مخالفات الإمام الموصلي .........
...... في الصلاة من المختار
جارٍ تحميل الكتاب…
مخالفات الإمام الموصلي .........
...... في الصلاة من المختار
الطبعة الأولى
1445 هـ ـ 2024 م
مخالفات الإمام الموصلي
في الطهارة من المختار
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
ملخص البحث:
اهتممتُ في هذا البحث في باب الصلاة من متون مشهور، وهو «المختار» للإمام الموصلي الذي انتشر تدريسه في كثير من الجامعات والمعاهد الدينية، فوقفت له على اختيارين خالف فيهما المعتمد من المذهب، بمقارنتها بكتب المذهب المعتمدة الأُخرى، وبيَّنتُ محلّ النِّزاع في كلِّ مسألة وأقوال العلماء وأدلتهم والمعتمد في المذهب وسبب الاختلاف من أصول بناء أو أصول تطبيق.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمّد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، ومَن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإنَّ متن «المختار» للإمام الموصلي من المتون المعتمدة عند السادة الحنفية، بل من أشهر وأبرزها، قال ابنُ عابدين: «لا يخفى أنَّ المرادَ بالمتون المتون المعتبرة: كـ «البداية» و «مختصر القدوري» و «المختار» و «النقاية» و «الوقاية» و «الكنز» و «الملتقى»، فإنَّها الموضوعة لنقل المذهب ممَّا هو ظاهر الرواية، بخلاف متن «الغرر» لمنلاخسرو (ت 885 هـ) ومتن «التنوير» للتُّمُرْتاشيّ الغزّي (ت 1004 هـ)، فإنَّ فيها كثيراً من مسائل الفتاوى» (¬1).
وهذا الاعتماد لهذا المتن العظيم راجع لاعتماد المسائل التي اختارها، بحيث لم يخالف المذهب، وبَقِي مُقرراً لمعتمده؛ لذلك في كلِّ كتاب الصلاة
¬
(¬1) ابن عابدين، محمد أمين بن عمر (ت 1252 هـ). شرح عقود رسم المفتي. دار البشائر الإسلامية. ط 1. 2015 م. تحقيق: د. صلاح أبو الحاج ص 37.
الذي يحوي مئات المسائل لم أقف له إلا على مسألتين خالف فيهما المعتمد من المذهب.
وأهمية البحث: تكمن في ذكر مخالفات الإمام الموصلي في كتاب الصلاة من «المختار» الذي شاع وانتشر والتي خالف فيها المعتمد من المذهب؛ ليتنبّه الدارس له إلى عدم التسليم بها، وحتى يتعرّف على هاتين المسألتين، والأسباب التي أوصلته للمخالفة فيهما.
ومشكلة البحث: تكمن في الإجابة عن: هل للإمام الموصلي في مخالفات في كتاب الصلاة من «المختار» خالف فيها المعتمد من المذهب؟ وما هي المسائل التي خالف فيها؟ وما هو المعتمد في المذهب؟، وما هي الأسباب الداعية له لهذه المخالفة؟
ولم أقف على دراسةٍ سابقةٍ اهتمّت بجمع مخالفات الإمام الموصلي في كتاب الصلاة من «المختار».
والمنهج المتبع هو المنهج الاستقرائي في جمع المسائل من «المختار»، ثم المنهج المقارن في مقارنتها بالمسائل الموجودة في كتب المذهب؛ ليتميّز موافقته أو مخالفته للمعتمد في المذهب، ثم المنهج التّحليلي للتعرّف على أسباب المخالفة للمذهب.
واقتصرت في هذا البحث على ذكر مخالفات الإمام الموصلي في كتاب الصلاة من «المختار»، وهما مسألتان، وفي باقي مسائل الكتاب التزم ذكر المعتمد.
وتحقيقاً للمقصود فقد قسمتُ البحث إلى مطلبين وخاتمة:
المطلب الأوّل: صحة الصلاة لمن صلى بلا تحر إن أصاب القبلة في حال الاشتباه.
والمطلب الثّاني: تقدير الارتثاب بأكثر من يوم.
والخاتمة: في أهمّ نتائج البحث.
سائلاً المولى - عز وجل - التّوفيق والسَّداد إلى المراد.
المطلب الأول: صحة الصلاة لمن صلى بلا تحر إن أصاب القبلة في حال الاشتباه: (م)
قال الإمام الموصلي (¬1): «وإن صَلَّى بغيرِ اجتهادٍ فأخطأ أَعاد، وكذلك إن كان عنده مَن يسألُه فلم يَسألْه؛ لأنّه تَرَكَ واجب الاستدلال بالتَّحرِّي والسُّؤال، فإن عَلِمَ أنّه أصاب فلا إعادةَ عليه؛ لوجود التَّوجه إلى القبلة».
أولاً: تحريرُ محلِّ النزاع:
اتفقوا على أنّ المتحرِّي يتوجَّه إلى جهة تحرِّيه، وتكون قبلةً له، وإن كانت القبلة على خلاف ذلك، واختلفوا فيما لو علم بالخطأ في أثناء الصلاة، فعند أبي حنيفة ومحمد: يعيد، وعند أبي يوسف لا يعيد، وليست هذه مسألتنا، واختلفوا فيما لو صلَّى بلا تحر فأصاب عين القبلة هل صلاته صحيحة أم باطلة، وهذا محلُّ النقاش.
ومعلوم أن التحري يكون إن لم تكن القبلة مشاهدة أو توجد علامات تدلّ عليها، فلا يتحرَّى من كان في الصحراء إذا كانت السماء منكشفة غير متغيمة؛ لإمكان الوصول إلى القبلة بواسطة القمر والنجوم، فمَن عرف الاستدلال بها على القبلة لا يجوز له التحرِّي؛ لأن الاستدلال بها فوق التحري (¬2).
¬
(¬1) في المختار والاختيار 1: 47.
(¬2) ينظر: الهدية ص 53، والمنحة 169.
ثانياً: أقوال العلماء وأدلتهم:
الأول: بطلان الصلاة المُتحرِّي وإن أصاب القبلة إن لم يتحرّ في حال الاشتباه، واختاره أصحاب المتون المعتمدة وشراحها كـ «الوقاية» (¬1) وشرحها لصدر الشريعة (¬2) و «المنية» (¬3) وشرحها للحلبيّ، و «الغرر» و «الدرر» (¬4)، و «التنوير» (¬5)، وابن قطلوبغا واللكنوي (¬6)؛ لأنَّ قبلتَه جهة تحرِّيه، ولم يوجد (¬7)، فكان التحري فرض عليه، وقد تركه (¬8).
والثاني: صحة صلاة المتحري إن أصاب القبلة بلا تحرٍ، وهو اختيار ابن الهمام (¬9) والشُّرُنْبُلاليّ (¬10) والحَصكفي (¬11) وغيرهم؛ لأنّ التحرّي لم يقصد لذاته، وإنَّما قصد للإصابة، فإذا حصلت أَغنت عنه (¬12).
¬
(¬1) ينظر: الوقاية2: 116.
(¬2) في شرح الوقاية 2: 116.
(¬3) ينظر: منية والمصلي وحلبي صغير1: 72.
(¬4) ينظر: غرر الأحكام وشرحه درر الحكام1: 61.
(¬5) ينظر: تنوير الأبصار1: 435.
(¬6) ينظر: عمدة الرعاية2: 53ـ 54.
(¬7) ينظر: شرح الوقاية 2: 116.
(¬8) ينظر: منية والمصلي وحلبي صغير1: 72.
(¬9) في فتح القدير1: 271.
(¬10) ينظر في الشرنبلالية1: 61.
(¬11) في الدر المختار1: 435.
(¬12) ينظر: حاشية الطحطاوي على المراقي1: 335.
قال الشُّرُنْبُلالي (¬1) في الرد على كلام ملا خسرو بالصحة: «أقول فيه تأمل ... ، فإذا تبيّن الصواب بطل الحكم باستصحاب الحال، وثبت الجواز من الأصل».
ثالثاً: القول المعتمد:
بطلان الصلاة مَن اشتبهت قبلته ولم يتحرَّ وإن أصاب القبلة؛ لأنّ القبلة في حقه عين التحري، فإن لم يتحر لم يأت بما هو فرض عليه فتبطل صلاته لتركة أحد فرائض الصلاة.
وهذا هو الأصل المعتبر في المسألة الذي نطقت به المتون والمشاهير من الكتب، حيث ألف ابن قطلوبغا رسالة خاصة في تحقيق هذه المسألة.
قال اللكنوي (¬2): «ظاهر هذا التعليل يقتضي عدم الجواز مطلقاً، سواء علم بالإصابة في الصلاة أو بعدها، وكذا ظاهر كلام صاحب «الوقاية» وإن أصاب، وظاهر قول صدر الشريعة في «النقاية» لم يعد مخطئ تحرى، بل مصيب لم يتحر، وإليه مال ابنُ الهمام في بعض تحريراته.
وقال تلميذه قاسم ابن قُطْلوبُغا في رسالته: «الفوائد الجلّة في اشتباه القبلة» بعد نقل هذه العبارات، وعبارة «مختارات النوازل» لصاحب
¬
(¬1) ينظر: في الشرنبلالية1: 61.
(¬2) في عمدة الرعاية2: 53ـ 54.
«الهداية»: لو صلى بلا تحر لَتَرَك ما هو الواجب عليه، وهو التحري، وإن أصاب. انتهى.
المفهوم من هذه العبارات ما هو الظاهر منها، وهو أنّ مَن اشتبهت عليه القبلة فصلى بلا تحر، ثم علم بعد الفراغ أنَّه أصاب لم تجز صلاته، وعليه الاعتماد».
ومَن قال: بصحة صلاته لم ينتبه لهذا الأصل الذي بُنيت عليه المسألة، فبنوها على أصول آخر، وكان ما قدموه فهم وتخريج منهم لها، ولم يكونوا في درجة الفقهاء الذين قالوا بالبطلان.
وحصل اشتباه بين هذه المسألة ومسألة من شرع بلا تحر فعلم إصابته في الصلاة، فعند أبي حنيفة ومحمد: يعيد، وعند أبي يوسف، فجعلوهما مسألة واحدة، كما حصل مع في «الملتقى» و «مجمع الأنهر» (¬1).
بل جعل الحصكفي (¬2) أن المسألة بالصحة بعد الصلاة اتفاقية، حيث شرح عبارة التنوير: «وإن شرع بلا تحر لم يجز وإن أصاب»؛ بقوله: «لتركه فرض التحري إلا إذا علم إصابته بعد فراغه فلا يعيد اتفاقاً».
¬
(¬1) ينظر: ملتقى الأبحر ومجمع الأنهر1: 84.
(¬2) في الدر المختار1: 435.
فقد تناقضت عبارته، حيث ذكر عليه فرض التحرِّي، ثم هذا الفرض ليس متعلِّق بالإصابة، وأنه إن علم بالإصابة فلا خلاف فيها، علماً أن متن «التنوير» يقول غير هذا.
وبالتالي يكون هذا القول نتج نتيجة الفهم الخاطئ والخلط في المسألة فلا عبرة به، ويكون التعويل على القول بالبطلان.
رابعاً: سبب الاختلاف:
بنى القائلون بالبطلان على أن فرض المتحري هو التحري، فإن ترك فرض التحري بطلت صلاته، وهو الأصل المحتكم إليه في المسألة بحيث ظاهر العبارات دالة عليه.
وبنى القائلون بالصحة على أصول أخرى مستفادة من أبواب أخرى منها:
1.أن ما افترض لغيره يشترط حصوله لا غير كالسعي (¬1)، وبالتالي الاستقبال للقبلة فرض للصلاة، فالشرط تحققه لا غير.
2.أنّ التحرّي لم يقصد لذاته، وإنَّما قصد للإصابة، فإذا حصلت أَغنت عنه، وهذا قريب في معناه من الأول.
¬
(¬1) فتح القدير1: 271.
3.إذا تَبيّن الصَّواب بطل الحكم باستصحاب الحال، وثبت الجواز من الأصل، معناه أن حكمنا ابتداء كان بالاستصحاب، فإن تبيَّن حقيقة الحال حكما به.
وهذه الأصول لا تعلق لها بهذه المسألة؛ لأنها لها أصلها الخاص بها، وهي مخالفةٌ لصريح العبارات بالبطلان، فيكون ما قُدِّم أفهامٌ وتخريجاتٌ مخالفةٌ للصريح والمنصوص، فلا يَبعد أن نقول: أنّ القول الثاني هو فهمٌ خاطئٌ وليس المذهب، وفي أحسن أحوالهم هو قول في المذهب.
المطلب الثاني: تقدير الارتثاث بأكثر من يوم: (م)
قال الإمام الموصلي (¬1): «فإن أكل، أو شَرب، أو تَداوى، أو أَوصى بشيءٍ من أُمور الدُّنيا (¬2)، أو باع، أو اشترى، أو صَلَّى، أو حُمِل من المعركةِ حَيّاً، أو
¬
(¬1) في المختار والاختيار 1: 98.
(¬2) وهذا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، واختلفوا في قول أبي يوسف ومحمد - رضي الله عنهم - في اعتبار الإيصاء: فقال صاحب البحر 1: 214: الأظهر أنَّه لا خلاف، فجواب أبي يوسف - رضي الله عنه - بأن يكون مرتثاً فيما إذا كان بأمور الدنيا، وجواب محمد - رضي الله عنه - بعدمه فيما إذا كان بأمور الآخرة، وقال صاحب الدر المختار 1: 610: «إن أوصى بأمور الآخرة لا يصير مرتثاً عند محمد - رضي الله عنه - وهو الأصح، ونقل في البرهان عن كلٍّ من أبي يوسف ومحمد - رضي الله عنهم - قولين، فقال: ويُطْرِدُ أبو يوسف - رضي الله عنه - الارتثاث في الوصية بأمور الدنيا فقط أو مطلقاً، وخالفه محمد - رضي الله عنه - في وصية الآخرة، فلم يجعله مرتثاً أو مطلقاً»، وينظر: غنية ذوي الأحكام 1: 170، والتبيين 1: 249.
آوته خيمةٌ، أو عاش أَكثر من يوم وهو يَعقلُ غُسِّلَ؛ لأنّه نالَ مرافق الحياة (¬1)، فخَفَّ عنه أثر الظُّلم، فلم يَبْقَ في معنى شهداءِ أحد، فإنّهم «ماتوا عطاشاً والكأس يُدار عليهم خوفاً من نقص الشَّهادة، وعن أبي يوسف - رضي الله عنه -: إذا مَضَى عليه وقتُ صَلاةٍ، وهو يَعْقِلُ غُسِّلَ؛ لأنّه وجبت عليه الصَّلاة، وذلك من أحكام الدُّنيا» (¬2).
¬
(¬1) فلم تبق شهادته على جدّتها وهيئتها التي كانت في شهداء أحد الذين هم الأصل في حكمه؛ لأن ترك الغسل على خلاف القياس المشروع في حقّ سائر أموات بني آدم، فيراعى فيه جميع الصفات التي كانت في المقيس عليه, وتمامه في شرح المنية، كما في رد المحتار2: 251.
(¬2) قال ابنُ الهمام في فتح القدير2: 148: «كون هذا وقع لشهداء أحد الله أعلم به، وروى البَيْهَقيُّ في «شعب الإيمان» بسنده عن أبي جهم بن حذيفة العدوي - رضي الله عنه - قال: «انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عمي ومعه شنة ماء فقلت: إن كان به رمق سقيته ومسحت وجهه، فإذا به ينشد، فقلت: أسقيك؟ فأشار أن نعم، فإذا رجل يقول: آه، فأشار ابن عمي أن انطلق به إليه، فإذا هو هشام بن العاص أخو عمرو بن العاص، فأتيته فقلت: أسقيك؟ فسمع آخر يقول: آه، فأشار هشام أن انطلق إليه فجئته، فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام، فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي، فإذا هو قد مات».
وأسند هو والطبراني عن حبيب بن أبي ثابت أن الحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وعياش بن أبي ربيعة: «أثبتوا يوم اليرموك، فدعا الحارث بماء يشربه، فنظر إليه عكرمة فقال: ارفعوه إلى عكرمة، فرفعوه إليه فنظر إليه عياش فقال عكرمة: ارفعوه إلى عياش، فما وصل إلى عياش، ولا إلى أحد منهم حتى ماتوا وما ذاقوا»».
أولاً: تحريرُ محلِّ النزاع:
اتفقوا على أنّ مَن ارتث بأن نال شيئاً من أحكام الدينا كالأكل والشرب ثم مات لم يكن شهيداً، واختلفوا هل يُعَدُ من الارتثاث أن يَمضي عليه وقت صلاة، وهو يَعقل، أم لا بُدّ من مضي يوم وليلة، أو أكثر من يوم، أو غيرها، وهذا محلُّ النقاش.
ثانياً: أقول العلماء وأدلتهم:
الأول: مضي وقت الصلاة للجريح في المعركة مع العقل من الارتثاث، وهذا ما عليه عامة عبارات المتون كـ «القُدُوريّ» و «الوقاية» و «الكنز» (¬1) و «الغرر» (¬2) و «التنوير» (¬3) وغيرها، والشروح كـ «الهداية» (¬4)، و «البدائع» و «التبيين» (¬5)، و «فتح القدير» (¬6) و «البناية» (¬7) و «الدر المختار» (¬8) وغيرها؛ لأنّ
¬
(¬1) 1: 407.
(¬2) 1: 170.
(¬3) 1: 251.
(¬4) الهداية1: 93.
(¬5) التبيين1: 249.
(¬6) فتح القدير2: 249.
(¬7) البناية3: 277.
(¬8) الدر المختار2: 251.
تلك الصلاة صارت ديناً في ذمّته، وهو من أحكام الأحياء، وهذا مروي عن أبي يوسف (¬1).
واشتراط العقل؛ لأنه لو لم يعقل لا يغسل وإن زاد على يوم وليلة (¬2).
وبسبب أنّ «ملتقى الأبحر» (¬3) جمع المتون فقد أضاف عبارة «المختار»، مع عبارة المتون الأخرى، فقال: «أو عاش أكثر من يوم عند أبي يوسف خلافاً لمحمد، أو مضى عليه وقت صلاة وهو يعقل»، فجعل من قوله صورة أخرى للمسألة، في حين أن هذا قول آخر في المسألة.
ويظهر أنّ المشكلة بدأت من «تحفة الفقهاء» (¬4) حيث قال: «يُصلي أو يمضي عليه وقت صلاة وهو يعقل، ويقدر على أداء الصلاة بالإيماء حتى يجب عليه القضاء بالترك، أو يبقى حياً يوماً وليلة في المعركة وإن كان لا يقدر على أداء الصلاة بعد أن كان عاقلاً فهو مرتث، وإن كان حياً أقلّ من يوم وليلة وهو عاقل أو كان مغمى عليه لا يعقل فليس بمرتث وإن زاد على يوم وليلة، وروي عن محمد مثل قول أبي يوسف في جميع ذلك، إلا أنه قال: إن عاش في مكانه يوماً كان مرتثاً سواء كان عاقلاً أو لم يكن، وإن كان أقل من ذلك فليس بمرتث».
¬
(¬1) ينظر: الهداية1: 93.
(¬2) ينظر: رد المحتار2: 251.
(¬3) ص230.
(¬4) 1: 259.
فقوله: «ويقدر على أداء الصلاة بالإيماء حتى يجب عليه القضاء بالترك» (¬1)، هذه العبارة لا حاجة؛ لعدم الفائدة من القيود الواردة فيها؛ لأن المقصود ثبوت صلاة في ذمّته، وشرط مضي الوقت مع العقل، وليس من شرطه الأداء صحيحاً أو إيماء؛ لأن الارتثاث يكون بثبوت حكم من أحكام الدنيا من لزوم الصلاة في الذمة.
وهذا معنى كلام ابن الهمام (¬2) بعد ذكر كلام صاحب «الهداية»: ««قوله: أو يمضي عليه وقت صلاة، وهو يعقل»: أي ويقدر على أدائها حتى يجب القضاء، كذا قَيَّده في «شرح الكنز»، والله أعلم بصحته، وفيه إفادة أنه إذا لم يقدر على الأداء لا يجب القضاء، فإن أراد إذا لم يقدر للضَّعف مع حضور العقل، فكونه يسقط به القضاء قول طائفة، والمختار، وهو ظاهر كلامه في باب صلاة المريض: أنه لا يسقط، وإن أراد لغيبة العقل، فالمغمى عليه يقضي ما لم يزد على صلاة يوم وليلة، فمتى يسقط القضاء مطلقاً؛ لعدم قدرة الأداء من الجريح». حيث بيَّن أنّ ما قاله الشَّارح الزَّيلعيُّ ليس بصحيح علمياً، ومخالف لقواعد الفقه، وقد سبقه الزَّيلعيّ بهذا الخطأ صاحبُ «تحفة الفقهاء».
¬
(¬1) ومثل هذا الخطأ وقع في عبارة درر الحكام1: 170، والدر المختار2: 251.
(¬2) في فتح القدير2: 249.
وفي قول «تحفة الفقهاء»: «أو يبقى حياً يوماً وليلة ... » المشكلة المتعلقة بالبحث، حيث جعلها صورة جديدة، وهي قول آخر في المسألة، كما فعل صاحب «الملتقى».
وهذا ما بيَّنه الزَّيلعيُّ حيث اعتبر أنها روايات أُخرى، وليست صوراً جديدة، فقال (¬1): «مضى عليه وقت الصلاة وهو يعقل، ... وهذا رواية عن أبي يوسف، وقيل: إن بقي يوماً كاملاً أو ليلة كاملة غسل، وإلا فلا، وقيل: إن بقي يوماً وليلة غسل، وإلا فلا؛ لأن ما دون ذلك ساعات لا يمكن ضبطها فلا تعتبر، وإن كان لا يعقل لا يغسل، وإن زاد على يوم وليلة».
ويشهد لذلك كلام الكاسانيُّ شارح «تحفة الفقهاء» حيث قال (¬2): «بقي على مكانه حياً يوماً كاملاً أو ليلة كاملة، وهو يعقل فهو مرتث، وروي عن أبي يوسف: إذا بقي وقت صلاة كامل حتى صارت الصلاة ديناً في ذمته، وهو يعقل فهو مرتث، وإن بقي مكانه لا يَعقل فليس بمرتث، وقال محمّد: إن بقي يوماً فهو مرتثٌ».
وكذلك صاحب «البناية» (¬3) و «الجوهرة» (¬4) ذكرها على أنها أقوال عن أبي يوسف ومحمد، وليست صوراً.
¬
(¬1) التبيين1: 249.
(¬2) في البدائع1: 321.
(¬3) البناية3: 277.
(¬4) الجوهرة النيرة 1: 112، فقال: «وعن أبي يوسف: أنه شرط أن يبقى ثلثي نهار. وعن محمد: يوماً وليلة، وفي نوادر بشر عن أبي يوسف: إذا مكث في المعركة أكثر من يوم وليلة حياً».
والثاني: الارتثاث أن يبقى يوماً كاملاً أو ليلة كاملة غسل، وإلا فلا، وهو رواية عن أبي يوسف، كما سبق.
والثالث: الارتثاث أن يبقى يوماً وليلة غسل، وإلا فلا، وهو قول محمد، كما سبق.
والرابع: الارتثاث أن يبقى أكثر من يوم حياً، وهي رواية «نوادر بشر» عن أبي يوسف (¬1).
فهذه الرواية المهملة التي لا تكاد تذكر في الكتب إلا استطراداً في ذكر الاختلاف، جعلها الإمام الموصلي القول المعتمد الذي ذكره في المتن، وجَعل القول الأَوّل المشهور في الشرح كرواية عن أبي يوسف.
ثالثاً: القول المعتمد:
الارتثاث يكون بمضى وقت صلاة وهو يعقل، وهذا ما اختارته عامّة الكتب متوناً وشرحاً، فكان هو المعتمد، والأقوال الأخرى أقوال ضعيفة لا تصحيح لها في المذهب، ولا عمل عليها، وإنما تذكر لبيان الخلاف.
¬
(¬1) ينظر: البناية3: 277.
رابعاً: سبب الاختلاف:
بني القول الأول على أصل الارتثاث، وهو نيل شيء من أحكام الدنيا، ويكون في الصلاة بمضي وقت الصلاة وهو يعقل، حيث تثبت الصلاة دينه في ذمته، وهذا من أحكام الدنيا، فيكون مرتثاً خارجاً عن أحكام الشهادة.
قال المرغيناني (¬1): «والارتثاث أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يداوى أو ينقل من المعركة حياً؛ لأنه نال بعض مرافق الحياة، ... ولو بقي حياً حتى مضى وقت صلاة وهو يعقل، فهو مرتث؛ لأن تلك الصلاة صارت ديناً في ذمته، وهو من أحكام الأحياء».
وبُنيت الأقوال الأخرى على تقدير مدّة يُصبح به الجريح في المعركة مرتثاً، خارجاً من الشهادة، لكن هذه التقدير لم يكن مبنياً على أصل في الباب، وهو نيلٌ شيء من أحكام الدنيا، فكان التقدير بها ضعيفاً.
* * *
الخاتمة وأهم النتائج:
1.التزم الإمام الموصلي في كتاب الصلاة من متن «المختار» المعتمد في المذهب فيما عدا مسألتين.
¬
(¬1) في الهداية 1: 93.
2.أن الظاهر من عبارات الكتب أنه يخطئ مَن يقول بصحّة الصّلاة بلا تحرٍّ إن أصاب القبلة في حال الاشتباه، وأنه وقع في المسألة خلط من الفقهاء واضطربت عباراتهم فيها، وهذا ما أوقع الإمام الموصلي وكثير من العلماء في هذا الخطأ، كما سبق.
3. أن الإمام الموصلي اختار قولاً الأقوال الضعيفة في مسألة الارتثاث بمرور الزمان، وهو مرور أكثر من يوم، وكافة المتون اختارت القول بمرور وقت صلاة وهو يعقل، وهذا مخالف للمعتمد.
4. أن الحلبي في «الملتقى» بسبب جمعه للمتون المتأخرة ذكر القولين في عامة المتون ومتن «المختار» على أنهما صورتان، وهذا خطأٌ كبيرٌ يَمنع من فهم المسألة البتة، وقد سبقه لجعل الأقوال صوراً صاحب «تحفة الفقهاء»، لكن الكاساني في «البدائع» أَصلح ذلك وبين أنها أقوال وليست صورة.
5. أنّ الزيلعي في «التبيين» ذكر قيوداً للمسألة لا معنى لها كما نبَّه على ذكرها المحقِّق ابن الهمام في «الفتح»، فلينتبه لذلك؛ لأنّ عبارت المسألة مختلطة ومضطربة في الكتب.
المراجع:
1. الاختيار لتعليل المختار: لعبد الله بن محمود الموصلي (ت 683 هـ)، تحقيق: زهير عثمان، دار الأرقم، بدون تاريخ طبع.
2. البحر الرائق شرح كَنْز الدقائق: لإبراهيم ابن نجيم المصري زين الدين (ت970هـ)، دار المعرفة، بيروت، بدون تاريخ طبع.
3. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: لأبي بكر بن مسعود الكاساني (ت587هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت. ط2، 1402هـ، وأيضاً: طبعة دار الكتب العلمية.
4. البناية في شرح الهداية: لأبي محمد محمود بن أحمد العَيْنِي بدر الدين (762 - 855هـ)، دار الفكر، ط1، 1980مـ.
5. تبيين الحقائق شرح كَنْز الدقائق: لعثمان بن علي الزيلعي فخر الدين (ت743هـ)، المطبعة الأميرية، مصر، ط1، 1313هـ.
6. تحفة الفقهاء: لعلاء الدين محمد بن أحمد السَّمَرْقَنْدِي (ت539هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، بدون تاريخ طبع.
7. تنوير الأبصار وجامع البحار: لمحمد بن عبد الله الخطيب التُّمُرْتاشي الغَزَّي الحَنَفي (ت1004هـ)، مطبعة الترقي بحارة الكفارة، 1332هـ.
8. حاشية الطَّحْطَاوي على مراقي الفلاح: لأحمد بن محمد الطَّحْطَاوِيّ الحنفي (ت1231هـ)، تحقيق: محمد عبد العزيز الخالدي، دار الكتب العلمية، ط1، 1418هـ.
9. حلبي صغير: لإبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحَلَبي (ت956هـ)، مطبوع في اسطنبول، 1303هـ.
10. الدر المختار شرح تنوير الأبصار: لمحمد بن علي بن محمد الحصكفي الحنفي (ت1088هـ)، مطبوع في حاشية رَدّ المُحْتَار، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
11. درر الحكام شرح غرر الأحكام: لمحمد بن فرامُوز بن علي الحنفي المعروف بـ (مُلا خسرو) (ت885هـ)، الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ، وأيضاً: طبعة در سعادت، 1308هـ. وأيضاً: دار إحياء الكتب العربية
12. ردّ المحتار على الدر المختار: لمحمد أمين بن عمر ابن عابدين الحنفي (1198 - 1252هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
13. شرح الوقاية: لعبيد الله بن مسعود صدر الشريعة (ت747)، ت: د صلاح أبو الحاج، دار الوراق، عمان، ط1، 2005م.
14. شرح عقود رسم المفتي. دار البشائر الإسلامية. ط1. 2015م. تحقيق: د. صلاح أبو الحاج.
15. عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية: لعبد الحي اللكنوي (1264 - 1304هـ)، المطبع المجتبائي، دهلي، 1340هـ، وأيضاً: ت: د. صلاح أبو الحاج، دار الكتب العلمية، ط1، 2008م.
16. العناية على الهداية: لأكمل الدين محمد بن محمد الرومي البَابَرْتي (ت786هـ)، بهامش فتح القدير للعاجز الفقير، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
17. غرر الأحكام: لمحمد بن فرامُوز ملا خسرو (ت885هـ)، مطبوع مع شرحه درر الحكام، در سعادت، 1308هـ.
18. غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام (الشرنبلالية): لحسن بن عمار بن علي الشرنبلالي (ت1069هـ)، در سعادت، 1308هـ، وأيضاً: طبعة الشركة الصحفية العثمانية، 1310هـ.
19. فتح القدير للعاجز الفقير على الهداية: لمحمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السكندري السيواسي كمال الدين الشهير بـ (ابن الهمام) (790 - 861هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، وأيضاً: طبعة دار الفكر.
20. كنْز الدقائق: لأبي البركات عبد الله بن أحمد النَّسَفِي حافظ الدين (ت701هـ)، اعتنى به: إبراهيم الحنفي الأزهري، طبع بالمطبعة الحميدية المصرية بالمناصرة بمصر، 1328هـ.
21. مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر: لعبدِ الرَّحمنِ بنِ محمد الرُّومي المعروف بـ (شيخِ زاده) (ت 1078هـ)، دار الطباعة العامرة، 1316.
22. المختار: لعبد الله بن محمود الموصلي (ت683هـ)، تحقيق: زهير عثمان، دار الأرقم، بدون تاريخ طبع، مع شرحه الاختيار.
23. ملتقى الأبحر: لإبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحَلَبي (ت956هـ)، مطبعة علي بك، 1291هـ، وأيضاً: بتحقيق: وهبي سليمان غاوجي الألباني، مؤسسة الرسالة، ط1، 1409هـ.
24. منحة السلوك في شرح تحفة الملوك: لأبي محمد محمود بن أحمد العَيْنِي بدر الدين (762 - 855هـ)، تحقيق: محمد فاروق البدري، بإشراف: د. محيي هلال السرحان، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، ج2، 1421هـ.
25. منية المصلي وغنية المبتدي: لسديد الدين محمد بن محمد الكاشغري (ت705هـ)، مطبعة محمدي، بمبئ، 1313هـ.
26. الهداية شرح بداية المبتدي: لأبي الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني (ت593هـ)، مطبعة مصطفى البابي، الطبعة الأخيرة، بدون تاريخ طبع.
27. هدية الصعلوك شرح تحفة الملوك: لمحرم بن محمد الزيلي، ايدنمشدر، 1295هـ.
28. وقاية الرواية في مسائل الهداية: لمحمود بن عبيد الله تاج الشريعة، ت: د. صلاح أبو الحاج، مع شرحها لصدر الشريعة، دارالوراق، عمان، ط1، 2005م.