مقاصد الشريعة .........
. الفوائد الفريدة للمفتي
جارٍ تحميل الكتاب…
مقاصد الشريعة .........
. الفوائد الفريدة للمفتي
مقاصد الشريعة
عند السَّادة الحنفية
ويليه
الفوائد الفريدة للمفتي
على عقود رسم المفتي
لمحمد أمين ابن عابدين
(1198 ـ 1252 هـ)
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله ربِّ العالمين، وأتمُّ الصَّلاة وأفضلُ التَّسليم على نبيّنا مُحمّد المبعوث بهذا الشَّرع القويم، الخالدِ إلى يوم الدِّين، لا تفنى أسرارُه، ولا تنتهي فوائدُه، ولا تنقضي عجائبُه، ولا تزول مقاصدُه، عَمَّ في الدُّنيا خيرُه، وانتشر في البلاد عدلُه، وعلى آله وصحبه وسَلَّم، تسليماً يوافي نعمه.
وبعدُ:
بدأ اهتمامي بالمقاصد الشَّرعية منذ عشر سنين عندما درَّست دورة في «مركز أنوار العلماء» عن المقاصد من «الموافقات» للشَّاطبيّ، فلاحظتُ فرقاً كبيراً بين ما يُقرِّره المعاصرون من المقاصد وبين ما يذكره الشَّاطبيّ، فهو يتكلَّم على تقرير علم أصول الفقه في كيفيّة بناء الأحكام، لا عن بناء الأحكام على الحِكَم والكليات.
وكتبتُ بعدها بحثاً محكّماً لمحاولةِ ضبطِ الأمر فيما يتعلَّقُ بالمقاصد، باسم «أنواع المقاصد عند الفقهاء والأصوليين»، فكانت المقاصد فيه على ثلاثة أنواع: مقاصدٌ متعلّقةٌ بالوسائل: كرسم المفتي، ووسائل متعلّقة بالمعاني
الرَّبانية: كأصول البناء للمسائل، ووسائل متعلِّقة بالغايات: كالكليات الخمسة.
وطُبع هذا البحث في آخر كتاب «إسعاد المفتي على شرح عقود رسم المفتي»، من أجل تدريسه في مرحلة البكالوريوس في كلية الفقه الحنفي.
وفي مرحلةِ الماجستير يوجد مساقٌ خاصٌّ بالمقاصد الشرعية، مما اقتضى أن نتوسَّعَ في الطَّرح فيما يتعلَّق بالمقاصد، بما يفي الغرض ويحقِّق المقصود، كما ظهر عند تدريس المادة، حيث طُرحت أفكار متعددة، وبدت أمور مختلفة، فكان لا بدّ من تقييدها لضبطها وفهمها.
فاستعنتُ بالله - عز وجل - للإعانةِ في تسهيل الأمر وتيسيره؛ للكتابة في الموضوع بما يُغني ويُشفي؛ لأنّ موضوعَ المقاصد غريبٌ في طرحه المعاصر عمّا عهدناه في كتب فقهائنا، والكلام فيه متباين تماماً بين المعاصرين والسَّابقين.
بل إنّه بهذه الكيفية غير معروف أبداً عند أئمتنا، ويكاد أن يكون أوَّل مَن عرضه بهذه الصورة هو الطَّاهر ابنُ عاشور (¬1)، ثمّ توالت الكتابات فيه بعده بما لا يحصى.
¬
(¬1) مآخذ على مقاصد ابن عاشور كتبتها الباحثة النجيبة ميساء الأمير:
إن البحث في علم المقاصد الإسلامية عند ابن عاشور متصل اتصالاً وثيقاً ببحث آخر له خطورة بالغة، وهو البحثُ في النِّظام الاجتماع الإسلامي، أو ما يُعرف بنظام الأمّة الاجتماعي.
ويرى ابن عاشور أن المشتغل بهذا البحث أحوج إلى قواعد أوسع من قواعد أهل أصول الفقه، فقرَّر أن يصحب معه علم المقاصد ظناً منه أنّه نجاةٌ للأمة وحفاظاً عليها من التَّشتت والضَّياع، إلا أنّه لم يصب، بل حاد وابتعد، وقمتُ بدراسة سريعة لكتابه: «مقاصد الشَّريعة الإسلامية»، مبيِّناً بعض المآخذ عليها، وجعلتها على محورين:
المحورالأول: التَّاريخ والمقاصد عند ابن عاشور:
1.رؤية ابن عاشور في المقاصد رؤية إصلاحية أدخلها في كلّ العلوم الإصلاحية والاجتماعية والدينية، مما جعلها رؤية عامّة عارية عن الفكر العميق والمنهج الدقيق بالبحث والتحقيق، فاعتراها الضعف والوهن، فعري البعد الديني من المقصد عنده.
2.الفكر المقاصدي عند ابن عاشور وليد الاستبداد والظلم الواقع على بلاده، فكان يجد الملاذ والحلّ لإنهاء أزمة البلاد فيها، وهذا متمثل بقوله: «والمقصد من الكون والتشريع ـ الحرية والفطرة والمساواة ـ، فكانت المقاصد تلك من الطُّرق المتاحة أمامه حينذاك.
3.تأثر ابن عاشور بالفكر التاريخي الغربي وخصوصاً الفرنسي، وبالكتب التّاريخية واللغة ومشى على خطاها، فلم ينقل عن علماء المذاهب، بل درس كتاب «المقدمة» لابن خلدون والنظام
للشيخ محمد جعيط وأمثالهم من علماء التاريخ، فمشى على خطاهم بالفكر والتَّفكير.
ويرد عليه: أنّ علم المقاصد الشَّرعيّة علم دينيّ بحت، يتناول مقاصد الشّارع من الأحكام الشرعية، شاملاً معها الوسائل إليها، وهذا العلم تدارسه أهل الاختصاص من أصحاب المذاهب، ومَن بعدهم ممَّن تبعهم، وقد بذلوا قصارى جهدهم لخدمة هذا الدين وبيان مقاصده وإن لم تكن كلمة المقاصد موجودةً بلفظها، إلا أنّها كانت تُراعى بعللها وفروعها، فعلى مَن يريد إخراجها أن يرجع لكلام الفقهاء.
المحور الثاني: الفقه ونظرية المقاصد عند ابن عاشور:
1.علم المقاصد عند ابن عاشور ما هو إلا بديل عن قصور الأمة وتراجعها؛ لاتباعها ما كان عليه الأقدمون من العلماء، قاصداً أئمتنا أصحاب المذاهب، فيعلق في كتابه المقاصد: «وأصبحنا نتابع ما وجدناه غير شاعرين ألحسن اتبعناه أم لقبح نبذناه»، وهذا محل نظر.
2.لم ينظر ابنُ عاشور إلى التَّغيرات الدِّينية المتمثلة بتبدل الأعراف عند إنشاء علمه المقاصدي، بل جعله منسوباً إلى التَّغيرات الحاصلة في الأوضاع الاجتماعية والحضارية التي تتبدل وتتغير بتبدل الأزمان والأشخاص، وجعلها الحاكم بعلمه والمرجع بذلك.
ويرد عليه: أنه لم تكن مقاصده علماً راسخاً وثابتاً يُركن إليه، بل متقلباً بتقلب الأوضاع والبلاد، بخلاف الأعراف، فإن لها ضوابطها التي يحتكم اليها، وهي معتبرة بإجماع الفقهاء.
3. رؤية ابن عاشور أن علم المقاصد، يوجد المذاهب الفقهية، ويقلل الخلاف، معللاً أنّ بناء الأحكام على مقاصدها أقرب وأصوب من بنائها على الأوصاف والعلل، ويحتجّ أنّ الخلاف القائم بين المذاهب جعل التآليف مختلطة، والتَّعليم نحوها، فتوارثت العقول ذلك الاختلال واعتادت التشتت.
ويرد عليه: أنّ خلافات الفقهاء الأجلاء رحمة بالأمة، وتيسيرٌ للعمل وتطبيقٌ للأحكام، وقبول لقول الآخر، وإيجاد حلول متنوعةً لقضايا الأفراد والجماعات، وإيجاد ثروة فقهية علمية لا مثيل له، فالاختلاف من أعظم أسرار هذا التَّشريع ومرونته وقابليته للاستمرار.
4.جعل ابنُ عاشور في علمه المقاصدي أنّ طريقَه الاجتهاد المطلق والاستنباط من القرآن والسُّنة، فيكون ما يستبنطه بهذه المقاصد أساساً للتَّخريج، وبناء الأحكام الشَّرعية؛ لتكون نبراساً للمتفقهين في الدِّين، ومرجعاً بينهم عند اختلاف الأنظار، وتبدل الأمصار.
ويرد عليه: أنّ هذا لا يستقيم ولا تقبله الأذهان السَّليمة؛ لعدم استقامة الأفهام وتبدّلها
وتناقضها لاختلاف الأشخاص، وبهذا يكون للنَّصِّ الواحد مقاصد بعدد الفاهمين كلّ بعلمه لا يستطيع أحدٌ أن يُنكر على غيره، ولا يستقل برأيه، وهذا يدخلنا بحلقة مفرغة لا نكاد نخرج منها بحكم شرعي على اليقين.
5.جعل ابنُ عاشور الحلّ الأمثل للحوادث والنَّوازل والمصالح الطارئة العلم المقاصدي، وكأنّما كان تأليفه للمقاصد استجابةً وتلبيةً للواقع ومستجداته، متجاوزاً بهذا الاختلافات في المسائل الشَّرعية وشذرات العلل فيها.
ونقل عن محمد جعيط المالكي، وقد أصدر كتابه قبل ابن عاشور مصرحاً: «ذلك أني لم أعثر في هذه الثروة العلمية، مع غزارة مادتها، وكثرة أنواعها، ووفرة عددها، على ديوان يجمع في مطاويه المقاصد الشرعية، ويفصح عن أسرار التشريع».
ويرد عليه: كيف لنا ونحن نملك العلم الوفير من قواعد وتأصيلات اجتهدها أئمتنا، مستخلصة من الفروع والمسائل، والبحث بالأوصاف والعلل والقياس وغيره، أن لا نجد حلاً للنَّوازل وأمثالها، بل كانت هي التَّرتيب على ما سبقها من المسائل؛ لوجود التَّرتيب والتّهذيب الذي بين أيدينا للقواعد والأصول، فيكون الأمر بالترتيب لا التنقيب.
6.يعلق ابن عاشور على الفقه وأصوله والعمل بمسائله: أنه علمٌ ظنيٌّ لا يكاد يصل إلى القطع في فهم المسائل الشرعية ومسالك الاستدلال عليها، بل إنّ معظم مسائل الدين كما يُقرِّر في كتابه المقاصد لا ترجع الى حكمة الشريعة ومقصدها، ولكنها تدور حول محور استنباط الأحكام من ألفاظ الشارع.
ويرد عليه: أن هذا دعوة صريحة وقوية إلى مراجعة مسائل أصول الفقه، وإخضاعها إلى النقد والنظر، وهذا تشكيك بعلوم الإسلام وأحكامه.
وظنية الأحكام إنما كانت لبنائها على اجتهادات الفقهاء لا يمنع وجوب العمل بها، بل وقع الإجماع على ذلك، كما أنّ الأحكام بظنيّتها أقوى وأمتن من حكم مداره على الشّكّ إن كان هذا مقصداً أم لا.
7. يروم ابن عاشور من بحثه المقاصدي، بلوغ غاية كبرى تكون مقدمة وقاعدة لغيرها تتمثل في تحديد أصول جامعة لكليات الإسلام، إلا أنّها ليست الكليات التي قصدها الفقهاء أو الأصوليون لا القدامى ولا المتأخرون، (العقل والدين والنفس ... )، فنراه يحيد عنها، ويبتعد كلّ البعد، موضحاً أنّ المقصد الكلي من الاسلام هو (حفظ نظام الأمة)، معتبراً ما يحققه من الكليات للإسلام كحفظ الفطرة والحرية والسماحة.
ويرد عليه:
أ. أنّ التَّشريع بجملة أحكامه وتطبيقها كان حافظاً وعاصماً للأمة ونظامها، واستدامة ذلك الحفظ قائم ما دام المسلم قائماً بشرعه ودينه، محافظاً على كليات الإسلام التي اتفق عليها علماؤنا.
ب. أن علم المقاصد لا يقتصر على الغايات المرجوّة من الأحكام الشرعية، بل هو علم يجمع المعنى الرباني والوسائل الموصلة لها، وهو علم قديم بأصله، إلا أن مصطلح المقاصد شاع استخدامها عند المعاصرين، فكانت المقاصد تُراعى وينظر اليها عند الفقهاء السابقين، لكن ليست بنظرة المعاصرين.
ج. أن علم المقاصد ليس علماً مستقلاً بذاته عن الفروع والعلل، بل هو علم قائم عليهما لا يفهم إلا من خلال استقراء كامل للمسائل والفروع، موضحاً الفقيه الأوصاف والعلل؛ ليعلم المقصود منها من غيرها.
د. أنّ الدِّينَ لا يُبنى على مقاصده، فهي أغلبية لا كلية، فمنها أحكام تعبدية خفي المقصد منها، فكانت مقصودة بذاتها، فلما غاب المقصد عن أحدها أصبحت لا تصلح للبناء.
د. أنّ المذاهبَ الفقهيّة الأربعة بعلمها وعلمائها، المرجع الوحيد للمسلمين من أهل السنة والجماعة؛ لما لاقته من قبول وانتشار عبر الأزمان، فهم من بدؤوا السَّير العلمي المنهجي الصحيح، فنسير على خطاهم ولا نخرج عن طريقهم، وكلُّ جديدٍ لم نجده صريحاً في كتب الفقه، فإنّه يبنى على قواعدهم وأصولهم بما يتناسب مع زماننا.
هـ. أنّ المساسَ بالمذاهب الفقهية وأصحابها، إنّما هو مساسٌ بالدِّين؛ لأنّ الدِّين ما وصلنا إلا منهم، لا يكون منا إلا كل التكريم والتقدير، ونجعل مَن يخرج عنهم يخرج من دائرة الفقه والتحاكم.
ويرجع هذا النظر من جديد عند المعاصرين لأمور، منها:
1.التَّأثر بالفكر الغربي الذي جعل المقصد من العيش هو اللَّذةُ والشَّهوةُ والمصلحةُ الدُّنيوية لا غير، ولا التفات منه إلى أمر الآخرة، والدِّين وسيلةٌ لتحقيق المصالح الدُّنيوية؛ لذلك كان اهتمام المعاصرين في المقاصد بما يحقِّق المصالح الدُّنيوية.
2.عدم دراسة الكتب الفقهية المذهبية أصلاً، أو الاطلاع عليها بطريقة سطحية بلا تعمق في عللها ومباني مسائلها، وفي الحالتين لن نقدر على عيش الإسلام من خلالها، ولا الإفتاء بما يلزم الحياة المعاصرة منها، فاضطر المعاصرون إلى البحث عن بديل يحقِّق مرادهم، فوجدوا المقاصد والقواعد تصلح أن تكون مستنداً لهم.
وفي الحقيقة هي مقاصد وهمية وقواعد عمومية لا تصلح لبناء الأحكام عليها.
3.الاجتهادُ الجديدُ من الكتاب والسُّنة لمن لا يملك القدرة عليه؛ لأنّه لا يُمكن الاجتهاد إلا لمن ملك أسبابه وتوفرت فيه شروطه، فكان في النَّظر المقاصدي الجديد غنيةً عن شروط الاجتهاد؛ لأننا بمجرد أن نحدِّد مقاصد عامّة رأينا القرآن والسُّنة اهتما بها، فنجعلها أساساً نستند إليه في الاجتهاد؛ لذلك كان النَّظر المقاصدي المعاصر نظر اجتهاد مطلق.
وهذا فارقٌ كبيرٌ بين طرح هذا الكتاب وبين النَّظر المعاصر؛ لأنّ طرحَ هذا الكتاب للمقاصد كان من النظر الفقهي المذهبي الذي سارت عليه الأمّة على مدار تاريخها، وعاشت به الإسلام في حياتها دولاً وأفراداً ومجتمعات.
وكيف يُمكن الاجتهاد لمن لا يملك أصولاً في الاستنباط يقدر من خلالها أن يستخرج الأحكام من القرآن والسُّنة، وإنّما يتعلَّق بمصالح عقليّة، يُريد من خلالها أن ينسج شريعةً جديدة للمسلمين.
لذلك كان تقريرُ المقاصد من المعاصرين متعلِّقاً بالغايات من الكليات الخمسة
وهي حفظ الدين والنّفس والعقل والنَّسب والمال، وهذه إجمالاً لا نزاع فيها بين البشر، والكلّ يسعى لحفظها.
ولكن الميزة في الطَّريقة الصَّحيحة التي يسعى من خلالها لحفظها، وقد جاء الإسلام شريعةً كاملةً تحقِّق هذا المقصد العظيم، فلا يُمكن لنا أن نتحدَّثَ عن هذه الكليات بدون أن نتحدَّثَ عن ترتيب الشَّريعة في حفظها؛
لذلك ذكرنا أنّ المقاصدَ أنواع: وسائل ومعاني وغايات؛ ليتحقّق التَّكامل في النَّظر المقاصدي الشَّرعي، ولا نُغفل أدوات الشَّريعة في تحقيق هذه المقاصد.
ومن المعلوم لدى كلِّ عاقلٍ أنَّ الذِّهنَ البشريَ محدودُ القدرات، فإحاطتُه بالأمور إحاطةً تامةً غير متيسرة، وإلا لما احتجنا إلى الشَّريعة السَّماوية لتنظيم أمور حياتنا، فخالق هذا العقل أنزل له شريعة يسترشد بها في دنياه، وتوصله إلى النجاة في أُخراه، فإذا اعتمدنا في بيان الأحكام الشَّرعية على عقلنا، وما يرشدنا له من خير، لم يَعُد بيننا وبين غيرها ممن لم يسلم فرقٌ؛ لأنَّهم استرشدوا بعقولهم لبيان ما يصلح حياتهم، فكان ما نرى في عالمنا من الويلات.
لكننا نحن المسلمون نرى أنَّ المصلحة الحقيقية هي المصلحة التي يراها الشَّارع، وإن خالفت المصلحة العقلية؛ لأننا نعتقد أنَّ شريعتنا من خالق العقل وخالق كلّ شيء، وهو يعلم علماً أزلياً ما يُصلح حياتنا، وما فيه خيرنا، فدِينه حقّ وخير، بخلاف العقل، فإنَّه كثيراً ما يتوهم مصالح، وتكون في العاقبة مفاسد؛ لأنَّ المعيارَ الزَّمني للمصلحة مُكَوَّنٌ من الدُّنيا والآخرة، فكلّ عمل أثمرَ لصاحبه منفعةً وإن جاءت متأخّرة يُعتبر عملاً صالحاً، فليس من شرطِ المنفعةِ أن تكون دنيوية فحسب، بل تشمل الجانب الأُخروي أيضاً، وهو الأهمّ.
كما أنَّ قيمةَ المصلحة الشَّرعيّة لا تنحصر في اللَّذّة المادية، وإنَّما تشمل نوازع كلٍّ من الجسم والرُّوح، فمصلحةُ الدِّين أساسٌ للمصالح الأُخرى،
ومقدَّمةٌ عليها، فيجب التَّضحية بما سواها مما قد يُعارضها من المصالح الأُخرى؛ إبقاءً لها وحفاظاً عليها.
وإنَّ المتابع للمجتهدين الجدد في كتاباتهم وكلامهم يجد أنَّهم يدورون في التحليل والتحريم على حسب ما تمليه عليهم عقولهم، فيعلِّلون ما يذهبون إليه من اختيارات واجتهادات إلى أنَّ المصلحة تقتضيه، وهم بذلك يريدون بناء الأحكام على المصلحة الدنيوية، فكأنَّ هذا القائل يرى أنَّه أدرى بمصالح العباد من خالقهم حتى يتصوَّرَ معارضة مصالحهم للأحكام التي دلَّت عليها أوامر الله المبلغة على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا أمرٌ في غاية الخطورة، فلا يصحّ للخبرات العادية أو الموازين العقلية والتجريبية أن تستقل وحدها بفهم مصالح العباد؛ إذ أنَّ المصلحةَ بحدِّ ذاتها ليست دليلاً مستقلاً من الأدلة الشَّرعية شأنها كالكتاب والسُّنة والإجماع والقياس حتى يصحّ بناء الأحكام الجزئية عليها وحدها كما قد يتصورها أي باحث، وإنَّما هي معنى استخلص من مجموع جزئيات الأحكام المأخوذة من أدلتها الشرعية: أي أننا رأينا من تتبع الأحكام الجزئية المختلفة قدراً كلياً مشتركاً بينها، هي القصد إلى مراعاة مصالح العباد في دنياهم وآخرتهم.
فلا بُدّ إذاً أن يعرض نتاج خبرات النَّاس وتجاربهم وعلومهم على الشَّريعة، فإن كان بينها اتّفاق أخذ بها، وكانت الشريعة هي المُحَكَّمة في ذلك، وإن كان بينها تعارض بأن كان ما رآه الناس مصلحة يعاكس الشريعة
وجب إهمال تلك المصلحة، أما إذا وجدنا أنَّ الشَّريعةَ غيرُ متعرّضة لهذه التَّجارب والخبرات سلباً ولا إيجاباً، فإنَّه يستفاد منها، ويُمكن اعتبارها في حياة النَّاس (¬1).
وإن الصرح الفقهي له ثلاثة محاور لا غنى عنها، وهي الاستنباط والبناء والتطبيق، وهي مراحله الثلاثة، ففي الأول نستنبط الحكم من مصادره، وفي الثاني نبني
على ما استنبطناه بالتأصيل له والتّفريع عليه، وفي الثّالث نُطبق الحكم على الواقع.
وعلم المقاصد هو من الجانب التطبيقي للفقه، وإن كان له اتصال بأصول الاستنباط والبناء كما سيأتي، ولكن هذا الاستنباط والبناء ليس مقصوداً بذاته بقدر ما هو مقصود في تطبيقه.
وينبغي أن نُركز في أبحاث المقاصدية على أنواعه المتعددة، حتى يكتمل طور هذا العلم، ويُصبح واضح المعالم يُمكن توظيفُه بطريقةٍ صحيحةٍ في تطبيقِ الشريعة عند الدارسين.
¬
(¬1) ينظر: ضوابط المصلحة 60 ـ 68.
وسميت هذا الكتاب بـ:
«مقاصد الشريعة عند السادة الحنفية»
ونعرض أنواع المقاصد في تمهيدٍ وثلاثةِ فصولٍ.
فالتَّمهيد: في تعريف المقاصد ببيان المعنى اللغوي، واستعمال الحنفية لمصطلح
«المقاصد» و «المقصود منه»، وتحقيق للمعنى الاصطلاحي، بحيث يشمل أنواع المقاصد.
والفصل الأوّل في المقاصد المتعلّقة بالوسائل، ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول في أصول الاستنباط، ويشتمل على أربعة مطالب:
المطلب الأول في المجتهد المطلق والمقاصد.
المطلب الثاني في الاستحسان والمقاصد.
المطلب الثالث في سدّ الذرائع والمقاصد.
المطلب الرابع في المصلحة والمقاصد.
المبحث الثاني في أصول التطبيق، ويشتمل على أربعة مطالب:
المطلب الأوَّل في كيفية تكوين الملكة الفقهية.
المطلب الثاني في وظائف المجتهد.
المطلب الثالث في التقسيم الزمانيّ لطبقات المجتهدين.
المطلب الرابع في قواعد رسم المفتي.
والفصل الثاني في المقاصد المتعلّقة بالمعاني الرَّبَّانيّة للتَّشريع، ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول في مقاصد مباني المسائل الفقهية.
والمبحث الثاني في مقاصد مباني الأبواب الفقهية.
والفصل الثَّالثُ في المقاصد المتعلِّقة بالغايات للأحكام الشَّرعيّة، ويشتمل على أربعة مباحث:
المبحث الأول في حِكَم التشريع وفوائده.
والمبحث الثاني في جلب المصالح ودرء المفاسد.
والمبحث الثالث في الكليات الخمس.
والمبحث الرابع في القواعد العامّة.
وأسأل الله - عز وجل - أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعنا به يوم نلقاه، وأن يكون بداية صحيحة لإصلاح الخطأ الشَّائع في علم المقاصد، وأن يرزقنا الصِّدق في القول والعمل، وأن يهدينا سبيله، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه
الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبوالحاج
في صويلح، عمان، الأردن
بتاريخ 10 ـ 9 ـ 2019 م
تمهيد: في تعريف المقاصد:
أولاً: المعنى اللغوي:
المقاصد: من المَقْصِد، مصدرٌ ميميٌ من قَصَدْتُ الشَّيْءَ قَصْداً من بابِ ضَرَبَ، طَلَبْتُهُ بِعَيْنِهِ وإِلَيْهِ قَصْدِي ومَقْصِدِي (¬1).
قال ابنُ فارس (¬2): «تدلُّ على إتيان الشَّيء وأمّه».
والقصد: استقامة الطريق، قال تعالى: {وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} [النحل: 9]: أَي على الله تَبْيِينُ الطريقِ المستقيمِ والدُّعَاءُ إِليه بالحُجَجِ والبَرَاهِينِ الواضِحةِ.
والقَصْدُ: الاعْتِمَادُ والأَمُّ، تقول: قَصَدَه وقَصَدَ لَهُ، وقَصَدَ إِلَيْهِ، بِمَعْنى يَقْصِدُه بِالْكَسْرِ، وكذا يَقْصِدُ له ويَقْصِد إِليه.
ومَواقِعها في كلامِ العرب: الاعتِزامُ والتَّوَجُّه والنُّهُودُ والنُّهوضُ نحو الشيْءِ، على اعتدالٍ كان ذلك أَو جَوْرٍ، هذا أَصلُه في الحقيقة، وإِن كان قد
¬
(¬1) ينظر: المصباح المنير 2: 504.
(¬2) في معجم مقاييس اللغة 5: 95.
يُخَصُّ في بعضِ الموَاضِع بقَصْدِ الاستقامَة دُونَ المَيْلِ (¬1).
فيكون معناه له: التَّوجهُ للشيء واستقامة الطَّريق له واعتماده وأَمُّه وغايته: أي توجَّه إليه وسلك الطَّريق المستقيم له واعتمده لتحقيق غايته ومراده، فيشتمل على نفس التَّوجه، وعلى نفس الطريق، وعلى نفس الغاية.
فيُمكن إطلاقُ المقاصد جمع مقصد في اللُّغة على التَّوجه، وعلى الطَّريق المستقيم، وعلى الغاية والمراد.
وهذه الاستعمالات اللغوية لمعنى المقاصد ملاحظة في المعنى الاصطلاحي لها ـ كما سيأتي ـ.
ثانياً: استعمال الحنفية لمصطلح «المقاصد» و «المقصود منه»:
من خلال التَّتبع والاستقراء في كتب الحنفية لاستعمال مصطلح «مقاصد»، و «المقصود منها»، نلحظ أنّ استعمالها كان بمعنى «غرض وأغراض»، وهو موافق للمعنى اللغوي من الغاية والمراد، فكان استعمالاً لغوياً.
ولكننا نجد أمراً لطيفاً إن دقَّقنا النَّظر وأمعناه، وهو أنّ الغرض جاء بمعنى الحكم، فالأصل والضابط والقاعدة كما سيأتي يتكون من علّة وحكمٍ، فتعلّقُهما ببعضهما ينتج أصلاً وضابطاً وقاعدةً، فمثلاً: البيع يفيد الملك، فالبيع علة أفادت حكماً، وهو الملك.
¬
(¬1) ينظر: تاج العروس6: 35ـ 36.
فكان ذكر المقصود ذكر لشطر الأصل والضابط والقاعدة؛ لأنَّ غرضَ العلّة تحقيق الحكم، وهو المقصودُ منها.
وبالتَّالي أصبح الأمر منضبطاً أننا لا نخرج في أحكامنا الشَّرعيّة عن الأصول والضَّوابط والقواعد التي استخرجها الفقهاء وبنوا عليها، فمنها ما هو خاصّ، فيسمى أصلاً مثلاً، ومنها ما هو عامّ، فيُسمى قاعدة مثلاً، ومنها ما يكون أصل بناء، ومنها ما يكون أصل تطبيق، ومنها ما يكون أصل استنباط، كما سيأتي.
وتوضيحاً للأمر ذكرتُ تطبيقات على ذلك من أشهر كتب الحنفية، ومن أبوابهما المختلفة حتى يستبين الأمر جلياً، وشرحتُها وأخرجتُ العلّة والحكم فيها، وبيَّنتُ أنّ الغرضَ جاء بمعنى الحكم في جميعها، على النَّحو الآتي:
1. «الأصل في الشركة العموم؛ لأن المقصود منها تحصيل الربح .... ومبنى الوكالة على الخصوص؛ لأن المقصود منها تملك العين لا تحصيل الربح منها، فلا بد فيها من التخصيص» (¬1).
معناها أن الغرض من الشركة تحصيل الربح، فناسبها العموم في التصرفات، والغرض من الوكالة ملك التصرف على الغير لا الربح، فناسبها الخصوص في التصرف.
¬
(¬1) في البدائع6: 57.
فكان تحصيل الرِّبح حكماً للشَّركة، بمعنى أنَّ علّة الشَّركة من مالٍ أو عملٍ أو ضمان تفيد تحصيل الربح.
وكان ملكُ التَّصرُّف على الغير حكماً للوكالة، بمعنى أنّ علة الوكالة عامةً أو خاصةً تفيد ملك التصرف على غيره.
2. «وُصف الاستياك بالخيرية مطلقاً من غير فصل بين المبلول وغير المبلول, وبين أن يكون في أوّل النَّهار وآخره؛ لأنّ المقصود منه تطهير الفم, فيستوي فيه المبلول وغيره أول النهار وآخره, كالمضمضة» (¬1).
معناها أنَّ الغرضَ من الاستياك تطهير الفم، فكان تطهير الفم حكماً للاستياك، بمعنى أن علة الاستياك مطلقاً صباحاً أو مساء تفيد تطهير الفم.
3. «الأنف والأذن؛ فلأنّ المقصودَ منهما الجمال لا المنفعة، وذلك يوجد في الصَّغير بكماله كما يوجد في الكبير، وأمَّا الأعضاء التي يُقصد بها المنفعة، فلا يجب فيها أرشٌ كاملٌ حتى يعلم صحّتها، فإذا عَلِم ذلك فقد وُجِد تفويتُ منفعة الجنس في كلِّ واحدٍ من ذلك، فيجب فيه أرشٌ كاملٌ، فإذا لم يعلم يقع الشَّكُّ في وجود سبب وجوب كمال الأرش، فلا يجب بالشك» (¬2).
معناها أنّ الغرضَ من ظاهر الأنف والأذن هو تحقيق الجمال للوجه كما هو مقصود منه تحقيق منفعة السمع والشمّ، فلو بقي السَّمع والشمّ وقطع
¬
(¬1) في بدائع الصنائع 2: 106.
(¬2) في البدائع7: 323.
الأنف والأذن، فإنه يدفع دية عن كل منهما، ولو زال الشم والسمع وبقي الأنف والأذن عليه دية أيضاً، فأراد بما سبق لزوم الدية بقطع الأنف والأذن لما فيهما من تحقيق الجمال.
وما كان غرضه الجمال لا ينتظر فيه حتى يظهر صحته كما في اللّسان لو قطع للصَّغير، لا يكون فيه ديةٌ كاملة؛ لأنّ غرضَه الكلام، ولا يُعرف هذا الصغير هل يتكلّم أم لا.
وبالتَّالي كان الجمالُ حكماً للأنف والأذن، بمعنى أنّ علة الأنف والأذن تفيد الجمال، فقطع واحد منهما يوجب دية بلا انتظار لظهور صحّة السَّمع أو الشَّمّ.
4. «نكاح المكرَه لا ينفذ ما وضع له من المقاصد المطلوبة منه؛ لأنّ حصولها بالدَّوام على النِّكاح، والقرار عليه» (¬1).
معناها أنّ الغرضَ من النّكاح الدَّوام والقرار لتحصيل النّسل والمتعة وغيرها، فكان الدَّوام والقرار حكماً للنِّكاح الاختياري بخلاف الإجباري «الإكراه»؛ لفقده للرّضا، بمعنى أن علة النكاح تفيد المتعة والنَّسل إن كان مستقراً.
5. «إن تزوج أُختين في عقدتين لا يدري أيتهما أُولى، لا يجوز له التَّحرِّي،
¬
(¬1) في البدائع 2: 237.
بل يُفرّق بينه وبينهما؛ لأنّ نكاحَ إحداهما فاسدٌ بيقين، وهي مجهولةٌ، ولا يُتصوَّر حصول مقاصد النِّكاح من المجهولة، فلا بُدّ من التَّفريق» (¬1).
معناها أنّ غرضَ النِّكاح تحصيل المتعة، ولا بُدّ أن تكون المرأةُ معلومةً حتى تحقق المتعة، والعقد على الأختين لا يجوز؛ لعدم جواز الجمع بينهما، فكان في حق إحداهما فاسد.
وكانت المتعةُ حكماً للنكاح من معلومة، بمعنى أنّ علة النِّكاح تفيد متعة المرأة المعيَّنة.
6. «أصل السكنى أجناس معنى نظراً إلى اختلاف المقاصد، ووجوه السُّكنى، فيفوض الترجيح إلى القاضي، وله أن الاعتبار للمعنى، وهو المقصود، ويختلف ذلك باختلاف البلدان والمحال والجيران والقرب إلى المسجد والماء اختلافاً فاحشاً، فلا يُمكن التعديل في القسمة» (¬2).
معناها أنّ الغرضَ من القسمة بين الشُّركاء هو إعطاءُ كلّ نصيبه بالعدل، وهذا يقتضي التَّساوي بين الحصص، والقسمة في الدّور المختلفة لاختلاف البلاد أو المحال أو الجيران لا يتحقَّق العدل فيه بين الشركاء؛ لاختلاف أغراض الدُّور في السكنى؛ لتفاوت الميزات لكل واحدة؛ لذلك نفوض الأمر إلى القاضي، فإن كانت متساوية قسمها القاضي في بعضها
¬
(¬1) في البدائع 2: 263.
(¬2) في الهداية9: 428.
البعض، وإن كانت مختلفةً ومتفاوتةً قَسَم كلَّ دار بينهم تحقيقاً للمساواة أو اعتبر القيمة مثلاً.
وبالتّالي كان تحقيق التَّساوي في الأنصبة حكماً للقسمة، بمعنى أن علة القسمة تفيد فرز الحصص بالعدل.
7. «إذا استحلف الوالي رجلاً ليعلمنه بكلّ داعر دخل البلد، فهذا على حال ولايته خاصّة؛ لأنّ المقصودَ منه دفع شرّه، أو شرّ غيره بزجره، فلا يفيد فائدته بعد زوال سلطنته، والزَّوال بالموت» (¬1).
معناها: أنّ غرضَ القاضي من تحليفِ رجلٍ بأن يخبره بكلِّ فاسدٍ يدخل البلدة، هو دفع شرّ هذا الرَّجل أو شرّ غيره من الفاسدين، وهذا لا يتحقَّق إلا مع هذا القاضي؛ لأنّ كلَّ قاض له طريقتُه وأسلوبُه في الحكم، فلا يُفيدُ الإخبار بعد عزل هذا القاضي.
فكان دفعُ الشرّ غرضاً للاستحلاف بالإخبار بدخول الفاسد، بمعنى أنّ علة الاستحلاف بإخباره بدخول الفاسدين تفيد دفع شرهم في زمن ولاية القاضي.
8. «شاةً لقصاب فقئت عينُها ففيها ما نقصها؛ لأن المقصود منها هو اللحم، فلا يعتبر إلا النقصان» (¬2).
¬
(¬1) الهداية2: 338.
(¬2) الهداية4: 482.
معناها: أنّ غرضَ القصاب من الشَّاة هو اللَّحم لا غير، فإن فُقئت عينُها لا يضرُّها إلا نقصان القيمة للشَّاة، وبالتَّالي تقيَّم غيرَ مفقوءة العين ومفقوءة العين، ويدفع فرق ما بينهما.
فكان اللحمُ حكماً لملك القصاب للشاة، بمعنى أن علة شاة القصاب تفيد اللحم.
9. «المقصودُ من النّكاح ليس حصول المال ألبتة، بل فيه مقاصد تربو على المهر من الكمالات المطلوبة في الإختان ـ أي النَّسب ـ والعرائس، فيجوز أن يكون نظر الأب في الحطّ والزِّيادة إلى ذلك، ويجوز أن لا يكون، فكان النَّظرُ والضَّرر باطنين، فأُدير الحكمُ على الدَّليل، بخلاف البيع، فإنّ الماليةَ هي المقصودة في التَّصرُّفات المالية، فلم يكن في مقابلتها شيءٌ يُجبر به خلل الغبن الفاحش، حتى يقع التَّردُّد بين النَّظر والضرر، وأمَّا في غير الأب، فالدَّليل الدَّال على النَّظر معدوم» (¬1).
معناها: أنّ الغرضَ من النِّكاح تحقيق المتعة والنَّسب وغيرها، وهي مقصودةٌ من النِّكاح بخلاف المهر، فإنّه تبعٌ فيه؛ لذلك جاز للأب الزِّيادة والحطّ في المهر إن رأى تحقُّق مصالح أُخرى من النِّكاح، بخلاف البيع فإنّ الغرضَ منه تحقيق المال، فلا يجوز للأب الزِّيادة والحطّ في مال الصَّغير؛ لأنّه ضررٌ محضٌ للصَّغير، وليس من المصلحة.
¬
(¬1) العناية3: 304.
فكان تحقيقُ المتعة حكماً للنِّكاح أصالةً والمهر تبعاً، بمعنى أن علة النكاح تفيد المتعة قصداً، والمهر تبعاً.
10. «ويستقبل بالأذان والإقامة القبلة، وإن تَرَكَ الاستقبال جاز ويُكره؛ لأنّ المقصودَ منه الإعلام» (¬1).
معناها أنّ الغرضَ من الأذان والإقامة هو الإعلام، فإن ترك الاستقبال بهما تحقق الإعلام لكنه أخلّ بسنة التّوجّه فيكره ذلك، فكان الإعلامُ حكماً للأذان والإقامة، بمعنى أنّ علة الأذان والإقامة تفيدُ الإعلام.
11. «جاز للمضارب أن يشتري ويبيع ويسافر ويبضع ويودع ويوكل؛ لإطلاق العقد، ولأن المقصود منها الاسترباح، وهو لا يحصل إلا بالتجارة، فينتظم ما هو من صنع التجار والتوكيل والإبضاع والإيداع من صنعهم وعادتهم» (¬2).
معناها أنّ الغرضَ من المضاربة هو تحقيق الربح، وهذا يقتضي أن يملك المضارب أدواتها من البيع والشِّراء والسَّفر والإبضاع والوديعة والتَّوكيل؛ لأنّ هذه لوازم التّجارة، والمضاربة تجارة، فكان الاسترباحُ حكماً للمضاربة، بمعنى أنّ علة المضاربة تفيد الاسترباح.
¬
(¬1) الجوهرة1: 45.
(¬2) الجوهرة1: 292.
12. «الكافرُ ليس بأهل لليمين؛ لأنّ المقصودَ منها البرّ تعظيماً لله تعالى، والكافرُ ليس من أهله؛ لأنه هاتك حرمة الاسم بالكفر، والتَّعظيم مع الهتك لا يجتمعان، والبر لا يتحقَّق إلا من المعظم، بخلاف الاستحلاف في الخصومات؛ لأنه أهل لمقصوده، وهو النكول أو الإقرار» (¬1).
معناها أنّ غرضَ اليمين هو البرّ بها تعظيماً لله تعالى، والكفرُ بالله تركٌ للتَّعظيم أصلاً، فلا فائدة من تحليف الكافر؛ لعدم حرمة الله تعالى عنده.
وأمَّا الحلف في الخصومات والمنازعات أمام القاضي فالغرض منه هو أن يقرّ الحالف أو يَنْكُل، وهذا لا يختلف فيه المسلم عن الكافر؛ لذلك جاز تحليف الكافر فيها.
فكان البر باليمين تعظيماً لله تعالى حكماً لليمين، بمعنى أن علة اليمين تفيد البر.
وكان الإقرارُ والنكول في الخصومات حكماً للحلف، بمعنى أنّ الحلفَ يُفيد الإقرار أو النكول.
13. «اشتراط الكفالة؛ لأنّ المقصودَ منه الاستيثاق من أداء الثمن، فدفع الثمن فوراً تحصيل للمقصود بصورة أتم» (¬2).
¬
(¬1) التبيين3: 114.
(¬2) درر الحكام1: 158.
معناها أنّ غرضَ الكفالة هو التَّوثيق بإيفاء الثَّمن، فإن دُفع الثمن حالاً لم يَعُدْ فائدة من الكفالة، فكانت الاستيثاق حكماً للكفالة، بمعنى أنّ علة الكفالة تفيد الاستيثاق.
14. «الحدُّ حقُّ الله تعالى؛ لأنّ المقصود منه إخلاء العالم عن الفساد، ولهذا لا يسقط بإسقاط العبد، فيستوفيه مَن هو نائب عن الشَّرع، وهو الإمامُ أو نائبه بخلاف التَّعزير» (¬1).
معناها: أنّ غرضَ إقامة الحدود هو إخلاء العالم عن الفساد، وهذا نفعٌ عامٌّ عُلِّق بالله - عز وجل - تعظيماً لشأنه، فلا يقدر العبد أن يُسقطَه، وتكون وظيفةُ إقامته للقاضي، بخلاف التَّعزير، فإنّه حقّ العبد، فيملك إقامته وإسقاطه.
فكان إخلاء العالم عن الفساد حكماً لإقامة الحدود، بمعنى أن علة إقامة الحدود تفيد إخلاء العالم عن الفساد.
15. «ولا ينبغي أن يكون القاضي فظّاً غليظاً جباراً عنيداً؛ لأنّ المقصودَ منه، وهو إيصالُ الحقوق إلى أهلها، ولا يحصل به» (¬2).
معناها: أنّ غرضَ القضاء هو إيصالُ الحقوق إلى أصحابها، فلا بُدّ أن تتوفرَ في القاضي صفات تؤهله لتحقيق ذلك، ومنها أن لا يكون فَظّاً ولا غليظاً ولا جباراً ولا عنيداً، فإنّها مانعةٌ من مقصود القضاء.
¬
(¬1) البحر5: 10.
(¬2) البحر6: 287.
فكان إيصال الحقوق لأهلها حكماً للقضاء، بمعنى أنّ علة القضاء تفيد إيصال الحقوق لأهلها.
16. «ووقت العزاء من حين يموت إلى ثلاثة أيّام، وأوَّلها أفضل، وتُكره بعدها؛ لأنّها تُجدد الحزن، وهو خلافُ المقصود منها؛ لأنّ المقصودَ منها ذكر ما يُسلي صاحب الميت، ويخفف حزنه ويحضه على الصبر» (¬1).
معناها أنّ غرضَ إقامة العزاء هي تسليةُ أهل الميت، والتَّخفيفُ من حزنهم، وحضُّهم على الصَّبر على مصابهم، ويتحقق مثل هذا في ثلاثة أيّام، فإن زادت عنها كانت عبئاً عليهم في التَّكاليف وفي تجديد الحزن، ففات الغرض من جوازها.
فكان تسلية أهل الميت حكماً لإقامة العزاء، بمعنى أن علّة إقامة العزاء تفيد تسلية أهل الميت.
17. «إذا تعارض عبارتان في كلام الواقف إحداهما، تقتضي حرمان بعض الموقوف عليهم، والأخرى تقتضي عدمه، فالأقرب إلى مقاصد الواقفين أنهم لا يقصدون حرمان أحدٍ من ذريتهم، فيترجَّح الكلام الثَّاني؛ لأنّ الحرمانَ ليس من مقاصد الواقفين غالباً، فكأنّ الواقف رجع عن الشَّرط الأوَّل؛ لما لزم منه حرمان بعض ذريته» (¬2).
¬
(¬1) حاشية الطحطاوي1: 618.
(¬2) العقود الدرية1: 140.
معناها: أنّ غرضَ الواقفين عادةً نفع الموقوف عليهم لا سيما إن كانوا من ورثتهم وعدم حرمانهم، فإذا تعارض عبارات الواقف بين الحرمان وغيره، يرجح عدم الحرمان؛ لأنّ غرض الوارثين عدم الحرمان.
فكان نفعُ الموقوف عليهم عادةً حكماً للوقف، بمعنى أن علّة الوقف تفيد نفع الموقوف عليهم جميعاً.
ثالثاً: المعنى الاصطلاحي:
كانت العنايةُ بفكرة المقاصد كبيرةً جداً في هذا الزَّمان، إلا أنني لم أقف على تعريفٍ واحدٍ لها مع كثرةِ الكلام فيها، فيمكن لأنّ طريقةَ النَّظر مختلفة بين هذا الكتاب في المقاصد وبين الكتب الأُخرى؛ إذ أنّ الكتب الأخرى تنظر للمقاصد بنظرة الاجتهاد المطلق بالرجوع للكتاب والسنة، وهذا الكتاب يتعامل معها بطريق المذاهب الفقهية في فهم القرآن والسنة، فكانت طريقة التعامل مختلفة تماماً.
ففي الطَّريقةِ الأُولى بقي الأمر مجرد ثقافة وأوهام وخيالات لا يُمكن ضبطها؛ لعدم وجود مجتهدين مطلقين في هذا العصر يقدرون على القيام بهذا الدَّور.
وفي الطَّريقة الثَّانية كان الأمرُ علماً منضبطاً؛ لأنّه يرجع إلى علوم فقهية مستقرّة، يخرج منها ما تقرّر عند أهل الاجتهاد المطلقين والمذهبيين فيما يتعلَّق بالمقاصد، وينظمها في سلكٍ واحدٍ.
وينبغي أن تكون المقاصدُ من الجانب التَّطبيقي للفقه، المسمّى بعلم «رسم المفتي»، رغم أنّ الكلامَ فيه سيمثل جوانب الفقه الثَّلاثة، وهي الاستنباطيّ والبنائيّ والتطبيقيّ.
ولكن الكلام في المقاصد عن الجانبين الأُخريين هو لتوضيح كيف يُمكن أن يطبق الفقه من خلالها، فهي ليست مقصودةً فيه بذاتها، وإنّما يُستفاد منها كوسيلة للتَّوصل للمقاصد وفهم الفقه وتطبيقه.
وإخراجاً للمقاصد من النَّظريّة إلى التَّطبيق ومن الثَّقافة إلى العلم، سيكون عرضها بطريقةٍ علميةٍ متفقةٍ مع قواعد الفقهاء، وذلك من خلال الأصول المختلفة المشتملة على العللِ والشُّروطِ وأحكامها، كما سبق.
وهذا يستلزم أن يكون تعريف المقاصد الاصطلاحي شاملاً للمراحل الثَّلاثة من وسائل وطرق وغايات، على النَّحو الآتي:
هي المعاني الرَّبانيّة للتَّشريع والغاياتُ من الأحكام والوسائل لتطبيقها.
فيشتمل هذا التعريف على ثلاثة أمور، وهي:
1.الوسائل لتطبيق الأحكام، وتحتوي على: أصول التطبيق «رسم المفتي»، ونخص بالتفصيل منها: الملكة الفقهية، وأصول الاستنباط للمجتهد المطلق بقواعده المختلفة كالاستحسان والقياس والدلالات، وسد الذرائع والمصالح المرسلة عند المالكية.
2.المعاني الرَّبَّاينة للتَّشريع، وتحتوي على: أصول البناء من مبنى المسألة ومبنى الباب.
3.الغايات للأحكام، وتحتوي على: حِكَم التشريع وفوائده، وجلب المصالح وحفظ الكليّات الخمس، والقواعد الفقهية الكلية، وغيرها.
وعرَّفت المقاصد بهذا التَّعريف؛ لموافقته لاستخدام السَّلف والخلف لهذا المصطلح، ولاستيعابه للمقاصد المذكورة في كتب الأصول والفروع، فكان أولى من تعريف المعاصرين المقتصر على الغايات فحسب؛ لمنافاته لحقيقتها، وعدم شموله لأنواعها المختلفة، واقتصاره على بعضها دون بعض، ممَّا سبب إرباكاً كبيراً في النظر للشَّريعة وطريقة التعامل معها وفهم أحكامها، وانحرافاً واضحاً في مسلكها، وطعناً بيِّناً في علماءِ الأُمَّة وكُتبها، وليس هذا محلاً للمناقشة فيها.
ولا شَكَّ أنَّ ما كان موافقاً لما سار عليه علماء الأمّة في كتبهم، وشاملاً لاستخداماتهم، وقادراً على تفسير نصوصهم المختلفة، ومستوعباً لعلومهم المتنوعة أولى بالاتباع؛ لأنّ هذه الأمة محفوظة بسيرها وسلوكها: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} الحجر: 9، فكلُّ ما كان مطابقاً لسير الأمّة فهو المعتبر، وسواه المتروك حتى نكون مُصدِّقين للقرآن.
وسيكون عرض مادة الكتاب في ثلاثة فصول مستفادة من الجوانب الثَّلاثة التي اشتمل عليها التعريف على النحو الآتي:
الفصل الأول
المقاصد المتعلّقة بالوسائل
إنّ ما سَبَقَ تأصيله من أنّ المقاصدَ ملحقةٌ برسم المفتي، وهي تمثلُ الجانب التَّطبيقيّ للفقه، يتطلب التكلّم عن أبرز قواعد رسم المفتي وموضوعاته، التي تظهر جلياً أن علم الرسم للفقه بمثابة الروح للجسد، فهو الأداة أن نعيش ونطبق الفقه في واقعنا بما يُناسب حياتنا، بلا تعارض ولا تناقض.
فقواعد الرَّسم تجعل الفقه مرناً ميسوراً لمَن أراده أفراداً وجماعات ودولاً؛ لأنها تمثل أصول تطبيق الفقه والعمل به، وتقدِّمه كنظام قادر على مواكبة التَّطوُّرات والأحداث الحياتيةالمتجدِّدة، ويُراعي حال الإنسان وظروفه المتعدِّدة، فكان هو الوسيلة لعيش الإسلام.
وقبل أن نشرعَ بطرح مباحث الرَّسم نتكلم في مبحث مستقل عن أُصول الاستنباطِ التي يعتمد عليها المجتهدُ المطلق في استنباطِ الأحكام؛ لأنّها تُعَدُّ من الوسائل لتعرف الأحكام واستخراجها.
ونعرض أثناء الكلام عليها ما قَرُبَ منها بالمعنى، فنتوسّع بالكلام عن أصل الإعانة على الحرام الذي يُبيّن منهج الحنفية في التَّعامل مع بحث سدِّ الذَّرائع المشهور في هذا الزَّمان عند الحديث عن المقاصد.
ونُبيّن المقصود بالمصلحة العقلية والشرعية عند ذكر المصلحة المرسلة التي تقترن بذكر المقاصد عند المعاصرين.
* * *
المبحث الأول
في أصول الاستنباط
لما كانت نظرة المعاصرين للمقاصد بنظر المجتهد المطلق من خلال الرجوع للكتاب والسُّنة ابتداءً لاستخراج الأحكام.
ومعلوم أن أصول الفقه تمثل أداة المجتهد المطلق في استخراج الأحكام، فهي القواعد التي يستنبط بها الأحكام من القرآن والسنة، بخلاف القواعد الفقهية، فإنها يستنبط منها الأحكام.
وهي تمثلُ مرحلةً تاليةً، فأوَّل الأمر يقوم المجتهد المطلق ممن بلغ مبلغاً كبيراً في العلم بحيث كوَّن أصولا للفقه خاصّة به يعتمد عليها لاستنباط الأحكام، حيث يطبق هذه الأصول على الكتاب والسُّنة والآثار، ويستنبط منها القواعد الفقهية التي تعتبر خلاصة وعصارة ما في القرآن والسنة من قواعد فقهية يبتنى عليها الأحكام.
فأصول الفقه استنبط بها القواعد الفقهية من القرآن والسنة والآثار، والقواعد يستنبط منها الفروع الفقهية، ففي الاجتهاد المذهبي نكمل مراحل الفقه التي بدأ بها أئمتنا من السلف، حيث استخرجوا لنا القواعد، فنستمر
على طريقتهم بالاستفادة من تراثهم بالرجوع لهذه القواعد لمعرفة كل ما يستجد من أحكام، كما سنلاحظ ذلك في الفصل الثاني.
فمَن أراد من المعاصرين أن يمارس الاجتهاد المطلق من جديد، فشرطه أن يُكوِّن أصول فقه خاصّة به، ولم نر أحداً قادراً على ذلك بعد القرن الثالث، كما يلاحظ من الاستقراء التاريخي، إلا ما فعله ابنُ حزم الظَّاهريّ.
ومعلومٌ أن ما أتى به في غاية الغرابة، فقد ألغى الأداة الرئيسية في الاجتهاد عند الفقهاء، وهي القياس، وعندما تكلم في الإجماع أوصل عدد المجتهدين ما يقارب (150) مجتهداً من الصحابة - رضي الله عنهم -، فأدخل فيهم كلَّ مَن رُوي عن الحديث والحديثين، وذَكَر منهم ماعز والغامدية.
ولم يبق بين يديه إلا الفهم الظاهري للقرآن والسنة، بلا ضابط، حتى رُوي عنه العجب العجاب من المسائل الغريبة كمسألة عدم تنجّس الماء بالبول في إناء ثمّ إراقته في الماء، بخلاف ما إذا بال في الماء مباشرةً، تمسكاً بظاهر حديث: «لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم» (¬1)، ومسألة جواز النَّظر لجميع بدن المرأة ما عدا السَّوأتين لمَن أراد أن يخطبها؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أُنظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» (¬2).
¬
(¬1) في صحيح البخاري 1: 94، وصحيح مسلم 1: 235.
(¬2) في صحيح ابن حبان 9: 351، والمنتقى 1: 170، والمستدرك 2: 179، وجامع الترمذي 3: 397، وسنن الدارمي 2: 180، وغيرها.
لذلك وجدنا عامّة علماء عصره يرمونه عن قوس واحدةٍ، ويردون كلامه، ولا يقبلونه كابن العربي المالكيّ وأبي الوليد الباجي وابن النديم.
وذكرت هذا لأبين أنّ مَن سلك مسلكاً مخالفاً للمذاهب الأربعة في الفقه، فلن يكون قادراً على استخراج قواعد أصولية تمكنه من الاجتهاد، كما لاحظنا في حال ابن حزم، وبالتالي سيأتينا بأقوال فقهية في غاية الشناعة كما سبق.
وهذا يؤكد ما قُرِّر سابقاً من أنّ الأمة لم تعرف مجتهدين مطلقين بعد عصر الاجتهاد المطلق؛ لفقد شروطه وأدواته فيهم.
وبالتَّالي فإن فعل المعاصرين للاجتهاد المطلق من جديد هو عبث بالدِّين؛ لأننا لم نر أحداً منهم يخرج لنا كتاباً في أصول الفقه يُبيِّن لنا منهجه فيه في الاستنباط، وأحسن أحوال بعضهم ممن ألفوا في أصول الفقه أن يجمعوا شيئاً من هنا وشيئاً من هناك من أصول الفقه عند المذاهب الأربعة، يعرضون فيها أصول الفقه بطريقةٍ جديدةٍ أضاعوا فيها أصول الفقه، فإن لم يكونوا قادرين على عرض أصول فقهٍ موجودةٍ مدونةٍ ومحقّقةٍ، فكيف يكونوا قادرين على إنتاج أصول فقهٍ جديدةٍ يُستنبط بها الأحكام.
ولو سَلَّمنا بقدرة المعاصرين على استخراج أصول فقه، ووصولهم إلى درجة الاجتهاد المطلق، فإن الواجب عليهم أن يستخرجوا قواعد فقهيةً من القرآن والسنة كما فعل سلفنا، وهذا أمر تم وانتهى على أكمل وجه.
فأي فائدة من ذلك إلا إضاعة الوقت وإهدار جهود وطاقات الأمّة فيما لا نفع فيه، فإن كان مسلكهم صحيحاً، فإنهم سيأتون بقواعد مثل القواعد التي أتى بها السابقون؛ لأنّ كلّ وجوه الاستنباط والبناء والتَّخريج في القرآن والسُّنة استوعبت بحيث لا يُمكن الزِّيادة عليها مطلقاً؛ لأنّ علماءَ استمروا ينظروا ويتأملوا في القرآن والسُّنة لاستخراج وجوهِ بناء الأحكام أربعة قرون حتى استوعبوها كاملةً، ومَن يُنكر هذا فعليه أن يأتينا بوجهٍ واحدٍ من الوجوهِ الصَّحيحة التي قد فاتتهم.
فإن كان ما يأتون به أتى به السَّابقون على أكمل صورة، فما الفائدة حينئذٍ من هذا الجهد والعمل، إلا تشتيت الأمّة وإضاعتها.
ولو فعلوه وكان صحيحاً عليهم بعده أن ينظروا في هذه القواعد لاستخراج الأحكام المستجدة في حياة النَّاس، فإذاً بعد قيامهم بالمرحلة الأولى من الاستنباط للقواعد عليهم أن يقوموا بالمرحلة الثانية من استخراج الفروع، ولن يتسع عمرهم ووقتهم لذلك.
ورجوعهم للمذاهب الفقهية معناها الرُّجوع للقواعد التي تقرَّرت للعمل بها واستخراج ما يلزم في زماننا من فروع مستجدة في كافة مناحي الحياة، ومن ثمّ مراعاة المرحلة الثالثة، وهي التثبت من صلاحية هذه الفروع للتطبيق في الحياة العملية في حياتنا من خلال أصول التطبيق.
إذاً دعوةُ الرُّجوع للمذاهب الفقهية هي الدعوةُ الحقيقيةُ للاجتهادِ بطريقةٍ صحيحةٍ من تطبيق قواعد العلم ومعرفة المستجدات من خلالها،
ودعوة الاجتهاد المطلق في زماننا هي الدعوة لإيقاف الاجتهاد وإغلاق بابه؛ لعدم قدرة أحد على القيام به، وبالتَّالي توقف الشَّريعة عن معالجة المسائل المستجدة في السياسة والاقتصاد وغيرها.
وهذا ما وقعنا فيه في الواقع من حيث لا ندري، فيكاد أن يكون أخطر ما أصاب الشَّريعة في زماننا هي هذه الدَّعوة العريضة للاجتهاد من جديد في القرآن والسنة، فكانت سبباً رئيسياً في تنحية الإسلام عن الحياة العملية للمسلمين؛ لعدم القدرة على تقديم إسلام عمليٍّ سياسياً واقتصادياً يحلّ مشكلات المجتمعات، ويُلبي رغبات الناس.
لذلك كثرت الحلول لمواجهة هذا التَّحدي للإسلام والمسلمين، فظهرت المدرسة الإصلاحية العقلية العاجزة عن فهم الفقه المذهبي وقواعده؛ لعدم دراستهم له، واهتموا بما يعرف بعلم القواعد الفقهية وعلم المقاصد محاولةً منهم أن يقولوا: إننا بهم نقدر أن نجعل الإسلام يجاري الحياة المعاصرة.
لكنهم تكلموا في المقاصد والقواعد بلا ضابطٍ وبنفس الاجتهاد المطلق، فما تكلموا به هو مجرد أهواء لا تمت للشريعة البتة، وإنما هي خواطر لهم لا تعدّ علماً لعدم انضباطها، وتجاوز الأمر حدوده، فلم يبقوا حراماً إلا وأحلوه، فأضاعوا الشريعة وضيّعوا المسلمين.
لذلك كان لزاماً بعد مرور هذه الحقبة من الزَّمان في هذا التيه أن يُعاد النَّظر من جديد، في فهم سليم مستقيم للشَّريعة كما ورثناها عن سلفنا
وخلفنا، وأن يضبط الكلام في علم المقاصد وعلم القواعد بما يعيد الأمور إلى نصابها، ونسأل الله تعالى أن يُمكننا من ذلك في هذا الكتاب في علم المقاصد، كما فعلنا ذلك في علم القواعد في كتاب خاصّ.
* * *
المطلب الأول: المجتهد المطلق والمقاصد:
إنّ المجتهدَ المطلقَ مَن قَدِرَ على إظهار أصول فقه خاصّة به، يستخرج بها الأحكام.
وتقرير أصول الفقه هو اجتهادٌ من المجتهد في الأصول التي يرى أنّها أنسب وأفضل للاستنباط في نظره.
وهذه الأصولُ هي الأداة والوسيلة للتّأمُّلات الفقهيّة في الآيات والأحاديث في استخراج المعاني التي تصلح أن تكون مقاصد للشَّارع الحكيم في بناء الأحكام الشَّرعيّة.
فالمعاني الرَّبانية التي أدار الشَّارع عليها الأحكام الشَّرعيّة طريقةُ معرفتها هو أصول الفقه المستعملة من قبل المجتهد المطلق، وبالتَّالي اعتبرت أصول الفقه من وسائل المقاصد، ولا نقصد باباً دون باب من أصول الفقه، وإنّما يشمل هذا جميع أبواب أصول الفقه.
بسبب أن أصول الفقه هي قواعد اجتهادية أُصولية استخرجها المجتهد المطلق من قواعد المعقول واللغة والقرآن والسُّنة؛ ليستنبط بها الأحكام من القرآن والسُّنة، فكان هي مقاصد كوسائل للوصول للمعاني الرَّبّانيّة؛ لأنّ المعاني الرَّبّانيّة تَوصَّلَ لها المجتهد المطلق من القرآن والسنة والآثار بإعمال
عقله بالاستناد إلى أصول الفقه، وصارت مرعيةً في استنباط الأحكام الشَّرعية، وبيان مراد الشارع، ومقاصد الشريعة.
فكذلك أصول الفقه استخرجها المجتهد بإعمال عقله في قواعد المنقول والمعقول والواقع، بعد جمعه لعلوم الاجتهاد الكبيرة، فاستخرج أصولاً يستطيع من خلالها فهم الشَّريعة الحكيمة.
فكلٌّ من المعاني الرَّبانية وأصول الاستنباط هي اجتهادٌ من المجتهد المطلق بعد جمعه لشتات العلوم والوقوف على أُسسها، ولكن أصول الفقه تسبق المعاني الرَّبانيّة في الاجتهاد، وهي أداةٌ لاستخراجها.
والمقصودُ من هذا كما أننا رضينا بأن يكون ما فهمه المجتهد المطلق من معاني مستخرجة من القرآن والسنة، هي معاني ربانية تُبنى عليها الشَّريعة، واعتبرت مقاصد له، فعلينا أن نقبل أن ما فهمه المجتهد المطلق من قواعد أصولية لها اعتبارها المقاصدي في أن تعتبر نوعاً من المقاصد الشَّرعيّة؛ لأنّ كلاً منهما مستخرجٌ بفهم المجتهد المطلق، وكلٌّ منهما يُراد به فهم الشَّريعة وتطبيقها في حياة المسلمين على ما يريده الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
ولكن نعتبر أصول الاستنباط من مقاصد الوسائل ونعتبر أصول البناء من مقاصد المعاني الرَّبّانيّة، فكلٌّ منهما مقاصد، لكن له وظيفته المختلفة عن الآخر، والكلُّ يُوصلنا إلى فهم سليمٍ للشَّريعة.
قال ابنُ عاشور (¬1): «خبايا في بعض مسائل أصول الفقه أو في مغمور أبوابها المهجورة عند المدارسة أو المملولة، ترسُبُ في أواخر كُتُب الأصول، لا يصل إليها المؤلفون إلا عن سآمة، ولا المتعلمون، إلا الذين رزقوا الصَّبر على الإدامة، فبقيت ضئيلة ومنسية، وهي بأن تعدَّ في علم المقاصد حَرِية، وهذه هي مباحث المناسبة والإخالة في مسائل العلة، ومبحث المصالح المرسلة، ومبحث التواتر، والمعلوم بالضرورة، ومبحث حمل المطلق على المقيد إذا اتحد الموجِب والموجَب أو اختلفا».
فهذا صريح من ابن عاشور في تقرير ما سبق ذكره، حيث عدّ مسالك العلّة والمصالح والتَّواتر والمعلوم بالضَّرورة وحمل المطلق على المقيد من المقاصد، فدخول هذه يعني دخول غيرها من الدَّلالات والإجماع والاستحسان والمشهور وغيرها من المباحث الأصولية، وبالتَّالي تُعَدُّ جميع قواعد أُصول الفقه من مقاصد الوسائل.
* * *
¬
(¬1) في مقاصد الشريعة ص 6.
المطلب الثاني: الاستحسان والمقاصد:
لا نُبالغ إن قلنا: إنّ الاستحسان هو أكبر أداة عند الحنفية؛ لتحقيق مقاصد الشَّريعة في حفظ الكليات الخمس والمصالح للعباد ورفع الحرج والمشقة عنهم، فكلّ القواعد التي أثناء تطبيقها أخرجت الشَّريعة عن نظامها في تحقيق مصالح العباد عُدل عنه إلى غيرها من القواعد التي تحقق مقاصد الشارع في كلِّ باب، ويُسمّى هذا العدول من قاعدة إلى أُخرى استحساناً.
وعرف الاستحسان بأنه عدولُ المجتهد عن قياس جليٍّ إلى قياس خفيٍّ، أو عدول المجتهد عن حكم كلِّي إلى حكم استثنائي بدليل انقدح في عقله رجح له هذا العدول (¬1).
فالقياس هو القواعد التي تسير عليها المسائل في الأبواب المختلفة، والاستحسان هو الاستثناء من هذه الأبواب سواء بالنص من القرآن أو السنة أو القياس أو الإجماع أو الضرورة أو العرف أو غيرها.
فكان الاستحسانُ هو المنقذُ من غلو القياس، والميسرُ للتطبيق فيما تعسَّر بالقواعد؛ لأنَّ العلم لا بدّ فيه من قواعد يحتكم لها، والتزام هذه القواعد مطلقاً موقع في حرج عظيم، فالاستحسانُ يكون المخرج للخروج ممَّا عَسُرَ العمل به قياساً، بأن نعمل به استحساناً.
¬
(¬1) ينظر: المدخل إلى دراسة الفقه ص 69.
وللاستحسان أنواع ثلاثة:
وهي الاستنباط والبناء والإفتاء، فعندما تتأمَّل ما سبب هذا الاستحسان في مسألةٍ ما، فإنَّك تلاحظ أنَّه لا يخرج عن هذه المعاني الثَّلاثة لقادح انقدح في ذهن المجتهد تقوَّى به الاستحسان ـ وهو الاستثناء لهذه المسألة ـ على القياس، وهو الشَّائع في نظير هذه المسألة على النَّحو الآتي:
1.استحسانٌ بأصول الاستنباط:
فالاستنباط يتحدّث عن كيفيّة استخراج الحكم الشَّرعيّ من الآيات والأحاديث النَّبوية، وهو المعروف بعلم أصول الفقه.
ويكون بترك دليل جزئيٍّ وهو آيةٌ أو حديثٌ أو أثرٌ في مقابل آياتٍ أو أحاديث أو آثار لأحقِّيَّته للحكم بها دون غيرها تظهر في ذهن المجتهد.
ويُعبّر عنه بأنَّه تخصيص الحكم بالنَّص مع وجود العلَّة، وهو أن يثبت نصٌّ عن الشَّارع يوجب ردّ القياس، ومن أمثلته:
ـ مسألة: جواز السَّلم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» (¬1)، فالحديث يدلّ على جواز السَّلَم وإن كان المباعُ معدوماً، والقاعدةُ المانعةُ هي قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ولا تبع ما ليس عندك» (¬2)، فهنا استثنى السَّلم من هذه القاعدة، فكان الاستحسان محققاً لمقصد الشَّارع
¬
(¬1) سبق تخريجه.
(¬2) في موطأ مالك 2: 642، وسنن داود2: 305، وسنن الترمذي3: 534، وصححه.
الحكيم من تجويز السَّلم؛ لحاجة الناس إليه؛ لما فيه من المصلحة لهم؛ لأنَّ أرباب الزروع والثمار والتجارات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم وعليها؛ لتكمل, وقد تعوزهم النفقة, فجوز لهم السلم؛ ليرتفقوا, ويرتفق المسلم بالاسترخاص (¬1)
ـ مسألة: صحّة الصِّيام مع الأكل أو الشُّرب ناسياً، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن أكلَ أو شرب ناسياً فلا يفطر، فإنَّما هو رزق رزقه الله» (¬2)، فإنَّ القياس كان يوجب الإفطار؛ لأنَّه يكون مما يدخل إلى الجوف المعتبر من منفذ معتبر وقد حصل، ولكن رد الإمام أبو حنيفة القياس لهذه الرِّواية كما نُقِل عنه.
فتحقق مقصد الشَّريعة بالاستحسان في صحّة صيام النَّاسي رفعاً للحرج عن المسلمين.
ـ مسألة: الاستصناع فترك القياس لانعقاد الإجماع على غير ما يؤدِّي إليه القياس، وذلك كانعقاد إجماع المسلمين على صحّة عقد الاستصناع لتعامل النَّاس فيه من زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الآن بلا نكير، فإنَّ القياسَ كان يوجب بطلانه؛ لأنَّ محلَّ العقد معدومٌ وقت إنشاء العقد، ولكن للإجماع ترك القياس، فكان عدولاً عن دليل إلى أقوى منه.
¬
(¬1) ينظر: المغني 4: 185، وغيره.
(¬2) في سنن الترمذي 3: 98، ومسند أحمد 2: 491، وصحيح ابن حبان 8: 286.
وفي تجويز الاستصناع استحساناً من تحقيق ... مقصد ... الشَّريعة في التَّيسير ورفع الحرج وتحقيق المصلحة للمسلمين ما لا يخفى؛ لأنَّ الحاجةَ تدعو إليه؛ لأنَّ الإنسانَ قد يحتاج إلى مصنوع معيّن على صفة مخصوصة, وقلَّما يتفق وجوده مصنوعاً، فيحتاج إلى أن يستصنع, فلو لم يجز لوقع النّاس في الحرج؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهم -: «إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اصطنع خاتماً من ذهب فكان يجعل فصّه في باطن كفّه إذا لبسه، فصنع الناس كذلك، ثُمَّ إنَّه جلس على المنبر فنزعه، فقال: إني كنت ألبس هذا الخاتم، وأجعل فصّه من داخل فرمى به، ثُمَّ قال: والله لا ألبسه أبداً فنبذ الناس خواتيمهم» (¬1).
وهذا النَّوع من الاستحسان متعلِّق بفعل المجتهد المطلق، فيكون تحقيق مقاصد الشَّريعة بترك دليل والعمل بآخر خاصّة؛ لأنه القادر على النظر في الأدلة والتَّرجيح بينهما بما يتوافق مع مراد الشارع.
2. استحسان بأصول البناء:
فالبناء يتكلّم عن اعتماد الأحكام على عللها وأصولها وكيفية تخريج غيرها عليها، وهو المعروف بعلم القواعد والضوابط والأصول الفقهية.
والبناء هو القواعد والضَّوابط والأصول الفقهيّة للمسائل؛ لأنَّه يُمَثِّل الأصل الذي بنيت عليه هذه المسألة وأمثالها من المسائل التي تُشبهها،
¬
(¬1) في صحيح البخاري 5: 2205، وصحيح مسلم 3: 1655، وصحيح ابن حبان 13: 302، وغيرها.
فالمسألة دائماً هي تطبيق لأصل، وهذا الأصل عادة يشتمل مجموعة من المسائل المتشابهة.
فالاستحسان فيه أن نترك أصلاً للبناء شاع بناء أمثال هذه المسألة عليه إلى أصل لبناء آخر أحقّ ببنائها عليه فيما يَظهر للمجتهد.
ويعبَّر عن هذا بأن يكون فرع يتجاذبه أصلان، يأخذ الشّبه من كل واحد منهما، فيجب إلحاقه بأحدهما دون الآخر؛ لدلالة توجبه، فسمُّوا ذلك استحساناً، إذ لو لم يعرض شبه للوجه الثَّاني، لكان له شبه من الأصل الآخر، فيجب إلحاقه به (¬1).
وذلك بأن يكون في المسألة وصفان يقتضيان قياسين متباينين: أحدهما ظاهر متبادر، وهو القياس الاصطلاحي، والآخر خفي يقتضي إلحاقها بأصل آخر، فيسمى استحساناً: أي أنَّ القضية التي ينظر في حكمها يرى الفقيه أن َّكليهما ينطبق عليها، ولكن أحدهما ظاهر يَعمل في نظائر هذه المسألة، والآخر خفيّ في هذه المسألة؛ إذ لا يعمل في نظائرها، ولكن يكون في المسألة ما يوجب عمل هذا الخفيّ الذي لم يطَّرد في نظائرها. ومن أمثلته:
ـ مسألة: سؤر سباع الطَّير ـ وهو بقية الماء الذي يشرب منه ـ فإنَّ سباع الطَّير تشبه سباع البهائم في كون لحمها غير مأكول، وكون لحمها نجساً، وبما أنَّ سؤر سباع البهائم نجس، فينبغي أن يكون سؤر سباع الطَّير: كالنِّسر
¬
(¬1) الفصول 4: 234. وينظر: مقدمة نصب الرَّاية ص291.
والحدأة نجساً أيضاً، وهو موجب القياس، ولكنَّ الاستحسان يتجه لقياس آخر خفي، وهو أنَّ سؤر سباع البهائم كان نجساً؛ لوجود لعابها فيه، واللُّعاب متصلٌ باللحم، فهو نجسٌ بنجاسته، أمّا سباع الطَّير فهي تشرب بمناقيرها فلا تلقي لعابها في الماء، فلا يتنجس به، فلا يكون السُّؤر نجساً، وللاحتياط قالوا: إنَّه مكروه الاستعمال (¬1).
فكان في هذا الاستحسان تحقيقٌ لمقصد الشارع الحكيم من رفع الحرج عن المسلمين بطهارة سؤر سباع الطير.
ـ مسألة: الغني يُضحي عن نفسه فحسب أو نفسه وولده، قولان في المذهب.
ففي روايةِ الحسن: أنَّ على الغني أن يضحي عن نفسه وولده قياساً لأصل صدقة الفطر; لأنَّه يتصدق عن نفسه وولده الصغير؛ لأنه جزءٌ منه فكما يلزمه أن يُضحي عن نفسه عند يساره، فكذلك عن جزئه (¬2).
وفي ظاهر الرواية: أنه يضحي عن نفسه فحسب استحساناً قياسا على أصل؛ أن كل ما لا يلزمه عن مملوكه لا يلزمه عن سائر ولده كسائر القرب، بخلاف صدقة الفطر؛ وهذا لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما كسبه, ولو كانت التضحيةُ عن أولاده واجبة لأمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونقل ذلك كما أمر بصدقة
¬
(¬1) أبو حنيفة لأبي زهرة ص351 - 353.
(¬2) ينظر: المبسوط12: 12.
الفطر (¬1)، قال البابرتيّ (¬2): «وعلى ظاهر الرِّواية الفتوى»، وقال الإسبيجابيّ: «هو الأظهر» (¬3).
فكان في هذا الاستحسان رفع للحرج عن المسلمين في تحقيق مقصد الشارع ببنائها على أصل آخر مختلف عن أصل صدقة الفطر، وهو رأسٌ يمونه ويلي عليه ولايةً كاملةً: أي مَن تجب نفقته عليه وينفذ قولُه عليه مطلقاً، وهذا منتقضٌ هاهنا؛ لأنّه لم يوجب الأضحية على عبيدِه في حين وجب عليه صدقة الفطر عنهم، فتبيّن أنَّ هذا الأصل غير صادق هنا، والأَولى اعتبار أصل ظاهر الرواية، وهو أنَّها عبادةٌ واجبةٌ على مَن كان غنيّاً فحسب.
ـ مسألة: لزوم الإجار في شهر جديد بدخول ساعة منه أو بعد مرور ليلة ويومها من الشهر، صحّ العقد فيه، ولم يكن للمؤجّر أن يخرجَه إلى أن ينقضي، قولان في المذهب:
واستحسنوا لزوم العقد بعد مرور ليلةٍ ويومها، كما في ظاهر الرِّواية؛ لما في لزوم الشّهر الثاني بدخول لحظة من الشَّهر الأول من بعض حرج، وصرّحوا بالفتوى على هذا في «الجوهرة» و «التبيين»، فقالوا: «وبه يفتى»،
¬
(¬1) المبسوط12: 12.
(¬2) العناية9: 510.
(¬3) ينظر: اللباب2: 205.
قال القاضي: وإليه أشار في ظاهر الرِّواية وعليه الفتوى (¬1).
والآخر القياس أنَّه يتمّ بدخول ساعة من الشَّهر الثاني، يتحقق العقد بتراضيهما بالسكنى في الشهر الثاني (¬2).
والأولى التَّمسُّك بالاستحسان؛ لما فيه من رفع الحرج تحقيقاً لمقاصد الشَّرع.
وهذا النَّوعُ من الاستحسان يشترك فيه المجتهد المطلق والمجتهد في المذهب، فكلٌّ منهما يرجِّح به تحقيقاً لمقاصد الشَّرع إن كان الأصلُ الآخر محققاً لها.
3. استحسان بأصول التطبيق:
فالإفتاء يتكلّم عن كيفية تقرير الحكم الشَّرعي في الواقع والعمل به.
وهي قواعد الإفتاء المعروفة بعلم رسم المفتي.
وأصول التطبيق: علم يبحث في كيفية تطبيق الفقه في الواقع بمراعاة أصوله، وهي: الضَّرورة، والحاجة، ورفع الحرج، والتَّيسير، وتغير الزَّمان، والعرف، والمصلحة.
¬
(¬1) ينظر: اللباب1: 257.
(¬2) ينظر: اللباب1: 257.
وعامّةُ الأحكام الفقهيّة متعلّقةٌ بهذا العلم، فكان لها تأثيرها البالغ في اختلافها من مجتهدٍ إلى مجتهدٍ، بسبب اختلاف بيئة الفقهاء وعصورهم، فقد كان لذلك أثر كبير في اختلافهم في كثير من الأحكام والفروع، حتى إنَّ الفقيه الواحدَ كان يرجع عن كثيرٍ من أقوالِه إلى أقوال أُخرى إذا تعرّض لبيئةٍ جديدةٍ تُخالف البيئة التي كان فيها.
فالاستحسان فيه أن يترك العمل بظاهر الحكم إلى غيره؛ لوجود ضرورة أو عرف أو حرج أو غيرها.
ويُعبَّر عنه بأنَّه تخصيص الحكم بالرَّسم مع وجود العلَّة، ومن أمثلته:
ـ مسألة: تطهير الأواني، فإنَّ القياس يقتضي عدم تطهرها إذا تنجَّست؛ لأنَّه لا يمكن عصرها؛ لأنَّ الماءَ يتنجَّس بملاقاة الآنية النَّجسة، والنَّجسُ لا يفيد الطَّهارة، حتى تخرج النَّجاسة منها، لكنا استحسنا تطهيرها لضرورة الابتلاء بها، وتحقيقاً لمقاصد الشريعة لرفع الحرج في تنجسها.
ـ مسألة: الماء الداخل في الحوض أو الذي ينبع من البئر يتنجَّس بملاقاة النَّجس، والدلو يتنجس أيضاً بملاقاة الماء، فلا تزال تعود، وهي نجسة، فلا يحكم بطهارته، إلا أنَّهم استحسنوا ترك العمل بموجب القياس للضَّرورة المحوجة إلى ذلك لعامَّة النَّاس، وللضرورة أثرٌ في سقوط الخطاب، تحقيقاً لمقاصد الشرع في رفع الحرج.
ـ مسألة: وقوع بعرة أو بعرتين من بعر الإبل أو الغنم في البئر لا يفسد الماء استحساناً، والقياس: أن تفسده لوقوع النَّجاسة في الماء القليل.
وجه الاستحسان: أنّ آبار الفلوات ليست لها رؤوس حاجزة، والمواشي تبعر حولها، فتلقيها الريح فيها، فجعل القليل عفواً للضرورة، ولا ضرورة في الكثير، وهو ما يستكثره الناظر إليه في المروي عن أبي حنيفة، وعليه الاعتماد ولا فرق بين الرطب واليابس والصحيح والمنكسر والروث والخثى والبعر؛ لأن الضرورة تشمل الكل (¬1)، تحقيقاً لمقاصد الشرع في رفع الحرج.
ـ مسألة: أن يقول البائع للمشتري: بعت منك على أن تبيعه مني متى جئت بالثمن (¬2)، وهذا ممتنع عند الفقهاء، ولكن لما كانت للناس به حاجة كبيرة وجدنا جمعاً من الفقهاء يجوزونه استحساناً لمقاصد الشرع من رفع الحرج.
فقالوا: فاسد في حق بعض الأحكام, حتى ملك كل منهما الفسخ، صحيح في حق بعض الأحكام: كمنافع المبيع, ورهن في حق البعض، حتى لم يملك المشتري بيعه من آخر ولا رهنه وسقط الدين بهلاكه، فهو مركب من العقود الثلاثة، وجوز لحاجة الناس إليه بشرط سلامة البدلين لصاحبهما (¬3).
¬
(¬1) ينظر: الهداية1: 24.
(¬2) ينظر: تبيين الحقائق 5: 173، ورد المحتار 5: 276، ومجمع الأنهر 2: 430، وغيرها.
(¬3) وشيوعه وانتشاره جعل مجلة الأحكام العدلية تستحسن الأخذ به، كما في (المادة 118). وينظر: رد المحتار 2: 276 - 277، ودرر الحكام 2: 207، وتبيين الحقائق 5: 183 - 184، ومجمع الأنهر 2: 430، وحاشية الشلبي 5: 184، والهداية 9: 236 - 237، والشرنبلالية 2: 207، والعناية 9: 236 - 237، وغيرها.
فكلُّ ما تعارفه النّاس وكان لهم به حاجة، وخلا عن الربا والقمار والمحرمات الظاهرة، كان للفقهاء فرصةٌ بإجازته للناس تحقيقاً لمقاصد الشَّرع من تيسير الأمر به على المسلمين، كما حصل في بيع الوفاء؛ لأنَّه بيع مؤقت، وهذا مخالف للقياس في تأبيد البيع.
وإنَّ كل ما قال فيه الحنفية بالاستحسان، قالوه مقروناً بدلائله وحججه، لا على جهة الشهوة واتباع الهوى، ووجوه دلائل مسائل الاستحسان موجودة في كتبهم، وتقديمهم الاستحسان على القياس؛ لقوة أثره؛ لأنَّ المدار على قوة التأثير وضعفه لا على الظهور والخفاء (¬1).
قال شيخنا السعدي (¬2): «والاستحسان يراه الحنفية وبه قال مالك، وأما قول الشافعي: «مَن استحسن فقد شرع»، فالمرادُ به الاستحسان الذي لم يعتمد على دليل شرعي آخر، بل ما استحسنته العقول وهو موضع إنكار من الجميع، والشافعي تلفظ بالاستحسان في أمور منها: أنَّه قال: «استحسن في المتعة أن تقدر بثلاثين درهماً»، وقال: «رأيت بعض الحكام يحلف على
¬
(¬1) وتفصيل مسائل الاستحسان في الفصول 4: 234 - 249، وكشف الأسرار للبخاري 4: 2 - 8.
(¬2) في المدخل إلى دراسة الفقه ص71 - 72.
المصحف وذلك حسن»، وقال في مدّة الشفعة: «واستحسن ثلاثة أيام»، وقال: «استحسن أن يترك السيد شيئاً من نجوم الكتابة».
وإذا أمعنا النظر في استدلال القائلين به والمنكرين له، فإنا لا نجد خلافاً بين الطرفين، فالكلُّ يقولون بمشروعيته: أي حكم ثبت استحساناً إلا أنَّ الخلاف في إطلاق الاسم على ذلك، وإن ما استدل به المنكرون يقول به المثبتون بأن كلّ استحسان ليس مبنياً على دليل، بل منطلق من الهوى والتشهي فهو مرفوض».
فالحاصل أنَّه أساس في البناء عند الحنفية، وعند غيرهم موجودٌ ضمناً من خلال التطبيقات أو بمسميات أخر.
وهذا النَّوع من الاستحسان يشترك فيه المجتهد المطلق والمجتهد في المذهب أيضاً، وهو أبرز أنواع الاستحسان في تحقيق مقاصد الشرع؛ لأن مداره قواعد الرسم، وهي عين مقاصد الشَّريعة.
والحاصلُ أنَّ هذا الأصلَ الكبير في الاستنباط والتَّطبيق المسمى بالاستحسان قد أبدع باستخراجه إمام الفقهاء أبو حنيفة يُعَدُّ أداةً وقاعدةً منضبطة في مراعاةِ مقاصد الشَّريعة في استنباط وترجيح الفروع الفقهية للمجتمعات والبلدان، يما يُراعي مصالحهم ويرفع الحرج عنهم، ويجعل الإسلام مرناً قابلاً للتَّطبيق في زمانٍ ومكانٍ بلا مشقّةٍ أو مضرّةٍ.
وبهذا يظهر أنّ المقاصدَ الشَّرعيّةَ تُحقَّق بصورةٍ تلقائيةٍ إن وُجدت أصولٌ مقاصديةٌ صحيحة، وتُعَدُّ هذه الأصول الأدوات السَّليمة في فهم الشَّريعة، وإزالة التَّعارض بين نصوصها، فالأصولُ من المجتهدين لم توضع إلا للتَّوصل لمقاصد الشريعة في عامّة فروعها، وهي طريقُ ذلك، ولا يُمكن أن نَحصل على المقاصد الشَّرعيّة بلا أصول مقاصديةٍ قادرةٍ على تحقيقِ ذلك، صادرةٍ عن مجتهدين مطلقين معترف بهم.
* * *
المطلب الثالث: سدّ الذرائع والمقاصد:
وهي ما كان ظاهره الإباحة ويُتوصَّلُ به إلى فعل محظور (¬1).
هذا المركب لقب في اصطلاح الفقهاء لإبطال الأعمال التي تؤول إلى فساد معتبر، وهي في ذاتها لا مفسدة فيها، فمقصد سد الذرائع مقصد تشريعي عظيم استفيد من استقراء تصرّفات الشريعة في تفاريع أحكامها، وفي سياسة تصرفاتها مع الأمم (¬2).
فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة وسيلة للمفسدة منع الإمام مالك من ذلك الفعل في كثير من الصور (¬3).
قال القُرطبيُّ: «سدُّ الذرائع ذهب إليه مالك وأصحابه وخالفه أكثر الناس تأصيلاً، وعملوا عليه في أكثر فروعهم تفصيلاً» (¬4).
ومعلوم أن أصل مسمّى سدّ الذرائع غير موجود عند الحنفية، وتبحث فروعه تحت الاستحسان، ولأبي حنيفة تأصيل مختلف عن غيره من المجتهد
¬
(¬1) ينظر: البحر المحيط 8: 89.
(¬2) ينظر: المقاصد لابن عاشور ص 201 - 203.
(¬3) ينظر: الفروق 2: 32.
(¬4) ينظر: البحر المحيط 8: 89.
فيما يتعلق بسدّ الذريعة، ويوضح ذلك ما يسمّى بأصل الإعانة على الحرام على التفصيل الآتي:
ـ مسألة: يُكره بيع السِّلاح إلى أهل الفتنة ـ وهم البغاة ـ إذا كان يعلم أنَّهم من أهل الفتنة وفي عسكرهم؛ لأنَّ الواجب قلع سلاح أهل الفتنة بما أمكن حتى لا يستعملوه في الفتنة، فالمنع من بيعه أولى تحقيقاً لمقصد الشريعة من دفع المضرة عن المسلمين، ولأنَّ المعصية تقوم بعين السلاح فيكون إعانة لهم وتسبيباً؛ ولأنَّ في بيعه معونة لأهل الفتنة علينا، ولأنَّه من باب الإعانة على الإثم والعدوان والمعصية، وهو منهي عنه؛ قال - جل جلاله -: {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].
وعن عمران بن الحصين - رضي الله عنه -: «أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع السلاح في الفتنة» (¬1)، ولأنَّ بيع السلاح في أيام الفتنة اكتساب سبب تهييجها، وقد أمرنا بتسكينها، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها» (¬2).
¬
(¬1) في صحيح البخاري 2: 741 معلقاً، وسنن البيهقي5: 327، وقال: رفعه وهم، والموقوف أصح. والجرح والتعديل8: 102، والكامل2: 51، وضعفاء العقيلي4: 139، وتاريخ بغداد 3: 278، ومسند البزار9: 63، وقال: وهذا الحديث لا نعلم أحداً يرويه عن النبي إلا عمران بن حصين، وعبد الله اللقيطي ليس بالمعروف، وبحر بن كنيز لم يكن بالقوي، ولكن ما نحفظه عن رسول الله إلا من هذا الوجه فلم نجد بداً من إخراجه، وقد رواه سلم بن زرير عن أبي رجاء عن عمران موقوفاً، ومعجم الطبراني 18: 136، والسنن الواردة في الفتن2: 409، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 4: 87: فيه بحر بن كنيز، وهو متروك. وقال ابن حجر في التلخيص3: 18: ضعيف، والصواب وقفه.
(¬2) قال النجم: رواه الرافعي في أحاليه عن أنس، وعند نعيم بن حماد في كتاب الفتن عن ابن عمر بلفظ: «إنَّ الفتنة راتعة في بلاد الله تطأ في خطامها لا يحل لأحد أن يوقظها، ويل لمن أخذ بخطامها» كما في كشف الخفاء2: 108، وفي التدوين في تاريخ قزوين1: 291 عن أنس مرفوعاً.
أما إن لم يكن يعلم أنَّ المشتري منهم، فلا كراهة فيه؛ لأنَّ الغلبة في دار الإسلام لأهل الصلاح، وعلى الغالب تُبنى الأحكام دون النادر، ولأنَّ الأصل عدم الكراهةـ ولا صارف عنه (¬1).
ويكره بيعه أيضاً من قُطّاع الطريق واللصوص؛ لأنَّ قُطّاع الطريق من أهل الفتنة (¬2)، ففيه إعانة لهم على قتل المسلمين بغير حق وسلب أموالهم وانتهاك أعراضهم، فتحقق فيهم المعنى المقاصدي في الإضرار بالمسلمين كما هو الحال في أهل البغي.
¬
(¬1) ينظر: التبيين 3: 296، والهداية 4: 364، والجوهرة 2: 286، ودرر الحكام1: 306، ورمز
الحقائق1: 329، والبحر الرائق 5: 155، ومجمع الأنهر 1: 701، والمجتبى ق357، وشرح ملا مسكين 176، وشرح الوقاية1: 329، وعمدة الرعاية2: 385، وكشف الحقائق 1: 329، وغيرها.
(¬2) ينظر: البحر الرائق 5: 154، والنهر الفائق 3: 268، وعمدة الرعاية2: 385، وحاشية الخادمي على الدرر149، وغيرها.
ـ مسألة: يكره بيع السلاح وما شابه ذلك من أهل الحرب، ولا فرق في ذلك بين ما قبل الموادعة وبين ما بعدها؛ لأنَّها على شرف الانقضاء أو النقض، وهذا لأنَّهم يتقوون بالسلاح على قتال المسلمين، وقد أُمرنا بكسر شوكتهم، وقتل مقاتلتهم؛ لدفع فتنة محاربتهم، كما قال الله - جل جلاله -: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} الأنفال: 39، فعرفنا أنَّه لا رخصة في تقويتهم على محاربة المسلمين؛ لما فيه من تحقيق مقصد الشريعة في رفع الضرر عن المسلمين (¬1).
وأيضاً يكره بيع كل ما فيه تقوية لهم على المسلمين مما هو أصل آلات الحرب مما يقدره أهل الاختصاص؛ لأنَّه يصنع السلاح (¬2)، بخلاف بيع الطعام فإنه لا يكره لكنَّه خلاف الأولى؛ وإن كان القياس أن يمنع من حمله إلى دار الحرب؛ لأنَّه به يحصل التقوي على كل شيء، والمقصود إضعافه، ولأنَّ المسلم مندوب أن يستبعد من المشركين، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تستضيئوا بنار المشركين» (¬3).
¬
(¬1) ينظر: مختصر الطحاوي 442، والمبسوط4: 1410، والهداية 5: 461، وفتح القدير 5: 461، والهندية 2: 197 - 198، وغيرها.
(¬2) ينظر: المحيط البرهاني 1: 136 وغيره.
(¬3) في سنن البيهقي الكبير 8: 127، وسنن النسائي 8: 176، ومسند أحمد 3: 99.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «أنا بريء من كل مسلم مع مشرك لا تراءى نارهما» (¬1).
وفي حمل الأمتعة إليهم للتجارة نوع مقاربة معهم، ولأنَّهم يتقوون بما يحمل إليهم من متاع أو طعام، وينتفعون بذلك، فالأولى ألا يفعل، إلا أنا عرفنا جواز نقل الطعام إليهم استحساناً بالنصّ، وهو حديث ثمامة - رضي الله عنه -، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّه ذكر قصة إسلام ثمامة - رضي الله عنه -، وفي آخره قوله لأهل مكة حين قالوا له: «أصبوت؟ فقال: إني والله ما صبوت، ولكني أسلمت وصدّقت محمداً وآمنت به، وأيم الذي نفس ثمامة بيده لا تأتيكم حبة من اليمامة ـ وكانت ريف مكة ما بقيت ـ حتى يأذن فيها محمد - صلى الله عليه وسلم -، وانصرف إلى بلده، ومنع الحمل إلى مكة حتى جهدت قريش، فكتبوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة يحمل إليهم الطعام، ففعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» (¬2).
ووجه آخر للاستحسان هو المعنى المقاصدي للشريعة برفع المضرة عن المسلمين، وجلب المنفعة لهم؛ لأنَّ المسلمين يحتاجون إلى بعض ما في ديارهم من الأدوية والأمتعة، فإذا منعناهم ما في ديارنا فهم يمنعون أيضاً ما في ديارهم، ولأنَّ التاجر إذا دخل إليهم ليأتي المسلمين بما ينتفعون به من
¬
(¬1) في المعجم الكبير 4: 114، وسنن البيهقي 9: 142، وسنن أبي داود 3: 45، وسنن النسائي 4: 225.
(¬2) في سنن البيهقي الكبير 9: 66، وغيره.
ديارهم، فإنَّه لا يجد بداً من أن يحمل إليهم بعض ما يوجد في ديارنا، فلهذا رخصنا للمسلمين في ذلك (¬1).
فلما كانت المضرّة ظاهرة، وهي معنى مقاصدي أصيل في الشريعة، من قتل المسلمين والفتك بهم، وطغيان أهل الفتنة أو الحرب عليهم، وإن كان يتوسط بين فعل المعصية وبيع السلاح فعل فاعل مختار، تُرك أصل الإعانة على الحرام المعمول به فيما يأتي إدارةً للحكم مع المقصد الشَّرعي؛ ولأنَّه ورد النَّصُّ الشَّرعي في النَّهي عن بيع أهل الفتنة دخل فيه أهل الحرب؛ لأنَّ فتنتهم وخطرهم أعظم على المسلم.
ـ مسألة: لا يكره بيع العصير من المشتري الذي يعلم أنَّه يتخذه خمراً عند أبي حنيفة (¬2)، ـ وهو قول إبراهيم، وحكاه ابن المنذر عن الحَسَن وعطاء والثوري ـ، سواء علم البائع أنَّ المشتري سيتخذ منه الخمر أو لا؛ لأن المعنى المقاصدي أنَّ الضررَ في بيع السلاح يرجع إلى العامّة، فكان كبيراً، وفي بيع العصير يرجع إلى الخاصّة (¬3)، فكان قليلاً.
¬
(¬1) ينظر: المبسوط4: 1410، والمحيط1: 135، والهداية، وفتح القدير 5: 461، وغيرها.
(¬2) لكنَّه يكره بيع العصير ممن يتخذه خمراً عند أبي يوسف ومحمد - رضي الله عنهم -، كما صرح به صاحب المبسوط 24: 26 وغيره، ووجه ذلك عندهما: أنَّه استحسان؛ لأنَّ بيع العصير والعنب ممن يتخذه خمراً إعانة على المعصية، وتمكين منها، وذلك حرام، وإذا امتنع البائع من البيع يتعذَّر على المشتري اتخاذ الخمر، فكان في البيع منه تهييج الفتنة، وفي الامتناع تسكينها.
(¬3) ينظر: البناية 5: 903، وحاشية اللكنوي على الهداية 4: 361.
فيتجاوز عنه في مقابل منفعة أعظم، وهي صحّة العقود المباحة في نفسها بدون التفات لحال المشتري ومقصده؛ لأنّ فتح هذا الباب يُلحقُ ضرراً كبيراً بالمسلمين، بأن فعلك هذا يُوصل إلى محرم، فيتعذَّر عليهم القيام بالبيعات وسائر العقود، كما هو الحال في زماننا عندما لم تَعُد الدُّول تهتم بحرمات الشَّرع وشرائعه، فيصعب أن يُحمَّل هذه المسؤولية العامة للفرد.
ويستدل لهذا المعنى المقاصدي بالقياس؛ لقوله - جل جلاله -: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ} البقرة: 275، وقال الثوري - رضي الله عنه -: «بِع الحلال ممن شئت» (¬1). وقد تمّ بأركانه وشروطه، ولأنَّه لا فساد في قصد البائع، فإنَّ قصده التجارة بالتصرّف فيما هو حلال لاكتساب الربح، وإنَّما المحرم والفساد في قصد المشتري اتخاذ الخمر منه، {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} الأنعام: 164.
وبسبب العصير مشروب طاهر حلال، فيجوز بيعه وأكل ثمنه؛ لأنَّ المعصية لا تقوم بعينه ـ أي بنفس العصير ـ، بل بعد تغيّره وصيرورته أمراً آخر ممتازاً عن العصير بالاسم والخاصّة، فصار عند العقد كسائر الأشربة من عمل ونحوه، ولأنَّ العصير يصلح لأشياء جائزة شرعاً فيكون الفساد إلى اختيار المشتري، ولأنَّ هذا الشرط لا يُخرجها عن ملك المشتري ولا مطالب له، ولأنَّ العصير ليس بآلة المعصية، بل يصير آلة لها بعدما يصير خمراً.
¬
(¬1) كما في تاريخ ابن معين 4: 10، والمغني لابن قدامة 4: 154.
ـ مسألة: لا يكره حمل خمر ذمي بأجر، فيطيب له الأجر عند أبي حنيفة (¬1)؛ لأنَّ الإجارة على الحمل، وهو ليس بمعصية، وليس بسبب للمعصية، وهو الشرب، وإنَّما تحصل المعصية بفعل فاعل مختار، ولأنَّ حديث: «لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، وآكل ثمنها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه» (¬2) محمول على الحمل المقرون بقصد المعصية ـ أي: شرب الخمر ـ، ولأنَّ الشَّرب ليس من ضرورات الحمل؛ لأنَّ حملَها قد يكون للإراقة أو للتخليل.
فدلالة الفروع واضحةٌ في أنَّ ما قامت المعصية بعينه: كالخمر يُكره، وما لم تقم المعصية بعينِهِ لا يُكره: كبيع العصير ممن يتخذه خمراً أو حمل الخمر.
¬
(¬1) وعند أبي يوسف ومحمد لا أجر له، كذا ذكر في الأصل، وذكر في الجامع الصغير 484: أنه يطيب له الأجر في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وعندهما يكره، كما صرح به صاحب المبسوط 16: 38، والبدائع 4: 190.
وحجَّتهما فيما ذهبا إليه: أن هذه إجارة على المعصية؛ لأن حمل الخمر معصية لكونه إعانة على المعصية، وقد قال - جل جلاله -: قال - جل جلاله -: {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} المائدة: 2.
(¬2) من حديث ابن عمر وابن عباس وابن مسعود وأنس - رضي الله عنهم - في المستدرك2: 37، وسنن البيهقي الكبير5: 327، وسنن أبي داود3: 326، والمعجم الأوسط8: 16، ومسند أحمد2: 97، والمعجم الصغير2: 45، ومسند أبي يعلى9: 431، والأحاديث المختار6: 181، قال أبو عبد الله المقدسي: إسناده حسن. وسنن الترمذي3: 589، ومسند عبد بن حميد1: 229، والمعجم الكبير12: 233، وموارد الظمآن1: 333، وغيرها. وينظر: نصب الراية6: 166 - 168.
وبيَّنوا أنَّ ما لم تقم المعصية بعينه: أي ما تغيّر عن حالته بعد البيع، بأن كان قابلاً لأن يستفاد منه في أشياء مباحة ومحرمة، لكن بفعل الفاعل المختار، هو الذي اختار المحرمة، فانقطعت نسبته عن البائع أو الحامل، فتحقق المعنى المقاصدي للشريعة بأن تبقى العقود المباحة في نفسها جائزة شرعاً دفعاً للمضرة عن المسلمين.
ـ مسألة: يكره بيع المزامير؛ لأنَّ المعصية تقوم بعينها (¬1).
ولا يكره بيع ما يتخذ منه المزامير: كالخشب والقصب وغيرهما، لا يكره؛ لأنَّه إنَّما يصير مزماراً بفعل غيره (¬2)؛ لأنَّ عينه ليست منكراً، وتوسط فاعل مختار.
واختلفت المزامير عن الخمر في وجود الكراهة لا البطلان، قال البزدوي: «كرهنا بيع المزامير، وأبطلنا بيع الخمر، ولم نر ببيع العنب بأساً، ولا ببيع الخشب، وما أشبه ذلك» (¬3).
¬
(¬1) ينظر: البدائع 5: 232، 7: 142، والهداية 4: 364، والتبيين 3: 297، وفتح القدير 5: 460 - 461، 6: 108، والعناية 6: 108، وشرح فخر الإسلام على الجامع الصغير، وغيرها.
(¬2) ينظر: البدائع 5: 232، 7: 142، والهداية 4: 364، والبناية5: 903.
(¬3) ينظر: فتح القدير5: 461، ودرر الحكام1: 284، وغيرها.
ـ مسألة: لا يكره إجارة بيت؛ ليتخذه بيت نار ـ أي معبداً للمجوس ـ؛ أو بيعة ـ أي: معبداً لليهود ـ أو كنيسة ـ أي: معبداً للنصارى ـ أو يباع فيه خمر بالسَّواد أي أماكن أهل الذمة (¬1)؛ لأنَّ الإجارة على منفعة البيت، ولهذا يجب الأجر بمجرد التَّسليم، ولا معصية فيه، وإنَّما المعصية بفعل المستأجر، وهو مختار فيه لقطع نسبته عنه، ولأنَّه لو آجره لسكنى الذمي جاز، وهو لا بد له فيه من عبادته.
ـ مسألة: لا يُكره أن يؤجر نفسه؛ ليعمل في الكنيسة ويُعمرها، ويطيب له الأجر؛ لأنَّه لا معصية في عين العمل (¬2).
ـ مسألة: لا يكره أن يؤجر نفسه؛ ليرعى الخنازير، ويطيب له الأجر؛ لأنَّها مال متقوم في حقِّهم بمنزلة الشَّاة والبعير في حقّنا (¬3).
فشرط أبو حنيفة لتحريم المسائل التي فيها إعانة على الحرام، أن تكون العين منكرةً لا تُستعمل إلاّ في المحرَّم: كالخمر والخنزير، فيكون البيعُ فيها
¬
(¬1) هذا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وقالا: لا ينبغي أن يكريه لشيء من ذلك؛ لأنَّه إعانة على المعصية.
(¬2) هذا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، ويكره عندهما، ينظر: رمز الحقائق 2: 273، والدر المختار6: 391، حاشية أبي السعود 3: 406، وفتاوى قاضي خان، والدرر المباحة 81، وغيرها.
(¬3) عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، ويكره عندهما. ينظر: المبسوط 16: 39، والتبيين 6: 29، رمز الحقائق 2: 273، وحاشية أبي السعود 3: 406، والشرنبلالية 1: 320، والدرر المباحة 81.
باطلاً، ويمنع منها تحقيقاً لمقصد الشريعة من دفع الضرر عن المسلمين، وما يكون الضَّرر فيه أقلّ كالمزامير اقتصر فيها الحكم الكراهة دون البطلان.
وأمَّا ما تكون العينُ فيه غيرَ منكرةٍ بأن تُستعمل في الحلال والحرام، وتخلَّلها فعلُ فاعل مختار، فلا تمنع، فأجاز تأجير البيت ليعمل فيه معبد لليهود أو النصارى، وأباح العمل في تعمير الكنيسة ورعي الخنازير؛ لأنَّه لا معصية في عين العمل (¬1)
واستثنى من هذه القاعدة بيع السلاح وكلُّ ما يُستفاد منه في تقويةِ الكُفَّار على
المسلمين أو بيعِ السِّلاح من أهل الفتنة؛ لما فيه من مضرة عظيمة من قتل المسلمين (¬2).
فالحاصلُ عند أبي حنيفة أنَّ ما قامت المعصية بعينه فحرامٌ كبيع الخمر، ومعنى بعينه: أن عينه منكرا لا تقبل إلا الفعل المحظور، وإن ما لم تقم المعصية بعينه فغير مكروه، ويطيب أجره، ومعنى ذلك؛ أنَّ عينه ليست منكراً، بأن يكون المقصود الأصلي منها ليس المعصية، وإنَّما هي أمر عارض
¬
(¬1) ينظر: الهداية6: 165 - 166، والمبسوط 16: 38 - 39، والدر المختار6: 391 - 292، وغيرها.
(¬2) ينظر: البدائع5: 232، 7: 142، ودرر الحكام1: 306، ورمز الحقائق1: 329، وغيرها.
يحصل بفعل فاعل مختار فتنقطع نسبته عن البائع أو غيره، أما في الأعمال فيكفي فيما لم تقم المعصية بعينه أن يتوسط فعل فاعل مختار، كما في رعي الخنازير وتعمير الكنيسة.
ومَن تأمَّل قول أبي حنيفة وَجَدَ أنَّه فيه معنى مقاصدي في جلب المنافع
للمسلمين ودفع المضار، لا سيما في هذا الزَّمان خاصّة تيسيراً وفرجاً كبيراً؛ بسبب عدم قيام الدول على شعائر الدين، واختلاط الحرام بالحلال وكثرة المعاصي والفجور، فتكون رخصةً كبيرةً؛ لتحليل أموال المسلمين.
وعلى هذا التَّفصيل يظهر أنّ هذا المبحث ليس من أصول الاستنباط، وإنّما من أصول البناء؛ لأنّ أصل الإعانة على الحرام أصل فقهي وليس أصوليّّ، ولكن لما كان يكثر الكلام عن سدّ الذّرائع في المقاصد، لزم علينا أن نتحدث عما يقرب منها عند الحنفية عند الكلام عليها.
* * *
المطلب الرابع: المصلحة والمقاصد:
المصلحة: كلُّ منفعةٍ داخلةٍ في مقاصد الشَّارع دون أن يكون لها شاهدٌ بالاعتبار أو الإلغاء (¬1).
والمنفعةُ التي قصدها الشَّارعُ الحكيمُ لعباده من حفظ دينهم ونفوسهم وعقولهم ونسلهم وأموالهم طبق ترتيب معيّن فيما بينها (¬2).
وسُميت مرسلة لإرسالها: أي إطلاقُها عمّا يدلّ على اعتبارها أو إلغائها شرعاً، قال القَرافيُّ: «إنَّ ما جُهِل حالُه من الإلغاء والاعتبار هو المصلحة المرسلة التي تقول بها المالكية» (¬3).
¬
(¬1) ينظر: ضوابط المصلحة ص 330، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي ص 156، والاستصلاح والمصالح المرسلة للزرقا ص 39.
(¬2) ينظر: ضوابط المصلحة ص 24.
(¬3) ينظر: التقرير والتحرير 3: 151.
فيشترط أن يعلم كونها مقصودةً للشَّرع بالكتاب أو السنة أو الإجماع، إلا أنَّها لم يشهد لها أصل معين بالاعتبار، وإنَّما يعلم كونها مقصودةً لا بدليل واحد، بل بمجموع أدلّة وقرائن أحوال وأمارات متفرّقة، ومن أجل ذلك تُسمّى مصلحةً مرسلةً، ولا خلاف في اتباعها إلا عندما تعارضها مصلحة أُخرى، وعند ذلك يأتي الخلاف في ترجيح إحدى المصلحتين.
قال الشَّاطبيُّ (¬1): «المراد بالمصلحة عندنا ما فُهِم رعايتُه في حقِّ الخلق من جلبِ المصالح ودرءِ المفاسد على وجهٍ لا يستقلُّ العقلُ بدركِهِ على حال، فإذا لم يشهد الشَّرع باعتبار ذلك المعنى بل يردُّه كان مردوداً باتفاق المسلمين».
فهذا المعنى المذكور للمصلحة المرسلة عند المالكية يُشبه مرحلة التَّخريج من القواعد الفقهية؛ لأنّ عامّة الفروع الفقهية لا يشهد لها دليلٌ خاصٌّ بالاعتبار أو الإلغاء، وإنّما تندرج تحت الأصول الفقهيّة المستخلصة من القرآن والسُّنة والآثار.
وكثيراً ما نجد فرعاً يتجاذبه أكثر من أصل كما مَرَّ سابقاً في الاستحسان، فنلحقه بأحدِهما لأمارات توجب ذلك.
وهذه المرحلةُ من التَّخريج قام بها المجتهدُ المطلق بعد أن استخرج القواعد الفقهية، وتستمر حياة الفقه بها من خلال معرفة أحكام المستجدات
¬
(¬1) في الاعتصام2: 169.
على يد المجتهدين في المذهب، وهي الوسيلةُ العلميةُ الوحيدةُ للتَّفريع الفقهي.
لذلك كان الطَّرح السَّابق غريباً جداً، وكأنَّ عامّةَ الفروع مستنبطةٌ من القرآن والسنة، وبقي النَّزر اليسير منها، فعرف حكمها بالمصلحة المرسلة، وهذا مخالفٌ للواقع؛ لأنّ الأدلة الشَّرعية محصورة، وهي عدّة آلاف في حين أنّ الفروعَ الفقهية بالملايين، فما يشهد له دليل صريح من الكتاب والسُّنة نزرٌ يسيرٌ جداً منها، وبقيّةُ الفروع مستخرجةٌ من قواعد أُخذت من القرآن والسُّنة، هكذا هو البناء الفقهي.
وما يمثل به للمصلحة المرسلة: أنَّ الكفار إذا تترسوا بالأسرى المسلمين، وكان بحيث لو كففنا عنهم لغلبونا على دار الإسلام وقتلوا أهلها أو الجيش ويقتلون الأسرى أيضاً، ولو رميناهم لقتلنا الأسرى الذين لم يذنبوا وهم معصومو الدم ولا دليل في الشرع يبيحه، فيجوز أن يقول قائل الأسرى مقتولون على كل حال، فحفظ أهل القطر أقرب إلى مقصود الشرع؛ لأنا نعلم قطعاً أنَّ قصده تقليل القتل كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان.
وحيث لم نقدر على الحسم فقد قدرنا على التقليل، فهي مصلحة لم يكن بالضرورة أنها مقصود الشرع لا بأصل واحد معيّن، بل بأدلة خارجة عن الحصر مع أن تحصيلها بهذه الطريق وهو قتل من لم يذنب غريب لم يشهد له
أصل معين، لكنَّها توفرت فيها شروط ضرورية وقطعية وكلية لأهل القطر كله، فيعمل بها قطعاً (¬1).
وهذا المثال لا نزاع فيه عند الحنفية وغيرهم؛ لأنّ القواعد الفقهية تقتضي دفع الضَّرر العام في مقابل الضَّرر الخاصّ، وبالتَّالي تقدَّم حفظ حياة الأمّة في مقابل حياة أفراد من المسلمين تترس بهم الكفّار، فهذا مستفادٌ من قواعد الشَّرع المستقاة من عشرات الأدلة الشّرعيّة.
أنواع المصلحة:
إن المتتبع للمصالح يجد أنها إما مصلحة شرعية معتبرة، وإما مصلحة عقلية مردودة، وتفصيل ذلك:
أولاً: اعتبار النظر المصلحي الشرعي:
إنّ تفويضَ تقدير المصالح لنا في الأحكام ظاهرٌ في الشَّريعة، فهي تعطي المكلّف حقّاً أن يختار ما يُناسبه بما يحقِّقُ مصلحته في أمواله وزواجه وعلاقاته وأعماله، لكن بما لا يتعارض مع دينه؛ لأنّ بعض الأمور يخفى على الإنسان إدراكها، فيحتاج للشَّرع ليكشف له حقيقتها، كما هو الحال في الزِّنا والاختلاط والتَّبرج والرِّبا والقمار وغيرها، فإنّ العقول لا تدرك مضارها ابتداءً، فتكون النَّجاة بمعرفة ضررها بالشَّرع.
¬
(¬1) ينظر: الفكر السامي 2: 155 - 15، وغيرها.
لذلك كان الضَّمان لتحقق أنّ هذه المصلحة الموجودة حقيقة أو وهمية أن لا تتعارض مع قواعد الشَّرع الحكيم، فما لا يتعارض من المصالح مع الشَّرع، فهو مصلحةٌ شرعيّةٌ مقصودةٌ ومرغوبةٌ، وما خالف من المصالح قواعد الشَّرع، فهي مصلحةٌ موهومةٌ؛ لأنّها مصلحة عقليةٌ مجردة استندت للعقل دون الشَّرع، فلا اعتبار بها.
ومراعاةُ الشَّرع لتحقيق المصلحة للعباد أمر تدور عليه الشَّريعة؛ لذلك عُرف الدِّين: بأنّه «وضعٌ إلهيٌّ سائقٌ للبشر إلى ما هو خيرٌ لهم في الدَّارين» (¬1)، فإنّ الدِّين يسعى لقيادة الإنسان إلى كلِّ ما هو خيرٌ له في دُنياه وأُخراه، وهذا ما يسعى له كلُّ واحدٍ منا، والدِّين يُحقِّق له ذلك. ومما يدلُّ على ذلك:
1.تحقيقُ وظيفة الحاكم بفعل الأصلح للرَّعية:
إنّ وظيفة الحاكم هي إدارة الدولة، ولا بُدّ أن تكون هذه الإدارة راشدة، تُحقِّق الأصلح في كلِّ المجالات لمواطنيها، فهي المسؤولةُ عن رعايتهم، والقيام على أمرهم، وتحقيق الرَّفاه لهم، ودفع الظُّلم عنهم، وتأمين المستقبل لهم ولأبنائهم.
فيكون دائماً تفكير الحاكم متوجهاً نحو تحقيق المصلحة الكاملة لمواطنيه، ولذلك ضبط فقهاؤنا الأفاضل قاعدة الحكم: «التَّصرُّف على الرعية منوط بالمصلحة».
¬
(¬1) ينظر: مقالات الكوثري ص179.
قال علي حيدر (¬1): «أي إن تصرّف الرّاعي في أمور الرعية يجب أن يكون مبنياً على المصلحة، وما لم يكن كذلك لا يكون صحيحاً، والرعية هنا: هي عموم الناس الذين هم تحت ولاية الولي».
وشرحها أحمدُ الزَّرقا فقال (¬2): «أي إن نفاذ تصرّف الرّاعي على الرعية ولزومه عليهم شاؤوا أو أبوا معلَّق ومتوقف على وجود الثمرة والمنفعة في ضمن تصرفه، دينية كانت أو دنيوية، فإنها تضمن منفعة ما وجب عليهم تنفيذه، وإلا رد؛ لأنّ الراعي ناظر، وتصرفه حينئذٍ مترددٌ بين الضَّرر والعبث، وكلاهما ليس من النَّظر في شيء.
والمراد بالرَّاعي: كلُّ مَن ولي أمراً من أمور العامة، عاماً كان كالسلطان الأعظم، أو خاصّاً كمَن دونه من العمال، فإن نفاذ تصرفات كل منهم على العامة مترتب على وجود المنفعة في ضمنها؛ لأنه مأمور من قبل الشارع أن يحوطهم بالنُّصح، ومتوعد من قبله على ترك ذلك بأعظم وعيد».
فعن معقل بن يسار - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن استرعي رعيةً، ثمّ لم يحطها بنصحه لم يرح ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة مائة عام» (¬3).
¬
(¬1) في درر الحكام1: 57.
(¬2) في شرح القواعد الفقهية ص309.
(¬3) في مسند الروياني2: 330.
وعن عبد الرحمن بن سمرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما استرعى الله عبداً رعية فلم يحطها بنصحه إلا حَرَّم اللهُ عليه الجنة» (¬1).
ومن أمثلته:
ـ مسألة: لو عفا السُّلطان عن قاتل مَن لا ولي له لا يصحّ عفوه، ولا يسقط القصاص؛ لأنّ الحقّ للعامة، والإمام نائبٌ عنهم فيما هو أنظر لهم، وليس من النظر إسقاط حقّهم مجاناً، وإنما له القصاص أو الصلح (¬2).
ـ مسألة: لو أبرأ الحاكم عن حقٍّ من حقوق العامة، أو أجّل الدّين على الغريم بدون رضا الدائن لم يجز (¬3).
ـ مسألة: لو أنّ السُّلطان ترك العشر لمَن هو عليه جاز، غنياً كان أو فقيراً، لكن إذا كان المتروك له فقيراً فلا ضمان على السلطان، وإن كان غنياً ضمن السلطان العشر للفقراء من بيت مال الخراج لبيت مال الصدقة (¬4).
ـ مسألة: لو أمر الحاكم شخصاً بأن يستهلك مالاً من بيت المال أو مالاً لشخص آخر، فإذنه غير صحيح حتى أنّ الحاكم نفسه لو استهلك ذلك المال يكون ضامناً (¬5).
¬
(¬1) في مسند الشهاب2: 21.
(¬2) ينظر: شرح القواعد الفقهية ص309.
(¬3) ينظر: المصدر السابق ص310.
(¬4) ينظر: مجمع الضمانات1: 393.
(¬5) ينظر: درر الحكام شرح مجلة الأحكام1: 57.
قال ابنُ عابدين (¬1): «إذا كان فعل الإمام مبنياً على مصلحة فيما يتعلَّق بالأمور العامّة لم ينفذ أمره شرعاً إلا إذا وافقها، فإن خالفها لا ينفذ، ولهذا قال الإمام أبو يوسف في «كتاب الخراج» (من باب إحياء الموات): وليس للإمام أن يخرج شيئاً من يد أحد، إلا بحقٍّ ثابتٍ معروف».
وبهذا يتبين أنّ وظيفة الحاكم والحكومة مقيَّدةٌ بتحقيق المصلحة للشَّعب، وولايتهم ولاية نظر ومصلحة، وليس لهم همٌّ إلا تقدير مصالح
المجتمع وتحقيقها، فالحكومات وجدت لتحقيق مصالح الشُّعوب.
2. وضعت العقوبات التعزيرية لتحقيق المصلحة بدفع ضرر الفساد:
فما يشيع في كتب الفقه من مصطلح سياسةً أو تعزيراً، يقصد بها تقديرُ عقوبة من قبل القاضي لفعل ما ليس فيه عقوبةٌ مقدرةٌ في الشَّريعة؛ لدفع الفساد.
والعقوباتُ المقدَّرةُ في الشَّريعةِ هي الحدودُ والقصاصُ والدِّيات، وما عداها من العقوبات، فهي متروكةٌ للدَّولة تُقدِّرها بما يكون رادعاً للنَّاس، وبالتَّالي يكون ما عدا الحدود الخمسة السَّابقة والقصاص في النَّفس والأطراف، وهو يمثلُ كلَّ العقوبات إلا هذا النَّزر اليسير جداً، فإنّه مفوَّضٌ
¬
(¬1) في العقود الدرية2: 214.
إلى الدَّولةِ، وللقاضي تقديره على حسب الزمان والمكان والشَّخص؛ لما فيه مصلحة المسلمين.
قال الطَّرابلسيُّ (¬1): «وهي بابٌ واسعٌ تضلّ فيه الأفهام، وتزل فيه الأقدام، وإهماله يُضيع الحقوق، ويُعطل الحدود، ويُجرئ أهل الفساد، ويعين أهل العناد، والتَّوسعُ فيه يفتح أبواب المظالم الشَّنيعة، ويُوجب سفك الدِّماء وأخذ الأموال الغير الشرعية».
وهذه العقوبات سياسةً وتعزيراً إن كان تقديرها صحيحاً، فهي عادلةٌ، تُوصل الحقوق لأصحابها، وإن كان تقديرها خاطئاً، فهي ظالمةٌ تُضيع حقوق الخلق، قال المقريزيّ (¬2): «السِّياسة نوعان: سياسةٌ عادلةٌ تخرج الحقّ من الظَّالم الفاجر، فهي من الشَّريعة علمها من علمها، وجهلها من جهلها، والنَّوع الآخر سياسةٌ ظالمةٌ، فالشَّريعة تحرِّمها».
وهذا يعني أن العقوبات فيما عدا الحدود والجنايات، فإنها مفوّضة لنا تقدير بهما يحقق المصلحة العامة للمسلمين، وإن كان الحدود شرعت من الله - عز وجل - لمصلحة الناس، قال المرغيناني (¬3): «القصاص يصلح للتماثل، وفيه مصلحة الأحياء زجراً وجبراً فيتعين».
¬
(¬1) في معين الحكام ص169.
(¬2) ينظر: المواعظ والاعتبار 3: 384، وينظر: البحر الرائق5: 76.
(¬3) في الهداية4: 443.
3. أن ولاية القاضي نظرية «لتحقيق المصلحة»:
هذه القاعدةُ وإن كانت مندرجةً في الأولى، لكنها أُفردت بالذكر لأهميتها والتَّنبيه
عليها، ومعناها أن القاضي ولي أمر المسلمين؛ لتحقيق المصلحة لهم، فيتحرّى ما هو الخير والأفضل للمسلمين ويعمل به.
قال المَرغينانيُّ (¬1): «وإن كان فيه مصلحةٌ أجازه الحاكم؛ لأنّ ركنَ التَّصرُّف قد وُجد، والتَّوقف للنَّظر له، وقد نُصب الحاكم ناظراً له، فيتحرَّى المصلحة فيه».
وقال البَزْدَويُّ: «ينبغي أن يفوض الأمر إلى رأي القاضي في هذا إن رأى المصلحة في التحليف على السبب حلف على السبب، وإن رأى المصلحة في التحليف على الحاصل حلف على الحاصل، قال: لأنّ من النَّاس مَن يكون تحليفه على السبب أولى، ومنهم مَن يكون تحليفه على الحاصل أولى، فيفوض إلى رأي القاضي» (¬2).
وقال علي حيدر (¬3): «كذلك القاضي لا تعتبر تصرفاته في الأمور العامة وأحكامه ما لم تكن مبنيةً على المصلحة .... والحاصلُ يجب أن يكون تصرُّف
¬
(¬1) في الهداية3: 279.
(¬2) ينظر: المحيط8: 165.
(¬3) في درر الحكام 1: 58.
السُّلطان والقاضي والوالي والوصي والمتولي والولي مقروناً بالمصلحة، وإلا فهو غيرُ صحيح ولا جائز».
4. التَّرجيح بين قولين بالمصلحة:
فإنّه إن وجد في المسألة قولان فأكثر، فيُعمل بما تشهد له المصلحة من الأقوال، ومن ذلك:
ـ مسألة: «لو غاب الزَّوجُ حال كونه قادراً على أداء النفقة، ولكن لا يوفي حقّها، فأظهر الوجهين أنّه لا فسخ فيها، ولكن يبعث الحاكم إلى حاكم بلده ليطالبه إن كان موضعه معلوماً، والثاني ثبوت الفسخ، وإليه مال جمع من أصحابنا، وأفتوا بذلك للمصلحة» (¬1).
ـ مسألة: عن أبي يوسف: «أنهم إن قصدوا في المصر بالسلاح يجري عليهم أحكام قطاع الطريق، وإن قصدوا بالحجر، والخشب، فإن كانوا خارج المصر فكذلك، وإن كانوا بقرب منه أو في المصر، وإن كان بالليل فكذلك أيضا، وإن كان بالنهار لا يجري عليهم أحكام قطاع الطريق، واستحسن المشايخ هذه الرواية، وبه يفتى كما في أكثر الكتب نظراً لمصلحة الناس بدفع شر المتغلبة المفسدين» (¬2).
ـ مسألة: «الزَّوجُ إذا أوفى زوجته معجَّل مهرها، فهل له أن يُسافر بها أو لا؟ ... واختار بعضهم تفويض ذلك للمفتي، فمتى عَلِم من حاله
¬
(¬1) ينظر: درر الحكام1: 414.
(¬2) ينظر: مجمع الأنهر1: 631، ودرر الحكام2: 86.
الإضرار بها أفتاه بعدم الجواز، ومتى عَلِم منه غير ذلك أفتاه بالجواز, وقد نصوا في مثل هذا على أنّ المفتي لا بُدَّ له من نوع اجتهاد، وأنه يُفتي بما وقع عنده من المصلحة» (¬1).
5.بناء المجتهد المطلق لمسائله بما يحقق المصلحة المتوافقة مع القواعد:
فإنّ المجتهدَ المطلقَ في وضع مسائل الفقه لا تغيب المصلحة عن ناظريه، بما لا يتعارض مع القواعد الفقهيّة التي استنبطها من القرآن والسنة، والاستحسان هو الأساس في تحقيق ذلك، فإن وجدت فرعاً مخالفة للمصلحة في وضعه استحسن بإلحاقه بأصل آخر تحقيقاً لمقاصد الشرع الحكيم، ومن أمثلة ذلك:
ـ مسألة: «تقبل شهادة النساء وحدهنّ فيما لا يطلع عليه الرِّجال كالولادة والبكارة وعيوب النساء»؛ لأنّه لا بُدَّ من ثبوت هذه الأحكام، ولا يُمكن الرِّجال الاطلاع عليها، وإنَّما يطلع عليها النِّساء على الانفراد، فوجب قبول شهادتهنّ على الانفراد تحصيلاً للمصلحة» (¬2).
ـ مسألة: «يعزل لو خان كالوصي رعاية لمصلحة الوقف وإن شرط الواقف أن لا يعزل؛ لأنه شرط مخالف لمقتضى الشرع» (¬3).
¬
(¬1) في شرح القواعد الفقهية ص: 149.
(¬2) ينظر: الاختيار2: 140.
(¬3) ينظر: درر الحكام2: 140.
6.يفتى في المستجدات بما يظهر من المصلحة المتوافقة مع القواعد:
فإنّ ما يجد من أحداث ومسائل يلزم المجتهد في المذهب أن يفتي بها بما يحقق المصلحة فيها، وبما يكون مندرجاً تحت قواعد الفقه، قال البَزَازيُّ (¬1): «إنَّ المفتي إنما يُفتي بحسب ما يقع عنده من المصلحة» (¬2)، ومن أمثلته:
ـ مسألة: «كان أبو جعفر البُخاريّ: يجيز في الضِّياع ثلاث سنين؛ لأنّ مصلحةَ الوقف في ذلك؛ لأنّ المستأجرَ لا يرغب في أقلّ من ذلك» (¬3).
ـ مسألة: «لا بأس بالاستخبار عن الأخبار المحدثة في البلدة هو المختار؛ لما فيه من المصلحة» (¬4).
ثانياً: المصلحة العقلية المجردة:
إن كانت المصلحةُ نابعةً من مجرد التَّفكير العقلي المجرد، بلا التفات منها للشَّرع، فهي مصلحةٌ عقليةٌ مردودةٌ، لا سيما إن كانت تعارض ما هو أقوى منها من المصالح الشَّرعيّة المعتبرة المذكورة في القرآن والسُّنة، المقعدة ضمن قواعد الشَّرع المعتبرة، التي توافقت عليها الأمّة بلا نزاع فيها، من المسائل المجمع عليها.
¬
(¬1) في الفتاوى البزازية 2: 16.
(¬2) ينظر: الأشباه 1: 188.
(¬3) ينظر: المحيط6: 141.
(¬4) ينظر: المحيط5: 405.
قال السَّرَخْسيُّ: «علَّل بعضُ مشايخنا بقلّة المؤنة فيما سقته السَّماء وبكثرتها فيما سقي بغرب أو دالية، وهذا ليس بقوي، فإنَّ الشَّرع أوجب الخمس في الغنائم، والمؤنة فيها أكثر منها في الزِّراعة، ولكن هذا تقدير شرعيّ فنتبعه، ونعتقد فيه المصلحة وإن لم نقف عليها» (¬1)، فكانت المصلحة فيما يُقدِّره الشَّارع الحكيم لا فيما نقدِّره.
واعتبار المصلحة العقلية أصل تُبنى عليه الأحكام باطل من وجوه عديدة منها:
1.أنَّ من المعلوم لدى كلّ عاقل أنَّ الذِّهنَ البشري محدود القدرات، فإحاطته بالأمور إحاطةً تامةً غير متيسرة، وإلا لما احتجنا إلى الشَّريعة السماوية؛ لتنظيم أمور حياتنا، فخالق هذا العقل أنزل له شريعةً يسترشد بها في دنياه، وتوصله إلى السَّعادة في أخراه، فإذا اعتمدنا في بيان الأحكام الشرعية على عقلنا، وما يرشدنا له من خير، لم يعد بيننا وبين أهل القوانين الوضعية فرقٌ؛ لأنَّهم استرشدوا بعقولهم لبيان ما يصلح حياتهم وسنِّ قوانين تنظمها، فكان ما نرى في عالمنا من الويلات في مختلف البلاد.
لكن المسلم يرى أنَّ المصلحة الحقيقية هي المصلحة التي يراها الشارع وإن خالفت المصلحة العقلية؛ لأنَّنا نعتقد أنَّ شريعتنا من خالق العقل وكلّ
¬
(¬1) ينظر: العناية2: 246.
شيء، وهو يعلم علماً أزلياً ما يصلح حياتنا، وما فيه خيرنا، فدينُه حقّ وخيرٌ، بخلاف العقل، فإنَّه كثيراً ما يتوهم مصالح، وتكون العاقبة مفسدة.
وهذا ليس إهمالاً منا لمكانة العقل وأهميته، وإنَّما إنزال لكلِّ شيء في مكانه، فالتَّشريعُ حقّ الله تعالى لا غير، والعقلُ الشَّرعيُّ المتزن بضوابط الشريعة وظيفته استفراغ جهده وقدرته في بيان مراد الله ومقصده، وهذه هي المصلحة الشرعية، لا أن يصور لنا مصلحةً عقليةً متوهمة، فهذا تشريع بشري مرفوضٌ عند كلِّ مسلم حريص على دينه.
ومن العبر المتعلقة بذلك ما «ذكر الحافظ أبو شامة المقدسي أنَّ نور الدين الشهيد ـ ذلك الملك الصالح الذي لا نظير له في ملوك الإسلام ـ لما ولي الحكم كانت البلاد على أسوأ حالة يتصورها متصور من جميع النواحي، ففكر عقلاء الدَّولة فيما يجب السَّير عليه في إصلاح شؤون البلاد، ورأوا أنَّ مجردَ تنفيذ أحكام الشَّرع عند ثبوت إجرام المجرمين ثبوتاً شرعياً لا يكفي في قمعهم ومنعهم من المضي في إفساداتهم، فلا بُدّ من أخذهم بأحكام قاسية سياسية حتى يستتب الأمن وتصلح الأحوال، فرجوا من العالم الصالح الشيخ عمر الموصلي ـ بالنظر إلى أنَّه الناصح الأمين عند جلالة الملك قبل توليه الحكم ـ أن يوصل إلى مسامعه ذلك الرأي الحصيف في حسبانهم.
فقبل رجاءهم، وكتب إلى الملك يوصيه بالضَّرب على أيدي الآثيمين بأحكام صارمة بدون انتظار إلى ثبوت إجرامهم ثبوتاً شرعياً، وبعد أن قرأ الملك توصية الشيخ كتب على ظهر الورقة ما معناه:
حاشا أن أُجازي أحداً بجرم لم يثبت ثبوتاً شرعياً، وحاشا أن أتهاون في عقوبة مجرم ثبت جرمه ثبوتاً شرعياً، ولو جريت على ما رسمته التَّوصية لي لكنت كمَن يفضل عقله على علم الله - عز وجل -، ولو لم يكن هذا الشرع كافياً في إصلاح شؤون العباد لما بعث به خاتم رسله.
ولما اطلع الشَّيخ على هذا التوقيع الملكي الحازم، بكى بكاءً مراً، وقال: يا للخيبة! كان الواجبُ علي أن أقول ما قاله الملك، فانعكس الأمر، فتاب من توصيته أصدق توبة.
وجرى الملك في تسيير الأمور على ما رسمه الشرع، فصلحت البلاد وزال الفساد في مدة يسيرة، وأصبحت تلك الأصقاع، بحيث لو سافرت غادة حسناء وحدها ومعها أثمن الجواهر والأحجار الكريمة من أقصى البلاد إلى أقصاها، لما حدثت أحداً نفسه أن يمسّها بسوء لا في مالها، ولا في عرضها، وقد اكتظت كتب التَّاريخ بما تم على يد هذا الملك العظيم من الإصلاحات الهامة، ودفع عدوان الصَّليبيين من أرض الشام، بل من أرض مصر أيضاً بتجريد جيش تحت إمرة أحد قواده» (¬1).
قال الكوثري: (¬2) «وأحكام الشَّرع لا تنتهي عجائب أسرارها في الإصلاح، وليست هي كأحكام العقول الخاطئة، وها هي الدولة الإسلامية
¬
(¬1) ينظر: مقالة: شرع الله في نظر المسلمين ص182 - 183.
(¬2) في مقالة شرع الله ص183 - 184.