث أبي سعيد الخدري في تحريم النبي - صلى الله عليه وسلم - ربا الفضل. انظر: حديث أبي سعيد في البخاري، الصحيح، ج3/ص 310، ومسلم، الصحيح، ج3/ص 1214، وانظر رجوع ابن عباس وكيفية الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد في شرح مسلم للنووي ج11/ص 22».
(¬3) السمرقندي، محمد بن أحمد. (1407هـ). ميزان الأصول في نتائج العقول في أصول الفقه. ط1. طباعة وزارة الأوقاف العراقية. تحقيق: الدكتور عبد الملك السعدي، ج2/ص 1056.
(¬4) الفناري، فصول البدائع، ج2/ص 417.
مذهب الأئمة الأربعة (¬1)، واتفق عليه الفقهاء، فحقَّ له أن يُقدّم ولا يُلتفت لغيره.
المطلب الثّاني: طبقات الاجتهاد عند الحنفية:
نعرض فيه لأبرز أسباب تعدد الاجتهاد من طريق الاستنباط إلى طريق التخريج، وهو المرحلية التي مرّ بها الفقه بحيث انتقل من طور إلى طور.
ونُفسِّر سبب ظهور الحاجة للوظائف الأخرى من ترجيح وتمييز؛ لكثرة الأقوال الحاصلة لتعدّد طبقات الاجتهاد، وبالتالي نحتاج أن نميز
بينها ونرجح بين أقوالها.
المشهور عند العلماء (¬2) تقسيم طبقات المجتهدين إلى ثلاث طبقات، وزيدت طبقة رابعة وجدت في مذهب الحنفية، وهي متحقّقة في تلاميذ
¬
(¬1) ابن أمير الحاج، التقرير والتحبير شرح التحرير ج3/ص 306 - 307، والزركشي، البحر المحيط. ج8 ص290، وأبو يعلى، العدة في أصول الفقه، ط2، والقرافي، شرح تنقيح الفصول. ج2 ص470.
(¬2) الكوثري، محمد بن زاهد (1368هـ).حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي. دار الأنوار للطباعة والنشر، مصر، ص24، وأبو الحاج، صلاح محمد. (1422هـ). المنهج الفقهي للإمام اللكنوي. دار النفائس. عمان، ص161 - 168، والعثماني، أصول الإفتاء، ص19 - 22.
أبي حنيفة، حيث وصلوا لدرجة الاجتهاد المطلق، إلا أنَّهم آثروا البقاء في مذهب شيخهم، وهذه الطبقات هي:
أولاً: مجتهد مطلق:
وهو مَن استقلّ بأصوله عن اجتهاد منه، وإن تأثّر في بعضها من شيوخه ومدرسته التي نشأ فيها، وبنى عليها الفروع، مثل: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد - رضي الله عنهم -.
ثانياً: مجتهد مطلق منتسب:
وهو مَن استقل بأُصوله عن اجتهاد منه، ووافق في بعض أصوله
أصول مَن انتسب لمذهبه؛ لموافقة رأيه رأي إمامه فيها، وبَنَى عليها فُرُوعاً، مثل: أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وزفر بن الهذيل، والحسن بن زياد - رضي الله عنهم -، فقد وصلوا درجةِ الاجتهادِ المطلق وإن آثروا الانتساب إلى إمامهم أَدباً معه وسعوا في نشر مذهبه مع أقوالهم، وهذا ما أيّده المرجانيّ (¬1) واللكنويّ (¬2) والكوثريّ (¬3).
¬
(¬1) المرجاني، شهاب بن بهاء الدين. (1287هـ). ناظورة الحق في فرضية العشاء وإن لم يغب الشفق. طبعة قازان، ص58.
(¬2) اللكنوي، عبد الحي. (1406هـ). النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير. ط1. عالم الكتب، ص15.
(¬3) الكوثري، حسن التقاضي، ص85 - 86.
ثالثاً: مجتهدٌ منتسبٌ:
وهو الذي مَشَى على أصول إمامه وفروعه، إلا أنَّه قد يُخالفه في أصولٍ وفروع عن اجتهادٍ منه، فيستنبط بها من الكتاب والسنة، فشرطه «ضبطُ أصولِ مقلِّدِه؛ لأنَّ استنباطَه على حسبها» (¬1)، وهذا مثل: أبي جعفر الطحاويّ وأَمثاله من علماء القرن الثالث والرابع.
قال ابنُ الحسين المالكيّ (¬2): «الجمهورُ على أنَّ شروط الاجتهاد المطلق المذكورة لم تتحقَّق في شخصٍ من علماء القرن الرَّابع فما بعده، وأنَّ مَن ادّعى بلوغها منهم لا تُسلَّم له دعواه ضرورة أنّ بلوغَها لا يثبت بمجرد الدَّعوى ... ».
رابعاً: طبقة المجتهدين في المذهب:
ويتمثل في علماء المذهب من بعد القرن الرابع إلى يومنا، قال الفناريّ: «فممارسةُ الفقه طريقٌ إلى تحصيلِ الاجتهادِ في زماننا هذا» (¬3)، ويتلخص عملهم فيما يلي:
1.التخريج على فروع وقواعد أئمة المذهب خاصّة دون الكتاب
¬
(¬1) الفناري، فصول البدائع، ج2/ص 475.
(¬2) المالكي، محمد على حسين. (1431 - 2010). تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية. وزارة الأوقاف السعودية، مطبوع بهامش الفروق للقرافي، ج2، ص 188.
(¬3) الفناري، فصول البدائع، ج2/ص 475.
والسنة؛ لاهتمامهم بضبط أُصول المذهب، فبنوا عليه كثيراً من الفروع المستجدة.
2.الترجيحُ والتصحيحُ بين أَقوالِ أئمّةِ المذهب على حسبِ قواعدِ رسم المفتي.
4.التقعيد والتأصيل لفروع المذهب.
5.حفظ المذهب وتمييز ما هو المعتمد فيه من ظاهر الرواية والنوادر ومسائل النوازل.
وهذا التقسيم أولى بالقبول من طبقات ابن كمال باشا، وأقرب إلى الحقّ في فهم الفقه ومراتب أئمته، وأرى أنَّه أفضل تقسيم في معرفةِ درجات وطبقات فقهاء المذهب، وفهم اجتهاداتهم وترجيحاتهم، وتصوُّر التّسلسل التّاريخيّ في نموّ المذهب وتطوُّره وانتقاله من مرحلةٍ إلى مرحلة.
* * *
المبحث الثاني
وظائف فقهاء الحنفية
بعد تقرير الحاجة الواقعية للاجتهاد، والحقيقة التّاريخة بحصوله في كلّ عصر وزمان، نتيقَّن بحقيقته، وندرك أنَّها الحلقة المهمة للدارس للفقه والعامل به، حيث يسعى الطالب للحصول على هذه الوظائف، وترتفع همته لذلك، ويسعى العامل بالفقه إلى الاستفادة منها في تطبيق الفقه واستخراج كنوزه.
وهذه الوظائف للمجتهدين هي:
أولاً: استنباط الأحكام من الكتاب والسُّنة وآثار الصَّحابة - رضي الله عنهم -، نوعان:
الأول:.الاعتمادُ على أصولٍ استخرجها المجتهدُ بنفسِه، قال ابنُ كمال باشا: «طبقة المجتهدين ... في تأسيس قواعد الأصول واستنباط أحكام الفروع عن الأدلّة الأربعة ... » (¬1).
¬
(¬1) العثماني، أصول الإفتاء، ص 87عن الطبقات.
وأبرز مَن قام بهذه الوظيفة الأئمة الأربعة، فهم وإن كانوا مستقلين في استنباطِ الأحكام الشرعيّة من الكتاب والسنة، ولكن لا محيص له م من نوع من التقليد، وهو أنَّه ينظر في أقوال السلف من الصحابة والتابعين ويتمسّك بها في شرح أحكام القرآن والسنة، فربما لا يوجد نصٌّ صريحٌ من الكتاب والسُّنة، ولكن يوجد قول من أحدِ الصحابة أو التابعين، فيقدّمه على رأيه الخاصّ، وهذا كما أنَّ الإمام أبا حنيفة أخذ كثيراً بقول إبراهيم النخعي، والإمام الشافعي بقول ابن جريج، والإمام مالك بقول أحد الفقهاء السبعة بالمدينة المنورة (¬1).
وفي الحقيقة هذه الاستقلاليّة لهم كانت ضمن مدارس فقهيّة تربوا فيها، ومشوا على أصولها وقواعدها وفروعها، مع تقرير وتقعيد وتأصيل منهم لما توارثوه، كما هو ظاهر في أفعال أبي حنيفة مع مدرسة الكوفة، ومالك مع مدرسة المدينة.
فإثبات أصول خاصّة بهم في الاستنباط لا يمنع تأثرهم بها في مدارسهم فنقحوها وحققوها أكثر فأكثر حتى نسبت إليهم.
وكذلك قام بهذه الوظيفة طبقة المجتهد المطلق المنتسب المتحققة بأصحاب أبي حنيفة: كأبي يوسف ومحمد، قال الكوثري: «اشتهر في أفواه
¬
(¬1) العثماني، أصول الإفتاء، ص17 - 18.
الموافق والمخالف، وجرى مجرى الأمثال، قولهم: أبو حنيفة أبو يوسف، بمعنى أنَّ البالغ إلى الدرجة القصوى في الفقاهة أبو يوسف ...
ولكل واحد منهم أصول مختصة، تفردوا بها عن أبي حنيفة، وخالفوه فيها، بل قال الغزالي: إنَّهما خالفا أبا حنيفة في ثلثي مذهبه، وقال الجويني: إن كل ما اختاره المزني أرى أنَّه تخريج ملحق بالمذهب لا كأبي يوسف ومحمد، فإنَّهما يخالفان أصول صاحبهما» (¬1).
وقال أبو زهرة: «إن أبا يوسف ومحمداً وزفر وغيرهم من الأصحاب كانوا مستقلين في تفكيرهم الفقهي كل الاستقلال، وما كانوا مقلدين لشيخهم بأي نحو من نواحي التقليد، وكونهم درسوا آراءه أو تلقوها عليه، وتثقفوا في أولى دراساتهم عليه لا يمنع استقلال تفكيرهم، وحرية اجتهادهم وإلا كان من يتلقى على شخص لا بد أن يكون مقلداً له ... » (¬2).
وأبرز ما يدل على أنَّهم وصلوا لدرجة الاجتهاد المستقل: أنَّ محمد قرن رأيه ورأي أبي يوسف مع رأي أبي حنيفة في مسائل كتب ظاهر الرواية التي خالفاه فيها، مما يوضح أنَّهما كانا يعتقدان أنَّ لهما أهلية في
¬
(¬1) الكوثري، حسن التقاضي، ص85 - 86.
(¬2) أبو زهرة، محمد. (د. هـ). أبو حنيفة حياته وعصره آراؤه الفقهية. دار الفكر العربي.، ص444 - 445.
الاجتهاد مثل شيخهما، ولكنهما آثرا نشرَ مذهبهم جميعاً؛ لأنَّ مذهب الجماعة أقوى من مذهب الفرد، ولما فيه من التيسير على غيرهما فيما اختلفا فيه، واعترافاً منهما بمكانة أبي حنيفة ودرجته العالية في الفقه.
قال اللكنويّ: «المصرح في كلام كثير: أنَّ أبا يوسف ومحمد مجتهدان مطلقان منتسبان؛ لأنَّ مخالفتهما للإمام في الأصول غير قليلة» (¬1).
الثاني: الاعتمادُ على أصولٍ مُقرّرةٍ في المذهبِ استخرج أُسسها أئمّتُه، قال ابنُ كمال باشا: «طبقةُ المجتهدين ... القادرين على استخراج الأحكام عن الأدلّة المذكورة على حَسَب القواعد التي قرَّرها إمامُهم ... » (¬2).
وهذه الوظيفةُ تظهر لدى المجتهد المنتسب، وهو عالمٌ متبحرٌ، وهو الذي وإن لم يبلغ درجة الاجتهاد الكلّي، ولكنه لسعة معرفته بعلوم القرآن والسنة وتبحره في مذهب إمامه وطول ممارسته بالفقه والفتيا لدى أساتذة مهرة تحصل له ملكة قوية في النظر في دلائل الأحكام الفقهية، فإنَّ مثل هذا العالم وإن كان يقلّد إمامه في معظم الأبواب الفقهية ... فإنَّه يجوز له أن يترك قول إمامه (¬3).
¬
(¬1) اللكنوي، النافع الكبير، ص15.
(¬2) العثماني، أصول الإفتاء، ص 87عن الطبقات.
(¬3) العثماني، أصول الإفتاء، ص17 - 18.
وتجلّت هذه الوظيفةُ بوضوح في علماءِ القرن الثّاني والثّالث إجمالاً: كعيسى بن أبان (¬1) والجُوزجانيّ (¬2) وأبو حفص الكبير (¬3) ومحمّدُ بن مقاتل (¬4) والخصّاف (¬5) والجصّاص (¬6) .............................................
¬
(¬1) وهو عيسى بن أبان بن صَدَقة، أبو موسى، قال القرشي: الإمام الكبير تفقَّه على محمد بن الحسن، قال هلال بن يحيى: ما في الإسلام قاضٍ أفقه منه في وقته، قال أبو حازم: ما رأيت أحد مثله فتمنَّيت أن أكون مثله إلا محمد بن سماعة، وما رأيت قطت فقيهين متواضعين كل واحد منهما يوجب لصاحبه كايجابه لنفسه، من مؤلفاته: كتاب «الحجج»، (ت221هـ). ينظر: القرشي، عبد القادر بن محمد بن أبي الوفاء القرشي (1413هـ). الجواهر المضية في طبقات الحنفية. ط2، مؤسسة الرسالة، بيروت، ج2 ج 678 - 680.
(¬2) وهو موسى بن سليمان الجُوزَجانيّ، أبو سليمان، أخذ الفقه عن محمّد، من مؤلفاته: «السير الصغير»، و «كتاب الصلاة»، و «كتاب الرهن»، و «النوادر»، توفي بعد المئتين ينظر: القرشي، الجواهر، ج3 ص 518 - 519. واللكنوي، عبد الحي (1998م)، الفوائد البهية في تراجم الحنفية. ط1، دار الأرقم، بيروت، ص354.
(¬3) وهو أحمد بن حفص، أبو حفص الكبير. أخذ عن محمد بن الحسن، الإمام المشهور، ينظر: ابن قطلوبغا، قاسم (1992م)، تاج الترجم. ط1، دار القلم، دمشق، ص94، واللكنوي، الفوائد، ص39.
(¬4) وهو محمد بن مقاتل الرَّازِيّ، من أصحاب محمد، قاضي الرَّي، (ت248هـ). ينظر: القرشي، الجواهر ج3 ص372)، واللكنوي، الفوائد، ص329.
(¬5) وهو أحمد بن عمرو الشَّيْبَانيّ الخَصَّاف، أبو بكر، قال الحلواني: الخصَّاف رجل كبيرٌ في العلم، وهو ممَّن يصحُّ الاقتداء به، من مؤلفاته: «الحيل»، و «الوصايا»، و «الشروط الكبير». ينظر: القرشي، الجواهر ج1 ص230 - 232، واللكنوي، الفوائد ص56.
(¬6) وهو أحمد بن عليّ الجَصَّاص الرَّازِيّ، أبو بكر، إمام أصحاب أبي حنيفة في وقته، من مؤلفاته: «أحكام القرآن»، و «شرح مختصر الكرخي»، و «شرح مختصر الطَّحاوي»، (ت370 هـ). ينظر: القرشي، الجواهر، ج1 ص 220 - 224. اللكنوي، الفوائد، ص3 - 54.
والكَرخيّ (¬1) والطّحاويّ (¬2) وأبي الليث السَّمرقندي (¬3) وغيرُهم.
فمثلاً انفرد الكرخيُّ عن أبي حنيفة وغيره في أنَّ العام بعد التَّخصيص لا يبقى حجّةً أصلاً، وأنَّ الخبر الواحد الوارد في حادثة تعم بها البلوى، ومتروك المحاجة عند الحاجة ليس بحجة قط، وانفرد أبو بكر الرازي في أنَّ العام المخصوص حقيقةٌ إن كان الباقي جمعاً وإلا فمجاز (¬4).
ويلاحظ أنَّ مدرسةَ محدّثي الفقهاء من متأخّري الحنفية وافقوا سير هذه الطبقة في اعتمادهم أُصولاً للتَّرجيح مشوا عليها، ولكن هناك
¬
(¬1) وهو عبيد الله بن الحسين بن دلال بن دَلَهْم، أبو الحسن الكَرْخِ، قال الكفوي: انتهت إليه رئاسة الحنفية. وعدَّه الإمام اللكنوي من أصحاب الوجوه في حين عدَّه ابن كمال باشا من المجتهدين في المسائل، من مؤلفاته: «المختصر» و «شرح الجامع الكبير» و «شرح الجامع الصغير»، (ت340هـ). ينظر: ابن قطلوبغا، تاج التراجم ص200، واللكنوي، الفوائد، ص183.
(¬2) وهو أحمد بن محمد بن سلامة الأَزْدِي الحَجْريّ الطَّحَاوِيّ المِصْريّ، أبو جعفر، قال أبو إسحاق: انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر، وقال: ابن يونس: كان ثقة ثبتاً لم يخلف مثله، من مؤلَّفاته: «شرح معاني الآثار»، و «مختصر الطحاوي»، (ت321هـ). ينظر: اللكنوي، الفوائد، ص59 - 63.
(¬3) وهو نصر بن محمد بن أحمد السَّمَرْقَنْدِيّ، أَبو اللَّيْث الفقيه، إمام الهدى، الإمام الكبير صاحب الأقوال المفيدة، والتصانيف المشهورة. ومن مؤلفاته: «مختارات النوازل»، و «خزانة الفقه»، و «عيون المسائل»، (ت375هـ). ينظر: ابن قطلوبغا، تاج التراجم، ص310، واللكنوي، الفوائد، ص362.
(¬4) الكوثري، حسن التقاضي ص89.
تفاوت ظاهر بينهم وبين هذه الطبقة في التمكّن من الأصول والفروع، يظهر في ضعف ترجيحاتهم، بخلاف هذه الطبقة، فإنَّ ترجيحها من أقوى التَّرجيحات وكذلك تخريجها، والأصول التي اعتمدوها قويّةٌ بالمقارنة مع أصولِ الأئمة، وأمّا هذه المدرسة المتأخرة فمدار أصولهم على أصول المحدّثين مع ضعفٍ ظاهر منهم لما يوردون من أحاديث في استدلالاتهم يرجِّحون من خلالها، وغفلةٍ واضحةٍ عن طريقةِ الفقهاء في تصحيح الأحاديث وقبولها وردّها، قال الجصّاص: «لا أعلم أحداً من الفقهاء اعتمد طريق المحدِّثين ولا اعتبر أصولهم» (¬1).
لا سيما أنَّ الوقوفَ على النَّصوص الحديثيّة بصورتها الأدقّ والأحكم بالنسبة إلى هذه الطبقة أقوى؛ لقربها من العهد النبويّ، فحكمُهم أصحُّ وأثبتُ وأَصوب، كما صَرَّح الذهبيُّ: «وهذا في زماننا يعسُرُ نقدُه على المحدِّث، فإنَّ أولئك الأئمّة كالبُخاريّ وأبي حاتم وأبي داود، عاينوا الأصول، وعَرَفوا عِلَلَها، وأمّا نحن فطالَتْ علينا الأسانيد، وفُقِدَت العباراتُ المتُيَقَّنة، وبمثلِ هذا ونحوه دَخَل الدَّخَلُ على الحاكم في تصرُّفِهِ في المستدرك» (¬2).
¬
(¬1) الجصاص، أبو بكر. (2010هـ). شرح مختصر الطحاوي. ط1. طبعة دار البشائر. تحقيق: الدكتور سائد بكداش وآخرون، ج4/ص 244.
(¬2) الذَّهَبِي، أبو عبد الله محمد بن أحمد. (1405هـ). الموقظة في علم مصطلح الحديث. ط1. مكتب المطبوعات الإسلامية. حلب. تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، ص46.
ولم ينتبه مَن في هذه المدرسة لقضيّة النَّقل المدرسيّ المتوارث المعتبر عند الحنفيّة والمالكيّة، وقد فصّلتُ ذلك كلَّه في عدّة أبحاث، وهذا يفسّر ردّ ابن عابدين لكثير من أقوالِهم وترجيحاتِهم والرجوع إلى مَن سبقهم في الوقوف على المعتبر من المذهب، ونقصد بهذه المدرسة المتأخرة: ابنُ الهمام (¬1) ـ وهو شيخها ـ ومَن جاء بعده: كابن أمير الحاج (¬2)، والحلبيّ (¬3)، والقاري (¬4) .............................................................
¬
(¬1) وهو محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد ب السَّكَنْدَرِيّ السِّيوَاسِيّ الأصل القَاهِريّ الحَنَفِي، كمال الدين، من مؤلفاته: «فتح القدير على الهداية»، «تحرير الأصول»، و «المسايرة في العقائد» (ت861هـ).ينظر: اللكنوي، الفوائد ص296 - 298.
(¬2) وهو محمد بن محمد بن محمد بن حسن الحَلَبِيّ الحنفي، أبو عبد الله، شمس الدين، المعروف بابن أمير حاج، ومن مؤلفاته: «حَلْبَةُ المُجَلِّي وبغية المهتدي في شرح منية المصلي»، و «التقرير والتحبير شرح التحرير» لابن الهُمَام، و ((ذخيرة القصر في تفسير سورة والعصر))، (ت879هـ). ينظر: السخاوي، محمد بن عبد الرحمن، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع. دار الكتب العلمية. ج9ص210 - 211.
(¬3) وهو إبراهيمُ بن مُحَمَّدِ بنِ إبراهيم الحَلَبي، الإمام والخطيب بجامع السُّلطان مُحَمَّد خان بقسطنطينية، من مؤلفاته: «ملتقى الأبحر»، «غنية المستملي شرح منية المصلي» ما أبقى شيئاً من مسائل الصلاة إلا أورد فيه مع ما فيه من الخلافيات على أحسن الوجوه. وله مختصر ((للغنية)) مشهور بـ ((حلبي صغير))، (ت956هـ). ينظر: طاشكبرى زاده (1975م)، الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية. دار الكتاب العربي، بيروت، ص295 - 296.
(¬4) , () وهو علي بن سلطان محمد الهَرَوي القَارِيّ الحَنَفي، أبو الحسن، نور الدين، من مؤلِّفاته: «فتح باب العناية بشرح النقاية»، و «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح»، و «الأثمار الجنية في طبقات الحَنَفِيَّة»، (ت1014هـ). ينظر: المحبي، محمد أمين (د. هـ). خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر. دار صادر. ج3 ص185 - 186).
والشُّرنبلاليّ (¬1)، واللكنويّ (¬2)، وغيرهم.
ثانياً: التَّخريج على أقوال أئمّة المذهب، نوعان:
الأوّل: حملُ قولِ المجتهد المطلق على محمل معيّن؛ بأن يكون كلامُه من الفرائض أو الواجبات أو السُّنن أو المبطلات أو غيرها، وهذا يعدُّ توضيح وتفسير لمقصود المجتهد، كما حصل مع أبي يوسف ومحمّد في قول الشَّعبي في ميراث الخنثى أنَّ له نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى، قال البابرتي: «اختلفا في تخريج قول الشَّعبي، فمُحمّد فسَّره على وجه ... وأبو يوسف فسَّره على وجه (¬3) ... » (¬4)، فانظر كيف ذكر التَّخريج
¬
(¬1) وهو حسن بن عمَّار بن علي الشُّرُنْبَلالِيّ المصريّ الوفائيّ الحَنَفيّ، أبو الإخلاص،، قال المحبي: كان من أعيان الفقهاء وفضلاء عصره، ومنسار ذكرهن فانتشر أمره، وهو أحسن المتأخرين ملكة في الفقه، من مؤلفاته: «حاشية على الدرر والغرر»، «شرح منظومة ابن وهبان»، و «مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح»، (ت1069هـ). ينظر: المحبي، خلاصة الأثر، ج2 ص38 - 39).
(¬2) وهو عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي الحنفي، أبو الحسنات، من أشهر فقهاء ومحدثي عصره، و من مؤلفاته: «عمدة الرعاية على شرح الواقاية»، و «التعليق الممجد شرح موطأ محمد»، و «الفوائد البهية في طبقات الحنفية، (ت1304هـ). ينظر: اللكنوي، الفوائد، ص9.
(¬3) فقول الشعبي: للخنثى نصفُ ميراث الذكر، ونصفُ ميراث الأُنثى، فسّره أبو يوسف ثلاثة من سبعة؛ لأنَّه له الكل على تقدير الذكورة، والنصف على تقدير الأنوثة، فصار واحداً ونصفاً، فنصفه ثلاثة الأرباع، فيكون للابن الكل إن كان منفرداً، وللخنثى ثلاثة الأرباع، فالمخرج أربعة، فالكل أربعة، وثلاثة الأرباع ثلاثة، صار سبعة بطريق العول للابن أربعة، وللخنثى ثلاثة، صدر الشريعة. شرح الوقاية. ج5 ص219.
(¬4) البَابَرْتي، أكمل الدين محمد بن محمد الرومي. (د. هـ). العناية على الهداية. دار إحياء التراث العربي. بيروت. ج10/ص 521.
أَوَّلاً ثم بيَّنه بالتفسير.
قال ابنُ كمال باشا: «طبقةُ أَصحاب التخريج ... لإحاطتهم بالأَصول وضبطهم للمأخذ يقدرون على تفصيلِ قولٍ مجملٍ ذي وجهين، وحكمٍ محتملٍ لأمرين منقولٍ عن صاحب المذهب أو عن أحدٍ من أصحابه المجتهدين برأيهم ونظرهم في الأصول والمقايسة على أمثاله ونظائره من الفروع. وما وقع في بعضِ المواضع من «الهداية» من قوله: كذا في تخريج الكرخيّ وتخريج الرَّازيّ من هذا القبيل» (¬1).
فمثلاً وردت الطمأنينة في الرُّكوع والسجود عن أبي حنيفة، واختلف الكرخي والجرجاني في حكمها عند أبي حنيفة، هل سنة أم واجبٌ؟ ففي تخريج الجُرجانيّ سنة؛ لأنّ هذه طمأنينة مشروعةٌ لإكمال ركن، وكلُّ ما هو كذلك فهو سنّةٌ كالطمأنينة في الانتقال. وفي تخريج الكرخي: واجبة حتى تجب سجدتا السهو بتركها عنده؛ لأنَّ هذه الطمأنينة مشروعة لإكمال ركن مقصود بنفسه، وكل ما هو كذلك فهو واجب كالقراءة، بخلاف الانتقال فإنَّه ليس بمقصود (¬2).
فنظر لها الجرجانيّ إلى أنّها إكمالُ ركن مطلقاً، والسُّنَّةُ شُرِعت لإكمال
¬
(¬1) العثماني، أصول الإفتاء ص 89عن الطبقات.
(¬2) المرغيناني، أبو الحسن علي بن أبي بكر. (د. هـ). الهداية شرح بداية المبتدي. الطبعة الأخيرة. مطبعة مصطفى البابي، ج1/ص 302.
الرُّكن، ونظر الكَرخيّ أنّها لإكمال ركن مقصودٍ، فتكون حالها أقوى حتى لا ينتقص الرُّكن، وهذا يتحقَّق بوجوبها، ففرضُ القراءة عند أبي حنيفة آية، وواجبُه ثلاث آيات، فلمّا كانت القراءة ركناً مقصوداً بنفسه وجب قراءة ثلاث آيات، فكذلك لما كان الرُّكوع والسُّجود مقصوداً بنفسه وجبت الطَّمأنينة فيهما.
الثانية: التَّفريعُ على مسائلِ المجتهدِ وقواعدِه في المسائل المستجدة، فالمجتهدون الأوائل نُقِل عنهم قواعد الأبواب وأُمَّهات مسائلها أَكثر ممّا نُقِل عنهم من فروعِها وتفصيلاتها، وهذه كلُّها من تفريعات مشايخ المذهب على أُصول مذهبهم، وهذا واضح جليٌّ في كتب الفتاوى، فأكثرها من تفريعات المشايخ.
ومثال هذه التفريعات من «فتاوى قاضي خان»: «الهرّةُ إذا أَكلت طعاماً فسقط من فمها شيءٌ يُكره أكله.
وكذا لو لحست عضواً، لا يُصلّي قبل أن يغسل ذلك العضو.
وإن أكلت فأرة فشربت من إناء في فوره يفسده، وإن شربت بعد ساعة لا يفسده.
ولو وقعت الهرة في جب ماء، فأخرجت حية من ساعتها، فتوضأ إنسان من ذلك الماء، جاز.
بئران وقعت في كلِّ واحدٍ منها هرّة وماتت، فأُخرجت من البئر ونُزح من إحداهما دلوٌ وصُبّ في الأُخرى، يُنزح من الثَّانية جميع الماء، كما لو وقع فيها شاةٌ وماتت» (¬1).
قال ابنُ كمال باشا: «طبقةٌ ... يستنبطون الأحكامَ من المسائل التي لا نَصَّ فيها عنه على حسبِ أصولٍ قرَّرها ومُقتضى قواعد بسطها» (¬2).
وقال ابنُ عابدين في المجتهد في المذهب: «هو مَن استخرج الأحكام من مذهب مجتهدٍ تخريجاً على أصولِه، لا نقل عينه ـ إن كان مُطلعاً على مبانيه: أي مأخذ أحكام المجتهد ـ أهلاً للنَّظر فيها، قادراً على التَّفريع على قواعده، مُتمكّناً من الفرق والجمع والمناظرة في ذلك، بأن يكون له ملكةُ الاقتدار على استنباطِ أَحكام الفروع المتجدِّدة التي لا نقل فيها عن صاحبِ المذهب من الأصول التي مَهَّدها صاحبُ المذهب» (¬3).
وقال الدِّهلويّ: «قومٌ توجّهوا بعد المسائل المجمع عليها بين المسلمين أو بين جمهورهم إلى التَّخريج على أَصل رجلٍ من المتقدِّمين،
¬
(¬1) قاضي خان، حسَن بن مَنْصُور الأُوزْجَنْدِيّ. (1310هـ). الفتاوى الخانية (فتاوى قاضي خان). المطبعة الأميرية ببولاق. مصر، ج1/ص 5.
(¬2) العثماني، أصول الإفتاء، ص 89عن الطبقات.
(¬3) ابن عابدين، محمد أمين بن عمر (د. هـ). شرح عقود رسم المفتي. دار إحياء التراث العربي. بيروت، ج 1/ص 31.
وكان أكثرُ أمرهم حمل النَّظير على النَّظير، والردُّ إلى أصلٍ من الأُصولِ دون تتبع الأحاديثِ والآثارِ» (¬1).
وقال النّوويّ: «يتّخذ نصوصَ إمامِه أُصولاً يستنبطُ منها كفعلِ المستقلّ بنصوص الشَّرع» (¬2).
وإن اعترض عليهم بأنَّ أقوالَ الأئمة غير معصومة، فكيف تُنَزل مَنْزلة الوحيين المعصومين؛ لأنّ ما رُوي عن الإمام صاحب المذهب ليس قرآناً، ولا أحاديث صحيحة، فكيف تستَنبَطُ الأحكام منه؟
ويجاب بما يلي:
1. «أنّه كلام أئمةٍ مجتهدين عالمين بقواعدِ الشرِيعةِ والعربيةِ، مبينين للأحكامِ الشرعية، فمدلول كلامهم حجَّة على مَن قلّدهم، منطوقاً كان أو مفهوماً، صريحاً كان أو إشارة، فكلامهم بالنسبة له كالقرآن والحديث
¬
(¬1) الدِّهْلَوِيّ، ولي الدين أحمد عبد الرحيم. (1993مـ). الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف. ط8. دار النفائس. تحقيق: عبد الفتاح أَبُو غدة، ص93.
(¬2) النَّوَوِيّ، أبو زكريا يحيى بن شرف. (1417هـ). المجموع شرح المهذب. ط1. بيروت. دار الفكر. تحقيق: محمود مطرحي، ج1/ص 76. وينظر: المرداوي، أبو الحسن بن سليمان. (د. هـ). الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف. دار إحياء التراث العربي، ج12/ص 260.
بالنّسبة لجميع المجتهدين، وله فضل عظيم لا يستطيع أحد إنكاره، وهو أنه فتح باباً واسِعاً لِتطورِ الفقه، ومسايرته لأحداث الحياة» (¬1).
2.أنّه لا يكون اجتهاد مجتهد إلا بأن يكون له قواعد يحتكم إليها في استخراج الأحكام الفقهية، سواء كان هو واضعها أو قلَّد فيها غيره؛ لأنَّ استنباط الأحكام الفقهية من الكتاب والسنة يحتاج إلى أصول وقواعد، فمثلاً: إذا تعارضت الأحاديث في الدلالة على حكم من الأحكام يستطيع بالقواعد التي يمشي عليها أن يستخرجه.
إذا تقرَّر هذا فإنّه يُمكن القول بأنَّ كلام المجتهد في المسائل الفقهية هو تطبيق لقواعده وأصوله التي اعتمدها في استخراج الأحكام، ففي اعتماد حكمه قطع لمرحلة طويلة وصعبة جداً من استنباط للحكم من الأدلة التفصيلية.
فالأمر أمر مرحلية وتدرج، وليس إهمالاً وتركاً للأدلة الشرعية؛ لأنَّ أحكام المجتهد مأخوذة من الأدلة، فهي تمثِّلُها، ولكنّها قطعت مرحلة للمجتهد في المذهب لاستخراج الأحكام التي لم يبيّنها المجتهد.
وتأكيد هذا ما يلاحظ في القواعد والضوابط الفقهية التي استخرجت من مجموعة الأحكام الفقهية المتناثرة المتفقة فيما بينهما، ومن
¬
(¬1) ينظر: المصدر السابق 1: 20.
ثم يمكن الاعتماد على القاعدة في معرفة الأحكام غير المبيِّنة كما هو معلوم (¬1).
قال الإمام المرداوي الحنبلي: «فالمجتهد في مذهب الإمام أحمد - رضي الله عنه - مثلاً: إذا أحاط بقواعد مذهبه, وتدرَّب في مقاييسه وتصرفاته: ينزل من الإلحاق بمنصوصاته وقواعد مذهبه منزلة المجتهد المستقل في إلحاقه ما لم ينصّ عليه الشارع بما نص عليه, وهذا أقدر على ذا من ذاك على ذاك, فإنه يجد في مذهب إمامه قواعد ممهدة, وضوابط مهذبة, ما لا يجده المستقلّ في أصول الشارع ونصوصه» (¬2).
وحاصل ما سبق: لدينا مرّحليتن في الاجتهاد:
1.مرحلة الاستنباط: أي استخراج أصوله الباب وقواعده وأمهات مسائله، فمَن أراد استبناط حكم لا بدّ أن يكون مجتهداً له أصولٌ خاصّة تُمكنه من الاجتهاد في الكتاب والسُّنّة، وبعد تطبيقه لأصوله على الأدلة تخرج له أصول وقواعد وضوابط فقهية.
فهذه المرحلة يقول بها المجتهد المطلق والمجتهد المطلق المنتسب ويشاركهم فيها أحياناً المجتهد المنتسب.
¬
(¬1) أبو الحاج، المنهج الفقهي، ص148 - 149.
(¬2) المرداوي، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، ج12/ص 262.
2.مرحلة التّخريج: أي تستخرج الأحكام الفرعية من أصول الباب وقواعده وأمهات مسائله.
وهذه المرحلةُ يقوم بها المجتهد المطلق والمجتهد المنتسب والمجتهد في المذهب، فالكلُّ في استخراج التَّفريعات لا بُدّ أن يعتمد على أصول الباب سواء كان الواضع لها هو كما هو الحال في المجتهد المطلق، أو وضعها غيرُه كما هو الحال في المجتهد المنتسب والمجتهد في المذهب.
ثالثاً: التَّرجيح والتَّصحيح بين أقوالِ علماءِ المذهب، نوعان:
الأول: التَّرجيح بين الأقوال اعتماداً على الأصول والقواعد والمعاني وأسس الأبواب الفقهية: أي من حيث قوّة البناء الفقهي والأُصولي، بحيث يراعى مبنى المسألة ومبنى الباب.
ومبنى المسألة: هو الأصل والضابط الذي بنيت عليه هذه المسألة وأمثالها من المسائل التي تشبهها، فالمسألة دائماً هي تطبيق لأصل، وهذا الأصل عادة يشتمل مجموعة من المسائل المتشابهة.
فإنَّ المسائل الفقهيّةَ مبنيّةٌ على ضوابط وقواعد، تُدرس الفروع من أجل تحصيل هذه الضوابط، وعامّة المذكور في كتب الفقه فيما عدا أبواب العبادات، فإنَّها عبارةٌ عن أمثلةٍ وليست مقصودةً بذاتها، وإنَّما هي تطبيقٌ في زمن ومكانٍ مُعيّن، بالتالي مَن لا يدرس المسائل الفقهية ملاحظاً لمبانيها وقواعدها وأسسها، فإنَّه لا يقدر على فهم حقيقةِ الفقه والعيش
في كنفه، وإنَّما يبقى متعلِّقاً بقشورٍ بدون قدرةٍ على ضبطٍ وتمكُّن فيه، ولا يصل إلى الملكة الفقهية التي بها نطبق الفقه، ولا يتمكن من الترجيح عند اختلاف الأقوال؛ لأنَّ ارتباط المسائل بأصولٍ ومبانٍ دقيقة يُعرِّفنا بانتفاء العشوائية في الأحكام وانتظامها وترتيبها.
وقد أَبدع قاضي خان في شرحه على «الزيادات» عندما صرَّح في بداية شرحه لكل مجموعة من المسائل للأصل الذي بنيت عليه، فمثلاً الواحد في المعاوضات المالية لا يصلح عاقداً من الجانبين؛ لأنَّ حقوق العقد فيها ترجع إلى العاقد، فيصير الواحد مطالِباً ومطالَباً، وذلك محال (¬1).
والمقصود بمبنى الباب: أنَّ كلَّ باب من الأبواب الفقهية له فكرةٌ رئيسية يسعى لتحقيقها، وتدور مسائله على تطبيقها، وهذا ما يعرف بالقياس في الباب، الذي يقابله الاستحسان، فالفقه قياس واستحسان، والقياس هو القاعدة في الباب التي تنطبق عليه عامة مسائله، والاستحسان هو الاستثناء من هذه القاعدة، فالفروع التي خرجت عن القياس بنصّ أو إجماع أو ضرورة أو عرف أو غيره، نسميها استحساناً.
¬
(¬1) قاضي خان، حسن بن منصور الأوزجندي. (1426هـ). شرح الزيادات. ط1. دار إحياء التراث العربي. بيروت. تحقيق: الدكتور قاسم أشرف، ص2/ص 736.
فالقياس في الوضوء: غسل الأعضاء الثلاثة: الوجه واليدين والرجلين، ومسح الرأس، والاستحسان: هو المسح على الخف الثابت بالحديث المشهور (¬1).
والقياس في نواقض الوضوء: وجوبها بخروج النجس، والاستحسان: النقض بالقهقهة في الصلاة لحديث الضرير المشهور (¬2)، وهكذا.
فضبط مبنى المسألة والباب هو العامل الأقوى في الترجيح بين الأقوال المختلفة بحيث يرجح منها ما كان متفقاً مع المبنى، قال المرغيناني: «الشَّأن في معرفته ـ أي المدّعي والمدّعى عليه ـ والتَّرجيح
¬
(¬1) فعن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - قال: «كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما» البخاري، الصحيح، ج1/ ص52.
(¬2) فعن أنس - رضي الله عنه -: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بنا فجاء رجل ضرير البصر فوطىء في خبال من الأرض فصرع، فضحك بعض القوم، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة» الدَّارَقُطْنِي، علي بن عمر (1386هـ)، السنن، دار المعرفة، بيروت، تحقيق: السيد عبد الله هاشم، ج1 / ص163، ومرسلاً عن أبي العالية في عبد الرزاق، ابن همام الصنعاني (1403هـ). المصنف. ط1، المكتب الإسلامي، بيروت، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، ج 2 / ص376، و ابن أبي شَيْبَةَ، عبد الله بن محمد. (1409هـ). المصنف في الأحاديث والآثار. ط1. مكتبة الرشد. الرياض. تحقيق: كمال الحوت، ج1/ ص341. وصححه اللكنوي. (د. هـ)، عبد الحي، الهسهسة بنقض الوضوء بالقهقهة، ط1، مركز أنوار العلماء الدولي للدراسات، عمان. ص 26، وقال: «فهذه الأحاديثُ المسندة، والأخبارُ المرسلةُ دالةٌ صريحاً على انتقاضِ الوضوءِ بالقهقهة».
بالفقهِ عند الحذّاق من أَصحابنا؛ لأنَّ الاعتبار للمعاني دون الصور ... » (¬1): أي العبرة للمعاني التي بنيت عليها المسائل لا لظواهر المسائل وتركيبها.
وقال ابنُ كمال باشا: «طبقةُ أصحاب التَّرجيح ... شأنُهم تفضيلُ بعض الرِّوايات على بعضٍ آخر بقولهم: هذا أولى، وهذا أصحُّ رواية، وهذا أوضح، وهذا أوفق للقياس، وهذا أرفق للنَّاس» (¬2).
الثاني: التَّرجيحُ بين الأقوال بناءً على قواعدِ رسم المفتي من المصلحة والعرف والتيسير وتغيّر الزَّمان والضرورة والحاجة: أي من حيث الأنسب في التَّطبيق في الواقع.
وهذا العلمُ هو الأصولُ التي يعتمدُ عليها المجتهدُ في المذهبِ في الترجيح والتفريع والتطبيق والإفتاء، كما يعتمد المجتهدُ المستقلّ على أصولِ الفقه لاستخراج الأحكام من الكتاب والسنة والآثار والترجيح بينها، فكما لا غنى للمجتهد المطلق عن أصول الفقه ـ فهي القواعد التي تُمَكّنه من القيامِ بعمله واستفراغ جهده في استنباط الأحكام، وهي آلته في ذلك ـ فكذلك العالم في المذهب، فإنَّ رسمَ المفتي هو الأداة التي يتمكَّن بها من القيام بعمله، وبذل جهده في إنزال الفقه على الواقع،
¬
(¬1) المرغيناني، الهداية، ج8/ص 154.
(¬2) العثماني، أصول الإفتاء، ص 91عن الطبقات.
والخروج من دائرة الخلاف بترجيح أحد الأقول، وتلبية حاجات مجتمعه، فهي الوسيلة لذلك.
وكما أنَّ أُصولَ المجتهد المطلق تدور في محاور رئيسيّة فيها العديد من القواعد الأصوليّة وهي: الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس، فكذلك فإنَّ أصولَ المجتهد في المذهب لها محاور رئيسيةٌ مليئةٌ بقواعدَ للإفتاء، وهذه المحاور: هي الضرورة، والتيسير، ورفع الحرج، والعرف، والمصلحة، وتغيّر الزمان، فهذه هي الأُصول الكبرى في رسم المفتي التي يرتكز عليها المفتي في فهمه وضبطِهِ وتطبيقِهِ للفقه.
وكلُّ أصل من أصول هذا العلم يمثل أصلاً في الترجيح فيه بين الأقوال المختلفة، فانظر إلى فعل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بترجيح طهارة سؤر الهرة رغم نجاستها بسبب الضرورة: «إنَّها ليست بنجسة، إنّها من الطوافين عليكم والطوافات» (¬1).
والكلام في هذا العلم مؤسَّسٌ في القرآن من اعتبار الضَّرورة: {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} الأنعام: 119، والتيسير: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا
¬
(¬1) الترمذي، محمد بن عيسى. (د. هـ). السنن. دار إحياء التراث العربي. بيروت. تحقيق: أحمد شاكر وآخرون، ج1/ص 153، والسجستاني، سليمان بن أشعث (د. هـ). سنن أبي داود. دار الفكر. بيروت. تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، ج1/ص 67، و الأصبحي، مالك بن أنس. (د. هـ). موطأ مالك. دار إحياء التراث العربي. مصر. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ج1/ص 22.
يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} البقرة: 185، ورفع الحرج: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} الحج: 78.
قال ابنُ عابدين: «تتغيّر الأحكام لاختلاف الزَّمان في كثيرٍ من المسائل على حسب المصالح (¬1)؛ ولهذا قال في «البحر»: فالحاصلُ أنَّ المصحَّح في المذهبِ أنَّ الختمَ سنّةٌ ـ أي للقرآن في التَّراويح ـ، لكن لا يلزم منه عدم تركه إذا لزم منه تنفير القوم وتعطيل كثير من المساجد خصوصاً في زماننا، فالظَّاهر اختيارُ الأَخفّ على القوم» (¬2).
رابعاً: التمييز والتفضيل بين الأقوال والرِّوايات، نوعان:
الأوّل: تمييز أصل المذهب (ظاهر الرواية) عن غيره من الأقوال؛ لأنَّه إن لم يوجد تصحيح من أصحاب الترجيح في قول من الأقوال، فالواجب حينئذٍ اتباع ظاهر الرواية، قال عبد الحليم (¬3): «إن اختلف التصحيح والترجيح كان الترجيح لظاهر الرواية». وهذا يتطلب منا معرفة ما يلي:
¬
(¬1) أي: المصالح الشرعية المعتبرة المستفادة من عموم الأدلة عند المجتهد في تقرير الأحكام وترجيحها، لا المصالح العقلية المحضة التي يعتمد عليها كثير من المعاصرين.
(¬2) ابن عابدين، محمد أمين بن عمر. (د. هـ). ردّ المحتار على الدر المختار. دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج2/ص 47.
(¬3) عبد الحليم. (1311هـ.) كشف رموز غرر الأحكام وتنوير درر الحكام. مطبعة عثمانية، در سعادت، ج1/ ص 289.
1. المتون المعتبرة في المذهب التي التزمت بظاهر الرواية عادة، والمراد بالمتون المعتبرة: «مختصر القدوري» (ت428هـ)، و «البداية» للمرغيناني (ت593هـ)، و «مختار الفتوى» للموصلي (ت683هـ)، و «وقاية الرواية» لبرهان الشريعة (ت نحو 683هـ)، و «كنز الدقائق» للنَّسَفيّ (ت701هـ)، و «النقاية» لصدر الشريعة (ت747هـ)، و «ملتقى الأبحر» للحلبي (ت961هـ)، فإنَّها الموضوعة لنقل المذهب مما هو ظاهر الرواية، بخلاف متن «غرر الأحكام» لملا خسرو (ت885هـ) ومتن «تنوير الأبصار» للتُّمُرتاشي (ت1004هـ)، فإنَّ فيها كثيراً من مسائل الفتاوى (¬1).
قال ابن عابدين: «إذا اختلف التصحيح لقولين وكان أحدهما قول الإمام أو في المتون أخذ بما هو قول الإمام؛ لأنَّه صاحب المذهب، وبما في المتون؛ لأنَّها موضوعة لنقل المذهب» (¬2).
وهذا لا يخالف أن تكون الشروح والفتاوى معمولاً بما فيها لكن بشرطين:
أ. أن لا تعارض ما في المتون، قال الشرنبلالي: «العمل بما عليه الشروح والمتون» (¬3).
¬
(¬1) ابن عابدين، شرح رسم المفتي، ص37.
(¬2) ابن عابدين، رد المحتار، ج4/ص 33.
(¬3) الشرنبلالي، حسن بن عمار. (1310هـ). غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام (الشرنبلالية). الشركة الصحفية العثمانية، ج1/ص 195.
ب. أن يكون مصرحاً بتصحيح ما فيها، قال اللكنوي: «إذا تعارض ما في المتون وما في غيرها من الشروح والفتاوى فالعبرة لما في المتون، ثم للشروح المعتبرة، ثم للفتاوى؛ إلا إذا وجد التصحيح ونحو ذلك فيما في الشروح والفتاوى، ولم يوجد ذلك في المتون، فحينئذٍ يقدم ما في الطبقة الأدنى على ما في الطبقة الأعلى» (¬1).
2. كتب غير ظاهر الرواية: وهي المسائل التي رويت عن الأئمّة، لكن في غير الكتب المذكورة، وهي على ثلاثة أقسام:
أ. قسم في كتب أُخر لمُحمّد لم تشتهر عن مُحمّد، ولم تروَ عنه بطرق كطرق الكتب الأُول، وهي: «الكيانيات» و «الرقيَّات» و «الجُرجانيّات» و «الهارونيّات».
ب. قسم في كتب غير محمّد، كـ «المجرَّد» للحسن بن زياد، ومنها: كتب «الأمالي».
ج. الرِّوايات المُتفرّقة: النوادر: وهي كتب غير ظاهر الرواية عن محمد بن الحسن، وهي ثمان: «نوادر هشام»، و «نوادر ابن سماعه»، و «نوادر ابن رستم»، و «نوادر داود بن رشيد»، ... و «نوادر المعلى»، و «نوادر بشر»،
¬
(¬1) اللكنوي، النافع الكبير، ص25 - 26.
و «نوادر ابن شجاع البلخي أبي نصر»، و «نوادر أبي سليمان» (¬1).
3. مسائلَ النوازل والواقعات، هي مسائل استنبطها المتأخرون من أصحاب محمد وأصحاب أصحابه ونحوهم فمن بعدهم ... وأوّل كتاب جمع فيه مما علم «النوازل» لأبي الليث السَّمرقنديّ (ت375هـ)، وجمع فيه فتاوى المتأخرين من المجتهدين من مشايخه، وشيوخ مشايخه: كمحمّد بن مقاتل ومحمد بن سلمة ونصير بن يحيى، وذكر فيها اختياراته أيضاً، ثمّ جمع المشايخ فيه كتبً: كـ «مجموع النوازل» و «الواقعات» للناطفي والصدر الشهيد، ثم جمع من بعدهم من المشايخ الفتاوى لكنهم خلطوا فيها مسائل ظاهر الرواية والنوادر والنوازل مع بعضها كما في «جامع قاضي خان» و «الخلاصة»، وغيرها من الفتاوى، ومنهم من ميّز بينها كما في «محيط رضي الدين السَّرَخْسيّ»، فإنه ذكر أولاً مسائل الأصول، ثم النوادر، ثم الفتاوى (¬2).
الثّانية. تمييز بين الأقوى والقويّ، والصَّحيح والضَّعيف: أي المعتمد في المذهب عن غيره من الأقوال؛ لأنَّه لا يعتمد على قول غير فقيه متضلع، ولا على ترجيح مَن ليس من أهل الترجيح.
¬
(¬1) صدر الشريعة، عبيد الله بن مسعود. (2006م). شرح الوقاية. مؤسسة الوراق. عمان. تحقيق: الدكتور صلاح محمد أبو الحاج مقدمة (منتهى النقاية)، ص56 - 58.
(¬2) ينظر: اللكنوي، النافع الكبير، ص18 - 19.
قال ابن كمال باشا: «طبقةُ ... القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضَّعيف وظاهر الرِّواية وظاهر المذهب والرِّواية النّادرة» (¬1).
وقال اللكنوي: «إنَّ مَن لا يعرف مراتب الفقهاء ودرجاتهم، يقع في الخبط بتقديم مَن لا يستحق التقديم، وتأخير مَن يليق بالتقديم، وكم من عالم من علماء زماننا ومن قبلنا، لم يعلم بطبقات فقهائنا، فرجّح أقوال من هو أدنى، وهجر تصريحات من هو أعلى، وكم من فاضل ممن عاصرنا، وممّن سبقنا، اعتمد على جامعي الرطب واليابس، واستند بكاتبي المسائل الغريبة والروايات الضعيفة كالناعس» (¬2).
وما يوجد في كتب الفقه من أقوال وروايات ضعيفة لا يجوز العمل عليها والإفتاء بها، قال ابن قُطُلوبُغا: «إن الحكم والفتيا بما هو مرجوح خلاف الإجماع» (¬3). وقال: «اتباع الهوى حرام، فحرام إجماعاً» (¬4).
وقال ابن الصلاح: «أنَّ من يكتفي بأن يكون فتواه أو عمله موافقاً لقول أو وجه في المسألة ويعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح فقد جهل وخرق الإجماع» (¬5).
¬
(¬1) العثماني، أصول الإفتاء، ص 91عن الطبقات.
(¬2) اللكنوي، النافع الكبير، ص7.
(¬3) ابن قطلوبغا، تصحيح القدوري، ص130. وينظر: ابن عابدين، رد المحتار، 5: 408.
(¬4) ابن قطلوبغا، تصحيح القدوري، ص130.
(¬5) ابن الصلاح، عثمان بن عبد الرحمن. (1407هـ). فتاوى ابن الصلاح. ط1، عالم الكتب، بيروت. ص63.
وعليه إذا ذيلت رواية في كتاب معتمدٍ في الأصحّ، أو الأولى، أو الأوفق، أو نحوها؛ فله أن يفتي بها وبمخالفها أيّاً شاء، وإذا ذيّلت بالصحيح أو المأخوذ، أو به يفتى، أو عليه الفتوى، لم يفت بمخالفه إلا إذا كان في «الهداية» مثلاً: هو الصحيح؛ وفي «الكافي» بمخالفه: هو الصحيح؛ فيخيّر، فيختار الأقوى عنده، والأليق، والأصلح (¬1).
وبالتالي كانت همة المشتغلين بالفقه الوصول إلى هذه الوظيفة حتى يتمكنوا من الإفتاء والتطبيق للفقه، قال ابن عابدين: «إنَّ معرفةَ راجح المختلف فيه من مرجوحِه ومراتبِه قوّة وضعفاً هو نهايةُ آمال المشمرين في تحصيل العلم» (¬2).
خامساً: التَّقريرُ والتَّطبيقُ في العمل والإفتاء والقضاء بالمناسب للواقع، نوعان:
الأولى: تقرير ما هو الأنسب والأرفق والمفتى به بناء على قواعد رسم المفتي من عرف وضرورة وغيرها.
مرَّ معنا أنّ رسمَ المفتي أحد طرفي قاعدة التّرجيح بين المذاهب،
¬
(¬1) الحصكفي، الدر المختار، ج1/ص 50.
(¬2) ابن عابدين، محمد أمين. (د. هـ). تحبير التحرير في إبطال القضا بالفسخ بالغبن الفاحش بلا تغرير. مسودة مصفوفة عن المطبوعة القديمة (دار الفكر). مركز أنوار العلماء الدولي للدراسات. تحقيق: الدكتور صلاح أبو الحاج، ج2/ ص81.
وهو كذلك أحد طرفي قاعدة تطبيق الفقه؛ لأنَّه يمثل الجانب العمليّ التطبيقيّ للفقه، ولا سبيل لنا للترجيح بين الأقوال الفقهية إلا به، ولا فهم الخلاف الحاصل بين علماء المذهب إلا من خلاله، ولا إعمال الفقه في الواقع بدونه، فهو أقربُ ما يكون بالروح للفقه؛ إذ بدونه لا حياة له.
وهذا العلم يُمثِّلُ الحلقة ما بين المسائل الفقهيّة المدوّنة في الكتب وما بين الواقع المعاش للناس في كافّة مناحي الحياة، فمَن فقده فهو فاقدٌ للعلم حكماً؛ إذ لا خير في علمٍ بلا عمل، وفاقدُه فاقدٌ للعمل به لنفسه ولغيره.
وأحوج ما نحتاج إليه في هذه الأيام هو إظهارُ رسم المفتي في علمٍ مستقلٍّ له قواعدُه وأسسُه ومبادئه، بحيث تتيسّر دراسته وتطبيقه لكلِّ المتفقهة.
وفي ظنِّي أنَّ هذا التراجعَ الذي حَصَلَ لعلم الفقه في هذا الزمان حتى أصبح علماً نظرياً في حياتنا الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والعسكريّة والقضائيّة لهو عائد لأمرين:
1.ترك الدراسة المتعمّقة المتمكنة في الفقه.
2.إهمال علم رسم المفتي، فمَن لم يضبطه ويُدركه لن يتمكَّن من تطبيقِ الفقه واختيارِ الأنسب للواقع وفهم كيفيةِ التعاملِ معه.
لذلك أقول: إنَّ دراسةَ الفروع كما مَرَّ تُكوِّن (50%) من علم الفقيه، و (50%) هي قواعدُ رسم الإفتاء، وهي على قسمين: جانب نظري لقواعد الإفتاء يمثل (25%) من علم الفقه، وجانب عملي: وهو المعرفة الحقيقية المتبصّرة بالواقع الذي يريد الإفتاء به وتنظيمه وترتيبه على أجمل طريقة وأحسنِ سلوك تمثل (25%) من علم الفقه؛ لذلك كَثُرَ قولُهم: مَن لم يكن عالماً بأهلِ زمانه فهو جاهل.
قال ابن عابدين: «وينبغي أن يكون مطمح نظره إلى ما هو الأرفق والأصلح وهذا معنى قولهم: إنَّ المفتي يفتي بما يقع عنده من المصلحة: أي المصلحة الدينيّة لا مصلحته الدنيويّة» (¬1).
وقال الشُّرُنْبُلاليّ: «وفي «معراج الدراية» معزياً إلى فخر الأئمّة: لو أفتى مفت بشيءٍ من هذه الأقوال في موضعِ الضَّرورة طلباً للتيسير كان حسناً» (¬2).
وقال ابنُ الهُمام: «والحقُّ أنَّ على المفتي أن ينظر في خصوص الوقائع ... وأقرّه في «النّهر» و «الشُّرُنْبلاليّة».» (¬3).
¬
(¬1) ابن عابدين، رد المحتار، ج4/ ص363.
(¬2) الشرنبلالي، الشرنبلاليية، ج1/ص 40.
(¬3) ابن عابدين، رد المحتار، ج3، ص535.
الثانية: تقريرُ المسألة بعد تصوِّرها جيداً، وإدراك أنَّها هي المناسبة للواقعة، وفهم علَّتها ومبناها وأصلها ومحلها في الإفتاء والعمل، وذكر ابنُ عابدين مطلباً مهماً: «والتحقيقُ: المفتي في الوقائع لا بدّ له من ضرب اجتهاد ومعرفة بأحوال الناس» (¬1)، ونقل هذا عن ابن الهُمام (¬2).
وهذا صريحٌ جداً بأنَّه لا يُمكن التَّعامل مع تطبيق الفقه بدون اجتهاد بمناسبته للحادثة والصورة في الواقع؛ لأنّه يؤدّي إلى إعطاءِ حكمٍ غير مناسبِ للواقعة، وتعامل بجمودٍ مع الحكم الشَّرعي وإفقادِه روحه من مراعاته للواقع ومناسبته له.
وهذا الأمر لا يقتصر على المكلّف بل يشمل القاضي في قراره بمناسبة هذا الحكم للقضية، قال ابنُ عابدين: «وفي القُهُستانيّ (¬3) وغيره: اعلم أنَّ في كلِّ موضع قالوا: الرأي فيه للقاضي فالمراد قاض له ملكة الاجتهاد» (¬4).
¬
(¬1) ابن عابدين، رد المحتار، ج2، ص 398.
(¬2) ابن عابدين، رد المحتار، ج2، ص 334، وينظر: شيخِ زاده، عبدِ الرَّحمنِ بنِ محمد الرُّومي. (1316هـ). مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر. دار الطباعة العامرة، ج1، ص246.
(¬3) أي جامع الرموز شرح النقاية للقُهُستانيّ، وهو محَمَّدُ الخُرَاسَانِي، شمس الدِّين، المفتي ببخارا، (ت: نحو: 953هـ). ينظر: الزركلي، خير الدين. (د. هـ). الأعلام، 7: 233.
(¬4) ابن عابدين، رد المحتار، ج5/ص 361، وابن أمير الحاج، التقرير والتحبير، ج2/ص 73.
وتتسع دائرةُ هذا الاجتهاد بشموله للمفتي في كلِّ الفتاوى التي يُسأل عنها، قال العثمانيّ (¬1): «لا يكفي للمفتي ولو كان ناقلاً أن يعرفَ القولَ الصَّحيح الرّاجح المرويّ عن المجتهد، وإنَّما يحتاج بعد ذلك إلى تنزيل ذلك القول على الواقعة الجزئية التي سئل عنها، ويجب لذلك الفهم الصَّحيح والملَكَة الفقهية، فإنَّ مثل هذا المفتي وإن لم يكن مجتهداً في معرفة الأحكام الشَّرعيّة، ولكن لا محيص له من نوعِ اجتهاد، وهو الاجتهادُ في تعيين الواقع المسؤول عنه، وتنزيل الحكم عليه».
تعدد درجات كل وظيفة:
فهذه عشرة وظائف للمجتهد، وكلُّ وظيفة فيها تشتمل على درجات عديدةٍ يتفاوت العلماءُ في تحصيلها، حتى الاجتهاد المستقل درجات، فانظر كم وجد مجتهدون في القرنين الأَوّلين، ولم يبق اجتهادات من بين اجتهاداتهم إلا للأئمّة الأربعة؛ لارتفاع درجتهم في الاجتهاد عن غيرهم، وهو من أبرز الأسباب.
وقال الكوثريّ: «والحقُّ أنَّ الاجتهاد له طرفان أعلى وأدنى، وفيما بين الطَّرفين درجاتٌ متفاوتةٌ جدّ التَّفاوت، ومنازلٌ مُتخالفةٌ كلّ التّخالف، فلا تظهر منزلة الفقيه بمجرد عَدّه من طبقة أهل الاجتهاد المطلق المستقلّ، وكم بين الذين حافظوا على الانتساب مَن هو أعلى منزلةً
¬
(¬1) العثماني، أصول الإفتاء، ص161 - 162 معارف.
من الذين حاولوا الاستقلال، على أنّ الاستقلال بالمعنى الصَّحيح لا يوجد بين الأئمّة المتبوعين ... » (¬1).
فهذه الوظائف للمجتهد تعتمد على ملكته الفقهيّة، وهي بلا شكّ متفاوتة من عالم لآخر؛ لأسباب عديدة، منها مثلاً: قُرب العهد بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم -، حيث كان اجتهاد الصَّحابة - رضي الله عنهم - أعلى أنواع الاجتهاد.
وكذلك قربُ العهد بالسَّلف وقرون الخيريّة، قال ابن حجر المكيّ: «كانت ملكة الاجتهاد فيهم أقوى من غيرهم» (¬2).
وهذه الملكةُ تتحصَّل بقدر توفيق الله - عز وجل - من مصاحبةِ العلماءِ والبحثِ والتَّدريسِ والإفتاءِ والقدرةِ العقليّة وإكثارِ المطالعة في كتب التَّاريخ والطَّبقات والفتاوى والشُّروح وغيرها.
قال العثمانيّ: «وهذه الملَكَةُ يُعرفُ بها أُصول الأحكام وقواعدُها وعللها ويُميِّز الكتبُ المعتبرة من غيرِها، ودليلُ حصول هذه الملَكَة أن يأذن له مشايخُه المهرة بالإفتاء» (¬3).
¬
(¬1) العثماني، حسن التقاضي، ص25 - 26.
(¬2) ابن حجر، أحمد بن علي المكي الهيتمي. (د. هـ). الفتاوى الفقهية الكبرى. المكتبة الإسلامية، ج1/ص 157.
(¬3) العثماني، أصول الإفتاء، ص28.
فما نريد تقريره في علم الفقه كسائر العلوم أنَّ الاجتهاد بدرجته الأدنى يبدأ من قدرة الدارس على تصور المسائل وتطبيقها على نفسه وإفتاء غيره بها، أي تطبيق ما تعلّم على نفسه وغيره، وهو في ذلك درجات.
ويبقى يرتقي في تحصيله لكلّ وظيفةٍ إلى مُنتهاها وإلى قدرتِه على تحصيل وظائف أُخرى من الاجتهاد، من التَّمييزِ والتَّرجيح والتَّخريج، حتى يتمكَّن من معرفة ما لم يُنصّ عليه من المستجدات ممَّا درَّس من الفروع والقواعد.
والعلماءُ في التَّخريج للمستجدات متفاتون فيه جداً، وإلاّ لما رُئِي هذا التَّفاوت الكبير في تخريجات الفُقهاء في داخلِ المذهب؛ لذلك كانت تَخريجات علماء القَرَن الثَّالث والرَّابع أقوى من غيرهم.
ومن باب أولى أن يكونوا متفاوتين جداً في الترجيح والتصحيح، فكان ترجيح علماء القرن الخامس والسادس أقوى من غيرهم، قال ابنُ عابدين: «ولا يخفى أنَّ المتأخرين ... كصاحب «الهداية» وقاضي خان وغيرهما من أهل الترجيح هم أعلم بالمذهب منّا، فعلينا اتباع ما رجَّحوه، وما صحَّحوه كما لو أَفتونا في حياتهم» (¬1).
¬
(¬1) ابن عابدين، رد المحتار، ج1/ص 192.
وكذلك تتفاوت درجاتهم في التميّيز بين الأقوال، حتى عدّوا أصحاب المتون أبرز مَن قاموا بذلك فقُدِّمَت متونُهم على غيرها من الكتب، وقال الحمويّ: «العملُ على ما في المتون إذا عارضه ما في الفتاوى» (¬1). وقال ابنُ نُجيم: «العملُ على ما هو في المتون؛ لأنّه إذا تعارض ما في المتونِ والفتاوى، فالمعتمدُ ما في المتون، وكذا يُقدَّمُ ما في الشَّروحِ على ما في الفتاوى» (¬2).
وكلُّ هذا ينبغي أن يكون من المسلّمات في الواقع لتفاوت النَّاس في عقولهم واجتهادهم والأسباب التي تتوفّر لهم وغيرها من الأمور التي يطول ذكرها.
فهذه الوظائف والدرجات حاصلةٌ في كلِّ زمانٍ ومكان، ولا إشكال في ذلك، وإنَّما القضية المهمّة التي ينبغي أن تكون محلّ اهتمام الطلبة والعلماء هي مقدارُ تحقيقهم للوظيفة في كلّ منها، فهل ما زال في الدرجة الأدنى من الاجتهاد أو بلغ الدَّرجةَ الأعلى، وهل حصَّل كلَّ وظيفةٍ على تمامِها.
¬
(¬1) الحموي، أحمد بن محمد. (1290هـ). غمز عيون البصائر على الأشباه والنظائر. دار الطباعة العامرة. مصر، ج1/ ص334.
(¬2) ابن نجيم، زين الدين إبراهيم المصري. (د. هـ). البحر الرائق شرح كَنْز الدقائق. دار المعرفة. بيروت، ج6/ص 310.
فتفاوت المشتغلين في الفقه على قدر تحصيلهم لهذه الوظائف، والأهمُّ هو قدرتُهم على أداءِ كلّ وظيفةٍ بتمامها، بأن يبلغوا أعلى مراتب الاجتهاد فيها، والله أعلم وعلمه أحكم.
* * *
الخاتمة:
أعرض فيها لأهم ما توصلت إليه من نتائج، وهي على النحو الآتي:
1.الاجتهاد شرط العمل؛ لأنَّ الحقّ عند الله - عز وجل - واحد غير متعدد، وبالتالي لا يجوز أن يفتي بأي قول إن لم يكن راجحاً؛ لأنَّ المرجوح في مقابلة الراجح كالعدم.
2.للاجتهاد طبقات، وهي مجتهد مطلق ومجتهد مطلق منتسب ومجتهد منتسب ومجتهد في المذهب، وهي تمثل مراحل مرّ فيها الفقه، وكل طبقة منها لها وظائف مختلفة.
3.للمجتهد عشرة وظائف، خمسة وظائف رئيسية، يتفرع على كل واحدة منها وظيفتان، فكان المجموع عشرة وظائف، وهي: الاستنباط بأصول المجتهد والاستنباط بأصول المذهب، والتخريج بتفسير مراد المجتهد المطلق والتخريج بتفريع فرع جديد على قواعد وأصول المجتهد المطلق، والترجيح بأصول الأبواب والمسائل والترجيح برسم المفتي، والتمييز بين ظاهر الرواية وغيرها والتمييز بين الضعيف الصحيح من المسائل، والتقرير برسم المفتي والتقرير بفهم المسألة وتصورها.
5.كلُّ وظيفةٍ من وظائف المجتهد درجات متعددة، يتفاوت النّاس في تحصيل درجاتها والوقوف عليها بقدر الجدّ والتوفيق من الله تعالى، وصلى الله على سيدنا محمّد وعلى آله وصبحه وسلم.
6.يوصي الباحث بضرروة وجود دراسات متخصَّصة في كلِّ وظيفة من هذه الوظائف المجتهدين.
7.يوصي بإضافة وظائف المجتهدين إلى مادة المدخل لدراسة الفقه؛ ليطلع الطالب المبتدئ على كيفية تعامل الفقهاء مع المسائل الفقهية.
* * *
المراجع:
1. ابن أبي شَيْبَةَ، عبد الله بن محمد. (1409هـ). المصنف في الأحاديث والآثار. ط1. مكتبة الرشد. الرياض. تحقيق: كمال الحوت.
2. ابن أمير الحاج، أبو عبد الله محمد بن محمد الحَلَبِيّ. (1996مـ). التقرير والتحبير شرح التحرير. ط1. دار الفكر، بيروت.
3. ابن حجر، أحمد بن علي المكي الهيتمي. (د. هـ). الفتاوى الفقهية الكبرى. المكتبة الإسلامية.
4. ابن الصلاح، عثمان بن عبد الرحمن. (1407هـ). فتاوى ابن الصلاح. ط1، عالم الكتب، بيروت.
5. ابن عابدين، محمد أمين بن عمر (د. هـ). شرح عقود رسم المفتي. دار إحياء التراث العربي. بيروت.
6. ابن عابدين، محمد أمين بن عمر. (د. هـ). ردّ المحتار على الدر المختار. دار إحياء التراث العربي، بيروت.
7. ابن عابدين، محمد أمين. (د. هـ). تحبير التحرير في إبطال القضا بالفسخ بالغبن الفاحش بلا تغرير. مسودة مصفوفة عن المطبوعة القديمة (دار الفكر). مركز أنوار العلماء الدولي للدراسات. تحقيق: الدكتور صلاح أبو الحاج.
8. ابن قطلوبغا، قاسم. (2002م). التصحيح والترجيح على مختصر القدوري. ط1. دار الكتب العلمية. بيروت. تحقيق: ضياء يونس.
9. ابن قطلوبغا، قاسم، تخريج أحاديث البزدي، مركز العلماء العالمي للدراسات، الاردن.
10. ابن قطلوبغا، قاسم (1992م)، تاج الترجم. ط1، دار القلم، دمشق.
11. ابن منصور، سعيد. (1414هـ). سنن سعيد بن منصور. ط1. دار العصيمي. الرياض. تحقيق: الدكتور سعد أل حميد.
12. ابن نجيم، زين الدين إبراهيم المصري. (د. هـ). البحر الرائق شرح كَنْز الدقائق. دار المعرفة. بيروت.
13. أبو الحاج، صلاح محمد. (1422هـ). المنهج الفقهي للإمام اللكنوي. دار النفائس. عمان.
14. أبو زهرة، محمد. (د. هـ). أبو حنيفة حياته وعصره آراؤه الفقهية. دار الفكر العربي.
15. أبو يعلى، محمد بن الحسين، ابن الفراء، (1410هـ). العدة في أصول الفقه، ط2.
16. الأزدي، ربيع بن حبيب بن عمر. (1415هـ). مسند الربيع. ط1. دار الحكمة. بيروت. تحقيق: محمد بن إدريس، وعاشور بن يوسف.
17. الأصبحي، مالك بن أنس. (د. هـ). موطأ مالك. دار إحياء التراث العربي. مصر. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
18. الزركلي، خير الدين. (د. هـ). الأعلام.
19. البَابَرْتي، أكمل الدين محمد بن محمد الرومي. (د. هـ). العناية على الهداية. دار إحياء التراث العربي. بيروت.
20. البُخَارِيّ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي (1407هـ). صحيح البخاري. ط3. دار ابن كثير واليمامة. بيروت. تحقيق: الدكتور مصطفى البغا.
21. البزدوي، علي بن محمد بن حسين (د. هـ). أصول البزدوي. دار الكتاب الإسلامي.
22. البَيْهَقِي، أحمد بن الحسين بن علي. (1414هـ). سنن البَيْهَقِي الكبير. مكتبة دار الباز. مكة المكرمة. تحقيق: محمد عبد القادر عطا.
23. الترمذي، محمد بن عيسى. (د. هـ). سنن الترمذي. دار إحياء التراث العربي. بيروت. تحقيق: أحمد شاكر وآخرون.
24. التَّفْتَازَانِيّ، سعد الدِّين مسعود بن عمر بن عبد الله. (1324هـ).التلويح في حل غوامض التنقيح. ط1. المطبعة الخيرية، مصر.
25. الجصاص، أبو بكر. (2010هـ). شرح مختصر الطحاوي. ط1. طبعة دار البشائر. تحقيق: الدكتور سائد بكداش وآخرون.
26. الحاكم، محمد بن عبد الله. (1411هـ). المستدرك على الصحيحين. ط1. دار الكتب العلمية. بيروت. تحقيق: مصطفى عبد القادر.
27. البصري، محمد بن علي. (1403هـ). المعتمد في أصول الفقه. ط1، دار الكتب العلمية، بيروت.
28. الحصكفي، محمد بن علي بن محمد. (د. هـ). الدر المختار شرح تنوير الأبصار. دار إحياء التراث العربي، بيروت.
29. الحموي، أحمد بن محمد. (1290هـ). غمز عيون البصائر على الأشباه والنظائر. دار الطباعة العامرة. مصر.
30. الدَّارَقُطْنِي، علي بن عمر (1386هـ)، السنن، دار المعرفة، بيروت، تحقيق: السيد عبد الله هاشم.
31. الدارمي، أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن. (1407هـ). سنن الدارمي. ط1. دار التراث العربي، بيروت. تحقيق: فواز أحمد وخالد العلمي.
32. الدِّهْلَوِيّ، ولي الدين أحمد عبد الرحيم. (1993مـ). الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف. ط8. دار النفائس. تحقيق: عبد الفتاح أَبُو غدة.
33. الذَّهَبِي، أبو عبد الله محمد بن أحمد. (1405هـ). الموقظة في علم مصطلح الحديث. ط1. مكتب المطبوعات الإسلامية. حلب. تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة.
34. الرازي، محمد بن أبي بكر. (1420هـ). مختار الصحاح. ط5. الدار النموذجية، بيروت،
35. الزركشي، محمد بن بهادر الزركشي. (1989م). البحر المحيط في أصول الفقه. ط1. الكويت. تحقيق: الدكتور عمر الأشقر.
36. السجستاني، سليمان بن أشعث (د. هـ). سنن أبي داود. دار الفكر. بيروت. تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد.
37. السخاوي، محمد بن عبد الرحمن (د. هـ)، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع. دار الكتب العلمية.
38. السغناقي، حسام الدين حسين بن علي. (1422هـ). الكافي شرح البزدوي. ط1. مكتبة الرشد.
39. السمرقندي، محمد بن أحمد. (1407هـ). ميزان الأصول في نتائج العقول في أصول الفقه. ط1. طباعة وزارة الأوقاف العراقية. تحقيق: الدكتور عبد الملك السعدي.
40. الشرنبلالي، حسن بن عمار. (1310هـ). غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام (الشرنبلالية). الشركة الصحفية العثمانية.
41. شيخِ زاده، عبدِ الرَّحمنِ بنِ محمد الرُّومي. (1316هـ). مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر. دار الطباعة العامرة.
42. صدر الشريعة، عبيد الله بن مسعود. (2006م). شرح الوقاية. مؤسسة الوراق. عمان. تحقيق: الدكتور صلاح محمد أبو الحاج بهامشه (منتهى النقاية).
43. عبد الحليم. (1311هـ.) كشف رموز غرر الأحكام وتنوير درر الحكام. مطبعة عثمانية، در سعادت.
44. عبد الرزاق. ابن همام الصنعاني (1403هـ). المصنف، ط1. المكتب الإسلامي، بيروت، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي.
45. العثماني، محمد تقي الدين. (1432هـ).أصول الإفتاء. طبعة مكتبة معارف القرآن، كراتشي، باكستان.
46. الفناري، محمد بن حمزة. (1289هـ).فصول البدائع في أصول الشرائع. مطبعة يحيى أفندي.
47. قاضي خان، حسَن بن مَنْصُور الأُوزْجَنْدِيّ. (1310هـ). الفتاوى الخانية (فتاوى قاضي خان). المطبعة الأميرية ببولاق. مصر.
48. قاضي خان، حسن بن منصور الأوزجندي. (1426هـ). شرح الزيادات. ط1. دار إحياء التراث العربي. بيروت. تحقيق: الدكتور قاسم أشرف.
49. القرشي، عبد القادر بن محمد بن أبي الوفاء القرشي (1413هـ). الجواهر المضية في طبقات الحنفية. ط2، مؤسسة الرسالة، بيروت.
50. الكوثري، محمد بن زاهد (1368هـ).حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي. دار الأنوار للطباعة والنشر، مصر.
51. الكوثري، محمد زاهد بن الحسن. (1994م). مقالات الكوثري. المكتبة الأزهرية للتراث.
52. اللكنوي، عبد الحي. (1406هـ). النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير. ط1. عالم الكتب.
53. اللكنوي، عبد الحي (1998م)، الفوائد البهية في تراجم الحنفية. ط1، دار الأرقم، بيروت.
54. اللكنوي. (د. هـ)، عبد الحي، الهسهسة بنقض الوضوء بالقهقهة، ط1، مركز أنوار العلماء الدولي للدراسات، عمان.
55. المالكي، محمد على حسين. (1431 - 2010). تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية. وزارة الأوقاف السعودية، مطبوع بهامش الفروق للقرافي.
56. المحبي، محمد أمين، (د. هـ). خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر. دار صادر.
57. المرجاني، شهاب بن بهاء الدين. (1287هـ). ناظورة الحق في فرضية العشاء وإن لم يغب الشفق. طبعة قازان.
58. المرداوي، أبو الحسن بن سليمان. (د. هـ). الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف. دار إحياء التراث العربي.
59. المرغيناني، أبو الحسن علي بن أبي بكر. (د. هـ). الهداية شرح بداية المبتدي. الطبعة الأخيرة. مطبعة مصطفى البابي.
60. مسلم بن الحجاج القُشَيْريّ النَّيْسَابوريّ (د. هـ). صحيح مسلم. دار إحياء التراث العربي. بيروت. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
61. النَّوَوِيّ، أبو زكريا يحيى بن شرف. (1417هـ). المجموع شرح المهذب. ط1. بيروت. دار الفكر. تحقيق: محمود مطرحي.
النَّوَوِيّ، أبو زكريا يحيى بن شرف. (د. هـ). شرح صحيح مسلم. ط2. دار إحياء التراث العربي، بيروت.
* * *