منهج الإمام القدوري ........
.... في مختصره المشهور
جارٍ تحميل الكتاب…
منهج الإمام القدوري ........
.... في مختصره المشهور
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
منهج الإمام القدوري
في مختصره المشهور
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* نشر في مجلة الميزان في جامعة العلوم الإسلامية العالمية، الأردن.
ملخص البحث:
تناول هذا البحث أبرز متون الفقه الحنفي، المسمّى بـ «مختصر القُدُوريّ»، فهو الأساس لعامة متون الحنفية، حيث اعتنى به العلماء تدريساً وشرحاً ونظماً وترجمة في عامة البلاد الإسلامية، وكثرت الشروح عليه، ونظمت مسائله شعراً، وتُرجم إلى لغاتٍ عديدة، فاحتاج إلى بيان منهج القُدُوريّ في التأليف والترجيح، حتى يتسنى للباحثين والدارسين الاستفادة منه، فبدأت الدِّراسة ببيان أهمية «مختصر القُدُوريّ»، ثم بيان المنهج الذي سلكه القدوري في عرض المسائل الفقهيّة في المبحث الأوّل: من سهولة وإيجاز وتكرار واستدلال وتقدير وإيهام في بعض عباراته وتقرير لأصل المذهب وتساهل في التعبير، وبيان منهجه في الترجيح في المبحث الثّاني من التزام ظاهر الرواية، ومخالفة رسم المفتي، والترجيح بأصول البناء، وذكره لأقوال غير أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وعدم تقديم القول الرّاجح، والتفريع على قول يدل على ترجيحه.
* * *
Approach of Imam Al Kaddouri
In"Mukhtasar Al- Koddouri" famous
Abstract
This research has highlighted of Hanafi Fiqh Maten, named "Mukhtasar Al- Koddouri", It is the basis for general Hanafis Mooton, where scientists take care of its instruction in general Islamic countries, and organized a matter of poetry, translated into many languages, so it needs to show approach in writing, that makes the researchers and scholars to take advantage of it, after that, the study focused on the approach taken by showing in the presentation of doctrinal issues in the first section: that has the ease and brevity , repeat inference ,estimation , convince in some of his words , the report of the origin of the doctrine , the simple expression, and the statement of its
approach in preferring of issues. The second section: if the saying commitments in the apparent narration of meaning, the contrary Rasem Al- Mufti, preferring in constructive assets, mentioned others telling non Abu Hanifa sayings, this saying will be weighted.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسين، سيدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومَن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
وبعد:
فإنَّ «مختصر القُدُوريّ» يعدُّ من أشهر المتون الفقهية على الإطلاق؛ إذ أنَّه يعتبر جزءاً من المناهج الدِّراسية في عامّة البلاد التي تعتمد في دراستها المذهب الحنفي، فهو جزءٌ من المنهج النظامي المعتمد في عامة مدارس وجامعات الهند وباكستان وبنغلادش، وكان مقرّراً ضمن منهاج الأزهر، ويدرسه الطلاب في المدارس الدينية في العراق، وشائعةٌ دراسته في الشام ولبنان وتركيا ودول أواسط أسيا والصِّين ودول أوروبا وأمريكيا عند الجاليات الإسلامية في مدارسهم ومراكزهم الإسلامية، لا سيما مع شرحه اللباب، فلا يخلو منه منهاج معتبرٌ يسلك مسلك الحنفية.
فمئات الآلاف من الطلاب يدرسونه في عامّة القارات، وفي فهمِه ومعرفةِ منهجِه في عرض المسائل وكيفيّة التَّرجيح فيه نوع خفاء.
وأهمية البحث تظهر من أهمية الكتاب محلّ الدراسة، ومساهمته في تقديم معلومات جديدة يحتاج لها الباحثون والدارسون للكتاب، وهذا ما تسعى الدراسة إلى تحقيقه، ببيان منهج الكتاب وكيفية الاستفادة منه والتعامل معه.
ومشكلة البحث تكمن في الإجابة عن سؤالين يدور النقاش في الدراسة عليهما، وهما:
1.ما هو المنهج الذي اتبعه القدوري في «مختصره» المشهور أثناء عرضه للمسائل؟
2.ما هو المنهج الذي اتبعه في الترجيح بين المسائل الفقهية؟
والدراسات السابقة: رغم التتبع الشديد لم يتسن للباحث الوقوف على دراسة خاصة تعتني ببيان منهج القُدُوريّ، سواء في التأليف أو في الترجيح، إلا ما يذكر عموماً في الكتب من سهولة عبارته وإيجاز ألفاظه وحسن اختياره للمسائل التي يحتاجها الناس، كما سيأتي.
والمنهج المتبع في الدراسة: هو المنهج الاستقرائي لمسائل القُدُوريّ، وثم المنهج التحليلي والاستنباطي في بيان المنهج الذي سلكه في التأليف والترجيح، وهذا ما يميز هذه الدراسة أنَّها ليست وصفية عامة، حيث تقوم باستخدام المنهج التطبيقي من خلال التمثيل لكل ما يتمّ
استخراجه من مناهج للقدوري على مسائله ومناقشتها على حسب ما يقتضيه المقام، فهي دراسة استقرائية تحليلة تطبيقية.
وتحقيقاً للمقصود، فقد تمّ تقسيم البحث إلى تمهيد ومبحثين:
التمهيد: في بيان أهمية «مختصر القُدُوريّ».
المبحث الأول: منهج القدوري في التأليف.
المبحث الثاني: منهج القدوري في الترجيح.
راجياً من الله تعالى السداد والتوفيق.
* * *
تمهيد: في بيان مكانة «مختصر القُدُوريّ»:
والقدوري هو أحمد بن محمد بن أحمد البَغْدَادِيّ، أبو الحسين، نسبة إلى قرية من قرى بغداد، يقال: لها قُدُورة، وقيل: نسبة إلى بيع القُدُور، قال السَّمْعَانيُّ: انتهت إليه رئاسة اصحاب أبي حنيفة بالعراق، وعزَّ عندهم قدره وارتفع جاهه، وكان حسن العبارة في النظر، مديماً لتلاوة القرآن. من مؤلفاته: «شرح مختصر الكَرْخي»، و «التجريد»، و «التقريب» (362 - 428هـ) (¬1).
وتظهر في مكانته الآتية:
أولاً: يُعَدُّ متن القُدُوريّ الأساس المتين لما لحقه من كتب المذهب:
فهو أشبه بأن يكون الأم لمتون الفقه الحنفي، فهي مستندة ومبنية عليه، ويظهر ذلك فيما يلي:
1. «تحفة الفقهاء»: لمحمد بن أحمد السمرقندي، علاء الدِّين،
¬
(¬1) ينظر: عبد الحي اللكنوي، الفوائد البهية، تحقيق: أحمد الزعبي، دار الأرقم، بيروت، ص 57 - 58، وعبد الله اليافعي، مرآة الجنان، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ج3، ص47.
(ت537هـ)، ضمنه مختصر القُدُوريّ مع زيادات واستدلالات (¬1).
2. «بداية المبتدي»: لعلي بن أبي بكر المرغيناني، جمع بين: «مختصر القُدُوريّ»، و «الجامع الصغير»، وشرحه بـ «كفاية المنتهي» ثم اختصرها في «الهداية» (ت593هـ) (¬2).
3. «مجمع البحرين وملتقى النيرين»: لابن الساعاتي، (ت بعد682هـ)، جمع فيه بين مختصر القدوري ومنظومة النسفي مع زوائد، ورتبه فأحسن، وأبدع في اختصاره (¬3).
4. «الوافي»: للنسفي، (ت710هـ)، وهو متن جمع فيه بين «مختصر القُدُوريّ» و «الجامعين الكبير» و «الصغير» و «الزيادات» للشيباني، وأضاف إليها «منظومة النَّسفيّ»، وواقعات أخرى (¬4).
5. «ملتقى الأبحر»، لإبراهيم الحلبي: قال ابن الحنبلي: «جمع فيه
¬
(¬1) علاء الدين محمد بن أحمد السَّمَرْقَنْدِي (ت539هـ)، تحفة الفقهاء، بيروت، دار الكتب العلمية، بدون تاريخ طبع، ج1، ص5.
(¬2) ينظر: مصطفى بن عبد الله القسطنطيني (ت1067)، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، دار الفكر، ج1، ص227.
(¬3) ينظر: محمود بن أحمد الغيتابى بدر الدين العينى (ت: 855هـ)، عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان، بدون طبعة، ج1، ص194.
(¬4) ينظر: سائد بكداش، مقدمة اللباب في شرح الكتاب، بيروت، دار البشائر الإسلامية، 2010م، (ط1)، ج1، ص 425.
بين القُدُوريّ والمختار والكنز والوقاية، مع فوائد أخرى»، (956هـ) (¬1).
ثانياً: شُرح في مئات الشروح من قبل آكابر علماء المذهب:
فجمعت عليه في عجالة من «الأعلام» للزركلي، و «معجم المؤلفين»، و «كشف الظنون»، و «الفهرس الشامل»، و «خزانة التراث»، و «مقدمة اللباب»، و «نزهة النظر» أكثر من مئة شرح، أقتصر على ذكر بعضها خشية الإطالة:
1. «مُلتمس الاخوان ومُبْتَغى الأحباب والخلّان شرح مختصر القُدُوريّ»: لعبد الرب بن منصور بن إسماعيل بن إبراهيم الغَزْنوي، أبي المعالي، (ت نحو 500هـ) (¬2).
2. «اللباب شرح الكتاب»: للمطهر بن الحسين بن سعد بن علي ابن بندار اليَزدي، أبي سعيد، جمال الدين، ويعرف بشيخ الإسلام، (ت بعد559هـ) (¬3).
¬
(¬1) ينظر: نجم الدين الغزي، الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة (ت1061هـ)، تحقيق: الدكتور جبريل جبور، محمد أمين وشركاه، 1945م، ج2، ص78.
(¬2) ينظر: القسطنطيني، كشف الظنون، ج2، ص 1631، وعمر كحالة، معجم المؤلفين، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1414هـ، (ط1)، ج5، ص 111.
(¬3) ينظر: القسطنطيني، كشف الظنون، ج2، ص 1631، وخير الدين الزَّركلي، الأعلام، دار العلم للملايين، 2002م، (ط15)، ج7، ص253.
3. «زاد الفقهاء شرح القُدُوريّ»: لمحمد بن أحمد الإسبيجابي، بهاء الدين، أبي المعالي، (ت591هـ) (¬1)، يحقّق في جامعة العلوم الإسلامية في الأردن.
ثالثاً: نُظمت مسائله شعراً مرّات عديدة، ومنها:
3.نظمٌ لمختصر القُدُوريّ: لأبي بكر بن علي العاملي الحنفي، سراج الدين، (ت769هـ) (¬2).
4.نظمٌ لمختصر القُدُوريّ: لإسحاق بن محمد البخشي الحلبي الخلوتي، (ت1140 هـ) (¬3).
رابعاً: الثناء على مكانته ورفعته من قِبَلِ الكثيرين، ومنها:
وقال الزَّاهديّ: «وهو أعظم دواوين الفقه بركةً وخطراً، وأرفعُها شأناً وقدراً، وأدورها في أندية الفضلاء والمدارس، وأيمنُها للمدرِّس والدارِس» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: القسطنطيني، كشف الظنون، ج 2، ص 1631.
(¬2) ينظر: القسطنطيني، كشف الظنون، ج 2، ص 1631.
(¬3) ينظر: كحالة، معجم المؤلفين، ج2، ص 237.
(¬4) مختار بن محمود الزَّاهِدِيّ الغَزمِيْني (ت658هـ)، المجتبى شرح القدوري، العراق، من مخطوطات المكتبة القادرية، ق3\أ.
وقال عمر بن دانشمند: «إنَّ كتاب القُدُوريّ قد تباهَجَ به الطالبون، وتفاخَرَ به الراغبون، حتى صار عمدةً بينهم، وفَخْرةً في مجالسهم، فلم يزالو مشتغلين به في كل زمان، ويتدارسونه في كل مكان، وذلك لكونه أجمل كتاب في الإيجاز، وأشمله على مختار الفتوى» (¬1).
خامساً: تُرجم إلى لغات عديدة، ومن تراجمه:
1.ترجمة لمختصر القُدُوريّ للفارسية: لحسن بن أبي القاسم (ت985هـ).
2. ترجمة لمختصر القُدُوريّ للتركية: لإسماعيل مفيد أفندي (ت قبل 1248هـ).
3.ترجمة وشرح كتاب الجهاد من مختصر القُدُوريّ للألمانية: لروز غولر، طبع في لايبسك سنة 1825م.
4. ترجمة لكتاب النكاح من مختصر القُدُوريّ للألمانية: لهلمسد رفر، طبع في فرانكفورت سنة (1832هـ) (¬2).
5. ترجمة مختصر القُدُوريّ للانجليزية: لإسماعيل إبراهيم، طبع في بريطانيا (¬3).
¬
(¬1) ينظر: سائد بكداش، مقدمة اللباب، ج 1، ص 310.
(¬2) ينظر: سائد بكداش، مقدمة اللباب، ج 1، ص490 - 493.
(¬3) ينظر: http://www.amazon.com/ABRIDGED-MANUAL-MUSLIM.
وبعد أن وقفنا على المكانة الكبيرة لمختصر القُدُوريّ، يظهر لنا جلياً مدى الحاجة للوقوف على منهج القدوري فيه، حتى يتسنى للمستفيدين الانتفاع به، وهذا ما نعرضه في المبحثين الآتيين.
* * *
المبحث الأول
منهج القدوري في التّأليف
نسعى في النقاط الآتية للوقوف على أبرز ملامح منهج القُدُوريّ في «مختصره» المشهور، وهي على النحو الآتي:
الأوّل: جمعه لأهم المسائل في جميع الأبواب:
رغم صغر هذا المختصر إلا أنَّه اشتمل على مسائل أمهات الأبواب التي يحتاجها العالم والدارس والقاضي والعامي، ولعلَّ اختياره لهذه المسائل دون غيرها من أبرز أسبابه قَبوله وشهرته، قال الرازي: «ألف مختصراً برَّز في تصنيفه، وجوَّد في ترتيبه وترصيفه، وأغنى به مع وجازة لفظه، وجزالة المعنى، مع كثرة المسائل، والإيماء إلى الدلائل، حيث لا غنية للمبتدي عن دراسته وقراءته، ولا مندوحة للمنتهي عن مراجعته ومطالعته ... » (¬1).
¬
(¬1) ينظر: سائد بكداش، مقدمة اللباب، ج 1، ص 309.
الثاني: سهولة عبارته مع الإيجاز:
لم يبلغ القُدُوريّ مبلغ المتون المتأخرة في الإيجاز وشدّة الاختصار وكثرة المسائل، إلا أنَّه تميّز عنها بسلاسة عبارته وسهولتها مع ما فيها من الإيجاز، قال المرغيناني: «أجلّ كتاب في أحسن إيجاز وإعجاب» (¬1).
الثالث: تكرارُ بعض المسائل أحياناً:
ليس من عادة أصحاب المتون التكرار في المسائل الفقهية، ويُعَدُّ عيباً في التأليف، لكن يعتذر في هذا عن القُدُوريّ أنَّ «مختصره» أوّل مختصر في طبقة المجتهدين في المذهب، ويعتبر بمثابة الأم لما بعده من المتون، ولم يكن منهج المتون اتضح في التأليف في عصره بإيجاز الكلام وعدم التكرار، وإنَّما ظهرت هذه الفكرة جلية في القرون التي بعده.
وأكثرُ ما يفعله مما يعدُّ من التّكرار هو بيان المحترزات لما ذكره، فمثلاً بعدما قال القُدُوريّ (¬2): «الزَّكاةُ واجبةٌ على الحرّ المسلم العاقل البالغ .... »، ثم شرح كلامه فقال: «وليس على صبيٍّ، ولا مجنونٍ زكاة، ولا على مكاتب»، فاعتبر هذا تكراراً.
¬
(¬1) ينظر: سائد بكداش، مقدمة اللباب، ج 1، ص 309.
(¬2) أحمد بن محمد البَغْدَادِيّ القُدُورِيّ (ت428هـ)، مختصر القدوري، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت، دار إحياء التراث العربي، مطبوع مع اللباب في شرح الكتاب، ج1، ص 136 - 137.
وأمّا المسائل التي كررها حقيقة بحيث أعادها مرة أخرى، فهي نادرة جداً، ومنها: التقدير في حبس المفلس، ذكره في كتاب الحجر (¬1) وفي كتاب القضاء (¬2)، قال: «وإذا حَبَسَه القاضي شهرين أو ثلاثة .... ».
الرابع: التقدير في مسائل التفويض في ظاهر الرواية:
معلومٌ أنَّ مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه - التفويض للعامي والقاضي في العديد من المسائل فيما يحتاج إلى تقدير، حتى كان الاجتهاد عنده نوعان: اجتهاد المجتهد المطلق في الشريعة، واجتهاد العامي فيما يتعلق بالتقدير: كمقدار النجاسة المعفوة في الثوب إن أصابته نجاسة مخففة، أو البئر إن سقطت فيه نجاسة جامدة.
ومن منهج القُدُوريّ أنَّه يقدّر فيما يتعلق بالتفويض، ومن ذلك:
1.قدر في مسألة المفقود بمئة وعشرين سنة، قال القُدُوريّ (¬3): «فإذا تَمَّ له مئةٌ وعشرون سنةً من يومِ وُلِد حُكِم بموته، واعتدت امرأته، وقُسِم مالُه بين ورثته الموجودين في ذلك الوقت».
وظاهر الرواية عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنَّه مقدَّرٌ بموت الأقران، وحقَّقَ ابنُ عابدين (¬4) «بأنَّه لا مخالفةَ بين قولِ التَّقديرِ وبين ظاهرِ الرِّواية، بل هو تفسيرٌ لظاهرِ الرِّواية، وهو موت الأقران، لكن اختلفوا: فمنهم مَن
¬
(¬1) القدوري، المختصر، ج2، ص 74.
(¬2) القدوري، المختصر، ج1، ص 282.
(¬3) القدوري، المختصر، ج2، ص216 - 217.
(¬4) محمد أمين بن عمر ابن عابدين (ت1252هـ)، ردّ المحتار على الدر المختار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج3، ص331.
اعتبرَ أطول ما يعيشُ إليه الأقرانُ غالباً، ثمَّ اختلفوا فيه هل هو تسعون أو مئة أو مئة وعشرون، ومنهم وهم المتأخّرون اعتبروا الغالبَ من الأعمار: أي أكثرَ ما يعيشُ إليهِ الأقرانُ غالباً لا أطوله، فقدَّروه بستّين؛ لأنَّ مَن يعيشُ فوقَها نادر، والحكم للغالب» (¬1).
وهذا تفسير من القُدُوريّ لظاهر الرواية؛ لأنَّ الظاهرَ أن لا يعيش أكثر من ذلك، فيترتب عند ذلك أحكام الموت.
2.قدر حبس المفلس بشهرين أو ثلاثة، قال القُدُوريّ (¬2): «فيحبسه شهرين أو ثلاثة، ثُمّ يسأل عنه، فإن لم يظهر له مالٌ خلّى سبيلَه».
وظاهر الرّواية: التقدير مفوض إلى رأي القاضي؛ لاختلاف أحوال الناس فيه، فمِن الناس مَن يضجره الحبس القليل، ومنهم مَن لا يضجره الكثير، ففوّض ذلك إلى رأي الحاكم، وصحَّحه صاحب «الهداية» و «الاختيار» و «الجواهر» و «والمحيط» والإسبيجابي وقاضي خان وغيرهم (¬3).
¬
(¬1) ينظر: عبد الحي اللكنوي (ت1304هـ)، عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية، تحقيق: د. صلاح أبو الحاج، بيروت، دار الكتب العلمية، 2009م، (ط1)، ج 2، ص393.
(¬2) القدوري، المختصر، ج 4، ص 82 - 83.
(¬3) ينظر: أبي بكر بن علي بن محمد الحَدَّادِيّ (ت800هـ)، الجوهرة النيرة شرح مختصر القدوري، المطبعة الخيرية، 1322هـ، (ط1)، ج2، ص243، وعبد الغني الغنيمي الميداني (ت1298هـ)، اللباب في شرح الكتاب، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ج1، ص 235.
3.قدر أقل الجَلد في التعزير بثلاث جلدات، قال القُدُوريّ (¬1): «والتعزيرُ: أكثرُه تسعةٌ وثلاثون سَوطاً، وأَقلُّه ثلاثُ جلدات».
وظاهر الرِّواية: أنَّه مفوَّضٌ لرأي القاضي، فكأنَّ القُدُوريّ يرى أنَّ ما دون الثَّلاث لا يقع به الزّجر, وليس كذلك، بل يختلف ذلك باختلاف الأشخاص, فلا معنى لتقديره مع حصول المقصود بدونه، فيكون مفوّضاً إلى رأي القاضي، يُقيمه بقدر ما يرى المصلحة فيه, وعليه مشايخنا، «زيلعيّ» , ونحوه في «الهداية»، قال في «الفتح»: فلو رأى أنَّه ينزجر بسوط واحد اكتفى به, وبه صَرَّحَ في «الخلاصة» (¬2).
الخامس: الإيهام في العبارة أحياناً بحيث تفيد غير ما عليه المذهب:
الخفاء والغموض ظاهرة واضحة في المتون بسبب ما فيها من الإيجاز والاختصار، مما يحوجنا إلى التَّثبت في الأخذ منها، قال اللَّكنويّ (¬3): «وأما الكتب المختصرة بالاختصار المخلّ فلا يفتى منها إلا بعد نظر غائر وفكر دائر، وليس ذلك لعدم اعتبارها، بل لأنَّ اختصاره يوقع المفتي في الغلط كثيراً».
¬
(¬1) القدوري، المختصر، ج 3، ص 198.
(¬2) ينظر: ابن عابدين، رد المحتار، ج4، ص60.
(¬3) عبد الحي اللكنوي (ت1304هـ)، النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير، عالم الكتب، 1406هـ، (ط1)، ص30.
ومن أمثلة ذلك:
1.نفيه لخطبة المعتدة مع جواز التعريض في الخطبة بدون تفصيل، قال القُدُوريّ (¬1): «ولا ينبغي أن يخطب المعتدّة، ولا بأس».
والتعريض: مثل أن يقول لها: أريد التزوَّج بامرأة ديِّنة، وهو يقصدها، أو إنَّك لجميلة أو إنك لصالحة، أو من غرضي أن أتزوَّج، ونحو ذلك ممَّا يدل على إرادة التزوّج، والتصريح: كأن يقول رجل مخاطباً لها: أريد أن أتزوَّجَك (¬2).
والخطبة في الطلاق فيها تفصيل: فالمعتدة لطلاق رجعي لا يجوز خطبتها لا تصريحاً ولا تعريضاً؛ لأنَّها زوجة المطلِق؛ لقيام ملك النكاح من كلِّ وجه.
والمعتدّة لطلاق بائن بينونة صغرى أو كبرى لا يجوز خطبتُها لا
¬
(¬1) القدوري، المختصر، ج 3، ص85.
(¬2) ينظر: عبدِ الرَّحمنِ بنِ محمد الرُّومي شيخِ زاده (ت 1078هـ)، مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر، دار الطباعة العامرة، 1316هـ، ج1، ص472، وعلي بن أبي بكر المرغيناني (ت593هـ)، الهداية شرح بداية المبتدي، مطبعة مصطفى البابي، بدون تاريخ طبع، الطبعة الأخيرة، ج4، ص 342، و عثمان بن علي الزيلعي فخر الدين (ت743هـ)، تبيين الحقائق شرح كَنْز الدقائق، مصر، المطبعة الأميرية، 1313هـ، (ط1)، ج3، ص36، ومحمد بن فرامُوز بن علي مُلا خسرو (ت885هـ)، درر الحكام شرح غرر الأحكام، الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ، وأيضاً: طبعة در سعادت، 1308هـ، ج1، ص404 - 405.
تصريحاً ولا تعريضاً؛ لأنَّ النكاحَ حال قيام العدّة قائمٌ من كلِّ وجه؛ لقيام بعض آثاره (¬1).
والمعتدة لوفاة يجوز خطبتها تعريضاً لا تصريحاً؛ والأصل في جواز التعريض: قوله - جل جلاله -: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} [البقرة: 235] (¬2)، وعن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: «إنَّ أبا عمرو بن حفص طلَّقها ألبتة وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله مالك علينا من شيء، فجاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له، فقال: ليس لك عليه نفقة، فأمرها أن تعتدَّ في بيت أمّ شريك، ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنَّه رجل أعمى تضعين ثيابك، فإذا حللت فآذنينى، قالت: فلما حللت ذكرت له أنَّ معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحى أسامة بن زيد فكرهته، ثم قال: انكحى أسامة، فنكحته،
¬
(¬1) ينظر: محمد زيد الأبياني، شرح الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية، بيروت، من منشورات مكتبة النهضة، ج1، ص7.
(¬2) ينظر: محمد بن عبد الواحد ابن الهمام (ت861هـ)، فتح القدير، بيروت، دار إحياء التراث العربي، وأيضاً: طبعة دار الفكر، ص342 - 343، وأبي بكر بن مسعود الكاساني (ت587هـ)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، بيروت، دار الكتاب العربي، 1402هـ، (ط2)، وأيضاً: طبعة دار الكتب العلمية، ج2، ص269.
فجعل الله - جل جلاله - فيه خيراً واغتبطت» (¬1)، وغبطه: تمنى نعمة على أن لا تتحول عن صاحبها (¬2).
2. عدم تنجس الماء بوقوع النجاسة فيه قليلاً كان أو كثيراً، قال القُدُوريّ (¬3): «وكلُّ ماء وقعت فيه نجاسة لم يجز الوضوء به قليلاً كان أو كثيراً».
وهذا موهمٌ جداً، فإنَّ الماءّ إذا زاد عن عشرة أذرع في عشرة أذرع لا يتنجس عند الحنفية ما لم يتغير لونه أو طعمه أو رائحته، فكان المقصود من عبارة القُدُوريّ: «قليلاً أو كثيراً»: أي وهو أقلُّ من عشرةِ أذرع؛ لأنَّه قال (¬4) بعد أسطر: «والغديرُ العظيمُ الذي لا يَتَحَرَّكُ أَحدُ طرفيه بتحريكِ الطرف الآخر إذا وقعت نجاسةٌ في أَحدِ جانبيه جاز الوضوءُ من الجانبِ الآخر»، فعُلمَ أن قصده ما ذَكرت.
3.جَعَلَ ما زاد عن الفرائض في الصَّلاة سُنّةً، قال القُدُوريّ (¬5): «وما
¬
(¬1) مسلم بن الحجاج القُشَيْريّ النَّيْسَابوريّ (ت261هـ)، صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج2، ص1114.
(¬2) علي القاري (ت1014هـ)، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح،، بيروت، دار الفكر، ج5، ص2177.
(¬3) القدوري، المختصر، ج 1، ص20.
(¬4) القدوري، المختصر، ج 1، ص21 - 22.
(¬5) القدوري، المختصر، ج 1، ص 66.
زاد على ذلك، فهو سُنّة».
ومعلومٌ أنَّه يوجد واجبات، فكان مقصوده بالسنة: أي وجوبها ثابت بالسنة، قال المَرغينانيّ (¬1): «أطلق اسم السنة، وفيها واجبات: كقراءة الفاتحة، وضمّ السورة إليها، ومراعاة الترتيب فيما شرع مكرراً من الأفعال، والقعدة الأولى وقراءة التشهّد في القعدة الأخيرة، والقنوت في الوتر، وتكبيرات العيدين، والجهر فيما يجهر فيه، والمخافتة فيما يخافت فيه؛ ولهذا تجب عليه سجدتا السهو بتركها, هذا هو الصحيح, وتسميتُها سنّة في القُدُوريّ؛ لما أنَّه ثبت وجوبها بالسنة».
4.جَعَلَ العقد في الإجارة فيمن أطلق الركوب صحيحاً، قال القُدُوريّ (¬2): «فإن أَطْلَقَ الرُّكوبَ جاز له أن يركبها من شاء».
ومعلومٌ إن لم يحدد الراكب يكون في العقد جهالة تفسده، إلا إذا صرّح المؤجر بأن يركب ما يشاء، فكان مقصود القُدُوريّ من «أطلق الركوب»: أي يقول: يركبها مَن شاء، لا أنَّه يستأجر الدابة للركوب ويطلقه فإنَّه لا يجوز، كما في مسكين نقلاً عن «الذخيرة» و «المغنى» و «شرح الطحاوي» (¬3).
¬
(¬1) المرغيناني، الهداية، ج1، ص 277 - 278.
(¬2) القدوري، المختصر، ج 2، ص90.
(¬3) ينظر: الميداني، اللباب، ج 1، ص 249.
ولهذا قال في «شرح الأقطع»: وهذا الذي ذكره إنَّما يريد به إذا وَقَعَ العقدُ على أن يركبَ مَن شاء وذلك; لأنَّه إذا أطلقَ الركوبَ فعقد الإجارة فاسدٌ; لأنَّ الركوبَ يختلفُ اختلافاً كثيراً، فصار الركوبان من شخصين: كالجنسين فيكون المعقود عليه مجهولاً، فلا يصحّ العقد، فإن قال: تركب مَن شئت صَحَّ العقد، وإن لم يسمِّ شخصاً بعينه; لأنا إنَّما منعنا من صحّته لما لَحِق المالك الضرر الذي يحصل في بعض الركوب، فإذا رضي به صار المعقود عليه معلوماً، فجاز (¬1).
5.ذكر التحريمة مع أركان الصلاة، قال القُدُوريّ (¬2): «فرائضُ الصَّلاة ستّة: التحريمةُ».
ومعلومٌ أنَّ التَّحريمةَ شرطٌ عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنه -، وركنٌ عند محمّد - رضي الله عنه - (¬3)؛ لذلك عبَّر بالفرض؛ لأنَّ الفرضَ أعمُّ من الأركان؛ فالفرض يطلق على الركن والشرط أيضاً، وأيضا لو قال: أركان الصلاة لكان خرج منها التحريمة؛ لأنَّها شرط على قول عامة المشايخ لا ركن (¬4).
¬
(¬1) ينظر: أحمد بن يونس بن محمد ابن الشلبي (ت 947هـ)، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق، مصر، المطبعة الأميرية بمصر، 1313هـ، (ط1)، ج5، ص115.
(¬2) القدوري، المختصر، ج 1، ص 65.
(¬3) ينظر: الحدادي، الجوهرة النيرة، ج1، ص 49.
(¬4) ينظر: محمود بن أحمد العَيْنِي بدر الدين (ت855هـ)، البناية في شرح الهداية، بيروت، دار الفكر، 1980مـ، (ط1)، ج2، ص155.
6.ذَكَرَ إجزاء النية في الصيام إلى وقت الزوال، قال القُدُوريّ (¬1): «فإن لم ينو حتى أَصبح أجزأته النيّة ما بينه وبين الزَّوال».
ومعلومٌ عدم صحّة النّيّةِ بعد الضَّحوة الكبرى، وهي قبل الزوال بساعة إلا ربع تقريباً، قال المرغيناني (¬2): «في «الجامع الصغير»: قبل نصف النهار، وهو الأصحّ؛ لأنَّه لا بُدّ من وجود النيّة في أكثر النّهار، ونصفُه من وقتِ طلوع الفجر إلى وقتِ الضَّحوة الكُبرى لا إلى وقتِ الزَّوال, فتُشترطُ النيّةُ قبلها لتتحقَّق في الأكثر».
والضحوة الكبرى تبدأ في كل قطر قبل زوال الشمس بعد أن كانت عمودية في وسط السماء بنصف حصة فجر ذلك اليوم: أي نصف الوقت من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، حتى لو نوى قبل أن تغيب الشمس أن يكون صائماً غداً ثم نام أو أغمي عليه أو غفل حتى زالت الشمس من الغد لم يجز، أما لو نوى بعد غروب الشمس فإنَّه يجوز صومه (¬3).
¬
(¬1) القدوري، المختصر، ج 1، ص 163.
(¬2) المرغيناني، الهداية، ج2، ص 306.
(¬3) ينظر: محمد بن عبد اللطيف ابن ملك الكِرْمَانِيّ (ت806هـ)، شرح الوقاية، العراق، من مخطوطات وزارة الأوقاف، برقم (962)، ق61/أ، وابن عابدين، رد المحتار، ج2، ص85، علاء الدين ابن عابدين (ت 1306هـ)، والهدية العلائية، تحقيق: محمد سعيد البرهاني، 1416هـ، (ط5)، ص155، ونظام الدين البرهانفوري، الفتاوي الهندية، مصر، المطبعة الأميرية ببولاق، 1310هـ، ج1، ص 195.
7. ذَكَرَ أنَّ المُدّعى عليه إن أقرّ بالمدعى أو بموجب الدعوى للمدعي، فإنَّه يقضى عليه به، قال القُدُوريّ (¬1): «وإن صَحَّت الدَّعوى سأل القاضي المُدَّعى عليه عنها، فإن اعترف قَضَى عليه بها».
وإطلاق لفظ القضاء هاهنا توسع؛ لأنَّ الإقرارَ حجّة بنفسه فلا يتوقَّف على القضاء، فكان الحكم من القاضي إلزاماً للخروج عن موجب ما أقرّ به، بخلاف البيّنة؛ لأنَّها إنَّما تصير حجّة باتصال القضاء بها، فإنَّ الشهادةَ خبرٌ يحتمل الصدق والكذب, وقد جعلها القاضي حجّة بالقضاء بها وأسقط جانب احتمال الكذب في حقّ العمل بها (¬2).
8. ذَكَرَ أنَّ الإعتاق والمحاباة والهبة في مرض الموت من الوصية، قال القُدُوريّ (¬3): «وَمَن أَعتق عبدَه في مرضه، أو باع وحابى، أو وَهَبَ، فذلك كلُّه وصيّة يعتبر من الثلث، ويضرب به مع أَصحاب الوصايا».
والصواب أن يقول بدل وصيّة: أنَّه جائز، قال المرغيناني (¬4): «ورد في بعض النسخ: فهو وصية مكان قوله: جائز، والمراد الاعتبار من الثلث
¬
(¬1) القدوري، المختصر، ج 4، ص 28.
(¬2) ينظر: ابن الهمام، فتح القدير، ج8، ص 168.
(¬3) القدوري، المختصر، ج 4، ص 175.
(¬4) المرغيناني، الهداية، ج4، ص 526.
والضرب مع أصحاب الوصايا لا حقيقة الوصية؛ لأنَّها إيجاب بعد الموت وهذا منجز غير مضاف».
9. ذَكَرَ عدم اعتبار التاريخ الأسبق في إقامة البيّنة من كلّ واحدٍ من الخصمين، قال القُدُوريّ (¬1): «وإن أقام كلُّ واحد منهما بيّنة على الشراء من آخر (¬2) وذكرا تاريخاً فهما سواء».
قال ابن الهمام (¬3): «السرُّ في اختلاف كلمات الثقات من شرّاح هذا الكتاب وغيره في حلّ هذه المسألة، هو اختلاف الروايتين عن المجتهدين فيما إذا ادعيا الشراء من اثنين وكان أحدهما أسبق تاريخاً، كما صُرّح به في معتبرات الفتاوى، حيث قال في «فتاوى قاضي خان»: وإن ادّعيا الشراءَ كلُّ واحدٍ منهما من رجلٍ آخر أنَّه اشتراها من فلانٍ وهو يملكُها وأقام آخر البينة أنَّه اشتراها من فلان آخر وهو يملكها، فإنَّ القاضي يقضي بينهما, وإن وقّتا فصاحب الوقت الأول أولى في ظاهر الرواية, وعن محمد - رضي الله عنه -: أنَّه لا يعتبر التاريخ, وإن أرّخ أحدهما دون الآخر يقضي بينهما اتفاقاً، انتهى، وقال في البدائع: أمّا إذا ادّعيا الشراء من اثنين سوى صاحب اليد مطلقاً من الوقت وأقاما البيِّنة على ذلك يقضى بينهما في نصفين, وإن كان
¬
(¬1) القدوري، المختصر، ج 4، ص 35.
(¬2) كأن أقام أحدهما البينة على الشراء من زيد والآخر على الشراء من عمرو، ابن الهمام، فتح القدير، ج2، ص259.
(¬3) ابن الهمام، فتح القدير، ج8، ص260.
وقتهما واحداً فكذلك, وإن كان أحدُهما أسبق من الآخر فالأسبق تاريخاً أولى عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنه - وكذا عند محمد - رضي الله عنه - في رواية الأصول, بخلاف الميراث، فإنَّه يكون بينهما نصفين عنده، وعن محمد في «الإملاء»: أنَّه سوّى بين الميراث وبين الشراء, وقال: لا عبرة بالتاريخ في الشراء أيضاً، إلا أن يؤرِّخا ملك البائعين، انتهى.
فالذي يظهر من نقل تلك المعتبرات: أنَّ كون صاحب التاريخ الأسبق أولى فيما إذا ادعيا الشراء من اثنين ظاهر الرواية, وأنَّه قول أكثر المجتهدين وأكبرهم, فحمل مسألة الكتاب على ما لا ينافيه أولى كما لا يخفى».
10.تقييده جماع مَن ظاهر منها في الليل عامداً، قال القُدُوريّ (¬1): «فإن جامع التي ظاهر منها في خلال الشهرين ليلاً عامداً أو نهاراً ناسياً استأنف الصَّوم».
وهذا التقييدُ بالعمدِ هو قيدٌ اتفاقيٌّ لا احترازي، والأولى حذفه؛ لما فيه من الإيهام، حتى أخطأ ابنُ ملك فقيّد المسألة به، وقد تبع كثير من الكتب القُدُوريّ في هذا القيد، قال ابنُ عابدين (¬2): «وقع في أكثر الكتب, وغلط ابن ملك بجعله احترازاً عن النسيان, بل هو قيد اتفاقيّ».
¬
(¬1) القدوري، المختصر، ج 3، ص 73.
(¬2) ابن عابدين، رد المحتار، ج3، ص 477.
11.مسألة سرقة العبد الصّغير عند المشتري وكان سرق قبلها عند البائع، فهو عيب، وإن سرق العبد البالغ عند المشتري وكان سرق وهو بالغ عند البائع فهو عيب، وإن سرق العبد البالغ عند المشتري وكان سرق وهو صغير عند البائع فليس بعيب؛ لاختلاف سبب السرقة في الصغر عنه في الكبر، وهذه المسألة لا تظهر من تركيب عبارة القُدُوريّ، حيث قال (¬1): «والإباقُ والبولُ في الفراش والسرقةُ عيبٌ في الصغير ما لم يبلغ، فإذا بلغ فليس ذلك بعيب حتى يُعاودَه بعد البلوغ».
لذلك وجدنا المَرغيناني صحح تركيب العبارة فقال (¬2): «ومعناه: إذا ظهرت عند البائع في صغره، ثم حدثت عند المشتري في صغره فله أن يرده; لأنَّه عين ذلك, وإن حدثت بعد بلوغه لم يرده; لأنَّه غيره, وهذا لأنّ سببَ هذه الأشياء يختلف بالصغر والكبر, فالبول في الفراش في الصغر لضعف المثانة, وبعد الكبر لداء في باطنه, والإباق في الصغر لحب اللعب والسرقة لقلة المبالاة، وهما بعد الكبر لخبث في الباطن, والمراد من الصّغير مَن يعقل , فأمّا الذي لا يعقل فهو ضال لا آبق فلا يتحقق عيباً».
¬
(¬1) القدوري، المختصر، ج 2، ص 20.
(¬2) المرغيناني، الهداية، ج1، ص357 - 358.
السادس: عدم استيعاب أمهات المسائل في الموضوع:
ليس حديثنا عن استيعاب مسائل الباب، فإنَّ هذا مخالف لمنهج أصحاب المتون من الاقتصار على أمهات مسائل الباب التي لا غنى للدارس عنها، ولكننا نجد القُدُوريّ يتجوّز في ذكر أمهات من مسائل الباب يذكرها غيره من أصحاب المتون، ولعلّ هذا سبب أنَّ صاحب «الهداية» قبل أن يشرح القُدُوريّ قام بإضافة مسائل من «الجامع الصغير» لمسائل القُدُوريّ، وسمّاه «بداية المبتدي» ثم شرحها؛ ليعالج عدم ورود مسائل مهمة في القُدُوريّ.
ومن أمثلة ذلك: أنَّ القُدُوريّ لم يذكر من موجبات الغسل: الاحتلام، وكذلك لم يذكر في مواضع الغسل المسنون: عرفة.
السابع: الاستدلاله لبعض المسائل، وهو قسمان:
أولاً: الاستدلال بالمعقول:
ليس من عادة أصحاب المتون الاستدلال، وإنَّما الاقتصار على ذكر المسائل فحسب، وهذا ما فعله القُدُوريّ في عامة مسائل متنه، إلا أننا وجدناه أحياناً يستدل لبعض المسائل بالمعقول، ومنها:
1. عدم تنجس الماء الجاري؛ بسبب عدم استقرار النجاسة فيه، قال
القُدُوريّ (¬1): «وأَمّا الجاري إذا وقعت فيه نجاسة جاز الوضوء منه إذا لم
يُرَ لها أَثر؛ لأنَّها لا تستقرُّ مع جريان الماء».
2.عدم تنجس الغدير العظيم؛ بسبب عدم انتقال النجاسة من طرف إلى طرف فيه، قال القُدُوريّ (¬2): «والغديرُ العظيمُ الذي لا يتحرَّكُ أَحدُ طرفيه بتحريك الطرف الآخر إذا وقعت نجاسة في أَحدِ جانبيه جاز الوضوء من الجانب الآخر؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّ النَّجاسةَ لا تصل إليه».
ثانياً: استدلاله بالمنقول:
معلومٌ أنَّ المتون تقتصر على ذكر المسائل مجردةً عن الاستدلال حتى لا يطول المتن، لكنَّ القُدُوريّ استدل لبعض المسائل بالمنقول، ولعلّ هذا لما سبق ذكره أنَّ منهج المتون الذي اشتهر وعُرِف متأخراً لم يكن معلوماً وملتزماً في زمن القُدُوريّ، ومن المسائل التي استدلّ لها:
1.مقدار المسح في الرأس، قال القُدُوريّ (¬3): «والمفروضُ في مسحِ الرّأسِ مقدارُ الناصية؛ لما روى المغيرةُ بن شعبة - رضي الله عنه -: «أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَتَى سباطة قوم فبال وتوضّأ ومَسَحَ على ناصيتِهِ وخُفيه» (¬4)».
¬
(¬1) القدوري، المختصر، ج 1، ص 21.
(¬2) القدوري، المختصر، ج 1، ص 21 - 22.
(¬3) القدوري، المختصر، ج 1، ص 6.
(¬4) هما حديثان: الأول: عن حذيفة - رضي الله عنه -: «أنَّه - صلى الله عليه وسلم - أتى سباطة قوم فبال قائماً ثم دعا بماء فتوضأ» في
مسلم، الصحيح، ج1، ص231، ومحمد بن إسماعيل الجعفي البُخَارِيّ (194 - 256هـ)، صحيح البخاري، تحقيق: الدكتور مصطفى البغا، بيروت، دار ابن كثير واليمامة، 1407هـ، (ط3)، ج1، ص90، والثاني: عن المغيرة - رضي الله عنه -: «أنَّه - صلى الله عليه وسلم - توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين» في مسلم، الصحيح، ج1: 231.
2.تنجس الماء بوقوع النجاسة فيه، قال القُدُوريّ (¬1): «وكلُّ ماء وقعت فيه نجاسة لم يجز الوضوء به قليلاً كان أو كثيراً؛ لأنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أمر بحفظ الماء من النجاسةِ فقال: «لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة» (¬2)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إذا استيقظ من منامه فلا يغمسنّ يده في الإناء حتى يغسلَها ثلاثاً، فإنَّه لا يدري أين باتت يده» (¬3)».
الثامن: تقريرُ القُدُوريّ لما هو أصل المذهب على ما كان الحال في زمن المجتهدين:
وضعت المتون لحفظ اجتهادات المجتهد المطلق في المذهب بنفس الصورة التي كانت عليها في زمنه، وإن تغير العرف أو الزمان، وفي الشروح والفتاوى يفصلون الاختلاف الحاصل بسبب هذا التغير،
¬
(¬1) القدوري، المختصر، ج 1، ص 20 - 21.
(¬2) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - في البخاري، الصحيح برقم239 ومسلم، الصحيح، برقم282 دون قوله: «من الجنابة»، وسليمان بن أشعث السجستاني (ت275هـ)، سنن أبي داود، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت، دار الفكر، برقم70، أحمد بن شعيب النَّسَائِي (ت303هـ)، وسنن النَّسَائيّ الكبرى، تحقيق: الدكتور عبد الغفار البنداوي وسيد كسروي حسن، بيروت، دار الكتب العلمية، 1411هـ، (ط1)، برقم398 بتمامه.
(¬3) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - في البخاري، الصحيح، برقم162، ومسلم، الصحيح، برقم237.
فيذكرون الحكم المناسب لزمانهم قياساً على اجتهاد المجتهد المطلق في زمانه، وكان لهذه الطريقة الفضل الكبير في حفظ الفقه من التحريف والتلاعب بحفظ التأصيل في المتون، والتفريع في الفتاوى إجمالاً، قال ابنُ عابدين (¬1): «لا يخفى أنَّ المرادَ بالمتون المتون المعتبرة: كـ «البداية» و «مختصر القُدُوريّ» و «المختار» و «النقاية» و «الوقاية» و «الكنز» و «الملتقى» فإنَّها الموضوعة لنقل المذهب ممَّا هو ظاهر الرواية ... ».
فمثلاً: تحدث القُدُوريّ عن تطبيق القاضي لحكم قاضي آخر رفع إليه، فبيّن لزوم تطبيقه وإن خالف اجتهاد القاضي ما لم يكن مخالفاً للقرآن أو السنة المشهورة أو الإجماع، أو يكون مما لا دليل للقاضي الأول عليه، قال القُدُوريّ (¬2): «وإذا رُفِع إلى القاضي حُكْمُ الحاكم أَمضاه إلاّ أن يُخالف الكتابَ أو السنّةَ أو الإجماع أو يكون قولاً لا دليل عليه».
وهذا بناءً على ما كان في زمانهم أنَّ يكون كل قاض ومفتٍ بلغ درجة الاجتهاد المطلق، فإن كان اجتهاد غيره الذي يريده أن يطبقه مخالف لما مرّ لا ينفذه، بخلاف عصر ما بعد المجتهدين المطلقين، حيث أصبح الاجتهاد في المذهب، وكل مجتهد ملتزم بأحكام مذهبه ويفرع
¬
(¬1) محمد أمين بن عمر ابن عابدين (ت1252هـ)، شرح عقود رسم المفتي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، مطبوع ضمن مجموع رسائله. ص37، وغيره.
(¬2) القدوري، المختصر، ج 4، ص 87 - 88.
عليه، وبالتالي إذا رفع له حكم من مذهب آخر معتمد يعمل به ويطبقه، وإن كان خارجاً عن المذاهب الفقهية المعتبرة، لم ينفذه، وهذا تفسير ما سبق من مخالفة القرآن أو السنة .... ، فما كان معتبراً في المذاهب لا يكون مخالفاً لهذه الأمور، ولا بد من الانتباه لهذا عند الباحثين حتى نتمكن من فهم المتون، وحملها على محملها الصحيح.
التاسع: تساهله في تعبيراته في الأحكام:
من أبرز ما يُميز المتون هو دقّة العبارة وإحكامها، وهذا ظاهر في متن «الكنز» و «الوقاية»، لكننا نرى القُدُوريّ يتساهل في عباراته وإطلاقاته في مواضع عديدة، مما يقتضي أن يكون المدرِّس لهذا الكتاب حافظاً للمذهب؛ لعدم اهتمام القُدُوريّ بذكر كامل قيود المسألة، مما جعل عباراته في الظاهر السهولة لكنَّها في الحقيقة صعبة؛ لحاجتها للضَّبط والتَّقييد، فكان من السَّهل المستصعب، ومن ذلك:
1.ذكر استحباب صلاة التراويح، قال القُدُوريّ (¬1): «يستحبُّ أن يجتمعَ الناس في شهر رمضان بعد العشاء».
فتساهل في إطلاق المستحب على السنّة مؤكدة؛ لأنَّ التراويح سنة مؤكدة، قال المّرغينانيّ (¬2): «والأصحّ أنَّها سنة مؤكّدة، كذا روى الحسن
¬
(¬1) القدوري، المختصر، ج1، ص 22.
(¬2) المرغيناني، الهداية، ج1، ص 70.
عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأنَّه واظب عليها الخلفاء الراشدون». «وفي «شرح منية المصلي»: وحكى غير واحد الإجماع على سنيتها» (¬1).
2. ذكر أنَّ صلاة الخوف تشرع عند اشتداد الخوف، قال القُدُوريّ (¬2): «إذا اشتدّ الخوفُ جَعَلَ الإمامُ الناسَ طائفتين ... ».
وتساهل القُدُوريّ في إطلاق اشتداد الخوف لصحة جواز صلاة الخوف؛ لأنَّها تصح وإن لم يشتد الخوف، قال البابرتيّ (¬3): «ليس اشتداد الخوف شرطاً عند عامة مشايخنا»، وقال ملا خسرو (¬4): «الاشتداد ليس بشرط بل الشرط حضور عدو».
العاشر: وجود الخطأ في التركيب للعبارة نادراً:
فالخطأُ صفةٌ ملازمةٌ للبشر: {وخُلِقَ الإنسانُ ضَعِيفَاً} [النساء: 28]، والقليلُ منه معفوٌ، فينبّه عليه لرفع الإشكال، لكنَّه لا ينزل من قدر صاحبه ومكانته، ووقع من هذا القبيل في «مختصر القُدُوريّ» بعض مسائل، وهي:
¬
(¬1) ينظر: ابن عابدين، رد المحتار، ج2، ص43.
(¬2) القدوري، المختصر، ج 1، ص 123.
(¬3) أكمل الدين محمد بن محمد الرومي البَابَرْتي (ت786هـ)، العناية على الهداية، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج2، ص 96.
(¬4) ملا خسرو، درر الحكام، ج1، ص 148.
1. قلب المعنى في مسألة، وهي هلاكُ مال أحد الشريكين بعد أن اشترى الآخر شيئاً على الشركة، فيكون المشرى بينهما، حيث سبق قلم القُدُوريّ وذكر أنَّ الهلاك حصل قبل الشراء، وفي هذه الحالة تبطل الشركة، ويكون المشترى ملكاً لمَن اشتراه فقط، وهذا ما صرّح به في المسألة قبلها، قال القُدُوريّ (¬1): «وإن اشترى أحدُهما بماله وهَلَكَ مال الآخر قبل الشراء فالمشترى بينهما على ما شرطا، ويرجع على شريكه بحصّته».
وصحّح صدر الشريعة العبارة فقال (¬2): «فهاهنا محلّ أن يُغْلَطَ في الفهم، ويُفهم أنَّه هلك مال الآخر قبل شراء أحدهما، لكن يجب أن يفهم هذا، فإنَّ وضع المسألة فيما إذا كان هلاك مال الآخر بعد شراء أحدهما بماله ... ».
2.غلط في عبارة القُدُوريّ كما صرح به بعض الأئمة، وهي خطأ في نصيب كل واحد من العاقلة من الدية حيث قدّره بأربعة دراهم في كل سنة، قال القُدُوريّ (¬3): «ولا يزاد للواحد منهم على أربعةِ دراهم في كلِّ سنةٍ ويُنقص منها».
¬
(¬1) القدوري، المختصر، ج 2، ص 126 - 127.
(¬2) عبيد الله بن مسعود صدر الشريعة (ت747هـ)، شرح الوقاية، تحقيق: الدكتور صلاح محمد أبو الحاج، عمان، مؤسسة الوراق، 2006م، ج3، ص281.
(¬3) القدوري، المختصر، ج 3، ص 179.
والصواب أن يجب على كل واحد من الدية من ثلاثة إلى أربعة دراهم في ثلاث سنوات لا في سنة واحدة، فيكون مجموع ما يأخذ من كل واحد في جميع الدية تسعة أو اثنا عشر، قال المرغينانيّ (¬1): «فإنَّ مُحمّداً نَصَّ على أنَّه لا يُزاد على كلِّ واحدٍ من جميع الدية في ثلاثِ سنين على ثلاثةِ أو أَربعة، فلا يؤخذ من كلِّ واحدٍ في كلِّ سنة إلاّ درهم أو درهم وثلث درهم، وهذا هو الأَصحّ»، قال البابرتي (¬2): «لا ما يفهم من ظاهر عبارة القُدُوريّ، وقد بَيَّنَ في «المبسوط» أنَّه غلط».
3. وقوع خطأ في بعض نسخ القُدُوريّ في مسألة مَن تمتنع عن اللعان فإنَّ القاضي يحبسها لتلاعن أو تصدقه فتُحدّ، قال القُدُوريّ (¬3): «فإن امتنعت حبسَها الحاكمُ حتى تلاعن أو تُصدِّقَه».
قال في الجوهرة: «في بعض النُّسخ: فتحدّ، يعني حدّ الزنا، قالوا: هذا غلط من النساخ؛ لأنَّ تصديقها إيّاه لا يكون أبلغ من إقرارها بالزنا، وثم لا تحدّ بمرّة واحدة، فهاهنا أولى، وإن صدقته عند الحاكم أربع مرَّات لا تحد أيضاً؛ لأنَّها لم تصرِّح بالزنا، والحدُّ لا يجب إلا بالتصريح، وإنَّما بدأ في اللعان بالزوج؛ لأنَّه هو المدعي» (¬4).
¬
(¬1) المرغيناني، الهداية، ج10، ص 398، والحدادي، الجوهرة النيرة، ج2، ص146.
(¬2) البابرتي، العناية، ج10، ص 398.
(¬3) القدوري، المختصر، ج 3، ص 75.
(¬4) ينظر: الحدادي، الجوهرة النيرة، ج2، ص70.
المبحث الثاني
منهج القدوري في الترجيح
الأول: التزام ظاهر الرِّواية عند أبي حنيفة إلاّ نادراً:
وهذا منهجُ أصحاب المتون من التزام ظاهر الرّواية، وهذا ظاهرٌ في المتونِ المتأخرةِ، مثل: «الكنز»، و «الوقاية»، و «الملتقى»، فلا يكادون يُخالفون ظاهر الرِّواية، لكننا نجد هذه المعادلة أقل التزاماً في «مختصر القُدُوريّ»؛ لكونه أول متن يكتب في المذهب في طبقة المجتهدين في المذهب، حيث كانت المتون قبله مثل: «مختصر الكَرخيّ» و «مختصر الطَّحاويّ» في طبقةِ المجتهدين المنتسبين يذكر فيها أقوالاً لأصحابها مخالفةً للمذهب، وهذا مفقودٌ في متون المجتهدين في المذهب، وإنَّما وُجد في «القُدُوريّ» بعض اختيارات له مخالفة لظاهر الرِّواية عند أبي حنيفة.
وأمثلته:
1.اختياره استحباب النية في الوضوء، والمعتمد أنَّها سنة مؤكدة (¬1).
2.سقوطِ الجزيةِ عن الرُّهبان مطلقاً، والمعتمد أنَّها تجب على مَن يقدر على العمل (¬2).
3.جواز تأجير الملتقط للصّغير، والمعتمد عدم جواز تأجيره (¬3).
4.فرض القراءة في الصلاة أدنى ما يطلق عليه اسم القرآن، والمعتمد أنَّها آية (¬4).
¬
(¬1) ينظر: القدوري، المختصر، ج 1، ص 10، صدر الشريعة، شرح الوقاية، ج1، ص 20، وإبراهيم بن محمد الحَلَبي (ت956هـ)، ملتقى الأبحر، مطبعة علي بك، 1291هـ، وأيضاً: بتحقيق: وهبي سليمان غاوجي الألباني، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1409هـ، (ط1)، ص19 - 20، وعبيد الله بن مسعود صدر الشريعة (ت747هـ)، النقاية، تحقيق: محمد نزار وهيثم نزار، دار الأرقم، 1418هـ، (ط1)، وأيضاً: طبعة مطبع دهلي، 1286هـ، ج 1، ص 44، وحسن بن عمار بن علي الشرنبلالي (ت1069هـ)، نور الإيضاح ونجاة الأرواح، دمشق، بيروت، دار النعمان للعلوم، 1417هـ، (ط2)، ج1، ص 113.
(¬2) ينظر: القدوري، المختصر، ج 4، ص 145، الحدادي، الجوهرة النيرة، ج2، ص276.
(¬3) ينظر: القدوري، المختصر، ج 2، ص 207. والمرغيناني، الهداية، ج6، ص 117.
(¬4) ينظر: القدوري، المختصر، ج 1، ص77. وقاسم بن قطلوبغا (ت879هـ)، التصحيح والترجيح على مختصر القدوري، تحقيق: ضياء يونس، بيروت، دار الكتب العلمية، 2002م، (ط1)، ص164.
6.طلب الشّفيع في مجلس علمه، والمعتمد أنَّها تجب لحظة علمه بالشفعة (¬1).
7.التّقدير في التّعريف للقطة بالأيام في أقلّ من عشرة دراهم وبالشهر في عشرة دراهم فأكثر وبالسّنة في مئة فأكثر، والمعتمد أنَّها مفوضة لتقدير الملتقط (¬2).
8.قدر في مسألة المفقود بمئة وعشرين سنة، والمعتمد أنَّها مفوضة للقاضي (¬3).
9.قدر حبس المفلس بشهرين أو ثلاثة، والمعتمد أنَّها مفوضة للقاضي (¬4).
10.قدّر أقلّ الجلد في التعزير بثلاث جلدات، والمعتمد أنها مفوضة للقاضي (¬5).
¬
(¬1) ينظر: القدوري، المختصر، ج 2، ص107. والكاساني، بدائع الصنائع، ج5، ص17، وابن قطلوبغا، التصحيح والترجيح، ص261، وابن عابدين، رد المحتار، ج5، ص143.
(¬2) ينظر: القدوري، المختصر، ج 2، ص 208. والمرغيناني، الهداية، ج2، ص 175، وصدر الشريعة، شرح الوقاية، ج3، ص271، وابن قطلوبغا، التصحيح والترجيح، ص304 - 305.
(¬3) ينظر: القدوري، المختصر، ج 2، ص 216. وابن عابدين، رد المحتار، ج3، ص331.
(¬4) ينظر: القدوري، المختصر، ج 2، ص 74. والحدادي، الجوهرة النيرة، ج2، ص243، والميداني، اللباب، ج 1، ص 235.
(¬5) ينظر: القدوري، المختصر، ج 3، ص 198. وابن عابدين، رد المحتار، ج4، ص60.
11.اعتبار الإكراه من السُّلطان وغيره، وهذا المعتمد (¬1)، وعند أبي حنيفة - رضي الله عنه - من السلطان فقط.
ويضاف لهذه المسائل ما سيأتي في النقطة التالية من اختيار لأقوال أصحاب أبي حنيفة في بعض المسائل.
الثانية: اختياره لأقوال أصحاب أبي حنيفة في مسائل بدون تنبيه على ذلك.
فيذكر المسألة في المتن حتى يظنّ القارئ أنَّها قولٌ لأبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأنَّه لم يذكر قبلها أو بعدها أنَّها لغير أبي حنيفة - رضي الله عنه -، والمتون من عادة أصحابها ذكر قول أبي حنيفة بدون ذكر اسمه؛ لأنَّها وُضِعت لنقل قوله، فكان في فعله هذا إيهام شديد، ولا يرتفع هذا الإيهام والالتباس إلا بمراجعة شروح الكتاب والكتب المعتمدة الأخرى حيث ينبهون على هذا.
وسلك القُدُوريّ هذا المسلك في المسائل الآتية:
أ. عند أبي يوسف في أربع مسائل، وهي:
1.سنية تخليل اللحية، وهي المعتمد (¬2).
¬
(¬1) ينظر: القدوري، المختصر، ج 4، ص 107. وشيخ زاده، مجمع الأنهر، ج2، ص429.
(¬2) ينظر: القدوري، المختصر، ج 1، ص 10، وبرهان الشريعة، الوقاية، ج1، ص 19، والموصلي،
المختار، ج1، ص16، والحلبي، ملتقى الأبحر، ص19، وصدر الشريعة، النقاية، ج1، ص 38، والشرنبلالي، نور الإيضاح، ج1، ص109، ومحمد بن أبي بكر الرازي (ت666هـ)، تحفة الملوك، تحقيق: الدكتور عبد الله نذير أحمد، بيروت، دار البشائر الإسلامية، 1997م، (ط1)، وأيضاً: بتحقيق: الدكتور صلاح أبو الحاج، عمان، دار الفاروق، عمان، 2006م، (ط1)، ص26، عبد الله بن أحمد النَّسَفِي حافظ الدين (ت701هـ)، كنْز الدقائق، تحقيق: إبراهيم الحنفي الأزهري، مصر، المطبعة الحميدية، 1328هـ، ج1، ص7، و علاء الدين ابن عابدين (ت 1306هـ)، علاء الدين، الهدية العلائية، ص25، ومنية المصلي ص14، وغرر الأحكام 1: 11.
2.المقارنة بين يديه وبين التكبيرة والرفع عند تكبيرة التحريمة، والمعتمد سبق رفع اليدين للتكبير (¬1).
3.جواز إحياء الموات بأن لم يسمع الصّوت فيها إن نادى من أقصى العامر، وهو المعتمد (¬2).
4.وجوب نفقة الزوجة بعد تسليمها نفسها للزوج، والمعتمد أنَّها تجب بالعقد لا بالتسليم (¬3).
ب. عند محمد بن الحسن في أربع مسائل، وهي:
1.مقدار الكسوة للكفّارة أدنى ثوب تجزئ فيه الصَّلاة، والمعتمد أن تستر سائر الجسد (¬4).
2.ضمان شهود الأصل إن غلطوا في الشهادة، وهو المعتمد (¬5).
¬
(¬1) ينظر: القدوري، المختصر، ج 1، ص 66، والمرغيناني، الهداية، ج1، ص 46، والغرر1: 65، واللكنوي، عمدة الرعاية، ج1، ص 14.
(¬2) ينظر: القدوري، المختصر، ج 2، ص 219، والزيلعي، تبيين الحقائق، ج6، ص35.
(¬3) ينظر: القدوري، المختصر، ج 3، ص 91. وابن قطلوبغا، التصحيح والترجيح، ص363.
(¬4) ينظر: القدوري، المختصر، ج 4، ص 8. وابن عابدين، رد المحتار، ج3، ص726.
(¬5) ينظر: القدوري، المختصر، ج 4، ص 72. والحدادي، الجوهرة النيرة، ج2، ص239.
3.اعتبار القيمة في قسمة العقار سواء كان الطابق الأول لوحده أو الطابق الثاني لوحده أو الطابق الأول والطابق الثاني معاً، وهو المعتمد (¬1).
4.جحود الوصية لا يكون رجوعاً، وهو معتبر (¬2).
ج. الحسن بن زياد في خمس مسائل، وهي:
1.وجوب التضحية للغني عن نفسه وجميع أولاده الصغار، والمعتمد عن نفسه فقط (¬3).
2.عدم جواز استثناء مقدار معلوم في بيع الثمار، والمعتمد جوازه (¬4).
3.ضمان المضارب إن دفع لغيره مضاربة بغير إذن رب المال إن ربح المضارب الثاني، والمعتمد الضمان بالعمل (¬5).
¬
(¬1) ينظر: القدوري، المختصر، ج 4، ص 102. والميداني، اللباب، ج 2، ص 286.
(¬2) ينظر: القدوري، المختصر، ج 4، ص 179. وشيخ زاده، مجمع الأنهر، ج2، ص695.
(¬3) ينظر: القدوري، المختصر، ج 3، ص 232. ومحمد بن أبي سهل السرخسي (ت500هـ)، المبسوط، بيروت، دار المعرفة، 1406هـ، ج12، ص 12.
(¬4) ينظر: القدوري، المختصر، ج 2، ص 10. والنسفي، كنز الدقائق، ص97، والحلبي، ملتقى الأبحر، ص109، ومحمد بن عبد الله الخطيب التُّمُرْتاشي (ت1004هـ)، تنوير الأبصار وجامع البحار، مطبعة الترقي بحارة الكفارة، 1332هـ، ص126.
(¬5) ينظر: القدوري، المختصر، ج 2، ص 134. وابن قطلوبغا، التصحيح والترجيح، ص271.
4.نفقة البنت البالغة والابن البالغ المريض مرضاً مزمناً على الأب والأم، الأب يدفع الثُّلثين والأُم تدفع الثُّلث، والمعتمد أنَّ كل النفقة على الأب (¬1).
5.قيمة نصاب السَّرقة عشرة دراهم مضروبة أو غيرَ مضروبة، والمعتمد أنَّها مضروبة (¬2).
د. زفر بن هذيل في مسألة واحدة، وهي:
ركن الهبة الإيجاب والقَبول، والمعتمد أنَّها الإيجاب (¬3).
هـ. الحسن بن صالح في مسألة واحدة، وهي:
لزوم نفقة الصغار على الأب ولو أنفق غيره يرجع على الأب، والمعتمد أنَّها دائماً على الأب مالم يكن زمناً (¬4).
الثالثة: مخالفته للمعتمد في الفتوى لرسم المفتي عادة تمسكاً بظاهر الرواية:
فاهتمام المتون بنقل قول المجتهد المطلق أكثر من اهتمامها ببيان
¬
(¬1) ينظر: القدوري، المختصر، ج 3، ص 106. والميداني، اللباب، ج 2، ص 100.
(¬2) ينظر: القدوري، المختصر، ج 3، ص200 - 201. والمرغيناني، الهداية، ج5، ص 355 - 356، والحدادي، الجوهرة النيرة، ج2، ص164.
(¬3) ينظر: القدوري، المختصر، ج 2، ص 171. والزيلعي، تبيين الحقائق، ج 5، ص 91.
(¬4) ينظر: القدوري، المختصر، ج 3، ص 99. وابن عابدين، رد المحتار، ج3، ص615.
المعتمد في الفتوى؛ لأنَّها لتحرير أصل المذهب، وهذا ظاهرٌ في منهج القُدُوريّ، فقد التزم في مسائل عديدة ذكر ظاهر الرواية وإنَّما لم يكن معتمداً في الفتوى على قواعد الرسم، وأحصيت عليه خمسة وعشرين مسألة في ذلك، وهي:
أ. المسائل المخالفة للعرف، وهي تسع:
1.سقوط خيار الرّؤية برؤية صحن الدَّار بدون غرفها، والمعتمد أنَّها بدخول الغرف (¬1).
2.الضرب في الأعداد لتكثير الأجزاء، والمعتمد أنَّها لتكثير المعدود (¬2).
3.من أوصى بسهم في ماله، فالسَّهم هو أقلُّ سهام الورثة ما لم ينقص عن السُّدس فيكون له السُّدس في الوصية، والمعتبر أنَّه مثل الجزء (¬3).
5.عدم جواز بيع دود القز والنحل منفرداً، والمعتمد أنَّه يجوز بيعها (¬4).
¬
(¬1) ينظر: القدوري، المختصر، ج 2، ج 17. والعيني، البناية، ج8، ص91.
(¬2) ينظر: القدوري، المختصر، ج 1، ص 129. وابن عابدين، رد المحتار، ج2، ص439.
(¬3) ينظر: القدوري، المختصر، ج 4، ص 176. والميداني، اللباب، ج 2، ص 342.
(¬4) ينظر: القدوري، المختصر، ج 2، ص 46. وابن قطلوبغا، التصحيح والترجيح، ص233.
6.عدم جواز استثناء مقدار معلوم في بيع الثمار، والمعتمد جوازه (¬1).
7.التّقدير في التّعريف للقطة بالأيام في أقلّ من عشرة دراهم وبالشهر في عشرة دراهم فأكثر وبالسّنة في مئة فأكثر، والمعتمد أنَّها مفوضة لتقدير الملتقط (¬2).
8.تصديق القاضي للزوج القائل لزوجته: أنت عليّ حرام أنَّه أراد الكذب، والمعتمد أنَّه لا يصدق (¬3).
9.تصديق القاضي للزوج القائل لزوجته: أنت عليّ حرام أنَّه أراد به التحريم، والمعتمد أنَّه لا يصدق (¬4).
1.مقدار الكسوة للكفّارة أدنى ثوب تجزئ فيه الصَّلاة، والمعتمد أن تستر سائر الجسد (¬5).
11.عدم التعزير بالشَّتم بـ «يا حمار» و «يا خنزير»، والمعتمد أنَّه يعزر إن لحقه الشين بهذا الشتم كالأشراف (¬6).
¬
(¬1) ينظر: القدوري، المختصر، ج 2، ص 10. والنسفي، كنز الدقائق، ص97، والحلبي، ملتقى الأبحر، ص109، والتمرتاشي، تنوير الأبصار، ص126.
(¬2) ينظر: القدوري، المختصر، ج 2، ص 208. والمرغيناني، الهداية، ج2، ص 175، وصدر الشريعة، شرح الوقاية، 3: 271، وابن قطلوبغا، التصحيح والترجيح، ص304 - 305.
(¬3) ينظر: القدوري، المختصر، ج 3، ص 62. وابن قطلوبغا، التصحيح والترجيح، ص349
(¬4) ينظر: القدوري، المختصر، ج 3، ص 63. وابن قطلوبغا، التصحيح والترجيح، ص349.
(¬5) ينظر: القدوري، المختصر، ج 4، ص 8. وابن عابدين، رد المحتار، ج3، ص726.
(¬6) ينظر: القدوري، المختصر، ج 3، ص 198. والمرغيناني، الهداية، ج5، ص 347.
ب. المسائل المخالفة لفساد الزمان، وهي ست:
1.كراهة حضور الجماعات للشابات مطلقاً وللعجائز في الظهر والعصر، والمعتمد المنع مطلقاً (¬1).
2.تسليم المكفول به في السّوق، والمعتمد التسليم في مجلس القاضي (¬2).
3.قبض الوكيل بالخصومة، والمعتمد عدم القبض (¬3).
4.صحة تزويج المرأة نفسها من غير الكفء وللأولياء الاعتراض والتفريق بينهما، والمعتمد عدم صحة النكاح (¬4).
5.ابتداء العدة عقيب الطلاق في الطلاق والوفاة في الوفاة، والمعتمد أنَّها من وقت الإقرار (¬5).
¬
(¬1) ينظر: القدوري، المختصر، ج 1، ص 81. والزيلعي، تبيين الحقائق، ج1، ص140، والتمرتاشي، تنوير الأبصار، ص380، وإبراهيم ابن نجيم المصري زين الدين (ت970هـ)، البحر الرائق شرح كَنْز الدقائق، بيروت، دار المعرفة، بدون تاريخ طبع، ج1، ص380، ابن عابدين، رد المحتار، ج1، ص380.
(¬2) ينظر: القدوري، المختصر، ج 2، ص 153. والبابرتي، العناية، ج7، ص 169.
(¬3) ينظر: القدوري، المختصر، ج 2، ص 150. والميداني، اللباب، ج 1، ص 303.
(¬4) ينظر: القدوري، المختصر، ج 3، ص 14. والفتح 3: 157، ومحمد بن علي بن محمد الحصكفي (ت1088هـ)، الدر المختار شرح تنوير الأبصار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج2، ص27، وابن عابدين، رد المحتار، ج2، ص297، والوقاية ص290.
(¬5) ينظر: القدوري، المختصر، ج 3، ص 84. الحدادي، الجوهرة النيرة، ج2، ص78.
6.حق الحضانة للأم والجدة في الصبية حتى تحيض، والمعتمد أنَّها حتى تُشتهي (¬1).
ج. المسائل المخالفة للمصلحة، وهي مسألتان:
1.كراهة التَّعشير والنقط، والمعتمد عدم الكراهة (¬2)، والتعشير: جمع العواشر في المصحف، وهو كتابة العلامة عند منتهى عشر آيات، والنقط: نقط المكتوب ينقط (¬3).
2.غيبة الولي أن يكون في بلد لا تصل إليه القوافل في السنة إلا مرة واحدة، والمعتمد في الغيبة فوات الخاطب الكفؤ (¬4).
د. المخالفة لدفع الحرج والتيسير، وهي أربع:
1.طهارةُ النَّجاسة ذات الجرم الجافة في النّعل بالدَّلك، والمعتمد طهارة الجرم الجاف والرطب (¬5).
¬
(¬1) ينظر: القدوري، المختصر، ج 3، ص 103. والميداني، اللباب، ج 2، ص 98.
(¬2) ينظر: القدوري، المختصر، ج 4، ص 160. والكاساني، بدائع الصنائع، ج5، ص 127، النسفي، كنز الدقائق، ج6، ص30، والزيلعي، تبيين الحقائق، ج6، ص 30.
(¬3) ينظر: العيني، البناية، ج12، ص 234.
(¬4) ينظر: القدوري، المختصر، ج 3، ص 12. والمرغيناني، الهداية، ج1، ص 200، والفتح2: 185، والدر المنتقى1: 339.
(¬5) ينظر: القدوري، المختصر، ج 1، ص 50. وصدر الشريعة، شرح الوقاية، ص130.
2.منع الزوج والدي المرأة من زيارتها في بيته، والمعتمد من زيارتها كل أسبوع مرة (¬1).
3.عدم التفريق بين الزوجين بسبب عسرة الزوج، والمعتمد جواز التفريق (¬2).
4.وجوب العلم بما في الكتاب والختم بحضرة الرسل في كتاب القاضي إلى القاضي، والمعتمد لا يشترط العلم والختم (¬3).
الرابعة: الترجيح بأصول البناء لمسائل مخالفاً للمعتمد في المذهب أحياناً:
يندرج في هذا القسم المسائل التي سبق ذكرها مخالفاً فيها لظاهر الرواية؛ إذا كان سبب مخالفته اعتماده على أصل في البناء مختلفٌ عن الأصل الذي بنيت عليه في ظاهر الرواية، وكذلك يندرج فيه بعض المسائل التي سبق ذكرها واختار فيها قول أحد أصحاب أبي حنيفة - رضي الله عنهم -، فكان اختياره لقوله ترجيحاً لأصله في بناء المسألة.
ونضيف هاهنا مسائل أخرى اختارها لم تذكر فيما سبق، وهي:
¬
(¬1) ينظر: القدوري، المختصر، ج 3، ص 95. والمرغيناني، الهداية، ج4، ص 398، والزيلعي، تبيين الحقائق، ج3، ص 59.
(¬2) ينظر: القدوري، المختصر، ج 3، ص 96. وصدر الشريعة، شرح الوقاية، 3: 546.
(¬3) ينظر: القدوري، المختصر، ج 4، ص 85. والمرغيناني، الهداية، ج7، ص 292.
1.إجزاءِ السُّجودِ على الأنفِ بغيرِ عذر، والمعتمد لا يجزئ السجود إلا على الجبهة (¬1).
2.لزوم الإجار في شهر جديد بدخول ساعة منه، والمعتمد اللزوم بعد مرور يوم وليلة (¬2).
3.تضمين ربّ المال للمضارب الأول إن دفع المال مضاربة بدون إذن رب المال، والمعتمد أنَّه مخير بتضمين المضارب الأول أو الثاني (¬3).
4.اشتراط رضا المحتال له في الحوالة، والمعتمد عدم الاشتراط (¬4).
5.استحباب المراجعة لمن طلق زوجته في الحيض، والمعتمد الوجوب (¬5).
6.اعتبار حال الزوجة في المتعة، والمعتمد اعتبار حال الزوج (¬6).
7.الحلف بصفات الذات يكون يميناً والحلف بصفات الفعل لا يكون يميناً، والمعتمد الحلف بالصفات المتعارف عليها (¬7).
¬
(¬1) ينظر: القدوري، المختصر، ج 1، ص70. وكمال الدراية ق40/ب.
(¬2) ينظر: القدوري، المختصر، ج 2، ص 99. والميداني، اللباب، ج 1، ص 257.
(¬3) ينظر: القدوري، المختصر، ج 2، ص 134. وابن قطلوبغا، التصحيح والترجيح، ص271.
(¬4) ينظر: القدوري، المختصر، ج 2، ص 160. والمرغيناني، الهداية، ج7، ص 240.
(¬5) ينظر: القدوري، المختصر، ج 3، ص 39. والميداني، اللباب، ج1، ص401.
(¬6) ينظر: القدوري، المختصر، ج 3، ص 15. والسرخي، المبسوط، ج6، ص64.
(¬7) ينظر: القدوري، المختصر، ج 4، ص 5. وابن نجيم، البحر الرائق، ج4، ص 307.
الخامسة: ذكره لأقوال أُخر غير قول أبي حنيفة تقويةً لها إجمالاً، فيكون فيه نوع اعتبار لها.
اختلف منهج القُدُوريّ عمّن جاء بعده من أصحاب المتون فإنه ذكر الخلاف في العديد من المسائل بين أبي حنيفة وصاحبيه، وسكت عن الخلاف في أُخرى، فهل يفيد الإشارة إلى تقوية الأقوال الأخرى التي ذكرها، بحيث يكون لها نوع اعتبار؛ ولذلك اهتمّ بذكرها في «متنه المختصر»، فتقرير ذلك يحتاج إلى دراسة خاصّة تقوم بدراسة جميع أقواله، ولكنني هاهنا رغبت الإشارة إلى هذا الملحظ المهم لمن يقرأ ويبحث في «مختصر القُدُوريّ»، فعملت دراسة جزئية على ثلاث عشرة مسألة فرأيت أن مَن ذكر أقوالهم لها اعتبارٌ في المذهب، وهذه المسائل هي:
1.ذكر قول محمد في سقوط الشفعة إن ترك طلب التقرير شهراً، قال القُدُوريّ (¬1): «لم تسقط الشفعة بالتأخير عند أبي حنيفة، وقال محمّد: إن تركها بعد الإشهاد شهراً بطلت»؛ لما فيه من دفع الضرّر عن المشتري، وتقديرُه بالشَّهر؛ لأنَّه يُسْتَكْثَرُ عادة، وهو رواية عن أبي يوسف، وقال شيخ الإسلام وقاضي خان: به يفتى، واختاره المحبوبي (¬2)، وصدر
¬
(¬1) القدوري، المختصر، ج 2، ص 108.
(¬2) ينظر: صدر الشريعة، شرح الوقاية، ص790.
الشريعة (¬1)، وصاحب «الذخيرة» و «المحيط» و «الخلاصة» و «المضمرات» و «المغني»، وقال الشُّرُنْبُلاليّ (¬2): «إنَّه أصحُّ ما يُفتى به»، وإليه مال ابنُ عابدين (¬3)، وأيده.
وقول أبي حنيفة، وهو ظاهرُ المذهب: عدم سقوط الشُّفعة وإن ترك طلب التقرير أي مدّة كانت، قال ابن قطلوبغا (¬4): «وعليه الفتوى، واعتمده النَّسفي كذلك، لكن صاحب «الهداية» خالف هذا في «مختارات لنوازل»، وقال: إنَّ الفتوى على قول محمّد. ومثله قال الحسام الشهيد في «الصغرى»، ووقع نظير ذلك للحسام الشَّهيد فقال في «الواقعات»: لا تبطل أبداً، وبه نأخذ، وقال في «الصُّغرى»: والفتوى اليوم على قولهما، فيحمل على الرُّجوع إلى هذا».
فكان قولُ محمّد هو الأقوى وإن كان خلاف ظاهر المذهب؛ لما فيه من دفع الضَّرر عن المشتري.
¬
(¬1) صدر الشريعة، النقاية، ص251.
(¬2) حسن بن عمار بن علي الشرنبلالي (ت1069هـ)، غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام (الشرنبلالية)، در سعادت، 1308هـ، وأيضاً: طبعة الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ، ج2، ص 210.
(¬3) ابن عابدين، رد المحتار، ج5، ص144.
(¬4) ابن قطلوبغا، التصحيح والترجيح، ص262 - 263.
2.ذكر قول الصاحبين في مدّة الرضاع، وهي سنتان، قال القُدُوريّ (¬1): «ومدّة الرّضاع عند أبي حنيفة ثلاثون شهراً، وقالا: سنتان».
وقول الصاحبين هو الأكثر اعتماداً في الفتوى، وقال الطَّرابلسيُّ وابنُ الهمام وابن قطلوبغا: «به يفتى» (¬2)، وقال التُّمرتاشيّ (¬3): «وهو الأصحّ»، وذكر الحداديّ أنَّ الفتوى على قول أبي حنيفة (¬4)، قال ابنُ عابدين (¬5): «حاصلُه أنَّهما قولان أُفتي بكلٍّ منهما».
3.ذكر قول محمد في نزح مئتي دلو فيما لو كان البئر مَعيناً، قال القُدُوريّ (¬6): «وإن كانت البئرُ مَعيناً لا تُنزح، ووَجَب نزح ما فيها أَخرجوا مقدار ما كان فيها من الماء، وقد رُوِي عن مُحمّد بن الحسن أنه قال: يُنزح منها مئتا دلو إلى ثلاثمئة».
وصحّح الرازيّ قول أبي حنيفة، واختاره صاحبُ «تحفة الملوك» (¬7).
¬
(¬1) القدوري، المختصر، ج 3، ص 31.
(¬2) ينظر: الشرنبلالي، غنية ذوي الأحكام، ج1، ص355، والحصكفي، الدر المختار، ج2، ص403.
(¬3) التمرتاشي، تنوير الأبصار، ص65.
(¬4) ينظر: الحصكفي، الدر المختار، ج3، ص403.
(¬5) ابن عابدين، رد المحتار، ج1، ص403.
(¬6) القدوري، المختصر، ج 1، ص 27.
(¬7) الرازي، تحفة الملوك، ص49.
واختار قول محمدٍ الشُّرُنْبُلاليُّ (¬1)، والنَّسفيّ (¬2)، والموصلي (¬3)، وقال الحلبي (¬4): «وبه يفتى»، وكان المشايخ إنَّما اختاروا قول محمد؛ لانضباطه كالعشر تيسيراً (¬5).
4.ذكر قول الصّاحبين في جواز المسح على الجوربين الثخينين، قال القُدُوريّ (¬6): «ولا يجوز المسح على الجَوْرَبين عند أبي حنيفة إلا أن يكون مُجلَّدين (¬7) أو مُنعَّلَيْن (¬8)، وقالا: يجوز المسح على الجَوْرَبين إذا كانا ثَخِينَيْن لا يشفّان (¬9) الماء».
¬
(¬1) الشرنبلالي، نور الإيضاح، ج1، ص 80.
(¬2) النسفي، كنز الدقائق، ص5.
(¬3) عبد الله بن محمود الموصلي (ت683هـ)، الاختيار لتعليل المختار، تحقيق: زهير عثمان، دار الأرقم، بدون تاريخ طبع، ج1، ص27.
(¬4) الحلبي، ملتقى الأبحر، ص5.
(¬5) ينظر: الميداني، اللباب، ج 1، ص 27.
(¬6) القدوري، المختصر، ج 1، ص 40.
(¬7) المجلد: وهو الذي وضع الجلد على أعلاه وأسفله. ابن عابدين، رد المحتار، ج1، ص179.
(¬8) المنعل: وهو الذي وضع الجلد على أسفله. أحمد بن سليمان بن كمال باشا الرُّوميّ (ت940هـ)، إيضاح الإصلاح، العراق، من مخطوطات مكتبة الأوقاف العامة ببغداد، برقم (10642)، ق7/ب.
(¬9) أي: لا يجذبانه وينفذانه إلى القدمين إلى القدمين، وهو تأكيد للثخانة. كما في الميداني، اللباب، ج 1، ص 35، وفي إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحَلَبي (ت956هـ)، غنية المستملي شرح منية المصلِّي، مطبعة سنده، 1295هـ، ص120: «فإنَّ الجورب إذا كان بحيث لا يجاوز الماء منه إلى القدم فهو بمنزلة الأديم والصرم في عدم جذب الماء إلى نفسه إلا بعد لبث أو دلك، بخلاف الرقيق فإنه يجذب الماء وينفذه إلى الرجل في الحال». علاء الدين، الهدية العلائية، ص39: «منعهما وصول الماء إلى الجسد إذا مسح عليهما». وفي ابن عابدين، رد المحتار، ج1، ص261: «ومنعهما وصول الماء إلى الرجل».
واختار عامة علماء المذهب قول الصاحبين، وحكوا رجوع أبي حنيفة لقولهما، كما ذكر السَّرَخْسَيّ (¬1) والكاسانيّ (¬2)، وقال الصَّدرُ الشَّهيد: «وعليه الفتوى» (¬3)، وقال المَرغينانيّ (¬4): «وعن الإمام أنَّه رجع إلى قولهما، وعليه الفتوى».
5.ذكر قول أبي يوسف في وقف نصيب ابن واحد للحمل، قال القُدُوريّ (¬5): «وَمَن مات وتَرَكَ حَمْلاً وولداً وُقِفَ مالُه حتى تضعَ امرأتُه في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: نصيب ابن واحد، وقال مُحمّد: نصيبُ ابنين».
وجعلوا الفتوى على قول أبي يوسف، قال العَيْنِيّ (¬6): «وعليه الفتوى؛ لأنَّه الغالبُ ولادة ولد واحد، والعبرة للغالب»، قال
¬
(¬1) السرخي، المبسوط، ج1، ص102.
(¬2) الكاساني، بدائع الصنائع، ج1، ص11.
(¬3) ينظر: الشرنبلالي، غنية ذوي الأحكام، ج1، ص36.
(¬4) المرغيناني، الهداية، ج1، ص 157.
(¬5) القدوري، المختصر، ج 4، ص 199.
(¬6) محمود بن أحمد العَيْنِي بدر الدين (ت855هـ)، منحة السلوك في شرح تحفة الملوك، تحقيق: محمد فاروق البدري، جامعة بغداد، رسالة ماجستير، بإشراف: د. محيي هلال السرحان، 1421هـ، ج3، ص 285.
الإسبيجابي وصاحب «الحقائق» و «المحيط»: وعليه الفتوى، وهو مختار الصدر الشهيد، وبه أفتى قاضي خان، وهو المختار (¬1).
6.ذكر قول الصَّاحبين ببلوغ الغلام والجارية بخمسة عشر سنة، قال القُدُوريّ (¬2): «وبلوغ الغلام بالاحتلام ... فإن لم يوجد ذلك فمتى يتمّ له ثمانية عشرة سنة عند أبي حنيفة، وبلوغ الجارية بـ ... الحيض ... فإن لم يوجد ذلك فحتى يتمّ لها سبع عشرة سنة، قالا: إذا تمّ للغلام والجارية خمسة عشر سنة فقد بلغا».
وصرَّح علماءُ المذهب بالفتوى على قول الصَّاحبين باعتبار مدّة البلوغ بخمسة عشرة سنة، قال البرهاني: «وبه يفتى»، وقال النَّسَفيُّ: «ويُفتى بالبلوغ فيهما بخمسَ عشرةَ سنة»، وقال صدرُ الشَّريعة: «به يُفتى»، وقال ابنُ ملك: «وقولهما رواية عن أبي حنيفة، وعليه الفتوى» (¬3).
7.ذكر قول الصَّاحبين في استمرار التكبيرات إلى آخر أيام التشريق، قال القُدُوريّ (¬4): «وتَكبيرُ التَّشريق أَوَّله عقيب صلاة الفجر من يوم عرفة، وآخرُه عَقيب صلاة العصر من يوم النَّحر عند أبي حنيفة. وقالا: إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق».
¬
(¬1) ينظر: الميداني، اللباب، ج 2، ص 357.
(¬2) القدوري، المختصر، ج 2، ص 71.
(¬3) ينظر: ابن قطلوبغا، التصحيح والترجيح، ص243.
(¬4) القدوري، المختصر، ج 1، ص118.
ورجَّح المجتهدون قول الصَّاحبين، قال الحَلَبيّ (¬1): «وعليه العمل»، وقال الحَصْكَفيّ (¬2): «وعليه الاعتماد والعمل والفتوى في عامّة الأمصار وكافّة الأعصار»، فعن عمير بن سعيد - رضي الله عنه - قال: «قدم علينا ابنُ مسعود - رضي الله عنه -، فكان يُكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صَلاة العصر من آخر أيّام التَّشريق» (¬3)، وعن ابن عَبّاس - رضي الله عنهم -: «أنَّه كان يُكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التَّشريق» (¬4). ورجَّح ابنُ الهُمام (¬5) قول أبي حنيفة.
8. ذكر قول الصاحبين في اشتراط التزكية في عدالة الشّاهد، قال القُدُوريّ (¬6): «وقال أبو حنيفة: يقتصر الحاكمُ على ظاهرِ عدالةِ المسلم ... وقالا: لا بُدَّ أن يسأل القاضي عنهم في السّرِّ والعلانيّة طعن الخصم أو لم يطعن».
واعتمد قول الصاحبين عامة الكتب، قال: «والفتوى اليوم على قولهما; لأنَّ الفسادَ في هذا العصر أَكثر»، قال في «الهداية»: وقيل: هذا اختلاف عصر وزمان، والفتوى على قولهما في هذا الزمان، ومثلُه في
¬
(¬1) الحلبي، ملتقى الأبحر، ص25.
(¬2) الحصكفي، الدر المختار، ج1، ص 564.
(¬3) محمد بن عبد الله الحاكم (ت405هـ)، المستدرك على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبد القادر، بيروت، دار الكتب العلمية، 1411هـ، (ط1)، ج1، ص 440، وصحّحه.
(¬4) الحاكم، المستدرك، ج 1، ص 440، وصححه.
(¬5) ابن الهمام، فتح القدير، ج2، ص 49.
(¬6) القدوري، المختصر، ج 4، ص 57 - 58.
«الجواهر» و «شرح الإسبيجابي» و «شرح الزاهدي» و «الينابيع»، وقال الصدر الشهيد في «الكبرى»: والفتوى اليوم على قولهما، ومثله في «شرح المنظومة» للسديدي و «الحقائق» و «قاضي خان» و «مختار النوازل» و «الاختيار» و «البرهاني» و «صدر الشريعة»» (¬1).
9.ذكر قول الصاحبين في الاستحلاف في المسائل الست، قال القُدُوريّ (¬2): «لا يستحلف عنده في النكاح والرجعة والفيء في الإيلاء والرقّ والاستيلاد (¬3) والنسب والولاء (¬4) والحدود (¬5)، وعندهما: يُستحلفُ في ذلك كلّه إلاّ في الحدود».
¬
(¬1) ينظر: الميداني، اللباب، ج 2، ص 252.
(¬2) القدوري، المختصر، ج 4، ص 31.
(¬3) وصورة الاستيلاد: أن تقول الجارية: أنا أم ولد لمولاي، وهذا ابني منه، وأنكر المولى؛ لأنَّه لو ادّعى المولى ثبت الاستيلاد بإقراره ولا يلتفت إلى إنكارها، كما في المرغيناني، الهداية، ج8، ص 183.
(¬4) وصوره هذه المسالة: أي ادّعى رجلٌ على امرأة أنَّه تزوَّجها وأنكرت أو بالعكس, أو ادَّعى بعد الطلاق وانقضاء العدّة أنَّه راجعها في العدة وأنكرت أو بالعكس, أو ادّعى بعد انقضاء مدّة الإيلاء أنَّه فاء إليها في المدة وأنكرت أو بالعكس, أو ادعى على مجهول أنَّه عبده أو ادعى المجهول ذلك أو اختصما على هذا الوجه في ولاء العتاقة أو الموالاة, أو ادّعت المرأة على زوجها أنَّه قذفها بما يوجب اللعان وأنكر الزوج, أو ادعى على رجل ما يوجب الحدّ وأنكره فإنَّه لا يستحلف. ينظر: البابرتي، العناية، ج8، ص 181.
(¬5) لأنَّه لا يقضى فيها بالنكول والنكول قائم مقام الإقرار, وفي الحدود التي هي لله تعالى خالصاً لا يجوز إقامتها بالإقرار بعد الرجوع فكيف يقام بالنكول والنكول قائم مقام الإقرار، كما في السرخي، المبسوط، ج16، ج117.
وهذا بناء على أصل، وهو أنَّ فائدة الاستحلاف القضاء بالنكول، والنكول بذل عنده تقديراً؛ لأنَّ الظاهرَ صرفه في الإنكار، وإنَّما امتنع عن اليمين تورّعاً وتحرزاً، فجعل باذلاً، والبذل لا يجري في هذه الأشياء، فكذا ما قام مقامه.
وعندهما: النكول إقرار تقديراً؛ لأنَّ الامتناعَ عن اليمين الواجبة إنَّما يكون لأمر واجب منه، وهو الاحتراز عن اليمين الفاجرة، فيجعل مقرّاً، والإقرارُ يجري في هذه الأشياء.
والمعتمد في المذهب قول الصاحبين، قال قاضي خان: «الفتوى على أنَّه يستحلف في الأشياء الست» (¬1)؛ لعموم البلوى، وقال في «الفتاوى الكبرى»: «وعليه الفتوى وهو مختار أبي الليث»، وكذا قال في «التتمة»: «اختار ... الصدر الشهيد اختار قولهما»، وقال الإمام الزوزني: «والفتوى على هذا»، قال الزوزني: «وبه كنت أعمل بالري وبأصبهان»، واعتمده الزيلعي، واختار فخر الإسلام علي البزدويّ قولهما للفتوى (¬2).
10.ذكر قول الصاحبين في وقف المنقول، قال القُدُوريّ (¬3): «ويصحُّ وقف العقار، ولا يجوز وقفُ ما يُنقل ويُحَوَّل، وقال أبو يوسف:
¬
(¬1) ينظر: النسفي، كنز الدقائق، ج4، ص297.
(¬2) ينظر: ابن قطلوبغا، التصحيح والترجيح، ص427 - 428.
(¬3) القدوري، المختصر، ج 2، ص 182 – 183.
إذا وقف ضيعة ببقرها وأَكْرَتها (¬1) وهم عبيده جاز، وقال مُحمّد: يجوز حبس الكُراع (¬2) والسِّلاح».
والمعتمد في المذهب: رواية عن محمد يجوز وقف ما فيه تعامل من المنقولات: كالفأس والقُدوم والمنشار والجنازة وثيابها والقدور والمراجل والمصاحف؛ لأنَّ القياس قد يترك بالتَّعامل كما في الاستصناع, وقد وجد التعامل في هذه الأشياء، وعن نصير بن يحيى: أنَّه وقف كتبه إلحاقاً لها بالمصاحف, وهذا صحيح؛ لأنَّ كلَّ واحد يمسك للدين تعليماً وتعلماً وقراءة, وأكثر فقهاء الأمصار على قول محمد (¬3)،قال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «وأما خالد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله» (¬4).
11.ذكر قول الصاحبين بلزوم الوقف، قال القُدُوريّ (¬5): «لا يزول ملك الواقف عن الوقف عند أبي حنيفة إلاّ أن يحكم به الحاكمُ أو يُعلِّقَه بموتِهِ فيقول: إذا متُّ فقد وَقَفْتُ داري على كذا، وقال أبو يوسف:
¬
(¬1) من أكرت الأرض حرثها، واسم الفاعل أَكَّار، كما في المصباح ص17، وهو الفلاح: أي عمالها، كما في الميداني، اللباب، ج 1، ص 334.
(¬2) الكُراع: ما دون الكعب من الدواب وما دون الركبة من الإنسان، ثمّ سمّي به الخيل خاصة، ناصر بن عبد السيد المُطَرِّزِىّ (ت616هـ)، المغرب في ترتيب المعرب، بيروت، دار الكتاب العربي، ص407.
(¬3) ينظر: البابرتي، العناية، ج6، ص 216 - 217.
(¬4) في البخاري، الصحيح، ج2، ص 525 معلّقاً.
(¬5) القدوري، المختصر، ج 2، ص 180.
يزول ملك الواقف بمجرد القول، وقال مُحمّد: لا يزول الملك حتى يُجْعَل للوقف وليّاً ويُسلِّمه إليه».
والمعتمد في المذهب: قول الصاحبين بلزوم الوقف، فيكون حبس العين على حكم ملك الله - جل جلاله - (¬1)، وفي «التتمة»: والمعول والفتوى على قولهما، «حقائق» (¬2)، وقال صدر الشريعة (¬3): «وعليه الفتوى»، قال ابن قطلوبغا (¬4): «إنَّ الفتوى في جواز الوقف على قول أبي يوسف ومحمد ... وقال في «مختارات النوازل»: والفتوى اليوم على إمضائه، وقال في «الخلاصة»: وأكثر أصحابنا أخذوا بقولهما، وقال في «منية المفتي»: الفتوى في الوقف على قولهما»، يدلّ عليه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين أراد وقف أرض له: «تصدق بأصلها، لا يباع ولا يورث ولا يوهب» (¬5).
12.ذكر قول الصاحبين في جواز المزارعة، قال القُدُوريّ (¬6): «قال أبو حنيفة: المزارعةُ بالثُّلث والرُّبع باطلة، وقالا: جائزة».
¬
(¬1) ينظر: الزيلعي، تبيين الحقائق، ج1، ص 325.
(¬2) ينظر: ابن الشلبي، حاشية الشلبي، ج3، ص325.
(¬3) صدر الشريعة، شرح الوقاية، ج3، ص287.
(¬4) ابن قطلوبغا، التصحيح والترجيح، ص288.
(¬5) في البخاري، الصحيح، ج3، ص 1017، ومسلم، الصحيح، ج3، ص1225.
(¬6) القدوري، المختصر، ج 2، ص 228.
والمعتمد في المذهب: قول الصاحبين؛ لأنَّها عقدٌ شركة بمال من أحد الشريكين، وعملٍ من الآخر، فيجوز اعتباراً بالمضاربة، والجامع دفع الحاجة (¬1)، قال المحبوبي (¬2): «والفتوى على قولهما»، وقال ابنُ قطلوبغا (¬3): «والفتوى على قولهما، قاله قاضي خان ... »، وقال في «الخلاصة»: «والمزارعة جائزة على قولهما، والفتوى على قولهما»، وقال في «مختارات النوازل»: « ... وهو اختيار مشايخ بلخ وهو الأصحّ، وعليه الفتوى»، وقال في «الحقائق»: «والفتوى على قولهما للتعامل»، وقال في «الصغرى»: «وفي المزارعة والمعاملة والوقف، الفتوى على قول أبي يوسف ومحمّد - رضي الله عنهم -، لمكان الضرورة والبلوى»، وقال في «التتمة»: «أخذ الفقيه أبو الليث بقول أبي حنيفة في الأجير المشترك إذا هلك عنده الشيء بلا بصنعه، وبه أفتي، وفي المزارعة والمعاملة والوقف الفتوى على قول أبي يوسف ومحمد - رضي الله عنهم - لمكان الضرورة والبلوى»، وقال في «الفتاوى الكبرى»: «المزارعة والمعاملة عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - فاسدتان، وعند أبي يوسف ومحمد - رضي الله عنهم - جائزتان، والفتوى على قولهما»، وقال في «الهداية»: «إلا أنَّ الفتوى على قولهما لحاجة الناس غليها، ولظهور تعامل الأمة بها، والقياس يترك بالتعامل، كما في الاستصناع»، وقال الإمام المحبوبيّ: «وصحَّت عندهما،
¬
(¬1) ينظر: الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص278.
(¬2) صدر الشريعة، شرح الوقاية، 5: 74.
(¬3) ابن قطلوبغا، التصحيح والترجيح، ص314.
وبه يفتى»، ومشى عليه النسفيّ»، فعن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المخابرة، قلت: وما المخابرة؟ قال: أن تأخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع» (¬1).
13.ذكر قول الصاحبين في ردِّ الزيوف وأخذ الجياد فيمَن له دين على غيره وقد دفع له زيوفاً بدل الجياد، قال القُدُوريّ (¬2): «ومَن كان له دين على غيره فأخذ منه مثل دينه فأنفقه، ثُمّ عَلِمَ أنّه كان زيوفاً فلا شيء له عند أَبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمّد: يردّ مثل الزيوف ويرجع بالجياد».
والزيوف: وهي المغشوشةُ التي يتجوّز بها التجّار، ويردّها بيت المال (¬3).
والمعتمد في المذهب: قول الصاحبين اعتباراً للمعادلة، قال الإسبيجابي: «وذكر في «الجامع الصغير» قوله محمد مع أبي حنيفة، وهو الصحيح»، واعتمده النسفيّ، لكن قال فخرُ الإسلام: «قولهما قياس وقول أبي يوسف استحسان»، وقال في «العيون»: «ما قاله أبو يوسف
¬
(¬1) أبو داود، السنن، ج2، ص283، و أحمد بن حنبل (ت241هـ)، مسند أحمد بن حنبل، مصر، مؤسسة قرطبة، ج5، ص 187، وقال الأرنؤوط: صحيح.
(¬2) القدوري، المختصر، ج 2، ص 57.
(¬3) ينظر: ابن عابدين، رد المحتار، ج3، ص133.
حسن وأدفع للضرر، فاخترناه للفتوى»، وقال في «المبسوط»: «وهو قول محمّد الآخر» (¬1).
السادسة: اقتصار على ذكر مجتهدين وعدم ذكر الثالث يدلُّ على اعتماد قولهما.
اكتفى بذكر قول الطّرفين في مسألةِ رجحان بيّنة الشَّفيع على بيّنة المشتري إن اختلفا في ثمن المشفوع به، قال القُدُوريّ (¬2): «فإن أَقاما البَيِّنةَ فالبَيّنةُ للشَّفيع عند أَبي حنيفة ومُحمّد».
والمعتمد في المذهب قولهما: قال ابنُ قُطْلُوبُغا (¬3): «ورجح دليلهما في الشروح، واعتمده المحبوبي والنسفي وأبو الفضل الموصلي وصدر الشريعة».
السابعة: ذكره لغير ظاهر الرِّواية بعد ذكر ظاهر الرِّواية يدلّ أنَّه المعتمد في الفتوى:
وهذا في مسألة تعليق وجوب الوفاء باليمين إن علّقه بشرطٍ لا يريد حصوله، كإن قال: عليَّ عشرة آلاف إن كلمت فلاناً، فكلّمه، فهو مخير بين الوفاء، وبين الكفارة في غير ظاهر الرواية، وفي ظاهر الرواية:
¬
(¬1) ينظر: ابن قطلوبغا، التصحيح والترجيح، ص239 - 240.
(¬2) القدوري، المختصر، ج 2، ص 115.
(¬3) ابن قطلوبغا، التصحيح والترجيح، ص264.
عليه الوفاء فحسب، قال القُدُوريّ (¬1): «وإن عَلَّقَ نذره بشرط فوجد الشرط فعليه الوفاءُ بنفس النذر، ورُوي أنَّ أبا حنيفة رجع عن ذلك، وقال: إذا قال: إن فعلت كذا فعليّ حجّة، أو عمرة، أو صوم سنة واحدة، أو صدقة ما أملكه أجزأه من ذلك كفّارة يمين، وهو قول محمّد».
والمعتمد في الفتوى رواية النوادر بالتخيير، حيث صح رجوع الإمام عن ظاهر الرواية من وجوب الوفاء، سواءٌ علقه بشرط يريده أو بشرط لا يريده، وبه كان يفتي إسماعيل الزاهد، وهو اختيار السرخسي (¬2)؛ لكثرة البلوى في زماننا، وقال ملا خسرو (¬3): «وبه يفتى»، وقال التُّمرتاشي (¬4): «وهو المذهب»، وقال شيخي زاده (¬5): «وفي أكثر المعتبرات هذا هو المذهب الصّحيح المفتى به»، والزَّيلعيُّ (¬6) والمحبوبيُّ: «هو الصَّحيح»، وابنُ نُجيم (¬7): «اختاره المحقّقون».
الثّامنة: عدم تقديم القول الرّاجح:
¬
(¬1) القدوري، المختصر، ج 4، ص 10.
(¬2) السرخي، المبسوط، ج8، ص136.
(¬3) ملا خسرو، درر الحكام، ج2، ص 43.
(¬4) التمرتاشي، تنوير الأبصار، ص69.
(¬5) شيخ زاده، مجمع الأنهر، ج1، ص548.
(¬6) الزيلعي، تببين الحقائق، 3: 110.
(¬7) ابن نجيم، البحر الرائق، ج2، ص63.
اعتاد بعضُ أصحاب الكتب التي لا تعتني بذكر الدّليل تقديم القول الرّاجح، كما فعل صاحب «الخانية» (¬1)، وصاحب «الملتقى» (¬2)، لكن القُدُوريّ لم يلتزم هذا في «مختصره»، فيمكن أن يؤخر القول الراجح، كما في مسألة ضمان الرهن، حيث أخر قول محمد فيها مع أنَّه الراجح، حيث قال (¬3): «فإن حبسَه فهلك في يدِه كان مضموناً ضَمانَ الرَّهن عند أَبي يوسف، وضمان المبيع عند محمّد، وعند زفر: ضمان الغصب».
وصورة القول المعتمد ضمان المبيع أنَّه يهلك بالثمن (¬4)، بأن يسقط الثمن قلّ أو كَثُر، وذلك أنَّ الوكيلَ يجعل كالبائع والموكّل كالمشتري منه، ويجعل المبيع كأنَّه هَلَكَ في يد البائع قبل التسليم إلى المشتري، فينفسخ البيع بين الوكيل والموكِّل، ولا يكون لأحدهما على الآخر شيءٌ كما في البائع والمشتري (¬5).
¬
(¬1) ينظر: حسَن بن مَنْصُور بن مَحْمُود الأُوزْجَنْدِيّ (ت592هـ)، الفتاوى الخانية، مصر، المطبعة الأميرية ببولاق، 1310هـ، ج1، ص2.
(¬2) ينظر: الحلبي، ملتقى الأبحر، ص2.
(¬3) القدوري، المختصر، ج 2، ص 143.
(¬4) ينظر: الزيلعي، تبيين الحقائق، ج 4، ص261.
(¬5) ينظر: الحدادي، الجوهرة النيرة، ج 1، ص302.
ورجَّح المرغينانيٌّ (¬1) دليلَ محمدٍ، واعتمده المحبوبيُّ والنَّسفيُّ والموصليُّ وصدرُ الشَّريعة (¬2).
التّاسعة: تفريعُه على قول ذكره من بين أقوال، فيه إشارةٌ إلى ترجيحه:
ومن أمثلة ذلك:
1.ذكر تفريع صلاة الاستقساء على قول الصاحبين من الجهر والخطبة وقلب الرداء للإمام، قال القُدُوريّ (¬3): «قال أبو حنيفة: ليس في الاستسقاء صلاةٌ مسنونةٌ في جماعةٍ ... ، وقال أبو يوسف ومُحمّد: يُصلِّي الإمامُ بالنّاس ركعتين يَجهر فيهما بالقراءةِ ثمّ يَخْطُبُ، ويستقبل القبلة بالدُّعاء، ويقلب الإمام رداءه، ولا يقلب القوم أرديتهم».
فهذا ترجيح منه لسنية صلاة الاستسقاء على قول الصاحبين بذكر هذه التفريعات، قال الطَّحطاويّ (¬4): «فأبو يوسف مع محمّد، وهو الأصحّ، كما في ابن أمير الحاج عن «البدائع»»، وقال ابن عابدين (¬5):
¬
(¬1) المرغيناني، الهداية، ج8، ص 41
(¬2) ينظر: الميداني، اللباب، ج 1، ص 297.
(¬3) القدوري، المختصر، ج 1، ص 120.
(¬4) أحمد بن محمد الطَّحْطَاوِيّ (ت1231هـ)، حاشية الطَّحْطَاوي على مراقي الفلاح، تحقيق: محمد عبد العزيز الخالدي، بيروت، دار الكتب العلمية، 1418هـ، (ط1)، ج2، ص183.
(¬5) ابن عابدين، رد المحتار، ج2، ص184.
«وعن أبي يوسف: روايتان، واختار القُدُوريّ قول محمّد؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك (¬1)، «نهر»، وعليه الفتوى، كما في «شرح درر البحار»، قال في «النهر»: وأمّا القوم فلا يقلبون أَرديتهم عند كافّة العلماء خلافاً لمالك».
2.ذكر تفريعات قول الصاحبين في الحَجر على السفيه، قال القُدُوريّ (¬2): «وقالا: يحجر على السفيه، ويُمنعُ من التَّصرُّف في ماله، فإذا باع لم ينفذ بيعُه، فإن كان فيه مصلحة أجازه الحاكم، وإن أَعْتَقَ عبداً نفذَ عتقه، وكان على العبدِ أن يَسْعَى في قيمتِه، وإن تزوَّجَ امرأة جاز نكاحُها، وإن سمَّى لها مهراً جاز منه مقدار مهر مثلها ويبطل الفضل».
وهذا ترجيح من القُدُوريّ بذكر كل هذه التفريعات، قال قاضي خان: والفتوى على قولهما، وقال ابن قطلوبغا: هذا صريح، وهو أقوى من الالتزام، اهـ، وقال ابنُ عابدين: ومرادُه أنّ ما وقع في المتون من القول بعدم الحجر تصحيح بالالتزام، وما وقع في قاضي خان من التصريح بأن الفتوى على قولهما تصريح بالتصحيح، فيكون هو المعتمد، اهـ. وفي «حاشية الشيخ صالح» ما نصّه: وقد صرَّح في كثير من المعتبرات بأن الفتوى على قولهما، اهـ. وفي القهستاني عن التوضيح: أنه
¬
(¬1) فعن المازني - رضي الله عنه -: «وحول رداءه - صلى الله عليه وسلم - فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن، ثم دعا الله - جل جلاله -» في أبو داود، السنن، ج1، ص372.
(¬2) القدوري، المختصر، ج 2، ص 69 - 70.
المختار، قال في «المنح»: وأفتى به البلخي وأبو القاسم، وجعل عليه الفتوى مولانا في «بحره»» (¬1).
الخاتمة:
بعد هذه الدراسة لمنهج القُدُوريّ توصلت للنتائج الآتية:
أولاً: يُعّدُّ مختصر القُدُوريّ من أهم متون الفقه الإسلامي عامة والفقه الحنفي خاصة، فهو من أكثرها تدريساً، وكُتِب عليه مئات الشروح، وهو الأساس لمتون الحنفية حتى كان بمثابة الأم لها، حتى كثر نظم العلماء له، وكثرت ترجمته إلى لغات مختلفة.
ثانياً: للقدوري منهج خاص في التأليف يمكن تلخيصه في النقاط الآتية:
1.جمعه لأهم المسائل في جميع الأبواب.
2.سهولة عبارته مع الإيجاز.
3.تكرارُ بعض المسائل أحياناً.
4.التقدير في مسائل التفويض في ظاهر الرواية.
5.الإيهام في العبارة أحياناً بحيث تفيد غير ما عليه المذهب.
¬
(¬1) ينظر: الميداني، اللباب، ج 1، ص 231.
6.عدم استيعاب أمهات المسائل في الموضوع.
7.استدلاله بالمعقول والمنقول في بعض المسائل.
8.تقريره لما هو أصل المذهب على ما كان الحال في زمن المجتهدين.
9.تساهله في تعبيراته في بعض الأحكام.
10.وجود الخطأ في التركيب للعبارة نادراً.
ثالثاً: للقدوي منهج خاص في الترجيح بين المسائل على العموم، وهو على النحو الآتي:
1.التزام ظاهر الرِّواية عند أبي حنيفة إلاّ نادراً.
2.اختياره لأقوال أصحاب أبي حنيفة في مسائل بدون تنبيه على ذلك.
3.مخالفته للمعتمد في الفتوى لرسم المفتي عادة؛ تمسكاً بظاهر الرواية.
4.الترجيح بأصول البناء لمسائل مخالفاً للمعتمد في المذهب أحياناً.
5.ذكره لأقوال أُخر غير قول أبي حنيفة تقويةٌ لها إجمالاً، فيكون فيه نوع اعتبار لها.
6.اقتصاره على ذكر مجتهدَين وعدم ذكر الثالث يدلُّ على اعتماد قولهما.
7.ذكره لغير ظاهر الرِّواية بعد ذكر ظاهر الرِّواية يدلّ أنَّه المعتمد في الفتوى.
8.عدم تقديم القول الرّاجح.
9.تفريعُه على قول ذكره من بين أقوال فيه إشارةٌ إلى ترجيحه.
* * *