مخالفات الإمام الموصلي في الصيد ...........
.... والكراهية والفرائض من الاختيار والمختار
جارٍ تحميل الكتاب…
مخالفات الإمام الموصلي في الصيد ...........
.... والكراهية والفرائض من الاختيار والمختار
الطبعة الأولى
1445هـ ـ 2024م
مخالفات الإمام الموصلي
في الصيد والكراهية والفرائض
من الاختيار والمختار
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
ملخص البحث:
اهتممتُ في هذا البحث بثلاث مسائل متفرِّقة من الصيد والكراهية والفرائض، خالف فيها الإمامُ الموصليُّ المعتمدَ في المذهب، وهي يرجع في التعليم لحل الصيد لأهل الخبرة، ويستحب الأكل ليتمكن من الصلاة قائماً، ويعطى اليقين ويوقف المشكوك إن علم موت أحدهما أولاً ولا يدرى من هو، حيث بيَّنتُ محلَّ النِّزاع فيها وأقوال العلماء وأدلتهم والمعتمد في المذهب وسبب الاختلاف من أصول بناء أو أصول تطبيق.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمّد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، ومَن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإن كتاب شرح «الاختيار» ومتنه «المختار» شاع وانتشر بين الطلبة والعلماء والباحثين والمفتين والقضاة، وكلُّهم ينهل منه، فاحتاج إلى دراسات تمحصُّه مسائله وتتبع فروعه.
وبعد نظر مستفيض أثناء تدريس وشرح وتعليق وتحقيق للكتاب وقفت على ما يقرب من عشرين مسألة غير معتمدة فيه، أعرض فيها هذا البحث ثلاث مسائل خالف فيها المعتمد في الصيد والكراهية والفرائض أذكرها في هذا البحث مفصلة في تحرير محل نزاعها وأقوال العلماء وأدلتهم وبيان المعتمد وسبب الخلاف فيها.
بحيث تصبح جليةً واضحةً للدارسين، وهذا كلُّه يَصبّ في بيان المكانة الرفعية لهذا الكتاب، بحيث أنه يَندر وجود مسألة غير معتمدة فيه، وفي نفس الوقت يُنَّبِّه الباحثين على تلك المسائل المخالف للمعتمدة ليتعرَّفوها ويتجَّنَّبوها ولا يفتوا أو يقضوا بها.
وأهمية البحث: تكمن في بيان مسائل غير المعتمدة من كتب الصيد والكراهية والفراض في كتاب مشهور شائع كـ «الاختيار» و «المختار»؛ ليتنبّه الدارس له إلى عدم التسليم بها، وحتى يتعرّف على هاتين المسألتين، والأسباب التي أوصلته للمخالفة فيهما.
ومشكلة البحث: تكمن في الإجابة عن: هل للإمام الموصلي في مخالفات في كتب الصيد والكراهية والفرائض من «المختار» خالف فيها المعتمد من المذهب؟ وما هي المسائل التي خالف فيها؟ وما هو المعتمد في المذهب؟ وما هي الأسباب الداعية له لهذه المخالفة؟
ولم أقف على دراسةٍ سابقةٍ اهتمّت بجمع مخالفات الإمام الموصلي في كتب الصيد والكراهية والفراض من «الاختيار» و «المختار».
والمنهج المتبع هو المنهج الاستقرائي في جمع المسائل من «الاختيار» «المختار»، ثم المنهج المقارن في مقارنتها بالمسائل الموجودة في كتب المذهب؛ ليتميّز موافقته أو مخالفته للمعتمد في المذهب، ثم المنهج التّحليلي للتعرّف على أسباب المخالفة للمذهب.
ورمزتُ للمخالفات في «الاختيار» بـ (خ) بجوار المسألة، وللمخالفات في «المختار» بـ (م)؛ لما في ذلك من الفائدة أنّ المخالفة كانت في المتن أو الشرح.
وتحقيقاً للمقصود فقد قسمتُ البحث إلى ثلاثة مطالب وخاتمة:
المطلب الأوّل: يرجع في التعليم لحل الصيد لأهل الخبرة.
والمطلب الثّاني: يستحب الأكل ليتمكن من الصلاة قائماً.
والمطلب الثالث: يعطى اليقين ويوقف المشكوك إن علم موت أحدهما أولاً ولا يدرى أيهم هو.
والخاتمة: في أهمّ نتائج البحث.
سائلاً المولى - عز وجل - التّوفيق والسَّداد إلى المراد.
المطلب الأول: يرجع في التعليم لحلّ الصيد لأهل الخبرة: (م)
قال الإمام الموصلي (¬1): «وتعليمُ ذي النَّاب كالكَلْبِ ونحوه تَرْكُ الأكل، وذِي المِخْلَب كالبازي (¬2) والصَّقر ونحوهما الاتباعُ إذا أُرسل والإجابةُ إذا دُعِي، ويَرْجِعُ في معرفةِ التَّعليم إلى أهل الخِبْرة بذلك، ولا تَأقيت فيه؛ لأنّ المقاديرَ لا تعرف اجتهاداً بل سماعاً، ولا سَمْعَ، فيُفَوَّضُ إلى أهل الخبرة به، ولأنّ ذلك يختلفِ باختلافِ طِباعِها، ورَوَى الحَسَنُ عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنّه قال: لا تأكل أوَّل ما يَصيده ولا الثَّاني، وكُل الثَّالث.
¬
(¬1) في المختار والاختيار5: 5.
(¬2) البازي: وهو جنس من الصقور الصغيرة أو المتوسطة الحجم، تميل أجنحتها إلى القِصَرِ، وتميل أرجلها وأذنابها إلى الطول، كما في هامش المنحة3: 115.
وقال أبو يوسف ومحمّدٌ - رضي الله عنهم -: إذا تَرَكَ الأكل ثلاث مرّات صار مُعَلَّماً، ولا يؤكلُ الثَّالث؛ لأن ّالعلم لا يثبت بالترك مَرّةً لاحتمال أنه تركه شَبَعاً أو خوفاً من الضَّرب، فلا بُدّ من المَرَّات، وأَقلُّه ثلاثةٌ؛ لأنّها لإبلاءِ الأَعْذار، ولا يُؤكل الثَّالثُ؛ لأن بعدها حَكمنا بكونِهِ عالماً.
وعلى روايةِ الحَسَن - رضي الله عنه -: يُؤكلُ؛ لأنّ بالثَّالثةِ عَلِمْنا أنّه عالمٌ، فكان صيدُ جارحةٍ مُعلَّمةٍ فيؤكلُ».
أولاً: تحرير محل النزاع:
اتفقوا بحلّ الصيد مَن تعلم من سبع أو طير، واختلفوا متى يكون
معلماً، هل بإخبار أهل الخبرة، أو بترك الأكل في الثالثة، أو بترك الأكل ثلاثاً، وهذا محلّ النقاش.
ثانياً: أقوال العلماء وأدلتهم:
الأول: يتعلم بإجتهاد صاحبه أنه تعلم، قال ابن ملك (¬1): «روي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنَّه لم يوقِّت في التعليم شيئاً، بل فوض إلى اجتهاد صاحبه، فإن كان أكبر رأيه أنَّه صار معلماً، فهو معلم؛ لأنَّ نصب المقادير لا يكون بالرأي؛ إذ لا مدخل للقياس في معرفته، ففوض إلى رأي المبتلى به».
¬
(¬1) في منية الصيادين ص61.
والثاني: يتعلم بإخبار أهل الخبرة أنه تعلم، قال ابن ملك (¬1): «وقيل: فوضه إلى أهل هذه الصنعة، فإن قالوا: إنَّه تعلم فهو معلم، وإلا فلا».
قال البرهاني (¬2): «وكان أبو حنيفة لا يحد في ذلك حداً، ولا يوقت وقتاً، وكان يقول: إذا كان معلماً، فَكُلْ وربما كان يقول: إذا غلب على ظن الصائد أنه معلم، وربما كان يقول: نرجع في ذلك إلى قول أهل العلم من الصائدين، فإذا قالوا: صار معلماً، فهو معلم».
والثالث: يتعلم بترك الأكل في الثالثة، فتحل الثالثة، وهو المشهور في المذهب، وهي رواية الحسن عن أبي حنيفة، واختارتها المتون كـ «تحفة الملوك» و «الوقاية» (¬3) و «الغرر» (¬4).
قال ابن عابدين (¬5): «وعند أبي حنيفة - رضي الله عنه - لا بُدّ أن يغلب على ظَنّ الصَّائد، وأنّه مُعَلَّمٌ، ولا يُقَدَّرُ بالثَّلاث، ومَشَى في «الكنز» و «النقاية» و «الاصلاح» و «مختصر القدوري» على اعتبار التقدير بالثلاث، وظاهر «الملتقى» ترجيح عدمه، ثم على رواية التقدير عن الإمام يحلّ ما اصطاده
¬
(¬1) في منية الصيادين ص61.
(¬2) في المحيط6: 64.
(¬3) 5: 118.
(¬4) 1: 273.
(¬5) في رد المحتار6: 464.
ثالثاً، وعندهما في حلّ الثالث روايتان، قال في «الخلاصة» و «البزازية»: والأصح الحلّ».
وبسبب جمع الحلبي لما في المتون ذكر ما في «المختار» وغيره من المتون، وقَدَّم ما في «المختار»؛ لأنه قول أبي حنيفة، ففي «الملتقى» (¬1): «ويثبت التعلم بغالب الرأي أو بالرجوع إلى أهل الخبرة، وعندهما وهو رواية عن الإمام يثبت في ذي الناب بترك الأكل ثلاثا».
قال في «البزازية»: وفي الثالث روايتان: أي عنهما والأصح أنه يحل (¬2).
قال البرهاني (¬3): «وروى الحسن عنه إذا ترك الأكل ثلاثاً فهو معلم، وهو قول أبي يوسف ومحمد في ظاهر روايتهما؛ لا يحل الثالث ولنا يحل الرابع، وروي عنهما أيضاً أنه يحل الثالث» (¬4).
والرابع: يتعلم بترك الأكل ثلاثاً، فتحل الرابعة، وهو قول الصاحبين، كما سبق.
ثالثاً: القول المعتمد:
¬
(¬1) 1: 257.
(¬2) ينظر: الشرنبلالية1: 273.
(¬3) في المحيط6: 64.
(¬4) ينظر: الجوهرة2: 177، والبحر8: 252.
يرجح روية الحسن عن أبي حنيفة أنه التعلم يتحقق بترك الأكل ثلاثاً، ويحل الأكل في الثالثة؛ لكونه مختار عامة المتون؛ لأن المعتبر في المذهب هو التقدير فيما ترك التقدير فيه الإمام، وهاهنا حصل التقدير من الإمام في رواية الحسن، فكان التعويل عليه.
ويعتبر القول بالتفويض هو ظاهر الرواية عن الإمام، سواء كان بتفويض المبتلى أو أهل الخبرة، لكنه في رتبة قول مصحح؛ للإعراض في عنه في العمل؛ لما فيه من الحرج والشك بالتعلم أو عدمه.
وقول الصاحبين قول في المذهب لم يكن محلاً للتصحيح؛ للاستغناء عنه برواية الحسن، ولقولهما أيضاً بما ورد في رواية الحسن بحلّ الأكل في الثالثة.
رابعاً: سبب الاختلاف:
بني القول بحل الأكل في الثالثة على اعتبار التقدير في الرسم من جهة التيسير في الفتوى والعمل؛ لأن فيما دونه مزيد الاحتمال فلعله تركه مرة أو مرتين شبعاً، فإذا تركه ثلاثاً دلّ على أنه صار عادة له، وهذا؛ لأن الثلاث مدة ضربت للاختبار وإبلاء الأعذار كما في مدة الخيار، وفي بعض قصص الأخيار: ولأن الكثير هو الذي يقع أمارة على العلم دون القليل، والجمع هو الكثير وأدناه الثلاث فقدر بها (¬1).
¬
(¬1) ينظر: الهداية4: 402.
وبني القول بالتفويض للمبتلى وأهل الخبرة؛ للأصل المشهور عن أبي حنيفة بالتفويض للمبتلى وعدم التقدير عنده؛ لأن المقادير لا تعرف اجتهادا بل نصا وسماعا ولا سمع فيفوض إلى رأي المبتلى به كما هو أصله في جنسها (¬1)، قال السرخسي (¬2): «لأن نصب المقادير بالرأي لا يكون، ولا مدخل للقياس فيه، فيكون طريق معرفته الاجتهاد والرجوع إلى من له علم في ذلك الباب، قال الله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43]، وهذا لأن احتمال الشبع كما يكون في المرة يكون في المرات».
المطلب الثاني: يُستحبُّ الأكلُ ليتمكن من الصَّلاة قائماً: (م)
قال الإمام الموصلي (¬3): «ومأجورٌ عليه: وهو ما زادَ عليه؛ لِيَتَمَكَّنَ من الصَّلاة قائماً ويَسْهُلُ عليه الصوم)، قال - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمنُ القويُ أحبُّ إلى الله
¬
(¬1) ينظر: الهداية4: 402.
(¬2) في المبسوط11: 244.
(¬3) في المختار والاختيار4: 172.
تعالى من المؤمن الضَّعيف» (¬1)، ولأنّ الاشتغالَ بما يَتَقَوَّى به على الطَّاعةِ طاعةٌ».
أولاً: تحرير محل النزاع:
اتفقوا على فرضية الأكل ليندفع الهلاك، واختلفوا في فرضية واستحباب الأكل ليتمكن من الصلاة قائماً، وهذا محل النقاش.
ثانياً: أقوال العلماء وأدلتهم:
الأول: يفرض الأكل ليتمكن من الصلاة قائماً؛ لأن ما لا يتم به الفرض فهو فرض، فيكون الأكل قائماً فرض؛ لأن أداء الصلاة قائم فرض، فحكمه كحكم الأكل ليندفع الهلاك، وهذا ما صرَّح به في «تحفة الملوك» (¬2): «فرض: وهو قدرُ ما يندفعُ به الهلاك، ويُمْكِنُ معه الصلاة قائماً»؛ وأَقرَّه العَيني (¬3)، وقال: «لأنَّه سبب يتوصل به إلى إقامة الفرض، فهو فرض، حتى أنه لا يحاسب على هذا المقدار، لأن ما هو سبب للثواب لا يكون سبباً للحساب، وهو مأجور فيه».
¬
(¬1) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمنُ القَوي خيرٌ وأَحَبُّ إلى الله من المؤمن الضَّعيف، وفي كلٍّ خيرٌ احرص على ما يَنْفَعُكَ، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيءٍ، فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قَدَّرَ الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» في صحيح مسلم4: 2052.
(¬2) ص476.
(¬3) في منحة السلوك1: 470.
ومثله قال النحلاوي (¬1).
والثاني: استحباب الأكل ليتمكن من الصلاة قائماً، حيث تابع صاحب «المختار» في «الفتاوى الهندية» (¬2)، و «غرر الأحكام» (¬3) و «ملتقى الأبحر» (¬4)، فقال: «ومندوب: وهو ما زاد ليتمكن من الصلاة قائماً ويسهل عليه الصوم»، ومثله في «التنوير» (¬5).
ومشى عليه في «الشرنبلالية» (¬6) ناقلاً كلام «الاختيار».
واعترض عليه الحصكفي (¬7) على ما في «التنوير» فقال: «مفاده جواز تقليل الأكل بحيث يضعف عن الفرض، لكنَّه لم يجز، كما في «الملتقى» وغيره، قلت: وفي «المبتغى»: الفرض بقدر ما يندفع به الهلاك ويمكن معه الصلاة قائماً، اهـ، فتنبَّه».
¬
(¬1) في الدرر المباحة1: 6.
(¬2) 5: 336
(¬3) 1: 310.
(¬4) ص178.
(¬5) 6: 339.
(¬6) 1: 310.
(¬7) في الدر المختار6: 339.
ووافقه ابن عابدين (¬1)، فقال: «قوله: «فتنبه» إشارة إلى المؤاخذة على المصنف وعلى ما ذكره في «الملتقى» أولاً»، ومثله قال الحموي (¬2).
ثالثاً: القول المعتمد:
يعتمد القول بفرضية الأكل؛ ليتمكن من أداء الصلاة قائماً؛ لفرضية أداء الصلاة قائماً، وقد صرحوا في «المختار» (¬3) و «الملتقى» (¬4) و «تحفة الملوك» (¬5) و «الفتاوى الهندية» (¬6) و «غمز العيون» (¬7) و «الدر المختار» (¬8) وغيرها: «ولا تجوز الرياضة بتقليل الأكل حتى يضعف عن أداء الفرائض».
والصلاة قائماً هي عين هذه المسألة، فمن يضعف عن أداء العبادات يُصلي قاعداً أو مومئاً، وكلُّه اتفقوا على حرمة ترك الأكل بحيث يصل لهذه المرتبة.
¬
(¬1) في رد المحتار6: 399.
(¬2) في غمز عيون البصائر1: 101.
(¬3) 4: 173.
(¬4) ص179.
(¬5) 1: 272.
(¬6) 5: 336.
(¬7) 1: 102.
(¬8) 1: 650.
وبالتالي يكون القول باستحباب الأكل ليتمكن من الصلاة قائماً خطأ، وليس قولاً في المذهب، وقع هذا السهو من القلم أو الذهن من الإمام الموصلي، ثم تابعه مَن جاء بعده كصاحب «الغرر» و «الملتقى» و «الفتاوى الهندية»؛ لذلك ردّه الحصكفي وابن عابدين؛ لأنه مخالف للقواعد، فكان غريباً.
رابعاً: سبب الاختلاف:
بني القول بفرضية الأكل على القاعدة المشهورة: ما لا يتمّ به الفرض فهو فرض، بخلاف القول بالاستحباب، فلا يشهد له أصل ولا فرع؛ لأنه من الخطأ الذي يقع من السهو البشري.
المطلب الثالث: يُعطى اليقين ويُوقف المشكوك إن عُلم موتُ أحدِهما أوّلاً، ولا يُدْرَى أيّهم هو: (خ)
قال الإمام الموصلي (¬1): «الغَرْقى والهَدْمى إذا لم يَعْلَم أَيهم مات أَوَّلاً، فمال كلُّ واحدٍ للأَحياء من ورثتِهِ ... ؛ لأنّه احتمل مَوتهما معاً واحتمل تَقَدُّم أحدِهما، واحتمل تأخره، فوقَعَ الشَّكَّ في استحقاقِهِ الميراث، واستحقاق الأَحياء مُتيقّنٌ، فلا يعارضه الشَّكّ، ولأنّ أحدَهما إن جعل حَيّاً، حتى وَرِث من الآخر، كيف يجعل ميتاً حتى يرثه الآخر، وإن عُلم موتُ أحدِهما أوّلاً، ولا يُدْرَى أيّهم هو، أُعطي كلُّ واحدٍ اليَقين، ووُقِفَ المَشكوكُ حتى يَتبيَّنَ أو يَصطلحوا».
¬
(¬1) في الاختيار5: 112.
وهكذا الحُكم في كلِّ جماعةٍ ماتوا، ولا يُدْرَى أَيُّهم مات أَوَّلاً: كالقَتلى والحَرقى ونحوهم، وهو قول عامّة الصّحابة - رضي الله عنهم - والعلماء (¬1).
وعن عليٍّ وابن مَسعود - رضي الله عنهم -: «أنّه يَرِثُ بعضُهم بَعْضاً إلاّ ما وَرِثَ من صاحبِه» (¬2)، وهو قولُ أبي حنيفة - رضي الله عنه - أوّلاً.
مثاله: أَخوان غَرقاً، ولكل واحدٍ تِسعون ديناراً، وخَلَّفَ بنتاً وأُمّاً وعمّاً، فعند عامّة العلماء تُقْسَمُ تركةُ كلِّ واحدٍ بين الأَحياء من ورثتِهِ: البنتُ والأُمُ والعمُّ على ستّةٍ، ولا يَرِثُ أحدُهما من الآخر.
وعلى قول عليٍّ وابنِ مَسعود - رضي الله عنهم -: يُقْسَمُ التِّسعون للبنتِ النِّصفُ خمسةٌ وأربعون ديناراً، وللأُمِّ السُّدسُ خمسةَ عشرَ ديناراً، والباقي وهو ثلاثون للأخ، ولا شيء للعَمِّ، ثمّ يُقْسَمُ الثَّلاثون بين البنت والأمّ والعمّ أسداساً كما تقدَّم.
أولاً: تحرير محل النزاع:
¬
(¬1) فعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وعن غير واحد من علمائهم: «أنّه لم يتوارث من قتل يوم الجمل-++، ويوم صفين، ويوم الحرة، ثم كان يوم قديد، فلم يورث أحد منهم من صاحبه شيئاً، إلا من علم أنه قتل قبل صاحبه، قال وسمعت مالكاً يقول: وذلك الأمر الذي لا اختلاف فيه، ولا شك عند أحد من أهل العلم ببلدنا» في الموطأ3: 744.
(¬2) فعن علي - رضي الله عنه -: «أنّ أهلَ بيت غرقوا في سفينة، فورث علي بعضهم من بعض» في مصنف ابن أبي شيبة6: 275
اتفقوا على أن من ماتوا معاً لا يرث أحدهم من الآخر، ويجعل في حقه كالميت، واختلفوا فيما تيقنا بسبق أحدهم بالموت، ولم يعلم ما هو، هل يختلف حكمه عما سبق أم لا، بحيث يعطى كل واحد اليقين ويوقف في المشكوك، وهو محل النقاش.
أولاً: أقول العلماء وأدلتهم:
الأول: لا يرث الموتى من بعضهم وإن علمنا بسبق أَحدهم ولم نعرفه، هذا إطلاق عبارة المتون مثل «الملتقى» (¬1) و «تحفة الملوك» (¬2)، والشروح مثل «البدائع» (¬3) و «مجمع الأنهر» (¬4) بلا تفريق؛ لاتحاد الحكم طالما أنها لم نتيقن من مات أولاً عيناً بلا جهالة به.
والثاني: يعطى اليقين لكلِّ من ماتوا معاً ويوقف المشكوك حتى يتبيّن أو يَصطلحوا، وهذا قول للشافعية، وليس له رواية في مذهبنا، وإن ذكره بعض المصنفين، كما أفاده ابن قُطْلوبُغا.
¬
(¬1) ص301.
(¬2) ص 263.
(¬3) 4: 166.
(¬4) 2: 768.
قال ابن عابدين (¬1): «كذا «شرح مجمع» لمصنفه، ومثلُه في «الاختيار»، ومثله في «شرح السراجية» لمصنفها، وتبعه بعضُ شراحها، وعلَّله في «حاشية عجم زاده» بقوله: لأن التذكر غير مأيوس منه.
قال الرَّمليُّ في «حاشيته» على «المنح»، وقد استدرك أيضاً في «معراج الدراية على شرح المجمع» بعبارة «ضوء السراج» الذي هو «شرح السراجية»: وقال العلامة قاسم في «شرح فرائض المجمع»: إن ما ذكره صاحب «المجمع» أخذه من «الاختيار»، وهو قول الشافعية ولا يساعده عندنا رواية ولا دراية، قال في «المبسوط»، وكذا إذا علم أن أحدهما مات أو لا، ولا يدري أيهما هو لتحقُّق التعارض بينهما، فيجعل كأنهما ماتا معاً.
وقال في «المحيط»: فيجعل كأنهما ماتا معاً، وكذلك لو تقدم موت أحدهما إلا أنه لا يدري المتقدم من المتأخر؛ لأن سبب الإرث ثابت للمتأخر منهما، لكن المستحق مجهول، فتعذَّر الإثبات لأحدهما، وصار كما لو أعتق إحدى أمتيه بعينها ثم نسيها لا يحل له وطؤهما لجهالة المملوكة.
وقال في «الأرفاد»: أو مات أحدهما قبل الآخر، وأشكل السابق جُعلوا كأنهم ماتوا معاً، فمال كل واحد لورثته الأحياء، ولا يرث بعض الأموات من بعض هذا مذهب أبي حنيفة، اهـ.
وذكر ذلك أيضاً في «سكب الأنهر» و «شرح الكنز» للمقدسي، وقد لخصت ذلك في «الرحيق المختوم»، وذكرت فيه: أن المتبادر من هذه
¬
(¬1) في رد المحتار6: 798.
العبارات كلها أن محلّ النزاع هو الحالة الثانية، وهي ما إذا علم التلاحق، وجهل عين السابق، وقد خصه في «سكب الأنهر» بالخامسة، وهي ما إذا علم السابق بعينه، ثم أشكل ولعله أخذه من قول العلامة قاسم إنه قول الشافعية، فإن الشافعية ذكروا ذلك في الخامسة فقط كما في «شرح الترتيب» للشنشوري، لكن إذا جرى النزاع في الثانية، يجري في الخامسة بالأولى».
ثالثاً: القول المعتمد:
لا خلاف في المذهب في أن مَن يموتوا معاً كالغرقى كلُّ واحدٍ منهم بالنسبة لغيره كالميت، فلا يرثون من بعضهم البعض، فيُقسم مال كلِّ واحدٍ منهم على ورثته الأحياء، وعليه الاعتماد؛ لعدم الخلاف فيه أصلاً، فلا يجوز تركه والأخذ بقول غيره ما لم يكن ضرورة ظاهرة، والضرورة غير متحقِّقة في هذه المسألة.
ولا عبرة بالقول الآخر؛ لأنه ليس قولاً موجوداً في المذهب، ولا ضرورة في الأخذ به.
ثانياً: سبب الاختلاف:
بني القول بعدم ميراث أحد الموتى من بعضهم إن ماتوا معاً؛ لعدم التيقين بحياة أحدهم، والأمور المالية تبنى على اليقين لا على الشك، فلا يستحق فيها بالشك، قال شيخي زاده (¬1): «ووجهه أن الإرث يبتنى على
¬
(¬1) في مجمع الأنهر2: 769.
التيقن بسبب الاستحقاق وشرطه وهو حياة الوارث بعد الموت فلما لم يتيقن بوجود الشرط لم يثبت الإرث بالشك».
والقول الآخر بُني على قواعد أُخرى تُبنى عليها الأحكام عند الشافعية.
* * *
الخاتمة وأهم النتائج:
1.التزم الإمام الموصلي في كتب الصيد والكراهية والفرائض من شرح «الاختيار» ومتن «المختار» المعتمد في المذهب فيما عدا ثلاث مسائل.
2.قول الإمام الموصلي يرجع في التعليم لحل الصيد لأهل الخبرة، وإن كان هو أصل المذهب، لكنه غير المعتمد، ومخالف للمتون.
3. قول الإمام الموصلي باستحباب الأكل ليتمكن الصلاة قائماً مخالف للمعتمد، حيث إنه مخالف لما أعتمده الموصلي بعد أسطر، وهو مخالف لما هو مقرَّر في غيره من الكتب.
4. قول الإمام الموصلي يُعطى اليقين ويُوقف المشكوك إن عُلم موتُ أحدِهما أوّلاً، ولا يُدْرَى أيّهم هو ليس بقول موجود في المذهب؛ لأنه لا خلاف في المذهب في أن مَن يموتوا معاً كالغرقى كلُّ واحدٍ منهم بالنسبة لغيره كالميت، فلا يرثون من بعضهم البعض، فيُقسم مال كلِّ واحدٍ منهم على ورثته الأحياء.
المراجع:
1. الاختيار لتعليل المختار: لعبد الله بن محمود الموصلي (ت683هـ)، تحقيق: زهير عثمان، دار الأرقم، بدون تاريخ طبع.
2. البحر الرائق شرح كَنْز الدقائق: لإبراهيم ابن نجيم المصري زين الدين (ت970هـ)، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ طبع.
3. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: لأبي بكر بن مسعود الكاساني (ت587هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت. ط2، 1402هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتب العلمية.
4. تحفة الملوك: لمحمد بن أبي بكر الرازي (ت666هـ)، تحقيق: الدكتور عبد الله نذير أحمد، دار البشائر الإسلامية، ط1، 1997م، وأيضاً: بتحقيق: الدكتور صلاح أبو الحاج، دار الفاروق، عمان، ط1، 2006م.
5. تنوير الأبصار وجامع البحار: لمحمد بن عبد الله الخطيب التُّمُرْتاشي الغَزَّي الحَنَفي (ت1004هـ)، مطبعة الترقي بحارة الكفارة، 1332هـ.
6. الدر المختار شرح تنوير الأبصار: لمحمد بن علي بن محمد الحصكفي الحنفي (ت1088هـ)، مطبوع في حاشية رَدّ المُحْتَار، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
7. درر الحكام شرح غرر الأحكام: لمحمد بن فرامُوز بن علي الحنفي المعروف بـ (مُلا خسرو) (ت885هـ)، الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ، وأيضاً: طبعة در سعادت، 1308هـ. وأيضاً: دار إحياء الكتب العربية
8. الدرر المباحة في الحظر والإباحة: لخليل بن عبد القادر النحلاوي، المطبعة العلمية، دمشق، ط3، 1407هـ.
9. ردّ المحتار على الدر المختار: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
10. غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام (الشرنبلالية): لحسن بن عمار بن علي الشرنبلالي (ت1069هـ)، در سعادت، 1308هـ، وأيضاً: طبعة الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ.
11. غرر الأحكام: لمحمد بن فرامُوز ملا خسرو (ت885هـ)، مطبوع مع شرحه درر الحكام، در سعادت، 1308هـ.
12. غمز عيون البصائر على الأشباه والنظائر: لأحمد بن محمد الحموي (ت1098هـ)، دار الطباعة العامرة، مصر، 1290هـ.
13. الفتاوي الهندية: للشيخ نظام الدين البرهانفوري، والقاضي محمد حسين الجونفوري، والشيخ علي أكبر الحسيني، والشيخ حامد بن أبي الحامد الجونفوري، وغيرهم، المطبعة الأميرية ببولاق، 1310هـ.
14. المبسوط: لأبي بكر محمد بن أبي سهل السرخسي توفى بحدود (500هـ)، 1406هـ، دار المعرفة، بيروت.
15. مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر: لعبدِ الرَّحمنِ بنِ محمد الرُّومي المعروف بـ (شيخِ زاده) (ت 1078هـ)، دار الطباعة العامرة، 1316.
16. المحيط البرهاني: لمحمود بن أحمد بن مازه البخاري برهان الدين (ت 616)، إدارة القرآن، المجلس العلمي، كراتشي، 2004م.
17. المختار: لعبد الله بن محمود الموصلي الحنفي (ت683هـ)، تحقيق: زهير عثمان، مطبوع مع الاختيار، دار الأرقم.
18. المصنف في الأحاديث والآثار: لعبد الله بن محمد بن أبي شَيْبَةَ (159 - 235هـ)، تحقيق: كمال الحوت، ط1، مكتبة الرشد، الرياض، 1409هـ.
19. ملتقى الأبحر: لإبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحَلَبي (ت956هـ)، مطبعة علي بك، 1291هـ، وأيضاً: بتحقيق: وهبي سليمان غاوجي الألباني، مؤسسة الرسالة، ط1، 1409هـ.
20. منحة السلوك في شرح تحفة الملوك: لأبي محمد محمود بن أحمد العَيْنِي بدر الدين (762 - 855هـ)، تحقيق: محمد فاروق البدري، بإشراف: د. محيي هلال السرحان، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، ج2، 1421هـ.
21. منحة السلوك في شرح تحفة الملوك: لأبي محمد محمود بن أحمد العَيْنِي بدر الدين (762 - 855هـ)، تحقيق: محمد فاروق البدري، بإشراف: د. محيي هلال السرحان، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، ج2، 1421هـ.
22. منية الصيادين في تعلم الاصطياد وأحكامه: لمحمد بن عبد اللطيف بن فرشته (ت854هـ)، تحقيق: سائد بكداش، دار البشائر الإسلامية، ط1، 1420هـ.
23. موطأ محمد: لم حمد بن الحسين الشيباني (ت189هـ)، تحقيق: الدكتور تقي الدين الندوي، دار السنة والسيرة، بومباي، ودار القلم، دمشق، ط1، 1991مـ.
24. الهداية شرح بداية المبتدي: لأبي الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني (ت593هـ)، مطبعة مصطفى البابي، الطبعة الأخيرة، بدون تاريخ طبع.